الباب الأول [تعريفها، شروطها، الأنواع التي تجب فيها]
стр. 387
تعريف الزكاة:
لغة: الطهارة والنَّماء والبركة. يقال: زَكَتِ البقعة إذا بورك فيها، وتزكية النفس: مَدْحُها، وزكّى الشاهد إذا مدحه.
وهذه المعاني كلّها توافق المعنى الشرعي، فهي تطهر مؤدّيها من الذنوب ومن البخل، قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ (١) . وهي تنمي المال ويُمدَح فاعلها ويُثنى عليه.
شرعاً: تمليكُ جزءِ مالٍ عيَّنه الشارع لمسلم فقير غير هاشمي لله تعالى مع قَطع المنفعة عن المملِّك من كل وجه.
стр. 388
معنى التعريف:
-١ - تمليك: أخرج الإباحة، فلو أطعم فقيراً أو أعاره كساه لا تكون زكاة إلا أن يهب له الطعام.
-٢ - جزء مال: أخرج المنفعة، فلا يعتبر زكاة من أسكن في داره فقيراً بنية الزكاة.
-٣ - عيَّنه الشارع: أخرج النافلة وصدقة الفطر.
-٤ - لمسلم فقير: فلا تصح الزكاة للكافر أو الكتابي، ولا للغني ولا للهاشمي.
-٥ - قطع المنفعة عن المملّك: ليبين أنها لا تجوز للفروع والأصول، ولا لمن تجب عليه نفقتهم.
-٦ - لله تعالى: تأكيد اشتراط النية فيها.
حكم الزكاة:
الزكاة ركن من أركان الإسلام وفرض عين على كل من توفرت فيه الشروط.
دليل فرضيتها:
ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع.
من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ (١) .
ومن السنة: حديث (بني الإسلام على خمس ... وإيتاء الزكاة) (٢) .
وقد فرضت الزكاة فرضت الزكاة في السنة الثانية للهجرة قبل فرض رمضان، وقُرنت في القرآن بالصلاة في اثنين وثمانين موضعاً، وهذا دليل على كمال الاتصال بينهما.
وأجمعت الأمة على أنها ركن من أركان الإسلام حتى صارت معلومة من الدين بالضرورة، فالإيمان بها واجب، والجاحد بها كافر.
ولو منعها قوم قاتلهم الإمام كما فعل الصديق ﵁؛ قال: (والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها) (٣) .
ومن مات وعليه زكاة أو صدقة فطر فلا تؤخذ من تركته، إلا إذا تبرع الورثة فتسقط عن الميت بأداء الوارث. ولو أوصى بها أخذت من الثلث.
стр. 389
شروط وجوب الزكاة:
-١ - شروط تتعلق بالمالك (المكلف) .
-٢ - شروط تتعلق بالملك نفسه.
أولاً - شروط المكلف بتأدية الزكاة:
-١ - الإسلام: فلا تجب الزكاة على الكافر، ولا المرتد حالة ردته؛ ولو رجع وأسلم لا يجب عليه قضاء ما فاته حال ردته. لما روي عن أنس ﵁ أن الصديق ﵁ كتب له كتاباً لما وجهه إلى البحرين قال فيه: (هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين) (١) .
-٢ - العقل.
-٣ - البلوغ: فلا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، ولا يُطالب وليّهما بإخراجها لأنه عبادة محضة وليسا مخاطبين بها، لحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (٢) . وتجب عليهما الغرامات والنفقات والضمانات لكونها من حقوق العباد. كما يجب في مالهما زكاة الزروع وصدقة الفطر لأن فيهما معنى المؤونة فألحقت بحقوق العباد. والمعتوه إن استوعب عتهه الحول فلا زكاة عليه كالصلاة، وإن كان لا يستوعب الحول تجب عليه الزكاة.
-٤ - الحرية: فلا تجب الزكاة على العبد ولو كان مكاتباً، فعن جابر ﵁ قال: "ليس في مال المكاتب ولا العبد زكاة حتى يعتق" (٣) .
-٥ - ملك النصاب: والنصاب اسم لقدر معلوم من مال تجب فيه الزكاة، فلا زكاة فيما دونه، ويختلف باختلاف المال الذي تجب فيه الزكاة لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس فيما دون خمس أواق من الوَرِق صدقة، وليس فيما دون خمس ذَّود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة) (٤) .
والعبرة بتمام النصاب أول الحول وآخره. ويضاف المستفاد أثناء الحول إلى النصاب فيدفع عن الجميع آخر الحول، سواء أكان المستفاد ربحاً عن النصاب نفسه ومتولداً عنه أم كان هبة أو وصية، على أن يكون المستفاد مجانساً للنصاب، ولو كان المستفاد بمقدار نصاب أو أكثر، ما دام ملك النصاب في يوم ما من الحول فعند تمام الحول ينظر ما معه ويدفع عن الجميع.
стр. 390
ثانياً - الشروط المتعلقة بالمالك نفسه:
-١ - أن يكون المالك تاماً، أي أن يكون المال تحت يد المالك، فلا تجب الزكاة في مال مفقود ولا مغصوب، ولا في مال مدفون لا يعرف مكانه، ولا في مال مستملك للدولة. وذلك لقوله ﷺ : (لا زكاة في مال الضِّمار) ، وروي عن أيوب السختياني "أن عمر بن عبد العزيز كتب في مالٍ قبضه بعض وُلاته ظلماً يأمر برَدِّه إلى أهله، وتؤخذ زكاته لما مضى من السنين، ثم عقب بعد ذلك بكتابٍ أن لا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة فإنه كان ضماراً" (١) . وكذا كل مال كان مصادراً أو محجوزاً.
أما الدَّيْن فقسمه الأئمة إلى ثلاثة أقسام:
أ - الدين الضعيف، ومثله مهر المرأة قبل أن تقبضه، والدين المجحود الذي لا بيّنة عليه. وحكم زكاة هذا الدين يتبع الأموال السابقة بأن لا تدفع زكاة عليه قبل أن يقبض المالك نصاباً ويحول عليه الحول.
ب - الدين المتوسط، ومثله ثمن ما باعه من حاجاته الأصلية، فيدفع الدائن زكاة هذه الأموال عن السنوات التي لم يكن المال فيها تحت يده إذا قبض منها نصاباً، فكلما قبض نصاباً زكّاه لكل السنوات السابقة.
جـ - الدين القوي كبدل القرض أو ثمن المبيع بشرط أن يكون المبيع من مال التجارة أو أي مال مقرّاً به عن المدين، وتجب الزكاة على الدائن متى قبض منه خمس النصاب أي أربعين درهماً فأكثر، ويعتبر لما مضى من الحول، فيبدأ حوله من وقت بلوغ النصاب فيزكي عن الأعوام السابقة لما قبضه.
هذا حكم الزكاة في الدين إذا لم يكن عند المال نصاب من جنسه، أما إن كان عند المالك أموال غيرها فإن ما يقبض يضاف إلى نصاب من جنسه ويدفع زكاته متى حال الحول على الأصل لأنه له حكم المستفاد أثناء الحول.
ولا زكاة في المال الموقوف لعدم الملك فيه، ولا في الزرع النابت بأرض مباحة، ولا زكاة في المال المشترى قبل القبض فإذا قبضه زكاه لما مضى (٢) .
-٢ - أن يكون المال فارغاً عن دين حان أجله مطالب به من جهة العباد (٣) . وقيل: إن الدين المؤجل يمنع، والأصح هو الأول. أي إن لا يكون المالك مديوناً فيكون المال متعلقاً بحق الدين، لأن الدين حاجة أصلية والملك مع وجود الدين يعتبر ناقصاً والزكاة وجبت شكراً للنعمة التامة، ولأن الله تعالى جعل للغارمين حقاً في أموال الزكاة لقضاء ديونهم.
ويقصد بالدين المانع من الزكاة: الدين الذي له مطالب من قبل العباد. سواء أكان دين الله كالزكاة (لأنه مطالب بها من قبل الإمام) ، أو دين العباد كالقرض وصداق الزوجة والنفقات والكفالة.
أما دين الله الذي ليس له مطالب من قبل العباد، كالكفارات والنذور والحج، فلا تمنع من وجوب الزكاة لعدم المطالب.
أما زكاة الزروع والثمار فإنها متعلقة بعين الزرع لذلك لا يمنع وجود الدين من وجوبها.
-٣ - أن يكون النصاب زائداً عن حوائجه الأصلية، لما روي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا) (٤) . ومما يدل على وجوب تقديم حوائجه الأصلية، من الطعام والسكن والكتب والركوب. ولو كان عنده مال فأمسكه لحاجة أصلية، كشراء بيت أو زواج، وحال عليه الحول، وهو بيده، وجب فيه الزكاة (٥) .
-٤ - أن يكون النصاب من الأموال التي نصَّ الشارع على وجوب الزكاة فيها.
-٥ - حَوَلان الحول على جميع أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة باستثناء زكاة الزروع والثمار. ومعنى حولان الحول: مرور سنة قمرية على ملكية النصاب، لما روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) (٦) ، ولأنه لا بد من التمكن من التصرف في النصاب مدة يتحقق فيها النماء.
ويبدأ حول أموال المجنون عند إفاقته، وأموال الصبي عندما يبلغ، وحول أموال السوائم (٧) ، إن اشتراها للتجارة ثم سامها، من وقت السَّوم لا من وقت الشراء.
والمعتبر في كمال النصاب طرفا الحول سواء بقي في أثنائه أم هلك جزء منه.
-٦ - أن يكون المال نامياً، ويقصد بذلك الثمنية بالنسبة للدراهم والسَّوم للأنعام، ونية التجارة في العروض سواء أكانت هذه النية صراحة أم دلالة بالبيع والشراء.
стр. 391
شروط صحة أداء الزكاة:
-١ - النية: لأن الزكاة عبادة محضة. وتكون مقارنة للدفع أو عند عزل المال الواجب (لذا لا تدفع الزكاة عن الميت من تركته إلا إن أوصى فتدفع من أصل الثلث إلا أن يجيز الورثة) . فلو دفع للفقير بلا نية ثم نوى والمال قائم في يد الفقير أو نوى عند الدفع للوكيل جاز ولو دفع الوكيل بدون نية. ولا يجوز للوكيل أن يخلط زكاة موكله بماله فلو خلطها ضمِن الزكاة وكان متبرعاً بما يتصدق به. أما لو تصدق بدراهم نفسه ودراهم موكله قائمة مع نية الرجوع إليها أجزأته. ولو دفع زكاة موكله إلى ولده الفقير أو زوجته جاز. ولا يجوز أن يأخذها لنفسه إلا إذا قال الوكيل: ضعها حيث شئت.
-٢ - الإسلام: لأن النية لا تُتَصوّر من غير المسلم.
-٣ - أن يكون الأداء على الفور، وهو القول المُفتى به في المذهب وهو قول الإمام، فإن أخَّرها كان آثماً لأن تأخيرها مكروه تحريماً، ولأن الأمر بالوجوب معه قرينة حاجة الفقير وهي ملحة.
وقال الصاحبان: إن افتراض الزكاة على التراخي، ففي أي وقت أداها أجزأته. واستدلا على ذلك بأن هلاك النصاب بعد وجوب الزكاة مسقط لها إن أن يكون متعدياً.
-٤ - الدفع إلى المستحق (وهو أحد الأصناف الثمانية التي سيرد بيانها) .
-٥ - التمليك: فلابد لصحة أداء الزكاة من قبض الفقير لها أو وليه أو الوصي عليه. أما لو أطعم ونوى الزكاة فلا يجزئ. ولا يصح أداء الزكاة بإسقاط جزء من دين له على فقير، بأن يسامحه به أو بجزء منه بنية الزكاة عن ماله. لكن لو كان الدَّين نصاباً وسامحه به كاملاً سقطت الزكاة عن هذا النصاب. ولو كان المدين مستحقاً للزكاة فدفع الدائن له من زكاته ثم أعاده الفقير له على سبيل وفاء دينه جاز، أو قال: خذ من مَديني فلان مبلغاً من المال وكان ناوياً زكاة ماله صحّ.
-٦ - توزيعها على فقراء بلده. ويكره نقلها إلى بلد آخر لاطّلاع فقراء بلده على ماله وتعلق آمالهم بها، ولأنهم أولى بها، إلا أن يعطيها لفقراء من ذوي القربى، أو يكون في البلد الآخر محاويج ومجاعات فيجوز نقلها. وقد روي أن معاذاً ﵁ نقل من صدقات أهل اليمن إلى المدينة لفقرهم وشدة احتياجهم.
-٧ - أن يكون الأداء من وسط المال في زكاة الأعيان (١) ، لأن أخذ الجيد يضر المالك وأخذ الرديء يضر الفقير، ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ( ... فإياك وكرائم أموالهم) (٢) .
وعن سويد بن غَفَلة قال: "أتانا مصدق النبي ﷺ ... وأتاه رجل بناقة كَوماء (٣) فقال: خذها. فأبى...." (٤) . وعن قرة بن دعموص أن النبي ﷺ قال: (وخذ صدقاتهم من حواشي أموالهم) (٥) .
-٨ - أن تخرج الزكاة من المال الحلال، فلا تجوز الزكاة بالمال الحرام القطعي.
ولا يشترط لصحة الأداء حولان الحول، لذا يصح تعجيل الزكاة لسنة أو سنتين أو سنوات، لما روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال لعمر: (إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام) (٦) .
ويشترط للتعجيل:
-١ - أن يكون المال عند التعجيل بالغاً النصاب ليتحقق سبب الوجوب.
-٢ - أن لا ينقطع النصاب أثناء الحول.
-٣ - أن يكون النصاب كاملاً في آخر الحول لأنه وقت وجوب الأداء.
ولا يشترط بقاء آخذ الزكاة مستحقاً ولا على قيد الحياة حتى تمام الحول، لأن المهم كونه مستحقاً عند الدفع إليه.
ويجوز دفع القيمة عوضاً عن عين المال، وكذا يجوز البدل بدفع القيمة في الكفارات والنذور وصدقة الفطر.
وتقدر القيمة يوم الأداء في السائمة بالاتفاق، وفي غيرها قال الصاحبان: يوم الأداء أيضاً وقال غيرهما: يوم الوجوب. وتعتبر القيمة في البلد الذي فيه المال، فإن كان المال في مفازة ففي أقرب الأمصار. روي عن معاذ ﵁ أنه قال لأهل اليمن: "ائتوني بِعَرْضٍ، ثياب خَميص أو لَبيس (٧) ، في الصدقة، مكان الشعير والذرة، أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة" (٨) . بخلاف الهَدْي والأُضحية فلا تصح فيهما القيمة لأنها غير معقولة المعنى.
يكره إعطاء الفقير الواحد أكثر من نصاب إلا إذا كان مديوناً، فيجوز أن يعطي ما يكفي لوفاء دينه، أو إذا كان عنده عيال بحيث لو فرق عليهم ما أخذه يجب أن يصيب كل واحد منهم دون النصاب.
стр. 392
الأنواع التي تجب فيها الزكاة:
تجب الزكاة في خمسة أنواع من الأموال:
-١ - النَّعم (السوائم) .
-٢ - الذهب والفضة.
-٣ - العروض التجارية.
-٤ - المعادن والرِّكاز.
-٥ - الزروع والثمار.
стр. 393
الباب الثاني [زكاة النعم، الزروع والثمار، النقد، العروض التجارية]
стр. 394
الفصل الأول: زَكاة النَّعَم
стр. 395
النَّعَم هي: الإبل، والبقر ويشمل الجاموس، والغنم بنوعيه الضأن والمعز. والمراد بها الأهلية، فلا زكاة في الوحشية. أما المتولدة بين وحشي وأهلي ينظر فيه للأم فإن كانت أهلية ففيها الزكاة وإلا فلا.
شروط وجوب زكاة النعم:
يشترط إضافة إلى الشروط العامة ما يلي:
-١ - أن تكون سائمة. والسوم في اللغة معناه: أن ترعى الماشية بنفسها ولا تُعْلَف. وفي اصطلاح الفقهاء: أن ترعى الماشية بنفسها بقصد الدَرِّ أو النَّسل والزيادة والسّمن حولاً أو أكثر الحول.
-٢ - أن ترعى أكثر الحول في كلأٍ مباح.
-٣ - أن يقصد من سومها الدرّ والنسل والسمن وذلك لتحقق معنى النَّماء. فلو أسيمت للحمل أو الركوب أو سُوِّمت بدون قصد مالكها لا تدفع عليها زكاة. ولو سُوِّمت للتجارة فليس فيها زكاة السوائم بل زكاة التجارة. ولو حُولت من التجارة إلى السوم أثناء الحول بطل حولها الأول وبدأ حول السوم من وقت التحويل.
стр. 396
أولاً: زكاة الإبل:
نصاب الإبل ومقدار زكاتها:
حُدد نصاب الإبل وما يتعلق بصدقتها في كتاب سيدنا أبي بكر الصديق ﵁ إلى أنس ﵁ لما وجهه إلى البحرين أميراً عليها ونصه: (هذه فريضة الصدقة، التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فَلْيعْطِها، ومن سئل فوقها فلا يُعطِ: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها، من الغنم، من كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمساً وثلاثين ففيها بنت مخاضٍ (١) أنثى، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون (٢) أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حِقَّة (٣) طَرُوقَة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة (٤) ، فإذا بلغت - يعني - سِتاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لَبُون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حِقّتان طَرُوقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حِقَّة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربُّها، فإذا بلغت خمساً من الإبل ففيها شاة ... ) (٥) .
وإذا زادت على عشرين ومائة تستأنف الفريضة فلا يجب على الزيادة حتى تصير خمساً فتجب فيها شاة. فإذا صار المجموع خمسين ومائة وجب فيها ثلاث حِقاق، فإذا صار مائتين وجب فيها أربع حِقاق. لما روى البيهقي أن رسول الله ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم في الصدقة كتاباً ومما جاء فيه: (إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإذا كانت أكثر من ذلك فعد في كل خمسين حقة وما فضل فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل) (٦) ، وروي هذا أيضاً عن علي وابن مسعود ﵄ وهما من فقهاء الصحابة.
وبناء على هذه الكتب يكون ترتيب زكاة الإبل كما يلي:
في كل خمس من الإبل شاة واحدة.
في كل عشرة في الإبل شاتان.
في كل خمس عشرة من الإبل ثلاث شياه.
في كل عشرين إلى أربع وعشرين أربع شياه.
في كل خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين بنت مخاض.
في كل ست وثلاثين إلى خمس وأربعين بنت لبون.
في كل ست وأربعين إلى ستين حِقَّة.
في كل واحدة وستين إلى خمس وسبعين جذعة.
في كل ست وسبعين إلى تسعين بنتا لبون.
في كل إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة حِقّتان.
ثم تستأنف الفريضة بعدها فما زاد على مائة وعشرين، حتى يصير المجموع مائة وخمسين. ففي كل مائة وخمسين إلى مائة وتسع وتسعين من الإبل ثلاث حِقاق. فإذا صارت مائتين ففيها أربع حِقاق.
стр. 397
ثانياً: زكاة البقر:
نصاب البقر: أول نصاب البقر ثلاثون.
زكاته: إذا بلغ الملك ثلاثين من البقر فزكاته تبيع (١) أو تبيعة.
فإذا بلغ الأربعين فزكاته مسنَّة (٢) .
فإذا بلغ الستين فزكاته تبيعان.
فإذا بلغ السبعين فزكاته مسنَّة وتبيع.
فإذا بلغ الثمانين فزكاته مسنتان.
ودليل ذلك ما روي (أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة) (٣) .
стр. 398
ثالثاً: زكاة الغنم:
أول نصاب الغنم أربعون، ولا يجب في أقل منها صدقة.
مقدار الزكاة: إذا بلغ الملك أربعين من الغنم فزكاته شاة واحدة.
فإذا بلغ الملك مائة وإحدى وعشرين فزكاته شاتان.
فإذا بلغ الملك مائتين وواحدة فزكاته ثلاث شياه.
فإذا بلغ الملك أربعمائة فزكاته أربع شياه.
ثم في كل مائة شاة، وذلك لما ورد في كتاب سيدنا أبي بكر إلى أنس بن مالك ﵄ وفيه: ( ... وفي صدقة الغنم: في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها) (١) . وفي رواية أخرى لحديث أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب له: (ولا يُخرج من الصدقة هَرِمة، ولا ذات عَوَار، ولا تَيْس، إلا ما شاء المُصَدِّق) (٢) . ولا يجزئ في زكاة النعم إلا الثَّنيّ (٣) .
стр. 399
زكاة الخيل:
لا يجب في الخيل السائمة زكاة عند الصاحبين، وهو القول المفتى به، ويرى الإمام أبو حنيفة وزُفَر إذا كانت للدَرّ والنسل، وسائمة ذكوراً وإناثاً، وحال عليها الحول فتجب فيها الزكاة. وإن كانت ذكوراً فقط أو إناثاً فقط فالأصح هو عدم وجوب الزكاة فيها. فإن كانت من أفراس العرب خيّر أن يدفع عن كل فرس ديناراً، لما روي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (في الخيل السائمة في كل فرس دينار) (١) ، أو أن يقوّمها ويدفع عن كل مائتي درهم خمسة دراهم. أما إن لم تكن من أفراس العرب فيقومها ويدفع القيمة.
وأما إذا كانت للتجارة فتجب فيها زكاة التجارة بالاتفاق. أما إن كانت علوفة، أو سائمة للحمل أو الركوب أو الجهاد، فلا شيء فيها لاشتغالها بالحاجة الأصلية.
стр. 400
أحكام عامة في زكاة السوائم:
-١ - أجمع الفقهاء على أن البغال والحمير لا تجب فيها الزكاة ولو كانت سائمة.
-٢ - لا تدفع عن الصغار (المولدة) زكاة إلا تبعاً للكبار ولو واحدة. فلو هلكت الكبار كلها قبل نهاية الحول فلا يدفع شيئاً عن الصغار حتى يحول حولها.
-٣ - إذا هلك النصاب بعد حولان الحول بدون تفريط من المالك سقطت عنه الزكاة بلا ضمان، أما لو باعها أو استهلكها أو فرّط أو قصرّ في حفظها فتكون الزكاة ديناً واجباً في ذمته.
-٤ - تؤخذ الزكاة من الذكور مع وجود الإناث أو تؤخذ من الغالب، ولا تؤخذ المريضة ولا المعيبة عيباً واضحاً.
-٥ - يضم ما يستفاد من السوائم أثناء الحول إلى أصل من نوعه إن وجد، ولو استفيد عن طريق الإرث، ويزكى متى حال الحول على الأصل. وكذا ربح كل نصاب يضم إلى أهله.
стр. 401
الفصل الثاني: زَكاة الزرُوع والثِّمَار
стр. 402
تجب الزكاة في كل ما تنتجه الأرض بقصد الاستغلال والاستنبات سواء أكان صالحاً للبقاء كالحبوب أم غير صالح للبقاء كالثمار والخضار من خوخ ومشمش وباذنجان ...
دليلها ومقدارها:
ثبت وجوب زكاة المحاصيل الزراعية بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة.
من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿وأنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ (٢) .
ومن السنة: حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرِياً (٣) العشر، وما سقي بالنَّضح (٤) نصف العشر) (٥) .
وقد أجمعت الأمة على وجوب الزكاة في الزروع والثمار.
وتسمى زكاة الزروع والثمار العُشْر.
стр. 403
شروط وجوب العشر:
-١ - أن تكون الأرض غير خراجية لكي لا يجتمع عشر وخراج، لما روي عن البيهقي بسنده عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: "لا يجتمع على المسلم خراج وعشر" (١) .
-٢ - أن تكون المنتجات بقصد الاستغلال والاستثمار، فلا تجب الزكاة في الحطب والقصب والحشيش والصمغ ... ولا تجب في ثمار شجر الدار أو بستان داخل الدار لأنه تابع له.
-٣ - أن تكون الأرض مسقية بماء المطر أو السيح (٢) كالنهر، أما إن سقيت بكلفة (كدلو أو دولاب أو غير ذلك) ففيه نصف العشر. وإن سقيت نصف الوقت بماء السماء أو السيح أو النهر والنصف الآخر بالدلو ففيه نصف العشر، وقيل: ثلاثة أرباعه.
стр. 404
ما لا يشترط في زكاة الحرث:
-١ - لا يشترط حولان الحول، لأنه قد تنبت الأرض في السنة أكثر من مرة، وقال تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ .
-٢ - لا يشترط بلوغ النصاب، فتجب زكاة الحرث في كل ما تنبته الأرض قليله وكثيره.
-٣ - لا يشترط البلوغ والعقل، فتجب في أرض المجنون والصغير.
-٤ - لا يشترط ملكية الأرض، لأنها قد تجب على المستأجر عند الصاحبين، أو على المشتري إن اشترى الزرع قبل إدراكه. كما تؤخذ من الأراضي الموقوفة.
-٥ - لا يشترط خلو المكلف من الدَّين.
-٦ - لا يشترط في المستنبت البقاء بل تجب في الخضر والفواكه أيضاً.
على من تجب زكاة الحرث:
تجب زكاة الحرث في الأصل على كل من استنبت أرضاً وجنى قطافها. فلو أجرَّ أرضاً أو أعارها للاستنبات فالزكاة على المستأجر أو المستعير، بينما الخراج على مالك الأرض بصرف النظر عن المستفيد منها.
ولو باع الزرع قبل إدراكه فالعشر على المشتري، أما إن باعه بعد إدراكه فالزكاة على البائع.
أما في المزارعة: إن كان البَذْر من صاحب الأرض فعليه الزكاة، وإن كان من العامل فعليهما بالحصة.
ولو استهلك الثمر قبل دفع زكاته وجب العشر دَيْناً في الذمّة حتى لو تركه سنين يدفع عن الجميع. أما لو ترك الخراج فلا يدفع عن ما مضى عند الإمام.
وإذا مات إنسان وعليه عشر أو خراج أُخِذ من تركته كالديون.
زكاة العسل:
يجب في العسل زكاة وذلك تبعاً للزروع والثمار، لأن النحل يتغذى من الثمار والأزهار (١) ، والثمار فيها العشر. فإذا أنتج عسلاً في أرض خراجية ولو لم تكن أرضاً عشرية كأن تكون في جبل أو مفازة، تجب فيه الزكاة.
стр. 405
دليلها ومقدار ما يجب:
يجب في العسل عشر الإنتاج، ولا يشترط في زكاته نصاب ولا حول. ودليل ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو ﵄ (أن النبي ﷺ : أخذ من العسل العُشر) (١) ، وعن أبي سيارة المتقي قال: قلت يا رسول الله إن لي نخلاً. قال: (أدِّ العشر) (٢) .
стр. 406
الخراج:
تقسم الأراضي إلى قسمين: عشرية وخراجية.
-١ - الأرض العشرية: وهي الأرض المستنبتة بقصد الاستغلال بيد المسلم، ويدفع عنها العشر. وتضم:
-١ - أراضي العرب فهي كلها عشرية.
-٢ - كل أرض أسلم أهلها طَوْعاً.
-٣ - كل أرض فتحت عنوة ثم قُسِمت بين الفاتحين.
-٤ - ما أحياه المسلم من مَواتٍ وسقاه بماء مسلم.
-٢ - الأرض الخراجية: ويدفع عنها الخراج. وهي تضم:
-١ - كل أرض فتحها المسلمون عنوة، وتركوها في يد أهلها يزرعونها ويدفعون خراجها لبيت مال المسلمين.
-٢ - كل أرض مواتٍ أحياها ذميّ.
-٣ - أرض سواد العراق كلها خراجية بأمر الخليفة عمر بن الخطاب ﵁.
-٤ - كل أرض لمسلم تسقى بماء الخراج كالأنهار التي حفرها الكفار.
-٥ - أرض الغنائم التي اقتطعها الإمام لذمي.
-٦ - دار الذمي إذا اتخذها بستاناً.
-٧ - كل أرض اشتراها مسلم من ذمي تبقى خراجية (١) . ولا يجتمع على أرض عشر وخراج لقول إبراهيم: "لا يجتمع على المسلم خراج وعشر"، ولأن سبب العشر الإسلام فهو عبادة وسبب الخراج ضريبة على الأرض يدفعها غير المسلم.
стр. 407
الفرق بين العشر والخراج:
أ - العُشْر:
-١ - هو عبادة، لأنه زكاة على الثمار والزروع (نماء) .
-٢ - يجب على المسلم ولا يجب في حق غيره.
-٣ - يدفع على الثمار والزروع.
-٤ - لا تجب زكاة الثمار والزروع حتى تحصد (١) .
ب - الخراج:
-١ - هو ضريبة على الأرض.
-٢ - يدفعه الذمي عن الأرض.
-٣ - يجب الخراج على الأرض إذا تمكن من زراعتها ولم يفعل.
стр. 408
الفصل الثالث: زَكاة النّقد
стр. 409
تجب الزكاة بإجماع الفقهاء في نقود الذهب والفضة وسبائكها إذا تحققت فيها شروط وجوب الزكاة.
كما تجب الزكاة في المَضْروب، من الذهب والفضة، ولو خالطه معادن أخرى بنسبة قليلة، لأنه لا عبرة للمغلوب. ويعتبر المغشوش قليلاً كالخالص. وإن كان مخلوطاً بنسبة كبيرة يقوّم كالعروض، إلا إذا كان يخلص منه ما يبلغ نصاباً، أو أقل وعنده ما يتم به النصاب، أو كان أثماناً رائجة وبلغت من أدنى نقد تجب زكاته، فتجب الزكاة وإلا فلا.
نصاب الذهب والفضة:
نصاب الذهب عشرون مثقالاً (١) ، ودليل ذلك ما روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار) (٢) .
ونصاب الفضة مائتا درهم (٣) ، ودليل ذلك ما روى جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ليس فيما دون خمس أوراق (٤) من الوَرِق (٥) صدقة) (٦) .
والعبرة للوزن إذا كان كل صنف على حدة بلغ نصاباً، أما في ضم الذهب إلى الفضة فالعبرة للقيمة، إذ يجوز ضم أحد النقدين إلى الآخر، بل يجب إذا لم يكن لكل منهما نصاب لإتمام النصاب، لأنهما من حيث الثمنية شيء واحد.
وإذا كان لكل منهما نصاب أدى منهما بغير ضمّ. ولو أراد صاحب نصابين مختلفين ضمهما ليدفع الزكاة من نوع واحد، جاز بشرط أن يكون الضم لمصلحة الفقير.
وتضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة حتى يتم النصاب كما يضم الذهب إلى الفضة. ويكون الضم باعتبار الأجزاء عند الصاحبين وباعتبار القيمة عند الإمام، فلو كان لدى شخص نصف نصاب من الفضة وربع نصاب من الذهب، فعند الإمام يضم باعتبار القيمة وتجب الزكاة، وعند الصاحبَيْن يضم باعتبار الأجزاء فلا تجب الزكاة.
стр. 410
مقدار الزكاة في النقدين:
الواجب في الذهب والفضة ربع العشر مطلقاً، وما زاد على النصاب فاختُلِف فيه:
-١ - قول الإمام أبي حنيفة: لا تُدفع الكسور حتى تبلغ خمس النصاب، أي أربعين درهماً في الفضة وأربعة مثاقيل في الذهب. وذلك لما روي عن الحسن البصري قال: "كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄: فما زاد على المائتين ففي كل أربعين درهماً درهم" (١) .
-٢ - قول الصاحبين: ما زاد على النصاب فبحسابه قل الزائد أو كثر، لما روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (هاتوا ربع العشور، من كل أربعين درهماً درهم. وليس عليكم شيء حتى تتم مائتي درهم، فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك ... ) (٢) .
والعبرة عند الدفع للوزن إن كان دفع من جنس النصاب، وللقيمة إن دفع من غير جنسه أو في حالة ضم الجنسين لبعضهما.
стр. 411
زكاة الحَلْي وأدوات الاستعمال المتخذة من الذهب والفضة:
تجب الزكاة في الحلي وأدوات الاستعمال المتخذة من الذهب والفضة مطلقاً، سواء أكانت مباحة أو محرمة الاستعمال، متى بلغ المملوك منها نصاباً. وذلك لما روي عن أم سلمة ﵂ قالت: كنت ألبس أوضاحاً من ذهب فقلت: يا رسول الله ﷺ أكنز هو؟ قال: (ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز) (١) .
والعبرة فيه لوزن الذهب الصافي أو الفضة لا القيمة. مثلاً: من كان عنده إبريق من الفضة وزنه (١٥٠) غ وقيمته مائتين فلا زكاة عليه.
стр. 412
سبب وجوب الزكاة فيها:
الثمنية التي تجعلها محلاً للنَّماء، فاقتناؤها يوجب الزكاة. والدليل على ذلك ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مَسَكَتان (١) غليظتان من ذهب. فقال لها: (أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسوركم الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله) (٢) .
стр. 413
زكاة اللآلئ والجواهر:
لا تجب الزكاة في اللآلئ والجواهر وإن بلغت قيمتها آلافاً، لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (لا زكاة في حجر) (١) إلا أن تكون للتجارة ففيها الزكاة، لما روي عن سعيد بن جبير قال: "ليس في حجر زكاة إلا ما كان لتجارة من جوهر ولا ياقوت ولا لؤلؤ ولا غيره إلا الذهب والفضة" (٢) .
стр. 414
زكاة الأوراق النقدية:
المعتمد هو أن تدفع الزكاة مطلقاً عن الأوراق النقدية سواء كانت تحت يد صاحبها أو مُوْدَة في المصارف.
وسبب وجوب الزكاة فيها أنها سدَّت مسدّ النقدين في التعامل والرواج فأخذت حكمهما في وجوب الزكاة، ولأن وجوب الزكاة في النقدين هو لخاصة الثمنيَّة، فإذا وجدت في غيرهما كالأوراق النقدية أخذت حكمهما في وجوب الزكاة.
ويجب فيها ربع العشر كما في الذهب والفضة.
زكاة المعدن والرِّكاز:
الرِّكاز: لغة: الإثبات.
وشرعاً: مال مركوز تحت الأرض سواء كان بخلق الله من كل معدن منطبع (١) ، أو كان مما كنزه الكفار في أرض عشرية أو خراجية أو مَفَازة أو جَبَل، وجده مسلم أو ذمي.
стр. 415
مقدار زكاة الركاز:
-١ - إن كان من دَفْن الجاهلية ففيه الخمس، يدفع لبيت مال المسلمين، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ( ... وفي الركاز الخمس) (١) . والباقي لمالك الأرض إن وجد أو ورثته أو لبيت مال المسلمين. أما إن وجد الركاز في صحراء أو مفازة فالباقي عن الخمس لواجده ولو كان ذميّاً.
وأما المعدن (٢) فلا شيء فيه إن وجده في داره أو حانوته عند الإمام أبي حنيفة وقالا فيه الخمس. وإن وجده في أرضه فهناك روايتان عن الإمام؛ فعلى رواية الأصل لا شيء فيه وعلى الرواية الأخرى - وهي موافقة لقول الصاحبين -: هناك فرق بين الأرض والدار ووجهه أن الدار لا مؤنة فيها أصلاً فلم تخمس فصار الكل للواجد بخلاف الأرض فإن فيها مؤنة الخراج والعشر فتخمس. والأخذ بهذه الرواية أوْلى.
وليس للحَرْبي شيء من الركاز إن استخرج بغير إذن الإمام، فإن كان بإذنه فله ما شرط فيه.
-٢ - إن كان الركاز من دفن المسلمين، كأن يكون عليه طبع يدل على أنه بعد الإسلام، فحكمه حكم اللُّقَطَة (٣) .
-٣ - إن لم تظهر عليه أية علامة اعتبر من دَفْن الجاهلية.
-٤ - إن وجد الكنز في أرض الكفار أو صحرائها فلا يخمَّس، بل هو لواجده كله ولو كان مستأمناً. أما إن وجده في أرض مملوكة رده إلى مالكه تحرزاً من الغدر، فإن هرب به مَلَكه مُلْكاً خبيثاً سبيله التصدُّق.
-٥ - إن وجد الفيروز والياقوت والزمرد في جبل أو مفازة أي في مواضعها، فليس فيها شيء، فإن كانت من كنز الجاهلية ففيها الخمس لكونها غنيمة.
стр. 416
مصارف الزكاة:
هي مصارف الغنائم رغم أن الركاز أُلحق بالزكاة. وبناء على هذا يجوز للواجد أن يصرف الخمس على نفسه أو ولده إن كان فقيراً بحيث تكون أربع أخماس دون النصاب.
أما ما يستخرج من البحر سواء أكان لؤلؤاً أم ذهباً مدفوناً في قاع البحر، فليس فيه شيء. لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء دسره البحر" (١) .
стр. 417
الفصل الرابع: زَكاة العروض التجارية
стр. 418
أجمع الفقهاء على وجوب الزكاة في عروض التجارة مهما كان نوع المال المُتاجر به، لأن التجارة تجعل المال نامياً، وهي علة وجوب الزكاة، ولحديث سَمُرَة بن جُندب ﵁ قال: (أما بعد، فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نُخرِج الصدقة من الذي نعد للبيع) (١) .
стр. 419
شروط وجوب الزكاة:
-١ - أن تبلغ قيمة المال المتاجَر به نصاباً من ذهب أو فضة.
-٢ - أن تُملك بعقد مُعاوَضَة، فلو تملكها بإرث فلا تجب فيها زكاة العروض حتى يتاجر بها فعلاً، لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: "ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة" (١) .
-٣ - أن ينوي التجارة بها عند الشراء.
стр. 420
كيفية إخراجها:
يمكن ضم جميع العروض التجارية إلى بعضها وتقوَّم قيمتها بأحد النَّقدين، فإن بلغت نصاباً وجبت فيها الزكاة. وتُقوَّم بالأصلح للفقراء أو بالنَّقد الغالب. وروى البيهقي بسنده عن أبي عمرو بن حماس أن أباه حماس (كان حماس يبيع الأدم والجعاب) قال: "مررت بعمر بن الخطاب ﵁ وعلى عنقي آدمة أحملها فقال عمر: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟ فقلت يا أمير المؤمنين ما لي غير هذه التي على ظهري وآهبة في القرط فقال: ذاك مال فضع. قال: فوضعتها بين يديه فحسبها. فوجدت قد وجبت فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة" (١) .
стр. 421
زكاة المباني المؤجرة:
لا زكاة في المباني المؤجرة التي لم يقصد بها التجارة، وإنما تجب الزكاة على الأجرة إذا حال عليها الحول أو ضمت إلى النصاب الموجود عند المالك.
زكاة المصانع:
لا زكاة على الآلات المستعملة في المصنع، لأنها ليست للتجارة، وإنما تجب في المواد كالخيوط والحديد المعدة للبيع وغيرها (١) .
стр. 422
الباب الثالث (مصارف الزكاة) .
стр. 423
حدّد الله تعالى الأفراد الذين يستحقون صرف الزكاة إليهم في ثمانية أصناف، وذلك في قوله تعالى: ﴿إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل﴾ (١) .
وللمالك أن يعطي جميع الأصناف أو يقتصر على صنف واحد؛ لأن الزكاة حق الله تعالى، وهو الآخذ الفعلي لها، قال تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾ (٢) ، وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قوله: "إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل. ثم قرأ عبد الله: وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات" (٣) .
وقد استثني من الأصناف الثمانية المؤلفة قلوبهم وذلك بإجماع الصحابة قالوا: إن الله أعز الإسلام فلا حاجة لتأليف القلوب عليه فقد انتهى الحكم بانتهاء علته.
стр. 424
شرح الأصناف السبعة:
-١ - الفقير (١) : وهو الذي يملك شيئاً قليلاً لا يكفيه؛ أي الذي يملك ما لا يبلغ نصاباً، أو يملك نصاباً غير نامٍ مُسْتَغْرَقَاً في حوائجه (كثمن داره التي يسكنها، أو مصروفه) ولو كان صحيحاً مكتسباً. أما إن كان يملك نصاباً غير نامٍ غير مستهلكٍ فلي حوائجه الأصلية فلا يجوز إعطاؤه من مال الزكاة ولا يجب عليه دفع الزكاة، بل تجب عليه صدقة الفطر والأضحية.
-٢ - المسكين: وهو أدنى حالاً من الفقير، فهو الذي لا شيء له، قال تعالى: ﴿أو مسكيناً ذا مَتربة﴾ (٢) . وروي عن الإمام أبي حنيفة قوله الفقير الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل.
-٣ - العامل عليها: وهو الموظف على جبايتها وتوزيعها من قبل الإمام (٣) ، ولو هلك مال الزكاة في يده سقط حقه في الأجر. ويجوز للعامل ولو كان غنياً لأنه فرغ نفسه لهذا العمل فيأخذ عوض عمله ما يكفيه وأعوانه بشرط أن لا يتجاوز ذلك نصف ما جبى.
-٤ - الرقاب: وهم المكاتبون مكاتبة صحيحة فيعطون ما يعينهم على العِتق.
-٥ - الغارم: وهو المديون الذي لا يملك لدينه وفاء، والدفع إليه أفضل منه للفقير.
-٦ - في سبيل الله: وهم المنقطعون من الغزاة، أي الذين عجزوا عن اللحوق بجيش الإسلام لفقرهم بهلاك النفقة أو الدابة أو غيرهما فتحل لهم الزكاة.
-٧ - ابن السبيل: هو المنقطع عن أهله، البعيد عن ماله، فيعطي من الزكاة ما يوصله إلى أهله أو ماله.
стр. 425
الذين لا يجوز دفع الزكاة إليهم:
-١ - بنو هاشم ومواليهم، لقوله ﷺ : (إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) (١) ، ولما رواه ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لابني عمه: (لا يحل لكما أهلَ البيت من الصدقات شيء ولا غُسالة أيدي الناس، إن لكم في خمس الخُمُس لما يغنيكم أو يكفيكم) (٢) .
وقد روى أبو عصمة عن الإمام أنه يجوز الدفع إلى بني هاشم في زمانه لأن عوضها وهو خمس الخمس لم يصل إليهم.
-٢ - الأغنياء: لما روي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا تَحِلّ الصدقة لغني ولا لذي مِرّة سوي) (٣) . كما لا تحلّ لولد الغني الصغير (دون البلوغ) ولا إلى ابنه الكبير المُقْعَد؛ أي الذي فرضت نفقته على أبيه (أما إذا كان قبل فرض نفقته فيجوز أن يعطى) ، ولا إلى مملوكه، لأنهم أغنياء بغناه. بخلاف ولد الغني الكبير وزوجته وأبيه إن كانوا فقراء، فمن الأَوْلى جميع الأقارب الذين تجب نفقتهم على الغني إن كانوا فقراء فلا يعتبرون أغنياء بغناه.
والغني في الشرع ثلاث مراتب:
-١ - غني يحرم عليه السؤال، ويحلّ له أخذ الزكاة: وهو أن يملك قوت يومه وستر عورته، أو كان صحيحاً مكتسباً، لما روى سهل بن الحنظلية ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النار. فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه) (٤) .
-٢ - غني يحرم عليه السؤال والأخذ، ويوجب عليه صدقة الفطر والأضحية: وهو أن يملك نصاباً غير نامٍ عن حوائجه الأصلية.
-٣ - غني يحرم عليه السؤال والأخذ، ويوجب عليه صدقة الفطر والأضحية والزكاة: وهو أن يملك نِصاباً كاملاً نامياً.
-٣ - غير المسلمين: فلا يجوز دفع الزكاة إلى ذميّ أو حَرْبي، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن قال له: (فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) (٥) .
أما الصدقات النافلة فيجوز أن تُدفع للذميّ بخلاف النذور والكفارات فلا يجوز دفعها عند أبي يوسف إلا لمسلم كالزكاة.
-٤ - فروع المُزكّي وأصوله كالأب والجد والأم والجدة، من الجانبين، والولد وولد الولد وإن سَفل. ويجوز إعطاؤها إلى من سوى ما ذكر كالأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات الفقراء، بل هم أولى لما فيه من الصلة مع الصدقة.
-٥ - زوجة المُزكي اتفاقاً، فلا يجوز للزوج أن يدفع زكاة ماله لزوجته لوجوب نفقتها عليه. واختُلِف في جواز دفع الزوجة زكاة مالها لزوجها فعند الإمام لا يجوز أن تدفع الزوجة زكاة مالها لزوجها ولو كان فقيراً، لأنه يعود بالنفع عليها، وهو القول المعتمد. وعند الصاحبين يجوز، وذلك لما روي عن زينب. فقال: (أي الزيانب؟ فقيل امرأة ابن مسعود. قال: نعم، ائذنوا لها. فأُذِن لها. قالت: يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود: أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ : صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقتِ به عليهم) (٦) .