يقسم الصوم من حيث حكمه إلى أقسام:
أولاً: الصوم المفروض وهو نوعان:
-١ - مُعّين: وهو ما كان له وقت خاص، ويشمل صوم شهر رمضان، والنَّذر المُعّين.
-٢ - غير معين: وهو ما ليس له وقت خاص، ويشمل:
-١ - قضاء ما فات من صوم رمضان.
-٢ - النذر المطلق.
-٣ - الكفارات: وتشمل كفارة الظِّهار، والقتل الخطأ، واليمين، وصوم جزاء الصيد، وصوم المُتْعة والقِران إن لم يهدِ، وفدية الأذى في الإحرام إذا اختار الصوم، وكفارة الإفطار العمد.
ثانياً: الصوم الواجب: ويشمل:
-١ - قضاء ما أفسد من صوم نفل، لأنه يجب بالشروع فيه.
-٢ - إتمام ما شرع به من صيام النفل، لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (١) .
-٣ - صوم الاعتكاف المنذور.
صوم شهر رمضان:
دليله: ثبتت فرضية صوم رمضان بالكتاب والسنة والإجماع.
من الكتاب: قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه..﴾ (١) .
ومن السنة: ما رواه ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) (٢) .
ويكفر جاحد وجوب صوم رمضان. ومن تركه من غير جحدٍ ولا عذرٍ عذب وضيق عليه حتى يصوم.
حكمه: فرض عين أداء وقضاء.
سبب وجوب صوم رمضان:
شهود جزء صالح للصوم من رمضان، أي شهود جزء صالح لإنشاء الصوم فيه من كل يوم وهو ما كان من طلوع الفجر الصادق إلى قبيل الضحوة الكبرى. خرج بذلك الليل وما بعد الزوال.
стр. 355
حكم التماس الهلال:
يجب وجوباً كفائياً رؤية الهلال في ليلة الثلاثين من شهر شعبان، لأنه قد يكون الشهر ناقضاً، فقد روي عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً) (١) . كما يجب التماس هلال شوال ليلة الثلاثين من رمضان.
وتثبت رؤية الهلال عند القاضي:
أ - إن كان الجو غائماً: يثبت هلال شهر رمضان بخبر مسلم واحد بالغ عاقل عَدْل (٢) ، أو بخبر مجهول الحال (٣) ، ولو كان أنثى أو رقيقاً أو محدوداً بقَذْف ثم تاب. ويحق للأنثى أن تشهد بغير إذن وليها لأنها فرض عين. ويلزم العدل أن يشهد عند الحاكم في ليلة رؤيته لإثبات رمضان، وذلك لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال، فقال: (أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذّن في الناس فليصوموا غداً) (٤) ، ولا يشترط لفظ الشهادة، كمالا يشترط حكم أو مجلس قضاء.
أما هلال شوال وغيره من الأشهر في يوم الغيم فلا بد في إثباته من عدلين حرّين مسلمين مكلَّفين غير محدودَيْن في قذف، أو رجل وامرأتين لكن بلا اشتراط تقدم دعوى. وذلك لما روي عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ بالله لأهلاّ الهلال أمس عشية. فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا) (٥) .
ب - إن كانت السماء صحواً: فلابد من رؤية جماعة كثيرين لإثبات رمضان وشوال، فالتفرد في هذه الحالة يوهم الغلط. والجمع الكثير قيل: أهل المحلة، وقال أبو يوسف، خمسون.
أما إن لم يكن في القرية قاض ولا وال فيصوم بخبر أحدهم إن كان ثقة، وذلك بأن يشهد ليلة رؤيته بين الناس في المسجد، ويُفطرون بخبر رجلين، إن كان في السماء علّة، وإلا فلابد من جَمع عظيم لثبوت الصيام والفطر.
стр. 356
ثبوت شهر رمضان:
يجب صوم رمضان بأحد الأمور التالية:
-١ - استكمال شعبان ثلاثين يوماً إن غُمَّ الهلال بغيم أو غبار، وذلك بالإجماع. روي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العِدّة ثلاثين) (١) .
-٢ - رؤية هلال رمضان، للحديث المتقدم ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) (٢) .
ولا عبرة برؤية الهلال نهاراً سواء قبل الزوال أو بعده. أي يجب سبق الرؤية على الصوم والفطر. والرؤية عند عامة الصحابة والتابعين ومن بعدهم عشية كل شهر وهو المختار من المذهب. روى شقيق بن سلمة قال: "جاءنا كتاب عمر ﵁ ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس عشية" (٣) .
كما يجب الصوم ويعم إذا ثبت هلال رمضان بحكم حاكم.
-٣ - يجب صوم رمضان بحق من رأى الهلال وحده ولو رده القاضي، لقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (٤) . لكن لا يأمر الناس بالصوم سواء كان من عرض الناس أو كان إماماً.
أما لو رأى هلال شوال منفرداً فلا يجوز له الفطر، ولا يأمر الناس بالفطر ولو كان إماماً، ولا يصلي بهم العيد أخذاً بالاحتياط. ولو أفطر وجب عليه القضاء دون الكفارة لوجود الشبهة.
-٤ - يجب الصوم بحق من أُخبر رؤية الهلال من قبل من يثق به.
-٥ - إذا ثبتت رؤية الهلال بقُطر من الأقطار وجب الصوم على سائر الأقطار لا فرق بين القريب والبعيد منها، أي لا عبرة لاختلاف المطالع مطلقاً. وهناك قول آخر باستقلال كل قطر لاختلاف المطالع وكلا القولين مصحح.
أما قول المنجّمين وعلماء الفلك فلا عبرة له، ولا يجب عليهم الصوم لحسابهم ولا على من وثق بقولهم.
стр. 357
يوم الشكّ:
تعريفه: هو اليوم الذي يلي التاسع والعشرين من شعبان وقد استوى فيه طرفا العلم والجهل بحقيقة الحال، بأن غم الهلال، فاحتمل كمال شعبان ونقصانه. وكذلك قد يحصل الشك بسبب عدم توفر شروط شهادة الشهود.
ويَحْسُن بالمفتي أن يأمر بالإمساك حتى الضحوة الكبرى كي يتأكد المسلمون عدم كونه من رمضان.
حكم صومه:
-١ - مكروه تحريماً إن صامه على أنه من رمضان على جهة الاحتياط، لقول عمار بن ياسر ﵄: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ " (١) .
-٢ - مكروه تنزيهاً إذا نوى صيامه عن واجب، أو إذا نوى صيامه متردداً فيه بين نفل وواجب أو بين نفل وفرض؛ كأن يقول: إن كان غداً من رمضان فهو فرض وإن كان من شعبان فهو نفل.
وعلى كلٍ إن صامه وظهر أنه رمضان أجزأه بأي نية كانت إلا أن فيه كراهة. أما إن صامه قضاء أو نذراً أو كفارة فلا يكره بحقه، وكذا إن صامه نفلاً بلا ترديد بينه وبين صوم آخر فإنه لا يكره، لحديث عمران بن حصين ﵁ (أن النبي ﷺ قال لرجل هل صمت من سرر هذا الشهر شيئاً؟ قال: لا. فقال رسول الله ﷺ : فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه) (٢) وسرار الشهر آخره لاستتار القمر فيه. ويستحب ختم كل شهر بعبادة. ولكن يشترط لمن صامه ألا يعلن ذلك خشية الظن أن صيامه أفضل، ولئلا يتم بالعصيان لخبر عمار ﵁ المتقدم.
وإذا وافق يوم الشك معتاده فصومه أفضل اتفاقاً، واختلف في الأفضل إذا لم يوافق معتاده، قيل: الأفضل الفطر احترازاً لظاهر النهي، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) (٣) . وقيل: لا بأس بالصوم اقتداء بعلي وعائشة ﵄ فإنهما كانا يصومانه.
-٣ - باطل صومه إن نوى متردداً بين الصوم والإفطار، كأن يقول: إن كان من رمضان فصائم وإلا فمفطر، لعدم الجزم بالنية.
стр. 358
حالات الإفطار في رمضان وأحكامها
أولاً - حالة الإفطار المحرم الموجب للقضاء والكفارة معاً:
-١ - الجماع في أحد السبيلين من آدمي حي مُشتهى وإن لم ينزل، في نهار رمضان، عامداً مختاراً بعد نية الصوم من الليل، وهو مكلف عالم بالتحريم.
وتجب الكفارة على المرأة في حال كونها مطاوِعة، فإن أُكرِهت فلا كفارة عليها، بل يجب عليها القضاء فقط كما في الخطأ. أما لو أكرهت المرأة زوجها فعليهما القضاء والكفارة، وقال الإمام محمد: لا تجب عليه الكفارة لكونه مكرهاً.
-٢ - الأكل والشرب عامداً في نهار رمضان: وإن قلّ، سواء كان المفطر مما يُتغذى به أو يُتداوى. لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أفطرت يوماً من رمضان. قال: (من غير عذر ولا سفر؟ قال: نعم. قال: بئس ما صنعت. قال: فما تأمرني؟ قال: أعتق رقبة) (١) . وكذا شرب الدخان في الصيام يوجب الكفارة على قول من يقول: إن سبب وجوب الكفارة قضاء الشهوة وتنقضي بشربه وتناوله.
-٣ - إذا أكل بعد المسّ أو القبلة بغير إنزال ظاناً أنه أفطر بالمسّ، إلا إذا استفتى فقيهاً فأفتاه بالفطر فأكل فلا تجب عليه الكفارة. وكذا إذا أكل بعد حدوث شيء، كأن اكتحل أو دَهَن شاربه أو اغتاب، فظن أنه أفطر بذلك، لأنه متعمد ولم يستند إلى دليل شرعي فتلزمه الكفارة، إلا إذا كان جاهلاً فاستفتى فأفتي له بالفطر فحينئذ لا تلزمه الكفارة، لأن الفتوى تصير شبهة في حق الجاهل.
شروط تحقق وجوب الكفارة:
-١ - أن يكون الصائم مكلفاً.
-٢ - أن يكون مبيتاً النية في أداء رمضان.
-٣ - أن لا يطرأ قبله ما يبيح الفطر كالسفر، فإن سافر ثم أفطر فلا كفارة عليه، وأن لا يطرأ بعده ما يبيح الفطر كالمرض أو الحيض.
-٤ - أن يكون غير مكره.
-٥ - أن يكون متعمداً غير ناس للصوم.
-٦ - أن يكون غير مخطئ ولا مضطر.
стр. 359
ماهية الكفارة:
-١ - عتق رقبة سالمة من العيوب المفوِّتة للمنفعة، ولا يشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة لإطلاق النص.
-٢ - إن عجز عن الرقبة لعدم مُلكها أو مُلك ثمنها صام شهرين متتابعين لو بدأ بالأهلة، أما لو بدأ في أثناء الشهر ولو في اليوم الثاني منه فعليه ستون يوماً متتابعة، خالية من أيام العيد أو أيام التشريق، ويجب فيها التتابع، إلا المرأة فتقطع أيام حيضها ثم تتابع بعد طُهرها من الحيض، وإذا قدر على الرقبة قبل أن يتمّ صيام الشهرين أعتق.
-٣ - إن لم يستطع الصوم لعجز أو مرض أطعم ستين مسكيناً ولو في أوقات متفرقة لحصول الواجب. والإطعام أقله وجبتان: فطور وسحور أو غداءان لكل مسكين، ويجوز إعطاؤهما لمسكين واحد على ستين يوماً، لأنه بتجدد الحاجة في كل يوم يصير بمنزلة مسكين آخر.
ويشترط في الإطعام الإشباع، ويقدر بنصف صاع (١) من بُرّ أو صاع من تمر أو شعير أو قيمته.
أما دليل وجوب الكفارة فما روى أبو هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله. قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال ثم جلس؟ فأتي النبي ﷺ بعَرَق (٢) فيه تمر، فقال: تصدق بهذا. قال: أفقر منا؟ فما بين لابَتيْها (٣) أهل بيت أحوج إليه مناّ، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك) (٤) .
стр. 360
تعدادها:
تكفي كفارة واحدة عن مفسدات للصوم متعددة في أيام كثيرة بشرط أن لا يتخلل هذه المفسدات (أكل، جماع) تكفير، لأن الكفارة للزجر وبواحدة يحصل، ولو كانت الأيام من رمضانَيين على الصحيح لوقوع التداخل. فإن تخلل بين الإفطارين تكفير وجب إعادة الكفارة لإعادة الجرم.
متى يسقط وجوب الكفارة:
-١ - إذا طرأ حيض أو نفاس أو مرض يبيح للفطر في يوم الإفساد الموجب للكفارة، لأنها تجب في صوم مستحق وهو لا يتجزأ ثبوتاً وسقوطاً فتمكنت الشبهة في عدم استحقاقه من أوله بطروء العذر في آخره.
-٢ - إذا سافر ثم أفطر، أما إذا سافر مختاراً أو مكرهاً بعد لزومها عليه فلا تسقط، لأن ذلك من صنع العباد.
ثانياً - حالة الإفطار المحرم الموجب للقضاء فقط:
-١ - إذا فعل ما ليس فيه كمال شهوة الفرج.
أ - إن جامع فيما دون السبيلين أو بهيمة.
ب - إن قبل أو لمس فأنزل.
جـ - الاستمناء بالكفّ أو غيره، أو الفطر بالجماع في غير رمضان.
فهذه الأفعال كلها مفطرة لكن لا توجب الكفارة لعدم تمام الجناية.
-٢ - إن أقطر في أذنه، أو استعط أي أقطر في أنفه. أما إن دخل الماء في أذنيه بلا صنعة فلا يفطر.
-٣ - إن استقاء متعمداً، وشرط أبو يوسف أن يكون ملء الفم لأن ما دونه كالعدم حكماً، أو ابتلع عمداً ما ذرعه من القيء وكان ملء الفم، وفي الأقل منه روايتان في الفطر وعدمه.
-٤ - إن داوى جائفة، وهي الجراحة في البطن، أو آمة، وهي الجراحة بالرأس، بدواء ووصل إلى جوفه أو دماغه.
-٥ - إن أكل ما ليس فيه غذاء، كأن بلع تراباً أو حصواً أو ما لا يؤكل بدون طبخ.
-٦ - إن أفطر عمداً بعد أكله ناسياً وجب عليه القضاء دون الكفارة لوجود الشبهة، وفي رواية تجب الكفارة.
-٧ - إن أفطر مكرهاً ولو بالجماع.
-٨ - إدخال شيء في القُبُل أو الدُبُر ولو كانت الإصبع مبللة أو خرقة، أو قطنة، وكذا الحُقْنَة في الدبر، أو القبل عند أبي يوسف إذا وصل الماء أو الدهن إلى المثانة.
-٩ - إن أتى بالمفطرات عمداً بعد ما نوى الصيام نهاراً ولم يكن مبيتاً نيته، وجب عليه القضاء دون الكفارة لشبهة عدم صومه عند السادة الشافعية.
-١٠ - إن سافر في نهار رمضان بعد ما أصبح مقيماً ناوياً من الليل، فأكل في حالة السفر وجامع عمداً، وجب عليه القضاء دون الكفارة لشبهة السفر وإن لم يحل له الفطر.
-١١ - إن أدخل الدخان عمداً إلى جوفه أو دماغه، سواء أكان دخان عنبر أو عود أو غيرهما، حتى لو استنشق بخوراً أفطر.
ثالثاً - حالة الإفطار الجائز الموجب للقضاء فقط:
-١ - المرض:
أ - إن خاف المكلف زيادة مرضه أو بطء الشفاء جاز له الفطر وعليه القضاء من أيام آخر، لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعِدّة من أيام أُخر﴾ (١) .
ب - إن خاف على نفسه الهلاك أو ذهاب منفعة عضو وجب عليه الفطر.
-٢ - السفر:
يجوز للمسافر في رمضان قبل الفجر أن يفطر، وعليه القضاء فيما بعد، أما إن أنشأ السفر بعد الفجر فلا يحل له الفطر بعد ما أصبح صائماً.
وأدلة جواز الفطر في السفر قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر﴾ (١) . وما روي عن ابن عباس ﵄ قال: (صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر) (٢) . ولكن الصوم في السفر أفضل من الفطر إن لم يضره، بدليل قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ (٣) ، وما روي عن أبي الدرداء ﵁ قال: (لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في اليوم الحار، الشديد الحر وإن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحَّر، وما في القوم أحد صائم إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة) (٤) .
هذا إذا لم يكن عامة رفقته مفطرين، وإلا فالأفضل الفطر موافقة للجماعة.
وإذا كان مسافراً فأقام أثناء النهار، وكان أكل أو شرب، فيستحب له الإمساك بقية يومه، أما إذا وصل قبل الزوال، ولم يفسد صومه، فينوي الصوم ويتابع يومه صائماً.
-٣ - الغزو: إذا كان المكلف يعلم يقيناً أو بغلبة الظن وقوع القتال، ويخاف الضعف عنه إن صام، جاز له الفطر قبل الحرب.
-٤ - الحامل والمرضع: إن خافتا على نفسيهما أو ولديهما بإخبار طبيب حاذق مسلم عدل، أو بتجربة سابقة، جاز لهما الفطر، ووجب في حقهما القضاء فقط. لما روي عن أنس ابن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن الله وضع للمسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحُبلى والمُرضع) (٥) .
-٥ - صاحب العمل الشاق: إن أجهده العطش الشديد أو الجوع المفرط، وخاف الهلاك جاز له الفطر. لكن لا يفطر حتى يجهده الصوم.
ومن مات قبل زوال عذره بمرض أو سفر ونحوه من الأعذار المبيحة للفطر سقط عنه القضاء، ولا يجب عليه الإيصاء بفدية لفوات إدراكه عدة من أيام أخر، وإن أدرك العدة قضى ما قدر على قضائه، وإن لم يقض وجب الإيصاء بقدر الإقامة من السفر والصحة من المرض وزوال العذر اتفاقاً؛ فلو فاته عشرة أيام فقدر على خمسة أدى فديتها فقط، وتخرج الفدية من الثلث لأنها تابعة للوصية.
стр. 361
رابعاً - حالة الإفطار الجائز الموجب للفدية دون القضاء:
-١ - الشيخ الفاني إن عجز عن الأداء، لقول ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ (١) ، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً (٢) . وقد أطعم أنس ﵁ بعد ما كَبِر عاماً أو عامين، كل يوم مسكيناً، خبزاً ولحماً، وأفطر (٣) .
-٢ - المريض مرضاً مبيحاً للإفطار ولا يرجى شفاؤه.
-٣ - العاجز عن أداء نذر صوم الدهر، يفطر ويفدي لاشتغاله بالمعيشة.
ماهية الفدية:
إطعام مسكين نصف صاع من بُرّ، أو صاعاً من تمر أو شعير، أو قيمته، أو أكلتين مشبعتين عن كل يوم، ولا يشترط التمليك (٤) . فإن لم يقدر على الإطعام لعسرته يستغفر الله سبحانه ويطلب منه العفو عن تقصيره في حقه.
ولا تجوز الفدية إلا عن صوم هو أصل بنفسه لا بدل عن غيره. حتى لو وجبت عليه كفارة يمين أو قتل أو ظهار أو إفطار، فلم يجد ما يكفر به عن عتق أو إطعام أو كسوة، وهو شيخ فان أو لم يصم حال قدرته على الصوم حتى صار فانياً، لا تجوز له الفدية لأن الصوم هنا بدل عن غير وهو التكفير بالمال. ولذا لا يجوز المصير إلى الصوم إلا عند العجز عما يكفر به من المال.
стр. 362
خامساً - حالة الإفطار الواجب الموجب للقضاء:
وهي حالة الحائض والنفساء. ودليل وجوب القضاء ما روت عائشة ﵂ قالت: (كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) (١) . فإن طهرتا أثناء النهار يجب الإمساك بقية النهار قضاء لحق الوقت ولأنهما صارتا أهلاً للصوم. وقيل يسن لهما الإمساك.
стр. 363
سادساً - حالة وجوب الإمساك مع وجوب القضاء ولا إثم فيها:
-١ - إن تسحر بعد الفجر شاكاً أنه لم يطلع وقد طلع لا كفارة عليه للشبهة لأن الأصل بقاء الليل، ويأثم إثم ترك التثبت لا إثم جناية الإفطار. وإذا لم تبين له طلوع الفجر لا يجب عليه القضاء بالشك.
-٢ - إن أفطر ظاناً أن الشمس قد غربت ولم تغرب، ولابد من غلبة الظن لا مجرد الشك؛ لأن الأصل بقاء النهار فلا يكفي مجرد الشك لإسقاط الكفارة، بخلاف الشك في طلوع الفجر عملاً بالأصل في كل محل.
وفي الحالتين يجب عليه القضاء والإمساك بقية اليوم قضاء لحرمة الوقت بالقدر الممكن ونفياً للتهمة، فقد قيل "من أقام نفسه مقام التهمة فلا يلومن من أساء الظن به". ودليل وجوب القضاء ما روي عن حنظلة ﵁، وكان صديقاً لعمر ﵁، قال: "كنت عند عمر في رمضان فأفطر وأفطر الناس، فصعد المؤذن ليؤذن فقال: يا أيها الناس هذه الشمس لم تغرب. فقال عمر ﵁: كفانا الله شرك، إنا لم نبعثك راعياً. ثم قال عمر ﵁: من كان أفطر فليصم يوماً مكانه" (١) .
-٣ - إن أفطر خطأ بسبق ماء المضمضة والاستنشاق إلى جوفه.
-٤ - إن أفطر مكرهاً.
-٥ - إن أمسك اليوم كله ولم ينوِ صوماً وجب عليه القضاء لتفويت النية بالجهل ولفقد شرط الصحة.
ويكون القضاء في جميع الحالات على التراخي، فلو أخره حتى دخل رمضان آخر فلا فدية عليه بالتأخير، فعن عائشة ﵂ قالت: "كان يكون عليّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان" (٢) . ولا يشترط التتابع (٣) في القضاء لإطلاق النص، لكن يستحب التتابع وعدم التأخير عن زمن القدرة مسارعة إلى الخير وبراءة للذمة.
стр. 364
سابعاً - حالات لا تفطر ولا يجب فيها شيء:
-١ - الأكل والشرب والجماع ناسياً، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) (١) . ومن رأى ناسياً للصوم يأكل وكان قادراً على إتمام الصوم فليذكره أنه صائم، ويكره له كراهة تحريمية ترك التذكير، أما إن لم يكن له قوة فالأفضل عدم تذكيره لما فيه من قطع الرزق، واللطف فيه أفضل شاباً كان أو شيخاً.
-٢ - الاحتلام: وهو غير مفسد للصوم لتجرده عن القصد، ولما روى عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء والحجامة والاحتلام) (٢) .
-٣ - الإنزال من غير مباشرة أو فعل منه، كالإنزال بالنظر إلى المرأة أو بالفكر، لا يفسد الصوم ولو أدام النظر، رغم أنهما حرام.
وكذا القبلة لا تفطر، لما روت عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإِرْبه) (٣) .
-٤ - دهن الجلد أو الاغتسال ولو وجد برد الماء في كبده.
-٥ - الاكتحال ولو وجد طعمه في حلقه أو لونه في بصاقه، وسواء كان مطيباً أم لا، إذ ليس بين العين والدماغ مسلك، وروي عن عائشة ﵂ قالت: (اكتحل رسول الله ﷺ وهو صائم) (٤) . ومثله القطرة بالعين.
-٦ - الاحتجام، للحديث المتقدم: (ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء والحجامة والاحتلام) ، أما ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) (٥) فمؤول بذهاب الأجر. ومثله إبرة سحب الدم أثناء الصوم.
-٧ - دخول الدخان في حلقه بلا صنعة لعدم القدرة على الامتناع منه.
-٨ - دخول غبار طريق أو ذباب، أو بقاء أثر طعم أدوية في حلقه، لا يفسد الصوم لعسر لاحتراز عنها.
-٩ - الاحتقان في قبل الرجل بماء أو دهن لا يفطر عند الإمام أبي حنيفة ومحمد (خلافاً لأبي يوسف فيما إذا وصل إلى المثانة يفسد) .
-١٠ - نزول النخامة من الرأس إلى الأنف ثم استنشاقها وابتلاعها عمداً لا يفسد الصوم، لكن يستحب إلقاؤها للخروج من خلاف السادة الشافعية.
-١١ - إذا سبح أو استحم فدخل في أذنه ماء لا يفسد صومه للضرورة. وكذا حك الأذن بعود وخروج درن من الصماخ لا يفسد الصوم ولو أدخله مراراً.
-١٢ - إذا ابتلع ما بين أسنانه لا يفطر إن كان دون الحمصة.
-١٣ - إذا مضغ قدر سمسمة، قد تناولها من خارج فمه، حتى تلاشت ولم يجد لها طعماً في حلقه.
-١٤ - من ذرعه القيء ولو ملأ فاه لا يفسد إن لم يبتلعه.
-١٥ - من تعمد القيء وكان أقل من ملء الفم لا يفسد عند الإمام أبي يوسف، وقال الإمام محمد بالفساد.
-١٦ - الإصباح بالجنابة لا يفسد، لأن من ضرورة الإذن بالمباشرة طوال الليل وقوع الغسل بعد الفجر.
-١٧ - إذ نوى الفطر ولم يفطر لعدم الفعل.
-١٨ - الغيبة: لا تفسد الصوم.
стр. 365
القسم الثاني (الصَّوْم المَسْنُون) .
стр. 366
وهو صوم يوم عاشوراء، فإنه يكفر السنة الماضية، بشرط أن يكون مع التاسع أو الحادي عشر، لحديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) (١) ، ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لئن بقيت إلى قَابِل لأصومن التاسع) (٢) . أي إلى عام قابل، ولم يبق ﷺ إليه.
стр. 367
القسم الثالث (الصَّوْم المَندوب) .
стр. 368
ويشمل:
-١ - صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فيكون كمن صام الشهر. ويندب كونها أيام البيض (١) أي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، لما روي عن ابن ملحان القيسي عن أبيه قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس
عشرة، قال: قال: هُن كهيئة الدهر) (٢) .
-٢ - صوم يومي الاثنين والخميس: لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأُحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم) (٣) .
-٣ - صوم ستة أيام من شوال: لما روي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر) (٤) . ويستحب أن تكون متفرقة، وقيل: الأفضل وصلها.
-٤ - صوم يوم عرفة لغير الحاج، لحديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) (٥) .
-٥ - صوم عشر ذي الحجة: لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال، ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) (٦) .
-٦ - صوم الأشهر الحرم، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب، وأفضلها صوم محرم، لما روي عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها قال: قال رسول الله ﷺ : (صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك. وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها) (٧) . ولحديث: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) (٨) . وكذلك يندب صوم شعبان لما روي عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يُفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان) (٩) .
-٧ - صوم يوم وإفطار يوم: لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (فصم يوماً وأفطر يوماً، فذلك صيام داود ﵇، وهو أفضل الصيام) (١٠) .
-٨ - النفل المطلق: وهو ما لم يثبت عند الشارع كراهته ولا يخصص بوقت، لعموم قوله ﷺ فيما رواه أبو سعيد الخدري ﵁: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) (١١) .
стр. 369
جواز الفطر في صوم التطوع:
اختلف الفقهاء في جواز الفطر لمن نوى الصوم متطوعاً:
-١ - قال أبو يوسف بالجواز ولو بدون عذر، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: (هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا. قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يوم آخر فقلنا: يا رسول الله أُهدي لنا حَيْس، فقال: أرينيه فلقد أصبحت صائماً، فأكل) (١) .
-٢ - ذكر الكرخي وغيره أنْ ليس له أن يفطر إلا لعذر، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليصل) (٢) . فلو كان الفطر جائزاً كان الفطر أفضل لإجابة الدعوة التي هي سنة.
والصحيح أن إفساد الصوم أو الصلاة بعد الشروع بهما نفلاً مكروه وليس حراماً لأن الدليل ليس قطعي الدلالة، لكن يلزمه القضاء. أما إن عرض للمتطوع عذر أبيح له الفطر اتفاقاً، والضيافة عذر للضيف والمضيف على السواء فيما قبل الزوال لا بعده.
стр. 370
القسم الرابع (الصَّوْم المَكرُوه) .
стр. 371
وهو قسمان:
(١) المكروه تنزيهاً:
-١ - صوم يوم عاشوراء منفرداً عن التاسع أو الحادي عشر.
-٢ - إفراد يوم الجمعة بالصوم لوجود النهي عنه، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تَخُصُّوا الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم (١) ، وعنه أيضاً قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يصَوُمنَّ أحدكم يوم الجمعة إلا يوماً قبله أو بعده) (٢) .
-٣ - إفراد يوم السبت بالصوم، لما روي عن عبد الله بن بسر عن أخته أن رسول الله ﷺ قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم) (٣) . وكذا إفراد يوم النيروز (٤) أو المهرجان (٥) ، لأنه تعظيم لأيام نهينا عن تعظيمها، إلا أن يصادف معتاده فلا كراهة.
-٤ - يكره صوم الدهر لحديث أبي قتادة ﵁ وفيه: (فقال عمر: يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ولا أفطر) (٦) .
-٥ - يكره صوم يوم الشك إن صامه عن فرض أو واجب أو تردد فيه بين نفل وواجب.
-٦ - يكره الوصال في الصوم حتى يتصل صوم الغد بالأمس، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إياكم والوصال. قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله. قال: إنكم لستم في ذلك مثلي. إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون) (٧) .
-٧ - يكره صوم المسافر إذا أجهده الصوم، لما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس من البر أن تصوموا في السفر) (٨) .
-٨ - يكره للمرأة أن تصوم تطوعاً وزوجها حاضر إلا بإذنه، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تصوم المرأة وبَعْلُها شاهد إلا بإذنه) (٩) . وله أن يُفَطِّرها إلا أن يكون مريضاً أو صائماً أو مُحْرِماً فلا يجوز له منعها في هذه الحال.
-٩ - يكره الصوم عن الكلام لأنه في غير شرع الإسلام وقد نسخه شرعنا، فعن ابن عباس ﵄ قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي ﷺ : (مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه) (١٠) .
стр. 372
(٢) المكروه تحريماً:
وهو إن صامه انعقد صومه مع الإثم، وإن شرع فيه ثم أفسده لا يلزمه القضاء.
-١ - صوم يومي عيد الفطر وعيد الأضحى، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الفطر والنحر) (١) .
-٢ - صوم أيام التشريق، وهي الثلاثة التي بعد عيد الأضحى، لحديث نُبَيْشَة الهُذَلي قال: قال رسول الله ﷺ : (أيام التشريق أيام أكل وشرب) (٢) .
стр. 373
النذر (١) :
حكم الوفاء بالنذر:
هو فرض على الراجح، وعلى القول المرجوح واجب إن كان من القربات، ضمن شروط سنذكرها، ودليل كونه واجباً أن الآية التي ثبت الحكم فيها: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ (٢) ، دخلها التخصيص بمن نذر معصية ولذا فهي غير قطعية الدلالة، فعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصه فلا يَعْصِه) (٣) فلا وفاء لنذر المعصية بل يحرم فعلها.
وقد انعقد الإجماع على وجوب الوفاء بنذر الطاعة، إن لم يكن نذر لجاج (٤) إذ اختلف في وجوب الوفاء به.
стр. 374
شروط الوفاء بالنذر:
-١ - أن يكون من جنسه فرض بأصله، كالصلاة والصوم والحج، إلا أن يكون في وقت محرم، كأن ينذر صوم أيام التشريق أو العيدين، فيصح النذر ويقضيه في غير هذه الأيام.
-٢ - أن يكون المنذور مقصوداً لذاته لا لغيره كالوضوء فإنه مقصوداً لغيره.
-٣ - أن لا يكون واجباً قبل نذره بإيجاب الله تعالى كالصلوات الخمس والوتر.
-٤ - أن لا يكون محالاً، كأن يقول: علي صوم أمس.
ويصح النذر بالصلاة غير المفروضة والصوم والصدقة والاعتكاف والذبح.
أقسام النذر:
-١ - النذر المطلق: كأن يقول لله عليَّ صلاة ركعتين، وهذا يجب الوفاء به في أي زمان وأي مكان لأن النذر إيجاب بالفعل من حيث هو قربة. ولا عبرة للزمان المعين ولا للمكان المعين، فلو نذر صوم شهر رجب صح منه وفاء لنذره صوم شعبان، ومن نذر صلاة ركعتين في مكة صحت منه ركعتان في أي مكان. كما لا عبرة لتعيين الدرهم وتعيين الفقير، فمن نذر أن يتصدق لفقير معين صح منه لأي فقير وبأي درهم، لأن المقصود تحقيق النذر من حيث هو تحقيق معنى العبادة؛ وهذا المعنى حاصل بدون مراعاة زمان ومكان وشخص خلافاً لزفر الذي قال بالتعيين.
-٢ - النذر المعلق: وهو قسمان:
أ - نذر معلق على شرط يريد وقوعه، كأن يقول: إن رزقني الله غلاماً أطعمت عشرة مساكين. فهذا يجب أداؤه إن تحقق الشرط ولا يجزئه إن فعله قبل تحقق الشرط.
ب - نذر معلق على شرط لا يريد حصوله، كأن يقول: إن كلمت زيداً فلله علي عتق رقبة، فإذا كلّمه فهو مخير بين أن يوفي بالنذر وبين أن يكفر كفارة يمين لأنه بظاهره نذر وبمعناه يمين.
стр. 375
الفصل الثالث [ما يستحب ويكره]
стр. 376
أولاً - ما يستحب في الصيام:
-١ - تعجيل الفطر أي قبل استفحال النجوم، لحديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) (١) .
-٢ - أن يفطر على رطبات ثلاث ثم يصلي المغرب، لما روي عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على الماء فإنه طهور) (٢) .
-٣ - أن يدعو الله عند الإفطار لأن الصائم دعاؤه مستجاب، لما روى عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد) (٣) .
-٤ - السحور: لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تسحروا، فإن في السحور بركة) (٤) . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (السحور كله بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين) (٥) . ولا يكثر منه إخلاله بالمراد (ذوق مرارة الجوع) .
ويستحب تأخير السحور، لحديث أبي الدرداء ﵁: (ثلاث من أخلاق المرسلين: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة) (٦) .
-٥ - الغسل من الحدث الأكبر ليلاً، ليكون على طهارة من أول يومه.
-٦ - الإكثار من قراءة القرآن ومدارسته، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن..) (٧) .
-٧ - التوسعة على العيال.
-٨ - الإكثار من الصدقة، لحديث ابن عباس ﵄ قال: (كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان) (٨) .
-٩ - يسن الاعتكاف في رمضان، خاصة في العشر الأواخر منه، لما روت عائشة ﵂ قال: (كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) (٩) . وفي هذا العشر ليلة القدر، ويستحب أن يطلبها، لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه) (١٠) . وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يُجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: (تحَّروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) (١١) . وهي من ليالي الوتر في العشر الأخير، والعمل في هذه الليلة خير من العمل في ألف شهر، والأفضل أن يحيي كل الليل بأنواع العبادة، وأدناها أن يصلي العشاء في جماعة والصبح في جماعة. ويستحب لمن وافقها أن يقول: "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني"، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلةَ القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني) (١٢) .
стр. 377
ثانياً - ما يكره للصائم:
-١ - الحجامة والفصد والعمل الشاق لأنها تضعف الجسم، سئل أنس بن مالك ﵁: "أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضَّعف" (١) .
-٢ - ذوق الطعام إلا لحاجة، إذا كان زوجها سيئ الخلق فلها ذوق الملح. أما الطعام خشية الغبن فمختلف فيه.
-٣ - العلك الذي ليس له طعم إن كان متماسكاً يكره، وإن كان متفتتاً يفطر ويجب فيه القضاء. روي عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قولها: "لا يمضغ العلك للصائم" (٢) .
-٤ - كل ما يؤدي إلى الوقوع في مفسد كالقبلة والمباشرة إن لم يأمن عدم الإنزال أو الجماع.
-٥ - المبالغة في المضمضة، لما روى لقيط بن صبرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ( ... وإذا استنشقت فبالغ إلا أن تكون صائماً) (٣) .
-٦ - تأخير الفطر إن تعمده، لحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور) (٤) .
-٧ - جمع الريق في الفم ثم بلعه.
стр. 378
ثالثاً - أشياء لا تكره للصائم:
-١ - القبلة والمباشرة مع الأمن من عدم الإنزال والجماع، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم) (١) . وقيل: تكره المباشرة على الصحيح، فعن أبي هريرة ﵁ (أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب) (٢) .
-٢ - دهن الشارب إذ ليس فيه ما ينافي الصوم، فعن ابن مسعود ﵁ قال: "أصبحوا مدهنين صياماً" (٣) .
-٣ - الكحل: لما روي عن عائشة ﵂ قالت: (اكتحل رسول الله ﷺ وهو صائم) (٤) .
-٤ - الحجامة والفصد إن لم يَضعف عن الصوم.
-٥ - السواك آخر النهار بل هو سنة كأوله، لما روي عن عامر بن ربيعة العدوي ﵁ قال: (ما أحصي ولا أعد ما رأيت رسول الله ﷺ يتسوك وهو صائم) (٥) ، وورد عن علي بن عيسى قال: "سألت عاصم الأحول فقلت أيستاك الصائم؟ فقال: نعم. فقلت: برطب السواك ويابسه. قال: نعم. قل: أول النهار وآخره. قال: نعم. قلت: عمَّن. قال: عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ " (٦) .
-٦ - المضمضة، والاستنشاق، والاغتسال والتلفف بثوب مبتل قصد التبرد. هذا المفتى به وهو قول الإمام يوسف، روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعَرَج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو قال من الحر) (٧) .
стр. 379
الباب الثاني (الاعتكاف) .
стр. 380
تعريفه:
لغة: اللّبث والمقام، قال تعالى: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾ (١) .
شرعاً: المقام في مكان مخصوص (المسجد) بأوصاف مخصوصة.
стр. 381
حكمه:
-١ - واجب في الاعتكاف المنذور. روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (١) .
-٢ - سنة مؤكدة في العشر الأخير من رمضان، بدليل ما روت عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله . ثم اعتكف أزواجه من بعده) (٢) .
-٣ - مستحب في كل وقت سوى ما ذكر.
стр. 382
مدته:
أقله في الواجب والمنذور: يوم فلا يجوز أقل من ذلك لأنه يشترط له الصوم ولا يكون بأقل من يوم، لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا اعتكاف إلا بصوم) (١) . ولو نذر يوماً أو يومين لزمته الليالي مع الأيام.
أما النفل فمدته عند الإمام يوم على الأقل، وعند محمد ساعة فأكثر (٢) ، وعند أبي يوسف يجوز بأكثر النهار.
стр. 383
شروط صحته:
-١ - النية: لقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) ، ولأنه عبادة محضة فلا يصح بغير نية كالصلاة والصوم. ويجب تحديد نوع الاعتكاف عن نذر أو غيره.
-٢ - اللّبث في المسجد لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (١) . ويصح بأي مسجد تقام فيه صلاة الجماعة، وهو في المسجد الجامع أفضل.
ومن عيّن في نذره الاعتكاف في مسجد معين صح بأي مسجد ويسقط التعيين.
أما المرأة فتعتكف في مسجد بيتها، لأنه أفضل في حقها، وهو الموضع الذي أعدته لصلاتها. لما روي عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي ﵃ أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال: (قد علمت أنك تحبين الصلاة معي. وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قَومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي) (٢) . ولو اعتكفت في المسجد جاز مع الكراهة.
-٣ - الصوم، وهو ليس شرطاً في النفل.
стр. 384
شروط المعتكف:
-١ - الإسلام.
-٢ - العقل. ويكفي التمييز.
-٣ - الطهارة من الحدث الأكبر حيضاً كان أو نفاساً أو جنابة.
مكروهات الاعتكاف:
-١ - يكره البيع والشراء للتجارة والعمل بأمور الدنيا.
-٢ - يكره الصمت ولكن لا يُتكلَّم إلا بخير فيُذْكر الله ويُقرأ القرآن.
-٣ - يكره اللغو والتكلم بكلام الناس.
مفسدات الاعتكاف:
-١ - الخروج من المسجد ساعة بلا عذر مُعْتَبَرٍ أو نِسْياناً. أما الخروج لعذر كقضاء حاجة، وحضور مجلس علم، وعيادة مريض، وحضور جنازة، وأداء شهادة، وطروء مرض، فلا يفسد الاعتكاف. لما روت عائشة ﵂ قالت: (وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل عليّ رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً) (١) .
-٢ - عدم الرجوع إلى المسجد بعْد زوال العذر.
-٣ - الحيض والنفاس، إذ يجب أن تخلو مدة الاعتكاف منهما.
-٤ - الجماع مختاراً أو المباشرة.
-٥ - الردة، لقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (٢) .
стр. 385
كتاب الزكاة
стр. 386
الباب الأول [تعريفها، شروطها، الأنواع التي تجب فيها]
стр. 387
تعريف الزكاة:
لغة: الطهارة والنَّماء والبركة. يقال: زَكَتِ البقعة إذا بورك فيها، وتزكية النفس: مَدْحُها، وزكّى الشاهد إذا مدحه.
وهذه المعاني كلّها توافق المعنى الشرعي، فهي تطهر مؤدّيها من الذنوب ومن البخل، قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ (١) . وهي تنمي المال ويُمدَح فاعلها ويُثنى عليه.
شرعاً: تمليكُ جزءِ مالٍ عيَّنه الشارع لمسلم فقير غير هاشمي لله تعالى مع قَطع المنفعة عن المملِّك من كل وجه.
стр. 388
معنى التعريف:
-١ - تمليك: أخرج الإباحة، فلو أطعم فقيراً أو أعاره كساه لا تكون زكاة إلا أن يهب له الطعام.
-٢ - جزء مال: أخرج المنفعة، فلا يعتبر زكاة من أسكن في داره فقيراً بنية الزكاة.
-٣ - عيَّنه الشارع: أخرج النافلة وصدقة الفطر.
-٤ - لمسلم فقير: فلا تصح الزكاة للكافر أو الكتابي، ولا للغني ولا للهاشمي.
-٥ - قطع المنفعة عن المملّك: ليبين أنها لا تجوز للفروع والأصول، ولا لمن تجب عليه نفقتهم.
-٦ - لله تعالى: تأكيد اشتراط النية فيها.
حكم الزكاة:
الزكاة ركن من أركان الإسلام وفرض عين على كل من توفرت فيه الشروط.
دليل فرضيتها:
ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع.
من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ (١) .
ومن السنة: حديث (بني الإسلام على خمس ... وإيتاء الزكاة) (٢) .
وقد فرضت الزكاة فرضت الزكاة في السنة الثانية للهجرة قبل فرض رمضان، وقُرنت في القرآن بالصلاة في اثنين وثمانين موضعاً، وهذا دليل على كمال الاتصال بينهما.
وأجمعت الأمة على أنها ركن من أركان الإسلام حتى صارت معلومة من الدين بالضرورة، فالإيمان بها واجب، والجاحد بها كافر.
ولو منعها قوم قاتلهم الإمام كما فعل الصديق ﵁؛ قال: (والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها) (٣) .
ومن مات وعليه زكاة أو صدقة فطر فلا تؤخذ من تركته، إلا إذا تبرع الورثة فتسقط عن الميت بأداء الوارث. ولو أوصى بها أخذت من الثلث.
стр. 389
شروط وجوب الزكاة:
-١ - شروط تتعلق بالمالك (المكلف) .
-٢ - شروط تتعلق بالملك نفسه.
أولاً - شروط المكلف بتأدية الزكاة:
-١ - الإسلام: فلا تجب الزكاة على الكافر، ولا المرتد حالة ردته؛ ولو رجع وأسلم لا يجب عليه قضاء ما فاته حال ردته. لما روي عن أنس ﵁ أن الصديق ﵁ كتب له كتاباً لما وجهه إلى البحرين قال فيه: (هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين) (١) .
-٢ - العقل.
-٣ - البلوغ: فلا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، ولا يُطالب وليّهما بإخراجها لأنه عبادة محضة وليسا مخاطبين بها، لحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (٢) . وتجب عليهما الغرامات والنفقات والضمانات لكونها من حقوق العباد. كما يجب في مالهما زكاة الزروع وصدقة الفطر لأن فيهما معنى المؤونة فألحقت بحقوق العباد. والمعتوه إن استوعب عتهه الحول فلا زكاة عليه كالصلاة، وإن كان لا يستوعب الحول تجب عليه الزكاة.
-٤ - الحرية: فلا تجب الزكاة على العبد ولو كان مكاتباً، فعن جابر ﵁ قال: "ليس في مال المكاتب ولا العبد زكاة حتى يعتق" (٣) .
-٥ - ملك النصاب: والنصاب اسم لقدر معلوم من مال تجب فيه الزكاة، فلا زكاة فيما دونه، ويختلف باختلاف المال الذي تجب فيه الزكاة لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس فيما دون خمس أواق من الوَرِق صدقة، وليس فيما دون خمس ذَّود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة) (٤) .
والعبرة بتمام النصاب أول الحول وآخره. ويضاف المستفاد أثناء الحول إلى النصاب فيدفع عن الجميع آخر الحول، سواء أكان المستفاد ربحاً عن النصاب نفسه ومتولداً عنه أم كان هبة أو وصية، على أن يكون المستفاد مجانساً للنصاب، ولو كان المستفاد بمقدار نصاب أو أكثر، ما دام ملك النصاب في يوم ما من الحول فعند تمام الحول ينظر ما معه ويدفع عن الجميع.
стр. 390
ثانياً - الشروط المتعلقة بالمالك نفسه:
-١ - أن يكون المالك تاماً، أي أن يكون المال تحت يد المالك، فلا تجب الزكاة في مال مفقود ولا مغصوب، ولا في مال مدفون لا يعرف مكانه، ولا في مال مستملك للدولة. وذلك لقوله ﷺ : (لا زكاة في مال الضِّمار) ، وروي عن أيوب السختياني "أن عمر بن عبد العزيز كتب في مالٍ قبضه بعض وُلاته ظلماً يأمر برَدِّه إلى أهله، وتؤخذ زكاته لما مضى من السنين، ثم عقب بعد ذلك بكتابٍ أن لا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة فإنه كان ضماراً" (١) . وكذا كل مال كان مصادراً أو محجوزاً.
أما الدَّيْن فقسمه الأئمة إلى ثلاثة أقسام:
أ - الدين الضعيف، ومثله مهر المرأة قبل أن تقبضه، والدين المجحود الذي لا بيّنة عليه. وحكم زكاة هذا الدين يتبع الأموال السابقة بأن لا تدفع زكاة عليه قبل أن يقبض المالك نصاباً ويحول عليه الحول.
ب - الدين المتوسط، ومثله ثمن ما باعه من حاجاته الأصلية، فيدفع الدائن زكاة هذه الأموال عن السنوات التي لم يكن المال فيها تحت يده إذا قبض منها نصاباً، فكلما قبض نصاباً زكّاه لكل السنوات السابقة.
جـ - الدين القوي كبدل القرض أو ثمن المبيع بشرط أن يكون المبيع من مال التجارة أو أي مال مقرّاً به عن المدين، وتجب الزكاة على الدائن متى قبض منه خمس النصاب أي أربعين درهماً فأكثر، ويعتبر لما مضى من الحول، فيبدأ حوله من وقت بلوغ النصاب فيزكي عن الأعوام السابقة لما قبضه.
هذا حكم الزكاة في الدين إذا لم يكن عند المال نصاب من جنسه، أما إن كان عند المالك أموال غيرها فإن ما يقبض يضاف إلى نصاب من جنسه ويدفع زكاته متى حال الحول على الأصل لأنه له حكم المستفاد أثناء الحول.
ولا زكاة في المال الموقوف لعدم الملك فيه، ولا في الزرع النابت بأرض مباحة، ولا زكاة في المال المشترى قبل القبض فإذا قبضه زكاه لما مضى (٢) .
-٢ - أن يكون المال فارغاً عن دين حان أجله مطالب به من جهة العباد (٣) . وقيل: إن الدين المؤجل يمنع، والأصح هو الأول. أي إن لا يكون المالك مديوناً فيكون المال متعلقاً بحق الدين، لأن الدين حاجة أصلية والملك مع وجود الدين يعتبر ناقصاً والزكاة وجبت شكراً للنعمة التامة، ولأن الله تعالى جعل للغارمين حقاً في أموال الزكاة لقضاء ديونهم.
ويقصد بالدين المانع من الزكاة: الدين الذي له مطالب من قبل العباد. سواء أكان دين الله كالزكاة (لأنه مطالب بها من قبل الإمام) ، أو دين العباد كالقرض وصداق الزوجة والنفقات والكفالة.
أما دين الله الذي ليس له مطالب من قبل العباد، كالكفارات والنذور والحج، فلا تمنع من وجوب الزكاة لعدم المطالب.
أما زكاة الزروع والثمار فإنها متعلقة بعين الزرع لذلك لا يمنع وجود الدين من وجوبها.
-٣ - أن يكون النصاب زائداً عن حوائجه الأصلية، لما روي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا) (٤) . ومما يدل على وجوب تقديم حوائجه الأصلية، من الطعام والسكن والكتب والركوب. ولو كان عنده مال فأمسكه لحاجة أصلية، كشراء بيت أو زواج، وحال عليه الحول، وهو بيده، وجب فيه الزكاة (٥) .
-٤ - أن يكون النصاب من الأموال التي نصَّ الشارع على وجوب الزكاة فيها.
-٥ - حَوَلان الحول على جميع أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة باستثناء زكاة الزروع والثمار. ومعنى حولان الحول: مرور سنة قمرية على ملكية النصاب، لما روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) (٦) ، ولأنه لا بد من التمكن من التصرف في النصاب مدة يتحقق فيها النماء.
ويبدأ حول أموال المجنون عند إفاقته، وأموال الصبي عندما يبلغ، وحول أموال السوائم (٧) ، إن اشتراها للتجارة ثم سامها، من وقت السَّوم لا من وقت الشراء.
والمعتبر في كمال النصاب طرفا الحول سواء بقي في أثنائه أم هلك جزء منه.
-٦ - أن يكون المال نامياً، ويقصد بذلك الثمنية بالنسبة للدراهم والسَّوم للأنعام، ونية التجارة في العروض سواء أكانت هذه النية صراحة أم دلالة بالبيع والشراء.