- هي لغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وصَلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ (١) أي ادع لهم.
وشرعاً: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم.
صفتها: إما فرض في الصلوات الخمس، أو واجبة في الوتر، أو سنة فيما سواهن من الصلوات.
стр. 109
دليل فرضية الصلوات الخمس:
ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾ (١) .
ومن السنة: حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) (٢) .
وحديث طلحة بن عبيد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال للسائل عن الإسلام: (خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل علّي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تَطَّوَّع) (٣) .
وقد أجمعت الأمة على فرضية الصلوات الخمس.
стр. 110
حكمة تشريعها:
الصلاة مناجاة وخشوع ورياضة روحية وتفريغ من هموم الدنيا، وهي صلة بين الخالق والمخلوق تشعر بالقوة والسّند الروحي ووجهة الالتجاء، وهي معراج للروح ودرس الحياة اليومي العملي المتكرر، وهي تطهير للروح من أدران الذنوب وعصمة من السوء وإعمار للقلب، وهي شكر الله على نعم لا تعد ولا تحصى.
ولم تَخْلُ عنها شريعة مُرْسَل. ومما اختص به ﷺ مجموع الصلوات الخمس إذ لم تجتمع لأحد من الأنبياء ﵈، وخُصَّ بالأذان والإقامة وافتتاح الصلاة بالتكبير والتأمين وبتحريم الكلام فيها.
بدء فرضيتها:
فرضت الصلاة بمكة، وكانت ركعتين قبل طلوع الشمس وركعتين قبل غروبها، وذلك منذ بدأت الرسالة. ثبت ذلك فيما روي أن جبريل ﵇ بدا لرسول الله ﷺ في أحسن صورة وأطيب رائحة. فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أنت رسولي إلى الجن والإنس، وادعهم إلى قول لا إله إلا الله. ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء فتوضأ منها جبريل، ثم أمره أن يتوضأ، وقام جبريل يصلي وأمره أن يصلي معه (١) .
ثم فرضت الصلوات الخمس في حادثة الإسراء والمعراج، وذلك في السابع عشر من رمضان قبل الهجرة بسنة ونصف، وقيل: في السابع والعشرين من رجب. وفرضت بالأصل ركعتين إلا المغرب، ثم أقرّت بالسفر وزيدت في الحضر إلا الفجر.
стр. 111
سببها الأصلي:
خطاب الله تعالى الأزليّ، أي سبب وجوب أدائها لأن الموجب للأحكام هو الله تعالى وحده، لكن لما كان إيجابه تعالى غيباً عنا لا نطلع عليه جعل لنا أسباباً مجازية ظاهرة تيسر علينا وهي الأوقات بدليل تجدد الوجوب بتجديدها.
سببها الظاهري:
الوقت: فتجب في أوله وجوباً موسَّعاً، فلا حرج حتى يضيق الوقت عن الأداء ويتوجَّه الخطاب حتماً ويأثم بالتأخير عنه.
شروط وجوبها:
-١ - الإسلام، لأنه شرط للخطاب بفروع الشريعة.
-٢ - البلوغ، إذ لا خطاب لصغير ولكن يؤمر بها الصبي ليعتادها، ويضرب على تركها لعشر، لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع) (١) .
-٣ - العقل، لانعدام التكليف دونه، لما روى علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (٢) .
стр. 112
حكم تارك الصلاة:
-١ - إن جحد فرضيتها فهو كافر، له حكم المرتد فيقتل إن أصر.
-٢ - إن تركها تهاوناً فهو فاسق يسجن ويُضيَّق عليه حتى يؤديها، وقيل يضرب حتى يسيل منه الدم، وفي بقية المذاهب يقتل.
-٣ - أما تارك أداء الصلاة في الوقت آثم.
مواقيت الصلاة:
الوقت: هو السبب الظاهري لوجوب الصلاة، وهو شرط للأداء فلا يصح أداؤها قبل الوقت. قال تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ (١) ، وهو ظرف للصلاة بمعنى أنه يجوز أن يصلي في الوقت الواحد الفرض معه غيره من النوافل أو القضاء. والمواقيت جمع ميقات، والمراد الذي عينه الله لأداء هذه العبادة.
وقد جاء تحديد مواقيت الصلاة في أحاديث منها: ما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أمَّني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى الظهر في الأولى منهما حين الفيء (٢) مثل الشَّراك (٣) ، ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وَجَبت الشمس (٤) وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غياب الشَّفَق (٥) ، ثم صلى الفجر حين بَرَق الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليّ جبريل فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين) (٦) .
стр. 113
وقت الظهر:
يبدأ وقته من زوال الشمس لقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ (١) أي وقوعها في منتصف السماء، وينتهي وقت الظهر عندما يصير ظل كل شيء مثله مضافاً إليه ظل الاستواء لحديث ابن عباس ﵄ المتقدم.
والأفضل في الظهر تأخيره حتى تبرد الشمس خاصة في المناطق الحارة، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم) (٢) .
ويستحب تعجيل الظهر في الشتاء والربيع لعموم الأحاديث الواردة في اسحباب الصلاة في أول وقتها، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) (٣) ، ولأنه ﷺ كان يعجل بالظهر، فعن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت أحداً كان أشد تعجيلاً للظهر من رسول الله ﷺ ولا من أبي بكر ولا من عمر) (٤) .
стр. 114
وقت العصر:
يبدأ من بلوغ ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس. ويستحب تأخيره صيفاً وشتاءً، لما روى علي بن شيبان ﵁ قال: (قدمنا على رسول الله ﷺ المدينة فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية) (١) .
ويكره تحريماً تأخير العصر حتى تصفرّ الشمس أو يتغير لونها، لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس) (٢) ، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس فكانت بين قرني شيطان أو على قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) (٣) . ولا يباح تأخير العصر لمرض أو سفر إلى ما بعد الاصفرار.
ويستحب تعجيل العصر يوم الغيم، لحديث بريدة الأسلمي ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال: (بكروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله) (٤) .
стр. 115
وقت المغرب:
يبدأ وقته من غروب الشمس وينتهي بمغيب الشفق، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق) (١) .
ويستحب تعجيل المغرب بعد الغروب باتفاق المذاهب، لما روي عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تزال أمتي بخير - أو على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم) (٢) .
ويجوز تأخيرها بمقدار قليل لعذر كسفر أو مرض أو حضور مائدة.
стр. 116
وقت العشاء والوتر:
يبدأ وقتهما من غياب الشفق الأحمر إلى طلوع الفجر الصادق. ويستحب تأخير العشاء إلى ثلث الليل الأول إذا ضمن قيامه، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه) (١) . ويكره تأخير صلاة العشاء إلى ما بعد نصف الليل.
والأحوط بالنسبة للوتر أن يصليه قبل أن ينام، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاث أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام) (٢) .
стр. 117
تعقيب: إن البلاد التي يتصل فيها شروق الشمس بغروبها، بحيث لا يفصل بينهما وقت لصلاة العشاء والوتر، لا تجب في حق أهل هذه البلاد صلاة العشاء والوتر لعدم وجود السبب (كما في بلاد البلغار مثلاً) على أحد القولين. والقول الثاني: إن فاقد وقتهما مكلف بهما فيقدر لهما ولا ينوي القضاء، كما في أيام الدجال تُقدر الأوقات لوجود النص في ذلك.
وقت الفجر:
يبدأ وقته من طلوع الفجر الصادق ويستمر حتى طلوع الشمس، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن وقت الصلوات فقال: (وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول) (١) .
ويستحب تأخير الصلاة قليلاً عن وقت الأذان حتى تسفر الأرض، لما روي عن رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أسْفِروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) (٢) ، ليسهل على المكلف تحصيل ما ورد في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة. قال: قال رسول الله ﷺ : تامة، تامة، تامة) (٣) .
ويستحب تعجيل الفجر في الغَلَس (٤) للحاجّ وذلك لواجب الوقوف بعدُ في المشعر الحرام. والغلس أفضل دائماً في حق النساء، والانتظار في غير الفجر إلى فراغ الرجال من الجماعة.
ويحرم تأخير الفجر إلى ما لا يسعه من الوقت.
стр. 118
الأوقات التي تحرم فيها صلاة الفرائض:
اتفق علماؤنا على أن ثلاثة أوقات ورد النهي عن الصلاة فيها وهي:
-١ - وقت شروق الشمس حتى ترتفع قدر رمح أو رمحين.
-٢ - وقت الاستواء حتى الزوال.
-٣ - وقت الاصفرار حتى الغروب.
وقد ورد هذا النهي في حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن. أو أن نَقْبُرَ فيهن موتانا: حين تطْلَع الشمس بازغة حتى ترتفع) (١) .
ولا يصح في هذه الأوقات شيء من الصلاة - سواء في مكة أو غيرها - ولو قضاء والواجبات (٢) التي لزمت في الذمة قبل دخولها كالوتر والنذر المطلق وركعتي الطواف وما أفسده من نفل وشرع فيه في غير هذه الأوقات وسجدة آية تليت في غيرها. وكل صلاة شرع فيها ثم تعرضت للشروق أو الاستواء أو الغروب فَسَدُتْ للنهي الوارد في الحديث. وعند الإمام أبي حنيفة والإمام محمد لو أشرقت الشمس وهو في صلاة الفجر بطلت صلاته، وصحت مع الكراهة التحريمية عند الإمام أبي يوسف (٣) .
ولا يصح قضاء الفوائت في هذه الأوقات لأنها وجبت كاملة فلا تؤدى ناقصة في الوقت المكروه.
لكن تصح في هذه الأوقات مع الكراهة التحريمية صلاة النفل (٤) والنذر المقيد بها وقضاء النفل الذي أفسده فيها وصلاة جنازة حَضَرت وسجدة تلاوة حصلت في هذه الأوقات. والأفضل إذا بدأ بتطوع في هذه الأوقات أن يقطعه ويصليه في غير الوقت المكروه (أي الأوقات التي تحرم فيها الفرائض والتي يكره فيها التنفل) .
كما يصح أداء عصر اليوم الذي وجب فيه عند الغروب مع الكراهة للتأخير المنهي عنه لا لذات الوقت. وذلك لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك. ومن أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك) (٥) .
والاشتغال بالصلاة على النبي ﷺ في هذه الأوقات أفضل من قراءة القرآن، لأن القراءة ركن أساسي في الصلاة.
стр. 119
الأوقات التي يكره فيها التنفل:
يكره التنفل في الأوقات التالية:
-١ - في الأوقات التي تحرم فيها الفرائض.
-٢ - بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس إلا سنة الصبح، لما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (ليبلّغ شاهدكم غائبكم لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر) (١) ليكون جميع الوقت مشغولاً بالفرض.
-٣ - يكره تحريماً التنفل بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس) (٢) .
-٤ - بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس، للحديث المتقدم. وينعقد في هذين الوقتين، أي ما بين الفجر والشمس وما بين صلاة العصر إلى الغروب، قضاء الفوائت والجنازة وسجود التلاوة من غير كراهة. إلا النفل والواجب لغيره، فإنه ينعقد مع الكراهة، كالمنذور وركعتي الطواف وقضاء نفل أفسده.
-٥ - قبل صلاة المغرب حتى لا يؤدي إلى تأخير صلاة المغرب، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن عند كل أذانين ركعتين ما خلا المغرب) (٣) .
-٦ - عند خروج الخطيب وقيامه للخطبة في الجمعة والعيدين وغيرها.
-٧ - عند إقامة الصلاة للفرائض، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (٤) ، إلا إذا دخل المسجد عند الإقامة لصلاة الفجر فإنه يصلي ركعتي الفجر ثم يتابع الإمام. أما إن خشي فوت الجماعة دخل مع الإمام وترك السنة.
-٨ - يكره التنفل قبل صلاة العيد في البيت أو في المسجد سواء، لما روي عن ابن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ خرج يوم أضحى أو أفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها" (٥) .
-٩ - عند ضيق الوقت خوفاً من تفويت الفرض أو تأخيره.
-١٠ - بين صلاتي الجَمْع في عرفة ومزدلفة، لما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه (أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر بأذان واحد بعرفة ولم يسبح بينهما وإقامتين، وصلى المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما) (٦) .
стр. 120
الجمع بين الصلاتين:
لا يصح عندنا الجمع بين صلاتين إلا في موضعين:
-١ - يصح الجمع بين الظهر والعصر في مسجد نَمِرة يوم عرفة جمع تقديم، فيصلي الحاجّ الظهر والعصر في وقت الظهر بأذان واحد وإقامتين ولا يفصل بينهما بنافلة، لما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "سار رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي خطب الناس، ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً" (١) . بشرط أن تكون الصلاة مع الإمام الأعظم أو نائبه، وأن تكون صلاة الظهر صحيحة؛ فلو فسدت صلاة الظهر لم يصح الجمع. أما عند الصاحبين فلا مانع من الجمع ولو صلى الحاج منفرداً في رحله.
-٢ - يصح للحاج أن يجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في مزدلفة بأذان واحد وإقامة واحدة، ولا تجزئ صلاة المغرب بطريق مزدلفة، لما روي عن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ حيث أفاض من عرفة مال إلى الشعب فقضى حاجته فتوضأ، فقلت يا رسول الله أتصلي؟ فقال: (الصلاة أمامك) (٢) . لكن إن فعل ولم يعده حتى طلع الفجر صحّ.
أما في غير الحج فلا يجوز الجمع مطلقاً لا في السفر ولا في الحضر ولا لعذر، والدليل على ذلك:
أ - إن الصلاة التي قدمت عن وقتها لم تجب أصلاً قبل دخول الوقت، ولأن تأخير الوقتية عن وقتها لا يحل أصلاً.
ب - إن جميع الأدلة الواردة في الجمع تُحمل على الجمع الصوري، وهو تأخير صلاة الظهر حتى قبل دخول وقت العصر بما يسع الصلاة ثم صلاة العصر في أول وقتها. والدليل على هذا التأويل: ما روى ابن حِبَّان عن نافع قال: خرجت مع ابن عمر ﵄ في سفر، وغابت الشمس فلما أبطأ قلت: الصلاة يرحمك الله. فالتفت إليّ ومضى حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب، ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق فصلى بنا، ثم أقبل علينا فقال: "إن رسول الله ﷺ كان إذا عجل به السير صنع هكذا".
جـ - لما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي الصلاة لوقتها إلا بجمع وعرفات) (٣) .
стр. 121
قضاء الفوائت:
الأداء هو تسليم عين الواجب في وقته، ويكون كاملاً بصلاة الجماعة وقاصراً بصلاة المنفرد.
والقضاء: هو تسليم مثل الواجب بعد خروج الوقت.
وتأخير الصلاة عن وقتها كبيرة لا تزول بالقضاء فقط، وإنما يسقط إثم الترك بالقضاء، أما إثم التأخير فلابدّ فيه من التوبة النصوح أو الحج.
وأما الإعادة: فهي فعل مثل الواجب في الوقت لخلل غير الفساد، فكل صلاة أديت مع الكراهة التحريمية تعاد وجوباً في الوقت وندباً بعد خروجه.
ولا تقضى النوافل إلا سنة الفجر فتقضى تبعاً مع الفرض، أما لو أراد قضاء الفجر بعد الزوال فلا تقضى السنة. وتقضى سنة الظهر القبلية بعد الفرض إن خاف فوت الجماعة أو الوقت بشرط بقاء الوقت بعد أداء الفرض، فإذا خرج الوقت فلا قضاء للسنة القبلية في هذه الحالة.
كيفية القضاء:
الأصل في القضاء أن الترتيب بين الفوائت وفرض الوقت وكذا الترتيب بين نفس الفوائت القليلة مستحق أي لازم. وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذَّن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء" (١) ، وعن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وصلوا كما رأيتموني أصلي) (٢) .
ويسقط الترتيب بإحدى ثلاث:
-١ - ضيق الوقت.
-٢ - النسيان، فلو تذكرها بعد الصلاة الوقتية يقضي ما فاته ولا يعيد، لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٣) .
-٣ - إذا صارت الفوائت ستاً سقط الترتيب.
ولو صلى المكلف فرضاً ذاكراً الفائتة فسد فرضه فساداً موقوفاً حتى يصلي خمس صلوات متذكراً للمتروكة، فإذا بقيت في ذمته حتى خروج خمس صلوات صحت جميعاً، وإن قضاها قبل مضي خمس صلوات فسدت جميعاً.
وإذا كثرت الفوائت فلا بد من التعيين كأن يقول: نويت قضاء آخر ظهر لم أصلِّه أو قضاء أو ظهر مما عليّ.
стр. 122
حكم قضاء الفوائت:
-١ - واجب عند جمهور الفقهاء (١) ، وجميع أوقات العمر وقت للقضاء عدا أوقات النهي الثلاثة.
-٢ - يجب القضاء على الفور عند الإمام أبي يوسف، وعلى التراخي عند الإمام محمد وقال الإمام أبو حنيفة: يجب القضاء على الفور، إنما يجوز التأخير من أجل السعي على العيال إن كثرت الفوائت.
ودليل وجوب قضاء الفوائت، ما روي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: أقم الصلاة لذكري) (٢) .
стр. 123
الباب الثاني (الأذان والإقامة) .
стр. 124
معنى الأذان:
لغة: الإعلام، بدليل قوله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ (١) أي إعلام.
شرعاً: ذكر مخصوص يُعلم به دخول وقت الصلاة المفروضة.
стр. 125
معنى الإقامة: هي ذكر مخصوص لاستنهاض الحاضرين للصلاة.
دليل مشروعيتهما:
ثبتت مشروعية النداء للصلاة بالكتاب والسنة.
ففي الكتاب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ (١) .
وقوله جلّ شأنه: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً﴾ (٢) .
وأما السنة فحديث مالك بن الحويرث ﵁ أن النبي ﷺ قال: (فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمّكم أكبركم) (٣) .
وقد أذن جبريل ﵊ يوم الإسراء وأقام الصلاة، ولكن رسول الله ﷺ لم يعمّم ذلك، ثم شرع الأذان في السنة الأولى للهجرة، وكان المسلمون يصلّون بالمناداة في الطريق: الصلاة.. الصلاة.. ثم تشاور الصحابة رضوان الله عليهم في علامة يعرفون بها وقت الصلاة مع النبي ﷺ ، وجاء ذلك فيما روي عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵁ قال: (لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل ليُضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى. قال: فقال تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذّن به فإنه أندى صوتاً منك، فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به. قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله ﷺ : فلله الحمد) (٤) .
وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الأذان والمؤذّن، (وإن كانت الإمامة أفضل من الأذان) (٥) منها ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف والأول ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِموا عليه لاستَهَموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العَتْمةِ والصبح لأتوهما ولو حبواً) (٦) ، وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من أذّن سبع سنين محتسباً كتبت له براءة من النار) (٧) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين) (٨) .
стр. 126
حكم الأذان والإقامة:
هما سنتان مؤكدتان في قوة الواجب، لقول الإمام محمد: لو اجتمع أهل بلدة على ترك الأذان قاتلتهم، ولو تركه واحد لضربته وحبسته.
وهما سنة للجماعة والمنفرد، لأنهما من شعار الإسلام سواء كان في المسجد أو في البيت أو في فلاة، فإنه يصلي خلفه جند من جنود الله، فعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ما من رجل يكون بأرض فيء، فيؤذن بحضرة الصلاة ويقيم الصلاة فيصلي، إلا صفَّ خلفه من الملائكة ما لا يرى قطراه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ويؤمنون على دعائه) (١) . وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة) (٢) .
وهما سنة للصلاة، لا للوقت، وللفرائض ومنها الجمعة. أما النوافل فلا يؤذن لها.
كما يسن لقضاء الفوائت مطلقاً، لما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربه صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء) (٣) .
ولا يسن للنساء الأذان والإقامة، بل هما مكروهان، لأن حالهن مبني على الستر ولا يكون الأذان إلا برفع الصوت.
стр. 127
ألفاظ الأذان والإقامة:
-١ - التكبير في أول الأذان أربعاً، مع جزم راء أكبر في الأذان والإقامة.
-٢ - أن يأتي بالشهادتين كل واحدة مرتين ويفصل بينهما بسكتة ولا يرجع (١) فيهما.
-٣ - أن يزيد المؤذن بعد قوله: "حي على الفلاح" في الفجر: "الصلاة خير من النوم"، لما روي عن أبي محذورة ﵁ قال: (كنت أؤذن لرسول الله ﷺ ، وكنت أقول في أذان الفجر الأول: حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) (٢) .
-٤ - والإقامة مثل الأذان إلا أنه يزيد فيها بعد قوله: "حي على الفلاح": "قد قامت الصلاة" يكررها مرتين.
стр. 128
شروط الأذان والإقامة:
-١ - دخول الوقت، لأنه إعلام بالوقت فلا يصح قبله. أما الإقامة فلابد فيها من إرادة الصلاة فعلاً.
-٢ - أن يكونا بالعربية إن كان هناك من يحسنها، ويصح للأعجمي أن يؤذن لنفسه بلغته إن لم يحسن العربية حتى يتعلمها.
-٣ - الموالاة والترتيب.
-٤ - إن يسمع نفسه إن كان منفرداً، وأن يسمع بعض الجماعة إن كان في جماعة.
-٥ - أن يكون المؤذن رجلاً مسلماً عاقلاً، فلا يصح أذان المجنون ولا الكافر.
سنن الأذان والإقامة:
-١ - أن يكون المؤذن صالحاً، أميناً في الدين، عالماً بالسنة وأوقات الصلاة، لما روى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لِيؤذّن لكم خيارُكم وليؤمكم قراؤكم) (١) .
-٢ - أن يكون على طهارة، لأنه ذِكْر ومتصل بالصلاة، ولما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يؤذِّن إلا متوضئ) (٢) .
-٣ - أن يكون واقفاً، لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا بلال قم فناد بالصلاة) (٣) .
-٤ - أن يتوجه المؤذن نحو القبلة، فإذا بلغ الحيعلتين التفت عن يمينه فقال: "حي على الصلاة"، ثم التفت عن يساره فقال: "حي على الفلاح"، من غير أن يُحوِّل صدره عن القبلة ولا قدميه عن مكانهما، لحديث أبي جُحيفة ﵁ قال: (رأيت بلالاً يؤذّن ويدور ويُتبع فاه ههنا وههنا، وإصبعاه في أذنيه) (٤) .
-٥ - أن يجعل إصبعيه في أذنيه في الأذان دون الإقامة للحديث المتقدم.
-٦ - أن يترسَّل (٥) في الأذان، ويسرع في الإقامة، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لبلال: (يا بلال إذا أذَّنْت فترسَّل في أذانك، وإذا أقمت فاحدُر) (٦) .
-٧ - أن يكون المؤذن حسن الصوت عاليه، لأنه أبعث على الإجابة بدليل الحديث المتقدم: (فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك) .
-٨ - أن يفصل بين الأذان والإقامة، إذ يكره وصلهما، كي يتحضر المصلون.
-٩ - التثويب بعد الأذان لتأكيد الإعلام، بأن يقول: يا مصلين: الصلاة. الصلاة.
стр. 129
مكروهات الأذان والإقامة:
-١ - يكره التلحين والتمطيط في الأذان.
-٢ - كره أذان الجُنُب وإقامته، والكراهة هنا تحريمية.
-٣ - يكره أذان المُحْدِث لما في الأذان من الدعاء والذكر.
-٤ - يكره أذان الصبي (١) ، وقال جمهور العلماء: لا يجوز أصلاً.
-٥ - يكره أذان المرأة والفاسق.
-٦ - يكره الكلام أثناء الأذان ولو بِرَدِّ السلام.
-٧ - يكره الأذان والإقامة للظهر يوم الجمعة لمن فاتته وللمعذور أيضاً.
-٨ - يكره خروج المؤذن أو أحد المصلين من المسجد بعد الأذان حتى تنتهي الصلاة إلا أن يخرج لحاجة، لما روي عن أبي الشعثاء قال: "كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة، فأذّن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ " (٢) . أما لو خرج بعد الصلاة ولو منفرداً فلا كراهة.
-٩ - يكره أخذ الأجرة على الأذان، إلا أن المتأخرين من علمائنا أجازوه مطلقاً لعدم وجود متطوعين وحفظاً للشعائر، وروي عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: (إن آخر ما عهد إليّ رسول الله ﷺ أن أتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) (٣) .
стр. 130
حكم إجابة المؤذن وما يسن فيها:
الأكثر من فقهاء الحنفية على أن إجابة المؤذن قولاً وفعلاً سنة، وقال بعضهم واجب استناداً إلى الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سِلُوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله تعالى، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلّت عليه الشفاعة) (١) .
ويسن:
-١ - أن يجيب المؤذن كل من سمعه سواء كان جنباً أو طاهراً، واستثنى الحائض والنفساء لعجزهما عن الإجابة بالفعل.
-٢ - أن يمسك سامع الأذان عن القراءة والذكر، وإن كان قاعداً قام أو مستلقياً جلس.
-٣ - أن يقول السامع في الإجابة كما يقول المؤذن إلا عند قوله: "حيّ على الفلاح"، فيقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"، لما روي عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حيّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حيّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة) (٢) . وأن يقول عندما يقول المؤذن في الفجر "الصلاة خير من النوم": "صدقت وبررت وبالحق نطقت". وعند الإقامة يقول: "أقامها الله وأدامها وجعلنا من صالحي أهلها"، فعن أبي أمامة ﵁ أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ أن بلالاً أخذ في الإقامة فلما أن قال: قد قامت الصلاة قال النبي ﷺ : (أقامها الله وأدامها) (٣) .
-٤ - أن يجيب المؤذن بكلمات الإجابة كلها مرتبة سواء سمع كل الأذان أو بعضه. ولو سمع من عدة مساجد أجاب الأقرب إلى منزله. ويمكن أن يتدارك الإجابة إن كان في شغل.
-٥ - أن يصلي ويسلم على النبي ﷺ بعد الإجابة ثم يقول: "اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت سيدنا محمداً الوسيلة والفضيلة (٤) ، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته"، لما روى جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، ابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلَّت له شفاعتي) (٥) .
ويدعو بعدها بما شاء من حوائج الدنيا والآخرة، لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الدعاء لا يردّ بين الأذان والإقامة) (٦) .
وعن أم سلمة ﵂ قالت: (علمني رسول الله ﷺ أن أقول عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، فاغفر لي) (٧) .
стр. 131
الباب الثالث (أحكام الصلاة) .
стр. 132
الفصل الأول: شروط الصلاة
стр. 133
ما تتوقف عليه صحة الصلاة قسمان: شروط وأركان.
والشروط هي ما تتوقف عليها صحة الصلاة وغير داخلة في ماهيتها، أما الأركان فهي ما تتوقف عليها صحة الصلاة أيضاً ولكنها داخلة في ماهيتها.
وشروط الصلاة هي:
أولاً: الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر: وذلك بالوضوء والغسل أو التيمم، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (١) ، وعن ابن عمر ﵄ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول) (٢) .
стр. 134
ثانياً: طهارة الثوب والجسد والمكان من كل نجاسة غير معفوّ عنها. قال تعالى: ﴿وثيابك فطهّر﴾ (١) ، وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أن امرأة سألت النبي ﷺ عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة. فقال رسول الله ﷺ : (حُتِّيهِ، ثم اقرصيه بالماء ثم رشيه وصلي فيه ... ) (٢) . والبدن أولى بالتطهير من الثوب، ودليل ذلك حديث عائشة ﵂ قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : (إنما ذلك عِرْق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قَدْرها فاغسلي عنك الدم وصلي) (٣) ، ولحديث المعذبين في القبر.
وأما طهارة المكان الذي يصلي فيه، فلحديث أبي هريرة ﵁ قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : (دعوه وهَرِيقوا على بوله سَجْلاً (٤) من ماء، أو ذَنوباً (٥) من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين) (٦) ، وطهارة المكان أولى من طهارة الثوب.
ويشترط في طهارة المكان طهارة موضع السجود وخاصة الجبهة ثم القدمين والركبتين واليدين والأنف.
فروع:
-١ - لا يضر وقوع ثياب المصلي على أرضة نجسة جافة أثناء الصلاة ما دام يسجد على طاهر.
-٢ - إذا كانت الأرض نجسة فوضع عليها ثوباً ثخيناً لا يشف النجاسة جاز.
-٣ - تصح الصلاة على سجادة أحد أطرافها نجس إن لم يصلِّ المصلي على الطرف النجس.
-٤ - تصح الصلاة على سجادة ذات بطانة وجهها طاهر والوجه الآخر نجس إن كانت غير مضربة؛ بحيث يمكن فصل كل وجه على حدة.
-٥ - يعتبر حامل النجاسة كلابسها، وكذا حمل الطفل أو جلوسه في حضن المصلي إذا كان معه نجاسة، يبطل الصلاة إذا كان الطفل لا يستمسك وحده.
-٦ - يصلي فاقِد ما يزيل به النجاسة بالثوب النجس ولا يعيد لأن التكليف قدر الوسع.
-٧ - لا عذر بالجهل ولا بالنسيان، فلو صلى بثوب نجس ناسياً أو جاهلاً وجبت عليه الإعادة إن علم في الوقت أو بعده.
стр. 135
ثالثاً: ستر العورة:
العورة لغة: مأخوذة من العَوَر، وهو النقص والعيب، وسميت بذلك لقبح ظهورها. وتعرف شرعاً بأنها ما يُطلب سَتْره.
وستر العورة من الواجبات الدينية في الصلاة وخارجها، لحديث بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده ﵁ قال: قلت يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. قال: قلت يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم مع بعض؟ قال: إن استطعت أن لا تِريها أحداً فلا ترينّها. قلت: يا رسول الله فإن كان أحدنا خالياً؟ قال: فالله أحق أن يستحيي منه من الناس) (١) .
وحد العورة:
أ - للرجل: هي ما بين السرة والركبة، لحديث أبي أيوب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل من السرة من العورة) (٢) .
وليست السرة على أرجح القولين من العورة، أما الركبة فمن العورة لما روي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الركبة من العورة) (٣) . وقيل: وإن كان في الحديث ضعف ولكن الأحوط هو الستر.
ب - المرأة: عورة المرأة جميع بدنها عدا الوجه والكفين، بدليل حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان) (٤) ، وحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) (٥) .
واختلف في ظاهر الكفين: قيل هو عورة، وقيل إنه ليس بعورة في الصلاة، وقيل إنه ليس بعورة مطلقاً وذلك لعموم البلوى.
أما ظاهر القدمين وباطنهما فليسا من العورة على المعتمد، وقيل هما عورة خارج الصلاة. وتمنع الشابة من كشف وجهها في غير الصلاة خوف الفتنة، أما في الصلاة فترفع الغطاء عن وجهها عند السجود.
ولا عورة للصغير دون أربع سنوات، ثم تكون عورته مخففة إلى عشر سنوات.
وعورة الأمة كعورة الرجل مع ظهرها وبطنها.
ويمنع من صحة الصلاة كشفُ ربعِ أيّ عضو من أعضاء الجسم قدر أداء ركن ولو بدون قصد. وإذا تعدد أماكن الكشف يجمع ما تكشف، فتبطل الصلاة إن كان مجموع ما انكشف ربع أصغر عضو انكشف.
ويشترط في الساتر للعورة أن يكون سميكاً مانعاً من وصف لون البشرة دون حجمها، فلو صلى بثوب ضيق يظهر شكل العورة صحت صلاته مع الكراهة.
كما يشترط أن لا تظهر العورة من الجوانب، أما إذا كانت عورته ترى من الأسفل أو من الجيب فلا يضر.
ويستحب أن يصلي الرجل في ثلاثة أثواب من أحسن ثيابه: قميص وإزار وعمامة، ويجب أن يشمل الساتر عامة جسده، روي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ أو قال: قال عمر ﵁: (إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن إلا ثوب واحد فليَّتزر به ولا يشتمل اشتمال اليهود) (٦) .
ويكره تحريماً أن يصلي الرجل في ثوب واحد كاشفاً كتفيه، كما يكره أن يصلي في ثوب حرير أو ثوب مغصوب إلا عند الضرورة.
أما المرأة فتصلي في ثلاثة أثواب، لما روي عن عمر ﵁ قال: "تصلي المرأة في ثلاثة أثواب، درع وخمار وإزار" (٧) .
ومن عُدِم ثوباً طاهراً يصلي في الثوب النجس إذا كان ربعه فأكثر طاهراً، أما إذا كان أقل من الربع طاهراً أو كان الثوب كله نجساً يخير بين أب يصلي فيه أو يصلي عرياناً، والأفضل أن يصلي بالثوب النجس.
ومن عدم ما يستر به عورته يصلي ولا يعيد، ويصلي العاري قاعداً مومياً بالركوع والسجود، ماداً رجليه نحو القبلة مبالغة في الستر.
стр. 136
رابعاً: استقبال القبلة:
القِبلة لغةً: مطلق الجهة، تقول العرب: من أين قبلتك: أي جهتك.
شرعاً: جهة يصلي نحوها مَنْ في الأرض السابعة إلى السماء السابعة، مما يحاذي الكعبة (١) أو جهتها.
كانت القبلة في أول الإسلام - إلى بيت المقدس، وقبل الهجرة كان رسول الله ﷺ في مكة يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس (أي يقف ما بين الركنين اليمانين) ثم حوله الله تعالى إلى الكعبة بعد الهجرة بستة عشر شهراً وأيام، في يوم الاثنين لنصف رجب من السنة الثانية في صلاة الظهر عند بداية الركعة الثالثة.
وثبت وجوب استقبال القبلة في قوله تعالى: ﴿فولّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾ (٢) . وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: (بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أُنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) (٣) ، وعن البراء ﵁ قال: (صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس سِتة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً. ثم صُرِفْنا نحو الكعبة) (٤) .
ويشترط استقبال بقعة الكعبة لأبنائها، حتى لو رفعت عن مكانها فالبلة باتجاه أرضها. ومن كان مشاهداً بمكة وجب استقبال عين الكعبة في الصلاة، إلا أن يحجبه عنها أبنية فتكفي الجهة.
أما من كان بعيداً فيجب عليه استقبال جهة الكعبة، وذلك بأن يكون مسامتاً أي محاذياً للكعبة أو لهوائها تحقيقاً أو تقريباً.
ومعنى التحقيق: أنه لو فرض خط من تلقاء وجه المصلي على زاوية قائمة مع الأفق يكون ماراً على الكعبة أو هوائها.
ومعنى التقريب: أن يكون منحرفاً عنها انحرافاً لا تزول به المقابلة بالكلية.
стр. 137
معرفة القبلة: تعرف القبلة في الأمصار بالمحاريب التي نصبها الصحابة والتابعون، فإن لم توجد فبسؤال أهل المصر، وفي البحار والمَفَاوز (١) تعرف القبلة بالنجوم، لما روي عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (تعلموا من النجوم ما تهتدون به إلى القبلة) .
ويجب التحري (٢) عند عدم العلم، ويصلي بما أدى إليه تحريه، فإن علم خطأ تحريه بعد الصلاة فلا يعيد، لما روي عن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفره، في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزلت: فأينما تولوا فثم وجه الله) (٣) . وإن تبين خطأه أو تبدل اجتهاده أثناء الصلاة استدار وبنى على ما أداه بالتحري. وإذا صلى إلى غير جهة تحريه لا تصح صلاته ولو أصاب. وإن صلى بدون اجتهاد لم تصح صلاته وإذا علم بالخطأ في الصلاة أو بعدها كما لو لم يعلم إصابته أصلاً أو علم في الصلاة أنه أصاب. أما إذا علم إصابته بعد الصلاة فتصح.
أما المريض والعاجز عن استقبال القبلة فتكون قبلته جهة قدرته، ولو وجد من يوجهه إلى القبلة؛ لأن القادر بقدرة غيره ليس قادراً. وقبلة الخائف جهة أمنه سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة.
ومن اضطر إلى الصلاة وهو راكب طائرة أو سيارة فيقال فيها: إذا كان الإنسان في الطائرة وأدركه وقت الصلاة، فإن استطاع أن يصلي قائماً يركع ويسجد فعل، وإلا قعد وصلى بالإيماء مستقبلاً متحرياً جهة القبلة. وأما السيارة، فإن كانت له أوقفها ونزل وصلى، وإن كانت لغيره ولم يرض سائقها أن يقف له ليصلي؛ فإنه يصلي فيها بالإيماء مستقبلاً حسب الإمكان. والأحوط الإعادة فيهما (٤) .
أما الصلاة في السفينة فيشترط فيها استقبال القبلة، وتجوز قاعداً إذا كان الغالب فيها دوران الرأس وكانت السفينة سائرة.
هذا كله بالنسبة لصلاة الفرائض والوتر. وأما على الدابة فلا تجوز صلاة الفرض والواجب إلا لعذر، أما النوافل فالأصح جوازها على الدابة خارج المِصْر، وقال الإمام أبو يوسف بجوازها في المصر، فيصلي الراكب مومياً إلى أي جهة، ويفتتح الصلاة حيث توجهت به دابته. ولا يشترط عجزه عن إيقافها للتحريمة، وذلك لما روي عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان يُسبِّح على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه، وكان ابن عمر يفعله) (٥) .
ويجوز الإيماء بالصلاة على الدابة ولو كانت السنن مؤكدة حتى سنة الفجر، وقيل: إن الإمام أبا حنيفة كان ينزل عن الدابة لسنة الفجر لأنها آكد من غيرها.
стр. 138
الصلاة في الكعبة:
تصح الصلاة داخل الكعبة فرضاً أو نفلاً إلى أي جزء منها، لما روي عن ابن عمر ﵄: (أنه إذا دخل الكعبة.. يتوخى المكان الذي أخبره بلال: أن رسول الله ﷺ صلى فيه، وليس على أحد أن يصلي في أي نواحي البيت شاء) (١) .
كما تصح الفريضة داخل الحِجْر (٢) بشرط استقبال الكعبة لا جدار الحِجْر.
وإذا أقيمت الصلاة جماعة داخل الكعبة فيصح للمؤتم أن يقف إلى أي جهة، إلا أنه يكره وقوفه إذا قابل وجهُه وجهَ إمامه، وإذا جعل ظهره إلى وجه إمامه لم يصح اقتداؤه لتقدمه على إمامه. ويصح أن يكون الإمام داخل الكعبة والمصلون خارجها إذا كان الباب مفتوحاً، ويصح اقتداء جميعهم، أي حولها، إلا من كان أقرب إلى الكعبة في جهة إمامه.
стр. 139
خامساً: دخول الوقت:
يعتبر دخول الوقت سبباً لوجوب الصلاة، وشرطاً لأدائها، قال تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ (١) ، وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: (.. فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) (٢) . فيجب أن يدخل الوقت جزماً في علم المصلي حتى تصح الصلاة، ولو صلّى دون علم جازم بدخول الصلاة لم تصح صلاته ولو صادف دخول الوقت.
стр. 140
سادساً: النية:
وهي لغة: العزم، شرعاً: فصد الطاعة والتقرب إلى الله في إيجاد الفعل.
وبالنية تتميز العبادة عن العادة، ويتحقق الإخلاص، والمعتبر في النية عمل القلب ويستحب أن يوافقه اللسان، والمهم أن يعلم بقلبه أي صلاة يصلي. قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (١) ، وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (٢) .
ويشترط فيها:
-١ - اتصال النية بالصلاة بدون فاصل بينها وبين التحريمة بعمل لا يليق بالصلاة، ولا يعتبر المشي إلى الصلاة والوضوء فاصلاً.
-٢ - تعيين الفرض واسمه كالظهر مثلاً، ولو نوى الفرض وشرع فيه ثم نسي كونه يصلي فرضاً أو سنة أتمه نفلاً وجاز (أي سقط عنه الفرض) . ولو جمع بين نية الفرض والنفل صح للفرض. كما يشترط تعيين الواجب. أما في النفل المطلق فلا يشترط التعيين بل تكفي نية فعل الصلاة مطلقاً، وكذا في السنن الرواتب والتراويح على المعتمد؛ إذ أن وقوعها في وقتها يغني عن التعيين ولكن الأحوط تعيينها.
-٣ - يجب تعيين الصلاة ويومها (٣) في قضاء الفوائت على المعتمد، والأسهل أن ينوي أول ظُهر عليه مثلاً، أو آخر ظهر فاته. وقيل لا يشترط ذلك بل تكفيه نية الظهر لا غير، ولكن الاشتراط أحوط وبه جزم البعض.
-٤ - يشترط للمقتدي أن ينوي المتابعة، بينما لا يشترط للإمام لصحة الاقتداء به أن ينوي الإمامة بل ينوي لينال الثواب عند اقتداء أحد به.
стр. 141
سابعاً: التحريمة (١) :
وهي أن يقول الداخل في الصلاة: "الله أكبر"، لما روي عن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين) (٢) .
وأجمع العلماء على أن الدخول في الصلاة لا يكون إلا بالتحريمة؛ ويقصد بها الذكر الخالص لله تعالى، الذي يحرم به المصلي على نفسه الاشتغال بما سوى الله.
أما الأدلة على أن التحريمة شرط:
قوله تعالى: ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ (٣) ، وقيل: المراد هنا للتحريمة وقد عطفت عليها الصلاة، ومقتضى العطف المغايرة.
وحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مفتاح الصلاة الطَّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) (٤) .
ويترتب على كون التحريمة شرط أنه لو أحرم ثم توجه نحو القبلة جاز، أو إن أحرم وهو يحمل نجاسة فتذكرها وألقاها بعد التحريم جازت صلاته.
стр. 142
شروط التحريمة:
-١ - مقارنة التكبير للنية حقيقية أو حكماً. والمقارنة الحقيقية: أن ينوي مقارناً للشروع بالتكبير، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال للمسيء في صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) (١) . أما المقارنة حكماً: فهي أن يقدم النية على الشروع، فلو نوى مثلاً عند الوضوء أنه يريد صلاة الظهر، ولم يشتغل بعد النية بعمل يدل على الإعراض كأكل أو شرب، ثم انتهى إلى محل الصلاة ولم تحضره النية جازت صلاته بالنية السابقة. وكذا يجوز تقديمها على الوقت كسائر الشروط ما لم يوجد ما يقطعها.
-٢ - أن يأتي بها قائماً أو أقرب إلى القيام، فلو أتى بها راكعاً لم يصح الشروع.
-٣ - النطق بها بصوت أقل ما فيه أن يسمع نفسه. والسماع شرط فيما يتعلق بالنطق باللسان وهي: التحريمة، القراءة السرية، التشهد، الأذكار، الطلاق، الاستثناء، اليمين، النذر. فلو أجرى هذه الأمور على القلب من غير تلفظ يسمع لم تثبت.
-٤ - نية المتابعة مع نية أصل الصلاة للمقتدي.
-٥ - كونها باللفظ العربي للقادر عليها.
-٦ - أن لا يمد همزة فيها أو باء أكبر، وأن يأتي بالألف المحذوفة في اللام الثانية للفظ الجلالة.
-٧ - أن تكون التحريمة جملة تامة من مبتدأ وخبر.
-٨ - أن تكون بذكر خالص فيه تعظيم لله تعالى.
-٩ - أن لا يقرن التكبير بما يفسده، أي أن لا يتكلم بألفاظ تشبه كلام الناس.
стр. 143
الفصل الثاني: أركان الصلاة
стр. 144
الركن الأول: القيام:
وهو ركن في صلاة الفريضة وواجب للقادر عليه، فلو عجز عن القيام سقط عنه. ودليل فرضية القيام: قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (١) ، وحديث عمران بن الحصين ﵁ قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) (٢) .
حد القيام: أن يكون بحيث إذا مدَّ يديه لا تنالان ركبتيه. ويكره القيام على رجل واحدة.
أما النافلة فتصح في حال القعود مع القدرة على القيام، لما روت عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً، فإذا صلى قائماً ركع قائماً وإذا صلى قاعداً ركع قاعداً) (٣) ، وفي رواية عنها (أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالساً، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته نحو من ثلاثين أو أربعين آية قام، فقرأها وهو قائم ثم يركع، ثم سجد، يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك) (٤) . لكن للمتنفل جالساً نصف أجر القائم، إلا أن يكون معذوراً فيكون له نفس أجر القائم، لما روى عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حُدِّثت أن رسول الله ﷺ قال: (صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة) (٥) . ويكون القعود للصلاة على هيئة الافتراش وقيل على هيئة الاحتباء، وعند الإمام أبي حنيفة يقعد كيف شاء ما دام تَرْك القيام جائزاً له فتَرْك صفة القعود أولى. ويجوز لمن افتتح صلاة النفل قائماً أن يتمها قاعداً، وعند الصاحبين لا يجوز لأن الشروع مُلْزم.
стр. 145
الركن الثاني: القراءة:
وهي ركن لقوله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ (١) ، والأمر يقتضي الوجوب، والقراءة لا تجب خارج الصلاة فتعيَّن أن يكون الأمر بالقراءة في الصلاة. ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا صلاة إلا بقراءة) (٢) .
وتُعَّد القراءة ركناً زائداً لأنها تسقط عن المقتدي بلا ضرورة، وتسقط عن المدرك في الركوع عند الفقهاء جميعاً.
المقدار المفروض قراءته: آية واحدة ولو قصيرة عند الإمام، وعندهما آية طويلة أو ثلاث آيات قصار (٣) ، أما قراءة الفاتحة في الصلاة فواجبة لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر) (٤) .
مكان القراءة المفروضة: في ركعتين غير متعينتين من الفريضة، وفي كل ركعات النفل والواجب، لأن كل ركعتين في النفل صلاة على حدة، والواجب يتبع النفل. ولا تعتبر القراءة إلا بسماعها.
وتكره قراءة المؤتم تحريماً، فلا يقرأ بل يستمع حال جهر الإمام وينصت حال إسراره، لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) (٥) . وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (تكفيك قراءة الإمام خَافَت أو جَهَر) (٦) .
ويمنع المصلي من الدعاء في صلاة الفرض مطلقاً، أو في صلاة نفل للإمام إلا أن يكون المؤتم راضياً بذلك، لأن الدعاء في الفرض لم ينقل عن الرسول ﷺ ولا عن الأئمة بعده فكان بدعة محدثة.
أما في النفل فيندب الدعاء للمنفرد، لحديث حذيفة ﵁ قال: (صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة ... يقرأ مترسلاً إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرّ بتعوذ تعوذ..) (٧) .