← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6517

الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام

أبو العباس القرطبي

Полный текст (442 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الله وتحريفه فَلَا يوثق بِالَّذِي فِي يَده مِمَّا يدعى أَنه كتاب الله لعدم الثِّقَة بِهِ ولقلة مبالاته بِالدّينِ وَأَيْضًا فَلَعَلَّهُ قد حرفه كُله أَو أَكْثَره وَكَذَلِكَ يقرونَ وَلَا يُنكرُونَ أَن طَائِفَة مِنْهُم يُقَال لَهُم السامرية حرفوا التَّوْرَاة تحريفا بَينا كثيرا والسامرية يدعونَ عَلَيْهِم مثل ذَلِك التحريف وَكَذَلِكَ النَّصَارَى أَيْضا يَدْعُو على الْيَهُود أَنهم حرفوا فِي التَّوْرَاة التَّارِيخ ويزعمون أَنهم نَقَصُوا من تَارِيخ آدم ﷺ ألف سنة وَنَحْو الْمِائَتَيْنِ وَهَذِه إحتمالات توجب على الْعَاقِل التَّوَقُّف فَلَا يَدعِي حُصُول الْعلم بِنَقْل التَّوْرَاة مَعَ انقداح هَذِه الممكنات إِلَّا مجاهر متعسف فَإِن قيل كَيفَ يَصح أَن يُقَال هَذَا وَقد كَانَ الْأَنْبِيَاء بعد مُوسَى ﵇ يحكمون بِالتَّوْرَاةِ ويرجعون إِلَيْهَا وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى زمن يحيى وَعِيسَى ثمَّ بعد ذَلِك تناقلها النَّصَارَى كَمَا تناقلها الْيَهُود خلفا عَن سلف إِلَى الْيَوْم وَإِن جَازَ تطرق التحريف إِلَى مَا هَذَا سَبيله فَيلْزم عَلَيْهِ أَن يحكم الْأَنْبِيَاء بِالْبَاطِلِ وَيلْزم عَلَيْهِ أَيْضا أَن يقرُّوا على الْبَاطِل غَيرهم وَهَذَا كُله بَاطِل على الْأَنْبِيَاء وَيلْزم عَلَيْهِ أَيْضا أَن لَا يحصل الْعلم بِخَبَر متواتر وَلَا يوثق بِكِتَاب يدعى أَنه جَاءَ عَن نَبِي فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِنَّا لم نعين لوُقُوع التحريف فِيهَا زَمَانا وَلَا عينا من حرف مِنْهَا شَيْئا وَلَا من ألحق بهَا شَيْئا فَيحْتَمل أَن يَقع التحريف فِيهَا قبلهم أَو بعدهمْ وَإِنَّمَا أبدينا تِلْكَ الإحتمالات ليعلم أَن الَّذِي فِي نفوسكم من الثِّقَة بهَا إِنَّمَا هُوَ إعتقاد جزم وَلَيْسَ بِعلم وَمِمَّا يدل على قبُول تِلْكَ الإحتمالات وَأَنَّهَا قادحة فِي دَعْوَى الْعلم

стр. 142

بسلامتها أَنَّهَا لم تقر على مَا تلقيت من مُوسَى بل زيد فِيهَا مالم يتلق عَن مُوسَى مثل الَّذِي حكيناه من ذكر وَفَاته وحزن بني إِسْرَائِيل وحكاية قَول كلم الله مُوسَى وَهَذَا يعلم مِنْهُ على الْقطع أَن الله لم يقلهُ لمُوسَى وَلَا مُوسَى قَالَه عَن نَفسه يعلم ذَلِك من وقف عَلَيْهِ وتتبعه بضرورة مساق الْكَلَام وَلَا بُد فَالَّذِي زَاد ذَلِك لَعَلَّه الَّذِي وَقع الْخلَل من جِهَته وَأما مَا ذكرْتُمْ من حكم الْأَنْبِيَاء بهَا فَلَيْسَ فِيهِ حجَّة لِإِمْكَان أَن تنازعوا فِي قَوْلكُم كَانُوا يحكمون بهَا بل لَعَلَّهُم كَانُوا يحكمون بِمَا كَانَ الله يعلمهُمْ بِمَا يُوَافق شَرِيعَة مُوسَى وَلَا يُخَالِفهَا وَلَو سلمنَا أَنهم كَانُوا يحكمون بهَا فَنَقُول كل شَيْء حكم بِهِ الْأَنْبِيَاء من التَّوْرَاة فَلَيْسَ بمحرف وَأما مَا لم يحكموا بِهِ مِنْهَا فَلَعَلَّهُ الَّذِي حرف مثل الْأَخْبَار الَّتِي حكيناها ونحكيها إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قيل فَيلْزم مِنْهُ أَن يقر الْأَنْبِيَاء على الْخَطَأ ويتحدثوا بِالْكَذِبِ فَإِنَّهُم كَانُوا يتحدثون بهَا قُلْنَا لَيْسَ بكاذب من حكى شَيْئا يعْتَقد صِحَّته لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم الله تَعَالَى وَإِن كَانَ ذَلِك الْخَبَر فِي نَفسه مُخَالفا لما فِي الْوُجُود فَإِنَّهُ إِنَّمَا يحْكى عَن إعتقاده وَهُوَ حق وَإِنَّمَا الْكَاذِب الَّذِي يخبر عَن الشَّيْء بِخِلَاف مَا هُوَ عَلَيْهِ من الْعلم بذلك وَهُوَ حد الْكَذِب عندنَا وَحَقِيقَته وَهَذَا إِنَّمَا يجوز فِي حِكَايَة الْأَخْبَار الَّتِي لَا يتَعَلَّق بهَا حكم وَأما مَا تعلق بِهِ حكم مِنْهَا فَلَا يجوز ذَلِك إِذْ الْأَنْبِيَاء معصومون فِيمَا يبلغونه من الْأَحْكَام عَن الله تَعَالَى وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا حذرا من أَن ننسب إِلَى الله تَعَالَى مَا لَا يَلِيق بجلاله أَن ينزله فِي كِتَابه وَلَا أَن يُنَاجِي بِهِ صفوة أحبابه من الْفَوَاحِش والفجور الَّتِي حكوها فِي التَّوْرَاة وَادعوا أَنه فِيهَا مسطور مَعَ أَنه لَيْسَ فِي ذكرهَا فَائِدَة بل هِيَ بِكُل ضَلَالَة عَائِدَة وَكَذَلِكَ تنزه مُوسَى والأنبياء بعده صلوَات الله عَلَيْهِم عَن ذَلِك الْكَلَام الغث الركيك الَّذِي لَو حكى مثله عَن بعض السفلة لأنف مِنْهُ واستحى مِنْهُ وَلما كَانَ يَنْبَغِي لعاقل أَن يلْتَفت ويصغى إِلَيْهِ ولكان يجب عَلَيْهِ أَن يعرض عَنهُ وينكره إِذا سَمعه هَذَا إِذا كَانَ محكيا عَن

стр. 143

السفلة فَكيف إِذا حَكَاهُ الله عَن نَفسه أَو عَن خيرته من خلقه الَّذين برأهم الله عَن الْكَبَائِر والنقائص الَّتِي تنَاقض نبوتهم فهم أكْرم الْخلق عَلَيْهِ وأحظاهم لَدَيْهِ وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن والغيبة والبهتان والإحن ثمَّ يتعامل بهَا مَعَ أكْرم الْخلق عَلَيْهِ فِي نُفُوسهم وذراريهم وبناتهم وينسبها إِلَيْهِم ويشيعها أَبَد الآبدين عَلَيْهِم هَذَا مِمَّا لَا يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى وَالْقَائِل بِوُقُوع هَذَا مستهزئ مفتر على الله وسننقل عَن بعض مَا حكوا فِي التَّوْرَاة من هَذِه القبائح إِثْر هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ نقُول لَو سلمنَا أَنَّهَا لم تحرف فِي زمَان الْأَنْبِيَاء لأمكن أَن نقُول فَلَعَلَّهُ حرف بعدهمْ وَذَلِكَ بعد وقْعَة طيطش حَيْثُ أفناهم وَالَّذين تنصرُوا مِنْهُم عدد يسير لَا تقوم الْحجَّة بقَوْلهمْ وَإِن قُلْنَا إِنَّهُم كَانُوا عددا كثيرا فَلم يكن كل وَاحِد مِنْهُم مِمَّن يحفظها وَلَا يضبطها ثمَّ نقُول لِلنَّصَارَى إِن أنكرتم أَن يكون شَيْء من التَّوْرَاة حرف فلأي شَيْء تَقولُونَ إِن الْيَهُود حرفوا فِي التَّوْرَاة فِي نسب آدم ونقصوا مِنْهُ وَإِذا جَازَ ذَلِك فِي نسب آدم جَازَ فِي غَيره وَهَذَا بَين وَأما قَوْلهم يلْزم أَن لَا نقبل خبر متواتر وَلَا يوثق بِكِتَاب نَبِي فَلَا يلْزم شَيْء من ذَلِك فَإِن الْخَبَر إِذا تطرقت إِلَيْهِ أَمْثَال تِلْكَ الإحتمالات فَلَا يوثق بنقله وَلَا يعول عَلَيْهِ لَا مَكَان تِلْكَ الْآفَات أَو لَعَلَّ أشرافكم تتخلب نَحْو كتَابنَا فَيَقُولُونَ فكتابكم لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا يعول عَلَيْهِ فَنَقُول هَيْهَات إِنَّمَا قُلْنَا كل كتاب تطرق إِلَيْهِ شَيْء من تِلْكَ الإحتمالات وَكِتَابنَا منزه عَن أَمْثَال تِلْكَ الْآفَات فَإِن الله تَعَالَى تولى حفظه وأجزل من كل صِيَانة حَظه فصانه بنظمه الَّذِي لَا يقدر الْجِنّ وَالْإِنْس على آيَة مِنْهُ فَلَا يخْتَلط بِهِ كَلَام مُتَكَلم وَلَا يقبل وهم متوهم إِذْ لَيْسَ من جنس كَلَام الْبشر وَهُوَ مَعْدُود الْآي والسور ثمَّ صانه بِأَن يسره للْحِفْظ والإستظهار فيستوى فِي نَقله

стр. 144

الْكِبَار وَالصغَار لَا يخْتَص بحفظه أحد وَالْوَالِد إِذْ نقص مِنْهُ حرفا وَاحِدًا أَو غير حَرَكَة مِنْهُ رده وَأَصْلَحهَا عَلَيْهِ الْوَلَد وَمَعَ هَذَا فحروفه وكلماته وآياته وسوره فِي الدَّوَاوِين معددة وأشكال كتبه حُرُوفه فِيهَا مُقَيّدَة وَمَعَ هَذَا فَنقل الْأُمَم الَّتِي لَا تحصى عَن الامم الَّتِي لَا تحصى حَتَّى يصل ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ الْمُصْطَفى مَعَ قرب الْعَهْد والتشمير فِي صيانته وَالْجد وإستعمال القانون النَّحْوِيّ وتثقيف اللِّسَان الْعَرَبِيّ فيهمَا كمل الله لَهُ الصون وَحصل لَهُ بهما على فهمه أكبر العون فَللَّه الْحَمد على مَا أولى وَالشُّكْر لَهُ على نعمه الَّتِي لَا تحصى فَأَيْنَ اللُّؤْلُؤ من الخزف والياقوت من الصدف وَبعد هَذَا فَالْآن حَان أَن نذْكر بعض مَا وَقع فِي التَّوْرَاة مِمَّا تطرق إِلَيْهَا التهم وَمن ذَلِك مَا ذَكرُوهُ فِيهَا فِي الْمُصحف الأول مِنْهَا وَرَأى الله أَن قد كثر فَسَاد الْآدَمِيّين فِي الأَرْض فندم على خلقهمْ وَقَالَ سأذهب الْآدَمِيّ الَّذِي خلقت على الأَرْض والخشاش وطيور السَّمَاء لِأَنِّي نادم على خلقتها جدا وَهَذَا فِي حق الله تَعَالَى محَال إِذْ النَّدَم إِنَّمَا يلْحق من لَا يعلم مصير المندوم عَلَيْهِ ومآله وإعتقاد هَذَا فِي حق الله كفر إِذْ يُنبئ عَن أَن الله تَعَالَى جَاهِل وَأَنه متغير تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَلَفظ النَّدَم هُنَا نَص لَا يقبل التَّأْوِيل فَهُوَ كذب وباطل قطعا وَمن ذَلِك مَا ظهر فِي الْوُجُود خِلَافه وَذَلِكَ أَنهم حكوا فِيهَا أَن بني إِسْرَائِيل يسكنون تِلْكَ الأَرْض إِلَى الإنقراض ثمَّ لم يَلْبَثُوا أَن رأيناهم أخرجُوا مِنْهَا رَأْي الْعين فقد ظهر أَن ذَلِك بَاطِل وَكذب وَمن ذَلِك أَيْضا أَنه حكى فِيهَا أَن الله تَعَالَى كالإنسان شخص

стр. 145

ذُو جوارح وَهَذَا على الله بِالضَّرُورَةِ محَال وَلَا للتأويل فِي هَذَا اللَّفْظ مجَال ثمَّ أَنى هَذَا من قَوْله ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ وَمن ذَلِك أَيْضا أَن الله تَعَالَى حِين أَمر بني إِسْرَائِيل إِلَى التَّوَجُّه إِلَى الشَّام وعدهم أَن يتَوَجَّه مَعَهم وَأمره أَن يعملوا قبَّة على صفة كَذَا ينزل فِيهَا فِي سيره مَعَهم ثمَّ إِن مُوسَى قَالَ لَهُ يارب إِن هَذِه الْأمة القاسية رقابها لَا تمْضِي إِلَيْك إِلَى الشَّام حَتَّى تمْضِي مَعهَا كَمَا وعدتها فَقَالَ الله نعم اعْمَلُوا لي الْقبَّة فَعلم مُوسَى الْقبَّة وسماها قبَّة الْعَهْد وَنزل الله من عَرْشه وَسَار مَعَهم فِي دَاخل الْقبَّة ينزل بنزولهم ويرحل برحيلهم هَذَا نَص التَّوْرَاة وَمِمَّا يذكرُونَهُ من بَقِيَّة هَذَا وَلَيْسَ فِي التَّوْرَاة أَنهم حِين جمعُوا المَال لعمل هَذِه الْقبَّة أجروا الإتفاق على يَد مُوسَى ﵇ فَلَمَّا كمل عَملهَا ادعوا عَلَيْهِ أَنه قد نقصهم من المَال ألف رَطْل وَسبع مائَة رَطْل وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ رطلا وَقَالُوا لمُوسَى تهكما بِهِ أَيْن نقص هَذَا المَال وَإِنَّمَا جرى الإتفاق على يَديك فَسَمِعُوا صَوتا من السَّمَاء يَقُول لَهُم إِن هَذَا الْعدَد دخل فِي رُؤُوس الأعمدة وَفِي التغشية فَحِينَئِذٍ كفوا عَنهُ فَهَؤُلَاءِ لم يعرفوا الله حق مَعْرفَته وَلَا قدروه حق قدره ﴿فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وَمن ذَلِك أَيْضا أَنهم ذكرُوا فِيهَا أَن الله قَالَ لَهُم أَن يضْربُوا الْقرن فِي عَسْكَرهمْ قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى يلْقوا عدوهم فَحِينَئِذٍ يضربونه بأشد مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ ليسمعهم الله فيؤيدهم على عدوهم فَكَأَنَّهُ لَا يسمع إِلَّا الْأَصْوَات الْعَالِيَة فَأَيْنَ هَذَا من وصف الله تَعَالَى نَفسه فِي كِتَابه على لِسَان نبيه وَرَسُوله حَيْثُ قَالَ ﴿وَإِن تجْهر بالْقَوْل فَإِنَّهُ يعلم السِّرّ وأخفى الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾

стр. 146

وفيهَا من هَذَا النَّوْع كثير لَو ذهبت أنقله لطال الْكتاب ولخرجنا من مَقْصُود الْبَاب وَيَنْبَغِي أَن نذْكر الْآن مَا جَاءَ فِيهَا مِمَّا ينزه عَنهُ الْأَنْبِيَاء ﵈ من ذَلِك مَا حكوا فِي السّفر الأول عَن لوط أَنه طلع من صاغار فسكن الْجَبَل هُوَ وابنتاه مَعَه فَجَلَسَ فِي مغار هُوَ وإبنتاه فَقَالَت الْكُبْرَى للصغرى قد شاخ أَبونَا وَلَيْسَ على الأَرْض رجل يدْخل علينا نسقى أَبَانَا الْخمر ونضطجع مَعَه فِي مضطجعه فَفَعَلْنَا وحملتا مِنْهُ بولدين موآب وعمون هَذَا لوط من رسل الله الأكرمين أوقعه الله فِي فَاحِشَة كَمَا يُوقع الأرذلين ثمَّ خلد ذكرهَا فِي الآخرين وَهل هَذَا إِلَّا عين الإهانة وَأي نِسْبَة بَين هَذَا وَبَين النُّبُوَّة والكرامة وَكَذَلِكَ أَيْضا حكوا فِيهَا أَن اسحق لما شاخ وعمى بَصَره دَعَا بعيسو إبنه الْأَكْبَر ليبارك عَلَيْهِ وليدعوا لَهُ بِالنُّبُوَّةِ فتحيل يَعْقُوب عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ إِسْحَق أَبوهُ من أَنْت فَقَالَ لَهُ بكرك عيسو فَقَالَ لَهُ إدن مني حَتَّى أجسك فَدَنَا مِنْهُ وَقد كَانَ وضع على رَأسه شعرًا بمكيدة أمه فَقَالَ لَهُ الصَّوْت صَوت يَعْقُوب وَلَكِن الْيَدَيْنِ يدا عيسو فَبَارك عَلَيْهِ ودعا لَهُ بِالنُّبُوَّةِ وبشره بهَا وَهُوَ على غلط فِيهِ ثمَّ بعد ذَلِك جَاءَ عيسو وَقَالَ لَهُ باركني أَيْضا يَا أبي فَقَالَ لَهُ دخل أَخُوك بمكر فَقبل بركاتك فَقَالَ عيسو بعد بكاء وحزن أما تركت من البركات شَيْئا أبركة وَاحِدَة لَك يَا أبتي فَمَا أعظم هَذِه الْآيَة الَّتِي تشبه حَدِيث خرافة وَمن ذَلِك مَا ذَكرُوهُ فِيهَا أَيْضا أَن يَعْقُوب بَيْنَمَا هُوَ يصلح خيمته

стр. 147

ويبسطها مَشى إبنه رأوبين وَهُوَ أكبر أَوْلَاده فضاجع سَرِيَّة أَبِيه بلهة وَلما علم بذلك يَعْقُوب قَالَ لإبنه رأوبين فضل الْعِزّ فائرا كَالْمَاءِ فَلذَلِك لم أفضلك بِالسَّهْمِ الزَّائِد حَيْثُ أمتهنت فِرَاشِي وَتَفْسِير هَذَا أَن سنة الْمِيرَاث كَانَت عِنْدهم أَن يَرث الْوَلَد الْأَكْبَر سَهْمَيْنِ وَسَائِر الْوَلَد سَهْما وَاحِدًا فعاتب يَعْقُوب إبنه رأوبين على فعله بسريته بِأَن لم يفضله بِالْمِيرَاثِ على أَنه كَانَ أكبر وَلَده وَفِي بعض التراجم أَن يَعْقُوب قَالَ يَا رأوبين أَنْت بكري وقوتي وَرَأس حراتي وعوني طائقة الحمولة وطائقة الْعِزّ والمنعة عديت مثل المَاء فَلَا تمكث إِذْ صعدت إِلَى مُضْطَجع أَبِيك حَقًا لقد نجست مضطجعي وتناولته وَمن ذَلِك مَا ذَكرُوهُ فِيهَا أَيْضا أَن يهوذا بن يَعْقُوب زنى بكنته ثامار إمرأة ولديه وَلَقَد كَانَا هلكا عَنْهَا وَاحِدًا بعد وَاحِد فَردهَا يهوذا إِلَى بَيت أَبِيهَا ووعدها بتزويج وَلَده الثَّالِث الْمُسَمّى بشيلا إِذا كبر ثمَّ أَنَّهَا قعدت ليهوذا فِي طَرِيق غمنه وتسترت جهدها فظنها بغيا فَعدل إِلَيْهَا ودعاها إِلَى نَفسه فَسَأَلته أجرا فوعدها بجدى من غنمه فطلبت مِنْهُ رهنا فَأَعْطَاهَا خَاتمه ومنديله وَعَصَاهُ وواقعها بزعمهم فَحملت مِنْهُ ثمَّ إِن يهوذا أرسل بالجدي ليطلب رَهنه فَلم تُوجد الْمَرْأَة فجَاء بِنَفسِهِ إِلَى أهل الْقرْيَة وَقَالَ لَهُم أَيْن قحباكم المتبلطة على الطَّرِيق فَقَالُوا مَا كَانَ منا على الطَّرِيق قحبا ثمَّ قيل لَهُ بعد حِين إِن كنتك ثامار حُبْلَى فَقَالَ تحرق بالنَّار فأخرجت لتحرق بالنَّار فَقَالَت إِنَّمَا أَنا حَامِل مِنْهُ وَهَذِه رَهنه بيَدي حِين زنى بِي ليفكها بجدي من غنمه فَعرف ذَلِك يهوذا وَقَالَ هِيَ أصدق مني وَفِي بَقِيَّة هَذَا الْخَبَر خرافة وَذَلِكَ أَن ثامار لما جاءها الْمَخَاض كَانَ فِي بَطنهَا توأمان فتناولت الْقَابِلَة خيط عهن فربطته على يَده وَقَالَت هَذَا يخرج بديا فَلَمَّا مد يَده خرج أَخُوهُ فَقَالَ لقد انحزمت فِيك ثلمة عَظِيمَة

стр. 148

وَحكى فِيهَا أَيْضا أَن دينة بنت يَعْقُوب خرجت لبَعض شَأْنهَا فَنظر إِلَيْهَا شخيم بن حمورا الزناتي فعشقها واحتملها فواقعها وافتضها ثمَّ أَن شخيم قَالَ لِأَبِيهِ حمورا اخْطُبْ لي هَذِه الْجَارِيَة لتَكون لي إمرأة فَبلغ ذَلِك يَعْقُوب وَأَنَّهُمْ قد نجسوا دينة إبنته فَصمت يَعْقُوب وأطرق حَتَّى أَتَاهُ بنوه فَلَمَّا بَلغهُمْ ذَلِك اغتموا وساءهم ذَلِك وَاشْتَدَّ عَلَيْهِم ذَلِك جدا لأَنهم ارتكبوا النَّجَاسَة فِي إِسْرَائِيل ثمَّ إِن بني يَعْقُوب عاقدوا شخيم وحمور أَبَاهُ وَقَومه أَنهم إِذا اختتنوا أنكحوه أختهم دينة فَإِنَّهُم قَالُوا لشخيم لَا نقدر أَن نزوج أُخْتنَا من رجل لَهُ غرلة وَلَكِن إِذا اختتنتم زوجناكم أُخْتنَا وبناتنا ونتزوج بناتكم فَفعل الْقَوْم ذَلِك فَلَمَّا اشتدت بهم أوجاعهم تنَاول شَمْعُون ولاوى كل وَاحِد مِنْهُمَا حَرْبَة ودخلا على الْقرْيَة بَغْتَة فقتلا كل ذكر فِيهَا وَمثل هَذَا كثير مِمَّا يخرج استقصاؤه إِلَى التَّطْوِيل وَكَذَلِكَ حكوا فِيهَا أَيْضا من وَعِيد الله لبني إِسْرَائِيل بالفاحشة والقبيح مَالا يقبله ذُو عقل صَحِيح مثل مَا حكوا أَن مُوسَى قَالَ لبني إِسْرَائِيل فِي الْوَصِيَّة الَّتِي وصاهم بهَا حَيْثُ قَالَ لَهُم إِن كفرت بِرَبِّك وحدت عَن سَبيله وعبدت الْآلهَة الْأَجْنَبِيَّة يَضْرِبك الرب بقرحة مصر وبالبواسير والجرب والحكة حَتَّى لَا تَسْتَطِيع الشِّفَاء تخْطب إمرأة وَرجل آخر يضطجع مَعهَا وَهَذَا الْكَلَام تضمن أَن الله تَعَالَى توعد بني إِسْرَائِيل من عبد غير الله مِنْهُم بِثَلَاثَة أَنْوَاع من الْفَوَاحِش لَا يَنْبَغِي لذوى المروءات أَن يتلفظوا بهَا وَلَو أسقطوا مروءتهم فتلفظوا بهَا لما كَانَ يَنْبَغِي لَهُم أَن يتوعدوا بهَا وَلَا أَن ينفذوا ذَلِك الْوَعيد لفحشه ثمَّ إِنَّهُم يلْزمهُم على هَذَا أحد ثَلَاث أُمُور أَحدهَا أَن يكون هَذَا الْكَلَام بَاطِلا أَو كذبا على الله تَعَالَى عَن ذَلِك أَو يكون بني إِسْرَائِيل كل من أشرك مِنْهُم

стр. 149

وَعبد غير الله أَن يبتلى بِهَذِهِ الأدواء الثَّلَاثَة وَأَن يَكُونُوا بني زنى وَلَا يقدرُونَ على أَن ينكروا أَنهم قد أشركوا بِاللَّه وَأَنَّهُمْ عبدُوا الْأَوْثَان بعد مُوسَى فَيلْزم من ذَلِك إِن لم يكن ذَلِك الْكَلَام محرفا أَن يَكُونُوا كلهم بني زنى وقرحانين وموصوفين بالفاحشة الْكُبْرَى وحكوا فِي سفر صموئيل الثَّانِي أَن دَاوُود ﵇ اطلع من قصره فَرَأى إمرأة من نسَاء الْمُؤمنِينَ تَغْتَسِل فِي دارها فعشقها وَبعث فِيهَا فحبسها أَيَّامًا حَتَّى حبلت تَعَالَى الله أَن يجرى ذَلِك على رسله ثمَّ ردهَا وَكَانَ زَوجهَا يُسمى أوريا غَائِبا فِي الْعَسْكَر وَلما علمت الْمَرْأَة بِالْحملِ أرْسلت بِهِ إِلَى دَاوُود فَبعث دَاوُود إِلَى يوآب بن صوريا قائده على الْعَسْكَر يَأْمُرهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِ بأوريا زوج الْمَرْأَة فجَاء فَصنعَ لَهُ طَعَاما وخمرا حَتَّى سكر وَأمره بالإنصراف إِلَى أَهله ليوقعها فينسب الْحمل إِلَيْهِ ففهم الْأَمر أوريا وتخابث فَلم يمش إِلَى أَهله وَقَالَ حاشى لله أَن يكون الْملك هُنَا دون أَهله وأمشى أَنا إِلَى أَهلِي فَلَمَّا يئس دَاوُود مِنْهُ رده إِلَى الْعَسْكَر وَكتب إِلَى الْقَائِد أَن يصدر بِهِ فِي الْقِتَال مستقتلا لَهُ فقفل أوريا وَقتل مَعَه من الْمُؤمنِينَ سَبْعَة آلَاف وفزع الْقَائِد من دَاوُود لقتل الْعدَد الْعَظِيم من الْمُؤمنِينَ وَقَالَ للرسول إِذا أَنْت أخْبرت الْملك دَاوُود بقتل النَّاس ورأيته قد غضب قل لَهُ سَرِيعا إِن أوريا قتل فيهم فَفعل الرَّسُول وَسكن دَاوُود من بعد الْغَضَب وسر بِمَوْت أوريا وهانت عَلَيْهِ من أجل مَوته دِمَاء الْمُؤمنِينَ فأعتبر هَذِه الْفَوَاحِش الْمُنكرَة وَهَذِه الصِّفَات المذمومة المستقذرة هَل تلِيق بِأولى الديانَات فَكيف بمعدن النبوات وَهل يحمد ذكرهَا عِنْد ذَوي المروءات فَكيف عِنْد الْحَيّ الْكَرِيم إِلَه الْمَخْلُوقَات تَبًّا لَهُم ولمصدقهم وخسرا براحنة وجذعا وعقرا فوَاللَّه لقد افتروا على رسل الله وكذبوا على كتب الله ﴿افتراء على الله قد ضلوا وَمَا كَانُوا مهتدين﴾

стр. 150

وَكَتَبُوا فِي هَذَا الْمُصحف أَن أمنون بن دَاوُود عشق أُخْته تامار بنت دَاوُود وتمارض فعاده أَبوهُ فتمنى عَلَيْهِ طَعَاما تطعمه تامار أُخْته فَبعث بهَا دَاوُود إِلَيْهِ فَلَمَّا قربت إِلَيْهِ الطَّعَام وضع يَده فِيهَا وافتضها فَخرجت باكية فلقيها أَخُوهَا الآخر سقيقها أبشالوم فَأَخْبَرته فهون عَلَيْهَا ثمَّ بعد أَيَّام وثب على أمنون فَقتله من أجل ذَلِك وَكَتَبُوا فِي هَذَا الْمُصحف أَن أبشالوم بن دَاوُود نَافق على أَبِيه وَأخرجه عَن قصره وَدخل على نِسَائِهِ فوطئهن كُلهنَّ على أعين بني إِسْرَائِيل استبلاغا فِي الإنتقام من أَبِيه وَمن أفضح مَا كتبُوا فِي هَذَا الْمُصحف عَن سُلَيْمَان بن دَاوُود أَنه ختم عمره بِعبَادة الْأَصْنَام وَالسحر وسيبت نساؤه دينه كذبُوا ﴿قَاتلهم الله أَنى يؤفكون﴾ إِذْ بالأباطل وَالْفَوَاحِش يتقولون ويتخرصون فَلَقَد صدق الله الْعَظِيم وَرَسُوله الْكَرِيم حَيْثُ قَالَ فِي مُحكم كِتَابه الْحَكِيم ﴿وَاتبعُوا مَا تتلوا الشَّيَاطِين على ملك سُلَيْمَان وَمَا كفر سُلَيْمَان وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا﴾ فَغَضب الله عَلَيْهِم وعَلى من يُصدقهُمْ إِلَى يَوْم الدّين ولعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ فَهَذِهِ الحكايات الوخيمة والأقوال غير المستقيمة تَضَمَّنت الْأَخْبَار عَن لوط بِأَنَّهُ زنى بإبنتيه وأنهما حملتا مِنْهُ من الزِّنَى وَأَن نبوة يَعْقُوب إِنَّمَا حصلت لَهُ بِأَن خدع إِسْحَق ومكر بِهِ وَإِنَّمَا كَانَت لعيسو وَأَن دَاوُود زنى بإمرأة مُؤمنَة زَوْجَة مُؤمن وَأَن دَاوُود تحيل على زَوجهَا حَتَّى قتل وَقتل لقَتله جمَاعَة من الْمُؤمنِينَ فسر بذلك وَأَن رأوبين زنى بسرية أَبِيه يَعْقُوب وَكَذَلِكَ يهوذا زمى بكنته ثامار وَولدت لَهُ من الزِّنَى توأمين وَأَن إبنة يَعْقُوب زنى بهَا شخيم بن حمورا وَأَن

стр. 151

أَوْلَاد يَعْقُوب بعد أَن أمنوه وعقدوا مَعَه غدروا بِهِ وقتلوه وأباه وَأهل الْقرْيَة وَأَن أمنون بن دَاوُود زنى بأخته تامار بنت دَاوُود وَأَن أخاها أبشالوم قَتله غيلَة وغدرا وَأَن أبشالوم زنى بنساء دَاوُود أَبِيه وَأَن سُلَيْمَان ارْتَدَّ عَن نبوته وَعبد الْأَصْنَام فَإِن ثَبت هَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ فِي كتبهمْ تَعَالَى الله والأنبياء عَن قَوْلهم فَهَذَا الشّعب الَّذِي ذَكرُوهُ فِيهِ هَذِه الْفَوَاحِش لَيْسَ هُوَ شعب النَّبِي إِسْحَق بل هُوَ شعب غدر ونفاق وزنى وَكفر وَكَيف يَصح أَن تكون هَذِه الْأَفْعَال القبيحة أَفعَال أهل نبوة صَحِيحَة بل كل ذَلِك نَاقض للنبوات لَا سِيمَا مَعَ دُعَاء إِبْرَاهِيم وَإِسْحَق لذريتهما بِالْبرِّ والبركات فَإِن كَانَ هَذَا شعبهما الَّذِي دعوا لَهُ بِالْبرِّ وَالْبركَة فدعاؤهما غير مسموع وقولهما مَرْدُود مَدْفُوع ثمَّ هَذِه الحكايات الوخيمة الْفَاحِشَة غير المستقيمة فِي التَّوْرَاة لَهَا أُمُور أخر تعارضها بل وأدلة الْعقل تناقضها من ذَلِك مَا حكى فِيهَا من مدح لوط على لِسَان إِبْرَاهِيم وشهادته لَهُ بِالْبرِّ وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى لما أعلم إِبْرَاهِيم بِأَنَّهُ يُرِيد أَن يهْلك سدوم وعمورا وهما مسكن قوم لوط قَالَ يَا رب أتهلك الْأَبْرَار مَعَ الْفجار يعْنى بالأبرار لوطا وبنتيه فسماهم أبرارا وَشهد لَهُ بذلك بَين يَدي الله تَعَالَى وَكَيف يَصح أَن يكون ابنتا لوط من الْأَبْرَار ويوقعان أَنفسهمَا فِي أَن يزنى بهَا أَبوهُمَا نَبِي الله ثمَّ لم يعصمه الله تَعَالَى من مثل هَذِه الرذيلة ثمَّ إِن الله شهد عَنهُ هَذِه الفضيحة الَّتِي يتحدث بهَا على مد الدَّهْر مَعَ أَنه لم يسمع قطّ من المتشرعين من أجَاز نِكَاح الْبَنَات وَهل هَذَا من ناقله وناسبه إِلَى الله إِلَّا جرْأَة وتواقح على الله وَكَذَلِكَ مَا كتبوه فِيهَا من الحكايات الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي ذُرِّيَّة إِسْحَق يُعَارضهُ مَا حكوا فِيهَا عَن الله أَنه قَالَ لإِبْرَاهِيم فِي غير مَوضِع مَا مِنْهَا لأباركك بركَة تَامَّة ولأكثر نسلك ويتبارك بنسلك جَمِيع الشعوب لِأَنَّك أطعتني

стр. 152

وَكَذَلِكَ قَالَ الله لاسحق بعد موت إِبْرَاهِيم أَنا مَعَك أكون وأباركك لِأَنِّي أُعْطِيك ونسلك جَمِيع هَذِه المتملكات ويتبارك بنسلك جَمِيع الشعوب وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَق ليعقوب حَيْثُ مكر بِهِ يَعْقُوب بزعمهم قَاتلهم الله قَالَ بِهِ يؤتيك الله من ظلّ السَّمَاء وخصب الأَرْض تعبدك الْأُمَم وتسجد لَك الشعوب كن رَئِيسا لاخوتك تسْجد لَك بَنو أمك مباركوك مباركوك وَلَا عنوك ملعونون تَأمل بعقلك هَذِه المخازي الْبَادِيَة وَمَا نسبوا فِي كتبهمْ إِلَى أكْرم الْخلق من المناكر الفاشية فَإِذا أَنْت أمعنت النّظر وأشتدت مِنْك العبر علمت أَن هَذِه الحكايات بواطل وَأَن مُلْحَقهَا فِي التَّوْرَاة وناسبها إِلَى الله متزندق جَاهِل وَإِنَّمَا ألحقها عَدو للأديان أَرَادَ أَن يَقُول فِي صفوة الله الْبُهْتَان فَحصل لَهُ مُرَاده حَيْثُ أفسد على المتشرعين الْإِيمَان ثمَّ نقُول لِلنَّصَارَى بعد ذَلِك الْعجب مِنْكُم وَمن جهلكم حَيْثُ صَدقْتُمْ بِوُقُوع هَذِه الْفَوَاحِش من الْأَنْبِيَاء واعترفتم مَعَ ذَلِك بنبوتهم ثمَّ لم تجوزوا على الحواريين وُقُوع الْغَلَط مِنْهُم فِيمَا حكوا لكم إِن صحت الحكايات عَنْهُم من إتحاد الْعلم باللحمة فَإِن الْعقل يدل بضرورته على أَن ظَاهر ذَلِك فَاسد محَال فَهَلا عَلَيْكُم تأولتم ذَلِك أَو قُلْتُمْ أَنه يجوز عَلَيْهِم الْغَلَط وَلَا يدل ذَلِك على نقضهم كَمَا قُلْتُمْ فِي الْأَنْبِيَاء الَّذين حكيت عَنْهُم تِلْكَ الْفَوَاحِش وَلَو فَعلْتُمْ ذَلِك لَكَانَ الأولى عِنْد الْعُقَلَاء

стр. 153

فصل فِي بَيَان أَن الْإِنْجِيل لَيْسَ بمتواتر وَبَيَان بعض مَا وَقع فِيهِ من الْخلَل فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن هَذَا الْكتاب الَّذِي بيد النَّصَارَى الْيَوْم الَّذِي يسمونه بالإنجيل لَيْسَ هُوَ الْإِنْجِيل الَّذِي قَالَ الله فِيهِ على لِسَان رَسُوله ﷺ ﴿وَأنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل من قبل هدى للنَّاس﴾ وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا فِي الْإِنْجِيل دون التَّوْرَاة لِأَن التَّوْرَاة قد ثَبت عندنَا وَعِنْدهم أَن الله تَعَالَى كتبهَا فِي الألواح لمُوسَى ﵇ وتدعى الْيَهُود أَن مُوسَى ﵇ نسخ لَهُم التَّوْرَاة من تِلْكَ الألواح فَحصل من هَذَا أَن التوارة بلغت بجملتها عَن مُوسَى ﵇ ثمَّ أَنه حدث فِيهَا من التَّغْيِير بعده مَا قدمنَا ذكره وَأما هَذَا الْكتاب الَّذِي يدعى النَّصَارَى أَنه الْإِنْجِيل فقد توَافق هَؤُلَاءِ النَّصَارَى على أَنه إِنَّمَا تلقى عَن إثنين من الحواريين وهما متاؤوش ويوحنا وَعَن اثْنَيْنِ من تلاميذ الحواريين وهما ماركش ولوقا وَأَن عِيسَى ﵇ لم يشافههم بِكِتَاب مَكْتُوب عَن الله كَمَا فعل مُوسَى وَلَكِن لما رفع الله عِيسَى ﵇ إِلَيْهِ تفرق الحواريون فِي الْبِلَاد والأقاليم كَمَا أَمرهم عِيسَى فَكَانَ مِنْهُم من كتب بعض سيرة عِيسَى وَبَعض معجزاته وَبَعض أَحْوَاله حسب مَا تذكر وَمَا يسر الله عَلَيْهِ فِيهِ فَرُبمَا توارد الْأَرْبَعَة على شَيْء وَاحِد فَحَدثُوا بِهِ وَرُبمَا انْفَرد بَعضهم بِزِيَادَة معنى وَكَذَلِكَ كثيرا مَا يُوجد بَينهم من اخْتِلَاف مساق وتناقض بَين قَوْلَيْنِ وَزِيَادَة ونقصان وسترى بعض ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى فعلى هَذَا لايسمى الْإِنْجِيل كتاب الله الْمنزل حَقِيقَة فَإِن حَقِيقَة الْكتاب الْمنزل بِحكم الْعرف إِنَّمَا هُوَ عبارَة عَن جملَة من كَلَام الله المبلغة على لِسَان رَسُول من رسله يحكيها ذَلِك الرَّسُول عَن الله تَعَالَى

стр. 154

وَلَيْسَ شَيْء من هَذَا مَوْجُودا فِي الْإِنْجِيل فِي فَإِن سَمَّاهُ مسم كتابا منزلا وَلم يرد هَذَا الْمَعْنى فَلَا بُد من أَن نَسْأَلهُ عَن الْمَعْنى الَّذِي يُريدهُ بذلك الْإِطْلَاق فَلَا شكّ أَنه يَقُول إِنَّمَا سميته كتابا منزلا لِأَن عِيسَى جَاءَ من عِنْد الله وبلغنا شرع الله وَفِي ذَلِك الْكتاب وصف سيرته وحكايات وأخبار عَن الله فَكيف لَا يُقَال عَلَيْهِ هُوَ كتاب الله ومنزل من الله فَنَقُول لَهُ نُسَمِّيه هَذَا كتاب الله بالمجاز أَو بِالْحَقِيقَةِ فَإِن قَالَ بِالْحَقِيقَةِ فَكَلَامه بَاطِل فَإِن حَقِيقَة كتاب الله الْمنزل هُوَ مَا قدمْنَاهُ وَإِن قَالَ بالمجاز قنعنا بِهَذَا ثمَّ ألزمناه عَلَيْهِ أَن يكون كل كتاب يحْكى عَن نَبِي من أَنْبيَاء الله فَإِن أَلفه أَي مؤلف كَانَ كتاب الله وَلَا فرق وَإِذا انتهينا إِلَى هَذَا فقد حصل غرضنا وَهُوَ أَن هَذَا الْإِنْجِيل الَّذِي بِأَيْدِيهِم لَيْسَ منزلا وَلَا يُقَال عَلَيْهِ كتاب الله الْمنزل كَمَا يُقَال على التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَذَلِكَ مَا كُنَّا نبغي فقد حصل من هَذَا الْكَلَام أَنه لَيْسَ منزلا من الله حَقِيقَة وَأَن نَقله لَيْسَ متواترا فَإِنَّهُ رَاجع إِلَى الْأَرْبَعَة الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ وَالْعَادَة تجوز عَلَيْهِم الْغَلَط والسهو وَالْكذب فَإِن قَالُوا هم معصومون فِيمَا نقلوه عَن عِيسَى ﵇ قُلْنَا مَا دَلِيل عصمتهم فَإِن قَالُوا دَلِيل عصمتهم أَنهم كَانُوا أَنْبيَاء وَدَلِيل نبوتهم مَا ظهر على أَيْديهم من خوارق الْعَادَات وَشَهَادَة عِيسَى ﵇ لَهُم حَيْثُ قَالَ لَهُم كل مَا سألتموه إِذا حسن إيمَانكُمْ ستجابون وَقَالَ لَهُم ستوقفون على الْمُلُوك ويسألونكم فَلَا تَفَكَّرُوا فِيمَا تَقولُونَ فَإِنَّكُم ستهدون ذَلِك الْوَقْت لما تقولونه ولستم تنطقون أَنْتُم لَكِن روح الْقُدس ينْطق على أَلْسِنَتكُم وَقد جَاءَ عَن عِيسَى ﵇ أَنه دَعَا الإثني عشر حواريا وَأَعْطَاهُمْ من الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان مَا يَتَّقُونَ بِهِ جَمِيع الْجِنّ ويبرءون بِهِ الأسقام وَكَذَلِكَ قَالَ لبطرس مَا عقدته أَنْت فِي الأَرْض فمعقود فِي السَّمَاء وَمَا حللته فِي الأَرْض

стр. 155

فمحلول فِي السَّمَاء وَأما خوارق الْعَادَات فقد كَانُوا يحيون الْمَوْتَى ويبرءون المرضى كَمَا كَانَ يَفْعَله عِيسَى ﵇ وَذَلِكَ مَعْرُوف من حَالهم قُلْنَا مَا ذكرتموه عَن عِيسَى ﵇ من الشَّهَادَة فَلَا يَصح لكم الإستدلال بِشَيْء مِمَّا ذكرتموه لوجوه أَحدهَا أَنكُمْ أسندتم ذَلِك إِلَى الْإِنْجِيل واستدللتم على صدقهم بِمَا جَاءَ عَنْهُم فِيهِ وَمَا جَاءَ عَنْهُم فِيهِ لَا يثبت حَتَّى تثبت عصمتهم فَلَا يثبت بِمَا ذكرتموه لَا الْإِنْجِيل وَلَا عصمتهم الْوَجْه الثَّانِي أَنا لَو سلمنَا ذَلِك لكم لما كَانَ فِيمَا ذكرتموه حجَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْء مِنْهَا ينص على أَنهم معصومون فِيمَا أخبروا بِهِ على الْإِطْلَاق وَغَايَة مَا ذكرتموه أَن يدل على أَنهم يعانون ويؤيدون مِمَّا يبلغون عَن عِيسَى فِي بعض الْأَوْقَات أَو فِي بعض الْأَخْبَار وَالْأَحْوَال وَالْوَجْه الثَّالِث أَن مَا ذَكرُوهُ معَارض بِمَا نقلوه أَيْضا وَذَلِكَ أَنهم نقلوا فِي الْإِنْجِيل أَنه قَالَ للحواريين يَا نسل التشكيك وَالْكفْر إِلَى مَتى أكون مَعكُمْ وَإِلَى مَتى أحتملكم وَأما مَا قَالَ لبطرس فَهُوَ أَيْضا معَارض بِمَا حكيتم عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ تَأَخّر يَا شَيْطَان فَإنَّك جَاهِل بمرضات الله وَأما مَا ادعوهُ من معجزاتهم فَلم ينْقل مِنْهَا شَيْء على التَّوَاتُر وَإِنَّمَا هِيَ أَخْبَار آحَاد غير صَحِيحَة وَلَو سلمنَا أَنَّهَا صحت لما دلّت على صدقهم فِي كل الْأَحْوَال وعَلى أَنهم أَنْبيَاء فَإِن الْقَوْم لم يدعوا النُّبُوَّة لأَنْفُسِهِمْ وَإِنَّمَا ادعوا التَّبْلِيغ عَن عِيسَى ﵇ فَظهر من هَذَا الْبَحْث أَن الْإِنْجِيل الْمُدعى لم ينْقل تواترا وَلم يقم دَلِيل على عصمَة ناقليه فَإِذن يجوز الْغَلَط والسهو على ناقليه فَلَا يحصل الْعلم بِشَيْء مِنْهُ بل وَلَا غَلَبَة الظَّن فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا يعول فِي الإحتجاج عَلَيْهِم

стр. 156

وَهَذَا كَاف فِي رده وَبَيَان قبُول تحريفه وَعدم الثِّقَة بمضمنه وَلَكنَّا مَعَ ذَلِك نعمد مِنْهُ إِلَى مَوَاضِع يتَبَيَّن فِيهَا تهافت نقلته وَوُقُوع الْغَلَط فِي نَقله بحول الله تَعَالَى فَأول ذَلِك أَنهم ذكرُوا فِي أول ورقة من إنجيل يوحنا حَيْثُ ذكر الْمَسِيح فَقَالَ ولد الْمَسِيح الَّذِي هُوَ بادئ الْأَشْيَاء وعلتها الأولى عِلّة جَمِيع الْأَشْيَاء وكل زمَان وَرَأس كل نظام وأولية جَمِيع الْمَرَاتِب ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك فِي معرض مدحه المكلوم فِي لَحْمه الْمُعَلق فِي الْخَشَبَة كَيفَ يجترئ عَاقل أَن يتحدث بِمثل هَذَا الْعَار أَو كَيفَ تصح نِسْبَة هَذَا التَّنَاقُض الْبَين إِلَى أحد من الأخيار وَذكروا فِيهِ أَيْضا أَن عِيسَى ﵇ قَالَ أَنا الْبَاب فَمن دخل عَليّ يسلم ويجد مرعى أيدا ثمَّ عرض بِمن قبله من الْأَنْبِيَاء فجعلهم لصوصا وسراقا فَقَالَ آمين آمين أَقُول لكم إِنِّي بَاب الضَّأْن والقادمون عَلَيْكُم كَانُوا لصوصا وسراقا وَلَا يقبل اللص إِلَّا ليَسْرِق شَيْئا وَيقتل وَأَنا قدمت لتحيوا وتزدادوا خيرا وَفِي الْإِنْجِيل أَيْضا أَنه قَالَ إِن كنت أشهد لنَفْسي فشهادتي غير مَقْبُولَة وَلَكِن غَيْرِي يشْهد ثمَّ فِي مَوضِع آخر من الْإِنْجِيل أَنه قَالَ إِن كنت أشهد لنَفْسي فشهادتي حق لِأَنِّي أعلم من حَيْثُ جِئْت وَإِلَى أَيْن أذهب فَكيف تكون شَهَادَته حَقًا وباطلا ومقبولة وَغير مَقْبُولَة وَكَيف يجمع بَين هذَيْن فِي كتاب ينْسب إِلَى الله وَفِي الْإِنْجِيل ايضا أَنه حِين استشعر بوثوب يهوذا عَلَيْهِ قَالَ قد جزعت نَفسِي الْآن فَمَاذَا أَقُول يَا أبتاه فسلمني فِي هَذَا الْوَقْت وَأَنه حِين رفع فِي الْخَشَبَة صَاح صياحا عَظِيما وَقَالَ

стр. 157

آلى آلى لم عد بتاى وترجمته إلهي إلهي لم أسلمتني ثمَّ فِي أول ورقة مِنْهُ إِنَّمَا أسلم نَفسه لتظهر قدرته بسلطانه على الْمَوْت وظفرته على جَمِيع الآلام والمهن الَّتِي تستقبحها أَوْهَام الْآدَمِيّين فَكيف يَصِيح ويجزع مِمَّا تظهر بِهِ قدرته وقهرته وَهل سمع قطّ أسخف من هَذَا القَوْل أَو أظهر تناقضا مِنْهُ ثمَّ فِي مَوضِع آخر مِنْهُ أَنه قَالَ قبل ذَلِك من أحب أَن يقفوا أثري فليذهب نَفسه فحرض على إِتْلَاف النُّفُوس فَكيف يجزع مِمَّا يحرض عَلَيْهِ قبل أم كَيفَ يكون إِلَهًا أم كَيفَ يكون ابْن الله ثمَّ يَدعُوهُ أَن يخلصه فِي ذَلِك الْوَقْت فَلم يستجب لَهُ وَمن أظهر دَلِيل على وُقُوع الْغَلَط فِيهِ أَن فِي إنجيل متاؤوش الْحوَاري حِين ذكر نسب عِيسَى ﵇ حَيْثُ نزل خطيب مَرْيَم أَبَا لعيسى فَقَالَ ابْن يُوسُف بن يَعْقُوب بن مثان بن أليعازر بن أليود ابْن أخيم وعد إِلَى إِبْرَاهِيم الْخَلِيل تِسْعَة وَثَلَاثِينَ أَبَا ثمَّ فِي إنجيل لوقا يَقُول يُوسُف بن هالى بن متثات بن لاوى بن ملكي بن ينا وعد إِلَى إِبْرَاهِيم نيفا وَخمسين أَبَا فياليت شعرى كَيفَ يجوز مثل هَذَا على الله أَو كَيفَ ينْقل هَذَا فِي كتاب مَعْلُوم عَن الله وَقد أَرَادَ بعض أساقفتهم أَن يرقع هَذَا الْخرق المتسع بِأَن قَالَ أحد النسبين طبيعي نسب التوليد وَالْآخر نسب شَرْعِي نسب الْوَلَاء وَالْكَفَالَة والتناقض بَاقٍ عَلَيْهِ بعد اختراع هَذَا الهذيان

стр. 158

ثمَّ انْظُر هَذِه الشناعة الَّتِي ارتكبوها حَيْثُ نسبوا عِيسَى ﵇ إِلَى رجل زَعَمُوا أَنه خطب أمه مَرْيَم وَأي نِسْبَة تثبت بَينهمَا بِأَن أَرَادَ أَن يتَزَوَّج إِنْسَان أمه ثمَّ إِنَّهُم يبلغون نسب يُوسُف إِلَى آدم ثمَّ يَقُولُونَ إِلَى الله فَهَلا عَلَيْهِم يستغنون عَن ذكر نسب من لَا ينتسب فِي عِيسَى وَيَقُولُونَ فِي عِيسَى مَا يَقُولُونَ آدم لَوْلَا الْجَهْل والتحكم وَفِي الانجيل عَنهُ أَنه كَانَ يَوْمًا قد نَهَاهُم عَن التِّجَارَة فِي بَيت الْمُقَدّس وَأَن الْيَهُود قَالَت لَهُ حِينَئِذٍ أَي عَلامَة تظهر لنا قَالَ تهدمون هَذَا الْبَيْت وأبنيه لكم فِي ثَلَاثَة أَيَّام فَقَالَت الْيَهُود بَيت بنى فِي سِتَّة وَأَرْبَعين سنة تبنيه أَنْت فِي ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ فِي مَوضِع آخر مِنْهُ أَنه لما ظَفرت بِهِ الْيَهُود بظنكم وَحمل إِلَى بلاط قَيْصر واستوعيت عَلَيْهِ بَيِّنَة أَن شَاهِدي زور جَاءَا إِلَيْهِ وَقَالا سمعنَا هَذَا يَقُول أَنا قَادر على بُنيان الْبَيْت فِي ثَلَاثَة وَهَذِه شَهَادَة مُوَافقَة لما قَالَ عِيسَى للْيَهُود فَهَذَا الشَّاهِد قَالَ عَلَيْهِ الْحق لما يَقْتَضِيهِ كَلَامه وَمن شهد بِمَا سمع كَيفَ يُقَال عَلَيْهِ شَاهد الزُّور أَو كَيفَ يُسَمِّيه الله شَاهد زور وَمن أعجب الْأَشْيَاء أَن الْيَهُود لَا تعرف شَيْئا من هَذَا وَلَا سَمِعت أَن أسلافها جرى بَينهم وَبَين عِيسَى هَذَا الْمجْلس وَلَا سوى ذَلِك مِمَّا تصفون من خرافات كتبكم وَفِي الْإِنْجِيل أَيْضا للوقا أَن عِيسَى قَالَ لِرجلَيْنِ من تلاميذه اذْهَبَا إِلَى الْحصن الَّذِي يقابلكما فَإِذا دخلتماه فستجدان فلوا مربوطا لم يركبه أحد فحلاه واقبلا بِهِ إِلَى وَفِي الْإِنْجِيل لمتاؤوش يصف هَذَا الْخَبَر بِعَيْنِه وَيذكر أَنَّهَا كَانَت حمارة فحسبك بِهَذَا خللا وتناقضا

стр. 159

وَفِي الْإِنْجِيل أَيْضا للوقا يخبر عَن الْمَرْأَة الَّتِي صبَّتْ الطّيب على رجْلي الْمَسِيح وشق ذَلِك على التلاميذ وَقَالُوا لَهَا هلا تَصَدَّقت بِهِ وَفِي الْإِنْجِيل لمتاؤوش أَنَّهَا إِنَّمَا صبَّتْ الطّيب على رَأس الْمَسِيح فَمَا أبعد الْيَقِين عَن خبر فِيهِ مثل هَذَا الإختلاف الْمُبين وَفِي الْإِنْجِيل أَيْضا أَن أم ابْني زبدى جَاءَت إِلَى عِيسَى وَمَعَهَا إبناها فَقَالَ مَا تريدين فَقَالَ أُرِيد أَن تجْلِس ولداي أَحدهمَا عَن يَمِينك وَالْآخر عَن شمالك إِذا جَلَست فِي ملكك فَقَالَ تجهلين السُّؤَال أيصبران على الكأس الَّتِي أشْرب بهَا فَقَالَا نصبر فَقَالَ ستشربان بكأسي وَلَيْسَ إِلَى تجليسكما عَن يَمِيني وَلَا عَن شمَالي إِلَّا لمن وهب ذَلِك فقد أخبر هُنَا أَنه لَا يقدر على تجليسهما عَن يَمِينه وَلَا عَن شِمَاله وَفِي أول ورقة مِنْهُ أَنه بادئ الْأَشْيَاء وعلتها وَعلة كل زمَان فَكيف يَصح أَن يكون بادئ الْأَشْيَاء كلهَا وعلتها وَلَا يقدر أَن يجلسهما عَن يَمِينه وَلَا عَن يسَاره ثمَّ يتبرأ عَن ذَلِك بقوله إِلَّا لمن وهب ذَلِك لي وَلَا مزِيد فِي التَّنَاقُض الْفساد على هَذَا وَفِي الْإِنْجِيل أَيْضا أَنه قَالَ لَا تحسبوا أَنِّي قدمت لأصلح بَين أهل الأَرْض لم آتٍ لصلاحهم لَكِن لألقى الْمُحَاربَة بَينهم إِنَّمَا قدمت لأفرق بَين الْمَرْء وإبنه وَالْمَرْأَة وإبنتها حَتَّى يصيروا أَعدَاء الْمَرْء أهل بَيته وَفِيه أَيْضا عَنهُ إِنَّمَا قدمت لتحيوا وتزدادوا خيرا وَأصْلح بَين النَّاس وَأَنه قَالَ من لطم خدك الْيُمْنَى فانصب الْيُسْرَى وَلَا مزِيد فِي التَّنَاقُض وَالْفساد على هَذَا

стр. 160

وَفِي الْإِنْجِيل أَيْضا أَنه قَالَ لم آتٍ لأنقض شَرِيعَة من قبلي إِنَّمَا جِئْت لأتمم وكلاما من مَعْنَاهُ ثمَّ فِيهِ بعد أحرف قَليلَة كَلَام آخر ينْقض فِيهِ شَرِيعَة من قبله وَذَلِكَ أَنه قَالَ إِنَّمَا علمْتُم أَنه قيل للقدماء لَا تقتلُوا وَمن قتل فقد اسْتوْجبَ النفى من الْجَمَاعَة ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك أما علمْتُم أَنه قيل للقدماء من فَارق إمرأته فليكتب لَهَا كتاب طَلَاق وَأَنا أَقُول لكم من فَارق إمرأته مِنْكُم فقد جعل لَهَا سَبِيلا إِلَى الزِّنَى وَمن زوج مُطلقَة فَهُوَ فَاسق ثمَّ قَالَ أما بَلغَكُمْ أَنه قيل للقدماء الْعين بِالْعينِ وَالسّن بِالسِّنِّ وَأَنا أَقُول لكم لَا تكافئوا أحدا بسيئة وَلَكِن من لطم خدك الْيُمْنَى فانصب لَهُ الْيُسْرَى وَمن أَرَادَ مغالبتك وإنتزاعك قَمِيصك فزده أَيْضا رداءك كَيفَ يَصح أَن يَقُول لم آتٍ لأنقض شَرِيعَة من قبلي ثمَّ ينقضها حكما حكما ثمَّ قَوْله جِئْت متمما لَا يَصح أَيْضا فَإِن شَرِيعَة مُوسَى كَانَت تَامَّة كَامِلَة والتام لَا يتمم والكامل لَا يكمل فَهَذَا تنَاقض وَفَسَاد وَعِيسَى ﵇ منزه مبرأ عَن كل تنَاقض وَفَسَاد وَلَيْسَ هَذَا وَلَا شَيْء مِنْهُ من قبله بل هُوَ منزه عَن ذَلِك كُله وَفِي الْإِنْجِيل أَيْضا لمتاؤوش أَن الْمَسِيح قَالَ لبطرس طُوبَى لَك يَا شَمْعُون بن الْحَمَامَة وَأَنا أَقُول أَنَّك الْحجر وعَلى هَذَا الْحجر أبتنى بَيْتِي فَكل مَا حللته على الأَرْض يكون محلولا فِي السَّمَاء وَمَا عقدته على الأَرْض يكون معقودا فِي السَّمَاء ثمَّ بعد أحرف يسيرَة قَالَ بِعَيْنِه اذْهَبْ يَا شَيْطَان وَلَا تعَارض فَإنَّك جَاهِل بكوني فَكيف يكون شَيْطَان جَاهِل يطيعه صَاحب السَّمَاء وَهَذَا غَايَة التَّنَاقُض وَفِي الْإِنْجِيل أَيْضا لمتاؤوش أَن عِيسَى قَالَ لم تَلد النِّسَاء

стр. 161

مثل يحيى ثمَّ فِي إنجيل يوحنا أَن يحيى بعثت إِلَيْهِ الْيَهُود من يكْشف لَهُم أمره فَسَأَلُوهُ من هُوَ أهوَ الْمَسِيح قَالَ لَا قَالُوا أتراك الياس قَالَ لَا قَالُوا أَنْت نَبِي قَالَ لَا قَالُوا أخبرنَا من أَنْت قَالَ أَنا صَوت مُنَاد فِي المفاز فنفى عَن نَفسه كَونه نَبيا وَلَا يجوز لنَبِيّ أَن يُنكر نبوته فَإِنَّهُ يكون كَاذِبًا وَالنَّبِيّ الصَّادِق لَا يكذب فيلزمهم أحد أَمريْن إِمَّا أَن يكون يحيى لَيْسَ بِنَبِي وَهُوَ بَاطِل أَو يكن إنجيلهم محرفا وَهُوَ حق وَلَو تتبع مَا فِيهِ من هَذَا الْقَبِيل لاحتاج ذَلِك إِلَى التكثير والتطويل وبموضع وَاحِد من هَذِه الْمَوَاضِع يحصل أَن كِتَابهمْ قَابل للتحريف والتغيير فَكيف بالتزيد والتكثير فقد حصل من هَذَا الْبَحْث الصَّحِيح أَن التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل لَا تحصل الثِّقَة بهما فَلَا يَصح الإستدلال بهما لِكَوْنِهِمَا غير متواترين وقابلين للتغيير وَقد دللنا على بعض مَا وَقع فيهمَا من ذَلِك وَإِذا جَازَ مثل ذَلِك فِي هذَيْن الْكِتَابَيْنِ مَعَ كَونهمَا أشهر مَا عِنْدهم وَأعظم عمدهم ومستند ديانتهم فَمَا ظَنك بِغَيْر ذَيْنك من سَائِر كتبهمْ الَّتِي يستدلون بهَا مِمَّا لَيْسَ مَشْهُورا مثلهمَا وَلَا مَنْسُوبا إِلَى الله نسبتهما

стр. 162

فعلى هَذَا هما أولى بِعَدَمِ التَّوَاتُر وبقبول التحريف فيهمَا فَإِذا ادعوا تَوَاتر شَيْء من ذَلِك فَلْينْظر هَل كملت فِيهِ شُرُوط التَّوَاتُر أم لَا فَإِن كملت قبلنَا وآمنا وَإِن لم تكمل توقفنا وطالبناهم بِالطَّرِيقِ الْموصل إِلَى الْعلم فَإِذا ثبتَتْ هَذِه الْمُقدمَة قُلْنَا بعْدهَا للمستدل على إِثْبَات نبوة عِيسَى بالأدلة الْمُتَقَدّمَة لَا تظن أننا نرد نبوة عِيسَى أَو أَنا نشك فِيهَا حاشى لله بل نَحن أَحَق وَأولى بِعِيسَى ابْن مَرْيَم مِنْكُم فَإِنَّكُم قُلْتُمْ فِيهِ مَا لَا يَنْبَغِي لَهُ ونسبتموه إِلَى مَا يتبرأ هُوَ مِنْهُ بل أَنْتُم لعمرى وَالله أبعد مِنْهُ وَأبْغض إِلَيْهِ مِمَّن أنكر نبوته وَكفر بِهِ فَإِن من أنكر نبوته وَكفر بِهِ لم يُشْرك بِاللَّه كَمَا فَعلْتُمْ أَنْتُم حَيْثُ جعلتموه إِلَهًا آخر وَلم يعرض بِعِيسَى ﵇ للموقف المخجل الَّذِي يسْأَله الله فِيهِ عَن غلوكم فِيهِ وعبادتكم لَهُ حَيْثُ يَقُول الله لَهُ ﴿يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ فَيَقُول خجلا فَزعًا متبرأ من قَبِيح مَا نسبتموه إِلَيْهِ ﴿سُبْحَانَكَ مَا يكون لي أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِحَق إِن كنت قلته فقد عَلمته﴾ وَأما نَحن فَإِنَّمَا نقُول فِيهِ مَا قَالَه الله على لِسَان رَسُوله الْمُصْطَفى ﴿مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل وَأمه صديقَة كَانَا يأكلان الطَّعَام﴾ وَمَا قَالَه الله أَيْضا فِيهِ على لِسَان أشعياء حَيْثُ بشر بِهِ وَأخْبر بقدومه هَذَا غلامي الْمُصْطَفى وحبيبي الَّذِي ارتضت بِهِ نَفسِي وَمَا قَالَه هُوَ عَن نَفسه حِين تكلم فِي مهده ﴿قَالَ إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب وَجَعَلَنِي نَبيا﴾ فَنحْن نعرفه حق مَعْرفَته ونؤمن بنبوته وشريعته ونحيل عَلَيْهِ الإلهية إِذْ لَيست من صفته ﴿مَا كَانَ لبشر أَن يؤتيه الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة ثمَّ يَقُول للنَّاس كونُوا عبادا لي من دون الله وَلَكِن كونُوا ربانيين بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ الْكتاب وَبِمَا كُنْتُم﴾

стр. 163

ثمَّ إِنَّا نَعْرِف مَا ذَكرْنَاهُ من وَصفه بأدلة كَثِيرَة قَاطِعَة وبراهين صَادِقَة تخضع لَهَا رِقَاب الجاحدين وتستضئ بنورها بصائر المبصرين وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمَا استدللت بِهِ أَنْت على نبوة عِيسَى من كَلَام النَّبِيين إِن صَحَّ فَهُوَ زِيَادَة فِي أَنْوَاع الْأَدِلَّة لَا فِي نفس الْيَقِين فَلذَلِك لَا نباحثك فِيهَا وَلَا نبالي بك أتجهلها أم تدريها على أَنا لَو ناقشناك فِي تِلْكَ الْأَدِلَّة لأظهرنا لَك فِيهَا الْفساد وَالْعلَّة وَلَكِن مَا لَا يُخَالف غرضنا لَا يَقْتَضِيهِ فِيمَا بالنا نطول أنفاسنا فِيهِ

стр. 164

الْفَصْل السَّابِع هَاجر أم إِسْمَاعِيل الذَّبِيح من حِكَايَة كَلَامه أَيْضا قَالَ وَأَنت أَنَّهَا الْإِنْسَان تَجدوا فِي كتابكُمْ فِي آل عمرَان ﴿وَأنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل من قبل هدى للنَّاس﴾ فَأَنت مقرّ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل فاثبتوا دينكُمْ من التَّوْرَاة كَمَا أثبتنا نَحن ديننَا من كتب الْأَنْبِيَاء وَاعْلَم أَنه لَا نقبل لكم من كتبكم شَيْئا فَإِن قلت من كتابك شَيْئا قلت لَك كَمَا قَالَ رَسُولك الْبَيِّنَة لمن ادّعى وَالْيَمِين على من أنكر فَوَجَبَ عَلَيْك أَن تثبت دينك من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل الَّتِي أَنْت مقرّ بهم وَأَنت مدعى أَن كتابكُمْ من الله فاثبتوه من التَّوْرَاة بالعبراني وَمن الْإِنْجِيل بالعجمي كَمَا أَنْتُم مقرون وقولكم ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل﴾ فَإِنِّي أطلبك من الْكتب الَّتِي جَاءَت بِهِ الرُّسُل كَمَا قُلْتُمْ فَائت بِمَا ادعيت وَإِلَّا يَمِيني لِأَنِّي أنكر لَك وَلَا نقبل لَك من النبوات وَالرِّوَايَات المرويات عَن مُسلم فِي كِتَابه الَّذِي قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن قَتَادَة عَن عَائِشَة قَالَت جَاءَت امْرَأَة رِفَاعَة إِلَى الرَّسُول فَقَالَت لَهُ كنت لِرفَاعَة فطلقني فَتزوّجت عبد الرحمن بن الزبير فَتَبَسَّمَ الرَّسُول ضَاحِكا وَقَالَ أَتُرِيدِينَ أَن تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَة لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عبد الرحمن بن الزبير عُسَيْلَتك وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَن عَائِشَة قَالَت طلق رجل إمرأة ثَلَاثَة فَتَزَوجهَا رجل ثمَّ طَلقهَا قبل أَن يدْخل بهَا وَأَرَادَ زَوجهَا الأول أَن يَتَزَوَّجهَا فَسئلَ الرَّسُول عَن ذَلِك قَالَ لَا حَتَّى يَذُوق الآخر من عسيلتها مَا ذاق الأول

стр. 165

فَافْهَم فَمثل هَذِه النبوات لَا نقبلها مِنْكُم لِأَن الْمَسِيح يَقُول لَا يَنْبَغِي لرجل طَلَاق زَوجته إِلَّا أَن تزنى وَإِن زنت فَلَا يحل لَهُ مراجعتها وَمن طلق إمرأته فقد جعل لَهَا سَبِيلا إِلَى الزِّنَى أعنى من طَلقهَا دون سَبَب وَمن زوج مُطلقَة فَهُوَ فَاسق بهَا وَأَنْتُم تَقولُوا لَا يحل لزَوجهَا مراجعتها إِلَّا أَن تزنى بدل أَن تنهو عَن الزِّنَى تأمروا بالزنى وَهُوَ عنْدكُمْ فَرِيضَة التياس وَأَنا أُرِيد قطع ذَنْب التيس وَأَن نجعله فِي ذقنه ليلوح لسته لمعرة صَرْصَر الشمَال وحمارة قيظ هجير الْجنُوب وَهَذَا جَوَاب كلامك إنتصافا مِنْك كَمَا يَقُول قرآنك وَمن انتصف من بعد ظلمه فَلَا جنَاح عَلَيْهِ فأفهم ثمَّ قلت فِي شعرك أَرَادَ النَّصَارَى ينْصرُونَ محالهم فانصر أَنْت محالك لِأَنَّك قلت بالسفه والطعن فِي ديننَا وَقلت الْكَذِب على مسيحنا كَيفَ قلت مَا لم تعلم وَكَيف تجرأت أَن تَتَكَلَّم وَاعْلَم أَنَّك إِن أرْسلت بعد هَذَا بالشتم فَإِنِّي أبْعث إِلَى كل بلد كتابا بِنَصّ شريعتكم وَبِكُل مَا نَعْرِف فِيهَا من الْأَقَاوِيل الَّتِي لاتقدرون على إنكارها فَافْهَم لِأَنَّك قلت فِي الْمَسِيح غث وأوطار وَأَنَّك سبيت الْحَاكِم عَلَيْك وعَلى جَمِيع الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة لَكِن سَوف تَلقاهُ حَاكما لَيْسَ يطْلب عَلَيْك بَيِّنَة فَإِن أرْسلت بعد هَذَا بالشتم فَإِنِّي أعرفك بشجرتك مَا هِيَ حَتَّى تعلم من أَنْت وَأعلم أَنِّي لم أُرِيد فِي الأول شتم أحد لَكِن لما بعث إِلَى أول كتاب بالسفه والسب رددت لَهُ الْجَواب بِأُمِّهِ هَاجر وَلم نقل فِيهَا عشر مَا قَالَ الله فِيهَا فِي التَّوْرَاة وَعَن إبنها فاسمع قَول الله عَنْهَا وَعَن ابْنهَا

стр. 166

رَأَتْ سارة ابْن هَاجر المصرية الَّذِي ولدت لإِبْرَاهِيم وَهُوَ يلْعَب فَقَالَت لإِبْرَاهِيم ارمي هَذِه الْأمة وَابْنهَا إِذْ لَيْسَ يَرث هَذِه الْأمة وَابْنهَا مَعَ ابْني إِسْحَق فصعب على إِبْرَاهِيم مَا قَالَت لَهُ عَن ابْنه فَقَالَ الله لإِبْرَاهِيم لَا يصعب عَلَيْك بِكَلَام سارة عَن الصَّبِي وَعَن أمتك وَجَمِيع مَا تَقول لَك سارة اسْمَع من قَوْلهَا فَقَالَ إِبْرَاهِيم هَذَا كَلَام الله إِلَى قَائِلا لَا يرثك هَذَا إِن الَّذِي يخرج من صلبك هُوَ يرثك ثمَّ قَالَ الله لإِبْرَاهِيم باسحق يتسمى نسلك فَافْهَم ترشد وَاعْلَم كَيفَ قطع الله ورث إِسْمَاعِيل وَأمه فِي قَوْله لَا يرثك هَذَا ثمَّ قَالَ عَن إِسْحَق الَّذِي يخرج من صلبك وَكَيف قَالَ الله لإِبْرَاهِيم باسحق يتسمى نسلك وَلم يقل بِإِسْمَاعِيل يتسمى نسلك فَأخذ إِبْرَاهِيم خبْزًا وجرة مَاء وَجعل على أكتاف الْأمة وَجعل إِسْمَاعِيل على عُنُقهَا بِاللَّيْلِ وأخرجها بِوَلَدِهَا عَن الْعمرَان فتناسلت مِنْهُ الْأمة الَّذِي قَالَ فِيهَا قرآنكم ﴿أَشد كفرا ونفاقا﴾ فَافْهَم وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى وآمن بشريعة الْمَسِيح حَقِيقَة الْإِيمَان وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته كمل كَلَامه الْجَواب عَمَّا ذكر اعْلَم يَا هَذَا المخدوع المصروف عَن المعارف الْمَمْنُوع الشَّاهِد عَلَيْهِ جَهله بِأَنَّهُ لَيْسَ بتابع وَلَا متبوع أَنا نؤمن بِاللَّه وَكتبه وَلَا نفرق بَين أحد من رسله فنؤمن بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل اللَّذين أنزلهما على رسوليه الْملك الْجَلِيل وَلَكِن قبل أَن يعتريهما التَّغْيِير والتبديل وَقد نبهنا على أَن الْكتاب الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ الْمُسَمّى بالإنجيل عنْدكُمْ لَا يُقَال عَلَيْهِ منزل بِالْحَقِيقَةِ كَمَا تقدم من تِلْكَ الطَّرِيقَة ثمَّ إِنَّا نسلم جدلا صِحَة مَا تَدعُونَهُ من تِلْكَ النُّبُوَّة ونبين صِحَة نبوة نَبينَا مِنْهَا عَن كثب

стр. 167

فَأَما قَوْلك وَاعْلَم أَنا لَا نقبل من كتبكم شَيْئا فَلَيْسَ ذَلِك بِأول عنادكم فكم لكم مِنْهَا وَكم شنشنة أعرفهَا فِي أخزم لكنكم لَسْتُم عِنْد الْعُقَلَاء أَهلا لقبُول حق وَلَا لرد بَاطِل فَلَيْسَ ردكم بِأولى من قبولكم وَهَكَذَا فعل الرعاع الغثر الغثاء الغبر يقبلُونَ بِغَيْر دَلِيل ويردون بِغَيْر حجَّة وَلَا سَبِيل وَإِلَّا فَمَا الدَّلِيل الَّذِي أوجب عنْدكُمْ إِلَّا تقبلُوا نبوة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ مَعَ وضوح معجزاته وعدالة بيناته على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَظهر من هَذَا أَن ردكم لديننا لَيْسَ بِدَلِيل وَإِنَّمَا هُوَ لأجل إتباع قَول كل جهول دخيل يحكم على عقله هَوَاهُ ويطيح مَعَه حَيْثُمَا رَمَاه وَلأَجل ذَلِك صَار دينكُمْ ضحكة الْعُقَلَاء مُشْتَمِلًا على كل مقَالَة شنعاء وَمن كَانَ هَذَا مَنْهَج سَبيله فَرده لغير معنى بِمَثَابَة قبُوله وَلَقَد كَانَ يَنْبَغِي لَك لَو كنت على سنَن النظار أهل الْبَحْث عَن الْحق والإعتبار أَن تحكى ديننَا وتستدل بزعمك على فَسَاده كَمَا قد فعلنَا نَحن بدينكم إِذْ بَينا تناقضه وَعدم سداده على أَنه قد تبين الصُّبْح لذِي عينين ووضحت الشَّمْس لسليم الحاستين ... مَا ضرّ شمس الضُّحَى فِي الجو مشرقة ... أَلا يرى ضوءها من لَيْسَ ذَا بصر ... ثمَّ قلت متواقحا فِي قَوْلك مستهزئا برَسُول رَبك فَإِن قلت من كتابك شَيْئا قلت لَك كَمَا قَالَ رَسُولك الْبَيِّنَة على من ادّعى وَالْيَمِين على من أنكر أما قَوْلك رَسُولك فَنعم هُوَ رَسُول إِلَيْنَا وَإِلَيْك فَآمَنا وكفرت وصدقنا وكذبت ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ فَنحْن نقُول رَضِينَا بِاللَّه رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُول الله رَسُولا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَأما أَنْت فَإِن مت مصرا على تكذيبك فليدخلنك الله النَّار وليدخلنك فِي دَار الْبَوَار فَلَا تنْتَفع بشفاعة ملك مقرب وَلَا بِنَبِي مُخْتَار وَأما طَلَبك الْبَيِّنَة على صدقه فكفاك شَهَادَة

стр. 168

الْأَنْبِيَاء العارفين بِحقِّهِ الْمخبر عَنهُ بِلُزُوم تَصْدِيقه وَصدقه وسنبين ذَلِك بأبلغ بَيَان وأوضحه بأوضح برهَان وعَلى سَبِيل الإستعجال يَكْفِيك بَيِّنَة عدله مَا وَقع فِي صحف النَّبِي دانيال حَيْثُ وصف الْكَذَّابين وَقَالَ لَا تمتد دعوتهم وَلَا يتم قُرْبَانهمْ وَأقسم الرب بساعده أَن لَا يظْهر الْبَاطِل وَلَا تقوم لمدع كَاذِب دَعْوَة أَكثر من ثَلَاثِينَ سنة وَهَذَا دين مُحَمَّد رَسُولنَا ﷺ قَائِم مُنْذُ سِتّمائَة سنة ونيف فَكيف ترى هَذِه الْبَيِّنَة المصححة أمعدلة عنْدك أم مجرحة وَكَذَلِكَ فِي صحف النَّبِي حبقوق وَهُوَ الشَّاهِد الْمُعظم الموثوق قَالَ جَاءَ الله من التَّيَمُّن وتقدس من جبال فاران وامتلأت الأَرْض من تحميد أَحْمد وتقديسه وَملك الأَرْض بهيبته وَقَالَ أَيْضا تضئ لَهُ الأَرْض وستنزع فِي قسيك إغراقا وترتوي السِّهَام بِأَمْرك يَا مُحَمَّد فَهَذَا النَّبِي الصَّادِق الْمُصدق قد أفْصح بنعته وَصرح بإسم بَلَده وَشهد بصدقه وَمن كَانَ الْأَنْبِيَاء شُهُوده فقد اسْتحق مكذبه عَذَاب النَّار وخلوده فلعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ على من تبين لَهُ الْحق ثمَّ صَار عَنهُ من المعرضين وسنعقد فِي النبوات فصلا مُفردا ونأتي فِيهِ بالعجائب حَتَّى يتَبَيَّن فِيهِ تواقح كل طَاعن عائب وَأما قَوْلك وَأَنت تدعى أَن كتابكُمْ من الله فَإِن كنت تنكر ذَلِك فَادع عصابتك البلغاء من نَصَارَى نَجْرَان الْمُتَكَلِّمين بلغَة الْقُرْآن ليعارض بِسُورَة من مثله فَإِن فعلوا ذَلِك دحضت حجَّته وَانْقطع عَظِيم قَوْله لكِنهمْ لما سمعُوا مِنْهُ الْقُرْآن تحققوا على الْقطع أَنه لَيْسَ يقدر عَلَيْهِ أحد من الْإِنْس والجان وَعَلمُوا أَنه كَلَام الْملك الديَّان فآمنوا وَصَدقُوا لما عرفُوا وحققوا فحصلوا على فضل الملتين وآتاهم الله أجرهم مرَّتَيْنِ

стр. 169

وَأما قَوْلك فأثبتوه من التَّوْرَاة بالعبراني وَمن الْإِنْجِيل بالعجمي فلتعلم أَنا لَوْلَا كره منا أَن نتكلم برضانة الْعَجم لَكَانَ ذَلِك علينا أيسر شَيْء يلْتَزم وَلَكنَّا إِن شَاءَ الله تَعَالَى نذْكر كَلَام الْأَنْبِيَاء من كتبكم كَمَا قد ترجمها المترجمون من أهل ملتكم مثل يرونم وَحَفْص ابْن الْبر وَغَيرهمَا من المترجمين الَّذين تثقون بقَوْلهمْ وتعولون على نقلهم وَلست أفعل مثل مَا أَنْت فعلت وَلَا أصنع شَيْئا مِمَّا صنعت حَيْثُ نقلت كَلَام الْأَنْبِيَاء بالعبراني والعجمي ثمَّ إِنَّك شرعت فِي تَرْجَمته وَفِي تَفْسِيره من غير أَن تنْسب التَّفْسِير إِلَى أحد المترجمين الْعَالمين بالمعاني وباللغات ومواقع الْأَلْفَاظ وَأما أَنْت فلست بموثوق بنقلك وَلَا مُصدق فِي قَوْلك لجهلك بِالشُّرُوطِ الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا المترجمون وَإِذا ادعيت أَنَّك لست جَاهِلا فَمَا حد التَّرْجَمَة وحقيقتها وَمَا شُرُوطهَا وَكم أقسامها وَمَا الْمحل الَّذِي تجوز فِيهِ من الَّذِي لَا تجوز وَبِهَذَا السُّؤَال يظْهر جهلك وتبلدك وحصرك وتوددك ثمَّ قلت فَائت بِمَا ادعيت وَإِلَّا يَمِيني لِأَنِّي أنكر هَا أَنا قد أَقمت الْبَينَات الْعُدُول الَّذين لَيْسَ لقَائِل فِي عدالتهم مَا يَقُول وَلَقَد أعلم مَعَ ذَلِك أَنَّك تبادر بِالْيَمِينِ وتباهت الْمُسلمين إِذْ قد تقولت بِالْكَذِبِ والزور على رب الْعَالمين ثمَّ ذكرت على جِهَة الإستهزاء والتنقيص والإزدراء والتخريص حَدِيث إمرأة رِفَاعَة لتقبح بذلك ديننَا وتنسب إِلَيْهِ شناعة وَأَنت مَعَ ذَلِك لم تعرف مَعْنَاهُ وَلَا فهمت فحواه ثمَّ قلت بعد أَن أخللت بمساقه وَلم تقمه على سَاقه فَمثل هَذِه النبوات لَا نقبلها مِنْكُم لِأَن الْمَسِيح يَقُول لَا يَنْبَغِي لرجل طَلَاق زَوجته إِلَّا أَن تزنى فلتعلم أَن هَذَا كَلَام جَاهِل بِأَحْكَام الْأَنْبِيَاء ظان أَن أَحْكَام الشَّرْع صِفَات لأعيان الْأَشْيَاء ثمَّ تستمد من إِنْكَار النَّاسِخ والمنسوخ وَكَلَام كل جَاهِل مَرْدُود مفسوخ فَنَقُول لهَذَا الْمُنكر الْجَاهِل الَّذِي لَيْسَ بمتشرع وَلَا عَاقل مَنعك طَلَاق الرجل زَوجته ورده إِيَّاهَا بعد طَلاقهَا لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون منعا من جِهَة الْعقل أَو من جِهَة الشَّرْع فَإِذا ادعيت أَنه من جِهَة الْعقل كَانَت دعواك بَاطِلَة بِالضَّرُورَةِ فَإِن صور هَذِه الْمسَائِل ووجودها مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ فَإِذا بَطل أَن يكون إمتناعها من جِهَة الْعقل فَيجوز أَن تُوجد وَإِذا جَازَ أَن تُوجد فَكيف يَنْبَغِي لمن ينتسب إِلَى الْعقل أَن يُنكر

стр. 170

نبوة من قَامَت الْأَدِلَّة القاطعة على صدقه من حَيْثُ أَنه حكم بِشَيْء يَصح فِي الْعقل أَن يُوجد ثمَّ من الْعجب العجاب الَّذِي يستعظمه أولو الْأَلْبَاب أَنكُمْ إلتزمتم فِي شرعكم بِمَا يشْهد الْعقل الأول بفساده مثل قَوْلكُم فِي الأقانيم أَنَّهَا آلِهَة ثَلَاثَة إِلَه وَاحِد وقلتم فِي الإتحاد والحلول مَا يعلم فَسَاده بضرورة الْعُقُول ثمَّ لم ينفركم ذَلِك عَن إتباع شرعكم بل يَقُول من يُمَيّز إستحالة ذَلِك القَوْل مِنْكُم هَذَا مِمَّا لَيْسَ يدْرك بالعقول بل يتبع فِيهِ الْكتاب الْمَنْقُول ثمَّ بعد إلتزام هَذِه المحالات والمدافعة عَنْهَا بالترهات والخرافات تنكرون علينا فعل شَيْء تجوزه الْعُقُول وَلم تصر إِلَيْهِ إِلَّا بعد ثُبُوت الشَّرْع الْمَنْقُول الَّذِي دلّ على صِحَّته الْبُرْهَان الْمَعْقُول فَأنْتم من الْجَهْل والزلل كَمَا جرى من كَلَام النُّبُوَّة مجْرى الْمثل يبصر أحدكُم القذاة فِي عين أَخِيه وَلَا يبصر الْجذع فِي عينه وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك كُله للمعنى الَّذِي نبه الشَّاعِر عَلَيْهِ هُنَالك ... عُيُون الرِّضَا عَن كل عيب كليلة ... وَلَكِن عين السخط تبدي المساويا ... فَلَو وفقتم لطريق الْإِنْصَاف لتركتم طَرِيق التعصب والإعتساف وَلَو كُنْتُم تطلبون الْحق بدليله لَأَوْشَكَ أَن يرشدكم إِلَى سَبيله وَلَكِن من حرم التَّوْفِيق استدبر الطَّرِيق وَنكل عَن التَّحْقِيق وَإِن ادعيت أَن ذَلِك مَمْنُوع من جِهَة الشَّرْع فَنَقُول لَك إِمَّا أَن يكون مَمْنُوعًا من جِهَة الشَّرَائِع كلهَا أَو من بَعْضهَا فَإِن قلت إِنَّه مَمْنُوع من جِهَة الشَّرَائِع كلهَا كَانَ ذَلِك بَاطِلا إِذْ الشَّرَائِع فِي ذَلِك مُخْتَلفَة فَإِن الْمَعْلُوم من شرع التَّوْرَاة فِي ذَلِك خلاف شرعكم وَكفى دَلِيلا على أَن التَّوْرَاة تخالفكم فِي ذَلِك أَو الْكَلَام الَّذِي حكيته عَن الْمَسِيح أَنه قَالَ أما علمْتُم أَنه قيل للقدماء من طلق إمرأته فليكتب لَهَا كتاب طَلَاق وَأَن أَقُول من طلق إمرأته فقد جعل لَهَا سَبِيلا إِلَى الزِّنَى فَهَذَا تَصْرِيح بَين مَا أنكرته علينا وتنقصت بِهِ شرعنا وكما جَازَ أَن يُخَالف عِيسَى ﵇ بعض أَحْكَام التَّوْرَاة وَلَا يدل ذَلِك على كذبه وَلَا على فَسَاد شَرعه كَذَلِك يجوز أَن يُخَالف شرعنا

стр. 171

شرع عِيسَى ومُوسَى فِي بعض الْأَحْكَام وَلَا يدل ذَلِك على فَسَاده إِذْ كل وَاحِد مِنْهُم إِنَّمَا يبلغ حكم الله ولس مخترعا حكما من قبله ثمَّ قد تخْتَلف الْأَحْكَام والأوضاع بِحَسب مَا يُريدهُ الله تَعَالَى وبحسب مَا يُعلمهُ من إختلاف الْأَحْوَال ٢ والمصالح وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى لاحجر عَلَيْهِ فِي أَفعاله وَلَا راد لشَيْء من أَحْكَامه فَيحل لِعِبَادِهِ مَا شَاءَ وَيحرم عَلَيْهِم ماشاء ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَهَذَا بَين بِنَفسِهِ لَا يجهله إِلَّا من كَانَ عديم حسه ثمَّ قلت وَأَنْتُم تَقولُونَ لَا يحل لزَوجهَا مراجعتها إِلَّا أَن تزنى بدل أَن تنهوا عَن الزِّنَى تأمروا بِالزِّنَا اسْكُتْ فض الله فَاك فَمَا أكذبك وَمَا أجفاك تتقول علينا بِمَا لَا نقُول وتتصرف فِي شرائع الْأَنْبِيَاء تصرف متواقح جهول كَمَا فعل أشياعكم من قبل اسْمَع يَا لكع على أَنَّك لَا تحسن أَن تسمع اعْلَم أَن هَذَا الَّذِي ظننته بجهلك زنا لَيْسَ بزنا لِأَن الزِّنَا حَقِيقَته إيلاج فرج فِي فرج محرم شرعا مشتهى طبعا وَهَذِه الْحَقِيقَة مَعْدُومَة فِي الَّذِي توهمت أَنه زنا فَإِن قلت إِن كَانَت هَذِه الْحَقِيقَة مَعْدُومَة عنْدكُمْ فَلَيْسَتْ مَعْدُومَة عندنَا فَإِن هَذَا الْإِيلَاج محرم عندنَا فَهُوَ زنا قُلْنَا لَك إِن كَانَ قد ثَبت تَحْرِيم ذَلِك عنْدكُمْ فقد ثَبت تَحْلِيله عندنَا فَإِن الله تَعَالَى يحل لعبيده مَا يَشَاء وَيحرم عَلَيْهِم مَا يَشَاء وَهَذَا كَمَا أحل الله لمُوسَى من الطَّلَاق مَا حرمه على عِيسَى ثمَّ كَيفَ يُمكن لعاقل أَن يُنكر مثل ذَلِك وَقد ثَبت أَنه أحلّت فِي بعض الشَّرَائِع فروج وَحرمت فِي شرع آخر فقد ثَبت أَن الْبَطن الأول من أَوْلَاد آدم أحلّت لَهُم نِكَاح الْأَخَوَات ثمَّ حرمت على من بعدهمْ من الشَّرَائِع وَقد جَاءَ فِي التَّوْرَاة أَن يَعْقُوب نكح أُخْتَيْنِ راحيل وليئة وَجمع بَينهمَا وحرمهما على غَيره وَالْجمع بَينهمَا فِي

стр. 172

النِّكَاح محرم عنْدكُمْ وَقد فعل الله ذَلِك فِي أَحْكَام أخر على مَا يعرف من أَحْوَال الشَّرَائِع وإختلافها فِي بعض الْأَحْكَام وَإِنَّمَا يتَحَقَّق هَذَا الْمَعْنى على الْيَقِين من يعلم أَن حَقِيقَة الحكم الشَّرْعِيّ هِيَ خطاب الشَّرْع الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين على جِهَة الإقتضاء أَو التَّخْيِير فعلى هَذَا لَا معنى للْحكم إِلَّا قَول الشَّارِع افعلوا أَو لَا تَفعلُوا أَو إِن شِئْتُم فافعلوا وَإِن شِئْتُم فاتركوا على مَا يعرف فِي مَوْضِعه ثمَّ هَذَا الَّذِي عبته علينا أَيهَا الجهول لَهُ معنى صَحِيح فِي الْعُقُول جَار على منهاج الْمصَالح الْمَعْقُول وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا شرع الطَّلَاق ليتخلص الرجل من نكد الْمَرْأَة وأسوها رفقا بِنَا وَرَحْمَة مِنْهُ علينا فقد تكون غلا قملا تضر بِالرجلِ ضَرَرا حقبا لَا يُمكن أَن يطلع عَلَيْهِ أحد فَلَا تجبر على إِزَالَته لكَونه لَا يتَحَقَّق من جِهَتهَا فَجعل للرحل أَنه مَتى شَاءَ أَن يتَخَلَّص مِنْهَا وَمن ضررها فعل وَأَيْضًا فلكون النِّسَاء فِي الْغَالِب ناقصات عقل فَلَو علمت أَن الرجل لم يَجْعَل لَهُ سَبِيل إِلَى مفارقتها لما كَانَت تحترمه وبادرت إِلَى ضَرَره فَأَرَادَ الشَّارِع أَن يَجْعَل للرجل سَببا يحترم لأَجله وَهُوَ الطَّلَاق فَإِن الْمَرْأَة إِذا علمت أَنَّهَا إِن بالغت فِي ضَرَر زَوجهَا طَلقهَا امْتنعت من ضَرَره فِي الْأَكْثَر فَإِن عورضنا وَقيل لنا فَيلْزم على ذَلِك أَن تطلق الْمَرْأَة نَفسهَا مَتى شَاءَت فَإِن الرجل قد يضر بهَا ضَرَرا لَا يطلع عَلَيْهِ أحد فَإِن راعيتم وجود الضَّرَر وتوقعه فِي حق الزَّوْج فَلم لم تراعوه فِي حق الزَّوْجَة كَذَلِك فَنَقُول إِنَّمَا لم نراعه فِي حق الْمَرْأَة لأَنا لَو جعلنَا للْمَرْأَة أَن تطلق نَفسهَا مَتى شَاءَت لما اسْتَقَرَّتْ إمرأة عِنْد زَوجهَا فِي غَالب الْأَمر لِأَنَّهُنَّ ناقصات عقل فَلَا يُؤمن عَلَيْهِنَّ غَلَبَة شهواتهن على عقولهن وَإِن فتح هَذَا الْبَاب طَرَأَ مِنْهُ من الضَّرَر مَا لَا ينسد وَلَا يتدارك فسد هَذَا الْبَاب فِي حق النِّسَاء لهَذِهِ الْحِكْمَة وَفتح فِي حق الرِّجَال ليزول عَن أَعْنَاقهم غل الضَّرَر والنقمة وَالله أعلم

стр. 173

وَأما مَا عابه أَيْضا من أَن الْمُطلقَة ثَلَاثًا لَا تحل إِلَّا بعد زوج فَذَلِك أَيْضا لَهُ معنى مَعْقُول مُنَاسِب وَذَلِكَ أَن الطَّلَاق وَإِن كَانَ الله قد أَبَاحَهُ لنا فَهُوَ من قبيل الْمَكْرُوه من غير سَبَب من حَيْثُ التقاطع والتدابر المنهى عَنْهُمَا وَلأَجل هَذَا قَالَ نَبينَا ﵇ أبْغض الْحَلَال إِلَى الله الطَّلَاق فَأطلق عَلَيْهِ لفظ البغض مشعرا بِالْكَرَاهَةِ وَأطلق لفظ الْحَلَال مشعرا بِجَوَازِهِ فَحصل لنا من مَفْهُومه أَنه يجوز على كَرَاهَة فَإِذا تقرر أَنه مَكْرُوه من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَيَنْبَغِي أَلا يفعل ثمَّ إِن فعل وَلَا بُد مِنْهُ فَلَا يكثر مِنْهُ ثمَّ إِن كثر مِنْهُ فَلَا يُزَاد على الْمَرَّتَيْنِ فَإِن تعداهما عُوقِبَ بِأَنَّهُ لَا تحل لَهُ إِلَّا بعد زوج فَكَانَت الْحِكْمَة فِي ذَلِك أَن الزَّوْج إِذا علم أَنه إِذا أَكثر من هَذَا الْمَكْرُوه الَّذِي هُوَ الطَّلَاق عُوقِبَ بتفويت زَوجته عَلَيْهِ وتملكها غَيره امْتنع من تَكْثِير الْمَكْرُوه الَّذِي هُوَ الطَّلَاق ثمَّ لَا يظنّ الْجَاهِل بِنَا أننا نجبر الزَّوْج الثَّانِي على طَلاقهَا حَتَّى يرجع إِلَيْهَا الأول حاشى لله وَإِنَّمَا الزَّوْج الثَّانِي يملك مِنْهَا مَا يملكهُ الأول فَإِن شَاءَ طَلقهَا وَإِن شَاءَ أمْسكهَا ثمَّ إِن طَلقهَا اعْتدت مِنْهُ وَجَاز للْأولِ أَن يَتَزَوَّجهَا تزويجا مستأنفا إِن شَاءَ وَلَا يجوز عندنَا أَن يَتَزَوَّجهَا الثَّانِي ليحللها للزَّوْج الأول فَإِن فعل كَانَ نِكَاحه فَاسِدا وَهُوَ الَّذِي نُسَمِّيه الْمُحَلّل وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِي ﷺ لعن الله الْمُحَلّل والمحلل لَهُ فَإِن سَمَّاهُ مسم تَيْسًا فعلى جِهَة الذَّم لفعله فَإِذا تقرر هَذَا الْمَعْنى الَّذِي لَا يمنعهُ الْعقل وَلَا تنافيه مَكَارِم الْأَخْلَاق بل هُوَ على منهاجها وعَلى سنتها فَكيف يَنْبَغِي لعاقل منصف غير متواقح وَلَا متعسف أَن يتقول علينا أَنا نقُول لَا يحل لزَوجهَا مراجعتها إِلَّا أَن تزنى وَلَو كنت يَا هَذَا من أهل الْعقل الَّذين تبرأوا عَن السَّفه وَالْجهل لما كنت تشبه نِكَاحا على وفْق شَرِيعَة صَحِيحَة بِحَسب دلَالَة أدلتها القاطعة مَعَ أَن هَذَا النِّكَاح وَقع بولى وَمهر وشهود وإعلان بِنِكَاح الزِّنَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ ولى وَلَا مهر وَلَا شُهُود وَلَا إعلان وَإِنَّمَا يَقع الزِّنَا مُخَالفا للشرائع عريا عَن الشُّهُود وَالْوَلِيّ مَسْتُورا فَهَذَا تَشْبِيه يدل على عناد وتمويه

стр. 174

ثمَّ قلت بدل أَن تنهوا عَن الزِّنَا تأمروا بِهِ وَهُوَ عنْدكُمْ فَرِيضَة التياس هَذَا التشنيع بَاطِل وَقَول غبي جَاهِل وتهويل لَيْسَ وَرَاءه حَاصِل وَقَول الزُّور والأباطل قصد بِهِ قَائِله استزلال الْعَوام وليكره لَهُم دين الْإِسْلَام ﴿يُرِيدُونَ ليطفئوا نور الله بأفواههم وَالله متم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ﴾ وَلَقَد صدق الله عَبده وأنجز وعده ﴿وَمن أوفى بعهده من الله﴾ اعْلَم يَا هَذَا المفترى الْكذَّاب والمشنع المرتاب أَن الْعُقَلَاء لَا يرضون بِمَا فعلت وَلَا يأْتونَ بِمثل مَا بِهِ أتيت وَذَلِكَ أَنَّك جهلت شرعنا وكذبت عَلَيْهِ وعميت عَلَيْك مقاصده فنسبت الزُّور وَالْفُحْش إِلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي لَك لَو كنت على سنَن الْعُقَلَاء أهل السياسة الْفُضَلَاء أَن تبحث عَن أَدِلَّة صِحَة هَذِه الشَّرِيعَة وَعَن صدق الَّذِي جَاءَ بِهِ فَإِن كَانَت أدلتها صَحِيحَة وَجب عَلَيْك أَن تقبلهَا جملَة وَلَا ترد مِنْهَا شَيْء وَتَكون وَاحِدًا مِمَّن إلتزمها وَإِن لم تظهر لَك صِحَة أدلتها فناظر أَهلهَا فِي تِلْكَ الْأَدِلَّة وَلَا تتعداها إِلَى غَيرهَا وباحثهم فِيهَا مشافهة فَإِن الْمخبر لَيْسَ كالمعاين فَلَو لم يقدروا على أَن يحتجدوا لدينهم وَلَا أَن يقيموا دَلِيلا على صِحَة شرعهم وَجب عَلَيْك رد تِلْكَ الشَّرِيعَة من أَولهَا وَهَذَا دأب الموفقين لَا الْكَذَّابين المشنعين ثمَّ قلت وَأَنا أُرِيد قطع ذَنْب التيس وَأَن نجعله فِي ذقنه ليلوح استه لمعرة صَرْصَر الشمَال وحمارة قيظ هجير الْجنُوب يَا هَذَا التيس وَأي ذَنْب سَاتِر للتيس أتظن أَنَّك تتفصح وتستعير وَأَنت لَا فِي العير وَلَا فِي النفير وَكَيف تظن السَّلامَة من الْحمق والبؤس بِمن يجهل كَيْفيَّة أَذْنَاب التيوس أم كَيفَ يُبَالِي بتفصحه وجعاجعه وَهل هُوَ فِي ذَلِك إِلَّا بِمَنْزِلَة من جهل عدد أَصَابِعه وَلَوْلَا أَن شرعنا منع من السباب وَلَا يَلِيق ذَلِك بِأولى المروءات والآداب لأقذعتك سبا ولأوجعتك عتبا وَمَعَ هَذَا ... نجا بك لومك منجى الذُّبَاب حمته مقاديره أَن ينالا ...

стр. 175

. لَا أسبنكم فلستم بسبي ... إِن سبي من الرِّجَال الْكَرِيم ... ثمَّ قلت وَهَذَا جَوَاب كلامك إنتصافا مِنْك كَمَا يَقُول قرآنك وَمن أنتصف من بعد ظلمه فَلَا جنَاح عَلَيْهِ يَا هَذَا شَأْنك يحار فِيهِ النحرير وجهلك يتعجب مِنْك الصَّغِير وَالْكَبِير كَيفَ لَا وكلامك هَذَا يشْهد عَلَيْك بجهلك بإنجيلك وبمخالفتك حكمه وَشرع رَسُولك كَيفَ يحل لَك فِي شرعك أَن تنتصف مِمَّن ظلمك وتشتم من شتمك وإنجيلك يَقُول لَك لَا تكافئوا أحدا بسيئة وَلكم من لطم خدك الْيُمْنَى فانصب لَهُ الْيُسْرَى وَمن أَرَادَ مغالبتك وإنتزاعك قَمِيصك فزده أَيْضا رداءك فَهَذَا إنجيلك يشْهد عَلَيْك بأنك لست على شَرعه بل رددت حكمه وعملت على رفضه وَإِذا كَانَ شَأْنك هَذَا مَعَ كتابك فَكيف يرتجي فلاحك من لَيْسَ من أحبابك ثمَّ الْعجب العجاب تركت كتابك وَالْعَمَل بِهِ ثمَّ أخذت تعْمل بِكِتَاب لَا تصدق بِأَصْلِهِ فَهَذَا يعلم من حالك أَنَّك لست تُرِيدُ أَن تتبع الْحق وَلَا أَن تبحث عَنهُ وَلَكِنَّك اتبعت هَوَاك فأضلك وأطعت الشَّيْطَان فأزلك ثمَّ من أدل دَلِيل على جهلك ومغالطتك أَنَّك أوهمت أَنَّك تعرف الْقُرْآن وَأَنَّك تحتج علينا بِهِ ثمَّ ذكرت مَا لَيْسَ بقرآن حَيْثُ قلت وَمن انتصف من بعد ظلمه فَلَا جنَاح عَلَيْهِ وَهَذَا لَيْسَ بقرآن وَإِن كَانَ يشْهد بِمَعْنَاهُ الْقُرْآن وَلَيْسَ الْقُرْآن عندنَا بِمُجَرَّد مَعْنَاهُ فَقَط بل بِلَفْظِهِ الْمَخْصُوص وَمَعْنَاهُ وأسلوبه الَّذِي أعجز الْأَوَّلين والآخرين فعلى هَذَا الْمَعْنى أَن تترجم بِلِسَان آخر أَو عبر عَن مَعْنَاهُ بِغَيْر لَفظه وأسلوبه خرج عَن كَونه قُرْآنًا فأفهم وَمَا أَدْرَاك تحسن ثمَّ قلت فانصر أَنْت محالك لِأَنَّك قلت بالسفه والطعن فِي ديننَا وَقلت الْكَذِب على مسيحنا أنظر هَذَا الْكَلَام الفصيح الْجَهَالَة على قَائِله تلوح فَلَقَد عدم هَذَا الْكَلَام الإنتظام والإرتباط فَوَجَبَ لَهُ لأجل ذَلِك الإلغاء والإسقاط

стр. 176

وَأما مَا ذكرت من تسفيه دينك والطعن عَلَيْهِ فَذَلِك وَاجِب على الْعُقَلَاء إِذْ قد تبين بِدَلِيل الْعقل الَّذِي لَا يشك فِيهِ أَنكُمْ قد تمذهبتم بكك مقَالَة شنعاء وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا تقدم ثمَّ إِن الطعْن على دينكُمْ لَيْسَ طَعنا على دين الْمَسِيح فَإِنَّكُم لم تتدينوا بِدِينِهِ وَلَا عَرَفْتُمْ حَقِيقَة يقينه بل تخرصتم عَلَيْهِ بالأباطيل وقبلتم عَلَيْهِ قَول كل متواقح جَاهِل فَمَا لكم وللإنتساب للمسيح وَهُوَ مبرأ عَن كل قَبِيح بل هُوَ ساخط عَلَيْكُم وبراء إِلَى الله مِنْكُم وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا تقدم وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى بمزيد يبطل قَوْلكُم فِيهِ ويهدم وَأما مَا نسبت إِلَيْنَا من الْكَذِب على الْمَسِيح والسب لَهُ فَذَلِك وَالله شَيْء لَا نفعله وَلَا يرضى بذلك متدين وَلَا عَاقل وَكَيف يجوز هَذَا علينا وَنحن نكفر من سبه أَو سبّ أمه عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهَذَا عندنَا أصل من أصُول عقائدنا وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أَخذ علينا من الْمِيثَاق أَن نؤمن بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاء وَالرسل وَلَا نفرق بَين أحد مِنْهُم وَهُوَ عندنَا من أكْرم الرُّسُل فَكيف نسبه أَو نكذب عَلَيْهِ وَفِي فعل ذَلِك خُرُوج عَن دين الْإِسْلَام وَتمسك بِفعل الْجُهَّال الطغام بل أَنْتُم الَّذين كَذبْتُمْ عَلَيْهِ ونسبتم مَا تحيله الْعُقُول إِلَيْهِ وَهُوَ يتبرأ من ذَلِك ويتنصل مِمَّا أفتريتم عَلَيْهِ هُنَالك ثمَّ أضفتم مَعَ ذَلِك من الْعَيْب والتنقيص على الله تَعَالَى مَا يعلم على الضَّرُورَة وَالْقطع أَنه محَال فَنحْن وَإِيَّاك على الْمثل السائر رمتني بدائها وإنسلت ثمَّ قلت وَاعْلَم أَنَّك إِن أرْسلت بعد هَذَا بالشتم فَإِنِّي أبْعث إِلَى كل بلد كتابا بِنَصّ شريعتكم وَبِكُل مَا نَعْرِف من الْأَقَاوِيل الَّتِي لَا تقدرون على إنكارها لَوْلَا أَن السب منهى عَنهُ على الْإِطْلَاق وَلَيْسَ من مَكَارِم الْأَخْلَاق لأكثرت من سبك ولأوغلت فِي لومك وعتبك وَلَو كَانَ ذَلِك لما كذبت وَلَا افتريت وَإِنَّمَا كنت أفعل ذَلِك لأظهر بذلك بَاطِل تمويهك ومغالطة تهويلك وَمن أَيْن لَك أَن تعرف ديننَا وَأي طَرِيق يوصلك إِلَيْهِ وَبِأَيِّ لِسَان تتمكن مِنْهُ وَبِأَيِّ فهم تتوصل إِلَى مَعْنَاهُ هَا أَنْت لَا تعرف دينك الَّذِي نشأت عَلَيْهِ فَكيف بك أَن تعرف مَا لم تفهم مِنْهُ حرفا وَلَا سمعته على وَجهه اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تقولت

стр. 177

بِمَا لَيْسَ لَك بِهِ علم كَمَا قد فعلت فِي فَرِيضَة التياس فَلَا يعْدم أَحمَق مخرق مَا يَقُول وَأما إِن ذكر شريعتنا من يعرفهَا فالعقول السليمة تقبلهَا بِنَفس مَا تسمعها لشدَّة ارتباطها وَحسن نظامها وَلَيْسَت كشريعة من يعْتَقد إِلَهًا آخر مَعَ الله ويعتقد فِي الله مَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ وينسب إِلَى الْأَنْبِيَاء مَا يتبرأون مِنْهُ ويحكمون بأهواء جهالهم فِي دين الله وسنعقد أثر هَذَا إِن شَاءَ الله بَابا نبين فِيهِ جملا من أحكامهم وفيهَا يتَبَيَّن أَنكُمْ لَا تستندون فِيهَا إِلَى مُسْتَند وأنكم اخترعتم فِيهَا من الجهالات مالم يقل بِهِ أحد ثمَّ قلت لِأَنَّك قلت فِي الْمَسِيح غث وأوطار وَأَنَّك سبيت الْحَاكِم عَلَيْك وعَلى جَمِيع الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة لَكِن سَوف تَلقاهُ حَاكما لَيْسَ يطْلب عَلَيْك بَيِّنَة ... وَكم من عائب قولا صَحِيحا وآفته من الْفَهم السقيم ... لتعلم يَا هَذَا أَنى وقفت على الْكتاب الَّذِي جاوبك بعض أَصْحَابنَا وتأملت هَذَا الْموضع الَّذِي لم تفهمه فَعلمت أَن الْخَطَأ من قبل فهمك لَا من قبل الْكَاتِب وَذَلِكَ أَن لفظ مَا كتب بِهِ إِلَيْك فِي هَذَا الْموضع شجرتنا نبوية فروعها قرشية ثَمَرَتهَا هاشمية شجرتك غثاء وأوضار ﴿اجتثت من فَوق الأَرْض مَا لَهَا من قَرَار﴾ هَذَا نَصه وَكَانَ يَنْبَغِي لَك أَن تفهمه لَو كنت منصفا فَإِن هَذَا الْكَلَام إِنَّمَا جرى مجْرى الْمثل وَإِنَّمَا أَرَادَ بشجرتنا نبوية أَن أصل إعتقادنا أَن مُحَمَّدًا نَبِي وَرَسُول لَيْسَ باله واعتقادكم أَنْتُم أَن عِيسَى اله وَلَيْسَ بِنَبِي وَهَذَا قَول بَاطِل وإعتقاد فَاسد وَلذَلِك عبر عَن أصل هَذَا الإعتقاد بِالشَّجَرَةِ ثمَّ قَالَ إِنَّهَا غثاء وأوضار فالمسبوب المذموم إِنَّمَا هُوَ إعتقادكم فِي عِيسَى لَا عِيسَى حاشى وكلا فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن تفهم الْكَلَام وَلَا تبادر لأجل الْجَهْل بالملام فالملوم على كل حَال هُوَ الْجَاهِل الَّذِي لَيْسَ يفهم وَلَا عَاقل وَحين وقفت على

стр. 178

كلامك هَذَا هَمَمْت أَن لَا أكاتبك لكونك قَلِيل الْإِنْصَاف كثير الْجَهْل والإنحراف وَلَقَد أعرف أَنَّك إِذا وقفت على كتابي هَذَا لَا تفهمه وَمَعَ ذَلِك فتبادر إِلَى رده مُكَابَرَة ومجاهرة وتتناوله بِالرَّدِّ والقبيح وَبِكُل قَول لَيْسَ بِصَحِيح وَقد حكمت بيني الْعُقَلَاء المتدينين الْفُضَلَاء الَّذين يعترفون بِالْحَقِّ حَيْثُ كَانَ وَلَا يعرجون فِي قبُوله على إِنْسَان وَأما قَوْلك الْحَاكِم عَلَيْك وعَلى جَمِيع الْأُمَم فَقَوْل لَيْسَ بِصَحِيح وَلَا أُمَم وَإِنَّمَا الْحَاكِم على كل الْأُمَم وكل الْمَخْلُوقَات الَّذِي أوجدها بعد أَن لم تكن ثمَّ يعدمها كَأَن لم تكن ثمَّ يُعِيدهَا كَأَنَّهَا مَا بَرحت ﴿قل فَمن يملك من الله شَيْئا إِن أَرَادَ أَن يهْلك الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَأمه وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ الْآيَة وَأما قَوْلك ستلقاه حَاكما لَيْسَ يطْلب عَلَيْك بَيِّنَة فقد نسبتموه إِلَى الْجور فَإِنَّهُ إِذا لم تقم بَيِّنَة على الْمَحْكُوم عَلَيْهِ عندنَا وعندكم وَنفذ الْحَاكِم الحكم نسب إِلَى الْجور فَإِذا قَامَت الْبَيِّنَة زَالَ عَنهُ توهم الْجور وَظهر معيار الْعدْل وَعند سَماع هَذَا يتَحَقَّق معنى الْمثل الْمَعْرُوف عَدو عَاقل خير من صديق جَاهِل فَإِن الْعَدو الْعَاقِل يذعه عَنْك عقله وَالصديق الْجَاهِل يُرِيد نفعك فيضرك وَأَنت بجهلك أردْت أَن تعظم الْمَسِيح فنقصته وَأَن تمدحه فذممته فعل السَّفِيه الأحمق الْجَاهِل وَأَنا أَقُول ستلقونه بَين يَدي الله تَعَالَى فَإِن اعترفتم بقولكم فِيهِ جوزيتم على ذَلِك بجزاء سَتَرَوْنَهُ عيَانًا وَإِن أنكرتم قَوْلكُم فِيهِ يَقُول الله لجوارحكم أنطقي فَتشهد عَلَيْكُم بأقوالكم وأفعالكم فَهَكَذَا يظْهر الْعدْل وَيعلم كل مُكَلّف أَنه محاسب بِمَا عمل من خير أَو شَرّ ومجزى عَلَيْهِ وَمِمَّا يدل على أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا يَأْخُذ بِالْبَيِّنَاتِ يَوْم الْقِيَامَة أَنه قد ثَبت على لِسَان من دلّت المعجزة على صدقه أَن الله وكل بِنَا

стр. 179

كراما كاتبين يَكْتُبُونَ مَا نَفْعل فهم الشُّهُود الْعُدُول الَّذِي لَيْسَ لطاعن عَلَيْهِم مَا يَقُول وستقدم فتعلم ثمَّ الْعجب من جرأتك أَنَّك سببت خَلِيل رَبك حَيْثُ قلت رشح الْجلد المدبوغ فِي قصرية هَاجر هَذَا لإِبْرَاهِيم ذمّ صَرِيح صدر من جَاهِل وقبيح هُنَا يرد عَلَيْك قَوْلك كَيفَ قلت مَا لَا تعلم وَكَيف تجرمت فِي خَلِيل الرَّحْمَن أَن تَتَكَلَّم وستلقاه يناضل عَنهُ الله ثمَّ من رَكِيك الإستعارة أَن الَّذِي ذممت بِهِ إِسْمَاعِيل يلْزم مِنْهُ ذمّ إِسْحَق وَالَّذِي ذممت بِهِ هَاجر يلْزم مِنْهُ ذمّ سارة فَإِن الْجلد الَّذِي رشح فِي قصرية هَاجر هُوَ الَّذِي رشح فِي قصرية سارة وأصل النُّطْفَة الَّتِي كَانَ مِنْهَا إِسْمَاعِيل هُوَ بِعَيْنِه الَّذِي كَانَت مِنْهُ نُطْفَة إِسْحَق وَهَذَا كُله ذمّ لإِبْرَاهِيم وَلعن فقد حاق بك وبمن قَالَ بِقَوْلِك لعنة الله الَّتِي قَالَ فِيهَا لإِبْرَاهِيم فِي التَّوْرَاة وألعن لاعنيك ثمَّ أعجب من ذَلِك كُله اعتذارك عَن قَبِيح مَا أتيت حَيْثُ قلت لما بعث إِلَى أَولا كتاب بالسفه والسب رددت لَهُ الْجَواب بِأُمِّهِ هَاجر فكأنك قلت لما سببتني أَنْت أسب أَنا هَاجر الَّتِي إِذا سبت تعدى سبها إِلَى سَيِّدهَا إِبْرَاهِيم ثمَّ إِنَّك صرحت بسب إِبْرَاهِيم فلزمك على ذَلِك سبّ إِسْحَق وَأمه سارة فَأَنت فِي هَذِه الفعلة بِمَنْزِلَة من سبه رجل فِي وَجهه فَأخذ المسبوب ينكل الساب بِأَن يسب أَبَا نَفسه أعنى نفس المسبوب وَهَذَا مَا لَا يرضى بِهِ عَاقل وَلَا متدين جَاهِل ثمَّ قلت بعد ذَلِك عهدا لغدرك الْقَبِيح مَا قلت هُنَالك وَلم تقل فِيهَا عشر مَا قَالَ الله فِي التَّوْرَاة وَعَن إبنها وَهَذَا القَوْل مِنْك يُوهم أَن الله تَعَالَى ذمها وإبنها فِي التَّوْرَاة وَهَذَا على الله وعَلى كِتَابه كذب صراح وَكفر براح ثمَّ ذكرت بعض قصه هَاجر مَعَ إِبْرَاهِيم وَلم تسقها بكمالها لِئَلَّا تفتضح وَتظهر كَذبك وخزيك

стр. 180

وَهَا أَنا أذكر قصَّة هَاجر مَعَ سارة كَمَا حَكَاهَا كتاب التَّوْرَاة حَتَّى يتَبَيَّن للْوَاقِف على هَذَا الْكتاب أَن الله تَعَالَى أثنى على هَاجر وإبنها ومدحها وَمَا ذمها بل أخبر بنبوتها أَو صديقتها ونبوة إبنها إِسْمَاعِيل بحول الله قَالَ التَّوْرَاة إِن سارة إمرأة إِبْرَاهِيم لم تكن تَلد لَهُ وَكَانَت لَهُ أمة مصرية يُقَال إسمها هَاجر فَقَالَت سارة لإِبْرَاهِيم إِن الرب قد حرمني الْوَلَد فَادْخُلْ على أمتِي وإبن بهَا لعلى أرزق بِولد مِنْهَا فَسمع إِبْرَاهِيم قَول سارة وأطاعها فَانْطَلَقت سارة امْرَأَة إِبْرَاهِيم بهاجر أمتها المصرية وَذَلِكَ بَعْدَمَا سكن إِبْرَاهِيم أَرض كنعان عشر سِنِين فأدخلتها على إِبْرَاهِيم زَوجهَا فَدخل إِبْرَاهِيم على هَاجر فحبلت فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا قد حبلت استسفهت وزرت بسيدها وهانت فِي عينهَا فَقَالَت سارة يَا إِبْرَاهِيم أَنْت صَاحب ظلامتي أَنا وضعت أمتِي فِي حضنك فَلَمَّا حملت هنت عَلَيْهَا يحكم الرب بيني وَبَيْنك فَقَالَ إِبْرَاهِيم لسارة إمرأته هَذِه أمتك فِي يَديك فاصنعي فِيهَا مَا أَحْبَبْت وَحسن فِي عَيْنَيْك وسرك ووافقك فأهانتها سارة سيدتها فهربت مِنْهَا فلقيها ملاك الرب على عين مَاء فِي الْبَريَّة فِي طَرِيق جرار فَقَالَ لَهَا يَا هَاجر أمة سارة من أَيْن لَك أَقبلت وَأَيْنَ تريدين فَقَالَت أَنا هاربة من سارة سيدتي فَقَالَ لَهَا ملاك الرب انطلقي إِلَى سيدتك وتعبدي لَهَا ثمَّ قَالَ لَهَا ملاك الرب عَن قَول الرب أَنا مكثر زرعك ومنميه حَتَّى لَا يحصوا من كثرتهم ثمَّ قَالَ لَك الرب إِنَّك حُبْلَى وستلدين إبنا وتدعين إسمه إِسْمَاعِيل لِأَن الرب قد عرف ذلتك وخضوعك وَيكون إبنك هَذَا وحشيا من النَّاس يَده على كل وَيَد كل بِهِ وسيحل على جَمِيع حُدُود إخْوَته فدعَتْ إسم الرب الَّذِي كلمها فَقَالَت أَنْت الله ذُو الْوَحْي والرؤيا هَذَا ذكر الله لهاجر وإبنها فِي السّفر الأول فِي التَّوْرَاة فِي الإصحاح السَّادِس عشر مِنْهَا وَذكرهَا أَيْضا فِي الإصحاح الْحَادِي وَالْعِشْرين
следующие страницы →