زكاة المباني المؤجرة:
لا زكاة في المباني المؤجرة التي لم يقصد بها التجارة، وإنما تجب الزكاة على الأجرة إذا حال عليها الحول أو ضمت إلى النصاب الموجود عند المالك.
زكاة المصانع:
لا زكاة على الآلات المستعملة في المصنع، لأنها ليست للتجارة، وإنما تجب في المواد كالخيوط والحديد المعدة للبيع وغيرها (١) .
стр. 422
الباب الثالث (مصارف الزكاة) .
стр. 423
حدّد الله تعالى الأفراد الذين يستحقون صرف الزكاة إليهم في ثمانية أصناف، وذلك في قوله تعالى: ﴿إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل﴾ (١) .
وللمالك أن يعطي جميع الأصناف أو يقتصر على صنف واحد؛ لأن الزكاة حق الله تعالى، وهو الآخذ الفعلي لها، قال تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾ (٢) ، وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قوله: "إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل. ثم قرأ عبد الله: وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات" (٣) .
وقد استثني من الأصناف الثمانية المؤلفة قلوبهم وذلك بإجماع الصحابة قالوا: إن الله أعز الإسلام فلا حاجة لتأليف القلوب عليه فقد انتهى الحكم بانتهاء علته.
стр. 424
شرح الأصناف السبعة:
-١ - الفقير (١) : وهو الذي يملك شيئاً قليلاً لا يكفيه؛ أي الذي يملك ما لا يبلغ نصاباً، أو يملك نصاباً غير نامٍ مُسْتَغْرَقَاً في حوائجه (كثمن داره التي يسكنها، أو مصروفه) ولو كان صحيحاً مكتسباً. أما إن كان يملك نصاباً غير نامٍ غير مستهلكٍ فلي حوائجه الأصلية فلا يجوز إعطاؤه من مال الزكاة ولا يجب عليه دفع الزكاة، بل تجب عليه صدقة الفطر والأضحية.
-٢ - المسكين: وهو أدنى حالاً من الفقير، فهو الذي لا شيء له، قال تعالى: ﴿أو مسكيناً ذا مَتربة﴾ (٢) . وروي عن الإمام أبي حنيفة قوله الفقير الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل.
-٣ - العامل عليها: وهو الموظف على جبايتها وتوزيعها من قبل الإمام (٣) ، ولو هلك مال الزكاة في يده سقط حقه في الأجر. ويجوز للعامل ولو كان غنياً لأنه فرغ نفسه لهذا العمل فيأخذ عوض عمله ما يكفيه وأعوانه بشرط أن لا يتجاوز ذلك نصف ما جبى.
-٤ - الرقاب: وهم المكاتبون مكاتبة صحيحة فيعطون ما يعينهم على العِتق.
-٥ - الغارم: وهو المديون الذي لا يملك لدينه وفاء، والدفع إليه أفضل منه للفقير.
-٦ - في سبيل الله: وهم المنقطعون من الغزاة، أي الذين عجزوا عن اللحوق بجيش الإسلام لفقرهم بهلاك النفقة أو الدابة أو غيرهما فتحل لهم الزكاة.
-٧ - ابن السبيل: هو المنقطع عن أهله، البعيد عن ماله، فيعطي من الزكاة ما يوصله إلى أهله أو ماله.
стр. 425
الذين لا يجوز دفع الزكاة إليهم:
-١ - بنو هاشم ومواليهم، لقوله ﷺ : (إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) (١) ، ولما رواه ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لابني عمه: (لا يحل لكما أهلَ البيت من الصدقات شيء ولا غُسالة أيدي الناس، إن لكم في خمس الخُمُس لما يغنيكم أو يكفيكم) (٢) .
وقد روى أبو عصمة عن الإمام أنه يجوز الدفع إلى بني هاشم في زمانه لأن عوضها وهو خمس الخمس لم يصل إليهم.
-٢ - الأغنياء: لما روي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا تَحِلّ الصدقة لغني ولا لذي مِرّة سوي) (٣) . كما لا تحلّ لولد الغني الصغير (دون البلوغ) ولا إلى ابنه الكبير المُقْعَد؛ أي الذي فرضت نفقته على أبيه (أما إذا كان قبل فرض نفقته فيجوز أن يعطى) ، ولا إلى مملوكه، لأنهم أغنياء بغناه. بخلاف ولد الغني الكبير وزوجته وأبيه إن كانوا فقراء، فمن الأَوْلى جميع الأقارب الذين تجب نفقتهم على الغني إن كانوا فقراء فلا يعتبرون أغنياء بغناه.
والغني في الشرع ثلاث مراتب:
-١ - غني يحرم عليه السؤال، ويحلّ له أخذ الزكاة: وهو أن يملك قوت يومه وستر عورته، أو كان صحيحاً مكتسباً، لما روى سهل بن الحنظلية ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النار. فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه) (٤) .
-٢ - غني يحرم عليه السؤال والأخذ، ويوجب عليه صدقة الفطر والأضحية: وهو أن يملك نصاباً غير نامٍ عن حوائجه الأصلية.
-٣ - غني يحرم عليه السؤال والأخذ، ويوجب عليه صدقة الفطر والأضحية والزكاة: وهو أن يملك نِصاباً كاملاً نامياً.
-٣ - غير المسلمين: فلا يجوز دفع الزكاة إلى ذميّ أو حَرْبي، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن قال له: (فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) (٥) .
أما الصدقات النافلة فيجوز أن تُدفع للذميّ بخلاف النذور والكفارات فلا يجوز دفعها عند أبي يوسف إلا لمسلم كالزكاة.
-٤ - فروع المُزكّي وأصوله كالأب والجد والأم والجدة، من الجانبين، والولد وولد الولد وإن سَفل. ويجوز إعطاؤها إلى من سوى ما ذكر كالأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات الفقراء، بل هم أولى لما فيه من الصلة مع الصدقة.
-٥ - زوجة المُزكي اتفاقاً، فلا يجوز للزوج أن يدفع زكاة ماله لزوجته لوجوب نفقتها عليه. واختُلِف في جواز دفع الزوجة زكاة مالها لزوجها فعند الإمام لا يجوز أن تدفع الزوجة زكاة مالها لزوجها ولو كان فقيراً، لأنه يعود بالنفع عليها، وهو القول المعتمد. وعند الصاحبين يجوز، وذلك لما روي عن زينب. فقال: (أي الزيانب؟ فقيل امرأة ابن مسعود. قال: نعم، ائذنوا لها. فأُذِن لها. قالت: يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود: أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ : صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقتِ به عليهم) (٦) .
стр. 426
تعقيبات:
- إذا دفع المكلف الزكاة لرجل ظنه مستوفياً للشروط فقيراً أو مسكيناً، ثم تبين له خلاف ذلك، جاز وصحت الزكاة عند الإمام خلافاً لأبي يوسف، ودليل ذلك ما روي عن معن ﵁ قال: كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله ﷺ ، فقال: (لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن) (١) .
- لا يجوز دفع الزكاة لبناء مسجد أو إصلاح شارع، ولا يقضى بها دين عن ميت، ولا يُغسل منها ولا يُكفن.
- ما يأخذه البغاة (٢) يسقط الخراج ولا يسقط الزكاة، لأنهم لا يصرفونها في مصارف الزكاة.
стр. 427
الباب الرابع (صَدقة الفِطر) .
стр. 428
حكمها ودليلها:
وهي واجبة، ولا يكفر جاحدها، بدليل ما روي عن ابن عمر ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر على الذكر والأنثى، والحر والمملوك، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير) (١) . وهي ليست فرضاً، لأن معنى كلمة "فرضَ" في الحديث أمَرَ أَمْر إيجاب والأمر الثابت بدليل ظني يفيد الوجوب، ولأن الإجماع المنعقد على وجوبها ليس قطعياً لأنه لم يُنقل بالتواتر.
стр. 429
الحكمة من تشريعها:
شرعت صدقة الفطر لجبر الخلل الواقع في الصوم، كما يجبر سجود السهو نقص الصلاة، وذلك لحديث ابن عباس ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفِطر طُهرة للصائم من اللَّغو والرَّفَث وطعمة للمساكين) (١) .
كما شرعت للتوسعة على الفقراء والمساكين وإغنائهم عن سؤال الناس في يوم العيد، وذلك للحديث المتقدم ولقوله ﷺ فيما رواه عنه ابن عمر ﵄: (أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم) (٢) . كما أنها سبب لقبول الصيام لما روي أن: صوم شهر رمضان معلق بين السماء والأرض ولا يرفع إلا بزكاة الفطر.
стр. 430
سببها: رأس يَمُونُه ويَلي عليه.
شروط وجوبها:
-١ - الإسلام: فلا تجب على الكافر ولو عن عبده المسلم. لكن يجب على المولى أن يدفع عن عبده الكافر لتحقق السبب وهو رأس يمونه ويلي عليه.
-٢ - الحرية: فلا تجب على العبد لأنه لا يملك، بل يجب على سيده أن يخرجها عنه.
-٣ - أن يملك مقدار نصاب خالٍ عن الدين وزائد عن حوائجه الأصلية، سواء أكان نامياً أم غير نام. ولا يشترط بقاء النصاب، فلو هلك النصاب بعد وجوبها لا تسقط عنه بخلاف الزكاة.
-٤ - أن يدركه فجر عيد الفطر، فمن مات قبل الفجر أو وُلِد بعده فلا تجب عليه صدقة الفطر.
ولا يشترط لوجوبها العقل والبلوغ، فتجب في مال الصبي والمجنون، وإذا لم يخرجها وليُّهما كان آثماً، ويجب عليهما دفعها للفقراء بعد الإفاقة أو البلوغ.
على من تجب زكاة الفطر:
تجب على كل من توفرت فيه شروط الوجوب، فتجب عن نفسه وعمن يَمُونُه، بدليل حديث ابن عمر ﵄ قال: (أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن تمونون) (١) . أي يجب أن يدفع عمن تقع عليه ولايته ومؤونته، فيدفع الأب عن ولده الصغير الفقير، وعن ولده الكبير الذي في عياله إن كان فقيراً ومجنوناً، وعن عبده ولو ذمياً.
ولا تجب على الزوج عن زوجته أو ولده الكبير الفقير العاقل، لكن إن دفعها ولو من غير إذنهما أجزأت بشرط كونهما في عياله.
ولا يجب على المكلف أن يخرجها عن أمه وأبيه ولو كانا فقيرين، إن أن يتبرع، أو كان أحدهما مجنوناً فقيراً فيدفع عنه لوجود المؤونة والولاية.
ويدفع الجَدّ عن أولاد ابنه القاصرين الفقراء عند موت أبيهم. ولا يدفع عن أولاد ابنته ولو فقراء.
وتدفع المرأة عن نفسها إن كانت غنية، ولا تدفع عن أولادها ولا عن زوجها.
стр. 431
مقدارها:
نصف صاع من القمح، أو صاع من زبيب أو تمر أو شعير.
ويجوز دفع القيمة وهي أفضل عند وجدان الفقير ما يحتاجه، بأن كان الزمن زمن خصب، لأن الحكمة منها إغناؤه. أما إن كان زمن شدة فإخراج العَيْن أفضل. ودليل ذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر، على الصغير والكبير، والحُرِّ والمملوك) (١) .
стр. 432
وقتها:
أفضل وقت لإخراجها قبل الخروج لصلاة عيد الفطر، ويجوز إخراجها بعد دخول شهر رمضان، ولا يجوز تقديمها عنه، ويكره تأخيرها عن صلاة العيد، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفِطر طُهرة للصائم من اللّغو والرَّفث وطُعْمَة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) (١) . لكنها لا تسقط بالتأخير، ولو لم يؤدِّها ثبتت دَيْناً في ذمته يجب عليه دفعها، ولو أخرها حتى مات؛ فإن دفعها الورثة أو غيرهم أجزأت وبرِئت ذمته، وإن أوصى بها تُخرج من الثلث.
стр. 433
كتاب الحج
стр. 434
الباب الأول (تعريف الحج وشروطه) .
стр. 435
لغة: القصد إلى معظَّم.
شرعاً: زيارة مكان مخصوص، في زمن مخصوص، بفعل مخصوص.
ويقصد بالمكان المخصوص: الكعبة وعرفات.
وبالزمن المخصوص: الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة، والطواف بالبيت فجر يوم النحر إلى ما بعده.
والفعل المخصوص: الإحرام بنية الحج وباقي الأركان.
حكمه:
أ - هو ركن من أركان الإسلام، وفرض عين على كل مستطيع، يكفر جاحده، وهو عبادة مالية وبدنية.
دليل فرضيته:
ثبتت فرضيته بالكتاب والسنة والإجماع.
من الكتاب: قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ (١) .
ومن السنة: حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) (٢) .
وقد انعقد إجماع الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين إلى يومنا هذا على أن الحج فريضة مُحْكَمة.
وهو فرض في العمر مرة واحدة، ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: (أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم) (٣) .
وما روي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ملك زاداً وراحلة تُبلِّغه إلى بيت الله ولم يحج (٤) فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً. وذلك أن الله يقول في كتابه: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ ) (٥) .
وقيل هو فرض مرة في العمر على الفور (٦) إذا توفرت شروط وجوبه، فإن أخره عن أول عام استطاع فيه أثم بالتأخير. ولو أخَّره سنين ثم حجَّ اعتبر أداء لا قضاء، لأن دليل الفورية ظني، وهو أن الحج له وقت معين في السنة والموت خلال سنة غير نادر.
ب - واجب:
-١ - يجب على الآفاقي إذا أراد دخول مكة واجتاز الميقات أن يختار أحد النسكين ويُحرم به، فإن كان وقت الحج واختاره وجب عليه، لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا تجاوز الموقت إلا بإحرام) (٧) . وسبب وجوب الإحرام تعظيم تلك البقعة الشريفة. ويستوي في ذلك التاجر والمعتمر، فإن اجتاز الميقات بغير إحرام وجب عليه دم ما لم يَعُد إلى الميقات ويُحَرم منه بأحد النسكين.
-٢ - يجب إتمامه بعد الإحرام به متطوعاً، بدليل قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (٨) .
جـ - سنة: إن نواه متطوعاً.
د - مكروه:
-١ - إذا أحرم به دون إذن من له ولاية عليه.
-٢ - إذا حجت المرأة بدون مَحرم.
هـ - محرم: إن حج بمال حرام، لكن يسقط عنه الفرض ولا يثاب بسبب المال الحرام.
стр. 436
شروط الحج:
أولاً - شروط وجوب الحج:
وهي الشروط التي إن توفرت في شخص وجب عليه الحج مطلقاً، بنفسه، أو بالإحجاج عنه، أو يوصي بالحج إن مات ولم يحج. أي يترتب عليه ثبوت الحج دَيْناً في ذمته.
وهذه الشروط هي:
-١ - الإسلام، لأن الكافر غير مخاطب بالتكاليف.
-٢ - العقل والبلوغ: فلا يجب الحج على المجنون ولا على الصغير، ولو حجا ونوى عنهما وليهما صح الحج تطوعاً ولا تسقط فريضة حجة الفريضة، فلو بلغ الصبي أو أفاق المجنون وجبت عليهما الفريضة، لما روي عن ابن عباس ﵄ ورفعه إلى النبي ﷺ قال: (أيُّما صبي حج، ثم بلغ الحنث، فعليه أن يحج حَجُّة أخرى) (١) . وإذا بلغ قبل الخروج إلى عرفات، فله أن يجدد النية من أقرب ميقات، وتجزئه عن حجة الإسلام. أما المعتوه فهو مكلف بالعبادات احتياطاً.
-٣ - الحرية: فلا يجب الحج على العبد ولو مُدَبَّراً (٢) أو مكاتباً أو أم ولد، لأن فرض الحج لا يتأتى إلا بالمال ولا ملك لهؤلاء، وحتى لا يفوت حق السيد مدة الحج. ولو حج العبد انعقد حجه تطوعاً، لما روي عن ابن عباس ﵄ رفعه - قال: (وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى) (٣) .
-٤ - العلم بفرضية الحج، إن كان في غير دار الإسلام، بإخبار عدل، أو مستورين، أو رجل وامرأتين. أما إن كان في دار الإسلام فيجب عليه الحج ولو لم يعلم بفرضيته سواء أنشأ مسلماً أو لا.
-٥ - الاستطاعة: لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ (٤) وتتحقق الاستطاعة بالأمور التالية:
-١ - صحة البدن بالسلامة من الأمراض والعمى والعاهات المانعة من القيام بما لا بد منه في السفر. فإذا ملك المريض زاداً وراحلة وجب عليه أن يستنيب عند الصاحبين، وعند الإمام: لا يجب الحج على المرضى وأصحاب العاهات، لأنه يعتبر الصحة الجسدية من شروط الوجوب (وثمرة الاختلاف في الإيصاء والاستنابة) . ولو حج سقط عنه الفرض اتفاقاً. وإذا ملك من يحمله ويضعه وجب عليه الحج، أو الاستنابة وتجزئه ما دام عاجزاً، فإذا زال عجزه أعاد الحج.
-٢ - مُلك الزاد والراحلة والنفقة ذهاباً وإياباً، وذلك لما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قيل يا رسول الله ما السبيل إلى الحج؟ قال: (الزاد والراحلة) (٥) .
ويشترط أن يكون الزاد والراحلة زائدين عن حوائجه الأصلية التي هي: وفاء الدَّين، والمسكن، والملبس، والمواشي، والكتب لمن هو من أهلها، وآلات الحِرْفة، والسلاح، ونفقة الزواج حتى قيل بوجوبه عند التّوقان.
كما يشترط أن يكونا زائدين عن مؤونة بيته، ونفقة عياله، ومن تجب عليه نفقتهم مدة غيابه إلى أن يعود وقيل حتى بعد عودته بشهر، لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يقوت) (٦) . والنفقة تشمل الطعام والكسوة والسكنى.
-٣ - أمن الطريق وقت الخروج إلى الحج، فغلبة السلامة ولو بالرشوة شرط لوجوب الحج (إذ يجب أن يدفع هو لاضطراره لأداء الفريضة والإثم على الآخذ) إذا لم يتحقق الأمن إلا بالدفع، فإن قتل بعض الحجاج فلا سلامة. ولو تمكن من الأمن بدفع ضريبة وجب عليه الحج والدفع.
-٤ - عدم الحَبْس.
-٥ - توفر المَحْرَم للمرأة زوجاً كان أو غيره غير مجوسي (لأنه قد يستبيح زواجها ولو كان أباها) ولا فاسق. وإن كانت شابة فلا تسافر مع صهرها ولا أخيها من الرضاع. وأن يكون المحرم عاقلاً بالغاً، والمراهق كالبالغ، لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تسافر المرأة ثلاثاً إلا مع ذي محرم) (٧) .
وتجب عليها نفقة المحرم إن أمكنها ولم يتيسر لها محرم بدون إنفاق. وليس للزوج منعها من حَجَّة الفرض إذا وجدت محرماً، ولا يجب عليها التزوج من أجل الحج. ولا يجوز لها الخروج مع جماعة النساء ولو كن ثقات. وإذا حجت المرأة بدون محرم صح حجها وسقطت الفريضة لكن مع الكراهة التحريمية، أي لا يكون حجها مبروراً.
-٦ - أن لا تكون المرأة معتدَّة من طلاق أو وفاة وقت خروج الناس للحج، أما لو أدركتها العِدَّة أثناء الطريق، فإن كان طلاقاً رجعياً لا يفارقها زوجها وتتم حجها، أما إن كان بائناً أو عِدَّة وفاة فيُفرَّق:
أ - إن كانت تبعد عن بلدها أقل من مسافة سفر القصر، رجعت وأمضت عدّتها في بيتها.
ب - إن كانت تبعد عن بلدها أكثر من مسافة سفر القصر، وهي آمنة في مكانها، تبقى حيث هي فتقضي عدتها ولا تتابع حجها ويكون حكمها حكم المُحْصَر.
جـ - إن كان بينها وبين بلد المَقْصَد أقل من مسيرة ثلاثة أيام وجب إتمام الحج.
-٧ - توفر الاستطاعة وقت الحج؛ فلو توفرت بعد وقت الحج لم تجب عليه في تلك السنة.
стр. 437
تعقيبات:
-١ - من كان عنده مال وعليه زكاة وكفارات، يلزمه تقديم الحج.
-٢ - من كان بيته واسعاً، بحيث لو باع قسماً منه لكفى ثمنه للحج، لا يلزمه ذلك وإن كان أفضل.
-٣ - من كان عنده مال ويريد الزواج، لكن أدركه الحج قبل الزواج، فيحج أولاً.
ثانياً - شروط صحة الأداء:
-١ - الإسلام: سواء باشره بنفسه أو فعله عن غيره، فلا يصح الحج من الكافر ولا يصح عنه.
-٢ - التمييز والعقل: فإذا حج صبي مميز وقام بأعمال الحج صح حجه، لكن لا تسقط عنه الفريضة. أما إن كان غير مميز أو مجنوناً فلا يصح الحج منهما ولا يصح إحرامهما، وعلى الولي أن يقوم بالإحرام عنهما، وأن يجردهما من الملابس قبل الإحرام عنهما؛ ويلبسهما الإزار والرداء، وأن يحضرهما المواقف؛ فيطوف ويسعى بهما ويأخذهما إلى عرفة.
-٣ - مباشرة الأفعال في زمن مخصوص، وهو وقت طواف الزيارة ووقت الوقوف بعرفة. ولا يصح من أفعال الحج شيء قبل أشهر الحج إلا الإحرام فيصح مع الكراهة.
-٤ - مباشرة الأفعال في مكان مخصوص، وهو أرض عرفة للوقوف بها، والمسجد الحرام لطواف الزيارة.
-٥ - الإحرام.
-٦ - عدم الجماع بين الإحرام ووقوف عرفة، فإن فعل فسد حجه، ويمضي في فاسده وعليه الحج من قابل.
стр. 438
الباب الثاني (أرْكَان الحجّ) .
стр. 439
الركن الأول - الإحرام:
معنى الإحرام:
لغة: هو مصدر من أَحرم، أي دخل في حرمة لا تُنتهك (أي في ذِمَّة) .
شرعاً: الدخول في حُرُمات مخصوصة؛ أي التزامها. وقد عرَّفه البعض بأنه النية مع التلبية.
حكمه: هو فرض يجمع بين الشرط والركن. فهو شرط ابتداء، لذا يصح قبلا أشهر الحج مع الكراهة. وله معنى الركن، لأنه لو فاته الحج في العام الذي أحرم فيه حَلَّ بعمرة ثم يقضي في العام القادم بإحرام جديد، ولأنه في الوقت نفسه داخل في أفعال الحج.
شروط تحقق الإحرام:
-١ - النية: وهي قصد القلب الدخول بالحج أو العمرة، لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (١) . وإذا أبهم الإحرام فلم يعين ما أحرم به جاز، لكن عليه التعيين قبل أن يَشرع في الطواف، فإن أُحصِر أو فسد إحرامه قبل التعيين صرف العمرة، ولا يصرف للحج إلا إذا عينه قبل أن يبدأ بالأفعال. ولو وقف بعرفة قبل الطواف تعين إحرامه للحج. ولو أطلق نية الحج صرف للفرض، وإن عين نفلاً صار نفلاً، إلا عند محمد إن عين نفلاً ولم يكن قد حج للفرض صرف للفرض. وبناء على هذا يجوز عند الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، ولا يجوز عند الإمام محمد ولو حج عن غيره ولم يكن قد حج عن نفسه انصرفت الحَجة له.
ويستحب التلفظ بالنية وكماله أن يقول: نويت الحج وأحرمت به لله تعالى.
كما يستحب أن يقرن النية بالدعاء فيقول: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبَّلْه مني (٢) . ويسن أن يذكر ما نواه أثناء التلبية، فعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لبيك عمرة وحجاً) (٣) .
-٢ - الذكر وهو التلبية أو ما يقوم مقامها ويسمى بالخصوصية. فلو نوى ولم يذكر لا يصير محرماً.
شروط تحقق الذكر:
-١ - أن يكون مقروناً بالنية للمرة الأولى.
-٢ - أن يتلفظ به لسانه، وقيل: حتى الأخرس يلزمه تحريك لسانه، ولا يشترط أن يكون بالعربية فيصح بغيرها.
-٣ - أن يكون بالصيغة التالية: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) (٤) . ويكره تحريماً أن يُنقِص عن هذه الصيغة.
ويسن في التلبية:
-١ - أن يزيد على الصيغة السابقة وخاصة بالمأثور، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كان عمر بن الخطاب ﵁ يهل بإهلال رسول الله ﷺ من هؤلاء الكلمات ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل" (٥) . وعن أنس ﵁ قال: "كانت تلبية النبي ﷺ لبيك حجاً حقاً تعبداً ورقاً" (٦) . وعن ابن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ وقف بعرفات، فلما قال لبيك اللهم لبيك. قال: إنما الخير خير الآخرة) (٧) .
-٢ - أن يرفع الصوت بها، لما روى خلاد بن السائب عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية) (٨) .
-٣ - أن يكررها دائماً، لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من محرم يَضْحَى لله يومه، يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه فعاد كما ولدته أمه) (٩) .
ما يقوم مقام الذكر: تقليد بدنة، وهو ما يسمى بالخصوصية. ويشترط في التقليد (١٠) اقترانه بالنية.
стр. 440
واجبات الإحرام:
-١ - الإحرام من الميقات.
-٢ - اجتناب محظورات الإحرام.
أولاً - الإحرام من الميقات:
الميقات لغة: الحدّ، وشرعاً: زمن العبادة ومكانها.
وميقات الإحرام الزماني: أشهر الحج: شوال وذو العقدة وعشر ليال من ذي الحجة. ودليله: قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ (١) .
ويجوز الإحرام في غير هذه الأشهر مع الكراهة.
وأما الميقات المكاني للإحرام فيختلف باختلاف الجهة التي يأتي منها الحاج:
-١ - بالنسبة للآفاقي (٢) : يحرم الآفاقي من أحد المواقيت التالية حسب جهة قدومه:
-١ - ذو الحُلَيْفَة: وهو ميقات أهل المدينة ومن جاء منها. وبينها وبين مكة تسع مراحل، وهو أبعد المواقيت عن مكة.
-٢ - الجُحْفَة: وهي ميقات أهل الشام ومصر، ومن مرّ عليهما من غير أهلهما. وقد أبدلت اليوم برابغ.
-٣ - يَلَمْلَم: وهو ميقات أهل اليمن وتهامة والهند. ويلملم جبل صغير على بعد مرحلتين من مكة.
-٤ - قَرْن المنازل: وهو ميقات أهل نجد والحجاز، وهو جبل مشرف على عرفات على بعد مرحلتين منه.
-٥ - ذاتُ عِرْق: وهي ميقات أهل العراق وسائر أهل المشرق، وهي قرية على بعد مرحلتين من مكة، وسميت بذلك لوجود جبل فيها يسمى عِرقاً يشرف على وادي العقيق.
وهذه المواقيت لأهل الجهات ولمن مر بها أو حاذاها جواً. والأفضل للآفاقي أن يحرم دُوَيْرَة أهله إذ أن ذلك من تمام الحج.
-٢ - لمن هو داخل المواقيت وخارج مكة: من حيث أنشأ الحج، أي ميقاته الحل.
-٣ - لأهل مكة: الحرم.
ودليل تحديد المواقيت حديث ابن عباس ﵄ قال: (وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحُلَيفة، ولأهل الشام الجُحْفَة، ولأهل نجد قَرن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم. فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمُهلُّهُ من أهله، وكذاك حتى أهل مكة يُهلّون منها) (٣) .
стр. 441
حكم الإحرام لاجتياز الميقات:
-١ - إذا كان آفاقياً قاصداً مكة لنسك أو غيره، فيجب أن لا يتجاوز الميقات إلا محرماً، وإلا وجب عليه دم وكان آثماً؛ إلا أن يعود إلى الميقات فيُحرِم منه قبل أن يبدأ بالمناسك، أو يحرم من مكة ويعود إلى الميقات ملبياً.
-٢ - أما لو كان آفاقياً وجاء يقصد الإقامة بجدة مثلاً، ولا يريد نُسَكاً ولا يريد دخول مكة، فله أن يتجاوز الميقات بدون إحرام ولا شيء عليه.
وأما من كان داخل الميقات فله أن يدخل مكة بدون إحرام ومتى شاء.
ثانياً - اجتناب محظورات الإحرام:
من واجبات الإحرام اجتناب محظورات الإحرام إلا الجماع فهو إن وقع مفسد للحج أصلاً إذا كان قبل الوقوف بعرفة.
ومحظورات الإحرام هي:
-١ - ما يتعلق منها باللباس:
أ - بالنسبة للرجل:
-١ - يحرم على الرجل لبس ما يحيط ببدنه، سواء نتيجة غرز أو لصق أو نسج، أو أي ثوب لبساً معتاداً كالقميص والسراويل والعمامة والقباء. لما روي عن ابن عمر ﵄ أن رجلاً قال: يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : (لا يلبس القُمُص ولا العمائم ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبِس خفين وليقطعهما أسفل الكعبين..) (١) . أما إذا لم يكن اللبس على الهيئة المعتادة، كأن ألقيت عليه عباءة وهو نائم فلا مانع. وإذا وضع العباءة على كتفيه دون أن يزرِّر أو يدخل يديه في كميها فيكره، وإن زرّر يحرم.
-٢ - يحرم على الرجل لبس الخفين إلا أن لم يجد النعلين فيقطع الخفين أسفل الكعبين ثم يلبسهما للحديث المتقدم.
-٣ - يحرم عليه لبس القفازين.
-٤ - يحرم ستر الرأس والوجه، لما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه) (٢) ، وروي عنه أيضاً أنه كان يقول: "ما فوق الذقن من الرأس فلا يُخمره المحرم" (٣) . وسواء في الحرمة تغطية بعض الوجه أو الرأس أو كله. ولا يجوز للرجل أن يحمل فوق رأسه شيئاً اعتاد الناس أن يغطوا رؤوسهم به. أما لو حمل عِدْلاً (٤) فلا بأس، والمعتمد في الحرمة هو القصد.
ويكره تحريماً أن يُدخِل رأسه تحت أستار الكعبة، وإن طال لمدة يوم وليلة ففيه دم. ويكره عصب الرأس ولو فعله يوماً وليلة ففيه صدقة.
وتجوز تغطية وجه الميت ورأسه إن مات مُحرِماً لانقطاع الإحرام بالموت، بدليل ما روي عن بعض أهل العلم قوله: "إذا مات انقطع إحرامه ويصنع به كما يصنع بغير المحرم" (٥) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به، أو صدقة تجري له، أو ولد صالح يدعو له) (٦) . أما قوله ﷺ في المحرم الذي وَقَصَته دابته: (لا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) (٧) فهو مخصوص به لإخبار رسول الله ﷺ عنه، أما غيره فقد انقطع إحرامه بالموت.
ب - بالنسبة للمرأة:
يجوز للمرأة لبس المخيط والثياب المعتادة لكن:
-١ - يحرم عليها ستر وجهها بساتر يَلْمَسُ البشرة. أما إن كان الساتر متجافياً بحيث لا يمسّ الوجه فلا مانع منه. لما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين ... ) (٨) .
-٢ - يندب لها عدم لبس القفَّازين.
-٢ - ما يتعلق منها بالبدن:
-١ - إزالة الشعر: فلا يصح للمحرم أن يزيل شيئاً من شعر رأسه وجسده كيفما كان حلقاً أو قصاً أو نتفاً، ولا يحلق رأس غيره ولو كان حلالاً، ولا يمكِّن غيره أن يحلق له. إلا شعرة نبتت في العين فلا شيء في إزالتها. وذلك لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي مَحِلَّه﴾ (٩) ، ولأن فيه إزالة الشَّعث (١٠) ، روي عن ابن عمر ﵄ قال: قام رجل إلى النبي ﷺ فقال: ما الحاج؟ قال النبي ﷺ : (الشَّعِث التَّفِل) (١١) .
-٢ - التطيب: ويقصد به استعمال الطيب في الثوب والبدن وإن لم يقصده فلا يجوز أن يستعمل طلاءً للتداوي إن كان مطيباً، ولا يغسل بصابون إن كان معطراً، ولا يلبس ثوباً مُعَصْفراً أو مُطَيَّباً، لما روي عن ابن عمر ﵄ أن رجلاً قال: يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : ( ... ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران أو الورس) (١٢) . أما الثياب المبخرة فلا شيء فيها. كما يكره شمّ الطيب، لما روى البيهقي بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ "أنه سئل عن الريحان أيشمه المحرم، والطيب، والدهن، فقال: لا" (١٣) . كما لا يجوز للمحرم أن يشرب ما خالطه طيب إن كان غالباً كالقهوة مع الهيل.
-٣ - الادِّهان: فلا يجوز للمحرم أن يَدْهن رأسه بزيت أو غيره فيما يستعمل للتطيَّب والتزيّن، إلا إذا كان للتداوي فيجوز. كما يجوز دهن جسمه بما ليس بطيب كالفازلين أو غيره. ويجوز أكل الزيت مطلقاً.
-٤ - إزالة الأظافر: أي قطعها، ولو واحداً بنفسه أو غيره، أو قَلْمُ ظُفرِ غيره. إلا إذا انكسر بحيث لا ينمو فلا بأس بإزالته، لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في المحرم: " ... وإذا انكسر ظفره طرحه" (١٤) .
-٣ - ما يتعلق بالأفعال:
-١ - الرفث: وهو الجماع، أو ذِكره وخاصة بحضرة النساء. والمحرَّم هو فعل الجماع وليس العقد، فيجوز للمحرم أن يعقد لنفسه أو لغيره. قال تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ (١٥) .
-٢ - الفسوق: وهي المعاصي، وتركها في غير الحج واجب وفي الحج أوجب. روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ومن حج هذا البيت فلم يَرْفُث ولم يفْسُق رجع كيوم ولدته أمه) (١٦) .
-٣ - الجدال: وهو الخصومة مع الرفقاء والخدم والمُكَارين (١٧) ، لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ .
-٤ - صيد البر: يحرم على المحرم قتل صيد البر (١٨) سواء أكان مأكولاً أم لا، بدليل قوله تعالى: ﴿أُحِلَ لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً﴾ (١٩) ، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ (٢٠) .
ولا يجوز للمحرم أن يشير إليه ولا يدل عليه لأن الدلالة والإشارة في معنى الصيد من حيث إزالة الأمن عن الحيوان، وكذلك لا يجوز له أن يكسر بيض الحيوان لأنه أصله.
أما إذا اصطاد غير محرم فيجوز للمحرم أكله إذا لم يعنه، لما روي عن عبد الله بن أبي قتادة قال: كان أبو قتادة في نفر محرمين وأبو قتادة محل. واقتص الحديث وفيه "أنه اصطاد حمار وحش فسألوا رسول الله ﷺ عن أكله" قال: (هل أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشيء، قالوا: لا يا رسول الله. قال: فكلوا) (٢١) .
-٥ - يحرم على المحرم قتل الهوامّ والقمل، لأن فيه إزالة الشعّث. ويجوز له قتل البراغيث والبقّ والذُّباب والحية والعقرب والفأرة والذئب والغراب والحَدَأة، لأنها ليست صيداً ولا متولدة من البدن وليس في قتلها إزالة الشّعث، ولأن منها ما هو مؤذٍ ويبتدئ بالإيذاء ولأن المحظور التعرض للحيوانات الآمنة لا دفع أذاها. ودليل ما روي عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (خمس فواسق يُقتَلْن في الحِلِّ والحرم: الحية والغراب الأبقع (٢٢) والفأرة والكلب العقور (٢٣) والحديا) (٢٤)
-٦ - يحرم على المحرم قطع شجر الحرم إلا الإِذْخر، لأنه محظور على الحلال فهو على المحرم أولى. وذلك لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: إن الله حرم مكة، فلم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحِلَّت لي ساعة من نهار لا يختلى خلاها، ولا يُعْضَد شجرها ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لُقَطَتُها إلا لمعَّرف وقال العباس: يا رسول الله إلا الإِذخِرَ، لصاغتنا وقبورنا. فقال: إلا الإِذخِر) (٢٥) .
стр. 442
ما يباح للمحرم:
-١ - صيد البحر بكل أنواعه، لقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة﴾ .
-٢ - ذبح الإبل والبقر والغنم لأنها ليست صيداً، ودليل ذلك ما روي عن ناجية الخزاعي ﵁ صاحب بدن رسول الله ﷺ قال: (قلت يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن. قال: انحرها) (١) .
-٣ - الاغتسال لأنه قد يحتاج إليه من الجنابة، لكن يحترز من سقوط الشعر أو القمل. وقد روي عن عبد الله بن حنين أنه سأل أبا أيوب الأنصاري ﵁ كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم. قال: "فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه: اصبب. قال: فصب على رأسه ثم حرك أبو أيوب رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر. ثم قال: هكذا رأيته يفعل ﷺ " (٢) . فإن سقطت شعرة ففيها شيء من طعام، وفي ثلاث شعرات كفّ من بُرّ.
-٤ - يجوز للمحرم أن يقف تحت سقف أو يستظل بظل لا يلامس رأسه، فعن أم الحصين ﵂ قالت: "حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة" (٣) .
-٥ - يجوز له أن يشدّ وسطه بزُنّار، وأن يحمل سلاحه ويقاتل عدوه إن قاتله.
-٦ - يجوز له الاختتان والاحتجام، وقلع ضرسه، أو حكّ بدنه ورأسه، أو جبر كسره. وذلك لما روي عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم) (٤) ، وعنه أيضاً قال في المحرم: ( ... ويدخل الحمام، وينوع ضرسه، ويفقأ القرحة، وإذا انكسر ظفره أماط عنه الأذى) (٥) .
стр. 443
سنن الإحرام:
يستحب لمن أراد الإحرام بالحج أو العمرة ما يلي:
-١ - أن يقلّم أظافره، ويقصّ شاربه، ويحلق عانته.
-٢ - أن يغتسل ويتوضأ، لما روى خارجة بن زيد عن أبيه ﵁ (أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل) (١) . والمقصود بهما هنا النظافة مطلقاً، لذا يستحب للحائض والنفساء أن تغتسل وتتوضأ، لحديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ قال: (فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة. فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر. فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي) (٢) .
-٣ - أن يلبس إزاراً ورداء أبيضين جديدين أو مغسولين طاهرين، لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين) (٣) ، ولأن رسول الله ارتدى عند إحرامه الجديد، وقال فيما رواه عنه ابن عباس ﵄: (البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم) (٤) .
-٤ - أن يُطَيِّب بدنَه قبل الإحرام، لما روت عائشة ﵂ قالت: (كنت أطيِّب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم) (٥) ، وعنها أيضاً قالت: (كأني أرى وبيص الطيب في مَفرق رسول الله ﷺ بعد ثلاثة وهو محرم) (٦) . أي لا يضر بقاء أثر الطيب، من لون وريح، على البدن بعد الإحرام. أما الثوب فيضر.
-٥ - أن يصلي ركعتين قبل إحرامه بنية سنة الإحرام، إذا لم يكن الوقت وقت كراهة، لما روى نافع قال: "كان ابن عمر ﵄ إذا أراد الخروج إلى مكة ادهن بدهن ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي ثم يركب، وإذا استوت به راحلته قائمة أحرم ثم قال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل" (٧) . وتجزئ عنهما الفريضة.
-٦ - أن يكثر من التلبية بعد كل صلاة، وكلما علا شَرَفاً، أو هبط وادياً، أو لاقى صاحباً، أو دخل في وقت السَّحر. لما روى جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يلبي إذا رأى راكباً أو صعد أكمة، أو هبط وادياً، وفي إدبار المكتوبة، وآخر الليل) . ويستحب أن يرفع صوته بها، لما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ سئل أي الحج أفضل؟ قال: (العَجُّ والثَّجُّ) (٨) . والعج هو رفع الصوت بالتلبية لأنه شعار الحجاج، والثّج هو إسالة الدم بالذبح لنفع أهل الحرم.
стр. 444
الركن الثاني - الوقوف بعرفة:
دليله: ما روي عن عبد الرحمن بن يَعْمُر الديلي أن النبي ﷺ قال: (الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) (١) . والمعنى أنه من فاته الوقوف بعرفة في وقته فقد فات حجه، فيطوف ويسعى ويتحلل من الإحرام، ثم يقضي الحج في العام الذي يليه.
стр. 445
مكان الوقوف وصفته:
ليس المقصود الوقوف ذاته بل مطلق الحضور. فيصح ولو مجتازاً، أو هارباً، أو طالب غريم، أو نائماً، أو مجنوناً، أو سكران بأرض عرفة، ولو على دابة أو شجرة.
ويصح الحضور في أي موضع من جبل عرفات إلا بطن عرنة، لما روي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ووقفت ههنا، وعرفة كلها موقف) (١) . وعنه أيضاً قال: قال النبي ﷺ : (كل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة) (٢) .
وحَدُّ عرفة: من الجبل المشرف على وادي عرنة إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي منطقة بساتين بني عامر. ويفضل للإمام أن ينزل في مسجد نمرة أولاً وبعد الصلاة ينتقل إلى الموقف.
стр. 446
شرطه:
يشترط أن يكون الوقوف في وقته المخصص، وهو يبدأ من زوال شمس يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة) ، ويستمر إلى طلوع فجر يوم النحر. والدليل على ذلك حديث عبد الرحمن ابن يعمر الديلي المتقدم وحديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ : (أنه ﷺ أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له) (١) .
والركن هو مطلق الحضور، فلو وقف ساعة بعد الزوال ثم أفاض أجزأه، لحديث عروة بن مضرس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى هذه الصلاة معنا، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه) (٢) .
стр. 447
واجبه:
أن يمتد الوقوف إلى ما بعد الغروب حتى يكون أخذ قسطاً من الليل، لما روي عنه ﷺ أنه قال: (كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث إبراهيم) (١) ، والأمر بالمكث هنا للوجوب، فإن دفع من عرفة قبل الغروب لزمه دم. أما من وصل عرفة بعد الغروب فليس عليه دم.
ولا يشترط للوقوف بعرفة طهارة، بل يصح من المحدث والجنب والحائض والنفساء، لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها لما حاضت: (افعلي كما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (٢) .
стр. 448
سنن الوقوف بعرفة:
-١ - الغسل، لأنه يوم يجتمع فيه الناس. وقيل الوضوء سنة والغسل مستحب. لما روي عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "اغتسلت مع ابن مسعود يوم عرفة تحت الأراك" (١) .
-٢ - الإكثار من التلبية والتهليل، ولا يترك التلبية حتى يرمي جمرة العقبة، بعد طلوع شمس يوم النحر، لما روي عن الفضل بن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ لبّى حتى رمى جمرة العقبة) (٢) .
-٣ - الإكثار من الدعاء جهراً مع الاجتهاد والإلحاح في المسألة، لحديث طلحة بن عبيد الله ابن كريز ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له) (٣) .
وزاد البيهقي في رواية عن علي بن أبي طالب ﵁: (له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل لي في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الأمر وفتنة القبر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح ومن شر بوائق الدهر) (٤) .
-٤ - يسن القيام أثناء الدعاء مستقبلاً القبلة وبخشوع، لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لكل شيء سيداً وإن سيد المجلس قبالة القبلة) (٥) .
-٥ - يسن للحاج أن يُفْطر يوم عرفة، لأن الفطر أعون له على الدعاء، بخلاف غيره فيسن له الصوم. لما روت أم الفضل ﵂ قالت: "شك الناس يوم عرفة في صوم النبي ﷺ فبعثت إلى النبي ﷺ بشراب فشربه" (٦) .
-٦ - النزول في مسجد نمرة بعد الزوال، حيث يجتمع الحجاج مع الإمام الأعظم أو نائبه.
-٧ - يسن للإمام خطبتان بعد الزوال قبل صلاة الظهر كخطبتي الجمعة، يعلم فيهما الناس المناسك. وإن خطب قبل الزوال أجزأه مع الكراهة لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ خطب الناس يوم عرفة وقال: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ... ) (٧) .
-٨ - يسن للإمام أن يجمع صلاة الظهر والعصر في وقت الظهر بأذان وإقامتين، لحديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ : (ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً) (٨) . ويسر بالقراءة، ولا يفصل بين الصلاتين بشيء من السنن كما في الحديث، بل يقيم للظهر ويصليه ويقيم للعصر ويصليه. ويقصر الإمام إن كان مسافراً.
أما إذا صلى الحجاج في رحلهم فلا يجمعوا، بل يصلوا الظهر في وقته والعصر في وقته عند الإمام، وعند الصاحبين يجمعوا. ودليل الإمام أن الجمع صح على خلاف الأصل، فلا يجوز إلا بشروطه، وشروط الجمع هي:
-١ - الإحرام بالحج.
-٢ - الحضور بعرفة.
-٣ - أن تكون الصلاة جماعة.
-٤ - أن يقيم الصلاة الإمام الأعظم أو نائبه.
-٩ - يسن للحاج الوقوف مع الإمام الأعظم عند الصخرات قرب جبل الرحمة، مستقبلاً القبلة، ويتوجه للدعاء ولا يقطعه إلا بالتلبية ثم يعود إليه، كما فعل رسول الله ﷺ ، فقد روى جابر ﵁ في صفة حجه ﷺ : (حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس) (٩) .
وينبغي للحاج أن يجتهد في الدعاء، فيدعو بما يحفظه أو يقرؤه، لما ورد في فضيلة الدعاء يوم عرفة وإجابة الدعاء فيه، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله عبداً فيه من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء؟) (١٠) . ومن الأدعية الواردة في هذا اليوم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. يا رفيع الدرجات، يا منزل البركات، يا فاطر الأرضين والسماوات ضجّت إليك الأصوات تسألك الحاجات وحاجتي أن ترحمني في دار البلاء إذا نسيني أهل الدنيا. أسألك أن توفقني لما افترضت عليّ وأن تعينني على طاعتك وأداء حقك وقضاء المناسك، التي أريتها خليلك إبراهيم، وعلمت عليها حبيبك محمد ﷺ . اللهم لكل متضرع إليك إجابة، ولكل مسكين لديك رأفة، ولقد جئتك متضرعاً إليك مسكيناً لديك، فاقض حاجتي واغفر ذنوبي ولا تجعلني من أخيب وفدك، وقد قلتَ وأنت لا تُخلف الميعاد: ادعوني أستجب لكم، وقد دعوتك متضرعاً سائلاً. فأجب دعائي وأعتِقني من النار ووالدي وجميع المسلمين والمسلمات برحمتك يا أرحم الراحمين".
ويستحب أن يقول عند الغروب قبل الإفاضة: "اللهم لا تجعله آخر العهد بهذا الموقف، وارزقنيه ما أبقيتني، واجعلني اليوم مُفلحاً مرحوماً مستجاباً دعائي، مغفورة ذنوبي، يا أرحم الراحمين".
-١٠ - تسن الإفاضة بعد غروب الشمس مع الإمام، لما روى ميسرة الأشجعي عن عبد الله ابن عمر ﵄ أنه حج معه حتى وقف بعرفات ... ثم قال: "لقد كان المشركون لا يفيضون من عرفات حتى تعمم الشمس في الجبال فتصير في رؤوسها كعمائم الرجال في وجوههم، وأن رسول الله ﷺ كان لا يفيض حتى تغرب الشمس" (١١) . وعن جابر ﵁ في حديثه الطويل في صفة حجه ﷺ : (فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام" (١٢) . ولا يجوز الدفع قبل الإمام حتى تغرب الشمس، أما التأخر بعد الغروب لزحمة فجائز.
-١١- أن يكثر من الاستغفار عند الإفاضة لقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ (١٣) .
وأن يمشي على هينته، لما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يا أيها الناس عليكم السكينة) (١٤) .
стр. 449
الركن الثالث - الطواف بالبيت أربعة أشواط:
ويسمى طواف الركن لأنه الركن الثاني من أركان الحج، كما يسمى طواف الإفاضة لأن الحاج يفعله بعد إفاضته من منى إلى مكة. ويسمى أيضاً طواف الزيارة لأن الحاج يأتي من منى فيزور البيت ولا يقيم بمكة بل يرجع إلى منى.
ومن ترك طواف الإفاضة ظل على إحرامه، ولا يحل له قربان النساء أبداً، وكلما جامع لزمه دم إذا تعدد المجلس، إلا أن يقصد الرفض (١) .
стр. 450
دليل فرضيته:
قوله تعالى: ﴿وليَطوَّفوا بالبيت العتيق﴾ (١) .
وحديث عائشة ﵂ أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (أحابسَتُنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال: فلا إذاً) (٢) .
стр. 451
وقته:
أ - أول وقته: طلوع فجر يوم النحر، وذلك لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ - يعني الأضحية - ثم قال: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (١) . فجمع بين الذبح والطواف فكان وقتهما واحداً. ولو طاف قبل يوم النحر أعاد.
ب - آخر وقته: حتى آخر العمر. إلا من مات بعد الوقوف بعرفة وقبل الطواف، وأوصى بإتمام الحج، فيجبر عنه بَبَدنة ويُقبل حجه. ولو لم يوص صح حجه ولا شيء عليه.
جـ - وقته الواجب: أيام النحر. ويجزئ عنه أي طواف تطوعٍ بعد الوقوف بعرفة، فلو أخّره بدون عذر إلى ما بعد أيام النحر فعليه دم، إلا إن كانت حائضاً فتؤخره لعذر الحيض وليس عليها دم. ما لم تكن طهرت قبل غروب الشمس من ثالث أيام النحر بوقت يسع طهورها وطوافها أربعة أشواط، أو حاضت بعد دخول يوم النحر بوقت يسع ذلك ولم تَطُف، فيلزمها دم.
د - وقته المكروه تنزيهاً: تأخيره عن أول يوم النحر.
стр. 452
شروط صحة الطواف:
-١ - الإسلام.
-٢ - الإحرام.
-٣ - أن يكون قد وقف بعرفة قبله.
-٤ - أن يكون الطواف حول البيت بنيته، فلو طاف يسعى وراء غريم لم يصح.
-٥ - فعله في وقته.
-٦ - أن يباشر الطواف بنفسه، فلا تصح فيه النيابة إلا للمغمى عليه.
-٧ - أن يكون الطواف حول الكعبة داخل المسجد ما لم يخرج عن الحرم.
ويجوز الطواف في هواء المسجد، وعلى سطحه ولو مرتفعاً عن البيت. ولا بأس بالحائل بين الطائف والبيت.
واجباته:
-١ - ستر العورة: فلو كشف ربع العضو فأكثر وجب عليه دم، بدليل ذلك ما روى أبو هريرة ﵁ أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع، يوم النحر، في رهط، يؤذن في الناس: (ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) (١) .
-٢ - الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر: لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (٢) ، وروي عنها أيضاً في صفة حجه ﷺ : (أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت) (٣) . ولو طاف جنباً وجب عليه بَدَنة وصح طوافه (٤) ، أما لو طاف مُحدِثاً وجب عليه شاة. وكذا الطهارة من النجاسة في الثوب والبدن والمكان، لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه) (٥) . وإذا انتقض وضوؤه جدده، وبنى على طوافه الأول.
-٣ - أن يطوف ماشياً إلا لعذر، من مرض شديد أو غيره، لحديث أم سلمة ﵂ قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي. فقال: (طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) (٦) . ولو طاف راكباً لغير عذر وجب عليه أن يعيد الطواف ما دام بمكة، فإن غادرها قبل أن يعيد فعليه دم. أما ما ورد عنه ﷺ أنه طاف في حجة الوداع على بعير (٧) ، فمحمول على أنه ﷺ كان مريضاً مُسِناً.
-٤ - التيامن، بأن يطوف عن يمين البيت، جاعلاً البيت عن يساره، ماراً تلقاء وجهه. وهو واجب لأن الكعبة كالإمام والطائف كالمؤتم بها والواحد يقف عن يمين الإمام، ولحديث جابر بن عبد الله ﵄ (أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه، ثم مضى على يمينه) (٨) . ولو تركه أعاد ما دام بمكة، فإن لم يُعِد وجب عليه دم.
-٥ - الابتداء من الحجر الأسود في كل شوط، فلو بدأ من غيره لم يُحسب له ما طاف قبله. ويجب أن يبدأه قبل الحجر بقليل ليكون ماراً بكل جسده حول الحجر.
-٦ - أن يكون الطائف خارجاً بجميع بدنه عن جميع البيت، ويُعتبر الشاذروان من البيت وكذا، حِجْر سيدنا إسماعيل، وهو الحطيم لحديث عائشة ﵂ قالت: (سألت النبي ﷺ عن الجَدْر أمن البيت هو؟ قال: نعم) (٩) ، وفي رواية مسلم أنه قال: (وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة) (١٠) .
-٧ - إتمام الطواف إلى سبعة أشواط من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، فإن ترك شيئاً من السبع لم يجزئه عن الواجب، بدليل حديث ابن عمر ﵄ قال: (قدم النبي ﷺ فطاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين) (١١) . ولو طاف شوطاً ثامناً متعمداً لزمه تتمة السبع، لأن طوافه صار لازماً بالشروع. ولو شك في عدد الأشواط لا يبني على الأقل في طواف الركن والواجب بل يعيد الأشواط، أما في طواف السنة فيبني على الأقل، لأنه مبني على التوسعة. وقيل إن كان كثير الشك يتحرى، فإن أخبره عدل صدقه ويستحب أن يأخذ بقوله ولو أخبره عدلان وجب العمل بقولهما.
-٨ - أن يتمّ طوافه في وقته الواجب، وهو أيام النحر، فلو أخره عنها لغير عذر لزمه دم.
-٩ - أن يصلي ركعتين بعد كل طواف خلف مقام إبراهيم ﵇ أو في أي مكان من المسجد ثم في الحرم، ثم لا فضيلة بعد الحرم بل الإساءة. ويفضل أن يقرأ فيهما بـ الكافرون والإخلاص، وذلك اقتداء لفعله ﷺ ، فقد روى جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حجه ﷺ : ( ... حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً. ثم قام إلى مقام إبراهيم فقال: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ . فجعل المقام بينه وبين البيت - فكأن أبي يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ أنه يقرأ في الركعتين قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد..) (١٢) .
ويستحب أن يدعو بعد الركعتين بالدعاء المأثور: "اللهم إنك سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سُؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنبي. اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما قسمت لي".
ولو صلى أكثر من ركعتين جاز، ولا تجزئ الصلاة المكتوبة ولا المنذورة عنهما.
وتكره صلاة ركعتي الطواف في وقت الكراهة بخلاف الطواف، فلو طاف بعد العصر يؤخر ركعتي الطواف إلى ما بعد صلاة المغرب قبل السنة. ولا تنعقد ركعتا الطواف في ثلاثة من الأوقات المنهي عنها: عند طلوع الشمس، وعند الاستواء، وعند الغروب. وتنعقد مع الكراهة بعد الفجر والعصر.
ويصلي لكل سبعة أشواط ركعتين، ويكره أن يجمع إلا إذا طاف وقت الكراهة، فإنه يؤخر الصلاة ويطوف طوافاً آخر وبعد زوال وقت الكراهة يصلي ما وجب عليه من ركعات الطواف. وإن جمع في غير ذلك جاز مع الكراهة.
стр. 453
سنن الطواف:
-١ - أن يستقبل البيت أول طوافه، فيقف مستقبلاً الحجر الأسود، بأن يجعل منكبه الأيمن عند طرف الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني، وينوي الطواف، ثم يمر مستقبلاً ومحاذياً ببدنه الحجر الأسود إلى أن يصير طرف الحجر الذي إلى جهة باب الكعبة محاذياً منكبه الأيسر، ثم ينتقل جاعلاً البيت عن يساره متوجهاً إلى جهة الباب.
-٢ - أن يسلم الحجر بيده في ابتداء الطواف، فيضع كفّيه على الحجر الأسود ويسجد عليه ويقبله لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: "رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبله وسجد عليه ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هكذا ففعلت" (١) ، وعن ابن عمر ﵄ قال: "قَبَّل عمر بن الخطاب الحجر ثم قال: أما والله لقد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" (٢) . ويستحب أن يكرر ثلاثاً، وأن يستلم في ابتداء كل شوط وفي ختم الطواف وقبل ركعتي الطواف، لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة. قال: وكان عبد الله بن عمر يفعله) (٣) .
فإن عجز عن الاستلام والتقبيل أشار بيده، لما روي عن أبي الطفيل ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن) (٤) .
وكذا يسن استلام الركن اليماني بلا تقبيل عند الإمام محمد.
ولا يسن للنساء استلام ولا تقبيل إلا عند خُلوِّ المطاف.
ويسن أن يقول عند الاستلام: "اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ "، لما روي عن علي ﵁ أن كان يقول إذا استلم الحجر: "اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ " (٥) .
-٣ - أن يقول قبالة الكعبة: "اللهم إن البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار. مشيراً إلى مقام إبراهيم ﵇".
وعند الركن اليماني يقول: "اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وعملاً مقبولاً وتجارة لن تبور، يا عزيز، يا غفور".
ويقول بين الركنين: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (٦) .
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول: احفظوا هذا الحديث وكان يرفعه إلى النبي ﷺ وكان يدعو بين الركنين: (رب قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه، واخلف عليّ كل غائبة لي بخير) (٧) .
ويقول أثناء الطواف: "اللهم إني أعوذ بك من الشِّرك والشك والنفاق والشِّقاق وسوء الأخلاق وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد".
وتحت الميزاب: "اللهم أظلَّني تحت ظل عرشك يوم لا ظلّ إلا ظِلك".
ويسن الإكثار من الدعاء ورفع الأيدي في جميع الطواف، ومأثور الدعاء أفضل.
-٤ - يسن الرَّمَل (٨) للرجل في الطوفات الثلاث الأولى إذا أعقب الطواف سعي. ويسن المشي على الهينة في الأربع الأخيرة، وأن يقول أثناء الرمل: "اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وعملاً مقبولاً وتجارة لن تبور، يا عزيز، يا غفور". وذلك لما روى ابن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب. قال المشركون: إنه يقْدم عليكم غداً قوم وهنتهم الحمى ولَقُوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحِجْر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلَدَهم فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا) (٩) .
-٥ - يسن الاضطباع للرجل والصبي، في طواف يسن فيه الرمل، وذلك بأن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر. ولا يسن الاضطباع في ركعتي الطواف. ودليل ذلك ما روى؟ يعلى؟ ﵁ قال: (طاف النبي ﷺ مضطبعاً ببرد أخضر) (١٠) .
أما المرأة فلا ترمل ولا تضطبع.
-٦ - الموالاة بين أشواط الطواف، فلا يقطع الطواف إلا لضرورة، فإن عرضت له حاجة ضرورية قطع الطواف فإذا عاد بنى على ما مضى، لما روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يطوف بالبيت فلما أقيمت الصلاة صلى مع الإمام ثم بنى على طوافه، وكذا إذا أحدث في الطواف أو حضرت جنازة صلى جنازة صلى عليها ثم يبني على طوافه.
-٧ - يسن الاقتراب من البيت للرجل لأنه أيسر في الاستلام والتقبيل، إلا أن يؤدي إلى الأذى فالبعد أولى.
-٨ - تُسن الموالاة بين الطواف وصلاة الركعتين، ويكره تأخيرها عنه إلا في حالة الوقت المكروه.
-٩ - يسن عدم الكلام إلا في خير كتعليم جاهل أو غير ذلك، لما روى أبو هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (من طاف بالبيت سبعاً، ولا يتكلم إلا بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، محيت عنه عشر سيئات وكتبت له عشر حسنات، ورفع له بها عشرة درجات) (١١) .
ويكره في الطواف الأكل والشرب ووضع اليد على فيه بلا حاجة، وأن يشبك بين أصابعه، وليكن طوافه بحضور قلب ولزوم أدب.
стр. 454
مندوبات الطواف:
-١ - استلام الركن اليماني دون تقبيل.
-٢ - يستحب أن يأتي زمزم بعد الركعتين.
-٣ - أن يقف عند المُلْتَزم قبل الخروج للسعي، وقيل يلتزم قبل الصلاة ثم يصلي ثم يأتي زمزم وبعدها يعود لاستلام الحجر الأسود إن أراد السعي فيهلل ويكبر ثم يخرج للسعي. لما روي عن ابن عباس ﵄ "أنه كان يلزم ما بين الركن والباب وكان يقول ما بين الركن والباب يدعى الملتزم لا يلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه" (١) .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: "طفت مع عبد الله، فلما جئنا دُبُر الكعبة قلت: ألا تتعوَّذ، قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، وأقام بين الركن والباب، فوضع صدره، ووجهه، وذراعيه، وكفيه هكذا، وبسطهما بسطاً، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل" (٢) .
стр. 455
الباب الثالث (واجبَات الحجّ) .
стр. 456
واجبات الحج (١) قسمان:
أ - الواجبات المتعلقة بالأركان المذكورة سابقاً.
ب - الواجبات الأصلية غير المتعلقة بالأركان أو الشروط وهي:
أولاً - السَّعي بين الصَّفا والمروة (٢) :
دليل الوجوب:
قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (٣) . وحملت الآية على الوجوب لأنها لا تفيد الركنية.
وحديث حبيبة بنت أبي تجرأة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) (٤) ، وهو خبر آحاد لا يفيد الركنية أيضاً.
стр. 457
وقته:
يجب أن يقع السعي بعد طواف معتد به، والأفضل أن يقع بعد طواف الإفاضة لترتيب الواجب على الركن. ويجوز إيقاعه بعد طواف القدوم أو طواف نفل لأهل مكة ومن هم داخل الميقات (لأنه لا طواف قدوم عليهم) ولا يعيده بعد الإفاضة ترخيصاً للمسلمين.
واجبات السعي:
-١ - أن يبدأ الساعي بالصفا، لحديث جابر ﵁ في صفة النبي ﷺ قال: (فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا) (١) . فلو عكس الترتيب لم تحسب المرة الأولى.
-٢ - أن يسعى سبعة أشواط، ويحسب ذهابه من الصفا إلى المروة مرة، والإياب مرة أخرى. لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أن رسول الله ﷺ (أتى الصفا والمروة فسعى بينهما سبعاً) (٢) .
-٣ - أن يسعى ماشياً، فلو ركب أو حُمل لغير عذر وجب عليه دم كمن ترك السعي أصلاً.
стр. 458
سنن السعي:
-١ - أن يستلم الحجر بنهاية الطواف قبل السعي، وأن يخرج إلى السعي من باب الصفا.
-٢ - أن يَصْعَد على الصَّفا والمروة حتى يرى البيت، وأن يمكث على كل منهما قدر ما يقرأ سورة من الفصل، لما روى جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ قال: (ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت) (١) . ويكره ترك الصعود.
-٣ - أن يقرأ قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ للحديث المتقدم.
-٤ - أن يرفع يديه حُذْوَ منكبيه عند البَداءة.
-٥ - أن يستقبل البيت ويهلّل ويصلي على النبي ﷺ بصوت مرتفع، وأن يدعو بالدعاء التالي: "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. لا إله إلا الله أهل التكبير والتحميد والتهليل. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. فله الملك وله الحمد".
فإذا نزل من الصفا قال: "اللهم يسِّر لي اليُسرى وجنِّبني العُسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى".
ويقول على المروة مثل ما قال على الصفا. ودليل ذلك حديث جابر ﵁ قال: (فبدأ بالصفا، فرقي عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك. قال: مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة) (٢) . ويقول في السعي: "رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم".
-٦ - يسن الإكثار من التكبير والتسبيح والتهليل، لما روت عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) (٣) .
-٧ - يسن الرمل بين الميلين الأخضرين، لحديث جابر ﵁ قال: ( ... ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة، فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا) (٤) .
-٨ - الموالاة بين السعي والطواف، فلا يجب السعي فوراً بعد الطواف، فلو أخرَّه لعذر أو ليستريح فلا بأس عليه. ودليل ذلك ما روي عن ابن عمر ﵄ قال: (قدم النبي ﷺ ، فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، فطاف بين الصفا والمروة سبعاً: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ ) (٥) ، كما تسن الموالاة بين مرات السعي، فلو أقيمت الصلاة أثناء السعي قطع سعيه وصلى ثم عاد وبنى على ما سعى ولا يعيد.
-٩ - يسن للساعي الطهارة من الحدثين، كما يندب له صلاة ركعتين بعد السعي.
стр. 459
ثانياً - الوقوف بمزدلفة:
وقته: بعد فجر يوم النحر حتى طلوع الشمس. فيصلي الإمام بالناس الصبح بَغَلس ثم يقف والناس معه. والمزدلفة كلها موقف إلا بطن مُحَسِّر لما روي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (كل مزدلفة موقف وارتفعوا عن بطن محسِّر) (١) .
стр. 460
دليل الوجوب:
أ - عمل الرسول ﷺ ، فقد روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها) وفي رواية: وقال: (قبل وقتها بغلس) (١) .
وعن جابر ﵁ قال: ( ... ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحّدَه، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس) (٢) .
ب - روي عن عروة بن مُضرِّس قال: أتيت النبي ﷺ بجمع فقلت: هل لي من حج؟ فقال: (من صلّى هذه الصلاة معنا، ووقف هذا الموقف حتى يفيض وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه) (٣) . فقد علق به تمام الحج.
وهو ليس ركناً اتفاقاً لأن رسول الله ﷺ قدَّم ضَعَفَة أهله بالليل، فعن أم حبيبة ﵂ قالت: (كنا نغلس على عهد رسول الله ﷺ من المزدلفة إلى منى) (٤) ، وعن ابن عباس ﵄ قال: (كنت فيمن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله) (٥) ، ولو كان ركناً لما قدَّمهم.
وإذا ترك الوقوف بمزدلفة لمرض أو كبر سِنّ أو لزَحْمة جاز ولا يجب عليه شيء. وإن تركه بلا عذر وجب عليه دم.