← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6517

الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام

أبو العباس القرطبي

Полный текст (442 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَقَالَ البُخَارِيّ فَكَانَ لَو اشْترى التُّرَاب ربح فِيهِ وندت لَهُ نَاقَة فَدَعَا ربه أَن يردهَا عَلَيْهِ فجَاء بهَا إعصار ريح حَتَّى ردهَا عَلَيْهِ ودعا لأم أبي هُرَيْرَة فَأسْلمت ودعا لعلى أَن يكفى ألم الْحر وَالْبرد فَكَانَ يلبس فِي الشتَاء ثِيَاب الصَّيف وَفِي الصَّيف ثِيَاب الشتَاء وَلَا يُصِيبهُ حر وَلَا برد وَسَأَلَهُ الطُّفَيْل بن عَمْرو آيَة لِقَوْمِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ نور لَهُ فسطع لَهُ نور بَين عَيْنَيْهِ فَقَالَ يَا رب أَخَاف أَن يَقُولُوا إِنَّمَا مثلَة فتحول إِلَى طرف سَوْطه فَكَانَ يضئ فِي اللَّيْلَة الْمظْلمَة فَسمى ذَا النُّور ودعا على مُضر بِالْقَحْطِ فأقحطوا سبعا حَتَّى أكلُوا الْجُلُود وَالْعِظَام حَتَّى استعطفته قُرَيْش فَدَعَا لَهُم فسقوا ودعا على كسْرَى حِين مزق كِتَابه بِأَن يمزق ملكه فَلم تبْق لَهُ بَاقِيَة وَقَالَ لرجل رَآهُ يَأْكُل بِشمَالِهِ كل بيمينك فَقَالَ لَا أَسْتَطِيع فَقَالَ لَهُ لَا أستطعت فَلم يرفعها إِلَى فِيهِ بعد وَقَالَ لعتبة بن أبي لَهب اللَّهُمَّ سلط عَلَيْهِ كَلْبا من كلابك فَأَكله الْأسد وَحَدِيثه الْمَشْهُور مَعَ مَلأ قُرَيْش وَذَلِكَ أَنه ﷺ بَيْنَمَا هُوَ ساجد بِإِزَاءِ الْكَعْبَة إِذْ أَلْقَت قُرَيْش على ظَهره فرثا ودما وسلا جزور نحرت فَقَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْك بهم ثمَّ سماهم وَاحِدًا وَاحِدًا فَكَانَ من سمى قتل يَوْم بدر ودعا على الحكم بن أبي العَاصِي وَكَانَ يختلج بِوَجْهِهِ ويغمز عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَلِك فَلم يزل يختلج إِلَى أَن مَاتَ ودعا على غلم بن جثامه فلفظته الأَرْض فوورى فلفظته الأَرْض ثمَّ وورى فلفظته الأَرْض مرَارًا فألقوه بَين ضدين يُرِيد جَانِبي الْوَادي وَرَضوا عَلَيْهِ بِالْحِجَارَةِ وَبَاعه رجل فرسا فجحده فَقَالَ اللَّهُمَّ إِن كَانَ كَاذِبًا

стр. 317

فَلَا تبَارك لَهُ فِيهِ فَأَصْبَحت شاصية يُرِيد رَافِعَة برجلها يَقُول مَاتَت وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب أَكثر من أَن يحاط بهَا الْفَصْل الْعَاشِر فِي ذكر جمل من بركاته ومعجزاته ﷺ وَمن ذَلِك مَا اشْتهر وَصَحَّ أَنه وَقع فزع بِالْمَدِينَةِ فَركب فرسا لأبي طَلْحَة بطيئا فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لأبي طَلْحَة وجدنَا فرسك بحرا يُرِيد كثير الجرى كالبحر قَالَ فَكَانَ ذَلِك الْفرس لَا يجارى ونخس جمل جَابر وَكَانَ قد أعيا فنشط حَتَّى كَانَ مَا يملك زمامه وصنع مثل ذَلِك بفرس لجميل الْأَشْجَعِيّ خفقها بمخفقة مَعَه وَترك عَلَيْهَا فَلم تملك رَأسهَا نشاطا وَبَاعَ من بَطنهَا بإثنى عشر ألفا وَكَانَت شعيرات من شعر رَسُول الله ﷺ فِي قلنسوة خَالِد بن الْوَلِيد فَلم يشْهد بهَا قتالا إِلَّا رزق النَّصْر وَكَانَت جُبَّة رَسُول الله ﷺ تغسل للمرضى بعد مَوته فيستشفى بهَا وَأخذ جَهْجَاه قضيب رَسُول الله ﷺ ليكسره فَأَخَذته فِي يَده أكله فقطعها وَمَات قبل الْحول وسكب من فضل وضوئِهِ فِي بِئْر قبَاء فَمَا جف مَاؤُهَا بعد وبزق فِي بِئْر كَانَت فِي دَار أنس فَلم يكن بِالْمَدِينَةِ أعذب مِنْهَا وَمر على مَاء فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل اسْمه بيسان وماؤه ملح فَقَالَ بل هُوَ نعْمَان وماؤه طيب فطاب وأوتى بِدَلْو من مَاء زَمْزَم فمج فِيهِ فَصَارَت أطيب من الْمسك وَأعْطى الْحسن وَالْحُسَيْن لِسَانه فمصاه وَكَانَا يَبْكِيَانِ عطشا فرويا وسكتا وَكَانَت لأم مَالك عكة تهدى فِيهَا للنَّبِي ﷺ سمنا فَأمرهَا النَّبِي ﷺ أَن تعصرها ثمَّ دَفعهَا

стр. 318

إِلَيْهَا فَإِذا هِيَ مَمْلُوءَة سمنا فيأتيها بنوها يسألونها الْأدم وَلَيْسَ عِنْدهم شَيْء فتعمد إِلَيْهَا فتجد فِيهَا سمنا فَكَانَت تقسم أدمها حَتَّى عصرتها وَكَانَ يتفل فِي أَفْوَاه المراضع فيجزيهم رِيقه إِلَى اللَّيْل وَمن ذَلِك بركَة يَده فِيمَا لمس أَو غرس غرس لسلمان ثَلَاثَة مائَة ودية وَكَانَ كَاتب موَالِيه على ثَلَاث مائَة نَخْلَة وعَلى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة فغرسها رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ إِلَّا وَاحِدَة فأطعمت من عامها إِلَّا تِلْكَ الْوَاحِدَة فقلعها رَسُول الله ﷺ وغرسها فأطعمت من عامها وَأَعْطَاهُ مثل بَيْضَة الدَّجَاجَة من ذهب بعد أَن أدارها على لِسَانه فوزن مِنْهَا أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة لمواليه وَفِي حَدِيث حَنش بن عقيل قَالَ سقاني رَسُول الله ﷺ شربة من سويق شرب أَولهَا وشربت آخرهَا فَمَا زلت أجد شبعها إِذا جعت وريها إِذا عطشت وبردها إِذا ظمئت وَأعْطى قَتَادَة بن النُّعْمَان وَصلى مَعَه الْعشَاء الْأَخِيرَة فِي لَيْلَة مظْلمَة مطيرة عرجونا فَقَالَ انْطلق فَإِنَّهُ سيضىء لَك من بَين يَديك عشرا وَمن خَلفك عشرا فَإِذا دخلت بَيْتك فسترى سوادا فَاضْرِبْهُ حَتَّى يخرج فَإِنَّهُ الشَّيْطَان فَانْطَلق فأضاء لَهُ العرجون حَتَّى دخل بَيته وَوجد السوَاد فَضَربهُ حَتَّى خرج وَمِنْهَا دَفعه لعكاشة جذل حطب وَقَالَ لَهُ اضْرِب بِهِ حِين انْكَسَرَ سَيْفه يَوْم بدر فَعَاد فِي يَده سَيْفا صَارِمًا طَوِيل الْقَامَة أَبيض شَدِيد الْمَتْن فقاتل بِهِ ثمَّ لم يزل عِنْده يشْهد بِهِ المواقف إِلَى أَن اسْتشْهد فِي قتال أهل الرِّدَّة وَكَانَ هَذَا السَّيْف يُسمى العون وَكَذَلِكَ دفع لعبد الله بن جحش يَوْم أحد وَقد ذهب سَيْفه عسيب نخل فَعَاد فِي يَده سَيْفا وَمن ذَلِك بركته فِي درور الشياه الحوائل اللَّبن الْكثير كقصة شَاة أم معبد وَهِي قصَّة مَشْهُورَة وَكَذَلِكَ غنم حليمة مرضعته

стр. 319

وَقد تقدم ذكره وَكَذَلِكَ قصَّة شَاة عبد الله بن مَسْعُود وَكَانَ لم ينز عَلَيْهَا فَحل قطّ وَكَذَلِكَ شَاة الْمِقْدَاد وَمن ذَلِك تزويده أَصْحَابه سقاء مَاء بعد أَن أوكاه ودعا فِيهِ فَلَمَّا حلاه إِذا بِهِ لبن طيب وزبده فِي فَمه وَمسح على رَأس عُمَيْر بن سعد وَبَارك فَمَاتَ وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ فَمَا شَاب وَقد روى مثل هَذِه الْقَصَص وَمن ذَلِك أَن عتبَة بن فرقد كَانَ يُوجد لَهُ طيب يغلب طيب نِسَائِهِ لِأَن رَسُول الله ﷺ مسح بِيَدِهِ بَطْنه وَيَده وسلت عَن وَجهه ﷺ عايذ بن عَمْرو الدَّم يَوْم أحد فَدَعَا لَهُ فَكَانَت لَهُ غرَّة كغرة الْفرس وَمسح ﷺ على رَأس قيس بن زيد الجذامي ودعا لَهُ فَهَلَك ابْن مائَة سنة وَرَأسه أَبيض وَمَوْضِع كف النَّبِي ﷺ أسود فَكَانَ يدعى الْأَغَر وَمسح وَجه رجل آخر فَمَا زَالَ على وَجهه نور وَمسح وَجه قَتَادَة بن ملجان فَكَانَ لوجهه بريق حَتَّى كَانَ ينظر فِي وَجهه كَمَا ينظر فِي الْمرْآة وَوضع ﷺ يَده على رَأس حَنْظَلَة بن خديم وَبَارك عَلَيْهِ فَكَانَ حَنْظَلَة يُؤْتى بِالرجلِ قد ورم وَجهه وَالشَّاة قد ورم ضرْعهَا فَيُوضَع على مَوضِع كف النَّبِي ﷺ فَيذْهب الورم ونضح فِي وَجه زَيْنَب بنت أم سَلمَة نضحة من مَاء فَمَا كَانَ يعرف فِي وَجه امْرَأَة من الْجمال مَا كَانَ بهَا وَمسح على رَأس صبي بِهِ عاهة يَعْنِي قرعا فبرأ واستوى شعره وَكَذَلِكَ مسح على غير وَاحِد من الصّبيان المرضى والمجانين فبرؤا وَلأَجل هَذَا قَالَ طَاوُوس لم يُؤْت النَّبِي ﷺ بِأحد بِهِ جُنُون فصك فِي صَدره إِلَّا ذهب ذَلِك الْجُنُون وَأَتَاهُ رجل آدر فَأمره أَن ينضحها بِمَاء من عس مج فِيهِ فَفعل فبرأ وَمن ذَلِك خَبره الْمَشْهُور عَن تُرَاب يَوْم حنين وَذَلِكَ أَنه لما اشْتَدَّ الْقِتَال بَينه وَبَين الْكفَّار ذَلِك الْيَوْم أَخذ غرفَة من تُرَاب وَرمى بهَا وُجُوه الْكفَّار وَقَالَ شَاهَت الْوُجُوه فَمَا بقى مِنْهُم أحد إِلَّا أصَاب من عَيْنَيْهِ

стр. 320

من ذَلِك التُّرَاب فَهَزَمَهُمْ الله وَرَجَعُوا على أَعْقَابهم يمسحون عَن أَعينهم وَمن ذَلِك الْخَبَر الْمَشْهُور عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ كثير النسْيَان فَأمره ببسط ثَوْبه فغرف بِيَدِهِ ثمَّ أمره بضمه فَفعل فَمَا نسى شَيْئا بعد وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة جدا تفوق الْحصْر الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي مَا أخبر بِهِ مِمَّا أطلعه الله من الْغَيْب ﷺ هَذَا الْمَوْضُوع بَحر لَا يدْرك قَعْره وَلَا ينزف غمره وَهُوَ من جملَة آيَاته الْمَعْلُومَة على الْقطع الْوَاصِلَة إِلَيْنَا من طَرِيق التَّوَاتُر لِكَثْرَة الحكايات وإنتشار الرِّوَايَات مَعَ اتفاقها على أَنه مطلع على كثير من الْغَيْب فَهَذَا تَوَاتر معنوي يحصل بِهِ الْعلم الْقطعِي وَهَكَذَا أَكثر الْفُصُول الْمُتَقَدّمَة وَالْأَخْبَار المتلقاة عَنهُ ﷺ فِي هَذَا الْمَوْضُوع قِسْمَانِ قسم وَقع وَوجد كَمَا أخبر بِهِ وَقسم آخر لم يَقع لكَونه لم يبلغ وقته وسيقع وَلَا بُد وَلذَلِك هُوَ منتظر الْوُقُوع وَنحن إِنَّمَا نذْكر فِي هَذَا الْفَصْل مَا وَقع وَوجد حسب مَا أخبر بِهِ إِذْ بِهِ تقع الْحجَّة وَعِنْده يظْهر الإعجاز من ذَلِك حَدِيث حُذَيْفَة قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ مقَاما فَمَا ترك شَيْئا فِي مقَامه ذَلِك يكون إِلَى قيام السَّاعَة إِلَّا حَدثهُ حفظه من حفظه ونسيه من نَسيَه قد علمه أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ وَأَنه ليَكُون مِنْهُ الشَّيْء فأعرفه فأذكره كَمَا يذكر الرجل وَجه الرجل إِذا غَابَ عَنهُ ثمَّ إِذا رَآهُ عرفه ثمَّ قَالَ لَا أَدْرِي أنسى أَصْحَابِي أم تناسوه وَالله مَا ترك رَسُول الله ﷺ من قَائِد فتْنَة إِلَى أَن تَنْقَضِي الدُّنْيَا يبلغ من مَعَه ثَلَاث مائَة فَصَاعِدا إِلَّا وَقد سَمَّاهُ لنا بإسمه وَاسم أَبِيه وقبيلته وَقَالَ أَبُو ذَر لقد تركنَا رَسُول الله ﷺ وَمَا من طَائِر يُحَرك جناحيه فِي السَّمَاء إِلَّا ذكر لنا مِنْهُ علما

стр. 321

وَقد خرج أهل الصَّحِيح فِي كتبهمْ واشتهر عَن الْأَئِمَّة مَا أعلم بِهِ أَصْحَابه مِمَّا وعدهم بِهِ من الظُّهُور على أعدائه وَفتح مَكَّة وَبَيت الْمُقَدّس واليمن وَالشَّام وَالْعراق وَظُهُور الْأَمْن حَتَّى تظعن الْمَرْأَة من الْحيرَة إِلَى مَكَّة لَا تخَاف إِلَّا الله وَأَن الْمَدِينَة لَا تغزى وَكَذَلِكَ أعلم بِفَتْح خَيْبَر على يَد عَليّ بن أبي طَالب فِي غَد يَوْمه وَبِمَا فتح الله على أمته من الدُّنْيَا وَيُؤْتونَ من زهرتها وقسمتهم كنوز كسْرَى وَقَيْصَر وَمَا يحدث بَينهم من الْفِتَن والإختلاف والأهواء وسلوك سَبِيل من قَتلهمْ وإفتراقهم على ثَلَاث وَسبعين فرقة النَّاجِية مِنْهَا وَاحِدَة وَأَنَّهَا سَتَكُون لَهُم أنماط وَيَغْدُو أحدهم فِي حلَّة وَيروح فِي أُخْرَى وتوضع على يَدَيْهِ صحيفَة وترفع أُخْرَى ويسترون بُيُوتهم كَمَا تستر الْكَعْبَة وَأَنَّهُمْ إِذا مَشوا المطيطا وجد مِنْهُم بَنَات فَارس وَالروم رد الله بأسهم بَينهم وسلط شرارهم على خيارهم وإخباره على قتال التّرْك والخزر وَالروم وَذَهَاب كسْرَى وَفَارِس حَتَّى لَا كسْرَى بعده وَذَهَاب قَيْصر حَتَّى لَا قَيْصر بعده وإخباره عَن الرّوم لَا تزَال ذَات أَقْرَان حَتَّى تقوم السَّاعَة وإخباره بِملك بني أُميَّة وَولَايَة مُعَاوِيَة ووصاه وإتخاذ بني أُميَّة ملك الله دولا وإخباره عَن خُرُوج ولد الْعَبَّاس بالرايات السود وملكهم أَضْعَاف مَا ملكوا وَخُرُوج الْمهْدي وإخباره بِمَا ينَال أهل بَيته من الْقَتْل والشدائد وإخباره عَن قتل عَليّ وَقَوله إِن أشقاها الَّذِي يخضب هَذِه من هَذِه يُرِيد لحيته من رَأسه وإخباره بقتل عُثْمَان وَهُوَ يقْرَأ الْمُصحف وَأَنه سيقطر دَمه على قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ وَقَوله ﷺ عَسى الله أَن يلبسك قَمِيصًا فَإِن أرادوك على خلعه فَلَا تخلعه يُرِيد بذلك مَا ولاه من الْخلَافَة وَمَا أَرَادوا من خلعه وَمن ذَلِك خبر حَاطِب بن أبي بلتعة وَذَلِكَ أَنه كتب كتابا لأهل مَكَّة يُخْبِرهُمْ فِيهِ بغزو رَسُول الله ﷺ إيَّاهُم وإخفاء ذَلِك الْكتاب وَلم يطلع عَلَيْهِ أحدا وَدفعه إِلَى إمرأة فَجَعَلته فِي عقاصها

стр. 322

فَقَالَ النَّبِي ﷺ لأَصْحَابه انْطَلقُوا إِلَى مَوضِع كَذَا فَإِن بِهِ ظَعِينَة عِنْدهَا كتاب من حَاطِب إِلَى مُشْركي قُرَيْش فَانْطَلقُوا ففتشوا فَلم يَجدوا عِنْدهَا شَيْئا فَقَالُوا لَهَا لتخْرجن الْكتاب أَو لَنُجَرِّدَنَّكِ فَأَخْرَجته من عقاصها وإخباره لبَعض زَوْجَاته أَنَّهَا ستنبحها كلاب من الْحُوب وَأَنَّهَا تقتل حولهَا قَتْلَى كثير فَكَانَ ذَلِك كُله كَمَا ذكر ﷺ وَقَوله لعمَّار تقتلك الفئة الباغية فَقتله أَصْحَاب مُعَاوِيَة وَقَوله يكون فِي ثَقِيف كَذَّاب ومبير فرأوهما الْحجَّاج وَالْمُخْتَار وإخباره بِأَن مُسَيْلمَة يعقره الله فَكَانَ ذَلِك وَمن ذَلِك أَن نَاقَته ضلت فَلم يدر أَيْن هِيَ فَقَالَت قُرَيْش يزْعم مُحَمَّدًا أَنه يعرف خبر السَّمَاء وَهُوَ لَا يعرف نَاقَته فَنزل الْوَحْي على رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أما أَنا فَلَا أعلم إِلَّا مَا أعلمني الله بِهِ وَأَن الله قد أَخْبرنِي أَنَّهَا بِموضع كَذَا فَانْطَلقُوا فَوجدت حَيْثُ ذكر قد حبستها هُنَاكَ شَجَرَة وَقَوله لفاطمة الزهراء ﵂ ابْنَته أَنَّك أول أهل بَيْتِي لُحُوقا بِي فَكَانَت أول من مَاتَ من أهل بَيته وَأخْبر بِأَهْل الرِّدَّة والخوارج وَعرف بعلاماتهم فَوجدَ ذَلِك كَمَا أخبر وَالْأَخْبَار فِي ذَلِك أَكثر من أَن تحصى يضْطَر الْوَاقِف عَلَيْهَا إِلَى الْعلم بنبوته ﷺ الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي عصمَة الله لَهُ مِمَّن أَرَادَ كَيده وَذَلِكَ من أبلغ آيَاته صحت الرِّوَايَات وَثبتت الطّرق أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يحرس مِمَّن يُرِيد ضره لِكَثْرَة أعدائه ولطلبهم غرته حَتَّى نزل ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ فَأخْرج رَسُول الله ﷺ رَأسه من الْقبَّة وَقَالَ لحارسيه يَا أَيهَا النَّاس انصرفوا فقد عصمني رَبِّي فَلم يقدر أحد أَن يُصِيب مِنْهُ مقتلا مَعَ حرصهم على ذَلِك

стр. 323

وَمن ذَلِك مَا صَحَّ أَن النَّبِي ﷺ نزل منزلا فِي بعض غَزَوَاته فَقَالَ تَحت شَجَرَة فَأَتَاهُ أَعْرَابِي فاخترط سَيْفه فَقَالَ من يمنعك مني فَقَالَ الله فَرعدَت يَد الْأَعرَابِي وَسقط سَيْفه من يَده وَضرب بِرَأْسِهِ الشَّجَرَة حَتَّى سَالَ دماغه وَقد اتّفق مثل هَذِه الْقِصَّة لعذرة بن الْحَارِث فَأسلم وَرجع إِلَى قومه وَقَالَ جِئتُكُمْ من عِنْد خير النَّاس وَقد روى أَن هَذِه الْقِصَّة كَانَت يَوْم بدر وَكَذَلِكَ وَقع مثل هَذِه الْقِصَّة بِذِي أَمر لدغشور بن الْحَرْث وَكَانَ ذَا نجدة وجرأة فَأسلم فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قومه قَالُوا أَيْن مَا كنت تَقول وَقد أمكنك فَقَالَ إِنِّي نظرت إِلَى رجل أَبيض طَوِيل دفع فِي صَدْرِي فَوَقَعت لظهري وَسقط السَّيْف من يَدي فَعرفت أَنه ملك وَفِيه أنزل الله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ هم قوم أَن يبسطوا إِلَيْكُم أَيْديهم فَكف أَيْديهم عَنْكُم﴾ الْآيَة وَكَانَت امْرَأَة أبي لَهب وَهِي حمالَة الْحَطب تضع الشوك فِي طَرِيق رَسُول الله ﷺ فَكَأَنَّمَا يطَأ كثيبا أهيل يُرِيد سهلا وَلما أنزل الله فِيهَا وَفِي زَوجهَا ﴿تبت يدا أبي لَهب وَتب﴾ إِلَى آخر السُّورَة أَتَت رَسُول الله ﷺ وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد وَمَعَهُ أَبُو بكر وَفِي يَدهَا فهر من حِجَارَة فَلَمَّا وقفت عَلَيْهِمَا لم تَرَ إِلَّا أَبَا بكر وَأخذ الله ببصرها عَن نبيه ﵇ فَقَالَت يَا أَبَا بكر أَيْن صَاحبك فقد بَلغنِي أَنه يهجوني وَالله لَو وجدته لضَرَبْت بِهَذَا الفهر فَاه وَمن ذَلِك مَا حدث بِهِ الحكم بن أبي العَاصِي قَالَ تواعدنا على أَن نقْتل مُحَمَّدًا حَتَّى جئناه فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ سمعنَا صَوتا خلفنا مَا ظننا أَنه بقى بتهامة أحدا فوقعنا مغشيا علينا حَتَّى قضى صلَاته وَرجع إِلَى أَهله ثمَّ تواعدنا لَيْلَة أُخْرَى فَجِئْنَا حَتَّى إِذا رَأَيْنَاهُ جَاءَت الصَّفَا والمروة فحالت بَيْننَا وَبَينه وَمن ذَلِك الْقِصَّة الْمَشْهُورَة الَّتِي تؤذن بالكفاية التَّامَّة وَذَلِكَ أَن قُريْشًا اجْتمعت على قَتله وبيتوا ليدخلوا عَلَيْهِ بَيته فَعلم بهم

стр. 324

فَقَالَ لعَلي تحول على فِرَاشِي فَفعل ثمَّ خرج عَلَيْهِم ودر التُّرَاب على رؤوسهم فَلم يروه حَتَّى دخلُوا الْبَيْت فوجدوا عليا على فرَاشه فَقَالُوا لَهُ أَيْن صَاحبك فَقَالَ لَهُم قد خرج عَلَيْكُم وَقد جعل التُّرَاب على رؤوسكم فَمد كل وَاحِد مِنْهُم يَده على رَأسه فَوجدَ التُّرَاب على رَأسه وَقد قيل أَن فِي هَذِه الْقِصَّة نزل قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين﴾ وَمن ذَلِك مَا اتّفق لأبي جهل وَذَلِكَ أَنه أَخذ ابل رجل من الْعَرَب وتعدى عَلَيْهِ فِيهَا فَشكى ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَمشى رَسُول الله ﷺ لمنزل أبي جهل وَصَاح بِهِ فَخرج منتقعا لَونه فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ رد على هَذَا إبِله فَقَالَ نعم ثمَّ دخل مرّة أُخْرَى خَائفًا فصاح بِهِ فَخرج فَزعًا متغيرا ذليلا فَفعل ذَلِك ثَلَاثًا ثمَّ خرج فَزعًا ممتقعا لَونه فَانْصَرف الْأَعرَابِي وألان القَوْل للنَّبِي ﷺ فَلَامَتْهُ قُرَيْش على ذَلِك فَقَالَ لَهُم إِنَّه عرض لي دونه فَحل من الْإِبِل مَا رَأَيْت مثل هامته وَلَا أنيابه لفحل قطّ وَأَنه هم بِي ليأكني فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَقَالَ ذَلِك جِبْرِيل وَلَو دنا مِنْهُ لأَخذه وَكَذَلِكَ أَخذ أَبُو جهل صَخْرَة ليطرحها على النَّبِي ﷺ وَهُوَ ساجد وقريش ينظرُونَ فلزقت بِيَدِهِ ويبست يَدَاهُ إِلَى عُنُقه فَرجع الْقَهْقَرِي وَرَآهُ ثمَّ سَأَلَ أَن يَدْعُو لَهُ فَفعل فَانْطَلَقت يَدَاهُ وَكَذَلِكَ تواعد مرّة أُخْرَى مَعَ قُرَيْش لَئِن رأى مُحَمَّدًا يُصَلِّي ليطأن رقبته فَلَمَّا دخل النَّبِي ﷺ فِي الصَّلَاة أعلموه فَأقبل نَحوه فَلَمَّا قرب مِنْهُ ولى هَارِبا ناكصا على عَقِبَيْهِ متقيا بيدَيْهِ فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ لما دَنَوْت مِنْهُ أشرفت على خَنْدَق مَمْلُوء نَارا كدت أهوي فِيهِ وأبصرت هولا عَظِيما وخفق أَجْنِحَة قد مَلَأت الأَرْض فَقَالَ ﵇ تِلْكَ الْمَلَائِكَة لَو دنى لَاخْتَطَفَتْهُ عضوا عضوا فَأنْزل الله تَعَالَى على النَّبِي ﷺ ﴿كلا إِن الْإِنْسَان ليطْغى أَن رَآهُ اسْتغنى﴾ إِلَى أخر السُّورَة

стр. 325

وَمن ذَلِك حَدِيث شيبَة أَنه أدْرك النَّبِي ﷺ يَوْم حنين فَقَالَ الْيَوْم أدْرك ثَأْرِي من مُحَمَّد وَكَانَ حَمْزَة قد قتل أَبَاهُ وَعَمه فَأَتَاهُ من خَلفه قَالَ فَلَمَّا دَنَوْت مِنْهُ ارْتَفع إِلَى شواظ من نَار أسْرع من الْبَرْق فوليت هَارِبا وأحس بِي النَّبِي ﷺ فدعاني فَوضع يَده على صَدْرِي وَهُوَ أبْغض الْخلق إِلَى فَمَا رَفعهَا أَلا وَهُوَ أحب الْخلق إِلَيّ وَمن ذَلِك حَدِيث فضَالة بن عبيد قَالَ أردْت قتل النَّبِي ﷺ وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ فَلَمَّا دَنَوْت مِنْهُ قَالَ أفضالة قلت نعم قَالَ مَا كنت تحدث بِهِ نَفسك قلت لَا شَيْء فَضَحِك واستغفر لي وَوضع يَده على صَدْرِي فسكن قلبِي فوَاللَّه مَا رَفعهَا حَتَّى مَا خلق الله شَيْئا أحب إِلَيّ مِنْهُ وَمن ذَلِك خبر عَامر بن الطُّفَيْل وأربد بن قيس وَذَلِكَ أَنَّهُمَا وَفْدًا على رَسُول الله ﷺ ليقتلاه فَقَالَ عَامر لأربد أَنا أشغل عَنْك وَجه مُحَمَّد فَاضْرب أَنْت فَلم يفعل أَرْبَد من ذَلِك شَيْئا فَلَمَّا كَلمه عَامر فِي ذَلِك قَالَ لَهُ وَالله مَا هَمَمْت أَن أضربه إِلَّا وَجَدْتُك بيني وَبَينه أفأضربك وَمن ذَلِك الْخَبَر الْمَشْهُور خبر سراقَة وَذَلِكَ أَن رَسُول الله ﷺ لما خرج من مَكَّة مُهَاجرا للمدينة لم يعلمُوا بِخُرُوجِهِ فَبعثت قُرَيْش فِي طلبه فِي كل وَجه حَتَّى جعلت لمن يَأْتِي بِهِ جعلا مائَة نَاقَة قَالَ سراقَة فَبينا أَنا جَالس فِي نَادِي قومِي إِذْ أقبل رجل فَقَالَ وَالله لقد رَأَيْت ركبة ثَلَاثَة مروا على آنِفا إِنِّي لأراه مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه قَالَ فأومأت لَهُ يَعْنِي أَن أسكت ثمَّ قلت إِنَّهُم بَنو فلَان يَبْتَغُونَ ضَالَّة لَهُم قَالَ لَعَلَّه قلت فَمَكثت قَلِيلا ثمَّ قُمْت فَدخلت بَيْتِي ثمَّ أمرت بفرسي فقيد لي إِلَى بطن الْوَادي وَأمرت بسلاحي فَأخْرج لي من دبر حُجْرَتي وَكنت أَرْجُو أَن أرده على قُرَيْش وآخذ الْمِائَة نَاقَة قَالَ فركبت فِي أَثَره فَلَمَّا بدا لي الْقَوْم فرأيتهم عثر بِي فرسي وَذَهَبت يَدَاهُ فِي الأَرْض وَسَقَطت عَنهُ قَالَ ثمَّ انتزع يَدَيْهِ من الأَرْض وتبعهما دُخان كالإعصار قَالَ

стр. 326

فَعرفت حِين رَأَيْت ذَلِك أَنه قد امْتنع مني وَأَنه ظَاهر قَالَ فناديت الْقَوْم أَنا سراقَة انظروني حَتَّى أكلمكم فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر وَمَا تبتغي منا قَالَ قلت كتابا يكون آيَة بيني وَبَيْنكُم فَكتب لَهُ أَبُو بكر بِأَمْر رَسُول الله ﷺ فأمسكه عِنْده حَتَّى كَانَ يَوْم الطَّائِف وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة والحكايات صِحَاح شهيرة لَا يُمكن جَحدهَا وَلَا يُنكر حُصُول الْعلم عِنْدهَا بل كلهَا تدل على صِحَة نبوته وتصديق شَرِيعَته وَأَنه كَمَا قَالَ الله ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل﴾ ومعجزاته ﷺ أَكثر من أَن يُحِيط بهَا هَذَا الْكتاب أَو تدخل تَحت عد وحساب وَعند الْوُقُوف على مَا تضمنته الْفُصُول الْمُتَقَدّمَة والأبواب السَّابِقَة يحصل الْعلم الضَّرُورِيّ بصدقه فِي رسَالَته وبوجوب اتِّبَاع شَرِيعَته ومنكر ذَلِك معاند متواقح جَاحد ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ وَقد نجز غرضنا من هَذَا الْبَاب فَإِن قَالَ قَائِل من النَّصَارَى والمخالفين لنا مَا ذكرتموه من معجزات نَبِيكُم إِنَّمَا يثبت عنْدكُمْ من أَخْبَار الْآحَاد وَهِي وَإِن كَانَت صحاحا فَلَا يحصل بهَا الْعلم كَمَا كُنْتُم قدمتم حَيْثُ تكلمتم مَعَ النَّصَارَى حِين استدلوا على إِثْبَات نبوة مسيحهم فَإِنَّكُم قُلْتُمْ لَا نقبل فِي مثل هَذَا الْموضع خبر من تجوز الْعَادة عَلَيْهِ الْكَذِب والغلط وَإِنَّمَا نقبل فِيهَا خبر من لَا تجوز عَلَيْهِم الْعَادة الْكَذِب والغلط وَهُوَ الْخَبَر الْمُتَوَاتر ثمَّ إِنَّكُم قبلتم هُنَا أَخْبَار من تجوز الْعَادة عَلَيْهِم الْغَلَط وَالْكذب وَهِي أَخْبَار الْآحَاد فقد خالفتم مَا أصلتم وقبلتم عين مَا أنكرتم قُلْنَا فِي الْجَواب عَن ذَلِك اعْلَم أَيهَا الْمُعْتَرض أَنا لم نقبل فِي هَذَا الْبَاب أَلا الْأَخْبَار المتواترة الَّتِي يحصل الْعلم بهَا لَكِن يَنْبَغِي أَن

стр. 327

تعلم أَن الْمُتَوَاتر ضَرْبَان ضرب يتواتر لَفظه وَمَعْنَاهُ وَذَلِكَ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ فَإِن هَذَا اللَّفْظ نعلم قطعا ويقينا أَن نَبينَا مُحَمَّدًا ﷺ قَالَه كَمَا تلوناه من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان إِذْ قد نَقله عَنهُ الجم الْغَفِير عَن الجم الْغَفِير فَلَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ وَجه من وُجُوه الشَّك فَلَا يقدر أحد أَن يتشكك فِي لَفظه وَلَا فِي مَعْنَاهُ وَكثير من معجزات النَّبِي ﷺ الْمُتَقَدّمَة الذّكر من هَذَا الْقَبِيل فَهَذَا هُوَ الضَّرْب الأول وَأما الضَّرْب الآخر وَهُوَ متواتر مَعْنَاهُ دون لَفظه فَيحصل الْعلم أَيْضا بذلك الْمَعْنى وَذَلِكَ مثل أَن تتوارد رِوَايَات كَثِيرَة من أَخْبَار الْآحَاد الصِّحَاح على معنى وَاحِد بِأَلْفَاظ مُتَغَايِرَة وحكايات مُخْتَلفَة مِثَال ذَلِك أَنا نجد من أَنْفُسنَا علما قَطْعِيا بشجاعة على بن أبي طَالب ﵁ فَإِذا نَظرنَا فِي الْخَبَر الَّذِي حصل لنا الْعلم بشجاعته لم نجده خَبرا وَاحِدًا متواترا وَإِنَّمَا وَجَدْنَاهُ جملَة أَخْبَار آحَاد تواردت على معنى وَاحِد وَهُوَ الشجَاعَة فَتسمع عَنهُ يَوْمًا أَنه فعل يَوْم خَيْبَر كَذَا وَفعل يَوْم حنين كَذَا وَيَوْم صفّين كَذَا وَيَوْم الْجمل كَذَا فَلَا تزَال أَخْبَار الْآحَاد تكْثر حَتَّى يضْطَر السَّامع إِلَى الْعلم بمخبرها وَلَا يقدر على تشكيك نَفسه فِي شَيْء مِنْهَا وَهَذَا مَسْلَك فِي تَحْصِيل الْعلم إِذا تفقده الْعَاقِل الْمنصف من نَفسه وجده مُفِيدا للْعلم ومحصلا لَهُ ضَرُورَة وَمن أنكر حُصُول الْعلم مِنْهُ كَانَ مُنْكرا لما هُوَ ضَرُورِيّ فَإِذا ثَبت هَذَا قُلْنَا بعده إِن مَا نَقَلْنَاهُ من معجزات نَبينَا ﵇ مِنْهَا مَا تَوَاتر لَفظه وَمَعْنَاهُ كإنشقاق الْقَمَر وَغَيره وَمِنْهَا مَا تَوَاتر مَعْنَاهُ وَهُوَ أَكثر مَا احتوت عَلَيْهِ الْفُصُول الْمُتَقَدّمَة وَذَلِكَ أَن كل فصل مِنْهَا اشْتَمَل على معنى وَاحِد وَكَثُرت الْأَخْبَار عَن ذَلِك الْمَعْنى حَتَّى أضطر الْوَاقِف عَلَيْهَا إِلَى الْعلم بمعناها وَذَلِكَ مثل نبع المَاء من بَين أَصَابِعه وتكثير المَاء الْقَلِيل وَالطَّعَام الْقَلِيل إِلَى غير ذَلِك من الْفُصُول فَكل فصل مِنْهَا قد تَوَاتر مَعْنَاهُ وَإِن لم تتواتر آحَاد أَلْفَاظه

стр. 328

ثمَّ هَذِه الْفُصُول بجملتها يحصل مِنْهَا الْعلم الْقطعِي وَالْيَقِين الضَّرُورِيّ بِأَن مُحَمَّدًا ﷺ كَانَت الْعَادَات تنخرق على يَدَيْهِ معْجزَة لَهُ إِذْ قد تواردت جَمِيع أَخْبَار هَذِه الْفُصُول على هَذَا الْمَعْنى فَحصل من هَذَا أَنا لم نستدل على إِثْبَات نبوة نَبينَا مُحَمَّد بأخبار الْآحَاد وَإِنَّمَا استدللنا على ذَلِك بالأخبار المتواترة المحصلة للْعلم والحمدلله وَالنَّصَارَى فِيمَا أوردوا لم يستدلوا هَكَذَا وَلَا عِنْدهم علم من هَذَا وَكفى أَنهم فِي ضلالتهم يعمهون وَفِي شكهم يَتَرَدَّدُونَ عصمنا الله من الْخَطَأ والزلل فِي القَوْل وَالْعَمَل بكرمه وجوده الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي مَا ظهر على أَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ لَهُم من الكرامات الخارقة للعادات أعلم أَن غرضنا فِي إِثْبَات هَذَا الْفَصْل شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن نبين أَن مَا ظهر على أَصْحَابه وعَلى أهل دينه من الكرامات هُوَ آيَة لرَسُول الله ﷺ من أعظم الْآيَات وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى إِذا أكْرم وَاحِدًا مِنْهُم بِأَن خرق لَهُ عَادَة فَإِن ذَلِك يدل على أَنه على الْحق وَأَن دينه حق إِذْ لَو كَانَ مُبْطلًا فِي دينه مُتبعا لمبطل فِي دَعْوَاهُ كَاذِب فِي قَوْله على الله لما أكْرمه الله وَلَا أكْرم من اتبع دينه فعلى هَذَا نقُول إِن كل كَرَامَة لولى إِنَّمَا هِيَ آيَة للنَّبِي الَّذِي يتبعهُ ذَلِك الْوَلِيّ فَهَذَا أحد الغرضين وَهُوَ أهمهما وَالْغَرَض الثَّانِي أَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَإِن كَانُوا قد أكْرمهم الله بكرامات خارقة للعادات فَلَا يعْتَقد فيهم أَنهم أَنْبيَاء كَمَا فعلت النَّصَارَى بالحواريين بل يعْتَقد فيهم أَنهم أَوْلِيَاء الله وَأَصْحَاب رَسُول الله تلقوا عَن رَسُول الله ﷺ شَرعه وبلغوا عَنهُ قَوْله وَفعله فبذلوا فِي إِظْهَار دين الله أنفسهم وَأَمْوَالهمْ حَتَّى أظهر الله على كل الْأَدْيَان دينهم وَإِيمَانهمْ

стр. 329

كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود﴾ وَنحن الْآن نذْكر بعض مَا أكْرمه الله تَعَالَى بِهِ من ذَلِك مَا علمنَا من أَحْوَالهم على الْقطع وَذَلِكَ أَنهم بعد موت رَسُول الله ﷺ تعرضوا لقِتَال كل من خالفهم من أهل الأَرْض يهوديهم ونصرانيهم مجوسيهم ووثنيهم عربيهم وعجميهم على قلَّة عَددهمْ ونزارة عَددهمْ فقارعوا الْأَبْطَال وَسبوا الذرارى وَالْأَمْوَال وأسروا العتاة وَقتلُوا الرِّجَال وعَلى هَذَا انقرض عصرهم وَمَعَ ذَلِك فَلم يرو قطّ عَنْهُم أَنهم ولوا مُدبرين وَلَا رجعُوا منهزمين بل كَانُوا يرجعُونَ غَالِبين وبعدوهم ظافرين وَعَلَيْهِم ظَاهِرين هَذَا مَعَ كَثْرَة من كَانَ يجْتَمع عَلَيْهِم من عدوهم وَمن وقف على فتوحات الشَّام علم أَن دين الْحق هُوَ دين الْإِسْلَام فَلَقَد اجْتمع عَلَيْهِم من عدوهم بِالشَّام ثَلَاث مائَة ألف وَنَحْوهَا بل قد قَالَ الْوَاقِدِيّ ثَمَان مائَة ألف من النَّصَارَى المستعربة وَغَيرهم وهم زهاء ثَلَاثِينَ ألف خيلهم ورجلهم فقارعوهم مقارعة الْكِرَام وصبروا صَبر من صدق مَا وعده بِهِ نبيه مُحَمَّد ﵊ فأظفرهم الله عَلَيْهِم ومنحهم رقابهم وأورثهم أَمْوَالهم وديارهم وَهَكَذَا فعل الله مَعَهم غير مَا مرّة وَلَا يشك فِي أَن هَذَا كَرَامَة من الله لَهُم وَأمر خارق للْعَادَة فِي حَقهم فَإِن الْعَادة أَن من أَكثر من مقارعة الشجعان فَلَا بُد لَهُ من أَن يصاب وَلَو فِي وَقت من الزَّمَان وَمَا اتّفق لَهُم وَإِن كَانَ كَرَامَة لَهُم فَهُوَ آيَة لرَسُول الله ﷺ وَأَنه قد كَانَ بشرهم بذلك وَأخْبرهمْ بِكُل مَا طَرَأَ لَهُم هُنَالك فقد ثَبت أَنه ﵇ قَالَ تغزو قيام من النَّاس فَيُقَال لَهُم هَل فِيكُم من رأى رَسُول الله ﷺ فَيَقُولُونَ نعم فَيفتح لَهُم ثمَّ تغزو قيام من النَّاس فَيُقَال لَهُم هَل فِيكُم من رأى من رأى رَسُول الله ﷺ فَيَقُولُونَ نعم

стр. 330

فَيفتح لَهُم ثمَّ تغزو قيام فَيُقَال لَهُم هَل فِيكُم من رأى من رأى من رأى رَسُول الله ﷺ فَيُقَال نعم فَيفتح لَهُم وَهَذَا مِنْهُ ﷺ إِخْبَار بنصر أَصْحَابه وَنصر تابعيهم وتابعي تابعيهم ثَلَاثَة قُرُون وَهَذِه الْأَعْصَار هَكَذَا انقرضت لم يزل نصر الله لَهُم وعونه مَعَهم تَصْدِيقًا لنَبيه وإكراما لأَصْحَابه ﵃ وجازاهم عَنَّا بِأَفْضَل مَا جازى أحدا عَن أحد وَمن ذَلِك مَا ظهر على أحد مِنْهُم مِمَّا قدمنَا ذكره حَيْثُ ذكرنَا أَن طَائِفَة مِنْهُم أكلت السم مَعَ رَسُول الله ﷺ فَلم يَضرهَا وَقد ذكرنَا حَدِيث الْمَرْأَة المهاجرة الَّتِي مَاتَ ابْنهَا فَقَالَت اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي هَاجَرت إِلَيْك وَإِلَى نبيك فَلَا تحملنِي هَذِه الْمُصِيبَة فحيى وَأكل مَعَهم وَكَذَلِكَ ذكرنَا مقَالَة ثَابت بن قيس بن شماس بعد مَوته وَكَلَام زيد بن خَارِجَة بعد مَوته فِيمَا تقدم فَلَا معنى لاعادته فَلْتنْظرْ فِيمَا تقدم وَمن ذَلِك خبر ابْن عمر ﵁ أَنه كَانَ فِي بضع أَسْفَاره فلقى جمَاعَة وقفُوا على الطَّرِيق خوفًا من السَّبع فطرد السَّبع عَن طريقهم ثمَّ قَالَ إِنَّمَا يُسَلط الله على ابْن آدم مَا يخافه وَلَو أَنه لم يخف غير الله لم يُسَلط عَلَيْهِ شَيْء وَمن ذَلِك حَدِيث الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ بَعثه رَسُول الله ﷺ فِي غزَاة فحال بَينهم وين الْموضع الَّذِي يريدونه قطة من الْبَحْر فَدَعَا الله بإسمه الْأَعْظَم وَمَشوا على المَاء وَمن ذَلِك أَن عباد بن بشيرأوأسد بن خضير خرجا من عِنْد رَسُول الله ﷺ فأضاء لَهما رَأس عَصا أَحدهمَا كالسراج وَقد قدمنَا مثل هَذَا وَمن ذَلِك أَن سلمَان أَو أَبَا الدَّرْدَاء كَانَت بَينهمَا قَصْعَة فسبحت حَتَّى سمعا تسبيحها وَقد تظاهرت الْأَخْبَار بِأَن جمَاعَة مِنْهُم رَأَوْا الْمَلَائِكَة وَكَانَت تسلم عَلَيْهِم مثل عمرَان بن حُصَيْن واسيد ابْن حضير وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة

стр. 331

وَأما التابعون فقد ظَهرت لَهُم من الكرامات والخيرات مَا لَا يُمكن اسْتِيفَاء ذكره فِي هَذَا الْكتاب فقد كَانَ كثير مِنْهُم يمشي على المَاء ويطير فِي الْهَوَاء وَينظر إِلَى الْحَصَى فَيصير جَوَاهِر وَينظر الآخر إِلَى الأَرْض بَين يَدَيْهِ فَيصير ذَهَبا وتطوى لَهُ الأَرْض وَيتَوَضَّأ فيسيل المَاء من بَين يَدَيْهِ قضبان ذهب وَيَدْعُو الله تَعَالَى فيبرئ المرضى والمجانين والزمناء إِلَى مَا لَا يُحْصى كَثْرَة وَقد دون من هَذَا كثير يقْضى مِنْهُ الْعجب فِي كتب كرامات الْأَوْلِيَاء وَلَو لم يكن من هَذَا إِلَّا قبر مَعْرُوف الْكَرْخِي الْكَائِن بِبَغْدَاد لَكَانَ فِيهِ كِفَايَة وَأعظم آيَة وَذَلِكَ أَن قَبره يستشفى بِهِ ويدعى الله عِنْده فيشفى الْمَرِيض وتقضى الْحَاجة حَتَّى أَن أهل بَغْدَاد يَقُولُونَ قبر مَعْرُوف الْكَرْخِي ترياق مجرب وَبعد هَذَا أَقُول لِلنَّصَارَى وَلَيْسَت هَذِه الْأُمُور العجيبة وَالْأَفْعَال الغريبة من قبيل الْحِيَل والنيرجات الَّتِي تعظمون بهَا أديانكم وتموهون بهَا على عوامكم وتضيفونها إِلَى هذيانكم فَلَقَد حكى لنا أَنكُمْ تمخرقون على ضعفاء الْعُقُول مِنْكُم بخرافات وترهات مثل مَا وصف عَن بعض مشاهدكم المعظمة عنْدكُمْ وَذَلِكَ أَنكُمْ تَزْعُمُونَ أَن يَد الله الْمَسِيح تظهر بهَا فِي يَوْم وَاحِد من السّنة من وَرَاء ستر وَهَذَا مَشْهُور عنْدكُمْ وَلَقَد حكى لنا من يوثق بحَديثه أَن رجلا من الْيَهُود كَانَ قد حظى عِنْد أحد رؤسائكم بالأندلس بوصلة كَانَت بَينهمَا فرام الرئيس أَن يخرج الْيَهُودِيّ عَن دينه ويدخله فِي دين النَّصْرَانِيَّة وَقَالَ لَهُ أَلا ترى هَذِه الأعجوبة ظُهُور يَد الله الْمَسِيح لنا فِي يَوْم مَعْلُوم من السّنة فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيّ يَا مولَايَ أَنا قد رضيت من هَذَا الْأَمر بشهادتك وصدقتك عَلَيْهِ فابحث عَنهُ فَإِن كَانَ مَا يزْعم هَؤُلَاءِ القسيسون حَقًا دخلت فِي دينك فخالط الرئيس الشَّك فَلَمَّا دنا ذَلِك الْيَوْم مَشى ذَلِك

стр. 332

الرئيس إِلَى ذَلِك المشهد وَقرب مَالا يهديه هُنَالك فبرز إِلَيْهِ الأساقفة وقربوه لتقبيل الْيَد فَلَمَّا ظهر لَهُ من وَرَاء السّتْر وضع يَده فِيهِ فصاحوا بِهِ وأغلظوا لَهُ القَوْل يَقُولُونَ لَهُ أتق الله الْآن تخسف بك الأَرْض الْآن تقع عَلَيْك السَّمَاء الْآن ترسل عَلَيْك الصَّوَاعِق فَقَالَ لَهُم دعوا عَنْكُم هَذَا كُله فَإِن هَذِه الْيَد لَا أخل يدى عَنْهَا حَتَّى أعلم حَقًا مَا تصفون عَنْهَا أم بَاطِلا فَلَمَّا رَأَوْا الْحجَّة فروا عَنهُ وَلم يبْق مَعَه إِلَّا إثنان أسرا إِلَيْهِ وَقَالا لَهُ مَا تبغى فِي ذَلِك أَصَبَوْت عَن دين آبَائِك أَتُرِيدُ أَن تحل ربطا ربط مُنْذُ ألف سنة أَو نَحْوهَا قَالَ لَا وَلَكِنِّي أحب الْوُقُوف على سر هَذِه الْيَد فَقَالَا هِيَ يَد الأسقف وَاقِف خلف هَذَا السّتْر فَقل احب أَن أرَاهُ فَقَالَا أَنْت وَذَاكَ فكشفا لَهُ عَن قس مجدود الْخَدين وَاقِف خلف هَذَا السّتْر فَلَمَّا عاينه الرئيس أرسل يَده وَخرج إِلَى عسكره فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيّ يَا مولَايَ مَا تَأْمُرنِي بِهِ أَدخل فِي دينك وَأخرج عَن ديني فَقَالَ لَهُ رَأْيك خرجت مِنْهُ أَو فَلَا خرجت وَكَذَلِكَ وصف لنا عَن صَلِيب فِي بعض مشاهدكم المعظمة عنْدكُمْ يمشي إِلَيْهِ النَّاس ليتعجبوا مِنْهُ وَهُوَ وَاقِف بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَإِن بعض رؤسائكم سَأَلَ عَن ذَلِك كَاتبا لَهُ يَهُودِيّا فتفطن الْيَهُودِيّ إِلَى أَن ذَلِك الصَّلِيب حَدِيد تمسكه أَحْجَار المغناطيس فبحث عَنهُ فَوجدَ كَذَلِك وَكَذَلِكَ وصف عَن الثريا الَّتِي فِي كَنِيسَة الْغُرَاب وحيلتها حِيلَة الصَّلِيب وَكَذَلِكَ كُنْتُم تذكرُونَ أَن هَذَا الْكَنِيسَة ينزل فِيهَا نور يُوقد ذبال الثريا الْمَذْكُورَة فِي ذَلِك الْيَوْم الْمَشْهُود فَذكر ذَلِك لأحد مُلُوك بني أُميَّة بالأندلس فتعجب من ذَلِك وَسَأَلَ عَن ذَلِك فَأخْبرهُ رجل من أهل إفريقية بحيلتها وَذكر أَنهم مدوا مَعَ الْحَائِط قَصَبَة حَدِيد ضيق جوفها وأبرزوا لَهَا أنبوبا كسم الْخياط مَوْضِعه مَوْزُون مَعَ طرف الثريا ثمَّ أَنهم ذَلِك الْيَوْم يرسلون نَار النفط فِي القصبة متراكما حَتَّى يخرج فِي غَايَة الْقُوَّة إِلَى ذبال الثريا الَّذِي هُوَ فِي زنة وَاحِدَة مَعَه

стр. 333

وَوصف ذَلِك الإفْرِيقِي مَعَ ذَلِك حيلا فاحتال ذَلِك الْأَمِير على الْكَنِيسَة فِي أحد غَزَوَاته وَقد دنا يَوْمهَا ذَلِك فدعى الإفْرِيقِي وَكَانَ مَعَه فَسَأَلَهُ كشف ذَلِك فَعمد الإفْرِيقِي فاستخرج مِنْهُ قناة من الصفر على نَحْو مَا كَانَ ذكر وَعمد إِلَى سَمَاء الثريا فاستخرج مِنْهُ حجرا من المغناطيس فَسَقَطت فَأمر الْأَمِير عِنْد ذَلِك بمعاقبة القسيس وَكَذَلِكَ كُنْتُم تَزْعُمُونَ أَن مَرْيَم نزلت من السَّمَاء على دون إِذْ فنتش المطران بِجَامِع طليطله وكست رَأسه بقجيلة وجسمه بِثِيَاب مزينة وَذَلِكَ فِي لَيْلَة النّصْف من شهر أغشت فتعظمون تِلْكَ اللَّيْلَة تَعْظِيمًا شنيعا وَذَلِكَ كُله إِنَّمَا يَصح عَلَيْكُم لجهلكم بالأمور كلهَا حَقّهَا وباطلها حَتَّى أَنكُمْ تصدقُونَ بِالْبَاطِلِ والترهات وتكذبون بِالْحَقِّ كُله وباليقينيات فردكم لغير معنى وقبولكم لغير معنى فَلذَلِك لم تعدوا من الْعُقَلَاء وَلم تضربوا بِسَهْم النبلاء وَلَقَد أورد بعض حذاقنا المجترئين على الْكَلَام على النَّصَارَى فِي كذبهمْ نزُول مَرْيَم على دون إِذْ فنش إلزامات نبهت النَّصَارَى وَلَا محيص لَهُم عَنْهَا فَقَالَ لَهُم أخبرونا عَن نزُول مَرْيَم الَّذِي تَزْعُمُونَ هَل كَانَ بِإِذن سَيِّدهَا أَو بِغَيْر إِذْنه فَإِن قُلْتُمْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَكيف يجوز عَلَيْهِ أَن يمتهن أم وَلَده بزعمكم فِي حق عَبده وهلا كَانَ يُرْسل عبدا من عبيده ويصون أم وَلَده هَذَا يدل على عدم الْغيرَة وَلَو فعل ذَلِك الْوَاحِد منا لعرض نَفسه وَزَوجته للتهم ولتضاف إِلَيْهِ النقائص وينسب إِلَى همته الخسة وَإِن قُلْتُمْ كَانَ ذَلِك بِغَيْر إِذن مِنْهُ فَكيف يَنْبَغِي أَن تخونه مَعَ أَن الله قد اصطفاها على نسَاء الْعَالم واتخذها أم ولد بزعمكم فتنزل بِغَيْر إِذْنه إِلَى رجل من جِنْسهَا بكسوة وَثيَاب مزينة فِي كَنِيسَة خَالِيَة وَهَذَا مَحل خِيَانَة

стр. 334

تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا وسبحانه عَمَّا ينْسب إِلَيْهِ الجاهلون بكرَة وَأَصِيلا وَأَسْتَغْفِر الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم وأسأله التَّوْبَة من حِكَايَة هَذِه القبائح وَمن رِوَايَة هَذِه الفضائح فَالْحَمْد لله الَّذِي أعاذ الْإِسْلَام من هَذِه الرذائل وَخَصه بِكُل الْفَضَائِل الَّتِي يستحسنها كل عَاقل ويتدين بهَا كل فَاضل ويتميز عِنْدهَا الْحق من الْبَاطِل انْتهى الْجُزْء الثَّالِث من كتاب الْإِعْلَام بِمَا فِي دين النَّصَارَى من الْفساد والأوهام وَإِظْهَار محَاسِن دين الْإِسْلَام وَإِثْبَات نبوة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ ويليه الْجُزْء الرَّابِع بِإِذن الله وأوله الْبَاب الرَّابِع فِي بَيَان أَن النَّصَارَى متحكمون فِي أديانهم وَأَنَّهُمْ لَا مُسْتَند لَهُم فِي أحكامهم إِلَّا مَحْض أغراضهم وأهوائهم

стр. 335

الْإِعْلَام بِمَا فِي دين النَّصَارَى من الْفساد والأوهام وَإِظْهَار محَاسِن دين الْإِسْلَام وَإِثْبَات نبوة نَبينَا مُحَمَّد ﵊ تأليف الإِمَام الْقُرْطُبِيّ تَقْدِيم وَتَحْقِيق وَتَعْلِيق الدكتور أَحْمد حجازي السقا الْجُزْء الرَّابِع

стр. 336

الْبَاب الرَّابِع فِي بَيَان أَن النَّصَارَى متحكمون فِي أديانهم وَأَنَّهُمْ لَا مُسْتَند لَهُم فِي أحكامهم إِلَّا مَحْض أغراضهم وأهوائهم هَذَا الْبَاب يشْتَمل على صدر وفنين الصَّدْر وَفِيه فصلان والفن الثَّانِي فِيهِ فصلان

стр. 337

الْفَصْل الأول لَيست النَّصَارَى على شَيْء اعْلَم أَيهَا الْعَاقِل وفقك الله أَن النَّصَارَى أَضْعَف النَّاس عقولا وَأَقلهمْ فطنة وتحصيلا فهم لذَلِك يَعْتَقِدُونَ فِي الله المحالات وَيُنْكِرُونَ الضروريات ويستندون فِي أحكامهم إِلَى الخرافات فَتَارَة يسندون قضاياهم إِلَى منامة رأوها أَو خرافة سمعوها وَمَا وعوها وَأُخْرَى تحكم فيهم متقسس جَاهِل بمحض الْجَهْل والهوى والأباطل من غير أَن يسْتَدلّ على جَوَاز شَيْء مِمَّا يُرِيد أَن يفعل من الأفاعيل لَا بتوراة وَلَا بإنجيل بل قد يعرض عَن نُصُوص الْكِتَابَيْنِ ويتأولهما تَأْوِيل منسلخ عَن الملين وَرُبمَا تنزل بهم عِظَام النَّوَازِل فيجتمعون لَهَا فِي المحافل فيتحكمون بأهوائهم وَيَقُولُونَ فِيهَا بآرائهم فيحلون مَا حرم الله ويحرمون مَا أحل الله ﴿افتراء على الله قد ضلوا وَمَا كَانُوا مهتدين﴾ وَنحن نبين ذَلِك ونستدل عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى على طَريقَة الْإِنْصَاف من غير اعتساف فَأَما كَونهم يَعْتَقِدُونَ فِي الله المحالات وَيُنْكِرُونَ الضروريات فقد بَيناهُ فِيمَا تقدم فَمن أَرَادَ أَن يعرف ذَلِك فليعد نظرا هُنَالك وَأما كَونهم يستندون فِي أحكامهم إِلَى الترهات والمنامات فَيدل عَلَيْهِ مَا حكيناه فِيمَا تقدم من خبر بولش فَإِنَّهُ احتال عَلَيْهِم حَتَّى صرفهم عَن دين الْمَسِيح وَقَوْلهمْ من الْمذَاهب والآراء كل قَبِيح فصرفهم عَن قبلتهم وَأحل لَهُم مَا حرم عَلَيْهِم وَفرق جَمَاعَتهمْ وشتت كلمتهم فتم لَهُ كل مكر على كل غبي غمر وَقد قدمت حَدِيثه فِي بَاب النبوات على الْوَفَاء وَكَذَلِكَ خبر قسطنطين

стр. 338

ابْن هيلانة فَإِنَّهُ لما رأى ملكه يخْتل ونظامه لَا يَسْتَقِيم وَلَا يتَحَصَّل بإختلاف رَعيته عَلَيْهِ وَقلة إنقيادهم إِلَيْهِ جمع وزراؤه وشاورهم فَاجْتمع رَأْيهمْ أَن يتعبد الْقَوْم بِطَلَب دم وَأَن يشرع لَهُم شَرِيعَة ينسبها للمسيح فَكتب لَهُم مَا بِأَيْدِيهِم من الْإِنْجِيل أَو أَكْثَره وتعبدهم بالصلوبية وَشرع لَهُم ترك الْخِتَان وَغير ذَلِك من الْأَحْكَام الَّتِي وافقته وَجَاءَت على اخْتِيَاره وأكد ذَلِك بمنامة رَآهَا ذكر فها أَمر الصَّلِيب فتم لَهُ مُرَاده فيهم وَخَبره مَعْرُوف عِنْدهم وَعند غَيرهم وَقد قدمت بعضه فِي بَاب النبوات أَيْضا وَأما كَونهم يحكمون بآرائهم وأهوائهم فَيدل على ذَلِك مَا أودعوه كتب محافلهم وَمَا عَلَيْهِ الْآن مُعظم عَمَلهم وَمن طالع تِلْكَ الْكتب قضى من جهلهم وجرأتهم على الله كل عجب فَإِن قَالُوا إِنَّمَا نحكم بالمصالح وَهِي عندنَا أصل رَاجِح قُلْنَا لَهُم إِن كَانَت الْمصَالح عنْدكُمْ أصلا تعولون عَلَيْهِ وتسندون أحكامكم إِلَيْهِ فَمن الَّذِي أَصْلهَا لكم فَإِن كُنْتُم أصلتموها لأنفسكم فقد تحكمتم فِي الأَصْل وَالْفرع ثمَّ يلزمكم من هَذَا القَوْل الإستغناء عَن الشَّرَائِع وَأَن مَا شرع الله من الْأَحْكَام فِي التَّوْرَاة عَبث لَا معنى لَهُ وَلَا فَائِدَة إِذا فِي النّظر فِي الْمصَالح غنى عَنْهَا وَإِن كَانَ الْأَنْبِيَاء شرعوا لكم أصل الْمصَالح فَلَا بُد من الإستدلال على ذَلِك من كَلَامهم وَإِذا لم تستدلوا على ذَلِك فدعواكم بَاطِلَة وحجتكم داحضة ثمَّ نقُول لَهُم هَب أَن الْأَنْبِيَاء شرعوا لكم أصل الْمصَالح فَهَل شرعوا الْعَمَل بالمصالح كَيفَ مَا كَانَت الْمصلحَة مُطلقًا أَو عينوا لكم نوعا من الْمصَالح فَإِن كَانُوا قد عينوا فَيَنْبَغِي لكم أَلا تتعدوا مَا عين لكم الْأَنْبِيَاء فَمَا بالكم تسترسلون استرسال من يحكم بهواه وَلَا يخَاف الله وَلَا يخشاه وَإِن كَانُوا أطْلقُوا لكم القَوْل بالمصالح وَقَالُوا لكم مهما ظَهرت لكم مصلحَة كائنة مَا كَانَت فاعملوا بمقتضاها فَكَانَ يلْزم على هَذَا اسقاط كثير من أَحْكَام التَّوْرَاة بالمصالح والرأي كَمَا فعل بولش حَيْثُ قَالَ لَهُم هَل رَأَيْتُمْ سارحة تسرح من عِنْد رَبهَا وَلَا تخرج إِلَّا من حَيْثُ تُؤمر بِهِ قَالَ فَإِنِّي رَأَيْت الصُّبْح وَاللَّيْل وَالشَّمْس وَالْقَمَر والبروج إِنَّمَا تَجِيء من هَا هُنَا يَعْنِي الشرق وَمَا أوجب ذَلِك

стр. 339

إِلَّا وَهُوَ أَحَق الْوُجُوه أَن يصلى إِلَيْهِ قَالُوا لَهُ صدقت فردهم عَن اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس إِلَى اسْتِقْبَال جِهَة الشرق لهَذَا الهذيان ثمَّ قَالَ لَهُم بعد زمَان رَأَيْت رَأيا فَلَو قَالُوا هَات قَالَ لَهُم ألستم تَزْعُمُونَ أَن الرجل إِذا أهْدى إِلَى الرجل هَدِيَّة وأكرمه بالكرامة فَردهَا شقّ ذَلِك عَلَيْهِ وَأَن الله سخر لكم مَا فِي الأَرْض وَجعل مَا فِي السَّمَاء لكم كَرَامَة فَالله أَحَق أَلا ترد عَلَيْهِ كرامته فَمَا بَال بعض الْأَشْيَاء حرَام وَبَعضهَا حَلَال مَا بَين البقة إِلَى الْفِيل حَلَال قَالُوا صدقت وَهَذَا مَحْض الجراءة على الله والإفتراء على شرائع الله وَلم يصر قطّ أحد من المتشرعين إِلَى مثله وَيلْزم عَلَيْهِ أَن يكون كل من أَرَادَ أَن يشرع شرعا شَرعه فَيكون الْعُقَلَاء كلهم شارعين ويستغنى عَن رسل رب الْعَالمين وَهَذَا غَايَة الْكفْر والضلال وَهُوَ لَازم على مَذْهَب أُولَئِكَ الْجُهَّال فقد ظهر من هَذَا الْفَصْل أَنهم لَا يستندون إِلَى شَيْء وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا على شَيْء ﴿أَلا إِنَّهُم هم الْكَاذِبُونَ﴾

стр. 340

الْفَصْل الثَّانِي خُرُوج النَّصَارَى على تعاليم التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل أُرِيد أَن أبين فِي هَذَا الْفَصْل أَنهم يخالفون كتبهمْ وَلَا يعْملُونَ بمقتضاها بل يتركون الْعَمَل بهَا ابْتِدَاء وَيَقُولُونَ تأولناها وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى حرم فِي التَّوْرَاة أكل الْميتَة وَالدَّم وَالْخِنْزِير والنطيحة والموقوذة والمنخنقة والقردة والشحوم الَّتِي لَا تختلط بِاللَّحْمِ والأرانب والأسد والدب واللب وَالْفرس والبغل وَالْحمار وكل دَابَّة لَيست مشقوقة الْحَافِر وَمن الطير الْبَازِي وَالْعِقَاب وكل طير يَبْغِي بالمخالب وَمن حَيَوَان المآكل حوت لَيْسَ لَهُ سفانق هَذَا وَجَدْنَاهُ فِي كتبهمْ الَّتِي نقلنا مِنْهَا سفانق وَهُوَ تَصْحِيف مِنْهُم وَإِنَّمَا هُوَ سفاسق وَهِي الطرائق عِنْد الْعَرَب وَمِنْه قيل سفاسق السَّيْف وَهِي طرائقه وفرنده ذكره أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب المُصَنّف وَمنع حرث الثور مَعَ الْحمار وَحمل الْخَيل على الْحمير وَالْحمير على الْخَيل وطبخ الجدي فِي لبن أمه وَأخذ الطير فِي أعشاشها بفراخها وَأكل الجزارة المتلصقة رئتها وَأكل الْخبز المختمر فِي الفصوح وَلَا تقرب قرْبَان إِلَّا بِخبْز فطير وَمنع شحوم الْبَقر وشحم الشَّاة وَمنع قرْبَان الْحمام واليمام فَهَذِهِ الْمَذْكُورَات كلهَا مُحرمَة بنصوص التَّوْرَاة الَّتِي لَا تقبل التَّأْوِيل إِذْ قد عملت أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل على مقتضاها وَلم يُغيرُوا شَيْئا مِنْهَا وَكَذَلِكَ عِيسَى ﵇ لم يغيرها عَن مقتضياتها وَلَا نسخهَا بل أقرها بِالْعَمَلِ وَأمر بمقتضاها

стр. 341

وَأَن ادعوا نسخ شَيْء مِنْهَا طالبناهم بِدَلِيل النّسخ وَلَا يَجدونَ سَبِيلا إِلَى ذَلِك وَمَعَ ذَلِك فتركوا الْعَمَل بِمَا أَمر الله بِهِ وارتكبوا مَا نهى الله عَنهُ وَلَقَد وقفت على بعض كتبهمْ فِي الْفِقْه فَذكر هَذِه الْمُحرمَات مؤلفة ثمَّ تأولها بِزَعْمِهِ وَأَنا الْآن أذكر ماذكر فِي ذَلِك الْكتاب ليقضى الْعَاقِل من تواقحهم وجهلهم الْعجب العجاب وَيعلم أَنهم مفترون ويكذبون على رب الأرباب قَالَ ذَلِك الْجَاهِل بعد ذكر الْمُحرمَات فَهَذِهِ أَمْثِلَة ضربت فِي التَّوْرَاة الَّتِي هِيَ أم الْإِنْجِيل وَأول الْكتب كلهَا ففسر الْمَسِيح سيدنَا فِي الْإِنْجِيل حَيْثُ قَالَ لم آتٍ لنقض الْكتاب بل لتمامه فتمام الْكتاب التَّأْوِيل فَأَما الْميتَة فِي التَّوْرَاة فَإِنَّمَا نعنى بذلك أَلا تميتوا الْأَحْيَاء وَلَا تغموا الْحق فِي الشَّهَادَة وَلَا تَرفعُوا الطَّعَام وتمنعوه السَّائِل والجائع فَأَما الْميتَة والمنخنقة فَمَا فِي أكلهَا غِبْطَة لذِي عقل فَمن شَاءَ أكل وَمن شَاءَ ترك وَأما الدَّم فيعنى بِهِ أَلا يقتل أحد بَرِيئًا ويهريق دَمه وعنى بالخنزير الزِّنَا وَالْكفْر بِاللَّه إِذْ الْمَعْرُوف من الْخِنْزِير الإلتطاخ فِي المطائق فنهانا عَن فعله وَأما أكله فَمَا فِيهِ مَنْفَعَة وَلَا مضرَّة فَمن شَاءَ أكله وَمن شَاءَ تَركه وعنى بالنطيحة أَلا يتناطح ملك جَبَّار وفقير مِسْكين وعنى بالموقوذة أَلا تزدري بِمن هُوَ تَحت ظلم غَيْرك وعنى بالمنخنقة أَلا تخنق أحدا إِذا كَانَ لَك قبله حق فتضايقه وعنى بالقردة أَلا تحاكى أحدا فتفعل كفعلها وعنى بالدب واللب أَلا تَأْكُل مَعَ غَيْرك بالهجم والغارة وعنى بالأرانب أَلا تَفعلُوا فعل الأرانب فتكونوا كقوم لوط فَإِن الأرانب الذُّكُور يَأْتِي بَعْضهَا بَعْضًا لِكَثْرَة شهوتها وعنى بالبازي والشدانق وَالْعِقَاب وكل طير يبغى بمخلبه أَلا يقتل أحدا وَلَا يهريق دم أحد وَلَا يغلب أحدا على مَتَاعه وَلَا تحسد جارا فتفعل كفعلها وعنى بالدابة الَّتِي لَيست مشقوقة الْحَافِر الْكَفَرَة الَّذين يعْبدُونَ الْأَوْثَان ويسبحون لَهَا أَيَّام حياتهم وَلَا يقسمون أيامهم مشاطرة

стр. 342

وعنى بالحوت الَّذِي لَيْسَ لَهُ سفانق الْإِنْسَان المذنب الَّذِي يَتلون فِي دينه وعبادته وعنى بحرث الثور مَعَ الْحمار الْإِنْسَان الْكَافِر وعنى بِحمْل الْخَيل على الْحمير وَالْحمير على الْخَيل أَلا يتَزَوَّج الْكَافِر مُؤمنَة وَلَا الْمُؤمن كَافِرَة وعنى بالجدي فِي لبن أمه أَلا تَأْخُذ مَال الْيَتِيم ظلما وعنى بالملتصقة الرئه الْإِنْسَان الحسود الحقود الَّذِي يوسوس الشَّرّ فِي صَدره طول حَيَاته وعنى بالخبز المختمر أَلا ينفخنا الشَّيْطَان ويهيج فِينَا الْكِبْرِيَاء وعنى بالفطير أَن تكون أَنْفُسنَا ضامرة بِلَا انتفاخ وعنى بالحمام واليمام الْمُؤمنِينَ الَّذين جعلُوا أنفسهم لله قربانا قَالَ فَهَذَا هُوَ المُرَاد بِتَحْرِيم هَذِه الْأَشْيَاء وَأما تِلْكَ الْمَذْكُورَات بِأَعْيَانِهَا فَمن شَاءَ أكلهَا وَمن شَاءَ تَركهَا هَذَا مَذْهَب النَّصَارَى أَجْمَعِينَ وَلَا يأباه أحد مِنْهُم إِلَّا الأقلين فَيَنْبَغِي لنا أَن نوبخ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلين ونعرض عَلَيْهِم من الإلزامات المفحمة مَا كَانُوا عَنهُ معرضين ونقول لَهُم مَا الَّذِي حملكم على أَن حرفتم كتاب الله وغيرتم شرع الله فأحللتم مَا حرم عَلَيْكُم من غير دَلِيل وصرتم إِلَى تَأْوِيل لم تضمكم إِلَيْهِ ضَرُورَة عقل وَلَا مُعَارضَة قَول رَسُول فيا للعجب مَا أثقب أذهانكم وَأَصَح أفهامكم إِذْ قد فهمتم من كتاب رب الْعَالمين مَا لم يفهمهُ أحد من النَّبِيين بل قد زَاد فهمكم على فهم مُوسَى بن عمرَان وَعِيسَى ﵉ إِذْ كَانَا قد عملا على تَحْرِيم مَا فهمتم أَنْتُم تَحْلِيله من الْأَحْكَام وعَلى ذَلِك عملت بنوا إِسْرَائِيل مُدَّة مديدة من الأعوام إِلَى زمَان بولش الْمُفْسد لدين الْمَسِيح الَّذِي جَاءَكُم بمكر خَالص وَكفر صَرِيح فتلقيتم مِنْهُ هذيانه وَلم تعرفوا شَأْنه فحرفتم كتاب الله وانحرفتم عَن الدّين القويم دين الْمَسِيح حِين حرف الدّين الَّذِي لم تروا مِنْهُ أثرا وَلَا سَمِعْتُمْ لَهُ خَبرا ثمَّ نقُول يَا معشر المحرفين لكتاب الله أخبرونا هَل كَانَ مُوسَى بن عمرَان وَعِيسَى ابْن مَرْيَم وَمن بَينهمَا من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل علمُوا من هَذِه الْأَحْكَام مَا علمْتُم أَنْتُم أم لَا فَإِن كَانُوا قد علمُوا فَمَا بالهم

стр. 343

نصوا على خلاف ذَلِك وحكموا بِتَحْرِيم تِلْكَ الْأَشْيَاء فَلم يرو قطّ عَن وَاحِد مِنْهُم أَنه أكل خنزيرا وَلَا ميتَة وَلَا دَمًا وَلَا شَيْئا مِمَّا ذكر تَحْرِيمه وَأَنْتُم تَقولُونَ هَذَا وتساعدون عَلَيْهِ فَكيف يمتنعون من أكل مَا يحل لَهُم ثمَّ يصرحون بِتَحْرِيمِهِ فعلى هَذَا يلزمكم أَنهم كذبُوا على الله ولبسوا فِي أَحْكَام الله إِذا كَانُوا علمُوا تَحْلِيل تِلْكَ الْأَشْيَاء ثمَّ صَرَّحُوا بتحريمها وَالنَّهْي عَنْهَا وَإِن لم يعلمُوا شَيْئا مِمَّا علمتموه أَنْتُم فَمن أَيْن علمتموه أَنْتُم أشافهتكم بذلك الْمَلَائِكَة أم أرسل إِلَيْكُم بذلك رسل أخر أم خلق لكم بذلك علم ضَرُورِيّ وكل ذَلِك لَا تقدرون على ادعائه فَلم يبْق إِلَّا أَنكُمْ جاهلون بشرع الله محرفون كتاب الله متواقحون على الله كاذبون عَلَيْهِ ومتهاونون برسله وستقفون بَين يَدَيْهِ ويسألكم عَمَّا افتريتم عَلَيْهِ فتحيط بكم النيرَان وتجركم على وُجُوهكُم إِلَيْهَا مَلَائِكَة غِلَاظ شَدَّاد لَا يطيقهم إِنْسَان ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة ترى الَّذين كذبُوا على الله وُجُوههم مسودة أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للمتكبرين﴾ فتنادون إِذْ ذَاك يَا أسقفنا بولش انظرنا فَمَا منا إِلَّا متخرق عاطش عاطش فَيُقَال لكم هُوَ فِي أَسْفَل سافلين فتصيروا إِلَيْهِ أَجْمَعِينَ فَإِذا اجْتَمَعْتُمْ مَعَه لعن بَعْضكُم بَعْضًا وَجحد بَعْضكُم بَعْضًا ﴿ومأواكم النَّار وَمَا لكم من ناصرين﴾ ثمَّ نقُول لَهُم إِن جَازَ أَن نتأول الفاظ الشَّارِع وكلماته من غير ضَرُورَة دَاعِيَة إِلَى ذَلِك وندفع النُّصُوص بالتحكم بطلت الْكتب كلهَا والألسنة وَلم يقدر وَاحِد أَن يفهم مِنْهَا شَيْئا إِذْ كل لفظ يتَكَلَّم بِهِ مُتَكَلم يُمكن صرفه عَن بَابه وَعَن مَوْضُوعه الْأَصْلِيّ ونصابه وَإِذا أمكن ذَلِك لم تقدروا على أَن تثبتوا نبوة عِيسَى على الْيَهُود بِمَا قدمتم فَإِن من نَص مَا عنْدكُمْ من كَلَام الْأَنْبِيَاء على نبوته قَول يَعْقُوب لَا يَنْقَطِع قضيب الْملك من نسل يهوذا حَتَّى يَأْتِي الْمَسِيح فيسوغ لِلْيَهُودِيِّ أَن يَقُول إِنَّمَا عَنى بِالْملكِ دينهم الَّذِي ورثوه عَن كِتَابهمْ وأنبيائهم وَلم يعن الْملك الَّذِي هُوَ الْإِمَارَة وَالْولَايَة وَقد

стр. 344

يُسمى الدّين الْملك وَقد جَاءَ فِي التَّوْرَاة حَيْثُ قَالَ الله تَعَالَى لإِبْرَاهِيم الْمُلُوك من صلبك يخرجُون وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك الْأَنْبِيَاء وَأهل الدّين وَلم يرد بذلك الْأُمَرَاء فَقَط وعَلى هَذَا التَّأْوِيل تحاجكم الْيَهُود وَيَقُولُونَ لكم هَذَا ديننَا بَاقٍ لم يَنْقَطِع فَإنَّا نُقِيم التَّوْرَاة وأحكامها فَلم يَأْتِ بعد الْمَسِيح وَهَذَا التَّأْوِيل فِي هَذَا الْموضع أسوغ مِمَّا تأولتم بِهِ أَنْتُم أَحْكَام التَّوْرَاة فَإِن أنكرتم هَذَا التَّأْوِيل أَنْكَرُوا تأويلكم وخطؤوكم وشهدوا عَلَيْكُم أَنكُمْ غيرتم كتاب الله وحرفتموه هَذَا مَا جنى عَلَيْكُم تأويلكم إِذْ قد شَكَكْتُمْ فِي مسيحكم فَفِي مثلكُمْ يضْرب الْمثل يداك أوكتا وفوك نفخ وَلَو شِئْنَا لأبدينا لكم من التأويلات وأريناكم من المناقضات أَكثر من هَذَا لفعلنَا وَلَكِن منعنَا من ذَلِك من ذَلِك مَا قدمنَا وَلَا يَصح أَن يَقُول قَائِل مِنْهُم إِن تَحْرِيم هَذِه الْمُحرمَات كلهَا الَّتِي تثبت فِي التَّوْرَاة نسخ بقول عِيسَى فِي الْإِنْجِيل لَيْسَ ينجس الْمَرْء مَا يدْخل فَاه وَإِنَّمَا يُنجسهُ مَا يخرج من فِيهِ لأَنا نقُول قَول عِيسَى هَذَا إِذا سلم مَفْهُومه نفى التَّنْجِيس لَا نفى التَّحْرِيم إِذْ هما حكمان متغايران مُخْتَلِفَانِ فَإِن الحكم بِتَحْرِيم هَذِه الْمَذْكُورَات إِنَّمَا يرجع إِلَى منع أكلهَا ثمَّ يجوز أَن تتَنَاوَل بِالْأَخْذِ والإعطاء وأنواع من التَّصَرُّفَات كَمَا نقُول فِي الْحمار الأهلي والبغل فَإِنَّهُ يحرم علينا أكله وَيحل لنا تصريفه فِي أَنْوَاع من الْمَنَافِع غير الْأكل وَالْحكم بالتنجيس إِنَّمَا يرجع لمنع التَّنَاوُل مُطلقًا أعنى يمْتَنع فِيهِ الْأكل وَالتَّصَرُّف هَذَا إِذا كَانَ ذَلِك النَّجس مَحْكُومًا بِنَجَاسَتِهِ مُطلقًا فَإِن حكم بِنَجَاسَتِهِ فِي حَال دون حَال كَانَ ذَلِك وَصَحَّ أَن يُقَال عَلَيْهِ أَيْضا نجس مِثَال ذَلِك أَن مُحكم الشَّرَائِع بِأَن الْعذرَة يحرم علينا أَن نصلي بهَا فَلَا يجوز أَن نصلي بهَا وَلَا نحملها فِي تِلْكَ الْحَال وَيجوز لنا أَن نتناولها ونحملها فِي غير حَال الصَّلَاة فقد بَان الْفرق مَا بَين

стр. 345

الحكم بالتنجيس وَالْحكم بِالتَّحْرِيمِ ثمَّ لَو سلمنَا أَنَّهُمَا اسمان للتَّحْرِيم لما كَانَ لتأويلكم السخيف معنى لطيف فلأي معنى تأولتم وقلتم مَا لَا يصلح حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ وَلم لم تَقولُوا إِنَّه مَنْسُوخ فَهَذَا خطأ آخر وَجَهل لَا يبوء بِهِ إِلَّا من كَانَ مثلكُمْ فَإِنَّهُ جمع بَين التَّأْوِيل والنسخ وهما متناقضان فَإِن معنى التَّأْوِيل أَن اللَّفْظ المؤول مَعْمُول بِهِ على وَجه وَمعنى النّسخ أَن الْمَنْسُوخ مَرْفُوع الحكم على كل وَجه غير مَعْمُول بِهِ أصلا فقد ظهر من الْفَصْلَيْنِ السَّابِقين أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم متحكمون بأهوائهم فِي دين الله تاركون للْعَمَل بِكِتَاب الله وَسنَن رسل الله ﴿وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ ﴿فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وَقد نجز غرضنا من الصَّدْر فلنشرع فِي الْفَنّ الأول الْمَوْعُود

стр. 346

الْفَنّ الأول شَعَائِر الدّين النَّصْرَانِي وطقوسه غرضنا من هَذَا الْفَنّ أَن نجمع مسَائِل من قَوَاعِد أديانهم ونبين فَسَادهَا وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا على شَيْء فِيهَا بل تركُوا فِيهَا نُصُوص التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَعمِلُوا بِخِلَافِهَا من غير حجَّة وَلَا دَلِيل وَلَقَد كَانَ لنا فِيمَا قدمنَا كِفَايَة أوصلتنا من فضيحتهم وخزيهم إِلَى أقْصَى غَايَة لَكنا أردنَا أَن نبين خطأهم وضلالهم فِي أَكثر قَوَاعِد دينهم حَتَّى يَتَّضِح للنَّاظِر أَنهم فِي جَمِيع أَحْوَالهم وأعمالهم مبطلون وَأَنَّهُمْ من كل وَجه مضلون فَنَقُول اعْلَم أَنه لَو تصفح جَمِيع مَا انتحلوه من أديانهم لوجد مَبْنِيا على مَا مثل مَا تقدم من هذيانهم لَكنا نقتصر من ذَلِك على مسَائِل نباحثهم فِيهَا ونبين ضلالهم وتلاعبهم فِي دينهم فَإِذا فَرغْنَا من هَذَا الْغَرَض ذكرنَا فِي الْفَنّ الثَّانِي جملَة من أَحْكَام شريعتنا ونقتصر من ذَلِك على مَا عابوه علينا مِنْهَا وَإِنَّمَا فعلنَا ذَلِك لِأَن هَذَا السَّائِل الَّذِي حركنا إِلَى تأليف هَذَا الْكتاب هددنا بِأَن قَالَ فِي كِتَابه إِنِّي أبْعث إِلَى كل بلد كتابا بِنَصّ شريعتكم وَبِكُل مَا نَعْرِف فِيهَا من الْأَقَاوِيل الَّتِي لَا تقدرون على إنكارها فَلَو بصر الله هَذَا الْجَاهِل المغلط بعيوبه لَكَانَ سترهَا وكتمانها أعظم مَطْلُوبه لَكِن جهل فَقَالَ وَحَيْثُ وَجب أَن يسْجد بَال فَنَقُول يَا هَذَا ألنا يقعقع بالشنان آلآخذ بالحنيفية يدان كلا وَالله فَلَيْسَ مَعَ الشَّمْس سراج وَلَا شجر المرخ من الساج وَهَا نَحن نبتدئ بالمسائل تترى إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 347

مَسْأَلَة فِي المعمودية أطبقت النَّصَارَى على اخْتِلَاف فرقهم على القَوْل بالمعمودية وصفتها عِنْدهم أَن الَّذِي يُرِيد أَن يدْخل فِي دينهم أَو التائب مِنْهُ تتقدم الأقسة مِنْهُ فيمنعونه من اللَّحْم وَالْخمر أَيَّامًا ثمَّ يعلمونه إعتقادهم وَإِيمَانهمْ فَإِذا تعلم ذَلِك اجْتمع لَهُ القسيسون فَتكلم بعقيدة إِيمَانهم أمامهم ثمَّ يغطسونه فِي مَاء يغمروه وَقد اخْتلفُوا هَل يغطسونه مرّة وَاحِدَة أَو مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَإِذا هُوَ خرج من ذَلِك المَاء دعى لَهُ الأسقف بِالْبركَةِ وَوضع يَده على رَأسه هَكَذَا كَانَت صفة معموديتهم قَدِيما فِي الأندلس وَأما الْيَوْم فلعلهم قد غيروا بعض أَحْكَامهَا وَرُبمَا اخْتلفُوا فِي بعض تِلْكَ الْأَحْوَال وَهِي عِنْدهم عبَادَة مُؤَكدَة وَقَاعِدَة ممهدة وَمن لم يقبلهَا عِنْدهم فَهُوَ كَافِر وَلَيْسَ لَهُ من ذنُوبه غَافِر وَقد كتب الأسقف ليون إِلَى أساقفة صقليه رِسَالَة ذكر لَهُم فِيهَا أَمر المعمودية وفضيلتها فَقَالَ المعمودية هِيَ إماتة الذُّنُوب وقتلها وَتَأْويل الغطسات الثَّلَاث مكث الْمَسِيح فِي قَبره ثَلَاث أَيَّام وَالْخُرُوج عَن المَاء هُوَ الْخُرُوج عَن الْقَبْر وَمِنْهُم من تَأَول فِي هَذِه الغطسات الثَّلَاث أَنه التَّثْلِيث الَّذِي يَعْتَقِدُونَ وَهَذَا التعميد لم يجر لَهُ فِي التَّوْرَاة ذكر وَلم يشرع الله قطّ لمُوسَى لَكِن كتب النَّصَارَى فِي الْإِنْجِيل ان يحيى عمد عِيسَى بوادي الْأُرْدُن فَخرج مِنْهُ روح الْقُدس كالحمامة على المَاء وَزَعَمت النَّصَارَى أَيْضا أَن عِيسَى قَالَ للحواريين إِذا مررتم بالأجناس فعمدوهم على اسْم الآب والإبن وَالروح الْقُدس وَزَعَمُوا أَن بيطر عمد ثَلَاثَة آلَاف رجل فِي يَوْم نيقشتان وَهَذِه الْمَسْأَلَة عِنْدهم ظَاهِرَة الْمُسْتَند قَوِيَّة الْمُعْتَمد فَإِنَّهُم قد أسندوا نقلهَا إِلَى الْأَنْبِيَاء والحواريين كَمَا تقدم وَلَكنَّا مَعَ ذَلِك

стр. 348

نطالبهم فِيهَا مطالبات تؤذن بِأَنَّهُم يرجعُونَ إِلَى الترهات فَنَقُول سلمنَا لكم جدلا مَا ذكرْتُمْ من إستناد المعمودية إِلَى مَا ذكرْتُمْ لَكِن لم قُلْتُمْ كَمَا فعلهَا يحيى والحواريون نفعلها نَحن وَلَعَلَّ الله تَعَالَى خص يحيى والحواريين بِعَمَل المعمودية وَلم يشرعها لغَيرهم فَإِن ادعوا أَن الله شرعها لَهُم كَمَا شرعها للحواريين طالبناهم بِالنَّصِّ من كتبهمْ الَّذِي بِهِ يجب على من دون الحواريين التعميد وَلَا يَجدونَ شَيْئا من ذَلِك أبدا ثمَّ نقُول لَعَلَّ الحواريين وَيحيى إِنَّمَا عَمدُوا النَّاس لِأَن مَاءَهُمْ كَانَ مقدسا ودعاءهم متقبلا لكَون يحيى نَبيا والحواريون كَذَلِك عنْدكُمْ وَأما أَنْتُم فلستم أَنْبيَاء وَلَيْسَ ماؤكم مقدسا فلستم مثلهم فَكَانَ يَنْبَغِي لكم أَلا تعمدوا أحدا لكنكم وضعتم لأنفسكم شرعا بالتوهم وزدتم فِيهِ أمورا بالتحكم ثمَّ نقُول سلمنَا جدلا أَن المعمودية شرع لكم فَمن أَيْن زدتم فِيهَا الْعدَد وَوضع الْيَد على الرَّأْس والنفخ فِي الْوَجْه كَمَا فعله بعض من مضى مِنْكُم وَلم تكفرون من لَا يستعملها وَلم ينزل بِشَيْء من ذَلِك سُلْطَان وَلَا حكم بذلك إنجيل وَلَا فرقان لَوْلَا مَحْض التلاعب بالأديان والتحكم فِي دين الله والخذلان ثمَّ نقُول هَذَا المَاء الَّذِي تعمدون فِيهِ أهوَ مقدس أَو غير مقدس فَإِن كَانَ مقدسا فَمن قدسه فَإِن قُلْتُمْ إِن الله قدسه فَمن أَيْن علمْتُم ذَلِك ثمَّ إِن قُلْتُمْ ذَلِك عورضتم بنقيضه وَقيل لكم بل نجسه الله وَإِن قُلْتُمْ نَحن قدسناه قُلْنَا فَمن أَنْتُم حَتَّى شَيْئا وَهل يصلح أَن يقدس من لَيْسَ بمقدس أَو يطهر من لَيْسَ بمطهر بل أَنْتُم مذنبون تتزايد ذنوبكم فِي كل وَقت وَحين قكيف تقدسون غَيْركُمْ وَأَنْتُم لَا تقدسون أَنفسكُم فليت الْعجل يهضم نَفسه فَحصل من هَذَا أَن ماءكم الَّذِي تعمدون فِيهِ غير مقدس وَلذَا كَانَ كَذَلِك فلأي شَرط تشترطون فِي المعمودية أَن تكون بِالْمَاءِ وهلا عمدتم فِي الْبَوْل فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَجَاسَة عنْدكُمْ وَلَا فرق بَينه وَبَين المَاء إِذْ كل وَاحِد مِنْهُمَا لَيْسَ بمقدس ثمَّ نقُول زعم النَّصَارَى أجمعهم وَكَتَبُوا فِي كتبهمْ أَن يحيى عمد عِيسَى الْمَسِيح بوادي الْأُرْدُن

стр. 349

فَنَقُول لَهُم هَل كَانَ عِيسَى ﵇ قبل أَن يعمده يحيى مقدسا أم لم يكن فَإِن قُلْتُمْ أَنه كَانَ مقدسا فَلَا فَائِدَة لفعل يحيى ولأي شَيْء لم ينزل عَلَيْهِ روح الْقُدس قبل التعميد وَأَنْتُم تَقولُونَ أَنه لما عمده نزل عَلَيْهِ الرّوح الْقُدس مثل حمامة بَيْضَاء وَإِن كَانَ غير مقدس فَكيف يكون من لَيْسَ بمقدس إِلَهًا أَو ابْن إِلَه وَأَنْتُم تَزْعُمُونَ بجهلكم على اخْتِلَاف أقوالكم أَنه اتَّحد بناسوته اللاهوت وَهُوَ فِي بطن أمه وَكَيف يتحد اللاهوت بِمن لَيْسَ بمقدس وَهل هَذَا كُله مِنْكُم إِلَّا هذيان وَضرب من الخذلان تمجه الْقُلُوب والآذان مَسْأَلَة فِي غفران الأساقفة والقسيسين ذنُوب المذنبين وإختراعهم الْكَفَّارَة للعاصين أعلم أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم وضعُوا لأَنْفُسِهِمْ قوانين توافقوا عَلَيْهَا وارتبطوا لَهَا من غير أَن يشْهد بِصِحَّة تِلْكَ القوانين شَاهد من توراة وَلَا من إنجيل فَمن خالفها عِنْدهم سموهُ خارجيا تَارَة وكافرا أُخْرَى وَالْخُرُوج عَن تِلْكَ القوانين هُوَ الذَّنب عِنْدهم ثمَّ تِلْكَ الذُّنُوب منقسمة إِلَى مَا لَا يغفرونه وَإِلَى مَا يغفرونه فَإِذا غفرو ذَنْب وَاحِد مِنْهُم أدخلوه الْكَنِيسَة وقبلوا قربانه وَإِذا لم يغفروا لَهُ أبعدوه عَن كنائسهم وطردوه وهولوا عَلَيْهِ وَلم يقبلُوا برهانه وَلَا بُد للذنب المغفور من كَفَّارَة وَتلك الْكَفَّارَة بِحَسب مَا يظْهر لأقستهم ويرونه مُوَافقا لغرضهم فَتَارَة يوجبون عَلَيْهِ خدمَة الْكَنِيسَة وَتارَة لَا يدخلهَا بل يقف عِنْدهَا متذللا وَرُبمَا يبْقى على ذَلِك أعواما عديدة وَتارَة يوجبون عَلَيْهِ مَالا إِمَّا لملكهم وَإِمَّا لَهُم ولكنائسهم وَلَا بُد من بَيَان ذَلِك بالأمثلة على مَا وجدنَا فِي كتبهمْ ولنذكر من كل مَسْأَلَة مِثَالا لِئَلَّا يطول الْكتاب وَإِنَّمَا أنقل ألفاظهم من كتبهمْ لِئَلَّا يتقول متقول علينا بِالْبَاطِلِ أَو يظنّ بِنَا الْجَهْل بمذهبهم أَو ينسبونا إِلَى الْكَذِب فِي شَيْء مِمَّا حكيناه عَنْهُم مِثَال الْقسم الأول العابثون بالصبيان العابثون بالصبيان لَا يغفرون لَهُم بِوَجْه وَلَا يعطونهم قربانا

стр. 350

أبدا وَلَا عِنْد وفاتهم على هَذَا أجمع أساقفة طليطلة فِي ولَايَة ايفة الْملك وَقَالُوا دعتنا هَذِه الْفَاحِشَة المنتنة أَن يحكم بأجمعنا أَن كل من أَتَى هَذِه الْفَاحِشَة أَن يفعل بِهِ عِقَاب فَإِن كَانَ رَاكب هَذِه الْفَاحِشَة أسقفا فليعزل وَيبعد إبعادا شَدِيدا دَائِما وَإِن كَانَ من غَيرهم فلينكل بِهِ نكالا شَدِيدا وَيضْرب الْفَاعِل وَالْمَفْعُول مائَة سَوط وينفيان النفى الدَّائِم وَلَا يعطيهم أحد من الأقسة تَوْبَة وَمن أَعْطَاهَا لَهُم وَتقبل قُرْبَانهمْ عزل وَأبْعد وَلم يُعْط هُوَ أَيْضا تَوْبَة وأغرموه خَمْسَة أَرْطَال ذَهَبا للْملك هَذَا قانونهم الأول الْقَدِيم وَلَا أَدْرِي مَا أحدثوه الْآن إِذْ الْأَحْدَاث عَنْهُم فِي كل زمَان وَمِثَال الثَّانِي نِكَاح الْقرَابَات وَذَلِكَ أَن نِكَاحهنَّ حرَام بِنَصّ التَّوْرَاة زَعَمُوا فَإِن نكح رجل قريبته إِلَى سبع بطُون فَإِن أصر على ذَلِك فَلَا يغْفر لَهُ وَلَا يعْطى قربانا وَإِن مَاتَ وَإِن أقلع عَنْهَا حرم القربان خَمْسَة عشر سنة وكلفوا أعدادا من الصَّلَوَات وَمن الْعِبَادَات وَرُبمَا زادوا عَلَيْهِ خمْسا فكملوا لَهُ عشْرين سنة وَرُبمَا بلغه بَعضهم خمْسا وَعشْرين وَذَلِكَ بِحَسب سِتَّة عِنْدهم فَإِذا كَانَ بعد ذَلِك قبلوا تَوْبَته وَأَعْطوهُ القربان وَأما الْمَرْأَة فقد أَبَوا أَن يعطوها القربان إِلَّا عِنْد وفاتها وَأما الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَة فَإِن كَانَ لَهُ زَوْجَة لم يُعْط القربان إِلَّا بعد ثَلَاثِينَ سنة وَإِن لم تكن لَهُ زَوْجَة فَبعد خمس وَعشْرين سنة مِثَال مَا يغرمون فِيهِ الْأَمْوَال من تزوج من غير بركَة القسيس فَإِنَّهُ يغرم للْملك مائَة دِينَار وَيضْرب الزَّوْجَانِ مائَة سَوط مائَة سَوط وَقد حكمُوا على قَاتل عَبده بحرمان القربان سنتَيْن وعَلى قَاتل الْعمد غير عبد بحرمان القربان وبخضوعه عِنْد الْكَنِيسَة إِلَى آخر وَفَاته

стр. 351

وَأما قَاتل الْخَطَأ فقانونهم الأول يقْضى بِأَن يحرم القربان سبع سِنِين والقانون الثَّانِي يقْضى بِأَن يحرم خمس سِنِين وعَلى الْجُمْلَة فهذياناهم وتحكماتهم أَكثر من أَن تحصى وَمن اطلع على كتب فقههم رأى فِيهَا غرائب وعجائب ومقصودنا التَّمْثِيل وَقد حصل والحمدلله فَنَقُول من وقف على هَذِه الْمَوَاضِع وأمثالها لم يشك فِي أَن الْقَوْم يصنعون أحكاما ويخترعونها ويلتزمونها ولسنا ننكر أَن الشَّرَائِع لَو جَاءَت بِمثل هَذَا الْكَفَّارَات والتحكمات لقبلناها والتزمناها وَإِنَّمَا ننكر عَلَيْهِم أَن يجْعَلُوا أنفسهم شارعين وينزلوا أنفسهم منزلَة رب الْعَالمين فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَنْبَغِي الحكم والتحكم لَهُ إِذْ لَهُ أَن يفعل مَا يُرِيد وَيحكم مَا يَشَاء فِي العبيد وَأما الْأَنْبِيَاء فَلَا يحكمون من عِنْد أنفسهم وَإِنَّمَا يبلغون أَحْكَام الله ثمَّ أعجب من ذَلِك جرأتهم على الله واستهزاؤهم بِكِتَاب الله فَإِن هَذِه الذُّنُوب الَّتِي قدمت ذكرهَا قد شرع الله أَحْكَامهَا فِي التَّوْرَاة نصوصا وَبَين حُدُودهَا فَجعل فِي أَكثر تِلْكَ الْمَوَاضِع الْقَتْل وَلم يحكم فِيهَا بِشَيْء مِمَّا اخترعوه وَلَيْسَ فِي إنجيلهم أَيْضا من هَذِه الْأَحْكَام شَيْء وَعند هَذَا تبين أَنهم خالفوا كتب الله وَتركُوا سنة رسل الله وتحكموا فِي ذَلِك بأهوائهم وَتركُوا سنَن أَنْبِيَائهمْ فحقت عَلَيْهِم لعنة الله أَبَد الآبدين وغضبه إِلَى يَوْم الدّين فَإِن قَالُوا تِلْكَ الْأَحْكَام الَّتِي فِي التَّوْرَاة مَنْسُوخَة بكتابنا وعَلى لِسَان مسيحنا قُلْنَا لَهُم ﴿هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ بل نقُول إِن عِيسَى ﵇ جَاءَ متمما لأحكام التَّوْرَاة وَلم يَجِيء مغيرا لأحكامها وَلَا ناقضا لَهَا وَكَذَلِكَ نقلتم فِي إنجيلكم أَن عِيسَى قَالَ إِنَّمَا جِئْت متمما وَلم آتٍ لأنقض شَرِيعَة من قبلي وَهَذَا خلاف مَا تَدعُونَهُ من النّسخ بل يقتضى هَذَا بِحكم ظَاهره أَنه لَا ينْسَخ شَرِيعَة من قبله وَإِنَّمَا يوضحها وَيحيى مَا أميت مِنْهَا ثمَّ لَا يبعد أَن يكون قد نسخ بعض أَحْكَام التَّوْرَاة وَغَايَة مَا يُوجد

стр. 352

لَهُ من النّسخ قَوْله وَقيل من فَارق امْرَأَته فليكتب لَهَا كتاب طَلَاق وَأَنا أَقُول من فَارق امْرَأَته مِنْكُم فقد جعل لَهَا سَبِيلا إِلَى الزِّنَا وَمن تزوج مُطلقَة فَهُوَ فَاسق ثمَّ قَالَ بَلغَكُمْ أَنه قيل الْعين بِالْعينِ وَالسّن بِالسِّنِّ وَأَنا أَقُول لكم لَا تكافئوا أحدا بسيئة وَلَكِن من لطم خدك الْأَيْمن فأعطه الآخر وَمن أَرَادَ نزع قَمِيصك فزده ردائك فَمثل هَذَا يُمكن أَن يُقَال فِيهِ إِنَّه نسخ وَإِذا بحث عَن كتابكُمْ كَمَا يجب لم يُوجد فِيهِ نَص من هَذَا على النّسخ فَمن ادّعى مِنْكُم أَن شَيْئا مِمَّا ذكر فِي التَّوْرَاة تَحْرِيمه مَنْسُوخ فليأت بناسخ يشبه هَذَا القَوْل فَإِن لم تَأْتُوا بِشَيْء من ذَلِك دلّ على أَنكُمْ متحكمون هُنَالك مُطَالبَة وَهِي أَنا نقُول لَهُم لأي معنى حرمتم من نكح قريبته خمْسا وَعشْرين سنة من القربان وحرمتموه من نكح بَهِيمَة ثَلَاثِينَ سنة وَلَو عكستم ذَلِك كَانَ أشبه فَإِن نِكَاح الْآدَمِيَّة الْقَرِيبَة أشنع من حَيْثُ أَنَّهَا مُحرمَة من نِكَاح بَهِيمَة لَا احترام لَهَا وَكَذَلِكَ نعكس عَلَيْهِم كل مَا ذَكرُوهُ حَتَّى يتَبَيَّن فَسَاد قَوْلهم ونقول لَهُم أَيْضا لأي معنى لم تجْعَلُوا مَكَان الثَّلَاثِينَ ثَمَانِيَة وَعشْرين أَو إثنين وَثَلَاثِينَ ولأي معنى خصصتم هَذَا الْعدَد دون غَيره وَعند هَذَا يتَبَيَّن بطلَان تحكمهم وَفَسَاد رَأْيهمْ وَكَذَلِكَ نقُول لأي معنى شرعتم فِي العابث مائَة سَوط وَلم تشرعوه فِيمَن نكح قريبته مَعَ أَن التَّوْرَاة قد أمرت بقتل كل وَاحِد مِنْهُمَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَن تسووا فِي الحكم بَينهمَا فَأَما أَن تضربوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة سَوط أَو لَا تضربوهما فَظهر من هَذَا أَنكُمْ تركْتُم حكم التَّوْرَاة ثمَّ لم تعدلوا فِيمَا تحكمتم بِهِ ثمَّ من أعظم تواقحكم أَنكُمْ سهلتم

стр. 353

الْفَوَاحِش على أَنفسكُم وصعبتموها على غَيْركُمْ فحكمتم على الأسقف الَّذِي يعبث بِأَن يبعد فَقَط وعَلى غَيرهم بِأَن يبعدوا وينكلوا ويجلدوا إِذا فعلوا تِلْكَ الْفَاحِشَة وَلَو عكستم ذَلِك لَكَانَ أشبه فَإِن التغليط على الأقسة مُنَاسِب لحالهم فَإِن الْمعاصِي تقبح فِي حَقهم أَكثر مِمَّا تقبح فِي حق غَيرهم فَإِن من كَلَام النُّبُوَّة أَن من أَشد النَّاس عذَابا عَالم لم يَنْفَعهُ الله بِعِلْمِهِ وَمن كَلَام الْحُكَمَاء حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين ثمَّ هَذَا الْمَعْنى مَعْلُوم من عَادَة الْمُلُوك فَإِنَّهُم يعاقبون وزراءهم والوقافين على رؤوسهم ويؤاخذونهم على أُمُور لَا يحسن مِنْهُم أَن يؤاخذوا بهَا سائس الدَّوَابّ بل لكل مقَام مقَال وَلكُل عمل رجال وَكَيف لَا تقبح الْمعاصِي فِي حق الأقسة والأساقفة وهم قد نزلُوا أنفسهم منزلَة الْأَنْبِيَاء حَيْثُ شرعوا الشَّرَائِع وتحكموا بوضعها بل تنزلوا منزلَة الْمُكَلف الغافر الَّذِي لَهُ الْخلق وَالْأَمر فَإِنَّهُم قد قَالُوا للعوام إِن غفراننا لكم غفران الله وحرماننا لكم حرمَان الله فَإِذا أعطينا نَحن القربان فقد قبله الله وَإِذا لم نعطه لم يقبله الله وَإِذا غفرنا نَحن الذَّنب فقد غفره الله فَإِن غركم الشَّيْطَان وَقد فعل بِأَن تَقولُوا إِن لنا لأجل القسيسية منزلَة وحظوة فاتركوا الْعَمَل بشريعتكم لأجل مالكم عِنْد الله من الْفضل وَلَا تحرموا على أَنفسكُم شَيْئا من الْفَوَاحِش وَقد سمعنَا هَذَا النَّوْع عَن بعض أقسة أرغون فَعَلَيْهِم لعنة الله ولعنة اللاعنين ثمَّ نقُول لَهُم يَا معشر الأساقفة الْجَاهِلين والقسيسين المتحكمين من أَنْتُم حَتَّى تَكُونُوا شارعين أأنتم عِقَاب رب الْعَالمين أحصلتم على رِضَاهُ أَجْمَعِينَ بل يَنْبَغِي أَن تتحققوا أَنكُمْ فِي الْعَذَاب خَالدُونَ حَيْثُ كَفرْتُمْ برسالة سيد الْمُرْسلين مَعَ مَا دلّت عَلَيْهَا من الشواهد والبراهين فَلَقَد صدق الله وَهُوَ أصدق الْقَائِلين حَيْثُ قَالَ مخبرا عَن الْأَخْبَار والقسيسين ﴿وَقَالَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه قل فَلم يعذبكم بذنوبكم بل أَنْتُم بشر مِمَّن خلق يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَإِلَيْهِ الْمصير﴾

стр. 354

مَسْأَلَة فِي الصلوبية وَقَوْلهمْ فِيهَا لاخلاف عِنْد النَّصَارَى أَن إِنْكَار صلب الْمَسِيح كفر وَمن شكّ فِيهِ فَهُوَ كَافِر وَأَنا الْآن أذكر كَلَامهم فِي الصلوبية وَفِي مَعْنَاهَا عِنْدهم قَالُوا الْكَلِمَة هُوَ الله وَهُوَ مَخْلُوق من طَرِيق الْجِسْم وخالق من طَرِيق النَّفس وَهُوَ خلق جِسْمه وَهُوَ خلق أمه وَأمه كَانَت من قبله بالناسوت وَهُوَ كَانَ من قبلهَا باللاهوت وَهُوَ الْإِلَه التَّام وَهُوَ الْإِنْسَان التَّام وَمن تَمام رَحمته على النَّاس أَنه رضى بهرق دَمه عَنْهُم فِي خَشَبَة الصلب فمكن الْيَهُود أعداءه من نَفسه ليتم سخطه عَلَيْهِم فَأَخَذُوهُ وصلبوه وغار دَمه فِي إصبعه لِأَنَّهُ لَو وَقع شَيْء من دَمه على الأَرْض ليبست إِلَّا شَيْء وَقع فِيهَا فنبت فِي مَوْضِعه النوار لِأَنَّهُ لما لم يُمكن فِي الْحِكْمَة الأزلية أَن ينْتَقم الله من عَبده العَاصِي آدم الَّذِي ظلمه واستهان بِحقِّهِ فَلم يرد الله الإنتقام مِنْهُ لاعتلاء منزلَة السَّيِّد وسقوطه منزل العَبْد أَرَادَ أَن ينتصف من الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ إِلَه مثله فانتصف من خَطِيئَة آدم بصلب عِيسَى الْمَسِيح الَّذِي هُوَ إِلَه متساو مَعَه فصلب ابْن الله الَّذِي هُوَ الله فِي السَّاعَة التَّاسِعَة من يَوْم الْجُمُعَة هَذَا نَص كَلَامهم من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَقَالَ بليون الجاثليق فِي رسَالَته لليون الْملك كبول أسرتنا لَا يُمكن أَن تحل إِلَّا بَان يطلع إِنْسَان من جنسنا وطبيعتنا من لَا تضبطه مَعْصِيّة الذَّنب على ضد آدم وَمن بدمه الطَّاهِر تمحو أزلات الرِّيق المهلك الَّذِي كَانَ حتمه الله وَقضى بِهِ مُنْذُ البدء فتم ذَلِك الْفِعْل عِنْد إنقضاء الزَّمَان الْمَحْدُود وَذَلِكَ ليتم الْوَعْد الْمَوْعُود مَفْهُوم هَذَا الْكَلَام أَن ذَنْب آدم كَانَ فِي رِقَاب بنيه إِلَى أَن قتل عِيسَى وانتقم مِنْهُ لأجل آدم وَحِينَئِذٍ عفى عَن آدم وبنيه ولهذه الْحِكْمَة كَانَت صلوبية الْمَسِيح عِنْدهم يَا معشر الْعُقَلَاء أنظروا بِعَين الإعتبار جهل هَؤُلَاءِ الأغمار وجرأتهم على الْعَزِيز

стр. 355

الْجَبَّار وَقَوْلهمْ بالشتيمة فِي الْأَنْبِيَاء الأخيار فَلَقَد ارتكبوا من المحالات وَقَالُوا من الأكاذيب والترهات مَا لم يقلهُ أحد من الْمَخْلُوقَات ثمَّ لم يكتفوا بِهَذِهِ العظائم حَتَّى أضافوا لله ولأنبيائه أعظم النقائص والشتائم فَللَّه سر فِي أبعاد بعض الْعباد ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾ فَهَؤُلَاءِ كَمَا قَالَ الله الْعَظِيم فِي كِتَابه الْكَرِيم ﴿صم بكم عمي فهم لَا يرجعُونَ﴾ وَاعْلَم أَنا لَو تتبعنا تنَاقض هَذَا الْكَلَام وأوردنا الإلزامات عَلَيْهِ لكتبنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَحدهَا سفرا على أَن الْعُقَلَاء يعلمُونَ فَسَاد هَذَا الْمَذْهَب بِالضَّرُورَةِ عِنْد مُجَرّد الْوُقُوف عَلَيْهِ وَلذَلِك لم يصر إِلَى نَحْو هَذَا الْمَذْهَب السخيف وَالْقَوْل الْقَبِيح أحد من الْأُمَم لَا من الْعَرَب وَلَا من الْعَجم لَا فِي الحَدِيث وَلَا فِي الْقدَم وَإِنَّمَا صَار إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الْجُهَّال لكَوْنهم لَيْسُوا من العقال بل حظهم من الْعقل حَظّ المجانين والأطفال فكلامهم أشبه شَيْء بِكَلَام الموسوسين والمختلطين المبرسمين وَلَقَد كَانَ يقتضى مَا يعلم من حَالهم الْكَفّ عَن مناظرتهم وجدالهم لَكِن سكُوت النبيه رُبمَا كَانَ دَاعِيَة لتطاول السَّفِيه وَقد تقدم هَذَا الإعتذار عَن هَذَا فِي أول الْكتاب وَلَكِن مَعَ هَذَا لَا بُد للمجانين من العزائم وَتَعْلِيق الْأَجْرَاس والنمائم فلنورد عَلَيْهِم من الإلزامات مَا يبطل تِلْكَ الترهات وَيبين تِلْكَ الأكذوبات فَنَقُول وَقد ذكرنَا فِيمَا تقدم أَن أَمر الصلوبية إِنَّمَا شرعها لَهُم قسطنطين بن هيلانة الْملك وَهُوَ الَّذِي سنّهَا وكتبها لَهُم فِي الْإِنْجِيل ليوغر صُدُور عامته ورعيته على الْيَهُود وَأَنه احتال عَلَيْهِم بِالرُّؤْيَةِ الَّتِي اخترعها فتم لَهُ مُرَاده مِنْهُم وَلم يكن عِنْده من أَمر عِيسَى إِلَّا خبر جملى ثمَّ اختلق لَهُم فِي شَأْنه أمورا تفصيلية هِيَ محَال فِي نَفسهَا لَكِنَّهَا مهولة على الْعَامَّة الرعاع كَقَوْلِهِم فِي الإلتحام وَفِي لاهوت الْمَسِيح
следующие страницы →