Полный текст (442 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ثمَّ بعد ذَلِك أَخذ فِي أسلوب مُخَالف هَذَا فَقَالَ تَعَالَى
﴿ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون مَا كَانَ لله أَن يتَّخذ من ولد سُبْحَانَهُ إِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون وَإِن الله رَبِّي وربكم فاعبدوه هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم﴾
هَكَذَا إِلَى أَن فرغ من هَذَا النمط ثمَّ شرع فِي نمط آخر على مَا يعرفهُ من وقف عَلَيْهِ وتدبره وَإِنَّمَا تلونا هَذِه الْآيَات على الْخُصُوص فِي هَذَا الْمقَام لما تضمنه من الْأَخْبَار عَن عِيسَى وَمَرْيَم ﵉ حَتَّى يعلم النَّصَارَى بطلَان مَا يقولوه عَلَيْهِمَا من الْكَذِب والأوهام
فَانْظُر إِن كنت عَاقِلا منصفا كَيْفيَّة هَذَا النّظم الشريف البديع المنيف كَيفَ عَادل بَين رُؤُوس الْآي بحروف تشبه القوافي وَلَيْسَ بهَا والتزمها ثمَّ عدل عَنْهَا إِلَى غَيرهَا مَعَ أَن السُّورَة وَاحِدَة بِخِلَاف مَا يفعل الناثر فَإِنَّهُ لَا يلْتَزم قوافي وَلَا فواصل
وَالْقُرْآن الْعَزِيز ذُو آيَات لَهَا فواصل ومقاطع ورؤوس تشبه القوافي فقد عرفت أَنه خَالف نظم كَلَام الْعَرَب ونثرها فَهُوَ منهاج آخر وأسلوب لم تكن الْعَرَب تعرفه وَلما سمعته الْعَرَب ووعته لم يتحدث قطّ وَاحِد مِنْهُم بِأَنَّهُ يقدر على مُعَارضَة آيَة مِنْهُ بل حارت
стр. 282
فِيهِ عُقُولهمْ وتدلهت دونه أحلامهم وَلذَلِك قَالَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة لملأ قُرَيْش يَا معشر قُرَيْش أَنه قد حضر موسم الْحَج وَإِن وُفُود الْعَرَب ستقدم عَلَيْكُم وَقد سمعُوا بِأَمْر صَاحبكُم وَلَا بُد أَن يسألوكم عَنهُ فَمَاذَا تَقولُونَ لَهُم فَأَجْمعُوا فِيهِ رَأيا وَاحِدًا لِئَلَّا تكذبكم الْعَرَب إِذا اختلفتم فِيهِ قَالُوا نقُول إِنَّه كَاهِن فَقَالَ لَهُم وَالله مَا هُوَ بكاهن لقد رَأينَا الْكُهَّان فَمَا هُوَ بزمزمة الكاهن وَلَا سجعه قَالُوا فَنَقُول أَنه مَجْنُون قَالَ وَالله مَا هُوَ بمجنون لقد رَأينَا الْمَجْنُون وعرفناه وَالله مَا هُوَ بخنقه وَلَا تخالجه وَلَا وسوسته قَالُوا فَنَقُول إِنَّه شَاعِر قَالَ مَا هُوَ بشاعر لقد عرفنَا الشّعْر كُله رجزه وهزجه ومقبوضه ومبسوطه فَمَا هُوَ بالشعر قَالُوا فَنَقُول إِنَّه سَاحر قَالَ مَا هُوَ بساحر لقد رَأينَا السحر وسحرهم فَمَا هُوَ بنفثه وَلَا عقده وَمَا أَنْتُم قَائِلُونَ شَيْئا من هَذَا إِلَّا كذبتكم الْعَرَب وَعرفت أَنه بَاطِل قَالُوا فَمَا تَقول أَنْت قَالَ وَالله إِن لقَوْله لحلاوة وَإِن أَصله لعذق وَإِن فَرعه لمثمر وَإِن أقرب القَوْل فِيهِ أَن تَقولُوا إِنَّه سَاحر جَاءَ بقول هُوَ سحر يفرق بِهِ بَين الْمَرْء وإبنه وَبَين الْمَرْء وأخيه يعْنى أَن هَذَا تقبله الْعَرَب فَإِنَّهَا لاتعرف السحر فعولوا على أَن يَقُولُوا إِنَّه سحر فَفَعَلُوا وَفِي الْوَلِيد أنزل الله تَعَالَى ﴿ذَرْنِي وَمن خلقت وحيدا وَجعلت لَهُ مَالا ممدودا وبنين شُهُودًا ومهدت لَهُ تمهيدا﴾
فَانْظُر كَيفَ عرفُوا أَنه لَيْسَ من جنس كَلَامهم وَلَا من جنس كَلَام الكهنة وَلَا السَّحَرَة وَلم يمنعهُم من الْإِيمَان بِهِ إِلَّا مَا سبق لَهُم من الشقاوة والعناد والحسد والجفوة
وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُم عتبَة بن ربيعَة لما سمع ﴿حم تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ قَالَ وَالله مَا سَمِعت مثله قطّ وَالله مَا هُوَ بالشعر وَلَا بِالسحرِ وَلَا بالكهانة فقد تقدم بِكَمَالِهِ فَلْينْظر هُنَاكَ
وَكَذَلِكَ قَالَ أنيس أَخُو أبي ذَر الْغِفَارِيّ وَكَانَ شَاعِرًا مفلقا يُنَاقض الشُّعَرَاء ويعارضهم فَلَمَّا سمع الْقُرْآن قَالَ لِأَخِيهِ أبي ذَر لقد سَمِعت قَول الكهنة فَمَا هُوَ بقَوْلهمْ وَلَقَد وَضعته على أَقراء
стр. 283
الشّعْر فَلم يلتئم وَمَا يلتئم على لِسَان أحد يدعى أَنه شعر وَالله أَنه لصَادِق وَأَنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
وَالْأَخْبَار الصِّحَاح فِي هَذَا الْمَعْنى أكثرب من أَن يُحِيط بهَا هَذَا الْكتاب
فقد اتَّضَح من هَذَا الْوَجْه وَمن الَّذِي قبله أَن الْقُرْآن الْعَزِيز معجز بِمَجْمُوع فَصَاحَته ونظمه وَقد تبين أَنَّهُمَا وَجْهَان متغايران
ثمَّ هَل كل وَاحِد من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ معجز بإنفراده أَو إِنَّمَا يكون معجزا بإجتماعهما هَذَا فِيهِ نظر
ولعلمائنا فِيهِ قَولَانِ لَيْسَ هَذَا مَوضِع استيعابهما وَلَا حَاجَة بِنَا فِي هَذَا الْكتاب إِلَى بيانهما إِذْ قد عرف وَتحقّق أَنه بفصاحته ونظمه معجز وَمن تشكك فِي ذَلِك أَو أبدى فِيهِ أمرا بعد الْوُقُوف على الْقُرْآن فَهُوَ مُنكر لما هُوَ ضَرُورِيّ وَالَّذِي يبطل عناده وَيظْهر صميم جَهله أَن يُقَال لَهُ أئت بِسُورَة من مثله
وَالله ولي التَّوْفِيق وَهُوَ بتنوير قُلُوب أوليائه حقيق
стр. 284
الْوَجْه الثَّالِث
من وُجُوه إعجاز الْقُرْآن مَا تضمنه من الْأَخْبَار بالمغيبات قبل أَن يُحِيط أحد من الْبشر بعلمها وبوقوع كائنات قبل وجودهَا وَذَلِكَ أَمر لَا يتَوَصَّل إِلَى الْعلم بِهِ إِلَّا من جِهَة الصَّادِقين الَّذِي يخبرون عَن الله تَعَالَى
وَنحن نذْكر مِنْهَا مَوَاضِع على شَرط التَّقْرِيب والإختصار تغني عَن التَّطْوِيل والإكثار
فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين مُحَلِّقِينَ رؤوسكم وَمُقَصِّرِينَ لَا تخافون﴾
فَهَذِهِ الْآيَة من أوضح معجزاته ﷺ وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى وعده بِأَن يدْخلهُ الْمَسْجِد الْحَرَام هُوَ وَقَومه فِي حَالَة أَمن وَيفتح عَلَيْهِم مَكَّة على أحسن حَال فَمَا زَالُوا ينتظرون ذَلِك حى بلغ وقته وَصدق وعده فَدَخَلُوا كَمَا وعدهم وفتحوه على مَا أخْبرهُم
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿الم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فِي بضع سِنِين لله الْأَمر من قبل وَمن بعد ويومئذ يفرح الْمُؤْمِنُونَ بنصر الله ينصر من يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيز الرَّحِيم وعد الله لَا يخلف الله وعده وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾
وَهَذِه الْآيَة أَيْضا من أعظم معجزاته وَذَلِكَ أَن هَذِه الْآيَة لما نزلت كَانَت فَارس غالبي الرّوم وَكَانَ الْمُسلمُونَ يحبونَ ظُهُور الرّوم على فَارس لكَون الرّوم أهل كتاب وَكَانَت قُرَيْش يحبونَ ظُهُور فَارس على الرّوم لأَنهم وإياهم لَيْسُوا أهل كتاب وَلَا إِيمَان فَلَمَّا أنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة خرج أَبُو بكر الصّديق ﵁ يَصِيح فِي النَّاس وَفِي نواحي مَكَّة بِهَذِهِ الْآيَة ويقرأها على مُشْركي
стр. 285
قُرَيْش فَقَالَ نَاس من قُرَيْش زعم صَاحبكُم أَن الرّوم ستغلب فَارس فِي بضع سِنِين أَفلا نراهنك على ذَلِك فَقَالَ بلَى وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهَان فارتهن أَبُو بكر وَالْمُشْرِكُونَ وتواضعوا الرِّهَان وَقَالُوا لأبي بكر كم نجْعَل الْبضْع الْبضْع ثَلَاث سِنِين إِلَى تسع سِنِين فسم بَيْننَا وَبَيْنك وسطا ننتهي إِلَيْهِ قَالَ فسموا بَينهم سِتّ سِنِين فمضت السِّت سِنِين قبل أَن يظهروا فَأخذ الْمُشْركُونَ رهن أبي بكر فَلَمَّا دخلت السّنة السَّابِعَة ظَهرت الرّوم على فَارس فعاب الْمُسلمُونَ على أبي بكر تَسْمِيَة سِتّ سِنِين لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فِي بضع سِنِين﴾
قَالَ وَأسلم عِنْد ذَلِك نَاس كثير
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لَا يشركُونَ بِي شَيْئا﴾
وَقد فعل الله ذَلِك بِمُحَمد وَأمته ملكهم الأَرْض واستخلفهم فِيهَا وأذل لَهُم ملوكا تَحت سيف الْقَهْر بعد أَن كَانُوا أهل عز وَكبر وأورثهم أَرضهم وديارهم وَأَمْوَالهمْ ومنحهم رقابهم ﴿وعد الله إِن الله لَا يخلف الميعاد﴾
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيدُونَ ليطفئوا نور الله بأفواههم وَالله متم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ﴾
فَإِن قيل كَيفَ يَصح لكم قَوْله ﴿لِيظْهرهُ على الدّين كُله﴾ وَمَعْلُوم أَن ملك النَّصَارَى لم يَنْقَطِع فِي حَيَاته وَلَا بعد مَوته وَهَذَا ملكهم قَائِم فَلم يظْهر دينكُمْ على دينهم فَلَا معنى لقَوْله ﴿لِيظْهرهُ على الدّين كُله﴾
стр. 286
الْجَواب أَن الله تَعَالَى بعث مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى النَّاس كَافَّة وَإِلَى جَمِيع أهل الْملَل عَامَّة نصرانيهم ويهوديهم وَغير ذَلِك فَبَلغهُمْ مَا أمره الله فَكَلَّمَهُمْ فناصبوه العداة وأبدوا لَهُ صفحة الْخلاف وهموا بِإِبْطَال دَعوته وإطفاء كَلمته وبذلوا فِي ذَلِك غَايَة جدهم واستفرغوا أقْصَى جهدهمْ فنصبوا لحربه وعزموا على قَتله ونهبه ومرسله يَقُول لَهُ ﴿بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾
فَأول من حاربه كفار قُرَيْش فأظفره الله بهم وأظهره عَلَيْهِم ثمَّ حاربته يهود فأمكنه الله مِنْهُم وَملكه أَرضهم وديارهم فَقتل وسبأ وَأسر فعلا عَلَيْهِم وَظهر ثمَّ حاربته النَّصَارَى فغزاهم بتبوك وَدخل عَلَيْهِم بِلَادهمْ وافتتح فِي طَرِيقه حصونا لَهُم ولغيرهم وأظهره الله عَلَيْهِم وَضرب على كثير من مُلُوكهمْ الْجِزْيَة
ثمَّ إِن أَصْحَابه بعده لم يزَالُوا على مثل حَاله يُقَاتلُون كل من كفر بِاللَّه وَلَا يخَافُونَ لومة لائم فِي الله فَلَقَد صيروا مُلُوك الرّوم وَغَيرهم أَذِلَّة أهل صغَار وجزية وذلة ثمَّ لم يزل دين الْإِسْلَام مَعَ مُرُور الْأَيَّام ينتشر بِكُل مَكَان وَيظْهر وَغَيره من الْأَدْيَان يقل ويصغر
وحسبك شَاهدا على ذَلِك فتح هَذِه الجزيرة الأندلسية
стр. 287
على يَدي جمَاعَة من الْعَرَب قَلِيل عَددهمْ وعددهم كثير دينهم ومددهم على أعداد من النَّصَارَى لَا تحصى وجنود لَا تستقى وَلَكِن صدق الله عَبده وأنجز وعده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده فأمكنهم الله مِنْكُم وأظهرهم عَلَيْكُم فأجدادكم عِنْدهم بَين أَسِير وقتيل وَتَحْت صغَار الْجِزْيَة ذليل وأصدق شَاهد على ظُهُور دين الْإِسْلَام على دينكُمْ وَجَمِيع الْأَدْيَان غلبتهم على بَيت حَجكُمْ وَمَوْضِع قرابينكم الْمُعظم وَالْمَسْجِد المكرم بَيت الْمُقَدّس حَيْثُ أَرَادَ الله أَن يطهره من رذائلكم وينزهه عَن جهالاتكم وخبائثكم فافتتحه الْمُسلمُونَ وَظهر دين الله على الدّين كُله وَلَو كره الْكَافِرُونَ
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم﴾
وَقَوله ﴿فِي الْآفَاق﴾ يُرِيد بذلك فتح الْأَمْصَار وَقَوله ﴿وَفِي أنفسهم﴾ يَعْنِي بِهِ فتح مَكَّة وَقَوله ﴿سنريهم﴾ يرجع إِلَى كفار قُرَيْش وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ إِن الله زوى
стр. 288
لي الأَرْض فَرَأَيْت مشارقها وَمَغَارِبهَا وَأَن ملك أمتِي سيبلغ مَا زوى مِنْهَا وَمعنى زوى جمع
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾
يُرِيد بذلك وَالله أعلم جمع كفار قُرَيْش وَكَذَلِكَ فعل بهم وَذَلِكَ أَنهم خَرجُوا إِلَى حربه ﷺ فِي غير موطن فَهَزَمَهُمْ الله وولوا الأدبار وَكَانَت عاقبتهم الخسار والبوار
وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى فِي آيَات أخر ﴿قل للَّذين كفرُوا ستغلبون وتحشرون إِلَى جَهَنَّم وَبئسَ المهاد﴾
وَفِي آيَة أُخْرَى ﴿لن يضروكم إِلَّا أَذَى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يولوكم الأدبار ثمَّ لَا ينْصرُونَ﴾
فَهَذِهِ الْآيَة اقْتَضَت بشارتين
أحداهما أَنهم لن يصلوا إِلَى أَصْحَاب النَّبِي بضر أَكثر من السب
وَالثَّانيَِة أَنهم يغلبُونَ وَيُوَلُّونَ الأدبار وَكَذَلِكَ كَانَ على نَحْو مَا أنزلهُ ذُو الْعِزَّة وَالسُّلْطَان
والآيات فِي الْقُرْآن لهَذَا النَّوْع كَثِيرَة وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ يَعْنِي بِالذكر الْقُرْآن الْعَزِيز
أخبرنَا الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة أَنه أنزلهُ وَأَنه تولى حفظه وَهَذَا كتاب الله مَحْفُوظ بحفظه لَا يقدر أحد على تَغْيِير كلمة وَاحِدَة من لَفظه على كَثْرَة من سعى فِي تَغْيِيره فأطفأ نوره لَا سِيمَا القرامطة فَإِنَّهُم كَانُوا قد أَجمعُوا كيدهم واستنفدوا فِي تَغْيِيره وتحريفه جهدهمْ وَلم يزل كَذَلِك دأبهم ودأب غَيرهم من أَعدَاء الدّين وعتاة الْمُلْحِدِينَ ويأبى الله إِلَّا أَن تعلى كَلمته وَتظهر شَرِيعَته
وَقد قدمنَا أَسبَاب حفظ الْقُرْآن فَلَا معنى لاعادتها مَعَ الأحيان
стр. 289
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا كَفَيْنَاك الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذين يجْعَلُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر﴾
وَكَانَ هَؤُلَاءِ المستهزئون نَفرا من الْكفَّار معروفون بأعيانهم وأسمائهم ينفرون النَّاس عَنهُ ويؤذونه ويهزأون بِهِ فَأنْزل الله على نبيه هَذِه الْآيَة يبشره بإهلاكهم وهم أَحيَاء فَكَانَ سَبَب أهلاكهم من أعجب آيَات النَّبِي ﷺ وَذَلِكَ أَنه كَانَ مِنْهُم الْأسود بن عبد المطلب رمى فِي وَجهه النَّبِي ﷺ بِوَرَقَة خضراء فَعمى وَمِنْهُم الْأسود بن عبد يَغُوث أَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ فَاسْتَسْقَى بَطْنه فَمَاتَ حبنا وَمِنْه الْوَلِيد بن الْمُغيرَة أَشَارَ النَّبِي ﷺ إِلَى أثر جرح كَانَ بِأَسْفَل كَعبه كَانَ أَصَابَهُ قبل ذَلِك بِسنتَيْنِ وَكَانَ قد برأَ فتجدد حَتَّى قَتله الله بِهِ وَمِنْه الْعَاصِ بن وَائِل أَشَارَ النَّبِي ﷺ إِلَى أَخْمص رجله فَخرج على حمَار لَهُ يُرِيد الطَّائِف فَرَمَاهُ حِمَاره على الأَرْض فَدخلت فِي أَخْمص رجله شَوْكَة فَقتلته وَمِنْه الْحَارِث بن الطلالة أَشَارَ النَّبِي ﷺ إِلَى رَأسه فاستحال دَمه قَيْحا فَقتله
فَانْظُر بعقلك هَذِه الْأُمُور العجيبة وَهَذِه الْأَحْوَال الغريبة الَّتِي لَا تلْحق بالأفكار ويحار فِيهَا أولى الْأَبْصَار بل تشهد عِنْدهَا الْعُقُول أَن الْمَقْصُود بهَا تَصْدِيق الرَّسُول فوَاللَّه لَو لم يكن لَهُ من المعجزات إِلَّا هَذِه الْآيَة لَكَانَ فِيهَا أعظم كِفَايَة ولحصل من تَصْدِيقه على أبعد غَايَة
وَفِي كتاب الله تَعَالَى من هَذَا الْقَبِيل مَا يحْتَاج اسْتِقْصَائِهِ إِلَى تَكْثِير وَتَطْوِيل وحسبك مَا تضمنه من كشف أسرار الْمُنَافِقين وفضيحة الْيَهُود الضَّالّين فَلَقَد يقْضِي النَّاظر فِيهَا من ذَلِك الْعجب العجاب ويتحقق انه من عِنْد الله من غير شكّ وَلَا ارتياب
стр. 290
الْوَجْه الرَّابِع
فِي وُجُوه إعجاز الْقُرْآن مَا تضمنه من الْأَخْبَار عَن الْأُمَم السالفة والقرون السالفة والشرائع الداثرة والقصص الغابرة الَّتِي لَا يعلم مِنْهَا بَعْضهَا إِلَّا الْآحَاد من عُلَمَاء ذَلِك الشَّأْن الَّذين قد انقضبت لَهُم فِي تعلم تِلْكَ الْعُلُوم أزمان فيورده النَّبِي ﷺ فِي الْقُرْآن على وَجهه وَيَأْتِي بِهِ على نَصه فيعترف الْعَالم بِصِحَّتِهِ وتصديق قصَّته مَعَ الْعلم بِأَن النَّبِي ﷺ لم ينل ذَلِك بتعليم وَلَا اكْتسب ذَلِك بِوَاسِطَة معلم وَلَا حَكِيم بل حصل لَهُ ذَلِك بإعلام الْعَزِيز الْعَلِيم
وَإِلَّا فَهُوَ أُمِّي لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب وَلَا يتفقه وَلَا يحْسب وَمَعَ ذَلِك فقد حصلت لَهُ عُلُوم الْأَوَّلين والآخرين وَصَارَ كِتَابه وَكَلَامه منبع عُلُوم الْعَالمين فَلَقَد كَانَ أهل الْكتاب يَجْتَمعُونَ إِلَيْهِ ويلحون بالأسئلة عَلَيْهِ فَينزل عَلَيْهِ بأجوبتهم الْقُرْآن فَمَا يُنكر شَيْئا من ذَلِك مِنْهُم إِنْسَان بل يعْتَرف بذلك وَلَا يُنكر شَيْئا مِمَّا يسمع هُنَالك
هَذَا مَعَ شدَّة عداوتهم لَهُ وحرصهم على تَكْذِيبه وَهُوَ مَعَ ذَلِك يحْتَج عَلَيْهِم بِمَا فِي كتبهمْ ويقرعهم بِمَا انطوت عَلَيْهِ مصاحفهم وَيبين لَهُم كثيرا مِمَّا كَانُوا يخفون من شرائع كتبهمْ ووصايا رسلهم وهم مَعَ ذَلِك يرومون تعنيته ويقصدون بأسئلتهم تبكيته مثل سُؤَالهمْ عَن الرّوح وَعَن ذِي القرنين وَعَن أَصْحَاب الْكَهْف وَعَن عِيسَى ابْن مَرْيَم وَعَن حكم الرَّجْم وَعَن مَا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه وَعَما حرم علهيم من الْأَنْعَام وَمن طَيّبَات أحلّت لَهُم فَحرمت عَلَيْهِم ببغيهم وَغير ذَلِك من أُمُورهم الَّتِي نزل الْقُرْآن جَوَابا عَنْهَا فَلم ينكروا شَيْئا مِنْهَا حِين ذكرهَا لَهُم على وَجههَا
стр. 291
وَنحن نذْكر بعض ذَلِك على مَا يَقْتَضِيهِ الإقتصار ونقتصر على مَا صَحَّ من الْآثَار وتناقله الْجمع الْكثير من رُوَاة الْأَخْبَار
فَمن ذَلِك مَا استفاض ذكره واشتهر نَقله أَن قُريْشًا لما أَهَمَّهُمْ شَأْن رَسُول الله ﷺ وأكربهم أمره بعثوا النَّضر بن الْحَارِث وَكَانَ من شياطين قُرَيْش وَعقبَة بن أبي معيط إِلَى أَحْبَار يهود بِالْمَدِينَةِ يسألاهم عَن أمره فجاءا الْمَدِينَة من مَكَّة وقالالأحبار الْيَهُود إِنَّا جئناكم نسألكم عَن شَأْن هَذَا الرجل فَإِنَّكُم أهل الْكتاب وعندكم من الْعلم مَا لَيْسَ عندنَا ووصفا لَهُم أمره وَأخْبرهمْ بِبَعْض قَوْله فَقَالَت لَهما أَحْبَار يهود سلوه عَن ثَلَاثَة نأمركم بِهن فَإِن أخبر بِهن فَهُوَ نَبِي مُرْسل وَإِن لم يفعل فالرجل متقول فروا فِيهِ رَأْيكُمْ
سلوه عَن فتية ذَهَبُوا فِي الدَّهْر الأول مَا كَانَ أَمرهم فَإِنَّهُ قد كَانَ لَهُم حَدِيث عَجِيب وَسَلُوهُ عَن رجل طواف فِي الأَرْض قد بلغ مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وَمَا كَانَ نبؤه وَسَلُوهُ عَن الرّوح مَا هُوَ فَإِن أخْبركُم بذلك فَاتَّبعُوهُ فَإِنَّهُ نَبِي وَإِن لم يفعل فَهُوَ متقول فَأقبل النَّضر وَعقبَة حَتَّى قدما مَكَّة على قُرَيْش فأعلماهم بِمَا قَالَت لَهُم أَحْبَار يهود فَجَاءُوا رَسُول الله ﷺ فَسَأَلُوهُ عَمَّا أخْبرت أَحْبَار يهود فَأنْزل الله تَعَالَى على نبيه ﷺ سُورَة أَصْحَاب الْكَهْف وَأخْبرهُ فِيهَا بقصتهم وَاخْتِلَاف النَّاس فِي عَددهمْ وَمُدَّة لبثهم فِي كهفهم حَتَّى أَتَى على آخر قصتهم وَأخْبرهمْ أَيْضا عَن قصَّة ذِي القرنين إِلَى آخرهَا وَعَن قصَّة الْخضر ﵇ مَعَ مُوسَى ﵇ وَكَيف سَأَلَ مُوسَى السَّبِيل إِلَى لِقَائِه وَذكر فِيهَا جوابهم عَن الرّوح
وَذَلِكَ كُله مَعَ اللَّفْظ الْوَجِيز الفصيح وَالْكَلَام الجزل الصَّحِيح الَّذِي لَا يمله سامع وَلَا يطْمع فِي معارضته طامع
وَمن ذَلِك قصَّة أهل نَجْرَان وَكَانُوا نَصَارَى سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ عَن عِيسَى ﵇ فَأنْزل الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن ﴿ذَلِك نتلوه عَلَيْك من الْآيَات وَالذكر الْحَكِيم إِن مثل عِيسَى عِنْد الله كَمثل آدم خلقه من تُرَاب ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون﴾
стр. 292
وَمن ذَلِك أَن نَفرا من أَحْبَار يهود جَاءُوا رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا يَا مُحَمَّد أخبرنَا عَن أَربع نَسْأَلك عَنْهُن فَإِن فعلت اتَّبَعْنَاك وَصَدَّقنَاك وآمنا بك فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ عَلَيْكُم بذلك عهد الله وميثاقه لَئِن أَخْبَرتكُم لتصدقنني قَالُوا نعم قَالَ فاسألوا عَمَّا بدا لكم قَالُوا أخبرنَا كَيفَ يشبه الْوَلَد أمه وَإِنَّمَا النُّطْفَة من الرجل فَقَالَ لَهُم أنْشدكُمْ الله وبأيامه عِنْد بني إِسْرَائِيل هَل تعلمُونَ نُطْفَة الرجل بَيْضَاء غَلِيظَة ونطفة الْمَرْأَة صفراء رقيقَة فأيتهما غلبت كَانَ لَهَا الشّبَه قَالُوا اللَّهُمَّ نعم قَالُوا فَأخْبرنَا عَن نومك كَيفَ هُوَ قَالَ أنْشدكُمْ بِاللَّه وبأيامه هَل تعلمُونَ أَن نوم الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنِّي لست بِهِ تنام عينه وَقَلبه يقظان قَالُوا اللَّهُمَّ نعم قَالَ وَكَذَلِكَ نومي تنام عَيْني وقلبي يقظان قَالُوا فَأخْبرنَا عَمَّا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه قَالَ أنْشدكُمْ بِاللَّه وبأيامه عِنْد بني إِسْرَائِيل هَل تعلمُونَ أَنه كَانَ أحب الطَّعَام وَالشرَاب إِلَيْهِ ألبان الْإِبِل وَأَنه اشْتَكَى شكوى فعافاه الله مِنْهَا فَحرم على نَفسه أحب الطَّعَام وَالشرَاب إِلَيْهِ شكرا لله فَحرم على نَفسه لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا قَالُوا اللَّهُمَّ نعم قَالُوا أخبرنَا عَن الرّوح قَالَ أنْشدكُمْ بِاللَّه وبأيامه عِنْد بني إِسْرَائِيل هَل تعلمونه جِبْرِيل وَهُوَ الَّذِي يأتيني قَالُوا اللَّهُمَّ نعم وَلكنه يَا مُحَمَّد لنا عَدو هُوَ ملك إِنَّمَا يَأْتِي بالشدة وَسَفك الدِّمَاء وَلَوْلَا ذَلِك لاتبعناك
فَأنْزل الله تَعَالَى على نبيه ﷺ ﴿قل من كَانَ عدوا لجبريل فَإِنَّهُ نزله على قَلْبك بِإِذن الله مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ وَهدى وبشرى للْمُؤْمِنين﴾
стр. 293
وَمن ذَلِك أَن يهوديين بِالْمَدِينَةِ زَنَيَا فَأمرت أَحْبَار يهود بهما فحمما فَمروا بهما على رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهما مَا هَذَا أهكذا تَجِدُونَ فِي كتابكُمْ قَالُوا نعم فكذبهم وَقَالَ ﴿فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فَجَاءُوا بِالتَّوْرَاةِ فتلوها فَإِذا فِيهَا آيَة الرَّجْم فَوضع الَّذِي كَانَ يقْرؤهَا يَده علها وَقَرَأَ مَا بعْدهَا وَمَا قبلهَا فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام ارْفَعْ يدك فَرَفعهَا فَإِذا بِآيَة الرَّجْم فَاعْتَرفُوا بذلك فَأمر بهما رَسُول الله ﷺ فَرُجِمَا ثمَّ قَالَ للْيَهُود مَا حملكم على هَذَا فَقَالُوا كُنَّا إِذا زنى الشريف منا عندنَا لم نقم عَلَيْهِ الْحَد وَإِذا زنى الضَّعِيف أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَد فَعظم علينا هَذَا فَرَأَيْنَا أَن نَجْتَمِع على حد يَشْمَل الضَّعِيف والشريف فَقَالَ رَسُول الله ﷺ الْحَمد لله الَّذِي جعلني أول من أَحْيَا أَمر الله نقلته بِالْمَعْنَى
فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ الْآيَات
وَفِي هَذَا الْمَعْنى وَمَا قاربه نزل قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أهل الْكتاب قد جَاءَكُم رَسُولنَا يبين لكم كثيرا مِمَّا كُنْتُم تخفون من الْكتاب﴾
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة لَيْسَ هَذَا مَوضِع استيفائها وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة لمن كَانَ ذَلِك عقل ودراية وَهَذَانِ وَجْهَان لَا يتَصَوَّر أَن يُنكر عَاقل أَنَّهَا غير داخلين تَحت مَقْدُور الْبشر بل هما خارقان للْعَادَة اقترنا بتحدي مُحَمَّد ﷺ وَعجز الْخَلَائق عَن معارضتهما فَهُوَ نَبِي صَادِق فِيمَا أخبر بِهِ عَن الله مُصدق من جِهَة الله وَمِمَّا أخبر بِهِ عَن الله أَن الله تَعَالَى بَعثه إِلَى النَّاس كَافَّة يهوديهم ونصرانيهم ومجوسيهم فَهُوَ رَسُول إِلَيْهِم وَإِلَى كَافَّة وَعَامة وَمن كذبه فقد اسْتحق الْعَذَاب الأبدي وَالْعِقَاب السرمدي ﴿أَفَمَن حق عَلَيْهِ كلمة الْعَذَاب أفأنت تنقذ من فِي النَّار﴾
стр. 294
وَلَا يظنّ ظان أَن إعجاز الْقُرْآن إِنَّمَا هُوَ من هَذِه الْوُجُوه الْأَرْبَعَة فَقَط بل وُجُوه إعجازه أَكثر من أَن يحصيها عدد أَو يُحِيط بهَا أحد وَلَو شِئْنَا لذكرنا مِنْهَا وُجُوهًا كَثِيرَة لَكِن شَرط الإختصار منع من الْإِكْثَار وَمن لم يَنْفَعهُ الْكَلَام الْمُفِيد الْقَلِيل فَهُوَ معرض كسل عَن الْكثير
وعَلى الْجُمْلَة فَأَنا نقُول لمن كذب مُحَمَّدًا ﷺ أَو شكّ فِي رسَالَته مَا قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه محتجا على من أصر على تَكْذِيبه ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله وَادعوا شهداءكم من دون الله إِن كُنْتُم صَادِقين فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة أعدت للْكَافِرِينَ﴾
стр. 295
النَّوْع الرَّابِع
فِي الإستدلال على نبوة مُحَمَّد ﷺ بجملة من الْآيَات الخارقة للعادات
نذْكر فِي هَذَا النَّوْع إِن شَاءَ الله جملَة كَثِيرَة من آيَاته الْوَاضِحَة وبراهينه المصدقة الراجحة فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
إِن نَبينَا مُحَمَّدًا ﷺ أُوتى من المعجزات وَجمع لَهُ من الْآيَات مَا لم يجمع لأحد من الْأَنْبِيَاء قبله وَلم يُعْط أحد مثله فَكَانَ لذَلِك أوضحهم دلَالَة وأعمهم رِسَالَة وَلذَلِك لم يُعْط الله نَبيا من الْأَنْبِيَاء معْجزَة إِلَّا أعْطى نَبينَا مُحَمَّدًا ﷺ مثلهَا أَو أوضح مِنْهَا أَو مَا يقاربها وسترى ذَلِك عيَانًا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلَكنَّا إِن ذَهَبْنَا نذْكر مَا نقل إِلَيْنَا من آيَاته وأوضح معجزاته طَال الْكتاب وَفِي الْقَلِيل الْوَاضِح كِفَايَة لذوى الْأَلْبَاب فلنقتصر من ذَلِك على مَا تناقله عُلَمَاء الْأَمْصَار والعدول من نقلة الْأَخْبَار مِمَّا صَحَّ نَقله وأشتهر ذكره وجمله
وَنحن نذْكر ذَلِك فِي فُصُول
الْفَصْل الأول فِي إنشقاق الْقَمَر
آيَة لَهُ ﷺ فَنَقُول نقل خلفنا عَن سلفنا النَّقْل الَّذِي لَا يشك فِيهِ أَن كفار قُرَيْش سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ أَبَة وَهُوَ بمنى فَأَرَاهُم إنشقاق الْقَمَر فَصَارَ فرْقَتَيْن حَتَّى رَأَوْا حُبْلَى حراء بَينهمَا وَقَالَ ابْن مَسْعُود صَار فرْقَتَيْن فرقة فَوق الْجَبَل وَفرْقَة تَحْتَهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ اشْهَدُوا فَآمن وَصدق من أَرَادَ الله نجاته وَقَالَ كفار قُرَيْش هَذَا سحر مُسْتَمر فَقَالَ أَبُو جهل هَذَا سحر فَابْعَثُوا إِلَى أهل الْآفَاق حَتَّى نَنْظُر أرأوا ذَلِك أم لَا فَأخْبر أهل مَكَّة أَنهم رَأَوْهُ منشقا
стр. 296
فَأنْزل الله تَعَالَى على نبيه مُحَمَّد ﷺ ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر وَإِن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر وكذبوا وَاتبعُوا أهواءهم وكل أَمر مُسْتَقر﴾ وَهَذَا الحَدِيث قد نَقله الجم الْغَفِير وَالْعدَد الْكثير مِنْهُم من الصَّحَابَة عبد الله بن مَسْعُود وَأنس وَابْن عَبَّاس وأبن عمر وَحُذَيْفَة وعَلى وَجبير بن مطعم وَغَيرهم ﵃
وَقد نقل إِلَيْنَا فِي الْقُرْآن نقلا متواترا محصلا للْعلم يخبر عَن ذَلِك الْمَعْنى من الإنشقاق كَمَا تلوناه آنِفا فَصحت الْآيَة وَعلمت المعجزة والحمدلله
فَإِن قَالَ غبي جَاهِل أَو معاند مجادل كَيفَ يَصح هَذَا وَلَو كَانَ هَذَا لم يخف على أهل الأَرْض إذه هُوَ شَيْء ظَاهر لجميعه وَلَو ظهر إِلَيْهِم انْتقل عَنْهُم ولكان مَشْهُورا مَنْقُولًا على التَّوَاتُر
فَالْجَوَاب أَن نقُول هَذَا الإستبعاد الوهمي ينْدَفع بأيسر أَمر وَذَلِكَ أَن هَذِه الْآيَة كَانَت آيَة ليلية وَالنَّاس على عَادَتهم المستمرة الْغَالِب عَلَيْهِم النّوم وَمن كَانَ مِنْهُم منتبها كَانَ مِنْهُم من قد انْصَرف عَن ذَلِك بِبَعْض أشغالهم وَكَانَ مِنْهُم أَيْضا من رَآهُ على مَا حكيناه عَن أهل آفَاق مَكَّة وَأَيْضًا فَلَعَلَّهُ إِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي أول طُلُوع الْقَمَر وَلَا شكّ أَن النَّاس تخْتَلف رُؤْيَتهمْ للقمر وَغَيره من الْكَوَاكِب بِحَسب اخْتِلَاف ارْتِفَاع الْبِلَاد والأقاليم وإنخفاضها فَلَيْسَ كل من فِي معمور الأَرْض يرَاهُ فِي وَقت وَاحِد بل يخْتَلف ذَلِك فِي حَقهم فقد يطلع على قوم قبل أَن يطلع على آخَرين وَقد يطلع على قوم لَا يُشَاهِدهُ الْآخرُونَ وَقد يحول بَين قوم وَبَينه سَحَاب أَو جبال
وَلِهَذَا تَجِد الكسوفات فِي بعض الْبِلَاد دون بعض وَيكون فِي بَعْضهَا جزئية وَفِي بَعْضهَا كُلية وَفِي بَعْضهَا لَا يعرفهَا إِلَّا المشتغلون بِعلم ذَلِك وَلَا يحس بهَا غَيرهم لَا سِيمَا وَهَذِه آيَة كَانَت بِاللَّيْلِ وَالْعَادَة من النَّاس مَا تقدم من الهدوء والسكون وإيجاق الْأَبْوَاب وَقطع التَّصَرُّف وَلَا يكَاد يعرف شَيْئا من آيَات السَّمَاء إِلَّا من رصد وأهتبل
стр. 297
وَكَثِيرًا مَا يحدث الثِّقَات بعجائب يشاهدونها من أنوار وشهب ونجوم طوالع عِظَام تظهر فِي أحيان من السَّمَاء وَلَا علم عِنْد أحد غَيرهم مِنْهَا
وإنشقاق الْقَمَر من هَذَا الْقَبِيل إِذْ لم يكن دَائِما وَإِنَّمَا كَانَ يَسِيرا فِي زمن قريب ثمَّ لَا يبعد أَن يكون الله تَعَالَى صرف النَّاس فِي تِلْكَ السَّاعَة عَن النّظر إِلَيْهِ لتختص هَذِه الْآيَة بمشاهدة أهل مَكَّة وَمن جاورها من أهل آفاقها فَيكون صرف النَّاس عَن ذَلِك من قبيل خوارق الْعَادَات وَذَلِكَ أوضح فِي المعجزات فقد صَحَّ مَا رمناه وانفصلنا عَمَّا ألزمناه والحمدلله
وَعند الْوُقُوف على هَذِه المعجزة الطاهرة وَالْآيَة الباهرة تعلم أَنَّهَا أعظم من إنشقاق الْبَحْر الَّذِي خص الله تَعَالَى بِهِ مُوسَى ﵇ وان كَانَ عَظِيما اذ انْشِقَاق الْبَحْر لم يكن قطعا فِي مُعظم الْبَحْر من احدى ضفتيه إِلَى الْأُخْرَى وَإِنَّمَا كَانَ قطع طَرِيق من بَحر القلزم إِلَى مفارشود وَالْقَمَر انقسم فرْقَتَيْن وَصَارَ شطرين
الْفَصْل الثَّانِي فِي حبس الشَّمْس آيَة لَهُ ﷺ
روى أَئِمَّتنَا وَأهل الْعَدَالَة منا أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يوحي إِلَيْهِ وَرَأسه فِي حجر على فَلم يصل الْعَصْر حَتَّى غربت الشَّمْس فَلَمَّا ارْتَفع الْوَحْي عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ يَا عَليّ أصليت الْعَصْر قَالَ لَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ أَنه كَانَ فِي طَاعَتك وَطَاعَة رَسُولك فاردد قَالَ الرَّاوِي فرأيتها غربت ووقفت على الْجبَال وَالْأَرْض وَذَلِكَ بالصهباء فِي خَيْبَر
ذكر هَذَا الحَدِيث الطَّحَاوِيّ من طَرِيقين قَالَ عِيَاض وَهَذَانِ الطريقان ثابتان رواتهما ثقاة حَكَاهُ الْبكْرِيّ
وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا ذكره يُونُس بن بكير فِي زِيَادَة الْمَغَازِي رِوَايَته عَن ابْن اسحق لما أسرى برَسُول الله ﷺ وَأخْبر قومه بالرفقة والعلامة الَّتِي فِي العير الَّتِي رأى فِي سراه قَالُوا لَهُ مَتى تَجِيء فَقَالَ لَهُم يَوْم الْأَرْبَعَاء فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الْمَوْعُود بِهِ أشرفت قُرَيْش ينظرُونَ وَقد ولى النَّهَار وَلم
стр. 298
تَجِيء فَدَعَا رَسُول الله ﷺ ربه فزيد لَهُ فِي النَّهَار سَاعَة وحبست عَلَيْهِ الشَّمْس
وَهَذِه الْآيَة أعظم من آيَة يشوع بن نون فَإِنَّكُم تَقولُونَ إِن يشوع استوقف الشَّمْس فوقفت وَفِي بعض كتبكم إِنَّمَا استوقف ضياها وَنَبِينَا ﵇ استرجعها فَرَجَعت واستزاد سَاعَة فِي النَّهَار فزيدت ﴿ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾
فَإِن اعْترض معترض على معْجزَة نَبينَا بِشَيْء فَإِن كَانَ كتابيا عارضناه بمعجزة يشوع فبالذي ينْفَصل عَن معْجزَة يشوع بِمثلِهِ ننفصل عَمَّا اعْترض بِهِ وَإِن كَانَ طبيعيا غير متشرع انْتقل الْكَلَام مَعَه إِلَى مَوَاضِع أخر لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهَا
الْفَصْل الثَّالِث نبع المَاء وتكثيره معْجزَة لَهُ ﷺ
وَهَذَا الْفَصْل نَوْعَانِ نوع نبع لَهُ المَاء من بَين أَصَابِعه وَنَوع آخر نبع لَهُ المَاء من غير أَصَابِعه
فلنبدأ بِالْأولِ فَنَقُول روى الجم الْغَفِير وَالْعدَد الْكثير أَن النَّبِي ﷺ خرج فِي بعض أَسْفَاره وحانت صَلَاة الْعَصْر فالتمس النَّاس الْوضُوء فَلم يجدوه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هَل من أحد مِنْكُم مَاء فَأتى بِمَاء فِي إِنَاء فَوضع يَده فِي ذَلِك الْإِنَاء وسمى الله قَالَت الصَّحَابَة فَرَأَيْنَا المَاء يخرج من بَين أَصَابِعه فَتَوَضَّأ النَّاس حَتَّى توضأوا كلهم قيل لأنس كم تراهم قَالَ نَحوا من سبعين وَقد اتّفق لَهُ مثل هَذَا مرّة أُخْرَى وَكَانُوا نَحوا من ثَلَاثَة مائَة
وَكَذَلِكَ عَطش النَّاس يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَرَسُول الله ﷺ بَين يَدَيْهِ ركوة فَتَوَضَّأ مِنْهَا وَأَقْبل النَّاس نَحوه وَقَالُوا لَيْسَ عندنَا مَاء إِلَّا مَا فِي ركوتك فَوضع النَّبِي صلى الله
стр. 299
عَلَيْهِ وَسلم يَده فِي الركوة فَجعل المَاء يفور من بَين أَصَابِعه كأمثال الْعُيُون وَكَانُوا خمس عشرَة مائَة قَالُوا وَلَو كُنَّا مائَة ألف لَكَفَانَا
فَهَذِهِ ثَلَاثَة مَوَاطِن وَقد روى عَنهُ نَحْو هَذَا من طرق كَثِيرَة لَا يتَطَرَّق لَهَا الْكَذِب وَلم يردهَا أحد من أهل الْعقل وَالْأَدب لكَونهَا وَقعت فِي جموع كَثِيرَة وتناقلها جماعات عديدة يدينون تَحْرِيم الْكَذِب ويرونه أقبح شُبْهَة وأشنع سَبَب بل يبادرون إِلَى ذمّ الْكَاذِب وَإِظْهَار فضيحته وَلَا يقرونَ شَيْئا من الْكَذِب بِحَال عِنْد مَعْرفَته فَهَذَا هُوَ النَّوْع الأول
وَأما النَّوْع الثَّانِي فَهُوَ مَا تواردت بِهِ الرِّوَايَات عَن الْأَئِمَّة الْأَثْبَات من ذَلِك مَا اتّفق لَهُ فِي غَزْوَة تَبُوك وَذَلِكَ أَنهم وردوا عينا بتبوك وَهِي تبض بِشَيْء من مَاء مثل الشرَاك فغرفوا من الْعين بِأَيْدِيهِم حَتَّى اجْتمع مِنْهُ شَيْء قَلِيل ثمَّ غسل النَّبِي ﷺ فِيهِ وَجهه وَيَديه وَأَعَادَهُ فِيهَا فجرت بِمَاء كثير فاستقى النَّاس هَذَا حَدِيث معَاذ
وَقَالَ ابْن إِسْحَاق فانخرق من المَاء مَاله حس كحس الصَّوَاعِق ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ يُوشك يَا معَاذ إِن طَالَتْ بك حَيَاة أَن ترى مَا هَا هُنَا قد ملئ جنَانًا وَكَذَلِكَ صنع ذَلِك الْموضع جنَانًا بعده ﷺ وَهَذَا من بَاب الْأَخْبَار عَن الْغَيْب
وَمن ذَلِك مَا اتّفق لَهُ بِالْحُدَيْبِية أَيْضا وَذَلِكَ أَنهم أَتَوا الْحُدَيْبِيَة وهم أَربع عشرَة مائَة وبئرها لَا تروي خمسين شَاة
قَالَ الْبَراء وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع فنزحناها فَلم نَتْرُك فِيهَا شَيْئا فَقعدَ رَسُول الله ﷺ على بِئْرهَا فبصق ودعا وَأخرج سَهْما من كِنَانَته فَوَضعه فِي الْبِئْر فَجَاشَتْ الْعين بِمَاء كثير فأرووا أنفسهم وركابهم وهم ألف وَأَرْبع مائَة
وَمن ذَلِك مَا روى قَتَادَة صَاحب رَسُول الله ﷺ أَن النَّاس شكوا إِلَيْهِ الْعَطش فِي بعض أَسْفَاره فَدَعَا بالمبيضأة فَجَعلهَا فِي ضبنه ثمَّ الْتَقم فمها فَالله أعلم نفث فِيهَا أم لَا فَشرب النَّاس حَتَّى رووا وملأوا كل إِنَاء مَعَهم وَكَانُوا إثنين وَسبعين رجلا
стр. 300
وَمن ذَلِك الحَدِيث الْمَشْهُور عَن عمرَان بن حُصَيْن وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَسْفَاره فَأَصَابَهُمْ عَطش شَدِيد فَوجه رجلَيْنِ من أَصْحَابه وأعلمهم أَنهم يَجدونَ امْرَأَة بمَكَان كَذَا لمَكَان معِين عنيه لَهُم مَعهَا بعير عَلَيْهِ مزادتا مَاء فوجداها بالموضع الَّذِي عين لَهُم على الصّفة الَّتِى ذكر لَهُم فجاءا بهَا الى النَّبِي ﷺ فَأخذ من مَاء المزادتين وَقَالَ فِيهِ ماشاء الله أَن يَقُول ثمَّ أعَاد المَاء فِي المزادتين ثمَّ فتحهما وَأمر النَّاس فملأوا أسقيتهم حَتَّى لم يدعوا شَيْئا إِلَّا ملأوه قَالَ عمرَان ونحيل لي أَنَّهُمَا لم يزدادا إِلَّا إمتلاء ثمَّ أَمر فَجمع للْمَرْأَة من الأزواد حَتَّى مَلأ ثوبها ثمَّ قَالَ لَهَا اذهبي فانا مَا نقصناك من مائك شَيْئا وَلَكِن الله سقانا
وَمن ذَلِك حَدِيث عمر فِي حيش الْعسرَة وَذكر مَا أَصَابَهُم من الْعَطش حَتَّى أَن الرجل لينحر بعيره فيعصبر فرثه فيشربه فَرغب أَبُو بكر للنَّبِي ﷺ فِي الدُّعَاء فَرفع يَدَيْهِ فَلم يرجعهما حَتَّى قَالَت السَّمَاء فانسكبت فملأوا مَا مَعَهم من آنِية وَلم يُجَاوز ذَلِك الْمَطَر الْعَسْكَر
وَمن ذَلِك حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب أَن أَبَا طَالب قَالَ للنَّبِي ﷺ وَهُوَ ردفه بِذِي الْمجَاز عطشت وَلَيْسَ عِنْدِي مَاء فَنزل النَّبِي ﷺ فَضرب بقدمه الأَرْض فَخرج المَاء فَقَالَ لَهُ اشرب
والْحَدِيث فِي هَذَا النَّوْع كثير وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة وَإِذا تَأمل الْعَاقِل الْمنصف هَذَا الْبَاب علم أَن نَبينَا مُحَمَّد ﷺ أُوتى مثل معْجزَة مُوسَى الَّتِي هِيَ نبع المَاء من الْحجر كَمَا ذكرنَا فِي هَذَا النَّوْع الثَّانِي وَزَاد عَلَيْهِ نبع المَاء من بَين أَصَابِعه كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي النَّوْع الأول كَانَ إنفجار المَاء من اللَّحْم أعجب من إنفجاره من الْحِجَارَة فَإِن رام الْيَهُودِيّ أَو النَّصْرَانِي تشكيكا فِي شَيْء من معجزات نَبينَا مُحَمَّد ﵇ أَو إلحادا أَو ادّعى أَن هَذَا من قبيل السحر عارضناه بِمثل مقَالَته فِي معْجزَة مُوسَى فبالذي ينْفَصل بِهِ بِعَيْنِه ننفصل
стр. 301
بل نقُول إِن طرق المطرق الْجَاهِل شَيْئا من هَذِه الأوهام والتهم إِلَى هَذِه المعجزات لمعجزة مُوسَى فِي إنشقاق الْحجر أقبل للتهم فِي حق الْجَاهِل على مَا رَوَت الْيَهُود
وَذَلِكَ أَنهم رووا أَن الْحجر الَّذِي كَانَ تنفجر مِنْهُ الْأَنْهَار إِنَّمَا كَانَ حجرا وَاحِدًا عمله مُوسَى حَيْثُ صَار وَهَذَا مَحل تُهْمَة للجاهل وَأما الْعَالم فَلَا يُبَالِي بِهَذِهِ الأوهام وَلَا يطْرق إِلَى الْعلم التهم
ومعجزات نَبينَا مُحَمَّد ﷺ إِنَّمَا كَانَ يَقُول إئتوني بِإِنَاء أَي إِنَاء وبماء أَي مَاء كَانَ كَمَا قدمنَا ولسنا ننكر إعجاز مَا أَتَى بِهِ مُوسَى بل نَحن أولى وأحق بمُوسَى مِنْكُم وَأعرف بِقَدرِهِ وبمحله عِنْد ربه وَإِنَّمَا هَذَا لَهُم على جِهَة الْإِلْزَام حَتَّى يزعنوا بِصِحَّة معجزات نَبينَا مُحَمَّد ﵇
الْفَصْل الرَّابِع تَكْثِير الطَّعَام معْجزَة لَهُ ﷺ
من ذَلِك مَا تضافرت بِهِ الرِّوَايَات واشتهر عِنْد أهل الديانَات وَنَقله الْعُدُول الثِّقَات من حَدِيث أبي طَلْحَة أَن النَّبِي ﷺ أَطَم ثَمَانِينَ أَو سبعين من أَقْرَاص شعير جَاءَ بهَا أنس تَحت ابطه وَذَلِكَ أَنه ﷺ أَمر بهَا ففتت وَقَالَ فِيهَا مَا شَاءَ الله أَن يَقُول
وَكَذَلِكَ أطْعم يَوْم الخَنْدَق ألف رجل من صَاع من شعير وعناق
قَالَ جَابر بن عبد الله فأقسم بِاللَّه لأكلوا حَتَّى تَرَكُوهُ وانحرفوا وَإِن برمتنا لتغط كَمَا هِيَ وَإِن عجيننا ليخبز وَكَانَ رَسُول الله ﷺ بَصق فِي الْعَجِين والبرمة ودعا بِالْبركَةِ وَكَذَلِكَ صنع أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ لرَسُول الله ﷺ وَلأبي بكر من الطَّعَام زهاء مَا يكفيهما فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ ادْع ثَلَاثِينَ من أَشْرَاف الْأَنْصَار فَدَعَاهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ ثمَّ قَالَ ادْع سِتِّينَ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثمَّ قَالَ ادْع سبعين فَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَمَا خرج مِنْهُم أحد حَتَّى أسلم
قَالَ أَبُو أَيُّوب فَأكل من طَعَامي مائَة وَثَمَانُونَ رجلا
стр. 302
وَكَذَلِكَ حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب أَن النَّبِي ﷺ أَتَى بقصعة فِيهَا لحم فتعاقبوها من غدْوَة حَتَّى اللَّيْل يقوم قوم وَيقْعد آخَرُونَ
وَمن ذَلِك حَدِيث عبد الرحمن بن أبي بكر قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَذكر فِي الحَدِيث أَنه عجن صَاع من طَعَام وصنعت شَاة فشوى سَواد بَطنهَا قَالَ وَايْم الله مَا من الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَة إِلَّا وَقد حز لَهُ حزة من سَواد بَطنهَا ثمَّ جعل مِنْهَا قصعتين فأكلنا أَجْمَعِينَ وَفضل فِي القصعتين وَحَمَلته على الْبَعِير
وَمن ذَلِك الْخَبَر الْمَشْهُور فِي غزَاة تَبُوك وَذَلِكَ أَنهم أَصَابَتْهُم مجاعَة شَدِيدَة حَتَّى هموا بنحر حمائلهم فَجمع النَّبِي ﷺ مَا بقى من أزواد الْقَوْم فَكَانَ الرجل يَجِيء بكف ذرة وبكف تمر وَبسط نطعا حَتَّى أجتمع على النطع من ذَلِك شَيْء يسير فدعى عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ بِالْبركَةِ قَالَ خُذُوا فِي أوعيتكم فَأخذُوا حَتَّى مَا تركُوا فِي الْعَسْكَر وعَاء إِلَّا ملأوه فَقَالَ عِنْد ذَلِك رَسُول الله ﷺ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله لَا يلقى الله بهما عبد غير شَاك فيهمَا فيحجب عَن الْجنَّة
وَمن ذَلِك خَبره فِي تَزْوِيج زَيْنَب وَذَلِكَ أَنه أَمر خادمه أنسا أَن يَدْعُو لَهُ النَّاس فَدَعَاهُمْ فَاجْتمعُوا حَتَّى امْتَلَأَ الْبَيْت والحجرة وَقدم إِلَيْهِم تورا من حِجَارَة فِيهِ حيس أهدته لَهُ أم سليم فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ ليتحلق عشرَة عشرَة وليأكل كل إِنْسَان مِمَّا يَلِيهِ قَالَ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثمَّ خَرجُوا وَدخلت طَائِفَة أُخْرَى حَتَّى أكلُوا كلهم وَكنت قَالَ أنس لم أدع إنْسَانا إِلَّا دَعوته قَالَ أنس ثمَّ قَالَ لي ارْفَعْ التور فَرَفَعته فَمَا أَدْرِي حِين وضعت كَانَ أَكثر أم حِين رفعت
وَمثل هَذَا تَقوله فِي قدح لبن أهْدى لَهُ
وَمن هسذا حَدِيث مزود أبي هُرَيْرَة وَذَلِكَ أَن النَّاس أَصَابَتْهُم مجاعَة شَدِيدَة فِي بعض أَسْفَاره فَقَالَ النَّبِي ﷺ لأبي هُرَيْرَة هَل من شَيْء قَالَ قلت نعم شَيْء من تمر فِي المزود قَالَ فآتى بِهِ فَأدْخل يَده فَأخْرج قَبْضَة فبسطها ودعا بِالْبركَةِ
стр. 303
ثمَّ قَالَ ادْع عشرَة فدعوتهم فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثمَّ لم يزل كَذَلِك حَتَّى أطْعم الْجَيْش كُله وَقَالَ لي خُذ مَا جِئْت بِهِ فَأخذت فَأكلت مِنْهُ وأطعمت حَيَاته وحياة أبي بكر وَعمر إِلَى أَن قتل عُثْمَان فانتهب مني فَذهب قد قيل أَن ذَلِك التَّمْر إِنَّمَا كَانَ بضع عشرَة تَمْرَة
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة يطول الْكتاب بنقلها على أَنه لَا يجهل شَيْء مِنْهَا بل هِيَ عندنَا مَعْرُوفَة منقوله مَشْهُورَة مَوْصُوفَة
وَهَذَا النَّوْع من المعجزات هُوَ من قبيل مَا نقلت النَّصَارَى عَن عِيسَى ﵇ فِي الْإِنْجِيل وَذَلِكَ أَنهم زَعَمُوا أَنه أطْعم من خمس خبز وحوتين خَمْسَة آلَاف رجل سوى النِّسَاء وَهَذَا أَيْضا من قبيل مَا ثَبت أَن مُوسَى ﵇ أطْعم بني إِسْرَائِيل بالمفاز الْمَنّ والسلوى
فَإِن اعترضت الْيَهُود أَو النَّصَارَى على هَذَا النَّوْع من معجزات نَبينَا ﵇ عارضناهم بذلك فِي معجزات أَنْبِيَائهمْ وَبِالَّذِي ينفصلون عَن ذَلِك بِهِ بِعَيْنِه ننفصل عَن معجزات نَبينَا
وَعند الْوُقُوف على هَذِه الْفُصُول تعلم أَن نَبينَا مُحَمَّدًا ﷺ أعطَاهُ الله من المعجزات مثل مَا كَانَ أعْطى الْأَنْبِيَاء قبله وزاده على ذَلِك وسنزيد هَذَا وضوحا حَتَّى يتَبَيَّن كَون المعاند الجاحد جَاهِلا وقيحا
الْفَصْل الْخَامِس فِي كَلَام الشّجر وَكثير من الجمادات وشهادتها لَهُ بِالنُّبُوَّةِ
وَهَذَا الْفَصْل بكثر حكاياته وتتسع رواياته لِكَثْرَة عدد ماروى فِي ذَلِك وَصِحَّة مَا اتّفق هُنَالك وَهَذَا الْفَصْل نَوْعَانِ
النَّوْع الأول
قد وَردت الْأَخْبَار وَنقل عَن الْأَئِمَّة الْعُدُول الأخيار أَن النَّبِي ﷺ كَانَ فِي بعض غَزَوَاته فدنى مِنْهُ أَعْرَابِي فَقَالَ لَهُ يَا أَعْرَابِي أَيْن تُرِيدُ فَقَالَ أَهلِي فَقَالَ لَهُ هَل لَك فِي خير مِنْهُم قَالَ مَا هُوَ قَالَ تشهد أَن لَا إِلَه إِلَى الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَقَالَ
стр. 304
وَمن يشْهد لَك على صِحَة مَا تَقول قَالَ هَذِه الشَّجَرَة لشَجَرَة بشاطئ الْوَادي فادعها فَإِنَّهَا تجيبك قَالَ فدعوتها فَأَقْبَلت تخد الأَرْض حَتَّى وقفت بَين يَدَيْهِ فاستشهدها ثَلَاثًا فَشَهِدت أَنه كَمَا قَالَ ثمَّ رجعت إِلَى مَكَانهَا
وَقد روى هَذَا الحَدِيث عَن بُرَيْدَة وَزَاد قَالَ فمالت الشَّجَرَة عَن يَمِينهَا وشمالها وَبَين يَديهَا وَخَلفهَا فتقطعت عروقها ثمَّ جَاءَت تجر عروقها مغبرة حَتَّى وقفت بَين يَدي رَسُول الله ﷺ فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله فَقَالَ الْأَعرَابِي مرها فَلْتَرْجِعْ إِلَى هيئتها فَأمرهَا فَرَجَعت فدلت عروقها حَيْثُ كَانَت واستوت فَآمن الْأَعرَابِي وَقَالَ ائْذَنْ لي اسجد لَك فَقَالَ لَهُ ﵇ لَو أمرت أحدا أَن يسْجد لأحد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لبعلها قَالَ فائذن لي أَن أقبل يَديك ورجليك فَأذن لَهُ
وَقد روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه ظَهرت على يَدَيْهِ مثل هَذِه المعجزة مَرَّات وطرقها صِحَاح بل مِنْهَا مَا هُوَ متواتر على مَا حَكَاهُ أهل النَّقْل فقد روى أَنه طافت بِهِ شَجَرَة ثمَّ رجعت إِلَى منبتها فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَنَّهَا اسْتَأْذَنت أَن تسلم
وَكَذَلِكَ سَأَلَ ربه أَن يَجْعَل لَهُ آيَة فَقَالَ انظلق إِلَى مَوضِع كَذَا فَإِن بِهِ شَجَرَة فَادع مِنْهَا غصنا فَإِنَّهُ يَأْتِيك فَفعل فجَاء يخط الأَرْض حَتَّى انتصب بَين يَدَيْهِ فحبسه مَا شَاءَ الله أَن يحْبسهُ ثمَّ قَالَ لَهُ ارْجع كَمَا كنت فَرجع
وَكَذَلِكَ روى عَنهُ من طرق صِحَاح أَنه خرج يَوْمًا ليقضى حَاجته فَلم يجد بِمَا يسْتَتر وَإِذا بشجرتين بشاطئ الْوَادي فَانْطَلق رَسُول الله ﷺ فَأخذ بِغُصْن من أَغْصَانهَا وَقَالَ لَهَا انقادي على بِإِذن الله فانقادت مَعَه كالبعير الْمُذَلل ثمَّ فعل بِالْأُخْرَى مثل ذَلِك وَقَالَ التئما على فالتئما فَلَمَّا قضى حَاجته قَالَ جَابر فَالْتَفت فَإِذا رَسُول الله ﷺ مقبل والشجرتان قد افترقتا فَقَامَتْ كل وَاحِدَة مِنْهُمَا على سَاقهَا
стр. 305
وَكَذَلِكَ روى أُسَامَة بن زيد مثل هَذَا فِي النخيل وَقَالَ فِيهِ قَالَ لي انْطلق إِلَى هَذِه النخلات وَقل لَهُنَّ إِن رَسُول الله ﷺ يأمركن أَن تأتين لحَاجَة رَسُول الله ﷺ وَقل للحجارة مثل ذَلِك
فَقلت ذَلِك لَهُنَّ فوالذي بَعثه بِالْحَقِّ لقد رَأَيْت النخلات يتقاربن ويجتمعن وَالْحِجَارَة يتعاقدن ويتراكمن حَتَّى صرن ركاما خَلفه فَلَمَّا قضى حَاجته قَالَ لي قل لَهُنَّ يفترقن فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لقد رَأَيْت النخلات وَالْحِجَارَة يفترقن حَتَّى عدن إِلَى مواضعهن
وَقد حكى الْأَئِمَّة مِنْهُم أَبُو بكر بن فورك ﵃ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ فِي غَزْوَة الطَّائِف لَيْلًا وَهُوَ يسير فاخذته سنة فَاعْتَرَضتهُ سدره فانفرجت لَهُ نِصْفَيْنِ حَتَّى جَازَ بَينهمَا وَبقيت على ساقين إِلَى وقتنا هَذَا وَهِي هُنَالك مَعْرُوفَة معظمة
النَّوْع الثَّانِي
نقل خلفنا عَن سلفنا فاشيا مَشْهُورا بِحَيْثُ لَا يشك فِيهِ أَن الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا يَأْكُلُون مَعَ رَسُول الله ﷺ الطَّعَام وهم يسمعُونَ تسبيحه وَقَالَ أنس أَخذ رَسُول الله ﷺ كفا من حَصى فسبحت فِي يَده حَتَّى سمعنَا تسبيحها ثمَّ صبهن رَسُول الله ﷺ فِي يَد أبي بكر فسبحت كَذَلِك ثمَّ صبها فِي أَيْدِينَا فَلم تسبح
وَرَوَاهُ أَبُو ذَر قَالَ إِنَّمَا سبحت فِي كف عُثْمَان وَقد تواردت الرِّوَايَات عَن الثِّقَات عَن عَليّ أَنه قَالَ كُنَّا بِمَكَّة مَعَ رَسُول الله ﷺ فَخرج إِلَى بعض نَوَاحِيهَا فَمَا استقبله شَجَرَة وَلَا جبل إِلَّا قَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله
وَقد وَقد روى الْعَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ غطاه وبنيه بملحفة ودعا لَهُم بالستر من النَّار كستره إيَّاهُم بملحفته فأمنت أُسْكُفَّة الْبَاب وحوائط الْبَيْت آمين آمين
وَقد صحت الْأَخْبَار بل تَوَاتَرَتْ أَن النَّبِي ﷺ لما اتخذ منبره وَصعد وَترك الْجذع الَّذِي كَانَ يخْطب عَلَيْهِ حن
стр. 306
الْجذع حنين الْإِبِل الفاقدة أَوْلَادهَا حَتَّى تصدع وَانْشَقَّ فجَاء النَّبِي ﷺ فَوضع يَده عَلَيْهِ فسكن وَفِي بعض طرقه قَالَ النَّبِي ﷺ أَن هَذَا بكاء لما فقد من الذّكر وَفِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث أَنه لم يزل يسمع لَهُ حنين فِي أَوْقَات تحزنا على رَسُول الله ﷺ قد فزعت الْمِنْبَر على مَا فِي حَدِيث أبي
فَأَخذه أبي عِنْده إِلَى أَن أَكلته الأَرْض وَعَاد رفاتا
وَقد روى هَذَا الحَدِيث بُرَيْدَة وَزَاد فِيهِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ للجذع إِن شِئْت أردك إِلَى الْحَائِط الَّذِي كنت فِيهِ فتنبت لَك عروقك ويكمل خلقك ويجدد خوصك وثمرك وَإِن شِئْت أغرسك فِي الْجنَّة يَأْكُل مِنْك وَمن ثمرك أَوْلِيَاء الله ثمَّ أصغى لَهُ النَّبِي ﷺ يستمع لَهُ مَا يَقُول فَقَالَ بلَى تغرسني فِي الْجنَّة فيأكل مني أَوْلِيَاء الله وأكون فِي مَكَان لَا أبلى فِيهِ يسمعهُ من يَلِيهِ فَقَالَ لَهُ قد فعلت ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ اخْتَار دَار الْبَقَاء على دَار الفناء
فَكَانَ الْحسن إِذا حدث بِهَذَا الحَدِيث بَكَى وَقَالَ يَا عباد الله الْخَشَبَة تحن إِلَى رَسُول الله ﷺ شوقا إِلَيْهِ فَأنْتم أَحَق بذلك وَأَن تشتاقوا إِلَى لِقَائِه
وَكَذَلِكَ تَوَاتر أَيْضا أَن النَّبِي ﷺ كَانَ على جبل أحد مَعَ جمَاعَة من اصحابه فَتحَرك بهم الْجَبَل فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ اسكن حراء فَمَا عَلَيْك إِلَّا نَبِي أَو صديق أَو شَهِيد
وَالْأَخْبَار أَيْضا فِي هَذَا النَّوْع كَثِيرَة وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة بل فِيهِ الْوَاحِد من هَذِه الْأَخْبَار أبلغ غَايَة
الْفَصْل السَّادِس فِي كَلَام ضروب من الْحَيَوَان وتسخيرهم آيَة لَهُ ﷺ ٢
وَهَذَا الْفَصْل أَيْضا نَوْعَانِ
стр. 307
النَّوْع الأول
من ذَلِك مَا روى واشتهر عَن عمر أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ فِي محفل من أَصْحَابه إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِي قد صَاد ضبا فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالُوا لَهُ هَذَا نَبِي الله ﷺ فَقَالَ وَاللات والعزى لَا آمَنت بك حَتَّى يُؤمن بك هَذَا الضَّب وَطَرحه بَين يَدي رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ يَا ضَب فَأَجَابَهُ بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين يسمعهُ الْقَوْم جَمِيعًا لبيْك وَسَعْديك يَا زين من أوفى الْقِيَامَة قَالَ من تعبد قَالَ الَّذِي فِي السَّمَاء عَرْشه وَفِي الأَرْض سُلْطَانه وَفِي الْبَحْر سَبيله وَفِي الْجنَّة رَحمته وَفِي النَّار عِقَابه قَالَ فَمن أَنا قَالَ رَسُول رب الْعَالمين وَخَاتم النَّبِيين وَقد أَفْلح من صدقك وخاب من كَذبك فَأسلم الْأَعرَابِي
وَمن ذَلِك الْقِصَّة الْمَشْهُورَة فِي كَلَام الذِّئْب من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ بَيْنَمَا رَاع يرْعَى غنمه عرض الذِّئْب لشاة مِنْهَا فَأَخذهَا الرَّاعِي مِنْهُ فأقعى الذِّئْب وَقَالَ لِلرَّاعِي أَلا تتقي الله حلت بيني وَبَين رِزْقِي قَالَ الرَّاعِي الْعجب من ذِئْب يتَكَلَّم بِكَلَام الْإِنْس فَقَالَ الذِّئْب أَلا أخْبرك بِأَعْجَب من ذَلِك رَسُول الله ﷺ بَين الحرتين يحدث النَّاس بأنباء مَا قد سبق
فَأتى النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ قُم فَحَدثهُمْ ثمَّ قَالَ النَّبِي ﷺ صدق
وَقد روى هَذَا الحَدِيث عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة مِنْهُم أَبُو هُرَيْرَة وَزَاد فِي هَذَا الحَدِيث فَقَالَ لَهُ الذِّئْب أَنْت أعجب وقفت على غنمك وَتركت نَبيا لم يبْعَث الله قطّ نَبيا أعظم مِنْهُ قدرا عِنْده قد فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة وأشرف أَهلهَا على أَصْحَابه ينتظرون إقبالهم وَمَا بَيْنك وَبَينه إِلَّا هَذَا الشّعب فَتَصِير فِي جنود الله فَقَالَ الرَّاعِي لَو كَانَ لي من يرْعَى الْغنم لمشيت إِلَيْهِ فَقَالَ الذِّئْب أَنا أرعاها حَتَّى ترجع فَأسلم الرَّاعِي إِلَيْهِ غنمه وَمضى وَذكر قصَّته وإسلامه ووجوده النَّبِي يُقَاتل فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ عد إِلَى غنمك تجدها بوفرها فَوَجَدَهَا كَذَلِك وَذبح للذئب مِنْهَا شَاة وَكَانَ هَذَا الرَّاعِي اسْمه أهبان بن أَوْس
стр. 308
وَقد ذكر مثل هَذِه الْقِصَّة عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع وَأَنَّهَا كَانَت سَبَب إِسْلَامه
وَمن ذَلِك مَا يحْكى أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب بَينا هُوَ فِي مَلأ من قُرَيْش بِمَكَّة إِذْ بِظَبْيٍ يطرده ذِئْب فَدخل الظبي الْحرم فَرجع الذِّئْب فعجبوا من ذَلِك فَقَالَ الذِّئْب أعجب من ذَلِك مُحَمَّد ابْن عبد الله بِالْمَدِينَةِ يدعوكم إِلَى الْجنَّة وتدعونه إِلَى النَّار فَقَالَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَاللات والعزى لَئِن ذكرْتُمْ هَذَا بِمَكَّة ليتركنها خلوفا
وَمن ذَلِك مَا روى عَن أم سَلمَة كَانَ النَّبِي ﷺ فِي صحراء فنادته ظَبْيَة يَا رَسُول الله قَالَ ماحاجتك قَالَت صادني هَذَا الْأَعرَابِي ولي خشفان فِي ذَلِك الْجَبَل فأطلقني حَتَّى أذهب فأرضعهما وأرجع قَالَ وتفعلين قَالَت نعم فأطلقها فَذَهَبت وَرجعت فأوثقها وَكَانَ ذَلِك الْأَعرَابِي نَائِما
وَقَالَ يَا رَسُول الله أَلَك حَاجَة قَالَ تطلق هَذِه الظبية فأطلقها فَخرجت تعدو فِي الصَّحرَاء وَتقول أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله
وَمن ذَلِك مَا روى من كَلَام الْحمار الَّذِي أَصَابَهُ بِخَيْبَر وَقَالَ اسْمِي يزِيد بن شهَاب فَسَماهُ النَّبِي ﷺ يَعْفُور وَكَانَ يوجهه إِلَى دور أَصْحَابه فَيضْرب عَلَيْهِم الْبَاب بِرَأْسِهِ ويستدعيهم وَأَنه لما مَاتَ النَّبِي ﷺ تردى فِي بِئْر جزعا وحزنا فَمَاتَ
وَمن ذَلِك حَدِيث النَّاقة الَّتِي شهِدت بَين يَدي النَّبِي ﷺ لصَاحِبهَا أَنه مَا سَرَقهَا وَأَنَّهَا ملكه
النَّوْع الثَّانِي
مَا روى عَن عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ أَنَّهَا قَالَت كَانَ عندنَا دَاجِن فَإِذا كَانَ عندنَا النَّبِي ﷺ قر وَثَبت مَكَانَهُ فَلم يجِئ وَلم يذهب وَإِذا خرج رَسُول الله ﷺ جَاءَ وَذهب
стр. 309
وَمن ذَلِك مَا روى جَابر بن عبد الله قَالَ جَاءَ رجل فَآمن بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ على بعض حصون خَيْبَر وَكَانَ فِي غنم يرعاها لَهُم يَعْنِي لأهل خَيْبَر فَقَالَ لرَسُول الله ﷺ كَيفَ بالغنم فَقَالَ احصب وجوهها يَعْنِي اضربها بالرمل فَإِن الله سيؤدي أمانتك ويردها إِلَى أَهلهَا فَفعل فسارت كل شَاة مِنْهَا حَتَّى أَتَت أَهلهَا
وَمن ذَلِك حَدِيث أنس أَن النَّبِي ﷺ دخل حَائِط دجل من الْأَنْصَار وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَرجل من الْأَنْصَار وَفِي الْحَائِط غنم فسجدت لَهُ فَقَالَ أَبُو بكر نَحن أَحَق بِالسُّجُود لَك مِنْهَا وَذكر الحَدِيث
وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة دخل النَّبِي ﷺ حَائِطا فجَاء بعير فَسجدَ بَين يَدَيْهِ
وَمن حَدِيث جَابر قَالَ وَكَانَ ذَلِك الْحَائِط لَا يدْخلهُ أحد إِلَّا شدّ عَلَيْهِ ذَلِك الْجمل فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ دَعَاهُ فَوضع مشفره فِي الأَرْض وبرك بَين يَدَيْهِ فخطمه فَقَالَ النَّبِي ﷺ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض شَيْء لَا يعلم أَنى رَسُول الله إِلَّا عاصى الْجِنّ وَالْإِنْس
وَمن حَدِيث عبد الله بن أبي أوفى أَن النَّبِي ﷺ سَأَلَ أهل ذَلِك الْجمل عَن شَأْنه فَقَالُوا لَهُ أَنهم أَرَادوا نَحره
وَمن ذَلِك مَا روى ابْن وهب أَن حمام مَكَّة أظلت النَّبِي ﷺ يَوْم فتحهَا فَدَعَا لَهَا بِالْبركَةِ
وَمن حَدِيث أنس وَزيد بن أَرقم والمغيرة بن شُعْبَة أَن النَّبِي ﷺ لَيْلَة الْغَار أَمر الله شَجَرَة فَنَبَتَتْ تجاه النَّبِي ﷺ فَسترته وَأمر حَمَامَتَيْنِ فوقفتا فِي فَم الْغَار وَأَن العنكبوت نسجت على بَابه فَلَمَّا أَتَى الطالبون لَهُ رَأَوْا ذَلِك فَقَالُوا لَو كَانَ فِيهِ أحد لم تكن الحمامات وَلَا العنكبوت فانصرفوا وَالنَّبِيّ ﷺ يسمع كَلَامهم
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة شهيرة وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة لمن كَانَ ذَا عقل وديانة
стр. 310
الْفَصْل السَّابِع فِي إحْيَاء الْمَوْتَى وَكَلَام الصّبيان والمراضع وشهادتهم لَهُ بِالنُّبُوَّةِ
من ذَلِك الْخَبَر الْمَشْهُور الْمَعْلُوم الْمَذْكُور عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة وَالْأَئِمَّة أَن يَهُودِيَّة بِخَيْبَر أَهْدَت لرَسُول الله ﷺ شَاة مشوية فسمتها فَأكل مِنْهَا رَسُول الله ﷺ وَأكل الْقَوْم مَعَه فَقَالَ ارْفَعُوا فَإِن هَذِه الشَّاة أَخْبَرتنِي أَنَّهَا مَسْمُومَة ثمَّ قَالَ لِلْيَهُودِيَّةِ مَا حملك على مَا صنعت قَالَت إِن كنت نَبيا صَادِقا لم يَضرك الَّذِي صنعت وَإِن كنت ملكا أرحت مِنْك فَقَالَ مَا كَانَ الله لِيُسَلِّطك على ذَلِك فَقَالُوا نقتلها قَالَ لَا فَلم يزل أثر تِلْكَ الْأكلَة فِي لَهَوَات رَسُول الله ﷺ حَتَّى قَالَ فِي وَجَعه الَّذِي مَاتَ مِنْهُ مازالت أَكلَة خَيْبَر تعاودني فَالْآن قطعت أَبْهَري
قَالَ ابْن إِسْحَق إِن كَانَ الْمُسلمُونَ لَيرَوْنَ أَن رَسُول الله ﷺ مَاتَ شَهِيدا مَعَ مَا أكْرمه الله بِهِ من النُّبُوَّة
وروى هَذَا الحَدِيث من طَرِيق الْبَزَّار عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَزَاد فِيهِ فَبسط رَسُول الله ﷺ يَده وَقَالَ كلوا بِسم الله فأكلنا وَذكرنَا اسْم الله فَلم تضر أحد منا إِلَّا مَا ذكر من موت بشر بن الْبَراء
وَفِي هَذَا الحَدِيث أَنْوَاع من دلالات نبوته ﷺ نطق الْمَيِّت وَذَلِكَ أَن الشَّاة كَلمته بعد أَن شويت وَأَنَّهُمْ أكلُوا السم وَلم يضرهم وَفِي موت الْبَراء دَلِيل على أَن الَّذِي أكلوه سم قَاتل وَبِذَلِك اعْترفت الْيَهُودِيَّة وَقَالَت أردْت قَتلك فَأَرَادَ الله أَن يُمِيت أحدهم ليعلم أَن الَّذِي أكلوه سم وَأَن يحيى جَمِيعهم آيَة لرَسُول الله ﷺ وَمن آيَاته فِي هَذِه الْقِصَّة تَأَخّر مَوته بالسم دون عِلّة لَزِمته مِنْهُ نَحْو عشْرين سنة وَهَذِه كلهَا أُمُور خارقة للعادات فَهِيَ من أوضح الدلالات
وَمن ذَلِك مَا روى عَن فَهد بن عَطِيَّة أَن النَّبِي ﷺ أَتَى بصبي قد شب لم يتَكَلَّم قطّ فَقَالَ لَهُ من أَنا فَقَالَ أَنْت رَسُول الله
стр. 311
وَمن ذَلِك حَدِيث معيقيب قَالَ رَأَيْت من النَّبِي ﷺ عجبا جِيءَ بصبي يَوْم ولد فَقَالَ لَهُ من أَنا فَقَالَ أَنْت رَسُول الله فَقَالَ النَّبِي ﷺ صدقت بَارك الله فِيك ثمَّ أَن الْغُلَام لم يتَكَلَّم بعْدهَا حَتَّى شب فَكَانَ يدعى مبارك الْيَمَامَة وَكَانَت هَذِه الْقِصَّة بِمَكَّة فِي حجَّة الْوَدَاع
وَمن حَدِيث الْحسن قَالَ أَتَى رجل النَّبِي ﷺ فَذكر أَنه طرح بنية لَهُ فِي وَادي كَذَا فَانْطَلق مَعَه إِلَى ذَلِك الْوَادي وناداها بإسمها يَا فُلَانَة احيى بِإِذن الله فَخرجت وَهِي تَقول لبيْك وَسَعْديك فَقَالَ لَهَا إِن أَبَوَيْك قد أسلما فَإِن أَحْبَبْت أَن أردك عَلَيْهِمَا فَقَالَت لَا حَاجَة لي فيهمَا وجدت الله خير مِنْهُمَا
وَمن ذَلِك حَدِيث أنس أَن شَابًّا من الْأَنْصَار توفى وَله أم عَجُوز قَالَ فسجيناه وعزيناه فَقَالَت مَاتَ ابْني قُلْنَا نعم قَالَت اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي هَاجَرت إِلَيْك وَإِلَى نبيك رَجَاء أَن تعينني على كل شدَّة فَلَا تحملنِي على هَذِه الْمُصِيبَة فَمَا برح أَن كشف الثَّوْب عَن وَجهه فَطَعِمَ وطعمنا
وَمن حَدِيث عبد الله بن عبيد الله قَالَ كنت فِيمَن دفن ثَابت بن قيس بن شماس وَكَانَ قتل بِالْيَمَامَةِ فسمعناه حِين أدخلْنَاهُ فِي الْقَبْر يَقُول مُحَمَّد رَسُول الله أَبُو بكر الصّديق عمر الشَّهِيد عُثْمَان الْبر الرَّحِيم فَنَظَرْنَا فَإِذا هُوَ ميت
وَمن حَدِيث النُّعْمَان بن بشير أَن زيد بن خَارِجَة خر مَيتا فِي زقاق من أَزِقَّة الْمَدِينَة فَرفع وسجى إِذْ سَمِعُوهُ بَين العشائين وَالنِّسَاء يصرخن حوله يَقُول أَنْصتُوا أَنْصتُوا فحسر عَن وَجهه فَقَالَ مُحَمَّد رَسُول الله النَّبِي الْأُمِّي وَخَاتم النبييين كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب الأول ثمَّ قَالَ صدق صدق
وَذكر أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان ثمَّ قَالَ السَّلَام عَلَيْك يارسول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ثمَّ عَاد مَيتا كَمَا كَانَ
стр. 312
الْفَصْل الثَّامِن فِي إِبْرَاء النَّبِي ﷺ المرضى وَذَوي العاهات
من ذَلِك مَا اشْتهر واستفاض من قصَّة عين قَتَادَة يَوْم أحد وَذَلِكَ أَنه أُصِيب فِي إِحْدَى عَيْنَيْهِ حَتَّى وَقعت على وجنتيه فَردهَا رَسُول الله ﷺ فَكَانَت أحسن عَيْنَيْهِ
وَمن ذَلِك حَدِيث عُثْمَان بن حنيف أَن أعمى قَالَ يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يكْشف لي عَن بَصرِي فَقَالَ لَهُ انْطلق فَتَوَضَّأ ثمَّ قل اللَّهُمَّ إِنِّي أَسَالَك وأتوجه إِلَيْك بنبيك مُحَمَّد نَبِي الرَّحْمَة يَا مُحَمَّد إِنِّي أتوجه بك إِلَى رَبِّي أَن يكْشف عَن بَصرِي اللَّهُمَّ شفعه فِي قَالَ فَرجع الرجل وَقد كشف الله عَن بَصَره
من ذَلِك حبيب بن فديك أَن أَبَاهُ أبيضت عَيناهُ فَكَانَ لَا يبصر بهما شَيْئا فنفث رَسُول الله ﷺ فِي عَيْنَيْهِ فأبصر قَالَ فرأيته يدْخل الْخَيط فِي الإبرة وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ
وروى أَن ملاعب الأسنة أَصَابَهُ استسقاء فَبعث إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأخذ بِيَدِهِ حثوة من تُرَاب فتفل عَلَيْهَا ثمَّ أَعْطَاهَا رَسُوله فَأَخذهَا رَسُوله مُتَعَجِّبا يرى أَنه قد هزأ بِهِ فَأَتَاهُ بهَا وَهُوَ على شقاء فَشربهَا فشفاه الله تَعَالَى
وَمن ذَلِك حَدِيث كُلْثُوم بن الْحصين وَذَلِكَ أَنه أُصِيب يَوْم أحد فِي نَحره فبصق فِيهِ رَسُول الله ﷺ فبرأ وتفل عى شجة عبد الله بن أنيس فَلم تمد
وَمن ذَلِك حَدِيث عَليّ يَوْم خَيْبَر وَذَلِكَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَهُوَ على خَيْبَر لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدا رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله يفتح الله على يَدَيْهِ فَبَاتَ أَصْحَابه تِلْكَ اللَّيْلَة كلهم يَرْجُو أَن يعطاها فَلَمَّا أصبح دَعَا عليا فَإِذا بِهِ رمد فتفل فِي عَيْنَيْهِ فبرئ لحينه وَفتح الله عَليّ يَدَيْهِ الْحصن
وَفِي تِلْكَ الْغُزَاة نفث على ضَرْبَة بساق سَلمَة بن الْأَكْوَع فبرأت
وَكَذَلِكَ فعل بساق على بن الحكم يَوْم الخَنْدَق وَكَانَت قد
стр. 313
انْكَسَرت فبرأ مَكَانَهُ وَلم ينزل عَن فرسه وَأصَاب عليا وجع فَقَالَ النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ اشفه أَو عافه ثمَّ ضربه بِرجلِهِ فَمَا اشْتَكَى ذَلِك الوجع بعد
وَقطع أَبُو جهل لَعنه الله يَوْم بدر يَد معوذ بن عفراء فجَاء يحمل يَده فبصق عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ وألصقها فلصقت
وَكَذَلِكَ أُصِيب فِي ذَلِك الْيَوْم حبيب بن يسَاف فنفث عَلَيْهَا من رِيقه فصح وأتته امْرَأَة من خثعم مَعهَا صبي بِهِ بلَاء لَا يعقل وَلَا يتَكَلَّم فَأتى بِمَاء فَمَضْمض فَاه وَغسل يَدَيْهِ ﷺ ثمَّ أَعْطَاهَا ذَلِك المَاء وأمرها أَن تسقيه إِيَّاه فَفعلت فبرئ الْغُلَام وعقل عقلا يفضل كثير من النَّاس
وَحَدِيث ابْن عَبَّاس جَاءَت امْرَأَة بِابْن لَهَا بِهِ جُنُون فَمسح صَدره فثع ثعة فَخرج من جَوْفه مثل الجرو الْأسود وبرأ
وانكفأت الْقدر وَهِي تغلي على ذِرَاع مُحَمَّد بن خَاطب وَهُوَ طِفْل صَغِير فَمسح رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِ ودعا لَهُ وتفل فبرأ لحينه
وَكَانَت فِي كف شُرَحْبِيل الجحفي سلْعَة تَمنعهُ الْقَبْض على السَّيْف وعنان الدَّابَّة فشكاها للنَّبِي ﷺ فَمَا زَالَ يمسحها بكفه حَتَّى رفع كَفه وَمَا لَهَا أثر
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة وَإِذا تَأَمَّلت هَذَا الْفَصْل وَالَّذِي قبله علمت أَن نَبينَا مُحَمَّدًا ﷺ قد أُوتِيَ من المعجزات مثل مَا أُوتى عِيسَى ﵇ من إحْيَاء الْمَوْتَى وإبراء الْعَمى والمجانين وَذَوي الأسقام والآفات كَمَا تحكي النَّصَارَى فِي إنجيلها وَزَاد عَلَيْهِ بِأُمُور كَمَا ذكر وَسَتَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فَيلْزم النَّصَارَى إِذْ كذبُوا بنبوة مُحَمَّد ﷺ مَعَ مَا أَقَمْنَا عَلَيْهِ من الْآيَات وأثبتنا من وَاضح المعجزات أَن يكذبوا بنبوة عِيسَى ﵇ فَإِن معجزاته كمعجزاته وَإِن كذبونا فِيمَا نقلنا عارضناهم فِيمَا نقلوه وَلم يقدروا أَن يثبتوا نبوة عِيسَى ﵇ علينا وَلَا على غَيرنَا وَكَذَلِكَ يفعل الله بِكُل كَاذِب كفار
стр. 314
الْفَصْل التَّاسِع فِي إِجَابَة دُعَائِهِ ﷺ
اعْلَم يَا هَذَا أَنه لَو لم يثبت لرَسُول الله ﷺ من الْآيَات إِلَّا مَا ثَبت فِي هَذَا الْفَصْل لَكَانَ فِيهِ أعظم دَلِيل على صدق رسَالَته وَصِحَّة نبوته فَإنَّا نعلم بِمَا روى فِي هَذَا الْبَاب من الْآيَات على الْقطع والإصرار أَن دعاؤه عِنْد الله مسموع وَأَن مقَامه عِنْد الله مقَام كريم مَرْفُوع
وَذَلِكَ أَنه ﷺ كَانَ كلما دَعَا الله فِي شَيْء أَجَابَهُ فِيهِ وَظَهَرت بركَة دَعوته على الْمَدْعُو لَهُ وعَلى أَهله وبنيه حَتَّى كَانَ حُذَيْفَة يَقُول كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا دَعَا لأحد أَدْرَكته الدعْوَة وَولد وَلَده
وَنحن نذْكر من ذَلِك طرفا على شَرط الإختصار
وَمن حَدِيث أنس الصَّحِيح الْمَشْهُور قَالَ قَالَت أُمِّي يَا رَسُول الله خادمك أنس ادْع الله لَهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَكثر مَاله وَولده وَبَارك لَهُ فِيهِ قَالَ أنس حِين حدث بِهَذَا الحَدِيث فوَاللَّه إِن مَالِي كثير وَإِن وَلَدي وَولد وَلَدي ليتعادون على نَحْو الْمِائَة الْيَوْم
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ أَنه قَالَ وَمَا أعلم أحدا أصَاب من رخاء الْعَيْش مَا أصبت وَلَقَد دفنت بيَدي هَاتين مائَة من وَلَدي لَا أَقُول سقطا وَلَا ولد ولد
وَمن دُعَائِهِ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف بِالْبركَةِ قَالَ عبد الرحمن فَلَو رفعت حجرا لرجوت أَن أُصِيب تَحْتَهُ ذَهَبا وَفتح الله عَلَيْهِ وَمَات فحفر الذَّهَب من تركته بالفئوس حَتَّى محلت الْأَيْدِي وَأخذت كل زَوْجَة من زَوْجَاته ثَمَانُون ألفا وَكن أَرْبعا وَقيل بل صُولِحَتْ إِحْدَاهُنَّ لِأَنَّهُ طَلقهَا فِي مَرضه على نَيف وَثَمَانِينَ ألفا وَأوصى بِخَمْسِينَ ألفا وَهَذَا كُله بعد صدقاته الفاشية فِي حَيَاته وعوارفه الْعَظِيمَة
أعتق يَوْمًا ثَلَاثِينَ عبدا ووردت لَهُ مرّة عير لَهُ فِيهَا سبع مائَة بعير تحمل من كل شَيْء فَتصدق بهَا وَبِمَا عَلَيْهَا وبأقتابها وأحلاسها
وَمن ذَلِك دعاؤه ﷺ لمعاوية بالتمكين فِي الْبِلَاد فنال الْخلَافَة
стр. 315
وَمن ذَلِك دعاؤه ﷺ لسعد بن أبي وَقاص بِأَن يُجيب الله دَعوته فَمَا دَعَا على أحد أَو لأحد إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ
وَمن ذَلِك دعاؤه ﷺ حَيْثُ قَالَ اللَّهُمَّ أعز الْإِسْلَام بِأحد الرجلَيْن بعمر بن الْخطاب أَو بِأبي جهل بن هِشَام فَأجَاب الله دَعوته فِي عمر بن الْخطاب
وَلذَلِك قَالَ ابْن مَسْعُود مَا زلنا أعزة مُنْذُ أسلم عمر بن الْخطاب وَأصَاب النَّاس عَطش شَدِيد فِي سفر من أَسْفَاره فَدَعَا الله فَجَاءَت سَحَابَة فسقتهم حَاجتهم
وَقد تقدم مثل ذَلِك
وَمن ذَلِك حَدِيث الإستسقاء وَذَلِكَ أَن رَسُول الله ﷺ بَيْنَمَا هُوَ يَوْم الْجُمُعَة يخْطب إِذْ دخل عَلَيْهِ رجل فَقَالَ يَا رَسُول قد هَلَكت الْأَمْوَال وانقطعت السبل وَهَلَكت الْمَوَاشِي فَادع الله أَن يغثنا فَقَالَ النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ أغثنا الله أغثنا الله أغثنا قَالَ فأنشأت سَحَابَة مثل الترس ثمَّ انتشرت قَالَ رَاوِيه فَلَا وَالله مَا رَأينَا الشَّمْس سبتا يَعْنِي جُمُعَة
ثمَّ دخل أَعْرَابِي فِي الْجُمُعَة الْمُقبلَة فَقَالَ يَا رَسُول الله هَلَكت الْمَوَاشِي وانقطعت السبل فَادع الله يمْسِكهَا عَنَّا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ على الآكام والضراب ومنابت الشّجر قَالَ فانجابت السحابة عَن الْمَدِينَة انجياب الثَّوْب فخرجنا نمشي
وَمن ذَلِك أَنه ﷺ قَالَ للنابغة الْجَعْدِي لَا يفضض الله فَاك فَمَا سَقَطت لَهُ سنّ حَتَّى مَاتَ
وَفِي رِوَايَة كَانَ أحسن النَّاس ثغرا إِذا سَقَطت لَهُ سنّ نَبتَت لَهُ أُخْرَى وعاش عشْرين وَمِائَة
وَقَالَ لِابْنِ عَبَّاس اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل فَكَانَ بَحر الْفِقْه وترجمان الْقُرْآن ودعا لعبد الله بن جَعْفَر بِالْبركَةِ فِي صَفْقَة يَمِينه فَمَا اشْترى شَيْئا إِلَّا ربح فِيهِ ودعا لِلْمِقْدَادِ بن الْأسود بِالْبركَةِ فَكَانَ عِنْده غراير من المَال
ودعا لعروة بن أبي الْجَعْد فَقَالَ لقد كنت أقدم بالكياسة سوق لَهُم فَمَا أرجع حَتَّى أربح أَرْبَعِينَ ألفا
стр. 316
وَقَالَ البُخَارِيّ فَكَانَ لَو اشْترى التُّرَاب ربح فِيهِ وندت لَهُ نَاقَة فَدَعَا ربه أَن يردهَا عَلَيْهِ فجَاء بهَا إعصار ريح حَتَّى ردهَا عَلَيْهِ
ودعا لأم أبي هُرَيْرَة فَأسْلمت ودعا لعلى أَن يكفى ألم الْحر وَالْبرد فَكَانَ يلبس فِي الشتَاء ثِيَاب الصَّيف وَفِي الصَّيف ثِيَاب الشتَاء وَلَا يُصِيبهُ حر وَلَا برد وَسَأَلَهُ الطُّفَيْل بن عَمْرو آيَة لِقَوْمِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ نور لَهُ فسطع لَهُ نور بَين عَيْنَيْهِ فَقَالَ يَا رب أَخَاف أَن يَقُولُوا إِنَّمَا مثلَة فتحول إِلَى طرف سَوْطه فَكَانَ يضئ فِي اللَّيْلَة الْمظْلمَة فَسمى ذَا النُّور
ودعا على مُضر بِالْقَحْطِ فأقحطوا سبعا حَتَّى أكلُوا الْجُلُود وَالْعِظَام حَتَّى استعطفته قُرَيْش فَدَعَا لَهُم فسقوا
ودعا على كسْرَى حِين مزق كِتَابه بِأَن يمزق ملكه فَلم تبْق لَهُ بَاقِيَة
وَقَالَ لرجل رَآهُ يَأْكُل بِشمَالِهِ كل بيمينك فَقَالَ لَا أَسْتَطِيع فَقَالَ لَهُ لَا أستطعت فَلم يرفعها إِلَى فِيهِ بعد
وَقَالَ لعتبة بن أبي لَهب اللَّهُمَّ سلط عَلَيْهِ كَلْبا من كلابك فَأَكله الْأسد
وَحَدِيثه الْمَشْهُور مَعَ مَلأ قُرَيْش وَذَلِكَ أَنه ﷺ بَيْنَمَا هُوَ ساجد بِإِزَاءِ الْكَعْبَة إِذْ أَلْقَت قُرَيْش على ظَهره فرثا ودما وسلا جزور نحرت فَقَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْك بهم ثمَّ سماهم وَاحِدًا وَاحِدًا فَكَانَ من سمى قتل يَوْم بدر
ودعا على الحكم بن أبي العَاصِي وَكَانَ يختلج بِوَجْهِهِ ويغمز عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَلِك فَلم يزل يختلج إِلَى أَن مَاتَ
ودعا على غلم بن جثامه فلفظته الأَرْض فوورى فلفظته الأَرْض ثمَّ وورى فلفظته الأَرْض مرَارًا فألقوه بَين ضدين يُرِيد جَانِبي الْوَادي وَرَضوا عَلَيْهِ بِالْحِجَارَةِ
وَبَاعه رجل فرسا فجحده فَقَالَ اللَّهُمَّ إِن كَانَ كَاذِبًا
стр. 317
فَلَا تبَارك لَهُ فِيهِ فَأَصْبَحت شاصية يُرِيد رَافِعَة برجلها يَقُول مَاتَت
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب أَكثر من أَن يحاط بهَا
الْفَصْل الْعَاشِر فِي ذكر جمل من بركاته ومعجزاته ﷺ
وَمن ذَلِك مَا اشْتهر وَصَحَّ أَنه وَقع فزع بِالْمَدِينَةِ فَركب فرسا لأبي طَلْحَة بطيئا فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لأبي طَلْحَة وجدنَا فرسك بحرا يُرِيد كثير الجرى كالبحر قَالَ فَكَانَ ذَلِك الْفرس لَا يجارى
ونخس جمل جَابر وَكَانَ قد أعيا فنشط حَتَّى كَانَ مَا يملك زمامه
وصنع مثل ذَلِك بفرس لجميل الْأَشْجَعِيّ خفقها بمخفقة مَعَه وَترك عَلَيْهَا فَلم تملك رَأسهَا نشاطا وَبَاعَ من بَطنهَا بإثنى عشر ألفا
وَكَانَت شعيرات من شعر رَسُول الله ﷺ فِي قلنسوة خَالِد بن الْوَلِيد فَلم يشْهد بهَا قتالا إِلَّا رزق النَّصْر
وَكَانَت جُبَّة رَسُول الله ﷺ تغسل للمرضى بعد مَوته فيستشفى بهَا
وَأخذ جَهْجَاه قضيب رَسُول الله ﷺ ليكسره فَأَخَذته فِي يَده أكله فقطعها وَمَات قبل الْحول
وسكب من فضل وضوئِهِ فِي بِئْر قبَاء فَمَا جف مَاؤُهَا بعد
وبزق فِي بِئْر كَانَت فِي دَار أنس فَلم يكن بِالْمَدِينَةِ أعذب مِنْهَا
وَمر على مَاء فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل اسْمه بيسان وماؤه ملح فَقَالَ بل هُوَ نعْمَان وماؤه طيب فطاب
وأوتى بِدَلْو من مَاء زَمْزَم فمج فِيهِ فَصَارَت أطيب من الْمسك
وَأعْطى الْحسن وَالْحُسَيْن لِسَانه فمصاه وَكَانَا يَبْكِيَانِ عطشا فرويا وسكتا
وَكَانَت لأم مَالك عكة تهدى فِيهَا للنَّبِي ﷺ سمنا فَأمرهَا النَّبِي ﷺ أَن تعصرها ثمَّ دَفعهَا
стр. 318
إِلَيْهَا فَإِذا هِيَ مَمْلُوءَة سمنا فيأتيها بنوها يسألونها الْأدم وَلَيْسَ عِنْدهم شَيْء فتعمد إِلَيْهَا فتجد فِيهَا سمنا فَكَانَت تقسم أدمها حَتَّى عصرتها
وَكَانَ يتفل فِي أَفْوَاه المراضع فيجزيهم رِيقه إِلَى اللَّيْل
وَمن ذَلِك بركَة يَده فِيمَا لمس أَو غرس
غرس لسلمان ثَلَاثَة مائَة ودية وَكَانَ كَاتب موَالِيه على ثَلَاث مائَة نَخْلَة وعَلى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة فغرسها رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ إِلَّا وَاحِدَة فأطعمت من عامها إِلَّا تِلْكَ الْوَاحِدَة فقلعها رَسُول الله ﷺ وغرسها فأطعمت من عامها
وَأَعْطَاهُ مثل بَيْضَة الدَّجَاجَة من ذهب بعد أَن أدارها على لِسَانه فوزن مِنْهَا أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة لمواليه
وَفِي حَدِيث حَنش بن عقيل قَالَ سقاني رَسُول الله ﷺ شربة من سويق شرب أَولهَا وشربت آخرهَا فَمَا زلت أجد شبعها إِذا جعت وريها إِذا عطشت وبردها إِذا ظمئت
وَأعْطى قَتَادَة بن النُّعْمَان وَصلى مَعَه الْعشَاء الْأَخِيرَة فِي لَيْلَة مظْلمَة مطيرة عرجونا فَقَالَ انْطلق فَإِنَّهُ سيضىء لَك من بَين يَديك عشرا وَمن خَلفك عشرا فَإِذا دخلت بَيْتك فسترى سوادا فَاضْرِبْهُ حَتَّى يخرج فَإِنَّهُ الشَّيْطَان فَانْطَلق فأضاء لَهُ العرجون حَتَّى دخل بَيته وَوجد السوَاد فَضَربهُ حَتَّى خرج
وَمِنْهَا دَفعه لعكاشة جذل حطب وَقَالَ لَهُ اضْرِب بِهِ حِين انْكَسَرَ سَيْفه يَوْم بدر فَعَاد فِي يَده سَيْفا صَارِمًا طَوِيل الْقَامَة أَبيض شَدِيد الْمَتْن فقاتل بِهِ ثمَّ لم يزل عِنْده يشْهد بِهِ المواقف إِلَى أَن اسْتشْهد فِي قتال أهل الرِّدَّة وَكَانَ هَذَا السَّيْف يُسمى العون
وَكَذَلِكَ دفع لعبد الله بن جحش يَوْم أحد وَقد ذهب سَيْفه عسيب نخل فَعَاد فِي يَده سَيْفا
وَمن ذَلِك بركته فِي درور الشياه الحوائل اللَّبن الْكثير كقصة شَاة أم معبد وَهِي قصَّة مَشْهُورَة وَكَذَلِكَ غنم حليمة مرضعته
стр. 319
وَقد تقدم ذكره وَكَذَلِكَ قصَّة شَاة عبد الله بن مَسْعُود وَكَانَ لم ينز عَلَيْهَا فَحل قطّ وَكَذَلِكَ شَاة الْمِقْدَاد وَمن ذَلِك تزويده أَصْحَابه سقاء مَاء بعد أَن أوكاه ودعا فِيهِ فَلَمَّا حلاه إِذا بِهِ لبن طيب وزبده فِي فَمه وَمسح على رَأس عُمَيْر بن سعد وَبَارك فَمَاتَ وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ فَمَا شَاب
وَقد روى مثل هَذِه الْقَصَص
وَمن ذَلِك أَن عتبَة بن فرقد كَانَ يُوجد لَهُ طيب يغلب طيب نِسَائِهِ لِأَن رَسُول الله ﷺ مسح بِيَدِهِ بَطْنه وَيَده
وسلت عَن وَجهه ﷺ عايذ بن عَمْرو الدَّم يَوْم أحد فَدَعَا لَهُ فَكَانَت لَهُ غرَّة كغرة الْفرس
وَمسح ﷺ على رَأس قيس بن زيد الجذامي ودعا لَهُ فَهَلَك ابْن مائَة سنة وَرَأسه أَبيض وَمَوْضِع كف النَّبِي ﷺ أسود فَكَانَ يدعى الْأَغَر وَمسح وَجه رجل آخر فَمَا زَالَ على وَجهه نور وَمسح وَجه قَتَادَة بن ملجان فَكَانَ لوجهه بريق حَتَّى كَانَ ينظر فِي وَجهه كَمَا ينظر فِي الْمرْآة
وَوضع ﷺ يَده على رَأس حَنْظَلَة بن خديم وَبَارك عَلَيْهِ فَكَانَ حَنْظَلَة يُؤْتى بِالرجلِ قد ورم وَجهه وَالشَّاة قد ورم ضرْعهَا فَيُوضَع على مَوضِع كف النَّبِي ﷺ فَيذْهب الورم
ونضح فِي وَجه زَيْنَب بنت أم سَلمَة نضحة من مَاء فَمَا كَانَ يعرف فِي وَجه امْرَأَة من الْجمال مَا كَانَ بهَا وَمسح على رَأس صبي بِهِ عاهة يَعْنِي قرعا فبرأ واستوى شعره وَكَذَلِكَ مسح على غير وَاحِد من الصّبيان المرضى والمجانين فبرؤا وَلأَجل هَذَا قَالَ طَاوُوس لم يُؤْت النَّبِي ﷺ بِأحد بِهِ جُنُون فصك فِي صَدره إِلَّا ذهب ذَلِك الْجُنُون وَأَتَاهُ رجل آدر فَأمره أَن ينضحها بِمَاء من عس مج فِيهِ فَفعل فبرأ وَمن ذَلِك خَبره الْمَشْهُور عَن تُرَاب يَوْم حنين وَذَلِكَ أَنه لما اشْتَدَّ الْقِتَال بَينه وَبَين الْكفَّار ذَلِك الْيَوْم أَخذ غرفَة من تُرَاب وَرمى بهَا وُجُوه الْكفَّار وَقَالَ شَاهَت الْوُجُوه فَمَا بقى مِنْهُم أحد إِلَّا أصَاب من عَيْنَيْهِ
стр. 320
من ذَلِك التُّرَاب فَهَزَمَهُمْ الله وَرَجَعُوا على أَعْقَابهم يمسحون عَن أَعينهم
وَمن ذَلِك الْخَبَر الْمَشْهُور عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ كثير النسْيَان فَأمره ببسط ثَوْبه فغرف بِيَدِهِ ثمَّ أمره بضمه فَفعل فَمَا نسى شَيْئا بعد
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة جدا تفوق الْحصْر
الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي مَا أخبر بِهِ مِمَّا أطلعه الله من الْغَيْب ﷺ
هَذَا الْمَوْضُوع بَحر لَا يدْرك قَعْره وَلَا ينزف غمره وَهُوَ من جملَة آيَاته الْمَعْلُومَة على الْقطع الْوَاصِلَة إِلَيْنَا من طَرِيق التَّوَاتُر لِكَثْرَة الحكايات وإنتشار الرِّوَايَات مَعَ اتفاقها على أَنه مطلع على كثير من الْغَيْب فَهَذَا تَوَاتر معنوي يحصل بِهِ الْعلم الْقطعِي وَهَكَذَا أَكثر الْفُصُول الْمُتَقَدّمَة وَالْأَخْبَار المتلقاة عَنهُ ﷺ فِي هَذَا الْمَوْضُوع قِسْمَانِ قسم وَقع وَوجد كَمَا أخبر بِهِ وَقسم آخر لم يَقع لكَونه لم يبلغ وقته وسيقع وَلَا بُد وَلذَلِك هُوَ منتظر الْوُقُوع وَنحن إِنَّمَا نذْكر فِي هَذَا الْفَصْل مَا وَقع وَوجد حسب مَا أخبر بِهِ إِذْ بِهِ تقع الْحجَّة وَعِنْده يظْهر الإعجاز
من ذَلِك حَدِيث حُذَيْفَة قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ مقَاما فَمَا ترك شَيْئا فِي مقَامه ذَلِك يكون إِلَى قيام السَّاعَة إِلَّا حَدثهُ حفظه من حفظه ونسيه من نَسيَه قد علمه أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ وَأَنه ليَكُون مِنْهُ الشَّيْء فأعرفه فأذكره كَمَا يذكر الرجل وَجه الرجل إِذا غَابَ عَنهُ ثمَّ إِذا رَآهُ عرفه ثمَّ قَالَ لَا أَدْرِي أنسى أَصْحَابِي أم تناسوه وَالله مَا ترك رَسُول الله ﷺ من قَائِد فتْنَة إِلَى أَن تَنْقَضِي الدُّنْيَا يبلغ من مَعَه ثَلَاث مائَة فَصَاعِدا إِلَّا وَقد سَمَّاهُ لنا بإسمه وَاسم أَبِيه وقبيلته
وَقَالَ أَبُو ذَر لقد تركنَا رَسُول الله ﷺ وَمَا من طَائِر يُحَرك جناحيه فِي السَّمَاء إِلَّا ذكر لنا مِنْهُ علما
следующие страницы →