Полный текст (442 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فقد قَالَ فِي آخر التَّوْرَاة لَا يخلف من بني إِسْرَائِيل نَبِي مثل مُوسَى فَلَا محَالة أَن ذَلِك الَّذِي بشرت بِهِ التَّوْرَاة لَا يكون من بني إِسْرَائِيل لَكِن من إخْوَة بني إِسْرَائِيل فلننظر من هم إخْوَة بني إِسْرَائِيل فَلَا محَالة أَنهم الْعَرَب أَو الرّوم
فَأَما الرّوم فَلم يكن مِنْهُم نَبِي سوى أَيُّوب وَكَانَ قبل مُوسَى بِزَمَان فَلَا يجوز أَن يكون هُوَ الَّذِي بشرت بِهِ التَّوْرَاة فَلم يبْق إِلَّا الْعَرَب فَهُوَ إِذن مُحَمَّد ﵇ وَقد قَالَ فِي التَّوْرَاة حِين ذكر إِسْمَاعِيل جد الْعَرَب أَنه يضع فسطاطه فِي وسط بِلَاد إخْوَته فكنى عَن بني إِسْرَائِيل بإخوة إِسْمَاعِيل كَمَا كنى عَن الْعَرَب بإخوة بني إِسْرَائِيل فِي قَوْله إِنِّي أقيم لبني إِسْرَائِيل من إِخْوَتهم نَبِي مثلك وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله أجعَل كَلَامي على فِيهِ فَإِن هَذَا تَصْرِيح بِالْقُرْآنِ إِذْ هُوَ كَلَام الله الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ وتلقيناه من فلق فِيهِ وَيدل أَيْضا على ذَلِك قَوْله من عَصَاهُ انتقمت مِنْهُ إِذْ قد فعل الله ذَلِك بصناديد قُرَيْش وَعُظَمَاء مُلُوك الرّوم وَغَيرهم فهم بَين أَسِير وقتيل ومعطى الْجِزْيَة على وَجه الصغار والذلة ﴿ولعذاب الْآخِرَة أشق﴾
وَمن ذَلِك
مَا جَاءَ فِيهَا أَنه قَالَ وَهَذِه هِيَ الْبركَة الَّتِي بَارك بهَا مُوسَى رجل الله بني إِسْرَائِيل قبل مَوته فَقَالَ جَاءَ الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جَبَّار فاران وَمَعَهُ جمَاعَة من الصَّالِحين
стр. 212
فمجيئه من جبل سيناء أَن الله أنزل فِيهِ التَّوْرَاة وكلم عَلَيْهِ مُوسَى وإشراقه من جبل ساعير أَن دين الْمَسِيح إِنَّمَا أشرق من جبال ساعير وَهِي جبال الرّوم من أدوم وإستعلانه من جبال فاران أَن الله تَعَالَى بعث مِنْهَا مُحَمَّدًا ﷺ وَأوحى إِلَيْهِ فِيهَا
وَلَا اخْتِلَاف أَن فاران مَكَّة وَقد قَالَ فِي التَّوْرَاة إِن الله أسكن هَاجر وإبنها إِسْمَاعِيل فاران
وَفِي بعض التراجم أقبل السَّيِّد من سيناء وَمن شعير ترَاءى لنا وَأَقْبل من جبال فاران وَمَعَهُ آلَاف من الصَّالِحين وَمَعَهُ كتاب نَارِي وَهُوَ ختم الْأَجْنَاس وَجَمِيع الصَّالِحين فِي قَبضته وَمن تدانى من قَدَمَيْهِ يصب من علمه
ففكر على إنصاف وَتثبت من الجائي الْمقبل من جبال فاران مَعَ الآلاف من الصَّالِحين وَمن جَاءَ بِالْكتاب الَّذِي مَا مِنْهُ سُورَة لَا وفيهَا الْوَعيد على الْمُخَالف بالنَّار وعذابها وأنكالها وأغلالها
وَمن ذَلِك
مَا جَاءَ فِيهَا أَيْضا أَن الله قَالَ لإِبْرَاهِيم قد استجبتك فِي إِسْمَاعِيل وباركته وكثرته وأنميته جدا جدا يُولد لَهُ اثْنَا عشر عَظِيما وأجعله لشعب عَظِيم وَلَا يشك فِي أَن الشّعب الْعَظِيم هُوَ مُحَمَّد ﵇ وَأمته إِذْ لم يكن فِي ولد إِسْمَاعِيل أعظم مِنْهُم
وَقد تفطن بعض النبهاء مِمَّن نَشأ على لِسَان الْيَهُود وَقَرَأَ بعض كتبهمْ فَقَالَ فِي التَّوْرَاة موضعان يخرج مِنْهُمَا إسم مُحَمَّد بِالْعدَدِ على مَا تستعمله الْيَهُود فِيمَا بَينهم
ثمَّ ذكر مَا قَدمته من قَول الله لإِبْرَاهِيم قد استجبتك فِي إِسْمَاعِيل
стр. 213
فَأَما قَوْله جدا جدا فَهُوَ بِتِلْكَ اللُّغَة بمأد ماد وَعدد هَذِه الْحُرُوف إثنان وَتسْعُونَ وَذَلِكَ أَن الْبَاء عِنْدهم إثنان وَالْمِيم أَرْبَعُونَ وَالْألف وَاحِد وَالدَّال أَرْبَعَة وَالْمِيم الثَّانِيَة أَرْبَعُونَ وَالْألف وَاحِد وَالدَّال أَرْبَعُونَ وَكَذَلِكَ الْمِيم من مُحَمَّد أَرْبَعُونَ والحاء ثَمَانِيَة وَالْمِيم أَرْبَعُونَ وَالدَّال أَرْبَعَة
وَأما قَوْله لشعب عَظِيم فَهُوَ بِتِلْكَ اللُّغَة لغَوِيّ غدول فَاللَّام عِنْدهم ثَلَاثُونَ والغين ثَلَاثَة وَهِي عِنْدهم مقَام الْجِيم إِذْ لَيْسَ فِي لغتهم جِيم وَلَا ضاد وَالْوَاو سِتَّة وَالْيَاء عشرَة والغين أَيْضا ثَلَاثَة وَالدَّال أَرْبَعَة وَالْوَاو سِتَّة وَاللَّام ثَلَاثُونَ فمجموع هَذِه أَيْضا إثنان وَتسْعُونَ
وَهَذَا من رَشِيق الْفَهم وملح الْبَحْث وغرائب الْعلم
وَفِي التَّوْرَاة
ايضا أَن ملاك الرب قَالَ لهاجر ستلدين إبنا وتدعين إسمه إِسْمَاعِيل يَده على كل وَيَد كل بِهِ وسيحل على جَمِيع حُدُود إخْوَته
وَلَا محَالة أَن إِسْمَاعِيل وَولده لم تكن أَيْديهم إِلَّا تَحت يَد إِسْحَق لِأَن النُّبُوَّة وَالْملك إِنَّمَا كَانَا فِي ولد إِسْحَق فَلَمَّا بعث الله تَعَالَى مُحَمَّدًا جعل يَد بني إِسْمَاعِيل فَوق أَيدي الْجَمِيع ورد النُّبُوَّة وَالْملك فيهم وأنماهم وعظمهم وَبَارك عَلَيْهِم جدا جدا
وَمن ذَلِك مَا جَاءَ فِي الزبُور
الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ أَنه قَالَ سبحوا الرب تسبيحا حَدِيثا سبحوا الَّذِي هيكله الصالحون ليفرح إِسْرَائِيل بخالقه وَبَنُو صهيون من أجل أَن الله اصْطفى لَهُم أمة وَأَعْطَاهُمْ النَّصْر وسدد الصَّالِحين مِنْهُم بالكرامة يسبحون الله على مضاجعهم ويكبرونه بِأَصْوَات مُرْتَفعَة بِأَيْدِيهِم سيوف ذَوَات شفرتين لينتقم الله بهم من الْأُمَم الَّذين لَا يعبدونه يوثقون مُلُوكهمْ بالقيود وأشرافهم بالأغلال
стр. 214
أخبرونا
يَا هَؤُلَاءِ الجاحدون للحق المعرضون عَن أَخْبَار الصدْق من هَذِه الْأمة الَّتِي سيوفها سيوف ذَوَات شفرتين ينْتَقم الله بهم من الْأُمَم الَّذين لَا يعبدونه وَمن الْمَبْعُوث بِالسَّيْفِ من الْأَنْبِيَاء وَمن الَّذين يكبرُونَ الله بِأَصْوَات مُرْتَفعَة فِي الْأَذَان هَذِه أَوْصَاف مُحَمَّد ﷺ وأوصاف أمته بِلَا ريب وَلَا رجم غيب
وَفِي الزبُور أَيْضا
ذكر صفة مُحَمَّد ﷺ فَقَالَ وَيجوز من الْبَحْر إِلَى الْبَحْر وَمن مُنْقَطع الْأَنْهَار إِلَى مُنْقَطع الْأَنْهَار وَأَنه يخر أهل الجزائر بَين يَدَيْهِ على ركبهمْ ويلحس أعداؤه بِالتُّرَابِ وتأتيه مُلُوك بالقرابين وتسجد لَهُ وَتَدين لَهُ الْأُمَم بِالطَّاعَةِ والإنقياد لِأَنَّهُ يخلص المضطهد البائس من الْأَقْوَى مِنْهُ وينقذ الضَّعِيف الَّذِي لَا نَاصِر لَهُ ويرأف بالضعفاء وَالْمَسَاكِين وَأَنه يعْطى من ذهب بِلَاد سبأ وَيُصلي عَلَيْهِ فِي كل وَقت ويدوم أمره إِلَى آخر الدَّهْر
تَأمل أَوْصَاف النَّبِي ﷺ فَهِيَ على مَا ذكر مَا غادر مِنْهَا وَاحِدًا وَلم تَجْتَمِع هَذِه الصِّفَات والعلامات لأحد قبله على مَا هُوَ مَعْرُوف من أَحْوَال الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين عِنْد الْعلمَاء المنصفين غير الْجَاهِلين المتعصبين
وَفِي الزبُور أَيْضا
أَن الله تَعَالَى أظهر من صهيون أكليلا مَحْمُودًا
فالأكليل ضرب مثل لرياسته ومحمود هُوَ مُحَمَّد ﷺ وَقد بلغ دينه صهيون غَيره
وَفِيه أَيْضا
تقلد أَيهَا الْجَبَّار سَيْفك فَإِن ناموسك وشريعتك مقرونة بيمينك وسهامك مسنونة والأمم يخرون تَحْتك
تَأمل من الْجَبَّار الْآتِي بشرائع يظهرها بِالسَّيْفِ والسهام فَإنَّك إِذا تَأَمَّلت ذَلِك لم تَجِد على هَذِه الصِّفَات أحدا من عهد دَاوُود إِلَّا
стр. 215
النَّبِي مُحَمَّد ﵊ فَهُوَ المبشر بِهِ لَا محَالة
وَقد تقدم قَول دَاوُود
اللَّهُمَّ ابْعَثْ جَاعل السّنة كي يعلم النَّاس أَنه بشر
فَلْينْظر هُنَالك فَإِنَّهُ نَص على نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فَإِنَّهُ جَاعل السّنة وَهُوَ أخبر بِأَن الْمَسِيح بشر وَلَيْسَ باله
وَفِي الزبُور
تَرْجَمَة وهب بن مُنَبّه يَقُول الله تَعَالَى لداوود ﵇ فِي المزمور الْخَامِس إسمع مَا أَقُول وَمر سُلَيْمَان فليقله للنَّاس من بعْدك إِن الأَرْض لي أورثها مُحَمَّدًا وَأمته فهم خلافكم لم تكن صلَاتهم بالطنابير وَلَا قدسوني بالأوتار
وَهَذَا تَصْرِيح بإسمه وتأييد شَرِيعَته وبصفات أمته وزبور وهب بن مُنَبّه هَذَا الَّذِي نقلت مِنْهُ أصح مَا يُوجد من كتاب الزبُور فَإِنَّهُ أوثق وَأعلم من كل تَرْجَمَة فِي سالف الدهور وَلَكِن النَّصَارَى مَعَ ذَلِك يكذبُون إِذْ هم جاهلون ومعاندون
وَمن ذَلِك ماجاء فِي الْإِنْجِيل الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ أَن الْمَسِيح قَالَ إِن كُنْتُم تحبونني فاحفظوا وصاياي وسأرغب إِلَى الآب فِي أَن يبْعَث إِلَيْكُم البرقليط ليَكُون مَعكُمْ إِلَى الْأَبَد روح الْحق الَّذِي لَا تقبله الدُّنْيَا لِأَنَّهَا لَا ترَاهُ وَلَا تعرفه وَأَنْتُم تعرفونه لِأَنَّهُ نازك عَلَيْك وعندكم لابث وَلست أدعكم أيتاما
وَفِيه أَيْضا عَن يوحنا
أَن الْمَسِيح قَالَ سينفعكم ذهابي لِأَنِّي إِن لم أذهب لم يأتكم البرقليط وَإِن ذهبت سأبعثه إِلَيْكُم وَإِذا قدم سيعرف الدُّنْيَا بالمأثم وَالْعدْل وَالْحكم فَأَما المأثم فتركهم الْإِيمَان بِي وَأما الْعدْل فذهابي إِلَى الآب وَلَا تروني بعْدهَا وَأما الَّذِي يحكم بِي فِيهَا فَإِنَّهُ يحكم على صَاحب الدُّنْيَا ويقهر
стр. 216
وَقد بقيت لي أَشْيَاء كَثِيرَة أعلمكُم بهَا إِلَّا أَنكُمْ لَا تحملونها الْآن فَإِذا قدم الرّوح الصَّادِق فَهُوَ يعرفكم بِالصَّوَابِ وَلَيْسَ يعلمكم من ذَاته إِلَّا بِمَا يسمع وسيعلمكم بِمَا يكون وسيعظمني لِأَنَّهُ يُصِيب مني ويعلمكم
وَفِيه أَيْضا
أَن الْمَسِيح قَالَ للحواريين الَّذِي يبغضني يبغض أبي فَلَو لم أطلع عِنْدهم من الْعَجَائِب مَا لم يطلع غَيْرِي لم يكن قبلهم ذَنْب وَلَكنهُمْ الْآن قد عابوا وكرهوني ليتم مَا كتب فِي كتبهمْ حَيْثُ قَالَ أَنهم كرهوني بِلَا ذَنْب فَإِذا أقبل البرقليط الَّذِي أبْعث إِلَيْكُم من عِنْد الآب الرّوح الصَّادِق المنبثق من الآب هُوَ يُؤَدِّي الشَّهَادَة عني وَأَنْتُم تستشهدون لأنكم كُنْتُم معي من أول الْأَمر وَإِنَّمَا أَقُول لكم هَذَا لِئَلَّا يواقعكم التشكيك
فالبرقليط بالرومية المنحمنا بالسُّرْيَانيَّة وَهُوَ مُحَمَّد بِالْعَرَبِيَّةِ
فَتَأمل هَذِه البشائر الَّتِي لَا ينكرها إِلَّا معاند مجاهر فقد أخبر بِهِ الْمَسِيح بِالْعينِ والإسم وَالْأَفْعَال ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾
وَفِيه أَيْضا
أَنه قَالَ للْيَهُود وتقولون لَو كُنَّا فِي أَيَّام آبَائِنَا لم نساعدهم على قتل الْأَنْبِيَاء فَأتمُّوا كيل آبائكم يَا ثعابين بني الأفاعي كَيفَ لكم والنجاة من عَذَاب النَّار وسأبعث إِلَيْكُم أَنْبيَاء وعلماء وستقتلون مِنْهُم وتصلبون وتجلدونهم فِي جماعتكم وتطلبونهم من مَدِينَة إِلَى أُخْرَى لتتكامل عَلَيْكُم دِمَاء الْمُؤمنِينَ المهراقة على الأَرْض من دم هابيل الصَّالح إِلَى دم زَكَرِيَّا بن برخيا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَين المذبح والهيكل آمين آمين أَقُول أَنه سَيَأْتِي جَمِيع مَا وصفت على هَذِه الْأمة يرشالم يرشالم الَّتِي تقتل الْأَنْبِيَاء وَترْجم من بعث إِلَيْهَا قد أردْت أَن أجمع بنيك جمع الدَّجَاجَة فراريجها تَحت جناحيها وكرهت أَنْت ذَلِك
стр. 217
سأقفر عَلَيْكُم بَيتكُمْ وَأَنا أَقُول لكم لَا تروني الْآن حَتَّى يَأْتِي من تَقولُونَ لَهُ مبارك الْآتِي على اسْم الله
تَأمل بشارته بِالنَّبِيِّ مُحَمَّد ﵇ وتوعده لَهُم بالإنتقام مِنْهُم على يَدَيْهِ
فَإِذا تَأَمَّلت هَذَا على جِهَة الْإِنْصَاف لَاحَ الْحق لَك وَإِلَّا فَمن ﴿كَانَ فِي هَذِه أعمى فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى وأضل سَبِيلا﴾
وَقَوله سأبعث فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَحْرِيف بِدَلِيل قَوْله فِيمَا تقدم سأرغب إِلَى الآب فِي أَن يبْعَث إِلَيْكُم البرقليط فقد صرح هُنَا بِأَن الْبَاعِث لَهُ هُوَ الله لَا هُوَ وَهُوَ الْحق إِذْ قد تبين أَن الْمَسِيح لَا يفعل شَيْئا من ذَاته وَإِنَّمَا يفعل مَا يُريدهُ الله تَعَالَى وَقد تقدم قَوْله لست أنفذ إرادتي وَإِنَّمَا أنفذ إِرَادَة الرب
وَفِيه أَيْضا
أَن الْمَسِيح قَالَ إِن التَّوْرَاة وَكتب الْأَنْبِيَاء يَتْلُو بَعْضهَا بَعْضًا بِالنُّبُوَّةِ وَالْوَحي حَتَّى جَاءَ يحيى وَأما الْآن فَإِن شِئْتُم فاقبلوا فَإِن أيل مزمع أَن يَأْتِي فَمن كَانَت لَهُ أذنان سامعتان فليسمع
أيل هُوَ الله تَعَالَى ومجيئه هُوَ مجئ رَسُوله بكتابه وَأمره كَمَا قَالَ فِي التَّوْرَاة جَاءَ الله من سيناء وَمَا أشبه ذَلِك
فَإِن قلت قَوْله فَإِن أيل مزمع أَن يَأْتِي وَقَوله حَتَّى يَأْتِي
стр. 218
من تَقولُونَ لَهُ مبارك الْآتِي إِنَّمَا أَرَادَ من كَانَ بعده من الْأَنْبِيَاء مثل بارنابا وشمعون وليوقيوش ومناين هَؤُلَاءِ أَنْبيَاء أنطاكية وَمن بَيت الْمُقَدّس أعفانوس وَمن فلسطين جرجيس
فَالْجَوَاب
أَنه لَا يَصح لكم أَن تعترفوا بنبوة وَاحِد من هَؤُلَاءِ بل يَنْبَغِي لكم أَن تكفرُوا بهم لأنكم ترَوْنَ أَنه لَا نَبِي بعد الْمَسِيح وتسندون ذَلِك إِلَى كتبكم فَأَما أَن تكذبوا بقولكم لَا نَبِي بعد الْمَسِيح أَو تنكروا نبوة من ذكرْتُمْ
ثمَّ لَو سلمنَا أَنهم أَنْبيَاء فليسوا المرادين بِمَا ذكر لأَنهم لم يَأْتُوا بكتب من الله وَلَا بأوامر أخر
وغايتهم أَن يحكموا بكتب الْأَنْبِيَاء قبلهم
وإتيان الله فِيمَا ذكر إِنَّمَا هُوَ عبارَة عَن إتْيَان نَبِي من أنبيائه بِكَلَامِهِ وَكتابه كَمَا قَالَ جَاءَ الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران وَهَذَا وَاضح للمنصف
وَقد زعم بعض المعاندين الْجَاهِلين من ينتمي إِلَى دينكُمْ أَن المبشر بِهِ فِي ذَيْنك الْمَوْضِعَيْنِ إِنَّمَا المُرَاد بِهِ رُجُوع بعض مَا مضى من الرُّسُل وعودهم إِلَى الأَرْض وَإِلَى النَّاس وَهَذَا قَول بَاطِل صدر عَن معاند جَاهِل إِذْ لم يثبت شَيْء من ذَلِك على لِسَان نَبِي فَاضل إِلَّا مَا صَحَّ على لِسَان نَبينَا من رُجُوع عِيسَى ابْن مَرْيَم صلوَات الله
стр. 219
عَلَيْهِم وَسَلَامه إِذْ أخرج الدَّجَّال وَقَتله لَهُ وَفِي إنجيلكم إِشَارَة إِلَى هَذَا وَهَذَا عندنَا مبْنى على أَن الله تَعَالَى رفع الْمَسِيح إِلَيْهِ وَلم يقتل وَلَا مَاتَ ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ على مَا يَأْتِي عِنْد ذكر الصلوبية وَإِنَّمَا يَمُوت إِذا قتل الدَّجَّال عِنْد بَاب لد وَبعد أَن يهْلك الله يَأْجُوج وَمَأْجُوج على يَدَيْهِ
وَفِي الْإِنْجِيل أَيْضا
أَنه ضرب مثلا للدنيا فَقَالَ مثل الدُّنْيَا كَمثل رجل اغترس كرما وسبخ حوله وَجعل فِيهِ معصرة وشيد فِيهِ قصرا ووكل بِهِ أعوانا وتغرب عَنهُ فَلَمَّا دنا أَوَان قطافه بعث عبيده إِلَى أعوانه بالموكلين بِالْكَرمِ
فَضرب الْمَسِيح ﵇ مثلا للأنبياء ثمَّ لنَفسِهِ ثمَّ قَالَ سيزاح عَنْكُم ملك الله وتعطاه الْأمة المطيعة
فَتَأَمّله ثمَّ ذكر فِي الْمثل صَخْرَة وَقَالَ من سقط على هَذِه الصَّخْرَة سينكسر وَمن سَقَطت عَلَيْهِ يتهشم يُرِيد بذلك مُحَمَّدًا ﷺ من ناوأه وحاربه أظهره الله عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ قد أزاح الله ملككم وأزاله عَنْكُم وَأَعْطَاهُ أمة مُحَمَّد حَيْثُ افتتحوا عَلَيْكُم بِلَاد الشَّام وبلاد الغرب وردوكم فِي أَكثر الأَرْض أهل ذلة وصغار وَأخذُوا مِنْكُم الْجِزْيَة بعد الْقَتْل الذريع والإسترقاق الشَّديد بعد أَن كَانَ ملككم راسخا وجبله شامخا فَهد الله بِنَبِيِّهِ قَوَاعِده ولينفذ بِهِ الله مواعده وَأعظم شَاهد على أَن الله أزاح ملككم عَنْكُم كَمَا قَالَ الْمَسِيح إِن الله تَعَالَى أَعْطَانَا بَيت الْمُقَدّس وأظهرنا عَلَيْهِ وَإِن كرهتم وَالْحج إِلَيْهِ عنْدكُمْ من أعظم شرائعكم وَشَرَائِع الْيَهُود ثمَّ الْوَاحِد مِنْكُم لَا يصل إِلَيْهِ حَتَّى يلْحقهُ من الذلة وَالصغَار مَا لَا يخفى عَلَيْكُم ﴿وَالله متم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ﴾
стр. 220
وَفِي صحف أشعياء النَّبِي
الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ قَالَ ستمتلئ الْبَادِيَة والقصور الَّتِي سكنها قيدار يسبحون وَمن رُؤُوس الْجبَال ينادون هم الَّذين يجْعَلُونَ لله الْكَرَامَة ويبثون تسبيحه فِي الْبر وَالْبَحْر
وَفِي صحف حزقيال النَّبِي
عَن الله يَقُول إِنِّي مؤيد قيدار بِالْمَلَائِكَةِ
وقيدار ولد إِسْمَاعِيل بِلَا شكّ فَانْظُر أَي بادية هَذِه الْبَادِيَة الَّتِي انْتَقَلت من قُصُور إِلَى قيدار وَالَّذين ينادون بِالْأَذَانِ والتلبية من رُؤُوس الْجبَال ويجعلون لله الْكَرَامَة بِالصَّلَاةِ وَالْحج وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَغير ذَلِك وَقد ثَبت أَن الْمَلَائِكَة قَاتَلت مَعَ النَّبِي ﷺ فِي مَوَاطِن على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَقَالَ أشعياء
عَن الله عَبدِي الَّذِي سرت بِهِ نَفسِي أنزل عَلَيْهِ وحيي فَيظْهر فِي الْأُمَم عدلي يُوصي الْأُمَم بالوصايا لَا يضْحك وَلَا يسمع صَوته فِي الْأَسْوَاق يفتح الْعُيُون العور وَيسمع الآذان الصم وَيحيى الْقُلُوب الغلف وَمَا أعْطِيه لَا أعْطِيه غَيره
أَحْمد يحمد الله حمدا كثيرا يَأْتِي من أقْصَى الأَرْض تفرح الْبَريَّة وسكانها يهللون الله على كل شرف ويكبرونه على كل رابية لَا يضعف وَلَا يغلب وَلَا يمِيل إِلَى الْهوى وَلَا يسمع فِي الْأَسْوَاق صَوته وَلَا يذل الصَّالِحين الَّذين هم كالعصفة الضعيفة بل يقوى الصديقين وَهُوَ ركن للمتواضعين وَهُوَ نور الله الَّذِي لَا يُطْفِئ وَلَا يُخَاصم حَتَّى تثبت فِي الأَرْض حجتي وَيَنْقَطِع الْعذر بِهِ وَإِلَى توراته ينقاد الْحق
فَاعْتبر هَذَا التَّصْرِيح باسم مُحَمَّد وَصِفَاته وَإِن هَذِه العلامات الْمَذْكُورَات على لِسَان هَذَا النَّبِي لَا يَصح بِحَال أَن تُوجد لغيره وَلم يكن إِلَّا لَهُ
فَإِن قلت هُوَ الْمَسِيح قيل لَك تفهم لفظ الْكَلَام ومساقه وَحِينَئِذٍ تحكم بِأَنَّهُ مُحَمَّد قطعا وَذَلِكَ أَنه قَالَ فِيهِ يوصى الْأُمَم
стр. 221
وَهَذَا التَّصْرِيح ببعثه للنَّاس كَافَّة وَعِيسَى إِنَّمَا بعث للأجناس من بني إِسْرَائِيل خَاصَّة بِدَلِيل قَوْله فِي الْإِنْجِيل إِنِّي لم أبْعث إِلَى الْأَجْنَاس وَإِنَّمَا بعثت إِلَى الْغنم الرابضة من نسل إِسْرَائِيل
وَكَذَلِكَ قَالَ للحواريين لَا تسلكوا فِي سَبِيل الْأَجْنَاس وَلَكِن اختصروا بِالضَّرُورَةِ إِلَى الْغنم الرابضة من بني إِسْرَائِيل
ثمَّ قَالَ أَحْمد يحمد الله وَهَذَا تَصْرِيح بإسمه فَإِن أَسْمَائِهِ كَثِيرَة مِنْهَا مُحَمَّد وَأحمد ثمَّ قَالَ يثللون الله على كل شرف ويكبرونه على كل رابية وَهَذَا إِخْبَار بآذانهم وتلبيتهم وَلَيْسَ هَذَا لأحد غَيره ثمَّ قَالَ لَا يضعف وَلَا يغلب وَأَنْتُم تَزْعُمُونَ أَن الْمَسِيح غلب على نَفسه وَحمل على خَشَبَة وسمرت يَدَاهُ فِيهَا وَقتل عَلَيْهَا بعد صفع وإهانة عَظِيمَة وَلَا دَرَجَة فِي الْغَلَبَة والضعف والذلة تزيد على هَذَا
وَأما نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فقد فتح الله عَلَيْهِ فتحا مُبينًا وَنَصره نصرا وأظهره على كل عَدو معاند حَتَّى أَعلَى الله دينه وَأفْشى توحيده وَعَصَمَهُ من كل الشرور ووقاه كل مخوف وكل مَحْذُور وَمن أدل مَا فِي كَلَامه أَن نَبينَا مُحَمَّد هُوَ المُرَاد والمبشر بِهِ قَوْله لَا يُخَاصم حَتَّى تثبت فِي الأَرْض حجتي فَإِن هَذَا تَصْرِيح بِالْقُرْآنِ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِذْ قد عجز عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ أَو بِسُورَة مثله جَمِيع الْبشر وَإِن كَانَ فيهم اللد الفصحاء وَالْمهرَة الْحُكَمَاء فثبتت فِي الأَرْض حجَّة الله وَعلم أَنه من عِنْد الله وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا الْمَعْنى إِن شَاءَ الله
وَفِي صحف حبقوق النَّبِي الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ
قَالَ جَاءَ الله من التَّيَمُّن والقدوس من جبل فاران وامتلأت الأَرْض من تحميد أَحْمد وتقديسه وملأ الأَرْض بهيبته
وَقَالَ أَيْضا تضئ لنوره الأَرْض وستنزع فِي قسيك إغراقا وترتوي السِّهَام بِأَمْرك يَا مُحَمَّد إرتواء
стр. 222
فيا معشر الْعُقَلَاء انْظُرُوا عناد هَؤُلَاءِ الجاحدين وإنكار هَؤُلَاءِ المباهتي وتواقح هَؤُلَاءِ الْجَاهِلين كَيفَ خالفوا هَذِه النُّصُوص القاطعة والبشارات الصادعة محكمين فِي ذَلِك أهوائهم وهم ﴿يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾
وَفِي صحف أشعياء النَّبِي قَالَ
قيل لي قُم نَاظرا فَانْظُر فَمَا ترى تخبر بِهِ قلت أرى راكبين مُقْبِلين أَحدهمَا على حمَار وَالْآخر على جمل يَقُول أَحدهمَا لصَاحبه سَقَطت بابل وأصنامها النخرة
فَصَاحب الْجمل هُوَ مُحَمَّد ﷺ وَصَاحب الْحمار بإتفاق منا ومنكم هُوَ الْمَسِيح وَلَيْسَ مُحَمَّد بركوب الْجمل أشهر من عِيسَى بركوب الْحمار وَإِنَّمَا سَقَطت عبَادَة الْأَصْنَام بِبَابِل من دون الله وهدت أوثانها بِالنَّبِيِّ مُحَمَّد ﷺ وَأمته لَا بِعِيسَى وَلَا بِغَيْرِهِ فَمَا زَالَت مُلُوك بابل يعْبدُونَ الْأَوْثَان من كَون إِبْرَاهِيم إِلَى زمَان النَّبِي ﷺ وَأمته
وَفِي صحفه أَيْضا
لتفرح أَرض الْبَادِيَة العطشى ولتبتهج البراري والفلوات لِأَنَّهَا ستعطى بِأَحْمَد محَاسِن لبنان كَمثل حسن الدساكير والرياض
هَذَا ينص على اسْمه وَوَصفه وبلده بِحَيْثُ لَا يُنكره إِلَّا وقاح مجاهر بِالْبَاطِلِ الصراح
وَفِي صحف أشعياء النَّبِي
أَتَت أَيَّام الإفتقاد أَتَت أَيَّام
стр. 223
الْكَمَال ثمَّ قَالَ لِتَعْلَمُوا يَا بني إِسْرَائِيل الْجَاهِلين أَن الَّذِي تسمونه ضَالًّا هُوَ صَاحب النُّبُوَّة تفترون ذَلِك على كَثْرَة ذنوبكم وَعظم فجوركم
وَفِي الصُّحُف المنسوبة للإثنى عشر نَبيا
أَن الله سيتجلى من الْقبْلَة وَتظهر كلمة الْقُدس من جبال فاران ظهورا أبديا ويحمد الله على ذَلِك فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَكلمَة أَحْمد تملأ الأَرْض
وَفِي صحف حزقيال النَّبِي
الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ يَقُول عَن الله بعد مَا ذكر معاصي بني إِسْرَائِيل وشبههم بكرمة غذاها وَقَالَ لم تلبث تِلْكَ الكرمة أَن قلعت بالسخطة وَرمى بهَا على الأَرْض وأحرقت السمائم حرهَا فَعِنْدَ ذَلِك غرس غرس فِي البدو وَفِي الأَرْض الْمُهْملَة العطشى وَخرجت من أَغْصَانهَا الفاضلة نَار أكلت تِلْكَ حَتَّى لم يُوجد فِيهَا عصن قوي وَلَا قضيب
اعْتبر أَيهَا الْعَاقِل هَذَا الْمثل على جِهَة الْإِنْصَاف يجانبك الْخَطَأ والزلل فَإِن الكرمة مثل لدين الْمَسِيح ورسالته وَذَلِكَ أَن مقَامه كَانَ فِي قومه زَمَانا يَسِيرا وَرَفعه الله عَن أَتبَاع يسيرين أحد عشر على مَا زَعَمُوا ثمَّ أتباعهم على شرعهم الْمُسْتَقيم يَسِيرُونَ
ثمَّ بعد ذَلِك بِنَحْوِ الْأَرْبَعين سنة إعتراهم التبديل الْكثير والتغيير الْعَظِيم حَتَّى أحرقت ديار الْكفْر تِلْكَ الكرمة فَلَمَّا لم يبْق مِنْهُم إِلَّا بقايا قَلِيل عَددهمْ وخفى موضعهم بعث الله نبيه فِي أَرض البدو الَّتِي هِيَ أَرض إِسْمَاعِيل ومنشأه وَوَصفه لَهَا بالعطشى تَصْرِيح بوصفها فَإِنَّهُ صحراء وَكَونهَا مُهْملَة إِنَّمَا هُوَ من النُّبُوَّة فَإِنَّهُ لم يكن بهَا نَبِي من عهد إِسْمَاعِيل إِلَى عهد مُحَمَّد ﷺ ثمَّ أَنه شبه مَا نصر بِهِ النَّبِي عَلَيْهِ وَالسَّلَام من الْحَرْب والرعب بالنَّار الَّتِي تَأتي على كل شَيْء فَكَذَلِك دين نَبينَا مُحَمَّد ﷺ أظهره الله بِالْحجَّةِ وَالسيف على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ
стр. 224
وَقد قدمت أَن فِي صحف دانيال النَّبِي وَقد نعت الْكَذَّابين وَقَالَ لَا تمتد دعوتهم وَلَا يتم قُرْبَانهمْ وَأقسم الرب بساعده أَلا يظْهر الْبَاطِل وَلَا يقوم لمدع كَاذِب دَعْوَة أَكثر من ثَلَاثِينَ سنة
وَهَذَا دين الْإِسْلَام الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﵇ لَهُ سِتّ مائَة سنة ونيف من الأعوام وَهُوَ بَاقٍ إِلَى آخر الْأَيَّام والحمدلله على مَا أولى من الْفضل والأنعام
وَقَالَ دانيال النَّبِي
وَقد سَأَلَهُ الْملك نبوخذناصر عَن رُؤْيا رَآهَا وَطلب أَن يخبر بهَا ثمَّ بتفسيرها فَقَالَ أَيهَا الْملك رَأَيْت صنما بارع الْجمال أَعْلَاهُ من ذهب ووسطه من فضَّة وأسفله من نُحَاس وساقاه من حَدِيد وَرجلَاهُ من فخار فَبَيْنَمَا أَنْت تنظر إِلَيْهِ وَقد أعْجبك إِذْ دقه الله بِحجر من السَّمَاء فَضرب رَأس الصَّنَم فطحنه حَتَّى اخْتَلَط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخاره
ثمَّ إِن الْحجر رَبًّا وَعظم حَتَّى مَلأ الأَرْض كلهَا قَالَ لَهُ نبوخذناصر صدقت فَأَخْبرنِي بتأويلها
قَالَ دانيال أما الصَّنَم فأمم مُخْتَلفَة فِي أول الزَّمَان وَفِي وَسطه وَفِي آخِره فالرأس من الذَّهَب أَنْت وَالْفِضَّة إبنك من بعْدك والنحاس الرّوم وَالْحَدِيد الْفرس والفخار أمتان ضعيفتان تملكهما إمرأتان بِالْيمن وَالشَّام وَالْحجر هُوَ دين نَبِي وَملك أبدي فِي آخر الزَّمَان يغلب الْأُمَم كلهَا ثمَّ يعظم حَتَّى يمْلَأ الأَرْض كلهَا كَمَا ملأها ذَلِك الْحجر
قلت وَلَا يَصح لَك يَا أَيهَا المخدوع أَن تَدعِي أَنه الْمَسِيح فَإِنَّهُ لم يغلب الْأُمَم كلهَا بل غلب بزعمكم فَإِنَّهُ استضعف فأهين وصلب وَلم يبْعَث إِلَى الْأُمَم كلهَا عَامَّة بل إِلَى قوم بأعيانهم خَاصَّة وَإِنَّا مُحَمَّد الَّذِي غلب كل الْأُمَم الْعَرَب مِنْهَا والعجم على اخْتِلَاف أصنافها وشتى ضروبها وأوصافها فَجعل الْكل جِنْسا وَاحِدًا
стр. 225
وألزمهم دينا وَاحِدًا وصيرهم أمة وَاحِدَة وجعلهم على اخْتِلَاف لغاتهم يَتَكَلَّمُونَ بلغَة وَاحِدَة أعنى إِذا قرأوا الْقُرْآن إِذْ لَا يُمكن أَن ينْتَقل عَن لِسَان الْعَرَب إِلَى لِسَان غَيرهم فَإِن ترْجم بِلِسَان آخر فَلَيْسَ ذَلِك هُوَ الْقُرْآن وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِير الْقُرْآن
يَا أَيهَا الْجَاهِل الناكث عَن الْحق الْعَادِل قد كنت ذكرت فِي كلامك أَن الْمُسلم إِن أَقَامَ شَاهدا من كتب الْأَنْبِيَاء أَن فِيهَا مُحَمَّدًا منتظرا فدينه حق وَدين النَّصَارَى بَاطِل وَقد أَقَمْنَا والحمدلله الشواهد من كتب الْأَنْبِيَاء الْأَوَائِل على الَّذِي طلبت على نَحْو مَا رسمت بل هَذِه الشواهد فِي دلالتها على نبوة مُحَمَّد أوضح وأقص مِمَّا استدللت أَنْت بهَا على نبوة الْمَسِيح
وَقد وكلت الْعَاقِل الْمنصف للنَّظَر فِي أَي الدلالات أبين وأوضح أدلاتنا أم دلالتكم وَعند الْوُصُول إِلَى هَذَا الْقدر وَالْوُقُوف على تِلْكَ الشواهد الغر تتبين أَن دين النَّصَارَى وَالْيَهُود بَاطِل وَأَنَّهُمْ إِمَّا معاندو وَإِمَّا جَاهِل
وَلَقَد جَاءَ فِي كتاب أشعياء النَّبِي من نعوته وأوصافه وَذكر مَكَّة بَلَده وَحج النَّاس إِلَيْهَا مَا لَا يبْقى مَعَه ريب وَلَا أشكال
فَمن ذَلِك قَالَ حاكيا عَن الله تَعَالَى سأبعث قوما فَيَأْتُونَ من الْمشرق أَفْوَاجًا كالصعيد كَثْرَة وَمثل الطيان الَّذِي يدوس برجليه
وَمن ذَلِك أَنه قَالَ أَبْشِرِي واهتزي يَا أيتها العاقر الَّتِي لم تَلد وانطقي بالتسبيح وافرحي أَن لم تحبلي فَإِن أهلك سيكونون أَكثر من أَهلِي
هَذِه من الله مُخَاطبَة لمَكَّة على مَا يَقْتَضِيهِ مساق كَلَامه ثمَّ شبهها بالعاقر من النِّسَاء الَّتِي لم تَلد من حَيْثُ أَن مَكَّة لم يبْعَث مِنْهَا نَبِي من بعد إِسْمَاعِيل إِلَّا مُحَمَّدًا صلى الله عيله وَسلم وَلَا يجوز أَن
стр. 226
يكون العاقر بَيت الْمُقَدّس لِأَنَّهَا كَانَت مقرّ الْأَنْبِيَاء وَقَوله فَإِن أهلك سيكونون أَكثر من أَهلِي يَعْنِي بأَهْله بَيت الْمُقَدّس
وَفِي نفس النَّص
أَنه قَالَ حاكيا عَن الله قد أَقْسَمت بنفسي كقسمي أَيَّام الطوفان أَن أغرق الأَرْض بالطوفان كَذَلِك أَقْسَمت أَلا أَسخط عَلَيْك وَلَا أرفضك فَإِن الْجبَال تَزُول والقلاع تنحط ورحمتي عَلَيْك لَا تَزُول
ثمَّ قَالَ
فِي النَّص نَفسه يَا مسكينة يَا مضطهدة هَا أنذا بَان بالجص حجارتك ومزينك بالجواهر ومكلل بِاللُّؤْلُؤِ سقفك وبالزبرجد أبوابك وتبعدين من الظُّلم فَلَا تخافي وَمن الضعْف فَلَا تضعفي وكل سلَاح يعمله صانع لَا يعْمل فِيك وكل لِسَان ذلق يقوم مَعَك بِالْخُصُومَةِ تفلجين ويسميك الله إسما جَدِيدا
وَكَذَلِكَ كَانَ إسمها الْكَعْبَة فسماها الله الْمَسْجِد الْحَرَام وَكَذَلِكَ قَوْله بِالْخُصُومَةِ تفلجين إِنَّمَا هُوَ إِشَارَة إِلَى كتاب الله الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد رَسُول الله الَّذِي أفحم كل خصم وأسكت
وَفِي صحف أشعياء
أَيْضا فقومي واشرفي فَإِنَّهُ قد ورى زندك ووقار الله عَلَيْك انظري بنيك حولك فَإِنَّهُم مجتمعون يَأْتِيك بنوك وبناتك على الْأَيْدِي فَحِينَئِذٍ تنظرين وتزهرين ويخفق قَلْبك ويتسع وكل غنم قيدار تَجْتَمِع إِلَيْك وسادت نبايوت يخدمونك وتفتح أبوابك اللَّيْل وَالنَّهَار فَلَا تغلق ويتخذونك قبْلَة وتدعين بعد ذَلِك مَدِينَة الرب
فهاهو ﵇ قد وصف مَكَّة بأوصافها الَّتِي لَا تصح أَن تُوجد فِي غَيرهَا
وَمن أبين ذَلِك وأدله قَوْله وكل غنم قيدار تَجْتَمِع إِلَيْك وسادات بنايوت يخدمونك وقيدار ونبايوت ولدا إِسْمَاعِيل وأغنامهم هِيَ الَّتِي تساق إِلَى مَكَّة هَديا وهم أهل مَكَّة وخدام الْبَيْت وَلَيْسَ بعد هَذَا بَيَان وَكَذَلِكَ قَوْله ويتخذونك قبْلَة وَهَذَا بِشَارَة بِالنَّبِيِّ ﵊ فَإِنَّهَا لم تتَّخذ قبْلَة إِلَّا على عَهده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 227
وَقَول أشعياء
هَذَا فِي بعض التراجم هَكَذَا ارفعي إِلَى مَا حولك بَصرك فستبتهجين وتفرحين من أجل أَنه تميل إِلَيْك ثروة الْبَحْر وَيَأْتِي إِلَيْك غنى الْأُمَم حَتَّى تعمرك قطار الْإِبِل المؤبلة تضيق أَرْضك عَن القطارات الَّتِي تجمع إِلَيْك وتساق إِلَيْك كباش مَدين ويسير إِلَيْك أهل سبأ وتسير إِلَيْك أَعْلَام قيدار ويخدمك رجال نبايوت
فَاعْتبر هَذِه الْأَوْصَاف الْبَيِّنَة والأعلام الْمُتَّصِلَة الظَّاهِرَة الَّتِي لَا تُوجد فِي بلد إِلَّا فِي مَكَّة وَلَا يَصح شَيْء مِنْهَا أَن يُوجد فِي بَيت الْمُقَدّس وَلَا فِي غَيرهَا
وَقَالَ أَيْضا عَن الله
أعْطى الْبَادِيَة كرامات لبنان وبهاء جبل الكرمل فالبادية مَكَّة ولبنان الشَّام وَبَيت الْمُقَدّس
وَقَالَ على أثر ذَلِك
وتشق فِي الْبَادِيَة مياه وسواق فِي أَرض الفلاة وَتَكون الفيافي والأماكن العطاش ينابيع وَتصير هُنَاكَ محجة وَطَرِيق الْحرم لَا تمر بِهِ أنجاس الْأُمَم وَالْجَاهِل لَا يضل هُنَاكَ وَلَا يكون بِهِ سِبَاع وَلَا أَسد وَيكون هُنَاكَ ممر المخلصين
وَقَالَ أشعياء أَيْضا عَن الله
هَا أنذا مؤسس بصهيون وَهُوَ بَيت الله حجرا مقره فِي زَاوِيَة مَكَّة فَمن كَانَ مُؤمنا فَلَا يتعجل
وَهَذَا أَخْبَار مِنْهُ عَن الْحجر الْمُقَدّس الْأسود الَّذِي فِي الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَهُوَ الْحجر الَّذِي أنزلهُ الله من الْجنَّة وَكَانَ أَبيض فاسود لأجل خَطَايَا بني آدم وصهيون الْجَبَل بلسانهم فَهَذِهِ دَلَائِل وَاضِحَة وشواهد راجحة لَا يعدل عَنْهَا إِلَّا من حرم التَّوْفِيق فاستدبر الطَّرِيق وَلَا يتدبرها ويتفهم مَعَانِيهَا إِلَّا من رافقه التَّوْفِيق وساعده الْفَهم وَالتَّحْقِيق
فَهَذَا مَا رَأينَا أَن نثبته هُنَا من شَوَاهِد نبوته ﷺ من الْكتب الْمُتَقَدّمَة وفيهَا من الشواهد مَا هُوَ أَكثر من هَذَا وَمن وقف بفهم على مَا فِي تِلْكَ الْكتب قضى من عناد الْمُخَالفين الْعجب
стр. 228
النَّوْع الثَّانِي
الإستدلال على نبوته بقرائن أَحْوَاله ﷺ
فَأول ذَلِك مَا ظهر على أَبِيه عبد الله بن عبد الْمطلب
وَذَلِكَ أَنه لما أَرَادَ الله خلقه وَقرب وقته وحان خُرُوج نطفته من صلب أَبِيه حمل بَين عَيْني أَبِيه نور فَكَانَ يرَاهُ الرَّائِي كغرة الْفرس وَقد ثَبت فِي كتب نبوته على أَلْسِنَة النقلَة الثِّقَات الْعُدُول الْأَثْبَات الَّذين يدينون بِتَحْرِيم الْكَذِب ويعتقدون وجوب الصدْق وَلَا تأخذهم فِي الله لومة لائم أَن عبد الله بن عبد المطلب وَالِد رَسُول الله ﷺ كَانَت لَهُ امْرَأَتَانِ احداهما آمِنَة أم رَسُول الله ﷺ وَامْرَأَة أُخْرَى فَحمل يَوْمًا فِي طين لبِنَاء بَيته فتعلقت بِهِ آثَار من الطين فَمر بِتِلْكَ الْمَرْأَة فَدَعَاهَا لنَفسِهِ فَأَبت لما كَانَ عَلَيْهِ من الطين فَخرج من عِنْدهَا فاغتسل وَغسل مَا بِهِ من أثر الطين فدعته تِلْكَ الْمَرْأَة إِلَى نَفسهَا فَأبى عَلَيْهَا ثمَّ خرج عَامِدًا إِلَى آمِنَة فَدخل عَلَيْهَا فأصابها فَحملت بِمُحَمد رَسُول الله ﷺ ثمَّ مر بامرأته تِلْكَ فَقَالَ لَهَا هَل لَك قَالَت لَا إِنَّك مَرَرْت بِي وَبَين عَيْنَيْك غرَّة مثل غرَّة الْفرس فدعوتك رَجَاء أَن يكون لي فأبيت وَدخلت على آمِنَة فَذَهَبت بهَا
ثمَّ لما حملت بِهِ آمِنَة أمه أتيت فَقيل لَهَا إِنَّك قد حملت بِسَيِّد هَذِه الْأمة فَإِذا وَقع على الأَرْض فَقولِي أُعِيذهُ بِالْوَاحِدِ من شَرّ كل حَاسِد ثمَّ سميه مُحَمَّدًا
وَرَأَتْ حِين حملت بِهِ أَنه خرج مِنْهَا نور رَأَتْ بِهِ قُصُور بصرى من أَرض الشَّام
وَلَقَد قَالَت أم عُثْمَان الثقفية حضرت ولادَة رَسُول الله ﷺ فَرَأَيْت الْبَيْت حِين وضع قد امْتَلَأَ نورا وَرَأَيْت
стр. 229
النُّجُوم تَدْنُو حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهَا ستقع على وَولد ﷺ مختونا
وَكَانَت أمه تحدث أَنَّهَا لم تَجِد حِين حملت بِهِ مَا تَجِد الْحَوَامِل من ثقل وألم وَلَا غير ذَلِك وَلما وَضعته أمه وَقع على الأَرْض مَقْبُوضَة أَصَابِع يَدَيْهِ مُشِيرا بالسبابة كالمسبح بهَا
وَذكر ابْن دُرَيْد أَنه أَلْقَت عَلَيْهِ جَفْنَة لِئَلَّا يرَاهُ أحد قبل جده فجَاء جده والجفنة قد انفلقت عَنهُ
ثمَّ لم يلبث عبد الله بن عبد الملطلب أَبوهُ أَن توفى وَأم رَسُول الله ﷺ حَامِل بِهِ فَكَفَلَهُ جده عبد المطلب وَقيل لجده لم سميت إبنك مُحَمَّدًا وَلَيْسَ هَذَا الإسم لأحد من آبَائِك وقومك فَقَالَ إِنِّي لأرجو أَن تحمده أهل الأَرْض كلهم
وَذَلِكَ أَنه كَانَ يرى فِي مَنَامه كَأَن سلسلة من فضَّة خرجت من ظَهره لَهَا طرف فِي السَّمَاء وطرف فِي الأَرْض وطرف فِي الْمشرق وطرف فِي الْمغرب ثمَّ عَادَتْ كَأَنَّهَا شَجَرَة على كل ورقة مِنْهَا نور وَإِذا أهل الْمشرق وَالْمغْرب كَأَنَّهُمْ يعتلقون بهَا فَقَصَّهَا فعبرت لَهُ بمولود يكون من صلبه يتبعهُ أهل الْمشرق وَالْمغْرب وَيَحْمَدهُ أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض فَلذَلِك سَمَّاهُ مُحَمَّدًا
قَالَ حسان بن ثَابت ﵁ وَالله إِنِّي لغلام يفعة ابْن سبع سِنِين أَو ثَمَان سِنِين أَعقل كل مَا سمعته إِذْ سَمِعت يَهُودِيّا على أَطَم يثرب يصْرخ بِأَعْلَى صَوته يَقُول يَا معشر يهود فَلَمَّا اجْتَمعُوا لَهُ قَالُوا لَهُ وَيلك مَالك قَالَ طلع اللَّيْلَة نجم أَحْمد
ثمَّ التمس لَهُ المراضع فاسترضع لَهُ امراة من بني سعد بن بكر إسمها حليمة بنت أبي ذُؤَيْب قَالَت حليمة خرجت من بلدي مَعَ زَوجي وَابْن لي فِي نسْوَة من بني سعد نلتمس الرضعاء قَالَت وَفِي سنة شهباء لم تبْق لنا شَيْئا قَالَت فَخرجت على أتان لي قَمْرَاء مَعنا شَارف لنا وَالله مَا تفيض بقطرة وَمَا ننام ليلنا مَعَ صبينا من بكائه من الْجُوع وَمَا فِي ثديي مَا يُغْنِيه وَمَا فِي شارفنا مَا يغديه وَلَكنَّا نرجو الْغَيْث والفرج فَلَقَد حيست الركب حَتَّى
стр. 230
شقّ ذَلِك عَلَيْهِم ضعفا وعجفا حَتَّى قدمنَا مَكَّة نلتمس الرضعاء فَمَا منا امْرَأَة إِلَّا وَقد عرض عَلَيْهَا مُحَمَّد بن عبد الله فتأباه إِذا قيل لَهَا أَنه يَتِيم
وَذَلِكَ أَنا كُنَّا نرجو الْمَعْرُوف من أبي الصَّبِي فَكُنَّا نقُول يَتِيم فَمَا عَسى أَن تصنع أمه وجده فَكُنَّا نكرهه لذَلِك فَمَا بقيت امْرَأَة قدمت معي إِلَى أخذت رضيعا غَيْرِي فَلَمَّا أجمعنا الإنطلاق قلت لصاحبي إِنِّي وَالله أكره أَن أرجع من بَين صواحبي وَلم آخذ رضيعا وَالله لأذهبن إِلَى ذَلِك الْيَتِيم فلأخذنه فَقَالَ افعلي عَسى الله أَن يَجْعَل فِيهِ بركَة قَالَت فَذَهَبت إِلَيْهِ فَأَخَذته وَمَا حَملَنِي على أَخذه إِلَّا أَنِّي لم أجد غَيره
قَالَت فَلَمَّا أَخَذته رجعت بِهِ إِلَى رجْلي فَلَمَّا وَضعته فِي حجري أقبل على ثدياي بِمَا شَاءَ من لبن فَشرب حَتَّى روى وَشرب مَعَه أَخُوهُ حَتَّى روى ثمَّ نَامَا وَمَا كُنَّا ننام مَعَه قبل ذَلِك
وَقَامَ زَوجي إِلَى شارفنا تِلْكَ فَإِذا أَنَّهَا لحافل فَحلبَ مِنْهَا ماشرب وشربت حَتَّى انتهينا ريا وشبعا فبتنا بِخَير لَيْلَة قَالَت يَقُول صَاحِبي حِين أَصْبَحْنَا تعلمي وَالله يَا حليمة لقد أخذت نسمَة مباركة قلت وَالله إِنِّي لأرجو ذَلِك قَالَت ثمَّ خرجنَا فركبت أَتَانِي وَحَمَلته عَلَيْهَا معي فوَاللَّه لَقطعت بالركب مَا يقدر على شَيْء من حمرهم حَتَّى أَن صواحبي ليقلن لي يَا إبنة أبي ذؤيت وَيحك أربعي علينا أليست هَذِه أتانك الَّتِي كنت خرجت عَلَيْهَا فَأَقُول لَهُنَّ بلَى وَالله فيقلن لي وَالله أَن لَهَا لشأنا
قَالَ ثمَّ قدمنَا مَنَازلنَا من بِلَاد بني سعد وَمَا أعلم أَرضًا من أَرض الله أجدب مِنْهَا فَكَانَت غنمي تروح على حِين قدمنَا بِهِ مَعنا شباعا لَبَنًا فنحلب وَنَشْرَب وَمَا يجلب إِنْسَان قَطْرَة وَلَا يجدهَا فِي ضرع حَتَّى كَانَ الْحَاضِر من قَومنَا يَقُولُونَ لرعاتهم وَيحكم أسرحوا حَيْثُ يسرح راعي بنت أبي ذُؤَيْب فتروح أغنامهم جياعا مَا تبض بقطرة لبن وَتَروح غنمي شباعا لَبَنًا فَلم نزل نتعرف من الله الزِّيَادَة وَالْخَيْر حَتَّى مَضَت سنتاه وفصلته وَكَانَ يشب شبَابًا لَا يشبه الغلمان فَلم يبلغ سنتيه حَتَّى كَانَ غُلَاما جفرا
стр. 231
قَالَت فقدمنا بِهِ على أمه وَنحن أحرص شَيْء على مكثه فِينَا لما كُنَّا نرى من بركته فكلمنا أمه وَقلت لَهَا لَو تركت بني عِنْدِي حَتَّى يغلظ فَإِنِّي أخْشَى عَلَيْهِ وباء مَكَّة قَالَت فَلم نزل بهَا حَتَّى ردته لنا قَالَت فرجعنا بِهِ فوَاللَّه أَنه بعد مقدمنا بِشَهْر مَعَ أَخِيه لفى بهم لنا خلف بُيُوتنَا إِذْ أَتَانَا أَخُوهُ يشْتَد فَقَالَ لي ولأبيه ذَاك أخي الْقرشِي قد أَخذه رجلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَاب بيض فأضجعاه فشقا بَطْنه فهما يسوطانه يعْنى يخلطانه قَالَت فَخرجت أَنا وَأَبوهُ نَحوه فوجدناه قَائِما منتقحا وَجهه قَالَت فألتزمته وألتزمه أَبوهُ فَقُلْنَا لَهُ مَالك يَا بني قَالَ جَاءَنِي رجلَانِ عَلَيْهَا ثِيَاب بيض فأضجعاني وشقا بَطْني فَالْتَمَسَا شَيْئا لَا أَدْرِي مَا هُوَ قَالَت فرجعنا بِهِ إِلَى خبائنا
قَالَت وَقَالَ لي أَبوهُ يَا حليمة لقد خشيت أَن يكون هَذَا الْغُلَام قد أُصِيب فألحقيه بأَهْله قبل أَن يظْهر ذَلِك بِهِ قَالَت
فاحتملناه فقدمنا بِهِ على أمه فَقَالَت مَا أقدمك بِهِ يَا ظئر وَقد كنت حريصة عَلَيْهِ وعَلى مكثه عنْدك قَالَت فَقلت قد بلغ الله بِابْني وقضيت الَّذِي عَليّ وتخوفت الْأَحْدَاث عَلَيْهِ فاديته إِلَيْك كَمَا تحبين قَالَت مَا هَذَا شَأْنك فاصدقيني خبرك قَالَت فَلم تدعني حَتَّى أخْبرتهَا قَالَت أفتخوفت عَلَيْهِ الشَّيْطَان قَالَت قلت نعم قَالَت كلا وَالله مَا للشَّيْطَان عَلَيْهِ من سَبِيل وَإِن لبني لشأنا أَفلا أخْبرك خَبره قَالَت قلت بلَى قَالَت رَأَيْت حِين حملت بِهِ أَنه خرج مني نور أَضَاء لي قُصُور بصرى من أَرض الشَّام ثمَّ حملت بِهِ فوَاللَّه مَا رَأَيْت من حمل قطّ كَانَ أخف وَلَا أيسر مِنْهُ وَوَقع حِين وَلدته وَأَنه لواضع يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ رَافع رَأسه إِلَى السَّمَاء دعيه عَنْك وانصرفي راشدة
فَكَانَ رَسُول الله ﷺ مَعَ أمه آمِنَة بنت وهب وجده عبد المطلب بن هَاشم فِي كلأة الله تَعَالَى وَحفظه ينبته الله نباتا حسنا لما يُرِيد بِهِ من كرامته فَلَمَّا بلغ رَسُول الله ﷺ سِتّ سِنِين توفيت أمه آمِنَة فَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 232
مَعَ جده عبد المطلب وَكَانَ يوضع لعبد الْمطلب فرَاش فِي ظلّ الْكَعْبَة فَكَانَ بنوه يَجْلِسُونَ حول فرَاشه ذَلِك حَتَّى يخرج إِلَيْهِ لَا يجلس عَلَيْهِ أحد من بنيه إجلالا لَهُ قَالَ فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْتِي وَهُوَ غُلَام جفر حَتَّى يجلس عَلَيْهِ فَيَأْخذهُ أَعْمَامه ليؤخروه عَنهُ فَيَقُول عبد المطلب إِذا رأى ذَلِك مِنْهُم دعوا ابْني فوَاللَّه أَن لَهُ لشأنا ثمَّ يجلسه مَعَه على الْفراش وَيمْسَح ظَهره بِيَدِهِ ويسره مَا يرَاهُ يصنع فَلَمَّا بلغ رَسُول الله ﷺ ثَمَانِي سِنِين هلك عبد المطلب جده فَكَانَ مَعَ عَمه أبي طَالب فَكَانَ يحنو عَلَيْهِ ويحفظه فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْده يَوْمًا إِذْ قدم مَكَّة رجل عائف من أَزْد شنُوءَة وَكَانَ ذَلِك الرجل إِذا قدم مَكَّة أَتَاهُ رجال قُرَيْش بغلمانهم ينظر إِلَيْهِم ويعتاف لَهُم ويتفرس وَكَانَ ماهرا فِي ذَلِك مَعْرُوفا بِهِ مجربا عَلَيْهِ الْإِصَابَة فِي ذَلِك
فَأَتَاهُ أَبُو طَالب بِهِ وَهُوَ غُلَام قَالَ فَنظر العائف إِلَى رَسُول الله ﷺ ثمَّ شغله عَنهُ شَيْء فَلَمَّا فرغ قَالَ أَيْن الْغُلَام على بِهِ فَلَمَّا رأى أَبُو طَالب حرصه عَلَيْهِ غيبه عَنهُ فَجعل يَقُول وَيْلكُمْ ردوا على الْغُلَام الَّذِي رَأَيْت آنِفا فوَاللَّه لَيَكُونن لَهُ شَأْن
ثمَّ إِن أَبَا طَالب خرج فِي ركب تَاجِرًا إِلَى الشَّام فَلَمَّا تهَيَّأ للرحيل ضبث بِهِ رَسُول الله ﷺ فرق لَهُ أَبُو طَالب وَقَالَ وَالله لأخْرجَن بِهِ معي وَلَا يفارقني وَلَا أفارقه أبدا وَكَانَ يُحِبهُ حبا شَدِيدا فَخرج بِهِ مَعَه فَلَمَّا نزل الركب بصرى من أَرض الشَّام وَبهَا رَاهِب يُقَال لَهُ بخيرا فِي صومعة لَهُ وَكَانَ إِلَيْهِ علم النَّصْرَانِيَّة وَلم ينزل فِي تِلْكَ الصومعة مُنْذُ قطّ رَاهِب يصير إِلَيْهِ علم النَّصْرَانِيَّة لأجل كتاب فِيهَا فِيمَا يَزْعمُونَ يتوارثونه كَابِرًا عَن كَابر فَلَمَّا نزلُوا ذَلِك الْعَام ببحيرا وَكَانَ كثيرا مَا يَمرونَ بِهِ قبل ذَلِك فَلَا يعرض لَهُم وَلَا يكلمهم حَتَّى كَانَ ذَلِك الْعَام فَلَمَّا نزلُوا قَرِيبا من صومعته صنع لَهُم طَعَاما كثيرا
стр. 233
وَذَلِكَ عَن شَيْء رَآهُ فِي صومعته وَذَلِكَ أَنه رأى رَسُول الله ﷺ من صومعته وَهُوَ فِي الركب حِين أَقبلُوا وغمامة تظله من بَين الْقَوْم ثمَّ أَقبلُوا فنزلوا فِي ظلّ شَجَرَة قَرِيبا مِنْهُ فَنظر إِلَى الغمامة حِين أظلت الشَّجَرَة وتهصرت أَغْصَان الشَّجَرَة على رَسُول الله ﷺ حَتَّى استظل تحتهَا فَلَمَّا رأى ذَلِك بحيرا نزل من صومعته وَقد أَمر بذلك الطَّعَام فَصنعَ ثمَّ أرسل إِلَيْهِم فَقَالَ إِنِّي قد صنعت لكم طَعَاما فَقَالَ لَهُ رجل وَالله يَا بحيرا إِن لَك الْيَوْم لشأنا فَمَا كنت تصنع هَذَا بِنَا وَقد كُنَّا نمر بك كثيرا فَمَا شَأْنك الْيَوْم
فَقَالَ لَهُ بحيرا صدقت قد كَانَ مَا تَقول وَلَكِنَّكُمْ ضيف وَقد أَحْبَبْت أَن أكْرمكُم وأصنع لكم طَعَاما فتأكلون مِنْهُ كلكُمْ فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ وتخلف رَسُول الله ﷺ من بَين الْقَوْم لحداثة سنه فِي رحال الْقَوْم تَحت الشَّجَرَة فَلَمَّا نظر بحيرا فِي الْقَوْم لم ير الصّفة الَّتِي يعرف ويجد عِنْده قَالَ يَا معشر قُرَيْش لَا يتخلفن أحد مِنْكُم عَن طَعَامي فَقَالُوا لَهُ يَا بحيرا مَا تخلف عَنْكُم أحد يَنْبَغِي لَهُ أَن يَأْتِيك إِلَّا غُلَام وَهُوَ أحدث الْقَوْم سنا فَتخلف فِي رحالهم قَالَ لَا تَفعلُوا دَعوه فليحضر هَذَا الطَّعَام مَعكُمْ
فجَاء وَقد احتضنه رجل من الْقَوْم فَلَمَّا رَآهُ بحيرا جعل يلحظه لحظا شَدِيدا وَينظر إِلَى أَشْيَاء من جسده قد كَانَ يجدهَا عِنْده من صفته حَتَّى إِذا فرغ الْقَوْم من طعامهم وَتَفَرَّقُوا قَامَ إِلَيْهِ بحيرا وَقَالَ لَهُ يَا غُلَام أَسأَلك بِحَق اللات والعزى أَلا مَا أَخْبَرتنِي عَمَّا أَسأَلك عَنهُ وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ بحيرا ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ يسمع قومه يحلفُونَ بهما فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تَسْأَلنِي بِاللات والعزى فوَاللَّه مَا أبغضت شَيْئا قطّ بغضهما
فَقَالَ لَهُ بحيرا فبالله أَلا مَا أَخْبَرتنِي عَمَّا أَسأَلك عَنهُ قَالَ لَهُ سل عَمَّا بدا لَك فَجعل يسْأَله عَن أَشْيَاء من حَاله فِي نَومه وهيئته وأموره فَجعل رَسُول الله ﷺ يُخبرهُ فيوافق ذَلِك مَا عِنْد بحيرا من صفته ثمَّ نظر إِلَى ظَهره فَرَأى خَاتم النُّبُوَّة بَين كَتفيهِ على مَوْضِعه من صفته الَّتِي عِنْده وَكَانَ مثل أثر المحجم ثمَّ أقبل على
стр. 234
عَمه أبي طَالب فَقَالَ مَا هَذَا الْغُلَام مِنْك قَالَ ابْني قَالَ مَا هُوَ بإبنك وَمَا يَنْبَغِي لهَذَا الْغُلَام أَن يكون أَبوهُ حَيا
قَالَ فَإِنَّهُ ابْن أخي قَالَ مَا فعل أَبوهُ قَالَ مَاتَ وَأمه حُبْلَى بِهِ قَالَ صدقت فَارْجِع بِابْن أَخِيك إِلَى بَلَده وَاحْذَرْ عَلَيْهِ يهود فوَاللَّه لَئِن رَأَوْهُ وَعرفُوا مِنْهُ مَا عرفت ليبلغنه شرا فَإِنَّهُ كَائِن لِابْنِ أَخِيك هَذَا شَأْن عَظِيم فأسرع بِهِ إِلَى بِلَاده
فَخرج بِهِ عَمه أَبُو طَالب سَرِيعا حَتَّى أقدمه مَكَّة حِين فرغ من تِجَارَته فزعموا فِيمَا يروي النَّاس أَن زريرا وتماما ودريسا وهم نفر من أهل الْكتاب قد كَانُوا رَأَوْا من رَسُول الله ﷺ مثل مَا رأى بحيرا فِي ذَلِك السّفر الَّذِي كَانَ فِيهِ مَعَ عَمه أبي طَالب فأرادوه فردهم عَنهُ بحيرا وَذكرهمْ الله وَمَا يَجدونَ فِي الْكتاب من ذكره وَصفته وَأَنَّهُمْ إِن أَجمعُوا لما أَرَادوا بِهِ لم يخلصوا إِلَيْهِ وَلم يزل بهم حَتَّى عرفُوا مَا قَالَ لَهُم وَصَدقُوهُ بِمَا قَالَ فتركون وَانْصَرفُوا
فشب رَسُول الله ﷺ وَالله تَعَالَى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الْجَاهِلِيَّة لما يُرِيد بِهِ من كرامته ورسالته حَتَّى بلغ أَن كَانَ رجلا أفضل قومه مُرُوءَة وَأَحْسَنهمْ خلقا وَأكْرمهمْ حسبا وَأَحْسَنهمْ جوارا وأعظمهم حلما وأصدقهم حَدِيثا وأعظمهم أَمَانَة وأبعدهم من الْفُحْش والأخلاق الَّتِي تدنس الرِّجَال تنزها وتكرما حَتَّى مَا اسْمه فِي قومه إِلَّا الْأمين لما جمع الله فِيهِ من الْأُمُور الصَّالِحَة
فَلَمَّا بلغ رَسُول الله ﷺ خمْسا وَعشْرين سنة وَعرفت أَمَانَته وَصدق حَدِيثه وَظَهَرت بركته عرضت عَلَيْهِ خَدِيجَة بنت خويلد مَا لَا يخرج بِهِ مُسَافِرًا إِلَى الشَّام وتعطيه أفضل مَا كَانَت تُعْطِي غَيره من التُّجَّار مَعَ غُلَام لَهَا يُقَال لَهُ ميسرَة فَقبله رَسُول الله ﷺ مِنْهَا وَخرج فِي ذَلِك المَال وَخرج مَعَه ميسرَة حَتَّى قدما الشَّام فَنزل رَسُول الله ﷺ فِي ظلّ شَجَرَة قَرِيبا من صومعة رَاهِب من الرهبان فَاطلع الراهب
стр. 235
إِلَى ميسرَة وَقَالَ من هَذَا الرجل الَّذِي نزل تَحت هَذِه الشَّجَرَة قَالَ لَهُ ميسرَة هَذَا رجل من قُرَيْش من أهل الْحرم فَقَالَ لَهُ الراهب مَا نزل تَحت هَذِه الشَّجَرَة قطّ إِلَّا نَبِي
ثمَّ بَاعَ رَسُول الله ﷺ سلْعَته الَّتِي خرج بهَا وَاشْترى مَا أَرَادَ أَن يَشْتَرِي ثمَّ أقبل قَافِلًا إِلَى مَكَّة وَمَعَهُ ميسرَة فَكَانَ ميسرَة إِذا كَانَت الهاجرة وَاشْتَدَّ الْحر يرى ملكَيْنِ يظلانه من الشَّمْس وَهُوَ يسير على بعيره
فَلَمَّا قدم مَكَّة على خَدِيجَة بمالها باعت مَا جَاءَ بِهِ بأضعف أَو قَرِيبا
وحدثها ميسرَة عَن قَول الراهب وَعَن مَا كَانَ يرى من إظلال الْملكَيْنِ إِيَّاه وَكَانَت خَدِيجَة ﵂ امْرَأَة حازمة شريفة لَبِيبَة مَعَ مَا أَرَادَ الله بهَا من كرامتها فَلَمَّا أخْبرهَا ميسرَة بِمَا أخْبرهَا بعثت إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت لَهُ يَا ابْن عَم إِنِّي قد رغبت فِيك لقرابتك ووسطك فِي قَوْمك وأمانتك وَحسن خلقك وَصدق حَدِيثك ثمَّ عرضت عَلَيْهِ نَفسهَا
وَكَانَت خَدِيجَة يَوْمئِذٍ أَوسط نسَاء قُرَيْش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مَالا كل قَومهَا كَانَ حَرِيصًا على ذَلِك مِنْهَا لَو يقدر عَلَيْهِ فَلَمَّا قَالَت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ ذكر لأعمامه فَخرج مَعَه عَمه حَمْزَة بن عبد الْمطلب حَتَّى دخل على خويلد بن أَسد فَخَطَبَهَا إِلَيْهِ فَتَزَوجهَا
وَقد كَانَت خَدِيجَة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نَوْفَل وَكَانَ ابْن عَمها وَكَانَ نَصْرَانِيّا قد تتبع الْكتب وَعلم من علم النَّاس مَا ذكر لَهَا غلامها ميسرَة من قَول الراهب وَمَا كَانَ يرى مِنْهُ إِذْ كَانَ الْملكَانِ يظلانه فَقَالَ ورقة لَئِن كَانَ هَذَا حَقًا يَا خَدِيجَة فَإِن مُحَمَّدًا لنَبِيّ هَذِه الْأمة وَقد عرفت أَنه كَانَ لهَذِهِ الْأمة نَبِي ينْتَظر هَذَا زَمَانه أَو كَمَا قَالَ فَجعل ورقة يستبطئ الْأَمر وَيَقُول حَتَّى مَتى فَلَمَّا تقَارب زمَان مبعثه كثرت أَحَادِيث الْكُهَّان عَن نبوته وَالْأَخْبَار بذلك فبشر بِقرب ظُهُوره جمَاعَة من الْكُهَّان
стр. 236
وَأما الْيَهُود فَكَانَت تكون بَينهَا وَبَين الْعَرَب شرور وحروب فَرُبمَا أَصَابَت الْعَرَب مِنْهُم فَكَانَت الْيَهُود تَقول قد قرب زمَان نَبِي سيبعث الْآن نقتلكم مَعَه قتل عَاد وارم ثمَّ لم يَلْبَثُوا حَتَّى ظهر وعرفوه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم
فَلَمَّا بعث مِنْهُم من آمن بِهِ وَمِنْهُم من كفر بِهِ حسدا وعنادا كَمَا فَعلْتُمْ أَنْتُم
وَلَقَد قدم الْمَدِينَة نفر من الْيَهُود يَلْتَمِسُونَ هجرته إِلَيْهَا وَكَونه فِيهَا من ذَلِك مَا يحْكى عَن ابْن الهيبان حبر من أَحْبَار يهود وَمِمَّنْ كَانَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ علمهمْ وَكَانَ فَاضلا فِي دينه مجاب الدعْوَة مِمَّن علم ذَلِك مِنْهُ بِكَثْرَة تجربة ذَلِك فَقَالَ للْيَهُود يَوْمًا مَا تَرَوْنَهُ أخرجني من الشَّام أَرض الْخمر والخمير إِلَى أَرض الْبُؤْس والجوع قَالُوا لَهُ أَنْت أعلم قَالَ فَإِنِّي قدمت هَذِه الْبَلدة أتوكف خُرُوج نَبِي قد أظل زَمَانه وَهَذِه الْبَلدة مهاجره فَكنت أَرْجُو أَن يبْعَث فَأتبعهُ وَقد أظلكم زَمَانه فَلَا تسبقن إِلَيْهِ يَا معشر يهود فَإِنَّهُ يبْعَث بسفك الدِّمَاء وسبى الذرارى وَالنِّسَاء مِمَّن خَالفه فَلَا يمنعكم ذَلِك مِنْهُ
فَلَمَّا بعث رَسُول الله ﷺ وحاصر بني قُرَيْظَة قَالَ نفر من الْيَهُود يَا بني قُرَيْظَة وَالله إِنَّه للنَّبِي الَّذِي كَانَ عهد إِلَيْكُم فِيهِ ابْن الهيبان قَالُوا لَيْسَ بِهِ قَالُوا بلَى وَالله إِنَّه لَهو بِصفتِهِ فنزلوا وَأَسْلمُوا وَمثل هَذَا كثير
وَمن أوضح ذَلِك وأبينه
قصَّة سلمَان الْفَارِسِي وَذَلِكَ أَنه كَانَ تنصر وَقَرَأَ كتبكم وَبحث عَن جمَاعَة من أهل دينكُمْ أعنى الَّذين كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بدين الْمَسِيح فَلم يزل يبْحَث عَنْهُم وَاحِدًا بعد وَاحِد ويخدمهم حَتَّى يحضرهم الْوَفَاة فَكَانَ الْوَاحِد مِنْهُم إِذا حَضرته الْوَفَاة وصاه بِأَن يلْحق بِمن هُوَ على مثل دينه وحاله ويعينه لَهُ ويدله عَلَيْهِ إِلَى أَن وصل إِلَى عمورية إِلَى أَرض الرّوم إِلَى رَاهِب نَصْرَانِيّ كَانَ هُنَالك
قَالَ سلمَان فأقمت عِنْد خير رجل على هدى أَصْحَابه وَأمرهمْ يَعْنِي الدّين كَانُوا دلوا عَلَيْهِ إِلَى أَن حَضرته الْوَفَاة
стр. 237
فَقلت لَهُ يَا فلَان إِنِّي كنت مَعَ فلَان فأوصاني إِلَى فلَان ثمَّ أَوْصَانِي فلَان إِلَى فلَان ثمَّ أَوْصَانِي فلَان إِلَيْك فَإلَى من توصى بِي أَنْت وَبِمَ تَأْمُرنِي
قَالَ أَي بني وَالله مَا أعلمهُ أصبح الْيَوْم أحد على مثل مَا كُنَّا عَلَيْهِ من النَّاس آمُرك بِهِ أَن تَأتيه وَلكنه قد أظل زمَان نَبِي وَهُوَ مَبْعُوث بدين إِبْرَاهِيم يخرج بِأَرْض الْعَرَب مهاجره إِلَى أَرض بَين حرتين بَينهمَا نخل بِهِ عَلَامَات لَا تخفى يَأْكُل الْهَدِيَّة وَلَا يَأْكُل الصَّدَقَة وَبَين كَتفيهِ خَاتم النُّبُوَّة فَإِن اسْتَطَعْت أَن تلْحق بِتِلْكَ الْبِلَاد فافعل
قَالَ ثمَّ مَاتَ وغيب وَلحق سلمَان بِالْمَدِينَةِ بِالْأَرْضِ الَّتِي عينت لَهُ فَأَقَامَ هُنَالك حَتَّى قدم عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ مُهَاجرا فبحث عَن تِلْكَ العلامات الَّتِي رسمت لَهُ فَوَجَدَهَا كَمَا رسمت لَهُ فَآمن بِهِ وَأتبعهُ وَصدقه وَكَانَ مَعَه وعَلى دينه إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى ﵁
وَلَو ذهبت إِلَى استقصاء مثل هَذَا لطال الْكتاب
فَلَمَّا بلغ مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ أَرْبَعِينَ سنة بَعثه الله تَعَالَى رَحْمَة للْعَالمين وكافة للنَّاس بشيرا وَنَذِيرا
فَكَانَ أول مَا ابتدئ بِهِ من الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة فِي النّوم وَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح ثمَّ حبب الله إِلَيْهِ الْخلْوَة فَكَانَ يَنْقَطِع إِلَى الكهوف وَالْجِبَال ويأوى إِلَيْهَا
فَكَانَ يَخْلُو بِغَار حراء وَكَانَ فِي ذَلِك لَا يمر بِحجر وَلَا شَجَرَة إِلَّا قَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله فيلتفت رَسُول الله ﷺ حوله عَن يَمِينه وشماله وَخَلفه فَلَا يرى إِلَّا الشّجر وَالْحِجَارَة تكَلمه
فَمَكثَ رَسُول الله ﷺ يرى وَيسمع مَا شَاءَ الله أَن يمْكث ثمَّ جَاءَ جِبْرِيل ﷺ بِمَا جَاءَهُ من كَرَامَة الله وَهُوَ بحراء فِي رَمَضَان وَمن ذَلِك الْوَقْت ظَهرت آيَاته وعمت
стр. 238
بركاته وتنوقلت رسَالَته ومعجزاته وَإِذ ذَاك جمع الله لَهُ كل خِصَال الْكَمَال وَخَصه بِصِفَات الشّرف والجلال فَلَقَد جمع الله لَهُ الْكَمَال الظَّاهِر وَالْبَاطِن بِمَا جعل فِيهِ من الْفَضَائِل والمحاسن
وَيَنْبَغِي الْآن أَن يعرف الجاحد وَالْجَاهِل بعض مَا خص بِهِ من صِفَات الْكَمَال والفضائل
اعْلَم
أَن الْكَمَال البشري ضربنا ظَاهر وباطن وكل وَاحِد من هذَيْن الضربين ضَرْبَان ضرب يكون الْإِنْسَان مجبولا عَلَيْهِ وَلَا اكْتِسَاب لَهُ فِيهِ وَضرب يكون مكتسبا للْإنْسَان يحصل لَهُ بسعيه وتكسبه فقد انحصرت صِفَات الْكَمَال فِي أَرْبَعَة أَقسَام كَمَال ظَاهر ضَرُورِيّ وَكَمَال ظَاهر مكتسب وَكَمَال بَاطِن ضَرُورِيّ وَكَمَال بَاطِن مكتسب
وَقد جمع الله هَذِه الْأَرْبَعَة الْأَصْنَاف للنَّبِي مُحَمَّد ﷺ وَنحن نذكرها جملَة ثمَّ نشرع بعد فِي التَّفْصِيل إِن شَاءَ الله تَعَالَى
اعْلَم أَنا
إِنَّمَا نذْكر من صِفَات كَمَاله وجلاله الْمَشْهُور بِشَرْط الإختصار خوفًا من التَّطْوِيل والإكثار وَلَو ذَهَبْنَا إِلَى الإستقصاء لعجزنا عَن ذَلِك
فَمن ذَلِك
كَمَال خلقته وجمال صورته وفصاحة لِسَانه وَشرف نسبه وَعزة قومه وكرم أرضه وَقُوَّة عقله وَصِحَّة فهمه ومتين علمه وَجَمِيل صبره وعظيم حلمه وَحسن تواضعه وعدله وجزيل زهده وفضله وعميم جوده وَكَرمه ووثيق عهوده وذممه ورائق سمته وأدبه وطهارة ذَاته وَنسبه وعظيم شجاعته ونجدته وَكثير حيائه ومروءته
وَجُمْلَة أمره ﷺ أَنه أكمل النَّاس خلالا وأفضلهم حَالا وأعلمهم بحدود الله وأخوفهم من الله
فَأَما كَمَال خلقته وجمال صورته فشيء مَعْلُوم لم يذهب
стр. 239
أحد من أعدائه إِلَى خلاف ذَلِك وَلَا اسْتَطَاعَ أَن ينْسب إِلَيْهِ نقصا وَلَا شينا فِي شَيْء من ذَلِك لقد اعْترف الْكل أَنه كَانَ أَزْهَر اللَّوْن أدعج الْعَينَيْنِ أشكل أهدب الأشفار أفلج أَزجّ أقنى مدور الْوَجْه وَاسع الجبين كث اللِّحْيَة تملأ صَدره مَوْصُول مَا بَين اللبة والسرة بِشعر وَاسع الصَّدْر عَظِيم الْمَنْكِبَيْنِ ضخم الْعِظَام والعضدين والذراعين والأسافل رحب الْكَفَّيْنِ والقدمين سَائل الْأَطْرَاف أنور المتجرد دَقِيق المسربة مَرْبُوع الْقد لَيْسَ بالطويل الْبَائِن وَلَا بالقصير المتردد وَمَعَ ذَلِك فَلم يكن يماشيه أحد ينْسب إِلَى الطول إِلَّا طاله رجل الشّعْر إِذا افتر ضَاحِكا عَن جمان افتر عَن مثل سنا الْبَرْق وَعَن مثل حب الْغَمَام إِذا تكلم رؤى كالنور يخرج من ثناياه أحسن النَّاس عنقًا لَيْسَ بمطهم وَلَا بمكلثم متماسك اللَّحْم
قَالَ ناعته
مَا رَأَيْت أحدا فِي حلَّة حَمْرَاء مرجلا أحسن مِنْهُ ﷺ كَأَن الشَّمْس تجرى فِي وَجهه وَإِذا ضحك يتلألأ فِي الْجد وأجمل النَّاس من بعيد وَأَحْسَنهمْ من قريب من رَآهُ بديهة هابه وَمن خالطه معرفَة أحبه
يَقُول ناعته
لم أر قبله وَلَا بعده مثله طيب الرَّائِحَة وَالْعرْف وَلَقَد كَانَ ﷺ يعرف برائحته وَإِن لم ير وَلَقَد كَانَ يتطيب برائحته وَيُوضَع فِي الطّيب فينم أَكثر مِنْهُ
وَلَقَد كَانَ يضع يَده على رَأس الطِّفْل رَحْمَة لَهُ فَكَانَت تنم عَلَيْهِ رَائِحَة طيبَة ﷺ وَلَقَد اشْتهر وَصَحَّ أَنه ﷺ بعد مَوته طَال مكثه فِي الْبَيْت قبل أَن يدْفن بيومين وَلَيْلَة فِي الْمَشْهُور وَكَانَ مَوته فِي شهر أيلول وَمَعَ ذَلِك فَلم يتَغَيَّر لَهُ ريح
стр. 240
وَلَا ظهر عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا يظْهر على الْمَوْتَى حَتَّى كَانَت الصَّحَابَة ﵃ تَقول لَهُ طبت حَيا وَمَيتًا
وَلَقَد روى أَن أم سَلمَة قَالَت وضعت يَدي على صدر رَسُول الله ﷺ وَهُوَ ميت فمرت على جمع لَا آكل وَلَا أتوضأ إِلَّا وجدت ريح الْمسك من يَدي
فَإِن قيل نسلم أَنه كَمَا وصفت لَكِن أَي فَضِيلَة لحسن الصُّورَة الظَّاهِرَة وَأي مزية لَهَا على غَيرهَا إِذْ رب قَبِيح المنظر حسن الْفِعْل والمخبر وَرب حسن الظَّاهِر والمنظر قَبِيح الْفِعْل والمخبر
فَنَقُول هَذَا الَّذِي ذكرت ينْدر ويقل بل لَا يبعد أَن يَقُول قَائِل لَا يُوجد كَامِل الصُّورَة الظَّاهِرَة أَلا وَهُوَ كَامِل الصُّورَة الْبَاطِنَة إِذْ كِلَاهُمَا إِنَّمَا سَببه بِحَسب مَا أجْرى الله الْعَادة مزاج معتدل فهما ثمرتا مثمر وَاحِد وَلأَجل هَذَا وَالله أعلم لم نسْمع قطّ عَن نَبِي من أَنْبيَاء الله تَعَالَى أَن الله تَعَالَى خلقه نَاقص الْخلقَة أَو مشوهها اللَّهُمَّ أَلا قد طرأت على بَعضهم آفَات لأسباب شاءها الله تَعَالَى مثل أَيُّوب وَغَيره وَلَيْسَ الْكَلَام فِي الطَّارِئ وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي أصل الْخلقَة ثمَّ إِن الْحُكَمَاء وَالْعُلَمَاء قد استدلوا بِحسن الْخلق على حسن الْخلق حَتَّى أَن الْحُكَمَاء قَالُوا أقصدوا بحوائجكم سماح الْوُجُوه فَإِنَّهُ أنجح لَهَا أَو فَإِنَّهُ أَحْرَى أَن تقضى
وَأَيْضًا فَإِن الْجمال وَالْحسن مَحْبُوب بالطبع ومرغوب فِيهِ والقبح منفور عَنهُ ومقصود الله تَعَالَى أَن يحب الْأَنْبِيَاء وَأَن لَا ينفر مِنْهُم وَالْحسن مُوجب لذَلِك وَأَيْضًا فَإِن صفة نَبينَا هَذِه هِيَ صفة جده إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن حَتَّى كَأَنَّهُ هُوَ على مَا ثَبت من صفة إِبْرَاهِيم فِي كتب الْأَنْبِيَاء ﵈
وَأما فصاحة لِسَانه
فَلَقَد أطل من الفصاحة على كل نِهَايَة وَبلغ من البلاغة كل غَايَة فَلَقَد أوتين ﷺ سَلامَة الطَّبْع وبراعة المنزع وعذوبة اللَّفْظ وَحسن الْإِيرَاد وجزالة القَوْل وَصِحَّة الْمعَانِي مَعَ أيجاز اللَّفْظ وَقلة التَّكَلُّف
أُوتى ﷺ جَوَامِع الْكَلم وبدائع الحكم فَلَقَد كَانَ يُخَاطب كل حَيّ من أَحيَاء الْعَرَب بلغتهم وَلم يكن يقْتَصر على لُغَة وَاحِدَة مَعَ أَنه إِنَّمَا نَشأ على لُغَة بني سعد وقريش وَكَانَ يعرف لُغَات
стр. 241
غَيرهم حَتَّى كَانُوا يتعجبون مِنْهُ وَيَقُولُونَ مَا رَأينَا بِالَّذِي هُوَ أفْصح مِنْهُ وَهَذَا مَعْلُوم عِنْد الفصحاء الْعَرَب العرباء
وَيقف على معرفَة ذَلِك بالذوق والمشاهدة من كَانَ عَارِفًا بِلِسَان الْعَرَب ولغتهم ووقف على شَيْء من كَلَامه مَعَهم ومجاوبتهم
وَأما نسبه
فمعلوم لَا يجهل ومشهود لَا يُنكر جده الْأَعْلَى إِبْرَاهِيم وَالْأَقْرَب عبد الْمطلب كَابِرًا عَن كَابر وشريفا عَن شرِيف فهم بَين أنبيائه فضلاء وَبَين شرفاء حكماء وَهَذَا كُله مُسلم لَا يمْنَع ومقبول لَا يدْفع فَهُوَ ﷺ من خير قُرُون بني آدم قرنا فقرنا وَذَلِكَ أَن الله اصْطفى من ولد آدم إِبْرَاهِيم وَاصْطفى من ولد إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل كَمَا قد شهِدت التَّوْرَاة وَغَيرهَا بذلك وَاصْطفى من ولد إِسْمَاعِيل بني كنَانَة وَاصْطفى من بني كنَانَة قُريْشًا وَاصْطفى من قُرَيْش بني هَاشم واصطفاه ﷺ من بني هَاشم فَهُوَ خِيَار من خِيَار من خِيَار وَكَذَلِكَ الرُّسُل صلى الله عَلَيْهِم وَسلم تبْعَث فِي أشرف أَنْسَاب قَومهَا صلى الله عَلَيْهِم ذَلِك ليَكُون أميل لقلوب الْخلق إِلَيْهِم وَالله أعلم
وَأما عزة قومه
فقد كَانُوا فِي جاهليتهم لم ينلهم سباء وَلَا ظَفرت بهم أَعدَاء وَلَا دخلُوا فِي أغلب أزمانهم تَحت قهر غَيرهم بل كَانُوا قد حازوا الشّرف الباهر والمفاخر والمآثر هم أوفر النَّاس عقولا وَأَقلهمْ فضولا وأفصح النَّاس مقَالا وَأكْرمهمْ فعالا الشجعان الكرماء والحكماء الأدباء
أما سفساف الْأَخْلَاق ودنيها
فهم مبرأون عَنْهَا وَأما حسنها وَعَلَيْهَا فهم أحرص النَّاس عَلَيْهَا والموصوفون بهَا وَكفى دَلِيلا على ذَلِك مَا علم من حسن جوابهم وكريم عمودهم وعميم بذلهم وجودهم وكل هَذَا من أَوْصَافه مَعْرُوف وَالْغَالِب مِنْهُم بذلك مَوْصُوف وَحقّ لقائلهم أَن يَقُول ... لنا الشّرف الَّذِي يطأالثريا
مَعَ الْفجْر الَّذِي بهر الْعباد ...
وَأما أرضه
فناهيك من أَرض أسس بقيتها إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَأمره بِأَن بدعو النَّاس إِلَيْهَا الْملك الْجَلِيل وَتَوَلَّى عمارتها وَالْمقَام بهَا النَّبِي إِسْمَاعِيل وتوارثها الْأَشْرَاف جيلا بعد جيل وَكفى بلدته شرفا مَا فعل الله بِملك الْحَبَشَة الَّذِي جَاءَ لهدمها فَلَمَّا قرب مِنْهَا وعزم
стр. 242
على هدمها وَوجه فيله عَلَيْهَا أرسل الله عَلَيْهِم طيرا أشباه الخطاطيف مَعَ كل وَاحِد مِنْهَا ثَلَاثَة أَحْجَار حجر فِي منقاره وحجران فِي رجلَيْهِ فرمت الطير ذَلِك الْجَيْش بِتِلْكَ الْجِهَات فَكل من أَصَابَهُ من تِلْكَ الْحِجَارَة شَيْء هلك مَكَانَهُ وَأصَاب ملكهم مِنْهَا حجر فَهَلَك بعد أَن تناثر لَحْمه وتساقط أُنْمُلَة أُنْمُلَة
فَتَفَرَّقُوا فِي كل وَجه وأهلكهم الله كل هَلَاك وبدد شملهم أَي تبديد وكل هَذَا مَعْرُوف لَا يُنكر ومشهور لَا يجهل فَهَذِهِ الأَرْض على محلهَا وجدبها وشظف عَيْش أَهلهَا خير الْبِلَاد عِنْد رَبهَا دلّ على ذَلِك كَلَام الْأَنْبِيَاء وَالرسل وَمَا جَاءَ من ذَلِك فِي مُتَقَدِّمي الْكتب وَلَا يظنّ الْجَاهِل أَن خير بِلَاد الدُّنْيَا عِنْد الله أَكْثَرهَا خصبا وَأَعْظَمهَا فَاكِهَة وَأَبا فَإِن هَذَا ظن من لَيْسَ لَهُ نطق وَلَا فهم وهمته مَا يَجْعَل فِي بَطْنه كالبهم بل خير الْبِلَاد عِنْد الله مَا كوبدت فِيهِ المشقات الَّتِي توصل إِلَى مَا عِنْد الله من الدَّرَجَات وَكَانَت مَعَ ذَلِك مِمَّا قدس وانتشرت مِنْهُ الديانَات
وكل ذَلِك فِي حق أرضه مَعْلُوم من جِهَة النبوات وَسَيَأْتِي مَا ذكر الله تَعَالَى فِي مَكَّة بَلَده ﵇ على لِسَان أشعياء ﵇
وَأما قُوَّة عقله وَعلمه
فَلَقَد أُوتى مِنْهُمَا مَا لم يؤته أحد وَأعْطى مِنْهَا مَا لم يُعْطه وَالِد وَلَا ولد وَكفى دَلِيلا على ذَلِك مَا ظهر عَلَيْهِ من حسن السياسة وَأَحْكَام أُمُور الرياسة وَالْأَخْذ فِي الْعُلُوم العقليات من غير اكْتِسَاب شَيْء مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْمُقدمَات حَتَّى إتخذ أَرْبَاب كل علم كَلَامه فِي ذَلِك الْعلم أصلا يرجع إِلَيْهِ ويعول فِي صناعته عَلَيْهِ فَتَارَة يكون كَلَامه فِي بعض الْعُلُوم منشئا ممهدا وَأُخْرَى متمما ومؤيدا وَإِن أردْت أَن تعلم ذَلِك علم الْيَقِين فَتَأمل تَأمل اليقظين مَا تضمنه من ذَلِك الْكتاب وَالسّنة فبهما كثرت الْخيرَات وعظمت الْمِنَّة فَإنَّك تجدها قد جمع لَهُ مِنْهُمَا عُلُوم الْأَوَّلين والآخرين على اخْتِلَاف عُلُوم الْعَالمين من الرياضيات على اخْتِلَاف أوصافها والإلهيات مَعَ تعذرها على أَكثر الأفهام واعتياصها والسياسات على تشَتت أوصافها
أما الْأُمُور المصلحية
الَّتِي يعبر عَنْهَا بالقوانين الشَّرْعِيَّة فَيَقْضِي الْعُقَلَاء مِنْهَا الْعجب فَإِنَّهُ أطل مِنْهَا على أَعلَى الْمَرَاتِب والرتب وَذَلِكَ
стр. 243
أَن أَعمال شَرِيعَته ﷺ انقسمت إِلَى أُمُور تعبدية مثل الصَّوْم وَالصَّلَاة وَالْحج وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يدْرك مَعَانِيهَا وَحكمهَا إِلَّا من أمده الله بِتَوْفِيق خَاص فنور بالمعارف بَاطِنه وزين بِالْأَعْمَالِ ظَاهره وَإِلَى أُمُور مصلحية يدْرك مَعَانِيهَا الجفلى وَالْجُمْهُور من أهل الدّيانَة الحنيفية
ثمَّ أَنه اعْتبر أصُول مصَالح الْعَالم فأوجبها وَاعْتبر أصُول مفاسد الْعَالم وحرمها وأصول الْمصَالح إِنَّمَا هِيَ خَمْسَة الْمُحَافظَة على صِيَانة الدِّمَاء فِي أهبها وَالْأَمْوَال على ملاكها والأنساب على أهليها والعقول على المتصفين بهَا والأديان الَّتِي بهَا عَيْش النُّفُوس وزكاتها
فأصول الشَّرِيعَة وَإِن تعدّدت صورها فَهِيَ رَاجِعَة إِلَى هَذِه الْخَمْسَة
فَأَما بمرتبة وَاحِدَة أَو بمراتب على مَا يعرف فِي مَوْضِعه
وَأما الدِّمَاء
فحقنها بِأَن شرع أَن من قتل يقتل وَمن جرح يجرح وَمن فَقَأَ عين إِنْسَان فقئت عينه وَهَكَذَا
فَإِذا علم الْقَاتِل أَن يفعل بِهِ مثل مَا يفعل انكف عَن الْقَتْل فحصلت حَيَاة النُّفُوس وصيانة الدِّمَاء وَلأَجل ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولي الْأَلْبَاب﴾
ثمَّ سوى فِي الْقصاص بَين الْكَبِير وَالصَّغِير والشريف والمشروف إشعارا بِأَن مزايا الدُّنْيَا وفضائلها لَا مبالاة بهَا عِنْد الله أَن الشّرف إِنَّمَا هُوَ بِالدّينِ وَالتَّقوى وَلأَجل هَذَا قَالَ الله تَعَالَى إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم وَقَالَ ﵇ النَّاس كأسنان الْمشْط يُرِيد بذلك أَن الْأَحْكَام مُتَسَاوِيَة بَينهم وَأَنَّهُمْ فِيمَا شرع سَوَاء
وَأما الْأَمْوَال
فصانها على ملاكها بِأَن شرع قطع يَد السَّارِق للنصاب وَقتل الْمُحَارب وَغرم مثل الْمُتْلف أَو الْمَغْصُوب إِن كَانَ مِمَّا لَهُ مثل فاذا علم السَّارِق والمحارب أَنَّهُمَا يعاقبان بِمَا يُنَاسب جنايتهما ارتدعا وانكفا فانحفظت الْأَمْوَال
стр. 244
وَأما الْعُقُول
فَحرم اسْتِعْمَال مَا يُؤَدِّي إِلَى تلفهَا وذهابها كَالْخمرِ وَذَلِكَ أَن منَاط التَّكْلِيف الْعقل وَهُوَ الَّذِي بِهِ يعرف الله تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يَنْتَظِم مصَالح الدُّنْيَا وَالدّين فَإِذا أذهبه الْإِنْسَان بِالْخمرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فقد تعرض لإِسْقَاط التَّكْلِيف وللكفر بِاللَّه تَعَالَى بل لكل الْمَفَاسِد وَلأَجل هَذَا قَالَ ﵇ الْخمر جماع الْإِثْم وَأم الْخَبَائِث والكبائر وَلأَجل هَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء فِي الْخمر وَالْميسر ويصدكم عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾
ثمَّ أكد الْكَفّ عَن الْخمر بِأَن شرع على شربه حدا هُوَ ضرب بِالسَّوْطِ ليَكُون ذَلِك أبلغ فِي الردع والزجر
وَأما حفظ الْأَنْسَاب وصيانة إختلاط الْمِيَاه فِي الْأَرْحَام
فشرع النِّكَاح وَحرم السفاح لينتسب كل ولد لوالده ويتميز الْوَلِيّ عَن مضادده ولينضاف كل إِلَى شيعته ويتحقق نسبته بقبيلته وَلأَجل هَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾
وَلم لم يكن ذَلِك لارتفع التعارف وَلم يسمع ولاتسع خرق لَا يرقع
وَأما الْمُحَافظَة على الْأَدْيَان وصيانتها
فَهُوَ الْمَقْصُود الْأَعْظَم والمستند الأعصم فَحرم الْكفْر والفسوق والعصيان وَأوجب الطَّاعَات وَالْإِيمَان وَأوجب قتل الْكَافِر وتوعده بِالْعَذَابِ الدَّائِم والهوان وَلَا يخفى على من مَعَه أدنى مسكة إِذا تَأمل بِأَدْنَى فكرة أَن الْإِيمَان
стр. 245
بِاللَّه رَأس الْمصَالح والخيرات وَالْكفْر رَأس المقابح والهلكات وَلأَجل وجوب الْإِيمَان وَتَحْرِيم الكفران أرسل الله الرُّسُل وَأنزل الْكتب وَلأَجل ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون مَا أُرِيد مِنْهُم من رزق وَمَا أُرِيد أَن يطْعمُون إِن الله هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة المتين﴾
فَهَذِهِ الْأُصُول الْخَمْسَة بهَا يتم نظام الْعَالم وبأضدادها يخرب الْعَالم وبنظام الْعَالم يتم نظام الْأَدْيَان وبنظام الْأَدْيَان يحصل النجَاة من عَذَاب النيرَان والفوز بنعيم الْجنان مَعَ رضى الرَّحْمَن
فَهَذَا بَيَان أنموذج من أصُول السياسات الشرعيات وَأما الرياضات
فيكفيك مِنْهَا مِثَال وَاحِد من الطَّيِّبَات وَذَلِكَ أَنه ﵇ قَالَ الْمعدة بَيت الدَّاء وَالْحمية أصل الدَّوَاء وأصل كل دَاء الْبرد وَلَقَد سمع بعض أطباء الْهِنْد هَذَا الْكَلَام فَقَالَ لم يتْرك نَبِيكُم من الطِّبّ لأحد شَيْئا أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ
وتتبع مَا اسْتُفِيدَ من جِهَته من الْعُلُوم بَحر لَا سَاحل لَهُ وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع اسْتِيفَائه ومقصود هَذَا الْكَلَام أَن النَّبِي الرفيع عِنْد الله الْعَظِيم الْقدر لَدَيْهِ كَانَ أُمِّيا مَنْسُوبا إِلَى ولادَة الْأُم وَمعنى هَذِه النِّسْبَة أَنه بقى على مَا كَانَ عَلَيْهِ أَي لم يتَعَلَّم علما من أحد وَلَا اكْتَسبهُ وَلَا خطّ كتابا بِيَمِينِهِ وَهَذَا مَعْرُوف من حَاله عِنْد الْمُوَافق والمخالف وَرُبمَا كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يحْسب شَيْئا عدده بأصابعه فَكَانَ يَقُول أَنا أمة أُميَّة لَا نكتب وَلَا نحسب الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا يُشِير بيدَيْهِ ثَلَاثًا والشهر هَكَذَا وَهَكَذَا ويخنس بِإِحْدَى أَصَابِعه يَعْنِي فِي الثَّالِثَة وَمَعَ ذَلِك فقد أُوتى جَوَامِع الْكَلم وبدائع الحكم وعلوم الْأَوَّلين فَأخْبر عَن الْقُرُون الْمَاضِيَة والأمم السالفة بأخبار هِيَ حق عِنْد أَرْبَاب الْعُلُوم وَلَا ينازعه أحد مِنْهُم فِيهَا بل إِذا سمعوها أذعنوا للتصديق بهَا وَلم يكذبوه فِي شَيْء مِنْهَا وَكَذَلِكَ أخبر عَن الْأُمَم الْآتِيَة والوقائع المنتظرة أَخْبَارًا لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا بإكتساب وَإِنَّمَا ذَلِك بإعلام الْعَلِيم الْوَهَّاب فَجَاءَت على نَحْو مَا أخبر وَمَا بِهِ بشر وأنذر
وَسَيَأْتِي من ذَلِك مَوَاضِع يتَبَيَّن فِيهَا ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 246
وَهَذَا دَلِيل من أَدِلَّة نبوته لَا يخفى على متأمل وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق بل نقُول أَنه لَيْسَ فِي الْقُوَّة البشرية والجبلة الإنسانيه الْوُصُول من الْعُلُوم والمعقولات إِلَى مثل مَا وصل هُوَ إِلَيْهِ إِذْ قد علم أمورا لَا يسْتَقلّ الْعقل بدركها وَأخْبر بهَا وَعند هَذَا يعلم أَن ذَلِك بِتَوْفِيق إلهي وَنور رباني وَلأَجل هَذَا قَالَ الله لَهُ ﴿وعلمك مَا لم تكن تعلم وَكَانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما﴾
وَأما صبره وحلمه
فيكفيك من ذَلِك أَنه كسرت رباعيته يَوْم أحد وشج فِي وَجه فشق ذَلِك على أَصْحَابه فَقَالُوا لَهُ لَو دَعَوْت الله عَلَيْهِم فَقَالَ إِنِّي لم أبْعث لعانا وَإِنَّمَا بعثت رَحْمَة ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اهد قومِي فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ
فَأنْظر مَا فِي هَذَا القَوْل من جماع الْفضل ودرجات الْإِحْسَان وَحسن الْخلق وكرم النَّفس وَغَايَة الصَّبْر والحلم إِذْ لم يقصر على السُّكُوت عَنْهُم حَتَّى عفى ثمَّ أشْفق عَلَيْهِم ورحمهم ودعا وشفع لَهُم ثمَّ أظهر سَبَب الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة بقوله لقومي ثمَّ اعتذر عَنْهُم لجهلهم فَقَالَ فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ وَكَذَلِكَ جَاءَ أَعْرَابِي جلف جَاف وَكَانَ على النَّبِي ﷺ برد غليظ الْحَاشِيَة فَجَذَبَهُ الْأَعرَابِي بردائيه جبذا شَدِيدا حَتَّى أثر حَاشِيَة الْبرد فِي صفحة عُنُقه ثمَّ قَالَ يَا مُحَمَّد احملني على بعير من مَال الله الَّذِي بِيَدِك فَإنَّك لَا تحملنِي من مَالك وَلَا من مَال أَبِيك فَسكت النَّبِي ﷺ وَقَالَ المَال مَال الله وَأَنا عَبده ثمَّ قَالَ لَهُ لم فعلت بِي مَا فعلت قَالَ كَأَنَّك لَا تكافئ بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة فَضَحِك رَسُول الله ﷺ ثمَّ أَمر أَن يحمل لَهُ على بعير شعير وعَلى آخر تمر
وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُ آخر اعْدِلْ يَا مُحَمَّد فَإِن هَذِه قسْمَة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَيلك إِن لم أعدل أَنا فَمن يعدل أيأمنني الله على خزائنه وَلَا تأمنوني وَكَذَلِكَ سحره
стр. 247
لبيد بن الأعصم الْيَهُودِيّ فَأعلمهُ الله بسحره وَحَيْثُ هُوَ فاستخرجه الله فبرئ فَقيل لَهُ أَلا تقتله فَقَالَ أما أَنا فقد شفاني الله وأكره أَن أثير على النَّاس شرا
وَكَذَلِكَ قدمت إِلَيْهِ يَهُودِيَّة ذِرَاع شَاة مَسْمُومَة فَأكل مِنْهُ النَّبِي ﵇ فعافاه الله فِي ذَلِك الْوَقْت من ضَرَر ذَلِك السم فَاسْتَحْضر الْمَرْأَة وَقَالَ لَهَا مَا الَّذِي حملك على ذَلِك قَالَت أردْت إِن كنت كَاذِبًا أرحت مِنْك وَإِن كنت صَادِقا لَا يَضرك فعفى عَنْهَا
وَقد قَالَ بعض أَصْحَابه مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ متصرا من مظْلمَة ظلمها قطّ مَا لم تكن حُرْمَة من محارم الله تَعَالَى وَمَا ضرب بِيَدِهِ شَيْئا قطّ إِلَّا أَن يُجَاهد فِي سَبِيل الله وَمَا ضرب خَادِمًا وَلَا أمْرَأَة
وجئ إِلَيْهِ بِرَجُل فَقيل هَذَا أَرَادَ أَن يقتلك فَقَالَ لَهُ ﷺ لن ترع لن ترع وَلَو أردْت ذَلِك لم تسلط عَليّ
وجاءه زيد بن سعية يتقاضاه دينا لَهُ عَلَيْهِ فجبذ ثَوْبه عَن مَنْكِبَيْه وَأخذ بِمَجَامِع ثِيَابه وَأَغْلظ لَهُ فانتهره عمر وشدد لَهُ فِي القَوْل وَالنَّبِيّ ﷺ يتبسم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا وَهُوَ كُنَّا إِلَى غير هَذَا مِنْك أحْوج تَأْمُرنِي بِحسن الْقَضَاء وتأمره بِحسن التقاضي ثمَّ قَالَ لقد بقى من أَجله ثَلَاثَة وَأمر عمر يَقْتَضِيهِ مَا لَهُ ويزيده عشْرين صَاعا فَكَانَ سَبَب إِسْلَامه
وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب أَكثر من أَن يَأْتِي على حصرها هَذَا الْكتاب
وعَلى الْجُمْلَة فقد تَوَاتر صبره على أَذَى قُرَيْش وسبه وإخراجه من بَلَده ونيل الْأَذَى حَتَّى بلغُوا مِنْهُ مبلغا لَا يصبر عَلَيْهِ إِلَّا من هُوَ مثله فَلَمَّا أظفره الله بهم قَالَ لَهُم مَا تَقولُونَ أَنِّي فَاعل بكم قَالُوا خيرا أَخ كريم وأبن كريم فَقَالَ أَقُول كَمَا قَالَ أخي
стр. 248
يُوسُف ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ أذهبوا فَأنْتم الطُّلَقَاء
وَلَقَد ثَبت عَنهُ أَنه لما كذبه قومه جَاءَهُ جِبْرِيل ﵉ فَقَالَ إِن الله قد سمع قَول قَوْمك لَك وَمَا ردوا عَلَيْك وَقد أَمر ملك الْجبَال لتأمره بِمَا شِئْت فيهم فناداه ملك الْجبَال وَسلم عَلَيْهِ وَقَالَ مرني بِمَا شِئْت إِن شِئْت أطبق عَلَيْهِم الأخشبين فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَرْجُو أَن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وَحده لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا
وَلَقَد هَبَط ثَمَانُون رجلا من التَّنْعِيم صَلَاة الصُّبْح ليقتلوا رَسُول الله ﷺ فَأخذُوا فَأعْتقهُمْ
وَمثل هَذَا كثير
وَعند هَذَا يتَبَيَّن أَنه ﷺ أحلم النَّاس عِنْد مقدرته وأصبرهم على مكرهته وَأَنه امتثل أَمر الله حَيْثُ قَالَ لَهُ ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ وَحَيْثُ قَالَ لَهُ تَعَالَى ﴿فَاعْفُ عَنْهُم وَاصْفَحْ إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾
وَأما تواضعه
ﷺ على علو منصبه ورفعة رتبته فَكَانَ أَشد النَّاس تواضعا وأبعدهم عَن كبر وحسبك أَن الله خَيره بَين أَن يكون نَبيا ملكا أَو نَبيا عبدا فَاخْتَارَ أَن يكون نَبيا عبدا فَقَالَ لَهُ إسْرَافيل ﵇ عِنْد ذَلِك فَإِن الله قد أَعْطَاك بِمَا تواضعت لَهُ أَنَّك سيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة وَأول من تَنْشَق الأَرْض عَنهُ وَأول شَافِع
وَقَالَ أَبُو أُمَامَة خرج علينا رَسُول الله ﷺ متوكأ على عَصا فقمنا لَهُ فَقَالَ لَا تقوموا كَمَا تقوم الْأَعَاجِم يعظم بَعْضهَا بَعْضًا وَقَالَ إِنَّمَا أَنا عبد آكل كَمَا يَأْكُل العَبْد وأجلس كَمَا يجلس العَبْد وَكَانَ يركب الْحمار ويردف خَلفه وَيعود الْمَسَاكِين ويجالس الْفُقَرَاء ويجيب دَعْوَة العبيد وَيجْلس بَين أَصْحَابه مختلطا بهم حَيْثُ مَا انْتهى بِهِ الْمجْلس جلس
стр. 249
وَقَالَ ﵇ لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى ابْن مَرْيَم إِنَّمَا أَنا عبد فَقولُوا عبد الله وَرَسُوله
وجاءته امْرَأَة فَقَالَت إِن لي إِلَيْك حَاجَة قَالَ لَهَا اجلسي يَا أم فلَان فِي أَي طرق الْمَدِينَة شِئْت أَجْلِس إِلَيْك حَتَّى أقضى حَاجَتك فَجَلَسَ إِلَيْهَا حَتَّى فرغت من حَاجَتهَا وَكَانَ يَوْم بني قُرَيْظَة على حمَار ومخطوم بِحَبل من لِيف عَلَيْهِ أكاف
وَكَانَ يدعى إِلَى خبز الشّعير والإهالة السنخة فيجيب
وَقد حج وَكَانَ عَلَيْهِ قطيفة مَا تَسَاوِي أَرْبَعَة دَرَاهِم هَذَا كُله وَقد أَقبلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا بحذافيرها وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ أفلاذ كَبِدهَا فَلم يلْتَفت إِلَيْهَا وَلَا عبأ بهَا وَكَانَ ﷺ فِي بَيته فِي مهنة أَهله يفلى ثَوْبه ويحلب شاته ويرقع ثَوْبه ويخصف نَعله ويخدم نَفسه ويعلف نَاضِحَهُ ويقم الْبَيْت وَيعْقل الْبَعِير وَيَأْكُل مَعَ الْخَادِم ويعجن مَعهَا وَيحمل بضاعته من السُّوق وَكَانَت الْأمة من إِمَاء أهل الْمَدِينَة تَأْخُذ بِيَدِهِ فتنطلق بِهِ حَيْثُ شَاءَت من الْمَدِينَة حَتَّى يقْضى حَاجَتهَا
وَدخل عَلَيْهِ رجل فأصابته من هيبته رعدة فَقَالَ لَهُ (هون عَلَيْك فَانِي لست بِملك انما أَنا ابْن امْرَأَة من قُرَيْش كَانَت تَأْكُل القديد) وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة دخلت السُّوق مَعَ النَّبِي ﷺ فَاشْترى سَرَاوِيل وَقَالَ للوازن زن وارجح وَذكر قصَّته فَقَالَ فَوَثَبَ إِلَى يَد النَّبِي ﷺ يقبلهَا فجذب يَده وَقَالَ هَذَا تَفْعَلهُ الْأَعَاجِم بملوكها وَلست بِملك إِنَّمَا أَنا رجل مِنْكُم ثمَّ أَخذ السَّرَاوِيل فَذَهَبت لأحمله فَقَالَ صَاحب الشَّيْء أَحَق بشيئه أَن يحملهُ
وَأما عدله وَصدقه ﷺ وأمانته وَصدق لهجته
فَكَانَ ﷺ آمن النَّاس وَأَعْدل النَّاس وأعف النَّاس وأصدقهم لهجة مُنْذُ كَانَ
اعْترف بذلك محادوه وعداته وَكَانَ يُسمى قبل النُّبُوَّة الْأمين وَذَلِكَ لما جعل الله فِيهِ من الْأَخْلَاق الصَّالِحَة
стр. 250
وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَن قُريْشًا لما بنيت الْكَعْبَة اخْتلفت فِيمَن يضع الْحجر الْأسود مَوْضِعه فحكموا بَينهم أول دَاخل عَلَيْهِم فَإِذا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّد ﷺ دَاخِلا فَقَالُوا هَذَا مُحَمَّد هَذَا الْأمين قد رَضِينَا بِهِ وَذَلِكَ قبل أَن يبْعَث
وَلَقَد اجْتمع الْأَخْنَس بن شريق مَعَ أبي جهل يَوْم بدر وَكِلَاهُمَا مُخَالف وعدو لَهُ قد أجمع على قَتله وقتاله فَقَالَ الْأَخْنَس لأبي جهل يَا أَبَا الحكم لَيْسَ هُنَا غَيْرِي وَغَيْرك يسمع كلامنا فَأَخْبرنِي عَن مُحَمَّد أصادق أم كَاذِب فَقَالَ أَبُو جهل وَالله إِن مُحَمَّدًا لصَادِق وَمَا كذب مُحَمَّد قطّ
وَلَقَد سَأَلَ هِرقل أَبَا سُفْيَان وَهُوَ على شركه ومخالفته فَقَالَ لَهُ هَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا قَالَ قَالَ لَا قَالَ هِرقل قد أعلم أَنه لم يكن يدع الْكَذِب على النَّاس ويكذب على الله
وَقَالَ النَّضر بن الْحَارِث لقريش وَهُوَ عدوه ومخالفه قد كَانَ مُحَمَّد فِيكُم غُلَاما حَدثا أرضاكم فِيكُم وأصدقكم حَدِيثا وأعظمكم أَمَانَة حَتَّى إِذا رَأَيْتُمْ فِي صدغيه الشيب وَجَاءَكُم بِمَا جَاءَ بِهِ قُلْتُمْ أَنه كَذَّاب وَأَنه سَاحر
لَا وَالله مَا هُوَ بساحر وَلَا بِكَذَّابٍ
فَهَذَا كَانَ حَاله فاعترف أعداؤه بمناقبه وَلَا يقدرُونَ على إِنْكَار شَيْء من فضائله
من أدل دَلِيل على عدله وعظيم تواضعه وفضله أَنه كَانَ قد انْتهى بِهِ الْأَمر إِلَى أَن تهابه الْمُلُوك وتفرق مِنْهُ الْجَبَابِرَة وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُ كَانَ يُوفي لكل ذِي حق حَقه وَيعرف لذِي الْفضل فَضله حَتَّى كَانَ يَقُول إِنِّي أُرِيد أَن ألْقى الله وَلَيْسَ لأحد مِنْكُم يطالبني بمظلمة فِي أهل وَلَا مَال وَلأَجل ذَلِك أقاد عكاشة بن مُحصن من نَفسه وَذَلِكَ أَنه ﷺ ضربه بقضيب فِي ظَهره غير قَاصد لضربه فَقَالَ لَهُ عكاشة إِنَّك قد أوجعتني فأقدني مَعْنَاهُ مكني مِنْك حَتَّى أضربك مِثْلَمَا ضربتني فكشف لَهُ عَن ظَهره وناوله الْقَضِيب وَقَالَ اضْرِب فأكب عكاشة على ظَهره يقبله وَقَالَ إِنَّمَا أردْت أَن يمس جلدي جِلْدك
следующие страницы →