-٢٨ - يكره عدّ الآي أو التسبيح باليد خلافاً للصاحبين. ولا مانع من غمز الأنامل بمحلها ولا الإحصاء في القلب خاصة في صلاة التسابيح. ولا يكره العد خارج الصلاة، أما عد الآيات باللسان في الصلاة فهو مفسد.
-٢٩ - يكره قيام الإمام بجملته في المحراب، أو قيامه في مكان عال قدر ذراع، أو أن يكون المصلون أعلى منه. وتنتفي الكراهة بقيام واحد معه.
-٣٠ - يكره القيام خلف صف فيه فرجة، إذ يجب سد الفرجة أولاً، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن الله وملائكته ﵈ يُصلون على الذين يَصِلون الصفوف، ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة) (١) .
стр. 212
-٣١ - تكره الصلاة أمام نار تشتعل لما فيه من التشبه بعبادة المجوس. كما تكره صلاة المكلف وأمامه ناس قيام.
-٣٢ - يكره تعيين سورة غير الفاتحة في الفرض لأنه مخالف للسنة، أما الفاتحة فقد تعينت بوجوبها.
ويجوز التعيين فيما وردت فيه السنة كالسجدة والدهر في فريضة الفجر يوم الجمعة، لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر ألم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان) (١) .
стр. 213
-٣٣ - يكره ترك اتخاذ سترة أمام المصلي.
ما يجوز قطع الصلاة لأجله:
-١ - يجوز قطع الصلاة إذا شعر المصلي أن سارقاً يهمّ بسرقة ماله ولو درهماً، لما روي عن مخارق عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (فقاتل حتى تحرز مالك أو تقتل فتكون في شهداء الآخرة) (١) .
стр. 214
-٢ - يجوز قطع الصلاة لإنقاذ أعمى خاف عليه أن يتردى في هاوية وهو لا يعلم، أو خاف على ولد أن يسقط أو غير ذلك.
-٣ - يجب قطع الصلاة لإغاثة ملهوف إذا استغاث بالمصلي وقدر على مساعدته ودرء الخطر عنه، لأنه إذا تعارض حق الله وحق العبد قدم حق العبد، لأن العبد فقير والله غني.
مثلاً: اضطرار الطبيب إلى إجراء عملية جراحية مستعجلة لمريض، وخوفه عليه الضرر، هذا يجيز له قطع الصلاة أو تأخيرها، وكذا حالة القابلة إن خشيت الأذى على الوليد أو أمه.
-٤ - لا يجوز قطع الابن لصلاة الفرض إن ناداه أبواه، أما في النافلة فيجيب أبويه إن كانا لا يعلمان أنه في الصلاة، وإلا فلا يجيبهما.
стр. 215
الفصل السابع: مفسدات الصلاة
стр. 216
الفساد لغة: ضد الصلاح.
شرعاً: وصف غير صحيح في العبادة
والمفسدات مرادفة للمبطلات في العبادات، والفساد في العبادات يفيد البطلان وهو خروج العبادة عن كونها عبادة.
أما الفساد في المعاملات فهو ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه فيمكن تصحيحه.
فالفاسد غير الباطل في المعاملات، وفي العبادات لا فرق بين الفاسد والباطل بل كل تجب إعادته، فإذا فسدت الصلاة وجب إعادتها في الوقت أو قضاؤها بعد الوقت.
ومفسدات الصلاة هي:
-١ - الكلام: وهو النطق بحرفين ولو لم يُفهما، أو بحرف واحد مفهم، سواء كان النطق سهواً أو عمداً أو خطأ، لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كنا نسلّم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي، سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله! كنا نسلّم عليك في الصلاة فتردّ علينا. فقال: إن في الصلاة شُغلاً) (١) ، وعنه أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يُحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أنه لا يُتكلم في الصلاة) (٢) .
ويترتب على تحريم الكلام في الصلاة:
أ - يفسد الصلاة الدعاء بما يشبه كلام الناس مما ليس في قرآن ولا سنة ويمكن طلبه من الناس، فعن معاوية بن الحكم السلّمي قال: قال رسول الله ﷺ : (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) (٣) .
ب - يفسد الصلاة السلام بنية التحية ولو سهواً، لما روي عن جابر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ . فبعثني في حاجة. فرجعت وهو يصلي على راحلته. ووجهه على غير القبلة. فسلّمت عليه فلم يردّ عليّ. فلما انصرف قال: (إنه لم يمنعني أن أردّ عليك إلا أني كنت أصلي) (٤) . أما لفظ السلام بغير نية التحية فلا يفسد الصلاة سهواً، لأنه من جنسها، كما لو ظن أنه أتم الصلاة فسلم ثم تبين له أنه لم يتمها فلا فساد. وأما إذا سلم على رأس الركعتين من الرباعية ساهياً ظاناً أنها الفجر أو أنه مسافر أو أن فرضه ركعتان فقد فسدت صلاته.
جـ - يفسد الصلاة التنحنح والتأفيف (٥) والأنين إلا إذا كان خوف النار.
د - يفسد الصلاة كل كلام كان ذكراً إذا قصد به جواب سؤال كقوله: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ .
стр. 217
-٢ - العمل الكثير المتوالي على أن لا يكون من نوع أعمال الصلاة كزيادة ركوع فإنه عمل كثير غير مفسد، ولا بقصد إصلاح الصلاة كالمشي للوضوء لسبق حدث فإنه لا يفسد. وقيد بعضهم الكثير بثلاث حركات متواليات. ولا يبطل الصلاة قتل السبع الفواسق لعموم أذاها (١) إذا كان بعمل قليل.
стр. 218
-٣ - تحويل الصدر عن القبلة إلا لمن سبقه حدث.
-٤ - الأكل والشرب سواء كان ناسياً أو عامداً. ولو ابتلع شيئاً كان بين أسنانه فلا يفسد صلاته إلا إذا زاد عن مقدار الحمصة.
-٥ - رؤية المتيمم الماء قبل التشهد توجب عليه إعادة الصلاة، وكذل سقوط الجبيرة عن برء أثناء الصلاة، وزوال عذر صاحب العذر قبل إتمام صلاته، وتمام مدة المسح على الخف أو نزعه قبل القعود الأخير قدر التشهد، ووجدان العاري ما يستر عورته، وقدرة العاجز على الركوع والسجود.
-٦ - تذكر فائتة لذي الترتيب، لأن الأصل أن يصلي الفوائت بالترتيب إن كانت دون خمس صلوات، فإذا صارت ستاً سقط الترتيب.
-٧ - طلوع الشمس أو زوالها أثناء الصلاة: فطلوع الشمس في صلاة الفجر، وزوالها في صلاة العيدين، ودخول وقت العصر في صلاة الجمعة، مفسد للصلاة.
-٨ - انكشاف العورة قدر أداء ركن، أو وقوع نجاسة مانعة من صحة الصلاة، فإن دفعها بمجرد وقوعها ولم يبق لها أثر، أو ستر عورته بمجرد انكشافها، فلا يضر.
-٩ - التكبير بنية الانتقال لصلاة أخرى غير التي هو فيها.
-١٠ - الضحك مفسد للصلاة إن كان مسموعاً للمصلي، لما روي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يقطع الصلاة الكشر ولكن يقطعها القهقهة) (١) . وإن قهقه فسمعه غيره فسد وضوؤه وصلاته معاً، لما روي عن أبي موسى ﵁ قال: (بينما رسول الله ﷺ يصلي إذ دخل رجل فتردى في حفرة كانت في المسجد، وكان بصره ضرر، فضحك كثير من القوم وهم في الصلاة. فأمر رسول الله ﷺ من ضحك أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة) (٢) .
стр. 219
-١١ - محاذاة الرجل المكلف المرأة المشتهاة (أي لا يشترط البلوغ) ، ولو كانت زوجته أو من محارمه، في الصلاة بشروط:
أ - أن تكون الصلاة مشتركة بإمام واحد، وأن يكون الإمام نوى إمامة النساء، وأن تنوي المرأة الاقتداء به. ولو حاذته بعد تسليم الإمام في أداء ما سبقت به فلا تبطل.
ب - اتحاد المكان، فلو حاذته وهي في مكان مرتفع لا تبطل صلاتهما.
جـ - أن تكون مدَّة المحاذاة قدر أداء ركن فأكثر.
د - أن تكون المحاذاة بدون حائل بينهما. والحائل أقله فراغ يسع رجلاً.
هـ - أن لا يشير إليها بالابتعاد عنه، فلو أشار لها ولم تبتعد بطلت صلاتها دون صلاته.
-١٢ - القراءة من المصحف أو أي كتاب سواء كان المقروء قليلاً أو كثيراً. أما لو نظر إلى المكتوب وفهمه دون أن يتلو منه فلا تفسد صلاته بل يسيء الأدب.
-١٣ - اللحن في قراءة القرآن، إذا غيَّر المعنى تغييراً فاحشاً، أما إذا لم يتغير المعنى فلا تفسد عند الإمام. وتفسد عند الإمام أبي يوسف إذا لم يكن للفظ المغيّر نظير في القرآن.
وكل ذلك حكم زلة القارئ أي الذي أخطأ، أما المتعمد فأقل أمره فساد صلاته إذ يخشى عليه الكفر.
ويلحق بذلك الخطأ في الإعراب فلا تفسد به الصلاة مطلقاً، إلا إذا تغير المعنى فتفسد عند الإمام وصاحبه. ولا تفسد عند أبي يوسف وقوله هو المفتى به، مثل قوله: "وإذا ابتلى إبراهيمُ ربَه".
ومنه أيضاً تخفيف التشديد إذ لا يفسد الصلاة، والوقف والابتداء في غير موضعهما، وكذا إذا وقف عند بعض الحروف ثم غيَّر السورة بسبب النسيان فلا تفسد.
-١٤ - الفتح (١) على غير إمامه، أي أن يرد غير إمامه في قراءة القرآن ولا بأس من أن يرد إمامه لقول علي ﵁: "إذا استطعمك الإمام فأطعمه"، أي إذا استفتحك فافتح عليه. ويكره للمقتدي أن يعجل بالفتح، لأن الإمام قد يتذكر وحده.
стр. 220
-١٥ - استخلاف من لا يصلح إماماً كأميّ أو معذور.
-١٦ - مد الهمزة في قوله: "الله أكبر" أو مد باء "أكبر".
-١٧ - سبق المقتدي لإمامه بركن لم يشاركه فيه، كما لو ركع ورفع رأسه بعد الركوع قبل الإمام ثم لم يعده معه.
-١٨ - عدم إعادة الجلوس الأخير بعد أداء سجدة صلبية أو سجدة تلاوة تذكرها بعد الجلوس، لأن الجلوس الأخير لا يعتد به إلا بعد تمام الأركان.
-١٩ - متابعة الإمام في سجود السهو للمسبوق بعد أن يتأكد انفراده، بأن قام بعد سلام الإمام أو قبله بعد قعوده قدر التشهد، وقيد ركعته بسجدة، ثم تذكر الإمام سجود سهو عليه فتابعه المأموم فسدت صلاته، لأنه اقتدى بعد أن أصبح منفرداً.
-٢٠ - عدم إعادة ركن أداه نائماً، لأنه يشترط أداء الأركان مستيقظاً.
-٢١ - التسليم عمداً على رأس ركعتين في غير الصلاة النائية، أما سهواً فلا يفسد، لأنه في العمد خروج من الصلاة قبل تمامها فيفسدها. ولو سلم على رأس ركعتين ظاناً أنه مسافر فسدت صلاته.
-٢٢ - تفسد صلاة من سبقه حدث بالأمور التالية:
أ - ظهور عورة ولو اضطر إليه.
ب - قراءته أثناء ذهابه وعودته للوضوء.
جـ - مكثه بلا سبب قدر أداء ركن بعد سبق الحدث له مستيقظاً بلا عذر، فلو مكث لزحام أو لانقطاع رعافه فإنه يبني.
د - مجاوزته ماء قريباً بأكثر من صفين.
والأصل في ذلك: أن من سبقه الحدث يذهب فيعيد الوضوء، ثم يبني على صلاته على أن لا يقع في المحظورات السابقة. والأفضل أن يعيد الصلاة للخروج من خلاف بقية المذاهب.
-٢٣ - خروجه من المسجد بظن الحدث ولم يكن محدثاً حقاً لوجود المنافي وهو المشي بغير عذر.
-٢٤ - مجاوزته الصفوف أو سترته في غير المسجد، وإن يكن أمامه صف أو صلى منفرداً وليس بين يديه سترة اغتفر له قدر موضع سجوده من كل جانب، فإن تجاوز ذلك بظنه الحدث ولم يكن أحدث كما إذا أنزل من أنفه ماء فظنه دماً فسدت صلاته.
-٢٥ - انصراف المصلي عن مكانه ظاناً أنه غير متوضئ، ولو تذكر أنه متوضئ ولم يخرج من المسجد ونحوه، لانصرافه بقصد ترك الصلاة.
стр. 221
الباب الرابع [سجود السهو والشكر والتلاوة]
стр. 222
الفصل الأول: سجود السَّهْو
стр. 223
السَّهْو: الغَفلة. ويسمى السجود سجودَ السهو لأنه يضمن ما فات في الصلاة من غير قصد.
حكمه: واجب، لأنه ضمان فائت وهو لا يكون إلا واجباً لأنه يرفع (يلغي) واجباً وهو قراءة التشهد والسلام، فيعادان بعد فعله ولولا أنه واجب لما رفعهما.
كيفية سجود السهو ووقته:
هو سجدتان تجزيان عن كل زيادة أو نقصان، والأرجح أن وقته بعد قراءة التشهد والصلاة على النبي ﷺ لما روي عن عبد الله بن جعفر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم) (١) . أي يجب أن يأتي به بعد كل الواجبات فيؤخر عن السلام، أو عن تسليمة واحدة، ثم يسجد سجدتين ويعيد التشهد والسلام.
ويصح فعله قبل السلام وإن كان خلاف الأَوْلى وذلك باعتبار السلام واجباً.
стр. 224
أسباب وجوبه:
-١ - إذا ترك واجباً سهواً، أو أخره عن محله، أو قدّمه، أو زاده سهواً.
-٢ - إذا قدم فرضاً عن مكانه سهواً.
-٣ - إذا أخر فرضاً عن مكانه سهواً.
ولا يسجد للسهو لترك السنة، لأنه الصلاة لا تنقض بتركها.
ولا يجبر ترك الفرض بسجود السهو، لأن ترك الفرض مبطل للصلاة أصلاً فلو سها عن ركن من أركان الصلاة أعاده، ولو أخره عن وقته سجد للسهو. فلو سها عن القراءة في القيام وركع يرجع فيقرأ الفاتحة ثم يعيد الركوع ويسجد للسهو.
وكذا لو سها عن القنوت قبل الركوع فركع، يعيد القنوت بعد الركوع ولا يعيد الركوع، لأن الركوع لا ينتقض بالواجب، ويسجد للسهو لتأخيره القنوت عن محله.
وإذا ترك واجباً متعمداً، فإنه يعاقب بإعادة الصلاة، ولا ينجبر بسجود السهو قيل إلا في أربعة مواضع:
-١ - ترك القعود الأول عمداً.
-٢ - الصلاة على النبي ﷺ في القعود الأول عمداً.
-٣ - تأخير إحدى سجدتي ركعة إلى ما بعدها عمداً.
-٤ - تفكره عمداً حتى ينشغل عن مقدار ركن، فيسجد للسهو، ويسمى سجوده سجود عذر.
وفيما يلي تفصيل لبعض أسباب سجود السهو:
-١ - السهو عن القعود الأول:
إذا قام ساهياً عن القعود الأول إلى الركعة الثالثة، سواء كان إماماً أو منفرداً، عاد إليه وجوباً؛ ما لم يستوِ قائماً، لما روى المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس، فإن استوى قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو) (١) . وإن عاد بعد استوائه قائماً، فقد اختلف في حكم الصلاة والأرجح أنها لا تفسد ويجب سجود السهو ولو عاد وقرأ التشهد، إلا أن تكون عودته إليه وهو أقرب إلى الجلوس.
أما لو كان مقتدياً وجلس أمامه فيعود للمتابعة ولو استوى قائماً، ولا يجب عليه سجود سهو لأن الإمام ضامن. أما المتنفل فكل ركعتين صلاة فيجب عليه أن يعود.
-٢ - إذا سها الإمام أو المنفرد عن القعود الأخير، عاد ما لم يسجد للخامسة. بذلك وردت السنة: عاد ﷺ بعد قيامه إلى الخامسة وسجد للسهو لتأخيره فرض القعود. فإن لم يعد حتى سجد للخامسة صار فرضه نفلاً برفع رأسه من السجود ويضم سادسة، كما يضم رابعة إن كان في الفجر، ولا يسجد للسهو، ولو اقتدى به أحد حال الضم لزمه إتمام ست ركعات.
أما لو قعد للتشهد، ثم قام ساهياً، سلم واقفاً، أو يعود فيجلس ويسلم، وينتظره المقتدون جلوساً إن كان إماماً ولا يتابعونه في القيام. فإن سجد للخامسة دون أن يتذكر سلموا للحال وصحَّت صلاتهم ولم يبطل فرضه ويستحب أن يضم ركعة أخرى لتصير الزائدتان له نافلة ويسجد للسهو. أما لو كان منفرداً وسجد للخامسة، وكان قعد للتشهد أتمّها نفلاً، وصح فرضه، ويسجد للسهو لتأخيره السلام عن محله.
-٣ - إذا سلم على رأس الثانية في صلاة رباعية أو ثلاثية ظانّاً أنه أنهى صلاته، ثم تذكر بعد أن سلم وقبل أن يأتي بمُنافٍ للصلاة أو يخرج من المسجد، عاد وأتمها ثم سجد للسهو. لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقَصُرَت الصلاة أم نَسِيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : (أصدق ذو اليدين. فقال الناس: نعم. فقام رسول الله ﷺ فصلى اثنتين أُخْرَيَيْن، ثم سلّم، ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع) (٢) أما لو سلم ظاناً أنه مسافر ثم تذكر أنه أقام يعيد، لأنه سلم قاصداً إنهاء الصلاة.
стр. 225
متى يسقط سجود السهو:
-١ - إن طلعت الشمس بعد السلام في صلاة الفجر.
-٢ - بخروج وقت الجمعة والعيدين لفوات شرط الصحة. والأفضل أن لا يسجد الإمام ولا المقتدي للسهو في صلاة الجمعة والعيدين حتى لا يشتبه الأمر على المصلين.
-٣ - الحدث العمد أو العمل المنافي للصلاة.
-٤ - احمرار الشمس بعد السلام من صلاة العصر تحرزاً عن المكروه.
متابعة الإمام في سجود السهو:
يتابع المؤتمّ إمامه في سجود السهو، سواء تابعه في سهوه أو لا، لوجوب المتابعة، ولأن رسول الله ﷺ لما سها سجد وتابعه المسلمون في سجوده، فعن عبد الله بن بحينة الأسدي ﵁ أن رسول الله ﷺ (قام في صلاة العصر وعليه جلوس، فلما أتمّ صلاته سجد سجدتين فكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم وسجدهما الناس معه، مكان ما نسي من الجلوس) (١) .
أما لو سها المقتدي دون الإمام فلا يسجد لسهو نفسه، لأن الإمام للمصلين ضامن يرفع عنهم سهوهم وقراءتهم، لما روي عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو، وإن سها من خلف الإمام فليس عليه سهو والإمام كافيه) (٢) .
وأما المسبوق فيسجد للسهو مع الإمام ما سُبِق به. أما لو سها بعد سلام الإمام فيسجد في آخر صلاته، ولو سجد مع إمامه.
ولو سلم المسبوق مقارناً لإمامه أو قبله ساهياً يقوم بعد السلام ويتم ما سُبق به ولا سهو عليه، أما إن سلم بعد سلام إمامه فيلزمه أن يسجد للسهو في آخر صلاته لأنه صار منفرداً.
وأما اللاحق (وهو من دخل مع الإمام في الصلاة إلا أنه فاته شيء منها أثناءها إما لغفلة أو سهو أو غير ذلك) فلا يتابع الإمام في سجود السهو بل يسجد بعد إتمام ما فاته. ولو سجد مع الإمام أعاد سجود السهو في آخر صلاته.
стр. 226
حكم الشك في الصلاة:
-١ - إن لم يكن الشك من عادته تبطل الصلاة ويعيد، لما روي عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل سها في صلاته فلم يدر كم صلى قال: (ليعد صلاته وليسجد سجدتين قاعداً) (١) .
-٢ - إن شكّ صلّى أو لم يصلّ، فإنه لم يصل بناء على اليقين. وكذا لو تيقن ترك صلاة من يوم وليلة ليخرج عن العهدة بيقين.
-٣ - إن شك بعد السلام أو بعد قعوده قدر التشهد فلا يعتبر شكه، لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (٢) . فإن تيقَّن ترك شيء أتمه. ولو أخبره عَدْل لا يعتد به إلا أن يخبره عدلان بنقض صلاته، فيُتم.
-٤ - إن كثر الشك تحرىّ وأخذ بغلبة الظن، لما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا شكّ أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، فليُتم عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتن) (٣) . ويسجد للسهو للانشغال عن الصلاة بالتحري.
-٥ - إن زاد الشك عن الحد المعقول لا يعتدّ به دفعاً للوسوسة.
-٦ - إن شكَّ بالحدث وتيقَّن الطهارة فهو طاهر، أما إن شك بالطهارة وتيقَّن بالحدث فهو محدث.
-٧ - إن شك في تكبيرة الإحرام، أو اختلال شرط من شروط صحة الصلاة، يعيد إن كان أوّل مرة؛ وإن كثر شكه مضى. ولو شك في تكبيرة الإحرام وكان في الركعة الأولى يعيد، وإلا فإنه يتم.
стр. 227
الفصل الثاني: سُجُود التِّلاَوة
стр. 228
حكمه:
سجود التلاوة واجب على المكلف على الفور في الصلاة، لأنه صار جزءاً منها. ويكره تحريماً تأخيره عن وقت القراءة فلو أخره حتى طالت التلاوة بقراءة أكثر من ثلاث آيات أثم ووجب عليه أن يأتي بسجود أو ركوع خاص، ما دام في حرمة الصلاة. ويسقط بالخروج من الصلاة (١) .
أما خارج الصلاة فهو واجب على التراخي، ويكره تنزيهاً تأخيره عن وقت التلاوة على الأصح إلا إذا كان الوقت مكروهاً.
ولا يجب على الحائض والنفساء.
стр. 229
سبب الوجوب:
التلاوة والسماع، لما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ (كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعاً لمكان جبهته) (١) .
وفي القرآن أربعة عشر موضعاً يجب فيها السجود، ولو قرأها كلها في ليلة وسجد لكل سجدة كفاه الله ما أهمه من أمر دنياه وآخرته. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي. يقول: يا ويله، أُمِر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) (٢) .
ولو سمع قرآناً مترجمة معانيه لغير العربية يجب السجود ما دام قد فهم معنى السجود. وهذا عند الإمام دون الصاحبين. وكذا يجب السجود لو سمع آية السجدة من حائض أو نفساء أو جنب أو صبي مميز أو كافر.
стр. 230
سبب مشروعيته:
هو تضمن الآية الأمر الصريح بالسجود، أو لاستنكاف الكفار عنه وامتثال الأنبياء ﵈، وكل منهما واجب. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : "أنه قرأ والنجم فسجد فيها. وسجد من كان معه غير أن شيخاً أخذ كفاً من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال يكفيني هذا. قال عبد الله: لقد رأيته، بعد، قتل كافراً" (١) .
стр. 231
شروطه:
الطهارة من الحدث، وستر العورة، واستقبال القبلة.
أركانه:
-١ - النية.
-٢ - ركوع أو سجود، أو ما يقوم مقامهما من الإيماء للمريض أو الراكب على الدابة.
كيفيته:
يؤدّى سجود التلاوة في الصلاة بركوع أو سجود غير سجود الصلاة وركوعها. وهو بالسجود أفضل. ويفضل بعد قيامه منه أن يقرأ آيتين أو أكثر حتى لا يبني الركوع على السجود. ويقوم مقام سجدة التلاوة في الصلاة ركوع الصلاة إن نوى أداءها فيه، أو سجودها وإن لم ينوها. وينبغي ذلك للإمام أن يجعلها في ركوع الصلاة إذا كان في صلاة سرية وخاف أن يشتبه على المصلين أو في سجودها إن كانت جهرية إن لم ينقطع فور التلاوة بقراءة أكثر من ثلاث آيات، فعندها وجبت في حقه وحق المصلين، فيأتي بسجود أو ركوع خاص أثناء الصلاة. فإن تركه كان آثماً ولا تبطل صلاته، كما لا يحق له قضاؤه خارج الصلاة.
ومن كرر آية السجدة في مجلس واحد تكفيه سجدة واحدة، لأن رسول الله ﷺ كان يقرؤها على أصحابه ويكررها ويسجد مرة واحدة. أما لو تبدل المجلس ولو حكماً فيعد السجود. ويعتبر تغير المجلس بالانتقال ثلاث خطوات للسامع أو التالي. ويتكرر الوجوب على السامع بتبديل مجلسه ولو اتحد مجلس التالي.
ومن تلا آية السجدة خارج الصلاة وسجد لها ثم دخل في الصلاة فقرأها وجب عليه السجود لقوة الصلاتية.
هيئته:
أن يكبر ويسجد ثم يكبر رافعاً من السجود، لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبّر وسجد وسجدنا معه" (١) . ولا ترفع اليدان في التكبير. وليس له تشهد ولا تحريم ولا تسليم. وتسبيحاته مثل الصلاة: ثلاث مرات "سبحان ربي الأعلى"، ويقال فيه: "سجد وجهي للذي شق سمعه وبصره بحوله وقوته"، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل: (سجد وجهي للذي خلقه وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته) (٢) . أو يقول: "اللهم اكتب لي بها أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود"، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجدتُ، فسَجَدَت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك زخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. قال ابن عباس: فقرأ النبي ﷺ سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة" (٣) .
стр. 232
مندوباته:
-١ - أن يقرأ آية السجدة سراً إن كان المستمعون غير متأهبين للسجود.
-٢ - القيام لمن تلا آية السجدة جالساً ثم يسجد.
-٣ - يستحب التالي والسامع إن لم يكن متأهباً أن يقول: "سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" ثم يقضيها فيما بعد.
ويكره للتالي أن يقرأ سورة فيها سجدة ويتعمد ترك آية السجدة.
الحالات التي لا يسجد فيها لسماع آية السجدة:
-١ - إن كان التالي نائماً أو مجنوناً لا تجب على الصحيح. وتلاوة السكران موجبة عليه وعلى سامعه.
-٢ - لا يجب بسماعها من الطير أي الببغاء أو القرد المعلّم.
-٣ - لا تجب بسماعها من الصدى (ومن الصدى التسجيل) أو سماعها من المذياع ولو كان في الإذاعة قارئ.
стр. 233
الفصل الثالث: سُجُود الشّكر
стр. 234
حكمه:
مكروه. وهو كل ما هو دون الركعة ليس قربة إلا ما ورد من سجود التلاوة لأنه جاء به النص.
ولا يكره أن يصلي ركعتين شكراً لله تعالى.
وقال الصاحبان: سجود الشكر قربة يثاب عليها، لما روي عن عامر بن سعد عن أبيه ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريباً من عَزْوَرَ نزل ثم رفع يديه فدعا الله ساعة ثم خرَّ ساجداً فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه فدعا الله ساعة ثم خرَّ ساجداً فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خرَّ ساجداً. قال: إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجداً شكراً لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجداً لربي شكراً، ثم رفعت رأسي فسألت ربي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجداً لربي) (١) .
ولما روي عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ (أنه كان إذ جاءه أمر سرور، أو بُشِّر به خرَّ ساجداً شاكراً الله) (٢) .
стр. 235
هيئته: أن يكبر مستقبلاً القبلة، ثم يسجد فيحمد الله ويشكره ويسبح، ثم يرفع رأسه مكبراً مثل سجود التلاوة.
стр. 236
الباب الخامس: الوتر
стр. 237
تعريفه:
الوتر لغة: بفتح الواو وكسرها هو الفرد خلاف الشَّفع.
شرعاً: صلاة مخصوصة، ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، وقنوت في الثالثة وبه فارق المغرب، كما فارقه بوجوب قراءة الفاتحة والسورة في الثالثة.
حكمه:
هو فرض عملي على أصح الأقوال، وهو أعلى أنواع الواجب، وقيل: هو واجب. لما روي عن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا، الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا) (١) .
ويترتب على كونه فرضاً عملياً:
-١ - يجب على المكلف اعتقاد وجوبه ولا يكفر جاحده.
-٢ - تفسد صلاة الصبح بتذكرة كصلاة العشاء عند الإمام لا الصاحبين.
-٣ - يجب قضاؤه إن فات.
-٤ - لا يصح قضاؤه قاعداً ولا راكباً اتفاقاً كالفرض.
-٥ - لا يصلّى بغير نية.
-٦ - إذا أجمع قوم على تركه أدبهم الإمام وحبسهم، فإن لم يصلوه قاتلهم.
стр. 238
دليل وجوبه:
ثبت وجوب الوتر بالسنة في أحاديث كثيرة، منها الحديث المتقدم عن بريدة ﵁، وحديث خارجة بن حذافة قال: قال أبو الوليد العدوي: خرج رسول الله ﷺ فقال: (إن الله أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حمر النَّعم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر) (١) .
وما رواه عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) (٢) . فصيغة الأمر، وكلمة "حق" في حديث بريدة ﵁ تدلان على الوجوب.
стр. 239
كيفيته:
ثلاث ركعات يشترط فعلها بتسليمة واحدة، لما روت عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن" (١) .
ولا يصح الوتر بركعة واحدة ولا تنعقد، حتى إنه ذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلاً يوتر بركعة واحدة فقال: "ما هذه البُتَيْراء؟ لتشفعنَّها أو لأؤدبنّك".
وتجب فيه القراءة بكل ركعة، بالفاتحة وسورة معاً، وروي عن أبي بن كعب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يوتر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ ) (٢) . وعن عبد العزيز بن جريج قال: سألت عائشة أم المؤمنين: بأي شيء كان يوتر رسول الله ﷺ ؟ فذكر معناه، وقال: وفي الثالثة بـ (قل هو الله أحد والمعوذتين) (٣) .
كما يجب فيه الجلوس على رأس الركعتين لقراءة التشهد. ثم القيام إلى الركعة الثالثة ولا يقرأ فيها دعاء الاستفتاح، فإذا أنهى قراءة الفاتحة والسورة رفع يديه حذاء أذنيه وكبَّر ثم يقنت قائماً قبل الركوع، لما روي عن أبي بن كعب ﵁ (أن رسول الله ﷺ قنت - يعني في الوتر - قبل الركوع) (٤) . وذلك في جميع السنة. ويقف للقنوت كما يقف لقراءة الفاتحة عند الإمام، وعند أبي يوسف يرفع يديه إلى صدره وبَطْناهما إلى السماء كما في الدعاء.
стр. 240
دعاء القنوت:
القنوت هو الدعاء في الوتر.
لفظه: "اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك، ونتوب إليك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونَحْفِدُ (١) ، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجِدّ (٢) بالكفار ملحق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم" (٣) .
стр. 241
ويقرأ الإمام والمقتدي كلاهما القنوت سراً. ويستحب للإمام الجهر به للتعليم.
ويستحب الجمع بين هذا الدعاء ودعاء الحسن بن علي ﵄: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت" (١) .
ومن لم يحسن الدعاء يقول: "اللهم اغفر لي" ويكررها ثلاثاً. ويجوز أن يدعو بأي دعاء مأثور غيرهما، أو يقول: يا رب، يا رب، يا رب.
- لا يجوز القنوت في غير الوتر إلا في النوازل فيقنت الإمام في الفجر فقط.
- وإذا اقتدى بشافعي في الفجر جازت له المتابعة على قول أبي يوسف، وهو الأفضل ويؤمن بعد دعائه بأن يقول "آمين".
- وإذا نسي المصلي القنوت في الوتر يسجد للسهو. ولو قنت بعد الركوع لا يعيد الركوع بل يسجد للسهو لتأخيره القنوت عن محلّه.
- وإذا كان في جماعة وركع الإمام وهو في القنوت يتابع الإمام. ولو سها الإمام عن القنوت يقنت هو إن أمكنه اللحاق بالإمام، وإلا يتابعه ثم يسجد معه للسهو.
- وإذا دخل المؤتم في الصلاة بالركعة الثالثة بعد أن قنت الإمام يقضي الركعتين بدون قنوط.
ويُصلى الوتر فرادى كما في السنن إلا في رمضان فالأفضل صلاته جماعة، لأن عمر ﵁ كان يؤمهم في الوتر، ولأن رسول الله ﷺ أَوْتَر بهم في رمضان ثم بيَّن عذر الترك خشية أن يكتب عليهم قيام رمضان. وقد روي عن شتير بن شكل وكان من أصحاب علي ﵁ "أنه كان يؤمهم في شهر رمضان بعشرين ركعة ويوتر بثلاث" (٢) .
стр. 242
وقته:
من بعد فريضة العشاء ويمتد إلى طلوع الفجر الصادق. ويستحب تأخيره إلى آخر الليل لمن أيقن القيام، وإلا فصلاته قبل النوم أفضل. لما روي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة الليل مشهودة وذلك أفضل) (١) .
وإذا صلى الوتر قبل النوم لا يعيده إن تهجد بعده، لحديث طلق بن علي عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا وتران في ليلة) (٢) .
أما في رمضان فيستحب الوتر أول الليل بعد صلاة التراويح جماعة.
стр. 243
الباب السادس (صَلاَة النَّوافل) .
стр. 244
الفصل الأول: النوافل التابعة للفرائض
стр. 245
النَّفْل لغة: الزيادة.
وشرعاً: فِعْل ما ليس بفرض ولا واجب. وكلّ سنةٍ نافلة لأنها زائدة على الفرض وليس كل نفل سنة.
والسنّة لغة: مطلق الطريقة مُرْضِية أو غير مُرْضِية.
شرعاً: الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراضٍ ولا وجوب.
حكمة تشريع النوافل:
-١ - لجبر نقصان الفرائض، لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما يُحاسَب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته. فإن صَلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسَدت فقد خاب وخَسِر، فإن انتقص من فريضته شيء قال الربّ : انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيُكَمِّل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك) (١) .
-٢ - لقطع طمع الشيطان، إذ يقول قاضي خان: إن السنة قبل الفريضة شُرعت لقطع طمع الشيطان، حيث يقول: "من لم يُطِعني في ترك ما لم يُكتب عليه فكيف يطيعني في ترك ما كتب عليه".
-٣ - للتقربّ من الله، لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذَنْته بالحرب، وما تقرَّب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مَسَاءته) (٢) .
والنوافل التابعة للصلوات المكتوبة قسمان: سنن مؤكدة وسنن غير مؤكدة (مندوبة) .
стр. 246
أولاً: السنن المؤكدة:
-١ - ركعتان قبل صلاة الفجر: وهي أقوى السنن لكثرة ما ورد فيها من مُرَغِبّات، فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) (١) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل) (٢) . وقال بعض الفقهاء بوجوبها.
ويندب أن يقرأ يفها بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ ، فعن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد) (٣) .
ويندب بصورة عامة أن تكونا خفيفتين، لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ (كان يخفِّف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول هل قرأ بأم الكتاب) (٤) .
ويُفضل في سنة الفجر أداؤها في أول الوقت وفي البيت، وقيل يفضل الإسفار فيها. وهي لا تصح من قعود كغيرها من النوافل، وقيل تصح. وتقضى مع الفرض إن فاتت معه إلى ما قبل الزوال. أما بعد الزوال فيقضى الفجر دون سنته.
ويكره الكلام حين انشقاق الفجر حتى يصلي الفجر، لأنه وقت تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. فعن أبي عبيدة قال: كان عبد الله يقول: "تتدراك الحرسان من ملائكة الله حارس الليل وحارس النهار عند طلوع الفجر واقرؤوا إن شئتم: وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهوداً" (٥) .
-٢ - أربع ركعات قبل الظهر: لما روي عن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعاً قبل الظهر) (٦) . وعن أم حبيبة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ (من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة: أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر) (٧) .
-٣ - ركعتان بعد الظهر، للحديث المتقدم عن أم حبيبة ﵂. ويندب أن يضيف إليهما ركعتين فتصيران أربعاً، لما روت أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حُرِم على النار) (٨) .
-٤ - أربع ركعات قبل صلاة الجمعة، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: (كن النبي ﷺ يركع قبل الجمعة أربعاً لا يفصل في شيء منهن) (٩) .
-٥ - أربع ركعات بعد صلاة الجمعة، لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعاً فإن عجَّل بك شيء فصلِّ ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت) (١٠) .
-٦ - ركعتان بعد المغرب: وتأتيان بالفضل بعد سنة الفجر، لأنه ﷺ لم يَدَعْهما سفراً ولا حضراً. ويستحب تطويلهما لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد) (١١) . وورد أيضاً عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ (كان يقرأ في الركعتين بعد صلاة المغرب ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ ) (١٢) .
-٧ - ركعتان بعد صلاة العشاء.
стр. 247
ثانياً: السنن غير المؤكدة (المندوبة) :
-١ - أربع ركعات قبل العصر: لما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً) (١) .
-٢ - أربع ركعات قبل العشاء: لعموم قوله ﷺ فيما رواه عنه عبد الله بن مغفل المزني ﵁: (بين كل أذانين صلاة. قالها ثلاثاً. قال في الثالثة: لمن شاء) (٢) ، وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ (كان يصلي قبل العشاء أربعاً ثم يصلي بعدها أربعاً ثم يضطجع) (٣) .
-٣ - ركعتان بعد العشاء زيادة على المؤكد: لحديث البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من صلى قبل الظهر أربع ركعات كمن تهجد بهن من ليلته ومن صلاَّهن بعد العشاء كمثلهن من ليلة القدر) (٤) .
-٤ - ست ركعات بعد المغرب: لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن بسوء عُدِلْن له بعبادة ثِنْتَيْ عشرة سنة) (٥) . وعن عمار بن ياسر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى بعد المغرب ست ركعات غُفِرت ذنوبه وإن كانت مثل زَبَد البحر) (٦) . وروي عنه ﷺ قوله: (من صلى بعد المغرب ست ركعات كتب من الأوابين. وتلا قوله تعالى: ﴿فإنه كان للأوابين غفوراً﴾ ) (٧) .
стр. 248
كيفية صلاة السنة الرباعية المؤكدة:
يقرأ في القعود الأول التشهد فقط، وفي الثاني التشهد والصلوات الإبراهيمية. ولا يقرأ دعاء الاستفتاح في الركعة الثالثة كالفرائض.
كيفية صلاة الرباعية المندوبة:
تصلى اثنتين اثنتين: فيستفتح ويتعوّذ في ابتداء كل شَفْع منها. وإذا صلاها من غير قعود أول صحت ويسجد للسهو في آخر الصلاة لتركه القعود الأول ساهياً. وتجب عليه العودة إلى القعود إن تذكره بعد القيام ما لم يسجد للركعة الثالثة.
وتكره الزيادة على أربع ركعات في نفل النهار، والزيادة على ثمانٍ ليلاً بتسليمة واحدة. والأفضل عند الإمام أن تُصلى النوافل أربعاً ليلاً أو نهاراً، لما روي عن أبي أيوب ﵁ أن النبي ﷺ (كان يصلي قبل الظهر أربعاً إذا زالت الشمس لا يفصل بينهن بتسليم) (١) ، وعن عائشة ﵂ قالت: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً) (٢) .
والمُفتى به قول الصاحبين: إن الأفضل في صلاة الليل اثنتين اثنتين، وفي صلاة النهار أربعاً والأفضل في الصلاة طول القيام ليلاً أو نهاراً، وقال الإمام محمد: كثرة الركعات أفضل من طول القيام، لقوله ﷺ فيما رواه عنه ثوبان ﵁: (عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحطّ عنك بها خطيئة) (٣) .
стр. 249
الفصل الثاني: النوافل غير التابعة للفرائض
стр. 250
أولاً: ما لا يصلى جماعة:
-١ - تحية المسجد:
وهي ركعتان يصليهما في غير الوقت المكروه. إلا المسجد الحرام فإن تحيته الطواف لمن أراد أن يطوف أو كان عليه طواف ويؤخر ركعتي الطواف إذا كان الوقت وقت كراهة، وأما إذا لم يرد الطواف فإنه يصلي ركعتين ينوي بهما تحية المسجد. ولا يكره الطواف في أي وقت كان.
دليلها: ما روي عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) (١) .
- أما إذا دخل المسجد في الوقت المكروه بعد الفجر أو العصر فلا يأتي بتحية المسجد بل يسبح ويهلل ويصلي على النبي ﷺ ، فيكون قد أدى حق المسجد.
- وإذا دخل المسجد وقد دخل وقت المكتوبة يبدأ بها لأن أداءها ينوب عن تحية المسجد.
- ولا تفوت تحية المسجد بالجلوس بل الأفضل أن يصليها بعد أن يجلس.
- وإذا تكرر دخوله المسجد يكفيه ركعتان في اليوم.
- ويندب أن يقول عند الدخول: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك"، وعند الخروج: "اللهم إني أسألك من فضلك". لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: علم رسول الله ﷺ الحسن بن علي إذا دخل المسجد أن يصلي على النبي ﷺ ويقول: "اللهم اغفر ذنوبنا وافتح لنا أبواب رحمتك". وإذا خرج صلى على النبي ﷺ وقال: "اللهم افتح لنا أبواب فضلك" (٢) . وروي عن أبي حُميد أو أبي أسيد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم وليقل: اللهم لفتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك) (٣) .