-٤ - حق الصبي إن سُبِي من دار الحرب ثم مات:
أ - إن سبي مع أحد أبويه يُدرج في خِرقة ويُدفن، فإن علم إسلام أحد أبويه ألحق به فيحكم بإسلامه، وإن أسلم هو قبل أن يموت صحّ منه فيغسل ويصلَّى عليه.
ب - إن سبي وحده فهو مسلم تبعاً للدار أو للسابي، فإنه يغسل ويصلى عليه.
-٥ - حق الكافر على القريب المسلم:
إن لم يكن له وليّ كافر حاضر يُغسله المسلم بدون مراعاة السنن، ويكفن في خرقة، ثم يُلقى في حفرة من غير وضع كالجيفة، لحقّ القرابة، أو يدفعه لأهل ملّته. ويتبع جنازته من بعيد. ولا يمكّن الكافر من قريبه المسلم لأنه فرض على المسلمين كفاية ولا يدخل قبره لأن الكفر تنزل عليه اللعنة والمسلم محتاج إلى الرحمة خصوصاً في هذه الساعة.
-٦ - المرتد:
لا يمكَّن أحد من تغسيله لأنه لا ملة له، فيُلقى في حفرة كالجيفة.
-٧ - البغاة وقطّاع الطرق:
يغسلون، ولا يُصلّى عليهم وإن كانوا مسلمين، لأن الصلاة شفاعة لا يستحقونها. أما إذا قُتِلوا بعد ثبوت يد الحاكم عليهم، فإنهم يغسلون ويُصلّى عليهم.
-٨ - القاتل غيلة:
لا يصلى عليه، ولا على مُكابر في المِصْر، ولا على المقتول عصبية إهانة لهم وزجراً لغيرهم. كما لا يصلى على قاتل أحد أبويه عمداً إهانة له.
-٩ - المنتحر:
يُغسل ويصلَّى عليه على المعتمد، ولو لم يكن قَتْلُه لنفسه ناجماً عن شدة وجع، وذلك لأنه مؤمن مذنب. وهو أعظم وزراً من قاتل غيره، وقد صح عن إبراهيم النخعي أنه قال: "لم يكونوا يحجبون الصلاة عن أحد من أهل القبلة. والذي قتل نفسه يصلى عليه" (١) . وصح الحسن أنه قال: "يصلى على من قال لا إله إلا الله، وصلى على القبلة، إنما هي شفاعة" (٢) .
стр. 317
نفقة تجهيز الميت:
يجب أن تكون نفقة التغسيل والتكفين والدفن من مال الميت، فإن لم يكن له مال فمؤنة تجهيزه على من تلزمه نفقته من أقاربه؛ وإذا تعدد من وجبت عليه النفقة فنفقة تجهيزه على قدر ميراثهم. فإن لم يوجد من تجب عليه نفقته، أي من يرثه، فتجب على بيت مال المسلمين. وتجب نفقة المرأة على زوجها إن كانت معسرة لا مال لها.
وورد في فضل تجهيز الميت أحاديث، منها ما روي عن أبي رافع عن النبي ﷺ أنه قال: (من غسل مسلماً فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه (١) أجري عليه كأجر مسكين أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة) (٢) .
стр. 318
أولاً - تغسيل الميت:
-١ - يوضع الميت بعد التأكد من موته على سرير مبخَّر لإخفاء رائحته الكريهة، ووجهه ورجلاه إلى القبلة كالمريض، وقيل يوضع كما يوضع في القبر.
-٢ - تستر عورته ثم يجرد من ثيابه، لما روي عن علي ﵁: قال: قال لي رسول الله ﷺ : (لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت) (١) . وعن عبد الله بن الحارث بن نوفل "أن علياً ﵁ غسل النبي ﷺ وعلى النبي ﷺ قميص وبيد علي ﵁ خِرقة يتبع بها تحت القميص" (٢) .
-٣ - تغسل عورته بخرقة ملفوفة على يد الغاسل وتدخل من تحت الساتر. وينوي الغاسل إسقاط الفرض عن المسلمين.
-٤ - يُوضّأ وضوءاً عادياً بدون مضمضة واستنشاق بل يمسح فمه وأنفه بخرقة، إلا أن يكون جُنُباً أو حائضاً فيُكلف غسل فمه وأنفه.
-٥ - يُصبّ عليه ماء ساخن ممزوج بسِدر، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال في الذي وقصته ناقته: (اغسلوه بماء وسدر) (٣) .
-٦ - يُغْسَل شعره ويُدَّهَن بالطيب.
-٧ - يُضجع على يساره فيُغْسَل شِقُّه الأيمن ابتداء لأن البداءة بالميامن سنة، ثم يضطجع على يمينه فيغسل شقه الأيسر حتى يصل الماء إلى سائر جسده. لما روي عن أم عطية ﵂ أن النبي ﷺ قال لهن في غسل ابنته: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) (٤) .
-٨ - يُجلس الميت مستنداً إلى الغاسل ويُمسح بطنه مسحاً رفيقاً لتخرج فضلاته، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من غسل ميتاً فليبدأ بعصره) (٥) . وما يخرج منه يغسل فقط للنظافة ولا يعاد غسله ولا وضوءه لأنه ليس بناقض في حقه.
ومن تعذر غسله يُصبّ عليه الماء صباً. ثم ينشّف ويُلبَس القميص. ولا تُقصّ الأظافر.
ويندب للغاسل الغسل من تغسيل الميت، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من غسّل ميتاً فليغتسل) (٦) .
стр. 319
أولى الناس بغسل الميت:
يُغسِّل الميت أقرب أهله، وإلا فأهل الأمانة والورع لما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليغسل موتاكم المأمونون) (١) . ويكره أن يكون الغاسل جنباً أو حائضاً.
ويغسل المرأة امرأة، فلو ماتت مع محارمها يمّموها، ولا يغسلها زوجها لأنها حَرُمت عليه بعد الموت. أما الرجل فتغسله زوجته إن اضطرت لكونها في العِدّة ولو كانت رجعية، أما إذا بانت منه قبل الوفاة فلا يجوز. ولو مات رجل بين نساء يمَّمنه بخرقة.
أما الصغار إلى ما قبل الاشتهاء فيجوز للمرأة والرجل تغسيلهم لأنه ليس لأعضائهم حكم العورة.
стр. 320
ثانياً - تغسيل الميت:
حكم التكفين: فرض كفاية بالنظر لعامة المسلمين.
ما يكفن به الميت:
الكفن على ثلاثة أنواع:
-١ - الكفن الكامل المسنون: قميص من العنق إلى القدمين، وإزار من القرن (١) إلى القدم، ولفافة يكون طولها من الرأس إلى القدم مع زيادة للربط من جنس الكفن؛ ويكون مما يلبسه الرجل يوم الجمعة والعيدين. وذلك لما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (إذا كفن أحدكم أخاه فليحسّن كفنه) (٢) .
ولا يُغالي في تحسين الكفن، لما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تَغَالوا في الكفن، فإنه يُسلب سريعاً) (٣) . ولو أوصى بالغالي يُكفن بالوسط.
وقد كُفن ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية، فعن عائشة ﵂ قالت: (كفن رسول الله في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية من كُرْسُفٍ ليس فيها قميص ولا عمامة) (٤) .
أما المرأة فزاد لها خمار يغطي وجهها ورأسها، وخرقة عرضها ما بين الثدي إلى السرة لربط ثدييها. فيكون كفن المرأة: درعاً وإزاراً وخماراً وخرقة ولفافة. فعن ليلى بيت قائف الثقفية ﵂ قالت: (كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ عند وفاتها. فكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحِقاء، ثم الدِرع، ثم الخِمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب. قالت: ورسول الله ﷺ جالس عند الباب معه كفنها يناولناها ثوباً ثوباً) (٥) .
-٢ - كفن الكفاية: عند قلة المال وكثرة الورثة. وهو إزار ولفافة للرجل، ويزاد خمار للمرأة.
وتكره العمامة على الأصح، لأنها لم تكن في كفن النبي ﷺ كما في حديث عائشة ﵂ المتقدم.
واستحسنها بعضهم، لما روي أن ابن عمر ﵄ كان يعمم الميت ويجعل العَذَبَة (٦) على وجهه.
ويفضل في الكفن القطن والبياض، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (البَسُوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفِنّوا فيها موتاكم) (٧) .
والجديد والمغسول سواء في الكفن.
-٣ - كفن الضرورة للرجل والمرأة: يُكتفى فيه بكل ما يوجد. لما روي أن حمزة ﵁ كفن في ثوب واحد، ومصعب بن عمير ﵁ لم يوجد ما يكفن فيه إلا نَمِرة، فعن خباب بن الأرت ﵁ في حديثه عن مصعب ﵁ قال: (فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه. فقال رسول الله ﷺ : ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر) (٨) . وهذا دليل على أن ستر العورة وحدها لا يكفي (٩) .
وأما الصغير فيكفن بثوب واحد، والصغيرة بثوبين. والسَّقْط يُلفّ ولا يكفن ولا يكفن كالعضو من الميت.
стр. 321
كيفية التكفين:
أ - للرجل: تبسط اللفافة ويذر عليها الحَنُوط (١) والكافور (٢) ، ثم الإزار كذلك، ثم يوضع الميت مقمصاً، ثم يُعطف عليه الإزار من جهة اليسار ثم من جهة اليمين ليكون أعلى، ثم يفعل كذلك في اللفافة. ويعقد الكفن إن خيف انتشاره صيانة للميت عن الكشف. ولا بأس أن تحشى مخارق الجسم بالقطن.
ب - للمرأة: يجعل شعرها ضفيرتين توضعان على صدرها، ثم يوضع الخمار على رأسها ووجهها فوق القميص، ثم تربط الخرقة فوق اللفافة لئلا تنتشر الأكفان وتعطف من اليسار ثم من اليمين.
ويسن تبخير الكفن قبل إدراج الميت فيه سواء للرجل أو للمرأة.
ويُغطى رأس المُحرِم ووجهَ المحرمة عند التكفين كغير المُحْرِمين.
стр. 322
ثالثاً - صلاة الجنازة:
حكمها:
فرض كفاية على المسلمين، إذا فعلها البعض سقطت عن الآخرين، وذلك لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (صلوا على صاحبكم) (١) . ولو كانت فرض عين ما ترك ﷺ الصلاة عليه. فإن لم يحضرها سوى شخص واحد صارت فرض عين عليه. ويكفر جاحدها (٢) .
стр. 323
دليلها:
ثبتت مشروعيتها بالقرآن والسنة والإجماع.
من القرآن: قوله تعالى: ﴿وصلِّ عليهم﴾ (١) .
ومن السنة: ما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلوا خلف كل بَرٍّ وفاجر، وصلوا على كل بَرِّ وفاجر) (٢) .
وروى أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الملائكة غسلت آدم، وكبّرت عليه أربعاً، وقالوا: هذه سنتكم يا بني آدم) (٣) .
وقد روي في فضل الصلاة على الميت عدة أحاديث، منها: ما روي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى على جنازة فله قيراط، فإن شهد دَفْنها فله قيراطان. القيراط مثل أحد) (٤) .
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة، كلهم يشفعون له، إلا شُفِّعُوا فيه) (٥) .
стр. 324
أركانها:
-١ - القيام للقادر عليه، فلا تصح قاعداً أو راكباً من غير عذر.
-٢ - أربع تكبيرات: تقوم كل واحد مقام ركعة، لما روي عن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات) (١) . وتقوم التكبيرة الأولى مقام ركعة الافتتاح لذا فإن فيها معنى الشرط. ويرفع يديه بالتكبيرة الأولى فقط لأن فيها معنى الافتتاح. ولو كبر الإمام خامسة لا يتابعه المصلون بل ينتظرونه للتسليم.
стр. 325
شروطها:
-١ - أن يكون الميت مسلماً، لأن الصلاة عليه شفاعة وليس للكافر شفاعة. لقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره﴾ (١) .
-٢ - أن يغسل ويكفن قبل الصلاة، فإن صلوا عليه قبل التغسيل أعيدت بعده؛ إذ تشترط الطهارة من النجاسة في البدن والمكان.
أما إن دفن ولم يغسل وأهيل عليه التراب فيصلى على القبر ولا يُنبش، لما روي عن الشعبي (أن رسول الله ﷺ صلى على قبر بعد ما دفن فكبر عليه أربعاً) (٢) . وإن لم يُهَل عليه التراب ويغسل ويصلى عليه ما لم يتفسخ.
-٣ - يشترط للمصلين كل ما يشترط في الصلاة، من طهارة، وستر عورة، واستقبال القبلة.
-٤ - أن يكون الميت متقدماً أمام القوم.
-٥ - أن يكون الموجود من الميت كله أو أكثره ويكفي النصف مع الرأس. ولا يصلى على الغائب وصلاته ﷺ على النجاشي من خصوصياته، وكانت بمشاهدة منه كرامة ومعجزة له ﷺ .
-٦ - أن يكون الميت موضوعاً على الأرض لكونه الإمام من وجه، فإن كان محمولاً على أيدي الناس أو على دابة فلا تجوز الصلاة عليه.
-٧ - النية: بأن يحدد نية الصلاة على الجنازة الحاضرة.
стр. 326
واجباتها:
التسليم بعد التكبيرة الرابعة ولا يفصل بينهما شيء، لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (ثلاث خلال كان رسول الله ﷺ يفعلهن، تركهن الناس: إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة) (١) . وينوي بالتسليمتين السلام على الميت مع القوم.
ولا يرفع صوته بالتسليم بل يُخافِت في كل الصلاة إلا التكبير فيجهر به. واستحسن بعض المشايخ أن يقول بد التكبيرة الرابعة: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ .
стр. 327
سننها:
-١ - قيام الإمام أمام صدر الميت ذكراً كان أم أنثى لأنه موضع القلب وفيه نور الإيمان.
-٢ - قراءة دعاء الثناء بعد التكبيرة الأولى، كما يسن قراءة الفاتحة (١) ، لما روي عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: "صليت خلف ابن عباس ﵄ على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: ليعلموا أنها سنة" (٢) ، وللخروج من خلاف الأئمة. ولا تقرأ الفاتحة على سبيل التلاوة بل على سبيل الثناء، حيث تكره قراءة القرآن في صلاة الجنازة.
-٣ - أن يصلي على النبي ﷺ بعد التكبيرة الثانية، وصيغتها كالصلوات الإبراهيمية. لما روي عن أبي هريرة ﵁ "أنه سأل عبادة بن الصامت عن الصلاة على الميت فقال: أنا والله أخبرك تبدأ فتكبر ثم تصلي على النبي ﷺ " (٣) .
-٤ - الدعاء للميت وللمسلمين ولنفسه بعد التكبيرة الثالثة، بأن يبدأ بالدعاء لنفسه ثم للميت، والأفضل أن يدعو بالمأثور. ومن المأثور ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة فقال: (اللهم اغفر لحيِّنا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده) (٤) .
وروي عن عوف بن مالك ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة. فحفظت من دعائه وهو يقول: (اللهم اغفر له وارحمه وعافِهِ واعفُ عنه. وأكرم نُزُلَه. ووسِّع مدخَلَه واغسله بالماء والثلج والبَرَد. ونقِّه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدّنس. وأبدِله داراً من خيراً من داره. وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه. وأدخِله الجنة وأعِذه من عذاب القبر - أو من عذاب النار - قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت) (٥) .
ويزيد في الصلاة على الصبي والمجنون قوله: "اللهم اجعله فَرَطاً (٦) ، واجعله لنا أجراً وذُخراً، واجعله لنا شافعاً مُشَفَّعاً".
-٥ - أن يرفع يديه في تكبيرة الإحرام فقط، لحديث ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود) (٧) .
стр. 328
المسبوق:
لا يقتدي المسبوق بالإمام وهو بين تكبيرتين بل ينتظره حتى يكبِّر فيدخل معه ثم يقضي ما فاته من التكبيرات بسرعة مع الدعاء إن أمن رفع الجنازة، وإلا كبَّر متتابعاً من غير أن يقول شيئاً قبل رفع الجنازة عن الأرض.
فواتها:
تفوت صلاة الجنازة إذا حضر بعد التكبيرة الرابعة قبل السلام.
مكروهاتها:
-١ - تكره الصلاة على الجنازة في مسجد الجماعة كراهة تنزيهية، وإن خشي التلويث فهي كراهة تحريمية. لما روي عنه ﷺ أنه قال: (من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له) .
-٢ - تكره صلاة الجنازة في الشارع وفي أراضي الغير.
أولى الناس بالصلاة على الميت:
السلطان، ثم نائبه أو إمام الحي، ثم الوليّ. وإذا صلى من هو دون الولي بدون إذنه يجوز للولي إعادة الصلاة. والأصل أنه لو صلى الوليّ لا تعاد صلاة الجنازة، لأنه لا يصح فيها التنفل.
وإذا كثرت الجنائز فإفراد كل واحدة بصلاة أولى. وإن صليت على الجميع مرة واحدة جاز، لما روي عن الشعبي قال: "صلى علي يوم صفين على عمار بن ياسر وهاشم بن عتبة، فكان عمار أقربهما إلى علي وكان هاشم أقربهما إلى القبلة" (١) . وتجعل جميعها صفاً واحداً مما يلي القبلة، ويقف الإمام محاذياً لصدرهم جميعاً، لما روي عن ابن عمر ﵄ "أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء، فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة، وصفهم صفاً واحداً" (٢) .
стр. 329
رابعاً - حمل الجنازة ودفنها:
أولاً - حمل الجنازة:
ما يسن في حملها:
-١ - أن يحملها أربعة رجال من أركانها الأربعة تكريماً وتخفيفاً وتحاشياً من تشبيهها بالأمتعة. وأن يحمل كل رجل أربعين خطوة ليؤديها حقها وتُكَفَّر ذنوبه، لما روي عن وائلة قال: "من حمل بجوانب السرير الأربع غفر له أربعون كبيرة" (١) . يبدأ الحامل بمقدمها الأيمن وهو يسار السرير فيضعه على عاتقه الأيمن، ثم يضع مؤخرها الأيمن على عاتقه الأيمن، ثم يضع مقدمها الأيسر على عاتقه الأيسر، ثم يختم بالجانب الأيسر بحملها على عاتقه الأيسر، فيكون من كل جانب عشر خطوات.
-٢ - الإسراع في الحمل دون الخَبَب (٢) ، لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أسرعوا بالجنازة، فإنها إن تك صالحة فخير تقدمونها، وإن تك سوى ذلك فشرّ تضعونه عن رقابكم) (٣) .
-٣ - المشي خلفها لا أمامها، لما روي عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: "كنت مع علي بن أبي طالب في جنازة وعلي آخذ بيدي ونحن خلفها وأبو بكر وعمر أمامها، فقال علي: إن فضل الماشي خلفها على الذي يمشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وإنهما ليعلمان من ذلك ما أعلم ولكنهما يسهلان على الناس" (٤) . وورد أيضاً عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الجنازة متبوعة ولا تتبع. ليس منا من تقدمها) (٥) . وقد روي أن رسول الله ﷺ مشى خلف جنازة ابنه إبراهيم حافياً) (٦) . أي تواضعاً.
ويكره أن يتقدم الكل عليها أو ينفرد متقدم واحد.
ويجوز للراكب أن يسير خلف الجنازة، والماشي أمامها قريباً منها، لما روي عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها) (٧) .
ويستحب لمن مرت به جنازة أن يقول: "سبحان الحي الذي لا يموت" ويدعو للميت بالخير والتثبيت.
стр. 330
ما يكره في حمل الجنازة:
-١ - رفع الصوت بالذكر أو بالقرآن، وعليهم الصمت.
-٢ - اتباع النساء الجنائز، لما روي عن أم عطية ﵂ قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا) (١) والكراهة تحريمية.
-٣ - يكره الجلوس قبل وضعها، لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا اتبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع) (٢) .
-٤ - يكره النَّدب وشقّ الثوب، لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس منا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) (٣) . ويحرم النوح ولا بأس بالبكاء، لما روي عن أم عطية ﵂ قالت: (أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة ألا ننوح) (٤) ، وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم) (٥) .
стр. 331
ثانياً - دفن الميت:
حكمه: هو فرض كفاية.
كيفيته:
-١ - يحفر بمقدار طول قامة إنسان وبعرض نصف قامته، لأن ذلك أبلغ في الحفظ.
-٢ - أن يلحد في القبر، أي تُجعل حُفَيْرة فيجانب القبلة من القبر يوضع فيها الميت، ويُنْصَب عليه الَّلبِن (١) . وذلك لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (اللحد لنا والشقّ لغيرنا) (٢) أي لغير المسلمين. ثم يهال عليه التراب.
والشق هو ما يحفر في وسط القبر ثم توضع بلاطة فوقه. ولا بأس فيه إن كانت الأرض رخوة.
-٣ - يسن أن يغطى القبر برداء إن كان الميت امرأة ستراً لها إلى أن يسوى عليها التراب.
-٤ - يستحب للحاضرين أن يحثي كل منهم ثلاث حثيات من التراب، لما روي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: (رأيت النبي ﷺ حين دفن عثمان بن مظعون ﵁ ... حثا بيديه ثلاث حثيات من التراب وهو قائم على القبر) (٣) . يقول في الأولى: ﴿منها خلقناكم﴾ ، وفي الثانية: ﴿وفيها نعيدكم﴾ ، وفي الثالثة: ﴿ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ لما روي عن أبي أمامة ﵁ قال: لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في القبر قال رسول الله ﷺ : (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله) (٤) .
-٥ - يُسنم (٥) القبر بمقدار أربع أصابع أو شبر، لما روي عن سفيان التمار "أنه رأى قبر النبي ﷺ سَنَّماً" (٦) .
-٦ - يُدخل الميت من جهة القبلة، ويقول واضعه: "بسم الله وعلى ملة رسول الله"، لما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وضعتم موتاكم في قبورهم فقولوا: بسم الله وعلى سنة رسول الله) (٧) . ويوجّهه إلى القبلة لما روي عن عبيد بن عمير عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً) (٨) . ويَدخُل القبر ثلاثة أو أربعة لوضع الميت، لما روي عن ابن عباس ﵄ فيمن نزل قبر النبي ﷺ : "ونزل في حفرته علي بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وقثم أخوه، وشقران مولى رسول الله ﷺ " (٩) . ويشترط أن يكونوا أُمَنَاء أقوياء صُلَحاء.
أما المرأة فذو الرحم أولى بوضعها في قبرها من غيرهم، لما روي عن عبد الرحمن بن أبزى "أن عمر بن الخطاب ﵁ كبّر على زينب بنت جحش أربعاً، ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ من يدخل هذه قبرها؟ فقلن: من كان يدخل عليها في حياتها" (١٠) .
-٧ - يسن أن يقف جماعة بعد دفن الميت يدعون ويستغفرون له، ويقرؤون عنده شيئاً من القرآن، أو ختمة إن أمكن، ويسألون الله له التثبيت، لما روي عن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت قال: (استغفروا لميتكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسْأَل) (١١) .
أما التلقين فمشروع في القبر أيضاً، لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله) (١٢) . وكيفيته كما رواه سعيد بن عبد الله الأودي قال: شهدت أبا أمامة ﵁ وهو في النزع فقال: إذا أنا مت فاصنعوا لي كما أمر رسول الله ﷺ ، فقال: (إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، والقرآن إماماً) (١٣) .
-٨ - يسن وضع الجَريد (١٤) والإِذْخر على القبر لأنه يستغفر للميت ما دام رطباً، لما روي عن ابن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز في قبر كل واحدة. فقالوا يا رسول الله لِمَ صنعت هذا؟ فقال: لعلهما أن يخفف عنهما ما لم ييبسا) (١٥) .
-٩ - يستحب أن يدفن الميت في مقبرة المحلّ الذي مات فيه أو قتل، لما روي عن منصور بن صفية أمه قالت: مات أخ عائشة ﵂ بوادي الحبشة فحمل من مكانه فأتيناها نعزيها فقلت: "ما أجد في نفسي أو يحزنني في نفسي إلا أني وددت أنه كان دفن في مكانه" (١٦) . وعن جابر بن عبد الله ﵄ في قتلى أحد - (إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم فرددناهم) (١٧) . فإذا مات شخص بعيداً عن بلده لا ينقل إليها بل يدفن حيث مات.
стр. 332
ما يكره في الدفن:
-١ - يكره للنساء النزول إلى القبر.
-٢ - يكره بناء القبر بالجص والآجر والخشب، وأن يكتب عليه، لما روي عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يُبنى على القبر ويجصص أو يقعد عليه، ونهى أن يكتب عليه) (١) .
-٣ - أن يدفن اثنان في قبر واحد، إلا لضرورة ويجعل بينهما تراب، لما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ (أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد) (٢) .
-٤ - الدفن في البيوت لاختصاصه بالأنبياء، ومن مات في سفينة يغسل ويكفن ويصلى عليه ويلقى في البحر، لما روي في البحر، لما عن الحسن البصري أنه قال فيه: "يغسل ويكفن ويصلى عليه ويطرح في البحر" (٣) .
-٥ - نقل الميت من بلد إلى بلد لمسافة أكثر من ميلين، أما بعد الدفن فلا يجوز نقله.
-٦ - ويحرم نبش القبر إلا أن يكون دفن في أرض مغصوبة فيخرج لحقّ صاحبها إن طلبه، وإن شاء سوّاه بالأرض وانتفع بها زراعة. أو أخذت الأرض بالشُفّعة (٤) والشفيع يُخَيَّر.
وإن دفن بقبر يملكه غيره (٥) من الأحياء بأرض ليست ملكاً لأحد ضمنت قيمة القبر من تَرِكته أو من بيت مال المسلمين.
стр. 333
التعزية:
أ - ما يستحب في التعزية:
-١ - تستحب التعزية للرجال والنساء، لما روي عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله سبحانه من حُلَل الكرامة يوم القيامة) (١) . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من عزَّى مصاباً فله مثل أجره) (٢) .
-٢ - يُستحب أن يعمَّ جميع الأقارب، وأن تكون صيغة التعزية بما روي عن أسامة بن زيد ﵄، أن النبي ﷺ قال معزياً ابنته لما مات ولدها: (إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى) (٣) ، أو بما روي عن أنس ﵁ في تعزية الخِضْر ﵇ لأهل بيت النبي ﷺ . "إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخَلَفاً من كل هالك وعوضاً من كل فات، فإلى الله فأنيبوا، وإليه فارغبوا، فإنما المصاب من لم يجبره الثواب" (٤) .
-٣ - يستحب لجيران الميت والأباعد من أقاربه تهيئة طعام لأهل الميت يُشبِعَهم يومهم وليلتهم، لما روي عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (اصنعوا لأهل جعفر طعاماً، فإنهم قد جاءهم ما يشغلهم) (٥) . ويُلحّ عليهم بالأكل، لأن الحزن يمنعهم الطعام فيضعفهم، والله ملهم الصبر ومعوِّض الأجر.
стр. 334
ب - ما يكره في التعزية:
-١ - يكره الاجتماع عند أهل الميت حتى يأتي إليهم من يعزيهم، بل ينبغي إذا رجعوا من الدفن أن يتفرقوا ليشتغلوا بأمرهم.
-٢ - الجلوس على باب الدار للمصيبة.
-٣ - التعزية في المسجد.
-٤ - تكرار التعزية.
-٥ - الضيافة من أهل الميت، لما روي عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: "كنا نرى الاجتماع إلى أهل البيت وصنعة الطعام من النياحة" (١) .
стр. 335
زيارة القبور:
حكمها:
هي مندوبة للرجال والنساء، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (فزوروا القبور فإنها تُذكر بالموت) (١) ، وعن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، واجعلوا زيارتكم لها صلاة عليهم واستغفاراً لهم) (٢) .
وقيل تكره للنساء، والأصح أن الرخصة للرجال والنساء، فعن علي بن الحسين عن أبيه "أن بنت النبي ﷺ كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده" (٣) .
وعن عبد الله بن أبي مليكة "أن عائشة ﵂ أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت. قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم. كان نهى ثم أمر بزيارتها" (٤) .
стр. 336
كيفية الزيارة:
أن يقف قائماً - دون أن يطأ القبور - مستدبر القبلة، مستقبلاً وجه الميت ثم يلقي السلام فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. أسأل الله لي ولكم العافية". ولا يمسح القبر ولا يقبّله ولا يمسّه. وذلك لما روي عن بريدة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر. فكان قائلهم يقول: السلام عليكم، أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله، للاحقون. أسأل الله لنا ولكم العافية) (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇ (٢) .
ويستحب للزائر أن يقرأ سورة "يس"، لما روي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفَّف اللهم عنهم يومئذ العذاب، وكان له بعدد ما فيها من حسنات) (٣) .
ويستحب أيضاً أن يقرأ سورة "الإخلاص" إحدى عشرة مرة، إذ لا مانع من الجلوس على القبر لقراءة القرآن.
стр. 337
مكروهات زيارة القبور:
-١ - يكره الجلوس على القبر لغير القراءة، لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن يجلس أحدكم على جمرة حتى تحرق ثيابه خير له من أن يجلس على قبر) (١) . كما يكره النوم والصلاة عنده.
-٢ - يكره تحريماً قضاء الحاجة على القبور، لما روي عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن أمشي على جمرة أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي، أحب إليّ من أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق) (٢) .
-٣ - يكره قطع الحشيش الرطب وكذا الشجرة من المقبرة، لأنه يسبح الله تعالى ما دام رطباً فيؤنس الميت وتنزل بذكر الله تعالى الرحمة.
стр. 338
هل يثاب الأموات بما يقدمه الأحياء:
روي عن عائشة ﵂ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : (إن أمي افتُلِتَت نفسها، وأَظنها لو تكلمت تصدقّتْ، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم) (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (٢) .
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من أهل بيت يموت منهم ميت فيتصدقون عنه بعد موته إلا أهداها له جبريل ﵇ على طبق من نور، ثم يقف على شفير القبر العميق هذه هدية أهداها إليك أهلك فاقبلها، فيدخل عليه فيفرح بها ويستبشر، ويحزن جيرانه الذين لا يهدى إليهم شيء) (٣) .
стр. 339
كتاب الصيام
стр. 340
الباب الأول [تعريفه، أقسامه، ما يستحب ويكره فيه]
стр. 341
الفصل الأول: تعريف الصوم ، ...
стр. 342
لغة: الإمساك عن الفعل أو القول، بدليل قوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً﴾ (١) .
شرعاً: الإمساك عن المفطرّات، حقيقة أو حكماً (٢) ، في وقت مخصوص (من طلوع الفجر إلى غروب الشمس) ، من شخص مخصوص مع النية.
стр. 343
الحكمة من مشروعيته:
-١ - سكون النفس الأمَّارة بالسوء عن التحرك إلى ما لا يرضي، لأنه إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء عن الحركة وإذا شبعت النفس جاعت الجوارح بمعنى قويت على البطش والنظر فعل ما لا ينبغي، لذا يصفو القلب بالصوم وتحصل المراقبة قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ (١) .
-٢ - العطف على المساكين بالإحساس بألم الجوع.
стр. 344
فضيلة الصوم:
روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الصيام جُنَّة، فلا يَرفُث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل إني صائم - مرتين - والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها) (١) أي أن الله تعالى ينفي شركة الغير عن الصوم، وهذا لم يذكر في سائر الطاعات، لذا ليس في الصوم المفروض رياء، وقيل تؤخذ الحسنات في المظالم إلا الصوم.
ثوابه: تكّرماً من الله تعالى في الآخرة، إن لم يكن الصوم منهياً عنه، فإن كان منهياً عنه كصوم يوم النحر فالصوم صحيح والصائم آثم لإعراضه عن ضيافة الله تعالى.
روي عن سهل ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن في الجنة باباً يقال له الرَّيَّان، يَدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال أين الصائمون، فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق، فلم يدخل منه أحد) (٢) .
أركان الصوم: الإمساك عن قضاء شهوتي البطن والفرج وعما أُلحق بهما.
стр. 345
شروط الصوم:
أولاً: شروط وجوب الصوم:
-١ - الإسلام: لأنه عبادة فلا يجب على الكافر.
-٢ - العقل: فلا يجب على الصغير والمجنون والمغمى عليه، لما روى علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (١) . ويجب القضاء في حالة الإغماء ولو امتد الإغماء الشهر كله لندرته ولقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام أخر﴾ (٢) إلا أنه لا يقضي اليوم الذي حدث فيه الإغماء إذا كان نوى الصيام، وأما الجنون فإن استوعب الشهر كله فلا يقضي، وإن لم يستوعب قضى ما جُنَّ فيه.
-٣ - البلوغ: فلا يجب الصوم على الصبي المميز، لكن صومه صحيح، ويُؤمر به قياساً على الصلاة، ويضرب على تركه لِعَشر. والتكليف هنا للأولياء.
-٤ - العلم بالوجوب: لمن أسلم في دار الحرب، ويحصل بإخبار عدل أو امرأتين. أما من نشأ في دار الإسلام فلا عذر له بالجهل.
стр. 346
ثانياً: شروط وجوب الأداء:
الأداء هو تفريغ ذمة المكلف عن الواجب في ذمته المعين له.
-١ - الصحة من المرض: لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام أخر﴾ (١) .
-٢ - الخلو من الحيض والنفاس.
-٣ - الإقامة.
стр. 347
ثالثاً: شروط صحة الصوم:
أولاً: النية: فلا تصح كل عبادة إلا بالنية، ولحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (١) . وتتحقق النية بقصد القلب وعزمه على الصوم، ولا يشترط لها النطق باللسان.
وتجب النية لكل يوم، لأن صوم كل يوم عبادة مستقلة. فلو نوى من أول ليلة في رمضان صوم جميع الشهر لم يجزئ إلا عن أول يوم، ولكن يُسن له ذلك ليصح صوم النهار الذي نسي النية فيه على مذهب الإمام مالك ﵁.
وأقل النية: نويت الصيام، وأكملها: نويت صوم يوم غد عن أداء فرض رمضان إيماناً واحتساباً. والتسحرّ في رمضان نية، لأن النطق باللسان ليس شرطاً بل هو سنة.
وإن علق النية على شرط لم تصح، كأن يقول: نويت الصيام إلا إذا دُعِيت إلى طعام، فلا تعتبر نية.
شروط النية:
-١ - التبييت: ومعناه أن ينوي الصيام من الليل، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
-٢ - التعيين: وهو أن يحدد نوع الصوم الذي يريد.
وهذان الشرطان غير واجبيين في كل أنواع الصيام:
أ - لا يشترط تبييت النية ولا تعيينها فيما يلي:
(١) - أداء شهر رمضان؛ أما ما روي عن حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من لم يبيِّت الصيام من الليل فلا صيام له) (٢) فيحمل على أنه نفي كمال الصوم لا نفي وجوده أصلاً.
واستدل على عدم اشتراط التبييت في صوم رمضان بما يلي:
-١ - نية أكثر النهار تكون نية للكل، فلو نوى قبيل الضحوة الكبرى - وهو ما قبل نصف النهار - صح صومه.
-٢ - ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال رأيت الهلال. فقال: (أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. قال: نعم فنادى النبي ﷺ : أن صوموا) (٣) .
ولو نوى في رمضان أداء واجب آخر غير رمضان وقع عن رمضان إن كان صحيحاً مقيماً.
(٢) - النذر المعيّن زمانه: كمن نذر صوم يوم بعينه فلا يحتاج في نيته إلى تعيين ولا تبييت، لكن لو نوى صوم واجب غير النذر المعين وقع الصوم عن هذا الواجب، وبقي النذر المعين بذمته فيقضيه، أما لو نوى نفلاً مطلقاً فيقع عن النذر.
(٣) - صوم النفل المطلق: لما روي عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: (هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا. قال: فإني إذن صائم. ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ (٤) . فقال: أرينيه فلقد أصبحت صائماً، فأكل) (٥) .
وتصح النية في صوم النفل المطلق حتى الضحوة الكبرى.
ب - يشترط التبييت والتعيين فيما يلي:
(١) - قضاء رمضان.
(٢) - قضاء ما أفسده من نفل.
(٣) - صوم الكفارات بأنواعها ككفارة اليمين والتمتع والقران.
(٤) - النذر المطلق.
стр. 348
ثانياً: خلوه عما يفسده:
ومفسدات الصوم هي:
-١ - الجماع عمداً والاستمناء عمداً؛ لقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ (١) . أما الجماع ناسياً للصوم، فهو كالأكل ناسياً لا يفطر، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أكل أو شرب ناسياً فلا يفطر فإنما هو رزق رزقه الله) (٢) فالنص هنا على الأكل والشراب، وقيس عليه الجماع.
-٢ - وصول أي شيء عمداً أو خطأ إلى ما يسمى جوفاً، أو ما كان في حكم الجوف وهو الدماغ، من منفذ مفتوح: فأما الشيء فيشمل الطعام والشراب، ويلحق به التدخين، وابتلاع ما لا يؤكل عادة كالدرهم والحصاة والخيط. ويستثنى غبار الطريق، ودخان السيارات، وما بين الأسنان إن كان دون الحمصة. وأما الجوف: فيشمل جوف الإنسان كله، سواء كان الداخل من الفرج أو الدُبُر أو الفم أو أي منفذ له، فلو أدخلت المرأة إصبعها في فرجها ولو للتنظيف أفطرت، والقطرة في الأنف والأذن تُفطر بخلاف القطرة في العين فإنها لا تفطر.
-٣ - الاستقياء: فلو تعمد التقيؤ أفطر، أما لو ذرعه القيء فلا يضره ولا قضاء عليه، إلا إذا ابتلعه عمداً وكان ملء الفم فعليه القضاء. لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من ذَرَعه القيء (٣) فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض) (٤) وقال الإمام أبو يوسف: إذا تعمد القيء وكان أقل من ملء الفم لا يفسد.
стр. 349
ثالثاً: خلوه عما ينافي صحته:
-١ - الإسلام: فلا يصح صوم الكافر ولا المرتد لقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (١) .
-٢ - النقاء من الحيض والنفاس: فلو طهرت بعد الفجر بقليل لم يصح صوم ذاك النهار، لكن يجب الإمساك عن المفطرات بقية اليوم وقيل يسن، وعليها القضاء. أما إذا حاضت بعد آذان المغرب بقليل صح صومها ولا قضاء عليها. وكذا لو نقيت من الحيض أو النفاس قبل الفجر صح صومها ولم تقض ذاك النهار ولو لم تغتسل، لأن الاغتسال ليس شرطاً لصحة الصوم بل هو أفضل. وكذا من أصبح جنباً صح صومه ولو لم يغتسل. وذلك لما روي عن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر، وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم) (٢) ، وإن كان الأفضل له أن يغتسل قبل الفجر.
وليس العقل والإقامة من شروط الصحة، فإن الجنون إذا طرأ وبقي إلى الغروب صح صومه أي ولم يأكل شيئاً ولم يدخل المفطر جوفه.
стр. 350
الفصل الثاني: أقسَام الصوم
стр. 351
يقسم الصوم من حيث حكمه إلى أقسام:
أولاً: الصوم المفروض وهو نوعان:
-١ - مُعّين: وهو ما كان له وقت خاص، ويشمل صوم شهر رمضان، والنَّذر المُعّين.
-٢ - غير معين: وهو ما ليس له وقت خاص، ويشمل:
-١ - قضاء ما فات من صوم رمضان.
-٢ - النذر المطلق.
-٣ - الكفارات: وتشمل كفارة الظِّهار، والقتل الخطأ، واليمين، وصوم جزاء الصيد، وصوم المُتْعة والقِران إن لم يهدِ، وفدية الأذى في الإحرام إذا اختار الصوم، وكفارة الإفطار العمد.
ثانياً: الصوم الواجب: ويشمل:
-١ - قضاء ما أفسد من صوم نفل، لأنه يجب بالشروع فيه.
-٢ - إتمام ما شرع به من صيام النفل، لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (١) .
-٣ - صوم الاعتكاف المنذور.
صوم شهر رمضان:
دليله: ثبتت فرضية صوم رمضان بالكتاب والسنة والإجماع.
من الكتاب: قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه..﴾ (١) .
ومن السنة: ما رواه ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) (٢) .
ويكفر جاحد وجوب صوم رمضان. ومن تركه من غير جحدٍ ولا عذرٍ عذب وضيق عليه حتى يصوم.
حكمه: فرض عين أداء وقضاء.
سبب وجوب صوم رمضان:
شهود جزء صالح للصوم من رمضان، أي شهود جزء صالح لإنشاء الصوم فيه من كل يوم وهو ما كان من طلوع الفجر الصادق إلى قبيل الضحوة الكبرى. خرج بذلك الليل وما بعد الزوال.
стр. 355
حكم التماس الهلال:
يجب وجوباً كفائياً رؤية الهلال في ليلة الثلاثين من شهر شعبان، لأنه قد يكون الشهر ناقضاً، فقد روي عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً) (١) . كما يجب التماس هلال شوال ليلة الثلاثين من رمضان.
وتثبت رؤية الهلال عند القاضي:
أ - إن كان الجو غائماً: يثبت هلال شهر رمضان بخبر مسلم واحد بالغ عاقل عَدْل (٢) ، أو بخبر مجهول الحال (٣) ، ولو كان أنثى أو رقيقاً أو محدوداً بقَذْف ثم تاب. ويحق للأنثى أن تشهد بغير إذن وليها لأنها فرض عين. ويلزم العدل أن يشهد عند الحاكم في ليلة رؤيته لإثبات رمضان، وذلك لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال، فقال: (أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذّن في الناس فليصوموا غداً) (٤) ، ولا يشترط لفظ الشهادة، كمالا يشترط حكم أو مجلس قضاء.
أما هلال شوال وغيره من الأشهر في يوم الغيم فلا بد في إثباته من عدلين حرّين مسلمين مكلَّفين غير محدودَيْن في قذف، أو رجل وامرأتين لكن بلا اشتراط تقدم دعوى. وذلك لما روي عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ بالله لأهلاّ الهلال أمس عشية. فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا) (٥) .
ب - إن كانت السماء صحواً: فلابد من رؤية جماعة كثيرين لإثبات رمضان وشوال، فالتفرد في هذه الحالة يوهم الغلط. والجمع الكثير قيل: أهل المحلة، وقال أبو يوسف، خمسون.
أما إن لم يكن في القرية قاض ولا وال فيصوم بخبر أحدهم إن كان ثقة، وذلك بأن يشهد ليلة رؤيته بين الناس في المسجد، ويُفطرون بخبر رجلين، إن كان في السماء علّة، وإلا فلابد من جَمع عظيم لثبوت الصيام والفطر.