Полный текст (442 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَأما مَا ذكرت من تسفيه دينك والطعن عَلَيْهِ فَذَلِك وَاجِب على الْعُقَلَاء إِذْ قد تبين بِدَلِيل الْعقل الَّذِي لَا يشك فِيهِ أَنكُمْ قد تمذهبتم بكك مقَالَة شنعاء وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا تقدم
ثمَّ إِن الطعْن على دينكُمْ لَيْسَ طَعنا على دين الْمَسِيح فَإِنَّكُم لم تتدينوا بِدِينِهِ وَلَا عَرَفْتُمْ حَقِيقَة يقينه بل تخرصتم عَلَيْهِ بالأباطيل وقبلتم عَلَيْهِ قَول كل متواقح جَاهِل فَمَا لكم وللإنتساب للمسيح وَهُوَ مبرأ عَن كل قَبِيح بل هُوَ ساخط عَلَيْكُم وبراء إِلَى الله مِنْكُم وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا تقدم وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى بمزيد يبطل قَوْلكُم فِيهِ ويهدم
وَأما مَا نسبت إِلَيْنَا من الْكَذِب على الْمَسِيح والسب لَهُ فَذَلِك وَالله شَيْء لَا نفعله وَلَا يرضى بذلك متدين وَلَا عَاقل وَكَيف يجوز هَذَا علينا وَنحن نكفر من سبه أَو سبّ أمه عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهَذَا عندنَا أصل من أصُول عقائدنا وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أَخذ علينا من الْمِيثَاق أَن نؤمن بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاء وَالرسل وَلَا نفرق بَين أحد مِنْهُم وَهُوَ عندنَا من أكْرم الرُّسُل فَكيف نسبه أَو نكذب عَلَيْهِ وَفِي فعل ذَلِك خُرُوج عَن دين الْإِسْلَام وَتمسك بِفعل الْجُهَّال الطغام بل أَنْتُم الَّذين كَذبْتُمْ عَلَيْهِ ونسبتم مَا تحيله الْعُقُول إِلَيْهِ وَهُوَ يتبرأ من ذَلِك ويتنصل مِمَّا أفتريتم عَلَيْهِ هُنَالك ثمَّ أضفتم مَعَ ذَلِك من الْعَيْب والتنقيص على الله تَعَالَى مَا يعلم على الضَّرُورَة وَالْقطع أَنه محَال فَنحْن وَإِيَّاك على الْمثل السائر رمتني بدائها وإنسلت
ثمَّ قلت وَاعْلَم أَنَّك إِن أرْسلت بعد هَذَا بالشتم فَإِنِّي أبْعث إِلَى كل بلد كتابا بِنَصّ شريعتكم وَبِكُل مَا نَعْرِف من الْأَقَاوِيل الَّتِي لَا تقدرون على إنكارها
لَوْلَا أَن السب منهى عَنهُ على الْإِطْلَاق وَلَيْسَ من مَكَارِم الْأَخْلَاق لأكثرت من سبك ولأوغلت فِي لومك وعتبك وَلَو كَانَ ذَلِك لما كذبت وَلَا افتريت وَإِنَّمَا كنت أفعل ذَلِك لأظهر بذلك بَاطِل تمويهك ومغالطة تهويلك وَمن أَيْن لَك أَن تعرف ديننَا وَأي طَرِيق يوصلك إِلَيْهِ وَبِأَيِّ لِسَان تتمكن مِنْهُ وَبِأَيِّ فهم تتوصل إِلَى مَعْنَاهُ
هَا أَنْت لَا تعرف دينك الَّذِي نشأت عَلَيْهِ فَكيف بك أَن تعرف مَا لم تفهم مِنْهُ حرفا وَلَا سمعته على وَجهه اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تقولت
стр. 177
بِمَا لَيْسَ لَك بِهِ علم كَمَا قد فعلت فِي فَرِيضَة التياس فَلَا يعْدم أَحمَق مخرق مَا يَقُول
وَأما إِن ذكر شريعتنا من يعرفهَا فالعقول السليمة تقبلهَا بِنَفس مَا تسمعها لشدَّة ارتباطها وَحسن نظامها وَلَيْسَت كشريعة من يعْتَقد إِلَهًا آخر مَعَ الله ويعتقد فِي الله مَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ وينسب إِلَى الْأَنْبِيَاء مَا يتبرأون مِنْهُ ويحكمون بأهواء جهالهم فِي دين الله وسنعقد أثر هَذَا إِن شَاءَ الله بَابا نبين فِيهِ جملا من أحكامهم وفيهَا يتَبَيَّن أَنكُمْ لَا تستندون فِيهَا إِلَى مُسْتَند وأنكم اخترعتم فِيهَا من الجهالات مالم يقل بِهِ أحد
ثمَّ قلت لِأَنَّك قلت فِي الْمَسِيح غث وأوطار وَأَنَّك سبيت الْحَاكِم عَلَيْك وعَلى جَمِيع الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة لَكِن سَوف تَلقاهُ حَاكما لَيْسَ يطْلب عَلَيْك بَيِّنَة ... وَكم من عائب قولا صَحِيحا
وآفته من الْفَهم السقيم ...
لتعلم يَا هَذَا أَنى وقفت على الْكتاب الَّذِي جاوبك بعض أَصْحَابنَا وتأملت هَذَا الْموضع الَّذِي لم تفهمه فَعلمت أَن الْخَطَأ من قبل فهمك لَا من قبل الْكَاتِب وَذَلِكَ أَن لفظ مَا كتب بِهِ إِلَيْك فِي هَذَا الْموضع شجرتنا نبوية فروعها قرشية ثَمَرَتهَا هاشمية شجرتك غثاء وأوضار ﴿اجتثت من فَوق الأَرْض مَا لَهَا من قَرَار﴾ هَذَا نَصه
وَكَانَ يَنْبَغِي لَك أَن تفهمه لَو كنت منصفا فَإِن هَذَا الْكَلَام إِنَّمَا جرى مجْرى الْمثل وَإِنَّمَا أَرَادَ بشجرتنا نبوية أَن أصل إعتقادنا أَن مُحَمَّدًا نَبِي وَرَسُول لَيْسَ باله واعتقادكم أَنْتُم أَن عِيسَى اله وَلَيْسَ بِنَبِي وَهَذَا قَول بَاطِل وإعتقاد فَاسد وَلذَلِك عبر عَن أصل هَذَا الإعتقاد بِالشَّجَرَةِ ثمَّ قَالَ إِنَّهَا غثاء وأوضار فالمسبوب المذموم إِنَّمَا هُوَ إعتقادكم فِي عِيسَى لَا عِيسَى حاشى وكلا فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن تفهم الْكَلَام وَلَا تبادر لأجل الْجَهْل بالملام فالملوم على كل حَال هُوَ الْجَاهِل الَّذِي لَيْسَ يفهم وَلَا عَاقل وَحين وقفت على
стр. 178
كلامك هَذَا هَمَمْت أَن لَا أكاتبك لكونك قَلِيل الْإِنْصَاف كثير الْجَهْل والإنحراف
وَلَقَد أعرف أَنَّك إِذا وقفت على كتابي هَذَا لَا تفهمه وَمَعَ ذَلِك فتبادر إِلَى رده مُكَابَرَة ومجاهرة وتتناوله بِالرَّدِّ والقبيح وَبِكُل قَول لَيْسَ بِصَحِيح وَقد حكمت بيني الْعُقَلَاء المتدينين الْفُضَلَاء الَّذين يعترفون بِالْحَقِّ حَيْثُ كَانَ وَلَا يعرجون فِي قبُوله على إِنْسَان
وَأما قَوْلك
الْحَاكِم عَلَيْك وعَلى جَمِيع الْأُمَم فَقَوْل لَيْسَ بِصَحِيح وَلَا أُمَم وَإِنَّمَا الْحَاكِم على كل الْأُمَم وكل الْمَخْلُوقَات الَّذِي أوجدها بعد أَن لم تكن ثمَّ يعدمها كَأَن لم تكن ثمَّ يُعِيدهَا كَأَنَّهَا مَا بَرحت ﴿قل فَمن يملك من الله شَيْئا إِن أَرَادَ أَن يهْلك الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَأمه وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ الْآيَة
وَأما قَوْلك
ستلقاه حَاكما لَيْسَ يطْلب عَلَيْك بَيِّنَة فقد نسبتموه إِلَى الْجور فَإِنَّهُ إِذا لم تقم بَيِّنَة على الْمَحْكُوم عَلَيْهِ عندنَا وعندكم وَنفذ الْحَاكِم الحكم نسب إِلَى الْجور فَإِذا قَامَت الْبَيِّنَة زَالَ عَنهُ توهم الْجور وَظهر معيار الْعدْل وَعند سَماع هَذَا يتَحَقَّق معنى الْمثل الْمَعْرُوف عَدو عَاقل خير من صديق جَاهِل
فَإِن الْعَدو الْعَاقِل يذعه عَنْك عقله وَالصديق الْجَاهِل يُرِيد نفعك فيضرك وَأَنت بجهلك أردْت أَن تعظم الْمَسِيح فنقصته وَأَن تمدحه فذممته فعل السَّفِيه الأحمق الْجَاهِل
وَأَنا أَقُول ستلقونه بَين يَدي الله تَعَالَى فَإِن اعترفتم بقولكم فِيهِ جوزيتم على ذَلِك بجزاء سَتَرَوْنَهُ عيَانًا وَإِن أنكرتم قَوْلكُم فِيهِ يَقُول الله لجوارحكم أنطقي فَتشهد عَلَيْكُم بأقوالكم وأفعالكم فَهَكَذَا يظْهر الْعدْل وَيعلم كل مُكَلّف أَنه محاسب بِمَا عمل من خير أَو شَرّ ومجزى عَلَيْهِ
وَمِمَّا يدل على أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا يَأْخُذ بِالْبَيِّنَاتِ يَوْم الْقِيَامَة أَنه قد ثَبت على لِسَان من دلّت المعجزة على صدقه أَن الله وكل بِنَا
стр. 179
كراما كاتبين يَكْتُبُونَ مَا نَفْعل فهم الشُّهُود الْعُدُول الَّذِي لَيْسَ لطاعن عَلَيْهِم مَا يَقُول وستقدم فتعلم
ثمَّ الْعجب من جرأتك أَنَّك سببت خَلِيل رَبك حَيْثُ قلت رشح الْجلد المدبوغ فِي قصرية هَاجر هَذَا لإِبْرَاهِيم ذمّ صَرِيح صدر من جَاهِل وقبيح هُنَا يرد عَلَيْك قَوْلك كَيفَ قلت مَا لَا تعلم وَكَيف تجرمت فِي خَلِيل الرَّحْمَن أَن تَتَكَلَّم وستلقاه يناضل عَنهُ الله
ثمَّ من رَكِيك الإستعارة أَن الَّذِي ذممت بِهِ إِسْمَاعِيل يلْزم مِنْهُ ذمّ إِسْحَق وَالَّذِي ذممت بِهِ هَاجر يلْزم مِنْهُ ذمّ سارة فَإِن الْجلد الَّذِي رشح فِي قصرية هَاجر هُوَ الَّذِي رشح فِي قصرية سارة وأصل النُّطْفَة الَّتِي كَانَ مِنْهَا إِسْمَاعِيل هُوَ بِعَيْنِه الَّذِي كَانَت مِنْهُ نُطْفَة إِسْحَق وَهَذَا كُله ذمّ لإِبْرَاهِيم وَلعن فقد حاق بك وبمن قَالَ بِقَوْلِك لعنة الله الَّتِي قَالَ فِيهَا لإِبْرَاهِيم فِي التَّوْرَاة وألعن لاعنيك ثمَّ أعجب من ذَلِك كُله اعتذارك عَن قَبِيح مَا أتيت حَيْثُ قلت لما بعث إِلَى أَولا كتاب بالسفه والسب رددت لَهُ الْجَواب بِأُمِّهِ هَاجر
فكأنك قلت لما سببتني أَنْت أسب أَنا هَاجر الَّتِي إِذا سبت تعدى سبها إِلَى سَيِّدهَا إِبْرَاهِيم ثمَّ إِنَّك صرحت بسب إِبْرَاهِيم فلزمك على ذَلِك سبّ إِسْحَق وَأمه سارة فَأَنت فِي هَذِه الفعلة بِمَنْزِلَة من سبه رجل فِي وَجهه فَأخذ المسبوب ينكل الساب بِأَن يسب أَبَا نَفسه أعنى نفس المسبوب وَهَذَا مَا لَا يرضى بِهِ عَاقل وَلَا متدين جَاهِل
ثمَّ قلت بعد ذَلِك عهدا لغدرك الْقَبِيح مَا قلت هُنَالك وَلم تقل فِيهَا عشر مَا قَالَ الله فِي التَّوْرَاة وَعَن إبنها وَهَذَا القَوْل مِنْك يُوهم أَن الله تَعَالَى ذمها وإبنها فِي التَّوْرَاة وَهَذَا على الله وعَلى كِتَابه كذب صراح وَكفر براح ثمَّ ذكرت بعض قصه هَاجر مَعَ إِبْرَاهِيم وَلم تسقها بكمالها لِئَلَّا تفتضح وَتظهر كَذبك وخزيك
стр. 180
وَهَا أَنا أذكر قصَّة هَاجر مَعَ سارة كَمَا حَكَاهَا كتاب التَّوْرَاة حَتَّى يتَبَيَّن للْوَاقِف على هَذَا الْكتاب أَن الله تَعَالَى أثنى على هَاجر وإبنها ومدحها وَمَا ذمها بل أخبر بنبوتها أَو صديقتها ونبوة إبنها إِسْمَاعِيل بحول الله
قَالَ التَّوْرَاة إِن سارة إمرأة إِبْرَاهِيم لم تكن تَلد لَهُ وَكَانَت لَهُ أمة مصرية يُقَال إسمها هَاجر فَقَالَت سارة لإِبْرَاهِيم إِن الرب قد حرمني الْوَلَد فَادْخُلْ على أمتِي وإبن بهَا لعلى أرزق بِولد مِنْهَا فَسمع إِبْرَاهِيم قَول سارة وأطاعها فَانْطَلَقت سارة امْرَأَة إِبْرَاهِيم بهاجر أمتها المصرية وَذَلِكَ بَعْدَمَا سكن إِبْرَاهِيم أَرض كنعان عشر سِنِين فأدخلتها على إِبْرَاهِيم زَوجهَا فَدخل إِبْرَاهِيم على هَاجر فحبلت فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا قد حبلت استسفهت وزرت بسيدها وهانت فِي عينهَا فَقَالَت سارة يَا إِبْرَاهِيم أَنْت صَاحب ظلامتي أَنا وضعت أمتِي فِي حضنك فَلَمَّا حملت هنت عَلَيْهَا يحكم الرب بيني وَبَيْنك فَقَالَ إِبْرَاهِيم لسارة إمرأته هَذِه أمتك فِي يَديك فاصنعي فِيهَا مَا أَحْبَبْت وَحسن فِي عَيْنَيْك وسرك ووافقك
فأهانتها سارة سيدتها فهربت مِنْهَا فلقيها ملاك الرب على عين مَاء فِي الْبَريَّة فِي طَرِيق جرار فَقَالَ لَهَا يَا هَاجر أمة سارة من أَيْن لَك أَقبلت وَأَيْنَ تريدين فَقَالَت أَنا هاربة من سارة سيدتي فَقَالَ لَهَا ملاك الرب انطلقي إِلَى سيدتك وتعبدي لَهَا ثمَّ قَالَ لَهَا ملاك الرب عَن قَول الرب أَنا مكثر زرعك ومنميه حَتَّى لَا يحصوا من كثرتهم ثمَّ قَالَ لَك الرب إِنَّك حُبْلَى وستلدين إبنا وتدعين إسمه إِسْمَاعِيل لِأَن الرب قد عرف ذلتك وخضوعك وَيكون إبنك هَذَا وحشيا من النَّاس يَده على كل وَيَد كل بِهِ وسيحل على جَمِيع حُدُود إخْوَته فدعَتْ إسم الرب الَّذِي كلمها فَقَالَت أَنْت الله ذُو الْوَحْي والرؤيا
هَذَا ذكر الله لهاجر وإبنها فِي السّفر الأول فِي التَّوْرَاة فِي الإصحاح السَّادِس عشر مِنْهَا وَذكرهَا أَيْضا فِي الإصحاح الْحَادِي وَالْعِشْرين
стр. 181
وَقَالَت التَّوْرَاة أَبْصرت سارة ابْن هَاجر المصرية الْمَوْلُود لإِبْرَاهِيم يستهزئ فَقَالَت لإِبْرَاهِيم أخرج هَذِه الْأمة وإبنها لِأَن هَذَا ابْن الْأمة لَا يَرث مَعَ ابْني إِسْحَق فشق هَذَا الْأَمر على إِبْرَاهِيم لمَكَان ابْنه فَقَالَ الله لإِبْرَاهِيم لَا تشقن لحَال الصَّبِي وَأمتك أطع سارة فِي جَمِيع مَا تَقول لَك لِأَن نسلك إِنَّمَا يذكر بإسحق وَابْن الْأمة أجعله أَبَا لشعب كثير لِأَنَّهُ ذريتك فغدا إِبْرَاهِيم باكرا فَأخذ خبْزًا وإداوة فَأَعْطَاهَا هَاجر وَحملهَا الصَّبِي وَالطَّعَام وأرسلها فأنطلقت وتاهت فِي بَريَّة بير شبع ونفد المَاء من الأداوة فَأَلْقَت الصَّبِي تَحت شَجَرَة من شجر الشيح وَانْطَلَقت فَجَلَست قبالته تَبَاعَدت عَنهُ كرمية سهم لِأَنَّهَا قَالَت لَا أعاين موت الصَّبِي فَجَلَست إزاه وَرفعت صَوتهَا وبكت فَسمع الرب صَوت الصَّبِي فَدَعَا ملاك الرب من السَّمَاء هَاجر وَقَالَ لَهَا مَالك يَا هَاجر لَا تخافي لِأَن الرب قد سمع صَوت الصَّبِي حَيْثُ هُوَ قومِي فاحملي الصَّبِي وشدي بِهِ يَديك لِأَنِّي أجعله رَئِيسا لشعب عَظِيم فَأجلى الله عَن بصرها فرأت بير مَاء فَانْطَلَقت فملأت الْإِدَاوَة وأسقت الْغُلَام فَكَانَ الله مَعَ الْغُلَام فشب الْغُلَام وَسكن بَريَّة فاران
فَأخْبرنَا يَا أَيهَا الْكَاذِب على كتاب الله المفترى على رسل الله من أَيْن استجزت سبّ الْأَنْبِيَاء وَالْكذب على الله ذِي الآلاء
افي إنجيلك قرأته أم عَن الحواريين بلغته حاشا وكلا بل بتواقحك اختلقته ثمَّ من أعظم مباهتتك وأفحش جرأتك ومغالطتك أَنَّك أوهمت بِقَوْلِك وَلم تقل فِيهَا تعنى فِي هَاجر عشر مَا قَالَ الله فِيهَا فِي التَّوْرَاة وَفِي إبنها تشعر بِأَن الله ذمها وإبنها فِي التَّوْرَاة فِي عدَّة مَوَاضِع
وَهَذِه التَّوْرَاة قد تلوتها عَلَيْك وأنهيتها إِلَيْك فَإِذا بِالتَّوْرَاةِ تخبر بِأَن هَاجر نبية أَو صديقَة مباركة أوحى الله إِلَيْهَا وكلمها وبشرها بنبوة وَلَدهَا إِسْمَاعِيل بل قد مدح الله إِسْمَاعِيل وَأخْبر عَنهُ بِمَا لم يخبر بِهِ عَن إِسْحَق حَيْثُ قَالَ فِيهِ يَده على كل وَيَد كل بِهِ وسيحل على جَمِيع حُدُود إخْوَته
стр. 182
وَهَذَا الْكَلَام يبشر بل يفصح ويخبر بنبوة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فَإِن إِسْمَاعِيل لم يقل الله تَعَالَى فِيهِ يَده على كل يَد وَيَد كل بِهِ وسيحل على جَمِيع حُدُود إخْوَته إِلَّا لأجل حفيده مُحَمَّد ﷺ فَإِن الله تَعَالَى قد بَعثه بدعوة جَمِيع الْخلق إِلَى الله بني إِسْرَائِيل وَمن دونهم وَمن فَوْقهم فَكل من بلغته دَعوته وَجب عَلَيْهِ الدُّخُول فِي دينه
ثمَّ إِن الله تَعَالَى قد أظهره على الدّين كُله وَلَو كره الْكَافِرُونَ وَهَذَا كُله وَفَاء بوعد الله تَعَالَى لنَبيه إِبْرَاهِيم حَيْثُ قَالَ فِي التَّوْرَاة وَقد استجبت لَك فِي إِسْمَاعِيل وباركته وكثرته وأنميته جدا جدا يُولد لَهُ إثني عشر عَظِيما وأجعله رَئِيسا عَظِيما بشعب عَظِيم
فَانْظُر أَيهَا الْعَاقِل كَيفَ قَالَ الله فِي إِسْمَاعِيل يَده على كل وَيَد كل بِهِ وسيحل على جَمِيع حُدُود إخْوَته وَلم يقل مثل هَذَا فِي إِسْحَق وَإِنَّمَا قَالَ فِيهِ يكون رَئِيسا على شعوب كَثِيرَة وملوك الشعوب من نَسْله وَبَين الْكَلَامَيْنِ فرق ظَاهر عِنْد الْعَاقِل الْفَهم الْمنصف وَكَذَلِكَ قَالَ فِي إِسْمَاعِيل باركته وكثرته وأنميته جدا جدا وَلم يقل مثل هَذَا القَوْل فِي إِسْحَق وَإِن كَانَ قد قَالَ فِيهِ أباركه وَأثبت عهدي لَهُ وَهَذَا الَّذِي وعد الله بِهِ إِسْحَق وعد بِهِ إِسْمَاعِيل وَزَاد زِيَادَة عَظِيمَة يعرفهَا من مساق كَلَام التَّوْرَاة من كَانَ عَارِفًا بمجاري كَلَام الله تَعَالَى فِيهَا وَكَانَ مَعَ ذَلِك عَاقِلا منصفا
وسننبه على سر تَحت قَوْله جدا جدا فِي الْقسم الثَّانِي من هَذَا الْبَاب
فَأَما هَاجر فقد جَاءَ فِي التَّوْرَاة ة فِي حَقّهَا مَا لم يجِئ فِي حق سارة وَذَلِكَ أَن ملاك الرب كلمها عَن الله وأبلغها أمره مرَّتَيْنِ أَو أَكثر فَإِذن هِيَ نبية أَو صديقَة وَفِي أَي مَوضِع من التَّوْرَاة جَاءَ أَن سارة نبية وَأَن اله أرسل إِلَيْهَا ملكا ليبلغها أمره وَنَهْيه كَمَا فعل بهاجر
وَلَا شكّ أَن من آتَاهُ الله النُّبُوَّة هُوَ أفضل مِمَّن لم يؤته إِيَّاهَا وَلَا يظنّ الْجَاهِل أَن هَذَا الْكَلَام غض من منصب سارة ﵂ بل هِيَ صديقَة مباركة وكل لَهُ مقَام مَعْلُوم وَالْحق أَحَق أَن يتبع
стр. 183
ثمَّ الَّذِي يفضى مِنْهُ الْعجب أَنكُمْ تعتقدون النُّبُوَّة لِمَرْيَم ﵍ وَلَيْسَ لنبوتها فِي التَّوْرَاة وَلَا فِي الْإِنْجِيل ذكر يدل على نبوتها وَلَا فِي كتب الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين على زمَان الْمَسِيح ثمَّ تنكرون نبوة هَاجر وتذمونها مَعَ أَنه قد جَاءَت نبوتها ومدحها فِي التَّوْرَاة صَرِيحًا وَهَذَا كُله مِمَّا يدل على جهلكم وَقلة توفيقكم وأنكم تتحكمون فِي الشَّرَائِع الآلهيه بأوهامكم
وَأما قَوْلك
وَاعْلَم كَيفَ قطع الله ورث إِسْمَاعِيل وَأمه فِي قَوْله لَا يرثك هَذَا اسْكُتْ يَا جهول فلست تعرف مَا تَقول فَمَا كَانَ أجمل بك أَن لَو سترت عارك وَلم تبد عوارك كَيفَ تتحكم بِمَا لَا تعرف وَلَا تفهم هَا أَنْت قد حرفت لفظ التَّوْرَاة وغيرته وَلَيْسَ كَمَا ذكرته كذبتك من أم الْحُوَيْرِث قبلهَا
وَإِنَّمَا لفظ التَّوْرَاة أَن سارة قَالَت لإِبْرَاهِيم أخرج هَذِه الْأمة وإبنها لِأَن هَذَا ابْن الْأمة لَا يَرث مَعَ إبني إِسْحَق فشق هَذَا الْأَمر على إِبْرَاهِيم لمَكَان إبنه فَأَيْنَ هَذَا من النَّص الَّذِي ذكرت فَيظْهر لي أَنَّك لَهُ اختلقت
وَهَذَا الَّذِي ذكره الله فِي التَّوْرَاة بزعمكم إِنَّمَا هُوَ حِكَايَة عَن قَول سارة وَلَيْسَ حِكَايَة عَن الله وَلَو سلمنَا أَنه حِكَايَة عَن الله لما كَانَ فِيهِ دَلِيل على مَا زعمت وَهُوَ أَن الله تَعَالَى لم يَجْعَل النُّبُوَّة فِي نسل إِسْمَاعِيل وَأَن الله قطعهَا عَنهُ بل مَفْهُومه وَظَاهره أَن الَّذِي مَنعه الله لإسماعيل إِنَّمَا هُوَ مِيرَاث فِي إِبْرَاهِيم وَهُوَ حَظه فِي مَاله وَأَعْطَاهُ إِسْحَق وَهَذَا السِّرّ نجيب يعز من يتَنَبَّه لأمثاله وَلَو كنت لَهُ محلا وَأهلا لذكرناه لَك فلسنا مِمَّن يعلق الدّرّ فِي أَعْنَاق الْخَنَازِير وَكَذَلِكَ فِي كَون إِسْمَاعِيل مخلوقا من نُطْفَة إِبْرَاهِيم فِي رحم هَاجر مَعَ كَونهَا أمة وَقد كَانَ الله تَعَالَى قَادِرًا على أَن يخلقه فِي رحم حرَّة
وَكَذَلِكَ لأي معنى أخرجت هَاجر على تِلْكَ الْحَال حَتَّى اسْتَقَرَّتْ هَاجر مَعَ إِسْمَاعِيل بِمَكَّة وَهَذِه كلهَا أسرار مَعْلُومَة عِنْد من نور الله بصيرته وَحسن سَرِيرَته وَأصْلح عقيدته وَنِيَّته فَإِن كنت تُرِيدُ
стр. 184
أَن تظفر بأمثال هَذِه الْأَسْرَار فَعجل إِلَى الله الْفِرَار وَلَا تلهينك الدعة والقرار وَإِلَّا فَأَنت أَسْوَأ حَالا من الثور وَالْحمار وَمَعَ ذَلِك فأجل الله آتٍ وكل مَا هُوَ آتٍ قريب ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾
وَأما قَوْلك
حاكيا عَن الله أَنه قَالَ لإِبْرَاهِيم بإسحق يتسمى نسلك وَلم يقل بِإِسْمَاعِيل يتسمى فَلم يقل فِي التَّوْرَاة يتسمى وَإِنَّمَا قَالَ يذكر ثمَّ قطعت الْكَلَام عَنَّا وَسكت عَمَّا بعده وَلَو ذكرته لتبين أَنَّك مُبْطل فِي كلامك وَذَلِكَ أَنه ذكر بعد هَذَا الْكَلَام وإبن الْأمة فَإِنِّي أجعله أَبَا لشعب كثير لِأَنَّهُ ذريتك وَقد تقدم مَا قَالَ الله فِيهِ وَأَنه مفضل على إِسْحَق وَإِن كَانَت أمه أمة وَإِنَّمَا قَالَ الله لإِبْرَاهِيم لِأَن نسلك إِنَّا يذكر بإسحق بِقرب زمَان الْأَنْبِيَاء المنتسبين إِلَيْهِ ولكثرة عَددهمْ وَالله أعلم
ثمَّ لَو سلمنَا أَنه جَاءَ فِي التَّوْرَاة يتسمى كَمَا ذكرت لَكَانَ معنى ذَلِك أَن الله يُسمى ذُرِّيَّة إِسْحَق بإسم إبنه يَعْقُوب الَّذِي سَمَّاهُ الله إِسْرَائِيل ثمَّ غلب عرف الإستعمال على ذُرِّيَّة إِسْحَق فَقيل عَلَيْهِم بَنو إِسْرَائِيل وَغَايَة مَا فِي هَذَا إِعْلَام الله تَعَالَى بِأَنَّهُم يسمون بإسمه أَو بإسم وَلَده وَهَذَا أَمر قريب وخطب يسير وَإِنَّمَا كَانَ يكون لَك فِي هَذَا متمسك لغرضك الْفَاسِد لَو قَالَ النُّبُوَّة فِي ولد إِسْحَق وَلَيْسَت فِي ولد إِسْمَاعِيل وَلم يقل هَكَذَا وَإِنَّمَا قَالَ مَا قد أسمعتك وَالَّذِي بِهِ أَخْبَرتك ... لقد أسمعت لَو ناديت حَيا ... وَلَكِن لَا حَيَاة لمن تنادي ...
وَأما قَوْلك
فتنسلت مِنْهُ الْأمة الَّذِي قَالَ فِيهَا قرآنكم ﴿أَشد كفرا ونفاقا﴾
ياهذا قد أغيبت فِي جهلك وسخفت فِي قَوْلك حَيْثُ تركت مَا قالته التَّوْرَاة فِي نَسْله وعظيم حرمته وَطوله وَذكرت مَا يدل على
стр. 185
جهلك وَكَثْرَة تواقحك وَقلة فضلك ولأي شَيْء لم تذكر فِي نَسْله مَا قَالَ الله فِيهِ فِي كتاب التَّوْرَاة حَيْثُ قَالَ فِيهِ وَفِي نَسْله باركته وكثرته وأنميته جدا جدا يُولد لَهُ إثنى عشرَة عَظِيما وأجعله رَئِيسا عَظِيما لشعب عَظِيم فَأَنت يَا جَاهِل قد صغرت مَا عظم الله وذممت مَا مدح الله فحاق عَلَيْك لذَلِك غضب الله فبادر لانقاذ نَفسك قبل حُلُول رمسك وندمك على مَا فرط لَك فِي أمسك فها أَنا قد نَصَحْتُك ورسولنا يَقُول لَك قد أبلغتك
ثمَّ الَّذِي قَالَ فيهم قرآننا ﴿الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقا﴾ إِنَّمَا أَرَادَ بهم قوما مُعينين وَطَائِفَة مخصوصين من أَعْرَاب الْبَادِيَة أهل جفَاء وغلظة ردوا الْحق بعد ظُهُوره وعاندوه حِين وضوحه كَمَا فعل أشياعكم من قبل
ثمَّ لَا تظن أَن قَول الله تَعَالَى ﴿الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقا﴾ أَنه اراد مِنْكُم لأنكم أَشد النَّاس كفرا وَأعظم الْعُقَلَاء عنادا وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا تقدم وَإِنَّمَا أَرَادَ الله لهَذَا الْمَعْنى وَهُوَ أعلم أَن أَعْرَاب الْبَادِيَة أَشد كفرا مِمَّن كفر من عرب الْحَاضِرَة فَلَا تدخلون أَنْتُم مَعَهم تَحت أفعل إِلَّا كَمَا يُقَال الْعَسَل أحلى من الْخلّ
ثمَّ إِن جَازَ ذمّ شعب أَو قَبيلَة لِأَن بَعضهم كفر أَو فسق فأشد النَّاس كفرا ونفاقا بَنو إِسْرَائِيل لكَوْنهم عبدُوا الْعجل والأصنام على مَا هُوَ الْمَعْرُوف من أَحْوَالهم فالكافرون من أجدادكم على الْحَقِيقَة أَشد الْكَافرين كفرا وأسوأهم طَريقَة
وَأما قَوْلك
وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى وآمن بشريعة الْمَسِيح حَقِيقَة الْإِيمَان نَحن والحمدلله أهل الْهِدَايَة وَالْهدى الْمُؤمنِينَ بشريعة الْمَسِيح الْمُصْطَفى الْمُحَقِّقُونَ أَنكُمْ لَسْتُم على شَيْء مِنْهَا بل على الضَّلَالَة والردى وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا تقدم بالبراهين القاطعة
وَبعد هَذَا نعقبها بالدلالات الصادعة بحول الله وقوته وَقد نجز مَا أردنَا تتبعه على هَذَا السَّائِل الْجَاهِل بِدِينِهِ الغافل وَلَو ذكرنَا كل مَا فِيهِ من الْفساد لخرج الْكَلَام عَن الضَّبْط
وَبعد الْفَرَاغ مِنْهُ نتكلم على مَا وعدنا بِهِ من الْكَلَام فِي النبوات وَنَذْكُر مَا فِيهَا من المباحثات بعون الله وتوفيقه
стр. 186
الْقسم الثَّانِي
فِي النبوات وَإِثْبَات نبوة مُحَمَّد ﷺ
الْمُقدمَة الأولى
غَرَض هَذِه الْمُقدمَة
أَن نبين فِيهَا معنى النُّبُوَّة والرسالة والمعجزة وشروطها وَوجه دلالتها فَنَقُول لفظ النُّبُوَّة والرسالة والمعجزة وشروطها وَوجه دلالتها فَنَقُول لفظ النَّبِي والنبوة وَمَا تصرف مِنْهُ رَاجع إِلَى النبأ وَهُوَ الْخَبَر تَقول نبأت وأنبأت بِمَعْنى أخْبرت وخبرت وَهَذَا مَعَ لفظ نبئ بَين
وَكَذَلِكَ هُوَ مَعَ تسهيله على أصح الْأَقْوَال فَإِنَّهُ قد يكون أصل شَيْء من الْأَلْفَاظ الْهَمْز ثمَّ يُخَفف الإسم مِنْهُ كَمَا قَالُوا خابية وَهُوَ من خبأت هَذَا أصح مَا قيل فِي اشتقاق هَذَا اللَّفْظ فَإِذا تقرر هَذَا فنبئ على أصل الْوَضع وَزنه فعيل وفعيل يَأْتِي فِي الْكَلَام بمعنيين أَحدهمَا فعيل بِمَعْنى فَاعل كَمَا قيل رَحِيم بِمَعْنى رَاحِم وَسميع بِمَعْنى سامع وَالثَّانِي فعيل بِمَعْنى مفعول كَمَا قيل رجيم بِمَعْنى مرجوم وخصيب بِمَعْنى مخصوب فعلى هَذَا يَصح فِي نَبِي أَن يكون بِمَعْنى مخبر وَبِمَعْنى مخبر
فعلى أصل الإشتقاق وَوضع الْعَرَب كل من أخبر بِشَيْء أَو أخبر بِشَيْء فَهُوَ نَبِي
وعَلى الْمُتَعَارف بَين المتشرعين إِنَّمَا يطلقون إسم النَّبِي على من كَانَ مخبرا عَن الله فَأَما أَن يكلمهُ الله مشافهة وَإِمَّا بِوَاسِطَة ملاك
وَهَذَا هُوَ عرف المتشرعين فِي النُّبُوَّة وَإِلَى هَذَا يرجع مَعْنَاهَا فالنبئ عِنْد عقلاء أهل الشَّرَائِع إِنَّمَا هُوَ حَيَوَان نَاطِق مائت كَامِل فِي نَوعه مخبر عَن الله تَعَالَى بِحكم أَو مشافهة إِمَّا بِوَاسِطَة ملك أَو مَا تنزل مَنْزِلَته
стр. 187
فقولنا حَيَوَان نَاطِق أردنَا بِهِ أَن إنْسَانا بَاقٍ على أصل إنسانيته لَا يمتاز عَن غَيره من نوع الْإِنْسَان بِوَصْف حَقِيقِيّ وَإِن إمتاز بأوصاف عرضية عَن غَيره كالعلوم الْخَاصَّة بهم وصفات الْكَمَال الَّتِي خصهم الله بهَا فَذَلِك لَا يُخرجهُ عَن كَونه إنْسَانا وَلأَجل هَذَا الْمَعْنى كَانَت الرُّسُل تَقول لقومها ﴿إِن نَحن إِلَّا بشر مثلكُمْ وَلَكِن الله يمن على من يَشَاء من عباده﴾ وَكَذَلِكَ قَالَ الصَّادِق المصدوق ﴿إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ يُوحى إِلَيّ﴾ فَجعل الْفَصْل بَينه وَبَين نَوعه مَا خص بِهِ من الْوَحْي
وَقَوْلنَا مائت تَنْبِيه على مآله لِئَلَّا يغلوا فِي بَعضهم جاهلون كَمَا فعلت النَّصَارَى فينسبونهم إِلَى مَا لَا يَلِيق بِمن يَمُوت
وَقَوْلنَا كَامِل أعنى بذلك أَن الْأَنْبِيَاء مجبولون على أتم صِفَات نوع الْإِنْسَان وَذَلِكَ مَعْلُوم من أوصافهم وَإِن كَانُوا متفاوتين فِي ذَلِك
وَقَوْلنَا مخبر عَن الله هَذَا الْقَيْد هُوَ خاصته الَّتِي تفصله عَن غَيره من نَوعه فَإِن لم يكن كَذَلِك لم يقل عَلَيْهِ أَنه نَبِي
وَقَوْلنَا إِمَّا مشافهة وَإِمَّا بِوَاسِطَة ملاك بحرز مِمَّن يبلغهُ خير الله تَعَالَى على أَلْسِنَة رسله فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَبِي وَلَا يُقَال عَلَيْهِ بِحكم الْعرف إِنَّه نَبِي وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يُقَال نَبِي على كل متشرع سمع من رَسُوله خَبرا عَن الله وَهَذَا لم يقلهُ أحد
وَقَوْلنَا أَو مَا تنزل مَنْزِلَته نُرِيد بِهِ أَن الْأَنْبِيَاء قد يتلقون الْوَحْي على وُجُوه مِنْهَا أَن يكلمهُ الله مشافهة وَمِنْهَا أَن يُرْسل إِلَيْهِ ملكا يُخبرهُ عَن الله وَمِنْهَا أَنه يلقى إِلَيْهِ الْوَحْي فِي النّوم وَمِنْهَا أَن الله تَعَالَى يقذف فِي روعه ويلهمه إلهاما حَتَّى لَا يشك أَن الْأَمر كَذَلِك وَيقطع بِهِ
فَإِذا تقرر أَن حَقِيقَة النُّبُوَّة مَا ذَكرْنَاهُ وَأَن فَضله الْخَاص بِهِ هُوَ مَا تحصل لَهُ من الْأَخْبَار عَن الله فَذَلِك الْخَبَر أَن أَمر النَّبِي بتبليغه لغيره فَذَلِك النَّبِي هُوَ الَّذِي يُقَال عَلَيْهِ رَسُول والرسالة هُوَ الْكَلَام الْمبلغ عَن الله فلأجل هَذَا يَصح أَن يُقَال كل رَسُول نَبِي وَلَيْسَ كل نَبِي رَسُولا
стр. 188
إِذْ الرسَالَة نبوة وَزِيَادَة وَهَذَا بَين بِنَفسِهِ فَإِذا تقرر ذكل فَهَذَا الْبُشْرَى الَّذِي يدعى أَن الله أرْسلهُ إِلَيْنَا لَا بُد أَن يكون صَادِقا وَذَلِكَ لَا نعرفه بِغَيْر دَلِيل فَلَا بُد من دَلِيل
وَالدَّلِيل المتحدى بِهِ هُوَ المعجزات وَلَا بُد من النّظر فِي حَقِيقَتهَا وَفِي شُرُوطهَا وَفِي وَجه دلالتها
فَأَما المعجزة
فَلفظ مَأْخُوذ من الإعجاز وَذَلِكَ أَنَّك تَقول عجز فلَان عَن كَذَا عَجزا إِذا لم يقدر عَلَيْهِ وَلم يقم بِهِ وأعجزته إعجازا إِذا جعلته يعجز وَتقول أعجزني الشَّيْء إِذا فاتك وَلم تقدر عَلَيْهِ
وَكلهَا رَاجِعَة إِلَى أَن الْعَاجِز عَن الشَّيْء هُوَ الَّذِي لَا يتَمَكَّن من الشَّيْء وَلَا يقدر عَلَيْهِ ثمَّ فِي تَسْمِيَة هَذِه الْأَدِلَّة الَّتِي تدل على صدق الْأَنْبِيَاء معجزات تجوز وَذَلِكَ أَن المعجز على التَّحْقِيق إِنَّمَا هُوَ خَالق الْعَجز وَهَذِه الْأَسْبَاب الَّتِي يَقع الْعَجز عِنْدهَا تسمى معْجزَة بالتوسع وَذَلِكَ من تسمة الشَّيْء باسم غَيره إِذا جاوزه أَو كَانَ مِنْهُ بِسَبَب
هَذَا شرح لفظ المعجزة
فَأَما حَقِيقَتهَا فَهُوَ أَمر خارق للْعَادَة مقرون بالتحدي مَعَ عدم الْمُعَارضَة
إِنَّمَا قُلْنَا أَمر وَلم نقل فعل ليشتمل بذلك على الْفِعْل الخارق للْعَادَة وَالْمَنْع من الْفِعْل الْمُعْتَاد فَلَو قَالَ نَبِي آيتي أَنه لَا يقدر أحد أَن يتَكَلَّم الْيَوْم فَكَانَ ذَلِك لَكَانَ ذَلِك دَلِيلا على صدقه وَيكون ذَلِك معْجزَة لَهُ مَعَ أَنه لَيْسَ إتيانا بِفعل عرفي وَإِنَّمَا هُوَ منع من فعل مُعْتَاد وَإِنَّمَا قُلْنَا مقرون بالتحدي لِئَلَّا يتَّخذ الْكَاذِب معْجزَة من تقدمه حجَّة لنَفسِهِ ولتتميز عَن الْكَرَامَة وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا مَعَ عدم الْمُعَارضَة لتتميز عَن السحر والشعبذة
وَإِذا حققت النّظر فِيمَا ذَكرْنَاهُ فِي حد المعجزة علمت شُرُوطهَا لَكِن يَنْبَغِي لَك أَن تعرف أَن المعجزة لَا تكون دَلِيلا إِلَّا فِي حق من علم وجود الْبَارِي تَعَالَى وَأَنه قَادر عَالم مُرِيد مَوْصُوف بِصِفَات الْكَمَال حَتَّى يَتَأَتَّى مِنْهُ الْإِرْسَال والتصديق والتكليف وَإِذا لم يعرف النَّاظر
стр. 189
هَذِه الْأُمُور بأدلة عقليه لم يعرف المعجزة وَلم يفده الْعلم بالتصديق للنَّبِي
وَأما وَجه دلالتها
فَهُوَ أَن الْمشَاهد للمعجزة المتحدي بهَا إِذا علمهَا وَعلم شُرُوطهَا علم على الضَّرُورَة أَن الله تَعَالَى قصد بذلك المعجز تَصْدِيق الْمُدَّعِي ويتبين هَذَا بمثال وَذَلِكَ أَنه لَو فَرضنَا ملكا عَظِيما اجْتمع لَهُ أهل مَمْلَكَته فِي مَجْلِسه وَأهل المملكة مصغون لما يَأْمُرهُم بِهِ ذَلِك الْملك
فَقَامَ رجل من بَين يَدَيْهِ وَقَالَ إِنِّي رَسُول هَذَا الْملك إِلَيْكُم وَقد أَمرنِي أَن أبلغكم أمره وَنَهْيه وَأَنا صَادِق فِي قولي هَذَا ثمَّ يَقُول يَا أَيهَا الْملك إِن كنت صَادِقا فِيمَا أقوله عَنْك فَخَالف عادتك وقم عَن سريرك قيَاما تخَالف بِهِ الْمُعْتَاد من فعلك فَإِذا فعل الْملك ذَلِك عِنْد تحدي الْمُدعى فَإِن أهل الْمجْلس يضطرون إِلَى الْعلم بِأَن الْملك قصد ذَلِك الْفِعْل تَصْدِيقه وَلَا يعتريهم فِي ذَلِك ريب وَلَا توقف فتنزلت إِذن تِلْكَ الْأَفْعَال بِتِلْكَ الشُّرُوط منزلَة قَوْله صدقت أَنا أرسلتك وَهَذَا بَين بِنَفسِهِ عِنْد كل موفق منصف مَعْلُوم على الْقطع
فَإِذا تقرر ذَلِك فمهما ادّعى شخص الرسَالَة وَاسْتدلَّ عَلَيْهَا بِمثل مَا ذَكرْنَاهُ كَانَ محقا فِي دَعْوَاهُ صَادِقا فِي قَوْله لَا يجوز لعاقل أَن يتَخَلَّف عَن مُتَابَعَته سَوَاء ادّعى عُمُوم رسَالَته أَو خصوصها ورسولنا مُحَمَّد ﷺ قد ادّعى عُمُوم رسَالَته وَاسْتدلَّ على صدقه بالمعجزات على الشُّرُوط الَّتِي ذَكرنَاهَا فَهُوَ صَادِق وَلَا يجوز لعاقل بلغه أمره أَن يتَخَلَّف عَن مُتَابَعَته وتصديقه
وَسَنذكر إِن شَاءَ الله بعض مَا أمكن ذكره من معجزاته فَإِنَّهُ ﷺ قد أيد بمعجزات كَثِيرَة حَتَّى إِذا جمعت وتتبعت علم مِنْهَا أَن الله تَعَالَى قد جمع لَهُ أَكثر معجزات الْأَنْبِيَاء قبله وَخَصه بمعجزات لم يُشَارِكهُ فِيهَا غَيره مِنْهُم وستقف إِن شَاءَ الله على أَكثر ذَلِك
فَهَذِهِ الْمُقدمَة الأولى
стр. 190
الْمُقدمَة الثَّانِيَة
وَأما الْمُقدمَة الثَّانِيَة
فالغرض مِنْهَا أَن تتبين فِيهَا أَن عِيسَى ﵇ ظَهرت المعجزات على يَدَيْهِ وتحدى بهَا الْخلق ليؤمنوا أَنه رَسُول الله لَا ليؤمنوا بِأَنَّهُ إِلَه وَأَن النَّصَارَى غير عَالمين بمعجزات عِيسَى ﵇ إِذْ لم تتوافر عِنْدهم فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
إِن النَّصَارَى غايتهم أَن يسندوا معجزات عِيسَى ﵇ لما فِي أَيْديهم من الْإِنْجِيل وَهُوَ لم يتواتر نَقله وَلَا أَمن التحريف والغلط فِيهِ على مَا تقرر قبل وَإِذا كَانَ هَذَا فَكل مَا فِي أَيْديهم من الْأَخْبَار عَنهُ فِي الْإِنْجِيل لَا تفِيد الْعلم الْقطعِي وَغَايَة ذَلِك أَن تفِيد غَلَبَة ظن
وَالظَّن فِي الإعتقاد بِمَنْزِلَة الشَّك بل هُوَ شكّ فَإِذن هم من معجزات عِيسَى فِي شكّ وهم لَا يَشْعُرُونَ بذلك الْإِفْك
وَمِمَّا يدل على أَنهم من كِتَابهمْ وشرعهم على غير علم
مَا استفاض فِي كتب التواريخ عندنَا وَعِنْدهم وَذَلِكَ أَن عِيسَى ﵇ لما بَعثه الله تَعَالَى دَعَا بني إِسْرَائِيل للْإيمَان فَأَجَابَهُ من شَاءَ الله مِنْهُم فَلَمَّا رَفعه الله تَعَالَى استحلى النَّاس كَلَامه بعد ذَلِك حَتَّى بلغ عدد بني إِسْرَائِيل سبع مائَة رجل فَكَانُوا يجاهدون فِي بني إِسْرَائِيل وَيدعونَ الى الايمان فَقَامَ بولش الْيَهُودِيّ وَكَانَ هُوَ الْملك فِي بنى اسرائيل فحشد عَلَيْهِم الأجناد وَخرج عَلَيْهِ وَقَاتلهمْ فَهَزَمَهُمْ وأخرجهم من بِلَاد الشَّام حَتَّى انْتهى فَلهم إِلَى الدروب فأعجزوه فَقَالَ بولش الْملك لجنوده إِن كَلَام هَؤُلَاءِ لمستحلى وَقد قدمُوا على عَدوكُمْ وسيرجعونهم فِي ملتهم فيكثرون علينا فيخروجون إِلَيْنَا ويخرجوننا من بِلَاد الشَّام وَلَكِنِّي أرى لكم رَأيا قَالُوا وَمَا هُوَ قَالَ تعاهدوني على كل شَيْء كَانَ خيرا أَو شرا فَفَعَلُوا فَترك ملكه ثمَّ لبس لباسهم وَخرج إِلَيْهِم ليضلهم حَتَّى
стр. 191
انْتهى إِلَى عَسْكَرهمْ فَأَخَذُوهُ وَقَالُوا الحمدلله الَّذِي أخزاك أمكن مِنْك فَقَالَ لَهُم أَجمعُوا رؤوسكم فَإِنَّهُ لم يبلغ مني حمقي أَن آتيكم وَإِلَّا وَمَعِي برهَان فأبلغوه رؤوسهم
فَقَالُوا مَالك فَقَالَ إِنِّي لَقِيَنِي الْمَسِيح منصرفي عَنْكُم فَأخذ سمعى وبصري وعقلي فَلم أسمع وَلم أبْصر وَلم أَعقل ثمَّ كشف عني فَأعْطيت الله عهدا أَن أَدخل فِي أَمركُم فَأتيت لأقيم فِيكُم وَأعْلمكُمْ التورا وأحكامها فصدقوه فَأَمرهمْ أَن يبنوا لَهُ بَيْتا ويفرشوه رَمَادا ليعبد الله فِيهِ بِزَعْمِهِ وَيُعلمهُم التَّوْرَاة
فَفَعَلُوا وعلمهم مَا شَاءَ الله ثمَّ أغلق الْبَاب دونه فأطافوا بِهِ وَقَالُوا نخشى أَن يكون رأى شَيْئا يكرههُ ثمَّ فَتحه بعد يَوْم فَقَالُوا أَرَأَيْت شَيْئا تكرههُ قَالَ لَا وَلَكِنِّي رَأَيْت رَأيا وأعرضه عَلَيْكُم فَإِن كَانَ صَوَابا فَخُذُوهُ وَإِن كَانَ خطأ فردوني عَنهُ قَالُوا هَات قَالَ هَل رَأَيْتُمْ سارحة تسرح إِلَّا من عِنْد رَبهَا وَتخرج إِلَّا من حَيْثُ تُؤمر بِهِ قَالُوا لَا قَالَ فَإِنِّي رَأَيْت الصُّبْح وَاللَّيْل وَالشَّمْس وَالْقَمَر والبروج إِنَّمَا تَجِيء من هَا هُنَا وَمَا أوجب ذَلِك إِلَّا وَهُوَ أَحَق الْوُجُوه أَن يصل إِلَيْهِ قَالُوا صدقت فردهم عَن قبلتهم
ثمَّ أغلق الْبَاب بعد ذَلِك بيومين ففزعوا أشر من الأول وأطافوا بِهِ ففتحه فَقَالُوا أرايت شَيْئا تكرههُ قَالَ لَا وَلَكِنِّي رَأَيْت رَأيا قَالُوا هَات قَالَ ألستم تَزْعُمُونَ أَن الرجل إِذا أهْدى إِلَى الرجل الْهَدِيَّة وأكرمه بالكرامة فَردهَا شقّ ذَلِك عَلَيْهِ وَأَن الله تَعَالَى سخر لكم مَا فِي الأَرْض وَجعل مَا فِي السَّمَاء لكم كَرَامَة فَالله أَحَق أَن لَا ترد عَلَيْهِ كرامته
فَمَا بَال بعض الْأَشْيَاء حَلَال وَبَعضهَا حرَام مَا بَين البقة إِلَى الْفِيل حَلَال قَالُوا صدقت
ثمَّ أغلق بعد ذَلِك ثَلَاثًا ففزعوا أمثل من الثَّانِيَة فَلَمَّا فتح لَهُم قَالَ لَهُم إِنِّي رَأَيْت رَأيا قَالُوا هَات قَالَ لنخرج كل من فِي الْبَيْت إِلَّا يَعْقُوب ونسطور وملكون وَالْمُؤمن
فَفَعَلُوا فَقَالَ هَل علمْتُم أحدا من الْإِنْس خلق من الطين خلقا فَجعله فَصَارَ نفسا قَالُوا لَا قَالَ فَهَل علمْتُم أَن أحدا من الْإِنْس
стр. 192
أَبْرَأ الأكمه والأبرص وَأَحْيَا الْمَوْتَى قَالُوا لَا قَالَ هَل علمْتُم أَن أحدا من الْإِنْس يُنبئ النَّاس بِمَا يَأْكُلُون وَمَا يدخرون فِي بُيُوتهم قَالُوا لَا قَالَ فَإِنِّي أزعم أَن الله تَعَالَى تجلى لنا ثمَّ احتجب
فَقَالَ بَعضهم صدقت وَقَالَ بَعضهم لَا وَلكنه ثَلَاثَة وَالِد وَولد وروح الْقُدس وَقَالَ بَعضهم الله وَولده وَقَالَ بَعضهم هُوَ الله تجسم لنا
فافترقوا على أَربع فرق فَأَما يَعْقُوب فَأخذ بقول بولش إِن الله هُوَ الْمَسِيح وَأَنه كَانَ ثمَّ تجسم وَبِه أخذت شيعته وهم اليعقوبية وَأما نسطور فَقَالَ الْمَسِيح ابْن الله على جِهَة الرحمه وَبِه أخذت شيعته وهم النسطورية إِلَّا أَن شيعته لم تعتقد أَنه سمى إبنا على جِهَة الرَّحْمَة بل على مَا تقدم وَأما ملكون فَقَالَ إِن الله ثَلَاثَة وَبِه أخذت شيعته وهم الملكية الَّذين قَالُوا إِن الله ثَلَاثَة أقانيم فَقَامَ الْمُؤمن وَقَالَ لَهُم عَلَيْكُم لعنة الله وَالله مَا حاول هَذَا إِلَّا إفسادكم وَنحن أَصْحَاب الْمَسِيح قبله وَقد رَأينَا عِيسَى وَسَمعنَا مِنْهُ ونقلنا عَنهُ وَالله مَا حاول هَذَا إِلَّا ضلالتكم وفسادكم
فَقَالَ بولش للَّذين اتَّبعُوهُ قومُوا بِنَا نُقَاتِل هَذَا الْمُؤمن ونقتله هُوَ وَأَصْحَابه وَإِلَّا أفسد عَلَيْكُم دينكُمْ فَخرج الْمُؤمن إِلَى قومه وَقَالَ أَلَيْسَ تعلمُونَ أَن الْمَسِيح عبد الله وَرَسُوله وَكَذَا قَالَ لكم قَالُوا بلَى قَالَ فَإِن هَذَا الملعون قد أضلّ هَؤُلَاءِ الْقَوْم فَرَكبُوا فِي أَثَرهم
فقاتلوهم فَهزمَ الْمُؤمن وَأَصْحَابه وَكَانَ أقلهم تبعا فَخرج مَعَ قومه إِلَى الشَّام فأسرتهم الْيَهُود فَأَخْبرُوهُمْ الْخَبَر وَقَالُوا إِنَّمَا
стр. 193
خرجنَا إِلَيْكُم لنأمن فِي بِلَادكُمْ ومالنا فِي الدُّنْيَا من حَاجَة إِنَّمَا نلزم الكهوف والصوامع ونسيح فِي الأَرْض فَخلوا عَنْهُم
ثمَّ إِن قوما من أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا فعلوا مثل مَا فعل قوم الْمُؤمن اتَّخذُوا الصوامع وساحوا وأظهروا الْبِدْعَة فَهُوَ قَول الله ﴿ورهبانية ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم إِلَّا ابْتِغَاء رضوَان الله فَمَا رعوها حق رعايتها﴾ يَعْنِي التَّوْحِيد اخْتلفُوا فِيهِ إِلَّا فرقة الْمُؤمن وَفِيهِمْ نزلت ﴿فأيدنا الَّذين آمنُوا على عدوهم فَأَصْبحُوا ظَاهِرين﴾ بالجهة وَظُهُور مُحَمَّد ﷺ
وَكَانَ هرب الْمُؤمنِينَ مِنْهُم إِلَى جَزِيرَة الْعَرَب فَأدْرك النَّبِي ﷺ مِنْهُم ثَلَاثُونَ رَاهِبًا فآمنوا بِهِ وَصَدقُوهُ وتوفاهم الله على الْإِسْلَام
كَانَ هَذَا وَالله أعلم بعد الْمَسِيح بِأَرْبَعِينَ سنة أَو نَحْوهَا ثمَّ لم يزل أَمر الْمُؤمن وَأَصْحَابه خفِيا وَغَيرهم من الْفرق مُخْتَلفُونَ ويتهارجون وَلم يسْتَقرّ لَهُم قدم إِلَى مُدَّة قسطنطين قَيْصر الْملك ابْن هيلانة وَذَلِكَ بعد رفع الْمَسِيح بمائتين وَثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ سنة
وَذَلِكَ انه كثر عدوه وَكَاد ملكه يذهب بإختلاف رعاياه عَلَيْهِ وضعفهم وكسلهم عَن نصرته فرام حملهمْ على شَرِيعَة ينظم بهَا سلكهم ويؤلف بهَا متفرقهم فَاسْتَشَارَ من لَدَيْهِ من أهل النّظر فَوَقع اختيارهم على أَن يتعبد الْقَوْم بِطَلَب دم ليَكُون ذَلِك أقوى لارتباطهم مَعَه وأوكد لجدهم فِي نَصره فوجدوا الْيَهُود يَزْعمُونَ أَن فِي بعض تواريخهم خَبرا عَن رجل مِنْهُم هم أَن ينْسَخ حكم التَّوْرَاة وينفرد بالتأويل فِيهَا فعمدوا إِلَيْهِ وَهُوَ فِي نفر مِمَّن اتبعهُ وظفروا بِوَاحِد
стр. 194
مِنْهُم وَشهد لديهم رجل وَاحِد أَنه ذَلِك الْمَطْلُوب فصلبوه وَمَا عِنْدهم تَحْقِيق لكَونه ذَلِك الْمَطْلُوب بِعَيْنِه إِلَّا فقدهم إِيَّاه من حِينَئِذٍ
فَعِنْدَ ذَلِك عمد قسطنطين إِلَى من ينْسب إِلَى دين الْمَسِيح فَوَجَدَهُمْ قد اخْتلفت آراؤهم ومزجت أديانهم فاستخرج مَا بقى من رسم الشَّرِيعَة المنسوبة للمسيح وَجمع عَلَيْهَا وزراءه فَأثْبت مَا شَاءَ مِنْهَا وتحكم فِيهَا بإختياره حسب مَا رَآهُ مُوَافقا لَهُ بالصلوبية لتعبد قومه بِطَلَب دم وَالْقَوْل بترك الْخِتَان لِأَنَّهُ شَأْن قومه ثمَّ أكد ذَلِك وشده بمنامة إختلقها وَادّعى أَنه أوحى إِلَيْهِ فِيهَا
وَذَلِكَ أول شَيْء أظهره من هَذَا الْأَمر فَجمع أنصاره ورعاياه من الرّوم وَذَلِكَ على رَأس سبع سِنِين من مُدَّة ملكه وَقَالَ لَهُم إِنَّه كَانَ يرى فِي مَنَامه آتِيَا أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ بِهَذَا الرَّسْم تغلب وَعرض عَلَيْهِ هَيْئَة الصَّلِيب فأعظمت ذَلِك الْعَامَّة وإنفعلت لما سَمِعت مِنْهُ ثمَّ بعث إِلَى إمرأة فِي ذَلِك الزَّمَان يُقَال لَهَا الأنه كاهنة وَكَانَت ذَات جأش وَقُوَّة فَشَهِدت لَهُ أَنَّهَا رَأَتْ مثل مَا رأى فقوى تَصْدِيق الْعَامَّة لذَلِك
وَفِي هَذَا كُله لَا يعلمُونَ لذَلِك الرَّسْم تَأْوِيلا وَلَا كَانَ قسطنطين كشف لَهُم شَيْئا من أمره فَخرج بهم إِلَى عدوه وَوعظ قومه وهول عَلَيْهِم أَمر الرَّسْم فَحصل لَهُ كل مَا أَرَادَهُ من جد الْقَوْم وإجتهادهم مَعَه فَلَمَّا عَادوا إِلَى أوطانهم بعد الظفر بعدوهم سَأَلُوهُ عَن تَأْوِيل ذَلِك الرَّسْم وألحوا عَلَيْهِ فِيهِ فَقَالَ لَهُم قد أوحى إِلَى فِي نومي أَنه كَأَن الله ﵎ هَبَط من السَّمَاء إِلَى الأَرْض فصلبته الْيَهُود فهالهم ذَلِك كثيرا مَعَ مَا حصل عِنْدهم من تَصْدِيقه وَعظم عَلَيْهِم الْخطب فِيهِ فإنقادوا إِلَى قسطنطين إنقيادا حسنا وَصَحَّ لَهُ مِنْهُم مَا أَرَادَهُ وَشرع لَهُم هَذِه الشَّرَائِع الَّتِي بِأَيْدِيهِم الْيَوْم أَو أَكْثَرهَا
стр. 195
وَقد ظهر لجَماعَة من أهل الْعلم بأحوال الْأُمَم وبنوازل الْأَزْمَان أَن هَذَا الشَّخْص الَّذِي تعظمه النَّصَارَى وتصفه بالإلهية لم يكن لَهُ وجود فِي الْعَالم وَلَكِن قسطنطين إبتدع ذَلِك كُله وَاتفقَ مَعَ نفر من الْيَهُود من أَحْبَارهم على أَن يبْذل لَهُم من مَتَاع الدُّنْيَا مَا شَاءُوا وَيشْهدُونَ لَهُ عِنْد قومه بِأَن ذَلِك الشَّخْص كَانَ عِنْد الْيَهُود فصلبته فَفَعَلُوا وَكَتَبُوا من أخباره شَيْئا فتلقت ذَلِك النَّصَارَى وقبلوه ودانوا بِهِ وَلَعَلَّه أَكثر الْإِنْجِيل الَّذِي بِأَيْدِيهِم الْيَوْم
ولتعلم أَن هَذِه الْأَخْبَار الَّتِي ذَكرنَاهَا لَا يُمكنهُم إِنْكَار جُمْلَتهَا وَإِن أَنْكَرُوا بعض تفاصيلها لكَون هَذِه الْقَصَص مَعْرُوفَة على الْجُمْلَة عِنْدهم فَإِنَّهُم لَا يقدرُونَ على جحد محاربة بولش الْيَهُودِيّ وإجلاؤهم من الشَّام وَدخُول بولش فِي دينهم وَكَذَلِكَ ملك قسطنطين مِمَّا لَا يُنكرُونَ أشهاره لكتبهم ثمَّ لَو قَدرنَا أَن هَذِه الوقائع لم تعلم صِحَّتهَا وَلَا كذبهَا فشرعهم قَابل لأمثالها فَإِن مُعظم معتمدهم فِي أُمُور دياناتهم إِنَّمَا هُوَ الْإِنْجِيل وَنَقله غير متواتر لَا سِيمَا والأحداث عِنْدهم فِي أَكثر الأحيان بمنامات يدعونها يجعلونها أصولا يعولون عَلَيْهَا وبمحافل يَجْتَمعُونَ فِيهَا فيتحكمون بآرائهم
стр. 196
وَلَا يستندون لشَيْء من كتبهمْ وَلَا لشَيْء من كَلَام أَنْبِيَائهمْ وَإِن شِئْت أَن ترى هَذَا عيَانًا فَانْظُر كتب إجتماعاتهم ومحافلهم فَإِنَّهُم ينحشدون لمواضع مَخْصُوصَة فِي أحيان مَخْصُوصَة ويخترعون فِيهَا أحكاما وأمورا لَا مُسْتَند لَهُم وَلَا أصل إِلَّا بِالتَّحْرِيمِ على المآكل والتحكم فِي الْعَامَّة بفارغ الْأَقَاوِيل وسنبين ذَلِك إِذا ذكرنَا جملا من أحكامهم وَإِذا كَانَ هَذَا مبْنى شريعتهم فَكيف يوثق بِشَيْء من ترهاتهم
فَإِذا تقرر ذَلِك فلتعلم أَن أتخاذهم الْمَسِيح إِلَهًا إِنَّمَا سَببه مَا سبق ذكره وَلَا يقدرُونَ على أَن ينسبوا شَيْئا من ذَلِك إِلَى عِيسَى ﵇ بل قد نقلوا عَنهُ فِي إنجيلهم مَا يدل دلَالَة قَاطِعَة من حَيْثُ اللَّفْظ على أَنه إِنَّمَا ادّعى النُّبُوَّة وَعَلَيْهَا اسْتدلَّ بمعجزاته وَفِي دَعْوَاهُ النُّبُوَّة كَذبته الْيَهُود
وَنحن الْآن نسرد بعض مَا وَقع فِي إنجيلهم من دَعْوَاهُ الرسَالَة بحول الله سُبْحَانَهُ
من ذَلِك
مَا جَاءَ فِي الْإِنْجِيل عَنهُ أَنه قَالَ حِين خرج من السامرية وَلحق بجلجال أَنه لم يكرم أحدا من الْأَنْبِيَاء فِي وَطنه
وَفِي إنجيل لوقا أَنه لم يقبل أحد من الْأَنْبِيَاء فِي وَطنه فَكيف تقبلونني وَهَذَا نَص لَا يقبل التَّأْوِيل فِي أَنه إِنَّمَا ادّعى النُّبُوَّة الْمَعْلُومَة
وَفِي إنجيل ماركش أَن رجلا أقبل إِلَى الْمَسِيح وَقَالَ لَهُ أَيهَا الْمعلم الصَّالح أَي خير أعمل لأنال الْحَيَاة الدائمة فَقَالَ لَهُ الْمَسِيح لم قلت لي صَالحا إِنَّمَا الصَّالح الله وَحده وَقد عرفت الشُّرُوط وَذَلِكَ أَلا تسرق وَلَا تزنى وَلَا تشهد بالزور وَلَا تخون وَأكْرم أَبَاك وأمك
стр. 197
وَفِي إنجيل يوحنا أَن الْيَهُود لما أَرَادَت الْقَبْض عَلَيْهِ وَعلم بذلك رفع بَصَره إِلَى السَّمَاء وَقَالَ قد دنا الْوَقْت يَا إلهي فشرفني لديك وإجعل لي سَبِيلا إِلَى أَن أملك كل من ملكتني الْحَيَاة الْبَاقِيَة وَإِنَّمَا الْحَيَاة الْبَاقِيَة أَن يُؤمنُوا بك إِلَهًا وَاحِدًا وبالمسيح الَّذِي بعثت فقد عظمتك على أهل الأَرْض واحتملت مَا أَمرتنِي بِهِ فشرفني لديك
وَفِي إنجيل مَتى أَنه قَالَ لتلاميذه لَا تنسبوا أَبَاكُم على الأَرْض فَإِن أَبَاكُم الَّذِي فِي السَّمَاء وَحده وَلَا تدعوا معلمين فَإِن معلمكم الْمَسِيح وَحده
فَقَوله لَا تنسبوا أَبَاكُم على الأَرْض أَي لَا تَقولُوا أَنه على الأَرْض وَلكنه فِي السَّمَاء ثمَّ أنزل نَفسه حَيْثُ أنزلهُ الله تَعَالَى فَقَالَ وَلَا تدعوا معلمين فَإِن معلمكم الْمَسِيح وَحده فها هُوَ قد سمى نَفسه معلما فِي الأَرْض وَشهد أَن الههم فِي السَّمَاء وَاحِد ونهاهم أَن ينسبوه لإلهية
وَفِي إنجيل لوقا أَنه حِين أَحْيَا الْمَيِّت بِبَاب مَدِينَة نايين حِين أشْفق لأمه لشدَّة حزنها عَلَيْهِ قَالُوا إِن هَذَا النَّبِي لعَظيم وَإِن الله قد تفقد أمته وَلم يَقُولُوا إِن هَذَا إِلَه عَظِيم
وَفِي إنجيل يوحنا أَن عِيسَى قَالَ للْيَهُود لست أقدر أَن أفعل من ذاتي شَيْئا لكني أحكم بِمَا أسمع لِأَنِّي لست أنفذ إرادتي بل إِرَادَة الَّذِي بَعَثَنِي
وَفِي إنجيله أَيْضا أَنه أعلن صَوته فِي الْبَيْت وَقَالَ للْيَهُود قد عرفتموني موضعي فَلم آتٍ من ذاتي وَلَكِن بَعَثَنِي الْحق وَأَنْتُم تجهلونه فَإِن قلت إِنِّي أجهله كنت كَاذِبًا مثلكُمْ وَأَنا أعلم أَنِّي مِنْهُ وَهُوَ بَعَثَنِي
стр. 198
فَانْظُر كَيفَ أخبر عَن نَفسه أَنه مَعْلُوم عِنْد الْيَهُود وَأخْبر عَن الله أَن الْيَهُود لَا تعرفه وَقَالَ إِنَّه لم يَأْتِ من ذَاته وَلَكِن الله بَعثه وَهَكَذَا كَانَت دَعْوَة من قبله من الْأَنْبِيَاء ﵈ وحاشاهم أَن ينتسبوا إِلَى مَا ينْفَرد بِهِ ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام
وَفِي الْإِنْجِيل أَيْضا أَنه قَالَ للْيَهُود بعد خطاب طَوِيل مَذْكُور فِي الْإِنْجِيل حِين قَالُوا لَهُ إِنَّمَا أَبونَا إِبْرَاهِيم فَقَالَ إِن كُنْتُم بني إِبْرَاهِيم فاقفوا أَثَره وَلَا تريدوا قَتْلِي
على أَنِّي رجل أدّيت إِلَيْكُم الْحق الَّذِي سَمعه من الله غير أَنكُمْ تقفون أثر آبائكم قَالُوا لسنا أَوْلَاد زنا إِنَّمَا نَحن أَبنَاء الله فَقَالَ لَو كَانَ الله أَبَاكُم لحفظتموني لِأَنِّي رَسُول مِنْهُ خرجت مُقبلا وَلم أقبل من ذاتي وَهُوَ بَعَثَنِي لكنكم لَا تقبلون وصيتي وتعجزون عَن سَماع كَلَامي إِنَّمَا أَنْتُم أَبنَاء الشَّيْطَان وتريدون إتْمَام شهواته إِلَى كَلَام كثير
وَفِيه أَيْضا أَنه كَانَ يمشي يَوْمًا فأحاطت بِهِ الْيَهُود وَقَالُوا إِلَى مَتى تخفى أَمرك إِن كنت الْمَسِيح المنتظر فأعلمنا بذلك
وَلم تقل لَهُ إِن كنت إِلَهًا لِأَنَّهُ لم تعلم من دَعْوَاهُ ذَلِك وَلَا إختلاف عِنْد الْيَهُود أَن الَّذِي ينتظرونه إِنَّمَا هُوَ إِنْسَان نَبِي لَيْسَ بِإِنْسَان إِلَه كَمَا تَزْعُمُونَ
وَفِي الْإِنْجِيل أَيْضا عَنهُ أَن الْيَهُود أَرَادوا الْقَبْض عَلَيْهِ فبعثوا لذَلِك الأعوان وَأَن رجعُوا إِلَى قوادهم فَقَالُوا لَهُم لم لم تأخذوه قَالُوا مَا سمعنَا آدَمِيًّا أنصف مِنْهُ فَقَالَت الْيَهُود وَأَنْتُم أَيْضا مخدوعون أَتَرَوْنَ أَنه آمن بِهِ أحد من القواد أَو من رُؤَسَاء أهل الْكتاب إِنَّمَا آمن بِهِ من الْجَمَاعَة من يجهل الْكتاب فَقَالَ لَهُم نيقوديموس أَتَرَوْنَ أَن كتابكُمْ يحكم على أحد قبل أَن يسمع مِنْهُ فقالو لَهُ اكشف الْكتب ترى أَنه لَا يَجِيء نَبِي من جلجال
стр. 199
فَمَا قَالَت الْيَهُود ذَلِك إِلَّا وَقد أنزل لَهُم نَفسه منزلَة نَبِي فَقَط وَلَو علمت من دَعْوَاهُ الإلهية لقاتلته يَوْمئِذٍ
وَمثل هَذَا كثير فِي إنجيلهم لَو ذهبت أذكرهُ لطال أمره
وَقد تقدم من كَلَام أشعياء أَن الله تَعَالَى قَالَ فِي الْمَسِيح هَذَا غلامي الْمُصْطَفى وحبيبي الَّذِي ارتضت بِهِ نَفسِي
وَمن كَلَام عاموس النَّبِي أَن الله قَالَ على لِسَانه ثَلَاثَة ذنُوب أقيل لبني إِسْرَائِيل وَالرَّابِعَة لَا أقيلها بيعهم الرجل الصَّالح
وَلم يقل بيعهم إيَّايَ وَلَا قَالَ بيعهم إِلَهًا مُتَسَاوِيا معي فَهَذَا الْمَبِيع لَا يَخْلُو أما أَن يكون هُوَ الْمَسِيح كَمَا تَزْعُمُونَ فَقولُوا فِيهِ كَمَا قَالَ الله أَنه رجل صَالح وَلَا تَقولُوا إِنَّه إِلَه معبود وَأما أَن يكون الْمَبِيع غَيره فَهُوَ الَّذِي شبه للْيَهُود فابتاعوه وصلبوه ويلزمكم إِنْكَار صلوبية الْمَسِيح وَهُوَ كفر عنْدكُمْ وَقد كررنا هَذَا الْمَعْنى فِي هَذَا الْكتاب مرَارًا لكَون النَّصَارَى على إختلاف فرقهم يَعْتَقِدُونَ لَهُ الإلهية على إختلاف فِي كَيْفيَّة ذَلِك كَمَا تقدم
وَحَتَّى لقد ذهبت طَائِفَة مِنْهُم إِلَى مقَالَة لم يسمع قطّ فِي أكناف الْعَالم وأطرافه من اجترأ على التفوه بهَا وَنحن نَسْتَغْفِر الله قبل حكايتها ونتبرأ إِلَى الله من مذاهبهم الْفَاسِدَة وَمن الْقَائِل بهَا وَذَلِكَ أَنى وقفت على رِسَالَة بعض الأقسة كَانَ بطليطلة نسبه من القوط قَالَ فِيهَا هَبَط الله بِذَاتِهِ من السَّمَاء والتحم بِبَطن مَرْيَم
ثمَّ قَالَ وَهُوَ الْإِلَه التَّام وَالْإِنْسَان التَّام وَمن تَمام رَحمته على النَّاس أَنه رضى بهرق دَمه عَلَيْهِم فِي خَشَبَة الصَّلِيب فمكن الْيَهُود أعداءه من نَفسه ليتم سخطه عَلَيْهِم فَأَخَذُوهُ وصلبوه وغار دَمه فِي إصبعه لِأَنَّهُ لَو وَقع مِنْهُ شَيْء فِي الأَرْض ليبست إِلَّا شي وَقع فِيهَا فيبست فِي مَوْضِعه النوار
стр. 200
لِأَنَّهُ لم يُمكن فِي الْحِكْمَة الأزلة أَن ينْتَقم الله من عَبده العَاصِي آدم الَّذِي ظلمه واستهان بِقَدرِهِ فَلم يرد الله الإنتقام مِنْهُ لإعتلاء منزلَة السَّيِّد وَسُقُوط منزلَة العَبْد أَرَادَ أَن ينتصف من الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ إِلَه مثله فانتصف من خَطِيئَة آدم بصلب عِيسَى الْمَسِيح الَّذِي هُوَ إِلَه مسَاوٍ مَعَه
فَانْظُرْهُ تواقح هَذَا الْقَائِل وإستخفافه بِحَق الله تَعَالَى وجهله وتناقضه وحمقه فوَاللَّه لَو حكى مثل هَذَا القَوْل السخيف عَن مَجْنُون أَو موسوس لما كَانَ يعْذر بقوله ولبودر بضربه وَقَتله حَتَّى لَا يجترئ على مثله وَنحن نربأ بِأَكْثَرَ المجانين والموسوسين أَن يتقولوا بِهَذَا الْمَذْهَب الغث الهجين أَو ينتحلوا ركاكة هَذَا الدّين السقيم إِلَّا أَن يكون مُسْتَغْرقا فِي الوسوسة وَالْجُنُون فالحمق أَنْوَاع وَالْجُنُون فنون
وَعند الْوُقُوف على هَذَا الْمذَاهب القبيحة والأوهام يتَبَيَّن فضل دين الْإِسْلَام ويتحقق معنى قَول النَّبِي ﵇ إِذا أَرَادَ الله إِنْفَاذ قَضَائِهِ وَقدره سلب ذَوي الْعُقُول عُقُولهمْ حَتَّى ينفذهُ فيهم
وَفِي مثل هَذَا الضَّرْب الْمثل إِذا جَاءَ الْبَين صم الْأذن وعمى الْعين والحمدلله الَّذِي أعاذنا من هَذِه الرذائل وتفضل علينا بدين الحنيفية الَّذِي خص بِكُل الْفَضَائِل الَّتِي يقبلهَا بفطرته الأولى كل عَاقل ويستحسنها كل ذكي فَاضل
فقد تحصل من هَاتين المقدمتين معنى النُّبُوَّة وَبَيَان شُرُوطهَا وَأَن عِيسَى ﵇ نَبِي وَرَسُول إِذْ قد كملت فِيهِ شُرُوط الرسَالَة وَأَنه لَيْسَ باله وَأَن النَّصَارَى لَيْسُوا عَالمين بِشَيْء من أَحْوَال الْمَسِيح وَلَا من معجزاته على الْيَقِين وَالتَّفْصِيل
وغايتهم أَن يعلمُوا أمورا جملية لكثر ة تكْرَار هَذَا الْمَعْنى عَلَيْهِم
ثمَّ تِلْكَ الْأَخْبَار الَّتِي يتحدثون بهَا عَن الْمَسِيح وتتكرر عَلَيْهِم لَو كلفوا أَن يسندوا شَيْئا مِنْهَا لغير الْإِنْجِيل كَمَا ينْقل متواترا لما اسْتَطَاعُوا شَيْئا من ذَلِك وَلَا وجدوا إِلَيْهِ سَبِيلا
وَمِمَّا يُؤَيّد هَذَا الْمَعْنى ويوضحه أَن الْيَهُود كَانُوا رهطه وكفلته
стр. 201
وَعِنْدهم نَشأ وهم يخالفونكم فِي كثير مِمَّا تنسبون إِلَيْهِ وَلَا يوافقونكم على نقلهَا
وَمن ذَلِك أَن الْيَهُود تزْعم أَنهم حِين أَخَذُوهُ حبسوه فِي السجْن أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَقَالُوا مَا كَانَ يَنْبَغِي لنا أَن نحبسه أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا أَنه كَانَ يعضده أحد قواد الرّوم لِأَنَّهُ كَانَ يداخله بصناعة الطِّبّ
وَفِي إنجيلكم أَنه أَخذ صبح يَوْم الْجُمُعَة وصلب فِي السَّاعَة التَّاسِعَة من الْيَوْم بِعَيْنِه
وَكَذَلِكَ تزْعم الْيَهُود كلهم أَنه لم يظْهر لَهُ معْجزَة وَلَا بَدَت لَهُم مِنْهُ آيَة غير أَنه طَار يَوْمًا وَقد هما بِأَخْذِهِ فطار على أَثَره أحد مِنْهُم فعلاه فِي طيرانه وتوله فَسقط إِلَى الأَرْض بزعمهم
ومواضع كَثِيرَة من إنجيلكم تدل على مَا قالته الْيَهُود من أَنه لم يَأْتِ بِآيَة
فَمن ذَلِك أَن الْيَهُود قَالَت لَهُ مَا آيتك الَّتِي ترينا ونؤمن بك وَأَنت تعلم أَن آبَاءَنَا قد أكلُوا الْمَنّ والسلوى فِي المفاز فَقَالَ إِن كَانَ أطْعمكُم مُوسَى خبْزًا بالمفاز فَأَنا أطْعمكُم خبْزًا سماويا يُرِيد نعيم الْآخِرَة فَلَو عرفت الْيَهُود لَهُ معْجزَة لما قَالَت ذَلِك ثمَّ لم يجبهم على قَوْلهم بمعجزة وَلَا آيَة
وَفِي إنجيلكم أَن الْيَهُود جَاءُوا يسألونه آيَة فقذفهم وَقَالَ إِن الْقَبِيلَة الْفَاجِرَة الخبيثة تطلب آيَة وَلَا تُعْطى ذَلِك
وَفِيه أَيْضا أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ وَهُوَ على الْخَشَبَة بظنكم إِن كنت الْمَسِيح فَأنْزل نَفسك نؤمن بك يطْلبُونَ مِنْهُ بذلك آيَة فَلم يفعل
стр. 202
وَمثل هَذَا كثير فِيهِ
ثمَّ إِن الْيَهُود عِنْدهم من الإختلاف فِي أمره مَا يدل على عدم يقينهم بِشَيْء من أخباره فَمنهمْ من يَقُول إِنَّه كَانَ رجلا مِنْهُم يعْرفُونَ أَبَاهُ وَأمه وينسبونه لزانية وحاشى لله كذبُوا ويسمون أَبَاهُ للزنية البندير الرُّومِي وَأمه مرم الماشطة كذبُوا لعنهم الله ويزعمون أَن زَوجهَا يُوسُف لما رأى البندير عَنْهَا على فراشها وتشعر بذلك فهجرها وَأنكر إبنها وَمِنْهُم من يَقُول أَنه لم يتَوَلَّد من غير أَب وينكره وَيَقُول إِنَّمَا أَبوهُ يُوسُف بن يهوذا الَّذِي كَانَ زوجا لِمَرْيَم
ثمَّ إِن الْيَهُود لعنهم الله أطبقت على إِطْلَاق الذَّم عَلَيْهِ ثمَّ اخْتلفُوا فِي سبه فَمنهمْ من قَالَ مَا تقدم وَمِنْهُم من ذكر سبا آخر وَهُوَ أَنهم زَعَمُوا أَنه كَانَ يَوْمًا مَعَ معلمه يهوشوع بن برخيا وَسَائِر التلاميذ فِي سفر فنزلوا موضعا وَجَاءَت إمرأة من أَهله وَجعلت تبالغ فِي كرامتهم فَقَالَ يهوشوع مَا أحسن هَذِه الْمَرْأَة يُرِيد فعلهَا فَقَالَ عِيسَى بزعمهم لعنهم الله لَوْلَا عمش فِي عينيها فصاح يهوشوع وَقَالَ لَهُ مَا ممزار تَرْجَمته يَا زنيم أتزنى بِالنّظرِ وَغَضب عَلَيْهِ عضبا شَدِيدا وَعَاد إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَحرم باسمه ولعنه فِي أَربع مائَة قرن قَالُوا فَحِينَئِذٍ لحق بزعمهم بِبَعْض قواد الرّوم وداخله بصناعة الطِّبّ فقوى لذَلِك بزعمهم على الْيَهُود وهم يَوْمئِذٍ فِي ذمَّة قَيْصر تباريوش وَجعل يُخَالف حكم التَّوْرَاة ويستدرك عَلَيْهَا ويعرض عَن بَعْضهَا إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا كَانَ
وَمِنْهُم من يَقُول إِن ذَلِك إِنَّمَا أطلق عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمًا يلاعب الصّبيان فِي صغره بالكرة فَوَقَعت لَهُ بَين جمَاعَة من مَشَايِخ الْيَهُود فضعف الصّبيان عَن استخراجها من بَينهم حَيَاء من المشائخ فقوى عِيسَى وتخطى رقابهم وَأَخذهَا فَقَالُوا لَهُ مَا نظنك إِلَّا زنيما فأمضيت عَلَيْهِ هَذِه الشتيمة
وَكَذَلِكَ يخْتَلف فِي صَنْعَة أَبِيه الَّذِي تَقولُونَ أَنْتُم فِيهِ خطيب
стр. 203
أمه فَمنهمْ من يَقُول يُوسُف النجار وَبَعْضهمْ يَقُول إِنَّمَا هُوَ الْحداد وَكَذَلِكَ تختلفون أَنْتُم فِي إسم أَبِيه فبعضكم يَقُول يُوسُف بن يَعْقُوب وبعضكم يَقُول يُوسُف بن هالى وَكَذَلِكَ اختلفتم أَنْتُم فِي آبَائِهِ وَفِي عدده فمنكم من يقلل ومنكم من يكثر على مَا تقدم فَهَذَا الإختلاف الْكثير والإضطراب الْبَين الشهير يدل على أَنكُمْ وَالْيَهُود فِي شكّ مِنْهُ وَأَنه لم يثبت عنْدكُمْ خبر متواتر عَنهُ وَإِنَّمَا هِيَ ظنون كَاذِبَة وأوهام راتبة وسنبين مدَاخِل الشَّك والأوهام عَلَيْهِم فِي قَوْلهم بصلوبيته ونبين أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي قَوْلهم بصلبه كاذبون وَأَنَّهُمْ ﴿فِي ريبهم يَتَرَدَّدُونَ﴾ فلولا أَن من الله علينا بفضله علينا وَعَلَيْكُم معاشر النَّصَارَى بِأَن بعث إِلَى الْجَمِيع سيد الْمُرْسلين لبقى الْجَمِيع من أَمر عِيسَى حيارى
فنزه الله الْمَسِيح وَأمه على لِسَان نبيه مِمَّا قالته الْيَهُود فيهمَا من الْأَقْوَال الوخيمة ونسبوه لَهَا من الهجاء والشتيمة وكما شهد بِبَرَاءَة الْمَسِيح وَأمه مِمَّا نسبته الْيَهُود إِلَيْهِمَا كَذَلِك شهد ببراءتهما مِمَّا نسبتموهما أَنْتُم إِلَيْهِ وتقولتموه عَلَيْهِمَا
وَذَلِكَ أَن مِنْكُم طَائِفَة يَقُولُونَ إِن مَرْيَم إِلَه وَقد أطبقتم على أَن الْمَسِيح إِلَه وإبن الْإِلَه وَنَبِينَا ﵇ يَقُول مخبرا عَن الله ﴿مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل وَأمه صديقَة﴾
فَإِذا سمع الْقَائِل قَوْله فيهمَا علم بعقله أَن ذَلِك القَوْل هُوَ الْحق وَإِن كَانَ مِمَّن طالع الزبُور علم أَن دُعَاء دَاوُود مستجاب ومقاله صدق وَذَلِكَ أَن فِي الزبُور أَن الله تَعَالَى قَالَ لداوود سيولد لَك ولد أدعى لَهُ أَبَا ويدعى لي إبنا فَقَالَ
стр. 204
اللَّهُمَّ ابْعَثْ جَاعل السّنة كي يعلم النَّاس أَنه بشر
فَاعْتبر قَول دَاوُود حِين أفزعه ذَلِك وراعه كَيفَ دَعَا إِلَى الله أَن يبْعَث جَاعل السّنة الَّذِي يعلم النَّاس أَن ذَلِك الْوَلَد الْمَدْعُو إِنَّمَا هُوَ بشر
وَكَذَلِكَ قَالَ الْمَسِيح على مَا حَكَاهُ إنجيلكم اللَّهُمَّ ابْعَثْ البارقليط ليعلم النَّاس أَن ابْن الْإِنْسَان بشر
والبارقليط بالرومية هُوَ مُحَمَّد بِالْعَرَبِيَّةِ
فَلَمَّا ضللتم وتفوهتم بذلك وراغمتم أَدِلَّة الْعُقُول وَكَلَام الْأَنْبِيَاء الْمَنْقُول بعث الله جَاعل السّنة وَكَاشف الْغُمَّة مُحَمَّدًا ﷺ فَأعْلم النَّاس أَنه بشر لَيْسَ بإلاه وَلَا ابْن إِلَه فَقَالَ مبلغا عَن الله ﴿وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله ذَلِك قَوْلهم بأفواههم يضاهئون قَول الَّذين كفرُوا من قبل قَاتلهم الله أَنى يؤفكون اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْبَغِي للرحمن أَن يتَّخذ ولدا إِن كل من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا﴾
وَنَذْكُر الْآن هُنَا خبر النَّجَاشِيّ ليَكُون منبهة للعاقل ومردعة للجاهل
وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى لما بعث مُحَمَّدًا ﷺ اتبعهُ جمَاعَة مِمَّن نور الله قلبه وَشرح لِلْإِسْلَامِ صَدره وَذَلِكَ فِي أول الْأَمر فآمنوا بِهِ والتزموا شَرعه وَأَحْكَامه فَكَانَ كفار قُرَيْش والمخالفون لَهُم فِي أديانهم يؤذونهم ويعذبونهم يرومون بذلك ردهم عَن دينهم كَمَا قد فعل بأتباع الْأَنْبِيَاء قبلهم فَلَمَّا أَشْتَدّ عَلَيْهِم الْأَمر شكوا ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَأَمرهمْ أَن يهاجروا إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَوَعدهمْ بِأَن يَجْعَل الله من أَمرهم فرجا وَأخْبرهمْ أَن بهَا ملكا عَظِيما لَا يظلم عِنْده أحد فَفَعَلُوا فقدموا على النَّجَاشِيّ وإسمه أَصْحَمَة وَكَانَ على صميم دين النَّصْرَانِيَّة
стр. 205
فَلَمَّا قدمُوا عَلَيْهِ اسْتَقر بهم الْمنزل ووجدوه خير منزل فأقاموا هُنَالك دينهم واغتبط النَّجَاشِيّ بصحبتهم وهم بجواره فَلَمَّا رأى كفار قُرَيْش أَن قد وجدوا بِأَرْض النَّجَاشِيّ أمنا ودعة وجهوا إثنين مِنْهُم وأصحبوهما هَدَايَا جليلة إِلَى النَّجَاشِيّ وأقسته وطلبوا مِنْهُ وَمن أساقفته أَن يسلمهم لَهما
فَلَمَّا قدما أَرض النَّجَاشِيّ دفعا لأقسته هداياهم وطلبا مِنْهُم أَن يعينوهما على ردهم مَعَهُمَا وإسلامهم لقومهما ثمَّ دفعا للنجاشي هديته وَقَالا لَهُ أَيهَا الْملك قد ضوا إِلَى بلدك منا غلْمَان سُفَهَاء فارقوا دين قَومهمْ وَلم يدخلُوا فِي دينك وَجَاءُوا بدين ابتدعوه لانعرفه نَحن وَلَا أَنْت وَقد بعث ٤ نَا إِلَيْك فيهم أَشْرَاف قَومهمْ من آبَائِهِم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إِلَيْهِم
فهم أعل بهم عينا وَأعلم بِمَا عابوا عَلَيْهِم فأسلمهم إِلَيْهِم فَغَضب النَّجَاشِيّ ثمَّ قَالَ لَا وَالله لَا أسلمهم إِلَيْهِمَا أبدا وَلَا يكَاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي لَا أسلمهم حَتَّى أدعوهم فأسألهم عَمَّا يَقُول هَذَانِ فِي أَمرهم
ثمَّ أرسل إِلَى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَجَاءُوا وَقد دَعَا النَّجَاشِيّ أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله فَقَالَ لَهُم مَا هَذَا الدّين الَّذِي فارقتم بِهِ قومكم وَلم تدْخلُوا فِي ديني وَلَا دين أحد من هَذِه الْملَل كَافَّة
فَكَلمهُ جَعْفَر بن أبي طَالب فَقَالَ أَيهَا الْملك كُنَّا قوما أهل جَاهِلِيَّة نعْبد الْأَصْنَام وَنَأْكُل الْميتَة ونأتي الْفَوَاحِش ونقطع الْأَرْحَام ونسيء الْجوَار وَيَأْكُل الْقوي الضَّعِيف فَكُنَّا على هَذَا حَتَّى بعث الله إِلَيْنَا رَسُولا نعرفه ونعرف نسبه وأمانته وَصدقه وعفافه فَدَعَانَا إِلَى الله لنوحده ونعبده ونخلع مَا كُنَّا نعْبد نَحن وآباؤنا من الْحِجَارَة والأوثان
وأمرنا بِصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وصلَة الرَّحِم وَحسن الْجوَار والكف عَن الْمَحَارِم والدماء ونهانا عَن الْفَوَاحِش وَأكل مَال الْيَتِيم وَقذف الْمُحْصنَات
стр. 206
وأمرنا أَن نعْبد الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وأمرنا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصِّيَام
وَعدد عَلَيْهِ أُمُور الْإِسْلَام فَصَدَّقْنَاهُ وآمنا بِهِ وإتبعناه على مَا جَاءَ بِهِ عَن الله فَعدى علينا قَومنَا وعذبونا وفتنونا عَن ديننَا ليردونا إِلَى عبَادَة الْأَوْثَان وَأَن نستحل مَا كُنَّا نستحل من الْخَبَائِث
فَلَمَّا قهرونا وظلمونا خرجنَا إِلَى بلادك وإخترناك على من سواك ورغبنا فِي جوارك ورجونا أَلا نظلم عنْدك
فَقَالَ النَّجَاشِيّ هَل مَعَك مِمَّا جَاءَ بِهِ عَن الله من شَيْء فَقَالَ لَهُ جَعْفَر نعم فَقَالَ اقرأه
فَقَرَأَ عَلَيْهِ جَعْفَر صَدرا من ﴿كهيعص﴾ فَبكى وَالله النَّجَاشِيّ حَتَّى أخضل لحيته وبكت أساقفته حَتَّى أخضوا لحاهم حِين سمعُوا مَا تَلا عَلَيْهِم ثمَّ قَالَ النَّجَاشِيّ إِن هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى ليخرج من مشكاة وَاحِدَة
انْطَلقَا فَلَا وَالله لَا أسلمهم إلَيْكُمَا وَلَا أكاد
فَلَمَّا خرجا من عِنْده وَقد يئسا من مرادهما قَالَ أَحدهمَا وَهُوَ عَمْرو بن الْعَاصِ لَآتِيَنه عَنْهُم غَدا بِمَا يُهْلِكهُمْ لأَجله ثمَّ غَدا عَلَيْهِ من الْغَد فَقَالَ أَيهَا الْملك إِنَّهُم يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْن مَرْيَم قولا عَظِيما فَأرْسل إِلَيْهِم ليسألهم قَالُوا وَلم ينزل بِنَا مثلهَا فَاجْتمع الْقَوْم ثمَّ قَالَ بَعضهم لبَعض مَاذَا تَقولُونَ فِي عِيسَى إِذا سألكم قَالُوا نقُول وَالله مَا قَالَ الله وَمَا جَاءَ بِهِ نَبينَا كَائِنا فِي ذَلِك مَا كَانَ
فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُم مَا تَقولُونَ فِي عِيسَى ابْن مَرْيَم فَقَالَ لَهُ جَعْفَر بن أبي طَالب نقُول فِيهِ الَّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبينَا هُوَ عبد الله وَرَسُوله وروحه وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم الْعَذْرَاء البتول
قَالَ فَضرب النَّجَاشِيّ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْض فَأخذ مِنْهَا عودا ثمَّ ثمَّ مَا عدا عِيسَى ابْن مَرْيَم مَا قلت هَذَا الْعود
فتناخرت بطارقته حوله حِين قَالَ مَا قَالَ فَقَالَ وَإِن نخرتم وَالله اذْهَبُوا فَأنْتم شيوم ترجتمه آمنون
стр. 207
فَهَذَا قَول أهل الْعلم من قبلكُمْ العارفين بشريعتكم وَمَا عدا ذَلِك فشجرته عثاء وأوضار ﴿اجتثت من فَوق الأَرْض مَا لَهَا من قَرَار﴾
وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَول هِرقل اثر هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
كمل الْجُزْء الثَّانِي والحمدلله وَحده
انْتهى الْجُزْء الثَّانِي من كتاب الْإِعْلَام بِمَا فِي دين النَّصَارَى من الْفساد والأوهام وَإِظْهَار محَاسِن دين الْإِسْلَام وَإِثْبَات نبوة نَبينَا مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام ويليله الْجُزْء الثَّالِث بِإِذن الله وأوله أَنْوَاع الْقسم الثَّانِي فِي إِثْبَات نبوة نَبينَا مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
стр. 208
الْإِعْلَام بِمَا فِي دين النَّصَارَى من الْفساد والأوهام وَإِظْهَار محَاسِن دين الْإِسْلَام وَإِثْبَات نبوة نَبينَا مُحَمَّد ﵊
تأليف الإِمَام الْقُرْطُبِيّ
تَقْدِيم وَتَحْقِيق وَتَعْلِيق الدكتور أَحْمد حجازي السقا
الْجُزْء الثَّالِث
стр. 209
أَنْوَاع الْقسم الثَّانِي
فِي إِثْبَات نبوة نَبينَا مُحَمَّد ﵊
نقُول
إِن مُحَمَّد بن عبد الله الْعَرَبِيّ الْقرشِي الْهَاشِمِي الْإِسْمَاعِيلِيّ رَسُول الله ﷺ صَادِق فِي كل مَا أخبر بِهِ عَن الله تَعَالَى وَلَا يجوز عَلَيْهِ شَيْء من الْكَذِب
ونستدل على ذَلِك بأدلة صادعة وبراهين قَاطِعَة أُصُولهَا أَرْبَعَة
الأول أَنْوَاع أَخْبَار الْأَنْبِيَاء قبله ووصفهم لَهُ فِي كتبهمْ
الثَّانِي النّظر فِي قوانين أَحْوَاله
الثَّالِث الْكتاب الْعَزِيز
الرَّابِع مَا ظهر على يَدَيْهِ من خوارق الْعَادَات
فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَنْوَاع
стр. 210
النَّوْع الأول
من الْأَدِلَّة على نبوة مُحَمَّد ﷺ
إِخْبَار الْأَنْبِيَاء بِهِ قبله
وَإِنَّمَا قدمنَا هَذَا النَّوْع وَإِن كَانَ غَيره أولى بالتقديم لكَون الْأَنْبِيَاء الخبيرين بعلاماته متقدمين عَلَيْهِ فِي الزَّمَان وَلكَون هَذِه البشائر كَانَت مَعْرُوفَة قبل مَجِيئه وَلكَون السَّائِل الَّذِي كتبنَا هَذَا الْكتاب جَوَابه لم يطْلب منا بجهله إِلَّا الإستدلال بِمَا جَاءَ فِي كتب الْأَنْبِيَاء وليكون هَذَا الْبَاب مؤنسا لَهُ وباعثا على النّظر فِيمَا بعده ولتعلم أَن الإستدلال بِهَذَا النَّوْع لَا ينْتَفع بِهِ إِلَّا من صدق بِتِلْكَ الْكتب وتواترت عِنْده
وَمن خلى عَن شَيْء من ذَلِك لَا ينْتَفع بِشَيْء مِنْهَا وَلَا يسْتَدلّ بهَا عَلَيْهِ وَأما مَا بعد هَذَا النَّوْع فيستدل بِهِ على كل من أنكر نبوته من سَائِر الْفرق فَأَما هَذَا النَّوْع فَإِنَّمَا هُوَ حجَّة على الْيَهُود وَالنَّصَارَى لإدعائهم أَن تِلْكَ الْكتب تَوَاتَرَتْ عِنْدهم
وَهَذَا النَّوْع عندنَا على التَّحْقِيق إِنَّمَا هُوَ دَاخل فِي بَاب الإلزامات لَهُم ليظْهر عنادهم وإفحامهم ثمَّ لتعلم أَنا إِنَّمَا نذْكر أَخْبَار الْأَنْبِيَاء المبشرة بنبوة مُحَمَّد ﷺ من كتبهمْ الَّتِي بِأَيْدِيهِم وعَلى مَا ترجمها مترجموهم من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان
فَمن ذَلِك
مَا جَاءَ فِي التَّوْرَاة أَن الله قَالَ لمُوسَى بن عمرَان إِنِّي أقيم لبني إِسْرَائِيل من إِخْوَتهم نَبِي مثلك أجعَل كَلَامي على فِيهِ فَمن عَصَاهُ انتقمت مِنْهُ
فَإِن قلت إِن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ يشوع بن نون قُلْنَا لَا
стр. 211
فقد قَالَ فِي آخر التَّوْرَاة لَا يخلف من بني إِسْرَائِيل نَبِي مثل مُوسَى فَلَا محَالة أَن ذَلِك الَّذِي بشرت بِهِ التَّوْرَاة لَا يكون من بني إِسْرَائِيل لَكِن من إخْوَة بني إِسْرَائِيل فلننظر من هم إخْوَة بني إِسْرَائِيل فَلَا محَالة أَنهم الْعَرَب أَو الرّوم
فَأَما الرّوم فَلم يكن مِنْهُم نَبِي سوى أَيُّوب وَكَانَ قبل مُوسَى بِزَمَان فَلَا يجوز أَن يكون هُوَ الَّذِي بشرت بِهِ التَّوْرَاة فَلم يبْق إِلَّا الْعَرَب فَهُوَ إِذن مُحَمَّد ﵇ وَقد قَالَ فِي التَّوْرَاة حِين ذكر إِسْمَاعِيل جد الْعَرَب أَنه يضع فسطاطه فِي وسط بِلَاد إخْوَته فكنى عَن بني إِسْرَائِيل بإخوة إِسْمَاعِيل كَمَا كنى عَن الْعَرَب بإخوة بني إِسْرَائِيل فِي قَوْله إِنِّي أقيم لبني إِسْرَائِيل من إِخْوَتهم نَبِي مثلك وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله أجعَل كَلَامي على فِيهِ فَإِن هَذَا تَصْرِيح بِالْقُرْآنِ إِذْ هُوَ كَلَام الله الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ وتلقيناه من فلق فِيهِ وَيدل أَيْضا على ذَلِك قَوْله من عَصَاهُ انتقمت مِنْهُ إِذْ قد فعل الله ذَلِك بصناديد قُرَيْش وَعُظَمَاء مُلُوك الرّوم وَغَيرهم فهم بَين أَسِير وقتيل ومعطى الْجِزْيَة على وَجه الصغار والذلة ﴿ولعذاب الْآخِرَة أشق﴾
وَمن ذَلِك
مَا جَاءَ فِيهَا أَنه قَالَ وَهَذِه هِيَ الْبركَة الَّتِي بَارك بهَا مُوسَى رجل الله بني إِسْرَائِيل قبل مَوته فَقَالَ جَاءَ الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جَبَّار فاران وَمَعَهُ جمَاعَة من الصَّالِحين
стр. 212
فمجيئه من جبل سيناء أَن الله أنزل فِيهِ التَّوْرَاة وكلم عَلَيْهِ مُوسَى وإشراقه من جبل ساعير أَن دين الْمَسِيح إِنَّمَا أشرق من جبال ساعير وَهِي جبال الرّوم من أدوم وإستعلانه من جبال فاران أَن الله تَعَالَى بعث مِنْهَا مُحَمَّدًا ﷺ وَأوحى إِلَيْهِ فِيهَا
وَلَا اخْتِلَاف أَن فاران مَكَّة وَقد قَالَ فِي التَّوْرَاة إِن الله أسكن هَاجر وإبنها إِسْمَاعِيل فاران
وَفِي بعض التراجم أقبل السَّيِّد من سيناء وَمن شعير ترَاءى لنا وَأَقْبل من جبال فاران وَمَعَهُ آلَاف من الصَّالِحين وَمَعَهُ كتاب نَارِي وَهُوَ ختم الْأَجْنَاس وَجَمِيع الصَّالِحين فِي قَبضته وَمن تدانى من قَدَمَيْهِ يصب من علمه
ففكر على إنصاف وَتثبت من الجائي الْمقبل من جبال فاران مَعَ الآلاف من الصَّالِحين وَمن جَاءَ بِالْكتاب الَّذِي مَا مِنْهُ سُورَة لَا وفيهَا الْوَعيد على الْمُخَالف بالنَّار وعذابها وأنكالها وأغلالها
وَمن ذَلِك
مَا جَاءَ فِيهَا أَيْضا أَن الله قَالَ لإِبْرَاهِيم قد استجبتك فِي إِسْمَاعِيل وباركته وكثرته وأنميته جدا جدا يُولد لَهُ اثْنَا عشر عَظِيما وأجعله لشعب عَظِيم وَلَا يشك فِي أَن الشّعب الْعَظِيم هُوَ مُحَمَّد ﵇ وَأمته إِذْ لم يكن فِي ولد إِسْمَاعِيل أعظم مِنْهُم
وَقد تفطن بعض النبهاء مِمَّن نَشأ على لِسَان الْيَهُود وَقَرَأَ بعض كتبهمْ فَقَالَ فِي التَّوْرَاة موضعان يخرج مِنْهُمَا إسم مُحَمَّد بِالْعدَدِ على مَا تستعمله الْيَهُود فِيمَا بَينهم
ثمَّ ذكر مَا قَدمته من قَول الله لإِبْرَاهِيم قد استجبتك فِي إِسْمَاعِيل
стр. 213
فَأَما قَوْله جدا جدا فَهُوَ بِتِلْكَ اللُّغَة بمأد ماد وَعدد هَذِه الْحُرُوف إثنان وَتسْعُونَ وَذَلِكَ أَن الْبَاء عِنْدهم إثنان وَالْمِيم أَرْبَعُونَ وَالْألف وَاحِد وَالدَّال أَرْبَعَة وَالْمِيم الثَّانِيَة أَرْبَعُونَ وَالْألف وَاحِد وَالدَّال أَرْبَعُونَ وَكَذَلِكَ الْمِيم من مُحَمَّد أَرْبَعُونَ والحاء ثَمَانِيَة وَالْمِيم أَرْبَعُونَ وَالدَّال أَرْبَعَة
وَأما قَوْله لشعب عَظِيم فَهُوَ بِتِلْكَ اللُّغَة لغَوِيّ غدول فَاللَّام عِنْدهم ثَلَاثُونَ والغين ثَلَاثَة وَهِي عِنْدهم مقَام الْجِيم إِذْ لَيْسَ فِي لغتهم جِيم وَلَا ضاد وَالْوَاو سِتَّة وَالْيَاء عشرَة والغين أَيْضا ثَلَاثَة وَالدَّال أَرْبَعَة وَالْوَاو سِتَّة وَاللَّام ثَلَاثُونَ فمجموع هَذِه أَيْضا إثنان وَتسْعُونَ
وَهَذَا من رَشِيق الْفَهم وملح الْبَحْث وغرائب الْعلم
وَفِي التَّوْرَاة
ايضا أَن ملاك الرب قَالَ لهاجر ستلدين إبنا وتدعين إسمه إِسْمَاعِيل يَده على كل وَيَد كل بِهِ وسيحل على جَمِيع حُدُود إخْوَته
وَلَا محَالة أَن إِسْمَاعِيل وَولده لم تكن أَيْديهم إِلَّا تَحت يَد إِسْحَق لِأَن النُّبُوَّة وَالْملك إِنَّمَا كَانَا فِي ولد إِسْحَق فَلَمَّا بعث الله تَعَالَى مُحَمَّدًا جعل يَد بني إِسْمَاعِيل فَوق أَيدي الْجَمِيع ورد النُّبُوَّة وَالْملك فيهم وأنماهم وعظمهم وَبَارك عَلَيْهِم جدا جدا
وَمن ذَلِك مَا جَاءَ فِي الزبُور
الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ أَنه قَالَ سبحوا الرب تسبيحا حَدِيثا سبحوا الَّذِي هيكله الصالحون ليفرح إِسْرَائِيل بخالقه وَبَنُو صهيون من أجل أَن الله اصْطفى لَهُم أمة وَأَعْطَاهُمْ النَّصْر وسدد الصَّالِحين مِنْهُم بالكرامة يسبحون الله على مضاجعهم ويكبرونه بِأَصْوَات مُرْتَفعَة بِأَيْدِيهِم سيوف ذَوَات شفرتين لينتقم الله بهم من الْأُمَم الَّذين لَا يعبدونه يوثقون مُلُوكهمْ بالقيود وأشرافهم بالأغلال
стр. 214
أخبرونا
يَا هَؤُلَاءِ الجاحدون للحق المعرضون عَن أَخْبَار الصدْق من هَذِه الْأمة الَّتِي سيوفها سيوف ذَوَات شفرتين ينْتَقم الله بهم من الْأُمَم الَّذين لَا يعبدونه وَمن الْمَبْعُوث بِالسَّيْفِ من الْأَنْبِيَاء وَمن الَّذين يكبرُونَ الله بِأَصْوَات مُرْتَفعَة فِي الْأَذَان هَذِه أَوْصَاف مُحَمَّد ﷺ وأوصاف أمته بِلَا ريب وَلَا رجم غيب
وَفِي الزبُور أَيْضا
ذكر صفة مُحَمَّد ﷺ فَقَالَ وَيجوز من الْبَحْر إِلَى الْبَحْر وَمن مُنْقَطع الْأَنْهَار إِلَى مُنْقَطع الْأَنْهَار وَأَنه يخر أهل الجزائر بَين يَدَيْهِ على ركبهمْ ويلحس أعداؤه بِالتُّرَابِ وتأتيه مُلُوك بالقرابين وتسجد لَهُ وَتَدين لَهُ الْأُمَم بِالطَّاعَةِ والإنقياد لِأَنَّهُ يخلص المضطهد البائس من الْأَقْوَى مِنْهُ وينقذ الضَّعِيف الَّذِي لَا نَاصِر لَهُ ويرأف بالضعفاء وَالْمَسَاكِين وَأَنه يعْطى من ذهب بِلَاد سبأ وَيُصلي عَلَيْهِ فِي كل وَقت ويدوم أمره إِلَى آخر الدَّهْر
تَأمل أَوْصَاف النَّبِي ﷺ فَهِيَ على مَا ذكر مَا غادر مِنْهَا وَاحِدًا وَلم تَجْتَمِع هَذِه الصِّفَات والعلامات لأحد قبله على مَا هُوَ مَعْرُوف من أَحْوَال الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين عِنْد الْعلمَاء المنصفين غير الْجَاهِلين المتعصبين
وَفِي الزبُور أَيْضا
أَن الله تَعَالَى أظهر من صهيون أكليلا مَحْمُودًا
فالأكليل ضرب مثل لرياسته ومحمود هُوَ مُحَمَّد ﷺ وَقد بلغ دينه صهيون غَيره
وَفِيه أَيْضا
تقلد أَيهَا الْجَبَّار سَيْفك فَإِن ناموسك وشريعتك مقرونة بيمينك وسهامك مسنونة والأمم يخرون تَحْتك
تَأمل من الْجَبَّار الْآتِي بشرائع يظهرها بِالسَّيْفِ والسهام فَإنَّك إِذا تَأَمَّلت ذَلِك لم تَجِد على هَذِه الصِّفَات أحدا من عهد دَاوُود إِلَّا
стр. 215
النَّبِي مُحَمَّد ﵊ فَهُوَ المبشر بِهِ لَا محَالة
وَقد تقدم قَول دَاوُود
اللَّهُمَّ ابْعَثْ جَاعل السّنة كي يعلم النَّاس أَنه بشر
فَلْينْظر هُنَالك فَإِنَّهُ نَص على نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فَإِنَّهُ جَاعل السّنة وَهُوَ أخبر بِأَن الْمَسِيح بشر وَلَيْسَ باله
وَفِي الزبُور
تَرْجَمَة وهب بن مُنَبّه يَقُول الله تَعَالَى لداوود ﵇ فِي المزمور الْخَامِس إسمع مَا أَقُول وَمر سُلَيْمَان فليقله للنَّاس من بعْدك إِن الأَرْض لي أورثها مُحَمَّدًا وَأمته فهم خلافكم لم تكن صلَاتهم بالطنابير وَلَا قدسوني بالأوتار
وَهَذَا تَصْرِيح بإسمه وتأييد شَرِيعَته وبصفات أمته وزبور وهب بن مُنَبّه هَذَا الَّذِي نقلت مِنْهُ أصح مَا يُوجد من كتاب الزبُور فَإِنَّهُ أوثق وَأعلم من كل تَرْجَمَة فِي سالف الدهور وَلَكِن النَّصَارَى مَعَ ذَلِك يكذبُون إِذْ هم جاهلون ومعاندون
وَمن ذَلِك ماجاء فِي الْإِنْجِيل الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ أَن الْمَسِيح قَالَ إِن كُنْتُم تحبونني فاحفظوا وصاياي وسأرغب إِلَى الآب فِي أَن يبْعَث إِلَيْكُم البرقليط ليَكُون مَعكُمْ إِلَى الْأَبَد روح الْحق الَّذِي لَا تقبله الدُّنْيَا لِأَنَّهَا لَا ترَاهُ وَلَا تعرفه وَأَنْتُم تعرفونه لِأَنَّهُ نازك عَلَيْك وعندكم لابث وَلست أدعكم أيتاما
وَفِيه أَيْضا عَن يوحنا
أَن الْمَسِيح قَالَ سينفعكم ذهابي لِأَنِّي إِن لم أذهب لم يأتكم البرقليط وَإِن ذهبت سأبعثه إِلَيْكُم وَإِذا قدم سيعرف الدُّنْيَا بالمأثم وَالْعدْل وَالْحكم فَأَما المأثم فتركهم الْإِيمَان بِي وَأما الْعدْل فذهابي إِلَى الآب وَلَا تروني بعْدهَا وَأما الَّذِي يحكم بِي فِيهَا فَإِنَّهُ يحكم على صَاحب الدُّنْيَا ويقهر
следующие страницы →