← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 647

موسوعة بيت المقدس وبلاد الشام الحديثية

أحمد بن سليمان بن أيوب

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ذَلِكَ، وَوَكَّلَ اللَّهُ بِهِمَا أَرْبَعَةً مِنَ الملَائِكَةِ يَسُوقُونَهَا، فَسَارَتِ البَقَرَتَانِ بِهَا سَيْرًا سَرِيعًا حَتَّى إِذَا بَلَغَتَا طَرَفَ القُدْسِ كَسَرَتَا سَيْرَهُمَا وَقَطعَتَا حِبَالَهُمَا وَتَركَتَاهَا وَذَهَبَتَا، فَنَزَلَ إِلَيْهَا دَاوُدُ وَمَنْ مَعَهُ، فَلَمَّا رَأَى دَاوُدُ التَّابُوتَ حَجَلَ إِلَيْهَا فَرَحًا بِهَا -قَالَ: فَقُلْنَا لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مَا حَجَلَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: شَببيِهًا بِالرَّقْصِ- فَقَالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: لَقَدْ خَفَفْتَ حَتَّى كَادَ النَّاسُ أَنْ يَمْقُتُوكَ لِمَا صَنَعْتَ. فَقَالَ: أَتُبَطِّئِينِي عَنْ طَاعَةِ رَبِّي؛ لَا تَكُونِينَ لِي زَوْجَةً بَعْدَهَا أَبَدًا. فَفَارَقَهَا. (٦٣)

стр. 877

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 879

٨٧٩ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الفَضْلِ بمِصْرَ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ ابنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: ثَنَا أَبُو الخَيْرِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الفَضْلِ العَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الرَّقيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ عَوْفُ بْنُ المزَرَّعِ بْنِ الأَدِيبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَاتِمٍ السَّجِسْتَانِي يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ فَقَالَ: هِيَ بَيْتُ المقْدِسِ، وَذَلِكَ أَنَّ العُزَيرَ مَرَّ بِهَا وَهِيَ خَرَابٌ، فَقَالَ: أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللَّه بَعْدَ مَوْتِهَا؟ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ عَلَى السِّنِّ الَّذِي تَوَفَّاهُ عَلَيْهَا بَعْدَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَلَهُ أَرْبَعُون سَنَةً، وَلِابْنِهِ عَشْرُ وَمِئَةِ سَنَةٍ، وَلِابْنِ ابْنِهِ تِسْعُونَ سَنَةً، وَأُنْشِدَ فِي ذَلِكَ: وَاسْوَدَّ رَأسُ شَابٍّ مِنْ قَبْلِهِ ابْنِهِ ... وَمِنْ قَبْلِهِ ابْنٌ لَهُ فَهُوَ أَكْبَرُ تَرَى ابْنَ ابْنِهِ شَيْخًا يَثِبُّ عَلَى عَصَا ... وَلِحْيَتُهُ سَوْدَاءُ وَالرَّأْسُ أشْقَرُ

стр. 880

وَمَا لِابْنِهِ حيلٌ وَلَا فَضْلُ قُوَّةٍ ... يَقُومُ كَمَا يَمْشِي الصَّبِيُّ فَيَعْثُرُ يَعُدُّ ابْنِهِ فِي النَّاسِ تِسْعِينَ حَجَّةً ... وَعِشْرِينَ لَا يَجْرِي وَلَا يَتَحَيَّرُ وَعُمْرُ أبِيهِ أرْبَعُونَ أَمَرَّهَا ... وَلِابْنِ ابْنهِ فِي النَّاسِ تِسْعِين غُبَّرُ فَمَا هُوَ فِي المعْقُولِ إِنْ كُنْتَ دَاريا ... وَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَبِالجَهْلِ تُعْذَرُ (١) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٦٤) ٨٨٠ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ يَعْقُوبَ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ مَحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ القَاسِم، قَالَ: ثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: أَنا أَبُو مُحَمِّدٍ مُوسَى ابنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّنْعَانِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 881

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. تُرِيدُ لِوَجْهِ اللَّهِ خَالِصًا، لَا لِشَيْءٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، يَعْنِي: يَكُونُ خَادِمًا لِبَيْتِ المقْدِسِ يَكْنُسُهُ، وَيَخْدُمُهُ، وَيَتَعَاهَدُ مَا يُصْلِحُهُ حَتَّى يَبْلغُ الحُلُمَ، ثُمَّ يُخَيَّرْ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا أَقَامَ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ حَيْثُ شَاءَ ذَهَبَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ التخْييرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَحَرَّرَتْ مَا فِي بَطْنِهَا قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ مَا هُوَ، وَقَالَتْ: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فَلَمَّا وَضَعَتهَا ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أَي: إِنَّهَا عَوْرَة لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلْبُيوتِ ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ تُرِيدُ فِي صَلَاحٍ وَمَعْرِفَةٍ، تُسَبِّحُ اللَّه وَتُقَدِّسُهُ، وَتُقِيمُ فِي بَيْتِ المقْدِسِ فَتَكْنُسُهُ، وَتَعْمَل القَنَادِيلَ، وَتُسْرجُ المصَابِيحَ، فَلَمَّا هَمَّتْ أَنْ تَبْلُغَ مَبْلغً النَّسَاءِ كَفَلَهَا زَكَرِيَّا، وَكَانَ ابْنَ عَمَّهَا وَزَوْجَ أُخْتِهَا، فَصَارَتْ عِنْدَهُ، لَهَا غُرْفَةً مِنْ دَارِهِ بِسُّلَّمٍ لَهَا مِنْ دَارِهِ إِلَى مِحْرَابٍ لَهَا تُصَلِّي فِيهِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، قَالَ: وَكَانَ زَكَرِيَّا إِذَا خَرَجَ أَغْلَقَ عَلَيْهَا البَابَ الَّذِي تَسْكُنُهُ، وَهُوَ الَّذي ظَهْرُهُ بَيْتُ المقْدِسِ، و ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ يُرِيدُ فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، حَيْثُ لَا فَاكِهَةَ ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ تُرِيدُ تَأتِي بِهِ الملَائِكَةُ إِلَيْهَا وَهِيَ فِي المِحْرَابِ، وَلَيْسَ مِنْ أَجِنَّةِ الدُّنْيَا. قَالَ: فآذَاهَا القُمَّلُ فِي رَأْسِهَا، فَتَمَنَّتْ أَنْ تَجِدَ خَلْوَةً إِلَى الجَبَلِ فَتُفَلِّيَ رَأْسَهَا، فَانْفَرَجَ السَّقْفُ لَهَا، فَخَرَجَتْ وَالبَابُ مُغْلَقٌ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ البَرْدِ، فَجَلَسَتْ فِي مشرفةٍ لِلشَّمْسِ، فَأَتَاهَا زَكَرِيَّا فَفَتَحَ البَابَ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ وَالحِجَابُ الجَبَلُ،

стр. 882

﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ (٦٥) جِبْرِيلُ ﵇ فَأَخَذَ رُّدْنَ قَمِيصِهَا بِأُصْبِعِهِ فَنَفَخَ فِيهِ، فَحَمَلَتْ مِنْ سَاعَتِهَا بِعِيسَى ﵇، فَلَمَّا وَجَدَتْ حِسَّ الحَمْلِ، انْتَبَذَتْ بهِ مَكَانًا قَصِيًّا، وَهُوَ وَادِي بَيْتِ لَحْمٍ، قَالَ لَهَا جِبْرِيلُ ﵇: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قَالَ: وَكَانَ جِذْعًا يَابِسًا، فَعَجَبْتُ مَرْيَمُ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ جِذْعًا نَخِرًا لَا سَعْفَ فِيهِ، فَلَمَّا هَزَّتْهُ نَظَرَتْ إِلَى أَعْلَاهُ، فَإِذَا السَّعْفُ قَدِ اطَّلَعَ مِنَ الجِذْعِ أَخْضَرُ كَأَنَّهُ السّلْقُ، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى الطَّلْع يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ السّعْفِ وَقَدِ اخْضَّرَ بَعْدَ البَيَاضِ فَصَارَ بَلَحًا، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى البَلَحِ وَقَدِ احْمَرَّ بَعْدَ الخُضْرَةِ فَصَارَ زَهْوًا، وَهُوَ البُسْرُ، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى البُسْرِ الأَحْمَرِ قَدْ صَارَ رُّطَبًا، كُلُّ ذَلِكَ فِي طَرْفَةِ عَيْني قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْهَا طَرْفُهَا، فَجَعَلَ الرُّطَبُ يَقَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا فِي أَقْمَاعِهِ، وَلَا يَنْشَدِخُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَطَابَتْ نَفْسُهَا، وَقَالَتْ: لَيْسَ وِلَادَتِي الغُلَامَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا الجِذْعِ البَالِي، اطَّلَعَ فِيهِ السّعْفُ، ثُمَّ الطَّلْعُ، ثُمَّ البَلَحُ، ثُمَّ صَارَ بُسْرًا، ثُمَّ رُّطَبًا. قَالَ: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ (٦٦) وَإنَّمَا خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ صُبْحًا تُشْرِقُ الشَّمْسُ لَيْسَ بِهَا قلبةٌ، فَجَاءَتْ عِنْدَ الظُّهْرِ وَمَعَهَا صَبِيٌّ تَحْمِلُهُ، فَكَانَ الحَمْلُ وَالوِلَادَةُ فِي ثَلَاثِ سَاعَات مِنَ النَّهَارِ، وَكَانَتْ مَرْيَمُ قَدْ حَاضَتْ قَبْلَ ذَلِكٍ حَيْضَتَيْنِ، قَالَ فَقَالُوا لَهَا: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ مَرْيَمَ كَانَتْ عَابِدَةً، وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ عَابِدٌ يُقَالُ لَهُ: هَارُونْ، يَوْمَ مَاتَ تَبِعَ جِنَازَتَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفًا مِنَ النَّاسِ كُلُّهُمُ اسمُهُ هَارُونْ، سِوَى مَنْ لَيْسَ اسمُهُ هَارُونْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ سَمَّوا أَبْنَاءَهُمْ بِاسمِهِ مَحَبَّةً لَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ (٦٧) فِي العِبَادَةِ، وَكَانَ مَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِ، كُلُّ هَذِهِ الآيَاتِ فِي بَيْتِ المقْدِسِ.

стр. 883

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهَا لَمَّا وَضَعَتْهَا وَرَأتْهَا أُنْثَى، لَفَّتْهَا فِي خِرْقَةٍ وَأَلْقَتْهَا فِي المَسْجِدِ، فَتَنَافَسُوا فِيهَا الأَحْبَارُ أوْلَادُ هَارُونَ، أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا، وَاسْتَهَمُوا فِيهَا كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا وَأَخَذَهَا، فَلَمَّا بَلَغَتْ مَبْلغَ النِّسَاءِ ابْتَنَى لَهَا مِحْرَابًا فِي وَسَطِ المَسْجِدِ، ثُمَّ جَعَلَ بَابَهُ وَسَطًا، لَا يُطْلعُ إِلَيْهَا إِلَّا بِسُلَّم، وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرَهُ، مِثْلَ بَابِ الكَعْبَةِ، يَأتِيهَا بِطَعَامِهَا وَشَرَابِهَا، فَكَانَ إِذَا جَاءَهَا وَجَدَ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ (٦٨). قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٦٩) ٨٨١ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": حَدَّثَنَا أَبُو المعْمَرِ مُسَدَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الأَمْلُوكِي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، قَالَ: أَبَنَا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الأَسَدِي، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ يَعْقُوبَ القَاضِي العَبْقَسِيُّ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَن الهُذَيْلِ، عَنْ مُقَاتِل فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ قَالَ: بَشَّرَ اللَّهُ تَعَالَى زَكَرِيَّا بِيَحْيَى فِي بَيْتِ المقْدِسِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: وَكَانَ زَكَرِيَّا هُوَ الحَبْرُ الكَبِيرُ الَّذِي يُقَرِّبُ القُرْبَانَ، وَيَفْتَحُ بَابَ المذْبَحِ، وَلَا يَدْخُلُونَ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ، قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ قَائِمٌ ذَاتَ

стр. 884

يَوْمٍ يُصَلِّي وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ أَنْ يَأذَنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ يَعْنِي: فِي المَسْجِدِ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ شَابٍّ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، فَفَزَعَ مِنْهُ، فَنَادَاهُ: يَا زَكَرِيَّا، إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، وَهِيَ البِشَارَةُ مِنَ اللَّهِ بِيَحْيَى، فَقَالَ زَكَرِيَّا لِجِبْرِيلَ ﵇ لمَّا بَشَّرَهُ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ وَوَهَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ يَحْيَى، وَكَانَ مِنْ قَصَصِهِمْ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ. (٧٠) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٧١) ٨٨٢ - قَالَ الأَزْرُقِي فِي "أَخْبَارِ مَكَّةَ": حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ اليَهُودَ قَالَتْ: بَيْتُ المقْدِسِ أَعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهُ مُهَاجَرُ الأَنْبِيَاءِ؛ وَلِأَنَّهُ فِي الأَرْضِ المقَدَّسَةِ. وَقَالَ المُسْلِمُونَ: الكَعْبَةُ أَعْظَمُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَنَزَلَ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ المقْدِسِ ﴿وَمَنْ

стр. 885

دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ المقْدِسِ. (٧٢) سُورَةُ النِّسَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٧٣) ٨٨٣ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ (٧٤) قَالَ: الشَّامُ، حِينَ رَدَّهُمْ إِلَى الشَّامِ، وقَرَأ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ قَالَ: مِنْ حَيثُ جَاءَتْ أدْبَارَهَا أَنْ رَجَعَت إلَى الشَّامِ، مِنَ حَيْثُ جَاءتْ رُدُّوا إِليْهِ. (٧٥) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ

стр. 886

سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٧٦) ٨٨٤ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو البَاهِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نُجَيْحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قَالَ: بَابُ الحِطَّةِ مِنْ بَابِ إِيلِيَاءَ مِنْ بَيْتِ المقْدِسِ. (٧٧) ٨٨٥ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نُجَيْحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَمَرَ مُوسَى قَومَهُ أَنْ يَدْخُلُوا البَابَ سُجَّدًا، وَيَقُولُوا: حِطَّةٌ، وَطُؤْطِئَ لَهُمُ البَابُ لِيَسْجُدُوا فَلَمْ يَسْجُدُوا، وَدَخَلُوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وَقَالُوا: حِنْطَةٌ. (٧٨)

стр. 887

٨٨٦ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قَالَ: كُنَّا نُحَدَّثُ أنَّهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ بَيْتِ المقْدِسِ. (٧٩) سُورَةُ المائِدَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٨٠) ٨٨٧ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: أُمِرَ مُوسَى أَنْ يَسِيرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الأَرْضِ المقَدَّسَةِ، وَقَالَ: إِنِّي قَدْ كَتَبْتُهَا لَكُمْ دَارًا وَقَرَارًا وَمَنْزِلًا، فَاخْرُجْ إِلَيْهَا وَجَاهِدْ مَنْ فِيهَا مِنَ العَدُوِّ، فَإِنِّي نَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ، وَخُذْ مِنْ قَوْمِكَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، مِن كُلِّ سِبْط نَقِيبًا يَكُونُ عَلَى قَوْمِه بالوَفَاءِ مِنْهُمْ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ، وَقُلْ لَهُمْ إِنَّ اللَّه يَقُولُ لَكُمْ: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ

стр. 888

وَآتَيْتُمُ﴾. . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ وَأَخَذَ مُوسَى مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا اخْتَارَهُمْ مِنَ الأَسْبَاطِ، كُفَلَاءُ عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا هُمْ فِيهِ عَلَى الوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقهِ، وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ خَيْرُهُمْ وَأَوْفَاهُمْ رَجُلًا، يَقُولُ اللَّهُ : ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ فَسَارَ بِهِمْ مُوسَى إِلَى الأَرْضِ المقَدَّسَةِ بِأمْر اللَّهِ حَتَّى إِذَا نَزَلَ التِّيهَ (٨١) بَيْنَ مِصْرَ وَالشَّامِ، وَهِيَ بِلَادٌ لَيْسَ فِيهَا خَمْرٌ وَلَا ظِلٌّ، دَعَا مُوسَى رَبَّهُ حِينَ آذَاهُم الحَرُّ؛ فَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ بِالغَمَامٍ، وَدَعَا لَهُمْ بِالرِّزْقِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهم المنَّ وَالسَّلْوَى، وَأَمرَ اللَّهُ مُوسَى، فَقَالَ: أَرْسِلْ رِجَالًا يَتَحَسَّسُونَ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ الَّتِي وَهَبْتُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا، فَأَرْسَلَ مُوسَى الرُّؤُوسَ كَلَّهُم الَّذِينَ فِيهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مِنْ بَرِيَّةِ فَارَانَ (٨٢) بِكَلامِ اللَّهِ، وَهُمْ رُؤُوسُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَذِهِ أَسْمَاءُ الرَّهْطِ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ فِيمَا يَذْكُرُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ لِيَجُوسُوهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: وَمِنْ سِبْطِ رُوبِيلَ: شَامُونُ بْنُ ركُونَ، وَمِنْ سِبْطِ شَمْعُونَ: سَافَاطُ بْنُ حُرى، وَمِنْ سِبْطِ يَهُوذَا: كَالِبُ بْنُ يُوفنَا، وَمِنْ سِبْطِ أَبينَ: يُجَائِلُ بْنُ يُوسُفَ، وَمِنْ سِبْطِ يُوسُفَ وَهُوَ سِبْطُ أَفْرَائِيمَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَمِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ: فَلْطُ بْنُ دَفُونَ، وَمِنْ سِبْطِ زَبَالُونَ: حُدَى بْنُ سُودَى، وَمِنْ

стр. 889

سِبْطِ يُوسُفَ وَهُوَ مَنشا بْنُ يُوسُفَ: حُدَى بْنُ سُوسَا، وَمِنْ سِبْطِ دَانٍ: حَمْلَائِلُ بْنُ حملٍ، وَمِنْ سِبْطِ أَشُرَ: سَاتُورُ بْنُ ملْكِيلَ، وَمِنْ سِبْطِ نَفْتَالِي: بَحْرُ بْنُ وَفْسِي، وَمِنْ سِبْطِ دَارٍ: حَولَايلُ بْنُ مُنْكَدَ. فَهَذِهِ أَسْمَاءُ الَّذِينَ بَعَثَهُم مُوسَى يَتَحَسَّسُمونَ لَهُ الأَرْضَ، وَيَوْمَئِذٍ سُمِّيَ هُوشَعُ بْنُ نُونٍ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَأَرْسَلَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: ارْتَفِعُوا قِبْلَ الشَّمْسِ فَارْقَوا الجَبَلَ، وَانْظُرُوا مَا فِي الأَرْضِ، وَمَا الشَّعْبُ الَّذِي يَسْكُنُونَهُ، أَقْوِيَاءُ هُمْ أَمْ ضُعَفَاءُ؟ أَقَلِيلٌ هُمْ أَمْ كَثِيرٌ؟ وَانْظُرُوا أَرْضَهُم الَّتِي يَسْكُنُونَ، أَسَمِينَةٌ هِيَ أَمْ هَزِيلَةٌ؟ ذَاتُ شَجَرٍ أَمْ لَا؟ اجْتَازُوا وَاحْمِلُوا إِلَيْنَا مِنْ ثَمَرَةِ تِلْكَ الأَرْضِ، وَكَانَ ذَلكَ فِى أَوَّلِ مَا سَمَّى بِكْرُ ثَمَرَةِ العِنَبِ. (٨٣) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (٨٤).

стр. 890

٨٨٨ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قَالَ: أَرِيحَا. (٨٥) ٨٨٩ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنِي الحَارِثُ بْنُ مُحَمّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيز، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قَالَ: الطُّورُ وَمَا حَوْلَهُ. (٨٦)

стр. 891

٨٩٠ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنِي المثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: وثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا الأَرْضَ المقَدَّسَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ شَكَوْا إِلَى مُوسَى فَقَالُوا: مَا نأْكُلُ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَأْتِيكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ. قَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَنَا إِلَّا أَنْ يُمْطَرَ عَلَيْنَا خُبْزًا؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ عَلَيْكُمْ خُبْزًا مَخْبُوزًا، فَكَانَ ينْزِلُ عَلَيْهِم المنَّ -سُئِلَ وَهْبٌ: مَا المنُّ؟ قَالَ: خُبْزُ الرِّقَاقِ مِثْلُ الذُّرَةِ أَوْ مِثْلُ النَّقي- قَالُوا: وَمَا نأْتَدِمُ وَهَلْ بُدٌّ لنَا مِنْ لَحْمِ؟ قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِيكُمْ بِهِ. فَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَنَا إِلَّا أَنْ تَأْتِينَا بِهِ الرِّيحُ! قَالَ: فَإِنَّ الرِّيحَ تَأْتِيكُمْ بِهِ. فَكَانَتْ الرِّيحُ تَأْتِيهمْ بِالسَّلْوَى -فَسُئِلَ وَهْبُ: مَا السَّلْوَى؟ قَالَ: طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلَ الحَمَامِ، كَانَتْ تَأْتِيهمْ فِيأْخُذُونَ مِنْهُ مِنَ السَّبْتِ إِلَى السَّبْتِ- قَالُوا: فَمَا نَلْبَسُ؟ قَالَ: لَا يَخْلَقُ لِأحَدٍ مِنْكُمْ ثَوْبٌ أَرْبَعِينَ سَنَة. قَالُوا: فَمَا نَحْتَذِي؟ قَالَ: لَا يَنْقَطعُ لِأحَدِكُمْ شِسْعٌ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالُوا: فَإِنَّ فِينَا أَوْلَادًا فَمَا نَكْسُوهُمْ؟ قَالَ: ثَوْبُ الصَّغيرِ يَشُبُّ مَعَهُ. قَالُوا: فَمِنْ أَيْنَ لَنَا الماء؟ قَالَ: يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ. قَالُوا: فَمِنْ أَيْنَ؟ إِلًّا أَنْ يَخْرُجَ لَنَا مِنْ الحَجَرِ؟ فَأَمَرَ اللَّهُ ﵎ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاه الحَجَرَ، قَالُوا: فَبِمَا نُبْصِرُ تَغْشَانَا الظُّلْمَةُ؟ فَضُرِبَ لَهُمْ عَمُودٌ مِنْ نُورٍ فِي وَسَطِ عَسْكَرِهمْ أَضَاءَ عَسْكَرَهُمْ كُلَّهُ. قَالُوا: فَبِمَ نَسْتَظِلُّ؟ فَإِنَّ الشَّمْسَ عَلَيْنَا شَدِيدَةٌ! قَالَ: يُظِلُّكُمُ اللَّهُ بِالغَمَامِ. (٨٧)

стр. 892

٨٩١ - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "تَفْسِيرِهِ": عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قَالَ: هِيَ الشَّامُ (٨٨). ٨٩٢ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنِي عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ الهَيْثَمِ، قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا سُفْيانُ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ، عَنْ عِكْرَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: هِيَ أرِيحَا. (٨٩) ٨٩٣ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمّادٍ، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّي، قَالَ: هِيَ أَرِيحَا. (٩٠) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي

стр. 893

وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٩١) ٨٩٤ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": فحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاط، عَنِ السُّدِّي: لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَى قَوْمِ مُوسَى وَأَحْيَا السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى بَعْدَ مَا أَمَاتَهُمْ، أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِالسَّيْرِ إِلَى أَرِيحَا، وَهِيَ أَرْضُ بَيْتِ المقْدِسِ، فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ بَعَثَ مُوسَى اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، فَكَانَ مِنْ أمْرِهِمْ وَأَمْرِ الجبَّارِينَ وَأَمْرِ قَوْم مُوسَى مَا قَدْ قَصَّ اللَّه فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ فَغَضِبَ مُوسَى فَدَعَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ فَكَانَتْ عَجَلَةً مِنْ مُوسَى عَجلهَا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فَلَمَّا ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ نَدِمَ مُوسَى، وَأَتَاهُ قَوْمُهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ يُطِيعُونَهُ، فَقَالُوا لَهُ: مَا صَنَعْتَ بِنَا يَا مُوسَى؟ فَلَمَّا نَدِمَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أَيْ: لَا تَحْزَنْ عَلَى القَوْمِ الَّذِينَ سَمَّيْتُهُمْ فَاسِقِينَ، فَلَمْ يَحْزَنْ، فَقَالُوا: يَا مُوسَى، فَكَيْفَ لَنَا بِمَاءٍ هَاهُنَا؟ أَيْنَ الطَّعَامُ؟ فَأَنْزَل اللَّهُ عَلَيْهِمُ المنَّ، فَكَانَ يَسْقُطُ عَلَى شَجَرِ التَّرَنْجَبينُ، وَالسَّلْوَى وَهُوَ: طَيْرٌ يُشْبِهُ السَّمَانِي، فَكَانَ يَأْتِي أَحَدُهُمْ فَينْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ إِنْ كَانَ سَمِينًا ذَبَحَهُ وَإِلَّا أَرْسَلَهُ، فَإِذَا سَمِنَ أَتَاهُ، فَقَالُوا: هَذَا الطَّعَامُ فَأَيْنَ الشَّرَابُ؟ فَأُمِرَ مُوسَى فَضَرَبَ بِعَصَاه الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، فَشَرِبَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْ عَيْنٍ، فَقَالُوا: هَذَا الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ فَأَيْنَ الظِّلُّ؟ فَظلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمَامُ، فَقَالُوا: هَذَا الظِّل فَأَيْنَ اللِّبَاسُ؟

стр. 894

فَكَانَتْ ثِيَابُهُمْ تَطُولُ مَعَهُمْ كَمَا تَطُولُ الصِّبْيَان، وَلَا يَتَخَرَّقُ لَهُمْ ثَوْبٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ (٩٢) وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ (٩٣). (٩٤) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٩٥) ٨٩٥ - قَالَ الحَاكِمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ": حَدَّثَنَا أَبُو الفَضْلِ الحَسَنُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسَفَ العَدْلُ، مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، ثَنَا أَبُو بَكْر يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِب بِبَغْدَادَ، ثَنَا عَليُّ بْنُ عَاصِمٍ، ثَنَا حَاتِمُ بن أَبِي صَغِيرَةَ، عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ صُوحَانَ، أَنَّ رَجُلَينِ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ كَانَا صَدِيقَينِ لِزَيدِ بْنِ صُوحَانَ أَتَياهُ لِيُكَلِّمَ لَهُمَا سَلْمَانَ أَنْ يُحَدِّثهُمَا حَدِيثَهُ كَيْفَ كَانَ إِسْلَامُهُ؟ فَأَقْبَلَا مَعَهُ حَتَّى لَقُوا سَلْمَانَ وَهُوَ بِالمدَائِنِ أَمِيرًا عَلَيْهَا، وَإِذَا هُوَ عَلَى كُرْسِيٍّ قَاعِدٌ، وَإِذَا خُوصٌ (٩٦) بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَسُفُّهُ، قَالَا: فَسَلَّمْنَا وَقَعَدْنَا، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّ هَذِينِ لِي صَدِيقَانِ وَلَهُمَا أَخٌ، وَقَدْ أَحَبَّا أَنْ يَسْمَعَا حَدِيثَكَ كَيْفَ كَانَ بَدْؤُ إِسْلَامِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ سَلْمَانُ: كُنْتُ يَتِيمًا مِنْ

стр. 895

رَامَهُرْمُزَ (٩٧)، وَكَانَ ابْنُ دَهْقَان رَامَ هُرْمُزَ يَخْتَلِفُ إِلَى مُعَلِّم يُعَلِّمَهُ، فَلَزِمْتُهُ لِأَكُونَ فِي كَنَفِهِ، وَكَانَ لِي أَخٌ أَكْبَرَ مِنِّي وَكَانَ مُسْتَغْنِيًا بِنَفْسِهِ، وَكُنْتُ غُلَامًا قَصِيرًا، وَكَانَ إِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ تَفَرَّقَ مَنْ يُحَفِّظَهُمْ، فَإِذَا تَفَرَّقُوا خَرَجَ فَيَضَعُ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ صَعَدَ الجَبَلَ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ مُتَنَكِّرًا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ تَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا، فَلِمَ لَا تَذْهَبْ بِي مَعَكَ؟ قَالَ: أَنْتَ غُلَامٌ، وَأَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ مِنْكَ شَيْءٌ. قَالَ: قُلْتُ: لَا تَخَفْ. قَالَ: فَإِنَّ فِي هَذَا الجَبَلِ قَوْمًا فِي بِرْطِيلِهِمْ (٩٨) لَهُمْ عِبَادَةٌ، وَلَهُمْ صَلَاحٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيَذْكُرونَ الآخِرَةَ، وَيَزْعُمُونَنَا عَبَدَةَ النِّيرَانِ، وَعَبَدَةَ الأَوْثَانِ، وَأَنَا عَلَى دِينِهِمْ، قَالَ: قُلْتُ فَاذْهَبْ بِي مَعَكَ إِلَيْهِمْ. قَالَ: لَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَسْتَأَمِرَهُمْ، وَأَنا أَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ مِنْكَ شَيْءٌ، فَيَعْلَمَ أَبِي فَيَقْتُلُ القَوْمَ، فَيكُونُ هَلَاكَهَمْ عَلَى يَدَيِّ. قَالَ: قُلْتُ: لَنْ يَظْهَرَ مِني ذَلِكَ، فَاسْتَأمَرَهُمْ، فَأَتَاهُمْ، فَقَالَ: غُلَامٌ عِنْدِي يَتِيمٌ فَأُحِبُّ أَنْ يَأَتِيَكُمْ وَيَسْمَعَ كَلَامَكُمْ. قَالُوا: إِنْ كُنْتَ تَثِقُ بِهِ. قَالَ: أَرْجُو أَنَّ لَا يَجِيءَ مِنْهُ إِلَّا مَا أُحِبُّ. قَالُوا: فَجِئْ بِهِ. فَقَالَ لِي: قَدِ اسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ تَجِيءَ مَعِي، فَإِذَا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي رَأَيْتَنِي أَخْرُجُ فيهَا فَأْتِنِي، وَلَا يَعْلَمْ بِكَ أَحَدٌ، فَإِنَّ أَبِي إِنْ عَلِمَ بِهِمْ قَتَلَهُمْ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي يَخْرُجُ تَبِعَتْهُ فَصَعَدْنَا الجَبَلَ، فَانْتَهَيْنَا إلِيْهِمْ، فَإِذَا هُمْ فِي بِرْطِيلِهِمْ -قَالَ عَلِيٌّ: وَأُرَاهُ، قَالَ: وَهُمْ سِتةٌ أَوْ سَبْعَةٌ- قَالَ: وَكَأنَّ الرُّوحَ قَدْ خَرَجَ مِنْهُمْ مِنَ العِبَادَةِ، يَصُومُونَ النَّهَارَ، وَيَقُومُونَ اللَّيلَ، وَيَأكُلُونَ عِنْدَ السَّحَرِ مَا وَجَدُوا، فَقَعَدْنَا إِلَيْهِمْ، فَأَثْنَى الدُّهْقَانُ (٩٩) عَلَى حَبْرٍ، فَتَكَلَّمُوا، فَحَمَدُوا اللَّهَ، وَأَثْنَوا

стр. 896

عَلَيْهِ، وَذَكَرُوا مَنْ مَضَى مِنَ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ حَتَّى خَلَصُوا إِلَى ذِكْرِ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ ﵉، فَقَالُوا: بَعَثَ اللَّه تَعَالَى عِيسَى ﵇ رَسُولًا، وَسَخَّرَ لَهُ مَا كَانَ يَفْعَلُ مِنْ إِحْيَاءِ الموْتَى، وَخَلْقِ الطَّيْرِ، وَإِبْرَاءِ الأَكْمَهِ، وَالأَبْرَصِ، وَالأَعْمَى، فَكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ، وَتَبِعَهُ قَوْمٌ، وَإِنَّمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ابْتَلَى بِهِ خَلْقَهُ. قَالَ: وَقَالُوا قَبْلَ ذَلِكَ: يَا غُلَامُ، إِنَّ لَكَ لَرَبًّا، وَإِنَّ لَكَ مَعَادًا، وَإِنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً وَنَارًا إِلَيْهَا تَصِيرُونَ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ القَوْمِ الَّذِينَ يَعْبُدونَ النَّيرَانَ أَهْلُ كُفْرٍ وَضَلَالَةٍ لَا يَرْضَى اللَّهُ مَا يَصْنَعُونَ، وَلَيْسُوا عَلَى دِينٍ، فَلَمَّا حَضَرَتِ السَّاعَةُ الَّتِي يَنْصَرِفُ فِيهَا الغُلَامُ انْصَرَفَ وَانْصَرَفْتُ مَعَهُ، ثُمَّ غَدَوْنَا إِلَيْهِمْ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ وَأَحْسَنَ، وَلَزِمْتُهُمْ فَقَالُوا لِي: يَا سَلْمَانُ، إِنَّكَ غُلَامٌ، وَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصْنَعَ كَمَا نَصْنَعُ فَصَلِّ وَنَمْ، وَكُلْ وَاشْرَبْ. قَالَ: فَاطَّلَعَ الملِكُ عَلَى صَنِيعِ ابْنِهِ فَرَكِبَ فِي الخَيْلِ حَتَّى أَتَاهُمْ فِي بِرْطِيلِهِمْ فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ، قَدْ جَاوَرْتُمُونِي فَأَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ، وَلَمْ تَرَوا مِنِّي سُوءًا فَعَمَدتُّمْ إِلَى ابْنِي فَأَفْسَدتُّمُوهُ عَلَيَّ قَدْ أَجَّلْتُكُمْ ثَلَاثًا، فَإِنْ قَدِرْتُ عَلَيْكُمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَحْرَقْتُ عَلَيْكُمْ بِرْطِيلَكُمْ هَذَا، فَالحَقُوا بِبِلَادِكُمْ، فَإَنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مِنِّي إِلَيْكُمْ سُوءٌ. قَالُوا: نَعَمْ، مَا تَعَمَّدْنَا مُسَاءتَكْ، وَلَا أَرَدْنَا إِلَّا الخَيْرَ، فَكَفَّ ابْنَهُ عَنْ إِتْيَانِهُمْ. فَقُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّكَ تَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الدِّينَ دِينُ اللَّهِ، وَأَنَّ أَبَاكَ وَنَحْنُ عَلَى غَيْرِ دِينٍ إِنَّمَا هُمْ عَبَدَةُ النَّارِ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَلَا تَبعْ آخِرَتَكَ بِدِينِ غَيْرِكِ. قَالَ: يَا سَلْمَانُ، هُوَ كَمَا تَقُولُ، وَإِنَّمَا أَتَخَلَّفَ عَنِ القَوْمِ بَغْيًا عَلَيْهِمْ إِنْ تَبِعْتُ القَوْمَ طَلَبَنِي أَبِي فِي الجَبَلِ، وَقَدْ خَرَجَ فِي إِتْياَنِي إِيَّاهُمْ حَتَّى طَرَدَهُمْ، وَقَدْ أَعْرِفُ أنَّ الحَقَّ فِي أَيْدِيهِمْ، فَأتَيْتُهُمْ فِي اليَوم الَّذِي أَرَادُوا أَنْ يَرْتَحِلُوا فِيهِ فَقَالُوا: يَا سَلْمَانُ، قَدْ كُنَّا نَحْذَرُ مَكَانَ مَا رَأيْتَ؛ فَاتَقِ اللَّه تَعَالَى وَاعْلَمْ أَنَّ الدِّينَ مَا أَوْصَيْنَاكَ بِهِ، وَأَنَّ

стр. 897

هَؤُلَاءِ عَبَدَةُ النِّيرَانِ لَا يَعْرِفُونَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يَذْكُرُونَهُ، فَلَا يَخْدَعَنَّكَ أَحَدٌ عَنْ دِينِكَ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقكُمْ. قَالُوا: أَنْتَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَكُونَ مَعَنَا، نَحْنُ نَصُومُ النَّهَارَ، وَنَقُومُ اللَّيلَ، وَنَأكُلُ عِنْدَ السَّحَرِ مَا أَصَبْنَا، وَأَنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أُفَارِقكُمْ. قَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُ وَقَدْ أَعْلَمْنَاكَ حَالَنَا، فَإِذَا أَتَيْتَ خُذْ مِقْدَارَ حِمْلٍ يَكُونُ مَعَكَ شَيءٌّ تَأكُلُهُ، فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ مَا نَسْتَطِيعُ بِحَقٍّ. قَالَ: فَفَعَلْتُ، وَلَقِينَا أَخِي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُمْ يَمْشُونَ وَأَمْشِي مَعَهُمْ فَرَزَقَ اللَّهُ السَّلَامَةَ حَتَّى قَدِمْنَا الموصِلَ، فَأَتَيْنَا بَيْعَةً بِالموصِلِ، فَلَمَّا دَخَلُوا احْتَفَوا بِهِمْ، وَقَالُوا: أَيْنَ كُنْتُمْ؟ قَالُوا: كُنَّا فِي بِلَادٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّه تَعَالَى فِيهَا عَبَدَةُ النِّيرَانَ، وَكُنَّا نَعْبُدُ اللَّهَ فَطَرَدُونَا. فَقَالُوا: مَا هَذَا الغُلَامُ؟ فَطَفَقُوا يُثْنُونَ عَلَيَّ، وَقَالُوا: صَحِبَنَا مِنْ تِلْكَ البِلَادِ، فَلَمْ نَرَمِنْهُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ سَلْمَانُ: فَوَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَكَذَلِكَ إِذْ طَلعَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ كَهْفِ جَبَلٍ، قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ فَحَفَوْا بِهِ وَعَظَّمُهُ أَصْحَابِي الَّذِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ وَأَحْدَقُوا بِهِ. فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: مَا هَذَا الغُلَامُ مَعَكُمْ؟ فَأَثْنَوا عَلَيَّ خَيْرًا وَأَخْبَرُوهُ باتِّبَاعِي إِيَّاهُمْ، وَلَمْ أَرَ مِثْلَ إِعْظَامَهُمْ إِيَّاهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ أَرْسَلَ مِنْ رُسُلِهِ وَأنْبِيَائِهِ وَمَا لَقُوا، وَمَا صُنعَ بِهِ، وَذَكَرَ مَوْلِدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇، وإِنَّهُ وُلِدَ بَغَيْرِ ذَكَرٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا، وَأَحْيَا عَلَى يَدَيْهِ الموتى، وإِنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيرِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الإِنْجِيلَ وَعَلَّمَهُ التَّوْرَاةَ، وَبَعَثَهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَكَفَرَ به قَوْمٌ وَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ، وَذَكَرَ بَعْضَ مَا لَقِي عِيْسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وإِنَّهُ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِ، فَشَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَهُوَ يَعِظُهُمْ وَيَقُولُ: اتَّقُوا اللَّهَ وَالزَمُوا مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى ﵇، وَلَا تُخَالِفُوا فَيُخَالفُ بِكُمْ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأخُذَ مِنْ

стр. 898

هَذَا شَيْئًا، فَلْيَأخُذْ، فَجَعَلَ الرَّجُلَ يَقُومُ فَيَأخُذَ الجَرَّةَ مِنَ الماءِ وَالطَّعَامِ، فَقَامَ أَصْحَابِي الَّذِينَ جِئْتُ مَعَهُمْ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَعَظَّمُوهُ وَقَالَ لَهُمْ: الزَمُوا هَذَا الدِّينَ، وَإيَّاكُمْ أَنْ تَفَرَّقُوا، وَاسْتَوصُوا بِهَذَا الغُلَامِ خَيْرًا، وَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ، هَذَا دِينُ اللَّهِ الَّذِي تَسْمَعُنِي أَقُولُهُ، وَمَا سِوَاهُ الكُفْرُ. قَالَ: قُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقُكَ. قَالَ: إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَكُونَ مَعِي، إِنِّي لَا أَخْرُجُ مِنْ كَهْفِي هَذَا إِلَّا كُلُّ يَوْمِ أَحَد، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى الكَيْنُونَةِ مَعِي. قَالَ: وَأَقْبَلَ عَلَي أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: يَا غُلَامُ، إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَكُونَ مَعَهُ. قُلْتُ: مَا أَنَا بمُفَارِقُكَ. قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا فَلَان، إِنَّ هَذَا غُلَامٌ وَيُخَافُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لِي: أَنْتَ أَعْلَمُ، قُلْتُ: فَإِنِّي لَا أُفَارِقُكَ، فَبَكَى أَصْحَابِي الأَوَّلُونَ الَّذِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ عِنْدَ فُرَاقِهِمْ إِيَّاي. فَقَالَ: يَا غُلَامُ، خُذْ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ مَا تَرَى إِنَّهُ يَكْفِيكَ إِلَى الأَحَدِ الآخَرُ، وَخُذْ مِنَ الماءِ مَا تَكْتَفِي بِهِ فَفَعَلْتُ، فَمَا رَأَيْتُهُ نَائِمًا وَلَا طَاعِمًا إِلَّا رَاكِعًا وَسَاجِدًا إِلَى الأَحَدِ الآخَرُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ لِي: خُذْ جَرَّتَكَ هَذِهِ وَانْطَلِقْ. فَخَرَجْتُ مَعَهُ أَتْبَعَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ، وَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ تِلْكَ الجِبَالِ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ، فَقَعَدُوا وَعَادَ فِي حَدِيثِهِ نَحْوَ المرَّةِ الأُولَى، فَقَالَ: الزَمُوا هَذَا الدِّينَ وَلَا تَفَرَّقُوا، وَاذْكُرُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَنِي فَقَالُوا لَهُ: يَا فُلَانُ كَيْفَ وَجَدتَّ هَذَا الغُلَامَ؟ فَأَثْنَى عَلَيَّ وَقَالَ خَيْرًا، فَحَمَدُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَإِذَا خُبْزٌ كَثِيرٌ، وَمَاءٌ كَثِيرٌ فَأَخَذُوا وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ مَا يَكْتَفِي بِهِ وَفعلت، فَتَفَرَّقُوا فِي تِلْكَ الجِبَالِ وَرَجَعَ إِلَى كَهْفِهِ وَرَجِعْتُ مَعَهُ، فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّه يَخْرُجُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَحَدٌ، وَيَخْرُجُونَ مَعَهُ، وَيَحفُونَ بِهِ وَيُوَصِّيهِمْ بِمَا كَانَ يُوَصِّيهِمْ بِهِ، فَخَرَجَ فِي أَحَدٍ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا حَمَدَ اللَّه تَعَالَى وَوَعَظَهُمْ وَقَالَ: مِثْلَ مَا كَانَ يَقُولُ لَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ

стр. 899

آخِرُ ذَلِكَ: يَا هَؤُلَاءِ إِنَّهُ قَدْ كَبُرَ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَقَرُبَ أَجَلِي، وإِنَّهُ لَا عَهْدَ لِي بِهَذَا البَيْتِ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، وَلَا بُدَّ مِنْ إِتْيانِهِ فَاسْتَوصُوا بهَذَا الغُلَامِ خَيْرًا، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ: فَجَزَعَ القَوْمُ فَمَا رَأَيْتً مِثْلَ جَزَعِهِمْ وَقَالُوا: يَا فُلَان، أَنْتَ كَبيرٌ فَأَنْتَ وَحْدَكَ، وَلَا نأْمَنُ أَنْ يُصِيبَكَ شَيْءٌ يُسَاعِدُكَ أَحْوَجَ مَا كُنَّا إِلَيْكَ. قَالَ: لَا تُرَاجِعُونِي، لَا بُدَّ مِنِ اتِّبَاعِهِ، وَلَكِنِ اسْتَوْصُوا بِهَذَا الغُلَامِ خَيْرًا وَافْعَلُوا وَافْعَلُوا. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَنا بمُفَارِقِكَ. قَالَ: يَا سَلْمَانُ، قَدْ رَأَيْتَ حَالِي وَمَا كُنْتُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ، أَنا أَمْشِيَ أصُومُ النَّهَارَ وَأَقُومُ اللَّيلَ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْمِلَ مَعِي زَادًا وَلَا غَيْرُهُ، وَأَنْتَ لَا تَقْدِرُ عَلَى هَذَا. قُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقُكَ. قَالَ: أَنْتَ أعْلَمُ، قَالَ: فَقَالُوا: يَا فُلَانُ، فَإِنَّا نَخَافُ عَلَى هَذَا الغُلَامِ، قَالَ: فَهُوَ أَعْلَمُ قَدْ أَعْلَمْتُهُ الحَالَ وَقَدْ رَأَى مَا كَانَ قَبْلَ هَذَا. قُلْتُ: لَا أُفَارِقُكَ. قَالَ: فَبَكُوا وَوَدَّعُوهُ وَقَالَ لَهُمْ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَكُونُوا عَلَى مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ، فَإِنْ أَعِشْ فَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ مِتُّ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ، وَقَالَ لِي: احْمِلْ مَعَكَ مِنْ هَذَا الخُبْزِ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ يَمْشِي وَاتَّبَعْتُهُ يَذْكُرُ اللَّه تَعَالَى، وَلَا يَلْتَفِتَ وَلَا يَقِفَ عَلَى شَيءٍ حَتَّى إِذَا أَمْسَيْنَا، قَالَ: يَا سَلْمَانُ، صَلِّ أَنْتَ وَنَمْ وَكُلْ وَاشْرَبْ، ثُمَّ قَامَ وَهُوَ يُصَلِّي حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ، وَكَانَ لَا يَرْفَعُ طَرَفَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى أَتَيْنَا إِلَى بَابِ المَسْجِدِ، وَإِذَا عَلَى البَابِ مُقْعَدٌ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، قَدْ تَرَى حَالِي فَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِشَيءٍ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَدَخَلَ المسْجدَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ، فَجَعَلَ يَتِّبعْ أَمْكِنَةً مِنَ المَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهَا، فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ إنِّي لَمْ أَنَمْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ أَجِدْ طَعْمَ النَّوْمِ، فَإِنْ فَعَلَتَ أَنْ تُوقِظَنِي إِذَا بَلَغَ الظَّلُّ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا نمت، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَنامَ فِي هَذَا المَسْجِدِ، وَإِلَّا لَمْ أَنَمْ، قَالَ:

стр. 900

قُلْتُ فَإِنِّي أَفْعَلُ. قَالَ: فَإِذَا بَلَغَ الظِّلُّ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا فَأيْقِظْنِي إِذَا غَلَبَتْنِي عَيْنِي. فَنَامَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا لَمْ يَنَمْ مُذْ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ ذَلِكَ؛ لَأَدَعَنَّهُ يَنَامُ حَتَّى يَشْتَفِي مِنَ النَّوْمِ، قَالَ: وَكَانَ فِيمَا يَمْشِي وَأَنَا مَعَهُ يُقْبِلُ عَلَى فَيَعِظُنِي وَيُخْبِرُنِي أَنَّ لِي رَبًا، وَأَنَّ بَيْنَ يَدَيَّ جَنَّةً وَنَارًا وَحِسَابًا، وَيُعَلِّمُنِي وَيُذَكِّرُنِي نَحْوَ مَا يُذَكِّرُ القَوْمَ يَوْمَ الأَحَدِ حَتَّى قَالَ فِيمَا يَقُولُ: يَا سَلْمَانُ، إِنَّ اللَّه سَوْفَ يَبْعَثُ رَسُولًا اسْمُهُ أَحْمَدُ، يَخْرُجُ بِتُهْمَةَ -وَكَانَ رَجُلًا عَجَمِيًا لَا يُحْسِنُ القَوْلَ- عَلَامَتُهُ إِنَّهُ يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمٌ، وَهَذَا زَمَانَّهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ قَدْ تَقَارَبَ، فَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَلَا أَحْسَبُنِي أُدْرِكُهُ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ أَنْتَ فَصَدِّقْهُ وَاتَّبِعْهُ. قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ أَمَرَنِي بِتَرْكِ دِينِكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: اتْرُكْهُ فَإِنَّ الحَقَّ فِيمَا يَأمُرُ بِهِ، وَرِضَى الرَّحْمَنِ فِيمَا قَالَ. فَلَمْ يَمْضِ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى اسْتَيْقَظَ فَزِعًا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى، فَقَالَ لِي: يَا سَلْمَانُ، مَضَى الفَيءُ مِنْ هَذَا المكَانِ وَلَمْ أَذْكُرُ أَيْنَ مَا كُنْتَ جَعَلْتَ عَلَى نَفْسِكَ. قَالَ: أخْبَرْتَنِي أَنَّكَ لَمْ تَنَمْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ ذَلِكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْتَفِيَ مِنَ النَّومِ، فَحَمَدَ اللَّهَ تَعَالَى وَقَامَ فَخَرَجَ وَتَبِعْتُهُ فَمَرَّ بِالمقْعَدِ، فَقَالَ المقعَدِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ دَخَلْتَ فَسَألْتُكَ فَلَمْ تَعْطنِي، وَخَرَجْتَ فَسَألْتُكَ فَلَمْ تَعْطِنِي، فَقَامَ يَنْظُرُ هَلْ يَرِى أَحَدًا فَلَمْ يَرَهُ فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ: نَاوِلْنِي يَدَكَ، فَنَاوَلَهُ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ فَقَامَ كَأَنَّهُ أَنْشَطَ مِنْ عَقَالٍ صَحِيحًا لَا عَيْبَ بِهِ فَخَلَا عَنْ بَعْدِهِ، فَانْطَلَقَ ذَاهِبًا فَكَانَ لَا يَلْوِي عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي المقعدُ: يَا غُلَامُ احْمِلْ عَلَى ثِيَابِي حَتَّى أَنْطَلِقُ فَأَسِيرُ إِلَى أَهْلِي، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ وَانْطَلَقَ لَا يَلْوِي عَلَيَّ، فَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ أَطْلُبُهُ، فَكُلَّمَا سَأَلْتُ عَنْهُ قَالُوا: أَمَامَكَ حَتَّى لَقِيَنِيَ رَكْبٌ مِنْ كَلْبٍ، فَسَألْتُهُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا الفَتَى أَنَاخَ رَجُلٌ مِنْهُمْ لِي بَعِيرَهُ فَحَمَلَنِي خَلْفَهُ حَتَّى أَتَوْا بِلَادَهُمْ فَبَاعُونِي، فَاشْتَرَتْنِي امْرَأَةٌ

стр. 901

مِنَ الأَنْصَارِ، فَجَعَلَتْنِي فِي حَائِطٍ لها، وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ أُخْبِرْتُ بِهِ، فَأَخَذْتُ شَيْئًا مِنْ تَمْرِ حَائِطِي فَجَعَلْتُهُ عَلَى شَيءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَوَجَدتُّ عِنْدَهُ نَاسًا، وَإِذَا أَبُو بَكْرٍ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " قُلْتُ: صَدَقَةً. قَالَ لِلْقَوْمِ: "كُلُوا". وَلَمْ يَأْكُلْ، ثُمَّ لَبِثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَجَعَلْتُه عَلَى شَيءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَوَجَدتُّ عِنْدَهُ نَاسًا، وَإِذَا أَبُو بَكْرٍ أَقْرَبَ القَوْمِ مِنْهُ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: "مَا هَذَا؟ " قُلْتُ: هَدِيَّةً. قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" وَأَكَلَ وَأَكَلَ القَوْمُ. قُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ مِنْ آيَاتِهِ، كَانَ صَاحِبِي رَجُلًاَ أعْجَمِيًّا لَمْ يُحْسِنُ أَنْ يَقُولَ: تِهَامَةَ، فَقَالَ: تُهْمَة، وَقَالَ: اسْمُهُ أَحْمَدَ فَدُرْتُ خَلْفَة فَفَطِنَ بِي فَأَرْخَى ثَوْبًا فَإِذَا الخَاتَمُ فِي نَاحِيَةِ كَتِفِهِ الأَيْسَرِ فَتَبَيَّنْتُهُ، ثُمَّ دُرْتُ حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقُلْتُ: أَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: "مَنْ أَنْتَ؟ " قُلْتُ: مَمْلُوكٌ. قَالَ: فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثِي وَحَدِيثَ الرَّجُلِ الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ وَمَا أَمَرَنِي بهِ. قَالَ: "لِمَنْ أَنْتَ؟ " قُلْتُ: لِامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ جَعَلَتْنِي فِي حَائِط لَهَا. قَالَ: "يَا أبَا بَكْرٍ". قَالَ: لَبَّيْكَ. قَالَ: "اشْتَرِهِ". فَاشْتَرَانِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَأَعْتَقَنِي، فَلَبِثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَلْبِثَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقَعَدتُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي دِينِ النَّصَارَى؟ قَالَ: "لَا خَيْرَ فِيْهِمْ وَلَا فِي دِينِهِمْ". فَدَخَلَنِي أَمْرٌ عَظِيمٌ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ وَرَأيْتُ مَا رَأيْتُه، ثُمَّ رَأيْتُهُ أَخَذَ بِيَدِ المقْعَدِ فَأَقَامَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَؤُلَاءِ وَلَا فِي دِينِهِمْ، فَانْصَرَفْتُ وَفِي نَفْسِي مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. . . إِلَى آخِرِ الآيِةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَيَّ بِسَلْمَانَ". فَأَتَى الرَّسُولُ وَأَنَا خَائِفٌ، فَجِئْتُ حَتَّى قَعَدتُّ بَينَ يَدَيْهِ فَقَرَأَ: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا

стр. 902

يَسْتَكْبِرُونَ﴾. . . -إِلَى آخِرِ الآيةِ- يَا سَلْمَانُ، إِنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ كُنْتَ مَعَهُمْ وَصَاحِبُكَ لَمْ يَكُونُوا نَصَارَى، إنَّمَا كَانُوا مُسْلِمينَ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَهُوَ الَّذِي أَمَرَنِي بِاتِّبَاعِكَ، فَقلْتُ لَهُ: وَإِنْ أَمَرنِي بتَرْكِ دِينِكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَاتْرُكْهُ، فَإِنَّ الحَقَّ وَمَا يَجِبُ فِيمَا يَأمُرُكَ بِهِ. (١٠٠) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (١٠١)

стр. 903

٨٩٦ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو المعَمَّرِ مُسَدَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الأَمْلُوكِي بِقِرَاءَتِي عَلَيْه بِدِمَشْقَ، قَالَ: ثَنَا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الأَسَدِي، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ يَعْقُوبَ القَاضِي العَبْقَسِيُّ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنِ الهُذَيْلِ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى المائِدَةَ عَلَى عِيسَى ﵇ فِي أَرْضِ بَيْتِ المقْدِسِ، قَالَ مُقَاتِلُ: وَذَلِكَ أَنَّ الحَوَارِيِّينَ قَالُوا لِعِيسَى ﵇: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ نُرِيدُ مِنْ فَضْلِ رَبِّنَا ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ نُرِيدُ نَزْدَادُ يَقِينًا ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ مَعَ مَا رَأَيْنَا مِنْكَ صَغِيرًا وَكَبِيرًا مِنَ الأَعَاجِيبِ ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ نُرِيدُ شُهُودًا لَكَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَنَشْهَدُ أَنَّكَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، وَابْنُ العَذْرَاء البَتُولِ الَّذِي لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَوْلَادِ نَظِيرٌ ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا﴾ يُرِيدُ لِمَنْ مَعَهُمْ ﴿وَآخِرِنَا﴾ يُرِيدُ مَنْ يَأْتِي ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ يُرِيدُ عَلَامَةً مِنْكَ، قَالَ: فَقَامَ عِيسَى فَأَلْقَى عَنْهُ الصُّوفَ وَلَبِسَ الشَّعَرَ الأَسْوَدَ، ثُمَّ وَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ صَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ وَأَلْصَقَ الكَعْبَ بِالكَعْبِ، وَسَاوَى الإِبْهَامَ بِالإِبْهَامِ وَطَأْطَأَ (١٠٢) خَاشِعًا، ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ يَبْكِي، فَبَكَى حَتَّى سَالَتْ الدُّمُوِعُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَجَعَلَتْ تَقْطُرُ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يُرِيدُ وَارْزُقْنَا عَلَيْهَا طَعَامًا نَاكُلُهُ وَيَعْنِي بقَولِهِ: ﴿عِيدًا﴾ أَيْ عَطِيَّةً، قَالَ: فَنَزَلَتْ سُفْرَة حَمْرَاءُ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ، غَمَامَةَ فَوْقَهَا وَغَمَامَةُ تَحْتَهَا، وَهُمْ يَنْظُرُونَ

стр. 904

إِلَيْهَا تَهْوِي مِنَ السَّمَاءِ مُنْقَضَّةً، وَعِيسَى ﵇ يَبْكِي وَيَقُولُ: إِلَهي اجْعَلْنِي لَكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً، وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، إِلَهِي كَمْ أَسْأَلُكَ مِنَ العَجَائِبِ وَتُعْطِينِي، إِلَهِي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ تَكُونَ أَنْزَلْتَهَا غَضَبًا وَرِجْزًا، اللَّهُمَّ رَبَّنَا اجْعَلْهَا عَافِيَةً وَسَلامَةً، وَلَا تَجْعَلْهَا مُثْلَةً وَلَا فِتْنَةً، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ عِيسَى ﵇، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ يَجِدُونَ رِيحًا طَيِّبَةً لَمْ يَجِدُوا مِثْلَهَا قَطُّ، فَخَرَّ عِيسَى سَاجِدًا وَالحَوَارِيُّونَ مَعَهُ، وَبَلغَ اليَهُودَ ذَلِكَ فَأُمْلِئُوا غَمًّا وَكَمَدًا يَنْظُرُونَ أَمْرًا عَجِيبًا، فَإِذَا مِنْدِيلٌ مُغَطَّى عَلَى السُّفْرَةِ، وَجَاءَ عِيسَى ﵇ فَقَالَ: مَنْ أَوْثَقُنَا بِنَفْسِهِ وَأَحْسَنُنَا يَقِينًا عِنْدَ رَبِّنَا فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْهَا، وَنأْكُلَ مِنْها، وَنُسَمِّيَ رَبَّنَا وَنَحْمَدَ إِلَهَنَا تَعَالَى. فَقَالَ الحَوَارِيُّونَ: أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ يَا رُوحَ اللَّهِ. قَالَ: فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا جَدِيدًا، وَصَلَّى صَلَاةً طَوِيلَةً، وَدَعَا دُعَاءً كَثِيرًا، وَبَكَى بُكَاءً طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ حَتَّى جَلَسَ عِنْدَ السُّفْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرَّازِقِينَ. وَكَشَفَ المِنْدِيلَ، وَإِذَا هُوَ بِسَمَكَةٍ مَشْوِيَّةٍ لَيْسَ عَلَيْهَا قُشُورٌ، وَلَيْسَ لهَا شَوْكٌ، تَسِيلُ سَيْلًا مِنَ الدَّسَمِ قَدْ نُضِّدَ حَوْلَهَا البَقْلُ مَا خَلا الكُرَّاثَ، وَإِذَا خَلٌّ عِنْدَ رَأْسِهَا، وَمِلْحٌ عِنْدَ ذَنَبِهَا، وَسَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا زَيْتُونٌ، وَعَلَى سَابِعِهَا حَبُّ رُمَّان وَتَمْر، فَقَالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الحَوَارِيِّينَ: يا رُوحَ اللَّهِ، أَمِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا هَذَا أَمْ مِنْ طعَام الآخِرَةِ؟ فَقَالَ عِيسَى ﵇: أَوَ مَا نُهِيتُمْ عَنْ تَغَيُّرِ المسَائِلِ، مَا أَخْوَفَنِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا. قَالَ: لَا وَإِلَهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا أَرَدْتُ بِمَا سَأَلْتُ سُوءًا يَا ابْنَ الصِّدِّيقَةِ. قَالَ عِيسَى: نَزَلَتْ وَمَا عَلَيْهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا تَرَوْنَ عَلَيْهَا مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا، وَلَا مِنْ طَعَامِ الآخِرَةِ، هِيَ وَمَا عَلَيْهَا ابْتَدَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالقُدْرَةِ الغَالِبَةِ. قَالَ تَعَالَى لَهَا: كُونِي. فَكَانَتْ، فَكُلُوا مِمَّا سَأَلْتُمْ وَاحْمَدُوا عَلَيْهِ رَبَّكُمْ

стр. 905

يُمْدِدُكُمْ وَيَزِيدُكُمْ. قَالُوا: يَا رُوحَ اللَّهِ، لَوْ أَرَيْتَنَا اليَوْمَ آيَةً مِنْ هَذِهِ الآيَةِ. قَالَ عِيسَى ﵇ لِلسَّمَكَةِ: احْيَيْ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَاضْطَرَبَتِ السَّمَكَةُ حَيَّةً طَرِيَّةً تَدُورُ عَيْنَاهَا فِي رَأْسِهَا، وَلَهَا وَبِيصٌ تَلَمَّظُ (١٠٣) بِفِيهَا كَمَا يَتَلَمَّظُ الأَسَدُ، وَعَادَ عَلَيْهَا قُشُورَهَا، فَفَزِعَ القَوْمُ فَقَالَ عِيسَى: مَا لَكُمْ تَسْأَلُونَ عَنْ أَشْيَاءَ فَإِذَا أعْطِيتُمُوهُ كَرِهْتُمُوهُ، مَا أَخْوَفَنِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُعَذَّبُوا. ثُمَّ قَالَ: عُودِي يَا سَمَكَةُ مِثْلَ مَا كُنْتِ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَعَادَتِ السَّمَكَةُ مَشْوِيَّةً كَمَا كَانَتْ لَيْسَ عَلَيْهَا قُشُورٌ عَلَى حَالِها. فَقَالُوا: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، كُلْ مِنْهَا الَّذِي تَأْكُلُ أَوَّلًا ثُمَّ نأْكُلُ نَحْنُ. فَقَالَ عِيسَى: مَعَاذَ اللَّهِ، يَأْكُلُ مِنْهَا مَنْ طَلَبَهَا وَسَأَلَها. قَالَ: فَفَزِعَ الحَوَارِيُّونَ أَنْ يَكُونَ نُزُولُهَا سُخْطَةً وَمُثْلَةً؛ فَلَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا شَيْئًا، فَدَعَا عِيسَى ﵇ عَلَيْهَا أَهْلَ الفَاقَةِ وَالزَّمَانَةِ، وَالمرْضَى مِنْ أَهْلِ العِمْيَانِ وَالمجَذَّمِينَ وَالمقْعَدِينَ، وَأَهْلِ البَلاءِ وَالماءِ الأَصْفَرِ وَالمجَانِينَ، فَقَالَ لَهُمْ: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ، وَادْعُوهُ يُبْرِئْكُمْ إِنَّهُ رَبُّكُمْ، وَاحْمَدُوهُ يَكُونُ المهْنَأُ لَكُمْ، وَالبَلاءُ لِغَيْرِكُمْ، فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَكُلُوا، فَفَعَلُوا وَصَدَرُوا عَنْ تِلْكَ السَّمَكَةَ وَالأَرْغِفَةَ وَهُمْ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِئَةٍ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْ فَقِيرٍ وَجَائِعٍ وَصَاحِبِ عِلَّةٍ وَفَاقَةٍ، فَصَدَرُوا كُلُّهُم شِبَاعًا يَتَجَشَّؤُونَ، ثُمَّ نَظَرَ عِيسَى ﵇ فَإِذَا مَا عَلَى المائِدَة كَهَيْئَتِهِ كَمَا أُنْزِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ رُفِعَتِ السُّفْرَةُ إِلَى السَّمَاءِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، فَاسْتَغْنَى كُلُّ فَقِيرٍ أَكَلَ مِنْهَا يَوْمَئِذٍ، وَلَمْ يَزَلْ غَنِيًّا حَتَّى مَاتَ، وَبَرَأَ كُلُّ زَمِنٍ مِنْ زَمَانَتِه حَتَّى مَاتَ، فَنَدِمَ الحَوَارِيُّونَ وَسَائِرُ النَّاسِ مِمَّنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا وَأَبَى ذَلِكَ، وَتَحَسَّرُوا حَسْرَةً وَاشْتَدَّتْ فِيهَا أَسْقَامُهُمْ. قَالَ: وَكَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْبَلُوا إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ يَسْعَوْنَ، يُزَاحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا: الأَغْنِيَاءُ وَالفُقَرَاءُ، وَالرِّجَالُ والنِّسَاءُ، وَالكِبَارُ وَالصِّغَارُ، وَالأَصِحَّاءُ

стр. 906

والمرْضَى، يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمَّا رَأَى عِيسَى ﵇ ذَلِكَ جَعَلَهَا بَيْنَهُمْ نَوْبَةً. قَالَ: فَكَانَتْ تَنْزِلُ غِبًّا، تَنْزِلُ يَوْمًا وَلَا تَنْزِلُ يَوْمًا كَنَاقَةِ النَّبِيِّ صَالِحٍ لَهَا شِرْبٌ؛ يَوْمٌ تَشْرَبُ جَمِيعَ الماءِ وَتَغْدُو عَلَيْهِمْ بِمِثْلِهِ لَبَنًا، فَلَبِثُوا بِذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ضُحًى فَلا تَزَالُ مَوْضُوعَةً حَتَّى إِذَا قَالَ: إِلَهي طَارَتْ صُعَدًا وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الأَرْضِ حَتَّى تَتَوَارَى عَنْهُمْ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَى عِيسَى أَنِ اجْعَلْ مَائِدَتِي وَرِزْقِي لِلْيَتَامَى وَالزَّمْنَى دُونَ الأَغْنِيَاء مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَعْظَم ذَلِكَ الأَغْنِيَاءُ، فَادَّعَوْا القَبِيحَ حَتَّى شَكُوا وَشَكَّكُوا النَّاسَ فِيهَا، فَوَقَعَتْ الفِتْنَةُ فِي قُلُوب المرْتَابِينَ -يُرِيدُ المشْرِكِينَ- حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: يَا مَسِيحَ اللَّهِ، إِنَّ المائِدَةَ لَحَقٌّ تَنْزِلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ عِيسَى: وَيْلَكُمْ أُهْلِكْتُمْ فَأَبْشِرُوا بِالعَذَابِ إِلَّا أَنْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخَذْتُ شَرْطِي مِنَ المكَذِّبينَ، إِنِّي قَدِ اشْتَرَطْت عَلَيْهِمْ أَنِّي أُعَذِّبُ مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ. فَقَالَ عِيسَى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ قَالَ: فَمَسَخَ اللَّه مِنْهُمْ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ رَجُلًا خَنَازِيرَ مِنْ لَيْلَتِهِمْ، فَأَصْبَحُوا يَأْكُلُونَ العَذَائِرَ مِنَ الحُشُوشِ، وَيَنْبِشُونَ فِي الكُنَّاسَةِ وَالمزَابِلِ وَالطُرُقِ وَيَتَعَاوُونَ، وَقَدْ كَانُوا يَنَامُونَ أَوَّلَ اللَّيْلِ عَلَى فُرُشِهِمْ مَعَ نِسَائِهِمْ آمِنِينَ بِأَحْسَنِ صُورَةٍ وَأَوْسَعِ رِزْقٍ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِعِيسَى فَزَعًا وَرَهَبًا مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِيسَى يَبْكِي وَأَهْلِيهِمْ يَبْكُونَ مَعَهُ عَلَيْهِمْ، وَجَاءَتِ الخَنَازِيرُ تَسْعَى إِلَى عِيسَى حِينَ أَبْصَرَتْهُ فَطَافُوا بِهِ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَشُمُّونَ رِيحَهُ وَيَسْجُدُونَ لَهُ، وَأَعْيُنُهُمْ تَسِيلُ دُمُوعًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الكَلَامَ، فَقَام عِيسَى يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ يَا فُلانُ، فَيُومِئُ بِرَأْسِهِ نَعَمْ، قَدْ كُنْتُ أُحَذِّرُكُمْ عَذَابَ رَبِّكُمْ، عَذَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَأنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ إِذْ مُثِّلَ بِكُمْ، وَغُيِّرَتْ صُورَتُكُمْ، وَقِيلَ: إِنَّ عِيسَى ﵇ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُمِيتَهُمْ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ

стр. 907

تَعَالَى فِي اليَومِ الرَّابعِ، وذَلِكَ كُلُّهُ فِي أَرْضِ بَيْتِ المقْدِسِ. (١٠٤) سُورَةُ الأَعْرَافِ قَوله تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (١٠٥) ٨٩٧ - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "تَفْسِيرِهِ": عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ فُرَاتٍ القَزَّاز، قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُولُ: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ يَقُولُ: مَشَارِقُ الشَّامِ وَمَغَارِبُهَا. (١٠٦)

стр. 908

٨٩٨ - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "تَفْسِيرِهِ": عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ قَالَ: الَّتِي بَارَكَ فِيهَا الشَّامُ. (١٠٧) ٨٩٩ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ هِيَ أَرْضُ الشَّامِ. (١٠٨)

стр. 909

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٠٩) ٩٠٠ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو، قَالَ: ثَنَا أَسْباطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أَمَّا البَابُ فَبَابٌ مِنْ أبُوابِ بَيْتِ المقْدِسِ. (١١٠) ٩٠١ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ فَإِنَّهُ أَحَدُ أبُوابِ بَيْتِ المقْدِسِ، وَهُوَ يُدْعَى بَابُ حِطَّةٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿سُجَّدًا﴾ فَإِنَّ ابنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَتَأَوَّلُهُ بِمَعْنَى الرُّكَّعِ. (١١١) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ (١١٢)

стр. 910

٩٠٢ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ قَالَ: هِيَ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا: مقنَا، بَيْنَ مَدْيَنَ وَعَيْنُونِي. (١١٣) ٩٠٣ - قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي "تَفْسِيرِهِ": قُرِئَ عَلَى يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، أَنْبَأ ابْن وَهْبٍ، أخْبَرَنِي حَيْوةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أنَّهُ قَالَ: القَرْيَة الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ طَبَرِيَّةُ. (١١٤) ٩٠٤ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنَا ابْن وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بن إِسْحَاقَ، عَنْ دَاودَ ابنِ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ قَالَ: هِيَ قَرْيَةٌ يُقَال لَهَا: أَيْلَةُ، بَيْنَ مَدْيَنَ وَالطُّورِ. (١١٥)

стр. 911

٩٠٥ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: هِيَ قَرْيَةٌ بَيْنَ أَيْلَةَ وَالطُّورِ، يُقَالُ لَهَا: مَدْيَنُ. (١١٦) ٩٠٦ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنِي المثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِح، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى شَاطِئِ البَحْرِ، بَيْنَ مِصْرَ وَالمدِينَةِ، يُقَالُ لَهَا: أَيْلَةُ. (١١٧)

стр. 912

سُورَةُ يُونُس قَولهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١١٨) ٩٠٧ - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "تَفْسِيرِهِ": عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: بَوَّأَهُمُ اللَّه تَعَالَى الشَّامَ، وَبَيْتَ المقْدِسِ. (١١٩) ٩٠٨ - قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي "تَفْسِيرِهِ": أَخْبَرَنَا أَبُو يَزِيدَ القَرَاطِيسِيُّ، فِيمَا كَتَبَ إلَيَّ، أَنْبَأ أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي قَوْلهِ: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ (١٢٠) قَالَ: الشَّامُ، وَقَرَأَ: ﴿الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (١٢١). (١٢٢)

стр. 913

٩٠٩ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا المحَارِبِي وَأَبُو خَالِدٍ، عَنْ جُويْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: مَنَازِلَ صِدْقٍ: مِصْرُ وَالشَّامُ. (١٢٣) سُورَةُ هُودٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (١٢٤) ٩١٠ - قَالَ الحَاكِمُ فِي "المُسْتَدْرَكِ": أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّفَّارُ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ طَلْحَةَ، ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرْفُوعًا، قَالَ: "لَمَّا خَرَجَتِ الملَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ نَحْوَ قَرْيَةِ لُوطٍ وَأَتَوهَا نَصْفَ النَّهَارِ، فَلَمَّا بَلَغُوا نَهْرَ سَدُومٍ لَقَوُا ابْنَةَ لُوطٍ تَسْتَقِي مِنْ الماءِ لِأهْلِهَا -وَكَانَ لَهُ ابْنَتَانِ- فَقَالُوا لَهَا: يَا جَارِيَةُ، هَلْ مِنْ

стр. 914

مَنْزِلٍ؟ قَالَتْ: نَعَم، مَكَانَكُم لَا تَدْخُلُوا حَتَّى آتِيَكُم. فَأَتَتْ أَبَاهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَدْرِكْ فَتْيَانًا عَلَى بَابِ المدِينَةِ، مَا رَأيتُ وُجُوهَ قَوْمٍ هِي أَحْسَنُ مِنْهُم، لَا يَأْخُذُهُم قَوْمُكَ فَيَفْضَحُوهُم. وَقَدْ كَانَ قَوْمُهُ نَهَوْهُ أَنْ يَضَيِّف رَجُلًا، حَتَّى قَالُوا: حَلَّ عَلَيْنَا فَلْيُضَيِّفِ الرِّجَالَ. فَجَاءَهُم وَلَمْ يُعْلِمْ أَحَدًا إِلَّا بَيْتَ أَهْلِ لُوطٍ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُه فَأَخْبَرَتْ قَوْمَه، قَالَتْ: إِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ رَجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثلَ وُجُوهِهِم قَطُّ. فَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَتَوهُ قَالَ لَهُمْ لُوطٌ: يَا قَوْمِ، اتَّقُوا اللَّه وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي، أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رشِيدٌ! هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ مِمَّا تُرِيدُونَ. قَالُوا لَهُ: أَوَ لَمْ نَنْهَكَ أَنْ تُضَيِّفَ الرِّجَالَ، قَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ، وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ. فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَهُ عَلَيهِم، قَالَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَقُولُ -صَلَوَاتُ اللَّه عَلَيْهِ-: لَوْ أَنَّ لِي أَنْصَارًا يَنْصُرُونِي عَلَيْكُم، أوْ عَشِيرَةً تَمْنَعُنِي مِنْكُمْ، لَحَالَتْ بَيْنَكُم وَبَينَ مَا جِئتُم تُرِيدُونَهُ مِن أَضْيَافِي. وَلَمَّا قَالَ لُوطٌ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ بَسَطَ حِينَئِذٍ جِبْرِيلُ جَنَاحَيْهِ فَفَقَأ أَعْيُنَهُم، وَخَرَجُوا يَدُوسُ بَعْضُهُم فِي آثَارٍ بَعْضٍ عُمْيَانًا يَقُولُونَ: النَّجَا النَّجَا، فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ أَسْحَرَ قَوْم فِي الأَرْضِ، فَذلِكَ قَوْلُ اللَّه : ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا﴾ (١٢٥) و ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (١٢٦) فَاتَّبِعْ آثَارَ أهْلِك يَقُولُ: ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (١٢٧) فَأَخْرَجَهُم اللَّهُ إِلَى الشَّامِ، وقَالَ لُوطٌ: أَهْلِكُوهُمْ السَّاعَة. فَقَالُوا: إِنَّا لَمْ نُؤْمَرُ إلا بِالصُّبْحِ ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ

стр. 915

بِقَرِيبٍ﴾ فَلَمَّا أَنْ كَانَ السَّحَرُ خَرَجَ لُوطٌ وَأَهْلَهُ مَعَهُ امْرَأَتَهُ، فَذَلكَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾. (١٢٨) ٩١١ - قَالَ ابْن أَبِي حَاتِمِ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنَا أَبِي، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنْبَأَ سُلَيْمَانُ -يَعْنِي ابنَ كَثِيرٍ أَخَاهُ- أَنْبَأَ حُصَيْنٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا وَلَجَ رُسُلُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ ظَنَّ أَنَّهُم ضِيفَانٌ، قَالَ: فَأَخْرَجَ بَنَاتَهُ بِالطَّرِيقِ، وَجَعَلَ ضِيفَانَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ بَنَاتِهِ قَالَ: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ فَقَالَ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. قَالَ: فَالتَفَتَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: لَا تَخَف ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾. فَلَمَّا دَنَوْا طَمَسَ أَعْيُنَهُم، فَانْطَلَقُوا عُمْيًا يَرْكَبُ بَعْضَهُم بَعْضًا حَتَّى خَرَجُوا إِلَى الذِينَ بِالبَابِ، فَقَالُوا: جِئْنَاكُمْ مِن عِنْدِ أَسْحَرِ النَّاسِ، طُمْسَتْ أَبْصَارُنَا. قَالَ: فَانْطَلَقُوا يَرْكَبُ بَعْضُهُم بَعْضًا حَتَّى دَخَلُوا المدِينَةَ، فَكَانَ فِي جَوْفِ الليلِ، فَرُفِعَتْ حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ صَوْتَ الطَّيرِ فِي جَوَّ السَّمَاءِ، ثُمَّ قُلِبَتْ عَلَيْهِم، فَمَنْ أَصَابَتْهُ الائتِفَاكَةُ أهْلَكَتْهُ. قَالَ: وَمَنْ خَرَجَ مِنْهَا اتَّبَعَهُ حَجَرٌ حَيْثُ كَانَ فَقَتَلَهُ. قَالَ: وَخَرَجَ لُوطٌ مِنْهَا بِبِنَاتِهِ وَهُنَّ ثَلاثٌ، فَلَمَّا بَلغَ مَكَانًا مِنَ الشَّامِ مَاتَتْ الكُبْرَى فَدَفَنَهَا، فَخَرَجَ عِنْدَهَا عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: عَينُ الرُّبَةِ (١٢٩). قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: ربثَا. قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى بَلَغَ مَكَانًا
следующие страницы →