← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6454

أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات

مرعي الكرمي

Полный текст (195 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

. فَقُمْت وَمَالِي بالأمور يدان ... ويحقق هَذَا ويوضحه أَن الْخلق من جِهَة الله إِنَّمَا هُوَ مُضَاف إِلَى قدرته لَا إِلَى يَده وَلِهَذَا يسْتَقلّ فِي إِيجَاد الْخلق بقدرته ويستغني عَن يَد وَآلَة يفعل بهَا مَعَ قدرته وَقَوله ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ الْمَائِدَة ٦٤ ثنى الْيَد مُبَالغَة فِي الرَّد على الْيَهُود وَنفي الْبُخْل عَنهُ وإثباتا لغاية الْجُود فَإِن غَايَة مَا يبذله السخي من مَاله أَن يُعْطِيهِ بيدَيْهِ وتنبيها على منح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَو المُرَاد بالتثينة بِاعْتِبَار نعْمَة الدُّنْيَا ونعمة الْآخِرَة أَو بِاعْتِبَار قُوَّة الثَّوَاب وَقُوَّة الْعقَاب وَمذهب السّلف والحنابلة أَن المُرَاد إِثْبَات صفتين ذاتيتين تسميان يدين يزيدان على النِّعْمَة وَالْقُدْرَة محتجين بِأَن الله تَعَالَى أثبت لآدَم من المزية والإختصاص مَا لم يثبت مثله لإبليس بقوله ﴿لما خلقت بيَدي﴾ ص ٧٥ وَإِلَّا فَكَانَ إِبْلِيس يَقُول وَأَنا أَيْضا خلقتني بيديك فَلَا مزية لآدَم وَلَا تشريف فَإِن قيل إِنَّمَا أضيف ذَلِك إِلَى آدم ليوجب لَهُ تَشْرِيفًا وتظيما على إِبْلِيس وَمُجَرَّد النِّسْبَة فِي ذَلِك كَافِي فِي التشريف كناقة الله وَبَيت الله فَهَذَا كَاف فِي التشريف وَإِن كَانَت النوق والبيوت كلهَا لله فَالْجَوَاب مَا قَالُوهُ أَن التشريف بِالنِّسْبَةِ إِذا تجردت عَن إِضَافَة إِلَى صفة اقْتضى مُجَرّد التشريف فَأَما النِّسْبَة إِذا اقترنت بِذكر صفة أوجب ذَلِك إِثْبَات الصّفة الَّتِي لولاها مَا تمت النِّسْبَة فَإِن قَوْلنَا خلق الله الْخلق بقدرته لما نسب الْفِعْل إِلَى تعلقه بِصفة

стр. 107

الله اقْتضى ذَلِك إِثْبَات الصّفة وَكَذَا أحَاط بالخلق بِعِلْمِهِ يَقْتَضِي إحاطة بِصفة هِيَ الْعلم فَكَذَلِك هُنَا لما كَانَ ذكر التَّخْصِيص مُضَافا إِلَى صفة وَجب إِثْبَات تِلْكَ الصّفة على وَجه يَلِيق بِهِ سُبْحَانَهُ لَا بِمَعْنى الْعُضْو والجارحة والجسمية والبعضية والكمية والكيفية تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَأَيْضًا فَلَو أَرَادَ بِالْيَدِ النِّعْمَة لقَالَ لما خلقت ليدي لِأَنَّهُ خلق لنعمة لَا بِنِعْمَة وَأَيْضًا فقدرة الله وَاحِدَة لَا تدْخلهَا التَّثْنِيَة وَالْجمع وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي قَوْله بيَدي فِي تَحْقِيق الله التَّثْنِيَة فِي الْيَد دَلِيل على أَنَّهَا لَيست بِمَعْنى الْقُدْرَة وَالْقُوَّة وَالنعْمَة وأنهما صفتان من صِفَات ذَاته وَقَالَ ابْن اللبان فَإِن قلت فَمَا حَقِيقَة الْيَدَيْنِ فِي خلق آدم قلت الله أعلم بِمَا أَرَادَ قَالَ وَالَّذِي يظْهر أَن الْيَدَيْنِ اسْتِعَارَة لنُور قدرته الْقَائِم بِصفة فَضله وَصفَة عدله وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات بَاب مَا جَاءَ فِي إِثْبَات الْيَدَيْنِ صفتين لَا من حَيْثُ الْجَارِحَة قَالَ الله ﴿يَا إِبْلِيس مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ ص ٧٥ وَقَالَ ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ الْمَائِدَة ٦٤ وَذكر الْأَحَادِيث الصِّحَاح فِي ذَلِك

стр. 108

كَحَدِيث يَا آدم أَنْت أَبُو الْبشر خلقك الله بِيَدِهِ وَحَدِيث أَنْت مُوسَى اصطفاك الله بِكَلَامِهِ وَخط لَك الألواح بِيَدِهِ وَفِي لفظ وَكتب لَك التَّوْرَاة بِيَدِهِ وَذكر أَحَادِيث كَثِيرَة مثل وَالْخَيْر بيديك وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ قَالَ بعض أهل النّظر قد تكون الْيَد بِمَعْنى الْقُوَّة كَقَوْلِه ﴿دَاوُد ذَا الأيد﴾ ص ١٧ ذَا الْقُوَّة وَبِمَعْنى الْملك وَالْقُدْرَة كَقَوْلِه ﴿إِن الْفضل بيد الله﴾ آل عمرَان ٧٣ وَبِمَعْنى النِّعْمَة كَقَوْلِهِم لي عِنْد فلَان يَد وَتَكون صلَة أَي زَائِدَة كَقَوْلِه ﴿مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاما﴾ يس ٧١ أَي مِمَّا عَمِلْنَاهُ نَحن وَبِمَعْنى الْجَارِحَة كَقَوْلِه ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا﴾ ص ٤٤ قَالَ فَأَما قَوْله ﴿لما خلقت بيَدي﴾ فَلَا يحمل على الْجَارِحَة لِأَن البارئ وَاحِد لَا يَتَبَعَّض وَلَا على الْقُوَّة وَالْقُدْرَة وَالْملك وَالنعْمَة والصلة لِأَن الإشتراك يَقع حِينَئِذٍ بَين وليه آدم

стр. 109

وعدوه إِبْلِيس وَيبْطل مَا ذكره من تفضيله عَلَيْهِ لبُطْلَان معنى التَّخْصِيص إِذْ الشَّيَاطِين والأباليس وَجَمَاعَة الْكَفَرَة خلقهمْ الله بقدرته ونعمه على آدم غير منحصرة فَلم يبْق إِلَّا أَن يحملا على صفتين تعلقتا بِخلق آدم تَشْرِيفًا لَهُ دون خلق إِبْلِيس تعلق الْقُدْرَة بالمقدور لَا من طَرِيق الْمُبَاشرَة وَلَا من حَيْثُ المماسة وَلَيْسَ لذَلِك التَّخْصِيص وَجه غير مَا بَينه الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿لما خلقت بيَدي﴾ انْتهى تَنْبِيه من هَذَا النمط حَدِيث التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه إِن الله تَعَالَى لما خلق الْخلق كتب بِيَدِهِ على نَفسه إِن رَحْمَتي تغلب غَضَبي وَفِي حَدِيث آخر إِن الله تَعَالَى خلق ثَلَاثَة أَشْيَاء بِيَدِهِ خلق آدم بِيَدِهِ وَكتب التَّوْرَاة بِيَدِهِ وغرس الفردوس بِيَدِهِ وَحَدِيث أَحْمد وَمُسلم إِن الله تَعَالَى يبسط يَده بِاللَّيْلِ ليتوب مسييء النَّهَار ويبسط يَده بِالنَّهَارِ ليتوب مسييء اللَّيْل

стр. 110

قيل بسط الْيَد إستعارة فِي قبُول التَّوْبَة وَإِنَّمَا ورد لفظ الْيَد لِأَن الْعَرَب إِذا رَضِي أحدهم الشَّيْء بسط يَده لقبوله وَإِذا كرهه قبضهَا عَنهُ فَخُوطِبُوا بِمَا يفهمونه وَهُوَ مجَاز فَإِن يَد الْجَارِحَة مستحيلة فِي حَقه تَعَالَى وَمن الْمُتَشَابه القبضة وَالْيَمِين فِي وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ الزمر ٦٧ وَحَدِيث البُخَارِيّ وَمُسلم يقبض الله الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة ويطوي السَّمَاء بِيَمِينِهِ ثمَّ يَقُول أَنا الْملك أَيْن مُلُوك الأَرْض وَحَدِيث مُسلم يطوي الله السَّمَاوَات يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يأخذهن بِيَدِهِ الْيُمْنَى الحَدِيث وَحَدِيث مُسلم أَيْضا يَأْخُذ الله سماواته وأرضيه بيدَيْهِ فَيَقُول أَنا الله ويبسطها أَنا الْملك

стр. 111

قَالَ الْبَيْهَقِيّ المتقدمون من هَذِه الْأمة لم يفسروا مَا ورد من الْآي وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب مَعَ اعْتِقَادهم بأجمعهم أَن الله وَاحِد لَا يجوز عَلَيْهِ التَّبْعِيض قَالَ وَذهب بعض أهل النّظر إِلَى أَن الْيَمين يُرَاد بِهِ الْيَد وَالْيَد لله صفة بِلَا جارحة فَكل مَوضِع ذكرت فِيهِ من الْكتاب أَو السّنة فَالْمُرَاد بذكرها تعلقهَا بِالْمَكَانِ الْمَذْكُور مَعهَا من الطي وَالْأَخْذ وَالْقَبْض والبسط وَالْقَبُول والإنفاق وَغير ذَلِك تعلق الصّفة الذاتية بِمُقْتَضَاهُ من غير مُبَاشرَة وَلَا مماسة وَلَيْسَ فِي ذَلِك تَشْبِيه بِحَال وَهَذَا مَذْهَب الْحَنَابِلَة قَالَ الْخطابِيّ وَلَيْسَ معنى الْيَد عندنَا الْجَارِحَة وَإِنَّمَا هِيَ صفة جَاءَ بهَا التَّوْقِيف فَنحْن نطلقها على مَا جَاءَت وَلَا نكيفها وننتهي إِلَى حَيْثُ انْتهى بهَا الْكتاب وَالْأَخْبَار الصَّحِيحَة وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَقَالَ بعض أهل التَّأْوِيل كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيّ وَغَيره فِي الْآيَة هُوَ تَنْبِيه على عَظمته وَكَمَال قدرته على الْأَفْعَال الْعِظَام الَّتِي تتحير فِيهَا الأفهام وَدلَالَة على أَن تخريب الْعَالم أَهْون شَيْء عَلَيْهِ على طَريقَة التَّمْثِيل والتخييل من غير اعْتِبَار القبضة وَالْيَمِين لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا

стр. 112

وَقَالَ بَعضهم هُوَ لبَيَان عَظمَة الله وجلاله وَقدرته وَأَن المكونات كلهَا منقادة لإرادته ومسخرات بأَمْره وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن الْقَبْض قد يكون بِمَعْنى الْملك وَالْقُدْرَة كَقَوْلِهِم مَا فلَان إِلَّا فِي قبضتي أَي قدرتي وَيَقُولُونَ الْأَشْيَاء فِي قَبْضَة الله أَي فِي ملكه وَقدرته وعَلى هَذَا التَّأْوِيل مخرج الْآيَة والْحَدِيث تَنْبِيه فِي حَدِيث مُسلم وَغَيره إِن المقسطين عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرحمان وكلتا يَدَيْهِ يَمِين الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهليهم وَمَا ولوا قَالَ النَّوَوِيّ هُوَ من أَحَادِيث الصِّفَات إِمَّا نؤمن بهَا وَلَا نتكلم بِتَأْوِيل ونعتقد أَن ظَاهرهَا غير مُرَاد وَأَن لَهَا معنى يَلِيق بِاللَّه تَعَالَى أَو تؤول على أَن المُرَاد بكونهم على الْيَمين الْحَالة الْحَسَنَة والمنزلة الرفيعة وَقَوله وكلتا يَدَيْهِ يَمِين فِيهِ تَنْبِيه على أَنه لَيْسَ المُرَاد بِالْيَمِينِ الْجَارِحَة وَأَن يَدَيْهِ تَعَالَى بِصفة الْكَمَال لَا نقص فِي وَاحِدَة مِنْهُمَا لِأَن الشمَال تنقص عَن الْيَمين وَقَالَ بَعضهم وَقد تكون الْيَمين بِمَعْنى التبجيل والتعظيم

стр. 113

يُقَال فلَان عندنَا بِالْيَمِينِ أَي بِالْمحل الْجَلِيل وَمِنْه قَول الشَّاعِر ... أَقُول لناقتي إِذْ بلغتني ... لقد أَصبَحت عِنْدِي بِالْيَمِينِ ... أَي الْمحل الرفيع قلت أحسن من هَذَا مَا أوردته فِي كتابي القَوْل البديع فِي علم البديع فِي بَاب التَّمْثِيل مَا أنْشدهُ الرماح بن ميادة فِي قَوْله ... ألم أك فِي يمنى يَديك جَعَلتني ... فَلَا تجعلني بعْدهَا فِي شمالكا ... أَرَادَ أَن يَقُول ألم أكن قَرِيبا مِنْك فَلَا تجعلني بَعيدا عَنْك فَعدل عَنهُ إِلَى لفظ التَّمْثِيل لما فِيهِ من زِيَادَة الْمَعْنى لما تعطيه لفظتا الْيَمين وَالشمَال من الْأَوْصَاف لِأَن الْيَمين أَشد قُوَّة معدة للطعام وَالشرَاب وَالْأَخْذ وَالعطَاء وكل مَا شرف وَالشمَال بِالْعَكْسِ وَالْيَمِين مُشْتَقّ من الْيمن وَهُوَ الْبركَة وَالشمَال من الشؤم فَكَأَنَّهُ قَالَ ألم أكن مكرما عنْدك فَلَا تجعلني مهانا وَكنت مِنْك فِي الْمَكَان الشريف فَلَا تجعلني فِي الوضيع قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَقد رُوِيَ ذكر الشمَال لله تَعَالَى من طَرِيقين فِي أَحدهمَا جَعْفَر بن الزبير وَفِي الآخر يزِيد الرقاشِي وهما

стр. 114

مَتْرُوكَانِ وَكَيف يَصح ذَلِك وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه سمى كلتا يَدَيْهِ يَمِينا وَكَأن من قَالَ ذَلِك أرْسلهُ من لَفظه على مَا وَقع لَهُ أَو على عَادَة الْعَرَب من ذكر الشمَال فِي مُقَابلَة الْيَمين وَقَالَ الْخطابِيّ لَيْسَ فِيمَا يُضَاف إِلَى الله سُبْحَانَهُ من صفة الْيَدَيْنِ شمال لِأَن الشمَال مَحل النَّقْص والضعف وَالله أعلم وَأما الْأَصَابِع فروى البُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن مَسْعُود قَالَ جَاءَ حبر إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَو يَا أَبَا الْقَاسِم إِن الله يمسك السَّمَاوَات يَوْم الْقِيَامَة على إِصْبَع وَالْأَرضين على إِصْبَع وَالشَّجر على إِصْبَع وَالْمَاء وَالثَّرَى على إِصْبَع وَسَائِر الْخَلَائق على إِصْبَع ثمَّ يَهُزهُنَّ فَيَقُول أَنا الْملك أَنا الْملك فَضَحِك رَسُول الله ﷺ تَعَجبا مِمَّا قَالَ الحبر وَتَصْدِيقًا لَهُ ثمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ الزمر ٦٧ وَفِي البُخَارِيّ إِنَّه إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جعل الله السَّمَاوَات

стр. 115

على إِصْبَع وَالْأَرضين على إِصْبَع وَالْخَلَائِق على إِصْبَع ثمَّ يَهُزهُنَّ ثمَّ يَقُول أَنا الْملك فَلَقَد رَأَيْت النَّبِي ﷺ يضْحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه تَعَجبا وَتَصْدِيقًا لقَوْله ثمَّ قَالَ النَّبِي ﷺ ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ إِلَى قَوْله ﴿يشركُونَ﴾ وَفِي التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ مر يَهُودِيّ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ يَا يَهُودِيّ حَدثنَا فَقَالَ كَيفَ تَقول يَا أَبَا الْقَاسِم إِذا وضع الله السَّمَاوَات على ذه وَالْأَرضين على ذه وَالْجِبَال على ذه وَالْمَاء على ذه وَسَائِر الْخلق على ذه وَأَشَارَ بِخِنْصرِهِ أَولا ثمَّ تَابع حَتَّى بلغ الْإِبْهَام فَأنْزل الله ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ وروى البُخَارِيّ وَمُسلم حَدِيث إِن قُلُوب بني آدم كلهَا بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرحمان كقلب وَاحِد يصرفهَا كَيفَ يَشَاء ثمَّ قَالَ ﵇ اللَّهُمَّ مصرف الْقُلُوب صرف قُلُوبنَا إِلَى طَاعَتك قَالَ الْخطابِيّ وَذكر الْأَصَابِع لم يُوجد فِي شَيْء من الْكتاب وَالسّنة الْمَقْطُوع بِصِحَّتِهَا وَاعْترض بِأَن ذَلِك ثَابت فِي صَحِيح السّنة لَكِن الْوَاجِب فِي هَذَا أَن تمر كَمَا جَاءَت وَلَا يُقَال فِيهَا

стр. 116

إِن مَعْنَاهَا النعم لَا أَن يُقَال إِصْبَع أَو أَصَابِع كأصابعنا وَلَا يَد كأيدينا وَلَا قَبْضَة كقبضتنا وَقَالَ النَّوَوِيّ هَذِه من أَحَادِيث الشُّبُهَات وفيهَا الْقَوْلَانِ أَحدهمَا الْإِيمَان بهَا من غير تعرض لتأويل وَلَا لمعْرِفَة الْمَعْنى بل نؤمن بهَا وَأَن ظَاهرهَا غير مُرَاد لقَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ الشورى ١١ ثَانِيهمَا يتَأَوَّل بِحَسب مَا يَلِيق فعلى هَذَا فَالْمُرَاد الْمجَاز كَمَا يُقَال فلَان فِي قبضتي وَفِي كفي لَا يُرَاد أَنه حَال فِي كَفه بل المُرَاد تَحت قدرتي وَيُقَال فلَان فِي خنصري وَبَين إصبعي أقلبه كَيفَ شِئْت يَعْنِي أَنه هَين عَليّ وَالتَّصَرُّف فِيهِ كَيفَ شِئْت فَمَعْنَى الحَدِيث أَنه سُبْحَانَهُ يتَصَرَّف فِي قُلُوب عباده وَغَيرهَا كَيفَ شَاءَ لَا يمْتَنع عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْء وَلَا يفوتهُ مَا أَرَادَهُ كَمَا لَا يمْتَنع على الْإِنْسَان مَا كَانَ بَين إصبعيه فخاطب الْعَرَب كَمَا يفهمونه وَمثله بالمعاني الحسية تَأْكِيدًا لَهُ فِي نُفُوسهم فَإِن قيل قدرَة الله تَعَالَى وَاحِدَة والإصبعان للتثنية قَالَ وَالْجَوَاب أَن هَذَا مجَاز واستعارة وَاقعَة موقع التَّمْثِيل بِحَسب مَا اعتادوه غير مَقْصُود بِهِ التَّثْنِيَة وَالْجمع وَفِي النِّهَايَة إِطْلَاق الْأَصَابِع عَلَيْهِ تَعَالَى مجَاز كإطلاق الْيَد وَالْيَمِين وَالْعين والسمع وَهُوَ جَار مجْرى التَّمْثِيل وَالْكِنَايَة عَن سرعَة تقلب الْقُلُوب وَأَن ذَلِك أَمر مَعْقُود بِمَشِيئَة الله

стр. 117

وَتَخْصِيص ذكر الْأَصَابِع كِنَايَة عَن إِجْرَاء الْقُدْرَة والبطش لِأَن ذَلِك بِالْيَدِ والأصابع وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيره والإصبع قد تكون بِمَعْنى الْقُدْرَة على الشَّيْء وسهولة تقليبه كَمَا يَقُول من استسهل شَيْئا واستخفه مُخَاطبا لمن استثقله أَنا أحملهُ على إصبعي وأرفعه بإصبعي وأمسكه بخنصري فَهَذَا مِمَّا يُرَاد بِهِ الإستظهار فِي الْقُدْرَة على الشَّيْء فَلَمَّا كَانَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض أعظم الموجودات وَكَانَ إِِمْسَاكهَا إِلَى الله كالشيء الحقير الَّذِي نجعله بَين أصابعنا ونهزه بِأَيْدِينَا ونتصرف فِيهِ كَيفَ شِئْنَا دلّ ذَلِك على قوته الْقَاهِرَة وعظمته الباهرة لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين هَذَا الحَدِيث من جملَة مَا يتنزه السّلف عَن تَأْوِيله كأحديث السّمع وَالْبَصَر وَالْيَد فَإِن ذَلِك يحمل على ظَاهره ويجرى بِلَفْظِهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ من غير أَن يشبه بمشبهات الْجِنْس أَو يحمل على معنى الْمجَاز والإتساع بل يعْتَقد أَنَّهَا صِفَات الله تَعَالَى لَا كَيْفيَّة لَهَا وَإِنَّمَا تنزهوا عَن تَأْوِيل هَذَا الْقسم لِأَنَّهُ لَا يلتئم مَعَه وَلَا يحمل ذَلِك على وَجه يرتضيه الْعقل إِلَّا وَيمْنَع مِنْهُ الْكتاب وَالسّنة من وَجه آخر قَالَ وَمثل هَذَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَة من أَقسَام الصِّفَات وَلَكِن أَلْفَاظ مشاكلة لَهَا فِي وضع الإسم وَقَالَ الطَّيِّبِيّ اعْلَم أَن للنَّاس فِيمَا جَاءَ من صِفَات الله فِيمَا يشبه صِفَات المخلوقين تَفْصِيلًا وَذَلِكَ أَن الْمُتَشَابه قِسْمَانِ قسم

стр. 118

يقبل التَّأْوِيل وَقسم لَا يقبله بل علمه مُخْتَصّ بِاللَّه تَعَالَى ويقفون عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ آل عمرَان ٧ كالنفس فِي قَوْله ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ الْمَائِدَة ١١٦ والمجيء فِي قَوْله ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك﴾ الْفجْر ٢٢ وَتَأْويل فواتح السُّور مثل آلم وحم من هَذَا الْقَبِيل وَذكر الشَّيْخ السهروردي فِي كتاب العقائد أخبر الله تَعَالَى أَنه اسْتَوَى على الْعَرْش وَأخْبر رَسُوله بالنزول وَغير ذَلِك مِمَّا جَاءَ فِي الْيَد والقدم والتعجب فَكل مَا ورد من هَذَا الْقَبِيل دَلَائِل التَّوْحِيد فَلَا يتَصَرَّف فِيهِ بتشبيه وَلَا تَعْطِيل فلولا إِخْبَار الله تَعَالَى وإخبار رَسُوله مَا تجاسر عقل أَن يحوم حول ذَلِك الْحمى وتلاشى دونه عقل الْعُقَلَاء ولب الألباء قَالَ الطَّيِّبِيّ هَذَا الْمَذْهَب هُوَ الْمُعْتَمد عَلَيْهِ وَبِه يَقُول السّلف الصَّالح وَمن ذهب إِلَى التَّأْوِيل شَرط فِيهِ أَن يكون مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى تَعْظِيم الله تَعَالَى وجلاله وتنزيهه وكبريائه وَمَا لَا تَعْظِيم فِيهِ فَلَا يجوز الْخَوْض فِيهِ فَكيف بِمَا يُؤَدِّي إِلَى التجسيم والتشبيه انْتهى وَهُوَ كَلَام فِي غَايَة التَّحْقِيق إِلَّا أَن ترك التَّأْوِيل مُطلقًا وتفويض الْعلم إِلَى الله أسلم وَأما الساعد والذراع قَالَ الْقُرْطُبِيّ أسْند الْبَيْهَقِيّ وَغَيره حَدِيث وساعد الله أَشد من ساعدك ومُوسَى الله أحد من موساك

стр. 119

وَذكر الْبَيْهَقِيّ أَيْضا أَن عُرْوَة بن الزبير سَأَلَ عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي أَي الْخلق أعظم قَالَ الْمَلَائِكَة قَالَ من مَاذَا خلقت قَالَ خلقت من نور الذراعين والصدر قَالَ هُوَ حَدِيث مَوْقُوف على عبد الله بن عَمْرو وَرَاوِيه رجل غير مُسَمّى فَهُوَ مُنْقَطع وَقَالَ ابْن فورك روى سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ خلق الله تَعَالَى الْمَلَائِكَة من شعر ذِرَاعَيْهِ وصدره أَو من نورهما قَالَ ابْن فورك وعبد الله لم يرفعهُ إِلَى النَّبِي ﷺ قيل إِن عبد الله بن عَمْرو أصَاب وسقين من الْكتب يَوْم اليرموك فَكَانُوا يَقُولُونَ لَهُ إِذا حَدثهمْ حَدثنَا بِمَا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ وَلَا تحدثنا عَن وسقيك يَوْم اليرموك انْتهى قلت عبد الله بن عَمْرو أجل من أَن يحْكى عَنهُ مثل هَذَا فَإِن وَقع فِيهِ كذب فَهُوَ مِمَّن قبله وَإِن صَحَّ عَنهُ مثل هَذَا الحَدِيث فَلهُ حكم الْمَرْفُوع والتأويل مُحْتَمل فقد رَوَاهُ أُسَامَة

стр. 120

وَلم يقل فِيهِ ذِرَاعَيْهِ وصدره بل قَالَ من نور الذراعين والصدر مُطلقًا غير مُضَاف وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يُنكر أَن يكون ذَلِك صَدرا وذراعين لبَعض خلقه أَو أَنَّهُمَا من أَسمَاء بعض مخلوقاته فقد وجد فِي النُّجُوم مَا يُسمى ذراعين وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ بمستنكر أَن يكون هَذَا الإسم اسْما لبَعض مخلوقاته تَعَالَى خلق مِنْهُ الْمَلَائِكَة وَأما الساعد فَإِنَّهُ يُطلق بِمَعْنى الْقُوَّة وَالتَّدْبِير كَقَوْلِهِم جمعت هَذَا المَال بساعدي يَعْنِي بِرَأْيهِ وتدبيره وَهُوَ المُرَاد فِي الحَدِيث وَالْمعْنَى أَمر الله أنفذ من أَمرك وَقدرته أنفذ من قدرتك وَإِنَّمَا عبر عَنهُ بالساعد للتمثيل لِأَنَّهُ مَحل الْقُوَّة يُوضح ذَلِك قَوْله وموساه أحد من موساك يَعْنِي أَن قطعه فِي مقدوراته أسْرع من قَطعك فَعبر عَن الْقطع بِالْمُوسَى لسرعة قطعه وَأما الْكَفّ والأنامل وَالصُّورَة فقد روى التِّرْمِذِيّ عَن معَاذ بن جبل قَالَ احْتبسَ عَنَّا رَسُول الله ﷺ ذَات غَدَاة عَن صَلَاة الصُّبْح حَتَّى كدنا نتراءى عين الشَّمْس فَخرج سَرِيعا فثوب بِالصَّلَاةِ فصلى رَسُول الله فَلَمَّا سلم دَعَا بِصَوْتِهِ فَقَالَ لنا على مَصَافكُمْ كَمَا أَنْتُم ثمَّ أقبل علينا فَقَالَ أما إِنِّي سأحدثكم مَا حَبَسَنِي عَنْكُم لغداة إِنِّي قُمْت من اللَّيْل فَتَوَضَّأت وَصليت مَا قدر لي فنعست فِي صَلَاتي حَتَّى استثقلت فَإِذا أَنا بربي ﵎ فِي أحسن صُورَة فَقَالَ يَا مُحَمَّد قلت لبيْك رَبِّي قَالَ فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى قلت لَا أَدْرِي قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ فرأيته وضع كَفه بَين كَتِفي فَوجدت برد أنامله بَين ثديي فتجلى لي كل شَيْء وَعرفت فَقَالَ يَا مُحَمَّد قلت

стр. 121

لبيْك رَبِّي قَالَ فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى قلت فِي الْكَفَّارَات قَالَ مَا هن قلت مشي الْأَقْدَام إِلَى الْحَسَنَات وَالْجُلُوس فِي الْمَسَاجِد بعد الصَّلَوَات وإسباغ الْوضُوء على المكرهات الحَدِيث قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وَقَالَ سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح قَالَ ابْن فورك قَوْله وضع كَفه بَين كَتِفي وَرُوِيَ بَين كنفي بالنُّون فَأَما الْكَفّ فَقيل هُوَ بِمَعْنى الْقُدْرَة كَقَوْلِه ... هون عَلَيْك فَإِن الْأُمُور ... بكف الْإِلَه مقادريها ... يُرِيد فِي قدرته تقديرها وتدبيرها وَقيل المُرَاد بالكف النِّعْمَة والْمنَّة وَالرَّحْمَة

стр. 122

وَأما قَوْله بَين كَتِفي فَالْمُرَاد بِهِ مَا وصف إِلَى قلبه من لطفه وبره وفوائده لِأَن الْقلب بَين الْكَتِفَيْنِ وَهُوَ مَحل الْأَنْوَار والعلوم والمعارف وَرِوَايَة بَين كنفي يُرَاد بِهِ كَقَوْل الْقَائِل أَنا فِي كنف فلَان وفنائه أَرَادَ بذلك أَنه فِي ظلّ نعْمَته وَرَحمته فَكَأَنَّهُ قَالَ أفادني الرب من رَحمته وإنعامه بِملكه وَقدرته حَتَّى علمت مَا أعلمهُ وَقَوله فَوجدت برد أنامله يحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى برد نعمه فَإِن تَأْوِيل الأنامل على معنى الإصبع على مَا تقدم فَيكون الْمَعْنى حَتَّى وجدت آثَار إحسانه وَنعمته وَرَحمته فِي صَدْرِي فتجلى لي عِنْد ذَلِك علم مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض برحمة الله وَفضل نعْمَته وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَقَوله فَإِذا أَنا بربي ﵎ فِي أحسن صُورَة أَو رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة هَذَا رَاجع إِلَى النَّبِي ﷺ أَي رَأَيْته وَأَنا فِي أحسن صُورَة كَقَوْل الْقَائِل رَأَيْت الْأَمِير فِي أحسن صُورَة وَمرَاده وَأَنا فِي أحسن زيي وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَاد أَن الله تَعَالَى زين خلقته ﵇ وكمل صورته عِنْد رُؤْيَته لرَبه زِيَادَة إكرام وتعظيم وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين مَا ملخصاه يجوز أَن يكون قَوْله فِي أحسن صُورَة رَاجعا إِلَى مُحَمَّد أَي رَأَيْته وَأَنا فِي أحسن صُورَة بِمَعْنى أَن الله حسن صورته وَنَقله إِلَى هَيْئَة يُمكنهُ مَعهَا رُؤْيَته إِذْ كَانَ الْبشر لَا يُمكنهُم رُؤْيَته تَعَالَى على صورتهم الَّتِي عَلَيْهَا حَتَّى ينقلوا إِلَى صور أخر غير صورهم كَمَا أَن أهل الْجنَّة ينقلهم الله عَن صفاتهم إِلَى صِفَات آخر أَعلَى وأشرف فَعجل الله

стр. 123

لنَبيه هَذِه الْكَرَامَة فِي الدُّنْيَا وَيجوز أَن يكون رَاجعا إِلَى الله بِمَعْنى أَنه رَاء ربه على أحسن مَا وعده بِهِ من إنعامه وإحسانه وإكرامه كَمَا تَقول للرجل كَيفَ كَانَت صُورَة أَمرك عِنْد لِقَاء الْملك فَيَقُول خير صُورَة أَعْطَانِي وأنعم عَليّ وأدناني من مَحل كرامته فهذان تَأْوِيلَانِ صَحِيحَانِ جاريان على أساليب كَلَام الْعَرَب قَالَ وَقد جَاءَ فِي بعض الحَدِيث أَنه كَانَت رُؤْيَة فِي الْمَنَام فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك كَانَ التَّأْوِيل وَاضحا لِأَنَّهُ لَا يُنكر رُؤْيَة الله تَعَالَى فِي الْمَنَام كَذَلِك انْتهى وروى أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم أَنه ﵇ قَالَ خلق الله آدم على صورته وَطوله سِتُّونَ ذِرَاعا الحَدِيث وَفِيه وكل من يدْخل الْجنَّة على صُورَة آدم طوله سِتُّونَ ذِرَاعا فَلم تزل الْخلق تنقص بعده حَتَّى الْآن وَفِي لفظ آخر إِذا قَاتل أحدكُم أَخَاهُ فليجتنب الْوَجْه فَإِن الله خلق آدم على صورته قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا من أَحَادِيث الصِّفَات وَمذهب السّلف

стр. 124

أَنه لَا يتَكَلَّم فِي مَعْنَاهَا بل يَقُولُونَ يجب علينا أَن نؤمن بهَا ونعتقد لَهَا معنى يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى من اعتقادنا أَنه ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَهَذَا القَوْل اخْتَارَهُ جمَاعَة من محققي الْمُتَكَلِّمين قَالَ وَهُوَ أسلم وَالثَّانِي أَنَّهَا تؤول على مَا يَلِيق على حسب مواقعها قَالَ الْمَازرِيّ وَقد غلط ابْن قُتَيْبَة فِي هَذَا الحَدِيث فأجراه على ظَاهره وَقَالَ الله صُورَة لَا كالصور قَالَ وَهَذَا كَقَوْل المجسمة جسم لَا كالأجسام لما رَأَوْا أهل السّنة يَقُولُونَ الله تَعَالَى شَيْء لَا كالأشياء وَالْفرق أَن لَفْظَة شَيْء لَا تفِيد الْحُدُوث وَلَا تَتَضَمَّن مَا يَقْتَضِيهِ وَأما جسم وَصُورَة فيتضمنان التَّأْلِيف والتركيب وَذَلِكَ دَلِيل الْحُدُوث وَقَالَ أهل التَّأْوِيل مَا قَالَه الْخطابِيّ إِن الضَّمِير فِي صورته يعود على آدم بِمَعْنى أَن الله تَعَالَى خلقه ابْتِدَاء على صورته الَّتِي أوجده عَلَيْهَا وَلم يردده فِي أطوار الْخلقَة كبنيه نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ أجنة ثمَّ أطفالا وَفِي الحَدِيث الْأُخَر الضَّمِير يعود على الْمَضْرُوب وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين مَا ملخصه يجوز عود الضَّمِير على آدم وعَلى الله فَإِن عَاد على آدم فالغرض مِنْهُ الرَّد على الدهرية وَالْيَهُود وَهُوَ من جَوَامِع الْكَلم فَإِن الدهرية قَالَت إِن الْعَالم لَا أول لَهُ فَلَا حَيَوَان إِلَّا من حَيَوَان آخر قبله وَلَا زرع إِلَّا من بذر قبله فأعلمنا ﵇ أَن الله خلق آدم على صورته

стр. 125

الَّتِي شوهد عَلَيْهَا ابْتِدَاء وَقَالُوا أَيْضا إِن للطبيعة وَالنَّفس الْكُلية فعلا فِي المحدثات المتكونة غير فعل الله فأعلمنا أَنه أوجده كَذَلِك دون مُشَاركَة من طبيعة أَو نفس وَالْيَهُود قَالَت إِن آدم فِي الذَّنب كَانَ على خلاف صورته فِي الْجنَّة فَلَمَّا خرج مِنْهَا نقص قامته وَغير خلقته فأعلمنا بكذبهم وَأَنه خلق فِي أول أمره على صورته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا عِنْد هُبُوطه وَإِن عَاد الضَّمِير على الله فإضافة صُورَة آدم إِلَيْهِ على وَجه التشريف والتخصيص لَا على مَا يسْبق للوهم من مَعَاني الْإِضَافَة كَقَوْلِهِم الْكَعْبَة بَيت الله وَإِنَّمَا خصصه بِالْإِضَافَة إِلَى الله دون غَيره لِأَن الله خلقه دفْعَة وَاحِدَة من غير ذكر وَأُنْثَى وَلَا ضمته الْأَرْحَام وخلقه بِيَدِهِ وأسجد لَهُ مَلَائكَته وَهُوَ أَبُو الْبشر فنبهنا ﵇ بِإِضَافَة صورته إِلَى الله على ذَلِك وَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ الْحجر ٢٩ وَقَوله ﴿وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ الْمَائِدَة ١١٦ وَقَوله ﴿لما خلقت بيَدي﴾ ص ٧٥ فَكَمَا لَا تدل هَذِه الْإِضَافَة على أَن لَهُ نفسا وروحا ويدين فَكَذَلِك إِضَافَة الصُّورَة إِلَيْهِ تَعَالَى لَا تدل على أَن لَهُ صُورَة قَالَ وَأَيْضًا فالعرب تسْتَعْمل الصُّورَة على وَجْهَيْن أَحدهمَا الصُّورَة الَّتِي هِيَ شكل مخطط مَحْدُود بالجهات وَالثَّانِي بِمَعْنى صفة الشَّيْء كَقَوْلِهِم مَا صُورَة أَمرك فَكيف كَانَت صُورَة نَفسك وَهَذَا هُوَ المُرَاد هُنَا فَإِن الله جعله خَليفَة فِي

стр. 126

أرضه يعلم وَيَأْمُر وَينْهى ويسوس وَيُدبر وسخر لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض انْتهى وَاعْترض بَعضهم هَذِه الْأَجْوِبَة وَقَالَ الْوَاجِب أَن تمر الْأَحَادِيث كَمَا جَاءَت بِلَا تَأْوِيل وَلَا تكييف فَإِن الضَّمِير إِذا كَانَ عَائِدًا على آدم لَا فَائِدَة فِيهِ إِذْ لَيْسَ يشك أحد أَن الله خَالق الْإِنْسَان على صورته وَالسِّبَاع والأنعام على صورها فَأَي فَائِدَة فِي الْحمل على ذَلِك وَلَا جَائِز أَن يُقَال عَائِد على الْمَضْرُوب إِذْ لَا فَائِدَة فِيهِ لِأَن الْخلق عالمون بِأَن آدم خلق على خلق وَلَده وَوَجهه على وُجُوههم قلت وَفِي هَذَا الإعتراض نظر فَإِنَّهُ لَا يرد بعد إبراز مَا تقدم من النكات وَالْحكم نعم مِمَّا يُقَوي الإعتراض قَوْله ﵇ فِي حَدِيث آخر لاتقبحوا الْوَجْه فَإِن ابْن آدم خلق على صُورَة الرحمان وَقَول الْمَازرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث إِنَّه لَيْسَ بِثَابِت عِنْد أهل الحَدِيث فِيهِ مَا فِيهِ فقد رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن جرير عَن الْأَعْمَش عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 127

وَهَذَا غَايَة مَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ يحْتَمل أَن لفظ هَذَا الحَدِيث كَمَا فِي الحَدِيث الآخر فأداه الْبَعْض الرواه على مَا وَقع فِي قلبه من مَعْنَاهُ وَالله أعلم ثمَّ رَأَيْت الْحَافِظ ابْن حجر قَالَ وَقد أنكر الْمَازرِيّ وَمن تبعه صِحَة هَذِه الرِّوَايَة وَقد أخرجهَا ابْن أبي عَاصِم فِي السّنة وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات وأخرجها ابْن أبي عَاصِم أَيْضا من طَرِيق أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ يرد التَّأْوِيل الأول قَالَ من قَاتل فليجتنب الْوَجْه فَإِن صُورَة وَجه الْإِنْسَان على صُورَة وَجه الرحمان قَالَ فَتعين إِجْرَاء ذَلِك على مَا تقررد بَين أهل السّنة من إمراره كَمَا جَاءَ من غير اعْتِقَاد تَشْبِيه قَالَ وَزعم بَعضهم أَن الضَّمِير يعود على آدم أَي على صفته أَي خلقه مَوْصُوفا بِالْعلمِ الَّذِي فضل بِهِ على الْحَيَوَان قَالَ وَهَذَا مُحْتَمل وَقيل الضَّمِير لله وَتمسك قَائِله بِمَا فِي بعض طرقه على صُورَة الرحمان فَالْمُرَاد بالصورة الصّفة أَي إِن الله خلقه على صفته من الْعلم والحياة والسمع وَالْبَصَر وَغير ذَلِك وَإِن كَانَت صِفَات الله لَا يشبهها شَيْء انْتهى

стр. 128

قلت لَكِن التَّعْلِيل بإتقاء الْوَجْه يرد جَمِيع التَّأْوِيل وَلم يبْق إِلَّا التعويل على مَذْهَب من سلف من أَئِمَّة السّلف وروى ابْن عَبَّاس إِن مُوسَى ﵇ ضرب الْحجر لبني إِسْرَائِيل فتفجر فَقَالَ اشربوا يَا حمير فَأوحى الله إِلَيْهِ عَمَدت إِلَى خلق من خلقي على صُورَتي فشبهتهم بالحمير فَمَا برح حَتَّى عُوقِبَ قَالَ الْقُرْطُبِيّ ذكره القتيبي فِي مُخْتَلف الحَدِيث وَقَالَ القتيبي وَالَّذِي عِنْدِي وَالله أعلم أَن الصُّورَة لَيست بِأَعْجَب من الْيَدَيْنِ وَالْيَمِين وَالْعين وَإِنَّمَا وَقعت الألفة لتِلْك لمجيئها فِي الْقُرْآن وَوَقعت الوحشة من هَذِه لِأَنَّهَا لم تأت فِي الْقُرْآن وَنحن نؤمن بِالْجَمِيعِ وَلَا نقُول فِي شَيْء مِنْهُ بكيفية وَلَا حد انْتهى وَفِي البُخَارِيّ وَمُسلم حَدِيث هَل نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة وَفِيه فيأتيهم الله فِي صُورَة غير صورته الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُول أَنا ربكُم فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك هَذَا مَكَاننَا حَتَّى يأتينا رَبنَا فَإِذا أَتَانَا عَرفْنَاهُ فيأتيهم الله فِي الصُّورَة وَفِي لفظ آخر فِي صورته الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُول أَنا ربكُم فَيَقُولُونَ أَنْت رَبنَا فيتبعونه الحَدِيث

стр. 129

وَقَالَ بعض أهل التَّأْوِيل إِن فِي بِمَعْنى الْبَاء كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾ الْبَقَرَة ٢١٠ أَي بظلل فَيكون معنى الْإِتْيَان هُنَا أَنه يحضر لَهُم تِلْكَ الصُّورَة وَيذكر أَنه ملك عَظِيم يَقُولُونَ لَهُم بِأَمْر الله أَنا ربكُم وَأما الصُّورَة الثَّانِيَة فَهِيَ صفته تَعَالَى لَا يُشَارِكهُ فِيهَا شَيْء وَهُوَ الْوَصْف الَّذِي كَانُوا عرفوه فِي الدُّنْيَا بقوله ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَلذَلِك قَالُوا إِذا جَاءَنَا رَبنَا عَرفْنَاهُ قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَلَا يستبعد إِطْلَاق الصُّورَة بِمَعْنى الصّفة فَمن المتداول أَن يُقَال صُورَة هَذَا الْأَمر كَذَا أَي صفته وَقيل الْكَلَام خرج مخرج المشاكلة للفظ الصُّورَة وَالله أعلم وَمذهب السّلف أسلم وَمن الْمُتَشَابه السَّاق فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق وَيدعونَ إِلَى السُّجُود﴾ الْقَلَم ٤٢ وَقَوله ﵇ فِي حَدِيث البُخَارِيّ وَمُسلم قَالُوا يَا رَسُول الله هَل نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة وَفِيه فَيَقُول هَل بَيْنكُم وَبَينه آيَة تعرفونه بهَا فَيَقُول نعم فَيكْشف عَن سَاق فَلَا يبْقى من كَانَ يسْجد لله من تِلْقَاء نَفسه إِلَّا أذن الله لَهُ بِالسُّجُود وَلَا يبْقى من كَانَ اتقاء ورياء إِلَّا جعل الله ظَهره طبقَة وَاحِدَة كلما أَرَادَ أَن يسْجد خر على قَفاهُ الحَدِيث وَفِي بعض طرق البُخَارِيّ يكْشف رَبنَا عَن سَاقه

стр. 130

قَالَ الْخطابِيّ هَذَا الحَدِيث مِمَّا تهيب القَوْل فِيهِ شُيُوخنَا فأجروه على ظَاهر لَفظه وَلم يكشفوا عَن بَاطِن مَعْنَاهُ على نَحْو مَذْهَبهم فِي التَّوْقِيف عِنْد تَفْسِير كل مَا لَا يُحِيط الْعلم بكنهه من هَذَا الْبَاب وَقَالَ أهل التَّأْوِيل هَذَا يؤول على معنى شدَّة الْأَمر وهوله قَالَ الْجَوْهَرِي وَغَيره فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ أَي عَن شدَّة كَمَا يُقَال قَامَت الْحَرْب على سَاق وروى الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ فَقَالَ إِذا خَفِي عَلَيْكُم شَيْء من الْقُرْآن فابتغوه من الشّعْر فَإِنَّهُ ديوَان الْعَرَب أما سَمِعْتُمْ قَول الشَّاعِر ... قد سنّ لي قَوْمك ضرب الْأَعْنَاق ... وَقَامَت الْحَرْب بِنَا على سَاق ... قَالَ ابْن عَبَّاس هَذَا يَوْم كرب وَشدَّة وَعَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى

стр. 131

﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ قَالَ هُوَ الْأَمر الشَّديد المفظع من الهول يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ بعض الْأَعْرَاب وَكَانَ يطرد الطير عَن الزَّرْع فِي سنة جدبة ... عجبت من نَفسِي وَمن إشفاقها ... وَمن طرادي الطير عَن أرزاقها ... فِي سنة قد كشفت عَن سَاقهَا ... وَفِي الْبَيْضَاوِيّ ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ أَي يَوْم يشْتَد الْأَمر ويصعب الْخطب وكشف السَّاق مثل فِي ذَلِك أَو يَوْم يكْشف عَن أصل الْأَمر وَحَقِيقَته بِحَيْثُ يصير عيَانًا مستعار من سَاق الشّجر وسَاق الْإِنْسَان وَفِي الْقَامُوس ﴿والتفت السَّاق بالساق﴾ آخر شدَّة الدُّنْيَا بِأول شدَّة الْآخِرَة يذكرُونَ السَّاق إِذا أَرَادوا شدَّة الْأَمر والإخبار عَن هوله انْتهى وَقَالَ بَعضهم لَا يُنكر أَن الله سُبْحَانَهُ قد يكْشف لَهُم عَن سَاق لبَعض المخلوقين من مَلَائكَته أَو غَيرهم وَيجْعَل ذَلِك سَببا لما شَاءَ من كَلمته فِي أهل الْإِيمَان والنفاق قَالَ الْخطابِيّ وَفِيه وَجه آخر لم أسمعهُ من قدوة وَقد

стр. 132

يحْتَملهُ معنى اللُّغَة سَمِعت أَبَا عَمْرو يذكر عَن أَحْمد بن يحيى النَّحْوِيّ قَالَ والساق النَّفس وَمِنْه قَول عَليّ ﵁ حِين رَاجعه أَصْحَابه فِي قتال الْخَوَارِج وَالله لأقاتلهم وَلَو تلفت ساقي يُرِيد نَفسه قَالَ الْخطابِيّ فقد يحْتَمل على هَذَا أَن يكون المُرَاد التجلي لَهُم وكشف الْحجب حَتَّى إِذا رَأَوْهُ سجدوا لَهُ قَالَ وَلست أقطع بِهِ القَوْل وَلَا أرَاهُ وَاجِبا فِيمَا أذهب إِلَيْهِ من ذَلِك قَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا أصح مَا قيل فِي ذَلِك وَقد ورد بِمَعْنَاهُ حَدِيث ذَكرْنَاهُ فِي كتَابنَا التَّذْكِرَة انْتهى وَجَاء من حَدِيث روح بن جنَاح مَرْفُوعا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ قَالَ عَن نور عَظِيم لَهُ سجدوا لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ روح بن جنَاح يَأْتِي بِأَحَادِيث مُنكرَة لَا يُتَابع عَلَيْهَا وَالله تَعَالَى أعلم وَأما الرجل والقدم فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ عَن أنس بن مَالك ﵁ أَن نَبِي الله ﷺ قَالَ لَا تزَال جَهَنَّم تَقول هَل من مزِيد حَتَّى يضع رب الْعِزَّة فِيهَا قدمه

стр. 133

فَتَقول قطّ قطّ وَعزَّتك وتزوي بَعْضهَا إِلَى بعض وَفِي البُخَارِيّ فَيَضَع الرب قدمه عَلَيْهَا فَتَقول قطّ قطّ فهناك تمتلئ وينزوي بَعْضهَا إِلَى بعض وَفِي بعض الطّرق حَتَّى يضع الْجَبَّار فِيهَا قدمه وَفِي مُسلم فَلَا يزَال فِي الْجنَّة فضل حَتَّى ينشئ الله لَهَا خلقا فيسكنهم فضل الْجنَّة قَالَ التِّرْمِذِيّ وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ رِوَايَات كَثِيرَة فِي مثل هَذَا وَالْمذهب فِي هَذَا عَن أهل الْعلم من الْأَئِمَّة مثل سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك بن أنس وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَابْن الْمُبَارك ووكيع وَغَيرهم أَنهم قَالُوا نروي هَذِه الْأَحَادِيث ونؤمن بهَا وَلَا يُقَال كَيفَ وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ أهل الحَدِيث أَن يرووا هَذِه الْأَشْيَاء كَيفَ جَاءَت ويؤمن بهَا وَلَا تفسر وَلَا يتَوَهَّم وَلَا يُقَال كَيفَ قَالَ وَهَذَا أَمر أهل الْعلم الَّذِي أختاروه وذهبوا إِلَيْهِ وَقَالَ الْخطابِيّ كَانَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَهُوَ أحد

стр. 134

أنهياء أهل الْعلم يَقُول نَحن نروي هَذِه الْأَحَادِيث وَلَا نريغ لَهَا الْمعَانِي قَالَ الْخطابِيّ وَنحن أَحْرَى أَن لَا نتقدم فِيمَا تَأَخّر عَنهُ من هُوَ أَكثر منا علما وأقدم زَمَانا وسنا وَلَكِن الزَّمَان الَّذِي نَحن فِيهِ قد صَار أَهله حزبين مُنكر لما يرْوى من هَذِه الْأَحَادِيث ومكذب بِهِ أصلا وَفِي ذَلِك تَكْذِيب الْعلمَاء الَّذين رووا هَذِه الْأَحَادِيث وهم أَئِمَّة الدّين وثقة السّنَن والواسطة بَيْننَا وَبَين رَسُول الله ﷺ والطائفة الْأُخْرَى مسلمة للرواة فِيهَا ذَاهِبَة فِي تَحْقِيق الظَّاهِر مِنْهَا مذهبا يكَاد يُفْضِي إِلَى القَوْل بالتشبيه وَنحن نرغب عَن الْأَمريْنِ مَعًا وَلَا نرضى بِوَاحِد مِنْهُمَا فيحق علينا أَن نطلب لما يرد من هَذِه الْأَحَادِيث إِذا صحت من طَرِيق النَّقْل والسند تَأْوِيلا وَقَالَ أهل التَّأْوِيل الْقدَم هَا هُنَا يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ من قدمهم الله للنار من أَهلهَا وكل شَيْء قَدمته فَهُوَ قدم وَالْعرب تطلق الْقدَم على السَّابِقَة فِي الْأَمر قَالَ النَّضر بن شُمَيْل فِي معنى قَوْله حَتَّى يضع الْجَبَّار فِيهَا قدمه أَي من سبق فِي علمه أَنه من أهل النَّار

стр. 135

قَالَ الْخطابِيّ وَقد تَأَول بَعضهم الرجل على نَحْو هَذَا قَالَ وَالْمرَاد بِهِ عدد اسْتِيفَاء الْجَمَاعَة الَّذين استوجبوا دُخُول النَّار وَالْعرب تسمي جمَاعَة الْجَرَاد رجلا كَمَا سموا جمَاعَة الظباء سربا واستعير ذَلِك لجَماعَة النَّاس وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَقيل إِن هَؤُلَاءِ قوم تَأَخّر دُخُولهمْ فِي النَّار وهم جماعات لِأَن أَهلهَا يلقون فِيهَا فوجا فوجا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها﴾ الْملك ٨ فالخزنة تنْتَظر أُولَئِكَ الْمُتَأَخِّرين إِذْ قد علموهم بِأَسْمَائِهِمْ وأوصافهم فَإِذا استوفى كل وَاحِد مِنْهُم مَا أَمر بِهِ وَلم يبْق أحد قَالَت الخزنة قطّ قطّ أَي حَسبنَا حَسبنَا أَي اكتفينا اكتفينا وَحِينَئِذٍ تنزوي جَهَنَّم على من فِيهَا وتنطبق إِذْ لم يبْق أحد ينْتَظر فَعبر عَن ذَلِك الْجمع المنتظر بِالرجلِ والقدم لَا أَن الله تَعَالَى جسم من الْأَجْسَام تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَقَالَ بَعضهم الْقدَم خلق من خلق الله تَعَالَى يخلقه يَوْم الْقِيَامَة فيسميه قدما ويضعه فِي النَّار فتمتلئ مِنْهُ وَقَالَ بَعضهم المُرَاد بالقدم هُنَا قدم خلقه وَقَالَ ابْن فورك قَالَ بَعضهم الْقدَم خلق من خلق الله يخلقه يَوْم الْقِيَامَة فيسميه قدما ويضيفه إِلَيْهِ من طَرِيق الْفِعْل يَضَعهُ فِي النَّار فتمتلئ مِنْهُ

стр. 136

وَأما الرجل فالعرب تسمي جمَاعَة الْجَرَاد رجلا كَمَا سموا جمَاعَة الظباء سربا وَجَمَاعَة الْحمير عانة وَيسْتَعْمل فِي جمَاعَة النَّاس على سَبِيل التَّشْبِيه قَالَ ... ترى النَّاس أَفْوَاجًا إِلَى بَاب دَاره ... كَأَنَّهُمْ رجلا دبا وجراد ... الدبا الْجَرَاد قبل أَن يطير وَأما الْجَبَّار هُنَا فَقَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن يكون أُرِيد بِهِ الْمَوْصُوف بالتجبر من الْخلق كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وخاب كل جَبَّار عنيد﴾ إِبْرَاهِيم ١٥ وَقَالَ بَعضهم الْجَبَّار هُنَا إِبْلِيس وشيعته فَإِنَّهُ أول من استكبر والتكبر والتجبر بِمَعْنى وَاحِد وَقَالَ ابْن التلمساني فِي قَوْله ﵇ حَتَّى يضع الْجَبَّار فِيهَا قدمه إِن الْجَبَّار لَيْسَ من الْأَسْمَاء الْخَاصَّة بِاللَّه تَعَالَى وَالْمرَاد بِهِ جَبَّار يعلم الله عتوه واستكباره كإبليس وَأَتْبَاعه مثلا والنمرود وَجُنُوده وَقد قَالَ ﵇ أهل النَّار كل متكبر جَبَّار انْتهى

стр. 137

قلت وَرُبمَا يرد هَذَا التَّأْوِيل حَدِيث حَتَّى يضع الله رجله وَحَدِيث فَيَضَع الرب قدمه فَيكون تَعَالَى هُوَ المُرَاد بالجبار فِي الحَدِيث الآخر لَكِن الْخلف خُصُوصا الْمُتَكَلِّمين تَجِد عِنْدهم التَّأْوِيل فِي مثل هَذَا بالمجازفة وَلَا يراعون أَلْفَاظ الحَدِيث إِمَّا لعدم معرفَة أَلْفَاظ طرقه كلهَا أَو لمسارعتهم للباب بِلَا تَأمل وَلَا ريب أَن السّلف قد تصوروا فِي نُفُوسهم مثل هَذِه الْأَجْوِبَة فرأوها متناقضة متهافتة فَسَكَتُوا عَنْهَا وَلم يتفوهوا بهَا لعلمهم بفسادها وفوضوا الْعلم فِيهَا إِلَى الله تَعَالَى مَعَ أَنهم أَكثر علما منا بِيَقِين وَقَالَ الْخطابِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَيجوز أَن تكون هَذَا الْأَسْمَاء أَمْثَالًا يُرَاد بهَا إِثْبَات معَان لَا حَظّ لظَاهِر اللَّفْظ فِيهَا من طَرِيق الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا أُرِيد بِوَضْع الرجل عَلَيْهَا نوع من الزّجر لَهَا وتسكين غيظها كَمَا يَقُول الْقَائِل للشَّيْء يُرِيد محوه وإبطاله جعلته تَحت رجْلي وَوَضَعته تَحت قدمي وخطب ﵇ عَام الْفَتْح فَقَالَ أَلا إِن كل دم ومأثرة فِي الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ تَحت قدمي هَاتين يُرِيد محو تِلْكَ المآثر وإبطالها وَمَا أَكثر مَا تضرب

стр. 138

الْعَرَب الْأَمْثَال فِي كَلَامهَا بالأعضاء وَهِي لَا تُرِيدُ أعيانها كَقَوْلِهِم فِيمَن تكلم وَنَدم قد سقط فِي يَده أَي نَدم وَرَغمَ أنف الرجل إِذا ذل وَعلا كَعبه إِذا جلّ وشمخ أَنفه إِذا تكبر وَجعلت كَلَام فلَان دبر أُذُنِي وَحَاجته خلف ظَهْري وَنَحْو ذَلِك من ألفاظهم وَمن الْمُتَشَابه الْجنب والحقو فِي قَوْله تَعَالَى ﴿على مَا فرطت فِي جنب الله﴾ الزمر ٥٦ وَقَوله ﵇ فِي حَدِيث الْبَيْهَقِيّ إِن الله تَعَالَى خلق الْخلق حَتَّى إِذا فرغ مِنْهُ قَامَت الرَّحِم فَأخذت بحقوي الرحمان فَقَالَ مَه فَقَالَت هَذَا مقَام العائذ بك من القطيعة قَالَ نعم أما ترْضينَ أَن أصل من وصلك وأقطع من قَطعك قَالَت بلَى يَا رب قَالَ فَذَلِك لَك والْحَدِيث أَيْضا فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ لَكِن لَيْسَ فِيهِ فَأخذت بحقو الرحمان والحقو مَا تَحت الخاصرة وَيُطلق على الْإِزَار قَالَ أهل التَّأْوِيل كَمَا فِي تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ ﴿فِي جنب الله﴾ فِي جَانِبه أَي فِي حَقه وَهُوَ طَاعَته انْتهى لِأَن التَّفْرِيط إِنَّمَا يَقع فِي ذَلِك لَا فِي الْجنب الْمَعْهُود

стр. 139

وَقَالَ الضَّحَّاك ﴿فِي جنب الله﴾ فِي ذكر الله كَمَا قرئَ بِهِ وَقَالَ مُجَاهِد الْمَعْنى على مَا ضيعت من أَمر الله وَالْمعْنَى فِي الْجَمِيع مُتَقَارب وَعَن الْفراء ﴿فِي جنب الله﴾ فِي قربه وجواره قَالَ وَالْجنب مُعظم الشَّيْء وَأَكْثَره وَمِنْه قَوْلهم هَذَا قَلِيل فِي جنب مودتك وَيُقَال مَا فعلت ذَلِك فِي جنب حَاجَتي قَالَ كثير ... أَلا تتقين الله فِي جنب عاشق ... لَهُ كبد حرى عَلَيْك تقطع ... أَي فِي حَاجته أَو حَقه وَنسب الْبَيْضَاوِيّ هَذَا الْبَيْت لسابق الْبَرْبَرِي وَأما الحقو فَقَالَ الْخطابِيّ الْكَلَام فِي الصِّفَات ثَلَاثَة أَقسَام قسم تحقق كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَنَحْوهمَا وَقسم يحمل على ظَاهره وَيجْرِي بِلَفْظِهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ من غير تَأْوِيل كَالْيَدِ وَالْوَجْه وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُمَا صِفَات لَا كَيْفيَّة لَهَا فَلَا يُقَال معنى الْيَد النِّعْمَة وَالْقُوَّة وَلَا معنى الْوَجْه الذَّات على مَا ذهب إِلَيْهِ نفاة الصِّفَات وَقسم يؤول وَلَا يجْرِي على ظَاهره كَقَوْلِه عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 140

إِخْبَارًا عَن الله تَعَالَى من تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا الحَدِيث لَا أعلم أحدا من الْعلمَاء أجراه على ظَاهره بل كل مِنْهُم تَأَوَّلَه على الْقبُول من الله لعَبْدِهِ وَحسن الإقبال عَلَيْهِ وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ ومضاعفة الْجَزَاء لَهُ على صنعه وَذكر حَدِيث لما خلق الله الرَّحِم تعلّقت بحقوي الرحمان قَالَ لَا أعلم أحدا من الْعلمَاء حمل الحقو على ظَاهر مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَة وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ اللياذ والإعتصام تمثلا لَهُ بِفعل من اعْتصمَ بِحَبل ذِي عزة واستجار بِذِي ملكه وقدرة وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَمَعْنَاهُ عِنْد أهل النّظر أَنَّهَا استجارت واعتصمت بِاللَّه كَمَا تَقول الْعَرَب تعلّقت بِظِل جنَاحه أَي اعتصمت بِهِ وَقَالَ بَعضهم قَوْله فَأخذت بحقو الرحمان مَعْنَاهُ فاستجارت بكنفي رَحمته وَالْأَصْل فِي الحقو معقد الْإِزَار وَلما كَانَ من شَأْن المستجير أَن يسْتَمْسك بحقوي المستجار بِهِ وهما جانباه الْأَيْمن والأيسر أستعير الْأَخْذ بالحقو فِي اللياذ بالشَّيْء تَقول الْعَرَب عذت بحقو فلَان أَي استجرت بِهِ واعتصمت وَقيل الحقو الْإِزَار وَإِزَاره سُبْحَانَهُ عزه بِمَعْنى أَنه

стр. 141

مَوْصُوف بالعز فلاذت الرحمم بعزه من القطيعة وعاذت بِهِ قلت وَمَا اتَّفقُوا على تَأْوِيله خلافًا للمتصوفة قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ الْحَدِيد ٤ وَنَحْوه مِمَّا مر فَإِن الْمَعِيَّة مَحْمُولَة على معية الْعلم والإحاطة والمشاهدة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى لمُوسَى وَهَارُون ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ طه ٤٦ وَكَذَا قَوْله ﵇ الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي أرضه أَي مَحل عَهده الَّذِي أَخذ بِهِ الْمِيثَاق على بني آدم وَكَذَا قَوْله ﵇ حِكَايَة عَن الله عَبدِي مَرضت فَلم تعدني فَيَقُول رب كَيفَ أعودك وَأَنت رب الْعَالمين فَيَقُول أما علمت أَن عَبدِي فلَانا مرض فَلَو عدته لَوَجَدْتنِي عِنْده عَبدِي جعت فَلم تطعمني فَيَقُول رب كَيفَ أطعمك وَأَنت رب الْعَالمين فَيَقُول أما علمت أَن عَبدِي فلَانا جَاع فَلَو أطعمته لوجدت ذَلِك عِنْدِي قَالَ ابْن تَيْمِية ﵀ ففسر فِي هَذَا الحَدِيث أَنه تَعَالَى إِنَّمَا أَرَادَ بذلك مرض وجوع عَبده ومحبوبه لقَوْله لوجدت ذَلِك عِنْدِي وَلم يقل لَوَجَدْتنِي إِيَّاه لِأَن الْمُحب والمحبوب كالشيء الْوَاحِد من حَيْثُ يرضى أَحدهمَا وَيبغض أَحدهمَا مَا يرضاه الآخر أَو يبغضه وَلِهَذَا قَالَ ﴿إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله﴾ الْفَتْح ١

стр. 142

قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَلِهَذَا أكده تَأْكِيدًا على طَرِيق التخييل فَقَالَ ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ يرد أَن يَد رَسُول الله ﷺ الَّتِي تعلو يَدي الْمُبَايِعين هِيَ يَد الله وَالله تَعَالَى منزه عَن الْجَوَارِح وَعَن صِفَات الأجرام وَإِنَّمَا الْمَعْنى تَقْرِير أَن عقد الْمِيثَاق مَعَ الرَّسُول كعقده مَعَ الله تَعَالَى من غير تفَاوت بَينهمَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾ النِّسَاء ٨٠ انْتهى قَالَ ابْن تَيْمِية وكما فِي الصَّحِيح وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ الحَدِيث فَأخْبر سُبْحَانَهُ بمحبة العَبْد على هَذَا الْوَجْه قَالَ وَقد غلط من زعم أَن هَذَا قرب النَّوَافِل وَأَن قرب الْفَرَائِض أَن يكون هُوَ إِيَّاه تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَعَن قَول الْقَائِلين إِن عين وجود الْحق هُوَ عين وجود الْخلق تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَمن الْمُتَشَابه النَّفس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة﴾ الْأَنْعَام ٥٤ وَقَوله ﴿واصطنعتك لنَفْسي﴾ طه ٤١ وَقَوله ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ آل عمرَان ٢٨ وَقَوله ﵇ عَن الله فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي قَالَ أهل التَّأْوِيل كَمَا ذكره الْبَيْهَقِيّ النَّفس فِي كَلَام

стр. 143

الْعَرَب على وُجُوه نفس مُتَفَرِّقَة مجسمة مروحة وَمِنْهَا مجسمة غير مروحة تَعَالَى الله عَن هذَيْن وَنَفس بِمَعْنى إِثْبَات الذَّات وَعَلِيهِ فَيُقَال فِي الله سُبْحَانَهُ إِنَّه نفس لَا أَن لَهُ نفسا منفوسة أَو جسما مروحا وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ الْمَائِدَة ١١٦ تعلم مَا أخفيه فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا تخفيه من معلوماتك وَقَوله ﴿فِي نَفسك﴾ للمشاكلة والمشاكلة وَإِن ساغت هُنَا لَا تسوغ فِي غَيره وَمثله فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي أَي حَيْثُ لَا يعلم بِهِ أحد وَلَا يطلع عَلَيْهِ وَقَالَ الزّجاج فِي قَوْله ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ أَي ويحذركم الله إِيَّاه وَقَالَ السُّهيْلي النَّفس عبارَة عَن حَقِيقَة الْوُجُود دون معنى زَائِد وَقد اسْتعْمل من لَفظهَا النفاسة وَالشَّيْء النفيس فصلحت للتعبير عَنهُ تَعَالَى وَقَالَ ابْن اللبان أَولهَا الْعلمَاء بتأويلات مِنْهَا أَن النَّفس عبر بهَا عَن الذَّات قَالَ وَهَذَا وَإِن كَانَ سائغا فِي اللُّغَة لَكِن تعدِي الْفِعْل إِلَيْهَا ب فِي المفيدة للظرفية محَال وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي قَوْله ﵇ إِنِّي لأجد نفس ربكُم من قبل الْيمن أَي تنفيسه الكرب بالأنصار

стр. 144

ومعاضدتهم لَهُ أَو بِفَتْح مَكَّة تَنْبِيه وَقد ظهر بِمَا مر أَن النَّفس تطلق على الله مرَادا بهَا الذَّات وَأما الشَّخْص فَفِي حَدِيث البُخَارِيّ وَمُسلم لَا شخص أغير من الله وَلَا شخص أحب إِلَيْهِ الْعذر من الله وَمن أجل ذَلِك بعث الْمُرْسلين مبشرين ومنذرين وَلَا شخص أحب إِلَيْهِ المدحة من الله وَمن أجل ذَلِك وعد الله الْجنَّة قَالَ الْبَيْهَقِيّ قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ ﵀ إِطْلَاق الشَّخْص فِي صفة الله غير جَائِز لِأَن الشَّخْص لَا يكون إِلَّا جسما مؤلفا وخليق أَن لَا تكون هَذَا اللَّفْظَة صَحِيحَة وَأَن تكون تصحيفا من الرَّاوِي قَالَ وَلَيْسَ كل الروَاة يراعون لفظ الحَدِيث حَتَّى لَا يتعدوه بل كثير مِنْهُم يحدث على الْمَعْنى وَلَيْسَ كلهم بفقيه كَقَوْل بعض السّلف فِي كَلَام لَهُ نعم الْمَرْء رَبنَا لَو اطعناه مَا عصانا فَقَائِل هَذِه الْكَلِمَة لم يقْصد بهَا الْمَعْنى الَّذِي لَا يَلِيق بِصِفَات الله فَإِن لفظ الْمَرْء للذّكر الْآدَمِيّ وَلكنه أرسل الْكَلَام على بديهة الطَّبْع من غير تَأمل للمعنى فَلفظ الشَّخْص إِنَّمَا جرى من

стр. 145

الرَّاوِي على هَذَا السَّبِيل إِن لم يكون غَلطا من قبل التَّصْحِيف قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَلَو ثبتَتْ هَذِه اللَّفْظَة لم يكن فِيهَا مَا يُوجب أَن يكون الله شخصا فَإِنَّهُ إِنَّمَا قصد إِثْبَات صفة الْغيرَة لله وَالْمُبَالغَة فِيهِ وَإِن أحدا من الْأَشْخَاص لَا يبلغ ذَلِك وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ مَا ذكره عَن الْخطابِيّ ﵀ وَرَضي عَنهُ من أَن هَذَا اللَّفْظ لم يَصح يُؤَدِّي إِلَى عدم الثِّقَة فِي النقلَة بِمَا نقلوه من ذَلِك وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء بل النَّقْل صَحِيح ويدخله التَّأْوِيل فقد قيل مَعْنَاهُ لَا مترفع لِأَن الشَّخْص مَا شخص وارتفع وَقَالَ القَاضِي أبوبكر بن الْعَرَبِيّ قَالَ بَعضهم إِذا كَانَ الله غيورا وَنبيه كَذَلِك وَهَذَا مِمَّا يجب إعتقاده فَكيف جَاءَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن امْرَأَتي لَا ترد يَد لامس فَقَالَ لَهُ طَلقهَا فَقَالَ إِنِّي أحبها فَقَالَ استمتع بهَا وَأجِيب بِأَنَّهُ ﵇ خشِي على عقله أَو أَن المُرَاد باللامس السَّائِل فَهُوَ كِنَايَة عَن جودها أَو معنى استمتع بهَا أَي خُذ مِنْهَا مَا يَأْخُذ الرِّجَال من النِّسَاء إِلَّا الْجِمَاع ورد ابْن الْعَرَبِيّ هَذِه الْأَجْوِبَة كلهَا لبعدها وَجعل الْجَواب السديد أَن هَذَا الحَدِيث لم يثبت
следующие страницы →