Полный текст (442 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَهَذَا دَلِيل من أَدِلَّة نبوته لَا يخفى على متأمل وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق بل نقُول أَنه لَيْسَ فِي الْقُوَّة البشرية والجبلة الإنسانيه الْوُصُول من الْعُلُوم والمعقولات إِلَى مثل مَا وصل هُوَ إِلَيْهِ إِذْ قد علم أمورا لَا يسْتَقلّ الْعقل بدركها وَأخْبر بهَا وَعند هَذَا يعلم أَن ذَلِك بِتَوْفِيق إلهي وَنور رباني وَلأَجل هَذَا قَالَ الله لَهُ ﴿وعلمك مَا لم تكن تعلم وَكَانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما﴾
وَأما صبره وحلمه
فيكفيك من ذَلِك أَنه كسرت رباعيته يَوْم أحد وشج فِي وَجه فشق ذَلِك على أَصْحَابه فَقَالُوا لَهُ لَو دَعَوْت الله عَلَيْهِم فَقَالَ إِنِّي لم أبْعث لعانا وَإِنَّمَا بعثت رَحْمَة ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اهد قومِي فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ
فَأنْظر مَا فِي هَذَا القَوْل من جماع الْفضل ودرجات الْإِحْسَان وَحسن الْخلق وكرم النَّفس وَغَايَة الصَّبْر والحلم إِذْ لم يقصر على السُّكُوت عَنْهُم حَتَّى عفى ثمَّ أشْفق عَلَيْهِم ورحمهم ودعا وشفع لَهُم ثمَّ أظهر سَبَب الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة بقوله لقومي ثمَّ اعتذر عَنْهُم لجهلهم فَقَالَ فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ وَكَذَلِكَ جَاءَ أَعْرَابِي جلف جَاف وَكَانَ على النَّبِي ﷺ برد غليظ الْحَاشِيَة فَجَذَبَهُ الْأَعرَابِي بردائيه جبذا شَدِيدا حَتَّى أثر حَاشِيَة الْبرد فِي صفحة عُنُقه ثمَّ قَالَ يَا مُحَمَّد احملني على بعير من مَال الله الَّذِي بِيَدِك فَإنَّك لَا تحملنِي من مَالك وَلَا من مَال أَبِيك فَسكت النَّبِي ﷺ وَقَالَ المَال مَال الله وَأَنا عَبده ثمَّ قَالَ لَهُ لم فعلت بِي مَا فعلت قَالَ كَأَنَّك لَا تكافئ بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة فَضَحِك رَسُول الله ﷺ ثمَّ أَمر أَن يحمل لَهُ على بعير شعير وعَلى آخر تمر
وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُ آخر اعْدِلْ يَا مُحَمَّد فَإِن هَذِه قسْمَة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَيلك إِن لم أعدل أَنا فَمن يعدل أيأمنني الله على خزائنه وَلَا تأمنوني وَكَذَلِكَ سحره
стр. 247
لبيد بن الأعصم الْيَهُودِيّ فَأعلمهُ الله بسحره وَحَيْثُ هُوَ فاستخرجه الله فبرئ فَقيل لَهُ أَلا تقتله فَقَالَ أما أَنا فقد شفاني الله وأكره أَن أثير على النَّاس شرا
وَكَذَلِكَ قدمت إِلَيْهِ يَهُودِيَّة ذِرَاع شَاة مَسْمُومَة فَأكل مِنْهُ النَّبِي ﵇ فعافاه الله فِي ذَلِك الْوَقْت من ضَرَر ذَلِك السم فَاسْتَحْضر الْمَرْأَة وَقَالَ لَهَا مَا الَّذِي حملك على ذَلِك قَالَت أردْت إِن كنت كَاذِبًا أرحت مِنْك وَإِن كنت صَادِقا لَا يَضرك فعفى عَنْهَا
وَقد قَالَ بعض أَصْحَابه مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ متصرا من مظْلمَة ظلمها قطّ مَا لم تكن حُرْمَة من محارم الله تَعَالَى وَمَا ضرب بِيَدِهِ شَيْئا قطّ إِلَّا أَن يُجَاهد فِي سَبِيل الله وَمَا ضرب خَادِمًا وَلَا أمْرَأَة
وجئ إِلَيْهِ بِرَجُل فَقيل هَذَا أَرَادَ أَن يقتلك فَقَالَ لَهُ ﷺ لن ترع لن ترع وَلَو أردْت ذَلِك لم تسلط عَليّ
وجاءه زيد بن سعية يتقاضاه دينا لَهُ عَلَيْهِ فجبذ ثَوْبه عَن مَنْكِبَيْه وَأخذ بِمَجَامِع ثِيَابه وَأَغْلظ لَهُ فانتهره عمر وشدد لَهُ فِي القَوْل وَالنَّبِيّ ﷺ يتبسم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا وَهُوَ كُنَّا إِلَى غير هَذَا مِنْك أحْوج تَأْمُرنِي بِحسن الْقَضَاء وتأمره بِحسن التقاضي ثمَّ قَالَ لقد بقى من أَجله ثَلَاثَة وَأمر عمر يَقْتَضِيهِ مَا لَهُ ويزيده عشْرين صَاعا فَكَانَ سَبَب إِسْلَامه
وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب أَكثر من أَن يَأْتِي على حصرها هَذَا الْكتاب
وعَلى الْجُمْلَة فقد تَوَاتر صبره على أَذَى قُرَيْش وسبه وإخراجه من بَلَده ونيل الْأَذَى حَتَّى بلغُوا مِنْهُ مبلغا لَا يصبر عَلَيْهِ إِلَّا من هُوَ مثله فَلَمَّا أظفره الله بهم قَالَ لَهُم مَا تَقولُونَ أَنِّي فَاعل بكم قَالُوا خيرا أَخ كريم وأبن كريم فَقَالَ أَقُول كَمَا قَالَ أخي
стр. 248
يُوسُف ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ أذهبوا فَأنْتم الطُّلَقَاء
وَلَقَد ثَبت عَنهُ أَنه لما كذبه قومه جَاءَهُ جِبْرِيل ﵉ فَقَالَ إِن الله قد سمع قَول قَوْمك لَك وَمَا ردوا عَلَيْك وَقد أَمر ملك الْجبَال لتأمره بِمَا شِئْت فيهم فناداه ملك الْجبَال وَسلم عَلَيْهِ وَقَالَ مرني بِمَا شِئْت إِن شِئْت أطبق عَلَيْهِم الأخشبين فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَرْجُو أَن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وَحده لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا
وَلَقَد هَبَط ثَمَانُون رجلا من التَّنْعِيم صَلَاة الصُّبْح ليقتلوا رَسُول الله ﷺ فَأخذُوا فَأعْتقهُمْ
وَمثل هَذَا كثير
وَعند هَذَا يتَبَيَّن أَنه ﷺ أحلم النَّاس عِنْد مقدرته وأصبرهم على مكرهته وَأَنه امتثل أَمر الله حَيْثُ قَالَ لَهُ ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ وَحَيْثُ قَالَ لَهُ تَعَالَى ﴿فَاعْفُ عَنْهُم وَاصْفَحْ إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾
وَأما تواضعه
ﷺ على علو منصبه ورفعة رتبته فَكَانَ أَشد النَّاس تواضعا وأبعدهم عَن كبر وحسبك أَن الله خَيره بَين أَن يكون نَبيا ملكا أَو نَبيا عبدا فَاخْتَارَ أَن يكون نَبيا عبدا فَقَالَ لَهُ إسْرَافيل ﵇ عِنْد ذَلِك فَإِن الله قد أَعْطَاك بِمَا تواضعت لَهُ أَنَّك سيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة وَأول من تَنْشَق الأَرْض عَنهُ وَأول شَافِع
وَقَالَ أَبُو أُمَامَة خرج علينا رَسُول الله ﷺ متوكأ على عَصا فقمنا لَهُ فَقَالَ لَا تقوموا كَمَا تقوم الْأَعَاجِم يعظم بَعْضهَا بَعْضًا وَقَالَ إِنَّمَا أَنا عبد آكل كَمَا يَأْكُل العَبْد وأجلس كَمَا يجلس العَبْد وَكَانَ يركب الْحمار ويردف خَلفه وَيعود الْمَسَاكِين ويجالس الْفُقَرَاء ويجيب دَعْوَة العبيد وَيجْلس بَين أَصْحَابه مختلطا بهم حَيْثُ مَا انْتهى بِهِ الْمجْلس جلس
стр. 249
وَقَالَ ﵇ لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى ابْن مَرْيَم إِنَّمَا أَنا عبد فَقولُوا عبد الله وَرَسُوله
وجاءته امْرَأَة فَقَالَت إِن لي إِلَيْك حَاجَة قَالَ لَهَا اجلسي يَا أم فلَان فِي أَي طرق الْمَدِينَة شِئْت أَجْلِس إِلَيْك حَتَّى أقضى حَاجَتك فَجَلَسَ إِلَيْهَا حَتَّى فرغت من حَاجَتهَا وَكَانَ يَوْم بني قُرَيْظَة على حمَار ومخطوم بِحَبل من لِيف عَلَيْهِ أكاف
وَكَانَ يدعى إِلَى خبز الشّعير والإهالة السنخة فيجيب
وَقد حج وَكَانَ عَلَيْهِ قطيفة مَا تَسَاوِي أَرْبَعَة دَرَاهِم هَذَا كُله وَقد أَقبلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا بحذافيرها وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ أفلاذ كَبِدهَا فَلم يلْتَفت إِلَيْهَا وَلَا عبأ بهَا وَكَانَ ﷺ فِي بَيته فِي مهنة أَهله يفلى ثَوْبه ويحلب شاته ويرقع ثَوْبه ويخصف نَعله ويخدم نَفسه ويعلف نَاضِحَهُ ويقم الْبَيْت وَيعْقل الْبَعِير وَيَأْكُل مَعَ الْخَادِم ويعجن مَعهَا وَيحمل بضاعته من السُّوق وَكَانَت الْأمة من إِمَاء أهل الْمَدِينَة تَأْخُذ بِيَدِهِ فتنطلق بِهِ حَيْثُ شَاءَت من الْمَدِينَة حَتَّى يقْضى حَاجَتهَا
وَدخل عَلَيْهِ رجل فأصابته من هيبته رعدة فَقَالَ لَهُ (هون عَلَيْك فَانِي لست بِملك انما أَنا ابْن امْرَأَة من قُرَيْش كَانَت تَأْكُل القديد) وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة دخلت السُّوق مَعَ النَّبِي ﷺ فَاشْترى سَرَاوِيل وَقَالَ للوازن زن وارجح وَذكر قصَّته فَقَالَ فَوَثَبَ إِلَى يَد النَّبِي ﷺ يقبلهَا فجذب يَده وَقَالَ هَذَا تَفْعَلهُ الْأَعَاجِم بملوكها وَلست بِملك إِنَّمَا أَنا رجل مِنْكُم ثمَّ أَخذ السَّرَاوِيل فَذَهَبت لأحمله فَقَالَ صَاحب الشَّيْء أَحَق بشيئه أَن يحملهُ
وَأما عدله وَصدقه ﷺ وأمانته وَصدق لهجته
فَكَانَ ﷺ آمن النَّاس وَأَعْدل النَّاس وأعف النَّاس وأصدقهم لهجة مُنْذُ كَانَ
اعْترف بذلك محادوه وعداته وَكَانَ يُسمى قبل النُّبُوَّة الْأمين وَذَلِكَ لما جعل الله فِيهِ من الْأَخْلَاق الصَّالِحَة
стр. 250
وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَن قُريْشًا لما بنيت الْكَعْبَة اخْتلفت فِيمَن يضع الْحجر الْأسود مَوْضِعه فحكموا بَينهم أول دَاخل عَلَيْهِم فَإِذا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّد ﷺ دَاخِلا فَقَالُوا هَذَا مُحَمَّد هَذَا الْأمين قد رَضِينَا بِهِ وَذَلِكَ قبل أَن يبْعَث
وَلَقَد اجْتمع الْأَخْنَس بن شريق مَعَ أبي جهل يَوْم بدر وَكِلَاهُمَا مُخَالف وعدو لَهُ قد أجمع على قَتله وقتاله فَقَالَ الْأَخْنَس لأبي جهل يَا أَبَا الحكم لَيْسَ هُنَا غَيْرِي وَغَيْرك يسمع كلامنا فَأَخْبرنِي عَن مُحَمَّد أصادق أم كَاذِب فَقَالَ أَبُو جهل وَالله إِن مُحَمَّدًا لصَادِق وَمَا كذب مُحَمَّد قطّ
وَلَقَد سَأَلَ هِرقل أَبَا سُفْيَان وَهُوَ على شركه ومخالفته فَقَالَ لَهُ هَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا قَالَ قَالَ لَا قَالَ هِرقل قد أعلم أَنه لم يكن يدع الْكَذِب على النَّاس ويكذب على الله
وَقَالَ النَّضر بن الْحَارِث لقريش وَهُوَ عدوه ومخالفه قد كَانَ مُحَمَّد فِيكُم غُلَاما حَدثا أرضاكم فِيكُم وأصدقكم حَدِيثا وأعظمكم أَمَانَة حَتَّى إِذا رَأَيْتُمْ فِي صدغيه الشيب وَجَاءَكُم بِمَا جَاءَ بِهِ قُلْتُمْ أَنه كَذَّاب وَأَنه سَاحر
لَا وَالله مَا هُوَ بساحر وَلَا بِكَذَّابٍ
فَهَذَا كَانَ حَاله فاعترف أعداؤه بمناقبه وَلَا يقدرُونَ على إِنْكَار شَيْء من فضائله
من أدل دَلِيل على عدله وعظيم تواضعه وفضله أَنه كَانَ قد انْتهى بِهِ الْأَمر إِلَى أَن تهابه الْمُلُوك وتفرق مِنْهُ الْجَبَابِرَة وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُ كَانَ يُوفي لكل ذِي حق حَقه وَيعرف لذِي الْفضل فَضله حَتَّى كَانَ يَقُول إِنِّي أُرِيد أَن ألْقى الله وَلَيْسَ لأحد مِنْكُم يطالبني بمظلمة فِي أهل وَلَا مَال وَلأَجل ذَلِك أقاد عكاشة بن مُحصن من نَفسه وَذَلِكَ أَنه ﷺ ضربه بقضيب فِي ظَهره غير قَاصد لضربه فَقَالَ لَهُ عكاشة إِنَّك قد أوجعتني فأقدني مَعْنَاهُ مكني مِنْك حَتَّى أضربك مِثْلَمَا ضربتني فكشف لَهُ عَن ظَهره وناوله الْقَضِيب وَقَالَ اضْرِب فأكب عكاشة على ظَهره يقبله وَقَالَ إِنَّمَا أردْت أَن يمس جلدي جِلْدك
стр. 251
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا أَكثر من أَن يُحِيط بهَا هَذَا الْكتاب
وَأما زهده
ﷺ فَلَقَد كَانَ أزهد النَّاس وأورعهم وحسبك شَاهدا على ذَلِك مَا علم من حَاله ﷺ وَذَلِكَ أَنه أعرض عَن الدُّنْيَا وزهرتها وَلم يلْتَفت إِلَى شَيْء مِنْهَا مَعَ إقبالها عَلَيْهِ وسياقتها إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَن الدُّنْيَا سيقت إِلَيْهِ بحذافيرها وترادفت عَلَيْهِ فتوحها وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا يعرج عَلَيْهَا وَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا إِلَى أَن مَاتَ وَدِرْعه مَرْهُونَة عِنْد يَهُودِيّ فِي نَفَقَة عِيَاله وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُول اللَّهُمَّ اجْعَل رزق آل مُحَمَّد قوتا وَيَقُول اللَّهُمَّ أحييني مِسْكينا وأمتني مِسْكينا وأحشرني فِي جملَة الْمَسَاكِين وَلَقَد صحت الْأَخْبَار عَنهُ أَنه مَا شبع ثَلَاثًا تباعا حَتَّى مضى لسبيله وَلَقَد روى أَنه مَا شبع من خبز الشّعير يَوْمَيْنِ متواليين وَمَا ترك رَسُول الله ﷺ دِينَارا وَلَا درهما وَلَا شَاة وَلَا بَعِيرًا وَمَا ترك إِلَّا بغلته وسلاحه وأرضا جعلهَا صَدَقَة وَكَانَ يَقُول مَا أحب أَن لي مثل أحد ذَهَبا يمْضِي ثَالِثَة وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارا إِلَّا شَيْئا أرصده لدين وَلَقَد قَالَ ﷺ عرض على رَبِّي أَن يَجْعَل لي بطحاء مَكَّة ذَهَبا قلت لَا يَا رب بل أجوع يَوْمًا وَأَشْبع يَوْمًا فَإِذا جعت تضرعت إِلَيْك ودعوتك وَإِذا شبعت شكرتك وحمدتك وَلَقَد حكى عَنهُ جمَاعَة من أَصْحَابه أَنه كَانَ يبيت هُوَ وَعِيَاله اللَّيَالِي المتتابعة طاويا لَا يَجدونَ عشَاء وَقَالَ أنس خادمه مَا أكل رَسُول الله ﷺ على خوان وَلَا فِي سكرجة وَلَا خبز لَهُ مرقق وَلَا رأى شَاة عبيطا قطّ
وَدخل عَلَيْهِ عمر بن الْخطاب فَوَجَدَهُ مُضْطَجعا على رمل حَصِير قد أثر فِي جنبه قَالَ عمر فَنَظَرت فِي بَيته فَلم أر فِيهِ شَيْئا فَبَكَيْت لما رَأَيْت برَسُول الله ﷺ من الْحَاجة والفاقة فَقَالَ مَا شَأْنك يَا ابْن الْخطاب فَقلت يَا رَسُول الله ذكرت كسْرَى وَقَيْصَر وَمَا أعطاهما الله تَعَالَى فَقَالَ أَفِي شكّ أَنْت يَا ابْن الْخطاب أما ترْضى أَن تكون لَهما الدُّنْيَا وَلنَا الْآخِرَة وَقَالَت عَائِشَة لم يمتلئ جَوف نَبِي الله شبعا قطّ وَلم يبث شكوى إِلَى أحد وَكَانَت الْفَاقَة أحب إِلَيْهِ من الْغناء وَإِن كَانَ ليظل جائعا يلتوي طول ليله من الْجُوع فَلَا يمنعهُ صِيَام يَوْمه وَلَو شَاءَ سَأَلَ ربه كنوز جَمِيع الأَرْض وثمارها ورغد عيشها
стр. 252
وَلَقَد كنت أبْكِي لَهُ رَحْمَة مِمَّا أرى بِهِ وأمسح بيَدي على بَطْنه مِمَّا بِهِ من الْجُوع وَأَقُول نَفسِي لَك الْفِدَاء لَو تبلغت من الدُّنْيَا بِمَا قوتك فَيَقُول يَا عَائِشَة مَالِي وللدنيا إخْوَانِي من أولي الْعَزْم من الرُّسُل صَبَرُوا على مَا هُوَ أَشد من هَذَا فَمَضَوْا على حَالهم فقدموا على رَبهم فأكرمهم مآبهم وأجزل ثوابهم فأجدني أستحيي أَن ترفهت فِي معيشتي أَن يقصرني غَدا دونهم وَمَا شَيْء هُوَ أحب إِلَى من اللحوق بإخواني وأخلاني قَالَت فَمَا أَقَامَ بعد ذَلِك إِلَّا شهرا حَتَّى توفى صلوَات الله عَلَيْهِ
وَلَقَد شكى إِلَيْهِ بعض أَصْحَابه الْجُوع وكشف لَهُ عَن بَطْنه عَن حجر فكشف لَهُ رَسُول الله ﷺ عَن بَطْنه عَن حجرين ﷺ تَسْلِيمًا وَهَذَا مَعْلُوم قطعا من أَحْوَاله لَا يقدر على جَحده أحد من أعدائه وَلَا أوليائه
وَأما كَثْرَة جوده وَكَرمه
فشيء مَعْرُوف من شيمه فَلَقَد تَوَاتر أَنه كَانَ أكْرم النَّاس وأجودهم حَتَّى أَنه مَا سُئِلَ قطّ شَيْئا فَمَنعه إِذا كَانَ ذَلِك الشَّيْء الْمَسْئُول مِمَّا لَا يمْنَع شرعا
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ كَانَ النَّبِي ﷺ أَجود النَّاس بِالْخَيرِ وأجود مَا يكون فِي رَمَضَان وَكَانَ أَجود بِالْخَيرِ من الرّيح الْمُرْسلَة
وَلَقَد سَأَلَهُ رجل فَأعْطَاهُ غنما بَين جبلين فَرجع ذَلِك الرجل إِلَى قومه فَقَالَ أَسْلمُوا فَإِن مُحَمَّدًا يعْطى عَطاء من لَا يخْشَى فاقة وَأعْطى أُنَاسًا كثيرين مائَة مائَة من الْإِبِل وَأعْطى صَفْوَان مائَة ثمَّ مائَة وَأعْطى الْعَبَّاس من الذَّهَب مَا لم يطق حمله وسيق لَهُ ﷺ تسعون ألفا فَوضعت على حَصِير ثمَّ قَامَ إِلَيْهَا يقسمها فَمَا رد سَائِلًا حَتَّى فرغ مِنْهُ
وَكَانَ ﷺ لَا يرد سَائِلًا جَاءَهُ وَرُبمَا كَانَ السَّائِل لَا يجد عِنْده شَيْئا فَيَأْخُذ لَهُ بِالدّينِ وَيُعْطِيه السَّائِل حَتَّى يَقْضِيه النَّبِي ﷺ وَلَقَد جَاءَهُ رجل فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَا عِنْدِي شَيْء وَلَكِن أبتع على بدين فَإِذا جَاءَنَا شَيْء قضيناه فَقَالَ لَهُ عمر مَا كلفك الله مَالا تقدر عَلَيْهِ فكره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 253
مَا قَالَه عمر فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار يَا رَسُول الله أنْفق وَلَا تخف من ذِي الْعَرْش إقلالا فَتَبَسَّمَ وَعرف بشر ذَلِك القَوْل فِي وَجهه وَقَالَ بِهَذَا أمرت
وَلَقَد كَانَ ﷺ يقبل الْهَدِيَّة وَإِن لم يحْتَج إِلَيْهَا ويثيب عَلَيْهَا بأضعافها روى أَن معَاذ بن عفراء أهْدى للنَّبِي ﷺ طبقًا فِيهِ رطب وقثاء فَأعْطَاهُ النَّبِي ﷺ ملْء كَفه ذَهَبا وحليا وَكَانَ ﷺ لَا يدّخر شَيْئا لغده لنَفسِهِ وَقد ثَبت عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول مَا يسرني أَن عِنْدِي مثل أحد ذَهَبا يمْضِي على ثَالِثَة وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارا إِلَّا شَيْئا أرصده لدين وَمَا سيق لَهُ قطّ شَيْء يقسم ذَهَبا كَانَ أَو غَيره إِلَّا أَمر بقسمه وَلم يبت عِنْده
وَهَكَذَا كَانَ الْمَعْرُوف من خلقه قبل مبعثه وَكَانَ هَذَا مَعْرُوفا عِنْد قومه الَّذين نَشأ فيهم حَتَّى لقد قَالَ لَهُ ورقة بن نَوْفَل وَكَانَ امْرَءًا تنصر وَقَرَأَ الْكتب العبرانية وَكَانَ قد تفطن واستشعر بنبوته ﵇ لما رأى من العلامات الَّتِي علمهَا من الْكتب الْمُتَقَدّم فَقَالَ لَهُ إِنَّك لتحمل الْكل وتقري الضَّيْف وتكسب الْمَعْدُوم وَتعين على نَوَائِب الْحق
وَهَذَا كُله من أخلاقه مَعْرُوف حَاصِل لَا يتمارى فِيهِ منصف عَاقل
وَأما وفاؤه بالعهد
فَلَا يتمارى فِيهِ إِلَّا خسيس وغد فقد كَانَ ﷺ أحفظ النَّاس بِعَهْد وأوفاهم بميثاق ووعد وَأَحْسَنهمْ جوارا وأصدقهم قولا وأخبارا روى عَن عبد الله ابْن أبي الحمساء أَنه قَالَ بَايَعت النَّبِي ﷺ بِبيع قبل أَن يبْعَث وَبقيت لَهُ بَقِيَّة فوعدته أَن آتيه بهَا فِي مَكَانَهُ فنسيت ثمَّ ذكرت بعد ثَلَاث فَجئْت فَإِذا هُوَ فِي مَكَانَهُ فَقَالَ يَا فَتى لقد شققت عَليّ أَنا هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاث أنتظرك وَذَلِكَ لِلْمِيعَادِ الَّذِي كَانَ بَينهمَا وَكَانَ الْمَعْلُوم من سيرته ﷺ أَنه كَانَ يعْقد العهود والمواثيق بَينه وَبَين عداته وَغَيرهم فيفي بهَا ويؤذنهم بإنقضائها عِنْد تَمامهَا وَلم يغدر قطّ فِي شَيْء مِنْهَا وَلَقَد كَانَ هَذَا مَعْرُوفا عِنْد أعدائه كَمَا هُوَ مَعْرُوفا عِنْد أوليائه
стр. 254
وَلَقَد روى أَن هِرقل ملك النَّصَارَى لما سَأَلَ كفار قُرَيْش عَن صِفَات النَّبِي ﷺ قَالَ فَهَل يغدر قَالُوا لَهُ لَا فَقَالَ لَهُم كَذَلِك الرُّسُل لَا تغدر وَكَيف يغدر ﷺ وَهُوَ قَالَ ينصب لكل غادر لِوَاء يَوْم الْقِيَامَة يعرف بِهِ يُقَال هَذِه غدرة فلَان وَلَقَد جَاءَهُ الْمُغيرَة بن شُعْبَة مُسلما وَجَاء مَعَه بِمَال قوم من الْجَاهِلِيَّة كَانَ قد صحبهم ثمَّ قَتلهمْ وَأخذ أَمْوَالهم فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ أما الْإِسْلَام فَأقبل وَأما المَال فلست مِنْهُ فِي شَيْء وَقَالَ ﷺ وَقد عرض لَهُ بعض أَصْحَابه بغدر الْمُشْركين دَعْنِي لَهُم ونستعين الله عَلَيْهِم
وَفِي خبر الجلندي ملك عمان لما بلغه أَن رَسُول الله ﷺ يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام فَقَالَ الجلندي وَالله لقد دلَّنِي على أَن هَذَا نَبِي أَنه لَا يَأْمر بِخَير إِلَّا كَانَ أول آخذ بِهِ وَلَا ينْهَى عَن شَرّ إِلَّا كَانَ أول تَارِك لَهُ وَأَنه يغلب فَلَا يبطر ويغلب فَلَا يضجر ويفي بالعهود وينجز الْمَوْعُود أشهد أَنه نَبِي
يَا هَذَا تَأمل بعقلك
أَيْن هَذَا مِمَّا يحْكى الْيَهُود وَالنَّصَارَى عَن مُوسَى ﵇ فِي كتبهمْ من أَن مُوسَى ﵇ لما أَرَادَ الْخُرُوج من مصر اسْتعَار حلى بني إِسْرَائِيل ثمَّ فر بِهِ لَيْلًا
وَعند الإنتهاء إِلَى هَذَا الْمقَام يعلم الْعَاقِل مَا فِي كتب الْقَوْم من الأباطل والأوهام ومُوسَى ﵇ مبرأ عَن النقائص والآثام وَمن وفائه بالعهد وقيامه فِي حفظه بِالْحَدِّ أَنه قدم عَلَيْهِ وَفد النَّجَاشِيّ فَقَامَ ﷺ يخدمهم بِنَفسِهِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه نَحن نكفيك فَقَالَ إِنَّهُم كَانُوا لِأَصْحَابِنَا مكرمين وَإِنِّي أحب أَن أكافئهم وَقَالَ ﷺ حسن الْعَهْد من الْإِيمَان
وَحَقِيقَة الْوَفَاء بالعهد تتميم مَا ربط من العقد ومراعاة مَا تقدم من الود ومكافأة من لَهُ يَد وَقد كَانَت هَذِه الْخِصَال اجْتمعت فِيهِ لَا يُنَازع فِي ذَلِك أحد وَإِن كَانَ يناوئه
وَأما حسن سمته وتؤدته وَكثير حيائه ومروءته
فشيء لَا يجْحَد وَلَا يجهل وَلَا يلْحقهُ فِي شَيْء من ذَلِك أحد وَإِن بدل غَايَة جده وَلم يكسل فَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر الأول
стр. 255
. سعى بعدهمْ قوم لكَي يدركونهم
فَلم يَفْعَلُوا وَلم يليموا وَلم يألوا ...
كَانَ ﷺ كثير الصمت وَالْوَقار طَوِيل الإطراق والإعتبار تكسو هَيْبَة وقاره جسائه حَتَّى إِذا جَلَسُوا بَين يَدَيْهِ كَأَن على رؤوسهم الطير إعظاما لَهُ وهيبة مِنْهُ
مَجْلِسه أوفر الْمجَالِس لَا يسمع فِيهِ ضحت الْأَصْوَات وَلَا اخْتِلَاط اللُّغَات لَيْسَ فِيهِ مراء وَلَا جِدَال وَلَا للهجر وَالْفُحْش فِيهِ مجَال لَا توبن فِي مَجْلِسه الْحرم وَلَا يغض فِيهِ من الأقدار والقيم بل كَانَ مجْلِس علم
وَأَصْحَابه يعظمون فِي مجلسهم مَعَه حرمات الله ويتعلمون مِنْهُ أَحْكَام الله فَتَارَة يعلمهُمْ بِأُمُور الْآخِرَة كَأَنَّهُمْ ينظرُونَ إِلَيْهَا وَأُخْرَى يعلمهُمْ أَحْكَام شَرِيعَته كي يعملوا بهَا
قَالَ ابْن أبي هَالة كَانَ سُكُوته على أَربع على الحكم والحذر وَالتَّقوى والتفكر يعلم الْجَاهِل المسترشد ويدنيه ويطرد المعاند المتكبر ويقصيه يتواضع للْفُقَرَاء ويتواضع لَدَيْهِ الْأُمَرَاء
كَانَ ﷺ أَشد حَيَاء من الْعَذْرَاء فِي خدرها الرفيعة الشَّرِيفَة فِي قَومهَا كَانَ إِذا سمع مَا يستحيى مِنْهُ ظهر نور الخفر على وَجهه وَلذَلِك مر ﷺ على رجل وَهُوَ يعتب أَخَاهُ على الْحيَاء فَقَالَ ﷺ دَعه فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان وَقَالَ الْحيَاء خير كُله وَلَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير وَقَالَ اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء وَكَانَ ﷺ ضحكه تبسما وَلم ير قطّ فِي ضحكه مقهقها وَلَا مترنما
كَانَ كَلَامه فصلا يفهمهُ كل من سَمعه وَرُبمَا تكلم بِالْكَلِمَةِ ثَلَاثًا حَتَّى تفهم عَنهُ وَكَانَ يحدث حَدِيثا لَو عده الْعَاد لأحصاه وَكَانَ إِذا مر بِقوم يسلم عَلَيْهِم ثَلَاثًا وَكَانَ ﷺ يحافظ على مروءته وعَلى إستقامة حَالَته وتحسين هَيئته يمشي هونا كَأَنَّمَا ينحط من صبب إِذا مَشى مَشى مجتمعا وَإِذا جلس جلس مُحْتَبِيًا وَقرب إِلَيْهِ طَعَام ومتكأ فَقَالَ لَا أتكئ إِنَّمَا آكل كَمَا يَأْكُل العَبْد وأجلس كَمَا يجلس العَبْد
стр. 256
كَانَ ﷺ يحب الطّيب والرائحة الْحَسَنَة ويستعملها ويحض عَلَيْهِمَا وَيَقُول إِن الله تَعَالَى جميل يحب الْجمال وَيَأْمُر بِالسِّوَاكِ وَغسل البراجم والدواجب وإستعمال خِصَال الْفطْرَة وَيَأْخُذ بذلك وَيعْمل بِهِ
وَكَانَ ﷺ لِكَثْرَة محافظته على جلال مروءته إِذا عطس غطا وَجهه وخفض بهَا صَوته
وَمَا عَسى أَن يَقُول الْقَاص فِيمَن جمعت فِيهِ كل الْفَضَائِل والمآثر بل غَايَة الفصيح الْأَثر أَن يَنْتَهِي إِلَى مَا قَالَه الشَّاعِر ... مَاذَا أَقُول وَقَوْلِي فِيك ذُو حصر
وَقد كفيتني التَّفْصِيل والجملا
إِن قلت مَا زلت مَرْفُوعا فَأَنت كَذَا
أَو قلت زانك دى فَهُوَ قد فعلا ...
وَأما شجاعته ونجدته
فَكَانَ مِنْهَا ﷺ بِالْمَكَانِ الَّذِي لَا يجهل وحظه مِنْهَا الْحَظ الأوفى الْأَفْضَل قد كَانَ مارس الضراب ووقف مَوَاقِف الصعاب لَا يُبَالِي بِكَثْرَة الْعدَد وَلم يفر قطّ أَمَام أحد وَمَا من شُجَاع إِلَّا وَقد أحصيت لَهُ فرة وَإِن كَانَ لَهُ بعْدهَا كرة إِلَّا هُوَ ﷺ فَلم يدبر قطّ مُنْهَزِمًا وَلَا فَارق مكْرها مُلْتَزما
وَكَانَ عَليّ بن أبي طَالب يَقُول كُنَّا إِذا اشْتَدَّ الْبَأْس وحميت الْحَرْب اتقينا برَسُول الله ﷺ فَمَا يكون أحد أقرب إِلَى الْعَدو مِنْهُ وَلَقَد رَأَيْتنَا يَوْم بدر نلوذ برَسُول الله ﷺ وَهُوَ أقربنا إِلَى الْعَدو وَلَقَد كَانَت الصَّحَابَة تَقول إِن الشجاع منا للَّذي يقوم بجانبه يسْتَتر بِهِ
وَقيل ل أنس أَفَرَرْتُم يَوْم حنين عَن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَكِن رَسُول الله ﷺ لم يفر
ثمَّ قَالَ رَأَيْته على بغلته الْبَيْضَاء وَأَبُو سُفْيَان آخِذا بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيّ ﷺ يَقُول أَنا النَّبِي لَا كذب أَنا ابْن عبد الْمطلب
قيل فَمَا رؤى يَوْمئِذٍ أحد كَانَ أجرأ مِنْهُ وَلَا أَشد وَقد روى عَنهُ أَنه نزل عَن بغلته مُتَوَجها نَحْو الْعَدو وَقَالَ الْعَبَّاس
стр. 257
ابْن عبد الْمطلب لما التقى الْمُسلمُونَ وَالْكفَّار يَوْم حنين ولى الْمُسلمُونَ مُدبرين فَطَفِقَ النَّبِي ﷺ يرْكض بغلته نَحْو الْكفَّار
قَالَ الْعَبَّاس وَأَنا آخذ بِلِجَامِهَا أكفها إِرَادَة أَلا تسرع وَأَبُو سُفْيَان آخذ بركابه ثمَّ نَادَى بِالْمُسْلِمين وَذكر الحَدِيث
وَقَالَ أنس كَانَ النَّبِي ﷺ أحسن النَّاس وأجود النَّاس وَأَشْجَع النَّاس وَلَقَد فزع أهل الْمَدِينَة لَيْلَة فَانْطَلق أنَاس قبل الصَّوْت فَتَلقاهُمْ رَسُول الله ﷺ رَاجعا قد سبقهمْ إِلَى الصَّوْت وَقد استبرا الْخَبَر على فرس عرى لأبي طَلْحَة وَفِي عُنُقه السَّيْف وَهُوَ يَقُول لن تراعوا لن تراعوا وَإِنَّا وَجَدْنَاهُ ليجرا يعْنى الْقوس لِكَثْرَة جرية
وَقَالَ ابْن حُصَيْن مَا لقى رَسُول الله ﷺ كَتِيبَة إِلَّا كَانَ أول ضَارب وَلما رَآهُ أبي بن خلف يَوْم أحد وَهُوَ يَقُول أَيْن مُحَمَّد لَا نجوت إِن نجا
وَقد كَانَ قَالَ للنَّبِي ﷺ حِين افتدى يَوْم بدر عِنْدِي فرس أعلفها كل يَوْم فرقا من ذرة أَقْتلك عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ بل أَنا أَقْتلك إِن شَاءَ الله فَلَمَّا رَآهُ أبي يَوْم أحد شدّ أبي فرسه على رَسُول الله ﷺ فاعترضه رجال من الْمُسلمين فَقَالَ النَّبِي ﷺ دَعوه خلوا طَرِيقه وَتَنَاول النَّبِي ﷺ الحربة من الْحَارِث ابْن الصمَّة فانتفض بهَا انتفاضة فتطايرنا عَنهُ تطاير الشُّعَرَاء عَن ظهر الْبَعِير إِذا انتفض ثمَّ استقبله النَّبِي ﷺ ثمَّ طعنه بهَا طعنة تدأدأ مِنْهَا على فرسه وَقيل بل كسر ضلعا من أضلاعه فَرجع إِلَى قُرَيْش يَقُول قتلني مُحَمَّد وهم يَقُولُونَ لَا بَأْس بك فَقَالَ لَو كَانَ مَا بِي بِجَمِيعِ النَّاس لقتلهم أَلَيْسَ قد قَالَ لي أَنا أَقْتلك إِن شَاءَ الله وَالله لَو بَصق على لَقَتَلَنِي فَمَاتَ ب سرف فِي قفولهم إِلَى مَكَّة
وَمِمَّا يدلك على عَظِيم شجاعته
أَنه يَوْم أحد فر عَنهُ النَّاس فَاسْتقْبل الْعَدو فِي نفر قَلِيل من أَصْحَابه فَكسر عتبَة بن أبي وَقاص رباعيته الْيُمْنَى وجرح شفته السُّفْلى وَشَجه فِي جَبهته عبد الله
стр. 258
ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ وَضرب عَمْرو بن قمئة وجنته فَأدْخل حلقتين من حلق المغفر فِي وجنته وَهُوَ فِي ذَلِك كُله لَا يَزُول عَن مَوْضِعه وَلَا يولي ظَهره وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى أنزل الله عَلَيْهِ نَصره حِين رأى صبره
وَفِي ذَلِك الْموضع وَفِي تِلْكَ الْحَال نَهَضَ نفر من أَصْحَابه لقِتَال الْعَدو فوافقوهم وقاوموهم مَعَ كَثْرَة عدوهم فانفدت مقَاتل وَاحِد مِنْهُم فَوضع رَسُول الله ﷺ خد ذَلِك الرجل على قدمه حَتَّى مَاتَ وَهَذَا يدلك على غَايَة شجاعته وَكَثْرَة الْجلد وَقلة المبالاة بالعدو وَلَقَد كَانَت غَزْوَة أحد هَذِه الَّتِي جرى فِيهَا مَا ذكر من أول الشواهد على نبوته ﷺ وَذَلِكَ أَنه لما التقى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ قَالَ النَّبِي ﷺ لبَعض أَصْحَابه وَكَانُوا رُمَاة انْضَحُوا عَنَّا الْخَيل بِالنَّبلِ لَا يَأْتُونَا مَا خلفنا واثبتوا مَكَانكُمْ كَانَت لنا أَو علينا
وَقد كَانَ أَمر عَلَيْهِم عبد الله بن جُبَير ثمَّ إِن رَسُول الله ﷺ التقى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فهزموا الْمُشْركين وولوا أدبارهم حَتَّى سقط لواءهم صَرِيعًا فَلَمَّا رأى أَصْحَاب عبد الله الْهَزِيمَة قَالُوا الْهَزِيمَة الْهَزِيمَة تَعَالَوْا بِنَا نصيب مِمَّا تصيبه النَّاس فَقَالَ لَهُم عبد الله ألم يقل لكم رَسُول الله ﷺ لَا تَبْرَحُوا من مواضعكم فَقَالُوا لَهُ قد هزم الله الْعَدو فَلم يلتفتوا كَلَامه فزالوا عَن مواضعهم فَلَمَّا زَالُوا عَن مواضعهم عاقهم الله بِأَن رَجَعَ الْعَدو عَلَيْهِم فَقتل مِنْهُم من قتل لمخالفتم أَمر رَسُول الله ﷺ ومحص الله فِي تِلْكَ الْغَزْوَة الْمُؤمنِينَ ومحن الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ
وَفِي تِلْكَ الْغَزْوَة فقئت عين قَتَادَة بن النُّعْمَان حَتَّى وَقعت على وجنته فَردهَا رَسُول الله ﷺ فَكَانَت أحسن عَيْنَيْهِ وَسَيَأْتِي ذكر هَذَا وماشاكله بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما خَوفه من الله تَعَالَى وإجتهاده فِي عِبَادَته
فقد بلغ من ذَلِك إِلَى حد لم يبلغهُ أحد من الخليقة وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى كلفه من وظائف الْعِبَادَات مالم يُكَلف أحدا على الْحَقِيقَة وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا يقصر فِي شَيْء مِنْهَا بل كَانَ يبْذل غَايَة إجتهاده ووسعه فِي أَدَائِهَا فَمن الْعِبَادَات الَّتِي كلفها الله لَهُ تحمل أعباء الْوَحْي ومشقة ثقله فَلَقَد كَانَ ينزل عَلَيْهِ
стр. 259
الْوَحْي فِي الْيَوْم الشَّديد الْبرد فَيفْصم عَنهُ وَإِن جَبينه ليتفصد عرقا
وَلأَجل هَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا﴾ وَقَالَ لَهُ ﴿فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه﴾
وَهَذِه مشقة لَا يعرفهَا على التَّحْقِيق إِلَّا الرُّسُل وَلأَجل عظم هَذَا الْأَمر جَاءَهُ جِبْرِيل ﵇ وَهُوَ يتعبد بِغَار حراء وَذَلِكَ قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ اقْرَأ فَقَالَ مَا أَنا بقارئ فَأَخذه فغطه حَتَّى بلغ مِنْهُ الْجهد ثمَّ أرْسلهُ فَقَالَ اقْرَأ فَقَالَ مَا أَنا بقارئ فَفعل بِهِ مثل ذَلِك مرَّتَيْنِ فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَة ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ الْآيَات فقرأها ثمَّ رَجَعَ إِلَى خَدِيجَة يرجف فُؤَاده فَقَالَ زَمِّلُونِي فدثروه فَأنْزل الله عَلَيْهِ وَهُوَ على تِلْكَ الْحَال ﴿يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر وَرَبك فَكبر﴾ الْآيَات
ثمَّ بعد قبُول الْوَحْي أَمر بتبليغه وتبيينه للنَّاس وَالصَّبْر على مَا يُصِيبهُ من أَذَى قومه فَكَانَ ﷺ يعرض نَفسه وَدينه على قبائل الْعَرَب وعَلى وفودها إِذا قدمُوا مَكَّة لمواسم الْحَج فيعيب آلِهَتهم ويسفه أحلامهم وَيظْهر خلافهم ويوبخهم على جهالاتهم فيردون عَلَيْهِ قَوْله ويكذبونه ويسبونه ويؤذونه بأقصى ممكنهم من أَنْوَاع الْأَذَى فيصبر على ذَلِك ويحتسب مَا يلقاه على الله
فلسان الْحَال ينشد والأنفاس خوفًا من التَّقْصِير فِي أَمر الله تتصعد ... لَا أُبَالِي إِذا رضيت إلهي
أَي أَمر من الْأُمُور دهاني ...
فَلم يزل رَاضِيا صَابِرًا على أَنْوَاع الْبلَاء حَتَّى كَانَ لِسَان حَاله يَقُول ... عذب التعذيب عِنْدِي وحلا ...
فَأَقَامَ على ذَلِك بِمَكَّة ثِنْتَيْ عشرَة سنة يَدْعُو النَّاس من غير قتل
стр. 260
وَلَا قتال وَذَلِكَ كُله ليظْهر الْإِسْلَام وتنتشر دَعوته لِئَلَّا يكون لأحد حجَّة على الله وَرَسُوله
وَبعد ذَلِك أَمر بِالْهِجْرَةِ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة فقارق أَهله وعشيرته وحاله وَمَاله وَولده وبلده وَلم يعظم عَلَيْهِ مُفَارقَة شَيْء من ذَلِك فِي ذَات الله فَترك كل ذَلِك إِلَى الله فَوَقع أجره على الله
فَلَمَّا حل بِالْمَدِينَةِ افْترض الله عَلَيْهِ الْقِتَال فقاتل فِي ذَات الله جَمِيع من كفر بِاللَّه غير مقصر فِي ذَلِك وَلَا مفرط بل جادا مُجْتَهدا حَتَّى أظهر الله دينه وَإِن رغمت أنوف الجاحدين وَفِي كل ذَلِك الزَّمَان كَانَ يقوم بوظائف الشَّرِيعَة وعباداتها عبَادَة عبَادَة فصلى حَتَّى تورمت قدماه وَانْتَفَخَتْ وَصَامَ حَتَّى كَانَ الْقَائِل يَقُول لَا يفْطر لِكَثْرَة مَا كَانَ يرى من صَوْمه ووصاله وَكَانَ يذكر الله ويعظمه ويمجده ويشكره على كل أَحْوَاله من غير تَقْصِير وَلَا فتور وَلَا تشغله عبَادَة عَن عبَادَة وَلَا عمل زمَان عَن عمل زمَان آخر
كَانَ عمله دَائِما وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُول ﷺ خير الْعَمَل أَدْوَمه فَكَانَ يُرَاعِي أنفاسه مَعَ الله وَلَا يضيع شَيْئا مِمَّا كلفه خوفًا من الله فَكَانَ رُبمَا يتفكر فِي عَظِيم أَمر الله وَعزة سُلْطَانه فيستعظم مَا يعرف من هول المطلع فَكَانَ يَقُول وَالله إِنِّي لأعلمكم بِاللَّه وأشدكم لَهُ خشيَة وَكَانَ يَقُول يَا أمة مُحَمَّد وَالله لَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إِلَى الصعدات تجأرون إِلَى الله وَمَا تلذذتم بِالنسَاء على الْفرش لَوَدِدْت أَنِّي شَجَرَة تعضد وَلذَلِك كَانَ يَقُول إِنِّي أرى مَالا ترَوْنَ وأسمع مَالا تَسْمَعُونَ أطت السَّمَاء وَحقّ لَهَا أَن تئط مَا فِيهَا مَوضِع أَربع أَصَابِع إِلَّا وَملك وَاضع جَبهته سَاجِدا لله
وَهَذَا كُله يدل على كَثْرَة مَعْرفَته بِاللَّه تَعَالَى وَشدَّة خَوفه مِنْهُ ورهبته لَهُ وَكَذَلِكَ كَانَ يبكي وَيسمع لخوفه صَوت كصوت الْمرجل من الْبكاء وَكَذَلِكَ صَحَّ النَّقْل عَنهُ بِأَنَّهُ كَانَ متواصل الأحزان دَائِم الفكرة لَيست لَهُ رَاحَة وَكَانَ يَقُول يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا فَإِنِّي أَتُوب إِلَى الله فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة مائَة مرّة
وروى عَن عَليّ بن أبي طَالب أَنه قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن سِتَّة فَقَالَ الْمعرفَة راس مَالِي وَالْعَمَل رَأس
стр. 261
ديني وَالْحب أساسي والشوق مركبي وَذكر الله مجدي والزهد حرفتي وَالْيَقِين قوتي والصدق شفيعي وَالطَّاعَة حسبي وَالصَّبْر هادي خلقي وقرة عَيْني فِي الصَّلَاة
وَفِي حَدِيث آخر وَثَمَرَة فُؤَادِي فِي ذكره وغمى لأجل أمتِي وشوقي إِلَى ذِي الْجلَال
وَوصف خَوفه يطول وَمَعْرِفَة ذَلِك من حَاله لَا يُنكره عليم وَلَا جهول إِذا كَانَ من أهل الْإِنْصَاف والعقول
وعَلى الْجُمْلَة فمناقبه الشَّرِيفَة لَا تحصى وَمَا خص بِهِ من الْأَخْلَاق الْكَرِيمَة عديد الْحَصَى كَيفَ لَا وَقد قَالَ الله تَعَالَى لَهُ ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ وَمَا عظمه الْعَظِيم فَهُوَ عَظِيم وَكَيف لَا يكون ذَلِك وَقد بَعثه الله تَعَالَى متمما لمكارم أَخْلَاق الْأَوَّلين وَقد خصّه بِصِفَات جَمِيع النَّبِيين فَلَو جَازَ أَو تصور أَن يعبد أحد من الْبشر لكَمَال أخلاقه وكرم أَوْصَافه وَطيب أعرافه لَكَانَ هُوَ إِذْ قد أعْطى من ذَلِك مَا لم يُعْطه أحد من الْبشر وَلَا دخل لَهُم تَحت كسب وَلَا قدر
стр. 262
خَاتِمَة جَامِعَة فِي صِفَاته وشواهد صدقه وعلاماته
وَذَلِكَ أَن أَبَا سُفْيَان وكفار قُرَيْش قدمُوا الشَّام تجارًا فَأرْسل إِلَيْهِم هِرقل وَكَانَ ملك النَّصَارَى وعظيمهم وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي علمهمْ فجاءوه ودخلوا عَلَيْهِ فِي مَجْلِسه وَحَوله عُظَمَاء الرّوم فَقَالَ لِترْجُمَانِهِ قل لَهُم أَيّكُم أقرب نسبا بِهَذَا االرجل الَّذِي يزْعم أَنه نَبِي فَقَالَ أَبُو سُفْيَان أَنا أقرب نسبا مِنْهُ فَقَالَ ادنوه مني وقربوا أَصْحَابه واجعلوهم عِنْد ظَهره ثمَّ قَالَ لِترْجُمَانِهِ قل لأَصْحَابه إِنِّي سَائل هَذَا عَن هَذَا الرجل الَّذِي يزْعم أَنه نَبِي فَإِن كذب فكذبون
قَالَ أَبُو سُفْيَان فوَاللَّه لَوْلَا الْحيَاء من أَن يؤثروا عني كذبا لكذبت عَلَيْهِ قَالَ أَبُو سُفْيَان فَكَانَ أول مَا سَأَلَني عَنهُ أَن قَالَ كَيفَ نسبه فِيكُم قلت هُوَ فِينَا ذُو نسب قَالَ فَهَل قَالَ هَذَا القَوْل أحد مِنْكُم قطّ قبله قلت لَا قَالَ فَهَل كَانَ فِي آبَائِهِ من ملك قلت لَا قَالَ فأشراف النَّاس اتَّبعُوهُ أم ضُعَفَاؤُهُمْ قلت بل ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أيزيدون أم ينقصُونَ قلت بل يزِيدُونَ قَالَ فَهَل يرْتَد أحد سخطَة لدينِهِ بعد أَن يدْخل فِيهِ قلت لَا قَالَ فَهَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا قَالَ قلت لَا قَالَ فَهَل يغدر قلت لَا وَنحن فِي مُدَّة لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعل فِيهَا يَعْنِي صلحا
قَالَ وَلم تمكني كلمة أَدخل فِيهَا شَيْئا غير هَذِه الْكَلِمَة
قَالَ فَهَل قاتلتموه قلت نعم قَالَ فَكيف كَانَ قتالكم إِيَّاه قلت الْحَرْب بَيْننَا وَبَينه سِجَال ينَال منا وننال مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُركُمْ قلت يَقُول اعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا واتركوا مَا يَقُول آباؤكم ويأمرنا بِالصَّلَاةِ والصدق والعفاف والصلة
فَقَالَ هِرقل لِترْجُمَانِهِ قل لَهُ سَأَلتك عَن نسبه فَذكرت أَنه فِيكُم ذُو نسب وَكَذَلِكَ الرُّسُل تبْعَث فِي نسب قَومهَا وَسَأَلْتُك هَل قَالَ أحد مِنْكُم هَذَا القَوْل قبله فَذكرت أَن لَا فَقلت لَو كَانَ أحد
стр. 263
قَالَ هَذَا القَوْل قبله لَقلت رجل يَقْتَدِي يَقُول قيل قبله وَسَأَلْتُك هَل كَانَ من آبَائِهِ من ملك فَذكرت أَن لَا فَلَو كَانَ من آبَائِهِ من ملك لَقلت رجل يطْلب ملك أَبِيه وَسَأَلْتُك هَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا قَالَ فَذكرت أَن لَا فقد أعرف أَنه لم يكن ليذر الْكَذِب على النَّاس ويكذب على الله وَسَأَلْتُك أَشْرَاف النَّاس اتَّبعُوهُ أم ضُعَفَاؤُهُمْ فَذكرت أَن ضُعَفَاؤُهُمْ اتَّبعُوهُ وهم أَتبَاع الرُّسُل
وَسَأَلْتُك أيرتد أحد سخطَة لدينِهِ بعد أَن يدْخل فِيهِ فَذكرت لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَان حِين تخالط بشاشته الْقُلُوب وَسَأَلْتُك أيزيدون أم ينقصُونَ فَذكرت أَنهم يزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمر الْإِيمَان حَتَّى يتم وَسَأَلْتُك هَل يغدر فَذكرت أَن لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُل لَا تغدر وَسَأَلْتُك بِمَ يَأْمُركُمْ فَذكرت أَنه يَأْمُركُمْ أَن تعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وينهاكم عَن عبَادَة الْأَوْثَان ويأمركم بِالصَّلَاةِ والصدق والعفاف
فَإِن كَانَ مَا تَقول حَقًا فسيملك مَوضِع قدمي هَاتين وَقد كنت أعلم أَنه خَارج وَلم أكن أَظن أَنه مِنْكُم فَلَو أَنِّي أعلم أَنِّي أخْلص إِلَيْهِ لأحببت لقاءه وَلَو كنت عِنْده لغسلت عَن قدمه
ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله ﷺ الَّذِي كَانَ قد بعث بِهِ مَعَ دحْيَة إِلَى عَظِيم بصرى فَدفعهُ إِلَى هِرقل فقرأه فَإِذا فِيهِ
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد عبد الله وَرَسُوله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ فَإِن توليت فَإِنَّمَا عَلَيْك إِثْم الأريسيين يَعْنِي المقتدين بِهِ و ﴿يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَلا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ﴾
стр. 264
قَالَ أَبُو سُفْيَان فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفرغ من قِرَاءَة الْكتاب كثر عِنْده الصخب وَارْتَفَعت الْأَصْوَات وأخرجنا فَقلت لِأَصْحَابِي حِين أخرجنَا لقد أَمر أَمر ابْن أبي كَبْشَة إِنَّه لَيَخَافهُ ملك بني الْأَصْفَر فَمَا زلت موقنا أَنه سَيظْهر حَتَّى أَدخل الله عَليّ الْإِسْلَام
وَكَانَ ابْن الناظور صَاحب إيلياء يحدث أَن هِرقل حِين قدم إيلياء أصبح يَوْمًا خَبِيث النَّفس فَقَالَ لَهُ بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك
قَالَ ابْن الناظور وَكَانَ هِرقل حزاء ينظر فِي النُّجُوم فَقَالَ لَهُم حِين سَأَلُوهُ إِنِّي رَأَيْت اللَّيْلَة حِين نظرت فِي النُّجُوم ملك الْخِتَان قد ظهر فَمن يختتن من هَذِه الْأمة قَالُوا لَيْسَ يختتن من هَذِه الْأمة إِلَّا الْيَهُود فَلَا يهمنك شَأْنهمْ واكتب إِلَى مَدَائِن ملكك فليقتلوا من فيهم من الْيَهُود فَبينا هم على ذَلِك أَتَى هِرقل بِرَجُل أرسل بِهِ ملك غَسَّان يخبر عَن خبر رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا استخبره هِرقل قَالَ اذْهَبُوا فانظروا أمحتتن هُوَ أم لَا فنظروا إِلَيْهِ فحدثوه أَنه مختتن وَسَأَلَهُ عَن الْعَرَب أيختتنون فَقَالَ هم يختتنون فَقَالَ هِرقل هَذَا ملك هَذِه الْأمة قد ظهر
ثمَّ كتب هِرقل إِلَى صَاحب لَهُ برومية وَكَانَ نَظِيره فِي الْعلم وَسَار هِرقل إِلَى حمص فَلم يرم حمص حَتَّى أَتَاهُ كتاب من صَاحبه يُوَافق رَأْي هِرقل على خُرُوج النَّبِي ﷺ وَأَنه نَبِي فَأذن هِرقل عُظَمَاء الرّوم فِي دسكرة لَهُ بحمص ثمَّ أَمر بأبوابها فغلقت ثمَّ اطلع فَقَالَ يَا معشر الرّوم هَل لكم فِي الْفَلاح والرشد وَأَن يثبت ملككم فتبايعوا هَذَا النَّبِي فحاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش إِلَى االأبواب فوجدوها قد غلقت فَلَمَّا رأى هِرقل نفرتهم وآيس من إِيمَانهم قَالَ ردوهم على وَقَالَ إِنِّي قلت مَقَالَتي آنِفا أختبر بهَا شدتكم على دينكُمْ فقد رَأَيْت فسجدوا لَهُ وَرَضوا عَنهُ
فَكَانَ هَذَا آخر شَأْن هِرقل
فَتَأمل أَيهَا القس إِن كنت من أهل الْعقل والحدس كَيفَ كَانَ الْعلمَاء مِنْكُم يعرفونه بعلاماته ويستدلون على صِحَة نبوته بِحسن
стр. 265
أَوْصَافه وهيئاته وَهَكَذَا فعل جمَاعَة من عقلاء أهل الْكتاب وَغير وَاحِد من ذَوي الْأَلْبَاب مثل عبد الله بن سَلام والفارسي سلمَان ونصارى الْحَبَشَة وأساقفة نَجْرَان
وَلَا تشك إِن كنت منصفا أَنهم كَانُوا أعلم بالكتب مِنْك وَأعرف برسل الله وعلاماتهم من عثرتك ولعلمهم بكتب الله وَمَا جَاءَ فِيهَا من عَلَامَات مُحَمَّد رَسُول لله لما جَاءَهُم مَا عرفُوا وحققوا آمنُوا وَصَدقُوا فَقَالُوا ﴿رَبنَا آمنا بِمَا أنزلت وَاتَّبَعنَا الرَّسُول فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾
ولجهلهم بكتب الله وبعلامات رَسُول الله لما جَاءَكُم الْحق كَفرْتُمْ بِهِ ﴿فلعنة الله على الْكَافرين﴾
وَمن أعظم آيَاته وأوضح دلالاته مَا جرى لَهُ مَعَ قومه وَذَلِكَ أَنه ﷺ لما جاهر قومه بتبليغ مَا أمره الله من الرسَالَة وصدع بأَمْره فسفه أحلامهم وَعَابَ آلِهَتهم وَبَين ليهم فَسَاد مَا هم عَلَيْهِ شقّ ذَلِك عَلَيْهِم وَأَجْمعُوا على خِلَافه وعداوته إِلَّا من عصم الله مِنْهُم بِالْإِسْلَامِ كَانُوا إِذا ذَاك قَلِيلا مستخفين فَأَرَادَتْ قُرَيْش قتل رَسُول الله ﷺ وَقتل من مَعَه والوثوب عَلَيْهِم فحدب على رَسُول الله ﷺ عَمه أَبُو طَالب وَمنعه مِنْهُم لشرفه فِي قومه وعزته فَلم يقدروا أَن يصلوا إِلَيْهِ بِشَيْء مِمَّا أرادوه فَلَمَّا رَأَوْا أَنهم لَا يقدرُونَ أَن يصلوا إِلَى ضره لمنع عَمه لَهُ مِنْهُم اجْتَمعُوا وَقَالُوا لأبي طَالب إِن ابْن أَخِيك قد سبّ آلِهَتنَا وَعَابَ ديننَا وسفه أَحْلَامنَا وظل آبَاءَنَا فَأَما أَن تكفه عَنَّا وَإِمَّا أَن تخلى بَيْننَا وَبَينه فَإنَّك على مثل مَا نَحن عَلَيْهِ من خِلَافه فنكفيكه فَقَالَ لَهُم أَبُو طَالب قولا رَفِيقًا وردهم ردا جميلا
ثمَّ قَالَ لَهُ يَا ابْن أخي إِن قَوْمك قد جَاءُونِي فَقَالُوا لي كَذَا وَكَذَا للَّذي قَالُوا لَهُ فابق با ابْن أخي على وعَلى نَفسك وَلَا تحملنِي من الْأَمر مَا لَا أُطِيق فَلَمَّا سمع رَسُول الله ﷺ ذَلِك القَوْل مِنْهُ ظن أَنه سيسلمه إِلَيْهِم وَأَنه قد ضعف عَن نصرته وَالْقِيَام مَعَه فَقَالَ لَهُ يَا عَم وَالله لَو وضعُوا الشَّمْس
стр. 266
فِي يَمِيني وَالْقَمَر فِي يساري على أَن أترك هَذَا الْأَمر حَتَّى يظهره الله أَو أهلك فِيهِ مَا تركته ثمَّ استعبر رَسُول الله ﷺ فَبكى ثمَّ قَامَ فَلَمَّا ولى ناداه أَبُو طَالب عَمه وَقَالَ لَهُ أقبل يَا ابْن أخي واذهب فَقل مَا أَحْبَبْت فوَاللَّه مَا أسلمك لشَيْء أبدا
فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش أَن أَبَا طَالب لَا يُسلمهُ عزمت على حَرْب أبي طَالب وقتاله فتهيأ أَبُو طَالب لقتالهم وَجمع قومه وعشيرته لذَلِك ثمَّ إِنَّهُم تصالحوا فِيمَا بَينهم وَأقَام رَسُول الله ﷺ على حَاله ذَلِك من عيب دينهم وتسفيه عُقُولهمْ وذم آلِهَتهم لَا يردهُ عَن ذَلِك راد وَلَا يصده عَمَّا يُريدهُ صَاد
فَاجْتمع أَشْرَاف قُرَيْش يَوْمًا فَقَالُوا مَا رَأينَا مثل صَبرنَا على مَا نلقى من أَمر هَذَا الرجل أَنه قد سفه أَحْلَامنَا وَشتم آبَاءَنَا وَعَابَ ديننَا وَفرق جماعتنا وَسَب آلِهَتنَا لقد صرنا مِنْهُ على أَمر عَظِيم فَبَيْنَمَا هم يَقُولُونَ ذَلِك إِذْ طلع رَسُول الله ﷺ فَأقبل يمشي حَتَّى اسْتَلم الرُّكْن ثمَّ مر بهم طَائِفًا بِالْبَيْتِ فَلَمَّا مر بهم غَمَزُوهُ بِبَعْض القَوْل فَتغير وَجه رَسُول الله ﷺ وَقَالَ لَهُم أتسمعون يَا معشر قُرَيْش أما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد جِئتُكُمْ بِالذبْحِ قَالَ فَأخذت الْقَوْم كَلمته وهيبته حَتَّى مَا مِنْهُم رجل إِلَّا ناكس رَأسه كَأَن على رَأسه طائرا وَاقِفًا حَتَّى إِن أَشَّدهم عَلَيْهِ وَطْأَة ليلين لَهُ بالْقَوْل وَيَقُول لَهُ أحسن مَا يجده من الْكَلَام حَتَّى أَنه ليقول إنصرف يَا أَبَا الْقَاسِم فوَاللَّه مَا كنت جهولا فَانْصَرف رَسُول الله ﷺ عَنْهُم حَتَّى إِذا كَانَ الْغَد اجْتَمعُوا فَقَالَ بَعضهم لبَعض ذكرْتُمْ مَا بلغ مِنْكُم وَمَا بَلغَكُمْ عَنهُ حَتَّى إِذا أسمعكم مَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ فَبَيْنَمَا هم فِي ذَلِك إِذْ طلع رَسُول الله ﷺ
فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وثبة رجل وَاحِد فأحاطوا بِهِ يَقُولُونَ أَنْت الَّذِي تعيب آلِهَتنَا وَدِيننَا فَيَقُول نعم أَنا الَّذِي أَقُول ذَلِك فَأخذُوا بمجمع رِدَائه وجبذوه جبذا شَدِيدا وَهُوَ فِي ذَلِك يَقُول لَهُم أَنا الَّذِي أعيب مَا أَنْتُم عَلَيْهِ لم يفزعه مَا رأى مِنْهُم وَلَا هاله ذَلِك بل صَبر على مَا ناله حَتَّى نَصره الله عَلَيْهِم وَأظْهر دينه على دينهم
стр. 267
فَتَأمل أَيهَا الْعَاقِل إِن كنت منصفا فرق مَا بَين نَبينَا مُحَمَّد ﵇ وَبَين مَا تحكيه النَّصَارَى عَن الْمَسِيح فِي إنجيلهم وَذَلِكَ أَنَّهَا تحكي فِيهِ أَن الْمَسِيح لما استشعر بوثوب الْيَهُود عَلَيْهِ قَالَ قد جزعت نَفسِي الْآن فَمَاذَا أَقُول يَا أبتاه فسلمني من هَذَا الْوَقْت وَأَنه حِين رفع فِي الْخَشَبَة صَاح صياحا عَظِيما وَقَالَ إِلَى إِلَى لم غريتناني وترجمته إلهي إلهي لم أسلمتني
وَهَذَا غَايَة الْجزع والخور ينزه عَنهُ عِيسَى بل هُوَ من أكاذيبهم عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ ذكرت فِي إنجيلها أَن عِيسَى لما أَخَذته الْيَهُود وَحَمَلته إِلَى قَائِد القسيسين قَالَ لَهُ أستحلفك بِاللَّه الْحَيّ أَن تصدقنا إِن كنت الْمَسِيح ابْن الله فَقَالَ لَهُ الْمَسِيح أَنْت قلته وَهَذَا كَلَام يدل على أَنه كتم نَفسه وسترها ضعفا وجبنا ثمَّ إِن كفار قُرَيْش لما أكربهم أَمر رَسُول الله ﷺ وغاظهم شَأْنه تشاوروا فِي أمره فَقَالَ لَهُم عتبَة بن ربيعَة يَا معشر قُرَيْش أَلا أقو م لمُحَمد فأكلمه وَأعْرض عَلَيْهِ أمورا لَعَلَّه يقبل بَعْضهَا فَنُعْطِيه أَيهَا شَاءَ ويكف عَنَّا وَذَلِكَ لما لم يقدروا أَن يصلوا إِلَيْهِ بمكروه فَقَالُوا لَهُ بلَى فَقَامَ إِلَيْهِ عتبَة فَقَالَ لَهُ يَا ابْن أخي إِنَّك منا حَيْثُ قد علمت من البسطة فِي الْعَشِيرَة والمكانة فِي النّسَب وَإنَّك قد أتيت قَوْمك بِأَمْر عَظِيم فرقت بِهِ جَمَاعَتهمْ وسفهت بِهِ أحلامهم وعبت بِهِ آلِهَتهم وَدينهمْ وكفرت من مضى من آبَائِهِم
فاسمع مني أعرض عَلَيْك أمورا لَعَلَّك تقبل منا بَعْضهَا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ قل أسمع فَقَالَ يَا ابْن أخي إِن كنت إِنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْت بِهِ من هَذَا الْأَمر مَالا جَمعنَا لَك من أَمْوَالنَا حَتَّى تكون أكثرنا مَالا وَإِن كنت تُرِيدُ شرفا سودناك علينا حَتَّى لَا نقطع أمرا دُونك وَإِن كنت تُرِيدُ ملكا ملكناك علينا وَإِن كَانَ
стр. 268
هَذَا الَّذِي يَأْتِيك رئيا ترَاهُ لَا تَسْتَطِيع رده عَن نَفسك طلبنا لَك الطِّبّ وبذلنا فِيهِ أَمْوَالنَا حَتَّى نبرئك مِنْهُ فَلَمَّا فرغ لَهُ النَّبِي ﷺ أقد فرغت قَالَ نعم فاسمع مني قَالَ أفعل فَقَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿حم تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم كتاب فصلت آيَاته قُرْآنًا عَرَبيا لقوم يعلمُونَ بشيرا وَنَذِيرا فَأَعْرض أَكْثَرهم فهم لَا يسمعُونَ﴾ ثمَّ مضى رَسُول الله ﷺ يقْرَأ السُّورَة حَتَّى إِذا بلغ السَّجْدَة فَسجدَ ثمَّ قَالَ قد سَمِعت يَا أَبَا الْوَلِيد مَا سَمِعت فَأَنت وَذَاكَ
فَقَامَ عتبَة إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ بَعضهم لبَعض أَحْلف بِاللَّه لقد جَاءَكُم أَبُو الْوَلِيد بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي ذهب بِهِ فَلَمَّا جلس اليهم قَالُوا مَا وَرَاءَك يَا أَبَا الْوَلِيد
قَالَ ورائي أَنِّي سَمِعت قولا وَالله مَا سَمِعت مثله قطّ وَالله مَا هُوَ بالشعر وَلَا بالكهانة وَلَا بِالسحرِ يَا معشر قُرَيْش أَطِيعُونِي واجعلوها بِي خلوا بَين هَذَا الرجل وَبَين مَا هُوَ فِيهِ واعتزلوا فوَاللَّه لَيَكُونن لقَوْله الَّذِي سَمِعت نبأ عَظِيم فَإِن تصبه الْعَرَب فقد كفيتموه بغيركم وَإِن يظْهر على الْعَرَب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد النَّاس بِهِ
قَالُوا سحرك وَالله يَا أَبَا الْوَلِيد بِلِسَانِهِ فَقَالَ هَذَا رَأْيِي فِيهِ فَاصْنَعُوا مَا بدا لكم
فَانْظُر إِن كنت عَاقِلا كَيفَ بذلوا لَهُ أَمْوَالهم فَلم يلتفتها وعرضوا عَلَيْهِ ملك الدِّينَا فَلم يعرج عَلَيْهَا بل صدع بِأَمْر الله وَبلغ مَا أمره بِهِ الله
وَكَذَلِكَ اجْتمع كفار قُرَيْش أَشْرَافهم وسادتهم فعرضوا عَلَيْهِ مثل الَّذِي عرض عَلَيْهِ عتبَة وَقَالُوا لَهُ مثل قَوْله فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ مَا بِي مِمَّا تَقولُونَ شَيْئا وَمَا جِئتُكُمْ أطلب أَمْوَالكُم وَلَا الشّرف فِيكُم وَلَا التَّمَلُّك عَلَيْكُم وَلَكِن الله بَعَثَنِي إِلَيْكُم رَسُولا وَأنزل على كتابا وَأَمرَنِي أَن أكون لكم بشيرا وَنَذِيرا
стр. 269
فبلغتكم رسالات الله وَنَصَحْت لكم فَإِن تقبلُوا مني مَا جِئتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حظكم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِن تردوه على أَصْبِر لأمر الله حَتَّى يحكم الله بيني وَبَيْنكُم
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا النَّوْع كَثِيرَة وَمن أوضح آيَاته وَأشهر علاماته
مَا أكْرمه الله بِهِ بعد وَفَاته وَذَلِكَ أَنه قد اشْتهر أَنه ﷺ لما توفاه الله تَعَالَى اخْتلف غاسلوه فِي تجريده الْقَمِيص فَلَمَّا اخْتلفُوا فِي ذَلِك ألْقى الله عَلَيْهِم النّوم حَتَّى مَا مِنْهُم رجل إِلَّا ذقنه فِي صَدره ثمَّ كَلمهمْ مُكَلم من نَاحيَة الْبَيْت لَا يَدْرُونَ من هُوَ وَلَا يرَوْنَ أحدا أَن أغسلوا النَّبِي وَعَلِيهِ ثِيَابه
وَكَذَلِكَ روى أَن عليا وَالْفضل حِين انتهيا فِي الْغسْل إِلَى أَسْفَله سمعُوا مناديا يَقُول لَا تكشفوا عَورَة نَبِيكُم ﷺ
وَكَذَلِكَ روى فِي طرق صِحَاح أَن أهل بَيته سمعُوا وَهُوَ مسجى بَينهم قَائِلا يَقُول السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته أهل الْبَيْت أَن فِي الله عوضا عَن كل تَالِف وخلفا من كل هَالك وعزاء من كل مُصِيبَة فَاصْبِرُوا واحتسبوا أَن الله مَعَ الصابرين وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل قَالَ فَكَانُوا يرَوْنَ أَنه الْخضر
وَقد آن أَن نمسك الْعَنَان إِذْ قد حصل الْبَيَان على أَن قَرَائِن أَحْوَال نبوة مُحَمَّد ﷺ وعلاماته مِمَّا لَا يحصيها لِسَان وَلَا يُحِيط بإجملها إِنْسَان
وَقد نجز القَوْل فِي النَّوْع الثَّانِي من أَدِلَّة نبوته والحمدلله ونشرع الْآن فِي النَّوْع الثَّالِث
стр. 270
النَّوْع الثَّالِث
الإستدلال على نبوته ﷺ بِالْكتاب الْعَزِيز الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد
وَلَقَد كَانَ يَنْبَغِي أَن نقدم الإستدلال بِهَذَا النَّوْع لكَونه أعظم المعجزات وأوضحها وأشهرها لَكِن قدمنَا النَّوْع تسكيتا لِلنَّصَارَى وَالْيَهُود وتأسيسا
وَقدمنَا النَّوْع الثَّانِي بِنَاء وتأسيسا
فَنَقُول أَيْضا مُحَمَّد بن عبد الله رَسُول صَادِق فِيمَا يَقُوله عَن الله وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه قد جَاءَ بالمعجزات وكل من جَاءَ بهَا فَهُوَ صَادِق فمحمد إِذن رَسُول من الله صَادِق فَإِن قيل لم قُلْتُمْ أَنه قد جَاءَ بالمعجزات قُلْنَا قد نقل إِلَيْنَا نقلا متواترا بِحَيْثُ لَا يشك فِيهِ أَنه جَاءَ بِالْقُرْآنِ وبمعجزات كَثِيرَة فَإِذن هُوَ صَادِق
ونبدأ الْآن بالْكلَام على الْقُرْآن وَبعد الْفَرَاغ مِنْهُ نشرع فِي الْكَلَام على غَيره من المعجزات إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فَإِن أنكر مُنكر أَن يكون جَاءَ بِالْقُرْآنِ فقد تبين عناده وَسقط استرشاده وَيُقَال لَهُ قد حصل بذلك لَك الْأُمَم واستوى فِي ذَلِك الْعَرَب والعجم وسبيلك إِن كنت منصفا أَن تعاشر المتشرعين وتسألهم عَن أَخْبَار الماضين حَتَّى يحصل لَك الْعلم الْيَقِين وَلنْ يُنَازع فِي ذَلِك عَاقل منصف بل إِمَّا معتوه أَو متعسف
فَإِن قيل سلمنَا أَنه جَاءَ بِالْقُرْآنِ قلم قُلْتُمْ أَنه معْجزَة قُلْنَا لِأَنَّهُ قد تحدى بِهِ كَافَّة الفصحاء البلغاء وَمُدَّة مقَامه بَينهم فَلم يقدروا على مُعَارضَة شَيْء مِنْهُ فَإِذن هُوَ معْجزَة بَيَان ذَلِك
أَنه ﷺ بَعثه الله إِلَى قوم كَانَ مُعظم علمهمْ الْكَلَام الفصيح البليغ الْمليح فَلَقَد خصوا من البلاغة وَالْحكم بِمَا
стр. 271
لم يخص بِهِ غَيرهم من الْأُمَم وأوتوا من دراية اللِّسَان مَا لم يؤته إِنْسَان وَمن فصل الْخطاب مَا يتعجب مِنْهُ أولُوا الْأَلْبَاب جعل الله لَهُم ذَلِك طبعا وخلقه فيهم غريزة ووضعا فَيَأْتُونَ مِنْهُ على البديهة بالعجب ويدلون بِهِ إِلَى كل سَبَب فيخطبون بدلهَا فِي المقامات وشديد الْخطب ويرتجزون بِهِ بَين الطعْن وَالضَّرْب فَرُبمَا مدحوا شَيْئا وضيعا فَرفع وَرُبمَا ذموا شريفا فَوضع فيصيرون بمدحهم النَّاقِص كَامِلا والنبيه خاملا وَذَلِكَ لفصاحتهم الرائقة وبلاغتهم الفائقة فَكَانُوا يأْتونَ من ذَلِك بِالسحرِ الْحَلَال ويوردونه أعذب من المَاء الزلَال
فيخدعون بذلك الْأَلْبَاب ويذللون الصعاب ويذهبون الأحن ويهيجون الْفِتَن ويجرءون الجبان ويبسطون يَد الْجَعْد البنان فهم يعْرفُونَ أَصْنَاف الْكَلَام مَا كَانَ مِنْهُ نثرا وَمَا كَانَ ذَا نظام قد عمروا بذلك أزمانهم وَجعلُوا ذَلِك مهمتهم وشأنهم حَتَّى بلغُوا مِنْهُ أَعلَى الرتب وأطلوا مِنْهُ على كل غابة وَسَب لَا ينازعهم فِي ذَلِك مُنَازع وَلَا يدافعهم عَن ذَلِك مدافع فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ جَاءَهُم رَسُول كريم بقرآن حَكِيم فعرضه عَلَيْهِم وأسمعهم إِيَّاه وَاسْتدلَّ على صدقه بذلك
وَقَالَ لَهُم إِن كُنْتُم فِي شكّ من صدقي فائتوا بقرآن مثله وَعند سماعهم لَهُ راعهم مَا سمعُوا وَعَلمُوا أَنهم دون معارضته قد انْقَطَعُوا فَلم يقدروا على ذَلِك ثمَّ إِنَّه طلب مِنْهُم أَن يأتو بِعشر سور مثله فعجزوا وَلم يقدروا ثمَّ طلب مِنْهُم أَن يَأْتُوا بِسُورَة مثله فَلم يستطيعوا وَعند ذَلِك أخْبرهُم وَقَالَ لَهُم ﴿لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾ يعْنى عونا فَعِنْدَ ذَلِك ظهر عجزهم وتبلدهم وَإِن كَانُوا هم اللسن الفصحاء اللد البلغاء
وَعند ظُهُور عجزهم تبينت حجَّته ووضحت محجته وَهَكَذَا حَال غير وَاحِد من الرُّسُل أَلا ترى أَن الله تَعَالَى أرسل مُوسَى بن عمرَان إِلَى قوم كَانَ مُعظم علمهمْ وعملهم السحر فأيده بقلب العصى حَيَّة
стр. 272
تسْعَى فرام السَّحَرَة معارضته ومقاومته فَلم يقدروا من ذَلِك على شَيْء وَعند عجزهم تبين صدقه وَأَنه رَسُول من عِنْد الله وَكَذَلِكَ عِيسَى ﵇ بَعثه الله فِي زمَان كَانَ مُعظم علم أَهله الطِّبّ فأيده بإحياء الْمَوْتَى وإبراء الأكمه والأبرص وَعند عجزهم عَن الْإِتْيَان بِشَيْء من ذَلِك تبين صدقه وَأَنه رَسُول من عِنْد الله فَعلم بِهَذَا الْبُرْهَان الَّذِي يتَطَرَّق إِلَيْهِ خلل أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﴿قد خلت من قبله الرُّسُل﴾
فَإِن قيل لَا نسلم أَنه لم يُعَارض بل لَعَلَّه عورض وَلم ينْقل أَو نقل فأخفى
وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن
أَحدهمَا
أَنا نقُول للْيَهُود وَالنَّصَارَى هَذَا السُّؤَال يَنْقَلِب عَلَيْكُم فِي معجزات مُوسَى وَعِيسَى إِذْ يُمكن أَن يُقَال إِن ساحرا من السَّحَرَة عَارض مُوسَى ﵇ وَأَنه أَتَى بعصا فقلبها ثعبانا أعظم من ثعبان مُوسَى والتقم ثعبان مُوسَى
وَيُمكن أَن يُقَال لِلنَّصَارَى أَن عِيسَى ﵇ عورض فِي إحْيَاء الْمَوْتَى وإبراء الأكمه والأبرص وَلم ينْقل إِلَيْنَا أَو نقل فأخفى
وَكَذَلِكَ نقُول لغير الْيَهُود وَالنَّصَارَى من الْأُمَم فِي معجزات أَنْبِيَائهمْ فبالذي ينفصلون عَن معجزات أَنْبِيَائهمْ بِهِ بِعَيْنِه ننفصل عَن معجزات نَبينَا ﵇
وَجُمْلَة مَا قيل فِي جَوَاب هَذَا لَو عورض لنقل إِذْ الْعَادَات تَقْتَضِي ذَلِك فَإِن هَذَا الْأَمر مُهِمّ عَظِيم تكْثر الْعِنَايَة بِهِ فيكثر نَقله لَا سِيمَا فِي شريعتنا فَإِنَّهُم قيل لَهُم إِذْ لم تصدقوا وَلم تعارضوا فأذنوا بِحَرب فَلَمَّا لم يُؤمنُوا وَلم يعارضوا قَاتلهم فَقَتلهُمْ وسبى ذَرَارِيهمْ وانتقم مِنْهُم غَايَة الإنتقام فَلَو قدرُوا على الْمُعَارضَة لعارضوا وَلَو عارضوا لنقل نقلا متواترا فَإِن هَذَا الْأَمر من أهم الْمُهِمَّات عِنْد الْعُقَلَاء
الْوَجْه الثَّانِي من الْجَواب
وَهُوَ الإنفصال الْحق وَالْكَلَام الصدْق أَن نقُول من وقف على الْقُرْآن وسَمعه وَفهم مَعَانِيه وَكَانَ عَارِفًا
стр. 273
بأصناف كَلَامهم علم عجز الْخَلَائق عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ ضَرُورَة كَمَا يعلم عجز الْأَطِبَّاء عَن إحْيَاء الْمَوْتَى وإبراء الأكمه والأبرص بِنَفس الْعلم بِهَذِهِ الْأُمُور وَالْوُقُوف عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ من شَاهد قلب العصى ثعبانا مُبينًا يتلقف مَا جَاءُوا بِهِ من السحر والتخييلات حصل لَهُ الْعلم الْقطعِي بِأَن قلب العصى ثعبانا يعجز عَنهُ الْخَلَائق أَجْمَعُونَ إِذْ ذَاك خَارج عَن مقدورهم
فَإِن قيل
إحْيَاء الْمَوْتَى وقلب العصى وَمَا ينزل منزلتها جلي لَا يشك فِيهِ من شَاهده عَام بِالْإِضَافَة إِلَى كل الْعُقَلَاء لَا يبْقى مَعَه ريب لأَحَدهم بل يحصل لَهُم الْعلم الْقطعِي بذلك وَلَيْسَ كَذَلِك مَا ادَّعَاهُ نَبِيكُم من إعجاز الْقُرْآن إِذْ لَا يحصل الْعلم بإعجازه لكل أحد بل إِنَّمَا يحصل الْعلم بذلك عنْدكُمْ وعَلى زعمكم للفصحاء من الْعَرَب وَأما من لَيْسَ فصيحا أَو أعجميا لَا يفقه لِسَان الْعَرَب فَلَا يحصل لَهُ الْعلم بإعجازه فَإِن الأعجمي لَو كلف أَن يتَكَلَّم بِكَلِمَة وَاحِدَة من لِسَان الْعَرَب لم يقدر على ذَلِك فَعدم قدرته على ذَلِك لَا يدل على صدق المتحدى بِهِ وَكَذَلِكَ من لَيْسَ فصيحا من الْعَرَب لَو كلف أَن يَأْتِي بِكَلَام فصيح لم يقدر عَلَيْهِ فَلَا يكون ذَلِك معجزا فِي حَقه
الْجَواب
أَن نقُول سنبين إِن شَاءَ الله وُجُوه إعجازه وَأَنَّهَا مُتعَدِّدَة وَإِن مِنْهَا مَا يُدْرِكهُ الجفلا ويشترك فِي معرفَة إعجازه أهل الحضارة والفلا
فَيكون هَذَا النَّوْع كقلب العصى وإحياء الْمَوْتَى وَلَو سلمنَا جدلا أَنه معجز من حَيْثُ بلاغته وأسلوبه الْمُخَالف لأساليب كَلَامهم فَقَط لقلنا إِن الْعلم بإعجازه وإحياء الْمَوْتَى وقلب العصى لَا يحصل لكل الْعُقَلَاء على حد سَوَاء وَلَا فِي زمَان وَاحِد بل يحصل ذَلِك لمن علم وَجه إعجاز ذَلِك الشَّيْء المعجز حِين يعرف أَنه مِمَّا لَيْسَ يدْرك بجبلة بشرية وَلَا يتَوَصَّل إِلَى ذَلِك بالإطلاع على خاصية
وَقد لَا يبعد أَن تقوم شُبْهَة عِنْد جَاهِل بصناعة الطِّبّ وَالسحر تَمنعهُ من تَحْصِيل الْعلم بالإعجاز فَيَقُول لَعَلَّ مُوسَى اطلع من السحر على شَيْء لم يُعلمهُ السَّحَرَة وَلَا اطَّلَعت عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ عِيسَى لَعَلَّه وَقع على خاصية بعض الْأَحْجَار أَو بعض الموجودات فَكَانَ يفعل بهَا مَا يظْهر على يَدَيْهِ وَهَذِه الشُّبْهَة إِنَّمَا مُمكن أَن تظهر للجاهل بالطب
стр. 274
وَالسحر وَأما الْعَالم بالطب وبالسحر فَلَا تكون هَذِه شُبْهَة فِي حَقه لعلمه الَّذِي حصل لَهُ بالذوق والممارسه بِأَن الَّذِي جَاءَ بِهِ هَذَا مِمَّا لَيْسَ يدْرك بحيلة صناعية وَلَا بِالْوُقُوفِ على خاصية بل هُوَ صنع خَالق الْبَريَّة وَأَنه أَرَادَ بِهِ التَّصْدِيق لهَذَا الْمُدَّعِي وَالشَّهَادَة واليقينية فَحصل من هَذَا أَن الْعلم بإعجاز إحْيَاء الْمَوْتَى وقلب العصى إِنَّمَا يحصل أَولا للسحرة والأطباء وَلَا يحصل لكثير من الْجُهَّال بالطب وَالسحر الأغبياء فَكَذَلِك إعجاز الْقُرْآن وَلَا فرق
حصل الْعلم بِهِ لمن يعلم لِسَان الْعَرَب بالذوق بضرورة الْفرق الَّذِي بَينه وَبَين لِسَان الْعَرَب فَعلم أَنه لَيْسَ دَاخِلا تَحت مَقْدُور الْعَرَب وَإِذا عجز عَنهُ الْعَرَب الفصحاء واللد البلغاء فغيرهم أعجز كَمَا أَنا نقُول إِذا عجز الْأَطِبَّاء عَن إحْيَاء الْمَوْتَى وإبراء الأكمه والأبرص فَغير الْأَطِبَّاء أولى وَإِذا عجز السَّحَرَة عَن قلب العصى ثعبانا فَغير السَّحَرَة أعجز وأعجز
وَقَوْلهمْ
إِنَّمَا يعجز عَنهُ الْعَرَب لَا الْعَجم
معَارض
بِأَن يُقَال لَهُم إِنَّمَا يعجز عَن إحْيَاء الْمَوْتَى الْأَطِبَّاء لَا غَيرهم وَإِنَّمَا يعجز عَن قلب العصى السَّحَرَة لَا غَيرهم فبالذي ينفصلون بِهِ ننفصل بل نزيد عَلَيْهِم فِي الإنفصال بِوُجُوه ترفع الأشكال فَإنَّا سنبدي وُجُوهًا فِي إعجاز الْقُرْآن يُدْرِكهَا كل إِنْسَان عجميا كَانَ أَو عَرَبيا مجوسيا كَانَ أَو كتابيا وسنبينها إِن شَاءَ الله أثر هَذَا
فقد حصل من هَذَا الْكَلَام كُله الْعلم بِأَن مُحَمَّدًا صلى الله عيله وَسلم جَاءَ بِالْقُرْآنِ وتحدى بِهِ وَهُوَ معْجزَة وكل من جَاءَ بالمعجزة وتحدى بهَا فَهُوَ صَادِق فالنتيجة مَعْلُومَة وَهِي أَن مُحَمَّدًا ﷺ صَادِق
فَإِن قيل
فبينوا لنا وُجُوه إعجاز الْقُرْآن وَهل هُوَ من جنس مَا يقدر عَلَيْهِ الْبشر فصرفوا عَنهُ أَو لَيْسَ من جنس مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ
فَالْجَوَاب
أَن نقُول ذهب بعض عُلَمَائِنَا إِلَى أَن وَجه إعجازه إِنَّمَا هُوَ من جِهَة أَن صرفُوا عَن الْإِتْيَان بِهِ وَأَنه من جنس مَقْدُور الْبشر لَكِن لم يقدروا عَلَيْهِ وَهَذَا إِن كَانَ فَهُوَ بليغ فِي الإعجاز وَذَلِكَ أَن المعجزات ضَرْبَان ضرب خَارج عَن مَقْدُور الْبشر كإنفلاق
стр. 275
الْبَحْر وإنشقاق الْقَمَر ونبع المَاء من بَين الْأَصَابِع وَضرب يكون من جنس مَقْدُور الْبشر إِلَّا أَنهم يمْنَعُونَ من فعله وَلَا يقدرُونَ عَلَيْهِ
فَلَو أَن نَبيا ادّعى أَنه رَسُول الله وَاسْتدلَّ على صدقه بِأَن قَالَ لِقَوْمِهِ آيتي أَلا تقدروا الْيَوْم على الْقيام فَكَانَ ذَلِك فَهَذَا دَلِيل صدقه وَهُوَ معْجزَة جلية أبلغ فِي الإعجاز من الْإِتْيَان بِمَا لَيْسَ بمقدور وَلَا يبعد أَن يكون إعجاز الْقُرْآن من هَذَا الْقَبِيل فَإِن الْبشر قد صرفُوا عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ بل عَن الْإِتْيَان بِآيَة طَوِيلَة من آيَاته وَمن تنَازع فِي ذَلِك فَعَلَيهِ بِأَن يأتى بقرآن مثله أَو بِسُورَة من مثله وَهَذَا من خَصَائِص نَبينَا صلى الله عيه وَسلم
وَذَلِكَ أَن معجزته مَوْجُودَة بعده وحاضرة مُشَاهدَة فِي كل وَقت لم تَنْقَطِع بإنقطاع وجوده وَلَا مَاتَت بِمَوْتِهِ بل هِيَ مَوْجُودَة مستمرة إِلَى قيام السَّاعَة فَكل من أبدى نكيرا فِي نبوته أَو قدحا فِي رسَالَته قُلْنَا لَهُ إِن كنت صَادِقا فِي تكذيبك لَهُ فعارض قرآنه ومنزله فَإِن لم تفعل تبين الْعُقَلَاء مِنْهُ أَنه متواقح مُبْطل
ثمَّ نقُول وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَكثر عُلَمَائِنَا أَن الْقُرْآن خَارج عَن مَقْدُور الْبشر وَلَيْسَ من جنس مقدورهم وَأَن الْقُرْآن وَإِن كَانَ كلَاما فَلَيْسَ بَينه وَبَين كَلَام الْعَرَب من الْمُنَاسبَة والإلتقاء إِلَّا مَا كَانَ بَين الْحَيَّة الَّتِي انقلبت عصى مُوسَى عَنْهَا وَبَين حيات السَّحَرَة الَّتِي كَانَت تخيل للنَّاظِر إِلَيْهَا أَنَّهَا حيات تسْعَى
ووجوه إعجازه كَثِيرَة لَكنا نبدي مِنْهَا أَرْبَعَة ونقتصر عَلَيْهَا لبيانها وظهورها
стр. 276
الْوَجْه الأول
فَنَقُول
أَن لِسَان الْعَرَب مباين للسان غَيرهم
ومتميزون عَنْهُم بِأُمُور يعلمهَا العارفون بالألسنة واللغات وَلَا يَشكونَ فِيهَا
وَمن غالط فِي ذَلِك وَأنْكرهُ فَعَلَيهِ أَن يتَعَلَّم لِسَان الْعَرَب وألسنة غَيرهم حَتَّى يحصل لَهُ الْفرق بَينه وَبَينهَا ذوقا ومشاهدة ضَرُورِيَّة وَتلك الْأُمُور الَّتِي باين بهَا غَيره من الْأَلْسِنَة خفَّة اللَّفْظ على اللِّسَان وعذوبته وسهولة المخارج وَالتَّعْبِير عَن الْمَعْنى الدائر فِي الضَّمِير بأبلغ عبارَة وأوضح تَفْسِير وكما تميز لِسَان الْعَرَب عَن لِسَان غَيرهم كَذَلِك غير لِسَان الْعَرَب فَكَذَلِك تَمْيِيز لِسَان مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ بأساليب أخر ومناهج لم تكن الْعَرَب قبله تستعملها على نَحْو مَا استعملها هُوَ حَتَّى أَن من لم يعرف كَلَام رَسُول الله ﷺ وسَمعه وَكَانَ عَرَبيا يفرق بَينه وَبَين كَلَام غَيره من الفصحاء فَإِنَّهُ يرز على بلاغة البلغاء وينف فِي حكمته على جَمِيع الْحُكَمَاء
وَكَذَلِكَ كَانَت الْعَرَب تَقول لَهُ مَا رَأينَا بِالَّذِي هُوَ أفْصح مِنْك وَهَذِه المناهج الْمَعْرُوفَة فِي كَلَامه إِنَّمَا يعرفهَا على التَّحْقِيق من بَاشر كَلَامه وتتبعه وتفهمه وَكَانَ عَارِفًا بِلِسَان الْعَرَب وكما تميز كَلَامه عَن كَلَام الْعَرَب وَزَاد عَلَيْهِم فَكَذَلِك تميز كَلَام الله عَن كَلَامه بأساليب أخر حَتَّى أَنه كَانَ إِذا تكلم بِكَلَامِهِ أدْرك الْفرق بَينه وَبَين كَلَام الله حِين يتلوه وَيتَكَلَّم بِهِ حَتَّى كَانَ الْعَاقِل الفصيح إِذا سَمعه قَالَ لَيْسَ هَذَا من كَلَام الْبشر وَلَا مِمَّا تقدرون عَلَيْهِ وَسَنذكر مَا نقل إِلَيْنَا عَن فصحائهم لما سمعُوا بِالْقُرْآنِ
فَمن الْوُجُوه الَّذِي بِهِ مايز الْقُرْآن كَلَام النَّبِي ﷺ وَكَلَام الْعَرَب فَصَاحَته الرائقة وبلاغته الموفقة وجزالته الفائقة حَتَّى تسمع الْكَلِمَة الْوَاحِدَة مِنْهُ تجمع مَعَاني كَثِيرَة مَعَ عذوبة إيرادها وجزالة مساقها وَصِحَّة مَعَانِيهَا مثل قَوْله ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾
стр. 277
وَلما نزلت هَذِه الْآيَة قَالَ أَبُو جهل وَكَانَ من أَشد الْأَعْدَاء على مُحَمَّد خير الْأَنْبِيَاء إِن رب مُحَمَّد لفصيح وَهَذِه الْآيَة بِمَا تَضَمَّنت من الْأَحْكَام وَتَفْسِير الْحَلَال وَالْحرَام والإعراض عَن أهل الْجَهْل والإجترام وَالْأَمر بِالْتِزَام أَخْلَاق الْكِرَام تدل دلَالَة قَاطِعَة على أَنَّهَا كَلَام الْعَزِيز العلام مَعَ مَا هِيَ عَلَيْهِ من اللَّفْظ الجزل الرصين الَّذِي يروع قُلُوب العارفين ويثلج قُلُوب القارئين والسامعين
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾
وَلما سمع الْمُغيرَة هَذِه الْآيَة وَكَانَ من أعدائه الَّذين يُرِيدُونَ إطفاء نوره وإذهاب بهائه قَالَ وَالله إِن لَهُ لحلاوة وَإِن عَلَيْهِ لطلاوة وَإِن أَسْفَله لمغدق وَإِن أَعْلَاهُ لمثمر مُورق وَمَا يَقُول هَذَا بشر وَهَذِه الْآيَة قد تَضَمَّنت بِحكم عمومها وَصِحَّة مفهومها مَعَاني كتب الْمُتَقَدِّمين وَشَرَائِع الماضين وتذكره الْحَاضِرين وتخويف الْمُقَصِّرِينَ وترغيب الْمُجْتَهدين مَعَ مَا هِيَ عَلَيْهِ من قلَّة الْكَلِمَات وَمَعَ عذوبة المساق والجزالات
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله ويخش الله ويتقه فَأُولَئِك هم الفائزون﴾ حكى أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ بَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا نَائِم فِي الْمَسْجِد إِذْ وقف على رَأسه رجل يتَشَهَّد بِشَهَادَة الْحق فاستخبره فَقَالَ إِنِّي كنت من بطارقة الرّوم وَكنت مِمَّن يحسن كَلَام الْعَرَب وَغَيرهم فَسمِعت أَسِيرًا من الْمُسلمين يقْرَأ آيَة من الْقُرْآن فتأملتها فَإِذا هِيَ قد جمع فِيهَا مَا أنزل الله على عِيسَى ابْن مَرْيَم من أَحْوَال الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله ويخش الله ويتقه﴾ الْآيَة الْمُتَقَدّمَة وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وأوحينا إِلَى أم مُوسَى أَن أرضعيه فَإِذا خفت عَلَيْهِ فألقيه فِي اليم وَلَا تخافي وَلَا تحزني إِنَّا رادوه إِلَيْك وجاعلوه من الْمُرْسلين﴾
стр. 278
حكى أَن الْأَصْمَعِي سمع جَارِيَة من الْعَرَب فتعجب من فصاحتها فَقَالَت وَهل بعد قَول الله تَعَالَى فصاحة حَيْثُ قَالَ ﴿وأوحينا إِلَى أم مُوسَى أَن أرضعيه فَإِذا خفت عَلَيْهِ فألقيه فِي اليم وَلَا تخافي وَلَا تحزني إِنَّا رادوه إِلَيْك وجاعلوه من الْمُرْسلين﴾ فَإِنَّهُ جمع فِي آيَة وَاحِدَة بَين أَمريْن ونهيين وخبرين وبشارتين
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر وَأعْرض عَن الْمُشْركين﴾ حكى أَن أَعْرَابِيًا لما سَمعهَا سجد فَقيل لَهُ لم سجدت فَقَالَ سجدت لفصاحته وَلَا يظنّ الْجَاهِل أَنا نستدل على فَصَاحَته بِكَلَام هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاب كلا لَو كَانَ ذَلِك لكَانَتْ الْحجَّة أَضْعَف من السراب بل نعلم أَنه معجز بفصاحته علم ضَرُورَة تحصل لنا عِنْد سَمَاعه وقراءته والبلغاء إِذا وقفُوا عَلَيْهِ وسمعوه لذَلِك الْعلم مضطرون بِحَيْثُ لَا يرتابون وَلَا يَشكونَ
كَيفَ والعربي الفصيح إِذا سمع قَوْله تَعَالَى ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولي الْأَلْبَاب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو ترى إِذْ فزعوا فَلَا فَوت وَأخذُوا من مَكَان قريب﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا تستوي الْحَسَنَة وَلَا السَّيئَة ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن فَإِذا الَّذِي بَيْنك وَبَينه عَدَاوَة كَأَنَّهُ ولي حميم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَقيل يَا أَرض ابلعي ماءك وَيَا سَمَاء أقلعي وغيض المَاء وَقضي الْأَمر واستوت على الجودي وَقيل بعدا للْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ فَمنهمْ من أرسلنَا عَلَيْهِ حاصبا وَمِنْهُم من أَخَذته الصَّيْحَة وَمِنْهُم من خسفنا بِهِ الأَرْض وَمِنْهُم من أغرقنا وَمَا كَانَ الله ليظلمهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ وَمثل هَذَا كثير قضى من هَذِه البلاغة والجزالة ومتانة هَذِه الْمعَانِي الْعجب وَعلم أَن مثل هَذَا لَا يقدر عَلَيْهِ أحد من الْعَجم وَلَا من الْعَرَب
стр. 279
وَمَا عَسى أَن يُقَال فِي كَلَام ذِي الْجلَال إِذْ هُوَ أصدق الْكتب ومصدق خير الرُّسُل وَلَو كَانَت الْبحار مدادا وَجَمِيع الْجِنّ وَالْإِنْس كتابا مَا بلغُوا معشاره وَلَا قدرُوا مِقْدَاره
قَالَ الله تَعَالَى الْعَظِيم فِي كِتَابه الْكَرِيم ﴿قل لَو كَانَ الْبَحْر مدادا لكلمات رَبِّي لنفد الْبَحْر قبل أَن تنفد كَلِمَات رَبِّي وَلَو جِئْنَا بِمثلِهِ مدَدا﴾
فَهَذَا هُوَ الْوَجْه الأول
стр. 280
الْوَجْه الثَّانِي
من وُجُوه إعجاز الْقُرْآن نظمه العجيب وأسلوبه الْغَرِيب الَّذِي خَالف بِهِ جَمِيع أسلوب كَلَام الْعَرَب حَتَّى كَأَنَّهُ لَيْسَ بَينه وَبَينه نسب وَلَا سَبَب فَلَا هُوَ كمنظوم كَلَامهَا فَيكون شعرًا مَوْزُونا وَلَا كمنثوره فَيكون نثرا عريا عَن الفواصل محروما بل تشبه رُؤُوس آيه وفواصله قوافي النّظم وَلَا تدانيها وتخالف آيه متفرقات النثر وتناويها فَصَارَ لذَلِك أسلوبا خَارِجا عَن كَلَامهم ومنهاجا خارقا لعادة خطابهم وَذَلِكَ أَن كَلَام بلغاء الْعَرَب لَا يَخْلُو
أما أَن يكون مَوْزُونا منظوما أَو غير مَوْزُون وَلَا منظوم فَالْأول هُوَ الشّعْر وَهُوَ أَصْنَاف وأنواع بِحَسب اخْتِلَاف أعاريضه وَالثَّانِي هُوَ النثر وَالْقُرْآن الْعَزِيز خَارج عَن الصِّنْفَيْنِ مفارق للنوعين فَارق الشّعْر بِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْزُونا وَزنه فتكسره لَفْظَة زَائِدَة وَلَا مرتبطا ربطه حَتَّى تفسده مُخَالفَة قافية وَاحِدَة فِي الْوُقُوف عَلَيْهِ وأوضح شَاهد وأقطع لشُبْهَة كل معاند
وَهَا أَنا أتلوا عَلَيْكُم معشر النَّصَارَى بعض آيَاته ليتَحَقَّق الْمنصف صدق شهاداته
وَقَالَ الله الْعَظِيم فِي مُحكم كِتَابه الْكَرِيم ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم إِذْ انتبذت من أَهلهَا مَكَانا شرقيا فاتخذت من دونهم حِجَابا فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا قَالَت أَنى يكون لي غُلَام وَلم يمسسني بشر وَلم أك بغيا قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين ولنجعله آيَة للنَّاس وَرَحْمَة منا وَكَانَ أمرا مقضيا فَحَملته فانتبذت بِهِ مَكَانا قصيا فأجاءها الْمَخَاض إِلَى جذع النَّخْلَة قَالَت يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا وَكنت نسيا منسيا فناداها من تحتهَا أَلا تحزني قد جعل رَبك تَحْتك سريا وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإمَّا تَرين من الْبشر أحدا فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا فَأَتَت بِهِ قَومهَا تحمله قَالُوا يَا مَرْيَم لقد جِئْت شَيْئا فريا يَا أُخْت هَارُون مَا كَانَ أَبوك امْرأ سوء وَمَا كَانَت أمك بغيا فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا قَالَ إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب وَجَعَلَنِي نَبيا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا وَبرا بوالدتي وَلم يَجْعَلنِي جبارا شقيا وَالسَّلَام عَليّ يَوْم ولدت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أبْعث حَيا﴾
стр. 281
ثمَّ بعد ذَلِك أَخذ فِي أسلوب مُخَالف هَذَا فَقَالَ تَعَالَى
﴿ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون مَا كَانَ لله أَن يتَّخذ من ولد سُبْحَانَهُ إِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون وَإِن الله رَبِّي وربكم فاعبدوه هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم﴾
هَكَذَا إِلَى أَن فرغ من هَذَا النمط ثمَّ شرع فِي نمط آخر على مَا يعرفهُ من وقف عَلَيْهِ وتدبره وَإِنَّمَا تلونا هَذِه الْآيَات على الْخُصُوص فِي هَذَا الْمقَام لما تضمنه من الْأَخْبَار عَن عِيسَى وَمَرْيَم ﵉ حَتَّى يعلم النَّصَارَى بطلَان مَا يقولوه عَلَيْهِمَا من الْكَذِب والأوهام
فَانْظُر إِن كنت عَاقِلا منصفا كَيْفيَّة هَذَا النّظم الشريف البديع المنيف كَيفَ عَادل بَين رُؤُوس الْآي بحروف تشبه القوافي وَلَيْسَ بهَا والتزمها ثمَّ عدل عَنْهَا إِلَى غَيرهَا مَعَ أَن السُّورَة وَاحِدَة بِخِلَاف مَا يفعل الناثر فَإِنَّهُ لَا يلْتَزم قوافي وَلَا فواصل
وَالْقُرْآن الْعَزِيز ذُو آيَات لَهَا فواصل ومقاطع ورؤوس تشبه القوافي فقد عرفت أَنه خَالف نظم كَلَام الْعَرَب ونثرها فَهُوَ منهاج آخر وأسلوب لم تكن الْعَرَب تعرفه وَلما سمعته الْعَرَب ووعته لم يتحدث قطّ وَاحِد مِنْهُم بِأَنَّهُ يقدر على مُعَارضَة آيَة مِنْهُ بل حارت
стр. 282
فِيهِ عُقُولهمْ وتدلهت دونه أحلامهم وَلذَلِك قَالَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة لملأ قُرَيْش يَا معشر قُرَيْش أَنه قد حضر موسم الْحَج وَإِن وُفُود الْعَرَب ستقدم عَلَيْكُم وَقد سمعُوا بِأَمْر صَاحبكُم وَلَا بُد أَن يسألوكم عَنهُ فَمَاذَا تَقولُونَ لَهُم فَأَجْمعُوا فِيهِ رَأيا وَاحِدًا لِئَلَّا تكذبكم الْعَرَب إِذا اختلفتم فِيهِ قَالُوا نقُول إِنَّه كَاهِن فَقَالَ لَهُم وَالله مَا هُوَ بكاهن لقد رَأينَا الْكُهَّان فَمَا هُوَ بزمزمة الكاهن وَلَا سجعه قَالُوا فَنَقُول أَنه مَجْنُون قَالَ وَالله مَا هُوَ بمجنون لقد رَأينَا الْمَجْنُون وعرفناه وَالله مَا هُوَ بخنقه وَلَا تخالجه وَلَا وسوسته قَالُوا فَنَقُول إِنَّه شَاعِر قَالَ مَا هُوَ بشاعر لقد عرفنَا الشّعْر كُله رجزه وهزجه ومقبوضه ومبسوطه فَمَا هُوَ بالشعر قَالُوا فَنَقُول إِنَّه سَاحر قَالَ مَا هُوَ بساحر لقد رَأينَا السحر وسحرهم فَمَا هُوَ بنفثه وَلَا عقده وَمَا أَنْتُم قَائِلُونَ شَيْئا من هَذَا إِلَّا كذبتكم الْعَرَب وَعرفت أَنه بَاطِل قَالُوا فَمَا تَقول أَنْت قَالَ وَالله إِن لقَوْله لحلاوة وَإِن أَصله لعذق وَإِن فَرعه لمثمر وَإِن أقرب القَوْل فِيهِ أَن تَقولُوا إِنَّه سَاحر جَاءَ بقول هُوَ سحر يفرق بِهِ بَين الْمَرْء وإبنه وَبَين الْمَرْء وأخيه يعْنى أَن هَذَا تقبله الْعَرَب فَإِنَّهَا لاتعرف السحر فعولوا على أَن يَقُولُوا إِنَّه سحر فَفَعَلُوا وَفِي الْوَلِيد أنزل الله تَعَالَى ﴿ذَرْنِي وَمن خلقت وحيدا وَجعلت لَهُ مَالا ممدودا وبنين شُهُودًا ومهدت لَهُ تمهيدا﴾
فَانْظُر كَيفَ عرفُوا أَنه لَيْسَ من جنس كَلَامهم وَلَا من جنس كَلَام الكهنة وَلَا السَّحَرَة وَلم يمنعهُم من الْإِيمَان بِهِ إِلَّا مَا سبق لَهُم من الشقاوة والعناد والحسد والجفوة
وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُم عتبَة بن ربيعَة لما سمع ﴿حم تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ قَالَ وَالله مَا سَمِعت مثله قطّ وَالله مَا هُوَ بالشعر وَلَا بِالسحرِ وَلَا بالكهانة فقد تقدم بِكَمَالِهِ فَلْينْظر هُنَاكَ
وَكَذَلِكَ قَالَ أنيس أَخُو أبي ذَر الْغِفَارِيّ وَكَانَ شَاعِرًا مفلقا يُنَاقض الشُّعَرَاء ويعارضهم فَلَمَّا سمع الْقُرْآن قَالَ لِأَخِيهِ أبي ذَر لقد سَمِعت قَول الكهنة فَمَا هُوَ بقَوْلهمْ وَلَقَد وَضعته على أَقراء
стр. 283
الشّعْر فَلم يلتئم وَمَا يلتئم على لِسَان أحد يدعى أَنه شعر وَالله أَنه لصَادِق وَأَنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
وَالْأَخْبَار الصِّحَاح فِي هَذَا الْمَعْنى أكثرب من أَن يُحِيط بهَا هَذَا الْكتاب
فقد اتَّضَح من هَذَا الْوَجْه وَمن الَّذِي قبله أَن الْقُرْآن الْعَزِيز معجز بِمَجْمُوع فَصَاحَته ونظمه وَقد تبين أَنَّهُمَا وَجْهَان متغايران
ثمَّ هَل كل وَاحِد من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ معجز بإنفراده أَو إِنَّمَا يكون معجزا بإجتماعهما هَذَا فِيهِ نظر
ولعلمائنا فِيهِ قَولَانِ لَيْسَ هَذَا مَوضِع استيعابهما وَلَا حَاجَة بِنَا فِي هَذَا الْكتاب إِلَى بيانهما إِذْ قد عرف وَتحقّق أَنه بفصاحته ونظمه معجز وَمن تشكك فِي ذَلِك أَو أبدى فِيهِ أمرا بعد الْوُقُوف على الْقُرْآن فَهُوَ مُنكر لما هُوَ ضَرُورِيّ وَالَّذِي يبطل عناده وَيظْهر صميم جَهله أَن يُقَال لَهُ أئت بِسُورَة من مثله
وَالله ولي التَّوْفِيق وَهُوَ بتنوير قُلُوب أوليائه حقيق
стр. 284
الْوَجْه الثَّالِث
من وُجُوه إعجاز الْقُرْآن مَا تضمنه من الْأَخْبَار بالمغيبات قبل أَن يُحِيط أحد من الْبشر بعلمها وبوقوع كائنات قبل وجودهَا وَذَلِكَ أَمر لَا يتَوَصَّل إِلَى الْعلم بِهِ إِلَّا من جِهَة الصَّادِقين الَّذِي يخبرون عَن الله تَعَالَى
وَنحن نذْكر مِنْهَا مَوَاضِع على شَرط التَّقْرِيب والإختصار تغني عَن التَّطْوِيل والإكثار
فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين مُحَلِّقِينَ رؤوسكم وَمُقَصِّرِينَ لَا تخافون﴾
فَهَذِهِ الْآيَة من أوضح معجزاته ﷺ وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى وعده بِأَن يدْخلهُ الْمَسْجِد الْحَرَام هُوَ وَقَومه فِي حَالَة أَمن وَيفتح عَلَيْهِم مَكَّة على أحسن حَال فَمَا زَالُوا ينتظرون ذَلِك حى بلغ وقته وَصدق وعده فَدَخَلُوا كَمَا وعدهم وفتحوه على مَا أخْبرهُم
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿الم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فِي بضع سِنِين لله الْأَمر من قبل وَمن بعد ويومئذ يفرح الْمُؤْمِنُونَ بنصر الله ينصر من يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيز الرَّحِيم وعد الله لَا يخلف الله وعده وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾
وَهَذِه الْآيَة أَيْضا من أعظم معجزاته وَذَلِكَ أَن هَذِه الْآيَة لما نزلت كَانَت فَارس غالبي الرّوم وَكَانَ الْمُسلمُونَ يحبونَ ظُهُور الرّوم على فَارس لكَون الرّوم أهل كتاب وَكَانَت قُرَيْش يحبونَ ظُهُور فَارس على الرّوم لأَنهم وإياهم لَيْسُوا أهل كتاب وَلَا إِيمَان فَلَمَّا أنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة خرج أَبُو بكر الصّديق ﵁ يَصِيح فِي النَّاس وَفِي نواحي مَكَّة بِهَذِهِ الْآيَة ويقرأها على مُشْركي
стр. 285
قُرَيْش فَقَالَ نَاس من قُرَيْش زعم صَاحبكُم أَن الرّوم ستغلب فَارس فِي بضع سِنِين أَفلا نراهنك على ذَلِك فَقَالَ بلَى وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهَان فارتهن أَبُو بكر وَالْمُشْرِكُونَ وتواضعوا الرِّهَان وَقَالُوا لأبي بكر كم نجْعَل الْبضْع الْبضْع ثَلَاث سِنِين إِلَى تسع سِنِين فسم بَيْننَا وَبَيْنك وسطا ننتهي إِلَيْهِ قَالَ فسموا بَينهم سِتّ سِنِين فمضت السِّت سِنِين قبل أَن يظهروا فَأخذ الْمُشْركُونَ رهن أبي بكر فَلَمَّا دخلت السّنة السَّابِعَة ظَهرت الرّوم على فَارس فعاب الْمُسلمُونَ على أبي بكر تَسْمِيَة سِتّ سِنِين لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فِي بضع سِنِين﴾
قَالَ وَأسلم عِنْد ذَلِك نَاس كثير
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لَا يشركُونَ بِي شَيْئا﴾
وَقد فعل الله ذَلِك بِمُحَمد وَأمته ملكهم الأَرْض واستخلفهم فِيهَا وأذل لَهُم ملوكا تَحت سيف الْقَهْر بعد أَن كَانُوا أهل عز وَكبر وأورثهم أَرضهم وديارهم وَأَمْوَالهمْ ومنحهم رقابهم ﴿وعد الله إِن الله لَا يخلف الميعاد﴾
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيدُونَ ليطفئوا نور الله بأفواههم وَالله متم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ﴾
فَإِن قيل كَيفَ يَصح لكم قَوْله ﴿لِيظْهرهُ على الدّين كُله﴾ وَمَعْلُوم أَن ملك النَّصَارَى لم يَنْقَطِع فِي حَيَاته وَلَا بعد مَوته وَهَذَا ملكهم قَائِم فَلم يظْهر دينكُمْ على دينهم فَلَا معنى لقَوْله ﴿لِيظْهرهُ على الدّين كُله﴾
следующие страницы →