Полный текст (263 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَقَالَ بَعضهم الْأَرْوَاح نور من أنوار الله تَعَالَى وحياة من حَيَاته واحتجت بقول النَّبِي إِن الله خلق خلقه فِي ظلمَة وَألقى عَلَيْهِم من نوره ثمَّ ذكر الْخلاف فِي الْأَرْوَاح هَل تَمُوت أم لَا وَهل تعذب مَعَ الأجساد فِي البرزخ وَفِي مستقرها بعد الْمَوْت وَهل هِيَ النَّفس أَو غَيرهَا
وَقَالَ مُحَمَّد بن نصر المروزى فِي كِتَابه تَأَول صنف من الزَّنَادِقَة وصنف من الروافض فِي روح آدم مَا تأولته النَّصَارَى فِي روح عِيسَى وَمَا تَأَوَّلَه قوم من أَن الرّوح انْفَصل من ذَات الله فَصَارَ فِي الْمُؤمن فعبد صنف من النَّصَارَى عِيسَى وَمَرْيَم جَمِيعًا لِأَن عِيسَى عِنْدهم روح من الله صَار فِي مَرْيَم فَهُوَ غير مَخْلُوق عِنْدهم
وَقَالَ صنف من الزَّنَادِقَة وصنف من الروافض أَن روح آدم مثل ذَلِك أَنه غير مَخْلُوق وتأولوا قَوْله تَعَالَى ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ثمَّ سواهُ وَنفخ فِيهِ من روحه﴾ فزعموا إِن روح آدم لَيْسَ بمخلوق كَمَا تَأَول من قَالَ إِن النُّور من الرب غير مَخْلُوق قَالُوا ثمَّ صَارُوا بعد آدم فِي الْوَصِيّ بعده ثمَّ هُوَ فِي كل نَبِي ووصى إِلَى أَن صَار فِي على ثمَّ فِي الْحسن وَالْحُسَيْن ثمَّ فِي كل وصّى وَإِمَام فِيهِ يعلم الإِمَام كل شَيْء وَلَا يحْتَاج أَن يتَعَلَّم من أحد
وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين أَن الْأَرْوَاح الَّتِي فِي آدم وبنيه وَعِيسَى وَمن سواهُ من بنى آدم كلهَا مخلوقة لله خلقهَا وأنشأها وَكَونهَا واخترعها ثمَّ أضافها إِلَى نَفسه كَمَا أضَاف إِلَيْهِ سَائِر خلقه قَالَ تَعَالَى وسخر لكم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية روح الْآدَمِيّ مخلوقة مبدعة بإتفاق سلف الْأمة وأئمتها وَسَائِر أهل السّنة وَقد حكى إِجْمَاع الْعلمَاء على أَنَّهَا مخلوقة غير وَاحِد من أَئِمَّة الْمُسلمين مثل مُحَمَّد ابْن نصر المروزى الإِمَام الْمَشْهُور الَّذِي هُوَ من أعلم أهل زَمَانه بِالْإِجْمَاع وَلَا اخْتِلَاف وَكَذَلِكَ أَبُو مُحَمَّد بن قُتَيْبَة قَالَ فِي كتاب اللَّفْظ لما تكلم على الرّوح قَالَ النسم الْأَرْوَاح قَالَ وَأجْمع النَّاس على أَن الله تَعَالَى هُوَ فالق الْحبَّة وبارىء النَّسمَة أَي خَالق الرّوح وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق ابْن شاقلا فِيمَا أجَاب بِهِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة سَأَلت رَحِمك الله عَن الرّوح مخلوقة هِيَ أَو غير مخلوقة قَالَ وَهَذَا مِمَّا لَا يشك فِيهِ من وفْق للصَّوَاب أَن الرّوح من الْأَشْيَاء المخلوقة وَقد تكلم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة طوائف من أكَابِر الْعلمَاء والمشايخ وردوا على من يزْعم إِنَّهَا غير مخلوقة وصنف الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه فِي ذَلِك كتابا كَبِيرا وَقَبله الإِمَام مُحَمَّد بن نصر المروزى وَغَيره وَالشَّيْخ أَبُو سعيد الخراز وَأَبُو يَعْقُوب النَّهر جوري وَالْقَاضِي أَبُو يعلى وَقد نَص على ذَلِك الْأَئِمَّة الْكِبَار وَاشْتَدَّ نكيرهم على من يَقُول ذَلِك فِي روح عِيسَى ابْن مَرْيَم فَكيف بِروح
стр. 142
غَيره كَمَا ذكره الإِمَام أَحْمد فِيمَا كتبه فِي مَجْلِسه فِي الرَّد على الزَّنَادِقَة والجهمية ثمَّ أَن الجهمى ادّعى أمرا فَقَالَ أَنا أجد آيَة فِي كتاب الله مِمَّا يدل على أَن الْقُرْآن مَخْلُوق قَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ وَعِيسَى مَخْلُوق قُلْنَا لَهُ إِن الله تَعَالَى مَنعك الْفَهم لِلْقُرْآنِ ان عِيسَى تجرى عَلَيْهِ أَلْفَاظ لَا تجرى على الْقُرْآن لأَنا نُسَمِّيه مولودا وطفلا وصبيا وَغُلَامًا يَأْكُل وَيشْرب وَهُوَ مُخَاطب بِالْأَمر وَالنَّهْي يجرى عَلَيْهِ الْخطاب والوعد والوعيد ثمَّ هُوَ من ذُرِّيَّة نوح وَمن ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم فَلَا يحل لنا أَن نقُول فِي الْقُرْآن مَا نقُول فِي عِيسَى فَهَل سَمِعْتُمْ الله يَقُول فِي الْقُرْآن مَا قَالَ فِي عِيسَى وَلَكِن الْمَعْنى فِي قَوْله تَعَالَى إِن الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ فالكلمة الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم حِين قَالَ لَهُ كن فَكَانَ عِيسَى بكن وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ كن وَلَكِن كَانَ بكن فَكُن من الله قَول وَلَيْسَ كن مخلوقا وكذبت النَّصَارَى والجهمية على الله فِي أَمر عِيسَى وَذَلِكَ أَن الْجَهْمِية قَالُوا روح هَذِه الْخِرْقَة من هَذَا الثَّوَاب قُلْنَا نَحن أَن عِيسَى بِالْكَلِمَةِ كَانَ وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكَلِمَة وَإِنَّمَا الْكَلِمَة قَول الله تَعَالَى كن وَقَوله ﴿وروح مِنْهُ﴾ يَقُول من أمره كَانَ الرّوح فِيهِ كَقَوْلِه تَعَالَى وسخر لكم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ يَقُول من أمره وَتَفْسِير روح الله إِنَّمَا مَعْنَاهَا بِكَلِمَة الله خلقهَا كَمَا يُقَال عبد الله وسماء الله وَأَرْض الله فقد صرح بِأَن روح الْمَسِيح مخلوقة فَكيف بِسَائِر الْأَرْوَاح وَقد أضَاف الله إِلَيْهِ الرّوح الَّذِي أرْسلهُ إِلَى مَرْيَم وَهُوَ عَبده وَرَسُوله وَلم يدل على ذَلِك أَنه قديم غير مَخْلُوق فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا﴾ فَهَذَا الرّوح هُوَ روح الله وَهُوَ عَبده وَرَسُوله
وَسَنذكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَقسَام الْمُضَاف إِلَى الله وأنى يكون الْمُضَاف صفة لَهُ قديمَة وَإِنِّي يكون مخلوقا وَمَا ضَابِط ذَلِك
فصل وَالَّذِي يدل على خلقهَا وُجُوه الْوَجْه الأول قَول الله تَعَالَى
﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ فَهَذَا اللَّفْظ عَام لَا تَخْصِيص فِيهِ بِوَجْه مَا وَلَا يدْخل فِي ذَلِك صِفَاته فَإِنَّهَا دَاخِلَة فِي مُسَمّى بإسمه فَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الْإِلَه الْمَوْصُوف بِصِفَات الْكَمَال فَعلمه وَقدرته وحياته وإرادته وسَمعه وبصره وَسَائِر صِفَاته دَاخل فِي مُسَمّى اسْمه لَيْسَ دَاخِلا فِي الْأَشْيَاء المخلوقة كَمَا لم تدخل ذَاته فِيهَا فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَصِفَاته الْخَالِق وَمَا سواهُ مَخْلُوق
стр. 143
وَمَعْلُوم قطعا أَن الرّوح لَيست هِيَ الله وَلَا صفة من صِفَاته وَإِنَّمَا هِيَ مَصْنُوع من مصنوعاته فوقوع الْخلق عَلَيْهَا كوقوعه على الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالْإِنْس
الْوَجْه الثَّانِي قَوْله تَعَالَى زَكَرِيَّا ﴿وَقد خلقتك من قبل وَلم تَكُ شَيْئا﴾ وَهَذَا الْخطاب لروحه وبدنه لَيْسَ لبدنه فَقَط فَإِن الْبدن وَحده لَا يفهم وَلَا يُخَاطب وَلَا يعقل وَإِنَّمَا الَّذِي يفهم وَيعْقل ويخاطب هُوَ الرّوح
الْوَجْه الثَّالِث قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
الْوَجْه الرَّابِع قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم ثمَّ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم﴾ وَهَذَا الْإِخْبَار إِنَّمَا يتَنَاوَل أَرْوَاحنَا وأجسادنا كَمَا يَقُوله الْجُمْهُور واما أَن يكون وَاقعا على الْأَرْوَاح قبل خلق الأجساد كَمَا يَقُوله من يزْعم ذَلِك وعَلى التَّقْدِير فَهُوَ صَرِيح فِي خلق الْأَرْوَاح
الْوَجْه الْخَامِس النُّصُوص الدَّالَّة على أَنه سُبْحَانَهُ رَبنَا وَرب آبَائِنَا الْأَوَّلين وَرب كل شَيْء وَهَذِه الربوبية شَامِلَة لأرواحنا وأبداننا فالأرواح مربوبة لَهُ مَمْلُوكَة كَمَا ان الْأَجْسَام كَذَلِك وكل مربوب مَمْلُوك فَهُوَ مَخْلُوق
الْوَجْه السَّادِس أول سُورَة فِي الْقُرْآن وَهِي الْفَاتِحَة تدل على أَن الْأَرْوَاح مخلوقة من عدَّة أوجه أَحدهَا قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ والأرواح من جملَة الْعَالم فَهُوَ رَبهَا
الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ فالأرواح عابدة لَهُ مستعينة وَلَو كَانَت غير مخلوقة لكَانَتْ معبودة مستعانا بهَا
الثَّالِث إِنَّهَا فقيرة إِلَى هِدَايَة فاطرها وربها تسأله أَن يهديها صراطه الْمُسْتَقيم
الرَّابِع أَنَّهَا منعم عَلَيْهَا مَرْحُومَة ومغضوب عَلَيْهَا وضالة شقية وَهَذَا شَأْن المربوب والمملوك لَا شَأْن الْقَدِيم غير الْمَخْلُوق
الْوَجْه السَّابِع النُّصُوص الدَّالَّة على أَن الْإِنْسَان عبد بجملته وَلَيْسَت عبوديته وَاقعَة على بدنه دون روحه بل عبوديته الرّوح أصل وعبودية الْبدن تبع كَمَا أَنه تبع لَهَا فِي الْأَحْكَام وَهِي الَّتِي تحركه وتستعمله وَهُوَ تبع لَهَا فِي الْعُبُودِيَّة
الْوَجْه الثَّامِن قَوْله تَعَالَى ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر لم يكن شَيْئا مَذْكُورا﴾ فَلَو كَانَت روحه قديمَة لَكَانَ الْإِنْسَان لم يزل شَيْئا مَذْكُورا فَإِنَّهُ إِنَّمَا هُوَ إِنْسَان بِرُوحِهِ لَا بِبدنِهِ فَقَط كَمَا قيل
يَا خَادِم الْجِسْم كم تشقى بخدمته ... فَأَنت بِالروحِ لَا بالجسم إِنْسَان
стр. 144
الْوَجْه التَّاسِع النُّصُوص الدَّالَّة على أَن الله سُبْحَانَهُ كَانَ وَلم يكن شَيْء غَيره كَمَا ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث عمرَان حُصَيْن أَن أهل الْيمن قَالُوا يَا رَسُول الله جئْنَاك لنتفقه فِي الدّين ونسألك عَن أول هَذَا الْأَمر فَقَالَ كَانَ الله وَلم يكن شَيْء غَيره وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء فَلم يكن مَعَ الله أَرْوَاح وَلَا نفوس قديمَة يساوى وجودهَا وجوده تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا بل هُوَ الأول وَحده لَا يُشَارِكهُ غَيره فِي أوليته بِوَجْه
الْوَجْه الْعَاشِر النُّصُوص الدَّالَّة على خلق الْمَلَائِكَة وهم أَرْوَاح مستغنية عَن أجساد تقوم بهَا وهم مخلوقون قبل خلق الْإِنْسَان وروحه فَإِذا كَانَ الْملك الَّذِي يحدث الرّوح فِي جَسَد ابْن آدم بنفخته مخلوقا فَكيف تكون الرّوح الْحَادِثَة بنفخه قديمَة وَهَؤُلَاء الغالطون يظنون ان الْملك يُرْسل إِلَى الْجَنِين بِروح قديمَة أزلية ينفخها فِيهِ كَمَا يُرْسل الرَّسُول بِثَوْب إِلَى الْإِنْسَان يلْبسهُ إِيَّاه وَهَذَا ضلال وَخطأ وَإِنَّمَا يُرْسل الله سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ الْملك فينفخ فِيهِ نفخة تحدث لَهُ الرّوح بِوَاسِطَة تِلْكَ النفخة فَتكون النفخة هِيَ سَبَب حُصُول الرّوح وحدوثها لَهُ كَمَا كَانَ الْوَطْء والإنزال سَبَب تكوين جِسْمه والغذاء سَبَب نموه فمادة الرّوح من نفخة الْملك ومادة الْجِسْم من صب المَاء فِي الرَّحِم فَهَذِهِ مَادَّة سَمَاوِيَّة وَهَذِه مَادَّة أرضية فَمن النَّاس من تغلب عَلَيْهِ الْمَادَّة السماوية فَتَصِير روحه علوِيَّة شريفة تناسب الْمَلَائِكَة وَمِنْهُم من تغلب عَلَيْهِ الْمَادَّة الأرضية فَتَصِير روحه سفلية ترابية مهينة تناسب الْأَرْوَاح السفلية فالملك أَب لروحه وَالتُّرَاب أَب لبدنه وجسمه
الْوَجْه الْحَادِي عشر حَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ الَّذِي فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره عَن النَّبِي الْأَرْوَاح جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف والجنود المجندة لَا تكون إِلَّا مخلوقة وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عَن النَّبِي أَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وسلمان الْفَارِسِي وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله ابْن مَسْعُود وَعبد الله بن عَمْرو وعَلى بن أَبى طَالب وَعَمْرو بن عبسة رضى الله عَنْهُم
الْوَجْه الثَّانِي عشر أَن الرّوح تُوصَف بالوفاة وَالْقَبْض والإمساك والإرسال وَهَذَا شَأْن الْمَخْلُوق الْمُحدث المربوب قَالَ الله تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت وَيُرْسل الْأُخْرَى إِلَى أجل مُسَمّى إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون﴾ والأنفس هَا هُنَا هِيَ الْأَرْوَاح قطعا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عبد الله بن أَبى قَتَادَة الْأنْصَارِيّ عَن أَبِيه قَالَ سرنا مَعَ رَسُول الله فِي سفر ذَات لَيْلَة فَقُلْنَا يَا رَسُول الله لَو عرست بِنَا فَقَالَ إِنِّي أَخَاف أَن تناموا فَمن يوقظنا للصَّلَاة فَقَالَ بِلَال أَنا يَا رَسُول الله فعرس بالقوم فاضطجعوا واستند بِلَال إِلَى رَاحِلَته فغلبته عَيناهُ فَاسْتَيْقَظَ
стр. 145
رَسُول الله وَقد طلع جَانب الشَّمْس فَقَالَ يَا بِلَال أَيْن مَا قلت لنا فَقَالَ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا ألقيت على نومَة مثلهَا فَقَالَ رَسُول الله ان الله قبض أرواحكم حِين شَاءَ وردهَا حِين شَاءَ فَهَذِهِ الرّوح المقبوضة هِيَ النَّفس الَّتِي يتوفاها الله حِين مَوتهَا وَفِي منامها الَّتِي يتوفاها ملك الْمَوْت وَهِي الَّتِي تتوفاها رسل الله سُبْحَانَهُ وَهِي الَّتِي يجلس الْملك عِنْد رَأس صَاحبهَا ويخرجها من بدنه كرها ويكفنها بكفن من الْجنَّة أَو النَّار ويصعد بهَا إِلَى السَّمَاء فتصلى عَلَيْهَا الْمَلَائِكَة أَو تلعنها وَتوقف بَين يَدي رَبهَا فَيقْضى فِيهَا أمره ثمَّ تُعَاد إِلَى الأَرْض فَتدخل بَين الْمَيِّت وأكفانه فَيسْأَل ويمتحن ويعاقب وينعم وَهِي الَّتِي تجْعَل فِي أَجْوَاف الطير الْخضر تَأْكُل وتشرب من الْجنَّة وَهِي الَّتِي تعرض على النَّار غدوا وعشيا وَهِي الَّتِي تؤمن وتكفر وتطيع وتعصى وَهِي الأمارة بالسوء وَهِي اللوامة وَهِي المطمئنة إِلَى رَبهَا وَأمره وَذكره وَهِي الَّتِي تعذب وتنعم وتسعد وتشقى وتحبس وَترسل وَتَصِح وتسقم وتلذ وتألم وَتخَاف وتحزن وَمَا ذَاك إِلَّا سمات مَخْلُوق مبدع وصفات منشأ مخترع وَأَحْكَام مربوب مُدبر مصرف تَحت مَشِيئَة خالقه وفاطره وبارئه وَكَانَ رَسُول الله يَقُول عِنْد نَومه اللَّهُمَّ أَنْت خلقت نَفسِي وَأَنت توفاها لَك مماتها ومحياها فَإِن أَمْسَكتهَا فإرحمها وَإِن أرسلتها فأحفظها بِمَا تحفظ بِهِ عِبَادك الصَّالِحين وَهُوَ تعلى بارىء النُّفُوس كَمَا هُوَ بارىء الأجساد قَالَ تَعَالَى ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير﴾ قيل من قبل أَن نبرأ الْمُصِيبَة وَقيل من قبل أَن نبرأ الأَرْض وَقيل من قبل أَن نبرأ الْأَنْفس وَهُوَ أولى لِأَنَّهُ أقرب مَذْكُور إِلَى الضَّمِير وَلَو قيل يرجع إِلَى الثَّلَاثَة أَي من قبل أَن نبرأ الْمُصِيبَة وَالْأَرْض والأنفس لَكَانَ أوجه
وَكَيف تكون قديمَة مستغنية عَن خَالق مُحدث مبدع لَهَا وشواهد الْفقر وَالْحَاجة والضرورة أعدل شَوَاهِد على أَنَّهَا مخلوقة مربوبة مصنوعة وَأَن وجود ذَاتهَا وصفاتها وأفعالها من رَبهَا وفاطرها لَيْسَ لَهَا من نَفسهَا إِلَّا الْعَدَم فَهِيَ لَا تملك لنَفسهَا ضرا وَلَا نفعا وَلَا موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا لَا تَسْتَطِيع أَن تَأْخُذ من الْخَيْر إِلَّا مَا أَعْطَاهَا وتتقى من الشَّرّ إِلَّا مَا وقاها وَلَا تهتدي إِلَى شَيْء من صَالح دنياها وأخراها إِلَّا بهداه وَتصْلح إِلَّا بتوفيقه لَهَا وإصلاحه إِيَّاهَا وَلَا تعلم إِلَّا مَا علمهَا وَلَا تتعدى مَا ألهمها فَهُوَ الَّذِي خلقهَا فسواها وألهمها فجورها وتقواها فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه خَالِقهَا ومبدعها وخالق أفعالها من الْفُجُور وَالتَّقوى خلافًا لمن يَقُول إِنَّهَا لَيست مخلوقة وَلمن يَقُول إِنَّهَا وَإِن كَانَت مخلوقة فَلَيْسَ خَالِقًا لأفعالها بل هِيَ الَّتِي تخلق أفعالها وهما قَولَانِ لأهل الضلال والغي
стр. 146
وَمَعْلُوم أَنَّهَا لَو كَانَت قديمَة غير مخلوقة لكَانَتْ مستغنية بِنَفسِهَا فِي وجودهَا وصفاتها وكمالها وَهَذَا من ابطل الْبَاطِل فَإِن فقرها إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فِي وجودهَا وكمالها وصلاحها هُوَ من لَوَازِم ذَاتهَا لَيْسَ مُعَللا بعلة فَإِنَّهُ أَمر ذاتي لَهَا كَمَا أَن غنى رَبهَا وفاطرها ومبدعها من لَوَازِم ذَاته لَيْسَ مُعَللا بعلة فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْغنى بِالذَّاتِ وَهِي الفقيرة إِلَيْهِ بِالذَّاتِ فَلَا يُشَارِكهُ سُبْحَانَهُ فِي غناهُ مشارك كَمَا لَا يُشَارِكهُ فِي قدمه وربوبيته وَملكه التَّام وكماله الْمُقَدّس مشارك فشواهد الْخلق والحدوث على الْأَرْوَاح كشواهده على الْأَبدَان
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس أَنْتُم الْفُقَرَاء إِلَى الله وَالله هُوَ الْغَنِيّ الحميد﴾ وَهَذَا الْخطاب بالفقر إِلَيْهِ للأرواح والأبدان لَيْسَ هُوَ للأبدان فَقَط وَهَذَا الْغنى التَّام لله وَحده لَا يشركهُ فِيهِ غَيره وَقد أرشد الله سُبْحَانَهُ عباده إِلَى أوضح دَلِيل على ذَلِك بقوله ﴿فلولا إِذا بلغت الْحُلْقُوم وَأَنْتُم حِينَئِذٍ تنْظرُون وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون فلولا إِن كُنْتُم غير مدينين ترجعونها إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ أَي فلولا ان كُنْتُم غير مملوكين ومقهورين ومربوبين ومجازين بأعمالكم تردون الْأَرْوَاح إِلَى الْأَبدَان إِذا وصلت إِلَى هَذَا الْموضع أَو لَا تعلمُونَ بذلك أَنَّهَا مَدِينَة مَمْلُوكَة مربوبة محاسبة مجزية بعملها
وَكلما تقدم ذكره فِي هَذَا الْجَواب من أَحْكَام الرّوح وشأنها ومستقرها بعد الْمَوْت فَهُوَ دَلِيل على أَنَّهَا مخلوقة مربوبة مُدبرَة لَيست بقديمة
وَهَذَا الْأَمر أوضح من أَن تساق الْأَدِلَّة عَلَيْهِ وَلَوْلَا ضلال من المتصوفة وَأهل الْبدع وَمن قصر فهمه فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله فَأتى من سوء الْفَهم لَا من النَّص تكلمُوا فِي أنفسهم وأرواحهم بِمَا دلّ على أَنهم من أَجْهَل النَّاس بهَا وَكَيف يُمكن من لَهُ أدنى مسكة من عقل أَن يُنكر أمرا تشهد عَلَيْهِ بِهِ نَفسه وَصِفَاته وأفعاله وجوارحه وأعضاؤه بل تشهد بِهِ السَّمَوَات وَالْأَرْض والخليقة فَللَّه سُبْحَانَهُ فِي كل مَا سواهُ آيَة بل آيَات تدل على أَنه مَخْلُوق مربوب وانه خالقه وربه وبارؤه ومليكه وَلَو جحد ذَلِك فمعه شَاهد عَلَيْهِ
فصل وَأما مَا احتجت بِهِ هَذِه الطَّائِفَة فَأَما مَا أَتَوا بِهِ من اتِّبَاع
متشابه الْقُرْآن والعدول عَن محكمَة فَهَذَا شَأْن كل ضلال ومبتدع
فمحكم الْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره يدل على أَن الله تَعَالَى خَالق الْأَرْوَاح ومبدعها
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ فمعلوم قطعا أَنه لَيْسَ المُرَاد هَا هُنَا بِالْأَمر الطّلب الَّذِي هُوَ أحد أَنْوَاع الْكَلَام فَيكون المُرَاد أَن الرّوح كَلَامه الَّذِي يَأْمر بِهِ وَإِنَّمَا المُرَاد
стр. 147
بِالْأَمر هَا هُنَا الْمَأْمُور وَهُوَ عرف مُسْتَعْمل فِي لُغَة الْعَرَب وَفِي الْقُرْآن مِنْهُ كثير كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَتَى أَمر الله﴾ أَي مَأْمُور الَّذِي قدره وقضاه وَقَالَ لَهُ كن فَيكون وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا أغنت عَنْهُم آلِهَتهم الَّتِي يدعونَ من دون الله من شَيْء لما جَاءَ أَمر رَبك﴾ أَي مأموره الَّذِي أَمر بِهِ من إهلاكهم وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَمر السَّاعَة إِلَّا كلمح الْبَصَر﴾ وَكَذَلِكَ الْخلق يسْتَعْمل بِمَعْنى الْمَخْلُوق كَقَوْلِه تَعَالَى للجنة أَنْت رَحْمَتي فَلَيْسَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ مَا يدل على أَنَّهَا قديمَة غير مخلوقة بِوَجْه مَا وَقد قَالَ بعض السّلف فِي تَفْسِيرهَا جرى بِأَمْر الله فِي أجساد الْخلق وبقدرته اسْتَقر
وَهَذَا بِنَاء على أَن المُرَاد بِالروحِ فِي الْآيَة روح الْإِنْسَان وَفِي ذَلِك خلاف بَين السّلف وَالْخلف وَأكْثر السّلف بل كلهم على أَن الرّوح الْمَسْئُول عَنْهَا فِي الْآيَة لَيست أَرْوَاح بنى آدم بل هُوَ الرّوح الَّذِي أخبر الله عَنهُ فِي كِتَابه أَنه يقوم يَوْم الْقِيَامَة مَعَ الْمَلَائِكَة وَهُوَ ملك عَظِيم وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح من حَدِيث الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله قَالَ بَينا أَنا أمشى مَعَ رَسُول الله فِي حرَّة الْمَدِينَة وَهُوَ متكىء على عسيب فمررنا على نفر من الْيَهُود فَقَالَ بَعضهم لبَعض سلوه عَن الرّوح وَقَالَ بَعضهم لَا تسألوه عَسى أَن يخبر فِيهِ بِشَيْء تكرهونه وَقَالَ بَعضهم نَسْأَلهُ فَقَامَ رجل فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِم مَا الرّوح فَسكت عَنهُ رَسُول الله فَعلمت أَنه يوحي إِلَيْهِ فَقُمْت فَلَمَّا تجلى عَنهُ قَالَ ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾
وَمَعْلُوم أَنهم إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَن أَمر لَا يعرف إِلَّا بِالْوَحْي وَذَلِكَ هُوَ الرّوح الَّذِي عِنْد الله لَا يعلمهَا النَّاس
وَأما أَرْوَاح بنى آدم فَلَيْسَتْ من الْغَيْب وَقد تكلم فِيهَا طوائف من النَّاس من أهل الْملَل وَغَيرهم فَلم يكن الْجَواب عَنْهَا من أَعْلَام النُّبُوَّة
فَإِن قيل فقد قَالَ أَبُو الشَّيْخ حَدثنَا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم أَنبأَنَا إِبْرَاهِيم بن الحكم عَن أَبِيه عَن السدى عَن أَبى مَالك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ بعثت قُرَيْش عقبَة بن أَبى معيط وَعبد الله ابْن أَبى أُميَّة بن الْمُغيرَة إِلَى يهود الْمَدِينَة يَسْأَلُونَهُمْ عَن النَّبِي فَقَالُوا لَهُم انه قد خرج فِينَا رجل يزْعم أَنه نَبِي وَلَيْسَ على ديننَا وَلَا على دينكُمْ قَالُوا فَمن تبعه قَالُوا سفلتنا والضعفاء وَالْعَبِيد وَمن لَا خير فِيهِ وَأما أَشْرَاف قومه فَلم يتبعوه فَقَالُوا انه قد أظل زمَان نَبِي يخرج وَهُوَ على مَا تصفون من أَمر هَذَا الرجل فائتوه فَاسْأَلُوهُ عَن ثَلَاث خِصَال نأمركم بِهن فَإِن أخْبركُم بِهن فَهُوَ نَبِي صَادِق وَإِن لم يُخْبِركُمْ بِهن فَهُوَ كَذَّاب سلوه عَن الرّوح الَّتِي نفخ الله تَعَالَى فِي آدم فَإِن قَالَ لكم هِيَ من الله فَقولُوا كَيفَ يعذب الله فِي النَّار شَيْئا هُوَ
стр. 148
مِنْهُ فَسَأَلَ جِبْرِيل عَنْهَا فَأنْزل الله ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ يَقُول هُوَ خلق من خلق الله لَيْسَ هُوَ من الله الله ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث
قيل مثل هَذَا الْإِسْنَاد لَا يحْتَج بِهِ فَإِنَّهُ من تَفْسِير السدى عَن أَبى مَالك وَفِيه أَشْيَاء مُنكرَة وَسِيَاق هَذِه الْقِصَّة فِي السُّؤَال من الصِّحَاح وَالْمَسَانِيد كلهَا تخَالف سِيَاق السدى وَقد رَوَاهَا الْأَعْمَش والمغيرة بن مقسم عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله قَالَ مر النَّبِي على مَلأ من الْيَهُود وَأَنا أمشى مَعَه فَسَأَلُوهُ عَن الرّوح قَالَ فَسكت فَظَنَنْت أَنه يوحي إِلَيْهِ فَنزلت ﴿ويسألونك عَن الرّوح﴾ يعْنى الْيَهُود قل الرّوح من أَمر ربى وَمَا أُوتُوا من الْعلم إِلَّا قَلِيلا
وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَة عبد الله فَقَالُوا كَذَلِك نجد مثله فِي التَّوْرَاة أَن الرّوح من أَمر الله رَوَاهُ جرير بن عبد الحميد وَغَيره عَن الْمُغيرَة
وروى يحيى بن زَكَرِيَّا بن أَبى زَائِدَة عَن دَاوُد بن أَبى هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ أَتَت الْيَهُود إِلَى النَّبِي فَسَأَلُوهُ عَن الرّوح فَلم يجبهم النَّبِي بِشَيْء فَأنْزل الله ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾
فَهَذَا يدل على ضعف حَدِيث السدى وَأَن السُّؤَال كَانَ بِمَكَّة فَإِن هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث ابْن مَسْعُود صَرِيح فِي أَن السُّؤَال كَانَ بِالْمَدِينَةِ مُبَاشرَة من الْيَهُود وَلَو كَانَ قد تقدم السُّؤَال وَالْجَوَاب بِمَكَّة لم يسكت النَّبِي ولبادر إِلَى جوابهم بِمَا تقدم من إِعْلَام الله لَهُ وَمَا أنزلهُ عَلَيْهِ
وَقد اضْطَرَبَتْ الرِّوَايَات عَن ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة أعظم اضْطِرَاب فَأَما أَن تكون من قبل الروَاة أَو تكون أَقْوَاله قد اضْطَرَبَتْ فِيهَا وَنحن نذْكر فقد ذكرنَا رِوَايَة السدى عَن أَبى مَالك عَنهُ وَرِوَايَة دَاوُد بن أَبى هِنْد عَن عِكْرِمَة عَنهُ تخالفها وَفِي رِوَايَة دَاوُد بن أَبى هِنْد هَذِه اضْطِرَاب فَقَالَ مَسْرُوق بن الْمَرْزُبَان وَإِبْرَاهِيم بن أَبى طَالب عَن يحيى ابْن زَكَرِيَّا عَنهُ أَن الْيَهُود أَتَت النَّبِي الحَدِيث
وَقَالَ مُحَمَّد بن نصر المروزى حَدثنَا إِسْحَاق أَنبأَنَا يحيى بن زَكَرِيَّا عَن دَاوُد بن أَبى هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَت قُرَيْش للْيَهُود أعطونا شَيْئا نسْأَل عَنهُ هَذَا الرجل فَقَالُوا سلوه عَن الرّوح فَنزلت ﴿ويسألونك عَن الرّوح﴾ الْآيَة
стр. 149
وَهَذَا يُخَالف الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنهُ وَحَدِيث ابْن مَسْعُود
وَعَن ابْن عَبَّاس رِوَايَة ثَالِثَة قَالَ هشيم حَدثنَا أَبُو بشر عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قل الرّوح أَمر من أَمر الله وَخلق من خلق الله وصور مثل صور بنى آدم وَمَا نزل من السَّمَاء ملك إِلَّا وَمَعَهُ وَاحِد من الرّوح وَهَذَا يدل على أَنَّهَا غير الرّوح الَّتِي فِي ابْن آدم
وَعنهُ رِوَايَة رَابِعَة قَالَ ابْن مَنْدَه روى عبد السَّلَام بن حَرْب عَن خصيف عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ قد نزل من الْقُرْآن بِمَنْزِلَة كن نقُول كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ ثمَّ سَاق من طَرِيق خصيف عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَا يُفَسر أَرْبَعَة أَشْيَاء الرقيم والغسلين وَالروح
وَقَوله تَعَالَى وسخر لكم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ
وَعنهُ رِوَايَة خَامِسَة رَوَاهَا جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَنهُ أَن الْيَهُود سَأَلُوا رَسُول الله عَن الرّوح فَقَالَ قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ يعْنى خلقا من خلقي ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ يعْنى لَو سئلتم عَن خلق أَنفسكُم وَعَن مدْخل الطَّعَام وَالشرَاب ومخرجهما مَا وصفتم ذَلِك حق صفته وَمَا اهْتَدَيْتُمْ لصفتها
وَعنهُ رِوَايَة سادسة روى عبد الْغنى بن سعيد حَدثنَا مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس وَعَن مقَاتل عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الرّوح﴾ وَذَلِكَ أَن قُريْشًا اجْتمعت فَقَالَ بَعضهم لبَعض وَالله مَا كَانَ مُحَمَّد يكذب وَلَقَد نَشأ فِينَا بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة فأرسلوا جمَاعَة إِلَى الْيَهُود فاسألوهم عَنهُ وَكَانُوا مستبشرين بِهِ ويكثرون ذكره وَيدعونَ نبوته ويرجون نصرته موقنين بِأَنَّهُ سيهاجر إِلَيْهِم وَيَكُونُونَ لَهُ أنصارا فَسَأَلُوهُمْ عَنهُ فَقَالَت لَهُم الْيَهُود سلوه عَن ثَلَاث سلوه عَن الرّوح وَذَلِكَ أَنه لَيْسَ فِي التَّوْرَاة قصَّته وَلَا تَفْسِيره إِلَّا ذكر اسْم الرّوح فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ يُرِيد من خلق ربى
وَالروح فِي الْقُرْآن على عدَّة أوجه
أَحدهَا الْوَحْي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يلقِي الرّوح من أمره على من يَشَاء من عباده﴾ وسمى الْوَحْي روحا لما يحصل بِهِ من حَيَاة الْقُلُوب والأرواح
الثَّانِي الْقُوَّة والثبات والنصرة الَّتِي يُؤَيّد بهَا من شَاءَ من عباده الْمُؤمنِينَ كَمَا قَالَ ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾
стр. 150
الثَّالِث جِبْرِيل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿من كَانَ عدوا لجبريل فَإِنَّهُ نزله على قَلْبك﴾ وَهُوَ روح الْقُدس قَالَ تَعَالَى ﴿قل نزله روح الْقُدس﴾
الرَّابِع الرّوح الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا الْيَهُود فأجيبوا بِأَنَّهَا من أَمر الله وَقد قيل أَنَّهَا الرّوح الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ وَأَنَّهَا الرّوح الْمَذْكُور فِي قَوْله ﴿تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح فِيهَا بِإِذن رَبهم﴾
الْخَامِس الْمَسِيح ابْن مَرْيَم قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ وَأما أَرْوَاح بنى آدم فَلم تقع تَسْمِيَتهَا فِي الْقُرْآن إِلَّا بِالنَّفسِ قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا أقسم بِالنَّفسِ اللوامة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ وَقَالَ تَعَالَى أخرجُوا أَنفسكُم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ وَأما فِي السّنة فَجَاءَت بِلَفْظ النَّفس وَالروح
وَالْمَقْصُود أَن كَونهَا من أَمر الله لَا يدل على قدمهَا وَأَنَّهَا غير مخلوقة
فصل وَأما استدلالهم بإضافتها إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بقوله تَعَالَى
﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ فَيَنْبَغِي أَن يعلم أَن الْمُضَاف إِلَى الله سُبْحَانَهُ نَوْعَانِ صِفَات لَا تقوم بأنفسها كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَالْكَلَام والسمع وَالْبَصَر فَهَذِهِ إِضَافَة صفة إِلَى الْمَوْصُوف بهَا فَعلمه وَكَلَامه وإرادته وَقدرته وحياته وصفات لَهُ غير مخلوقة وَكَذَلِكَ وَجهه وَيَده سُبْحَانَهُ
وَالثَّانِي إِضَافَة أَعْيَان مُنْفَصِلَة عَنهُ كالبيت والناقة وَالْعَبْد وَالرَّسُول وَالروح فَهَذِهِ إِضَافَة مَخْلُوق إِلَى خالقه ومصنوع إِلَى صانعه لَكِنَّهَا إِضَافَة تَقْتَضِي تَخْصِيصًا وتشريفا يتَمَيَّز بِهِ الْمُضَاف عَن غَيره كبيت الله وَإِن كَانَت الْبيُوت كلهَا ملكا لَهُ وَكَذَلِكَ نَاقَة الله والنوق كلهَا ملكه وخلقه لَكِن هَذِه إِضَافَة إِلَى إلهيته تَقْتَضِي محبته لَهَا وتكريمه وتشريفه بِخِلَاف الْإِضَافَة الْعَامَّة إِلَى ربوبيته حَيْثُ تَقْتَضِي خلقه وإيجاده فالإضافة الْعَامَّة تَقْتَضِي الإيجاد والخاصة تَقْتَضِي الِاخْتِيَار وَالله يخلق مَا يَشَاء ويختار مِمَّا خلقه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار﴾ وَإِضَافَة الرّوح إِلَيْهِ من هَذِه الْإِضَافَة الْخَاصَّة لَا من الْعَامَّة وَلَا من بَاب إِضَافَة الصِّفَات فَتَأمل هَذَا الْموضع فَإِنَّهُ يخلصك من صلالات كَثِيرَة وَقع فِيهَا من شَاءَ الله من النَّاس فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ فأضاف النفخ إِلَى نَفسه وَهَذَا يَقْتَضِي الْمُبَاشرَة مِنْهُ تَعَالَى كَمَا فِي قَوْله خلقت بيَدي وَلِهَذَا فرق بَينهمَا فِي الذّكر فِي الحَدِيث الصَّحِيح فِي قَوْله
стр. 151
فَيَأْتُونَ آدم فَيَقُولُونَ أَنْت آدم أَبُو الْبشر خلقك الله بِيَدِهِ وَنفخ فِيك من روحه وأسجد لَك مَلَائكَته وعلمك أَسمَاء كل شَيْء فَذكرُوا لآدَم أَربع خَصَائِص اخْتصَّ بهَا عَن غَيره وَلَو كَانَت الرّوح الَّتِي فِيهِ إِنَّمَا هِيَ من نفخة الْملك لم يكن لَهُ خصيصة بذلك وَكَانَ بِمَنْزِلَة الْمَسِيح بل وَسَائِر أَوْلَاده فَإِن الرّوح حصلت فيهم من نفخة الْملك وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا سويته ونفخت فِيهِ من روحي﴾ فَهُوَ الَّذِي سواهُ بِيَدِهِ وَهُوَ الَّذِي نفخ فِيهِ من روحه
قيل هَذَا الْموضع الَّذِي أوجب لهَذِهِ الطَّائِفَة أَن قَالَت بقدم الرّوح وَتوقف فِيهَا آخَرُونَ وَلم يفهموا مُرَاد الْقُرْآن فَأَما الرّوح المضافة إِلَى الرب فَهِيَ روح مخلوقة أضافها إِلَى نَفسه إِضَافَة تَخْصِيص وتشريف كَمَا بَينا وَأما النفخ فقد قَالَ تَعَالَى فِي مَرْيَم ﴿الَّتِي أحصنت فرجهَا فنفخنا فِيهِ من رُوحنَا﴾ وَقد أخبر فِي مَوضِع آخر أَنه أرسل إِلَيْهَا الْملك فَنفخ فِي فرجهَا وَكَانَ النفخ مُضَافا إِلَى الله أمرا وإذنا وَإِلَى الرَّسُول مُبَاشرَة
يبْقى هَا هُنَا أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَن يُقَال فَإِذا كَانَ النفخ حصل فِي مَرْيَم من جِهَة الْملك وَهُوَ الَّذِي ينْفخ الْأَرْوَاح فِي سَائِر الْبشر فَمَا وَجه تَسْمِيَة الْمَسِيح روح الله وَإِذا كَانَ سَائِر النَّاس تحدث أَرْوَاحهم من هَذِه الرّوح فَمَا خاصية الْمَسِيح
الثَّانِي أَن يُقَال فَهَل تعلق الرّوح بِآدَم كَانَت بِوَاسِطَة نفخ هَذَا الرّوح هُوَ الَّذِي نفخها فِيهِ بِإِذن الله كَمَا نفخها فِي مَرْيَم أم الرب تَعَالَى هُوَ الَّذِي نفخها بِنَفسِهِ كَمَا خلقه بِيَدِهِ قيل لعمر الله انهما سؤالان مهمان فَأَما الأول فَالْجَوَاب عَنهُ أَن الرّوح الَّذِي نفخ فِي مَرْيَم هُوَ الرّوح الْمُضَاف إِلَى الله الَّذِي اختصه لنَفسِهِ وأضافه إِلَيْهِ وَهُوَ روح خَاص من بَين سَائِر الْأَرْوَاح وَلَيْسَ بِالْملكِ الْمُوكل بالنفخ فِي بطُون الْحَوَامِل من الْمُؤمنِينَ وَالْكفَّار فَإِن الله سُبْحَانَهُ وكل بالرحم ملكا ينْفخ الرّوح فِي الْجَنِين فَيكْتب رزق الْمَوْلُود وأجله وَعَمله وشقاوته وسعادته
وَأما هَذَا الرّوح الْمُرْسل إِلَى مَرْيَم فَهُوَ روح الله الَّذِي اصطفاه من الْأَرْوَاح لنَفسِهِ فَكَانَ لِمَرْيَم بِمَنْزِلَة الْأَب لسَائِر النَّوْع فان نفخته لما دخلت فِي فرجهَا كَانَ ذَلِك بِمَنْزِلَة لقاح الذّكر للْأُنْثَى من غير أَن يكون هُنَاكَ وَطْء وَأما مَا اخْتصَّ بِهِ آدم فَإِنَّهُ لم يخلق كخلقة الْمَسِيح من أم وَلَا كخلقة سَائِر النَّوْع من أَب وَأم وَلَا كَانَ الرّوح الَّذِي نفخ الله فِيهِ مِنْهُ هُوَ الْملك الَّذِي ينْفخ الرّوح فِي سَائِر أَوْلَاده وَلَو كَانَ كَذَلِك لم يكن لآدَم بِهِ اخْتِصَاص وَإِنَّمَا ذكر فِي الحَدِيث مَا اخْتصَّ بِهِ على غَيره وَهُوَ أَرْبَعَة أَشْيَاء خلق الله لَهُ بِيَدِهِ وَنفخ فِيهِ من روحه واسجاد مَلَائكَته لَهُ وتعليمه أَسمَاء كل شَيْء فنفخه فِيهِ من روحه يسْتَلْزم نافخا ونفخا ومنفوخا مِنْهُ فالمنفوخ مِنْهُ هُوَ الرّوح المضافة إِلَى الله فَمِنْهَا سرت النفخة فِي طِينَة آدم وَالله تَعَالَى هُوَ الَّذِي نفخ فِي طينته من
стр. 152
تِلْكَ الرّوح هَذَا هُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ النَّص وَأما كَون النفخة بِمُبَاشَرَة مِنْهُ سُبْحَانَهُ كَمَا خلقه بِيَدِهِ أَن أَنَّهَا حصلت بأَمْره كَمَا حصلت فِي مَرْيَم ﵍ فَهَذَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَالْفرق بَين خلق الله لَهُ بِيَدِهِ ونفخه فِيهِ من روحه أَن الْيَد غير مخلوقة وَالروح مخلوقة والخلق فعل من أَفعَال الرب وَأما النفخ فَهَل هُوَ من أَفعاله الْقَائِمَة بِهِ أَو هُوَ مفعول من مفعولاته الْقَائِمَة بِغَيْر الْمُنْفَصِلَة عَنهُ وَهَذَا مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَهَذَا بِخِلَاف النفخ فِي فرج مَرْيَم فَإِنَّهُ مفعول من مفعولاته وأضافه إِلَيْهِ لِأَنَّهُ بِإِذْنِهِ وَأمره فنفخه فِي آدم هَل هُوَ فعل لَهُ أَو مفعول وعَلى كل تَقْدِير فالروح الَّذِي نفخ مِنْهَا فِي آدم روح مخلوقة غير قديمَة وَهِي مَادَّة روح آدم فروحه أولى أَن تكون حَادِثَة مخلوقة وَهُوَ المُرَاد
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة
وَهِي تقدم خلق الْأَرْوَاح على الأجساد أَو تَأَخّر خلقهَا عَنْهَا
فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة للنَّاس فِيهَا قَولَانِ معروفان حَكَاهُمَا شيخ الإسلاح وَغَيره وَمِمَّنْ ذهب إِلَى تقدم خلقهَا مُحَمَّد بن نصر المروزى وَأَبُو مُحَمَّد بن حزم وَحَكَاهُ ابْن حزم إِجْمَاعًا وَنحن نذْكر حجج الْفَرِيقَيْنِ وَمَا هُوَ الأولى مِنْهَا بِالصَّوَابِ
قَالَ من ذهب إِلَى تقدم خلقهَا على خلق الْبدن قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم ثمَّ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا﴾ قَالُوا ثمَّ للتَّرْتِيب والمهلة فقد تَضَمَّنت الْآيَة أَن خلقهَا مقدم على أَمر الله للْمَلَائكَة بِالسُّجُود لآدَم وَمن الْمَعْلُوم قطعا أَن أبداننا حَادِثَة بعد ذَلِك فَعلم أَنَّهَا الْأَرْوَاح قَالُوا وَيدل عَلَيْهِ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ قَالُوا وَهَذَا الاستنطاق وَالْإِشْهَاد إِنَّمَا كَانَ لأرواحنا إِذْ لم تكن الْأَبدَان حِينَئِذٍ مَوْجُودَة فَفِي الْمُوَطَّأ حَدثنَا مَالك عَن زيد ابْن أَبى أنيسَة أَن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب أخبرهُ عَن مُسلم بن يسَار الْجُهَنِىّ أَن عمر بن الْخطاب سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله يسْأَل عَنْهَا فَقَالَ خلق الله آدم ثمَّ مسح ظَهره بِيَمِينِهِ فإستخرج مِنْهُ ذُريَّته فَقَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للنار وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ وخلقت هَؤُلَاءِ للجنة وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله فَفِيمَ الْعَمَل فَقَالَ رَسُول الله إِن الله إِذا خلق الرجل للجنة اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال أهل الْجنَّة فيدخله بِهِ الْجنَّة وَإِذا خلق العَبْد للنار اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال أهل النَّار فيدخله بِهِ النَّار قَالَ الْحَاكِم هَذَا حَدِيث على شَرط مُسلم
стр. 153
وروى الْحَاكِم أَيْضا من طَرِيق هِشَام بن سعد عَن زيد أسلم عَن أَبى صَالح عَن أَبى هُرَيْرَة مَرْفُوعا لما خلق الله آدم مسح ظَهره فَسقط من ظَهره كل نمسة هُوَ خَالِقهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة أَمْثَال الذَّر ثمَّ جعل بَين عَيْني كل إِنْسَان مِنْهُم وبيصا من نور ثمَّ عرضهمْ على آدم فَقَالَ من هَؤُلَاءِ يَا رب قَالَ هَؤُلَاءِ ذريتك فرأي رجلا مِنْهُم أعجبه وبيص مَا بَين عَيْنَيْهِ فَقَالَ يَا رب من هَذَا فَقَالَ هَذَا ابْنك دَاوُد يكون فِي آخر الْأُمَم قَالَ كم جعلت لَهُ من الْعُمر قَالَ سِتِّينَ سنة قَالَ يَا رب زده عمري أَرْبَعِينَ سنة فَقَالَ الله تَعَالَى إِذا يكْتب وَيخْتم فَلَا يُبدل فَلَمَّا انْقَضى عمر آدم جَاءَ ملك الْمَوْت قَالَ أَو لم يبْق من عمرى أَرْبَعُونَ سنة فَقَالَ أَو لم تجعلها لأبنك دَاوُد قَالَ قَالَ فَجحد فَجحدت ذُريَّته ونسى فنسيت ذُريَّته وخطىء فخطئت ذُريَّته قَالَ هَذَا على شَرط مُسلم وَرَوَاهُ الترمذى وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ لما نزلت آيَة الدّين قَالَ رَسُول الله ان أول من جحد آدم وَزَاد مُحَمَّد بن سعد ثمَّ أكمل الله لآدَم ألف سنة ولداود مائَة سنة
وَفِي صَحِيح الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث أَبى جَعْفَر الرَّازِيّ حَدثنَا الرّبيع بن أنس عَن أَبى الْعَالِيَة عَن أَبى بن كَعْب فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ الْآيَة قَالَ جمعهم لَهُ يَوْمئِذٍ جَمِيعًا مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فجعلهم أرواحا ثمَّ صورهم واستنطقهم فتكلموا وَأخذ عَلَيْهِم الْعَهْد والميثاق ﴿وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين﴾ قَالَ فَإِنِّي أشهد عَلَيْكُم السَّمَوَات السَّبع وَالْأَرضين السَّبع وَأشْهد عَلَيْكُم أَبَاكُم آدم ﴿أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين﴾ فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئا فَإِنِّي أرسل إِلَيْكُم رُسُلِي يذكرونكم عهدي وميثاقي وَأنزل عَلَيْكُم كتبي فَقَالُوا نشْهد أَنَّك رَبنَا وإلهنا لَا رب لنا غَيْرك وَرفع لَهُم أبوهم آدم فرأي فيهم الْغنى وَالْفَقِير وَحسن الصُّورَة وَغير ذَلِك فَقَالَ رب لَو سويت بَين عِبَادك فَقَالَ إِنِّي أحب أَن أشكر ورأي فيهم الْأَنْبِيَاء مثل السرج وخصوا بميثاق آخر بالرسالة والنبوة فَذَلِك قَوْله وَإِذا خذنا من النَّبِيين ميثاقهم ومنك وَمن نوح وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿هَذَا نَذِير من النّذر الأولى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا وجدنَا لأكثرهم من عهد وَإِن وجدنَا أَكْثَرهم لفاسقين﴾ وَكَانَ روح عِيسَى من تِلْكَ الْأَرْوَاح الَّتِي أَخذ عَلَيْهَا الْمِيثَاق فَأرْسل ذَلِك الرّوح إِلَى مَرْيَم حِين انتبذت من أَهلهَا مَكَانا شرقيا فَدخل من فِيهَا وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح
стр. 154
فَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ حَدثنَا بغية بن الْوَلِيد قَالَ أَخْبرنِي الزبيدى مُحَمَّد بن الْوَلِيد عَن رَاشد بن سعد عَن عبد الرَّحْمَن بن قَتَادَة الْبَصْرِيّ عَن أَبِيه عَن هِشَام بن حَكِيم بن حزَام ان رجلا قَالَ يَا رَسُول الله أتبتدأ الْأَعْمَال أم قد مضى الْقَضَاء فَقَالَ ان الله لما أخرج ذُرِّيَّة آدم من ظَهره أشهدهم على أنفسهم ثمَّ أقاض بهم فِي كفيه فَقَالَ هَؤُلَاءِ للجنة وَهَؤُلَاء للنار فَأهل الْجنَّة ميسرون لعمل أهل الْجنَّة وَأهل النَّار ميسرون لعمل أهل النَّار
قَالَ إِسْحَاق وأنبأنا النَّضر حَدثنَا أَبُو معشر عَن سعيد المقبرى وَنَافِع مولى الزبير عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ لما أَرَادَ الله أَن يخلق آدم فَذكر خلق آدم فَقَالَ لَهُ يَا آدم أَي يَدي أحب إِلَيْك أَن أريك ذريتك فِيهَا فَقَالَ يَمِين ربى وكلتا يَدي ربى يَمِين فَبسط يَمِينه فَإِذا فِيهَا ذُريَّته كلهم مَا هُوَ خَالق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة الصَّحِيح على هَيئته والمبتلى على هَيئته والأنبياء على هيئتهم فَقَالَ أَلا أعفيتهم كلهم فَقَالَ أَنى أحب ان أشكر وَذكر الحَدِيث
وَقَالَ مُحَمَّد بن نصر حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا سعيد بن أَبى مَرْيَم أخبرنَا اللَّيْث بن سعد حَدثنِي ابْن عجلَان عَن سعد بن أَبى سعيد المقبرى عَن أَبِيه عَن عبد الله بن سَلام قَالَ خلق الله آدم ثمَّ قَالَ بيدَيْهِ فقبضهما فَقَالَ اختر يَا آدم فَقَالَ اخْتَرْت يَمِين ربى وكلتا يَدَيْهِ يَمِين فبسطها فَإِذا فِيهَا ذُريَّته فَقَالَ من هَؤُلَاءِ يَا رب قَالَ من قضيت أَن اخلق من ذريتك من أهل الْجنَّة إِلَى أَن تقوم السَّاعَة
قَالَ واخبرنا إِسْحَاق حَدثنَا جَعْفَر بن عون أَنبأَنَا هِشَام بن سعد عَن زيد بن أسلم عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ عَن النَّبِي قَالَ لما خلق الله آدم مسح ظَهره فَسقط من ظَهره كل نسمَة هُوَ خَالِقهَا من ذُريَّته إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَحدثنَا إِسْحَاق وَعمر بن زُرَارَة أخبرنَا إِسْمَاعِيل عَن كُلْثُوم بن جبر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ الْآيَة قَالَ مسح رَبك ظهر آدم فَخرجت مِنْهُ كل نسمَة هُوَ خَالِقهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة بنعمان هَذَا الَّذِي رَوَاهُ عَرَفَة فَأخذ ميثاقهم ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى شَهِدنَا﴾
وَرَوَاهُ أَبُو جَمْرَة الضبعى وَمُجاهد وحبِيب بن أَبى ثَابت وَأَبُو صَالح وَغَيرهم عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ إِسْحَاق أخبرنَا جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن عَمْرو فِي هَذِه الْآيَة قَالَ أَخذهم كَمَا يُؤْخَذ الْمشْط بِالرَّأْسِ
وَحدثنَا حجاج عَن ابْن جريج عَن الزبير بن مُوسَى عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ إِن الله ضرب مَنْكِبه الْأَيْمن فَخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بَيْضَاء نقية فَقَالَ هَؤُلَاءِ أهل الْجنَّة ثمَّ ضرب مَنْكِبه الْأَيْسَر فَخرجت كل نفس مخلوقة لنار سَوْدَاء فَقَالَ
стр. 155
هَؤُلَاءِ أهل النَّار ثمَّ أَخذ عَهده على الْإِيمَان بِهِ والمعرفة لَهُ ولأمره والتصديق بِهِ وبأمره من بنى آدم كلهم وأشهدهم على أنفسهم فآمنوا وَصَدقُوا وَعرفُوا وأقروا
وَذكر مُحَمَّد بن نصر من تَفْسِير السدى عَن أَبى مَالك وأبى صَالح عَن ابْن عَبَّاس وَعَن مرّة الهمدانى عَن ابْن مَسْعُود عَن أنَاس من أَصْحَاب النَّبِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم﴾ الْآيَة لما أخرج الله آدم من الْجنَّة قبل ان يهْبط من السَّمَاء مسح صفحة ظهر آدم الْيُمْنَى فَأخْرج مِنْهُ ذُرِّيَّة بَيْضَاء مثل اللُّؤْلُؤ وكهيئة الذَّر فَقَالَ لَهُم ادخُلُوا الْجنَّة برحمتي وَمسح صفحة ظَهره الْيُسْرَى فَأخْرج مِنْهُ ذُرِّيَّة سَوْدَاء كَهَيئَةِ الذَّر فَقَالَ ادخُلُوا النَّار وَلَا أُبَالِي فَذَلِك حَيْثُ يَقُول وَأَصْحَاب الْيَمين وَأَصْحَاب الشمَال ثمَّ أَخذ مِنْهُم الْمِيثَاق فَقَالَ ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ فَأعْطَاهُ طَائِفَة طائعين وَطَائِفَة كارهين على وَجه التقية فَقَالَ هُوَ وَالْمَلَائِكَة ﴿شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين أَو تَقولُوا إِنَّمَا أشرك آبَاؤُنَا من قبل وَكُنَّا ذُرِّيَّة من بعدهمْ﴾ فَلَيْسَ أحد من ولد آدم إِلَّا وَهُوَ يعرف أَن الله ربه وَلَا مُشْرك إِلَّا وَهُوَ يَقُول إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم﴾ وَقَوله تَعَالَى وَله أسلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وَقَوله تَعَالَى ﴿فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ قَالَ يعْنى يَوْم أَخذ عَلَيْهِم الْمِيثَاق
قَالَ إِسْحَاق وَأخْبرنَا روح بن عبَادَة حَدثنَا مُوسَى بن عُبَيْدَة الربذى قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن كَعْب القرظى يَقُول فِي هَذِه الْآيَة ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم﴾ الْآيَة أقرُّوا لَهُ بِالْإِيمَان والمعرفة الْأَرْوَاح قبل أَن يخلق أجسادها
قَالَ حَدثنَا الْفضل بن مُوسَى عَن عبد الْملك عَن عَطاء فِي هَذِه الْآيَة قَالَ اخْرُجُوا من صلب آدم حِين أَخذ مِنْهُم الْمِيثَاق ثمَّ ردوا فِي صلبه
قَالَ إِسْحَاق وَأخْبرنَا على بن الْأَجْلَح عَن الضَّحَّاك قَالَ ان الله أخرج من ظهر آدم يَوْم خلقه مَا يكون إِلَى أَن تقوم السَّاعَة فَأخْرجهُمْ مثل الذَّر فَقَالَ ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ قَالَت الْمَلَائِكَة ﴿شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين﴾ ثمَّ قبض قَبْضَة بِيَمِينِهِ فَقَالَ هَؤُلَاءِ فِي الْجنَّة وَقبض أُخْرَى فَقَالَ هَؤُلَاءِ فِي النَّار
قَالَ إِسْحَاق وَأخْبرنَا أَبُو عَامر الْعَقدي وَأَبُو نعيم الملائى قَالَ حَدثنَا هِشَام بن سعد عَن يحيى وَلَيْسَ بِابْن سعيد قَالَ قلت لِابْنِ الْمسيب مَا تَقول فِي الْعَزْل قَالَ إِن شِئْت حدثتك حَدِيثا هُوَ حق إِن الله سُبْحَانَهُ لما خلق آدم أرَاهُ كَرَامَة لم يرهَا أحدا من خلق الله أرَاهُ كل نسمَة هُوَ خَالِقهَا من ذُريَّته إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَمن حَدثَك أَن يزِيد فيهم شَيْئا أَو ينقص مِنْهُم فقد كذب وَلَو كَانَ لي سَبْعُونَ مَا باليت
стр. 156
وَفِي تَفْسِير ابْن عُيَيْنَة عَن الرّبيع بن أنس عَن أَبى عالية وَله اسْلَمْ من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها قَالَ يَوْم أَخذه الْمِيثَاق
قَالَ إِسْحَاق فقد كَانُوا فِي ذَلِك الْوَقْت مقرين وَذَلِكَ أَن الله أخبر أَنه قَالَ ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ وَالله تَعَالَى لَا يُخَاطب إِلَّا من يفهم عَنهُ المخاطبة وَلَا يُجيب إِلَّا من فهم السُّؤَال فأجابتهم إِيَّاه بقَوْلهمْ دَلِيل على أَنهم قد فَهموا عَن الله وعقلوا عَنهُ استشهاده إيَّاهُم ﴿أَلَسْت بربكم﴾ فَأَجَابُوهُ من بعد عقل مِنْهُم للمخاطبة وَفهم لَهَا بِأَن ﴿قَالُوا بلَى﴾ فأقروا لَهُ بالربوبية
فصل وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه اُخْبُرْنَا مُحَمَّد بن
صابر البُخَارِيّ حَدثنَا مُحَمَّد ابْن الْمُنْذر بن سعد الهروى حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد بن هَارُون المصيصى حَدثنَا عتبَة بن السكن حَدثنَا أَرْطَأَة بن الْمُنْذر حَدثنَا عَطاء بن عجلَان عَن يُونُس بن حَلبس عَن عَمْرو بن عبسة قَالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول ان الله خلق أَرْوَاح الْعباد قبل الْعباد بألفي عَام فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف فَهَذَا بعض مَا احْتج بِهِ هَؤُلَاءِ
قَالَ الْآخرُونَ الْكَلَام مَعكُمْ فِي مقامين أَحدهمَا ذكر الدَّلِيل على الْأَرْوَاح إِنَّهَا خلقت بعد خلق الْأَبدَان الثَّانِي الْجَواب عَمَّا استدللتم بِهِ
فَأَما الْمقَام الأول فقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى﴾ وَهَذَا خطاب للْإنْسَان الذى هُوَ روح وبدن فَدلَّ على أَن جملَته مخلوقة بعد خلق الْأَبَوَيْنِ واصرح مِنْهُ قَوْله ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَخلق مِنْهَا زَوجهَا وَبث مِنْهُمَا رجَالًا كثيرا وَنسَاء وَاتَّقوا الله﴾ الْآيَة وَهَذَا صَرِيح فِي أَن خلق جملَة النَّوْع الإنساني بعد خلق اصله
فَإِن قيل فَهَذَا لَا يَنْفِي تقدم خلق الْأَرْوَاح على أجسادها وَإِن خلقت بعد خلق أَبى الْبشر كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْآثَار الْمُتَقَدّمَة
قيل سنبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَن الْآثَار الْمَذْكُورَة لَا تدل على سبق الْأَرْوَاح الأجساد سبقا مُسْتَقرًّا ثَابتا وغايتها أَن تدل بعد صِحَّتهَا وثبوتها على أَن بارئها وفاطرها سُبْحَانَهُ صور النسم وَقدر خلقهَا وآجالها وأعمالها واستخرج تِلْكَ الصُّور من مادتها ثمَّ أَعَادَهَا إِلَيْهَا وَقدر خُرُوج كل فَرد من أفرادها فِي وقته الْمُقدر لَهُ وَلَا تدل على أَنَّهَا خلقت خلقا مُسْتَقرًّا ثمَّ استمرت مَوْجُودَة حَيَّة عَالِمَة ناطقة كلهَا فِي مَوضِع وَاحِد ثمَّ ترسل مِنْهَا إِلَى الْأَبدَان جملَة بعد جملَة كَمَا قَالَه
стр. 157
أَبُو مُحَمَّد بن حزم فَهَل تحمل الْآثَار مَالا طَاقَة لنا بِهِ نعم الرب سُبْحَانَهُ يخلق مِنْهَا جملَة بعد جملَة على الْوَجْه الذى سبق بِهِ التَّقْدِير أَولا فيجىء الْخلق الْخَارِجِي مطابقا للتقدير السَّابِق كشأنه تَعَالَى فِي جَمِيع مخلوقاته فانه قدر لَهَا أقدارا وآجالا وصفات وهيئات ثمَّ أبرزها إِلَى الْوُجُود مُطَابقَة لذَلِك التَّقْدِير الذى قدره لَهَا لَا تزيد عَلَيْهِ وَلَا تنقص مِنْهُ
فالآثار الْمَذْكُورَة إِنَّمَا تدل على إِثْبَات الْقدر السَّابِق وَبَعضهَا يدل على أَنه سُبْحَانَهُ استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السَّعَادَة من أهل الشقاوة وَأما مخاطبتهم واستنطاقهم وإقرارهم لَهُ بالربوبية وشهادتهم على أنفسهم بالعبودية فَمن قَالَه من السّلف فَإِنَّمَا هُوَ بِنَاء مِنْهُ على فهم الْآيَة وَالْآيَة لم تدل على هَذَا بل دلّت على خِلَافه
وَأما حَدِيث مَالك فَقَالَ أَبُو عمر هُوَ حَدِيث مُنْقَطع مُسلم بن يسَار لم يلق عمر بن الْخطاب وَبَينهمَا فِي هَذَا الحَدِيث نعيم بن ربيعَة وَهُوَ أَيْضا مَعَ هَذَا الْإِسْنَاد لَا يقوم بِهِ حجَّة وَمُسلم ابْن يسَار هَذَا مَجْهُول قيل أَنه مدنِي وَلَيْسَ بِمُسلم بن يسَار الْبَصْرِيّ قَالَ ابْن أَبى خَيْثَمَة قَرَأت على يحيى بن معِين حَدِيث مَالك هَذَا عَن زيد بن أَبى أنيسَة فَكتب بِيَدِهِ على مُسلم بن يسَار لَا يعرف
ثمَّ سَاقه أَبُو عمر من طَرِيق النَّسَائِيّ أخبرنَا مُحَمَّد بن وهب حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلمَة قَالَ حَدثنِي أَبُو عبد الرَّحِيم قَالَ حَدثنِي زيد بن أنيسَة عَن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن عَن مُسلم بن يسَار عَن نعيم بن ربيعَة
ثمَّ سَاقه من طَرِيق سَخْبَرَة حَدثنَا أَحْمد بن عبد الْملك بن وَاقد حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلمَة عَن أَبى عبد الرَّحِيم عَن زيد بن أَبى أنيسَة عَن عبد الحميد عَن مُسلم عَن نعيم قَالَ أَبُو عَمْرو وَزِيَادَة من زَاد فِي هَذَا الحَدِيث نعيم بن ربيعَة لَيست حجَّة أَن الذى لم يذكرهُ احفظ وَإِنَّمَا الزِّيَادَة من الْحَافِظ المتقن
وَجُمْلَة القَوْل فِي هَذَا الحَدِيث أَنه حَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بالقائم لِأَن مُسلم بن يسَار ونعيم بن ربيعَة جَمِيعًا غير معروفين بِحمْل الْعلم وَلَكِن معنى هَذَا الحَدِيث قد صَحَّ عَن النَّبِي من وُجُوه كَثِيرَة ثَابت يطول ذكرهَا من حَدِيث عمر بن الْخطاب وَغَيره وَجَمَاعَة يطول ذكرهم
وَمُرَاد أَبُو عمر الْأَحَادِيث الدَّالَّة على الْقدر السَّابِق فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي سَاقهَا بعد ذَلِك فَذكر حَدِيث عبد الله بن عمر فِي الْقدر وَقَالَ فِي آخِره وَسَأَلَهُ رجل من مزينة أَو جُهَيْنَة فَقَالَ يَا رَسُول
стр. 158
الله فَفِيمَ الْعَمَل فَقَالَ أَن أهل الْجنَّة ييسرون لعمل أهل الْجنَّة وَأهل النَّار ييسرون لعمل أهل النَّار
قَالَ وروى هَذَا الْمَعْنى فِي الْقدر عَن النَّبِي عَن على بن أَبى طَالب وأبى بن كَعْب وَعبد الله بن عَبَّاس وَابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو سعيد وَأَبُو سريحَة الغفارى وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَمْرو وَعمْرَان بن حُصَيْن وَعَائِشَة وَأنس بن مَالك وسراقة ابْن جعْشم وَأَبُو مُوسَى الأشعرى وَعبادَة بن الصَّامِت وَأكْثر أَحَادِيث هَؤُلَاءِ لَهَا طرق شَتَّى ثمَّ ساقي كثيرا مِنْهَا بِإِسْنَادِهِ
وَأما حَدِيث أَبى صَالح عَن أَبى هُرَيْرَة فَإِنَّمَا يدل على اسْتِخْرَاج الذُّرِّيَّة وتمثلهم فِي صور الذَّر وَكَانَ مِنْهُم حِينَئِذٍ الْمشرق والمظلم وَلَيْسَ فِيهِ أَنه سُبْحَانَهُ خلق أَرْوَاحهم قبل الأجساد وأقرها بِموضع وَاحِد ثمَّ يُرْسل كل روح من تِلْكَ الْأَرْوَاح عِنْد حُدُوث بدنهَا اليه نعم هُوَ سُبْحَانَهُ يخص كل بدن بِالروحِ الَّتِي قدر أَن تكون لَهُ فِي ذَلِك الْوَقْت وَأما أَنه خلق نفس ذَلِك الْبدن فِي ذَلِك الْوَقْت وَفرغ من خلقهَا وأودعها فِي مَكَان معطلة عَن بدنهَا حَتَّى إِذا أحدث بدنهَا أرسلها إِلَيْهِ من ذَلِك الْمَكَان فَلَا يدل شَيْء من الْأَحَادِيث على ذَلِك الْبَتَّةَ لمن تأملها
وَأما حَدِيث أَبى بن كَعْب هُوَ عَن النَّبِي وغايته لَو صَحَّ وَلم يَصح أَن يكون من كَلَام أَبى وَهَذَا الْإِسْنَاد يرْوى بِهِ أَشْيَاء مُنكرَة جدا مَرْفُوعَة وموقوفة وَأَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ وثق وَضعف وَقَالَ على بن المدينى كَانَ ثِقَة وَقَالَ أَيْضا كَانَ يخلط وَقَالَ ابْن معِين هُوَ ثِقَة وَقَالَ أَيْضا يكْتب حَدِيثه إِلَّا أَنه يُخطئ وَقَالَ الإِمَام أَحْمد لَيْسَ بقوى فِي الحَدِيث وَقَالَ أَيْضا صَالح الحَدِيث وَقَالَ الفلاس سيء الْحِفْظ وَقَالَ أَبُو زرْعَة ييهم كثيرا وَقَالَ ابْن حبَان ينْفَرد بِالْمَنَاكِيرِ عَن الْمَشَاهِير
وَمِمَّا يُنكر من هَذَا الحَدِيث قَوْله فَكَانَ روح عِيسَى من تِلْكَ الْأَرْوَاح الَّتِي أَخذ عَلَيْهَا الْمِيثَاق فَأرْسل ذَلِك الرّوح إِلَى مَرْيَم حِين انتبذت من أَهلهَا مَكَانا شرقيا فَدخل فِي فِيهَا وَمَعْلُوم إِن الرّوح الذى أرسل إِلَى مَرْيَم لَيْسَ هُوَ روح الْمَسِيح بل ذَلِك الرّوح نفخ فِيهَا فَحملت بالمسيح قَالَ تَعَالَى ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا﴾ فَروح الْمَسِيح لَا يخاطبها عَن نَفسه بِهَذِهِ المخاطبة قطعا وَفِي بعض طرق حَدِيث أَبى جَعْفَر هَذَا أَن روح الْمَسِيح هُوَ الذى خطابها وَهُوَ الذى أرسل إِلَيْهَا
стр. 159
وَهَا هُنَا أَربع مقامات
أَحدهَا أَن الله سُبْحَانَهُ استخرج صورهم وأمثالهم فميز شقيهم وسعيدهم ومعافاهم من مبتلاهم
الثَّانِي أَن الله سُبْحَانَهُ أَقَامَ عَلَيْهِم الْحجَّة حِينَئِذٍ وأشهدهم بربوبيته وَاسْتشْهدَ عَلَيْهِم مَلَائكَته
الثَّالِث أَن هَذَا هُوَ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾
الرَّابِع أَنه أقرّ تِلْكَ الْأَرْوَاح كلهَا بعد إخْرَاجهَا بمَكَان وَفرغ من خلقهَا وَإِنَّمَا يَتَجَدَّد كل وَقت إرْسَال جملَة مِنْهَا بعد جملَة إِلَى أبدانها فَأَما الْمقَام الأول فالآثار متظاهرة بِهِ مَرْفُوعَة وموقوفة
فَأَما الْمقَام الثَّانِي فَإِنَّمَا أَخذ من أَخذه من الْمُفَسّرين من الْآيَة وظنوا أَنه تَفْسِيرهَا وَهَذَا قَول جُمْهُور الْمُفَسّرين من أهل الْأَثر قَالَ أَبُو إِسْحَاق جَائِز أَن يكون الله سُبْحَانَهُ جعل لأمثال الذَّر الَّتِي أخرجهَا فهما تعقل بِهِ كَمَا قَالَ ﴿قَالَت نملة يَا أَيهَا النَّمْل ادخُلُوا مَسَاكِنكُمْ﴾ وَقد سخر مَعَ دَاوُد الْجبَال تسح مَعَه وَالطير
وَقَالَ ابْن الأنبارى مَذْهَب أهل الحَدِيث وكبراء أهل الْعلم فِي هَذِه الْآيَة أَن الله أخرج ذُرِّيَّة آدم من صلبه وأصلاب أَوْلَاده وهم فِي صور الذَّر فَأخذ عَلَيْهِم الْمِيثَاق أَنه خالقهم وَأَنَّهُمْ مصنوعون فَاعْتَرفُوا بذلك وقبلوا وَذَلِكَ بعد أَن ركب فيهم عقولا عرفُوا بهَا مَا عرض عَلَيْهِم كَمَا جعل للجبل عقلا حِين خُوطِبَ وكما فعل ذَلِك بالبعير لما سجد والنخلة حَتَّى سَمِعت وانقادت حِين دعيت
وَقَالَ الجرجانى لَيْسَ بَين قَول النَّبِي إِن الله مسح ظهر آدم فَأخْرج مِنْهُ ذُريَّته وَبَين الْآيَة اخْتِلَاف بِحَمْد الله لِأَنَّهُ إِذا أَخذهم من ظهر آدم فقد أَخذهم من ظُهُور ذُريَّته لِأَن ذُرِّيَّة آدم لذريته بَعضهم من بعض وَقَوله تَعَالَى ﴿أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين﴾ أَي عَن الْمِيثَاق الْمَأْخُوذ عَلَيْهِم فَإِذا قَالُوا ذَلِك كَانَت الْمَلَائِكَة شُهُودًا عَلَيْهِم بِأخذ الْمِيثَاق قَالَ وَفِي هَذَا دَلِيل على التَّفْسِير الذى جَاءَت بِهِ الرِّوَايَة من أَن الله تَعَالَى قَالَ للْمَلَائكَة اشْهَدُوا فَقَالُوا شَهِدنَا قَالَ وَزعم بعض أهل الْعلم أَن الْمِيثَاق إِنَّمَا أَخذ على الْأَرْوَاح دون الأجساد إِن الْأَرْوَاح هِيَ الَّتِي تعقل وتفهم وَلها الثَّوَاب وَعَلَيْهَا الْعقَاب والأجساد أموات لَا تعقل وَلَا تفهم قَالَ وَكَانَ إِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ يذهب إِلَى هَذَا الْمَعْنى وَذكر أَنه قَول أَبى هُرَيْرَة قَالَ إِسْحَاق وَأجْمع أهل الْعلم أَنَّهَا الْأَرْوَاح قبل الأجساد
стр. 160
أستنطقهم وأشهدهم قَالَ الجرجانى وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء﴾ والأجساد قد بليت وضلت فِي الأَرْض والأرواح ترزق وتفرح وَهِي الَّتِي تلذ وتألم وتفرح وتحزن وتعرف وتنكر وَبَيَان ذَلِك فِي الأحلام مَوْجُود أَن الْإِنْسَان يصبح وَأثر لَذَّة الْفَرح وألم الْحزن بَاقٍ فِي نَفسه مِمَّا تلاقى الرّوح دون الْجَسَد قَالَ وَحَاصِل الْفَائِدَة فِي هَذَا الْفَصْل أَنه سُبْحَانَهُ قد أثبت الْحجَّة على كل النُّفُوس مِمَّن يبلغ وَمِمَّنْ لم يبلغ بالميثاق الذى أَخذه عَلَيْهِم وَزَاد على من بلغ مِنْهُم الْحجَّة بِالْآيَاتِ والدلائل الَّتِي نصبها فِي نَفسه وَفِي الْعَالم وبالرسل المنفذة إِلَيْهِم مبشرين ومنذرين وبالمواعظ بالمثلات المنقولة إِلَيْهِم أَخْبَارهَا غير أَنه لَا يُطَالب أحدا مِنْهُم من الطَّاعَة إِلَّا بِقدر مَا لزمَه من الْحجَّة وَركب فيهم من الْقُدْرَة وآتاهم من الْأَدِلَّة وَبَين سُبْحَانَهُ مَا هُوَ عَامل فِي الْبَالِغين الَّذين أدركوا الْأَمر وَالنَّهْي وحجب عَنَّا علم مَا قدره فِي غير الْبَالِغين إِلَّا أَنا نعلم أَنه عدل لَا يجوز فِي حكمه وَحَكِيم لَا تفَاوت فِي صنعه وقادر لَا يسْأَل عَمَّا يفعل لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين
فصل وَنَازع هَؤُلَاءِ غَيرهم فِي كَون هَذَا معنى الْآيَة وَقَالُوا معنى قَوْله
﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ أَي إخرجهم وأنشأهم بعد أَن كَانُوا نطفا فِي أصلاب الْآبَاء إِلَى الدُّنْيَا على ترتيبهم فِي الْوُجُود وأشهدهم على أنفسهم أَنه رَبهم بِمَا أظهر لَهُم من آيَاته وبراهينه الَّتِي تضطرهم إِلَى أَن يعلمُوا أَنه خالقهم فَلَيْسَ من أحد إِلَّا وَفِيه من صَنْعَة ربه مَا يشْهد على أَنه بارئه ونافذ الحكم فِيهِ فَلَمَّا عرفُوا ذَلِك ودعاهم كل مَا يرَوْنَ ويشاهدون إِلَى التَّصْدِيق بِهِ كَانُوا بِمَنْزِلَة الشَّاهِدين والمشهدين على أنفسهم بِصِحَّتِهِ كَمَا قَالَ فِي غير هَذَا الْموضع ﴿شَاهِدين على أنفسهم بالْكفْر﴾ يريدهم بِمَنْزِلَة الشَّاهِدين وَإِن لم يَقُولُوا نَحن كفرة كَمَا تَقول كَمَا شهِدت جوارحي بِقَوْلِك تُرِيدُ قد عَرفته فَكَأَن جوارحى لَو استشهدت وَفِي وسعهَا أَن تنطق لشهدت وَمن هَذَا إِعْلَامه وتبيينه أَيْضا شهد الله أَن لَا إِلَه إِلَّا هُوَ يُرِيد أعلم وَبَين فأشه ذَلِك شَهَادَة من شهد عِنْد الْحُكَّام وَغَيرهم هَذَا كَلَام ابْن الأنبارى
وَزَاد الْجِرْجَانِيّ بَيَانا لهَذَا القَوْل فَقَالَ حَاكما عَن أَصْحَابه أَن الله لما خلق الْخلق وَنفذ علمه فيهم بِمَا هُوَ كَائِن وَمَا لم يكن بعد مِمَّا هُوَ كَائِن كالكائن إِذْ علمه بِكَوْنِهِ مَانع من غير كَونه شَائِع فِي مجَاز الْعَرَبيَّة أَن يوضع مَا هُوَ منتظر بعد مِمَّا لم يَقع بعد موقع الْوَاقِع لسبق علمه بِوُقُوعِهِ كَمَا قَالَ فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ونادى أَصْحَاب النَّار﴾ ﴿ونادى أَصْحَاب الْجنَّة﴾ ﴿ونادى أَصْحَاب الْأَعْرَاف﴾ قَالَ فَيكون تَأْوِيل قَوْله ﴿وَإِذ أَخذ رَبك﴾ وَإِذ يَأْخُذ رَبك وَكَذَلِكَ قَوْله
стр. 161
﴿وأشهدهم على أنفسهم﴾ أَي ويشهدهم مِمَّا رَكبه فيهم من الْعقل الذى يكون بِهِ الْفَهم وَيجب بِهِ الثَّوَاب وَالْعِقَاب وكل من ولد وَبلغ الْحِنْث وعقل الضّر والنفع وَفهم الْوَعْد والوعيد وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب صَار كَأَن الله تَعَالَى أَخذ عَلَيْهِ الْمِيثَاق فِي التَّوْحِيد بِمَا ركب فِيهِ من الْعقل وَأرَاهُ من الْآيَات والدلائل على حُدُوثه وَأَنه لَا يجوز أَن يكون قد خلق نَفسه وَإِذا لم يجز ذَلِك فَلَا بُد لَهُ من خَالق هُوَ غَيره لَيْسَ كمثله وَلَيْسَ من مَخْلُوق يبلغ هَذَا الْمبلغ وَلم يقْدَح فِيهِ مَانع من فهم إِلَّا إِذا حز بِهِ أَمر يفزع إِلَى الله حِين يرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء وَيُشِير إِلَيْهَا بإصبعه علما مِنْهُ بِأَن خالقه تَعَالَى فَوْقه وَإِذا كَانَ الْعقل الذى مِنْهُ الْفَهم والإفهام مُؤديا إِلَى معرفَة مَا ذكرنَا ودالا عَلَيْهِ فَكل من بلغ هَذَا الْمبلغ فقد أَخذ عَلَيْهِ الْعَهْد والميثاق وَجَائِز أَن يُقَال لَهُ قد أقرّ وأذعن وَأسلم كَمَا قَالَ الله وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها
قَالَ وَاحْتَجُّوا بقوله رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث عَن الصبى حَتَّى يَحْتَلِم وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يفِيق وَعَن النَّائِم حَتَّى ينتبه وَقَوله إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا ثمَّ قَالَ تَعَالَى وحلمها الْإِنْسَان الْأَمَانَة هَا هُنَا عهد وميثاق فامتناع السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال من حمل الْأَمَانَة لأجل خلوها من الْعقل الذى يكون بِهِ الْفَهم والإفهام وَحمل الْإِنْسَان إِيَّاهَا لمَكَان الْعقل فِيهِ قَالَ وللعرب فِيهَا ضروب نظم فَمِنْهَا قَوْله
ضمن القنان الفقعس بثباتها ... ان القنان لفقعس لَا يأتلى
والفنان جبل فَذكر أَنه قد ضمن لفقعس وضمانه لَهَا أَنهم كَانُوا إِذا حزبهم أَمر من هزيمَة أَو خوف لجأوا إِلَيْهِ فَجعل ذَلِك كالضمان لَهُم وَمِنْه قَول النَّابِغَة
كأرجاف الجولان هلل ربه ... وجوران مِنْهَا خاشع متضائل
وأرجاف الجولان جبالها وجوران الأَرْض الَّتِي إِلَى جَانبهَا وَقَالَ هَذَا الْقَائِل إِن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين أَو تَقولُوا إِنَّمَا أشرك آبَاؤُنَا﴾
стр. 162
من قبل وَكُنَّا ذُرِّيَّة من بعدهمْ دَلِيلا على هَذَا التَّأْوِيل لِأَنَّهُ أعلم أَن هَذَا الْأَخْذ للْعهد عَلَيْهِم لِئَلَّا يَقُولُوا يَوْم الْقِيَامَة انا كُنَّا عَن هَذَا غافلين والغفلة هَا هُنَا لَا تَخْلُو من أحد وَجْهَيْن أما أَن تكون عَن يَوْم الْقِيَامَة أَو عَن أَخذ الْمِيثَاق فَأَما يَوْم الْقِيَامَة فَلم يذكر سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه أَنه أَخذ عَلَيْهِم عهدا وميثاقا بِمَعْرِِفَة الْبَعْث والحساب وَإِنَّمَا ذكر مَعْرفَته فَقَط وَأما أَخذ الْمِيثَاق فالأطفال والإسقاط إِن كَانَ هَذَا الْعَهْد مأخوذا عَلَيْهِم كَمَا قَالَ الْمُخَالف فهم لم يبلغُوا بعد أَخذ هَذَا الْمِيثَاق عَلَيْهِم مبلغا يكون مِنْهُم غَفلَة عَنهُ فيجحدونه وينكرونه فَمَتَى تكون هَذِه الْغَفْلَة مِنْهُم وَهُوَ لَا يؤاخذهم بِمَا لم يكن مِنْهُم وَذكر مَا لَا يجوز وَلَا يكون محَال وَقَوله تَعَالَى ﴿أَو تَقولُوا إِنَّمَا أشرك آبَاؤُنَا من قبل وَكُنَّا ذُرِّيَّة من بعدهمْ﴾ فَلَا يَخْلُو هَذَا الشّرك الذى يؤاخذون بِهِ أَن يكون مِنْهُم أنفسهم أَو من آبَائِهِم فان كَانَ مِنْهُم فَلَا يجوز أَن يكون ذَلِك إِلَّا بعد الْبلُوغ وَثُبُوت الْحجَّة عَلَيْهِم إِذْ الطِّفْل لَا يكون مِنْهُ شرك وَلَا غَيره وان كَانَ من غَيرهم فالأمة مجمعة على أَن لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى كَمَا قَالَ فِي الْكتاب وَلَيْسَ هَذَا بمخالف لما روى عَن النَّبِي أَن الله مسح ظهر آدم وَأخرج مِنْهُ ذُريَّته فَأخذ عَلَيْهِم الْعَهْد لِأَنَّهُ اقْتصّ قَول الله فجَاء مثل نظمه فَوضع الْمَاضِي من اللَّفْظ مَوضِع الْمُسْتَقْبل قَالَ وَهَذَا شَبيه الْقِصَّة بِقصَّة قَوْله تَعَالَى وَإِذ أَخذ مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لنؤمن بِهِ فَجعل سُبْحَانَهُ مَا أنزل على الْأَنْبِيَاء من الْكتاب وَالْحكمَة ميثاقا أَخذه من أممهم بعدهمْ يدل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه﴾ ثمَّ قَالَ للأمم ﴿أأقررتم وأخذتم على ذَلِكُم إصري قَالُوا أقررنا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنا مَعكُمْ من الشَّاهِدين﴾ فَجعل سُبْحَانَهُ الْأُمَم كِتَابه الْمنزل على أَنْبِيَائهمْ حجَّة كأخذ الْمِيثَاق عَلَيْهِم وَجعل معرفتهم بِهِ إِقْرَارا مِنْهُم قلت وشبيه بِهِ أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم وميثاقه الَّذِي واثقكم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سمعنَا وأطعنا﴾ فَهَذَا ميثاقه الذى أَخذه عَلَيْهِم بعد إرْسَال رسله إِلَيْهِم بِالْإِيمَان بِهِ وتصديقه وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى وَالَّذين يُوفونَ بِعَهْد الله وَلَا ينقضون الْمِيثَاق وَقَوله تَعَالَى ﴿ألم أَعهد إِلَيْكُم يَا بني آدم أَن لَا تعبدوا الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين وَأَن اعبدوني هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ فَهَذَا عَهده إِلَيْهِم على السّنة رسله وَمثله قَوْله تَعَالَى لبنى إِسْرَائِيل ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ وَمثله وَإِذ أَخذ مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبينه للنَّاس وَلَا تكتمونه وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذنَا من النَّبِيين ميثاقهم ومنك وَمن نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ابْن مَرْيَم وأخذنا مِنْهُم ميثاقا غليظا﴾ فَهَذَا مِيثَاق أَخذه مِنْهُم بَعثهمْ كَمَا أَخذ من أممهم بعد إِنْذَارهم
стр. 163
وَهَذَا الْمِيثَاق الذى لعن سُبْحَانَهُ من نقضه وعاقبه بقوله تَعَالَى ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم لعناهم وَجَعَلنَا قُلُوبهم قاسية﴾ فَإِنَّمَا عاقبهم بنقضهم الْمِيثَاق الذى أَخذه عَلَيْهِم على أَلْسِنَة رسله وَقد صرح بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم ورفعنا فَوْقكُم الطّور خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة واذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ وَلما كَانَت هَذِه الآيه ونظيرها فِي سُورَة مَدَنِيَّة خَاطب بالتذكير بِهَذَا الْمِيثَاق فِيهَا أهل الْكتاب فَإِنَّهُ مِيثَاق أَخذه عَلَيْهِم بِالْإِيمَان بِهِ ويرسله وَلما كَانَت هَذِه آيَة الْأَعْرَاف فِي سُورَة مَكِّيَّة ذكر فِيهَا الْمِيثَاق وَالْإِشْهَاد الْعَام لجَمِيع الْمُكَلّفين مِمَّن أقرّ بربوبيته ووحدانيته وَبطلَان الشّرك وَهُوَ مِيثَاق وإشهاد تقوم بِهِ عَلَيْهِم الْحجَّة وَيَنْقَطِع بِهِ الْعذر وَتحل بِهِ الْعقُوبَة وَيسْتَحق بمخالفته الإهلاك فَلَا بُد أَن يَكُونُوا ذاكرين لَهُ عارفين بِهِ وَذَلِكَ مَا فطرهم عَلَيْهِ من الْإِقْرَار بربوبيته وَأَنه رَبهم وفاطرهم وانهم مخلوقين مربوبون ثمَّ أرسل إِلَيْهِم رسله يذكرونهم مِمَّا فِي فطرهم وعقولهم ويعرفونهم حَقه عَلَيْهِم وَأمره وَنَهْيه ووعده ووعيده
ونظم الْآيَة إِنَّمَا يدل على هَذَا من وُجُوه مُتعَدِّدَة
أَحدهَا أَنه قَالَ ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم﴾ وَلم يقل آدم وَبَنُو آدم غير آدم
الثَّانِي أَنه قَالَ ﴿من ظُهُورهمْ﴾ وَلم يقل ظهر وَهَذَا يدل بعض من كل أَو بدل اشْتِمَال وَهُوَ أحسن
الثَّالِث أَنه قَالَ ذرياتهم وَلم يقل ذُريَّته
الرَّابِع أَنه قَالَا ﴿وأشهدهم على أنفسهم﴾ أَي جعلهم شَاهِدين على أنفسهم فَلَا بُد أَن يكون الشَّاهِد ذَاكِرًا لما شهد بِهِ إِنَّمَا يذكر شَهَادَته بعد خُرُوجه إِلَى هَذِه الدَّار لَا يذكر شَهَادَة قبلهَا
الْخَامِس أَنه سُبْحَانَهُ أخبر أَن حِكْمَة هَذَا الْإِشْهَاد إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِم لِئَلَّا يَقُولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين وَالْحجّة إِنَّمَا قَامَت عَلَيْهِم بالرسل والفطرة الَّتِي فطروا عَلَيْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾
السَّادِس تذكيرهم بذلك لِئَلَّا يَقُولُوا يَوْم الْقِيَامَة ﴿إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين﴾ وَمَعْلُوم أَنهم غافلون بِالْإِخْرَاجِ لَهُم من صلب آدم كلهم وإشهادهم جَمِيعًا ذَلِك الْوَقْت فَهَذَا لَا يذكرهُ أحد مِنْهُم
السَّابِع قَوْله تَعَالَى ﴿أَو تَقولُوا إِنَّمَا أشرك آبَاؤُنَا من قبل وَكُنَّا ذُرِّيَّة من بعدهمْ﴾ فَذكر حكمتين فِي هَذَا التَّعْرِيف وَالْإِشْهَاد إِحْدَاهمَا أَن لَا يدعوا الْغَفْلَة وَالثَّانيَِة أَن لَا يدعوا التَّقْلِيد فالغافل لَا شُعُور والمقلد مُتبع فِي تَقْلِيده لغيره
الثَّامِن قَوْله تَعَالَى ﴿أفتهلكنا بِمَا فعل المبطلون﴾ أَي لَو عذبهم بجحودهم وشركهم
стр. 164
لقالوا ذَلِك وَهُوَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يُهْلِكهُمْ لمُخَالفَة رسله وتكذيبهم فَلَو أهلكهم بتقليد آبَائِهِم فِي شركهم من غير إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِم بالرسل لأهلكهم بِمَا فعل المبطلون أَو أهلكهم مَعَ غفلتهم عَن معرفَة بطلَان مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَقد أخبر سُبْحَانَهُ أَنه لم يكن ليهلك الْقرى بظُلْم وَأَهْلهَا غافلون وَإِنَّمَا يُهْلِكهُمْ بعد الْأَعْذَار والإنذار
التَّاسِع أَنه سُبْحَانَهُ أشهد كل وَاحِد على نَفسه أَنه ربه وخالقه وَاحْتج عَلَيْهِم بِهَذَا الْإِشْهَاد فِي غير مَوضِع من كِتَابه كَقَوْلِه تَعَالَى وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله فَأنى يؤفكون أَي فَكيف يصرفون عَن التَّوْحِيد بعد هَذَا الْإِقْرَار مِنْهُم أَن الله رَبهم وخالقهم وَهَذَا كثير فِي الْقُرْآن فَهَذِهِ هِيَ الْحجَّة الَّتِي أشهدهم على أنفسهم بمضمونها وذكرتهم بهَا رسله بقوله تَعَالَى أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض فَالله تَعَالَى إِنَّمَا ذكرهم على أَلْسِنَة رسله بِهَذَا الْإِقْرَار والمعرفة وَلم يذكرهم قطّ بِإِقْرَار سَابق على إيجادهم وَلَا أَقَامَ بِهِ عَلَيْهِم حجَّة
الْعَاشِر أَنه جعل هَذَا آيه وَهِي الدّلَالَة الْوَاضِحَة الْبَيِّنَة المستلزمة لمدلولها بِحَيْثُ لَا يتَخَلَّف عَنْهَا الْمَدْلُول وَهَذَا شَأْن آيَات الرب تَعَالَى فَإِنَّهَا أَدِلَّة مُعينَة على مَطْلُوب معِين مستلزمة للْعلم بِهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ نفصل الْآيَات﴾ أَي مثل هَذَا التَّفْصِيل والتبيين نفصل الْآيَات لَعَلَّهُم يرجعُونَ من الشّرك إِلَى التَّوْحِيد وَمن الْكفْر إِلَى الْإِيمَان وَهَذِه الْآيَات الَّتِي فصلها هِيَ الَّتِي بَينهَا فِي كِتَابه من أَنْوَاع مخلوقاته وَهِي آيَات أفقية وحسية آيَات فِي نُفُوسهم وذواتهم وخلقهم وآيات فِي الأقطار والنواحي مِمَّا يحدثه الرب ﵎ مِمَّا يدل على وجوده ووحدانيته وَصدق رسله وعَلى الْمعَاد وَالْقِيَامَة وَمن أبينها مَا أشهد بِهِ كل وَاحِد على نَفسه من أَنه ربه وخالقه ومبدعه وَأَنه مربوب مَخْلُوق مَصْنُوع حَادث بعد أَن لم يكن ومحال أَن يكون حدث بِلَا مُحدث أَو يكون هُوَ الْمُحدث لنَفسِهِ فَلَا بُد لَهُ من موجد أَو جده لَيْسَ كمثله شَيْء وَهَذَا الْإِقْرَار والمشاهدة فطْرَة فطروا عَلَيْهَا لَيست بمكتسبة وَهَذِه الْآيَة وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ مُطَابقَة لقَوْل النَّبِي كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَلقَوْله تَعَالَى ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ منيبين إِلَيْهِ﴾
وَمن الْمُفَسّرين من لم يذكر إِلَّا هَذَا القَوْل فَقَط كالزمخشري وَمِنْهُم من يذكر إِلَّا القَوْل الأول فَقَط وَمِنْهُم من حكى الْقَوْلَيْنِ كَابْن الجوزى والواحدي والماوردى وَغَيرهم
قَالَ الْحسن بن يحيى الْجِرْجَانِيّ فَإِن اعْتِرَاض معترض فِي هَذَا الْفَصْل بِحَدِيث يرْوى عَن النَّبِي أَنه قَالَ أَن الله مسح ظهر آدم فَأخْرج مِنْهُ ذُريَّته وَأخذ عَلَيْهِم الْعَهْد ثمَّ ردهم فِي ظَهره وَقَالَ إِن هَذَا مَانع من جَوَاز التَّأْوِيل الَّذِي ذهبت إِلَيْهِ لِامْتِنَاع ردهم فِي الظّهْر
стр. 165
إِن كَانَ أَخذ الْمِيثَاق عَلَيْهِ بعد الْبلُوغ وَتَمام الْعقل قيل لَهُ أَن معنى ثمَّ ردهم فِي ظَهره ثمَّ يردهم فِي ظَهره كَمَا قُلْنَا إِن معنى أَخذ رَبك يَأْخُذ رَبك فَيكون مَعْنَاهُ ثمَّ يردهم فِي ظَهره بوفاتهم لأَنهم إِذا مَاتُوا ردوا إِلَى الأَرْض للدفن وآدَم خلق مِنْهَا ورد فِيهَا فَإِذا ردوا فِيهَا فقد ردوا فِي آدم وَفِي ظَهره إِذْ كَانَ آدم خلق مِنْهَا وفيهَا رد وَبَعض الشَّيْء من الشَّيْء وَفِيمَا ذهبتم إِلَيْهِ من تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث على ظَاهره تفَاوت بَينه وَبَين مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن فِي هَذَا الْمَعْنى إِلَّا أَن يرد تَأْوِيله إِلَى مَا ذكرنَا لِأَنَّهُ قَالَ ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ وَلم يذكر آدم فِي الْقِصَّة إِنَّمَا هُوَ هَاهُنَا مُضَاف إِلَيْهِ لتعريف ذُريَّته أَنهم أَوْلَاده وَفِي الحَدِيث أَنه مسح ظهر آدم فَلَا يُمكن رد مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن وَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث إِلَى الِاتِّفَاق إِلَّا بالتأويل الذى ذَكرْنَاهُ
قَالَ الْجِرْجَانِيّ وَأَنا أَقُول وَنحن إِلَى مَا روى فِي الْآيَة عَن رَسُول الله وَمَا ذهب إِلَيْهِ أهل الْعلم من السّلف الصَّالح أمثل وَله أقبل وَبِه آنس وَالله ولي التَّوْفِيق لما هُوَ أولى وَأهْدى على أَن بعض أَصْحَابنَا من أهل السّنة قد ذكر فِي الرَّد على هَذَا الْقَائِل معنى يحْتَمل ويسوغ فِي النّظم الْجَارِي ومجاز الْعَرَبيَّة بسهولة وَإِمْكَان من غير تعسف وَلَا استكراه وَهُوَ أَن يكون قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم﴾ مُبْتَدأ خبر من الله عَمَّا كَانَ مِنْهُ فِي أَخذ الْعَهْد عَلَيْهِم وَإِذ تَقْتَضِي جَوَابا يَجْعَل جَوَابه قَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا بلَى﴾ وَانْقطع هَذَا الْخَبَر بِتمَام قصَّته ثمَّ ابْتَدَأَ خَبرا آخر بِذكر مَا يَقُوله الْمُشْركُونَ يَوْم الْقِيَامَة فَقَالُوا شَهِدنَا يَعْنِي نشْهد كَمَا قلا الحطيئة
شهد الحطيئة حِين يلقى ربه ... أَن الْوَلِيد أَحَق بالعذر
بِمَعْنى يشْهد الحطيئة يَقُول تَعَالَى نشْهد أَنكُمْ ستقولون يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين أَي عَمَّا هم فِيهِ من الْحساب والمناقشة والمؤاخذة بالْكفْر ثمَّ أضَاف إِلَيْهِ خَبرا آخر فَقَالَ ﴿أَو تَقولُوا﴾ بِمَعْنى وَأَن تَقولُوا لِأَن أَو بِمَعْنى وَاو النسق مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفورا﴾ فتأويله ونشهد أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة ﴿إِنَّمَا أشرك آبَاؤُنَا من قبل وَكُنَّا ذُرِّيَّة من بعدهمْ﴾ أَي أَنهم أشركوا وحملونا على مَذْهَبهم فِي الشّرك فِي صبانا فجرينا على مذاهبهم وافتدينا بهم فَلَا ذَنْب إِذْ كُنَّا مقتدين بهم والذنب فِي ذَلِك لَهُم قُولُوا ﴿إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون﴾ يدل على ذَلِك قَوْلهم ﴿أفتهلكنا بِمَا فعل المبطلون﴾ أَي حملهمْ إيانا على الشّرك فَتكون الْقِصَّة الأولى خَبرا عَن جَمِيع المخلوقين بِأخذ الْمِيثَاق عَلَيْهِم والقصة الثَّانِيَة خبر عَمَّا يَقُول الْمُشْركُونَ يَوْم الْقِيَامَة من الِاعْتِذَار
وَقَالَ فِيمَا ادَّعَاهُ الْمُخَالف أَنه تفَاوت فِيمَا بَين الْكتاب وَالْخَبَر لاخْتِلَاف ألفاظهما فيهمَا قولا يجب قبُوله بالنظائر والعبر الَّتِي تأيد بهَا لمُخَالفَته فَقَالَ إِن الْخَبَر عَن رَسُول الله
стр. 166
إِن الله مسح ظهر آدم أَفَادَ زِيَادَة خبر كَانَ فِي الْقِصَّة الَّتِي ذكر الله تَعَالَى فِي الْكتاب بَعْضهَا وَلم يذكر كلهَا وَلَو أخبر بسوى هَذِه الزِّيَادَة الَّتِي أخبر بِمَا مِمَّا عَسى أَن يكون قد كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي أَخذ فِيهِ الْعَهْد مِمَّا لم يضمنهُ الله كِتَابه لما كَانَ فِي ذَلِك خلاف وَلَا تفَاوت بل كَانَ زِيَادَة فِي الْفَائِدَة وَكَذَلِكَ الْأَلْفَاظ إِذا اخْتلفت فِي ذَاتهَا كَانَ مرجعها إِلَى أَمر وَاحِد لم يُوجب ذَلِك تناقضا كَمَا قَالَ فِي كِتَابه فِي خلق آدم فَذكر مرّة أَنه خلق من تُرَاب وَمرَّة أَنه خلق من حمأ مسنون وَمرَّة من طين لازب وَمرَّة من صلصال كالفخار فَهَذِهِ الْأَلْفَاظ مُخْتَلفَة ومعانيها أَيْضا فِي الْأَحْوَال مُخْتَلفَة أَن الصلصال غير الحمأة والحمأة غير التُّرَاب إِلَّا أَن مرجعها كلهَا فِي الأَصْل إِلَى جَوْهَر وَاحِد وَهُوَ التُّرَاب وَمن التُّرَاب تدرجت هَذِه الْأَحْوَال
فَقَوله ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ وَقَوله أَن الله مسح ظهر آدم فاستخرج مِنْهُ ذُريَّته معنى وَاحِد فِي الأَصْل إِلَّا أَن قَوْله مسح ظهر آدم زِيَادَة فِي الْخَبَر عَن الله ومسحه ظهر آدم واستخراج ذُريَّته من مسح لظُهُور ذُريَّته واستخراج ذرياتهم من ظُهُورهمْ كَمَا ذكر تَعَالَى لأَنا قد علمنَا أَن جَمِيع ذُرِّيَّة آدم لم يَكُونُوا من صلبه لَكِن لما كَانَ الطَّبَق الأول من صلبه ثمَّ الثَّانِي من صلب الأول ثمَّ الثَّالِث من صلب الثَّانِي جَازَ أَن ينْسب ذَلِك كُله إِلَى ظهر آدم لأَنهم فَرعه وَهُوَ أصلهم
وكما جَازَ أَن يكون مَا ذكر الله أَنه استخرجه من ظُهُور ذُرِّيَّة آدم من ظهر آدم جَازَ أَن يكون مَا ذكر انه استخرجه من ظهر آدم من ظُهُور ذُريَّته إِذْ الأَصْل وَالْفرع شَيْء وَاحِد وَفِيه أَيْضا أَنه لما أضَاف الذُّرِّيَّة إِلَى آدم فِي الْخَبَر احْتمل أَن يكون الْخَبَر عَن الذُّرِّيَّة وَعَن آدم كَمَا قَالَ ﴿فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين﴾ وَالْخَبَر فِي الظَّاهِر عَن الْأَعْنَاق والنعت للأسماء المكنية فِيهَا وَهُوَ مُضَاف إِلَيْهَا كَمَا كَانَ آدم مُضَافا إِلَيْهِ هُنَاكَ وليسا جَمِيعًا بالمقصودين فِي الظَّاهِر بالْخبر وَلَا يحْتَمل أَن يكون قَوْله خاضعين للأعناق لِأَن وَجه جمعهَا خاضعات وَمِنْه قَول الشَّاعِر
وتشرق بالْقَوْل الَّذِي قد أذعته ... كَمَا شَرقَتْ صدر الْقَنَاة من الدَّم فالصدر الْمُذكر وَقَوله شَرقَتْ أنث لاضافة الصَّدْر الى الْقَنَاة
стр. 167
فصل فَهَذَا بعض كَلَام السّلف وَالْخلف فِي هَذِه الْآيَة وعَلى كل تَقْدِير فَلَا
تدل على خلق الْأَرْوَاح قبل الأجساد خلقا مُسْتَقرًّا وَإِنَّمَا غايتها أَن تدل على إِخْرَاج صورهم وأمثالهم فِي صور الذَّر واستنطاقهم ثمَّ ردهم إِلَى أصلهم أَن صَحَّ الْخَبَر بذلك وَالَّذِي صَحَّ إِنَّمَا هُوَ إِثْبَات الْقدر السَّابِق وتقسيمهم إِلَى شقي وَسَعِيد وَأما اسْتِدْلَال أَبى مُحَمَّد بن حزم بقوله تَعَالَى ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم ثمَّ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم﴾ فَمَا أليق هَذَا الِاسْتِدْلَال بظاهريته لترتيب الْأَمر بِالسُّجُود لآدَم على خلقنَا وتصويرنا وَالْخطاب للجملة المركبة من الْبدن وَالروح وَذَلِكَ مُتَأَخّر عَن خلق آدم وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ﴾ يَعْنِي آدم ﴿ثمَّ صورناكم﴾ لذريته وَمِثَال هَذَا مَا قَالَه مُجَاهِد ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ يَعْنِي آدم وصورناكم فِي ظهر آدم وَإِنَّمَا قَالَ خَلَقْنَاكُمْ بِلَفْظ الْجمع وَهُوَ يُرِيد آدم كَمَا تَقول ضربناكم وَإِنَّمَا ضربت سيدهم
وَاخْتَارَ أَبُو عبيد فِي هَذِه الْآيَة قَول مُجَاهِد لقَوْله تَعَالَى بعد ثمَّ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا وَكَانَ قَوْله تَعَالَى للْمَلَائكَة اسجدوا قبل خلق ذُرِّيَّة آدم وتصويرهم فِي الْأَرْحَام وَثمّ توجب التَّرَاخِي وَالتَّرْتِيب فَمن جعل الْخلق والتصوير فِي هَذِه الْآيَة لأَوْلَاد آدم فِي الْأَرْحَام يكون قد رَاعى حكم ثمَّ فِي التَّرْتِيب إِلَّا أَن يَأْخُذ بقول الْأَخْفَش فَإِنَّهُ يَقُول ثمَّ هَا هُنَا فِي معنى الْوَاو قَالَ الزّجاج وَهَذَا خطأ لَا يُجِيزهُ الْخَلِيل وسيبويه وَجَمِيع من يوثق بِعِلْمِهِ قَالَ أَبُو عبيد وَقد بَينه مُجَاهِد حِين قَالَ إِن الله تَعَالَى خلق ولد آدم وصورهم فِي ظَهره ثمَّ أَمر بعد ذَلِك بِالسُّجُود قَالَ وَهَذَا بَين فِي الحَدِيث وَهُوَ أَنه أخرجهم من ظَهره فِي صور الذَّر
قلت وَالْقُرْآن يُفَسر بعضه بَعْضًا وَنَظِير هَذِه الْآيَة قَوْله تَعَالَى يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة فأوقع الْخلق من تُرَاب عَلَيْهِم وَهُوَ لأبيهم آدم إِذْ هُوَ أصلهم وَالله سُبْحَانَهُ يُخَاطب الْمَوْجُودين وَالْمرَاد آباؤهم كَقَوْلِه تَعَالَى وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نصبر على طَعَام وَاحِد الْآيَة وَقَوله تَعَالَى وَإِذ قتلتم ﴿نفسا فادارأتم فِيهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم ورفعنا فَوْقكُم الطّور﴾ وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن يخاطبهم وَالْمرَاد بِهِ آباؤهم فَهَكَذَا قَوْله ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم﴾
وَقد يستطرد سُبْحَانَهُ من ذكر الشَّخْص إِلَى ذكر النَّوْع كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين﴾ فالمخلوق من سلالة من طين آدم والمجعول نُطْفَة فِي قَرَار مكين ذُريَّته
стр. 168
وَأما حَدِيث خلق الْأَرْوَاح قبل الأجساد بألفي عَام فَلَا يَصح إِسْنَاده فَفِيهِ عتبَة بن السكن قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك وأرطأة بن الْمُنْذر قَالَ ابْن عدي بعض أَحَادِيثه غلط
فصل وَأما الدَّلِيل على أَن خلق الْأَرْوَاح مُتَأَخّر عَن خلق أبدانها فَمن وُجُوه
أَحدهَا أَن خلق أَبى الْبشر وأصلهم كَانَ هَكَذَا فَإِن الله سُبْحَانَهُ أرسل جِبْرِيل فَقبض قَبْضَة من الأَرْض ثمَّ خمرها حَتَّى صَارَت طينا ثمَّ صوره ثمَّ نفخ فِيهِ الرّوح بعد أَن صوره فَلَمَّا دخلت الرّوح فِيهِ صَار لَحْمًا ودما حَيا ناطقا فَفِي تَفْسِير أَبى مَالك وأبى صَالح عَن ابْن عَبَّاس وَعَن مرّة عَن ابْن مَسْعُود وَعَن أنَاس من أَصْحَاب النَّبِي لما فرغ من خلق مَا أحب اسْتَوَى على الْعَرْش فَجعل إِبْلِيس ملكا على سَمَاء الدُّنْيَا وَكَانَ من الْخزَّان قلبه من مَلَائِكَة يُقَال لَهُم الْجِنّ وَإِنَّمَا سموا الْجِنّ لأَنهم خزان خزان أهل الْجنَّة وَكَانَ إِبْلِيس مَعَ ملكه خَازِنًا فَوَقع فِي صَدره وَقَالَ مَا أَعْطَانِي الله هَذَا إِلَّا لمزيد لي وَفِي لفظ لمزية لي على الْمَلَائِكَة فَلَمَّا وَقع ذَلِك الْكبر فِي نَفسه اطلع الله على ذَلِك مِنْهُ فَقَالَ الله للْمَلَائكَة ﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ قَالُوا رَبنَا وَمَا يكون حَال الْخَلِيفَة وَمَا يصنعون فِي الأَرْض قَالَ الله تكون لَهُ ذُرِّيَّة يفسدونه فِي الأَرْض ويتحاسدون وَيقتل بَعضهم بَعْضًا قَالُوا رَبنَا ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك قَالَ إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي من شَأْن إِبْلِيس فَبعث جِبْرِيل إِلَى الأَرْض ليَأْتِيه بطين مِنْهَا فَقَالَت الأَرْض إِنِّي أعوذ بِاللَّه مِنْك أَن تقبض مني فَرجع وَلم يَأْخُذ وَقَالَ رب إِنَّهَا عاذت بك فأعذتها فَبعث مِيكَائِيل فعاذت مِنْهُ فأعاذها فَبعث ملك الْمَوْت فعاذت مِنْهُ فَقَالَ وَأَنا أعوذ بِاللَّه أَن أرجع وَلم أنفذ أمره فَأخذ من وَجه الأَرْض وخلط فَلم يَأْخُذ من مَكَان وَاحِد فَأخذ من تربة حَمْرَاء وبيضاء وسوداء وَلذَلِك خرج بَنو آدم مُخْتَلفين فَصَعدَ بِهِ قبل الرب حَتَّى عَاد طينا لازبا واللازب هُوَ الَّذِي يلزق بعضه بِبَعْض ثمَّ قَالَ للْمَلَائكَة ﴿إِنِّي خَالق بشرا من طين فَإِذا سويته ونفخت فِيهِ من روحي فقعوا لَهُ ساجدين﴾ فخلقه الله بِيَدِهِ لكيلا يتكبر إِبْلِيس عَنهُ ليقول لَهُ تتكبر عَمَّا عملت بيَدي وَلم أتكبر أَنا عَنهُ فخلقه بشرا فَكَانَ جسدا من طين أَرْبَعِينَ سنة فمرت بِهِ الْمَلَائِكَة ففزعوا مِنْهُ لما رَأَوْهُ وَكَانَ أَشَّدهم مِنْهُ فَزعًا إِبْلِيس فَكَانَ يمر بِهِ فيضربه فيصوت الْجَسَد كَمَا يصوت الفخار تكون لَهُ صلصة فَذَلِك حِين يَقُول ﴿من صلصال كالفخار﴾ وَيَقُول لأمر مَا خلقت وَدخل من فِيهِ فَخرج من دبره فَقَالَ للْمَلَائكَة لَا ترهبوا من هَذَا فَإِن ربكُم صَمد وَهَذَا أجوف لَئِن سلطت عَلَيْهِ لأهلكنه فَلَمَّا بلغ الْحِين الَّذِي يُرِيد الله جلّ ثَنَاؤُهُ أَن ينْفخ فِيهِ الرّوح قَالَ للْمَلَائكَة
стр. 169
إِذا نفخت فِيهِ من روحي فأسجدوا لَهُ فَلَمَّا نفخ فِيهِ الرّوح فَدخل الرّوح فِي رَأسه عطس فَقَالَت الْمَلَائِكَة قل الْحَمد لله فَقَالَ الْحَمد لله فَقَالَ لَهُ الله يَرْحَمك رَبك فَلَمَّا دخل الرّوح فِي عَيْنَيْهِ نظر إِلَى ثمار الْجنَّة فَلَمَّا دخل فِي جَوْفه اشتهي الطَّعَام قبل أَن يبلغ الرّوح رجلَيْهِ فَنَهَضَ عجلَان إِلَى ثمار الْجنَّة فَذَلِك حِين يَقُول ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ وَذكر بَاقِي الحَدِيث
وَقَالَ يُونُس بن عبد الْأَعْلَى أخبرنَا ابْن وهب حَدثنَا ابْن زيد قَالَ لما خلق الله النَّار ذعرت مِنْهَا الْمَلَائِكَة ذعرا شَدِيدا وَقَالُوا رَبنَا لم خلقت هَذِه النَّار ولأي شَيْء خلقتها قَالَ لمن عَصَانِي من خلقي
وَلم يكن لله يَوْمئِذٍ خلق إِلَّا الْمَلَائِكَة وَالْأَرْض لَيْسَ فِيهَا خلق إِنَّمَا خلق آدم بعد ذَلِك وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر لم يكن شَيْئا مَذْكُورا﴾ قَالَ عمر بن الْخطاب يَا رَسُول الله لَيْت ذَلِك الْحِين ثمَّ قَالَ وَقَالَت الْمَلَائِكَة وَيَأْتِي علينا دهر نَعْصِيك فِيهِ لَا يرَوْنَ لَهُ خلقا غَيرهم قَالَ لَا إِنِّي أُرِيد أَن أخلق فِي الأَرْض خلقا وَأَجْعَل فِيهَا خَليفَة وَذكر الحَدِيث قَالَ ابْن إِسْحَاق فَيُقَال وَالله أعلم خلق الله آدم ثمَّ وَضعه ينظر إِلَيْهِ أَرْبَعِينَ عَاما قبل أَن ينْفخ فِيهِ الرّوح حَتَّى عَاد صلصالا كالفخار وَلم تمسسه نَار فَيُقَال وَالله أعلم لما انتهي الرّوح إِلَى رَأسه عطس فَقَالَ الْحَمد لله وَذكر الحَدِيث
وَالْقُرْآن والْحَدِيث والْآثَار تدل على أَنه سُبْحَانَهُ نفخ فِيهِ من روحه بعد خلق جسده فَمن تِلْكَ النفخة حدثت فِيهِ الرّوح وَلَو كَانَت روحه مخلوقة قبل بدنه مَعَ جملَة أَرْوَاح ذُريَّته لما عجبت الْمَلَائِكَة من خلقه وَلما تعجبت من خلق النَّار وَقَالَت لأي شَيْء خلقتها وَهِي ترى أَرْوَاح بني آدم فيهم الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالطّيب والخبيث
وَلما كَانَت أَرْوَاح الْكفَّار كلهَا تبعا لإبليس بل كَانَت الْأَرْوَاح الْكَافِرَة مخلوقة قبل كفره فَإِن الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا حكم عَلَيْهِ بالْكفْر بعد خلق بدن آدم وروحه وَلم يكن قبل ذَلِك كَافِرًا فَكيف تكون الْأَرْوَاح قبله كَافِرَة ومؤمنة وَهُوَ لم يكن كَافِرًا إِذْ ذَاك وَهل حصل الْكفْر للأرواح إِلَّا بتزيينه وإغوائه فالأرواح الْكَافِرَة إِنَّمَا حدثت بعد كفره إِلَّا أَن يُقَال كَانَت كلهَا مُؤمنَة ثمَّ ارْتَدَّت بِسَبَبِهِ وَالَّذِي احْتَجُّوا بِهِ على تَقْدِيم خلق الْأَرْوَاح يُخَالف ذَلِك
وَفِي حَدِيث أَبى هُرَيْرَة فِي تخليق الْعَالم الْأَخْبَار عَن خلق أَجنَاس الْعَالم تَأَخّر خلق آدم إِلَى يَوْم الْجُمُعَة وَلَو كَانَت الْأَرْوَاح مخلوقة قبل الأجساد لكَانَتْ من جملَة الْعَالم الْمَخْلُوق فِي سِتَّة أَيَّام فَلَمَّا لم يخبر عَن خلقهَا فِي هَذِه الْأَيَّام علم أَن خلقهَا تَابع لخلق الذُّرِّيَّة وَأَن خلق آدم وَحده هُوَ الَّذِي وَقع فِي تِلْكَ الْأَيَّام السِّتَّة وَأما خلق ذُريَّته فعلى الْوَجْه الْمشَاهد المعاين
стр. 170
وَلَو كَانَ للروح وجود قبل الْبدن وَهِي حَيَّة عَالِمَة ناطقة لكَانَتْ ذاكرة لذَلِك فِي هَذَا الْعَالم شاعرة بِهِ وَلَو بِوَجْه مَا
وَمن الْمُمْتَنع أَن تكون حَيَّة عَالِمَة ناطقة عارفة بربها وَهِي بَين مَلأ من الْأَرْوَاح ثمَّ تنْتَقل إِلَى هَذَا الْبدن وَلَا تشعر بِحَالِهَا قبل ذَلِك بِوَجْه مَا
وَإِذا كَانَت بعد الْمُفَارقَة تشعر بِحَالِهَا وَهِي فِي الْبدن على التَّفْصِيل وَتعلم مَا كَانَت عَلَيْهِ هَا هُنَا مَعَ أَنَّهَا اكْتسبت بِالْبدنِ أمورا عاقتها عَن كثير من كمالها فلَان تشعر بِحَالِهَا الأول وَهِي غير معوقة هُنَاكَ بطرِيق الأولى إِلَّا أَن يُقَال تعلقهَا بِالْبدنِ واشتغالها بتدبيره منعهَا من شعورها بِحَالِهَا الأول فَيُقَال هَب أَنه منعهَا من شعورها بِهِ على التَّفْصِيل والكمال فَهَل يمْنَعهَا عَن أدنى شُعُور بِوَجْه مَا مِمَّا كَانَت عَلَيْهِ قبل تعلقهَا بِالْبدنِ وَمَعْلُوم أَن تعلقهَا بِالْبدنِ لم يمْنَعهَا عَن الشُّعُور بِأول أحوالها وَهِي فِي الْبدن فَكيف يمْنَعهَا من الشُّعُور بِمَا كَانَ قبل ذَلِك
وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَو كَانَت مَوْجُودَة قبل الْبدن لكَانَتْ عَالِمَة حَيَّة ناطقة عَاقِلَة فَلَمَّا تعلّقت بِالْبدنِ سلبت ذَلِك كُله ثمَّ حدث لَهَا الشُّعُور وَالْعلم وَالْعقل شَيْئا فَشَيْئًا وَهَذَا لَو كَانَ لَكَانَ أعجب الْأُمُور أَن تكون الرّوح كَامِلَة عَاقِلَة ثمَّ تعود نَاقِصَة ضَعِيفَة جاهلة ثمَّ تعود بعد ذَلِك إِلَى عقلهَا وقوتها فَأَيْنَ فِي الْعقل وَالنَّقْل والفطرة مَا بدل على هَذَا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ فَهَذِهِ الْحَال الَّتِي أخرجنَا عَلَيْهَا هِيَ حَالنَا الْأَصْلِيَّة وَالْعلم وَالْعقل والمعرفة وَالْقُوَّة طارىء علينا حَادث فِينَا بعد أَن لم يكن وَلم نَكُنْ نعلم قبل ذَلِك شَيْئا الْبَتَّةَ إِذْ لم يكن لنا وجود نعلم ونعقل بِهِ
وَأَيْضًا فَلَو كَانَت مخلوقة قبل الأجساد وَهِي على مَا هِيَ الْآن من طيب وخبث وَكفر وإيمان وَخير وَشر لَكَانَ ذَلِك ثَابتا لَهَا قبل الْأَعْمَال وَهِي إِنَّمَا اكْتسبت هَذِه الصِّفَات والهيئات من أَعمالهَا الَّتِي سعت فِي طلبَهَا واستعانت عَلَيْهَا بِالْبدنِ فَلم تكن لتصف بِتِلْكَ الهيئات وَالصِّفَات قبل قِيَامهَا بالأبدان الَّتِي بهَا عملت تِلْكَ الْأَعْمَال
وَإِن كَانَ قدر لَهَا قبل إيجادها ذَلِك ثمَّ خرجت إِلَى هَذِه الدَّار على مَا قدر لَهَا فَنحْن لَا ننكر الْكتاب وَالْقدر السَّابِق لَهَا من الله وَلَو دلّ دَلِيل على أَنَّهَا خلقت جملَة ثمَّ أودعت فِي مَكَان حَيَّة عَالِمَة ناطقة ثمَّ كل وَقت تبرز إِلَى أبدانها شَيْئا فَشَيْئًا لَكنا أول قَائِل بِهِ فَالله سُبْحَانَهُ على كل شَيْء قدير وَلَكِن لَا نخبر عَنهُ خلقا وأمرا إِلَّا بِمَا أخبر بِهِ عَن نَفسه على لِسَان رَسُوله وَمَعْلُوم أَن الرَّسُول لم يخبر عَنهُ بذلك وَإِنَّمَا أخبر بِمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن خلق ابْن آدم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَة ثمَّ يكون علقه مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُرْسل إِلَيْهِ الْملك فينفخ فِيهِ الرّوح فالملك وَحده يُرْسل إِلَيْهِ
стр. 171
فينفخ فِيهِ فَإِذا نفخ فِيهِ كَانَ ذَلِك سَبَب حُدُوث الرّوح فِيهِ وَلم يقل يُرْسل الْملك إِلَيْهِ بِالروحِ فيدخلها فِي بدنه وَإِنَّمَا أرسل إِلَيْهِ الْملك فأحدث فِيهِ الرّوح بنفخته فِيهِ لَا أَن الله سُبْحَانَهُ أرسل إِلَيْهِ الرّوح الَّتِي كَانَت مَوْجُودَة قبل ذَلِك بِالزَّمَانِ الطَّوِيل مَعَ الْملك فَفرق بَين أَن يُرْسل إِلَيْهِ ملك ينْفخ فِيهِ الرّوح وَبَين أَن يُرْسل إِلَيْهِ روح مخلوقة قَائِمَة بِنَفسِهَا مَعَ الْملك وَتَأمل مَا دلّ عَلَيْهِ النَّص من هذَيْن الْمَعْنيين وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشرَة
وَهِي مَا حَقِيقَة النَّفس هَل هِيَ جُزْء من أَجزَاء الْبدن أَو عرض من أعراضه أَو جسم مسَاكِن لَهُ مُودع فِيهِ أَو جَوْهَر مُجَرّد وَهل هِيَ الرّوح أَو غَيرهَا وَهل الْإِمَارَة واللوامة والمطمئنة نفس وَاحِدَة لَهَا هَذِه الصِّفَات أم هِيَ ثَلَاث أنفس
فَالْجَوَاب أَن هَذِه مسَائِل قد تكلم النَّاس فِيهَا من سَائِر الطوائف واضطربت أَقْوَالهم فِيهَا وَكثر فِيهَا خطؤهم وَهدى الله أَتبَاع الرَّسُول أهل سنته لما اخْتلفُوا فِيهِ من الْحق بِإِذْنِهِ وَالله يهدى من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم فَنَذْكُر أَقْوَال النَّاس وَمَا لَهُم وَمَا عَلَيْهِم فِي تِلْكَ الْأَقْوَال وَنَذْكُر الصَّوَاب بِحَمْد الله وعونه
قَالَ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي مقالاته اخْتلف النَّاس فِي الرّوح وَالنَّفس والحياة وَهل الرّوح هِيَ الْحَيَاة أَو غَيرهَا وَهل الرّوح جسم أم لَا فَقَالَ النظام الرّوح هِيَ جسم وَهِي النَّفس وَزعم أَن الرّوح حَيّ بِنَفسِهِ وَأنكر أَن تكون الْحَيَاة وَالْقُوَّة معنى غير الْحَيّ الْقوي وَقَالَ آخَرُونَ الرّوح عرض
وَقَالَ قَائِلُونَ مِنْهُم جَعْفَر بن حَرْب لَا نَدْرِي الرّوح جَوْهَر أَو عرض كَذَا قَالَ وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ وَلم يخبر عَنْهَا مَا هِيَ لَا أَنَّهَا جَوْهَر وَلَا عرض قَالَ وأظن جعفرا أثبت أَن الْحَيَاة غير الرّوح أثبت أَن الْحَيَاة عرضا
وَكَانَ الجبائي يذهب إِلَى أَن الرّوح جسم وَأَنَّهَا غير الْحَيَاة والحياة عرض ويعتل بقول أهل اللُّغَة خرجت روح الْإِنْسَان وَزعم أَن الرّوح لَا تجوز عَلَيْهَا الْأَعْرَاض
стр. 172
وَقَالَ قَائِلُونَ لَيْسَ الرّوح شَيْئا أَكثر من اعْتِدَال الطبائع الْأَرْبَع وَلم يرجِعوا من قَوْلهم اعْتِدَال إِلَّا إِلَى المعتدل وَلم يثبتوا فِي الدُّنْيَا شَيْئا إِلَّا الطبائع الْأَرْبَع الَّتِي هِيَ الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة
وَقَالَ قَائِلُونَ أَن الرّوح معنى خَامِس غير الطبائع الْأَرْبَع وَأَنه لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا الطبائع الْأَرْبَع وَالروح وَاخْتلفُوا فِي أَعمال الرّوح فثبتها بَعضهم طباعا وثبتها بَعضهم اخْتِيَارا وَقَالَ قَائِلُونَ الرّوح الدَّم الصافي الْخَالِص من الكدر والعفونات وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْقُوَّة
وَقَالَ قَائِلُونَ الْحَيَاة هِيَ الْحَرَارَة الغريزية وكل هَؤُلَاءِ الَّذين حكينا أَقْوَالهم فِي الرّوح من أَصْحَاب الطبائع يثبتون أَن الْحَيَاة هِيَ الرّوح
وَكَانَ الْأَصَم لَا يثبت للحياة وَالروح شَيْئا غير الْجَسَد وَيَقُول لَيْسَ أَعقل إِلَّا الْجَسَد الطَّوِيل العريض العميق الَّذِي أرَاهُ وأشاهده وَكَانَ يَقُول النَّفس هِيَ هَذَا الْبدن بِعَيْنِه لَا غير وَإِنَّمَا جرى عَلَيْهَا هَذَا الذّكر على جِهَة الْبَيَان والتأكيد بِحَقِيقَة الشَّيْء لَا على أَنَّهَا معنى غير الْبدن
وَذكر عَن أرسططا لَيْسَ أَن النَّفس معنى مُرْتَفع عَن الْوُقُوع تَحت التَّدْبِير والنشوء والبلى غير دَائِرَة وَأَنَّهَا جَوْهَر بسيط منبث فِي الْعَالم كُله من الْحَيَوَان على جِهَة الْأَعْمَال لَهُ وَالتَّدْبِير وَأَنه لَا تجوز عَلَيْهِ صفة قلَّة وَلَا كَثْرَة قَالَ وَهِي على مَا وصفت من انبساطها فِي هَذَا الْعَالم غير منقسمة الذَّات والبنية وَأَنَّهَا فِي كل حَيَوَان الْعَالم بِمَعْنى وَاحِد لَا غير
وَقَالَ آخَرُونَ بل النَّفس معنى مَوْجُود ذَات حُدُود وأركان وَطول وَعرض وعمق وَأَنَّهَا غير مُفَارقَة فِي هَذَا الْعَالم لغَيْرهَا مِمَّا يجْرِي عَلَيْهِ حكم الطول وَالْعرض والعمق وكل وَاحِد مِنْهُمَا يجمعهما صفة الْحَد وَالنِّهَايَة وَهَذَا قَول طَائِفَة من الثنوية يُقَال لَهُم المثانية
وَقَالَت طَائِفَة أَن النَّفس مَوْصُوفَة بِمَا وصفهَا هَؤُلَاءِ الَّذين قدمنَا ذكرهم من معنى
стр. 173
الْحُدُود والنهايات إِلَّا أَنَّهَا غير مُفَارقَة لغَيْرهَا مِمَّا لَا يجوز أَن يكون مَوْصُوفا بِصفة الْحَيَوَان وَهَؤُلَاء الديصانية وَحكى الحريري عَن جَعْفَر بن مُبشر أَن النَّفس جَوْهَر لَيْسَ هُوَ هَذَا الْجِسْم وَلَيْسَ بجسم لكنه معنى بِابْن الْجَوْهَر والجسم
وَقَالَ آخَرُونَ النَّفس معنى غير الرّوح وَالروح غير الْحَيَاة والحياة عِنْده عرض وَهُوَ أَبُو الْهُذيْل وَزعم أَنه قد يجوز أَن يكون الْإِنْسَان فِي حَال نَومه مسلوب النَّفس وَالروح دون الْحَيَاة وَاسْتشْهدَ على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها﴾
وَقَالَ جَعْفَر بن حَرْب النَّفس عرض من الْأَعْرَاض يُوجد فِي هَذَا الْجِسْم وَهُوَ أحد الْآلَات الَّتِي يَسْتَعِين بهَا الْإِنْسَان على الْفِعْل كالصحة والسلامة وَمَا أشبههما وَأَنَّهَا غير مَوْصُولَة بِشَيْء من صِفَات الْجَوَاهِر والأجسام هَذَا مَا حَكَاهُ الْأَشْعَرِيّ
وَقَالَت طَائِفَة النَّفس هِيَ النسيم الدَّاخِل وَالْخَارِج بالتنفس قَالُوا وَالروح عرض وَهُوَ الْحَيَاة فَقَط وَهُوَ غير النَّفس وَهَذَا قَول القَاضِي أَبُو بكر بن الباقلاني وَمن اتبعهُ من الأشعرية
وَقَالَت طَائِفَة لَيست النَّفس جسما وَلَا عرضا وَلَيْسَت النَّفس فِي مَكَان وَلَا لَهَا طول وَلَا عرض وَلَا عمق وَلَا لون وَلَا بعض وَلَا هِيَ فِي الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا مجانبة لَهُ وَلَا مباينة وَهَذَا قَول الْمَشَّائِينَ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْأَشْعَرِيّ عَن ارسططا لَيْسَ وَزَعَمُوا أَن تعلقهَا بِالْبدنِ لَا بالحلول فِيهِ وَلَا بالمجاورة وَلَا بالمساكنة وَلَا بالالتصاق وَلَا بالمقابلة وَإِنَّمَا هُوَ التَّدْبِير لَهُ فَقَط وَاخْتَارَ هَذَا الْمَذْهَب البسنجي وَمُحَمّد بن النُّعْمَان الملقب بالمفيد وَمعمر بن عباد الْغَزالِيّ وَهُوَ قَول ابْن سينا وَأَتْبَاعه وَهُوَ أردى الْمذَاهب وأبطلها وأبعدها من الصَّوَاب
قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم وَذهب سَائِر أهل الْإِسْلَام والملل المقرة بالمعاد إِلَى أَن النَّفس جسم طَوِيل عريض عميق ذَات مَكَان جثة متحيزة مصرفة للجسد قَالَ وَبِهَذَا نقُول قَالَ وَالنَّفس وَالروح اسمان مُتَرَادِفَانِ لِمَعْنى وَاحِد ومعناهما وَاحِد
وَقد ضبط أَبُو عبد الله بن الْخَطِيب مَذَاهِب النَّاس فِي النَّفس فَقَالَ مَا يُشِير إِلَيْهِ كل إِنْسَان بقوله إِنَّا إِمَّا أَن نَكُون جسما أَو عرضا ساريا فِي الْجِسْم أَو لَا جسما وَلَا عرضا ساريا فِيهِ أما الْقسم الأول وَهُوَ أَنه جسم فَذَلِك الْجِسْم إِمَّا أَن يكون هَذَا الْبدن وَإِمَّا أَن يكون جسما مشاركا لهَذَا الْبدن وَإِمَّا أَن يكون خَارِجا عَنهُ وَأما الْقسم الثَّالِث وَهُوَ أَن نفس الْإِنْسَان
стр. 174
عبارَة عَن جسم خَارج عَن هَذَا الْبدن فَهَذَا لم يقلهُ أحد وَأما الْقسم الأول وَهُوَ أَن الْإِنْسَان عبارَة عَن هَذَا الْبدن والهيكل الْمَخْصُوص فَهُوَ قَول جُمْهُور الْخلق وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْد أَكثر الْمُتَكَلِّمين
قلت هُوَ قَول جُمْهُور الْخلق الَّذين عرف الرَّازِيّ أَقْوَالهم من أهل الْبدع وَغَيرهم من المضلين وَأما أَقْوَال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَأهل الحَدِيث فَلم يكن لَهُ بهَا شُعُور الْبَتَّةَ وَلَا أعتقد أَن لَهُم فِي ذَلِك قولا على عَادَته فِي حِكَايَة الْمذَاهب الْبَاطِلَة فِي الْمَسْأَلَة وَالْمذهب الْحق الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَالسّنة وأقوال الصَّحَابَة لم يعرفهُ وَلم يذكرهُ وَهَذَا الَّذِي نسبه إِلَى جُمْهُور الْخلق من أَن الْإِنْسَان هُوَ هَذَا الْبدن الْمَخْصُوص فَقَط وَلَيْسَ وَرَاءه شَيْء هُوَ من ابطل الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة بل هُوَ أبطل من قَول ابْن سينا وَأَتْبَاعه بل الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْعُقَلَاء أَن الْإِنْسَان هُوَ الْبدن وَالروح مَعًا وَقد يُطلق اسْمه على أَحدهمَا دون الآخر بِقَرِينَة
فَالنَّاس لَهُم أَرْبَعَة أَقْوَال فِي مُسَمّى الْإِنْسَان هَل هُوَ الرّوح فَقَط أَو الْبدن فَقَط أَو مجموعهما أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا وَهَذِه الْأَقْوَال الْأَرْبَعَة لَهُم فِي كَلَامه هَل هُوَ اللَّفْظ فَقَط أَو الْمَعْنى فَقَط أَو مجموعهما أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا فَالْخِلَاف بَينهم فِي النَّاطِق ونطقه
قَالَ الرَّازِيّ وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ أَن الْإِنْسَان عبارَة عَن جسم مَخْصُوص مَوْجُود فِي دَاخل هَذَا الْبدن فالقائلون بِهَذَا القَوْل اخْتلفُوا فِي تعْيين ذَلِك الْجِسْم على وُجُوه
الأول أَنه عبارَة عَن الأخلاط الْأَرْبَعَة الَّتِي مِنْهَا يتَوَلَّد هَذَا الْبدن
وَالثَّانِي انه الدَّم
وَالثَّالِث أَنه الرّوح اللَّطِيف الَّذِي يتَوَلَّد فِي الْجَانِب الْأَيْسَر من الْقلب وَينفذ فِي الشريانات إِلَى سَائِر الْأَعْضَاء
وَالرَّابِع أَنه الرّوح الَّذِي يصعد فِي الْقلب إِلَى الدِّمَاغ ويتكيف بالكيفية الصَّالِحَة لقبُول قُوَّة الْحِفْظ والفكرة وَالذكر
وَالْخَامِس أَنه جُزْء لَا يتَجَزَّأ فِي الْقلب
وَالسَّادِس أَنه جسم مُخَالف بالماهية لهَذَا الْجِسْم المحسوس وَهُوَ جسم نور أَنى علوي خَفِيف حَيّ متحرك ينفذ فِي جَوْهَر الْأَعْضَاء ويسري فِيهَا سريان المَاء فِي الْورْد وسريان الدّهن فِي الزَّيْتُون وَالنَّار فِي الفحم فَمَا دَامَت هَذِه الْأَعْضَاء صَالِحَة لقبُول الْآثَار الفائضة عَلَيْهَا من هَذَا الْجِسْم اللَّطِيف بَقِي ذَلِك الْجِسْم اللَّطِيف مشابكا لهَذِهِ الْأَعْضَاء وأفادها هَذِه الْآثَار من الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية
стр. 175
وَإِذا فَسدتْ هَذِه الْأَعْضَاء بسب اسْتِيلَاء الأخلاط الغليظة عَلَيْهَا وَخرجت عَن قبُول تِلْكَ الْآثَار فَارق الرّوح الْبدن وانفصل إِلَى عَالم الْأَرْوَاح
وَهَذَا القَوْل هُوَ الصَّوَاب فِي الْمَسْأَلَة هُوَ الَّذِي لَا يَصح غَيره وكل الْأَقْوَال سواهُ بَاطِلَة وَعَلِيهِ دلّ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وأدلة الْعقل والفطرة وَنحن نسوق الْأَدِلَّة عَلَيْهِ على نسق وَاحِد
الدَّلِيل الأول قَوْله تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت وَيُرْسل الْأُخْرَى إِلَى أجل مُسَمّى﴾ نفي الْآيَة ثَلَاثَة أَدِلَّة الْأَخْبَار بتوفيها وإمساكها وإرسالها
الرَّابِع قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد جئتمونا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة﴾
وفيهَا أَرْبَعَة أَدِلَّة
أَحدهَا بسط الْمَلَائِكَة أَيْديهم لتناولها
الثَّانِي وصفهَا بِالْإِخْرَاجِ وَالْخُرُوج
الثَّالِث الْإِخْبَار عَن عَذَابهَا فِي ذَلِك الْيَوْم
الرَّابِع الْإِخْبَار عَن مجيئها إِلَى رَبهَا فَهَذِهِ سَبْعَة أَدِلَّة
الثَّامِن قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي يتوفاكم بِاللَّيْلِ وَيعلم مَا جرحتم بِالنَّهَارِ ثمَّ يبعثكم فِيهِ ليقضى أجل مُسَمّى ثمَّ إِلَيْهِ مرجعكم﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا جَاءَ أحدكُم الْمَوْت توفته رسلنَا وهم لَا يفرطون﴾ وفيهَا ثَلَاثَة أَدِلَّة
أَحدهَا الْإِخْبَار بتوفي الْأَنْفس بِاللَّيْلِ
الثَّانِي بعثها إِلَى أجسادها بِالنَّهَارِ
الثَّالِث توفّي الْمَلَائِكَة لَهُ عِنْد الْمَوْت فَهَذِهِ عشرَة أَدِلَّة
الْحَادِي عشر قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي﴾ وفيهَا ثَلَاثَة أَدِلَّة
أَحدهَا وصفهَا بِالرُّجُوعِ
стр. 176
الثَّانِي وصفهَا بِالدُّخُولِ
الثَّالِث وصفهَا بِالرِّضَا
وَاخْتلف السّلف هَل يُقَال لَهَا ذَلِك عِنْد الْمَوْت أَو عِنْد الْبَعْث أَو فِي الْمَوْضِعَيْنِ على ثَلَاثَة أَقْوَال وَقد روى فِي حَدِيث مَرْفُوع أَن النَّبِي قَالَ لأبي بكر الصّديق أما أَن الْملك سيقولها لَك عِنْد الْمَوْت قَالَ زيد بن أسلم بشرت بِالْجنَّةِ عِنْد الْمَوْت وَيَوْم الْجمع وَعند الْبَعْث وَقَالَ أَبُو صَالح ﴿ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية﴾ هَذَا عِنْد الْمَوْت فأدخلي عبَادي وادخلي جنتي قَالَ هَذَا يَوْم الْقِيَامَة فَهَذِهِ أَرْبَعَة عشر دَلِيلا
الْخَامِس عشر قَوْله إِن الرّوح إِذا قبض تبعه الْبَصَر فَفِيهِ دليلان
أَحدهمَا وَصفه بِأَنَّهُ يقبض
الثَّانِي أَن الْبَصَر يرَاهُ
السَّابِع عشر مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ حَدثنَا أَبُو دَاوُد عَن عَفَّان عَن حَمَّاد عَن أَبى جَعْفَر عَن عمَارَة بن خُزَيْمَة أَن أَبَاهُ قَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي أَسجد على جبهة النَّبِي فَأَخْبَرته بذلك فَقَالَ إِن الرّوح ليلقى الرّوح فأقنع رَسُول الله هَكَذَا قَالَ عَفَّان بِرَأْسِهِ إِلَى حلقه فَوضع جَبهته على جبهة النَّبِي فَأخْبر أَن الْأَرْوَاح تتلاقى فِي الْمَنَام وَقد تقدم قَول ابْن عَبَّاس تلتقي أَرْوَاح الْأَحْيَاء والأموات فِي الْمَنَام فيتساءلون بَينهم فَيمسك الله أَرْوَاح الْمَوْتَى
الثَّامِن عشر قَوْله فِي حَدِيث بِلَال إِن الله قبض أرواحكم وردهَا إِلَيْكُم حِين شَاءَ فَفِيهِ دليلان وصفهَا بِالْقَبْضِ وَالرَّدّ
الْعشْرُونَ قَوْله نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة وَفِيه دليلان
أَحدهمَا كَونهَا طائرا
الثَّانِي تعلقهَا فِي شجر الْجنَّة وأكلها على اخْتِلَاف التفسيرين
الثَّانِي وَالْعشْرُونَ قَوْله أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر تسرح فِي الْجنَّة حَيْثُ
стр. 177
شَاءَت وتأوي إِلَى قناديل معلقَة بالعرش فَأطلع إِلَيْهِم رَبك اطلاعة فَقَالَ أَي شَيْء تُرِيدُونَ الحَدِيث وَقد تقدم وَفِيه سِتَّة أَدِلَّة
أَحدهَا كَونهَا مودعة فِي جَوف طير
الثَّانِي أَنَّهَا تسرح فِي الْجنَّة
الثَّالِث أَنَّهَا تَأْكُل من ثمارها وتشرب من أنهارها
الرَّابِع أَنَّهَا تأوي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيل أَي تسكن إِلَيْهَا
الْخَامِس أَن الرب تَعَالَى خاطبها واستنطقها فأجابته وخاطبته
السَّادِس أَنَّهَا طلبت الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا فَعلم أَنَّهَا مِمَّا يقبل الرُّجُوع فَإِن قيل هَذَا كُله صفه الطير لَا صفة الرّوح قيل بل الرّوح المودعة فِي الطير قصد وعَلى الرِّوَايَة الَّتِي رجحها أَبُو عمر وَهِي قَوْله أَرْوَاح الشُّهَدَاء كطير يَنْفِي السُّؤَال بِالْكُلِّيَّةِ
التَّاسِع وَالْعشْرُونَ قَوْله فِي حَدِيث طَلْحَة بن عبيد الله أردْت مَالِي بِالْغَابَةِ فأدركني اللَّيْل فأويت إِلَى قبر عبد الله بن عَمْرو بن حزَام فَسمِعت قِرَاءَة من الْقَبْر مَا سَمِعت أحسن مِنْهَا فَقَالَ رَسُول الله ذَاك عبد الله ألم تعلم أَن الله قبض أَرْوَاحهم فَجَعلهَا فِي قناديل من زبرجد وَيَاقُوت ثمَّ علقها وسط الْجنَّة فَإِذا كَانَ اللَّيْل ردَّتْ إِلَيْهِم أَرْوَاحهم فَلَا تزَال كَذَلِك حَتَّى إِذا طلع الْفجْر ردَّتْ أَرْوَاحهم إِلَى مَكَانهَا الَّتِي كَانَت وَفِيه أَرْبَعَة أَدِلَّة سوى مَا تقدم
أَحدهَا جعلهَا فِي الْقَنَادِيل
الثَّانِي انتقالها من حيّز إِلَى حيّز
الثَّالِث تكلمها وقراءتها فِي الْقَبْر
الرَّابِع وصفهَا بِأَنَّهَا فِي مَكَان
الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ حَدِيث الْبَراء بن عَازِب وَقد تقدم سِيَاقه وَفِيه عشرُون دَلِيلا
أَحدهَا قَول ملك الْمَوْت لنَفسِهِ ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية﴾ وَهَذَا الْخطاب لمن يفهم وَيعْقل
الثَّانِي قَوْله اخْرُجِي إِلَى مغْفرَة من الله ورضوان
الثَّالِث قَوْله فَتخرج تسيل كَمَا تسيل القطرة من فِي السقاء
стр. 178
الرَّابِع قَوْله فَلَا يدعونها فِي يَده طرفَة عين حَتَّى يأخذوها مِنْهُ
الْخَامِس قَوْله حَتَّى يكفنوها فِي ذَلِك الْكَفَن ويحنطوها بذلك الحنوط فَأخْبر أَنه تكفن وتحنط
السَّادِس قَوْله ثمَّ يصعد بِرُوحِهِ إِلَى السَّمَاء
السَّابِع قَوْله وَيُوجد مِنْهَا كأطيب نفحة مسك وجدت
الثَّامِن قَوْله فتفتح لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء
التَّاسِع قَوْله ويشيعه من كل سَمَاء مقربوها حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الرب تَعَالَى
الْعَاشِر قَوْله فَيَقُول تَعَالَى ردوا عَبدِي إِلَى الأَرْض
الْحَادِي عشر قَوْله فَترد روحه فِي جسده
الثَّانِي عشر قَوْله فِي روح الْكَافِر فَتفرق فِي جسده فيجذبها فتنقطع مِنْهَا الْعُرُوق والعصب
الثَّالِث عشر قَوْله وَيُوجد لروحه كأنتن ريح وجدت على وَجه الأَرْض
الرَّابِع عشر قَوْله فيقذف بِرُوحِهِ عَن السَّمَاء وتطرح طرحا فتهوى إِلَى الأَرْض
الْخَامِس عشر قَوْله فَلَا يَمرونَ بهَا على مَلأ من الْمَلَائِكَة إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرّوح الطّيب وَمَا هَذَا الرّوح الْخَبيث
السَّادِس عشر قَوْله فيجلسان ويقولان لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَإِن كَانَ هَذَا للروح فَظَاهر وَإِن كَانَ للبدن فَهُوَ بعد رُجُوع الرّوح إِلَيْهِ من السَّمَاء
السَّابِع عشر قَوْله فَإِذا صعد بِرُوحِهِ قيل أَي رب عَبدك فلَان
الثَّامِن عشر قَوْله أرجعوه فأروه مَاذَا أَعدَدْت لَهُ من الْكَرَامَة فَيرى مَقْعَده من الْجنَّة أَو النَّار
التَّاسِع عشر قَوْله فِي الحَدِيث إِذا خرجت روح الْمُؤمن صلى عَلَيْهَا كل ملك لله بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فالملائكة تصلى على روحه وَبني آدم يصلونَ على جسده
الْعشْرُونَ قَوْله فَينْظر إِلَى مَقْعَده من الْجنَّة أَو النَّار حَتَّى تقوم السَّاعَة وَالْبدن قد تمزق وتلاشى وَإِنَّمَا الَّذِي يرى الْمَقْعَدَيْنِ الرّوح
стр. 179
فصل الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ حَدِيث أبي مُوسَى تخرج نفس الْمُؤمن أطيب من ريح الْمسك
فتنطلق بهَا الْمَلَائِكَة الَّذين يتوفونه فَتَلقاهُمْ مَلَائِكَة من دون السَّمَاء فَيَقُولُونَ هَذَا فلَان ابْن فلَان كَانَ يعْمل كَيْت وَكَيْت بمحاسن عمله فَيَقُولُونَ مرْحَبًا بكم وَبِه فيقبضونها مِنْهُم فيصعد بِهِ من الْبَاب الَّذِي كَانَ يصعد مِنْهُ عمله فيشرق فِي السَّمَوَات وَهُوَ كبرهان الشَّمْس حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى الْعَرْش وَأما الْكَافِر فَإِذا قبض انْطلق بِرُوحِهِ فَيَقُولُونَ من هَذَا فَيَقُولُونَ فلَان ابْن فلَان كَانَ يعْمل كَيْت وَكَيْت لمساوي أَعماله فَيَقُولُونَ لَا مرْحَبًا لَا مرْحَبًا ردُّوهُ فَيرد إِلَى أَسْفَل الأَرْض إِلَى الثرى فَفِيهِ عشرَة أَدِلَّة
أَحدهَا خُرُوج نَفسه
الثَّانِي طيب رِيحهَا
الثَّالِث انطلاق الْمَلَائِكَة بهَا
الرَّابِع تَحِيَّة الْمَلَائِكَة لَهَا
الْخَامِس قبضهم لَهَا
السَّادِس صعودهم بهَا
السَّابِع إشراق السَّمَوَات لضوئها
الثَّامِن انتهاؤها إِلَى الْعَرْش
التَّاسِع قَول الْمَلَائِكَة من هَذَا وَهَذَا سُؤال عَن عين وَذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا
الْعَاشِر قَوْله ردُّوهُ إِلَى أَسْفَل الْأَرْضين
فصل الرَّابِع وَالسِّتُّونَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِذا خرجت روح الْمُؤمن تَلقاهُ ملكان
فيصعدانه إِلَى السَّمَاء فَيَقُول أهل السَّمَاء روح طيبَة جَاءَت من قبل الأَرْض صلى الله عَلَيْك وعَلى جَسَد كنت تعمرينه وَذكر الْمسك ثمَّ يصعد بِهِ إِلَى ربه فَيَقُول ردُّوهُ إِلَى آخر الْأَجَليْنِ فَفِيهِ سِتَّة أَدِلَّة
أَحدهَا قَوْله تَلقاهُ ملكان
الثَّانِي قَوْله فيصعدانه إِلَى السَّمَاء
الثَّالِث قَول الْمَلَائِكَة روح طيبَة جَاءَت من قبل الأَرْض
стр. 180
الرَّابِع صلَاتهم عَلَيْهَا
الْخَامِس طيب رِيحهَا
السَّادِس الصعُود بهَا إِلَى الله
فصل الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن الْمُؤمن تحضره
الْمَلَائِكَة فَإِذا كَانَ الرجل الصَّالح قَالُوا أَخْرِجِي أيتها النَّفس الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب أَخْرِجِي حميدة وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى تخرج فيعرج بهَا حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء فيستفتح لَهَا فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال فلَان ابْن فلَان فَيُقَال مرْحَبًا بِالنَّفسِ الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب ادخلي حميدة وأبشرى بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله وَإِذا كَانَ الرجل السوء قَالَ أَخْرِجِي أيتها النَّفس الخبيثة كَانَت فِي الْجَسَد الْخَبيث أَخْرِجِي ذميمة وَأَبْشِرِي بحميم وغساق وَآخر من شكله أَزوَاج فَلَا يزَال يُقَال لَهَا حَتَّى تخرج فينتهي بهَا إِلَى السَّمَاء فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال فلَان ابْن فلَان فَيُقَال لَا مرْحَبًا بِالنَّفسِ الخبيثة كَانَت فِي الْجَسَد الْخَبيث ارجعي ذميمة فَإِنَّهُ لَا تفتح لَك أَبْوَاب السَّمَاء فترسل إِلَى الأَرْض ثمَّ تصير إِلَى الْقَبْر وَهُوَ حَدِيث صَحِيح وَفِيه عشرَة أَدِلَّة
أَحدهَا قَوْله كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب وَكَانَت فِي الْجَسَد الْخَبيث فها هُنَا حَال وَمحل
الثَّانِي قَوْله أَخْرِجِي حميدة
الثَّالِث قَوْله وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان فَهَذَا بِشَارَة بِمَا تصير إِلَيْهِ بعد خُرُوجهَا
الرَّابِع قَوْله فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء
الْخَامِس قَوْله فيستفتح لَهَا
السَّادِس قَوْله أدخلي حميدة
السَّابِع قَوْله حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله تَعَالَى
الثَّامِن قَوْله لنَفس الْفَاجِر ارجعي ذميمة
التَّاسِع فَإِنَّهُ لَا تفتح لَك أَبْوَاب السَّمَاء
الْعَاشِر قَوْله فترسل إِلَى الأَرْض ثمَّ تصير إِلَى الْقَبْر
следующие страницы →