← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6517

الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام

أبو العباس القرطبي

Полный текст (442 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فَإِنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يكون جسما وَهُوَ بَاطِل على الله تَعَالَى ومحال وَإِن كَانَ خَارِجا عَنْهَا لزم تحديده أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يكون خَارج لَا مَحْدُود متحيز فَيلْزم أَن يكون بِجِهَة من الصُّورَة وَإِذا كَانَ بِجِهَة كَانَ جسما وَهَذَا تَشْبِيه وَأَيْضًا فَإِذا كَانَ بِجِهَة من الصُّورَة الَّتِي ظهر فِيهَا كَانَ مفارقا لَهَا وَإِذا كَانَ مفارقا لَهَا لم يظْهر فِيهَا وَإِن ظهر فَإِنَّمَا يظْهر بِنَفسِهِ لَا بالصورة وَإِذا كَانَ لَا دَاخِلا فِيهَا وَلَا خَارِجا عَنْهَا اسْتَحَالَ عَلَيْهِ أَن يظْهر بهَا أَو فِيهَا لِأَن مَا لَيْسَ بمتحيز وَلَا دَاخل وَلَا خَارج لَا يظْهر فِي جسم متحيز لِأَنَّهُ من حَيْثُ كَانَ لَيْسَ بداخل فِيهَا فقد فَارقهَا وَإِذا فَارقهَا لم يكن فِيهَا وَإِذا لم يكن فِيهَا لم يظْهر فِيهَا وَلَو جَازَ أَن يظْهر فِي كل مَا لَيْسَ بداخل فِيهِ وَلَا خَارج عَنهُ لجَاز أَن يظْهر فِي كل مَوْجُود وَإِذا جَازَ ذَلِك فَلَعَلَّهُ قد اتخذ الْأَنْبِيَاء كلهم حِجَابا يظْهر فيهم وَهَذَا مِمَّا يأبونه وَهُوَ محَال عِنْدهم وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى عِنْدهم لَا يرى بإنفراد من غير صُورَة وَلَا يظْهر دونهَا فَكَذَلِك يلْزمهُم أَن يبْقى على حَاله لَا يظْهر وَإِذا وجد صُورَة إِذْ لَيْسَ بداخل فِيهَا وَلَا خَارج عَنْهَا فَإِن الصُّورَة لَا تكسبه أمرا أوجب لَهُ ظهورا إِلَّا لم يكن لَهُ وَهَذَا بَين الإستحالة إِذْ يلْزم على ذَلِك تغيره عِنْد الْعَاقِل الْمنصف نُكْتَة أُخْرَى وَهِي أَنا نقُول هَل يجوز أَن يرى الْبَارِي تَعَالَى وَيظْهر من غير صُورَة أم لَا يجوز فَإِن جَازَ ذَلِك فَلم حتمتم اتِّخَاذ الصُّورَة عَلَيْهِ وقلتم أَنه لَا يظْهر وَلَا يرى إِلَّا بِصُورَة وَإِن قُلْتُمْ لَا يرى وَلَا يظْهر إِلَّا بإتخاذ صُورَة فَإِذا وَقع بصر النَّاظر فَأَما أَن يَقع على تِلْكَ الصُّورَة أَو على الله وَعَلَيْهِمَا فَإِن قُلْتُمْ وقعل الْبَصَر على الصُّورَة لَا عَلَيْهِ فالمرئى إِذن هِيَ الصُّورَة المخلوقة لَا الْخَالِق وَإِن وَقع الْبَصَر على الْخَالِق وَحده لَا على الصُّورَة فَهُوَ المرئى وَلَا ترى الصُّورَة فَإِن الصُّورَة لَيست هِيَ الْخَالِق تَعَالَى والرائي لم ير إِلَّا الصَّوْت فَإِذن لم ير الْخَالِق وَإِن وَقع الْبَصَر عَلَيْهِمَا لزم عَلَيْهِ أَن يرى الرَّائِي شَيْئَيْنِ الْخَالِق وَالصُّورَة

стр. 107

وَهُوَ إِنَّمَا رأى شَيْئا وَاحِدًا بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ الصُّورَة لقَوْل من يَقُول إِنَّه ظهر بالصورة وَأَيْضًا فَلَو وَقع بصر من رأى عِيسَى ﵇ على ناسوته ولاهوته لما احتاجوا أَن يستدلوا على ألوهيته بإحياء الْمَوْتَى وَغير ذَلِك وَلما كَانَ يحْتَاج هُوَ أَن يدل على لاهوت نَفسه بِشَيْء من المعجزات وخوارق الْعَادَات إِذا كَانَ يدْرك مِنْهُ بالحس والعيان ذَلِك والمعلوم بالعيان لَا يطْلب تَحْصِيل علمه بِالدَّلِيلِ والبرهان فَحصل من هَذَا أَن الصُّورَة الْمقدرَة لَا يظْهر فِيهَا الْبَارِي تَعَالَى وَإِن ظَهرت هِيَ فَإِن الرائى إِنَّمَا يَرَاهَا وَحدهَا وَهِي الظَّاهِرَة لَهُ وَأما الْبَارِي فَهُوَ بعد إِيجَاد هَذِه الصُّورَة على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل إيجادها لم تتبدل حَاله أعنى أَنه إِن كَانَ قبل إيجاده هَذِه الصُّورَة قَابلا لِأَن يظْهر فَهُوَ بعْدهَا قَابل لِأَن يظْهر وَإِن كَانَ مُمْتَنعا عَلَيْهِ أَن يظْهر قبلهَا امْتنع عَلَيْهِ ذَلِك بعْدهَا لِاسْتِحَالَة التَّغَيُّر عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَو تغير لَكَانَ مُحدثا وَأما مَا ادَّعَاهُ من الْجَامِع فَلَا نسلم أَن الصَّوْت مظهر للإرادة إِلَّا بِمَعْنى أَنه يدل عَلَيْهَا لَا بِمَعْنى الإحتجاب والظهور كَمَا زعم وَإِذا لم نسلم هَذَا فِي الصَّوْت فَلَا يَصح لَهُ قِيَاس الصُّورَة على الصَّوْت وَلَو سلمنَا قِيَاس الصُّورَة على الصَّوْت من حَيْثُ الْجَامِع فَبِأَي دَلِيل يحمل أَحدهمَا على الآخر فَإِن وجود الْجَامِع لَا يدل على أَن حكم أَحدهمَا حكم الآخر إِذْ لَا يبعد فِي المتماثلات فِي بعض الصِّفَات اختلافها فِي بعض الْأَحْكَام على مَا يعرفهُ أَهله وَلَو سلمنَا وجود دَلِيل الْإِلْحَاق لَكَانَ قِيَاس جُزْء على جُزْء وَذَلِكَ غير مَقْبُول فِي العقليات على مَا يعرف فِي مَوْضِعه وعَلى مايقال مَعَ أَهله فَظهر من كَلَام هَذَا الرجل عِنْد الْعُقَلَاء أَنه غير متمسك بِدَلِيل عَقْلِي وسنبين أَنه لم يسْتَدلّ على صِحَة مذْهبه بِدَلِيل نقلى فَإِذا بَطل لَهُ الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول ثَبت أَنه بالتحكم والهوى يَقُول وَذَلِكَ دأب كل غبي جهول وَأما قَوْله فَالْوَاجِب عَلَيْهِم أَن يخاطبوا الصَّوْت بإسم الَّذِي الصَّوْت لَهُ وَكَذَلِكَ الصُّورَة يجب أَن تخاطب بإسم الَّذِي هِيَ لَهُ

стр. 108

فَنَقُول لَهُ قَوْلك وَاجِب عَلَيْهِم هَذَا الْوُجُوب الَّذِي ادعيته أهوَ عَقْلِي أَو شَرْعِي فَإِن قَالَ هُوَ عَقْلِي وشرعي فَلَا بُد من إِقَامَة الدَّلِيل على ذَلِك فَإِن قَالَ الدَّلِيل على ذَلِك النَّقْل وَالْعقل أما النَّقْل فَهُوَ أَن الْعَاقِل إِذا أقرّ بِأَن الله خَاطب مُوسَى بِصَوْت مسموع أَو ظهر فِي صُورَة مرئية فقد أقرّ بِأَن الله خص ذَلِك الصَّوْت وَتلك الصُّورَة بِمَا لم يخص بِهِ شَيْئا من الْمَخْلُوقَات إِذْ تجلى هُوَ فِيهَا وَإِذا ثَبت ذَلِك فالعقل يشْهد بِأَن ذَلِك الصَّوْت وَتلك الصُّورَة شرِيف وَالصَّوْت لابد أَن يعْتَرف لشرفه وَينزل مَنْزِلَته وَلَا أشرف من الله تَعَالَى وَمَا ظهر فِيهِ الله تَعَالَى فَيَنْبَغِي أَن يعظم بأقصى رتب التَّعْظِيم ويعبد بِأَجل الْعِبَادَات فَخرج من هَذَا أَنه يجب عقلا أَن تعظم الصُّورَة لتعظيم الْحَال فِيهَا فتخاطب بإسم الرب ويعترف لَهَا بالربوبية والألوهية وَأما الشَّرْع فَالَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْعقل جَاءَت بِهِ الشَّرَائِع أَلا ترى أَن مُوسَى خَاطب الصَّوْت بإسم الربوبية وَكَذَلِكَ من رأى الصُّورَة إِنَّمَا يرى صُورَة الله وَالله تَعَالَى مُعظم بِالشَّرْعِ وَالْعقل فَتلك الصُّورَة يَنْبَغِي أَن تكون معظمة بِالشَّرْعِ وَالْعقل أَلا ترى أَن الشَّرَائِع قد أمرتنا بتعظيم الْمَلَائِكَة وإهانة الشَّيَاطِين وَلَيْسَ يخفى أَن الْعَرْش أعظم من السَّمَاء وَأَن الْمشرق أعظم من الْمغرب وَأَن الصَّالِحين أعظم من الطالحين وَهَذَا كُله يشْهد لَهُ الْعقل وَالنَّقْل كَمَا سبق هَذَا إنهاء تَقْرِير حجَّته وإليها أَشَارَ فِي كَلَامه وَلَا مزِيد فِي التَّقْرِير عَلَيْهَا فَنَقُول قَوْلك الْعقل دلّ عَلَيْهِ بَاطِل فَإِن الْعقل لَا يدل على الْتِزَام الْعِبَادَات فَإِن معنى الْعِبَادَات الَّتِي تفعل بِحكم اللُّزُوم إِنَّهَا تفعل وَإِلَّا فيعاقب الله التارك وَذَلِكَ لَا يتَوَصَّل الْعقل إِلَيْهِ إِذْ الْعِبَادَات لَا تتَعَيَّن عِنْده إِلَّا بِتَعْيِين معِين الَّذِي هُوَ الشَّارِع الَّذِي ينص على مَا يرضيه من الْعِبَادَات وعَلى مَا لَا يرضيه وَأما الْعقل فَلَا يسْتَقلّ بِشَيْء من ذَلِك فَلَعَلَّ الْعِبَادَة الَّتِي يعينها الْعقل ويلتزمها لَعَلَّ الله تَعَالَى لَا يرضى بهَا إِذْ يفعل الله مَا يُرِيد وَلَعَلَّ مَا يَظُنّهُ الْعقل عبَادَة هُوَ مَعْصِيّة فَإِن هَذَا الله تَعَالَى يفعل مَا يَشَاء فَكَمَا يَجْعَل من شَاءَ نَبيا ووليا

стр. 109

يَجْعَل من يَشَاء فَاسِقًا وخبيثا ويمد بِأَسْبَاب ذَلِك وَلَا حجر عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَلَا حكم كَذَلِك يَجْعَل مَا يَشَاء من الْأَعْمَال طَاعَة وَمَا يَشَاء مَعْصِيّة وَإِن لم تقل بذلك لزمك أَن تجْعَل الله تَعَالَى مَحْكُومًا عَلَيْهِ مَغْلُوبًا وَذَلِكَ كُله على الله تَعَالَى محَال وَأما مَا ادعيت من النَّقْل من الْأَنْبِيَاء فَذَلِك شَيْء لَا يَصح عَنْهُم أَنهم عظموا الصَّوْت وَالصُّورَة بِمَا عظموا بِهِ الله حَتَّى عبدوهما كَمَا تَزْعُمُونَ أَنْتُم وقولكم إِن مُوسَى خَاطب الصَّوْت بالربوبية زعم وقاح وافك صراح وَإِنَّمَا الْمُخَاطب بالربوبية الْمُتَكَلّم بالصوت بزعمكم الَّذِي قَالَ عَن نَفسه بالصوت أَنا الله وَالَّذِي يعقله الْعُقَلَاء الَّذين لَا يَلْعَبُونَ بأديانهم وَلَا يجترؤون على رَبهم والههم إِن الصَّوْت مَوْجُود يتَكَلَّم بِهِ وَلَا يتَكَلَّم هُوَ عَن نَفسه فَإِذا سمع الْعَاقِل قَائِلا قَالَ بِصَوْت مقطع مشيت إِلَى بَيت الْمُقَدّس فرأيته مثلا لَا يشك عَاقل فِي أَن الْمخبر عَن نَفسه إِنَّمَا هُوَ الَّذِي قَامَ بِهِ الصَّوْت لَا الصَّوْت فَإِنَّهُ لَو كَانَ الصَّوْت هُوَ الَّذِي أخبر بذلك عَن نَفسه لما صدق عَلَيْهِ ذَلِك وَلما صَحَّ مِنْهُ الْخَبَر لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ المشى وَلَا الرُّؤْيَة وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِنْسَان مخبرا عَن نَفسه بقوله أكلت الْخبز وَهَذَا بَين بِالضَّرُورَةِ وَإِذا تقرر هَذَا فالصوت الَّذِي سلمناه جدلا الَّذِي تكلم الله بِهِ على زعمهم لم يقل من نَفسه شَيْئا مِمَّا ذَكرُوهُ إِنَّمَا الله هُوَ الَّذِي قَالَه مخبرا عَن نَفسه وَأما مَا قَالَه مُوسَى فَإِنَّمَا قَالَه لله تَعَالَى فَلهُ اعْترف بالربوبية وَإِلَيْهِ تَابَ وَله سجد وإياه عبد لَا للصوت وَهَذَا مَعْلُوم على الْقطع والضرورة والمخالف فِي ذَلِك جَاهِل متسامح أَو معاند متواقح وَقد كَانَ تقدم من قَول السَّائِل الغبي الْجَاهِل أَن مُوسَى أعترف للصدى بالربوبية وَأَنه الَّذِي قَالَ عَن نَفسه أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وَأَنه هُوَ الَّذِي سجد لَهُ مُوسَى وَعَن ذَلِك الصدى تحمل مُوسَى الرسَالَة وَأَنه هُوَ الَّذِي كلم مُوسَى وإياه جاوب وَأَنه قَامَ عِنْد مُوسَى مقَام خَالق فَسَماهُ إِلَهًا وَرُبمَا يظنّ ذَلِك الْجَاهِل أَن هَذَا

стр. 110

الَّذِي قَالَه أغشتين هُوَ الَّذِي قَالَه هُوَ وهيهات أَن بَينهمَا مَا بَين الثرى والثريا وَغَايَة كَلَام أغشتين وَإِن كَانَ فِيهِ من المخطئين أَن يَقُول قد علمنَا أَن الله تَعَالَى خلق الصَّوْت الَّذِي أسمعهُ لمُوسَى كَمَا علمنَا أَن الله خلق جَمِيع الْأَصْوَات وَلَكِن وَجب علينا الْإِقْرَار لذَلِك الصَّوْت بالربوبية مالم يجب لغيره لعلمنا أَن الله تَعَالَى ولى المخاطبة بِهِ هَذَا نَص مَا فِي كِتَابه على هَذَا الْمَعْنى وَلَا يفهم مِنْهُ شَيْء مِمَّا انتحله ذَلِك السَّائِل وَقد وكلت النَّاظر الْعَاقِل الْمنصف للوقوف على كَلَامهمَا وتفهم معانيهما فَإِنِّي قد نصصت على كَلَامهمَا فِي هَذَا الْكتاب وحكيته كي يَزُول الإرتياب وَيعلم النَّاظر الْمنصف أَن السَّائِل لَيْسَ على شَيْء من الصَّوَاب وَإِنَّمَا نبهت هَذَا التَّنْبِيه حذرا من المغالطة والتمويه فَإِنِّي أَخَاف إِن وبخ أحد أقسة النَّصَارَى هَذَا السَّائِل على هَذَا الْمَذْهَب الَّذِي اخترعه والمحال الَّذِي ابتدعه أَن يحْتَج لنَفسِهِ بِأَن ينْسبهُ إِلَى أغشتين وَيكون فِي نسبته من الْكَاذِبين فَمن أَرَادَ الْإِنْصَاف فليطرح عَن نَفسه التعصب والإعتساف وَيقف على كَلَامهمَا متدبرا وَفِيه متفكرا وَلَقَد كنت أَتَمَنَّى أَن يكون أُولَئِكَ الأقسة بَين يَدي حَتَّى يسمعوا مني وينظروا إِلَى فَلَيْسَ كل مَا فِي النَّفس تبرزه الْمُكَاتبَة ثمَّ لَيْسَ الْخَبَر كالمشافهة وَأما قَوْله وَإِذا وَجب إكرام الْحجاب بإكرام المحتجب بِهِ لم يبْق علينا من الْكَلَام شَيْء إِلَّا فِي الْحجاب الَّذِي اتَّخذهُ منا وَهُوَ الْمَسِيح فَنَقُول الْمَفْهُوم من لفظ الْحجاب إِنَّمَا هُوَ السَّاتِر للشَّيْء الْمَانِع لَهُ فَإنَّك تَقول احتجب عني فلَان إِذا استتر عَنْك وَامْتنع من لقائك وَالْخُرُوج إِلَيْك وَلَا يَصح هُنَا على مَفْهُوم كَلَام هَذَا الرجل أَن يكون الْحجاب هُوَ السَّاتِر بل هُوَ الكاشف الْمظهر على قَوْله وَذَلِكَ أَن إِرَادَة الله وذاته قبل إتخاذ الصَّوْت وَالصُّورَة لم يكن شَيْء مِنْهُمَا ظَاهرا فَلَمَّا اتخذهما ظَهرت إِرَادَته وذاته هَذَا مَفْهُوم مساق كَلَامه فتدبره

стр. 111

وَهَذَا يدلك على قلَّة التَّحْصِيل وَقصد التَّخْلِيط والتجهيل وَإِذا كَانَ النَّاظر من قلَّة التحفظ بِحَيْثُ يعبر عَن الْمظهر بالساتر فَعلمه جهل وَنَظره قَاصِر وَأما قَوْله فِي الشواهد على إتخاذ الله الْمَسِيح حِجَابا فتهويل لَيْسَ وَرَاءه تَحْصِيل وَذَلِكَ انه قَالَ إِن لم يُوجِبهُ الْقيَاس إِيجَاب أضطرارا فَإِنَّهُ يجوزه تَجْوِيز الْإِمْكَان ثمَّ إِنَّه تكلم بِأَكْثَرَ وَذكر الْقيَاس الْفَاسِد الَّذِي بِهِ كفر ثمَّ رَجَعَ حَاصِل كَلَامه إِلَى أَن قَالَ لِأَن إتخاذ الصُّورَة مثل إتخاذ الصَّوْت وَهَذَا كُله قد بَينا فَسَاده فِيمَا تقدم وَأما مَا ذكره من شَوَاهِد الْأَنْبِيَاء ﵈ على مَا إدعاه من الهذيان والهذر والبهتان على المتعالي عَن النُّقْصَان فَلَيْسَ لَهُ فِي شَيْء من ذَلِك شَاهد وحاشا أَنْبيَاء الله وَكتبه من مذْهبه الْفَاسِد وَغَايَة تِلْكَ الشواهد أَن تدل على رِسَالَة عِيسَى ﵇ وَلَيْسَت دلالتها قَاطِعَة على ذَلِك فتدبرها بفهمك وخذها بِقِيَاس عقلك وَسَيَأْتِي ذكر ذَلِك وأشباهه فِي بَاب النبوات بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد أَتَيْنَا على مَا أردنَا ذكره فِي هَذَا الْبَاب وَالْحَمْد لله على أَنا أَغْفَلنَا كثيرا من أَلْفَاظ أغشتين يُمكن الْبَحْث فِيهَا تركناها لِئَلَّا يطول الْكتاب وَيخرج عَن الضَّبْط هَذَا الْبَاب على أَن هَذَا من كَلَامه هُوَ اللب واللباب هَذَا مَعَ أَن الأمل إِن وَافق الْقدر أَن أرد على القس أغشتين كَلَامه وأبطل من ذَلِك الْكتاب قَصده ومرامه وحسبنا الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه كمل الْبَاب الثَّانِي وبكماله كمل الْجُزْء الأول الحمدلله حق حَمده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم يتلوه الثَّانِي

стр. 112

الْإِعْلَام بِمَا فِي دين النَّصَارَى من الْفساد والأوهام وَإِظْهَار محَاسِن دين الْإِسْلَام وَإِثْبَات نبوة نَبينَا مُحَمَّد ﵊ تأليف الإِمَام الْقُرْطُبِيّ تَقْدِيم وَتَحْقِيق وَتَعْلِيق الدكتور أَحْمد حجازي السقا الْجُزْء الثَّانِي

стр. 113

الْبَاب الثَّالِث فِي النبوات وَذكر كَلَامهم هَذَا الْبَاب يَنْقَسِم قسمَيْنِ أَحدهمَا نحكى فِيهِ كَلَام السَّائِل وَنَذْكُر الْجَواب عَلَيْهِ وَالثَّانِي نتكلم فِيهِ على النبوات وعَلى إِثْبَات نبوة نَبينَا مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام

стр. 114

الْقسم الأول الْفَصْل الأول احتجاج أَصْحَاب الْملَل فِي حِكَايَة كَلَامه قَالَ إبتداء احتجاج الثَّلَاث ملل بعون الله أعلم أَن أهل الْملَل أَجْمَعِينَ متكافئون فِي إدعاء الْإِيمَان حاكمون على كل قوم لأَنْفُسِهِمْ بِالْإِيمَان ولغيرهم بالْكفْر قد غلبت عَلَيْهِم فِي ذَلِك الغواية وتأديب الصِّبَا وَوَصِيَّة الْآبَاء والأجداد حَتَّى صَار ذَلِك طبعا فيهم لَازِما لَهُم فكلهم قد سهل عَلَيْهِم انتقاص غَيرهم وطاب عِنْدهم دينهم بالتهنية فِي دنياهم عَن معاد آخرتهم وصاروا فِي تَدْبِير دنياهم ومعايشهم على خلاف ذَلِك لِأَنَّك تَجِد أهل كل مِلَّة يَزْعمُونَ أَن غَيرهم من الْملَل ألحف على كل طلب مَعَايشهمْ وألطف فِي إستجلاب أَرْزَاقهم وأحسب أَن الْعلَّة فِي ذَلِك رغبتهم فِي التكاثر من الدُّنْيَا وَهِي الَّتِي تدخلهم إِلَى التحاسد والمعايرة فيعجز كل قوم أنفسهم فِي طلب معاشهم وَأَن الْآخِرَة عِنْدهم مُهْملَة لبعدها عَن حواسهم فَلذَلِك يزْعم أهل كُله مِلَّة أَنهم أَحَق خيرا من غَيرهم فَلذَلِك قل تناصفهم فِيهَا وَإِن طَال عصرهم لِأَن كل قوم قد قلدوا سلفهم وطاب عِنْدهم خبرهم فِي مدح دينهم وذم غَيرهم فأسقط الرجل مِنْهُم كل حاسة وأمات خواطره وأذهب فهمه بِقطع كشفه عَن مصَالح مَا يستقبله من خَبره وإستعماله إِيَّاه بِمَا هُوَ مُدبر عَنهُ من دُنْيَاهُ ولتجدن الرجل من كل مِلَّة يروم شِرَاء خرقَة يرقع بهَا ثَوْبه أَو شركَة لنعله فتراه يستجير ويستشير خوف السقطة والغلط ثمَّ إِذا صَار إِلَى كشف دينه ومعاده أكتفى فِيهِ بتقليد سلفه ثمَّ لَا يبالى بِدَلِيل من خَالف مِلَّته وينتقص كل خَارج عَن دينه

стр. 115

فَكل يقتحم المناظرة وَإِن لم يحسنها ويراها فَرِيضَة وَهُوَ لَا يفهمها وَلم يتَّخذ شَيْئا من الْعُلُوم والصناعات إِلَّا الفضول معترف فِيهَا للفضائل لَا الْجِدَال والمناظرة وَأَن الْجَمِيع يدعونَ أمرا لَا يقدرُونَ على التناصف فِيهِ لبعد غَايَته وَهُوَ أَنهم ليختلفون فِي معرفَة الْبَارِي تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يدركونه بالحواس فيختلفون فِي مَعْرفَته وَإِنَّمَا يتعارف النَّاس فِيمَا يدركونه بالحواس ويتصورونه فِي الأوهام فينقمع الْعقل السَّلِيم فِي إِجَابَة الْحق إِذا أدْركهُ وانكشف لَهُ فَلذَلِك يُجَادِل كل قوم عَن دينهم ويفضلون أنفسهم على غَيرهم ويدلك على ذَلِك أَنَّك تَجِد الصقلبي العَبْد الحبشي يَقع مرقوقا بيد رجل من أحد الثَّلَاث ملل فَيردهُ إِلَى مِلَّته ويورد عَلَيْهِ أَخْبَار سلفه فيتقبله مِنْهُ كتقبل الْأَطْفَال الْمُعَذَّبين فِيهِ وعلته فِي ذَلِك أَنه يجد صَدره خَالِيا من الْأَخْبَار الْمُدَوَّنَة فِي الْكتب فَيتَعَلَّق بِمَا أورد عَلَيْهِ من أَخْبَار من علمه ويتمكن ذَلِك فِي صَدره حَتَّى يصير وَاحِدًا من أهل الْملَّة فِي إدعاء الْفضل لَهَا وإنتقاص أهل غَيرهَا والطعن عَلَيْهِم وَلَو أَن مجوسيا دخل بلدنا طارئا أَو تَاجِرًا فكبرت عَلَيْهِ مجوسيته ووحش لوحدته على الْبَقَاء عَلَيْهَا عَازِمًا على رفضها ثمَّ طلب الْخُرُوج إِلَى أفضل الثَّلَاث الْملَل الْمفْسدَة عَلَيْهِ مجوسيته لتحير وعمى أَيَّة أفضل فَيخرج إِلَيْهَا لِأَنَّهُ يجد كل قوم يدعونَ لأَنْفُسِهِمْ الْإِيمَان ولغيرهم الْكفْر ثمَّ تجدهم متكافئين فِي إدعاء الْآيَات لِأَن أهل كل دين يزعموه أَن بَيِّنَة دينهم على آيَات قَامَت وبراهين ظَهرت وَمَا تَجِد عِنْد أحدهم آيَة من تِلْكَ الْآيَات الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا أضطرت عقل المجوسى إِلَى الدُّخُول فِي أديانهم وَلَكِن الَّذِي كَانَ يضمه إِلَيْهِ حسن نظره أَن يتَوَقَّف حَتَّى يسمع حجتهم وَيسْتَعْمل عقله فِي دَعوَاهُم ليفهم مَا احتجاجهم من نبذ الْحق فَكَانَ يجد فِي دَعوَاهُم أَن النَّصْرَانِي وَالْمُسلم مقران لِلْيَهُودِيِّ بِأَن دينه أول وأنبياؤه حق ثمَّ يَقُول النَّصْرَانِي إِن كتابي جَاءَ من بعد فنسخ طَاعَة دين الْيَهُودِيّ ثمَّ يَقُول الْمُسلم وَكَذَلِكَ جَاءَ كتابي بعد فنسخ طَاعَة دين النَّصْرَانِي كَمَا نسخ الْيَهُودِيّ فَإِذا كاشف الْمَجُوسِيّ الْيَهُودِيّ عَمَّا إدعياه أنكرهما وَقَالَ لم يَأْتِ بعد كتابي

стр. 116

من الله كتاب ثمَّ إِذا سَأَلَ النَّصْرَانِي عَمَّا إدعاه الْمُسلم أنكر أَيْضا وَقَالَ لم يَأْتِ بعد كتابي من الله كتاب فَوَجَبَ على النَّصْرَانِي أَن يأتى بِالْبَيِّنَةِ على الْيَهُودِيّ من الْكتب الَّتِي أقرّ لَهُ بهَا فَإِن لم يكن فِيهَا مسيحا منتظرا فَلَا حجَّة لَهُ عَلَيْهِ وَلَا مُعَلّق لَهُ إِلَيْهِ وَإِن كَانَ فِيهَا مسيحا منتظرا يُرْجَى صَلَاح الْحَال من سَببه ووافقت علاماته عَلَامَات الَّذِي قد جَاءَ وَظهر فَإِذا كَانَ فقد اخْتَار النَّصْرَانِي الرسَالَة الأولى وَالثَّانيَِة لنَفسِهِ وَخرج الْيَهُودِيّ عَن رضَا المعبود بجحده الرسَالَة الثَّانِيَة وَدفعه بسنته فِيمَا أعقب بِهِ فِي عباده من الرسَالَة الثَّانِيَة ثمَّ يحمل الْمُسلم الْبَيِّنَة على النَّصْرَانِي من الْكتب الَّتِي أقرّ لَهُ بهَا وجامعه عَلَيْهَا فَإِن لم يكن فِيهَا مُحَمَّد منتظرا فَلَا حجَّة لَهُ عَلَيْهِ وَلَا مطْعن لَهُ إِلَيْهِ وَإِن كَانَ فِيهَا مُحَمَّد منتظرا ثمَّ وَافَقت علاماته عَلَامَات الْكتب فقد أصَاب الْمُسلم وَلزِمَ النَّصْرَانِي الْخُرُوج عَن رضَا معبوده الْجَواب عَن كَلَامه يَا هَذَا أسهبت وأطنبت وبحبة خَرْدَل مَا أتيت كثر كلامك فَكثر غلطك وَقلت فَائِدَته فَظهر قصورك وسقطك وَمن كثر كَلَامه كثر سقطه وَمن كثر سقطه كَانَت النَّار أولى بِهِ أعميت لجهلك بلحنه وَلم تتفطن لتثبيجه ولحنه فَلَقَد استسمنت ذَا ورم ونفخت فِي غير ضرم فَأول خطابك قَوْلك فِي ترجمتك هَذَا الْفَصْل احتجاج الثَّلَاث ملل ثمَّ ضمنته ذكر مِلَّة الْمَجُوس فَكَانَ يَنْبَغِي لَك أَن تَقول احتجاج الْأَرْبَع ملل فَإِن الْمَجُوس أمة تدعى أَنَّهَا أرسل إِلَيْهَا رَسُول وَأنزل عَلَيْهِ كتاب ثمَّ إِن مَذْهَبهم فِي التَّثْنِيَة وَإِن كَانَ بَاطِلا فَهُوَ أقل شناعة وَأبْعد عَن جحد الضَّرُورَة وَأدْخل فِي مَسْلَك النّظر وَإِن كَانَ فَاسِدا من مذهبكم فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِن الموجودات خير وَشر وَلَا بُد لكل وَاحِد من موجد فموجد الْخَيْر خير وَالْخَيْر لَا يفعل الشَّرّ لِئَلَّا يكون شريرا وموجد الشَّرّ شرير لَا يفعل الْخَيْر إِذْ لَو فعل الْخَيْر لما فعل الشَّرّ قَالُوا فَلَا بُد من إِلَهَيْنِ إثنين يفعل أَحدهمَا الشَّرّ وَالْآخر الْخَيْر وَهَذَا كَلَام يشبه النّظر الْعقلِيّ وَبعد بحث شَدِيد يتَبَيَّن فَسَاده فَلهم شُبْهَة فِي التَّمَسُّك بمذهبهم وَلَو أورد الْمَجُوسِيّ شبهته عَلَيْكُم

стр. 117

لصعب عَلَيْكُم ابطالها لكَونه يلزمكم من مذهبكم إلتزامات لَا تنفصلون عَنْهَا وَأَنا الْآن أذكر طرفا من ذَلِك حَتَّى يتَبَيَّن عجزكم وجهلكم هُنَالك أما مذهبكم فِي الأقانيم فَغير مَقْبُول وَلَا مَعْقُول كَمَا تقدم وَكفى بِهِ فَسَادًا قَوْلكُم آلِهَة ثَلَاثَة إِلَه وَاحِد وَكَذَلِكَ مذهبكم فِي الإتحاد والحلول على مَا مر وَمن الْعجب أَنكُمْ تعتقدون مَذْهَب الْمَجُوس وَلَا تشعرون فَإِنَّكُم تنسبون الشرور والإضلال الى غير الله تَعَالَى وتعيبون علينا إِذا نَحن فوضنا كل الْأُمُور إِلَى الله تَعَالَى وَقُلْنَا كل مَوْجُود فِي الْعَالم فَإِنَّمَا هُوَ مَوْجُود إِيجَاد موجد وَاحِد وَهُوَ اللة تَعَالَى وَهَذَا وَالله هُوَ التَّوْحِيد الْحق الَّذِي ارْتَضَاهُ الله لخلقه وكلف بِهِ أنبياءه وَرُسُله وَأنزل بِهِ كتبه فعين مذهبكم فِي هَذِه المسئلة هُوَ مَذْهَب الْمَجُوس فَإِنَّكُم تنسبون الشرور كلهَا إِلَى الشَّيْطَان وَهُوَ عَدو الله وَهُوَ لَا يصدر عَنهُ إِلَّا الشَّرّ وَلَيْسَ الشَّرّ من إِيجَاد الرَّحْمَن عنْدكُمْ فَإِنَّهُ مَا يُوجد إِلَّا الْخَيْر فعلى مذهبكم هُنَاكَ خالقان أَحدهمَا خَالق الْخَيْر وَهُوَ الله وَالْآخر خَالق الشَّرّ وَهُوَ الشَّيْطَان وَهَذَا عين الْمَجُوسِيَّة فصرحوا بهَا وَلَا تنكروها وَأَجْمعُوا بَينهَا وَبَين النَّصْرَانِيَّة وتقلدو وتقلدوها ثمَّ زعمت على مُقْتَضى ترجمتك أَنَّك تذكر حجاج الْملَل الثَّلَاث وَلم تف بِشَيْء من ذَلِك وَلَا ذكرت فِي كلامك هَذَا حجَّة للْمُسلمين عَلَيْكُم وَلَا للْيَهُود بل ذكرت حجَّة النَّصَارَى الداحضة وَسكت عَن حجَّة خصومهم الْمُسلمين الظَّاهِرَة وَهَذَا أثر التَّقْلِيد والجمود عَلَيْهِ حملك على الْإِعْرَاض عَن حجَّة خصمك لَعَلَّك لَا تسمع مَا يُؤَدِّي إِلَى تبكيتك ولطمك وَلَقَد كَانَ يَنْبَغِي لَك لَو كنت من النظار والعارفين بأديانهم أَن تذكر حجج خصومك أحسن فتبحث عَنْهَا وَاحِدَة بعد وَاحِدَة حَتَّى يتَبَيَّن لَك فِيهَا الصَّحِيح من الْفَاسِد وَلَكِن مَعَ هَذَا نقبل عذرك ونعلم جهلك فَإنَّك وَاحِد من عوام المسيحيين الَّذين تشبهوا بالقسيسين وَفِي مثلك ينشد ... فسد الزَّمَان فَسدتْ غير مسود من الشَّقَاء تفردى بالسؤدد ... وَلَكِن لَا عَلَيْك فَإِنَّمَا هُوَ جنا يَديك فَأنى لأرجو أَن يقف على هَذَا

стр. 118

الْكتاب جمَاعَة المطارين ويعلموا بِمَا فِيهِ أَنَّك مُخَالف لمذاهبهم أَجْمَعِينَ فيخرجوك من بَين القسيسين ويلحقوك بالرياسين ثمَّ قلت اعْلَم أَن أهل الْملَل أَجْمَعِينَ متكافئون فِي إدعاء الْإِيمَان حاكمون على كل قوم لأَنْفُسِهِمْ بِالْإِيمَان ولغيرهم بالْكفْر فَنَقُول أما التكافؤ فِي الدَّعْوَى فَنعم لَكِن الْفَصْل يَقع بَينهمَا من جِهَة الْبَينَات ووقوف الْعُقَلَاء على حِكَايَة الْمذَاهب والديانات فَإِن من الْأَدْيَان مَا يدْرك فَسَاده بِغَيْر نظر وَلَا برهَان بل بالفطرة الَّتِي خص الله بهَا الْإِنْسَان وَكَذَلِكَ دين النَّصَارَى الضلال الحيارى وَلَقَد حكى أَن بعض حكماء الْهِنْد وَكَانَ من الْمُلُوك الَّذين يحكمون بالسياسية الدِّينِيَّة الَّذين لم يتقلدوا إتباع مِلَّة دينية ذكرت لَهُ الْملَل الثَّلَاث فَقَالَ أما النَّصَارَى وَإِن كَانَ مناصبوهم من أهل الْملَل يجاهدونهم بِحكم شَرْعِي فقد أدَّت آراؤهم إِلَى أَن لَا نرى بِحكم عقولنا لَهُم عقولا فاستثنى هَؤُلَاءِ الْقَوْم يُرِيد النَّصَارَى من جَمِيع العوالم فَإِنَّهُم قصدُوا مضادة الْعقل وناصبوه الْعَدَاوَة وتحلوا ببث الإستحالات مَعَ أَنهم حادوا عَن المسلك الَّذِي انتهجه غَيرهم من أهل الشَّرَائِع وَقد كَانَ لَهُم فِيهِ كِفَايَة وَلَكنهُمْ شذوا عَن جَمِيع مناهج الْعَالم الشَّرْعِيَّة الصَّالِحَة والعقلية الْوَاضِحَة واعتقدوا كل شَيْء مُسْتَحِيل مُمكنا فَلم يعزب عَنْهُم شَيْء وبنوا من ذَلِك شرعا لَا يُؤَدِّي الْبَتَّةَ إِلَى صَلَاح نوع من أَنْوَاع الْعَالم إِلَّا أَنه يصير الْعَاقِل إِذا تشرع بِهِ أخرق والمرشد سَفِيها والمحسن مسيئا لِأَن من كَانَ فِي أصل عقيدته الَّتِي جر نشوؤه عَلَيْهَا الْإِسَاءَة إِلَى الْخَالِق والنيل مِنْهُ بوصفه بِغَيْر صِفَاته الْحسنى فاخلق بِهِ أَن يقْصد الْإِسَاءَة إِلَى مَخْلُوق وَلذَلِك مَا بلغنَا عَنْهُم مِمَّا فِي خلقهمْ من الْجَهْل وَضعف الْعقل والطمع وَالْبخل ومهانة النَّفس وخساسة الهمة والغدر وَقلة الْحيَاء إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم فَلَو لم تجب مجاهدة هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِلَّا لعُمُوم أضرارهم الَّتِي لَا تحصى وجوهها لكفى وكما يجب قتل الْحَيَوَان المؤذي بطبعه فَكيف وَقد ثمَّ من الموجبات مَا تقدم فَهَذَا مَا بدا لهَذَا الْحَكِيم فِي أول نظرة من مذهبكم على أول وهلة وَلَيْسَ بمخاصمكم وَلَا مناوئكم وَلَا بمتهم بإتباع الْهوى فِيكُم لَكِن قد تبين الصُّبْح لذِي عينين بِحَيْثُ لَا يشك فِيهِ أحد من النقلين وسترى ذَلِك وَاضحا إِن كنت ذَا بصر وبصيرة إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 119

ثمَّ قلت قد غلبت عَلَيْهِم فِي ذَلِك الغواية وتأديب الصِّبَا وَوَصِيَّة الْآبَاء والأجداد حَتَّى صَار ذَلِك طبعا فيهم هَذَا الَّذِي ذكرته لعمري حكم الرعاع الغبر والغثاء الغثر وَأما من أمده الله بِنور توفيقه وَبَين لَهُ سَوَاء طَرِيقه فقد تبين لَهُ الرشد من الغي وَالْمَيِّت من الْحَيّ فقد أَخْطَأت فِي إطلاقك هَذَا الحكم على جَمِيع الْملَل وَلم تشعر بِمَا لزمك من الْفساد والزلل كلا بل الَّذِي ذكرته وصف أهل ملتك وحيلة عصبتك إِذْ هم أهل تَقْلِيد ونظرهم غير سديد ثمَّ قلت فكلهم قد سهل عَلَيْهِم انتقاص غَيرهم وطاب عِنْدهم دينهم بالتهنية فِي دنياهم عَن معاد آخرتهم وَعدلت فِي هَذَا الحكم عَن الْعدْل فحاق عَلَيْك اللوم والعذل بل فِي الْملَل من لَا ينتقص أحدا إِلَّا إِذا ذمه الشَّرْع وَإِذا رأى ذُو فَضِيلَة محقا أحبه وشكره بالطبع والطوع وَذُو الْفَضِيلَة يهجر فِي طلب الْحق جَمِيع لذاته ويزهد فِي جَمِيع متملكاته يَبْغِي بذلك رضَا سَيّده ومرضاته يضْرب فِي طلب الْحق الأَرْض ضربا فيقطعها شرقا ويقطعها غربا ... يَوْمًا يمَان إِذا لاقيت ذَا يمن وَإِن لقِيت معدا مَا فعدنان ... يُفَارق الْأَهْل والوطن ويلازم الْفقر والعطن فَإِذا ظفر بالبغية ليا وفطن أما الدُّنْيَا فَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا وَأما الْآخِرَة فَهُوَ مقبل بكليته عَلَيْهَا فَهُوَ فِي كل حَال ينشد وأحواله تشهد ... وأبغضت فِيك النّخل وَالنَّخْل يَانِع ... وأعجبني من حبك السدر والضال وأهوى لجوان السماوة والغضا ... وَلَو أَن صنفيه وشَاة وعذال ... فَأَنت لم تحكم بِالسَّوِيَّةِ وَلَا عدلت فِي الْقَضِيَّة حَيْثُ حكمت بإعراض كل الْعُقَلَاء عَن الْأَدْيَان وبالتكاثر من الدُّنْيَا على كل الْبَريَّة كلا لَو كَانَ ذَلِك لما بقى منا أحد إِلَّا هَالك فراجع نَفسك عَن هَذَا الْإِطْلَاق وَتب للْوَاحِد الخلاق واحكم على أهل ملتك بِتِلْكَ الْخِصَال والأخلاق فَإِن رب الْعَالمين يبْقى علينا ببركة الْفُضَلَاء وَالصَّالِحِينَ ثمَّ قلت وأحسب أَن الْعلَّة فِي ذَلِك رغبتهم فِي التكاثر من الدُّنْيَا

стр. 120

وَهِي الَّتِي تدخلهم إِلَى التحاسد والمعايرة فيعجز كل قوم أنفسهم فِي طلب معاشهم وَأَن الأخرة عِنْدهم مُهْملَة يَا هَذَا لقد كثر غلطك حَتَّى يعجز النَّاظر فِيهِ عَن إحصائه وَعظم سقطك حَتَّى لَا أقدر على اسْتِقْصَائِهِ ... تَفَرَّقت الظباء على خرَاش ... فَمَا يدْرِي خرَاش مَا يصيد ... فَتَارَة يتثبج عَلَيْك الْكَلَام وَأُخْرَى تبدل الْمَدْح بالملام فَرُبمَا تُرِيدُ أَن تمدح فتذم وتظن أَنَّك تحل ربطا وَأَنت تزم وَأَنت فِي هَذَا الْكَلَام قد لحنت فِيهِ فِي عدَّة مَوَاضِع وَأَرَدْت أَن تَقول شَيْئا فعبرت عَنهُ بِعِبَارَة يفهم مِنْهَا بِحكم وَضعهَا خلاف مَا أردْت أَن تَقول وَذَلِكَ يبن عِنْد من تَأمله من أهل الْعُقُول وَبِالْجُمْلَةِ فَأَنت فِي هَذَا الْفَصْل أردْت أَن تنفصح وتغرب فَإِذا بك تبهم وَلَا تعرب على أَن كلامك فِي هَذَا الْفَصْل قَلِيل الجدوى واهي الأَصْل فَيَنْبَغِي أَن تتعدى أَكثر كلامك وتنزه عقولا عَن الْأَخْذ فِي كثير من هذيانك فَإِن الْأَخْذ فِي الخرافات والإشتغال بالترهات مخل بالعقول والمروآت ثمَّ قلت بعد ذكر كَلَام حاكيت بِهِ فعل السفلة الطغام الْمَعْدُودين فِي رعاع الأعوام لِأَن كل قوم قلدوا سلفهم وطاب عِنْدهم خبرهم فِي مدح دينهم وذم غَيرهم يَا هَذَا جهلت كل الْأَنَام إِذْ زعمت أَن التَّقْلِيد دأب كل الأقوام وَلَو أنصفت فِي الْقَضِيَّة وَعدلت بِالسَّوِيَّةِ لَقلت أَن النَّاس قِسْمَانِ قسم إِيمَانهم برهاني وَقسم اعْتِقَادهم تقليدي هَكَذَا ظهر من أَمر أهل الْأَدْيَان وَأما من لم يتدين بدين فَيَنْبَغِي أَلا يعد فِي الْمُوَحِّدين وَبعد هَذَا يَنْبَغِي أَن تعلم أَن أُمُور الإعتقاد وَالْإِيمَان لم يقنع فِيهَا قطّ أحد من الْفُضَلَاء بالتقيلد من غير برهَان وَلأَجل هَذَا حرم الله علينا الركون إِلَى التَّقْلِيد وذم من عول فِي إعتقاده على إتباع الْآبَاء والجدود فَقَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن الْمُقَلّد وذاما لَهُ وموبخا لَهُ على جَهله ﴿بل قَالُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مهتدون وَكَذَلِكَ مَا أرسلنَا من قبلك فِي قَرْيَة من نَذِير إِلَّا قَالَ مترفوها إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون قَالَ أولو جِئتُكُمْ بأهدى مِمَّا وجدْتُم عَلَيْهِ آبَاءَكُم قَالُوا إِنَّا بِمَا أرسلتم بِهِ كافرون﴾

стр. 121

فَهَذَا ذمّ من الله للتقليد وَأَهله وَقد أَمر بِالنّظرِ الصَّحِيح وحض على فعله فَقَالَ تَعَالَى ﴿قل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا تغني الْآيَات وَالنّذر عَن قوم لَا يُؤمنُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو لم يتفكروا فِي أنفسهم مَا خلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا أَو آذان يسمعُونَ بهَا فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ وَمثل هَذَا كثير وَكفى شرفا بِهَذَا الدّين ودليلا على صِحَّته عِنْد الْعُقَلَاء العاقلين أَنه حرم التَّقْلِيد الَّذِي يجر إِلَى الإلباس والتجهيل والتفنيد واستنهض الْعُقُول للنَّظَر وأوضح لَهَا مسالك العبر وَأوجب عَلَيْهَا النّظر الصَّحِيح المفضى إِلَى الْعلم وَمن لم يفعل ذَلِك من الْعُقَلَاء فقد تعرض للعقاب وألزم ذَلِك كُله ليتبين عَن بَصِيرَة الرشد من الغي وَيعلم من هُوَ على الْحق مِمَّن تحكم فِي دينه بظلمات التَّقْلِيد والرأي وَبعد هَذَا فإنى لَا أَشك فِي أَنَّك لَا تعرف حَقِيقَة التَّقْلِيد وَلَا أقسامه وَلَا أَحْكَامه وَلَا فِي أَي مَحل يجوز وَلَا فِي أَي مَحل يحرم وَلَا من الَّذِي يُقَلّد وَلَا من الْمُقَلّد فَإِن ادعيت أَنَّك تعرف شَيْئا مِمَّا هُنَالك فَعجل بِالْجَوَابِ على ذَلِك ثمَّ قلت بعد ترديد وَتَطْوِيل من غير إِفَادَة علم وَلَا شِفَاء غليل فَكل يقتحم المناظرة وَإِن لم يحسنها ويراها فَرِيضَة عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يفهمها وَلم يتَّخذ شَيْئا من الْعُلُوم والصناعات إِلَّا الفضول اعْلَم يَا هَذَا أَن الله تَعَالَى أنطقك بشرح حالك فَإنَّك عبرت عَن سوء مناظرتك وَنظرت بركيك مقالك فجهلت حَتَّى توهمت أَنَّك من أهل النّظر وأوهمت عِنْد الرعاع أَنَّك من أهل المناظرة وَالْفطر كلا فَلَقَد ارتقيت مرتقا صعبا وسلكت مسلكا وعرا وادعيت دَعْوَى

стр. 122

عريضة لتخدع بهَا قلبا ضَعِيفا ونفسا مَرِيضَة وَلَا بُد من سؤالك حَتَّى يتَبَيَّن حَقك من محالك فَأَقُول لَك مَا حد النّظر وَحَقِيقَته وَمَا أُصُوله وَكم أقسامه وَمَا أَحْكَامه وَمَا حَقِيقَة المناظرة وَمَا شُرُوطهَا وَكم هِيَ وَمَا الشَّيْء الَّذِي يطْلب بالمناظرة وَمَا حَقِيقَة الدَّلِيل وَكم أقسامه وَكم شُرُوطه وَمَا وَجه الدَّلِيل وَمَا الْمَدْلُول وَكم أقسامه فَإِن كنت تدعى المناظرة فأجبنا عَن هَذِه الأسئلة محاورة ثمَّ قلت وَإِن الْجَمِيع يدعونَ أمرا لَا يقدرُونَ على التناصف فِيهِ لبعد غَايَته لتعلم يَا هَذَا أَن حكمك على الْجَمِيع بِأَنَّهُم لَا يقدرُونَ على التناصف حكم خطأ فَإِن الْعَاقِل المشتغل بِمَا يعنيه إِنَّمَا يطْلب الْحق ليصل إِلَيْهِ وَيعرف الْبَاطِل ليتجنبه وَمن كَانَت هَذِه حَاله أنصف وتناصف وَإِنَّمَا يمْتَنع التناصف على من غلب عَلَيْهِ التَّقْلِيد وجمد على مَا وَرثهُ من الْآبَاء والجدود وَهُوَ يصمم على أَنه على الْحق فيمنعه ذَلِك التصميم عَن الْبَحْث وَالنَّظَر ثمَّ إِن تنبه لنَوْع نظر كَانَ كَمَا قَالَ ... إِن الغصون إِذا قومتها اعتدلت وَلنْ تلين إِذا قومتها الْخشب ... فَهَذَا الَّذِي يتَعَذَّر عَلَيْهِ التناصف وتبعد عَلَيْهِ الْغَايَة الْمَطْلُوبَة وَمَا من نور الله قلبه وأجزل من المعقولات حَظه فالتناصف مرغوبه إِذْ الْحق مَطْلُوبه وَفِي مثل هَذَا ينشد ... بعيد على الكسلان أَو ذِي ملالة ... وَأما على المشتاق فَهُوَ قريب ... فَإِن قلت مَا ذكرته أَنْت قَلِيل وَمَا ذكرته أَنا كثير قلت لَك ... وَمَا ضرنا أَنا قَلِيل وجارنا عَزِيز ... وحار الْأَكْثَرين ذليل تعيرنا أَنا قَلِيل عديدنا ... فَقلت لَهَا إِن الْكِرَام قَلِيل ... ثمَّ إِن وجد فِي جَمِيع الْخلق وَاحِد بِهَذِهِ الصّفة فقولك فَاسد فَإنَّك حكمت على الْجَمِيع بِحكم قَبِيح شنيع وأطلقت القَوْل وَلم تخف فِيهِ الزلل وَلَا الْعَوْل

стр. 123

ثمَّ قلت ليختلفون فِي معرفَة الْبَارِي تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يدركونه بالحواس وَإِنَّمَا يتعارف النَّاس فِيمَا يدركونه بالحواس إعلم أَن هَذَا الَّذِي ذكرت لَا يَصح أَن يُقَال على كل الْعُقَلَاء وَإِنَّمَا يَصح ذَلِك على الجهلة الأغبياء بل نقُول أَن الأغبياء أهل الجهالات يَخْتَلِفُونَ فِي الضروريات وَقد بَينا عَلَيْكُم مَوَاضِع كَثِيرَة من إعتقادكم خالفتم فِيهَا الضروريات وناكرتم المعقولات وَأما أهل الْعُقُول السليمة وَالْفطر المستقيمة فَلم يخْتَلف مِنْهُم إثنان فِي معرفَة وجود الله تَعَالَى وَإِنَّمَا تخالفوا فِي أَي وجود وجوده وَهَذَا يعرف فِي مَوْضِعه فلست من أَهله وَأما تمثيلك بِالْعَبدِ الحبشي فتمثيل لَيْسَ وَرَاءه تَحْصِيل وَذَلِكَ أَن العَبْد الحبشي إِذا كَانَ عَاقِلا سليم الْفطْرَة إِذا سمع كلَاما لَا يقبله عقله يردهُ وَأما إِذا كَانَ نَاقص الْفطْرَة مختل الْعقل فَيقبل كل محَال وَلَا يثبت على حَال ثمَّ قلت وَلَو أَن مجوسيا دخل بلدنا فكبرت عَلَيْهِ مجوسيته ثمَّ طلب الْخُرُوج إِلَى أفضل الثَّلَاث الْملَل أَنْت توهم بِهَذَا القَوْل الْبَرَاءَة عَن الْمَجُوسِيَّة وَالدُّعَاء إِلَى الْملَّة النَّصْرَانِيَّة عساك يظنّ بك أَنَّك تفحم الْخُصُوم أَو أَنَّك حصلت من دينك على أَمر مَعْلُوم كلا بل لَو ناظرك مجوسى لأفحمك وَلَو وزن دينه بِدينِك فِي معيار الْعقل لرجحك وَقد تبين ذَلِك فِيمَا تقدم ثمَّ قلت فَكَانَ يجد الْمَجُوسِيّ فِي دَعوَاهُم أَن النَّصْرَانِي وَالْمُسلم مقران لِلْيَهُودِيِّ بِأَن دينه أول وأنبياؤه حق ثمَّ يَقُول النَّصْرَانِي إِن كتابي جَاءَ من بعد فنسخ طَاعَة دين الْيَهُودِيّ ثمَّ يَقُول الْمُسلم وَكَذَلِكَ جَاءَ كتابي فنسخ طَاعَة دين النَّصْرَانِي يَا هَذَا البليد أَخْطَأت على الْمُسلم حَيْثُ ظَنَنْت أَن الْمُسلم يسلم لِلْيَهُودِيِّ دينه الَّذِي بِيَدِهِ الْآن ويعترف بِأَنَّهُ أول وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل الَّذِي يَقُول بِهِ الْمُسلم إِن الدّين الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى ﵇ هُوَ حق وَأَنه الأول بِالزَّمَانِ بِالْإِضَافَة إِلَيْنَا وإليكم وَأما الْيَهُود الْيَوْم فليسوا على دين عندنَا وعندكم

стр. 124

فعندنا من جِهَتَيْنِ وعندكم من جِهَة وَاحِدَة إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ عندنَا أَنهم كفرُوا بِمُحَمد نَبينَا ﷺ وَقد كَانَ الله تَعَالَى أَخذ عَلَيْهِم الْعَهْد بِالْإِيمَان بِهِ وبلغهم ذَلِك على لِسَان مُوسَى ﵇ وَغَيره من أَنْبِيَائهمْ ﵈ على مَا ننقله إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ نقُول فِي الْمَسِيح ﵇ إِنَّهُم كفرُوا بِهِ بعد أَن أنكروه وَهَذِه هِيَ الْجِهَة الْأُخْرَى فهاتان جهتان وَأَنْتُم إِنَّمَا تكفرونهم من جِهَة وَاحِدَة وَهِي كفرهم بالمسيح فقد اتفقنا نَحن وَإِيَّاكُم على أَن الْيَهُود فِي هَذَا الْوَقْت لَيْسُوا على دين وَلَيْسوا بمنتسبين إِلَى شَيْء من دين مُوسَى ﵇ وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَكيف جازفت فِي لفظك وَقلت على الْمُسلمين وَالنَّصَارَى مَا لَا يرضون بِهِ وَلَا يعولون عَلَيْهِ وَهل إطلاقك هَذَا إِلَّا نتيجة جهلك وَمِمَّا يدل على نقص عقلك ثمَّ إِنَّك إدعيت أَن النَّصَارَى يَقُولُونَ إِن كِتَابهمْ نسخ شرع الْيَهُود وَكَيف يَصح لَك يَا جَاهِل بِدِينِهِ أَن تَقول هَذَا وَعِيسَى ﵇ يَقُول فِي الْإِنْجِيل الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ لم آتٍ لأنقض شَرِيعَة من قبلي إِنَّمَا جِئْت لأتممها فَأَما أَنْت هُوَ الْكَاذِب أَو كتابك هُوَ المحرف الْبَاطِل وسنبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَا أحدث فِي الْإِنْجِيل والتوراة من المناقضة والتحريف مَا يدل على أَنَّهَا لَيست هِيَ الَّتِي أنزل الله وَمن عَجِيب أَمرك وأدل دَلِيل على جهلك أَنَّك تَدعِي أَن كتابك نسخ شرع الْيَهُود وَأَنت بجهلك ترجع إِلَيْهِ فِي أحكامك وَهل هَذَا إِلَّا تنَاقض ظَاهر وَجَهل فَاحش ثمَّ قلت فَإِذا كاشف الْمَجُوسِيّ الْيَهُودِيّ عَمَّا أدعياه أنكرهما وَقَالَ لم بأت بعد كتابي من الله كتاب يَا هَذَا لقد قولت الْيَهُود مَا لَا يُمكنهُم قَوْله وَلَا يسعهم جَهله فَإِن الْيَهُود يعترفون بِأَنَّهُ قد كَانَ بعد مُوسَى أَنْبيَاء كَثِيرُونَ جَاءُوا بصحف وقرأوا على النَّاس كتبا كَثِيرَة هِيَ بَين أَيْديهم وَأَيْدِيكُمْ الْيَوْم تقرأونها وتحكمون بهَا وَهَا أَنْت قد استدللت بِكَثِير مِنْهَا فِي كتابك هَذَا على إِثْبَات بنوة الْمَسِيح فَتلك الْكتب الَّتِي نقلت مِنْهَا إِمَّا أَن تكون من الله أَو لَا تكون فَإِن كَانَت

стр. 125

من الله فقد أفحمت نَفسك وأكذبتها وَصَارَ كلامك ينْقض أَوله آخِره مَعَ أَن الْيَهُود توافقك على أَن تِلْكَ الْكتب والصحف من الله وعَلى أَلْسِنَة رسل الله على هَذَا جمهورهم وَأَكْثَرهم وَإِن كَانَت تِلْكَ الْكتب لَيست من الله وَلَا يساعدونك عَلَيْهَا فَكيف يسوغ لَك الإحتجاج عَلَيْهِم بِشَيْء لَيْسَ من كَلَام الله وَلَا يسلمونه فَلَقَد مكنت من نَفسك يَا هَذَا الْيَهُود وَالْمُسْلِمين وصاروا على كَذبك وخطئك من الشَّاهِدين فمثلك مثل الباحث بظلفه على حتفه والجادع مارن أَنفه بكفه فَلَقَد لحقت ﴿بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ وَبعد هَذَا فلتعلم أَن الَّذِي تنكره الْيَهُود لعنهم الله من الْكتب المنسوبة إِلَى الله تَعَالَى كتابك وَكِتَابنَا لَا غير وسنقيم وَاضح الْأَدِلَّة إِن شَاءَ الله على من خَالَفنَا ثمَّ قلت ثمَّ يحمل الْمُسلم الْبَيِّنَة على النَّصْرَانِي من الْكتب الَّتِي أقرّ لَهُ بهَا وجامعه عَلَيْهَا فَإِن لم يكن فِيهَا مُحَمَّد منتظرا فَلَا حجَّة لَهُ عَلَيْهِ وَلَا مطْعن لَهُ إِلَيْهِ وَإِن كَانَ فِيهَا مُحَمَّد منتظرا ثمَّ وَافَقت علاماته عَلَامَات الْكتب فقد أصَاب الْمُسلم وَلزِمَ النَّصْرَانِي الْخُرُوج عَن رضَا معبوده ظَاهر كلامك أَنَّك أنصفت وَأَنت فِي إعتقادك عَلَيْهِ مَا عولت وَلَقَد أعلم أَنَّك إِذا أتيت ذَلِك عَلَيْك من كتب عدلت وغدرت شنشنة أعرفهَا من أخزم وَإِذا كَانَ الْغدر فِي النُّفُوس الخبيثة طباعا فالثقة بِكُل أحد عجز وَمَا هِيَ أول بركتكم وَأَنا أسأَل الله الْعَظِيم رب الْعَرْش الْكَرِيم بأسمائه الْحسنى وَصِفَاته العلى وبحق آدم ومُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِم وَمِمَّنْ بَينهم من النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وبالملائكة المقربين وَأهل طَاعَته أَجْمَعِينَ أَن يلعن من لَا يرجع إِلَى الْحق إِذا تبين لَهُ وَأَن يعجل عَلَيْهِ بنقمته فِي الدُّنْيَا تكون عَلامَة على غضب الله عَلَيْهِ وعَلى عَذَابه فِي

стр. 126

الْآخِرَة الْعَذَاب الدَّائِم نسْأَل الله الْعَظِيم أَن يفعل ذَلِك بعزته وَكَرمه آمين آمين وَالصَّلَاة على خيرته من خلقه ثمَّ يَنْبَغِي لَك أَن تعلم أَن نبوة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ لم تثبت لنا بطرِيق وَاحِدَة بل بطرق كَثِيرَة فَلَو فَرضنَا أَن الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم لم يبشروا بِهِ لكَانَتْ نبوته ثَابِتَة ببراهين قَاطِعَة كَثِيرَة بهَا عرف نبوته الْعُقَلَاء الَّذين لم يقرأوا قطّ كتابا وَلَا انتسبوا إِلَى شَرِيعَة وسنوضح هَذِه الطّرق إِن شَاءَ الله تَعَالَى ونبينها على مَا لَا يبْقى مَعَه ريب لعاقل بحول الله وقوته

стр. 127

الْفَصْل الثَّانِي الْمَسِيح المنتظر فِي حِكَايَة كَلَامه أَيْضا قَالَ وَمن بَيِّنَة النَّصْرَانِي على الْيَهُودِيّ أَن فِي الْكتب الَّتِي أقرّ لَهُ بهَا وجامعه عَلَيْهَا مسيح منتظر لَا يقدرُونَ على جَحده لِأَن إنتظاره مَعْرُوف فيهم وَظَاهر عَلَيْهِم وَدلّ على زمَان مَجِيئه أَنهم منتظرون لَهُ مُنْذُ سبيت الْيَهُود وبددت إِلَى الْيَوْم فَإذْ قد لزم الْيَهُود بإنتظاره من وَقت تفريقهم فِي الدُّنْيَا فقد وَجب لِلنَّصَارَى أَن يَقُولُوا أَنه قد جَاءَ وَالدَّلِيل على أَنه هُوَ أَن الْيَهُود اخْتلفت من سَببه فَصَارَت فرْقَتَيْن على الْكفْر وَالْإِيمَان بِهِ فالفرقة الْكَافِرَة هم الْيَهُود والفرقة المؤمنة هم النَّصَارَى فآمنت طَائِفَة وكفرت طَائِفَة والكتب أجمع مَعَ كَلَامهم يحتجون بهَا بَعضهم على بعض يَجْتَمعُونَ على ألفاظها وقراءاتها ويختلفون فِي تَأْوِيلهَا كفعلهم إِلَى هَذِه الْمدَّة وَالَّذِي يسْتَدلّ بِهِ للفرقتين على كفر أَحدهمَا أَن نَنْظُر فِي الْكتب ونستدل بهَا على حَالَة بني إسرائل مُنْذُ كَانَت على الْإِيمَان وَالْكفْر فَإِنَّهُم إِن كَانُوا على الْكفْر فَإِنَّهُ يلْزمهُم الذلة إِذْ الذلة والأسرة والفرقة عَلامَة الْكَافرين وموجود فِي الْكتب أَن الله لم يوعد بالثواب فِي الْآخِرَة لبني إسرائل على الطَّاعَة وَالْإِيمَان وَإِنَّمَا وعدهم فِي الدُّنْيَا فَوَعَدَهُمْ عِنْد الطَّاعَة وَالْإِيمَان بِالْملكِ وَالنعْمَة والنقمة من عدوهم والتثمير لزرعهم وفواكههم وأوعدهم عِنْد الْكفْر والعصيان بالتغلب عَلَيْهِم وَالْملك والقهرة لَهُم من عدوهم فَلم يزَالُوا مؤيدين عِنْد الطَّاعَة وَالْإِيمَان ومستعبدين عِنْد الْكفْر والعصيان

стр. 128

فَافْهَم الْجَواب عَنهُ أعلم يَا هَذَا أَنه لَوْلَا أننا نَخَاف أَن نساعد الْيَهُود على كفرهم وَأَن يحملهم ذَلِك على دوَام الْإِصْرَار وَزِيَادَة العناد لنبهناهم على مَوَاضِع فِي هَذِه الْأَدِلَّة الَّتِي ذكرت يفْسد عَلَيْك لأجل ذَلِك أَكْثَرهَا وَيبْطل عَلَيْكُم الإحتجاج بهَا وَلَو فعلنَا ذَلِك لما كَانَ مِمَّا يقْدَح فِي صِحَة نبوة الْمَسِيح فَإِنَّهَا تثبت بطرق أخر وَإِنَّمَا يكون ذَلِك دَلِيلا على أَنَّك لَا تحسن الإستدلال وَلَا تعرف طرق المناظرة والجدال وَلَكِن حاشى لله أَن أعين الْيَهُود أولى اللَّعْنَة والعداوة والبغضاء والأحنة على من الْتزم شرعة الْمَسِيح وَركب مِنْهَا الْمنْهَج الصَّحِيح وَكَيف أفعل ذَلِك وَقد أخبرنَا الله على لِسَان نبيه وَرَسُوله بِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُم عالمون بِاللَّه ومصدقون بِمَا جَاءَهُم على لِسَان مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ تَعَالَى ﴿لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِك بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين وَمَا لنا لَا نؤمن بِاللَّه وَمَا جَاءَنَا من الْحق ونطمع أَن يدخلنا رَبنَا مَعَ الْقَوْم الصَّالِحين﴾ فَهَؤُلَاءِ الَّذين عرفُوا شرعة الْمَسِيح ﵇ وَعَلمُوا مَا عهد إِلَيْهِ من نعت مُحَمَّد خير الْأَنَام فبادروا لتصديقه وَلم يُمكنهُم الْعُدُول عَن طَرِيقه وَلَوْلَا حُرْمَة هَؤُلَاءِ الْأَوْلِيَاء الَّذين كَانُوا مِنْكُم لما بقى ستر الله عَلَيْكُم لَكِن كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يؤخرهم ليَوْم تشخص فِيهِ الْأَبْصَار مهطعين مقنعي رؤوسهم لَا يرْتَد إِلَيْهِم طرفهم وأفئدتهم هَوَاء﴾ وَمَعَ هَذَا فَلَا نخلي هَذَا الْبَاب من التَّنْبِيه على نكت تدل على سوء اسْتِدْلَال هَذَا السَّائِل خَاصَّة بعون الله قلت يَا هَذَا وَالدَّلِيل على أَنه هُوَ أَن الْيَهُود اخْتلفت من سَببه فَصَارَت فرْقَتَيْن على الْكفْر وَالْإِيمَان بِهِ فالفرقة الْكَافِرَة هم الْيَهُود والفرقة المؤمنة هم النَّصَارَى فآمنت طَائِفَة وكفرت طَائِفَة

стр. 129

هَذَا دَلِيل لَيْسَ لَهُ للدلالة على مَجِيء الْمَسِيح من سَبِيل بل هُوَ عين الْمَذْهَب الَّذِي تَدعُونَهُ وَيبقى عَلَيْك الإستدلال عَلَيْهِ وَإِن جَازَ أَن يكون مثل هَذَا دَلِيلا صَحِيحا على مَجِيئه جَازَ أَن يكن نقيضه دَلِيلا على إنتفاء مَجِيئه وَلَا فرق بَين مَا قلت وَبَين مَا يَقُوله الْيَهُودِيّ إِذْ كل وَاحِد مِنْكُم تكلم بِدَعْوَى وَلم يثبتها وَلَا بُد لَك من إِقَامَة دَلِيل فاذكره فَإِن كلامك الأول لَيْسَ بِدَلِيل فَإِن أخذت تستدل بِدَلِيل آخر خلاف مَا ذكرت فقد اعْترفت بِأَن كلامك الأول لَيْسَ بِدَلِيل وانقطعت وَإِن رجعت تستدل بذلك تبين جهلك هُنَالك فَأنْظر مَا أحسن هَذَا الدَّلِيل فلعمري مَا للمستدل بِهِ من النّظر الْعقلِيّ كثير وَلَا قَلِيل ثمَّ قلت والكتب أجمع مَعَ كَلَامهم يحتجون بهَا بَعضهم على بعض يَجْتَمعُونَ على ألفاظها وقراءاتها ويختلفون فِي تَأْوِيلهَا كفعلهم إِلَى هَذَا الْمدَّة تناقضت يَا مخدوع وَلم تشعر وظننت أَنَّك تنتصر فَإِذا بك تستأسر افصحت هُنَا بأنكم يحْتَج بَعْضكُم على بعض ويتضمن ذَلِك أَنكُمْ تحتجون بِالتَّوْرَاةِ عَلَيْهِم وَكَيف يَصح لَك هَذَا مَعَ أَنَّك قد ادعيت أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِكِتَابِكُمْ فَإِن قلت إِن هَذَا عَلَيْهِم فِي معرض الْإِلْزَام قيل لَك فَلَا تَأْخُذ من التَّوْرَاة شَيْئا من الْأَحْكَام وَلَا تحكم مِنْهَا على شَيْء بحلال وَلَا حرَام ثمَّ إِن كلامك هَذَا يفهم مِنْهُ أَنهم يحتجون عَلَيْكُم بكتبهم على أَن الْمَسِيح لم يَجِيء وَإِذا اتّفق أَن يحتجوا عَلَيْكُم بِمثل هَذَا من كتبكم فقد أفحموكم هَذَا كُله على ظَاهر كلامك وَلم ترو هَذَا الْمَعْنى وَإِنَّمَا أردْت أَن تَقول إِن الْجَمِيع قد اتَّفقُوا على أَلْفَاظ الْكتب وإختلفوا فِي تَأْوِيلهَا وَلم تساعدك الْعبارَة وَهَذَا أَكثر كلامك تُرِيدُ أَن تَقول شَيْئا ثمَّ تعبر عَنهُ بِعِبَارَة تدل على خلاف مَا أردْت وَسبب ذَلِك أَنَّك أدخلت نَفسك فِي شَيْء لم تعرفه وتعاطيت مَا لم تُحسنهُ فَكنت بِمَثَابَة من أَدخل نَفسه فِي شفط ثمَّ جَاءَ آخر فَشد عَلَيْهِ وربط

стр. 130

ثمَّ قلت وَالَّذِي يسْتَدلّ بِهِ للفرقتين على كفر أَحدهمَا أَن نَنْظُر فِي الْكتب إِلَى أَن قلت إِذْ الذلة والأسرة والفرقة عَلامَة الْكَافرين وهذاالإطلاق لَو علمت مَا يلزمك عَلَيْهِ لاستغفرت إلهك مِنْهُ لكنك جهلت فأطلقت وَحَيْثُ وَجب أَن تمسك أرْسلت وَذَلِكَ أَنه إِن صَحَّ مَا ذكرت فَلَا ذلة وَلَا أسرة وَلَا تَفْرِقَة أبلغ من ذلة من يصفع فِي قَفاهُ وَيجْعَل على رَأسه شوك وَفِي يَده قَصَبَة ويساق للْقَتْل وعَلى عُنُقه خَشَبَة ويصلب وتسمر يَدَاهُ وَرجلَاهُ وينخز وَهُوَ يطْلب مَاء فيرفع إِلَيْهِ إِنَاء خل وَهَذَا كُله بزعمكم وَلَا رُتْبَة فِي المذلة أبلغ من هَذِه فعلى قَوْلك وَسِيَاق دليلك يلزمك تَكْفِير المصلوب وَيحصل لِلْيَهُودِيِّ مِنْكُم الْغَرَض الْمَطْلُوب فَإِن كنت عَاقِلا فثقل كلامك وَلَا يكن عارا عَلَيْك لسَانك وَقد نَصَحْتُك يَا فشكل وَمَا أَظُنك تقبل وَإِنَّمَا أردْت أَن تَقول فَلم تطاوعك الْعبارَة يَا جهول الدَّلِيل على مَجِيء الْمَسِيح المنتظر أَنه قد ثَبت فِي كتب الْأَنْبِيَاء ﵈ أَن الله قَالَ للْيَهُود لَا يزَال ملككم قَائِما وخيركم دَائِما مَا دمتم مُؤمنين حَتَّى تكفرُوا فَإِذا كَفرْتُمْ أزلت ملككم وأبدلتكم مِنْهُ ذلا وصغارا وغضبا ونقمة وَعند ذَلِك أرسل إِلَيْكُم الْمَسِيح وَلَا يشك أحد فِي زَوَال ملك الْيَهُود وإنقطاعه وَفِي نزُول الذلة والمسكنة عَلَيْهِم فَلَا يشك فِي كفرهم وَلَا يشك فِي مَجِيء الْمَسِيح وَأَنَّهُمْ كفرُوا بِهِ وَلَو هَكَذَا قلت لما لزمك شَيْء مِمَّا ألزمت وَهَذَا الدَّلِيل الَّذِي استدللت بِهِ على الْيَهُود إِذا سيق على الطَّرِيقَة الَّتِي ذَكرنَاهَا وَصَحَّ نَقله عَن الْأَنْبِيَاء بطرِيق الْقطع هُوَ حجَّة على الْيَهُود لَا مخرج لَهُم مِنْهَا وَلَا محيص عَنْهَا على أَنه بقى فِيهِ مَوَاضِع للبحث إِذا انفصلت تمّ الدَّلِيل ووضح السَّبِيل

стр. 131

الْفَصْل الثَّالِث الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم من حِكَايَة كَلَامه أَيْضا قَالَ وَأَنا أثبت لَك أَن الْمَسِيح قد جَاءَ من كَلَام الْأَنْبِيَاء قَالَ النَّبِي هوشع بن بئيرى ﵇ هَكَذَا بِكَلَام عبراني كي يَا مِيم ربيم يَا شابوا بِأَنا إسرائل أَن ملخ وَإِن صَار تَفْسِيره إِن أَيَّامًا كَثِيرَة يقيموا بنى إِسْرَائِيل دون ملك وَدون مقدم فَإِذا سُئِلَ الْيَهُودِيّ الجاحد إِن كَانَ لَهُم ملك أَو مقدم فَلَا يكون جَوَابه إِلَّا أَن يَقُول لَيْسَ عندنَا ملك وَلَا مقدم فَيُقَال لَهُم إِذْ لَيْسَ عنْدكُمْ ملك وَلَا مقدم فاسمع مَا قَالَ يَعْقُوب الَّذِي كَانَ لَهُ اثنى عشر ولدا الَّذِي مِنْهُم يُوسُف الصّديق ﵃ أَجْمَعِينَ إِلَى يَوْم الدّين قَالَ الْفَاضِل يَعْقُوب بِكَلَام عبراني لَو يَا صور شابات مى يهودا ومحو كيك مُبين رعلاف عَاد كى يَا بوشيلو ولوا اقاهث عميم وَهَذَا تَفْسِيره لَا ينْتَقض الْملك من يهودا وراسم من بَين رجلَيْهِ حَتَّى يأتى الْمَسِيح وَله تطوع الْأُمَم فَيُقَال لَهُم إِذْ لَيْسَ لكم ملك وَلَا مقدم فقد جَاءَ الْمَسِيح كَقَوْل يَعْقُوب النَّبِي إِذْ لَيْسَ لَهُم ملك وَقَالَ أرمياء النَّبِي ﵇ فِي الطَّائِفَة الْكَافِرَة بِهِ بِكَلَام عبراني هَكَذَا أم يَا عَمُود موشا وشموال لقاناى أَن نقسى الها عَم

стр. 132

هَذَا شلاح معال فاناى وَيَا ساوها ياكى يمروا أناه نَاسا وامرتا لاهيم هِيَ لما باث لما باث امى تشانى أمى لَا راعاب لَا راعاب وخلاقى جاماتي بام اسْمَع كَلَام الله على لِسَان أرمياء النَّبِي تَفْسِيره إِن وقف إِلَى مُوسَى وشموال لَا نرضى عَن هَذِه الْأمة أرميهم من قدامى يخرجُوا فَإِن قَالُوا أَيْن يخرجُوا فتقل لَهُم من الْمَوْت إِلَى الْمَوْت وَمن الْغنى إِلَى الْغنى وَمن الْجُوع إِلَى الْجُوع ويكمل غَضَبي فيهم فيهم فِي غضب الله بكفرهم بالمسيح الَّذِي قد جَاءَ ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى على لِسَان يَعْقُوب النَّبِي الْفَاضِل بِلِسَان سرياني هَكَذَا أَلا يَا عَصا عاث غلطان مد أفاث يهودا وصفوا متانا بانوهي عاض على مَا عاث ذَا ياتا ماشيحا داث لاه ملخوثا ولاه اشتماعون عَاما مايا وَهَذَا تَفْسِيره كَمَا قَالَه الله على لِسَان نبيه يَعْقُوب لَا ينْتَقض قضيب الْملك من يهودا وراسم من أبنائه حَتَّى أَن يَأْتِي مَا شيحا الَّذِي هُوَ الْمَسِيح الَّذِي لَهُ الْملك وَله تطوع الْأُمَم وَقَالَ الله تَعَالَى على لِسَان أرمياء النَّبِي فِي إنقطاع ملكهم بِكَلَام عبراني هَكَذَا فأضاع أدوناى ياحور أُفٍّ كل مَكَان إِن إِسْرَائِيل وَهَذَا تَفْسِيره قطع الله بِشدَّة غَضَبه جَمِيع دولة إِسْرَائِيل فَافْهَم فقد جَاءَ الْمَسِيح وَانْقطع ملكهم وَقد قَالَ الله على لِسَان أرمياء النَّبِي فِي إِثْبَات شَرِيعَة الْمَسِيح وإيمان الحواريين قَائِلا بِلِسَان عبراني هُنَا يَا مِيم بايم نوم يهوه واخارتى ات بت إِسْرَائِيل وايت بت يهودا بريت حارشاه لَو اخبريت اشير بريت ات ابو ثام بِيَوْم هُوَ تزيكى بيرم لَهو عاييم مى ارس

стр. 133

مصريم امير همه هفرو ات بريت وانبى بعلتى بِمَ نَام يهوه تَفْسِيره يَقُول الله وَأثبت لبيت إِسْرَائِيل ويهودا عهدا جَدِيدا لَيْسَ كالعهد الَّذِي قلت لِآبَائِهِمْ فِي الْيَوْم الَّذِي أخرجتهم من أَرض مصر من بَيت الْعُبُودِيَّة فَبين الله بِهَذَا الْكَلَام إِيمَان الحواريين وَالتَّابِعِينَ لَهُم كَمَا قَالَ الله فِي مَوضِع آخر على لِسَان أرمياء النَّبِي بِلِسَان عبراني عَن إِيمَان الحواريين قَالَ شوبوا بانيم شوبابيم نوم ادوناى كى انوخى با علتى باخيم وَإِلَّا كحتى اتخيم أحاد معير وشنايم مشتبان وهاباتى أتخيم سيون تَفْسِيره إرجعوا يَا أَوْلَاد اللجاجة فَإِنِّي سدت عَلَيْكُم وآخذكم وَاحِدًا من مَدِينَة واثنين من عشيرة وأدخلكم إِلَى صهيون وَكَذَلِكَ آخذ الحواريين وَاحِدًا من مَدِينَة وإثنان من عشيرة ثمَّ قَالَ لضيق الْآيَة وناتى لَا خيم روعيم كلبى تَفْسِيره ونعطيكم رُعَاة كقلبي ثمَّ قَالَ وأراع أتخيم رعاه واهسكال تَفْسِيره ويرعوكم بالمعرفة والفهم وَكَذَلِكَ جعل من الحواريين أَئِمَّة ورعاة يعلمُوا النَّاس الْمعرفَة والفهم ثمَّ قَالَ لضيق الْآيَة فِي أَلا يعْمل بالعهد الْبَالِي واها ياكى تربوا افريتم بأريش بالبوميم هاهما نوم ادوناى لَو يمروا غر دارون بريث ادوناى وَلَو يَا عالا على لاب ولديز كَا وابوا ولوا

стр. 134

يفقوا ذَوا وَلَو ياعا ساعود تَفْسِيره وَيكون إِذا كثرتم وتنمو فِي الأَرْض فِي تِلْكَ الْأَيَّام يَقُول الله لَا تَقولُوا أبدا بتابوت عهد الله وَلَا يصعد على قلب وَلَا يذكر بِهِ وَلَا يَعْتَقِدهُ وَلَا يعْمل بِهِ أبدا فَاعْلَم أَنه أَمن الحواريين وَالتَّابِعِينَ لَهُم من الْأُمَم ثمَّ قَالَ سُلَيْمَان الْفَاضِل لم أتعلم علما وَعرفت معرفَة المقدسين فأفهم أَيهَا الْإِنْسَان مَا هِيَ معرفَة المقدسين الَّذِي لَا يُمكن لأحد أَن يكون مقدسا إِلَّا أَن عرفهَا وآمن بهَا وَفِي حَقِيقَة الْإِيمَان قَالَ من صعد إِلَى السَّمَاء وَهَبَطَ من قبض الْأَرْوَاح فِي كفيه من جمع المَاء فِي ثوب ثمَّ قَالَ بِكَلَام عبراني مى هاكيم كل افس أريس ماشموا وماشم بنوا فأفهم فسره وَكن عَاقِلا مُدبرا ترشد قَالَ سُلَيْمَان مى هاكيم كل افس أريس ماشموا وَمَا شم بنوا تَفْسِيره من أَقَامَ جَمِيع أقطار الأَرْض مَا إسمه وإسم إبنه ثمَّ قَالَ لضيق الْآيَة بالعبراني كل أمراث ألواه صروفا ماغين هُوَ لات سيم بو تَفْسِيره جَمِيع كَلَام الله ترس مُنِير هُوَ لجَمِيع الواثقين بِهِ فأفهم ثمَّ قَالَ الله على لِسَان أرمياء النَّبِي بِكَلَام عبراني هُنَا ياميم بايم نوم أدوناى واكراتى ات بت إِسْرَائِيل وات بت يهودا بريت هارشاه زيرع آدام وزيرع مهيما تَفْسِيره هَذَا يَوْم يأتى

стр. 135

يَقُول الله ونزرع فِي بَيت إِسْرَائِيل وَبَيت يهوذا نسل آدمى ونسل بهيمي فَكَانَ النَّسْل الْآدَمِيّ الحواريون الْمُؤْمِنُونَ بالمسيح عِنْد إقباله وَالتَّابِعِينَ لَهُم وَكَانَ النَّسْل البهيمي الْيَهُود الجاحدين للمسيح وَكَذَلِكَ الْحوَاري يوحنا الَّذِي اسْمه جوانش قَالَ من لم يُؤمن وَلم يتمادى فِي تَعْلِيم الْمَسِيح فَلَا إِلَه لَهُ فأفهم ترشد اعْلَم أَنِّي كتبت لَك بالعبراني والسرياني من شَهَادَات الْأَنْبِيَاء عَن الله من الْكتب الَّتِي بِأَيْدِيهِم وَأَن الْيَهُود لَا يقدرُونَ على إِنْكَار حرف مِنْهَا إِذا احْتج مَعَهم بهَا بالعبراني والسرياني كَمَا نطقت بِهِ الْأَنْبِيَاء ﵃ فِي إِثْبَات إقبال الْمَسِيح وإيمان الحواريين وَالتَّابِعِينَ لَهُم وَفِي إطراح الْيَهُود الملاعين الجاحدين للمسيح سيدنَا فأفهم الْجَواب عَمَّا ذكر يَا هَذَا المخدوع ظَنَنْت السراب مَاء وَالْأَرْض سَمَاء فاستسمنت ذَا ورم ونفخت فِي غير ضرم اعْلَم يَا هَذَا أَنه لَا يقبل مِنْك فِي هَذَا الْمقَام الإستدلال بالظنون والأوهام إِذْ الْمَطْلُوب فِيهِ تَحْصِيل الْعلم الْقطعِي وَالْيَقِين البرهاني فَلَا يحصل لَك شَيْء من ذَلِك حَتَّى تعلم صِحَة مَا استدللت بِهِ هُنَالك وَلَا تعلم صِحَة شَيْء مِمَّا ادعيته دَلِيلا قَاطعا مُفِيدا للْعلم إِلَّا بعد معرفتك أَن هَذِه الْكتب الَّتِي استدللت بهَا أَهِي من عِنْد الله وَأَنَّهَا بلغتك عَن الله على أَلْسِنَة الصَّادِقين وَلَا يتَوَصَّل إِلَى معرفَة شَيْء من ذَلِك إِلَّا بعد معرفتك بالنبوات وحقيقتها وَدَلَائِل صِحَّتهَا الْعَقْلِيَّة وَلَا تتوصل إِلَى ذَلِك حَتَّى تعلم حُدُوث الْعَالم وَأَنه مَوْجُود بعد عدم وَتعلم أَن لَهُ مُحدثا وَأَن محدثه مَوْجُود حَيّ عَالم قَادر مُرِيد مَوْصُوف بِصِفَات الْكَمَال حَتَّى يَصح مِنْهُ إرْسَال الرُّسُل وتأييدهم بالأدلة وكل ذَلِك إِنَّمَا يعرف بأدلة قَطْعِيَّة وَلَا يَصح أَن تعرف بأدلة سمعية

стр. 136

فَإِن السّمع لَا يثبت إِلَّا بعد ثُبُوت هَذِه الْأُصُول فَإِذا وصلت إِلَى هَذَا الْمحل وسلمت من التعثر بأذيان الزلل ... وَكم دونهَا من مهمه ومفازة ... وَكم أَرض جَدب دونهَا ولصوص ... فَحِينَئِذٍ بجب عَلَيْك أَن تنظر فِيمَا ألْقى الصادقون إِلَيْك فَإِن كنت مِمَّن تسمع مِنْهُم كَلَامهم وتشافه بِنَفْسِك خطابهم فقد سَقَطت عَنْك معرفَة طرق النَّقْل وشروط التَّحَمُّل وَالْحمل ولزمتك معرفَة اللُّغَة الَّتِي يتَكَلَّم بهَا الصادقون فتعرف مقاطع الْكَلِمَات وَكَيْفِيَّة النُّطْق من إختلاف بِسُكُون أَو حركات وتعرف فرق مَا بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَالنَّص وَالظَّاهِر والمجمل والمؤول وَالْعَام وَالْخَاص وَالْمُطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ إِلَى أُمُور كَثِيرَة تعرف فِي علم الْأُصُول وَإِن كنت مِمَّن لم يسمع من الصَّادِقين فَلَا بُد لَك من أَن تنظر فِي الَّذِي بلغك ذَلِك الدَّلِيل على يَدَيْهِ إِن كَانَ يجوز عَادَة عَلَيْهِ الْغَلَط والسهو أَو لَا فَإِن كَانَ مِمَّن يجوز عَلَيْهِ الْغَلَط والسهو عَادَة فَلَا يلْتَفت إِلَى خَبره فِي هَذَا الْمقَام وَهَذَا النَّوْع هُوَ الَّذِي يُسمى عندنَا أَخْبَار الْآحَاد وَلها مَحل تقبل فِيهِ بعد مُرَاعَاة شُرُوط وَيعرف كل ذَلِك فِي مَوْضِعه وَأما مثل هَذَا الَّذِي تصديت لَهُ فَلَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ بِهَذَا الطّرق فَإِن الْمَطْلُوب هُنَا حُصُول الْعلم وَلَا يحصل الْعلم بقول من يتجوز الْخَطَأ والسهو عَلَيْهِ فِي خَبره وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يجوز عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ عَادَة فَهُوَ الَّذِي يحصل الْعلم بقوله وَهُوَ الْعدَد الْكثير الَّذين تحيل الْعَادة عَلَيْهِم الْكَذِب وَهَذَا الْخَبَر هُوَ الَّذِي يُسمى الْمُتَوَاتر والتواتر لَهُ شُرُوط وَأَحْكَام تعرف فِي مَوْضِعه فَإِذا تقررت هَذِه الْمُقدمَة فَأَنا أَسأَلك سُؤال منصف لَا مُصَنف وَأقسم عَلَيْك بِدينِك قسم متلطف لَا متعجرف هَل توفرت لديك هَذِه الشُّرُوط أم هَل أَكْثَرهَا عنْدك مطرح مسقوط فَإِن أنصفت وإعترفت علمت أَنَّك على الْعلم بهَا مَا حصلت فَيَنْبَغِي لَك أَن تطلب حُصُول الْعلم من بَابه وَأَن تجتهد فِي تَحْصِيل أَسبَابه وَإِن إدعيت علم ذَلِك علم أَنَّك مغالط معاند جَائِر عَن الْحق وحائد وَكفى بكلامك فِي كتابك هَذَا على كَذبك شَاهد ثمَّ على قرب تفتضح إِذا خرست عَن جَوَاب مَا عَنهُ سُئِلت تعجل بِالْجَوَابِ وَلَا تتأن فِي الْكتاب وَإِن أَبيت إِلَّا تماديا فِي غيك وإستمرار على جهلك وبغيك

стр. 137

أريناك إختلال هَذِه الشُّرُوط عنْدكُمْ عيَانًا وأقمنا على فَسَاد كتبك حجَّة وبرهانا وَذَلِكَ أَنا نقُول إِن من أعظم كتبكم الَّتِي ترجعون إِلَيْهَا وتعولون فِي أحكامكم عَلَيْهَا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَكفى بهما شرفا وشهرة أَنَّهُمَا عنْدكُمْ كَلَام الْملك الْجَلِيل وَأَنْتُم تدعون أَنكُمْ تناقلتموهما جيلا بعد جيل وَأَنا أبين إِن شَاءَ الله أَن نقلهما إِنَّمَا كَانَ بطرِيق الْآحَاد وَأَن الْغَلَط والسهو يجوز على ناقليهما وسآتي مِنْهُمَا بِبُطْلَان المُرَاد أذكر إِن شَاءَ الله بعض مَا وَقع فيهمَا من التَّنَاقُض والتحريف وَالْقلب والتصحيف وأنبه على قَبِيح مَا تنسبونه فيهمَا إِلَى الله من القَوْل السفساف السخيف وَمَا تنتقصون بِهِ الْأَنْبِيَاء أولى الْفضل والتشريف بحول الله تَعَالَى وَحسن عونه وأبدأ بِالتَّوْرَاةِ لكَونهَا مُقَدّمَة فِي الرُّتْبَة وَالزَّمَان ومعترفا بهَا عِنْد أولى الْأَدْيَان وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان

стр. 138

فصل فِي بَيَان بعض مَا طَرَأَ فِي التَّوْرَاة من الْخلَل وَأَنَّهَا لم تنقل نقلا متواترا فتسلم لأَجله من الْخَطَأ والزلل فَأول دَلِيل أَنَّهَا لم تتْرك على مَا كَانَت فِي الألواح الَّتِي كتبهَا الله تَعَالَى لمُوسَى وَلَا على مَا انتسخها لَهُم مُوسَى بل زيد فِيهَا وَلَا بُد مَا لَيْسَ مِنْهَا وَلَا كَانَ فِي الألواح الَّتِي كتبهَا الله لمُوسَى وَيدل على ذَلِك أَن فِي آخر السّفر الْخَامِس أَن مُوسَى توفى فِي أَرض موآب بِإِزَاءِ بَيت فغور وَلم يعرف إِنْسَان مَوضِع قَبره إِلَى الْيَوْم وَكَانَ قد أَتَى على مُوسَى إِذْ توفى مائَة وَعِشْرُونَ سنة وَلم يضعف بَصَره وَلم يتشيخ وَجهه وَبكى بَنو إِسْرَائِيل على مُوسَى ثَلَاثُونَ يَوْمًا فِي عريب موآب فَلَمَّا تمت أَيَّام حزنهمْ على مُوسَى امْتَلَأَ يشوع بن نون من روح الْحِكْمَة لِأَن مُوسَى كَانَ وضع يَده على رَأسه فِي حَيَاته وَكَانَ بَنو إِسْرَائِيل يطيعونه ويعملون كَمَا أَمر الرب مُوسَى وَلَا يشك الْوَاقِف على هَذَا التَّارِيخ وَهَذِه الْوَفَاة أَنَّهَا لَيست مِمَّا أنزل الله على مُوسَى وَلَا مِمَّا كتبهَا مُوسَى عَن نَفسه وَإِنَّمَا هِيَ من إِثْبَات من أَرَادَ أَن يثبتها بعد وَفَاة مُوسَى بِزَمَان ويدلك على ذَلِك قَوْله وَلم يعرف إِنْسَان مَوضِع قَبره إِلَى الْيَوْم يُرِيد بِهِ الْيَوْم الَّذِي كتب فِيهِ هَذَا وَهَذَا بَين عِنْد الْمنصف وَمَعَ بَيَانه فَلَيْسَ أحد من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِيمَا أعلم يَقُول إِن التَّوْرَاة زيد فِيهَا شَيْء بعد مُوسَى وَلَا يفرق بَين هَذَا الْكَلَام وَغَيره بل هِيَ كلهَا عِنْدهم كَلَام الله وَهَذَا جهل عَظِيم وخطب جسيم فهم بَين أَمريْن إِمَّا أَن يَقُولُوا ان هَذَا الْكَلَام هُوَ مِمَّا كتبه الله لمُوسَى وَأخْبر بِهِ مُوسَى أَو يَقُولُوا إِنَّه لَيْسَ مِمَّا أخبر الله بِهِ مُوسَى وَلم يخبر بِهِ مُوسَى فَإِن قَالُوا الأول كذبه مساق الْكَلَام فَإِن الْمَفْهُوم مِنْهُ على الْقطع أَنه كتب بعد وَفَاة مُوسَى بِزَمَان وَإِن قَالُوا بالْقَوْل الآخر قيل لَهُم فلأي شَيْء خلطتم

стр. 139

كَلَام الله بِكَلَام غَيره وأجريتموها فِي نسق وَاحِد وزدتم على كَلَام الله وَلم تشعروا بذلك بل نسبتم كل ذَلِك إِلَى أَن الله أنزلهُ وَإِذا جَازَ زِيَادَة مثل هَذَا وَلم يتحرز مِنْهُ جَازَ أَن يكون كل حِكَايَة فِيهَا لَا يَصح نسبتها إِلَى الله زَائِدَة وَلَا سِيمَا الحكايات الرَّكِيكَة الَّتِي تحكى فِيهَا عَن الْأَنْبِيَاء الَّتِي لَا يَلِيق ذكرهَا بسفلة النَّاس وغالب الظَّن وَلَا يعلم الْغَيْب إِلَى الله تَعَالَى أَن السّفر الأول الَّذِي هُوَ سفر البدء والأنساب مِمَّا زيد على كَلَام الله تَعَالَى وَلم يشعروا بِزِيَادَتِهِ وَمِمَّا يدل أَيْضا على هَذَا الْمَعْنى أَن كثيرا مِمَّا يَجِيء فِيهَا وكلم الرب مُوسَى وَقَالَ لَهُ اقبض حِسَاب بني جرشون وكلم الرب مُوسَى وَقَالَ لَهُ كلم بني إِسْرَائِيل وَمثل هَذَا كثير وَهَذَا يدلك أَنه لَيْسَ مِمَّا قَالَه الرب جلّ ذكره لمُوسَى وَلَا مِمَّا قَالَه مُوسَى لَهُم أَعنِي لفظ وكلم الرب مُوسَى وَقَالَ لَهُ وَمَا أشبهه من لفظ الحكايه عَنهُ وانما هُوَ شَيْء حكى عَنهُ بعد انقراضه وأضيف الى كَلَام الله ثمَّ لَا يعْرفُونَ من الحاكي وَإِذا جَازَ مثل هَذَا وَلَا يَشْعُرُونَ بِهِ جَازَ أَن يكون أَكْثَرهَا مغيرا ومبدلا وَلَيْسَ من كَلَام الله وَلَا من كَلَام مُوسَى وَلَا يَشْعُرُونَ بِهِ وَمن وقف عَلَيْهَا متتبعا لهَذَا الْمَعْنى قطع بِأَنَّهَا زيد فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا وَعند إنكشاف الْغُبَار تتبين أَفرس تَحْتك أم حمَار مَاء وَلَا كصدى ومرعى وَلَا كالسعدان وَلَقَد حفظ الله الْقُرْآن الْعَظِيم فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ وَلذَلِك كره عُلَمَاؤُنَا ﵃ كتب التفاسير وَأَسْمَاء السُّور فِي الْمُصحف وَإِن كَانَت بِخَط آخر ولون آخر وَقد اتَّفقُوا فِيمَا أَحسب على أَنه لَا يجوز كتب فواتح السُّور يعْنى أسماءها بِخَط الْمُصحف وبلون مداه لِئَلَّا يخْتَلط بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فالحمدلله الَّذِي هدَانَا لهَذَا الدّين القويم والمنهج الْمُسْتَقيم

стр. 140

وَأما بَيَان أَنَّهَا لَيست متواترة فَهُوَ أَن الْيَهُود على بكرَة أَبِيهِم يعْرفُونَ وَلَا يُنكرُونَ أَن التَّوْرَاة إِنَّمَا كَانَت طور مُدَّة ملك بني إِسْرَائِيل عِنْد الكوهان الْأَكْبَر الهاروني وَحده وَعنهُ تلقيت وَلَا يُنكر ذَلِك مِنْهُم وَلَا مِنْكُم إِلَّا مجاهر بِالْبَاطِلِ وَكَذَلِكَ مَا يحْكى من قتل بخت نصر جَمِيع بني إِسْرَائِيل وإحراقه كتب التَّوْرَاة حَيْثُ وجدت وَإِتْلَاف مَا كَانَ بِأَيْدِيهِم حَتَّى لم يتْرك مِنْهُم إِلَّا عددا يَسِيرا لَا يحصل بخبرهم الْعلم وَكَانَ قد أجلاهم إِلَى بابل وَهدم الْبَيْت أَو لَعَلَّه كَانَ الْبَاقِي مِنْهُم عددا كثيرا إِلَّا أَنهم لم يَكُونُوا كلهم يحفظونها بل كَانُوا عددا يَسِيرا لَا يحصل الْعلم بقَوْلهمْ وَكَانَ هَذَا كُله قبل الْمَسِيح بِخمْس مائَة سنة تَقْرِيبًا وَكَذَلِكَ وَاقعَة طيطش بن شبشان الَّتِي كَانَت بعد الْمَسِيح إِلَى أَرْبَعِينَ سنة إِذْ فرقوا التَّفْرِقَة الَّتِي هِيَ الْيَوْم عَلَيْهَا وَهَذَا أَيْضا من الْمَعْرُوف عِنْد الْجَمِيع بِحَيْثُ لَا يُنكره إِلَّا مكابر مجاهر وَهَذِه الْأُمُور كلهَا مِمَّا تقدح فِي النَّقْل الَّذِي يَدعُونَهُ متواترا ثمَّ نقُول هَذِه الْأُمُور الْمَذْكُورَة إِن وافقوا على وُقُوعهَا فقد اعْتَرَفُوا بِعَدَمِ التَّوَاتُر فَإِن من شَرط خبر التَّوَاتُر أَن يَنْقُلهُ الْعدَد الْكثير الَّذِي تحيل الْعَادة عَلَيْهِم التواطؤ على الْكَذِب والغلط عَن عدد مثله هَكَذَا وَلَا يَنْقَطِع فَإِن رَجَعَ الْخَبَر إِلَى عدد لَا تحيل الْعَادة عَلَيْهِم الْكَذِب لم يحصل بذلك الْخَبَر الْعلم إِذْ لَا يكون متواترا وَإِن لم يوافقوا على وُقُوع هَذِه الوقائع هَكَذَا لم يقدروا على جحد أَصْلهَا وَإِذا اعْتَرَفُوا بأصلها لم يقدروا أَن ينكروا إِمْكَان وُقُوع مَا يعترفون بِأَصْلِهِ وتجويز وُقُوع ذَلِك كتحقيق وُقُوع ذَلِك فِي عدم حُصُول الْعلم بالْخبر الَّذِي يدعونَ أَنه متواتر وَأما بَيَان التحريف فِيهَا فَهُوَ أَن الْيَهُود تعترف بِأَن السّبْعين كوهانا اجْتَمعُوا على تَبْدِيل ثَلَاثَة عشر حرفا من التَّوْرَاة وَذَلِكَ قبل الْمَسِيح فِي زمَان القياصرة وَمن إجترأ على تَبْدِيل حرف من كتاب

стр. 141

الله وتحريفه فَلَا يوثق بِالَّذِي فِي يَده مِمَّا يدعى أَنه كتاب الله لعدم الثِّقَة بِهِ ولقلة مبالاته بِالدّينِ وَأَيْضًا فَلَعَلَّهُ قد حرفه كُله أَو أَكْثَره وَكَذَلِكَ يقرونَ وَلَا يُنكرُونَ أَن طَائِفَة مِنْهُم يُقَال لَهُم السامرية حرفوا التَّوْرَاة تحريفا بَينا كثيرا والسامرية يدعونَ عَلَيْهِم مثل ذَلِك التحريف وَكَذَلِكَ النَّصَارَى أَيْضا يَدْعُو على الْيَهُود أَنهم حرفوا فِي التَّوْرَاة التَّارِيخ ويزعمون أَنهم نَقَصُوا من تَارِيخ آدم ﷺ ألف سنة وَنَحْو الْمِائَتَيْنِ وَهَذِه إحتمالات توجب على الْعَاقِل التَّوَقُّف فَلَا يَدعِي حُصُول الْعلم بِنَقْل التَّوْرَاة مَعَ انقداح هَذِه الممكنات إِلَّا مجاهر متعسف فَإِن قيل كَيفَ يَصح أَن يُقَال هَذَا وَقد كَانَ الْأَنْبِيَاء بعد مُوسَى ﵇ يحكمون بِالتَّوْرَاةِ ويرجعون إِلَيْهَا وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى زمن يحيى وَعِيسَى ثمَّ بعد ذَلِك تناقلها النَّصَارَى كَمَا تناقلها الْيَهُود خلفا عَن سلف إِلَى الْيَوْم وَإِن جَازَ تطرق التحريف إِلَى مَا هَذَا سَبيله فَيلْزم عَلَيْهِ أَن يحكم الْأَنْبِيَاء بِالْبَاطِلِ وَيلْزم عَلَيْهِ أَيْضا أَن يقرُّوا على الْبَاطِل غَيرهم وَهَذَا كُله بَاطِل على الْأَنْبِيَاء وَيلْزم عَلَيْهِ أَيْضا أَن لَا يحصل الْعلم بِخَبَر متواتر وَلَا يوثق بِكِتَاب يدعى أَنه جَاءَ عَن نَبِي فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِنَّا لم نعين لوُقُوع التحريف فِيهَا زَمَانا وَلَا عينا من حرف مِنْهَا شَيْئا وَلَا من ألحق بهَا شَيْئا فَيحْتَمل أَن يَقع التحريف فِيهَا قبلهم أَو بعدهمْ وَإِنَّمَا أبدينا تِلْكَ الإحتمالات ليعلم أَن الَّذِي فِي نفوسكم من الثِّقَة بهَا إِنَّمَا هُوَ إعتقاد جزم وَلَيْسَ بِعلم وَمِمَّا يدل على قبُول تِلْكَ الإحتمالات وَأَنَّهَا قادحة فِي دَعْوَى الْعلم

стр. 142

بسلامتها أَنَّهَا لم تقر على مَا تلقيت من مُوسَى بل زيد فِيهَا مالم يتلق عَن مُوسَى مثل الَّذِي حكيناه من ذكر وَفَاته وحزن بني إِسْرَائِيل وحكاية قَول كلم الله مُوسَى وَهَذَا يعلم مِنْهُ على الْقطع أَن الله لم يقلهُ لمُوسَى وَلَا مُوسَى قَالَه عَن نَفسه يعلم ذَلِك من وقف عَلَيْهِ وتتبعه بضرورة مساق الْكَلَام وَلَا بُد فَالَّذِي زَاد ذَلِك لَعَلَّه الَّذِي وَقع الْخلَل من جِهَته وَأما مَا ذكرْتُمْ من حكم الْأَنْبِيَاء بهَا فَلَيْسَ فِيهِ حجَّة لِإِمْكَان أَن تنازعوا فِي قَوْلكُم كَانُوا يحكمون بهَا بل لَعَلَّهُم كَانُوا يحكمون بِمَا كَانَ الله يعلمهُمْ بِمَا يُوَافق شَرِيعَة مُوسَى وَلَا يُخَالِفهَا وَلَو سلمنَا أَنهم كَانُوا يحكمون بهَا فَنَقُول كل شَيْء حكم بِهِ الْأَنْبِيَاء من التَّوْرَاة فَلَيْسَ بمحرف وَأما مَا لم يحكموا بِهِ مِنْهَا فَلَعَلَّهُ الَّذِي حرف مثل الْأَخْبَار الَّتِي حكيناها ونحكيها إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قيل فَيلْزم مِنْهُ أَن يقر الْأَنْبِيَاء على الْخَطَأ ويتحدثوا بِالْكَذِبِ فَإِنَّهُم كَانُوا يتحدثون بهَا قُلْنَا لَيْسَ بكاذب من حكى شَيْئا يعْتَقد صِحَّته لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم الله تَعَالَى وَإِن كَانَ ذَلِك الْخَبَر فِي نَفسه مُخَالفا لما فِي الْوُجُود فَإِنَّهُ إِنَّمَا يحْكى عَن إعتقاده وَهُوَ حق وَإِنَّمَا الْكَاذِب الَّذِي يخبر عَن الشَّيْء بِخِلَاف مَا هُوَ عَلَيْهِ من الْعلم بذلك وَهُوَ حد الْكَذِب عندنَا وَحَقِيقَته وَهَذَا إِنَّمَا يجوز فِي حِكَايَة الْأَخْبَار الَّتِي لَا يتَعَلَّق بهَا حكم وَأما مَا تعلق بِهِ حكم مِنْهَا فَلَا يجوز ذَلِك إِذْ الْأَنْبِيَاء معصومون فِيمَا يبلغونه من الْأَحْكَام عَن الله تَعَالَى وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا حذرا من أَن ننسب إِلَى الله تَعَالَى مَا لَا يَلِيق بجلاله أَن ينزله فِي كِتَابه وَلَا أَن يُنَاجِي بِهِ صفوة أحبابه من الْفَوَاحِش والفجور الَّتِي حكوها فِي التَّوْرَاة وَادعوا أَنه فِيهَا مسطور مَعَ أَنه لَيْسَ فِي ذكرهَا فَائِدَة بل هِيَ بِكُل ضَلَالَة عَائِدَة وَكَذَلِكَ تنزه مُوسَى والأنبياء بعده صلوَات الله عَلَيْهِم عَن ذَلِك الْكَلَام الغث الركيك الَّذِي لَو حكى مثله عَن بعض السفلة لأنف مِنْهُ واستحى مِنْهُ وَلما كَانَ يَنْبَغِي لعاقل أَن يلْتَفت ويصغى إِلَيْهِ ولكان يجب عَلَيْهِ أَن يعرض عَنهُ وينكره إِذا سَمعه هَذَا إِذا كَانَ محكيا عَن

стр. 143

السفلة فَكيف إِذا حَكَاهُ الله عَن نَفسه أَو عَن خيرته من خلقه الَّذين برأهم الله عَن الْكَبَائِر والنقائص الَّتِي تنَاقض نبوتهم فهم أكْرم الْخلق عَلَيْهِ وأحظاهم لَدَيْهِ وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن والغيبة والبهتان والإحن ثمَّ يتعامل بهَا مَعَ أكْرم الْخلق عَلَيْهِ فِي نُفُوسهم وذراريهم وبناتهم وينسبها إِلَيْهِم ويشيعها أَبَد الآبدين عَلَيْهِم هَذَا مِمَّا لَا يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى وَالْقَائِل بِوُقُوع هَذَا مستهزئ مفتر على الله وسننقل عَن بعض مَا حكوا فِي التَّوْرَاة من هَذِه القبائح إِثْر هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ نقُول لَو سلمنَا أَنَّهَا لم تحرف فِي زمَان الْأَنْبِيَاء لأمكن أَن نقُول فَلَعَلَّهُ حرف بعدهمْ وَذَلِكَ بعد وقْعَة طيطش حَيْثُ أفناهم وَالَّذين تنصرُوا مِنْهُم عدد يسير لَا تقوم الْحجَّة بقَوْلهمْ وَإِن قُلْنَا إِنَّهُم كَانُوا عددا كثيرا فَلم يكن كل وَاحِد مِنْهُم مِمَّن يحفظها وَلَا يضبطها ثمَّ نقُول لِلنَّصَارَى إِن أنكرتم أَن يكون شَيْء من التَّوْرَاة حرف فلأي شَيْء تَقولُونَ إِن الْيَهُود حرفوا فِي التَّوْرَاة فِي نسب آدم ونقصوا مِنْهُ وَإِذا جَازَ ذَلِك فِي نسب آدم جَازَ فِي غَيره وَهَذَا بَين وَأما قَوْلهم يلْزم أَن لَا نقبل خبر متواتر وَلَا يوثق بِكِتَاب نَبِي فَلَا يلْزم شَيْء من ذَلِك فَإِن الْخَبَر إِذا تطرقت إِلَيْهِ أَمْثَال تِلْكَ الإحتمالات فَلَا يوثق بنقله وَلَا يعول عَلَيْهِ لَا مَكَان تِلْكَ الْآفَات أَو لَعَلَّ أشرافكم تتخلب نَحْو كتَابنَا فَيَقُولُونَ فكتابكم لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا يعول عَلَيْهِ فَنَقُول هَيْهَات إِنَّمَا قُلْنَا كل كتاب تطرق إِلَيْهِ شَيْء من تِلْكَ الإحتمالات وَكِتَابنَا منزه عَن أَمْثَال تِلْكَ الْآفَات فَإِن الله تَعَالَى تولى حفظه وأجزل من كل صِيَانة حَظه فصانه بنظمه الَّذِي لَا يقدر الْجِنّ وَالْإِنْس على آيَة مِنْهُ فَلَا يخْتَلط بِهِ كَلَام مُتَكَلم وَلَا يقبل وهم متوهم إِذْ لَيْسَ من جنس كَلَام الْبشر وَهُوَ مَعْدُود الْآي والسور ثمَّ صانه بِأَن يسره للْحِفْظ والإستظهار فيستوى فِي نَقله

стр. 144

الْكِبَار وَالصغَار لَا يخْتَص بحفظه أحد وَالْوَالِد إِذْ نقص مِنْهُ حرفا وَاحِدًا أَو غير حَرَكَة مِنْهُ رده وَأَصْلَحهَا عَلَيْهِ الْوَلَد وَمَعَ هَذَا فحروفه وكلماته وآياته وسوره فِي الدَّوَاوِين معددة وأشكال كتبه حُرُوفه فِيهَا مُقَيّدَة وَمَعَ هَذَا فَنقل الْأُمَم الَّتِي لَا تحصى عَن الامم الَّتِي لَا تحصى حَتَّى يصل ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ الْمُصْطَفى مَعَ قرب الْعَهْد والتشمير فِي صيانته وَالْجد وإستعمال القانون النَّحْوِيّ وتثقيف اللِّسَان الْعَرَبِيّ فيهمَا كمل الله لَهُ الصون وَحصل لَهُ بهما على فهمه أكبر العون فَللَّه الْحَمد على مَا أولى وَالشُّكْر لَهُ على نعمه الَّتِي لَا تحصى فَأَيْنَ اللُّؤْلُؤ من الخزف والياقوت من الصدف وَبعد هَذَا فَالْآن حَان أَن نذْكر بعض مَا وَقع فِي التَّوْرَاة مِمَّا تطرق إِلَيْهَا التهم وَمن ذَلِك مَا ذَكرُوهُ فِيهَا فِي الْمُصحف الأول مِنْهَا وَرَأى الله أَن قد كثر فَسَاد الْآدَمِيّين فِي الأَرْض فندم على خلقهمْ وَقَالَ سأذهب الْآدَمِيّ الَّذِي خلقت على الأَرْض والخشاش وطيور السَّمَاء لِأَنِّي نادم على خلقتها جدا وَهَذَا فِي حق الله تَعَالَى محَال إِذْ النَّدَم إِنَّمَا يلْحق من لَا يعلم مصير المندوم عَلَيْهِ ومآله وإعتقاد هَذَا فِي حق الله كفر إِذْ يُنبئ عَن أَن الله تَعَالَى جَاهِل وَأَنه متغير تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَلَفظ النَّدَم هُنَا نَص لَا يقبل التَّأْوِيل فَهُوَ كذب وباطل قطعا وَمن ذَلِك مَا ظهر فِي الْوُجُود خِلَافه وَذَلِكَ أَنهم حكوا فِيهَا أَن بني إِسْرَائِيل يسكنون تِلْكَ الأَرْض إِلَى الإنقراض ثمَّ لم يَلْبَثُوا أَن رأيناهم أخرجُوا مِنْهَا رَأْي الْعين فقد ظهر أَن ذَلِك بَاطِل وَكذب وَمن ذَلِك أَيْضا أَنه حكى فِيهَا أَن الله تَعَالَى كالإنسان شخص

стр. 145

ذُو جوارح وَهَذَا على الله بِالضَّرُورَةِ محَال وَلَا للتأويل فِي هَذَا اللَّفْظ مجَال ثمَّ أَنى هَذَا من قَوْله ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ وَمن ذَلِك أَيْضا أَن الله تَعَالَى حِين أَمر بني إِسْرَائِيل إِلَى التَّوَجُّه إِلَى الشَّام وعدهم أَن يتَوَجَّه مَعَهم وَأمره أَن يعملوا قبَّة على صفة كَذَا ينزل فِيهَا فِي سيره مَعَهم ثمَّ إِن مُوسَى قَالَ لَهُ يارب إِن هَذِه الْأمة القاسية رقابها لَا تمْضِي إِلَيْك إِلَى الشَّام حَتَّى تمْضِي مَعهَا كَمَا وعدتها فَقَالَ الله نعم اعْمَلُوا لي الْقبَّة فَعلم مُوسَى الْقبَّة وسماها قبَّة الْعَهْد وَنزل الله من عَرْشه وَسَار مَعَهم فِي دَاخل الْقبَّة ينزل بنزولهم ويرحل برحيلهم هَذَا نَص التَّوْرَاة وَمِمَّا يذكرُونَهُ من بَقِيَّة هَذَا وَلَيْسَ فِي التَّوْرَاة أَنهم حِين جمعُوا المَال لعمل هَذِه الْقبَّة أجروا الإتفاق على يَد مُوسَى ﵇ فَلَمَّا كمل عَملهَا ادعوا عَلَيْهِ أَنه قد نقصهم من المَال ألف رَطْل وَسبع مائَة رَطْل وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ رطلا وَقَالُوا لمُوسَى تهكما بِهِ أَيْن نقص هَذَا المَال وَإِنَّمَا جرى الإتفاق على يَديك فَسَمِعُوا صَوتا من السَّمَاء يَقُول لَهُم إِن هَذَا الْعدَد دخل فِي رُؤُوس الأعمدة وَفِي التغشية فَحِينَئِذٍ كفوا عَنهُ فَهَؤُلَاءِ لم يعرفوا الله حق مَعْرفَته وَلَا قدروه حق قدره ﴿فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وَمن ذَلِك أَيْضا أَنهم ذكرُوا فِيهَا أَن الله قَالَ لَهُم أَن يضْربُوا الْقرن فِي عَسْكَرهمْ قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى يلْقوا عدوهم فَحِينَئِذٍ يضربونه بأشد مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ ليسمعهم الله فيؤيدهم على عدوهم فَكَأَنَّهُ لَا يسمع إِلَّا الْأَصْوَات الْعَالِيَة فَأَيْنَ هَذَا من وصف الله تَعَالَى نَفسه فِي كِتَابه على لِسَان نبيه وَرَسُوله حَيْثُ قَالَ ﴿وَإِن تجْهر بالْقَوْل فَإِنَّهُ يعلم السِّرّ وأخفى الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾
следующие страницы →