ما يكره لسامع الخطبة:
-١ - الأكل والشرب. وقيل: يحرم.
-٢ - يكره لمستمع الخطبة ما يكره للصلاة من عبث وكلام، ولو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قال يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغى) (١) . كما يكره التسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي ﷺ .
-٣ - ويكره لمن تجب عليه الجمعة أن يسافر يوم الجمعة بعد النداء أي الأذان الأول حتى تنتهي الصلاة.
стр. 282
إدراك صلاة الجمعة:
أ - عند الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف: إذا أدرك الإمام بالتشهد أو بسجود السهو أو تشهده أتم جمعة. فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون، عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (١) أي اقضوا ما فاتكم من صلاة الإمام في الجمعة. وهو القول المرجح.
ب - قول الإمام محمد: إذا أدرك الإمام قبل رفع رأسه من ركوع الثانية أتم جمعة، وإلا أتمها ظهراً لأنه أدرك أقل من ركعة. لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا جئتم ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوا شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة) (٢) .
стр. 283
ما يجب يوم الجمعة:
-١ - السعي لحضورها، لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ (١) . ويسن السعي إليها ماشياً بسكينة ذهاباً وإياباً، لما روي عن أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة وغسّل، وبكّر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها) (٢) .
-٢ - يجب ترك البيع بالأذان الأول، وكذا ترك كل شيء يؤدي إلى الاشتغال عن السعي إلى الجمعة أو يخل به.
-٣ - يجب الاستماع وترك الصلاة إذا خرج الإمام من غرفته إلى المنبر. وإذا أمر الإمام بالصلاة على النبي ﷺ يصلي سراً، ويحمد في نفسه إذا عطس، ولا يردّ سلاماً ولا يُشمِّت عاطساً لاشتغاله بسماع واجب. لما روي عنه ﷺ أنه قال: (خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام) (٣) .
стр. 284
فضل يوم الجمعة وما يسن فيه:
ورد أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه أُدْخِل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة) (١) .
ويسن يوم الجمعة الغسل والتطيب، لما روي عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) (٢) .
وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طُهرٍ، ويِدَّهن من دُهْنه أو يمسّ من طِيب بيته، ثم يخرج فلا يفرّق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) (٣) .
стр. 285
ما يستحب يوم الجمعة:
-١ - الإكثار من الصدقة والصلاة على النبي ﷺ ، لما روي عن أوس بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم ﵇، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فإن صلاتكم معروضة عليّ، قالوا يا رسول الله: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت أي يقولون قد بليت. قال: إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ﵈ (١) .
-٢ - الإكثار من الدعاء، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه) (٢) . وأشار بيده يقللها.
-٣ - قراءة سورة الكهف، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) (٣) .
-٤ - تقيم الأظافر، وقد قيل أن من طول أظافره ضاق رزقه. ويكره قصُّها للجنب حتى يغتسل، وكذا قصُّ الشعر.
-٥ - نتف الإبط.
стр. 286
الفصل الثاني: صَلاة العيدين
стр. 287
سمي العيد بذلك لأنه يعود ويتكرر بالفرح والسرور كل عام، ولأن الله يعود فيه بالإحسان على عباده.
حكم صلاة العيدين:
واجبة على من تجب عليه صلاة الجمعة، ثبت وجوبها بمواظبة النبي ﷺ عليها من غير ترك.
دليلها: قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ (١) قيل المراد بالصلاة هي صلاة العيد الأضحى. وقوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾ (٢) أي صلاة عيد الفطر.
стр. 288
شروط وجوبها:
هي الشروط ذاتها في وجوب الجمعة.
شروط صحتها:
هي شروط صحة الجمعة إلا الخطبة فهي سنّة لأنها بعد الصلاة بخلاف الجمعة.
ما يسن لمصلي العيد:
-١ - أن يأكل ثلاث تمرات أو قطع حلوى قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر، لحديث أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات) (١) وفي رواية أخرى: (ويأكلهن وتراً) . وأن لا يأكل شيئاً قبل صلاة عيد الأضحى حتى يعود، فيذبح ويأكل من أضحيته، لحديث بريدة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي) (٢) .
-٢ - أن يغتسل، ويستوي في ذلك الذاهب إلى الصلاة والقاعد، لأنه يوم الزينة والغسل لليوم فقط، لحديث الفاكه بن سعد، وكانت له صحبة (أن رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم النحر، وكان الفاكه يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام) (٣) .
-٣ - أن يتطيب ويلبس أحسن ثيابه، لما روي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ (كان يلبس بُرْدَه الأحمر في العيدين والجمعة) (٤) وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي ﷺ (كان يلبس بُرْداً حَبَرَة في كل عيد) (٥) .
-٤ - الاستياك، لحديث ابن السباق أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: (يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمسّ منه، وعليكم بالسواك) (٦) .
-٥ - أن يُظهِر الفرح والبشاشة لمن لقيه، لما روي عن حبيب بن عمر الأنصاري قال: حدثني أبي قال: "لقيت واثلة يوم عيد فقلت تقبّل الله منا ومنك. فقال: تقبل الله منا ومنك" (٧) .
-٦ - أن يكثر من الصدقة في ذلك اليوم، وأن يؤدي صدقة الفطر قبل الصلاة لمن وجبت عليه.
-٧ - أن يبكر ويسارع إلى الصلاة نشيطاً ماشياً بسكون ووقار، وأن يكبر سراً عند الإمام وعندهما يكبر جهراً. لحديث علي ﵁ قال: "من السنة أن تخرج إلى العيد ماشياً" (٨) .
-٨ - أن يذهب من طريق ويرجع من آخر لتشهد عليه الملائكة، لحديث جابر ﵁ قال: "كان النبي ﷺ ، إذا كان يوم عيد، خالف الطريق) (٩) .
-٩ - أن لا يتنفَّل قبلها مطلقاً ولا بعدها في المسجد، لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ (خرج يوم أضحى أو فطر. فصلى ركعتين. لم يصل قبلها ولا بعدها) (١٠) أي في المسجد، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا رجع من المصلى صلى ركعتين) (١١) .
стр. 289
وقت صلاة العيد:
من ارتفاع الشمس في السماء قدر رمح أو رمحين إلى ما قبل الزوال. ولو صلاها قبل وقتها كانت نفلاً محرماً. ويستحب تعجيل الصلاة في عيد الأضحى وتأخيرها قليلاً في عيد الفطر، لما روي عن أبي الحويرث ﵁ أن رسول الله ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران: (عَجِلّ الأضحى وأخِّر الفطر) (١) .
стр. 290
كيفية صلاة العيد:
-١ - أن ينوي الإمام صلاة العيد بقلبه ويقول بلسانه: أصلي صلاة العيد لله تعالى. وينوي المؤتم صلاة العيد مع المتابعة أيضاً وإن كانت نية الشروع مع الإمام تكفيه. ثم يكبرا للتحريم.
-٢ - أن يقرأ الإمام والمؤتم دعاء الثناء.
-٣ - أن يكبّر الإمام والمؤتم ثلاث تكبيرات بينهما سكتة قصيرة بمقدار قولهما: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". ويرفعا أيديهما عند كل تكبيرة. فعن بكر بن سوادة أن عمر بن الخطاب ﵁ "كان يرفع يديه مع كل تكبير في الجنازة والعيدين" (١) .
-٤ - أن يتعوّذ الإمام ويسمي سراً ثم يقرأ الفاتحة وسورة، ويندب أن تكون سورة ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ لما روي عن النعمان بن بشير ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ ) (٢) .
-٥ - ثم يركع الإمام ويتبعه القوم.
-٦ - أن يقوم للركعة الثانية فيبدأ بالبسلة ويقرأ الفاتحة وسورة، ويندب أن تكون سورة: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ للحديث المذكور.
-٧ - أن يكبر الإمام والقوم ثلاث تكبيرات قبل الركوع، ولو زاد الإمام تابعه المقتدي ما لم يتجاوز أكثر ما ورد أي ست عشرة تكبيرة.
-٨ - يخطب الإمام بعد الصلاة خطبتين يُعلِّم المسلمين في الأولى أحكام صدقة الفطر أو الأضحية وتكبيرات التشريق، ويبدأ خطبته بتسع تكبيرات. وذلك لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم) (٣) .
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "السنة في تكبير يوم الأضحى والفطر على المنبر قبل الخطبة أن يبتدئ الإمام قبل الخطبة وهو قائم على المنبر بتسع تكبيرات تترى لا يفصل بينها بكلام. ثم يخطب ثم يجلس جلسة ثم يقوم في الخطبة الثانية فيفتتحها بسبع تكبيرات تترى لا يفصل بينها بكلام ثم يخطب" (٤) .
-٩ - أن يجلس الإمام جلسة خفيفة بين الخطبتين، ثم يكبر في الخطبة الثانية سبعاً ويكبر المصلون سراً.
ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام فلا يقضيها منفرداً، بل يصلي أربع ركعات سنة الضحى وينصرف، لما روي عن عبد بن مسعود ﵁ قال: "من فاتته العيد فليصل أربعاً" (٥) .
ولا تؤخر صلاة العيد عن وقتها إلا لعذر، فتؤخّر لليوم الثاني فقط، فعن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسول الله ﷺ "أن ركباً جاؤوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس. فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم" (٦) وتؤخر صلاة الأضحى إلى ثلاثة أيام.
ويكره الخروج بقصد التَّشبُّه بالواقفين بعرفة لأنه بدعة واختراع في الدين.
стр. 291
تكبيرات التشريق:
حكم التشريق:
واجب على المسلم البالغ لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ (١) .
стр. 292
وقته:
من بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى ما بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق عند الصاحبين وبقولهما يعمل وعليه الفتوى، لما روي عن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح من غداة عرفة يقبل على أصحابه فيقول: على مكانكم ويقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر. ولله الحمد. فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق) (١) . أما عند الإمام أبي حنيفة فوقته من بعد صلاة فجر عرفة إلى عقب عصر اليوم الأول من أيام العيد.
стр. 293
مقداره:
مرة واحدة على الأقل بعد كل فرض. فلا يجب بعد النَّفل والوتر وصلاة الجنازة.
على من يجب:
أ - عند الإمام أبي حنيفة: يجب التكبير على الإمام المقيم بمِصْر، فور كل فرض أدي بجماعة مستحبة، وعلى كل من اقتدى به، ولو كان المقتدي مسافراً، أو رقيقاً، أو امرأة وتخفض المرأة صوتها دون الرجال. روى البيهقي بسنده عن ابن عمر وأنس بن مالك ﵃ "في تكبيرهم يوم عرفة عند الغدو من منى إلى عرفة وكانوا مسافرين" (١) ، وروى أيضاً بسنده عن أم عطية ﵂ "في الحيّض يخرجن يوم العيد فيكن خلف الناس يكبرن مع الناس. وكانت ميمونة ﵂ تكبر يوم النحر. وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد" (٢) . ويجب على المسبوق التكبير لأنه مقتدٍ حكماً. والمحرم يكبر ثم يلبي.
ولا يفتقر التكبير إلى طهارة أو إلى تكبير الإمام عند الإمام أبي حنيفة ﵀.
ب - عند الصاحبين: يجب التكبير فور كل صلاة فرض سواء صلى منفرداً أو جماعة، مسافراً أو مقيماً، لأنه تَبَعٌ للفريضة، وبقولهما يُعمل وعليه الفتوى، وللأمر بذكر الله تعالى في الأيام المعلومات (عشر ذي الحجة) والمعدودات (أيام التشريق) . ولا بأس في التكبير عَقِب صلاة العيدين.
стр. 294
كيفيته:
أن يكبّر جماعة.
صيغته: "الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله. الله أكبر الله أكبر. ولله الحمد". لما روي عن جابر ﵁ في الحديث المتقدم قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح من غداة عرفة يقبل على أصحابه فيقول: (على مكانكم ويقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد) (١) .
ويزيد عليها إن شاء: "الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله وبحمده بُكرة وأصيلا، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وعلى أصحاب سيدنا محمد وعلى أزواج سيدنا محمد وعلى ذرية سيدنا محمد وسلِّم تسليماً كثيرا".
ويندب التكبير في الأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة، لما روي عن أبي هريرة وابن عمر ﵃ "أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر، يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما" (٢) .
стр. 295
الباب التاسع (صلاة المُسافر وصَلاَة المَريض وصَلاة الخوف) .
стр. 296
الفصل الأول: صَلاَة المُسَافر
стр. 297
أقسام السفر:
-١ - سفر طاعة كالحج والجهاد.
-٢ - سفر مباح كالتجارة.
-٣ - سفر معصية وإثارة للفتن.
والقسمان الأول والثاني سببان للرخصة باتفاق الأئمة، والقسم الأخير عندنا سبب للرخصة أيضاً (١) .
стр. 298
أحكام المسافر:
-١ - إباحة الفطر في رمضان.
-٢ - امتداد مدّة المسح على الخفين إلى ثلاثة أيام.
-٣ - سقوط وجوب صلاة الجمعة والعيدين، والأضحية.
-٤ - لزوم قَصْر الصلاة الرباعية، ويجوز للمسافر تأخير الصلاة إذا خاف من اللصوص أو قطاع الطرق.
قصر الصلاة:
القصر هو أن تُصلى الصلاة الرباعية ركعتين، ولا قَصْرَ للفجر والمغرب، لما روت عائشة ﵂ قالت: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر) (١) ، وزيد في رواية البيهقي: (إلاّ المغرب فإنها وتر النهار، وصلاة الفجر لطول قراءتها) .
أما السنن فيصليها كما يشاء.
стр. 299
حكمه:
القصر واجب في السفر، وذلك لحديث عائشة ﵂ المتقدم. أما الإتمام فمكروه تحريماً فإذا أتم وقعد القعود الأول قدر التشهد صحت صلاته مع الكراهة لتأخير الواجب وهو السلام عن محله، أما إذا لم يقعد على رأس الركعتين الأوليين فلا تصح صلاته.
شروط القَصْر:
-١ - أن تكون مسيرة السفر ثلاثة أيام بلياليهن سيراً معتاداً، وقدّره الإمام بثلاث مراحل (١) . وذلك لما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلاّ مع ذي محرم) (٢) . وقد قيد السفر هنا بثلاثة أيام.
-٢ - أن يبدأ السفر، ويكون بمجاوزة مكان إقامته ولو كان أخبية (٣) ، وأن يجاوز ما اتصل بمكان إقامته وهو المعدّ لمصالح البلد كمكان ركض الدواب ودفن الموتى.
ولا تعتبر البساتين من عمران المدينة ولو كانت متصلة ببنائها.
-٣ - أن ينوي السفر. ويشترط لصحة النية:
أ - الاستقلال بالحكم فلو كان تابعاً، كالمرأة مع زوجها والجندي مع أميره، فليس له نية.
ب - البلوغ.
جـ - عدم نقصان مدة السفر عن ثلاثة أيام.
-٤ - أن يقتدي المسافر بمسافر. أما لو اقتدى مسافر بمقيم أتم معه، وصح اقتداؤه في الوقت ولا يصح بعد خروجه؛ إذ لو فاتت الصلاة على المسافر ثبتت في الذمة قصراً ولا يحق له الإتمام عد خروج الوقت. روي عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن "المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم يعني المقيمين. أتجزيه الركعتان؟ أو يصلي بصلاتهم؟ قال: فضحك وقال: يصلي بصلاتهم" (٤) .
أما إن اقتدى مقيم بمسافر صح مطلقاً، لما روي عن عبد الله ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: "يا أهل مكة أتِمُوا صلاتكم فإنا قوم سَفر" (٥) . ويتم المقيمون بعد سلام الإمام منفردين بلا قراءة ولا سجود سهو، ولا يصح الإقتداء بهم.
وتقضى فائتة السفر ركعتين ولو صلاها مقيماً، كما تقضى فائتة الحضر أربعاً ولو صلاها في السفر، لأن القضاء حسب الأداء. والعبرة في القصر لأخر الوقت. إن كان مقيماً في آخر الوقت صلاها أربعاً وإن كان مسافراً صلاها ركعتين.
стр. 300
مدة القَصْر:
لا يزال المسافر يقصر الصلاة:
-١ - حتى يرجع إلى وطنه.
-٢ - ما دام مقيماً لمدة أقل من خمسة عشر يوماً، فإن نوى الإقامة خمسة عشر يوماً أو أكثر صار له حكم المقيم فلا يقصر. أما إذا لم ينوِ الإقامة في بلد فيجب أن يقصر مهما طال سفره، لأنّ علقمة بن قيس مكث بخوارزم سنتين يقصر الصلاة، وأقام أنس بن مالك ﵁ بنيسابور سنة وسنتين يقصر الصلاة أيضاً.
ولا تصح نية الإقامة ببلدين لم يعيّن المبيت في إحداهما وكل واحدة أصل في ذاتها. أما إن عيّن المبيت في واحدة اعتبرت مكان إقامته وصحت نيته.
-٣ - إن رجع إلى وطنه قبل مضي مسيرة ثلاثة أيام يتم بمجرد نية الرجوع وإن لم يصل وطنه لنَقْضِه السفر.
-٤ - إذا مرّ بوطنه الأصلي (١) يتم الصلاة بمجرد الدخول وإن لم ينو الإقامة. أمّا إذا مرّ بوطن الإقامة فلا يتم حتى ينوي الإقامة خمسة عشر يوماً فأكثر.
стр. 301
الفصل الثاني: صَلاِة المريض
стр. 302
أولاً - حالة المريض الذي تعذر عليه القيام أو تعسر:
-١ - إذا تعذر عليه كل القيام أي لم يستطع القيام قطعاً، أو استطاع القيام بصعوبة، لوجود ألم شديد، أو خاف زيادة المرض، أو بطء البرء، بغلبة الظن أو بإخبار طبيب مسلم حاذق صلى قاعداً بركوع وسجود. لما روى عمران بن الحصين ﵁ قال: كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) (١) .
-٢ - إذا قدر على القيام قام بقدر إمكانه بلا زيادة مشقة ولو بالتحريمة وقراءة آية.
-٣ - ومن عجز عن القيام بخروجه للجماعة وقدر عليه في بيته، صلى في بيته منفرداً وبه يفتى.
-٤ - أما المعذور الذي يستمسك عذره بالقعود ويسيل بالقيام، أو يستمسك بالإيماء ويسيل بالسجود، يترك القيام والسجود ويصلي قاعداً ومومياً.
-٥ - وإذا افتتح المكلف صلاته صحيحاً وعرض له مرض أثنائها يتمها بما قدر عليه، ولو أتمها بالإيماء على المشهور.
стр. 303
ثانياً - حالة من تعذر عليه الركوع والسجود:
إذا تعذر عليه الركوع والسجود، سواء تعذر عليه القيام أو كان قادراً عليه، وقدر على القعود ولو مستنداً، صلى قاعداً بالإيماء للركوع والسجود برأسه - وهو أفضل من إيمائه قائماً لو قدر عليه - وجعل إيمائه للسجود أخفض من الركوع. لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: عاد رسول الله ﷺ رجلاً من أصحابه، وذكر الحديث وفيه: قال النبي ﷺ : (إن استطعت أن تسجد على الأرض وإلا فأومِ إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك) (١) . ولا يجزئه الإيماء مضطجعاً.
ولو صلى مومياً ثم استطاع أن يتم الركوع أو السجود ولو قاعداً، لا يبني بل يستأنف لما فيه من بناء القوي على الضعيف.
стр. 304
ثالثاً - حالة من عجز عن السجود:
إذا عجز عن السجود وكان قادراً على الركوع، أو قادراً على القيام والركوع، أومأ بالاثنين قاعداً، لما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ (أن رسول الله ﷺ عاد مريضاً فرآه يصلي على وسادة، فرمى بها، فأخذ عوداً يصلي عليه فرمى به، وقال: إن استطعت أن تسجد على الأرض فاسجد وإلا فأومي إيماءً واجعل السجود أخفض من الركوع) (١) . فإن لم يخفض أكثر من الركوع بحيث جعل الركوع والسجود سواء لم تصح صلاته لفقد السجود حقيقة وحكماً مع القدرة.
ولا يرفع وجهه إلى خشبة أو غيرها للسجود عليها، لما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من استطاع منكم أن يسجد فليسجد، ومن لم يستطع فلا يرفع إلى جبهته شيئاً يسجد عليه ولكن ركوعه وسجوده يومئ إيماءً) (٢) .
ومن كان في أنفه وجبهته عذر يصلي بالإيماء، ولا يلزمه تقريب الجبهة إلى الأرض إلى أقصى ما يمكنه.
стр. 305
رابعاً - حالة من عجز عن القعود أو تعسر عليه:
إذا عجز عن القعود ولو متكئاً أو مستنداً، أو تعسّر عليه القعود لوجود ألم، أومأ مستلقياً على قفاه أو على جنبه الأيمن وإلا فعلى الأيسر. والأفضل الاستلقاء على قفاه، لأن التوجه إلى القبلة فيه أكثر، ويجعل تحت رأسه وسادة ليتمكن من الإيماء. لما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يصلي المريض قائماً إن استطاع، فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقياً ورجلاه مما يلي القبلة) (١) .
وينبغي للمريض نصب ركبتيه إن قدر حتى لا يمد رجليه إلى القبلة. ولا تجوز صلاته مضطجعاً إن كان قادراً على القعود مستنداً.
стр. 306
خامساً - حالة من تعذر عليه الإيماء مستلقياً:
إذا تعذر عليه الإيماء مستلقياً: أخرت عنه الصلاة القليلة، وهي خمس صلوات اتفاقاً، فإذا زادت عن ذلك فعلى قولين: الأول: يقضيها إن كان يفهم مضمون الخطاب وإلا تسقط عنه. والثاني: تسقط عنه مطلقاً (وهو قول صاحب الهداية) لأن العاجز عن الإيماء برأسه لا يومئ بعينيه ولا بقلبه ولا بحاجبيه، لأن السجود يتعلق بالرأس لقوله النبي ﷺ : (يصلي المريض قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع فعلى قفاه يومئ إيماء، فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه) . وقد اختلفوا فيما يقصد بقبول العذر منه، فمنهم من فسره بقبول عذر التأخير فقال بلزوم القضاء، ومنهم من فسره بقبول عذر الإسقاط فقال بعدم القضاء وهم الأكثرون.
ويلحق الإغماء الجنون بالمرض، فمن جُنّ أو أغمي عليه مقدار خمس صلوات لا يقضي ما فاته إن خرج وقت السادسة. أما النوم فلا يسقط به شيء، فمن نام عن صلوات يقضيها اتفاقاً.
إسقاط الصلاة والصوم:
-١ - إذا مات المريض العاجز عن الإيماء قبل أن يتمكن من قضاء ما فاته سقطت عنه وليس عليه أو يوصي بفدية عنها. وكذا لو مات من أفطر لسفر أو مرض قبل أن يقيم أو يشفى لعدم إدراكهما عدة من أيام أُخَر.
-٢ - إذا مات من فاتته صلوات بلا عذر أو تركها بعذر وكانت أقل من يوم وليلة ومرَّ من الزمن ما يستطيع القضاء فيه ولم يقض، وكذا من أفطر في رمضان لسفر أو مرض ثم أقام أو شفي ومرَّ من الزمن ما يمكنه القضاء فيه ولم يفعل، فعليه أن يوصي بفدية عن كل فرض حتى الوتر (لأنه فرض عملي) وكذا عن صوم كل يوم أيضاً. وقد ورد النص في الصوم. والصلاة كالصيامِ باستحسان المشايخ لكونها أهم.
أما ماهية الفدية فهي إطعام مسكين نصف صاع من بُرٍّ أو دقيق، أو صاعٍ من تمر أو زبيب أو شعير أو قيمته وهي أفضل. ويجوز إعطاء فدية الصلاة والصيام لواحد من الفقراء جملة، بخلاف كفارة اليمين حيث لا يجوز أن يُدْفَع للواحد أكثر من نصف صاع في اليوم للنص على العدد فيها.
ويخرج الوارث ما أوصى به الميت من ثلث ماله، ولا يُكلَّف بدفع ما زاد عن الثلث، ولو مات ولم يوصِ فتبرع وارثه أو أجنبي جاز، وتسقط عنه الفريضة بفضل الله وعفوه على قول الإمام.
ولا يصح أن يصوم الولي ولا غيره عن الميت كما لا يصح أن يصلي أحد عنه لقول ابن عباس ﵄: "لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من الحنطة" (١) .
أما لو صلى وصام ووهب ثواب صلاته وصيامه لأبيه أو غيره فيصح ولكن لا تسقط الفريضة عن المتوفى.
стр. 307
الفصل الثالث: صَلاَة الخوف
стр. 308
حكمها:
جائزة بكيفية معينة في حالة حضور عدوٍّ، أو خوف غرقٍ من سيل، أو حَرْقٍ من نار.
دليلها:
قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ... ﴾ (١) . وقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ (٢) .
стр. 309
كيفيتها:
ورد في صلاة الخوف روايات كثيرة، وصلاها النبي ﷺ أربع مرات بصور مختلفة حسب وضع المسلمين وظروفهم، وأولاها وأقربها من ظاهر القرآن الكيفية التالية عندما يكون العدو في اتجاه القبلة: يجل الإمام القوم طائفتين، ويقيم واحدة حاملة سلاحها مرتقبة للعدو، ويصلي بالطائفة الأخرى ركعة من الصلاة الثنائية والمقصورة بالسفر، أو ركعتين من الرباعية أو المغرب، وتمضي هذه الطائفة إلى جهة العدو مشاة، فإن ركبوا أو مشوا لغير جهة الاصطفاف بمقابلة العدو بطلت، وذلك إذا رفع الإمام رأسه من السجدة الثانية في الصلاة الثنائية وإذا قام من التشهد الأول في الرباعية، ثم تأتي الطائفة التي كانت في الحراسة فيحرمون مع الإمام، ويصلي بهم ما بقي من الصلاة، ويسلم الإمام وحده لتمام صلاته، ويتمون صلاتهم في مكانهم بعد فراغ الإمام ويقضون بقراءة لأنهم مسبوقون، أو يذهبون للحراسة. وتأتي الطائفة الأولى إن أرادوا أو يتمون صلاتهم في مكانهم بلا قراءة لأنهم لاحقون فهم خلف الإمام حكماً ويسلمون ويمضون إلى العدو. ودليل ذلك ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة. قال: وقال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصلِّ راكباً، أو قائماً تومئ إيماءاً) (١) .
والأفضل أن تصلي كل طائفة خلف إمام، فتذهب الأولى بعد تمام صلاتها مع إمامها للحراسة ثم تأتي الأخرى فتصلي بإمام آخر مثل حالة الأمن للتوقي عن المشي ونحوه.
وإن اشتد الخوف فلم يتمكنوا بالهجوم صلوا ركباناً بالإيماء أو واقفين، إلى أي جهة قدروا بشرط أن يكونوا مطلوبين لا طالبين لعدمها في حقهم، ولا يصح الاقتداء لاختلاف المكان إلا أن يكون رديفاً لإمامه.
وإن لم يقدروا على الإيماء جاز لهم تأخير الصلاة للعذر.
стр. 310
الباب العاشر (الجَنَائِز) .
стр. 311
تعريفها: الجنائز: جمع جنازة، مِن جَنَزَه، إذا ستره وجَمَعه. والجنازة بفتح الجيم وكسرها اسم للميت في النعش.
ما يسنّ فعله للمُحْتَضَر:
-١ - أن يضجع على شقه الأيمن، ويجوز على ظهره، ويُرفع رأسه قليلاً ليصير وجهه إلى القبلة. لما روي عن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور فقالوا: توفي وأوصى بثلثه لك يا رسول الله، وأوصى أن يوجه إلى القبلة لما احتضر. فقال رسول الله ﷺ : (أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده..) (١) .
-٢ - أن يُلَقَّن الشهادة لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) (٢) ، ولا يؤمر بها ولا يُلَحُّ عليها فيها.
أما إن كان كافراً فيؤمر بالشهادتين، لما روي عن أنس ﵁ قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: (أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ . فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار) (٣) .
ويجزئ عن التلقين أن يقال عنده صيغة استغفار كنحو قوله: "أستغفر الله الذي لا إله هو" حتى لا يشعر بالاحتضار.
-٣ - يستحب دخول أهله وجيرانه عليه للقيام بحقه وتذكيره وتجريعه وسقيه الماء لأن العطش يغلب على المحتضر. وليذكروه برحمة الله وكرمه، ويحسنوا ظنه بالله تعالى أنه يرحمه ويعفو عنه.
-٤ - أن يُتلى عند رأسه سورة "يس"، لما روى الهيثمي عن المشيخة "أنهم حضروا غضيف بن الحارث حين اشتد سوقه فقال: هل منكم أحد يقرأ يس. قال فقرأها صالح بن شريح السلوي فلما بلغ أربعين منها قبض. قال فكان المشيخة يقولون: إذا قرئت عند الموت خفف عنه بها" (٤) . كما يستحسن قراءة سورة الرعد لأنها تهون خروج الروح.
-٥ - يفضل إخراج الحائض والجنب من عنده لحضور الملائكة.
стр. 312
ما يسن فعله بعد الوفاة:
-١ - أن يقال عنده: "سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، لمثل هذا فليعمل العاملون، وَعْدٌ غير مكذوب".
-٢ - أن يُشدّ لِحيَاه (١) بعصابة عريضة تعمّهما تُربط فوق الرأس.
-٣ - أن تُغمض عيناه ويقال: "بسم الله وعلى ملة رسول الله. اللهم يسّر عليه أمره، وسهِّل عليه ما بعده، وأَسعِده بلقائك، واجعل ما خرج إليه خيراً مما خرج عنه". لما روي عن بكر بن عبد الله بن عبد الله قال: "إذا غمضت الميت فقل: بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ . وإذا حملته فقل بسم الله ثم سبح ما دمت تحمله" (٢) ، وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا حضرتم موتاكم فأَغْمِضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح. وقولوا خيراً، فإن الملائكة تؤمِّن على ما قال أهل البيت) (٣) .
وعن أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شقّ بصره. فأغمضه.. ثم قال: (اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين. واغفر لنا له يا رب العالمين. وافسح له في قبره. ونوّر له فيه) (٤) .
-٤ - أن يسجّى بثوب، لما روت عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: (سجّي رسول الله ﷺ حين مات بثوب حبرة) (٥) . ويحضر عنده طبيب.
-٥ - وضع ثِقَل أو حديدة على بطنه لئلا ينتفخ، روى البيهقي قال: "مت مولى لأنس بن مالك عند مغيب الشمس، فقال أنس ﵁: ضعوا على بطنه حديدة" (٦) .
-٦ - وضع يديه بجنبيه (٧) ولا يجوز وضعهما على صدره (٨) .
-٧ - تليين مفاصله وأصابعه ليسهل غسله وإدراجه في الكفن.
-٨ - لا بأس بإعلام الناس بموته لتكثير المصلين عليه. لما روي عن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم) (٩) . وليؤدي أقاربه وأصدقاؤه حقه، لا على جهة التفخيم والإفراط في المدح.
ويجب التعجيل (١٠) بتجهيزه إكراماً له، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله) (١١) .
أما تلاوة القرآن بقرب الميت قبل غسله فاختلف فيها حسب الخلاف في نجاسة الميت. فمن قال: إن نجاسته نجاسة خبث كره قراءة القرآن بقربه تنزيهاً للقرآن عن النجاسة، ومن قال بأنها نجاسة حدث قال: لا مانع من قراءة القرآن عنده. وهذا هو المعتمد. فعن عائشة ﵂ قالت: (رأيت رسول ﷺ يقبّل عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل) (١٢) . وروى البخاري تعليقاً (١٣) عن ابن عباس ﵄: "المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً" (١٤) ، وروي عنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تنجسوا موتاكم، فإن المسلم ليس بنجس حياً ولا ميتاً) (١٥) .
стр. 313
حق الميت على المكلفين:
-١ - مسلم غير شهيد:
يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن.
-٢ - مسلم شهيد:
تعريف الشهيد شرعاً: هو من قتله أهل الحرب مباشرة أو تسبباً بأي سبب كان، أو من قتله أهل البغي أو قطاع الطرق أو اللصوص في منزله، أو وُجِد في المعركة مع الكفار وبه أثر جُرح أو كسر أو حرق أو خروج دم من أُذُن أو عين، لا من الفم والأنف (لأن الدم يخرج من هذه المخارج من غير ضرب) ، أو قتله مسلم ظلماً عمداً لا خطأ بمحدَّد (١) لا بمثقل (٢) ، وشمل من قتله أبوه أو سيده. وسمي شهيداً لأنه مشهود له بالجنة.
стр. 314
أحكام الشهيد:
-١ - يكفّن بدمه لما روي عن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد: (.. أنا شهيد على هؤلاء، لُفّوهُم في دمائهم، فإنه ليس جريح يجرح إلا وجاء جرحه يوم القيامة يُدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك) (١) .
-٢ - لا يغسل إلا إن علم كونه جنباً فقال الإمام بوجوب غسله استدلالاً بتغسيل الملائكة لحنظلة ﵁ حين استشهد يوم أحد، فعن عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله ﷺ قال: (إن صاحبكم تغسله الملائكة - يعني حنظلة - فاسألوا أهله ما شأنه؟ فسئلت صاحبته فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهائعة. فقال رسول الله ﷺ لذلك غسلته الملائكة) (٢) .
وعند الصاحبين لا يغسل الشهيد ولو علم كونه جنباً. وعلى هذا الخلاف غسل الحائض أو النفساء إن ماتت شهيدة.
ويغسل الشهيد إن كان صبياً أو مجنوناً، كما يغسل إن كان رثيثاً وعاش مقدار وقت صلاة في خيمة أو مستشفى، أو أكل أو شرب قبل أن يموت، أو أوصى بشيء من أمور الدنيا. أما لو أوصى بشيء من أمور الآخرة فلا يغسل كما فعل سعد بن الربيع ﵁ حين أوصى الأنصار فقال: "لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله وفيكم شعر يطرف" (٣) . وفاضت نفسه ﵀، وذلك في غزوة أحد ولم يُغْسَّل.
-٣ - يصلى على الشهيد مطلقاً، لما روي عن ابن مسعود ﵁ في حديث طويل ذكر فيه: (فوضع رسول الله ﷺ حمزة فصلى عليه. وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة، ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذٍ سبعين صلاة) (٤) .
وعن جابر بن عبد الله ﵄ في حديث له (عن غزوة أحد) قال: (ثم جيء بحمزة فصلى عليه ثم يجاء بالشهداء فتوضع إلى جانب حمزة فيصلى عليهم، ثم ترفع ويترك حمزة حتى صلى على الشهداء كلهم) (٥) .
-٤ - يُنْزَع عن الشهيد ما ليس صالحاً للكفن كالفَرو والحشو والسلاح والدِّرع، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: (أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم) (٦) . ويزاد إن نقص ما عليه عن كفن السُنَّة.
أما شهداء الآخرة فيغسَّلون ويكفَّنون ويُصلى عليهم.
وهم كما عدَّهم السيوطي -: من مات مبطوناً (٧) ، أو بالغرق، أو بالهدم، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله (٨) . أو مات بذات الجنب لما روي عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الميت بذات الجنب شهيد) (٩) . أو الحمل لما روي عن حسناء بنت معاوية قالت: حدثنا عمي قال: قال النبي ﷺ : (النبي في الجنّة، والشهيد في الجنّة، والمولودة والوليدة) (١٠) . أو بالسل، أو الصرع. وكذا من مات دون أهله أو ماله أو دمه أو مظلمة فهو شهيد، لما روي عن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد) (١١) . وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : (من قتل دون مظلمة فهو شهيد) (١٢) . أو مات شَرَقاً، أو بافتراس السبع، أو حَبَسَه سلطان ظلماً، أو لدغته هامة، أو مات على طلب العلم الشرعي، أو مؤذناً محتسباً، أو تاجراً صدوقاً. لما روي عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ( ... أو وقصته فرسه أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه، أو بأي حتف شاء الله، فإنه شهيد، وإن له الجنة) (١٣) .
ومن مات بالعشق مع العفاف والكتمان فهو شهيد.
ومن سعى على امرأته وولده وما ملكت يمينه، يقيم فيهم أمر الله تعالى، ويطعمهم من حلال كان حقاً على الله تعالى أن يجعله مع الشهداء في درجاتهم يوم القيامة.
والمتمسك بسنة النبي ﷺ عند فساد أمته له أجر شهيد، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد) (١٤) .
стр. 315
-٣ - حق المولود المسلم على المسلمين إن مات:
أ - يُسمَّى، ويُغسَّل، يُكفَّن، ويُصلَّى عليه ويُدفن ويرث ويورث، إن ولد حياً ثم مات، وكانت ظهرت عليه علامة الحياة بحركة، أو صوت، أو خرج رأسه وصدره، أو خرجت رجلاه وسرته وعليها علامة حياة. ويقبل في ذلك خبر الواحد ولو امرأة كالقابلة. لما روي عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أحق ما صليتم عليه أطفالكم) (١) . وعنه أيضاً قال: (صلى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم. ومات وهو ابن ستة عشر شهراً) (٢) .
وإن ماتت الأم واضطرب الولد في بطنها يُشقّ ويُخرج الولد.
ب - يُسمَّى، ويدرج في خِرقة ويُدفن، ويُصلى عليه، إن وُلِد ميتاً.
стр. 316
-٤ - حق الصبي إن سُبِي من دار الحرب ثم مات:
أ - إن سبي مع أحد أبويه يُدرج في خِرقة ويُدفن، فإن علم إسلام أحد أبويه ألحق به فيحكم بإسلامه، وإن أسلم هو قبل أن يموت صحّ منه فيغسل ويصلَّى عليه.
ب - إن سبي وحده فهو مسلم تبعاً للدار أو للسابي، فإنه يغسل ويصلى عليه.
-٥ - حق الكافر على القريب المسلم:
إن لم يكن له وليّ كافر حاضر يُغسله المسلم بدون مراعاة السنن، ويكفن في خرقة، ثم يُلقى في حفرة من غير وضع كالجيفة، لحقّ القرابة، أو يدفعه لأهل ملّته. ويتبع جنازته من بعيد. ولا يمكّن الكافر من قريبه المسلم لأنه فرض على المسلمين كفاية ولا يدخل قبره لأن الكفر تنزل عليه اللعنة والمسلم محتاج إلى الرحمة خصوصاً في هذه الساعة.
-٦ - المرتد:
لا يمكَّن أحد من تغسيله لأنه لا ملة له، فيُلقى في حفرة كالجيفة.
-٧ - البغاة وقطّاع الطرق:
يغسلون، ولا يُصلّى عليهم وإن كانوا مسلمين، لأن الصلاة شفاعة لا يستحقونها. أما إذا قُتِلوا بعد ثبوت يد الحاكم عليهم، فإنهم يغسلون ويُصلّى عليهم.
-٨ - القاتل غيلة:
لا يصلى عليه، ولا على مُكابر في المِصْر، ولا على المقتول عصبية إهانة لهم وزجراً لغيرهم. كما لا يصلى على قاتل أحد أبويه عمداً إهانة له.
-٩ - المنتحر:
يُغسل ويصلَّى عليه على المعتمد، ولو لم يكن قَتْلُه لنفسه ناجماً عن شدة وجع، وذلك لأنه مؤمن مذنب. وهو أعظم وزراً من قاتل غيره، وقد صح عن إبراهيم النخعي أنه قال: "لم يكونوا يحجبون الصلاة عن أحد من أهل القبلة. والذي قتل نفسه يصلى عليه" (١) . وصح الحسن أنه قال: "يصلى على من قال لا إله إلا الله، وصلى على القبلة، إنما هي شفاعة" (٢) .
стр. 317
نفقة تجهيز الميت:
يجب أن تكون نفقة التغسيل والتكفين والدفن من مال الميت، فإن لم يكن له مال فمؤنة تجهيزه على من تلزمه نفقته من أقاربه؛ وإذا تعدد من وجبت عليه النفقة فنفقة تجهيزه على قدر ميراثهم. فإن لم يوجد من تجب عليه نفقته، أي من يرثه، فتجب على بيت مال المسلمين. وتجب نفقة المرأة على زوجها إن كانت معسرة لا مال لها.
وورد في فضل تجهيز الميت أحاديث، منها ما روي عن أبي رافع عن النبي ﷺ أنه قال: (من غسل مسلماً فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه (١) أجري عليه كأجر مسكين أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة) (٢) .
стр. 318
أولاً - تغسيل الميت:
-١ - يوضع الميت بعد التأكد من موته على سرير مبخَّر لإخفاء رائحته الكريهة، ووجهه ورجلاه إلى القبلة كالمريض، وقيل يوضع كما يوضع في القبر.
-٢ - تستر عورته ثم يجرد من ثيابه، لما روي عن علي ﵁: قال: قال لي رسول الله ﷺ : (لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت) (١) . وعن عبد الله بن الحارث بن نوفل "أن علياً ﵁ غسل النبي ﷺ وعلى النبي ﷺ قميص وبيد علي ﵁ خِرقة يتبع بها تحت القميص" (٢) .
-٣ - تغسل عورته بخرقة ملفوفة على يد الغاسل وتدخل من تحت الساتر. وينوي الغاسل إسقاط الفرض عن المسلمين.
-٤ - يُوضّأ وضوءاً عادياً بدون مضمضة واستنشاق بل يمسح فمه وأنفه بخرقة، إلا أن يكون جُنُباً أو حائضاً فيُكلف غسل فمه وأنفه.
-٥ - يُصبّ عليه ماء ساخن ممزوج بسِدر، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال في الذي وقصته ناقته: (اغسلوه بماء وسدر) (٣) .
-٦ - يُغْسَل شعره ويُدَّهَن بالطيب.
-٧ - يُضجع على يساره فيُغْسَل شِقُّه الأيمن ابتداء لأن البداءة بالميامن سنة، ثم يضطجع على يمينه فيغسل شقه الأيسر حتى يصل الماء إلى سائر جسده. لما روي عن أم عطية ﵂ أن النبي ﷺ قال لهن في غسل ابنته: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) (٤) .
-٨ - يُجلس الميت مستنداً إلى الغاسل ويُمسح بطنه مسحاً رفيقاً لتخرج فضلاته، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من غسل ميتاً فليبدأ بعصره) (٥) . وما يخرج منه يغسل فقط للنظافة ولا يعاد غسله ولا وضوءه لأنه ليس بناقض في حقه.
ومن تعذر غسله يُصبّ عليه الماء صباً. ثم ينشّف ويُلبَس القميص. ولا تُقصّ الأظافر.
ويندب للغاسل الغسل من تغسيل الميت، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من غسّل ميتاً فليغتسل) (٦) .
стр. 319
أولى الناس بغسل الميت:
يُغسِّل الميت أقرب أهله، وإلا فأهل الأمانة والورع لما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليغسل موتاكم المأمونون) (١) . ويكره أن يكون الغاسل جنباً أو حائضاً.
ويغسل المرأة امرأة، فلو ماتت مع محارمها يمّموها، ولا يغسلها زوجها لأنها حَرُمت عليه بعد الموت. أما الرجل فتغسله زوجته إن اضطرت لكونها في العِدّة ولو كانت رجعية، أما إذا بانت منه قبل الوفاة فلا يجوز. ولو مات رجل بين نساء يمَّمنه بخرقة.
أما الصغار إلى ما قبل الاشتهاء فيجوز للمرأة والرجل تغسيلهم لأنه ليس لأعضائهم حكم العورة.
стр. 320
ثانياً - تغسيل الميت:
حكم التكفين: فرض كفاية بالنظر لعامة المسلمين.
ما يكفن به الميت:
الكفن على ثلاثة أنواع:
-١ - الكفن الكامل المسنون: قميص من العنق إلى القدمين، وإزار من القرن (١) إلى القدم، ولفافة يكون طولها من الرأس إلى القدم مع زيادة للربط من جنس الكفن؛ ويكون مما يلبسه الرجل يوم الجمعة والعيدين. وذلك لما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (إذا كفن أحدكم أخاه فليحسّن كفنه) (٢) .
ولا يُغالي في تحسين الكفن، لما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تَغَالوا في الكفن، فإنه يُسلب سريعاً) (٣) . ولو أوصى بالغالي يُكفن بالوسط.
وقد كُفن ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية، فعن عائشة ﵂ قالت: (كفن رسول الله في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية من كُرْسُفٍ ليس فيها قميص ولا عمامة) (٤) .
أما المرأة فزاد لها خمار يغطي وجهها ورأسها، وخرقة عرضها ما بين الثدي إلى السرة لربط ثدييها. فيكون كفن المرأة: درعاً وإزاراً وخماراً وخرقة ولفافة. فعن ليلى بيت قائف الثقفية ﵂ قالت: (كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ عند وفاتها. فكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحِقاء، ثم الدِرع، ثم الخِمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب. قالت: ورسول الله ﷺ جالس عند الباب معه كفنها يناولناها ثوباً ثوباً) (٥) .
-٢ - كفن الكفاية: عند قلة المال وكثرة الورثة. وهو إزار ولفافة للرجل، ويزاد خمار للمرأة.
وتكره العمامة على الأصح، لأنها لم تكن في كفن النبي ﷺ كما في حديث عائشة ﵂ المتقدم.
واستحسنها بعضهم، لما روي أن ابن عمر ﵄ كان يعمم الميت ويجعل العَذَبَة (٦) على وجهه.
ويفضل في الكفن القطن والبياض، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (البَسُوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفِنّوا فيها موتاكم) (٧) .
والجديد والمغسول سواء في الكفن.
-٣ - كفن الضرورة للرجل والمرأة: يُكتفى فيه بكل ما يوجد. لما روي أن حمزة ﵁ كفن في ثوب واحد، ومصعب بن عمير ﵁ لم يوجد ما يكفن فيه إلا نَمِرة، فعن خباب بن الأرت ﵁ في حديثه عن مصعب ﵁ قال: (فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه. فقال رسول الله ﷺ : ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر) (٨) . وهذا دليل على أن ستر العورة وحدها لا يكفي (٩) .
وأما الصغير فيكفن بثوب واحد، والصغيرة بثوبين. والسَّقْط يُلفّ ولا يكفن ولا يكفن كالعضو من الميت.