Полный текст (1 030 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
٥١٦ - " إِن الله لم ينظر إِلَى الدُّنْيَا مذ خلقهَا ".
فَلَيْسَ إِذْ نَفينَا النّظر فِي حَال دلّ عَلَى نفي ذَلِكَ فِي الْجُمْلَة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وَلم يدل عَلَى نفي الْكَلَام بِالْجُمْلَةِ.
فُصُول مستخرجه من كتب السّنة
فصل من كتاب الرَّد عَلَى أهل الْأَهْوَاء لأبي زرْعَة الرَّازِيّ
ذكر بِإِسْنَادِهِ عَن أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ:
٥١٧ - خرج علينا رَسُول الله ﷺ َ - وَنحن نذْكر الْفقر ونتخوفه فَقَالَ: " الْفقر تخافون، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لتصبن عَلَيْكُم الدُّنْيَا صبا حَتَّى لَا يزِيغ قلب أحد مِنْكُم إِلَّا هيه، وأيم الله لأتركنكم عَلَى الْبَيْضَاء لَيْلهَا ونهارها سَوَاء ".
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء: صدق رَسُول الله ﷺ َ - تركنَا وَالله عَلَى الْبَيْضَاء لَيْلهَا ونهاراها سَوَاء.
стр. 982
٥١٨ - وَرُوِيَ عَن أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ ﵁: من أكل طيبا وَعمل فِي سنة وَأمن النَّاس بوائقه دخل الْجنَّة، فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله: إِن هَذَا الْيَوْم فِي النَّاس لكثير. قَالَ: " وسيكون فِي قُرُون بعدِي ".
وَعَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: من بلغه حَدِيث فكذب بِهِ فقد كذب ثَلَاثَة، كذب الله وَرَسُوله، وَالَّذِي حَدثهُ.
٥١٩ - وَقَالَ معَاذ بن جبل ﵁: التَّكْذِيب بِحَدِيث رَسُول الله ﷺ َ - نفاق.
وَقَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ: إِذا حدثت الرجل بِالسنةِ فَقَالَ: دَعْنَا من هَذَا وَحدثنَا الْقُرْآن فَأعْلم أَنه ضال .
٥٢٠ - وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ليَأْتِيَن عَلَى النَّاس زمَان يحدثُونَ بِأَحَادِيث رَسُول الله ﷺ َ - فَيقوم أحدهم فينفض ثَوْبه يَقُول: لَا إِلَّا الْقُرْآن، وَمَا يعْمل من الْقُرْآن بِحرف ".
وَعَن مَالك بن أنس عَن ربيعَة بن أَبِي عبد الرَّحْمَن قَالَ: إِن الله ﵎ أنزل الْقُرْآن وَترك فِيهِ مَوضِع السّنة .
стр. 983
فصل من كتاب السّنة لعبد الله بن أَحْمَد بن حَنْبَل ﵀
ذكر فِي كِتَابه بِإِسْنَادِهِ عَن الشّعبِيّ قَالَ: لَو شِئْت أَن يمْلَأ لي بَيْتِي هَذَا وَرقا عَلَى أَن أكذب لَهُم عَلَى عَليّ ﵁ لفَعَلت، وَالله لَا أكذب عَلَيْهِ أبدا.
وَرُوِيَ عَنهُ قَالَ: مَا رَأَيْت قوما أَحمَق من الشِّيعَة لَو أردْت أَن يملؤا لي بَيْتِي هَذَا لملؤه.
وَرُوِيَ عَنهُ: لَو كَانَت الشِّيعَة من الطير لكَانَتْ رخما، وَلَو كَانَت من الْبَهَائِم لكَانَتْ حمرا.
وَقَالَ عَلْقَمَة: لقد غلت هَذِهِ الشِّيعَة فِي عَليّ كَمَا غلت النَّصَارَى فِي عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ -
стр. 984
فصل
٥٢١ - رُوِيَ عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد عَليّ ﵁ إِذْ جَاءَ رجل عَلَيْهِ ثِيَاب السّفر مَا اسْتَأْذن عَلَى عَليّ ﵁ وَهُوَ يكلم النَّاس فشغل عَنهُ فأقبلنا فَسَأَلْنَاهُ من أَيْن قدمت؟ قَالَ: خرجت مُعْتَمِرًا فَلَقِيت عَائِشَة ﵂ فَقَالَت مَا هَؤُلاءِ الَّذين خَرجُوا من بِلَادكُمْ يسمون الحرورية قلت خَرجُوا من أَرْضنَا إِلَى مَكَان يُسمى حرورا بِهِ يدعونَ. قَالَت: " طُوبَى لمن قَتلهمْ، أما وَالله لَو شَاءَ ابْن أَبِي طَالب لخبركم خبرهم. قَالَ: فَأهل عَليّ وَكبر، ثمَّ أهل وَكبر فَقَالَ: إِنِّي دخلت عَلَى رَسُول الله ﷺ َ -، وَعِنْده عَائِشَة فَقَالَ لي: كَيفَ أَنْت وَقوم كَذَا وَكَذَا؟ قلت: الله وَرَسُوله أعلم، قَالَ: " قوم يخرجُون من قبل الْمشرق يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوز تراقيهم، يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية، فيهم رجل مُخْدج الْيَد كَأَن يَده ثدي حبشية "، أنْشدكُمْ الله هَل خبرتكم أَنه
стр. 985
فيهم فأتيتموني فأخبرتموني أَنه لَيْسَ فيهم، فَحَلَفت بِاللَّه لكم أَنه فيهم فأتيتموني تسحبونه كَمَا نعت لكم؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نعم. قَالَ: فَأهل عَليّ وَكبر.
٥٢٢ - وَعَن ربيعَة بن ناجذ عَن عَليّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " فِيك مثل من عِيسَى، أبغضه يهود حَتَّى بهتُوا أمه، وأحبه النَّصَارَى حَتَّى أنزلوه بالمنزلة الَّتِي لَيْسَ لَهَا ".
ثمَّ قَالَ عَليّ ﵁: هلك فِي رجلَانِ محب مفرط، ومبغض مفرط يقرظني بِمَا لَيْسَ فِي، ومبغض يحملهُ شنآني عَلَى أَن يَنْتَهِي .
٥٢٣ - وَعَن قيس بن عباد قَالَ: قَالَ عَليّ: ﵁ لِابْنِهِ الْحسن يَوْم الْجمل: يَا حسن لَيْت أَن أَبَاك مَاتَ من عشْرين سنة. فَقَالَ لَهُ الْحسن: يَا أَبَت قد كنت أَنهَاك عَن هَذَا. قَالَ: يَا بني لم أر أَن الْأَمر يبلغ هَذَا.
وَقَالَ عبد الله: سَمِعت أَبِي يَقُول: السّنة فِي التَّفْصِيل الَّذِي يذهب إِلَيْهِ مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر ﵁:
стр. 986
٥٢٤ - كُنَّا نقُول: أَبُو بكر، وَعمر، وَعُثْمَان ... أما الْخلَافَة فَيذْهب إِلَى حَدِيث.
٥٢٥ - سفينة. فَيَقُول: أَبُو بكر، وَعمر، وَعُثْمَان، وَعلي فِي الْخُلَفَاء.
ونستعمل الْحَدِيثين جَمِيعًا، وَلَا نعيب عَلَى من ربع بعلي لِقَرَابَتِهِ وصهره وإسلامه الْقَدِيم وعدله. قلت لأبي: إِن قوما يَقُولُونَ: إِنَّه لَيْسَ بخليفة قَالَ: هَذَا قَول سوء رَدِيء، وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - يَقُولُونَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. أفنكذبهم، وَقد حج النَّاس، وَقطع، ورجم، أَيكُون هَذَا إِلَّا خَليفَة؟ قلت لأبي من احْتج بِحَدِيث عُبَيْدَة .
стр. 987
٥٢٦ - أَنه قَالَ لعَلي ﵁ رَأْيك فِي الْجَمَاعَة أحب إِلَيّ من رَأْيك فِي الْفرْقَة.
فَقَالَ أَبِي: إِنَّمَا أَرَادَ أَمِير الْمُؤمنِينَ. بذلك يضع من نَفسه بتواضع، قَوْله: خبطتنا فتْنَة، تواضع بذلك.
٥٢٧ - وَعَن سفينة عَن النَّبِي ﷺ َ - فِي الْخلَافَة ثَلَاثُونَ. قَالَ سفينة: فَخذ سنتي أَبُو بكر، وَعشر عمر، وثنتي عشرَة عُثْمَان، وست عَليّ .
٥٢٨ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: لما أسس النَّبِي ﷺ َ - مَسْجِد الْمَدِينَة جَاءَ النَّبِي ﷺ َ - بِحجر فَوَضعه، وَجَاء أَبُو بكر بِحجر فَوَضعه، ثمَّ جَاءَ عمر بِحجر فَوَضعه، ثمَّ جَاءَ عُثْمَان بِحجر فَوَضعه، ثمَّ قَالَ: هَؤُلاءِ أُمَرَاء الْخلَافَة من بعدِي.
٥٢٩ - وَفِي رِوَايَة سفينة عَن النَّبِي ﷺ َ -: ثَلَاثُونَ سنة قَالَ سفينة: فأتمهما عَليّ ﵁ ثَلَاثِينَ .
فصل
لَا صَلَاة إِلَّا بِقِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب سَوَاء أَن كَانَ الْمَرْء إِمَامًا أَو مَأْمُوما لحَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ -.
стр. 988
٥٣٠ - " لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب " وَرفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة عِنْد افتتاحها، وَعند الرُّكُوع، وَعند رفع الرَّأْس سنة مسنونة وَهِي من عَلَامَات أهل السّنة. وإفراد الْإِقَامَة، وتثنية الْأَذَان، سنة مسنونة لما رَوَى أنس ﵁ قَالَ:
٥٣١ - أَمر بِلَال أَن يشفع الْأَذَان، ويوتر الْإِقَامَة. وَكَانَ الْآمِر رَسُول الله ﷺ َ - مُبين ذَلِكَ فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن سَعِيد بن الْمسيب:
٥٣٢ - أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لعبد الله بن زيد: " ألقه عَلَى بِلَال فَإِنَّهُ أندى صَوتا مِنْك ". وَأما مَا رُوِيَ فِي حَدِيث أَبِي مَحْذُورَة:
٥٣٣ - من تَرْجِيع الْأَذَان، وتثنية الْإِقَامَة. فَصَحِيح أَيْضا وَهُوَ من
стр. 989
اخْتِلَاف الْمُبَاح.
وَالْوتر لَيْسَ بِفَرْض إِن أحب أوتر بِرَكْعَة وَإِن شَاءَ بِثَلَاث، بتسليمتين وَقَالَ بعض الْعلمَاء: إِن أَرَادَ فبخمس، بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة وجلسة وَاحِدَة، وَإِن أَرَادَ فبسبع، بجلستين فِي السَّادِسَة، وَالسَّابِعَة، وتسليمة وَاحِدَة، وَإِن أَرَادَ فبتسع، بجلستين فِي الثَّامِنَة والتاسعة بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة.
стр. 990
وَأَدَاء الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت أفضل الْأَعْمَال إِلَّا الظّهْر فِي شدَّة الْحر وَالْعشَاء إِذا لم يخف الإِمَام ضعف الضَّعِيف.
قَالَ بعض الْعلمَاء: وَمن عَلامَة أَصْحَاب الحَدِيث أَدَاء الصَّلَاة فِي أول وَقت، وَصدق اللهجة، والتهجد بِاللَّيْلِ، وَكِتَابَة الحَدِيث والرحلة فِيهِ وَالنَّفقَة فِيهِ.
فصل
وعَلى الْمَرْء محبَّة أهل السّنة أَي مَوضِع كَانُوا رَجَاء محبَّة الله لَهُ كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -:
٥٣٤ - " وَجَبت محبتي للمتحابين فِي والمتجالسين فِي والمتلاقين فِي ".
وَعَلِيهِ بغض أهل الْبدع أَي مَوضِع كَانُوا حَتَّى يكون مِمَّن أحب فِي الله وَأبْغض فِي الله، ولمحبة أهل السّنة عَلامَة، ولبغض أهل الْبِدْعَة عَلامَة، فَإِذا رَأَيْت الرجل يذكر مَالك بن أنس، وسُفْيَان بن سَعِيد الثَّوْريّ، وَعبد الرَّحْمَن ابْن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ، عبد الله بن الْمُبَارك، وَمُحَمّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي، وَالْأَئِمَّة المرضيين بِخَير فَأعْلم أَنه من أهل السّنة، وَإِذا رَأَيْت الرجل يُخَاصم فِي دين الله
стр. 991
ويجادل فِي كتاب الله فَإِذا قيل لَهُ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -، قَالَ: حَسبنَا كتاب الله فَأعْلم أَنه صَاحب بِدعَة، وَإِذا رَأَيْت الرجل إِذا قيل لَهُ لم لَا تكْتب الحَدِيث؟ يَقُول: الْعقل أولى فَأعْلم أَنه صَاحب بِدعَة، وَإِذا رَأَيْته يمدح الفلسفة والهندسة ويمدح الَّذين ألفوا الْكتب فِيهَا فَأعْلم أَنه ضال، وَإِذا رَأَيْت الرجل يُسَمِّي أهل الحَدِيث حشوية، أَو مشبهة، أَو ناصبة فَأعْلم أَنه مُبْتَدع، وَإِذا رَأَيْت الرجل يَنْفِي صِفَات الله، أَو يشبهها بِصِفَات المخلوقين فَأعْلم أَنه ضال.
قَالَ عُلَمَاء أهل السّنة: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مُبْتَدع إِلَّا وَقد نزع حلاوة الحَدِيث من قلبه.
فصل
وَمن السّنة العقد عَلَى النِّسَاء الثّيّب اللَّاتِي لَا أَوْلِيَاء لَهُنَّ إِلَى الإِمَام لَا إِلَى أَنْفسهنَّ، وَأَن كل شراب يسكر كَثِيرَة فقليله حرَام، سَوَاء اتخذ من
стр. 992
زبيب، أَو عِنَب، أَو عسل، أَو شعير، أَو ذرة وَأَن من شربهَا كَانَ عَلَى الإِمَام إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ.
وَأَن الأوتار والمزامير كلهَا من فعل الشَّيْطَان لَا يحل لمُسلم أَن يسْمعهَا أَو يستعملها فَإِن فعل ذَلِكَ كَانَ عَاصِيا آثِما.
وَالشَّمْس تطلع من مغْرِبهَا فِي آخر الزَّمَان عَلَى مَا جَاءَت الْأَخْبَار الصَّحِيحَة فِيهِ دون قَول من أنكر ذَلِكَ، فَالله قَادر عَلَى إطلاعها من مغْرِبهَا كَمَا هُوَ قَادر عَلَى إطلاعها من مشرقها.
٥٣٥ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنْ النَّبِي ﷺ َ -: " إِن الشَّمْس تغرب فِي كل لَيْلَة فَتَقَع تَحت الْعَرْش سَاجِدَة فَتَسْتَأْذِن لَهَا بالطلوع من مطْلعهَا فَإِذا قربت الْقِيَامَة تستأذن فَيُؤذن لَهَا بالطلوع من مغْرِبهَا "
فصل
قَالَ بعض الْعلمَاء: الدّين لَا يدْرك بِالْعقلِ، وَالْعقل نَوْعَانِ غريزي واكتسابي، فالغريزي مَا يكون مَوْجُودا مَعَ الْمَوْلُود كعقله للارتضاع وَأكل الطَّعَام وضحكه مِمَّا يسره وبكائه مِمَّا لَا يهواه وامتناعه مِمَّا يضرّهُ، كل هَذَا يعقله بِالْعقلِ الغريزي .
стр. 993
وأصل الْعقل فِي اللُّغَة الْحَبْس، وَالْحَيَوَان قد يحبس نَفسه عَمَّا يضرّهُ وَذَلِكَ إلهام يَدعُوهُ إِلَى مَا يَنْفَعهُ حَتَّى لَا يقرب مِمَّا فِيهِ ضَرَره وهلاكه، بل ينفر مِنْهُ وَلَا يَأْكُل مِمَّا يضر بِهِ، أَو يكون سما من النَّبَات وَغَيره.
ثمَّ يكْتَسب الصَّبِي زِيَادَة فِي الْعقل عَلَى مُرُور الْأَيَّام إِلَى أَن يبلغ أَرْبَعِينَ سنة، فَحِينَئِذٍ يكمل عقله قَالَ الله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا بلغ أشده وَبلغ أَرْبَعِينَ سنة﴾ أَي بلغ كَمَال الْعقل، وَبلغ أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ بعد ذَلِكَ يَأْخُذ عقله فِي النُّقْصَان إِلَى أَن يخرف وَتلك زِيَادَة عقل اكتسابي، فَأَما الْعلم يكون كل يَوْم فِي زِيَادَة، ومنتهى تعلم الْعلم يَنْتَهِي الْعُمر، فالإنسان لَا يصير مستغنيا عَن زِيَادَة الْعلم مَا دَامَ بِهِ رَمق وَقد يَسْتَغْنِي عَن زِيَادَة الْعقل إِذا بلغ منتهاه، وَهَذَا يدل عَلَى أَن الْعقل أَضْعَف من الْعلم، وَأَن الدّين لَا يدْرك بِهِ لضَعْفه وقلته، وَيدْرك بِالْعلمِ لقُوته وكثرته، وَيدل عَلَى ذَلِكَ أَن الْعَاقِل إِذا جن ذهب عَنهُ الْعقل الاكتسابي وَلم يتعهد إِلَى أَمر الْآخِرَة، وَمَا يتَعَلَّق بِالدّينِ وَبَقِي مَعَه الْعقل الغريزي يفعل مَا يَفْعَله الصَّبِي، وعقل نَفسه عَمَّا يعقله، وَلم يذهب عَنهُ
стр. 994
مَا يتَعَلَّق بالأمور الدنوية من الْأكل وَالشرب والإمساك عَمَّا يضر بِهِ والإسراع إِلَى مَا يَنْفَعهُ، فَدلَّ أَن قَلِيل الْعقل وَكَثِيره لَا مجَال لَهُ فِي الدّين مَا لم تنضم إِلَيْهِ قرينَة، وَلِأَن الْعقل يتَضَمَّن ظنا وشكا، لِأَن الْعَاقِل إِذا قَالَ شَيْئا فِي أَمر الدّين يعقله قَالَ كَذَا يُوجب عَقْلِي فيكل علم ذَلِكَ إِلَى عقله وظنه والعالم يَقُول: هَذَا الَّذِي أعلمهُ يَقِينا وأتحققه.
وَمن الدَّلِيل عَلَى ضعف الْعقل أَن الدّين لَا يدْرك بِهِ أَن الله تَعَالَى ذمّ الْمُنَافِقين الَّذين كَانُوا يرجعُونَ فِي نفاقهم إِلَى عُقُولهمْ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ من بعد مَا عقلوه وهم يعلمُونَ﴾ أَي من بعد مَا قَالُوا: وقفنا عَلَى كَلَام الله تَعَالَى بعقولنا وهم يعلمُونَ بطلَان مَا أدركوه بعقولهم.
فَدلَّ هَذَا عَلَى أَن معنى كَلَام الله لَا يدْرك بِالْعقلِ وَإِنَّمَا يدْرك بِالْعلمِ، وَلِأَن الْعقل لَا مجَال لَهُ فِي إِدْرَاك الدّين بِكَمَالِهِ وبالعلم يدْرك بِكَمَالِهِ، وَلِأَن الْعلم يستحسن أَشْيَاء فِي الدّين وَلَا يردهَا شرعا ويستقبحها الْعقل ويردها طبعا فَإِن مجامعة الزَّوْج امْرَأَته يردهَا الْعقل ويحسنها الْعلم وَالشَّرْع، وَأكل الْميتَة
стр. 995
كالسمك وَالْجَرَاد، وَأكل الدَّم كالكبد وَالطحَال، وَأكل الكرش الَّذِي هُوَ وعَاء ... والنجاسات، وَإِن غسل وطهر بِالْمَاءِ فَإِن الطَّبْع ينفر عَن تنَاوله وَالْعلم يحله، وَكَذَلِكَ قتل الْحَيَوَان من الصَّيْد وَالدَّوَاب يُنكره الْعقل لَا سِيمَا قتل الْإِنْسَان، وَالشَّرْع وَالْعلم يحله إِذا كَانَ وَاجِبا.
فَبَان أَن الْعقل لَا مجَال لَهُ فِي دَرك الدّين إِذا كَانَ مُنْفَردا عَن قرينه وَلَو كَانَ لِلْعَقْلِ مجَال فِي الدّين يدْرك بِهِ الدّين لَكَانَ الْعُقَلَاء من الْكفَّار لَا يصرون عَلَى الْكفْر ويبصرون الدّين القويم لَا سِيمَا كفار قُرَيْش الَّذين كَانُوا معروفين بوفور الْعقل وأصالة الرَّأْي حَتَّى وَصفهم الله تَعَالَى فِي كِتَابه فَقَالَ: ﴿أم تَأْمُرهُمْ أحلامهم بِهَذَا﴾ أَي عُقُولهمْ فَدلَّ أَن الْعقل لَا يهدي إِلَى الدّين.
٥٣٦ - وَقَالَ بعض الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم: لَو كَانَ الدّين بِالْعقلِ لَكَانَ بَاطِن الْخُف أولى بِالْمَسْحِ من ظَاهره.
وَلِأَن الْخَارِج النَّجس من مخرج الْحَدث يُوجب غسل بعض أَعْضَاء الْجَسَد وَالْخَارِج الَّذِي هُوَ طَاهِر فِي قَول كثير من الْعلمَاء يُوجب غسل
стр. 996
الْبدن كُله، وَهَكَذَا التَّيَمُّم وَلَو كَانَ بِالرَّأْيِ لَكَانَ عَلَى أَعْضَاء الْوضُوء، أَو عَلَى جَمِيع الْبدن.
وَلَو كَانَ الْعقل يُغني لما أَمر الله تَعَالَى نبيه ﷺ َ - بالمشاورة فِي الْأَمر مَعَ تَمام عقله ووفور رَأْيه فَقَالَ: ﴿وشاروهم فِي الْأَمر﴾ أَي لَا تتكل عَلَى عقلك وَحده، فَدلَّ هَذَا عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
قَالَ بعض الْعلمَاء: لَا يُوصف الله بِكَوْنِهِ عَاقِلا ويوصف بِكَوْنِهِ عَالما فَدلَّ أَن الْعلم أقوى من الْعقل .
فُصُول مستخرجه من كتب السّنة
قَالَ أهل السّنة: الْكَفّ عَن مساويء أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ َ - سنة لِأَن تِلْكَ المساويء لم تكن على الْحَقِيقَة مساويء فالصحابة ﵃ كَانُوا
стр. 997
أخير النَّاس وهم أَئِمَّة لمن بعدهمْ، وَالْإِمَام إِذا لَاحَ لَهُ الْخَيْر فِي شَيْء حَتَّى فعله لَا يجب أَن يُسمى ذَلِكَ الشَّيْء إساءة. إِذْ المساويء مَا كَانَ عَلَى اخْتِيَار فِي قصد الْحق من غير إِمَام، فَكيف تعد أفعالهم مساويء وَقد أَمر الله بالاقتداء بهم، طهر الله قُلُوبنَا من الْقدح فيهم وألحقنا بهم.
فصل
ونعتقد أَن الْمُؤمن يبشر عِنْد الْمَوْت بِالروحِ والراحة حَتَّى يحب لِقَاء الله وَيُحب الله لقاءه، وَأَن الْكَافِر يبشر بِالْعَذَابِ عِنْد الْمَوْت حَتَّى يكره لِقَاء الله وَيكرهُ الله لقاءه.
وَقَالَ بعض الْعلمَاء: يُحَاسب الله عباده فِي الْقِيَامَة ويناقشهم. يُحَاسب بِالْعرضِ من قضى لَهُ بالمغفرة ويناقش بِالْحِسَابِ من قضى عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ.
стр. 998
وَيُحَاسب الْكَافِر غير أَن الْمُؤمن عاقبته الْجنَّة، وَالْكَافِر عاقبته النَّار قَالَ الله : ﴿وَأما من أُوتِيَ كِتَابه بِشمَالِهِ فَيَقُول يليتني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ياليتها كَانَت القاضية﴾ . وَقَالَ: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوف يَدْعُو ثبوراً وَيُصلي سعيراً﴾ . وَقَالَ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نكراً﴾ فالكفار يُعْطون كتبهمْ بشمالهم، والمؤمنون يُعْطون كتبهمْ بيمينهم قَالَ الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فسوق يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾
فصل
وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر ركنان وثيقان من أَرْكَان الدّين يجب عَلَى الْمَرْء أَن لَا يهملهما.
فصل
والمطيع لله يحب أَن يحب لطاعته، وَإِن كَانَ فِي خلال ذَلِكَ بعض الْمعاصِي، والمعاصي لله يجب أَن يبغض لمعصيته وَإِن كَانَ فِي خلال ذَلِكَ بغض
стр. 999
الطَّاعَة، فَمن كَانَت طَاعَته أَكثر ازْدَادَ إيمَانه وَوَجَبَت محبته، وَمن كَانَت مَعَاصيه أَكثر انْتقصَ إيمَانه وَوَجَب بغضه حَتَّى يحصل الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله.
فصل
وَالتَّوْبَة مَقْبُولَة مَا لم يُغَرْغر الْمَرْء بِنَفسِهِ، وَمَا لم تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا، وَحكم الْمُرْتَدَّة حكم الْمُرْتَد لَا يتربص بهَا إِلَّا لأحد أَمريْن إِمَّا أَن تتوب وَترجع إِلَى الْإِسْلَام، وَإِمَّا أَن تقتل كَمَا يقتل الْمُرْتَد.
فصل
وَأَصْحَاب الحَدِيث لَا يرَوْنَ الصَّلَاة خلف أهل الْبدع لِئَلَّا يرَاهُ الْعَامَّة فيفسدون بذلك.
стр. 1000
فصل
وَأهل السّنة يطلقون مَا أطلق الله فِي كِتَابه وَمَا أطلقهُ رَسُوله فِي سنته مثل السّمع وَالْبَصَر وَالْوَجْه وَالنَّفس والقدم والضحك من غير تكييف وَلَا تَشْبِيه وَلَا ينفون صِفَاته كَمَا نفت الْجَهْمِية، وَمن زعم أَن الله يرى فِي الدُّنْيَا فَهُوَ ضال لَا يرَاهُ أحد فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ خلق فِي دَار الفناء للفناء، وَلَا يرَاهُ أحد فِي دَار الفناء بِالْعينِ الفانية، فَإِذا أَحْيَاهُ الله فِي الْقِيَامَة للبقاء يرى بِالْعينِ الْبَاقِيَة الرب الْبَاقِي فِي دَار الْبَقَاء وَالْأَخْبَار الصَّحِيحَة فِي هَذَا الْبَاب تغني عَن الِاسْتِدْلَال بِالنّظرِ، والعقول.
فصل
وَالنَّبِيّ ﷺ َ - شقّ صَدره فَأخْرج مِنْهُ حَظّ الشَّيْطَان ثمَّ أُعِيد مَكَانَهُ معْجزَة لَهُ خَاصَّة دون الْبشر. إِذْ الْبشر لَو فعل ذَلِكَ بهم مَاتُوا .
فصل
وَلَا نعارض سنة النَّبِي ﷺ َ - بالمعقول لِأَن الدّين إِنَّمَا هُوَ الانقياد وَالتَّسْلِيم دون الرَّد إِلَى مَا يُوجِبهُ الْعقل، لِأَن الْعقل مَا يُؤَدِّي إِلَى قبُول السّنة فَأَما مَا يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالهَا فَهُوَ جهل لَا عقل.
стр. 1001
وَترك مجالسة أهل الْبِدْعَة، ومعاشرتهم سنة لِئَلَّا تعلق بقلوب ضعفاء الْمُسلمين بعض بدعتهم، وَحَتَّى يعلم النَّاس أَنهم أهل الْبِدْعَة، وَلِئَلَّا يكون مجالستهم ذَرِيعَة إِلَى ظُهُور بدعتهم.
والخوض فِي الْكَلَام المذموم، ومجانبة أَهله محمودة ليعلم أَنهم ناكبون عَن طَرِيق الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم.
فصل
ظَهرت الْمُعْتَزلَة فقدحت فِي كتاب الله، وَقَالَت: بِخلق الْقُرْآن، وقدحت فِي أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ َ -، وَقَالَت: لَا تصح، وَسموا أَصْحَاب الحَدِيث حشوية، وَقَالُوا: الْخَبَر يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب وكل مَا تردد بَين الصدْق وَالْكذب فَهُوَ شكّ، وتأولت أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته، وَقَالَت: إِن الله لَا يَشَاء الْمعاصِي وَلَا يقدرها عَلَى العَبْد، ونفت حَدِيث النُّزُول، وَحَدِيث الْقدَم ، والأصبع أَرَادوا نقض أصُول الدّين فَلَمَّا لم يتم لَهُم مَا قصدوه تَبِعَهُمْ الْكلابِي فَوضع كلَاما ظَاهره مُوَافق، وباطنه موبق، وَقَالَ: لَا أَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق، وَلَكِن أَقُول إِن الَّذِي فِي مَصَاحِفنَا لَيْسَ كَلَام الله، وَلكنه عبارَة عَن كَلَامه، وَكَلَامه قديم قَائِم بِذَاتِهِ، وَلَا أنفي الاسْتوَاء، وَلَكِن لَا أَقُول: اسْتَوَى بِذَاتِهِ وَلَا أنفي الْيَد، وَالْوَجْه، وَلَكِن أتأولها، فتأولهما تَأْوِيلا ذهب عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة والتابعون.
стр. 1002
فصل
وَقد عرج النَّبِي ﷺ َ - إِلَى السَّمَاء لَيْلَة الْمِعْرَاج حَتَّى رأى مَا فِي السَّمَوَات من الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة، وَرَأى ربه ، وَلم يكن ذَلِكَ نوم بل كَانَ فِي يقظة إِذْ لَو كَانَ فِي النّوم لاستوى فِيهِ مَعَه ﷺ َ - الْبشر كلهم لأَنهم يرَوْنَ فِي منامهم السَّمَوَات وَالْمَلَائِكَة والأنبياء وَالْجنَّة وَالنَّار وَغير ذَلِكَ، بل كَانَت ذَلِك معْجزَة من معجزات النَّبِي ﷺ َ -.
فصل ذكره بعض الْعلمَاء قَالَ
المتأول إِذا أَخطَأ وَكَانَ من أهل عقد الْإِيمَان نُظِرَ فِي تَأْوِيله فَإِن كَانَ قد تعلق بِأَمْر يُفْضِي بِهِ إِلَى خلاف بعض كتاب الله، أَو سنة يقطع بهَا الْعذر، أَو إِجْمَاع فَإِنَّهُ يكفر وَلَا يعْذر. لِأَن الشُّبْهَة الَّتِي يتَعَلَّق بهَا من هَذَا ضَعِيفَة لَا يُقَوي قُوَّة يعْذر بهَا لِأَن مَا شهد لَهُ أصل من هَذَا الْأُصُول فَإِنَّهُ فِي غَايَة
стр. 1003
الوضوح وَالْبَيَان فَلَمَّا كَانَ صَاحب هَذِهِ الْمقَالة لَا يصعب عَلَيْهِ دَرك الْحق، وَلَا يغمض عِنْده بعض مَوضِع الْحجَّة لم يعْذر فِي الذّهاب عَن الْحق، بل عمل خِلَافه فِي ذَلِكَ عَلَى أَنه عناد وإصرار، وَمن تعمد خلاف أصل من هَذِهِ الْأُصُول وَكَانَ جَاهِلا لم يقْصد إِلَيْهِ من طَرِيق العناد فَإِنَّهُ لَا يكفر، لِأَنَّهُ لم يقْصد اخْتِيَار الْكفْر وَلَا رَضِي بِهِ وَقد بلغ جهده فَلم يَقع لَهُ غير ذَلِكَ، وَقد أعلم الله سُبْحَانَهُ أَنه لَا يُؤَاخذ إِلَّا بعد الْبَيَان، وَلَا يُعَاقب إِلَّا بعد الْإِنْذَار فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هدَاهُم﴾ فَكل من هداه الله وَدخل فِي عقد الْإِسْلَام فَإِنَّهُ لَا يخرج إِلَى الْكفْر إِلَّا بعد الْبَيَان.
وَمن بلغ من الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض فِي الْمَذْهَب أَن يكفر الصَّحَابَة، وَمن الْقَدَرِيَّة أَن يكفر من خَالفه من الْمُسلمين، وَلَا نرى الصَّلَاة خَلفهم، وَلَا نرى أَحْكَام قضاتهم وقضائهم جَائِزَة، وَرَأى السَّيْف واستباح الدَّم فَهَؤُلَاءِ لَا شَهَادَة لَهُم.
قَالَ: ومشايخ أهل الحَدِيث قد أطْلقُوا القَوْل بتكفير الْقَدَرِيَّة، وَكَفرُوا من قَالَ: بِخلق الْقُرْآن.
وَقَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء: قد نطق الْكَلِمَة عَلَى الشَّيْء لنَوْع من التَّمْثِيل وَلَا يحكم بحقيقتها عِنْد التَّفْصِيل.
٥٣٧ - قَالَ النَّبِي ﷺ َ -: سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر "
стр. 1004
٥٣٨ - وَقَالَ: المراء فِي الْقُرْآن كفر.
٥٣٩ - وَقَالَ: بَين العَبْد وَالْكفْر ترك الصَّلَاة.
فصل
قَالَ الْحَارِث المحاسبي: اعتزل مُحَمَّد بن مسلمة، وَأَبُو مُوسَى وَأُسَامَة وَابْن عمر، وَأنس، وَأَبُو مَسْعُود، وَجَمَاعَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - فِي وَاحِد مِنْهُم الْقدْوَة، وَلم يقاتلوا، وأشكل الْأَمر إِذْ لم يبين فِي آيَة وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع من الْأمة فامسكنا عَن الدِّمَاء أَن نقُول فِيهَا شَيْئا لاخْتِلَاف أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - /، وَشَهِدْنَا لعَلي ﵁ أَنه أَحَق بهَا، وَلم يسْتَقرّ الْعلم عندنَا بِآيَة وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع أَن لَهُ أَن يُقَاتل فَهُوَ عندنَا عَلَى فضيلته وسابقته الأولى، وَلم يتَبَيَّن لنا فِي قِتَاله خطأ يشْهد بِهِ عَلَيْهِ، وَلَا اسْتَقر عندنَا الْعلم بِهِ فنقطع بِهِ، وَلَكِن نمسك إِذْ أشكل الْأَمر علينا وَنكل علم ذَلِكَ إِلَى الله عَزَّ
стр. 1005
وَجل قد أشكل ذَلِكَ عَلَى أَئِمَّة قبلنَا مِنْهُم سعد ﵁، واعتزاله، وَقَوله: إِن أَتَيْتُمُونِي بِسيف يعرف الْمُؤمن من الْكَافِر قَاتَلت مَعكُمْ، فَدلَّ بقوله هَذَا أَن قتل الْمُؤمن حرَام، وَأَن قتل الْكَافِر حَلَال، وَأَن سَيْفه لَيْسَ عِنْده معرفَة بذلك، وَهَذَا دَلِيل عَلَى أَن الْأَمر قد أشكل واشتبه، وَأَن سَعْدا كره أَن يُقَاتل عَلَى شُبْهَة.
وَمِمَّا يدل عَلَى ذَلِكَ أَن مُعَاوِيَة ﵁ عاتبه عَلَى أَن لَا يكون يُقَاتل مَعَه فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا مثلي ومثلكم كَمثل قوم كَانُوا يَسِيرُونَ عَلَى جادة الطَّرِيق فهاجت ريح شَدِيدَة وظلمة فَلم يعرفوا الطَّرِيق وَأخذ النَّاس يَمِينا وَشمَالًا فتاهوا، وَقَالَ بَعضهم: أَخ، أَخ، ونزلوا حَتَّى أسفرت الظلمَة وأبصروا الطَّرِيق. فَقَالَ مُعَاوِيَة: يَا أَبَا إِسْحَاق أتجد فِي كتاب الله: أَخ، أَخ؟ فَقَالَ: لَا أقَاتل حَتَّى تَأْتُونِي بِسيف يعرف الْمُؤمن من الْكَافِر يَقُول: هَذَا مُسلم لَا تقتله وَهَذَا كَافِر فاقتله. وَقد تقدم من رَسُول الله ﷺ َ - فِي ذَلِكَ قَول بَين:
стр. 1006
٥٤٠ - " الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين، وَبَين ذَلِكَ أُمُور متشابهات فَمن اتَّقى الشُّبُهَات فقد اسْتَبْرَأَ لدينِهِ وَعرضه ". فَأَي شُبْهَة أعظم فِي الشُّبْهَة فِي الدِّمَاء.
٥٤١ - وَأرْسل عَليّ ﵁ إِلَى أُسَامَة بن زيد أَلا تقَاتل مَعنا؟ فَأرْسل إِلَيْهِ يَا مولَايَ لَو كنت فِي بطن أَسد لدخلت مَعَك، وَلَكِن هَذَا شَيْء لَا أرَاهُ. يخبر أَنه لَا تسخو نَفسه أَن يتَقَدَّم عَلَى أَمر لم يتَبَيَّن عِنْده أَنه حَلَال، وَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنه أمسك للإشكال عَلَيْهِ وَلم ير فِي ذَلِكَ مَا رأى عَليّ ﵁.
٥٤٢ - وَمُحَمّد بن مسلمة أرسل إِلَيْهِ عَليّ ﵄ أَن يَأْتِيهِ فَأبى أَن يَأْتِيهِ فَقَالَ: إِن النَّبِي ﷺ َ - أَعْطَانِي سَيْفا، وَقَالَ: قَاتل بِهِ الْمُشْركين فَإِذا اقتتل الْمُسلمُونَ فأت بِهِ فاكسره ثمَّ الزم بَيْتك حَتَّى تَأْتِيك منية قاضية، أَو يَد خاطئة. فَقَالَ عَليّ ﵁ دَعوه. وَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنه أشكل عَلَيْهِ الْأَمر فَأمْسك وَاتبع وَصِيَّة رَسُول الله ﷺ َ -.
٥٤٣ - وَقيل لعَلي ﵁: إِن أردْت أَن يطيعك أهل الشَّام فَأرْسل إِلَيْهِم ابْن عمر فَإِنَّهُم سيطيعونه لحب أَبِيه. فَكتب إِلَيْهِ الْكتب بولايته عَلَى الشَّام فَلَمَّا أحس ابْن عمر ﵁ بذلك ركب رَاحِلَته فِي جَوف اللَّيْل ثمَّ خرج مُعْتَمِرًا فجَاء عَليّ ﵁ يَطْلُبهُ فَقَالَ: أَبُو عبد الرَّحْمَن هَل هُنَا؟ فَقَالُوا: إِنَّه قد خرج. وَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنه أمسك للشُّبْهَة وللإشكال عَلَيْهِ.
стр. 1007
٥٤٤ - وَأَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو اسْتَخْلَفَهُ عَليّ ﵁ حِين خرج إِلَى صفّين كَانَ يخْطب، ويثبط النَّاس فِي خطبَته عَن الْخُرُوج إِلَى صفّين، وَيَأْمُرهُمْ بالكف عَن الدِّمَاء، وَكَانَ يَأْتِيهم الْخَبَر أَن عليا ﵁ قد نصر فيخطب فَيَقُول - أَيهَا النَّاس إِن هَذَا لَيْسَ بِفَتْح إِنَّمَا الْفَتْح أَن يحقن الله دِمَاء أمة مُحَمَّد ﷺ َ -.
٥٤٥ - وَسَهل بن حنيف الَّذِي كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - آخى بَينه وَبَين عَليّ ﵁ قَالَ يَوْم صفّين: " أَيهَا النَّاس اتهموا الرَّأْي فَإنَّا مَا حملنَا أسيافنا هَذِهِ عَلَى عواتقنا فِي أَمر إِلَّا أسهل بِنَا إِلَى أَمر نعرفه إِلَّا أمرنَا هَذَا. فَفِي هَذَا دَلِيل أَنه رأى أَنه لَا يحل لَهُ أَن يهريق الدِّمَاء عَلَى الْإِشْكَال.
وَمِمَّا يدل عَلَى أَن عليا ﵁ لم ير أَن يُقَاتل مَعَه من أشكل عَلَيْهِ الْأَمر وَذَلِكَ أَنه خطب فَقَالَ:
٥٤٦ - من كره قتال مُعَاوِيَة فلينتدب حَتَّى نعرفه، فَانْتدبَ أَرْبَعَة أُلَّاف
стр. 1008
فأغزاهم إِلَى الديلم. رَوَاهُ مرّة الْهَمدَانِي أَنه سَمعه، من عَليّ ﵁، وَأَنه انتدب فِيمَن انتدب. وَالَّذين قَاتلُوا رَأَوْا أَن فعالهم وَالصَّوَاب وَالْحق وهم لنا جَمِيعًا أَئِمَّة فَإِذا اجْتَمعُوا عَلَى أَمر قُلْنَا بِهِ، وَإِذا اخْتلفُوا فِي أَمر لم يفْرض علينا القَوْل بِهِ وَالْعَمَل. وخفنا أَن لَا نسلم من القَوْل فِيهِ فأمسكنا القَوْل بِهِ حَتَّى يَصح لنا القَوْل فِي ذَلِكَ.
فُصُول مستخرجة من كتب السّنة
ذكر إِسْمَاعِيل بن أسيد الْمَدِينِيّ ﵀ فِي كتب السّنة قَالَ: دخل رجلَانِ من أَصْحَاب الْأَهْوَاء عَلَى ابْن سِيرِين فَقَالَا: يَا أَبَا بكر نحدثك بِحَدِيث؟ قَالَ: لَا قَالَ: فنقرأ عَلَيْك آيَة من كتاب الله؟ قَالَ: لَا لتقومان عني أَو لأقومن؟ قَالَ: فَقَامَ الرّجلَانِ. فَقَالَ بعض الْقَوْم: يَا أَبَا بكر مَا كَانَ عَلَيْك أَن يقْرَأ عَلَيْك آيَة من كتاب الله: فَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: إِنِّي
стр. 1009
خشيت أَن يقرآ عَليّ آيَة فيحرفانها فَيقر ذَلِكَ فِي قلبِي، ثمَّ قَالَ: لَو أعلم أَنِّي أكون مثلي السَّاعَة لتركتهما.
وَقَالَ أَحْمَد بن مُحَمَّد بن الْحجَّاج أَبُو بكر الْمروزِي خَادِم أَحْمَد ابْن حَنْبَل قَالَ: قلت لأبي عَبْد اللَّهِ أَحْمَد بْن حَنْبَل ﵀ أجبْت فِي الْقُرْآن أَنه غير مَخْلُوق؟ قَالَ: نعم كتبت إِلَى عبيد الله بن يَحْيَى كتبت إِلَيْك بِالَّذِي سَالَ عَنهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ من أَمر الْقُرْآن بِمَا حضرني، وَقد كَانَ النَّاس فِي خوض من الْبَاطِل وَاخْتِلَاف شَدِيد يغتمسون فِيهِ، وانجلى عَن النَّاس مَا كَانُوا فِيهِ من الذل وضيق المحابس فصرف الله ذَلِكَ، وَذهب بِهِ وَوَقع ذَلِكَ من الْمُسلمين موقعاً عَظِيما ودعوا لأمير الْمُؤمنِينَ وَقد ذكر عَن عبد الله بن عَبَّاس ﵁:
٥٤٧ - قَالَ: لَا تضربوا كتاب الله بعضه بِبَعْض فَإِن ذَلِكَ يُوقع الشَّك فِي قُلُوبكُمْ.
стр. 1010
وَذكر عَن عبد الله بن عمر ﵁:
٥٤٨ - أَن نَفرا جُلُوسًا بِبَاب النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ بَعضهم: ألم يقل الله كَذَا، وَقَالَ بَعضهم: ألم يقل الله كَذَا، وَقَالَ: فَسمع ذَلِك رَسُول الله ﷺ َ - فَخرج فَكَأَنَّمَا فقيء فِي وَجهه حب الرُّمَّان فَقَالَ: أَبِهَذَا أمرْتُم أَن تضربوا كتاب الله بعضه بِبَعْض إِنَّمَا ضلت الْأُمَم قبلكُمْ فِي مثل هَذَا إِنَّكُم لَسْتُم مِمَّا هُنَاكَ فِي شَيْء، انْظُرُوا الَّذِي أمرْتُم بِهِ فاعملوا بِهِ، وانظروا إِلَى الَّذِي نهيتم عَنهُ فَانْتَهوا عَنهُ.
٥٤٩ - وَقَالَ عبد الله بن عَبَّاس ﵁: قدم عَلَى عمر بن الْخطاب رجل فَجعل عمر يسْأَل عَن النَّاس فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد قَرَأَ الْقُرْآن فيهم كَذَا وَكَذَا وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁: فَقلت: وَالله مَا أحب أَن يتسارعوا يومهم هَذَا فِي الْقُرْآن هَذِهِ المسارعة. قَالَ: فزبرني عمر ﵁، ثمَّ قَالَ لي: مَه. فَانْطَلق إِلَى منزلي كئيبا حَزينًا، فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِك إِذْ أَتَانِي رجل فَقَالَ: أجب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَخرجت فَإِذا هُوَ بِالْبَابِ ينتظرني فَأخذ بيَدي فَخَلا بِي فَقَالَ: مَا الَّذِي كرهت مِمَّا قَالَ الرجل آنِفا: قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَتى سارعوا هَذِه المسارعة يحنقوا، وَمعنى يحنقوا يختصموا وَمَتى يختصموا يَخْتَلِفُوا وَمَتى يَخْتَلِفُوا يقتتلوا. فَقَالَ: لله أَبوك، وَالله إِن كنت أكاتمها النَّاس حَتَّى جِئْت بهَا
стр. 1011
٥٥٠ - وَرُوِيَ عَن أَبِي جهيم رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: لَا تماروا فِي الْقُرْآن فَإِن مراء فِيهِ كفر.
٥٥١ - وَرُوِيَ عَن جُبَير بن نفير قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّكُم لن ترجعوا إِلَى الله بِشَيْء أفضل مِمَّا خرج مِنْهُ - يَعْنِي الْقُرْآن - "
٥٥٢ - وَرُوِيَ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنه قَالَ: جردوا الْقُرْآن وَلَا تكْتبُوا فِيهِ شَيْئا إِلَّا كَلَام الله.
٥٥٣ - وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه قَالَ: إِن هَذَا الْقُرْآن كَلَام الله فضعوه عَلَى موَاضعه.
стр. 1012
٥٥٤ - وَقَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ وَكَانَ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - اتَّقوا الله معشر الْقُرَّاء، وخذوا طَرِيق من كَانَ قبلكُمْ فوَاللَّه لَئِن أسبقتم لقد سبقتم بَعيدا، وَلَئِن تَرَكْتُمُوهُ شمالا ويمينا لقد ضللتم ضلالا بَعيدا
قَالَ: وَإِنَّمَا تركت ذكر الْأَسَانِيد لما تقدم من الْيَمين الَّتِي حَلَفت بهَا بِمَا علمه أَمِير الْمُؤمنِينَ لَوْلَا ذَلِكَ لذكرتها بأسانيدها، وَقد قَالَ الله عزوجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ . وَقَالَ ﵎: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ فَأخْبر ﵎ بالخلق ثمَّ قَالَ: وَالْأَمر فَأخْبر أَن الْأَمر غير الْخلق، وَقَالَ ﵎: ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن خلق الْإِنْسَان علمه الْبَيَان﴾ فَأخْبر ﵎ أَن الْقُرْآن من علمه إِذْ قَالَ: ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ من الْعلم﴾ . فالقرآن من علم الله، وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل على أَن الَّذِي جَاءَ بِهِ ﷺ َ - هُوَ الْقُرْآن، وَقد رُوِيَ عَن غير وَاحِد مِمَّن مضى من سلفنا أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: القرآ كَلَام الله وَلَيْسَ بمخلوق. وَهُوَ الَّذِي أذهب إِلَيْهِ وَلست بِصَاحِب كَلَام وَلَا أرى الْكَلَام فِي شَيْء من هَذَا إِلا مَا كَانَ فِي كتاب الله أَو
стр. 1013
حَدِيث عَن النَّبِي ﷺ َ -، أَو عَن الصَّحَابَة ﵃ أَو عَن التَّابِعين، فَأَما غير ذَلِكَ فَإِن الْكَلَام فِيهِ غير مَحْمُود .
فصل
٥٥٥ - رُوِيَ عَن الْأَعْمَش عَن سَالم أَن أَسْقُف نَجْرَان جَاءَ إِلَى عَليّ ﵁ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أنْشدك كتابك بيمينك، وشفاعتك بلسانك - وَكَانَ عمر ﵁ أخرجهم من أَرضهم - أرجعنا إِلَى أَرْضنَا؟ قَالَ: لَا، إِن عمر كَانَ رشيد الْأَمر.
وَقَالَ الشّعبِيّ: أرجيء الْأُمُور إِلَى الله وَلَا تكن مرجئا، وَمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر وَلَا تكن حروريا، وَأعلم أَن الْخَيْر من الله وَلَا تكن قدريا.
وَقَالَ الشّعبِيّ: قلت لزياد بن النَّضر: قد كنت من الشِّيعَة فَلم تَركتهم؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتهمْ يَأْخُذُونَ بأعجاز لَيْسَ لَهَا صُدُور.
стр. 1014
فصل
روى عَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ سُئِلَ عَن قتال يَوْم الْجمل وَيَوْم صفّين، وَقيل: لَو قلت فِيهَا بِرَأْيِك: فَقَالَ دِمَاء لم أغمس فِيهَا يَدي أغمس فِيهَا لساني.
وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: دِمَاء غيب الله عَنْهَا يَدي، أحضرها بلساني.
وَرُوِيَ عَن سُلَيْمَان بن صرد أَنه قَالَ لِلْحسنِ بن عَليّ ﵁: أعذرني عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي تخلفي عَنهُ يَوْم الْجمل، فَقَالَ: لَا تفعل لقد رَأَيْته يَوْم الْجمل، وَقد رأى الجماجم تندر فَالْتَفت إِلَيّ وَقَالَ:
٥٥٦ - يَا حسن أكل هَذَا فِينَا ولوددت أَنِّي مت قبل هَذَا بِعشْرين سنة، تمنى أَن يكون قد مَاتَ قبل أَن يرى مَا رأى من كَثْرَة الْقَتْل فِي أمة مُحَمَّد ﷺ َ - لَا أَنه علم أَنه كَانَ مخطئا، وَذَلِكَ أَنه يَوْم النهروان أظهر السرُور بِقِتَال الْخَوَارِج وَقَالَ:
٥٥٧ - " لَوْلَا أَن تنظروا لأخبرتكم بِمَا قضى الله عَلَى لِسَان نبيه ﷺ َ - لمن قتل هَؤُلاءِ ".
стр. 1015
لم يكن عِنْده عهد من رَسُول الله ﷺ َ - فِي قتال أَصْحَاب الْجمل كَمَا كَانَ عِنْده فِي قتال أهل النهروان. وَقَالَ:
٥٥٨ - سبق رَسُول الله ﷺ َ - وَصلى أَبُو بكر، وَثلث عمر، ثمَّ خبطتنا فتْنَة، فَهِيَ مَا شَاءَ الله. وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنه كَانَ فِي شُبْهَة من أمره بل كَانَ مصيبا عِنْد نَفسه، وَلَا يرى مَا يحدث .
٥٥٩ - سُئِلَ عَن قِتَاله وقتال مُعَاوِيَة فَقَالَ: يُؤْتى بِي وبمعاوية فنختصم عِنْد ذِي الْعَرْش، وأينا، أفلج أفلج أَصْحَابه.
كَانَ يشفق لِأَنَّهُ كَانَ عِنْده رَأيا ً رَآهُ، وَعِنْده أَن ذَلِكَ الْحق، وَلَو كَانَ عِنْده من رَسُول الله ﷺ َ - خبر فِي ذَلِكَ لاحتج بِهِ عَلَيْهِم، وَلَو أخْبرهُم بِخَبَر فِي ذَلِكَ كَانَ مُصدقا غير مكذب، وَلَكِن كره ذَلِكَ .
٥٦٠ - وَقَالَ: لَو أعلم أَن الْأَمر يبلغ مَا دخلت فِيهِ.
стр. 1016
فصل فِي ذكر يزِيد وحاله
٥٦١ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بن الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل العباسي، أخبرنَا الشريف أَبُو الْفضل أَحْمد ابْن الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْعَبَّاسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلادٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ وَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ َ - يَقُولُ: " يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلا أَعْلَمُ عُذْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلا تَابَعَ فِي هَذَا الأَمْرِ إِلا كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ".
قَالَ الشَّيْخ: قَالَ أهل اللُّغَة: والفيصل ولقطيعة والهجران. وَالْأولَى فِي هَذَا الْبَاب أَن يبْنى الْكَلَام فِيهِ عَلَى مُقَدمَات أَولهَا ثُبُوت إِسْلَامه، وَمن ثَبت إِسْلَامه لَا يجوز لَعنه، وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -:
стр. 1017
٥٦٢ - لعن الْمُؤمن كقتله. فَإِن شكّ وَاحِد فِي إِسْلَامه كَانَ بِمَنْزِلَة من شكّ فِي إِسْلَام من فِي عصره، وَإِذا ثَبت ذَلِكَ فَلَا يدع الْيَقِين بِالظَّنِّ، وَكَانَ النَّبِي ﷺ َ -:
٥٦٣ - يلعن الْكفَّار فِي الصَّلَاة فَأنْزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ﴾ فَترك الدُّعَاء عَلَيْهِم واللعن فَإِذا كَانَ أَمر الْكفَّار فِي هَذَا الْمَعْنى إِلَى الله يتَوَلَّى جزاهم فَأمر الْمُسلم أولى أَن يُفَوض إِلَيْهِ ليفعل فِيهِ مَا يسْتَحق الْمَرْء، وَمَا ذكر من قَتله الْحُسَيْن ابْن عَليّ ﵁ فَالَّذِي ثَبت عِنْد أهل النَّقْل أَنه أَمر عبيد الله بن زِيَاد بِحِفْظ الْكُوفَة، وَكتب إِلَيْهِ أَن يمْنَع من أَرَادَ الِاسْتِيلَاء عَلَى الْكُوفَة، فَلَمَّا قصد الْحُسَيْن ابْن عَليّ ﵁ الْكُوفَة استقبلته خيل ابْن زِيَاد ليمنعوه من دُخُول الْكُوفَة فَلم يتمكنوا من مَنعه إِلَّا بقتْله هَذَا مَا ثَبت عِنْد أهل النَّقْل مَعَ مَا أظهر من
стр. 1018
إِنْكَاره عَلَيْهِ ولعنه عبيد الله بن زِيَاد وَقَوله: قد كُنَّا نرضى فِيك بِدُونِ قتل الْحُسَيْن، وإظهاره التحيد والبكاء لقَتله، وَأَنه جعل يضْرب بِيَدِهِ عَلَى فَخذه ويلعن قتلته وصلب قَاتل الْحُسَيْن فَقَالَ: لقد عجل عَلَيْهِ ابْن زِيَاد قَتله الله، وَلم يثبت ضربه بالقضيب عَلَى أَسْنَانه إِنَّمَا ثَبت ذَلِكَ من فعل ابْن زِيَاد بالرواية الصَّحِيحَة.
هَذَا مَعَ مَا رُوِيَ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵁ قَالَ: أدخلنا عَلَى يزِيد، وَنحن اثْنَا عشر غُلَاما فَقَالَ: وَالله مَا علمت بِخُرُوج أَبِي عبد الله يَعْنِي الْحُسَيْن ﵁ حِين خرج وَلَا بقتْله حِين قتل ثمَّ قَالَ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْض وَلَا فِي انفسكم﴾ الْآيَة فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان بن بشير اصْنَع بهم مَا كَانَ يصنع بهم رَسُول الله ﷺ َ - لَو رَآهُمْ بِهَذِهِ الصُّورَة، فَبكى بكاء شَدِيدا أهل الدَّار حَتَّى علت أَصْوَاتهم، ثمَّ قَالَ: فكوا عَنْهُم الغل، وَفك الغل بِيَدِهِ من عنق عَليّ بن الْحُسَيْن، وَأمر بحملهم إِلَى الْحمام وغسلهم وَأمر بِضَرْب القباب عَلَيْهِم وَأمرهمْ بالمطبخ وكساهم وَأخرج لَهُم جوائز كَثِيرَة .
стр. 1019
قَالَ أَبُو عَليّ بن شَاذان رِوَايَة عَن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵁ قَالَ: أدخلنا دمشق بعد أَن شخصنا من الْكُوفَة فَإِذا النَّاس مجتمعون بِبَاب يزِيد فأدخلنا عَلَيْهِ وَهُوَ جَالس عَلَى سَرِير وَعِنْده النَّاس سماطين من أهل الشَّام وَأهل الْعرَاق والحجاز وَكنت قُدَّام أهل بَيْتِي فَسلمت عَلَيْهِ وَقَالَ: أَيّكُم عَليّ بن الْحُسَيْن؟ فَقلت: أَنا فَقَالَ: ادن فدنوت ثمَّ قَالَ: ادن فدنوت حَتَّى صَار صَدْرِي عَلَى فرَاشه ثمَّ قَالَ: أما لَو أَنا أَبَاك أَمَامِي لوصلت رَحمَه وقضيت مَا يلْزَمنِي من حَقه، وَلَكِن عجل عَلَيْهِ ابْن زِيَاد فَقتله قَتله الله. قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أصابتنا جفوة، فَقَالَ: نَذْهَب عَنْكُم الجفوة فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمْوَالنَا قبضت فَاكْتُبْ أَن ترد علينا فَكتب لنا بردهَا، وَقَالَ: فَإِنِّي أَقْْضِي حَوَائِجكُمْ وأفعل بكم وأفعل. قلت: الْمَدِينَة أحب إِلَيّ. فَقَالَ: قربي خير لكم، قلت: إِن أهل بَيْتِي قد تفَرقُوا فيجتمعون ويحمدون الله عَلَى هَذِهِ النِّعْمَة فجهزنا وأعطانا أَكثر مِمَّا ذهب منا من الْكسْوَة والجهاز وسرح مَعنا رسلًا إِلَى الْمَدِينَة وأمرنا أَن ننزل حَيْثُ شِئْنَا.
قَالَت فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن ﵁: دَخَلنَا عَلَى نِسَائِهِ فَمَا بقيت امْرَأَة من آل مُعَاوِيَة إِلَّا تلقتنا تبْكي وتنوح عَلَى الْحُسَيْن ﵁ هَذَا مَا نَقله الثِّقَات من أهل الحَدِيث، فَأَما مَا رَوَاهُ أَبُو مخنف وَغَيره من الروافض فَلَا اعْتِمَاد بروايتهم، وَإِنَّمَا الِاعْتِمَاد عَلَى نقل ابْن أَبِي الدُّنْيَا وَغَيره مِمَّن نقل هَذِهِ الْقِصَّة عَلَى الصِّحَّة.
стр. 1020
فصل
٥٦٤ - قيل لما حضر مُعَاوِيَة ﵁ الْوَفَاة أَخذ عَلَى يزِيد الْوَصِيَّة بالحسين ﵁ وَقَالَ: انْظُر الْحُسَيْن بن عَليّ بن فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ َ - فَإِنَّهُ أحب النَّاس إِلَى النَّاس فصل رَحمَه، وارفق بِهِ وداره يصلح لَك أَمرك.
وَمَا جرى بَين عَليّ وَبَين مُعَاوِيَة ﵃ فَقَالَ السّلف: من السّنة السُّكُوت عَمَّا شجر بَين أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ -. وَقَالَ رَسُول الله
:
٥٦٥ - " إِذا ذكر أَصْحَابِي فأمسكوا " وَمَعْلُوم أَنه لَا يَأْمُرنَا بالإمساك فِي ذكر محاسنهم، وَإِنَّمَا أمرنَا بالإمساك عَن ذمهم.
وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَسُئِلَ عَن أَمر الْحَرْب الَّتِي جرت بَينهم فَقَالَ: دِمَاء كفى الله يَدي فِيهَا فَلَا أحب أَن أغمس لساني فِيهَا، وَأَرْجُو أَن يَكُونُوا مِمَّن قَالَ الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾
следующие страницы →