Полный текст (442 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ربكُم وَلَا تضَامون فِي رُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر أَو لم تنكرون أَن يكون الْمَسِيح الَّذِي كَانَ واسطا للوعظ أَن يكون هُوَ الْمقبل مَعَ الْمَلَائِكَة كَمَا قَالَ عَنهُ قرآنكم ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة وَقضي الْأَمر وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور﴾
الْجَواب عَمَّا ذكره
اعْلَم يَا هَذَا الْمُتَكَلف فِي بغيته المتعسف فِي تَأْوِيل دينه أَنَّك قلت فِي هَذَا الْفَصْل من الْبَاطِل وَالْكفْر مَالا حجَّة لَهُ وَلَا أصل خَالَفت فِيهِ دين النَّصَارَى الْمُتَقَدِّمين وَلم تعرج على مَذَاهِب القسيسين بل رغبت عَن مِلَّة أئمتك لل مطارين فَوَجَبَ على أهل ملتك أَن يعدوك فِي الخارجين وَمن الْجُهَّال المبتدعين
وَذَلِكَ أَنَّك زعمت أَن الَّذِي قَالَ لمُوسَى ﴿أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني﴾ إِنَّمَا كَانَ الصدى وَلم يكن الله تَعَالَى وَزَعَمت أَن مُوسَى اعْترف للصدى بالربوبية وَأَنه هُوَ الَّذِي كلم مُوسَى وإياه حَارب وَعنهُ تحمل الرسَالَة حَتَّى اتى فِرْعَوْن وَأَن ذَلِك الصدى قَامَ عِنْد مُوسَى مقَام خالقه فَسَماهُ إِلَهًا وَزَعَمت أَن مُوسَى سجد لذَلِك الصدى وَأَنه هُوَ الذى سَأَلَ مُوسَى رُؤْيَته وَلذَلِك زعمت أَن مُوسَى قَالَ للصدى تبت إِلَيْك وَأَنا أول للْمُؤْمِنين فَإِذا كَانَ للصدى فَلَا حَاجَة لمُوسَى وَلَا لأحد إِلَى الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لم يقل لَا إِلَه إِلَّا أَنا وَإِنَّمَا قَالَهَا الصدى والصدى صَادِق بزعمك فقد بطلت إلهية الله تَعَالَى وَثبتت الهية الصدى
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلم لَا تَعْبدُونَ هَذَا الصدى الَّذِي عَبده مُوسَى وَسجد لَهُ وَتَابَ لَهُ بعد أَن اعْترف بربوبيته وَمَا بَال حبقوق النَّبِي لم يعبد هَذَا الصدى كَمَا عَبده مُوسَى وَلم يذكرهُ وَلم يعْتَرف بربوبيته وَكَذَلِكَ مَا بَال حزقيال لم يعبد هَذَا الصدى كَمَا عَبده مُوسَى وَلم يذكرهُ وَلم يعْتَرف بربوبيته
وَكَذَلِكَ أشعياء وَيحيى وَعِيسَى وَغَيرهم من الْأَنْبِيَاء والحواريون مَا بالهم لم يعبدوا مَا عبد مُوسَى وَسجد لَهُ واعترف بربوبيته وَأَنه لَا رب سواهُ فَهَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء والأولياء أما أَن يَكُونُوا علمُوا أَنه إِلَه إِلَّا الصدى كَمَا قَالَ الصدى بزعمك أَو جهلوا ذَلِك فَإِن كَانُوا
стр. 72
علمُوا فلأي شَيْء لم يعترفوا بذلك وسكتوا عَنهُ إِذْ لم يَصح قطّ عَن وَاحِد مِنْهُم أَنه قَالَ لَا إِلَه لكم إِلَّا الصدى فليزمكم أَن يكون سكوتهم عَن ذَلِك أما عَن جحد أَو تلبيس فَإِن كَانُوا علمُوا الْحق فجحدوه فَذَلِك كفر مِنْهُم وهم صلى الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ مبرأون عَن ذَلِك منزهون وَلَو كَانَ ذَلِك لاستحال أَن يظْهر عَلَيْهِم من الْآيَات شَيْء مِمَّا ظهر وَإِن كَانَ سكوتهم عَن تلبيس فَإِن جَازَ عَلَيْهِم التلبيس فِي مثل هَذَا جَازَ عَلَيْهِم التلبيس فِي كل مَا أخبروا بِهِ من الشَّرَائِع إِذْ كل الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام تحتقره بِالْإِضَافَة إِلَى معرفَة الربوبية وَإِن كَانُوا جهلوا ذَلِك فَكيف علمت أَنْت يَا أَحمَق مَا جَهله الْأَنْبِيَاء والأولياء
فَإِن كَانُوا تكلمُوا بذلك وَقَالُوا بِهِ فَفِي أَي سفر من أسفار التَّوْرَاة هُوَ أَن مُوسَى أخبر أَن الله لَا إِلَه لَهُ وَلَا لكم إِلَّا الصدى وَأَن الصدى أرْسلهُ إِلَى فِرْعَوْن وَأَنه إِلَه فَإِن كَانَ مَا تدعيه حَقًا فَائت بِالتَّوْرَاةِ فاتلها إِن كنت من الصَّادِقين وَفِي أَي كتاب من كتب الْأَنْبِيَاء جَاءَ مثل ذَلِك أَفِي كتاب حبقوق أَو فِي كتاب حزقيال أَو فِي كتاب أشعياء أَو فِي كتاب دانيال أَو فِي إنجيل لوقا أَو فِي إنجيل متاؤوش أَو فِي إنجيل ماركش أَو فِي إنجيل يوحنا أَو فِي مصحف الإعلان أَو فِي أَي كتاب من رسائل الحواريين وجد مثل ذَلِك
هَل وَقع شَيْء مِنْهُ هُنَالك وَهَذِه الْكتب الَّتِي ترجعون إِلَيْهَا وتعولون عَلَيْهَا إِذا لم يُوجد فِيهَا شَيْء مِمَّا ذكرت علم من حالك أَنَّك على الله وَرُسُله كذبت وافتريت ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة ترى الَّذين كذبُوا على الله وُجُوههم مسودة أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للمتكبرين﴾
بل قد تواردت الرُّسُل على الْأَخْبَار بالقواطع الَّتِي لَا تجْهَل بِأَن الله إِلَه وَاحِد وَأَنه لَيْسَ لَهُ فِي ألوهيته شَبيه وَلَا مضاد وَإِذا تبين بِهَذَا أَنَّك كفرت وَأَن الله رَبك سببت وعَلى رسله كذبت وَأَنَّك من جَمِيع الْملَل خرجت تعين على الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَن يشتوروا فِي أَمرك ويأتمروا فِي حرقك أَو نحرك ﴿ولعذاب الْآخِرَة أشق وَمَا لَهُم من الله من واق﴾
стр. 73
ثمَّ نقُول هَذَا الصدى الَّذِي وصفت وَهُوَ إِلَه عنْدك كَمَا زعمت أهوَ الله تَعَالَى رب الْعَالمين وخالق السَّمَوَات وَالْأَرضين أم إِلَه غَيره فَإِن كَانَ هُوَ الله تَعَالَى فَلم سميته الصدى وَلم جعلته واسطا بَين نَفسه وَبَين خلقه وَهل هَذَا إِلَّا محَال فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر فِي الْعقل وَاسِط لَا بَين إثنين وَيكون الواسط ثَالِثا
ثمَّ يلزمك على هَذَا أَن تجْعَل ذَات الْبَارِي الرب تَعَالَى صَوتا حَادِثا فَإِن ذَلِك الصدى عنْدكُمْ حَادث وَهَذَا كُله محَال بضرورة الْعقل وَإِن قلت أَنه غَيره فَيلْزم أَن يكون ذَلِك الصدى هُوَ الْمُتَكَلّم عَن نَفسه والمخبر بحقيقته فَإِذا سَمعه مُوسَى يَقُول أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فَأَما أَن يخبر عَن نَفسه أَو عَن رب الْعَالمين فَإِن أخبر عَن نَفسه فَهُوَ كَاذِب فَإِن الرب تَعَالَى يكون إِلَهًا آخر وَإِن أخبر عَن الرب فلأي شَيْء قلت أَنه إِلَه وَأَن مُوسَى اعْترف لَهُ بالربوبية وَسجد لَهُ بل الْإِلَه الْحق رب الْعَالمين والصدى لَيْسَ بإله وَلَا رب
فقولك اعْترف مُوسَى بربوبيته وَعَبده بَاطِل بِالضَّرُورَةِ ثمَّ نقُول هَب أَن ذَلِك الصدى هُوَ الْمُتَكَلّم عَن الله وَأَنه إِلَه فَهَل يقدر الله تَعَالَى على ان يتَكَلَّم ويخبر عَن إِرَادَته بِغَيْر ذَلِك الصدى فَإِن قُلْتُمْ لَا فَذَلِك تعجيز لله تَعَالَى وَهُوَ الْقَادِر على كل شَيْء وَيلْزم عَلَيْهِ أَيْضا أَن يكون مُحْتَاجا لذَلِك الصدى وكل من كَانَ مُحْتَاجا فَهُوَ نَاقص معيب وَلَيْسَ بغنى وَالله تَعَالَى هُوَ الْغنى عَن كل الموجودات وَلَيْسَ لشَيْء من الموجودات عَنهُ غنى وَإِن كَانَ قَادِرًا على أَن يسمع كَلَامه بِغَيْر وَاسِطَة فَلَعَلَّ مُوسَى سَمعه بِغَيْر وَاسِطَة وَإِذا جَازَ أَن تسْقط الْوَاسِطَة أنهدم كل مَا رمت بناءه على أَنا قد كُنَّا هدمناه أَولا فِي أوحى لَحْظَة بأيسر نفخة وَإِنَّمَا أردنَا أَن نبين لَك وَلكُل من وقف على كلامك بعض مَا يلزمك وَأَنت لم تشعر بِشَيْء من ذَلِك وَلَوْلَا خشيَة التَّطْوِيل لأوردت عَلَيْك من النقوض واللوازم مَا يتعجب مِنْهُ كل حبر نبيل
ثمَّ نقُول هَب أَنا نسلم جدلا أَن الله تَعَالَى تكلم مَعَ مُوسَى بِوَاسِطَة الصدى فَلم قلت أَن عِيسَى مثل الصدى أعنى أَنه وَاسِطَة كَمَا أَن ذَلِك الصدى وَاسِطَة وَمَا الَّذِي دلك على ذَلِك ولأي شَيْء سويت بَينهمَا وَالْفرق بَينهمَا ظَاهر وَذَلِكَ أَن الصدى الَّذِي زعمت أَن مُوسَى سَمعه إِنَّمَا سَمعه مُوسَى بعد أَن احتجت لَهُ بالنَّار كَمَا زعمت وَالنَّار جماد
стр. 74
وَإِذا قَامَ بالجماد صَوت يفهم مِنْهُ أَنا لله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فَيمكن أَن يعقل هُنَا غالط مثلك أَن الْمُتَكَلّم بذلك الصَّوْت أما غير الجماد لِاسْتِحَالَة الإلهية عَن الجماد وَأما حَيَوَان مُمكن أَن يتَوَهَّم فِيهِ أَنه إِلَه كَمَا توهمتم أَنْتُم فِي ذَلِك وَلَا يَصح ذَلِك فِي الله لِأَنَّهُ إِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا أَنا فَعَن نَفسه يخبر وَإِلَيْهِ يرجع حكم خَبره بِخِلَاف الجماد فَكيف قست أحد الواسطين على الآخر وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهُ وَلَو أردنَا تَطْوِيل الْكَلَام لذكرنا فروقا أخر تمنع مقايسة النَّار بالبشر
وَأما قَوْلك إِن عِيسَى عَليّ السَّلَام قَالَ أَنا الله وَأَن الحواريين صدقوه فِي ذَلِك فكذب صراح وافك بواح فَإِنَّهُ لم يرووا عَنهُ ﵇ فِي ذَلِك أَقْوَال بِوَجْه صَحِيح وَلَا بِنَصّ صَرِيح بل الَّذِي صَحَّ مِنْهُ وَنقل بالتواتر عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول اعبدوا الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وأناجيلكم تشهد بذلك عَلَيْكُم
ثمَّ نقُول لَو ثَبت أَن عِيسَى قَالَ ذَلِك اللَّفْظ بِعَيْنِه فَمن الْمُمكن سوغ حمله على محمل قويم فِي الْعُقُول غير مُخَالف للمنقول وَهُوَ أَن عِيسَى ﵇ كَانَ محبا لله تَعَالَى مشتهرا فِي محبته وَمن عَادَة المشغوف بِشَيْء المشتهر بِهِ أَن يستحضر ذَلِك الشَّيْء المشتهر فِيهِ فِي قلب ويجعله نصب عَيْنَيْهِ حَتَّى لَا يُلَاحظ شَيْئا سواهُ بل رُبمَا ينتهى ذَلِك بِهِ إِلَى أَن يذهل عَن نَفسه ويغيب عَن حسه فَفِي مثل تِلْكَ الْحَالة يظنّ المشتهر أَن الشَّيْء الَّذِي شغف بِهِ هُوَ هُوَ حَتَّى يَقُول ... أَنا من أَهْوى
وَمن أَهْوى أَنا ...
وَكَذَلِكَ قَالَ الآخر ... فَكل شَيْء رَآهُ ظَنّه قدحا
وكل شخص رَآهُ ظَنّه الساقي ...
وَكَذَلِكَ عِيسَى ﵇ لما انْكَشَفَ لَهُ من سُلْطَان الْحَقِيقَة أَمر مَا غَابَ عَن نَفسه وفنى عَن حسه لما شَاهد من جمال الربوبية والحضرة الإلهية فذهل عَن كل مَا سوى الله فَقَالَ أَنا الله وَهَذِه أُمُور عَجِيبَة وأذواق غَرِيبَة لَا يُدْرِكهَا إِلَّا من اخْتَارَهُ الله من خلقه واصطفاه بِحَضْرَتِهِ
ف لَيْسَ بعشك فادرج
стр. 75
وَأما قَوْلك لنا قد أوجبتم أَن الخليقة لَا تدْرك الْخَالِق إِلَّا بجسم مَخْلُوق تتخذه وتجعله وَاسِطَة بَينه وَبَين من خَاطب من الْأَنْبِيَاء فَقَوْل بَاطِل علينا فَاسد لدينا فَأَنا قد أحلنا تِلْكَ الْوَاسِطَة فِيمَا تقدم بِوُجُوه مُتعَدِّدَة وَقد حكمنَا بتكفير من أثبت واسطا على نَحْو مَا زعمت وَلَا أعلم أَن أحدا من الْمُسلمين قَالَ شَيْئا من ذَلِك بل وَلَا من أهل الْملَل غَيْرك
ثمَّ نقُول هَذَا الواسط الَّذِي زعمت لَا يَخْلُو أَن يدْرك الله تَعَالَى أعنى يعرفهُ وَيسمع كَلَامه أَو لَا يدْرك فَإِن قُلْتُمْ لَا يدْرك فقد شهدتم على أَنفسكُم أَن الواسط لَيْسَ بِاللَّه اذ الاله لَا بُد أَن يكون دراكا ويلزمكم على ذَلِك أَن يكون عِيسَى لَا يعرف الله تَعَالَى وَلَا يسمع كَلَامه وَهُوَ محَال
وَإِن قُلْتُمْ أَنه يدْرك الله تَعَالَى فَهَل يُدْرِكهُ بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة فَإِن أدْركهُ بِوَاسِطَة أُخْرَى فَالْكَلَام فِي تِلْكَ الْوَاسِطَة كَالْكَلَامِ فِي الأولى وَيلْزم التسلسل وَإِن أدْركهُ بِغَيْر وَاسِطَة فَيجوز لنا نَحن أَن ندركه بِغَيْر وَاسِطَة وَفِي هَذَا إبِْطَال مَا ذكرت من إِثْبَات الْوَاسِطَة الَّذِي ذكرت أَن الْمُسلم قد اضْطر إِلَيْهِ
وَأما قَوْلك إِنَّمَا أوجبتم علينا الشّرك فِي قَوْلنَا بِوَاسِطَة فَإِذن الْحق وَالْعقل لَا يعيب الواسط فلنعلم أَنا لم نوجب عَلَيْك الشّرك من حَيْثُ الواسط فَقَط بل من حَيْثُ أثبت واسطا إلهيا وَذَلِكَ أَنَّك زعمت أَن الصدى قَالَ لمُوسَى مخبرا عَن نَفسه أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني واعترف لَهُ مُوسَى بالربوبية وَتحمل عَنهُ الرسَالَة وَعَبده وسجده لَهُ فَهَذَا إِثْبَات إِلَه غير الله وَكَذَلِكَ قُلْتُمْ فِي الْمَسِيح أَنه قَالَ أَنا الله واعترف الحواريون لَهُ بالربوبية فهذان الهان ثمَّ إِن الأقانيم ثَلَاثَة آلِهَة فَصَارَت آلِهَتكُم خَمْسَة فيا لَيْت شعري هَذِه الْآلهَة الْخَمْسَة هَل اشْتَركُوا فِي إِيجَاد الموجودات واختراع الكائنات أَو انْفَرد بهَا أحدهم فَإِن كَانَ قد انْفَرد بهَا أحدهم فَهُوَ الْإِلَه الْحق الْوَاحِد الْفَرد وَإِن كَانُوا قد اشْتَركُوا وتعاونوا على خلق الْمَخْلُوقَات فَلَا معنى للشرك إِلَّا هَذَا وَيلْزم على تَقْدِير إجتماعهم وتوافقهم على الْخلق أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُم مُضْطَرّا إِلَى مساعدة الآخر وكل مُضْطَر نَاقص والناقص لَيْسَ بااله وَإِن قَدرنَا اخْتلَافهمْ فِي الْخلق بِحَيْثُ يُرِيد أحدهم أَن يخلق وَيُرِيد الآخر أَن لَا يخلق فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى أَن لَا يخلق أحدهم
стр. 76
شَيْئا فَلَا يُوجد الْخلق وَقد وجد الْخلق فَدلَّ ذَلِك على أَن الْإِلَه وَاحِد لَا شريك لَهُ وَلَا إِلَه غَيره
ثمَّ نقُول عباد الْأَصْنَام والأوثان أشبه حَالا مِنْكُم لأَنهم فِي عباداتهم إِنَّمَا كَانُوا يعْبدُونَ أصنامهم ليقربوهم إِلَى الله زلفى وَأَنْتُم إِنَّمَا تَعْبدُونَ هَذِه الآلهه لِأَنَّهَا أَرْبَاب من دون الله متقربون مِنْهَا وَهَذِه جهالات بَيِّنَة وضلالات ظَاهِرَة عميت عَنْهَا بصائركم فأفطرت عَلَيْهَا قُلُوبكُمْ وأعجب من ذَلِك لكه قَوْلك الْعقل وَالْحق لَا يعيب الواسط أما من قَالَ هَذَا فقد خرج عَن غريزة الْعقل وَتارَة وَقع فِي مفازة الْجَهْل فَإِن الْعقل الصَّرِيح يشْهد بضرورته بِإِبْطَال الْوَاسِطَة وَأما الْحق فَهَذِهِ كتب الْأَنْبِيَاء بَين أَيْدِينَا وَأَيْدِيكُمْ فَفِي أَي كتاب مِنْهَا أَن الْآلهَة خَمْسَة أَنَّهَا تدل كلهَا على أَن الْإِلَه وَاحِد وَلَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد ﴿وَمَا يَنْبَغِي للرحمن أَن يتَّخذ ولدا إِن كل من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا﴾ وستقدم فتعلم وَأَنت قد اضْطَرَبَتْ فِي هَذَا الْفَصْل وَلم يثبت لَك فِيهِ فرع وَلَا أصل وَالْكثير مَعَ من لَا يعقل عمل من لَا يحصل
وَأما قَوْلك وَأَنْتُم لما أوجبتم أَن الْأمة تحاسب بعملها يَوْم الْقِيَامَة أَن محاسبها يخاطبها يَوْم الْقِيَامَة ويكافئها بأعمالها فقد كَانَ يَنْبَغِي لَك أَلا تحتج بِشَيْء لم يثبت عنْدك أَصله وَلَا تصدق بنقله ثمَّ لَا حجَّة لَك فِي شَيْء مِمَّا ذكرته وَذَلِكَ أَن محاسبة الله تَعَالَى للعباد فِي الدَّار الْآخِرَة مِمَّا يجب الْإِيمَان بهَا وَمِمَّا قد تواردت عَلَيْهِ الشَّرَائِع أما بالتصريح وَإِمَّا بالإيماءات والتلويح
وَذَلِكَ يكون ولابد وَلأَجل مجازاة الْعباد بأعمالهم فِي الدَّار الْآخِرَة خلق الله الْخلق وَبسط الرزق وَأرْسل الرُّسُل وَأنزل الْكتب ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون﴾ ومحاسبة الله لِلْخلقِ تكون على وُجُوه جَائِزَة فِي الْعقل وَإِرَادَة فِي النَّقْل لَا تحْتَاج إِلَى شَيْء مِمَّا تخيلته
مِنْهَا أَن العَبْد يُوقف فِي مَوضِع الْفَصْل وَالْقَضَاء فَيعْطى كتابا أحصيت فِيهِ أَعماله وَيُقَال لَهُ ﴿اقْرَأ كتابك كفى بِنَفْسِك الْيَوْم عَلَيْك حسيبا﴾
стр. 77
فَإِذا وقف عَلَيْهَا علم أَن الْمَكْتُوب فِيهَا هُوَ أَعماله فَإِن كَانَ سعيدا قَالَ ﴿هاؤم اقرؤوا كِتَابيه إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي ملاق حسابيه فَهُوَ فِي عيشة راضية فِي جنَّة عالية قطوفها دانية﴾ فَعِنْدَ ذَلِك يُقَال لَهُم ﴿كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أسلفتم فِي الْأَيَّام الخالية﴾ وَإِن كَانَ شقيا فَيَقُول ﴿يَا لَيْتَني لم أوت كِتَابيه وَلم أدر مَا حسابيه يَا ليتها كَانَت القاضية مَا أغْنى عني ماليه هلك عني سلطانيه﴾
عِنْد ذَلِك يُقَال للْمَلَائكَة ﴿خذوه فغلوه ثمَّ الْجَحِيم صلوه ثمَّ فِي سلسلة ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا فاسلكوه﴾
فَهَذَا وَجه من وُجُوه المحاسبة لَا تحْتَاج مَعَه إِلَى إِثْبَات وَاسِط وَيُمكن أَن يكون هُنَالك وُجُوه مُمكنَة فِي المحاسبة لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهَا وَلَا أَنْت أهل لفهمها لَا تحْتَاج فِي شَيْء مِنْهَا إِلَى مَا رمت من الْوَاسِطَة فَكَأَنِّي وَالله بك إِن مت على مَا أَنْت عَلَيْهِ يُؤْخَذ بناصيتك وقدمك وتحيط بك مَلَائِكَة رَبك ﴿مَلَائِكَة غِلَاظ شَدَّاد لَا يعصون الله مَا أَمرهم ويفعلون مَا يؤمرون﴾
فتنادى فَتَقول يَا عِيسَى يَا سَيِّدي يَا إلهى يَا ولد الله
فَيَقُول لَك كذبت مَا اتخذ الله من صَاحِبَة وَلَا ولد وَلست باإله وَلم أقل لَك كَذَلِك وَلَا أبلغتك ذَلِك وَإِنَّمَا بلغتك أَن لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده لَا شريك لَهُ فَكيف ترى خجلتك بَين يَدَيْهِ وحيرتك إِذا طلبت فِي نَفسك جَوَابا ترده عَلَيْهِ فَذَلِك الْمقَام لَا ينفعك فِيهِ ملك مقرب وَلَا نبى مُرْسل إِلَّا مَا قدمت يداك من حسن إِيمَان وَصَالح عمل وسعادة قَضَت لَك بهَا سَابِقَة الْأَزَل
فَإِن الْمَلَائِكَة والنبيين لَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى رب الْعَالمين
فَالله الله انْظُر فِي خلاص نَفسك لتجتني ثمار غرسك
وَأما قَوْلك يَقُول قرآنكم ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾
стр. 78
فلست لَهَا فَمَا شَأْنك وَإِيَّاهَا أَنْت لَا تعرف لِسَان من خُوطِبَ بهَا وَلَا تعرف مضمونها فَكيف يمكنك الإستدلال بهَا والتطواف حولهَا وَأَنت عرى عَن الشَّرْط الَّذِي بِهِ يعرف مَعْنَاهَا وَيفهم فحواها وَلَيْسَ مفهومها عِنْد من خُوطِبَ بهَا من الْعَرَب الفصحاء البلغاء على شَيْء مِمَّا ذكرت وَلَا يقرب مِمَّا توهمت بل مَعْنَاهَا عِنْدهم لَا تخَالفه الْعُقُول وَلَا يخرج عَن أسلوب لِسَان الْعَرَب الْمَنْقُول وَإِنَّمَا أكره أَن أشافهك بِهِ لِأَنَّك فَاقِد شَرطه فَإِن كنت مِمَّن ينور الله بصيرته وَيحسن سَرِيرَته شرعت فِي أَن تتعلم وَيجب علينا أَن نفهمك حَتَّى إِن شَاءَ الله تفهم
وَأما قَوْلك فِي الْإِنْجِيل يقْعد ابْن الْإِنْسَان فِي مجْلِس عَظمته وَتقدم جَمِيع الْأُمَم بَين يَدَيْهِ ويميزهم كَمَا يُمَيّز الرَّاعِي الْغنم فَنَقُول آمنا بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَمَعَ ذَلِك فنعلم على الْقطع والثباب أَن كل أمة تدعى يَوْم الْقِيَامَة بإمامها وتنادي بمعبودها وأنبيائها فَيتبع كل من كَانَ يعبد الشَّمْس الشَّمْس وَيتبع كل من كَانَ يعبد الطواغيت الطواغيت
وَإِذا كَانَ ذَلِك فَلَا بُد لعيسى أَن يجمع لَهُ كلا من لزمَه اتِّبَاع شَرعه فَحِينَئِذٍ يميزهم كَمَا يُمَيّز الرَّاعِي الْغنم فَمن آمن بِهِ وانتبه على النَّحْو الَّذِي رسم لَهُ فَهُوَ من الفائزين وَمن اعْتقد فِيهِ أَنه إِلَه أَو ابْن إِلَه فَالنَّار مَأْوَاه بعد أَن يتبرأ عِيسَى من دَعْوَاهُ
وَأما قَوْلك وَإِذا أوجبتم أَن الله لَا مفطور وَلَا مدرك بحاسة فقد وَجب أَن المحاسب المسموع مدرك بالحواس فَهَذَا لَا يلْزم مِنْهُ شَيْء مِمَّا ذكرت فَأَنا إِذا قُلْنَا أَن الله تَعَالَى لَيْسَ مدْركا بالحواس فَإِنَّمَا نُرِيد بِهِ أَن الله لَيْسَ مدْركا بالحواس كَمَا تدْرك الْأَجْسَام والألوان فَيكون محاطا بِهِ فَيكون ذَا حُدُود وأقطار وَذَلِكَ محَال
وَإِذا قُلْنَا إِن الله تَعَالَى يرى فِي الدَّار الْآخِرَة إِنَّمَا نُرِيد بِهِ أَن الله تَعَالَى يخلق لنا إدراكا آخر لَا تناسب حَاله حَالَة إِدْرَاك الْأَجْسَام وَلَا الألوان فَإِن الإدراكات مُخْتَلفَة باخْتلَاف متعلقاتها وَذَلِكَ إِدْرَاك خَاص لَهُ حكم نَفسه لم يذقْ مِنْهُ ذوقا فِي هَذِه الدَّار فَإِنَّهُ إِنَّمَا يكرم الله بِهِ أولياءه وأصفياءه يَوْم الْقِيَامَة
стр. 79
وَإِذا أنعم الله تَعَالَى على وليه بذلك الْإِدْرَاك الْمعبر عَنهُ بِالرُّؤْيَةِ خلق لَهُ من اللَّذَّة مَالا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر فَإِن أنْكرت أَن يرى مَا لَيْسَ بجسم وَلَا لون فلتنكر أَن يعلم مَوْجُودا لَيْسَ بجسم وَلَا عرض وَإِن زعمت أَن الرُّؤْيَة غير جَائِزَة عقلا فقد جهلت مُوسَى حَيْثُ سَأَلَ الله مَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ فَكيف جهل مُوسَى من وصف الله مَا علمه جَاهِل مثلك
وَأما استشهادك بِحَدِيث نَبينَا ﵇ على رُؤْيَة ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام فَأَنت مَمْنُوع مِنْهُ لاعراضك عَنهُ وَهُوَ من عمدنا على إِثْبَات رُؤْيَة الله تَعَالَى فِي الدَّار الْآخِرَة لكوننا عَالمين بِحقِّهِ وَدَلِيل صدقه
ثمَّ إِنَّك نقلت ذَلِك الحَدِيث فأجحفت وبالمعنى أخللت وَإِنَّمَا صَوَابه إِنَّكُم ترَوْنَ ربكُم وَلَا تضاهون فِي رُؤْيَته إِلَّا كَمَا تضاهون فِي رُؤِيَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَهَذَا لَا حجَّة لَك فِيهِ فَأَنا نقُول إِن الله تَعَالَى هُوَ المرئى لَا غَيره بالأبصار فِي الدَّار الْآخِرَة على مَا تقدم وَأَنْتُم تَقولُونَ إِن المرئى الْوَاسِطَة وَهَذَا الحَدِيث يعرف مَعَانِيه أَهله وهم الَّذين يصدقون برسالة من هُوَ قَوْله فَلَا تطمع فِي مَعْرفَته فَإنَّك لست أَهلا لداريته
وَأما قَوْلك لم تنكرون أَن يكون الْمَسِيح الَّذِي كَانَ واسطا للوعظ أَن يكون هُوَ الْمقبل مَعَ الْمَلَائِكَة كَمَا قَالَ عَنهُ قرآنكم ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾ فَكيف لَا ننكر ذَلِك وَلم يدل على وُقُوعه دَلِيل عقل وَلَا صَحِيح نقل وَلَيْسَ معنى الْإِتْيَان فِي هَذِه الْآيَة إِلَّا كالمجيء فِي الْآيَة الْمُتَقَدّمَة وَكِلَاهُمَا لَيْسَ المُرَاد بِهِ الْمَجِيء الَّذِي هُوَ نقل الْأَقْدَام بل الْمَجِيء والإتيان لَهما معَان أخر يعرفهَا الْعَرَب الْمُؤْمِنُونَ
وَهَذِه الْآيَة فِيهَا مَحْذُوف تفسره آيَة أُخْرَى تَقْدِيره هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم أَمر الله كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن تأتيهم الْمَلَائِكَة أَو يَأْتِي أَمر رَبك﴾ فقد ذكر فِي هَذِه الْآيَة مَا حذف هُنَالك وَهَذَا على الْمَعْرُوف فِي لِسَان الْعَرَب من حذف الْمُضَاف
стр. 80
وَإِقَامَة الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه وَكَذَلِكَ الْكَلَام على الْآيَة الأولى وَهَذَا لَا خَفَاء بِهِ عِنْد الْبَصِير بِلِسَان الْعَرَب فَإِنَّهَا تسْتَعْمل الْحَذف والإضمار وَالْمجَاز والإختصار ثمَّ مَالك ولكتابنا ولأي شَيْء تنشد ضالتنا دعها مَعهَا حذاؤها وسقاؤها ترد المَاء وتأكل الشّجر حَتَّى يلقاها رَبهَا ... ألق السِّلَاح فلست من أكفائنا
واقعد مَكَانك بالحضيض الْأَسْفَل ...
ثمَّ نقُول من عَجِيب أَمر هَذَا السَّائِل أَنه لَا يصلح أَن ينْسب لمقلد وَلَا ناقل وَذَلِكَ أَن هَذَا الْمَذْهَب الَّذِي أبداه من اتِّخَاذ الله وَاسِطَة صَوت الصدى إِنَّمَا حمله عَلَيْهِ تَقْلِيده لكتاب أغشتين
وَذَلِكَ أَنه أَشَارَ فِي مصحف الْعَالم الْكَائِن إِلَى نَحْو مِمَّا ذكره هَذَا السَّائِل وَلَعَلَّه وقف عَلَيْهِ وَلم يفهمهُ صَحِيحا وَلَا أوردهُ فصيحا بل زَاد عَلَيْهِ كلَاما فَاحِشا قبيحا وَأَنا إِن شَاءَ الله تَعَالَى أذكر كَلَام أغشتين فِي الْفَصْل الَّذِي بعد هَذَا وَأبين فِيهِ أَنه لَيْسَ كَمَا فهمه هَذَا السَّائِل ثمَّ أعطف على أغشتين بتبيين فَسَاد مذْهبه وأوضح أَنه غير مُصِيب فِي مطلبه وأحقق فِيهِ أَن أغشتين مُخَالف لغيره من القسيسين
стр. 81
الْفَصْل الْخَامِس
فِي حِكَايَة كَلَام الْمُتَقَدِّمين
لتعلم أَيهَا النَّاظر فِي هَذَا الْبَاب أَن النَّصَارَى قد كثر اخْتلَافهمْ وَعظم خبطهم وإرتباكهم فَلَا هم يستقرون فِيهِ على قدم وَلَا يَمْشُونَ مِنْهُ على طَرِيق أُمَم فقليل مِنْهُم من نفى الإتحاد والحلول وَلم يقل بِشَيْء من ذَلِك وهم طَائِفَة مُتَقَدّمَة يعْرفُونَ ب الأرؤسية وَلَا يكَاد مَذْهَبهم يُخَالف مَذْهَب الْمُسلمين إِلَّا فِي إنكارهم نبوة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ
وجمهورهم على القَوْل بِهِ وإثباته
ثمَّ المثبتون لَهُ مِنْهُم من قَالَ لَا يُقَال فِيهِ ب كَيفَ وَلَا يسْأَل عَنهُ بِحرف وَمِنْهُم من شرع فِي بَيَان كيفيته وَتَفْسِير ماهيته فَصَارَت اليعقوبية والنسطورية إِلَى أَن الْكَلِمَة خالطت جَسَد الْمَسِيح ومازجته كَمَا يمازج الْخمر اللَّبن والى نَحْو هَذَا ذهب الرّوم وزادو عَلَيْهِم فَقَالُوا اخْتلطت الْكَلِمَة بالمسيح فصارا شَيْئا وَاحِدًا
وَلَقَد حكى من كَلَام اليعقوبية مَا يدل على توقحهم وجرأتهم على الله تَعَالَى وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا إِن الله نزل فَدخل فِي بطن مَرْيَم فَاتخذ من لَحمهَا جسدا فَصَارَ الله مَعَ الْجَسَد نفسا وَاحِدًا
وَرُبمَا أطلق بَعضهم القَوْل بِأَن الله اتخذ ذَلِك اللَّحْم وَالدَّم فزاده فِي نَفسه فَصَارَ ذَلِك اللَّحْم الله وَصَارَ مُعظم اليعاقبة إِلَى أَن الْكَلِمَة انقلبت لَحْمًا ودما
وَأما النسطورية فَقَالُوا لَيست تِلْكَ النَّفس هِيَ الله وَإِنَّمَا هِيَ بعضه وَهَذَا هُوَ الْبُهْتَان الَّذِي يعلم بُطْلَانه بِالضَّرُورَةِ كل إِنْسَان
وَصَارَت طَائِفَة من النَّصَارَى إِلَى أَن الْكَلِمَة حلت جَسَد الْمَسِيح كَمَا يحل الْعرض مَحَله وَصَارَ أخلاط من النَّصَارَى إِلَى أَن المُرَاد
стр. 82
بالإتحاد ظُهُور اللاهوت على الناسوت وَرُبمَا عبروا لَهُ عَن ذَلِك بالفيض
ثمَّ اخْتلفُوا فِي تَمْثِيل ذَلِك على ثَلَاثَة أوجه فَمنهمْ من قَالَ مِثَاله مَا ينطبع فِي الْأَجْسَام الصقلية من الْأَشْيَاء الَّتِي تقَابلهَا وَمِنْهُم من قَالَ مِثَاله الطابع المنقوش إِذا اتَّصل بشمع وَمَا يضاهيه فَيظْهر نقش الطابع عَلَيْهِ وَإِن لم يحله شَيْء من الطابع وَمِنْهُم من قَالَ معنى ظُهُور اللاهوت على الْمَسِيح كمعنى اسْتِوَاء الْإِلَه على الْعَرْش عِنْد الإسلاميين مَعَ مصيرهم إِلَى اسْتِحَالَة المماسة
وَرُبمَا يعبرون عَن الإتحاد بالتدرع كَأَنَّهُمْ أخذُوا ذَلِك من لفظ الدرْع يشيرون إِلَى أَنا اللاهوت اتخذ ناسوت الْمَسِيح درعا
هَذِه مَذَاهِب المشتهرين من طوائفهم
وَأما اخْتِلَاف آحادهم فمما لَا يكَاد يَنْضَبِط وَلَا يرتبط وَمن أَرَادَ الْوُقُوف على شَيْء من ذَلِك فليطالع كتاب الْمسَائِل لَهُم فَفِيهِ يرى تحيرهم وخبطهم
ونفرد بعد هَذَا إِن شَاءَ الله بَابا نذْكر فِيهِ كَلَام أغشتين فَإِن مذْهبه فِي الإتحاد مُخَالف لمَذْهَب من تقدم ذكره من الْفرق والقسيسين
الْجَواب عَن كَلَامهم
أما من حكى عَنهُ نفى الإتحاد فقد قَالَ بِالْحَقِّ وأتى بالمراد
وَأما من أثْبته وَقَالَ إِن الإتحاد لَا يسْأَل عَنهُ وَلَا يكيف فَنَقُول معنى الإتحاد لَا يَخْلُو أَن تعرفه أَو لَا تعرفه فَإِن لم يعرفهُ فقد اعْترف بجهله وناقض مُتَقَدم قَوْله فَإِنَّهُ اعْترف بالإتحاد وَادّعى ثُبُوته للمسيح وَحده ثمَّ لما طُولِبَ بتثبيته قَالَ لَا أعرفهُ وَهَذَا تنَاقض وَقَول بَاطِل وَأما من قَالَ أعرفهُ إِلَّا أنني يقصر عَن إِدْرَاك حَقِيقَته عقلى وَلَا أقدر على الْعبارَة عَنهُ وَهَذَا كَمَا قُلْتُمْ أَنْتُم فِي جوابكم عَن كَيْفيَّة سَماع مُوسَى كَلَام الله تَعَالَى حَيْثُ قُلْتُمْ أَنه لَا يسْأَل عَنهُ بكيف فَإِنَّهُ ظلم وحيف فَنَقُول أما قَوْلك أعرفهُ إِلَّا أَنه يقصر عقلى
стр. 83
عَن إِدْرَاك حَقِيقَته فمتناقض أَيْضا لِأَن كل مَعْرُوف لَا بُد أَن يرتسم فِي الْعقل وَيحصل فِيهِ على الْوَجْه الَّذِي يكون مَعْرُوفا مِنْهُ فَأَما على الْجُمْلَة وَأما على التَّفْصِيل وَمَا لم يرتسم فِي الْعقل لَا جملَة وَلَا تَفْصِيلًا فَلَيْسَ بِمَعْلُوم وَأَنت إِذا ادعيت أَنَّك عَالم بالإتحاد فَلَا بُد أَن تكون عَالما بِهِ أما على الْجُمْلَة أَو على التَّفْصِيل وكيفما كَانَ فَلَا بُد لَك من أَن تعبر عَن معلومك على أَي وَجه كَانَ وَإِلَّا فَأَنت جَاهِل بالإتحاد وَمن جَهله كَافِر عنْدكُمْ وَأما تشبيهك هَذَا بكيفية سَماع مُوسَى فَلَيْسَ بِصَحِيح لأَنا مهما قيل لنا كَيفَ سمع مُوسَى كَلَام الله فَإِنَّمَا نسْأَل عَن أَمر لم نعلمهُ علم ذوق وَعَن تَفْصِيل مَا لم نعلمهُ تَفْصِيلًا بل علمناه على الْجُمْلَة
وَلذَلِك أجبنا بقولنَا إِن الله تَعَالَى خلق لَهُ إدراكا سمع بِهِ كَلَام الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ وَصفه الَّذِي لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت ففهمنا الْإِدْرَاك على الْجُمْلَة وَلم نفهمه على التَّفْصِيل وَأَنت لم تعرف الإتحاد جملَة وَلَا تَفْصِيلًا بل جهلت وادعيت أَنَّك علمت
ف ﴿هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾
وَأما من قَالَ إِن الْكَلِمَة خالطت جسم الْمَسِيح ومازجته ممازجة الْخمر اللَّبن فَكَلَام فَاسد قَائِله لِلْعَقْلِ فَاقِد وَذَلِكَ أَن الْمَفْهُوم من المخالطة والممازجة لَا يتَصَوَّر إِلَّا فِي الْجَوَاهِر المتحدات وَذَلِكَ ان المخالطة إِنَّمَا يعبر بهَا عَن تجاور الْجَوَاهِر وإجتماعها بِحَيْثُ يكون كل وَاحِد من الْجَوَاهِر المتمازجة يحفظ حيزه ويشغله وَيمْنَع مِنْهُ غَيره
وَلذَلِك إِذا أفرغت إِنَاء مَاء على إِنَاء لبن مثلا وتمازجا كثر اللَّبن وَصَارَ لَا يَسعهُ بعد الممازجة مَا كَانَ وَالْعلم لَيْسَ بجوهر فاستحال عَلَيْهِ الإختلاط والإمتزاج بِالضَّرُورَةِ
فَإِن أَرَادوا بالإمتزاج والإختلاط أمرا آخر فَلَا بُد من بَيَانه وإفادة تصَوره وَلَا يتَكَلَّم على الشَّيْء ردا وقبولا إِلَّا بعد كَونه معقولا وَلَو سلمنَا الممازجة جدلا للَزِمَ عَلَيْهَا أَنْوَاع من المحالات مِنْهَا قيام الصّفة بِنَفسِهَا وانتقالها وَبَقَاء جَوْهَر الله تَعَالَى عريا عَنْهَا على قَوْلهم والعرى عَن الْعلم جَاهِل وَالْجهل على الله محَال وَيلْزم على
стр. 84
ذَلِك أَن لَا يكون الْعلم أزليا بل حَادِثا مخلوقا وَأَن حَاله تَغَيَّرت وَبعد أَن لم يكن مختلطا ممتزجا مختلطا
وَهَذَانِ أَمْرَانِ حادثان وَلَا يَخْلُو عَن أَحدهَا وَمَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث حَادث على مَا يعرف فِي مَوْضِعه وَهَذِه أُمُور بَاطِلَة فالمفضى إِلَيْهَا بَاطِل وَهُوَ الإختلاط
وَأما من قَالَ بالحلول فَلَيْسَ لَهُ محصول وَلَا مَعْقُول لِأَن حَقِيقَة الْحُلُول إِنَّمَا هِيَ أَن يحصل جسم أَو متحيز فِي شَيْء أَو على شَيْء فيسمى الْحَاصِل حَالا والمحصول فِيهِ يُسمى محلا وَتسَمى النِّسْبَة بَينهمَا حلولا وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه النَّحْوِيّ مصدرا هَذَا هُوَ الْمَفْهُوم من حَقِيقَة الْحُلُول
وَقد يتوسع فِيهِ فَيُقَال حل العرضفي فِي مَحَله وَمَعْنَاهُ صَار الْمحل متصفا بِهِ وَصَارَ الْعرض قَائِما بِهِ وموجودا فِيهِ
فَإِن أردتم حَقِيقَة الْحُلُول كَانَ محالا فَإِن الْعلم لَيْسَ بجسم وَلَا جَوْهَر على مامر
وَإِن أردتم الثَّانِي فَهُوَ محَال أَيْضا لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ مُفَارقَة الْعلم الْجَوْهَر وبقاؤه جَاهِلا وَيقوم عرض وَاحِد بمحلين فِي زمَان وَاحِد وَيلْزم عَلَيْهِ إنتقال الصّفة من مَحل إِلَى مَحل وحدوثها إِلَى أَنْوَاع من المحالات لَا يبوء بهَا عَاقل ومنتحلها أَحمَق جَاهِل
وَقد صَرَّحُوا بِأَنَّهُم أَرَادوا بالحلول حُلُول الْجَوْهَر فِي الْعرض وَقد صرحنا نَحن بِمَا يلْزمهُم من المحالات على ذَلِك وبيناه والحمدلله
ثمَّ نقُول لَهُم بعد ذَلِك فِي قَوْلهم بالإختلاط وبأنهما صَارا شَيْئا وَاحِدًا لَا خلو أَن حِين اختلطا أما أَن يبْقى الْعلم مَوْجُودا بِحَالهِ والجوهر مَوْجُودا بِحَالهِ أم يَنْعَدِم أَحدهمَا أَو ينعدما مَعًا
محَال أَن يبقيا موجودين بحاليهما مَعَ فرض الإختلاط وكونهما شَيْئا وَاحِدًا فَإِن الْوَاحِد لَا يعود إثنين إِلَّا بِإِضَافَة غَيره إِلَيْهِ وَإِذا أضيف غَيره إِلَيْهِ ارْتَفَعت الْوحدَة بِالضَّرُورَةِ على مَا تقدم فِي التَّثْلِيث وَكَذَلِكَ الإثنان لَا يعودان وَاحِدًا إِلَّا إِذا انْعَدم أَحدهمَا فترتفع
стр. 85
الأنثينية بِالضَّرُورَةِ ومحال أَن ينعدما فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى عدم الْقَدِيم وَإِلَى عدم مَا هُوَ مَوْجُود فِي حَالَة وجوده فَلم يبْق إِلَّا أَن يَنْعَدِم أَحدهمَا دون الآخر وَذَلِكَ محَال فَإِن الْمَوْجُود لَا يخالط الْمَعْدُوم وَلَا يمازجه بل يبْقى الْوَاحِد وَاحِدًا
وَإِذا بطلت هَذِه الْأَقْسَام المنحصرة بَطل الإمتزاج والإختلاط ومصير الْإِثْنَيْنِ وَاحِدًا على مَا قَالُوهُ
وَأما من قَالَ إِن الْكَلِمَة انقلبت لَحْمًا ودما فَلَقَد ارْتكب حَمَاقَة وَالْتزم عمى يلْزمه عَلَيْهِ جَوَاز عكس مذْهبه وَهُوَ أَن يَنْقَلِب اللَّحْم وَالدَّم علما وَالْقَدِيم حَادِثا والحادث قَدِيما إِلَى غير ذَلِك من المحالات الَّتِي لَا تصدر عَن من شدّ أطرافا من المعقولات وَلَوْلَا الْحمق والتقليدات لما وجد مثل هَذِه الفواقح فِي كَلَام أحد من الْمَخْلُوقَات
وَأما من قَالَ إِن الإتحاد هُوَ ظُهُور وفيض وَمثله بانطباع الصُّور فِي الْمرْآة فَهَذَا الْمِثَال إِنَّمَا كَانَ يَصح لَو كَانَ الْعلم صُورَة محسوسة بالبصر وَيكون جَسَد الْمَسِيح صقيلا تنطبع فِيهِ صُورَة المقابلات وكل ذَلِك مَعْدُوم فِي مَسْأَلَتنَا بِالضَّرُورَةِ فتخيله فَاسد وباطل بِالضَّرُورَةِ فَكَمَا لَا تتمثل ذَات الْحَيَاة والإدراكات فِي الْمرْآة كَذَلِك لَا تتمثل الْكَلِمَة فِي جَسَد الْمَسِيح
ثمَّ إِن جَازَ انطباع علم الله فِي جَسَد البشري فلينطبع فِي كل مَا يُشبههُ فِي الجسدية وَسَيَأْتِي لهَذَا مزِيد بَيَان وَفِيمَا تقدم مَا يبين فَسَاده وإستحالته
وَأما التَّمْثِيل بنقش الْخَاتم يعود منحفرا فِي الشمع والمنحفر فِي الْخَاتم يعود ناتئا فِي الشمع فَذَلِك لَا يتَصَوَّر إِلَّا فِي الْأَجْسَام وَإِن جَازَ فِي غير الْأَجْسَام فَيلْزم أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا أعنى اللاهوت والناسوت يُؤثر فِي الآخر وَيحل فِيهِ فَيكون الناسوت حل فِي اللاهوت وَذَلِكَ محَال عِنْد كل فريق وَالْأَمر الثَّانِي أَن النقش فِي الْخَاتم يوضع مقلوب الْكَلِمَات ثمَّ تنطبع مُسْتَقِيمَة فِي الشمع وَلَو وضعت فِي الْخَاتم مُسْتَقِيمَة لانطبعت فِي الشمع منعكسة فَيلْزم على مساق هَذَا الْمِثَال أَن تنطبع الْكَلِمَة فِي الناسوت أما الإستقامه
стр. 86
أَو بِالْعَكْسِ فَإِن انطبعت فِيهِ بالإستقامة فأقنوم الْكَلِمَة فِي الْجَوْهَر بالإنعكاس وَإِن انطبعت فِيهِ بالإنعكاس فَلم تبْق الْكَلِمَة فِي الناسوت على حَقِيقَتهَا فِي اللاهوت بل هِيَ منعكسة فَلَا تبقى حَقِيقَة الْعلم على مَا كَانَت بل هِيَ لَيْسَ بِعلم وَهَذَا كُله مِمَّا يلْزم على آرائهم الْفَاسِدَة وتحكماتهم الْبَارِدَة
وَأما من لبس مِنْهُم بِأَن مثل قَوْلهم فِي الإتحاد بقولنَا فِي إستوائه تَعَالَى على الْعَرْش فَذَلِك مِمَّا لَا يُقَال عَلَيْهِ عندنَا اتِّحَاد وَلَا حُلُول وَلَا فيض وَلَا انطباع لأَنا نُرِيد بقولنَا هُوَ على الْعَرْش مستو واستوى على الْعَرْش أَن الْعَرْش تَحت قَبضته ومسخر بقدرته والإستواء عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى الإستيلاء على مَا يعرفهُ الْعَرَب من كَلَامهَا فَإِنَّهَا تَقول ... قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق
بِغَيْر سيف وَدم مهراق ...
فَإِن أَرَادوا هَذَا الْمَعْنى فَهُوَ حق وصحيح لكنه لَا يَصح فِي حق عِيسَى وَحده فَإِن الله تَعَالَى مستول على عِيسَى وعَلى غَيره وَأما من أطلق مِنْهُم لفظ النُّزُوع فيستحيل على الْحَقِيقَة والتوسع وَذَلِكَ أَن هَذَا اللَّفْظ يشْعر بِأَن اللاهوت اتخذ الناسوت درعا أَو كالدرع وَهَذَا كُله مُسْتَحِيل على الْإِلَه ﵎ وعَلى علمه وكل مَا تقدم من المحالات على هَذَا الْمَذْهَب يلْزم
وعَلى الْجُمْلَة فَهَؤُلَاءِ الْقَوْم أغبياء جاهلون وَعَن التَّوْفِيق معزولون فهم عَن المعقولات معرضون وَبهَا مستهزءون لَا يستحيون من خالقهم وَلَا يتأدبون مَعَ مالكهم ورازقهم فسبحان الله عَمَّا يَقُول الجاهلون وَتَعَالَى عَمَّا ينْسبهُ إِلَيْهِ المبطلون بل هُوَ الله الْوَاحِد الْأَحَد الْفَرد الصَّمد الَّذِي ﴿لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾
وَلَوْلَا ضَرُورَة الْحَال ورجاء قمع أهل الضلال لما استجزت حِكَايَة مثل هَذَا الْمقَال وَأَنا أسْتَغْفر الله ذَا العظمة الْجلَال إِنَّه ذُو الْعَفو والأفضال
стр. 87
وَلَا بُد مَعَ مَا تقدم أَن نطالبهم أَجْمَعِينَ بِصِحَّة الدَّلِيل الَّذِي جعلهم على ذَلِك القَوْل الغث الهجين حَتَّى نتبين تحكماتهم وَتظهر لكل أحد ترهاتهم
فَأَقُول لجميعهم مَا الَّذِي حملكم على القَوْل بالإتحاد والتورط فِي الضلال والإلحاد فلتعلم أَنهم قد اخْتلفت مسالكهم فِي ذَلِك فَمنهمْ من قَالَ إِنَّمَا قُلْنَا بذلك تقليدا للإنجيل وحذرا من الْمُخَالفَة والتبديل كَمَا قَالَ هَذَا السَّائِل وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّمَا قُلْنَا بالإتحاد لِأَن عِيسَى ظَهرت عَلَيْهِ أَفعَال لَا تنبغي إِلَّا لإله من إحْيَاء الْمَوْتَى وإبراء الأكمه والأبرص وَخلق الطير من الطين وَهَذِه أَفعَال لَا يقدر عَلَيْهَا إِلَّا إِلَه وَهُوَ قد قدر عَلَيْهَا فَهُوَ إِذن إِلَه وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّمَا صرنا إِلَى ذَلِك لكَون عِيسَى لم يخلق من المَاء الدافق الْكَائِن عَن أبوة وَلَا خرج عَن شَهْوَة آدمية بل خلق الله ناسوته من غير أَب ليَكُون واسطا بَينه وَبَين خلقه وليتخذه لكلمته وَرُبمَا قَالَ بَعضهم ألستم تقرأون فِي كتابكُمْ ﴿إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ وَهَذَا عين مَا أنكرتم علينا من الإتحاد فَإِن عِيسَى رَسُول الله وكلمته فناسوته رَسُول الله ولاهوته كلمة الله على مَا أخبر بِهِ كتابكُمْ
فَنَقُول
لمن قَالَ بذلك تقليدا للإنجيل جوابك قد تبين فِيمَا تقدم إِذْ قد تقدم أَن فهم الإتحاد مِنْهُ بالمسيح بَاطِل وَأَن الصائر إِلَى الإتحاد بعد الْوُقُوف على مَا تقدم معاند جَاهِل
وَأما من اسْتدلَّ مِنْهُم على ذَلِك بِمَا ظهر على يَدي الْمَسِيح من خوارق الْعَادَات فَنَقُول لَهُ لأي شَيْء قلت أَنَّهَا تدل على ألوهيته وَلم تقل إِنَّهَا تدل على مَا كَانَ يسْتَدلّ هُوَ بهَا من رسَالَته فَقَالَ رب أعلم أَنَّك تعطينى كل شَيْء وَلَكِن أَقُول من أجل الْجَمَاعَة الواقفة ليؤمنوا بِهِ وليصدقوا أَنَّك أرسلتني فَهُوَ قد اسْتدلَّ بإحياء الْمَوْتَى
стр. 88
على رسَالَته وَأَنْتُم تستدلون بذلك على ألوهيته فَيلْزم من هَذَا الإستدلال الْعُدُول عَن شرع عِيسَى الْمَنْقُول ومصادمة الْعُقُول
ثمَّ نقُول لَهُم كَيفَ يَنْبَغِي لكم أَن تَقولُوا هَذِه الْأَفْعَال العجيبة تدل على أَنه لاهوت وَأَنْتُم تعزون فِي كتبكم أَن عِيسَى كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يفعل شَيْئا مِمَّا ذكر تضرع إِلَى الله وَرغب إِلَيْهِ بخضوع وتذلل حَتَّى يقْضى الله حَاجته وَهَذَا مَوْجُود فِي كتبكم كثيرا فِيهَا
وَكفى دَلِيلا على نفي مَا تنسبونه إِلَيْهِ قَوْله حِين صلبه بزعمكم إلهي إلهي لم أسلمتني وَقَوله قبل ذَلِك يَا أبتاه إِن كَانَت هَذِه الكأس لَا تقدر تجاوزني حَتَّى أشربها فلتكن إرادتك وَهَذَا كُله فِي سُجُوده
وَفِي هَذَا الموطن قَالَ يَا أبتاه إِن كَانَ مُمكنا فلتذهب عني هَذِه الكأس
وَفِي إنجيل ماركوش أَنه قَالَ فِي هَذَا الْمقَام سيلقى ابْن الْإِنْسَان مَا كتب لَهُ ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك يَا أبتاه إِنَّك قَادر على جَمِيع الْأَشْيَاء فرج عني هَذِه الكأس فَهَذَا كُله يدل دلَالَة لَا شكّ فِيهَا أَنه كَانَ يفعل مَا يفعل بِإِذن الله إِذا أَرَادَهُ وأقدره عَلَيْهِ
وَأَنه إِنَّمَا كَانَ يتَّفق لَهُ ذَلِك بعد أَن يتَضَرَّع ويرغب لله تَعَالَى وَرُبمَا كَانَ يسْأَل أمورا لَا يُعْطِيهَا الله لَهُ لما سبق فِي علم الله أَنَّهَا لَا تكون
مِنْهَا
مَا تقدم حَيْثُ سَأَلَ الله أَن يدْفع عَنهُ أَمر الصلب وَالْقَتْل فَلم يجب لذَلِك على زعمكم وَمِنْهَا أَن الْيَهُود كَانَت تطالبه بِمثل بعض
стр. 89
معجزات مُوسَى بن عمرَان فَلَا يُجِيبهُمْ بِشَيْء وَسَيَأْتِي لهَذَا مزِيد وَدَلِيل ذَلِك من الْإِنْجِيل أَن عِيسَى قَالَ للْيَهُود لست أفعل من ذاتي شَيْئا لكنني أحكم بِمَا أسمع لِأَنِّي لست أنفذ إرادتي بل إِرَادَة الله الَّذِي بَعَثَنِي إِلَى مَا فِي كتبكم من هَذَا الَّذِي قد عميتم عَنهُ وَلم تسمعوا حرفا مِنْهُ فَتَارَة ينبهكم على وَجه الإستدلال وَأُخْرَى يُصَرح بالمقال وَتارَة يسْأَل فَيعْطى وَيُجَاب وَأُخْرَى يسْأَل فَلَا يرد عَلَيْهِ جَوَاب وحينما يتبرأ من مَشِيئَته ويعترف بزلته وعبوديته ثمَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْم مَعَ ذَلِك يَقُولُونَ هُوَ إلهنا ومحيينا وخالقنا فَهَؤُلَاءِ يكونُونَ بكم كالأنعام وصم كالأصنام ﴿فَمَا لهَؤُلَاء الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا﴾
ثمَّ نقُول إِن كَانَ إحْيَاء الْأَمْوَات يدل على الألوهية فلأي شَيْء لَا تَقولُونَ إِن الياس وَالْيَسع كَانَا إِلَهَيْنِ وَأَنه حل بناسوتهما اللاهوت وشأنهما فِي إحْيَاء الْمَوْتَى لَا يقدر أحد على دَفعه وَلَا يخفى
وَلم لَا تعتقدون ألوهية النَّبِي حزقيال إِذْ فر قومه وهم أُلُوف حذر الوباء فأماتهم الله ثمَّ جَاءَهُم نَبِيّهم فَقَالَ لَهُم لتحيوا بِإِذن الله فَحَيوا وَرَجَعُوا إِلَى قَومهمْ سحنة الْمَوْت على وُجُوههم حَتَّى مَاتُوا بآجالهم وَهَذَا مَعْرُوف عِنْدهم وَلَا مدفع فِيهِ
وَإِن أنكرتم وجود شَيْء من ذَلِك نزلنَا مَعكُمْ إِلَى مَا فِي الْكتب الْقَدِيمَة من قصَص الْأَنْبِيَاء وكتبهم وَهَذَا لَازم لهَؤُلَاء الْقَوْم لَا يَنْفَكّ عَنهُ وَاحِد مِنْهُم أبدا
стр. 90
ثمَّ من عَجِيب أَمر هَؤُلَاءِ الْقَوْم أَنهم يَزْعمُونَ أَن عِيسَى ﵇ أيد نَفرا من الحواريين بإحياء الْمَوْتَى وجعلهم رسلًا إِلَى الْأَجْنَاس فأحيوا الْمَوْتَى بزعمهم فَمَا الَّذِي أوجب أَن يكون الْمَسِيح فِي حَال ألوهيته قد أيد بذلك بشرا وَجعله رَسُولا إِلَى الْأَجْنَاس كَمَا زَعَمُوا وَمَا الَّذِي منع أَن يكون الله يُؤَيّد بذلك بشرا ويجعله رَسُولا إِلَى النَّاس فَإِن كَانَ الْمَسِيح من أجل أَنه أَحْيَا مَيتا هُوَ الله فَكل من أَحْيَا مَيتا من الحواريين وَغَيرهم هُوَ الله ثمَّ كل خارق للْعَادَة يجعلونه دَلِيلا على ألوهيته فَإِنَّهُم يعارضون بِمثل ذَلِك فِي حق غَيره من الْأَنْبِيَاء ﵇ ويدعى ألوهيته فَلَا يَجدونَ فصلا بَينهم وَبَين من يعارضهم
وَأما من اسْتدلَّ على ذَلِك بِأَنَّهُ خلق من غير أَب فَيلْزمهُ أَن يعْتَرف لآدَم بألوهية فَإِنَّهُ لم يخلق من نُطْفَة أَب بل إِنَّمَا خلق من تربة أَرض ثمَّ نفخ فِيهِ من روحه كَمَا فعل بِعِيسَى خلقه من نفخة الْملك فعلقت بلحمة مَرْيَم فَنَشَأَ مِنْهَا وفيهَا فتربه بِمَنْزِلَة لَحْمه ونفخه بِمَثَابَة نفخه وَهَذَا مَالا مخلص مِنْهُ وَلَا خُرُوج عَنهُ ثمَّ أكْرمه الله تَعَالَى بأنواع من الكرامات لم يكرم بهَا غَيره مِنْهَا أَنه أَسجد لَهُ مَلَائكَته وأعلمه بِمَا لم يعلمهُمْ حَتَّى جعله رَسُولا إِلَيْهِم وَكفى بِهَذَا شرفا إِلَى مَا هُنَالك من خَصَائِصه وَمن فضائله
بل لَو أمكن لأحد أَن يَقُول إِن بشرا يتَصَوَّر أَن يكون إِلَهًا لكَونه من غير أَب لَكَانَ آدم أولى بذلك من حَيْثُ أَنه لم تشْتَمل عَلَيْهِ أوضار الرَّحِم فقد شَارك الْمَسِيح فِي كَونه من غير أَب وَزَاد عَلَيْهِ أَنه من غير أم لم يتكون فِي ظلمَة الرَّحِم وَلم يتلطخ بِدَم الطمث وَلَا خرج
стр. 91
من مجْرى الْبَوْل هَذَا مَعَ الإعتراف بِأَن ذَلِك كَذَلِك وَلم يخْتَلف فِي ذَلِك أحد أعنى فِي أَن آدم مكون مَخْلُوق من غير أبوين
وَقد خالفتكم الْيَهُود لعنهم الله فِي كَون الهكم الْمَسِيح من غير أَب وأطلقت القَوْل على مَرْيَم البتول المبرأة عِنْد الله مِمَّا قَالُوا بِمَا قد علمْتُم فلعنهم الله وَغَضب عَلَيْهِم فَلَقَد كذبُوا
وَإِنَّمَا أسمعتكم هَذَا لِتَعْلَمُوا أَنا نَعْرِف مَا قَالَت الْيَهُود لعنهم الله فِي عِيسَى وَأمه ﵉ وَأَنا ننزههما عَمَّا قَالَ فيهمَا المبغضون لَهما والمحبون القالون فيهمَا فَمَا أجمل بكم لَو شَاءَ الله توفيقكم أَن لَو قُلْتُمْ فيهمَا الْحق الَّذِي يَنْبَغِي لَهما أَن الله جعل عِيسَى وَأمه آيَة للنَّاس هُوَ عبدا ورسولا وَأمه صديقَة مباركة
ثمَّ نقُول للمستدل بِمَا تقدم يلزمك على استدلالك أَن تكون حَوَّاء أم الْبشر إِلَهًا فَإِنَّهَا لم تخلق من أبوين وَلَا من نُطْفَة وَإِنَّمَا خلقهَا الله من ضلع من أضلاع آدم لم تتكون فِي ظلمات الرَّحِم وَلَا نشأت بَين الأقذار والأوضار وخلقها من ضلع آدم كخلقه من تُرَاب وَلَا فرق و ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾
وَأما استدلالهم بِمَا فِي كتَابنَا من قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ فَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك لوجوه
أَحدهَا أَنهم لَا يصدقون بكتابنا فَلَا يستدلون بِهِ على شَيْء
وَالثَّانِي أَنهم إِن استدلوا على غرضهم بِشَطْر هَذِه الْآيَة فَإِن صدرها يرد عَلَيْهِم استدلالهم وَكَذَلِكَ الْآيَات الَّتِي بعْدهَا قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْعَزِيز الَّذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ مُخَاطبا لَهُم وردا عَلَيْهِ ﴿أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة انْتَهوا خيرا لكم إِنَّمَا الله إِلَه وَاحِد سُبْحَانَهُ أَن يكون لَهُ ولد لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض وَكفى بِاللَّه وَكيلا لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون وَمن يستنكف عَن عِبَادَته ويستكبر فسيحشرهم إِلَيْهِ جَمِيعًا فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم أُجُورهم ويزيدهم من فَضله وَأما الَّذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذَابا أَلِيمًا وَلَا يَجدونَ لَهُم من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا﴾
стр. 92
وَنور بعد ذَلِك إلزامات لَهُم
إِلْزَام لَهُم
نقُول لَهُم حِين صَار أقنوم الْعلم لعيسى كَيْفَمَا صَار هَل بقى الرب تَعَالَى كَمَا كَانَ قبل ذَلِك أَو اخْتلفت حَاله فَإِن كَانَ كَمَا كَانَ قبل فَلم يصر لعيسى مِنْهُ شَيْء وَأَيْضًا فَلَو صَار إِلَيْهِ بعض أقانيمه لبقى نَاقص الأقانيم وَتبطل ألوهيته فَإِن حَقِيقَته عِنْدهم وَاحِد ثَلَاثَة أقانيم وَأما إِن اخْتلفت حَاله فَيلْزم عَلَيْهِ أَن يصير من الْعلم إِلَى الْجَهْل وَمن الْقدَم للحدوث وَهَذَا كُله على الله تَعَالَى محَال ومرتكبه فِي بحبوبة الضلال
إِلْزَام آخر
نقُول لَهُم حِين صَار أقنوم الْعلم لعيسى فَهَل بقى الْبَارِي تَعَالَى عَالما بذلك الأقنوم أم بِغَيْرِهِ أَو غير عَالم بَاطِل أَن يُقَال غير عَالم لِاسْتِحَالَة الْجَهْل عَلَيْهِ وباطل أَن يُقَال بقى عَالما بذلك الأقنوم إِذْ لَو كَانَ ذَلِك للَزِمَ مِنْهُ أَلا يصير إِلَى عِيسَى وَيلْزم مِنْهُ أَيْضا أَن يكون علم وَاحِد يقوم بمحلين وَلَو صَحَّ ذَلِك يَصح أَن يكون الْوَاحِد منا مَوْصُوفا بِنصْف علم وَذَلِكَ محَال فَإِن الْعلم الْوَاحِد لَا يَتَبَعَّض وَلَا يَنْقَسِم إِذْ الْعلم للْوَاحِد إِنَّمَا يعقل فِي مَحل وَاحِد بِمَعْلُوم وَاحِد فِي زمَان وَاحِد فِيمَا يقبل الزَّمَان والتعدد وباطل أَيْضا أَن يُقَال أَنه يكون عَالما بِعلم آخر فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى حُدُوث الأقانيم بل إِلَى حُدُوثه وَذَلِكَ كُله محَال
إِلْزَام آخر يظْهر تناقضهم
وَذَلِكَ أَنه قد تقدم من مَذْهَبهم أَنهم قَالُوا فِي الأقانيم أَنَّهَا غير متباينة وَلَا مفترقة ثمَّ أَنهم قد قَالُوا هُنَا
стр. 93
إِن أقنوم الإبن اتَّحد بناسوت الْمَسِيح دون أقنوم الآب وروح الْقُدس فمفهوم هَذَا أَن الإبن اتَّحد بناسوته وبقى جَوْهَر الآب وروح الْقُدس لم يتحدا بِهِ وَهَذَا تَصْرِيح بالمباينة والمفارقة فَإِن بعض هَذِه الثَّلَاثَة وَجب لَهُ أَمر دون صَاحِبيهِ فَلَو لم يباينهما وَلم يكن غَيرهمَا لما وَجب لَهُ من الحكم مَا لم يجب لَهما وَلَا تنَاقض فَظهر من هَذَا تناقضهم وَقد كُنَّا أظهرنَا إضطرابهم فِي هَذَا فِي بَاب الأقانيم
ثمَّ نقُول تَحْقِيقا لالزام الْجَمِيع
هَذِه الأقانيم إِمَّا أَن تكون مباينة للجوهر مُفَارقَة أَو لَا تكون كَذَلِك
فَإِن كَانَت مباينة لزم أَن تكون زَائِدَة عَلَيْهِ وَإِن كَانَت زَائِدَة عَلَيْهِ لزم أَن يكون الْإِلَه متركبا من أُمُور كَمَا مر وَقد أَبَيْتُم ذَلِك وَهُوَ محَال ويلزمكم أَيْضا إخْرَاجهَا عَن كَونهَا أقانيم ويلزمكم رفع التَّوْحِيد إِلَى محالات كَثِيرَة عنْدكُمْ وَإِن كَانَت غير مباينة لم يَصح إتحاد بَعْضهَا دون بعض بل لَو اتَّحد بَعْضهَا لاتحد جَمِيعهَا فَيلْزم على هَذَا اتِّحَاد الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والوجود وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ
إِلْزَام آخر وَطَلَبه
نقُول لَهُم لأي شَيْء قُلْتُمْ أَن الَّذِي اتَّحد بناسوت الْمَسِيح إِنَّمَا هُوَ الإبن فَقَط ولأي شَيْء لم تَقولُوا أَنه اتَّحد بِهِ الآب وروح الْقُدس وَلَو قُلْتُمْ ذَلِك لَكَانَ أجْرى على مَا أصلتم من أَن الأقانيم لَا متباينة وَلَا مفترقة
فَإِن قَالُوا إِنَّمَا قُلْنَا بإتحاد الإبن لِأَن عِيسَى إِنَّمَا أرْسلهُ الله ليعلم النَّاس شريعتهم ويخبرهم بالمغيبات عَنْهُم ويعظهم وَذَلِكَ كُله إِنَّمَا يَصح بِالْعلمِ
فَنَقُول لَهُم هَذَا الَّذِي ذكرْتُمْ مُسلم لكم جدلا لَكِن لم قُلْتُمْ أَنه إِنَّمَا اتَّخذهُ الله لهَذَا فَقَط وَإِنَّمَا هُوَ اتَّخذهُ لهَذَا ولأمور أخر
مِنْهَا
ليعبده
وَمِنْهَا
ليبرئ مرضى كَانُوا قد أعيوا الْأَطِبَّاء وَأَرَادَ الله تَعَالَى شفاءهم على يَدَيْهِ
وَمِنْهَا
أَنه أَرَادَ إحْيَاء موتى على يَدَيْهِ
فَتحصل من هَذَا أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن هَذِه معجزات تدل على صدقه وَالثَّانِي أَن من أَبرَأَهُ أَفَاق من مَرضه وجذامه وجنونه
стр. 94
وبرصه فَانْتَفع بذلك وَكَذَلِكَ يحصل للْمَيت الَّذِي حيى وزائدا على ذَلِك أَن الْمَيِّت آمن بِهِ فَأدْخلهُ الله الْجنَّة بإيمانه بِرَسُولِهِ وَهَذِه الْأُمُور كلهَا لَا لَا يُمكن إِنْكَار أَن يكون كل وَاحِد مِنْهَا مَقْصُودا لله تَعَالَى واذا أمكن أَن يكون كل وَاحِد من هَذِه الْأُمُور مَقْصُودا فَلم اقتصرتم على مَقْصُود وَاحِد من هَذِه الْأُمُور مَقْصُودا فَلم اقتصرتم على مَقْصُود وَاحِد مَعَ إِمْكَان هَذِه الْمَقَاصِد وَإِذا تقرر ذَلِك حصل مِنْهُ أَن الله تَعَالَى اتَّخذهُ لما لَا يَصح إِلَّا بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة والإرادة والحياة فَقولُوا إِن هَذِه الأقانيم اتّحدت بِهِ وَهَذَا لَازم لَا محيص عَنهُ وَلَا جَوَاب عَلَيْهِ ثمَّ يلْزم على هَذَا أَن يكون كل نبى أرْسلهُ الله تَعَالَى يتحد بِهِ الْعلم فَإِن هَذَا الَّذِي استدللتم بِهِ فِي حق عِيسَى مَوْجُود فِي حق غَيره من الرُّسُل إِذْ كل وَاحِد مِنْهُم إِنَّمَا أرسل مُعَرفا بشرع الله ومبلغا رِسَالَة الله ومخبرا بوعد الله ووعيده فَيلْزم على هَذَا أَن يتحد الْعلم بِكُل رَسُول
إِلْزَام آخر
قد تقرر أَن عِيسَى ﵇ كَانَ يحيى الْمَوْتَى وَيُبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير فينفخ فِيهِ فَيكون طائرا فَإِذا قُلْنَا هَذَا فَأَما أَن يكون عِيسَى هُوَ الَّذِي يفعل ذَلِك أَو غَيره فَإِن كَانَ غَيره فَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الله تَعَالَى وَغَايَة عِيسَى أَن يكون عبدا يرغب لله تَعَالَى فِي قَضَاء حَاجته ثمَّ إِن الله تَعَالَى يفعل مَا يَشَاء عِنْد تحديه بِالنُّبُوَّةِ تَصْدِيقًا لَهُ فِي دَعْوَاهُ وَعِيسَى ينظر إِلَى ذَلِك ويتعجب عِنْد ذَلِك من فعل الله ولطيف صنعه وَهَكَذَا كَانَ حَال مُوسَى عِنْدَمَا أيده الله بالعصا فَقل لَهُ ألقها ﴿فألقاها فَإِذا هِيَ حَيَّة تسْعَى﴾ فَلَمَّا رَآهَا على حَال لم يعرفهُ مِنْهَا هاله ذَلِك وَولى مُدبرا خَائفًا وَذَلِكَ لما شَاهد من قدرَة الله تَعَالَى فَلَمَّا فرغ قَالَ الله تَعَالَى لَهُ ﴿خُذْهَا وَلَا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾
وَإِذا قُلْنَا إِن عِيسَى هُوَ الَّذِي يفعل ذَلِك فَأَما أَن يَفْعَله بقدرة وَعلم وَإِرَادَة أَو لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء من ذَلِك بَاطِل أَن يُقَال أَنه لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء من ذَلِك لِأَن الْفِعْل الإختياري لَا بُد لَهُ من هَذِه الْأُمُور بِالضَّرُورَةِ على مَا يعرف فِي مَوْضِعه فَلم يبْق إِلَّا أَن يفعل ذَلِك بقدرة وَعلم وَإِرَادَة وَهَذِه الصِّفَات هِيَ شُرُوط الْفِعْل وَلَا بُد
стр. 95
وَأَن تكون منسوبة لَهُ وَيكون هُوَ مَوْصُوفا بهَا أَو لَا تكون منسوبة إِلَيْهِ وَلَا يكون هُوَ مَوْصُوفا بهَا فَإِن لم يكن هُوَ مَوْصُوفا بهَا وَلَا تنْسب إِلَيْهِ فَلَا ينْسب الْفِعْل إِلَيْهِ وَقد نسبتم الْفِعْل إِلَيْهِ فَدلَّ ذَلِك على أَنه مَوْصُوف بهَا وتنسب إِلَيْهِ كلهَا وَإِذا ثَبت ذَلِك فَلَيْسَ من يسلب عَنهُ الْقُدْرَة والإرادة وَيَقُول هما صفتان لله تَعَالَى وليستا بصفتين لعيسى فتبرؤوا حَالا مِمَّن يسلب عَنهُ الْعلم وَيَقُول هُوَ علم الله تَعَالَى وَلَيْسَ علم عِيسَى مَعَ أَنه صفة عِيسَى فَيلْزم عَن هَذَا الْبَحْث أَن هَذَا الْفِعْل الْمَنْسُوب إِلَى عِيسَى مَوْجُود عَن علم وقدرة وَإِرَادَة وَأَن هَذِه الثَّلَاثَة إِنَّمَا تنْسب لوَاحِد فإمَّا لله وَإِمَّا لعيسى وَلَا يجوز عقلا أَن ننسب بَعْضهَا لله وَبَعضهَا لعيسى فَإِن هَذِه الثَّلَاثَة مَشْرُوط بَعْضهَا بِبَعْض فالمحل أَو الْجَوْهَر الَّذِي يجب لأحد هَذِه يجب للْبَاقِي وَهَذَا مَالا خَفَاء بِهِ عِنْد الْعَاقِل الْمُوفق
إِلْزَام آخر
قد تقرر عِنْد هَؤُلَاءِ الْقَوْم أَن علم الله اتَّحد بِعِيسَى وَلَا خلاف بَين جمهورهم فِي هَذَا الْمَعْنى وَإِن اخْتلفت عباراتهم عَنهُ فعيسى عَالم وَالله تَعَالَى عَالم بِعلم وَاحِد فقد اتَّحد أقنوم الْعلم وتعدد الْمحل فَإِذا ثَبت ذَلِك لزم عَلَيْهِ أَن يكون عِيسَى عَالما بِكُل مَعْلُومَات الله تَعَالَى وَيكون الله تَعَالَى عَالما بِكُل مَعْلُومَات عِيسَى فَإِنَّهُمَا عالمان بِعلم وَاحِد فَإِذا علم الله أَنه هُوَ نَفسه خَالق الْمَخْلُوقَات يَنْبَغِي لعيسى أَن يعلم أَنه هُوَ نَفسه خَالق الْمَخْلُوقَات كَذَلِك لِأَن علمهما وَاحِد وَكَذَلِكَ إِذا علم الله أَنه هُوَ نَفسه قَدِيما بَاقِيا مَوْصُوفا بِصِفَات الْكَمَال يَنْبَغِي لعيسى أَن يعلم أَنه هُوَ نَفسه كَذَلِك وَإِذا علم عِيسَى نَفسه متغوطا بائلا ومصفوعا ومتوجا بالشوك ومصلوبا فِي حشبة ومسمرة يَدَاهُ وَرجلَاهُ فِيهَا فَيَنْبَغِي لله تَعَالَى أَن يعلم نَفسه كَذَلِك تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَهَذَا كُله لَازم على هَذَا الْمَذْهَب السخيف الْفَاسِد الضَّعِيف
إِلْزَام آخر
اتّفق النَّصَارَى الْقَائِلُونَ بالإتحاد على أَن عِيسَى لَا هوت وناسوت فبمَا هُوَ لاهوت يحيى الْمَوْتَى وَيُبرئ المرضى وَغير ذَلِك وَبِمَا هُوَ ناسوت يجوع يعطش ويبول ويتغوط ويفرح ويألم ويحزن ويلتذ ثمَّ يعْبدُونَ ناسوته ويجعلونه إِلَهًا فهم بَين أَمريْن إِمَّا أَن يَقُولُوا إِن جسده المتغوط البائل إِلَه أَو هُوَ شطر إِلَه فَإِن قَالُوا إِن جسده إِلَه فَكفى شناعة وهجانة إِلَه بائل متغوط
стр. 96
مصلوب وَإِن قَالُوا إِنَّه إِلَه بِمَا حل فِيهِ من الْإِلَه فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُم أَن يَقُولُوا إِنَّه نصف إِلَه وَلَا يعْبدُونَ جِسْمه وَلَا يَسْجُدُونَ لجسده وَإِذا قَالُوا إلهنا الْمَسِيح قَالُوا مَكَان يَا إلهنا يَا نصف إلهنا أَو يَا ثلث إلهنا فَإِنَّهُ اتَّحد بِهِ أحد الأقانيم الثَّلَاثَة وَالْوَاحد من الثَّلَاثَة ثلث وَهَذَا كُله جهالات وتواقحات مِنْهُم
إِلْزَام آخر
وَذَلِكَ أَنهم اتَّفقُوا على أَن الْمَسِيح صلب وَقتل بالنخز وَرفع فَوق خَشَبَة بعد أَن أهين وصفع وَوضع على رَأسه الشوك وسمرت يَدَاهُ وَرجلَاهُ فِي الْخَشَبَة وَقد جَاءَ كل هَذَا فِي أَنَاجِيلهمْ كَمَا زَعَمُوا فَنَقُول لَهُم ألوقت الَّذِي أهين وصفع وَرفع على الْخَشَبَة وسمرت يَدَاهُ ونخز هَل كَانَ متحدا بِهِ اللاهوت أَو زَالَ عَنهُ فَإِن كَانَ متحدا بِهِ اللاهوت فِي تِلْكَ المواطن فَلَقَد أدْرك لَا هوته من المذلة والإهانة والنخز وَالْمَوْت مَا أدْرك ناسوته لَا سِيمَا وَقد ألتزمتم فِيمَا تقدم أَن أقنوم الْعلم حَيّ فيلزمكم على هَذَا أَن تعبدوا إِلَهًا ذليلا مهانا ينخز وَيَمُوت وَكفى بِهَذَا خزيا وفضيحة وَإِن قُلْتُمْ إِنَّه فَارقه فَإِذا جَازَ أَن يُفَارِقهُ فِي موطن جَازَ أَن يُفَارِقهُ فِي كل موطن وَهَذَا مِمَّا يأبونه وَيلْزم عَلَيْهِ إِن فَارقه أَن يكون جَاهِلا وَألا يكون إِلَهًا فتعبدون مَا لَيْسَ با لَهُ
وَقد خرجنَا مَعَ هَؤُلَاءِ الْجُهَّال بخالقهم الْمُسْتَهْزِئِينَ بأديانهم إِلَى حد الْإِكْثَار وفارقنا شَرط الإختصار وَقد أطنبنا فِي هَذَا الْفَصْل وَإِن كَانَ لَا متمسك لصَاحبه وَلَا أصل لكَوْنهم متفقين عَلَيْهِ ومحتجين بِهِ ومتحومين نَحوه
وَلَا يظنّ الظَّان أَن هَذَا الْمَذْهَب الَّذِي ارْتَكَبهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْم فِي الأقانيم والإتحاد مُحْتَاج فِي إِبْطَاله إِلَى نظر وإجتهاد بل الْعُقُول بأوائلها تشهد بفساده كَمَا أَن الْحس يدْرك بَيَاض الْجِسْم من سوَاده وَهَؤُلَاء معاندون وللضروريات جاحدون
وَمن كَانَ حَاله كَذَلِك إِنَّمَا يتَكَلَّم مَعَه بِضَرْب الْأَمْثِلَة بأبين المدارك وتعديل الإلزامات وتكثير المسالك ليتبين الإفحام ويلقى يَد الإستسلام وَقد قدمنَا الْعذر عَن ذَلِك كُله فِي أول الْكتاب وَإِلَى الله أَرغب فِي الْهِدَايَة للصَّوَاب وَحسن المنقلب إِلَيْهِ والمآب
стр. 97
الْفَصْل السَّادِس
فِي حِكَايَة مَذْهَب أعشتين إِذْ هُوَ زعيم القسيسين
نذْكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي هَذَا الْفَصْل كَلَام هَذَا الْمَذْكُور الْوَاقِع لَهُ فِي مصحف الْعَالم الْكَائِن ونحكي أَلْفَاظه من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان إِلَّا أَنِّي اختصر من كَلَامه مَالا تَدْعُو ضَرُورَة سِيَاق الْكَلَام إِلَيْهِ من غير إخلال بِلَفْظِهِ وَلَا تَقْصِير فِي مَعْنَاهُ وَرُبمَا قدمت وأخرت وَإِنَّمَا خصصته بالْكلَام مَعَه فِي فصل مُفْرد لغرضين
أَحدهمَا أَن هَذَا السَّائِل على مذْهبه عول وإياه قلد وَمن كِتَابه نقل إِلَّا أَنه مَعَ ذَلِك أخل بِمَفْهُوم كَلَامه وَخَالفهُ فِي سِيَاقه ونظامه فَرُبمَا ترك مذْهبه بِسوء نظره وَهُوَ يظنّ أَنه يمشي على أَثَره وسيتبين ذَلِك
وَالثَّانِي أَن النَّصَارَى معولون على مَعْرفَته ومقلدون لَهُ فِي قومته وقعدته على أَنه أعرف بمسالك النّظر وأجرأهم على مناهج العبر لَكِن نَعُوذ بِاللَّه من عين عوراء وفطنة بتراء
قَالَ أغشتين قد أَجمعت الْملَّة على أَن الله تَعَالَى قد كلم مُوسَى تكليما وَاجْتمعت على أَن مُوسَى سمع صَوتا يَقُول لَهُ أَنا رَبك فأخبرونا أتؤمنون بِأَن الصَّوْت الَّذِي سَمعه مُوسَى هُوَ ذَات الرب وَأَن الرب فِي ذَاته مسموع أم تَقولُونَ إِن الرب أسمع مُوسَى صَوتا على مَا يَشَاء من رفع وخفض وغلظة ورقة وَأَنه ابْتَدَأَ الصَّوْت مَتى شَاءَ وقطعه مَتى شَاءَ وأنهى إِلَى مُوسَى من إِرَادَته مَا شَاءَ فَإِن قَالُوا إِن الصَّوْت نَفسه هُوَ الرب وَأَن الرب مدرك بِالسَّمْعِ فقد خَرجُوا عَن مَذْهَبهم فِي نفى التَّشْبِيه وَإِن قَالُوا إِن الصَّوْت من فعل الله وَأَن الله خلق الصَّوْت على مَا وَافقه وَأظْهر فِيهِ من إِرَادَته مَا شَاءَ وَأَن الصَّوْت قد كَانَ لَهُ مُبْتَدأ ومنتهى وَأَن الله الْخَالِق لَهُ لَا مُبْتَدأ لَهُ وَلَا مُنْتَهى قيل لَهُم فقد ثَبت أَن الصَّوْت الَّذِي سَمعه كَانَ مخلوقا فَكيف جَازَ لمُوسَى أَن يَقُول سَمِعت الله فَإِن قَالُوا مقَام الصَّوْت من الله مقَام صَوت الْإِنْسَان من الْإِنْسَان وَأَنا نسْمع صَوت إِنْسَان فَنَقُول
стр. 98
سمعنَا فلَانا وَكَذَلِكَ وَجب على مُوسَى لما سمع صَوت الله أَن يَقُول سَمِعت الله قيل لَهُم فقد أقررتم أَن الصَّوْت من فعل الله كَمَا أَن صَوت الْإِنْسَان من فعل الْإِنْسَان ولستم تقدرون أَن تَقولُوا إِذا سَمِعْتُمْ صَوت رجل سمعنَا صَوت المريد كَذَلِك الصَّوْت الَّذِي ابتدأه وخاطب بِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَقولُونَ سمعنَا صَوت فلَان وَسَمعنَا فلَانا إِذْ سَمِعْتُمْ صَوته وَكَذَلِكَ من سمع صَوت الله وَجب أَن يَقُول سمعنَا الله لإن الله خلق الصَّوْت وَجعله حِجَابا لإرادته الَّتِي أظهرها فِيهِ فقد ثَبت أَن النَّاس لَا يسمعُونَ الرب إِلَّا بِصَوْت مَخْلُوق على مَا يُشبههُ تعارفهم يكون حِجَابا فِيمَا بَينه وَبينهمْ
وَالْوَاجِب عَلَيْهِم أَن يخاطبوا الصَّوْت باسم الَّذِي الصَّوْت لَهُ كَمَا أَن الصَّوْت إِنَّمَا خاطبهم عَن الله وَمثل ذَلِك يلْزمهُم فِي كل مَا يشبه التَّحْدِيد مِمَّا وَقع فِي كتب الْملَل الثَّلَاثَة من التَّشْبِيه بالعالم وَوصف نَفسه بِالْعينِ وَالْوَجْه والفم وَلَا يُمكن جَحده فقد رضى أَن ينْسب إِلَى نَفسه مثل كَلَامهم وَأَن يخاطبهم فِي مثل لغتهم فقد ثَبت أَنه أَتَّخِذ التَّشْبِيه حِجَابا بَينه وَبَين خلقه
ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك كلَاما مَعْنَاهُ كَمَا جَازَ أَن يتَّخذ صَوتا ويجعله حِجَابا لإرادته حَتَّى أظهرها فِيهِ كَذَلِك يجوز أَن يكون قَادِرًا على إتخاذ أَي صُورَة شَاءَ وَأَن يظْهر لِعِبَادِهِ فِي أَي حلية وافقته وَتلك الصُّورَة ملك لَهُ يبدلها كَيفَ شَاءَ لأَنا إِن قُلْنَا أَنه لَا يقدر أَن يسمع عباده صَوتا وَلَا أَن يظْهر لَهُم بِصُورَة فقد أزلنا عَنهُ الْقُدْرَة على كل شَيْء
ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك فَعلمنَا أَن الْحجاب مَخْلُوق وَعلمنَا أَن الله خَالق كل شَيْء وَوَجَب علينا إنزاله من الْإِكْرَام بِحَيْثُ أنزلهُ الله المحتجب بِهِ لِأَنَّهُ مَتى لم ننزل كل شَيْء على مَا أنزلهُ عَلَيْهِ فقد عصينا لأَنا لَا نجد بدا من أَن نكرم الْمَلَائِكَة مَالا نكرم الشَّيَاطِين ونكرم الصَّالِحين مَالا نكرم الْفجار وَهَكَذَا فَلَا بُد أَن يكون شَيْء أعز من شَيْء وَشَيْء أقرب إِلَى الله من شَيْء حَتَّى يكَاد شَيْء فِي الْعِزّ أَن يتَّصل بخالقه وَيكون أعز الْأَشْيَاء ويكاد شَيْء أَيْضا أَن يكون فِي الهوان بِحَيْثُ لَا يكون شَيْء تَحْتَهُ
стр. 99
وَالْوَاجِب على الْعَارِف بِاللَّه أَن ينزل كل شَيْء بِحَيْثُ أنزلهُ الله ويسميه بِمَا سَمَّاهُ الله فَإِن أقرّ بِأَن الله خَاطب بِصَوْت مسموع أَو ظهر فِي صُورَة مرئية فقد أقرّ بِأَن الله خص ذَلِك الصَّوْت وَتلك الصُّورَة بِمَا لم يخص بِهِ شَيْئا من الْمَخْلُوقَات وَأَن الْوَاجِب على من سمع ذَلِك الصَّوْت أَن يَقُول سَمِعت صَوت الله وَمن رأى تِلْكَ الصُّورَة يَقُول رَأَيْت صُورَة الله وَلِهَذَا وَجب على مُوسَى إِذْ سمع صَوت الْقَائِل أَنا رَبك أَن يجاوبه بإسم الرب وَيَقُول بِأَنَّهُ ربه وَوَجَب على آدم إِذْ قَالَ يَا آدم أَن يستجيب فَيَقُول هنأأنذا يَا رب وَكَذَلِكَ فِي مخاطبته لجَمِيع الْأَنْبِيَاء لِأَن الصَّوْت لم يقل أَنا صَوت الله وَأَنا أخاطب عَن الله وَإِنَّمَا الله خَاطب بِهِ فَقَالَ أَنا الله فَالْوَاجِب أَن نخاطب بِمثل مَا خَاطب بِهِ
وَمثل ذَلِك يجب فِي الصُّورَة وَمن ظهر لَهُ الله فِي صورته كَمَا ظهر لأشعياء ولدانيال فقد وَجب عَلَيْهِ أَن يسْجد للصورة وَأَن يخاطبها باسم الله لِأَن علمه بِأَن الله خص تِلْكَ الصُّورَة بالإتخاذ لَهَا والإحتجاب بهَا ضام لَهُ إِلَى عِبَادَته فِيهَا لِأَنَّهُ قد رضى أَن يرى فِيهَا ويعبد بهَا
وَقد علمنَا أَن الله خَالق الصَّوْت الَّذِي أسمعهُ لمُوسَى كَمَا علمنَا أَن الله خلق جَمِيع الْأَصْوَات وَلَكِن وَجب علينا الْإِقْرَار لذَلِك الصَّوْت بالربوبية مَا لم يجب لغيره لعلمنا أَن الله ولى المخاطبة بذلك وَكَذَلِكَ يجب فِي الصُّورَة أَن يَخُصهَا من الْإِكْرَام بِمَا خصها الله بِهِ
وَمن قَالَ لَا يجب أَن يُخَاطب الصُّورَة باسم الله وَلَا أَن يُجَاوب الصَّوْت بإسم الله فقد قَالَ إِنَّه لَا يجوز أَن يتَّخذ الله صُورَة وَلَا أَن يسمع صَوتا وَإِذا وَجب إكرام الْحجاب بإكرام المحتجب بِهِ لم يبْق علينا من الْكَلَام شَيْء إِلَّا فِي الْحجاب الَّذِي اتَّخذهُ منا وَهُوَ الْمَسِيح والإستشهاد بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل فِي أمره إِلَّا أَنا نقدم القَوْل فِي ذَلِك بِالْقِيَاسِ لِئَلَّا نستشهد بِالْكتاب إِلَّا فِيمَا كَانَ دَاخِلا تَحت الْإِمْكَان
ثمَّ قَالَ هَذَا وَإِن لم يُوجِبهُ الْقيَاس إِيجَاب الإضطرار فَإِنَّهُ يجوزه تَجْوِيز الْإِمْكَان لِأَن الْقيَاس الَّذِي فضل بِهِ الْإِنْسَان على جَمِيع خلقه وخاطبهم بِمثل لغتهم وتشبه بهم فِي مخاطبتهم وَخلق كل
стр. 100
شَيْء لَهُم وَمن أَجلهم وَأوجب لَهُم الْبَقَاء مَعَه فِي رضوانه وَألا يكون دونهم أبدا وَأَنه ظهر لَهُم بحجاب مَخْلُوق فتشبه لَهُم بنعت محدد فَغير مُمْتَنع فِيهِ وَلَا بعيد أَن يكون حجابه فِيمَا بَينه وبلغهم مِنْهُ وَمِمَّا يشبههم ونزوله إِلَى مخاطبتهم فِي مثل لغتهم وَهُوَ نُزُوله إِلَى الظُّهُور لَهُم فِي مثل صورتهم لِأَن اتِّخَاذ الصُّورَة مثل اتِّخَاذ الصَّوْت
ثمَّ قَالَ شواهده الْوَاضِحَة كَثِيرَة من ذَلِك قَول أرمياء النَّبِي حَيْثُ يَقُول مناجيا الله يَا رَجَاء إِسْرَائِيل يَا مخلصه من الْغم لم سَتَكُون فِي الْمُسْتَقْبل كالغريب فِي الأَرْض أَو كالمسافر يعدل إِلَى الْمبيت لم سَتَكُون فِي الْمُسْتَقْبل كَرجل صَالح لَا يقوى أَن يخلص وَقَول أشعياء النَّبِي حَيْثُ يَقُول إِن الْعَذْرَاء ستحمل وتلد ولدا ويدعى وَلَدهَا عجيبا مُدبرا إِلَهًا قَوِيا والدا مقبل الدَّهْر الْعَالم يكثر ملكه وَلَا يكون لسلطانه إنقطاعا وَلَا آخر وَقَوله أَيْضا من ذَا يقبل خبرنَا أَمن ذَا ظهر لَهُ ذِرَاع الرب ثمَّ وصف أَنه ظهر ضَعِيفا محتقرا وَأَنه هدى بِنَفسِهِ إِلَى الْقَتْل طَوْعًا وَوصف خبر الْمَسِيح ظَاهرا كَمَا كَانَ وَقَول يعقول لِبَنِيهِ حَيْثُ يَقُول لَا ينقضى
стр. 101
الْملك من سبط يهوذا وَلَا يزَال مِنْهُم أَمِير حَتَّى يَأْتِي الَّذِي هُوَ مُرْسل وَهُوَ يكون رَجَاء الْأَجْنَاس وتترجم كَذَلِك بإختصار لَا يَنْقَطِع الْملك مِنْهُم حَتَّى يَأْتِي الْمَسِيح
هَذَا ملخص كَلَامه وزبدته فِي عدَّة أَبْوَاب من كِتَابه الْمُتَقَدّم الذّكر من غير أَن أخرج عَن لَفظه إِلَّا ألفاظا يسيرَة يتَّصل بهَا الْكَلَام وَلَا تغير الْمَعْنى
وَهَا نَحن بعون الله نجاوبه مُجَاوزَة على طَرِيق الْبَحْث والمناظرة
وَأما قَوْله اجْتمعت الثَّلَاث ملل على أَن مُوسَى سمع صَوتا يَقُول أَنا رَبك فَهَذَا قَول كذب يُنبئ عَن غَفلَة أَو جهل وَذَلِكَ أَن الَّذِي اتّفقت الْملَل عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ أَن الله كلم مُوسَى وَأَن الله تَعَالَى مُتَكَلم وَأما أَنه مُتَكَلم بِصَوْت أَو سمع مُوسَى صَوتا من الله فَهَذَا شَيْء اخْتلفت فِيهِ الْملَل وتباينت فِيهِ النَّحْل وَأكْثر أهل الْملَّة الحنيفية يَأْبَى ذَلِك ويخطئ من صَار إِلَى ذَلِك أعنى من صَار إِلَى أَن يكون الْبَارِي تَعَالَى متكلما بِصَوْت وَأَن مُوسَى ﵇ لم يكلمهُ الله بِصَوْت وَإِنَّمَا
стр. 102
كَلمه بِكَلَامِهِ الَّذِي هُوَ وَصفه الَّذِي لَيْسَ بِصَوْت وَلَا حرف على مَا تقرر بَيَانه فِيمَا تقدم فَهَذَا الرجل الحاكي هَذَا القَوْل إِمَّا أَن يكون علم اخْتِلَاف الْملَل فِيمَا ذكر فِيهِ إجماعها أَو لم يعلم فَإِن كَانَ علم فقد كذب وَإِذا عرف من أحد من النَّاس الْكَذِب فَيَنْبَغِي أَلا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا يعول عَلَيْهِ
فَيَنْبَغِي لكم أَلا تعولُوا على شَيْء من نَقله لامكان أَن يكون كذب فِيهِ كَمَا كذب فِي هَذَا وَإِن كَانَ ذَلِك القَوْل مِنْهُ عَن جهل فَهَذَا كثير فِي حَقه من جِهَتَيْنِ
أَحدهمَا أَنه أقدم على الْإِخْبَار عَمَّا لم يتَحَقَّق من غير بَصِيرَة وَلَيْسَ هَذَا فعل الْعلمَاء وَلَا الأكياس من الْفُضَلَاء وَكفى بِالْمَرْءِ كذبا وإثما أَن يحدث بِمَا لم يعلم صِحَّته
والجهة الثَّانِيَة أَنه جهل أمرا مَعْلُوما على الْقطع صَار إِلَيْهِ وَعمل على مُقْتَضَاهُ أُمَم لَا يُحصونَ كَثْرَة مُنْذُ مضى السنين وَلَا محمل بِمن تعاطى نصْرَة الْمذَاهب وَالْكَلَام مَعَ أَرْبَابهَا أَن يجهل مثل هَذَا وَإِذا جهل هَذَا فَهُوَ بِمَا هُوَ أخْفى من هَذَا أَجْهَل فَهُوَ بَين أَمريْن إِمَّا أَن يكذب مُتَعَمدا فَلَا يثقون بقوله أَو يجهل أمرا جليا يدْرك بِأَدْنَى بحث وأيسر أَمر فَلَا يَنْبَغِي لكم أَن تقلدوه فِي عمله وَنَظره
وَإِنَّمَا ذكرت هَذَا لِتَعْلَمُوا أَن عُمْدَة النَّصَارَى على هَذَا الرجل فِي مذاهبهم بقوله يحكون وَبِه يحتجون وَله يقلدون وَعَلِيهِ يعولون فَهُوَ وهم كَرجل أعمى ادّعى أَنه بَصِير فاستقاده عمى فقادهم فَسقط فِي حُفْرَة فسقطوا لسقوطه وَأَشد عذَابا يَوْم الْقِيَامَة رجل قتل نَبيا أَو قَتله نَبِي وامام ضَلَالَة وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَن عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا فطوبى لمن مَاتَ وَمَاتَتْ مَعَه ذنُوبه
وَأما قَوْله فَإِن قَالُوا إِن الصَّوْت نَفسه هُوَ الرب وَأَن الرب مدرك بِالسَّمْعِ فقد خَرجُوا عَن مَذْهَبهم فِي نفى التَّشْبِيه فَهَذَا نَص من كَلَام هَذَا الرجل أَن الصدى لَيْسَ بالرب
وَقد قَالَ السَّائِل الَّذِي جاوبناه قبل هَذَا أَنه أقرّ لَهُ بالربوبية وَظَاهر قَوْله مُنَاقض لقَوْل إِمَامه ثمَّ نقُول لَهما قد أتفقتما على أَن
стр. 103
الصَّوْت مَخْلُوق وَأَن الله تَعَالَى لَيْسَ بمخلوق فَهَذَا الصَّوْت الْمَخْلُوق إِمَّا أَن يكون رَبًّا غير الله أَو لَيْسَ رب فَإِن كَانَ رَبًّا غير الله فيلزمكم أَن تَعْبُدُوهُ بِعبَادة خَاصَّة غير عبَادَة الله بل هُوَ أولى بِالْعبَادَة من ناسوت الْمَسِيح إِذْ يتغوط ويبول ويصلب على قَوْلكُم إِلَى غير ذَلِك مِمَّا عددناه
وَذَلِكَ أَن الصَّوْت لَا يَلِيق بِهِ شَيْء من ذَلِك وَذَلِكَ كُله جهل وَقد ألزمناهم على ذَلِك مناقضات لَا محيص عَنْهَا فِيمَا تقدم وَإِن كَانَ هَذَا الصدى لَيْسَ بِرَبّ فيلزمكم على قَوْلكُم أَن يكون مُوسَى خَاطب بالربوبية من لَيْسَ بِرَبّ وَذَلِكَ لَا يَلِيق بِهِ وَهَذَا على قَوْله أَن الْمُخَاطب هُوَ الصدى لَازم ضَرُورَة ثمَّ مَا أعجب أَمر هَؤُلَاءِ الْقَوْم ينفون تَشْبِيه الله تَعَالَى بخلقه ويجعلون نَفسه قَاعِدَة يرجعُونَ إِلَيْهَا بزعمهم ثمَّ يلتزمون من التَّشْبِيه فِي حق الله تَعَالَى مَا لم يقل بِهِ من المشبهة أحد وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا إِن الله تَعَالَى مُتَكَلم بِصَوْت هُوَ من قبيل أصواتنا وَهُوَ مَخْلُوق مقطع بالحروف وَهُوَ مَعَ ذَلِك مُخَاطب بالبربوية وَهَذَا هُوَ التَّشْبِيه الَّذِي فروا مِنْهُ وَزِيَادَة عَلَيْهِ
وَلَقَد أوغل فِي التَّشْبِيه كَبِيرهمْ أغشتين وَإِن كَانَ عَن أصل التَّشْبِيه من المعرضين وَذَلِكَ أَنه جوز عقله بِزَعْمِهِ أَن يتَّخذ الْبَارِي صُورَة يجهلها وَيظْهر فِيهَا وَيسْجد لَهَا وَمن رأى تِلْكَ الصُّورَة وَيَقُول رَأَيْت صُورَة الله فَإِنَّهُ قد رأى الله وَلَا تَشْبِيه أعظم مِنْهَا بل المشبهة أحسن حَالا مِنْهُ وَذَلِكَ أَنهم أعنى المشبهة بنوا أَمرهم على ظواهر الشَّرَائِع فأثبتوا مَا أَثْبَتَت الشَّرَائِع وَمَا قَالَت الْأَنْبِيَاء وَمَا جَاءَ فِي كتب الله مُصدقين لَهَا غير منحرفين عَن ظواهرها ثمَّ عزلوا عُقُولهمْ فَلم ينْظرُوا بهَا فبقوا على جمود التَّقْلِيد وثبتوا على صميم الإعتقاد والتوحيد وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُم يعظمون الله وَيَقُولُونَ بِأَن لَا إِلَه إِلَّا الله
وَمِمَّا صرح فِيهِ بإلتزام التَّشْبِيه قَوْله صَوت الله من فعل الله كَمَا أَن صَوت الْإِنْسَان من فعل الْإِنْسَان وَلَا معنى للتشبيه الَّذِي نفى إِلَّا هَذَا فَهَذَا تنَاقض ظَاهر فَإِنَّهُ تَارَة نفى التَّشْبِيه وَتارَة أثْبته ثمَّ قَوْله يُصَرح بِأَن حَقِيقَة الْمُتَكَلّم من فعل الْكَلَام وَهُوَ خطأ بل حَقِيقَة الْمُتَكَلّم من قَامَ بِهِ الْكَلَام وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن حَقِيقَة الْمُتَكَلّم تفهم بكمالها مَعَ فرض الْغَفْلَة والذهول عَن كَونه فَاعِلا للْكَلَام وَلَو كَانَت حَقِيقَة الْمُتَكَلّم من فعل الْكَلَام لما فهمت حَقِيقَة الْمُتَكَلّم حَتَّى يفهم كَونه
стр. 104
فَاعِلا للْكَلَام على مَا يعرف فِي مَوْضِعه وَلَو كَانَت حَقِيقَة الْمُتَكَلّم من فعل الْكَلَام لَكَانَ الْبَارِي تَعَالَى متكلما بالْكلَام الَّذِي يقوم بِنَا فَإِنَّهُ فَاعل كلامنا وخالقه على مَا يعرف فِي مَوْضِعه وَذَلِكَ محَال
ولتعلم أَيهَا النَّاظر فِي هَذَا الْكتاب أَن كل مَا ذكره هَذَا القس فِي هَذَا الْفَصْل إِنَّمَا هُوَ مبْنى على أَنه تَعَالَى مُتَكَلم بِحرف وَصَوت وَقد أبطلنا ذَلِك فِيمَا تقدم حَيْثُ قُلْنَا كَلَام الْبَارِي ﵎ لَيْسَ بِصَوْت وَلَا حرف وَإِنَّمَا هُوَ وصف لَهُ قَائِم بِهِ لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت كَمَا نبهنا عَلَيْهِ
وَإِذا بِكُل ذَلِك بَطل كل مَا انتحله فِي هَذَا الْفَصْل من الهذيان وَإِنَّمَا كلامنا مَعَه بعد ذَلِك على طَريقَة المناظرة الْجَارِيَة بَيْننَا وَذَلِكَ أَن أَرْبَاب النّظر رُبمَا يسلمُونَ مَا هُوَ مَعْلُوم الْفساد ليتبين تنَاقض الْخصم وتحكمه للعباد وَكَذَلِكَ نَفْعل نَحن بِهَذَا الرجل بحول الله فَنَقُول لَهُ
لأي شَيْء قلت أَن الله اتخذ الصَّوْت حِجَابا لإِظْهَار أَرَادَتْهُ ولبست بِلَفْظ الْحجاب وَلَو قلت إِن الله جعل الصَّوْت دَلِيلا على مَا أَرَادَ لارتفع التلبيس ولزال الْإِبْهَام الَّذِي أوهمت فَإنَّك أوهمت بِلَفْظ الْحجاب أَن الْإِرَادَة احْتَجَبت بِهِ واتحدت مَعَه حَتَّى ظَهرت بواسطته فجعجعت أَنْت بِلَفْظ الْحجاب والظهور وأوهمت وَأَنت مَا حصلت على فَائِدَة وَلَا وجدت
وَمِمَّا يتَبَيَّن أَن هَذَا الَّذِي ذكره إِنَّمَا هُوَ جعجعة لفظية لَيْسَ وَرَاءَهَا معنى أَنا نبطل لفظ الْحجاب بِالدَّلِيلِ وَلَا نبقى مِمَّا توهمه شَيْء فإننا يمكننا أَن نقُول إِن الصَّوْت الَّذِي خلقه الله تَعَالَى وَجعله دَلِيلا على إِرَادَته على قَوْله إِنَّمَا هُوَ بِمَثَابَة أَن لَو خلق خُطُوطًا فِي حجر يسْتَدلّ بهَا الْمُسْتَدلّ على إِرَادَته إِذا قَرَأَهَا فَلَا يتَمَكَّن لعاقل أَن يَقُول إِن الْإِرَادَة انحجبت بخطوط ذَلِك الْحجر وَلَا اتّحدت بِهِ فَإِن الْإِرَادَة لَا تقوم بجماد وَهَذَا بَين بِنَفسِهِ
وَكَذَلِكَ لَو كتبنَا لفظ النَّار فِي ورقة لما تخيل عَاقل بل غافل أَن ذَات النَّار حلت فِي الورقة إِذْ لَو حلت النَّار فِي الورقة لاحترقت وَكَذَلِكَ
стр. 105
الصَّوْت المقطع حروفا إِنَّمَا هُوَ دَلِيل على مَا فِي النَّفس من غير أَن يحل مَا فِي النَّفس وَلَا أَن يتحد بِهِ وَإِذا فهم هَذَا ارْتَفع كل مَا توهمه هَذَا المخدوع بِالضَّرُورَةِ
ثمَّ نقُول لَهُ نسلم جدلا مَا ذكرته من لفظ الْحجاب والظهور لَكِن لم قلت أَنه إِذا صَحَّ أَن تظهر إِرَادَته بحجاب الصَّوْت جَازَ أَن تظهر ذَاته بحجاب الصُّورَة وَمَا الدَّلِيل على ذَلِك وَأي جَامع بَينهمَا
فَإِن قَالَ الدَّلِيل على ذَلِك أَن الله تَعَالَى قَادر على ذَلِك كَمَا هُوَ قَادر على حجاب صَوته فَإِنَّهُ إِن لم يكن قَادِرًا على إِظْهَار ذَاته بِصُورَة فَيكون عَاجِزا وَالْعجز عَلَيْهِ محَال فَهَذَا هُوَ الدَّلِيل وَأما الْجَامِع فَإِن الصَّوْت مظهر للإرادة وَالصُّورَة مظهرة للذات
فَيُقَال لَهُ أما إستدلالك بِأَن الله قَادر على كل شَيْء فإستدلال فَاسد فَإِن الْأَشْيَاء الَّتِي يقدر الْبَارِي تَعَالَى عَلَيْهَا إِنَّمَا هِيَ الممكنات لَا المستحيلات وَهَذَا الَّذِي ذكرت من ظُهُور الله فِي صُورَة مُسْتَحِيل لَا يكون بِهِ مَقْدُورًا فَإِن المستحيل لَا يُوصف الْبَارِي تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَلَا بِالْعَجزِ عَنهُ لإستحالة شَرط تعلق الْقُدْرَة وَهَذَا إِنَّمَا يعرفهُ من يعرف حَقِيقَة حَقِيقَة الْوَاجِب والممكن والمستحيل
ثمَّ أَنا نقلب عَلَيْهِم دليلهم ونقول هَل يقدر الله تَعَالَى أَن يظْهر نَفسه من غير صُورَة أم لَا فَإِن قَالُوا يقدر قُلْنَا لَهُم لَا يحْتَاج إِلَى الصُّورَة الَّتِي فرضتم وَإِن قَالُوا لَا يقدر قُلْنَا لَهُم فَيلْزمهُ الْعَجز وَبِالَّذِي ينفصلون عَن هَذَا بِهِ بِعَيْنِه ننفصل نَحن عَمَّا ألزمونا
وَقد بَينا فِيمَا تقدم أَن إتخاذ الْبَارِي صُورَة ليظْهر فِيهَا مُسْتَحِيل حَيْثُ أبطلنا الْحُلُول والإتحاد وَمَا فِي مَعْنَاهُ
ونزيد الْآن هُنَا نكته وَهِي أَنا نقُول هَذِه الصُّورَة الَّتِي يظْهر فِيهَا لابد أَن تكون متحيزة محدودة وَالظَّاهِر فِيهَا إِمَّا أَن يكون دَاخِلا فِيهَا أَو خَارِجا مِنْهَا أَولا خَارِجا وَلَا دَاخِلا فَإِن كَانَ دَاخِلا فِيهَا كَانَ محدودا محاطا بِهِ وَهَذَا هُوَ التَّشْبِيه
стр. 106
فَإِنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يكون جسما وَهُوَ بَاطِل على الله تَعَالَى ومحال وَإِن كَانَ خَارِجا عَنْهَا لزم تحديده أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يكون خَارج لَا مَحْدُود متحيز فَيلْزم أَن يكون بِجِهَة من الصُّورَة وَإِذا كَانَ بِجِهَة كَانَ جسما وَهَذَا تَشْبِيه
وَأَيْضًا فَإِذا كَانَ بِجِهَة من الصُّورَة الَّتِي ظهر فِيهَا كَانَ مفارقا لَهَا وَإِذا كَانَ مفارقا لَهَا لم يظْهر فِيهَا وَإِن ظهر فَإِنَّمَا يظْهر بِنَفسِهِ لَا بالصورة وَإِذا كَانَ لَا دَاخِلا فِيهَا وَلَا خَارِجا عَنْهَا اسْتَحَالَ عَلَيْهِ أَن يظْهر بهَا أَو فِيهَا لِأَن مَا لَيْسَ بمتحيز وَلَا دَاخل وَلَا خَارج لَا يظْهر فِي جسم متحيز لِأَنَّهُ من حَيْثُ كَانَ لَيْسَ بداخل فِيهَا فقد فَارقهَا وَإِذا فَارقهَا لم يكن فِيهَا وَإِذا لم يكن فِيهَا لم يظْهر فِيهَا
وَلَو جَازَ أَن يظْهر فِي كل مَا لَيْسَ بداخل فِيهِ وَلَا خَارج عَنهُ لجَاز أَن يظْهر فِي كل مَوْجُود وَإِذا جَازَ ذَلِك فَلَعَلَّهُ قد اتخذ الْأَنْبِيَاء كلهم حِجَابا يظْهر فيهم وَهَذَا مِمَّا يأبونه وَهُوَ محَال عِنْدهم
وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى عِنْدهم لَا يرى بإنفراد من غير صُورَة وَلَا يظْهر دونهَا فَكَذَلِك يلْزمهُم أَن يبْقى على حَاله لَا يظْهر وَإِذا وجد صُورَة إِذْ لَيْسَ بداخل فِيهَا وَلَا خَارج عَنْهَا
فَإِن الصُّورَة لَا تكسبه أمرا أوجب لَهُ ظهورا إِلَّا لم يكن لَهُ وَهَذَا بَين الإستحالة إِذْ يلْزم على ذَلِك تغيره عِنْد الْعَاقِل الْمنصف
نُكْتَة أُخْرَى
وَهِي أَنا نقُول هَل يجوز أَن يرى الْبَارِي تَعَالَى وَيظْهر من غير صُورَة أم لَا يجوز فَإِن جَازَ ذَلِك فَلم حتمتم اتِّخَاذ الصُّورَة عَلَيْهِ وقلتم أَنه لَا يظْهر وَلَا يرى إِلَّا بِصُورَة وَإِن قُلْتُمْ لَا يرى وَلَا يظْهر إِلَّا بإتخاذ صُورَة فَإِذا وَقع بصر النَّاظر فَأَما أَن يَقع على تِلْكَ الصُّورَة أَو على الله وَعَلَيْهِمَا
فَإِن قُلْتُمْ وقعل الْبَصَر على الصُّورَة لَا عَلَيْهِ فالمرئى إِذن هِيَ الصُّورَة المخلوقة لَا الْخَالِق وَإِن وَقع الْبَصَر على الْخَالِق وَحده لَا على الصُّورَة فَهُوَ المرئى وَلَا ترى الصُّورَة فَإِن الصُّورَة لَيست هِيَ الْخَالِق تَعَالَى والرائي لم ير إِلَّا الصَّوْت فَإِذن لم ير الْخَالِق وَإِن وَقع الْبَصَر عَلَيْهِمَا لزم عَلَيْهِ أَن يرى الرَّائِي شَيْئَيْنِ الْخَالِق وَالصُّورَة
стр. 107
وَهُوَ إِنَّمَا رأى شَيْئا وَاحِدًا بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ الصُّورَة لقَوْل من يَقُول إِنَّه ظهر بالصورة
وَأَيْضًا فَلَو وَقع بصر من رأى عِيسَى ﵇ على ناسوته ولاهوته لما احتاجوا أَن يستدلوا على ألوهيته بإحياء الْمَوْتَى وَغير ذَلِك وَلما كَانَ يحْتَاج هُوَ أَن يدل على لاهوت نَفسه بِشَيْء من المعجزات وخوارق الْعَادَات إِذا كَانَ يدْرك مِنْهُ بالحس والعيان ذَلِك والمعلوم بالعيان لَا يطْلب تَحْصِيل علمه بِالدَّلِيلِ والبرهان
فَحصل من هَذَا أَن الصُّورَة الْمقدرَة لَا يظْهر فِيهَا الْبَارِي تَعَالَى وَإِن ظَهرت هِيَ فَإِن الرائى إِنَّمَا يَرَاهَا وَحدهَا وَهِي الظَّاهِرَة لَهُ وَأما الْبَارِي فَهُوَ بعد إِيجَاد هَذِه الصُّورَة على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل إيجادها لم تتبدل حَاله أعنى أَنه إِن كَانَ قبل إيجاده هَذِه الصُّورَة قَابلا لِأَن يظْهر فَهُوَ بعْدهَا قَابل لِأَن يظْهر وَإِن كَانَ مُمْتَنعا عَلَيْهِ أَن يظْهر قبلهَا امْتنع عَلَيْهِ ذَلِك بعْدهَا لِاسْتِحَالَة التَّغَيُّر عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَو تغير لَكَانَ مُحدثا
وَأما مَا ادَّعَاهُ من الْجَامِع فَلَا نسلم أَن الصَّوْت مظهر للإرادة إِلَّا بِمَعْنى أَنه يدل عَلَيْهَا لَا بِمَعْنى الإحتجاب والظهور كَمَا زعم وَإِذا لم نسلم هَذَا فِي الصَّوْت فَلَا يَصح لَهُ قِيَاس الصُّورَة على الصَّوْت وَلَو سلمنَا قِيَاس الصُّورَة على الصَّوْت من حَيْثُ الْجَامِع فَبِأَي دَلِيل يحمل أَحدهمَا على الآخر فَإِن وجود الْجَامِع لَا يدل على أَن حكم أَحدهمَا حكم الآخر إِذْ لَا يبعد فِي المتماثلات فِي بعض الصِّفَات اختلافها فِي بعض الْأَحْكَام على مَا يعرفهُ أَهله وَلَو سلمنَا وجود دَلِيل الْإِلْحَاق لَكَانَ قِيَاس جُزْء على جُزْء وَذَلِكَ غير مَقْبُول فِي العقليات على مَا يعرف فِي مَوْضِعه وعَلى مايقال مَعَ أَهله فَظهر من كَلَام هَذَا الرجل عِنْد الْعُقَلَاء أَنه غير متمسك بِدَلِيل عَقْلِي وسنبين أَنه لم يسْتَدلّ على صِحَة مذْهبه بِدَلِيل نقلى فَإِذا بَطل لَهُ الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول ثَبت أَنه بالتحكم والهوى يَقُول وَذَلِكَ دأب كل غبي جهول
وَأما قَوْله فَالْوَاجِب عَلَيْهِم أَن يخاطبوا الصَّوْت بإسم الَّذِي الصَّوْت لَهُ وَكَذَلِكَ الصُّورَة يجب أَن تخاطب بإسم الَّذِي هِيَ لَهُ
стр. 108
فَنَقُول لَهُ قَوْلك وَاجِب عَلَيْهِم هَذَا الْوُجُوب الَّذِي ادعيته أهوَ عَقْلِي أَو شَرْعِي فَإِن قَالَ هُوَ عَقْلِي وشرعي فَلَا بُد من إِقَامَة الدَّلِيل على ذَلِك
فَإِن قَالَ الدَّلِيل على ذَلِك النَّقْل وَالْعقل أما النَّقْل فَهُوَ أَن الْعَاقِل إِذا أقرّ بِأَن الله خَاطب مُوسَى بِصَوْت مسموع أَو ظهر فِي صُورَة مرئية فقد أقرّ بِأَن الله خص ذَلِك الصَّوْت وَتلك الصُّورَة بِمَا لم يخص بِهِ شَيْئا من الْمَخْلُوقَات إِذْ تجلى هُوَ فِيهَا وَإِذا ثَبت ذَلِك فالعقل يشْهد بِأَن ذَلِك الصَّوْت وَتلك الصُّورَة شرِيف وَالصَّوْت لابد أَن يعْتَرف لشرفه وَينزل مَنْزِلَته وَلَا أشرف من الله تَعَالَى وَمَا ظهر فِيهِ الله تَعَالَى فَيَنْبَغِي أَن يعظم بأقصى رتب التَّعْظِيم ويعبد بِأَجل الْعِبَادَات فَخرج من هَذَا أَنه يجب عقلا أَن تعظم الصُّورَة لتعظيم الْحَال فِيهَا فتخاطب بإسم الرب ويعترف لَهَا بالربوبية والألوهية
وَأما الشَّرْع فَالَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْعقل جَاءَت بِهِ الشَّرَائِع أَلا ترى أَن مُوسَى خَاطب الصَّوْت بإسم الربوبية وَكَذَلِكَ من رأى الصُّورَة إِنَّمَا يرى صُورَة الله وَالله تَعَالَى مُعظم بِالشَّرْعِ وَالْعقل فَتلك الصُّورَة يَنْبَغِي أَن تكون معظمة بِالشَّرْعِ وَالْعقل أَلا ترى أَن الشَّرَائِع قد أمرتنا بتعظيم الْمَلَائِكَة وإهانة الشَّيَاطِين وَلَيْسَ يخفى أَن الْعَرْش أعظم من السَّمَاء وَأَن الْمشرق أعظم من الْمغرب وَأَن الصَّالِحين أعظم من الطالحين وَهَذَا كُله يشْهد لَهُ الْعقل وَالنَّقْل كَمَا سبق
هَذَا إنهاء تَقْرِير حجَّته وإليها أَشَارَ فِي كَلَامه وَلَا مزِيد فِي التَّقْرِير عَلَيْهَا
فَنَقُول قَوْلك الْعقل دلّ عَلَيْهِ بَاطِل فَإِن الْعقل لَا يدل على الْتِزَام الْعِبَادَات فَإِن معنى الْعِبَادَات الَّتِي تفعل بِحكم اللُّزُوم إِنَّهَا تفعل وَإِلَّا فيعاقب الله التارك وَذَلِكَ لَا يتَوَصَّل الْعقل إِلَيْهِ إِذْ الْعِبَادَات لَا تتَعَيَّن عِنْده إِلَّا بِتَعْيِين معِين الَّذِي هُوَ الشَّارِع الَّذِي ينص على مَا يرضيه من الْعِبَادَات وعَلى مَا لَا يرضيه وَأما الْعقل فَلَا يسْتَقلّ بِشَيْء من ذَلِك فَلَعَلَّ الْعِبَادَة الَّتِي يعينها الْعقل ويلتزمها لَعَلَّ الله تَعَالَى لَا يرضى بهَا إِذْ يفعل الله مَا يُرِيد وَلَعَلَّ مَا يَظُنّهُ الْعقل عبَادَة هُوَ مَعْصِيّة فَإِن هَذَا الله تَعَالَى يفعل مَا يَشَاء فَكَمَا يَجْعَل من شَاءَ نَبيا ووليا
стр. 109
يَجْعَل من يَشَاء فَاسِقًا وخبيثا ويمد بِأَسْبَاب ذَلِك وَلَا حجر عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَلَا حكم كَذَلِك يَجْعَل مَا يَشَاء من الْأَعْمَال طَاعَة وَمَا يَشَاء مَعْصِيّة وَإِن لم تقل بذلك لزمك أَن تجْعَل الله تَعَالَى مَحْكُومًا عَلَيْهِ مَغْلُوبًا وَذَلِكَ كُله على الله تَعَالَى محَال
وَأما مَا ادعيت من النَّقْل من الْأَنْبِيَاء فَذَلِك شَيْء لَا يَصح عَنْهُم أَنهم عظموا الصَّوْت وَالصُّورَة بِمَا عظموا بِهِ الله حَتَّى عبدوهما كَمَا تَزْعُمُونَ أَنْتُم
وقولكم إِن مُوسَى خَاطب الصَّوْت بالربوبية زعم وقاح وافك صراح وَإِنَّمَا الْمُخَاطب بالربوبية الْمُتَكَلّم بالصوت بزعمكم الَّذِي قَالَ عَن نَفسه بالصوت أَنا الله وَالَّذِي يعقله الْعُقَلَاء الَّذين لَا يَلْعَبُونَ بأديانهم وَلَا يجترؤون على رَبهم والههم إِن الصَّوْت مَوْجُود يتَكَلَّم بِهِ وَلَا يتَكَلَّم هُوَ عَن نَفسه فَإِذا سمع الْعَاقِل قَائِلا قَالَ بِصَوْت مقطع مشيت إِلَى بَيت الْمُقَدّس فرأيته مثلا لَا يشك عَاقل فِي أَن الْمخبر عَن نَفسه إِنَّمَا هُوَ الَّذِي قَامَ بِهِ الصَّوْت لَا الصَّوْت فَإِنَّهُ لَو كَانَ الصَّوْت هُوَ الَّذِي أخبر بذلك عَن نَفسه لما صدق عَلَيْهِ ذَلِك وَلما صَحَّ مِنْهُ الْخَبَر لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ المشى وَلَا الرُّؤْيَة
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِنْسَان مخبرا عَن نَفسه بقوله أكلت الْخبز وَهَذَا بَين بِالضَّرُورَةِ وَإِذا تقرر هَذَا فالصوت الَّذِي سلمناه جدلا الَّذِي تكلم الله بِهِ على زعمهم لم يقل من نَفسه شَيْئا مِمَّا ذَكرُوهُ إِنَّمَا الله هُوَ الَّذِي قَالَه مخبرا عَن نَفسه وَأما مَا قَالَه مُوسَى فَإِنَّمَا قَالَه لله تَعَالَى فَلهُ اعْترف بالربوبية وَإِلَيْهِ تَابَ وَله سجد وإياه عبد لَا للصوت وَهَذَا مَعْلُوم على الْقطع والضرورة والمخالف فِي ذَلِك جَاهِل متسامح أَو معاند متواقح
وَقد كَانَ تقدم من قَول السَّائِل الغبي الْجَاهِل أَن مُوسَى أعترف للصدى بالربوبية وَأَنه الَّذِي قَالَ عَن نَفسه أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وَأَنه هُوَ الَّذِي سجد لَهُ مُوسَى وَعَن ذَلِك الصدى تحمل مُوسَى الرسَالَة وَأَنه هُوَ الَّذِي كلم مُوسَى وإياه جاوب وَأَنه قَامَ عِنْد مُوسَى مقَام خَالق فَسَماهُ إِلَهًا وَرُبمَا يظنّ ذَلِك الْجَاهِل أَن هَذَا
стр. 110
الَّذِي قَالَه أغشتين هُوَ الَّذِي قَالَه هُوَ وهيهات أَن بَينهمَا مَا بَين الثرى والثريا
وَغَايَة كَلَام أغشتين وَإِن كَانَ فِيهِ من المخطئين أَن يَقُول قد علمنَا أَن الله تَعَالَى خلق الصَّوْت الَّذِي أسمعهُ لمُوسَى كَمَا علمنَا أَن الله خلق جَمِيع الْأَصْوَات وَلَكِن وَجب علينا الْإِقْرَار لذَلِك الصَّوْت بالربوبية مالم يجب لغيره لعلمنا أَن الله تَعَالَى ولى المخاطبة بِهِ
هَذَا نَص مَا فِي كِتَابه على هَذَا الْمَعْنى
وَلَا يفهم مِنْهُ شَيْء مِمَّا انتحله ذَلِك السَّائِل وَقد وكلت النَّاظر الْعَاقِل الْمنصف للوقوف على كَلَامهمَا وتفهم معانيهما فَإِنِّي قد نصصت على كَلَامهمَا فِي هَذَا الْكتاب وحكيته كي يَزُول الإرتياب وَيعلم النَّاظر الْمنصف أَن السَّائِل لَيْسَ على شَيْء من الصَّوَاب وَإِنَّمَا نبهت هَذَا التَّنْبِيه حذرا من المغالطة والتمويه فَإِنِّي أَخَاف إِن وبخ أحد أقسة النَّصَارَى هَذَا السَّائِل على هَذَا الْمَذْهَب الَّذِي اخترعه والمحال الَّذِي ابتدعه أَن يحْتَج لنَفسِهِ بِأَن ينْسبهُ إِلَى أغشتين وَيكون فِي نسبته من الْكَاذِبين
فَمن أَرَادَ الْإِنْصَاف فليطرح عَن نَفسه التعصب والإعتساف وَيقف على كَلَامهمَا متدبرا وَفِيه متفكرا وَلَقَد كنت أَتَمَنَّى أَن يكون أُولَئِكَ الأقسة بَين يَدي حَتَّى يسمعوا مني وينظروا إِلَى فَلَيْسَ كل مَا فِي النَّفس تبرزه الْمُكَاتبَة ثمَّ لَيْسَ الْخَبَر كالمشافهة
وَأما قَوْله وَإِذا وَجب إكرام الْحجاب بإكرام المحتجب بِهِ لم يبْق علينا من الْكَلَام شَيْء إِلَّا فِي الْحجاب الَّذِي اتَّخذهُ منا وَهُوَ الْمَسِيح فَنَقُول الْمَفْهُوم من لفظ الْحجاب إِنَّمَا هُوَ السَّاتِر للشَّيْء الْمَانِع لَهُ فَإنَّك تَقول احتجب عني فلَان إِذا استتر عَنْك وَامْتنع من لقائك وَالْخُرُوج إِلَيْك وَلَا يَصح هُنَا على مَفْهُوم كَلَام هَذَا الرجل أَن يكون الْحجاب هُوَ السَّاتِر بل هُوَ الكاشف الْمظهر على قَوْله وَذَلِكَ أَن إِرَادَة الله وذاته قبل إتخاذ الصَّوْت وَالصُّورَة لم يكن شَيْء مِنْهُمَا ظَاهرا فَلَمَّا اتخذهما ظَهرت إِرَادَته وذاته هَذَا مَفْهُوم مساق كَلَامه فتدبره
следующие страницы →