← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6517

الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام

أبو العباس القرطبي

Полный текст (442 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَأما قَاتل الْخَطَأ فقانونهم الأول يقْضى بِأَن يحرم القربان سبع سِنِين والقانون الثَّانِي يقْضى بِأَن يحرم خمس سِنِين وعَلى الْجُمْلَة فهذياناهم وتحكماتهم أَكثر من أَن تحصى وَمن اطلع على كتب فقههم رأى فِيهَا غرائب وعجائب ومقصودنا التَّمْثِيل وَقد حصل والحمدلله فَنَقُول من وقف على هَذِه الْمَوَاضِع وأمثالها لم يشك فِي أَن الْقَوْم يصنعون أحكاما ويخترعونها ويلتزمونها ولسنا ننكر أَن الشَّرَائِع لَو جَاءَت بِمثل هَذَا الْكَفَّارَات والتحكمات لقبلناها والتزمناها وَإِنَّمَا ننكر عَلَيْهِم أَن يجْعَلُوا أنفسهم شارعين وينزلوا أنفسهم منزلَة رب الْعَالمين فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَنْبَغِي الحكم والتحكم لَهُ إِذْ لَهُ أَن يفعل مَا يُرِيد وَيحكم مَا يَشَاء فِي العبيد وَأما الْأَنْبِيَاء فَلَا يحكمون من عِنْد أنفسهم وَإِنَّمَا يبلغون أَحْكَام الله ثمَّ أعجب من ذَلِك جرأتهم على الله واستهزاؤهم بِكِتَاب الله فَإِن هَذِه الذُّنُوب الَّتِي قدمت ذكرهَا قد شرع الله أَحْكَامهَا فِي التَّوْرَاة نصوصا وَبَين حُدُودهَا فَجعل فِي أَكثر تِلْكَ الْمَوَاضِع الْقَتْل وَلم يحكم فِيهَا بِشَيْء مِمَّا اخترعوه وَلَيْسَ فِي إنجيلهم أَيْضا من هَذِه الْأَحْكَام شَيْء وَعند هَذَا تبين أَنهم خالفوا كتب الله وَتركُوا سنة رسل الله وتحكموا فِي ذَلِك بأهوائهم وَتركُوا سنَن أَنْبِيَائهمْ فحقت عَلَيْهِم لعنة الله أَبَد الآبدين وغضبه إِلَى يَوْم الدّين فَإِن قَالُوا تِلْكَ الْأَحْكَام الَّتِي فِي التَّوْرَاة مَنْسُوخَة بكتابنا وعَلى لِسَان مسيحنا قُلْنَا لَهُم ﴿هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ بل نقُول إِن عِيسَى ﵇ جَاءَ متمما لأحكام التَّوْرَاة وَلم يَجِيء مغيرا لأحكامها وَلَا ناقضا لَهَا وَكَذَلِكَ نقلتم فِي إنجيلكم أَن عِيسَى قَالَ إِنَّمَا جِئْت متمما وَلم آتٍ لأنقض شَرِيعَة من قبلي وَهَذَا خلاف مَا تَدعُونَهُ من النّسخ بل يقتضى هَذَا بِحكم ظَاهره أَنه لَا ينْسَخ شَرِيعَة من قبله وَإِنَّمَا يوضحها وَيحيى مَا أميت مِنْهَا ثمَّ لَا يبعد أَن يكون قد نسخ بعض أَحْكَام التَّوْرَاة وَغَايَة مَا يُوجد

стр. 352

لَهُ من النّسخ قَوْله وَقيل من فَارق امْرَأَته فليكتب لَهَا كتاب طَلَاق وَأَنا أَقُول من فَارق امْرَأَته مِنْكُم فقد جعل لَهَا سَبِيلا إِلَى الزِّنَا وَمن تزوج مُطلقَة فَهُوَ فَاسق ثمَّ قَالَ بَلغَكُمْ أَنه قيل الْعين بِالْعينِ وَالسّن بِالسِّنِّ وَأَنا أَقُول لكم لَا تكافئوا أحدا بسيئة وَلَكِن من لطم خدك الْأَيْمن فأعطه الآخر وَمن أَرَادَ نزع قَمِيصك فزده ردائك فَمثل هَذَا يُمكن أَن يُقَال فِيهِ إِنَّه نسخ وَإِذا بحث عَن كتابكُمْ كَمَا يجب لم يُوجد فِيهِ نَص من هَذَا على النّسخ فَمن ادّعى مِنْكُم أَن شَيْئا مِمَّا ذكر فِي التَّوْرَاة تَحْرِيمه مَنْسُوخ فليأت بناسخ يشبه هَذَا القَوْل فَإِن لم تَأْتُوا بِشَيْء من ذَلِك دلّ على أَنكُمْ متحكمون هُنَالك مُطَالبَة وَهِي أَنا نقُول لَهُم لأي معنى حرمتم من نكح قريبته خمْسا وَعشْرين سنة من القربان وحرمتموه من نكح بَهِيمَة ثَلَاثِينَ سنة وَلَو عكستم ذَلِك كَانَ أشبه فَإِن نِكَاح الْآدَمِيَّة الْقَرِيبَة أشنع من حَيْثُ أَنَّهَا مُحرمَة من نِكَاح بَهِيمَة لَا احترام لَهَا وَكَذَلِكَ نعكس عَلَيْهِم كل مَا ذَكرُوهُ حَتَّى يتَبَيَّن فَسَاد قَوْلهم ونقول لَهُم أَيْضا لأي معنى لم تجْعَلُوا مَكَان الثَّلَاثِينَ ثَمَانِيَة وَعشْرين أَو إثنين وَثَلَاثِينَ ولأي معنى خصصتم هَذَا الْعدَد دون غَيره وَعند هَذَا يتَبَيَّن بطلَان تحكمهم وَفَسَاد رَأْيهمْ وَكَذَلِكَ نقُول لأي معنى شرعتم فِي العابث مائَة سَوط وَلم تشرعوه فِيمَن نكح قريبته مَعَ أَن التَّوْرَاة قد أمرت بقتل كل وَاحِد مِنْهُمَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَن تسووا فِي الحكم بَينهمَا فَأَما أَن تضربوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة سَوط أَو لَا تضربوهما فَظهر من هَذَا أَنكُمْ تركْتُم حكم التَّوْرَاة ثمَّ لم تعدلوا فِيمَا تحكمتم بِهِ ثمَّ من أعظم تواقحكم أَنكُمْ سهلتم

стр. 353

الْفَوَاحِش على أَنفسكُم وصعبتموها على غَيْركُمْ فحكمتم على الأسقف الَّذِي يعبث بِأَن يبعد فَقَط وعَلى غَيرهم بِأَن يبعدوا وينكلوا ويجلدوا إِذا فعلوا تِلْكَ الْفَاحِشَة وَلَو عكستم ذَلِك لَكَانَ أشبه فَإِن التغليط على الأقسة مُنَاسِب لحالهم فَإِن الْمعاصِي تقبح فِي حَقهم أَكثر مِمَّا تقبح فِي حق غَيرهم فَإِن من كَلَام النُّبُوَّة أَن من أَشد النَّاس عذَابا عَالم لم يَنْفَعهُ الله بِعِلْمِهِ وَمن كَلَام الْحُكَمَاء حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين ثمَّ هَذَا الْمَعْنى مَعْلُوم من عَادَة الْمُلُوك فَإِنَّهُم يعاقبون وزراءهم والوقافين على رؤوسهم ويؤاخذونهم على أُمُور لَا يحسن مِنْهُم أَن يؤاخذوا بهَا سائس الدَّوَابّ بل لكل مقَام مقَال وَلكُل عمل رجال وَكَيف لَا تقبح الْمعاصِي فِي حق الأقسة والأساقفة وهم قد نزلُوا أنفسهم منزلَة الْأَنْبِيَاء حَيْثُ شرعوا الشَّرَائِع وتحكموا بوضعها بل تنزلوا منزلَة الْمُكَلف الغافر الَّذِي لَهُ الْخلق وَالْأَمر فَإِنَّهُم قد قَالُوا للعوام إِن غفراننا لكم غفران الله وحرماننا لكم حرمَان الله فَإِذا أعطينا نَحن القربان فقد قبله الله وَإِذا لم نعطه لم يقبله الله وَإِذا غفرنا نَحن الذَّنب فقد غفره الله فَإِن غركم الشَّيْطَان وَقد فعل بِأَن تَقولُوا إِن لنا لأجل القسيسية منزلَة وحظوة فاتركوا الْعَمَل بشريعتكم لأجل مالكم عِنْد الله من الْفضل وَلَا تحرموا على أَنفسكُم شَيْئا من الْفَوَاحِش وَقد سمعنَا هَذَا النَّوْع عَن بعض أقسة أرغون فَعَلَيْهِم لعنة الله ولعنة اللاعنين ثمَّ نقُول لَهُم يَا معشر الأساقفة الْجَاهِلين والقسيسين المتحكمين من أَنْتُم حَتَّى تَكُونُوا شارعين أأنتم عِقَاب رب الْعَالمين أحصلتم على رِضَاهُ أَجْمَعِينَ بل يَنْبَغِي أَن تتحققوا أَنكُمْ فِي الْعَذَاب خَالدُونَ حَيْثُ كَفرْتُمْ برسالة سيد الْمُرْسلين مَعَ مَا دلّت عَلَيْهَا من الشواهد والبراهين فَلَقَد صدق الله وَهُوَ أصدق الْقَائِلين حَيْثُ قَالَ مخبرا عَن الْأَخْبَار والقسيسين ﴿وَقَالَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه قل فَلم يعذبكم بذنوبكم بل أَنْتُم بشر مِمَّن خلق يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَإِلَيْهِ الْمصير﴾

стр. 354

مَسْأَلَة فِي الصلوبية وَقَوْلهمْ فِيهَا لاخلاف عِنْد النَّصَارَى أَن إِنْكَار صلب الْمَسِيح كفر وَمن شكّ فِيهِ فَهُوَ كَافِر وَأَنا الْآن أذكر كَلَامهم فِي الصلوبية وَفِي مَعْنَاهَا عِنْدهم قَالُوا الْكَلِمَة هُوَ الله وَهُوَ مَخْلُوق من طَرِيق الْجِسْم وخالق من طَرِيق النَّفس وَهُوَ خلق جِسْمه وَهُوَ خلق أمه وَأمه كَانَت من قبله بالناسوت وَهُوَ كَانَ من قبلهَا باللاهوت وَهُوَ الْإِلَه التَّام وَهُوَ الْإِنْسَان التَّام وَمن تَمام رَحمته على النَّاس أَنه رضى بهرق دَمه عَنْهُم فِي خَشَبَة الصلب فمكن الْيَهُود أعداءه من نَفسه ليتم سخطه عَلَيْهِم فَأَخَذُوهُ وصلبوه وغار دَمه فِي إصبعه لِأَنَّهُ لَو وَقع شَيْء من دَمه على الأَرْض ليبست إِلَّا شَيْء وَقع فِيهَا فنبت فِي مَوْضِعه النوار لِأَنَّهُ لما لم يُمكن فِي الْحِكْمَة الأزلية أَن ينْتَقم الله من عَبده العَاصِي آدم الَّذِي ظلمه واستهان بِحقِّهِ فَلم يرد الله الإنتقام مِنْهُ لاعتلاء منزلَة السَّيِّد وسقوطه منزل العَبْد أَرَادَ أَن ينتصف من الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ إِلَه مثله فانتصف من خَطِيئَة آدم بصلب عِيسَى الْمَسِيح الَّذِي هُوَ إِلَه متساو مَعَه فصلب ابْن الله الَّذِي هُوَ الله فِي السَّاعَة التَّاسِعَة من يَوْم الْجُمُعَة هَذَا نَص كَلَامهم من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَقَالَ بليون الجاثليق فِي رسَالَته لليون الْملك كبول أسرتنا لَا يُمكن أَن تحل إِلَّا بَان يطلع إِنْسَان من جنسنا وطبيعتنا من لَا تضبطه مَعْصِيّة الذَّنب على ضد آدم وَمن بدمه الطَّاهِر تمحو أزلات الرِّيق المهلك الَّذِي كَانَ حتمه الله وَقضى بِهِ مُنْذُ البدء فتم ذَلِك الْفِعْل عِنْد إنقضاء الزَّمَان الْمَحْدُود وَذَلِكَ ليتم الْوَعْد الْمَوْعُود مَفْهُوم هَذَا الْكَلَام أَن ذَنْب آدم كَانَ فِي رِقَاب بنيه إِلَى أَن قتل عِيسَى وانتقم مِنْهُ لأجل آدم وَحِينَئِذٍ عفى عَن آدم وبنيه ولهذه الْحِكْمَة كَانَت صلوبية الْمَسِيح عِنْدهم يَا معشر الْعُقَلَاء أنظروا بِعَين الإعتبار جهل هَؤُلَاءِ الأغمار وجرأتهم على الْعَزِيز

стр. 355

الْجَبَّار وَقَوْلهمْ بالشتيمة فِي الْأَنْبِيَاء الأخيار فَلَقَد ارتكبوا من المحالات وَقَالُوا من الأكاذيب والترهات مَا لم يقلهُ أحد من الْمَخْلُوقَات ثمَّ لم يكتفوا بِهَذِهِ العظائم حَتَّى أضافوا لله ولأنبيائه أعظم النقائص والشتائم فَللَّه سر فِي أبعاد بعض الْعباد ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾ فَهَؤُلَاءِ كَمَا قَالَ الله الْعَظِيم فِي كِتَابه الْكَرِيم ﴿صم بكم عمي فهم لَا يرجعُونَ﴾ وَاعْلَم أَنا لَو تتبعنا تنَاقض هَذَا الْكَلَام وأوردنا الإلزامات عَلَيْهِ لكتبنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَحدهَا سفرا على أَن الْعُقَلَاء يعلمُونَ فَسَاد هَذَا الْمَذْهَب بِالضَّرُورَةِ عِنْد مُجَرّد الْوُقُوف عَلَيْهِ وَلذَلِك لم يصر إِلَى نَحْو هَذَا الْمَذْهَب السخيف وَالْقَوْل الْقَبِيح أحد من الْأُمَم لَا من الْعَرَب وَلَا من الْعَجم لَا فِي الحَدِيث وَلَا فِي الْقدَم وَإِنَّمَا صَار إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الْجُهَّال لكَوْنهم لَيْسُوا من العقال بل حظهم من الْعقل حَظّ المجانين والأطفال فكلامهم أشبه شَيْء بِكَلَام الموسوسين والمختلطين المبرسمين وَلَقَد كَانَ يقتضى مَا يعلم من حَالهم الْكَفّ عَن مناظرتهم وجدالهم لَكِن سكُوت النبيه رُبمَا كَانَ دَاعِيَة لتطاول السَّفِيه وَقد تقدم هَذَا الإعتذار عَن هَذَا فِي أول الْكتاب وَلَكِن مَعَ هَذَا لَا بُد للمجانين من العزائم وَتَعْلِيق الْأَجْرَاس والنمائم فلنورد عَلَيْهِم من الإلزامات مَا يبطل تِلْكَ الترهات وَيبين تِلْكَ الأكذوبات فَنَقُول وَقد ذكرنَا فِيمَا تقدم أَن أَمر الصلوبية إِنَّمَا شرعها لَهُم قسطنطين بن هيلانة الْملك وَهُوَ الَّذِي سنّهَا وكتبها لَهُم فِي الْإِنْجِيل ليوغر صُدُور عامته ورعيته على الْيَهُود وَأَنه احتال عَلَيْهِم بِالرُّؤْيَةِ الَّتِي اخترعها فتم لَهُ مُرَاده مِنْهُم وَلم يكن عِنْده من أَمر عِيسَى إِلَّا خبر جملى ثمَّ اختلق لَهُم فِي شَأْنه أمورا تفصيلية هِيَ محَال فِي نَفسهَا لَكِنَّهَا مهولة على الْعَامَّة الرعاع كَقَوْلِهِم فِي الإلتحام وَفِي لاهوت الْمَسِيح

стр. 356

لم يتْركهُ ألم الصلب والإهانة وَإِنَّمَا أدْرك ذَلِك لحْمَته وكإطلاق لفظ الطبيعتين على لاهوته وناسوته إِلَى مَا عِنْدهم من الهذيانات الَّتِي هِيَ محَال بالضروريات وَقد قدمنَا فِي ذَلِك مَا يغنى عَن إِعَادَته وَاعْلَم أَن النَّصَارَى يدعونَ أَن الْيَهُود قتلت الْمَسِيح عِيسَى يَقِينا وَأَن الْيَهُود يدعونَ أَنهم قتلوا رجلا ادّعى نسخ التَّوْرَاة بعد أَن ادّعى النُّبُوَّة وَلم يقم عَلَيْهَا شَاهدا وَنحن ندعى أَن عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ لم يقْتله الْيَهُود وَلَا غَيرهم بل رَفعه الله إِلَيْهِ من غير قتل وَلَا موت وَنحن نبين أَن الْفَرِيقَيْنِ فِي شكّ مِنْهُ وَغير عَالمين بِشَيْء مِمَّا يَدعُونَهُ فِي صلبه فَنَقُول إِن مُسْتَند النَّصَارَى فِي قَوْلهم بالصلب إِنَّمَا هُوَ الْإِنْجِيل وَقد بَينا فِيمَا تقدم أَنه قَابل للتحريف والتبديل وَقد أرينا فِيهِ التَّنَاقُض والتحريف عيَانًا وأوضحنا على ذَلِك برهانا مَعَ مَا قدمنَا من أَن نَقله لَيْسَ نقلا متواترا يُفِيد الْعلم وَهَذَا يكفى مَعَ أَنهم لَيْسُوا عَالمين بِشَيْء مِمَّا يتضمنه وَلَو سلمنَا أَنه متواتر يحصل بنقله الْعلم لقلنا أَن الْأَخْبَار الَّتِي فِيهِ الَّتِي تَتَضَمَّن الصلب لَا تنص نصية قَاطِعَة للشَّكّ على أَن المصلوب هُوَ الْمَسِيح بِعَيْنِه بل هِيَ مُحْتَملَة لِأَن المصلوب غَيره وَلم تتفطن النَّصَارَى بغباوتهم لوجوه الإحتمال وَنحن نسرد نصوصهم فِي أَنَاجِيلهمْ ونبين ذَلِك وَوجه الإحتمالات فِيهَا إِن شَاءَ الله مستعينين بِهِ ومتوكلين عَلَيْهِ قَالَ متاؤوش فِي إنجيله وقف على الْمَسِيح يهوذا أحد الإثنى عشر وَمَعَهُ جمَاعَة برماح وَعصى وَكَانَ مَعَهم قواد القسيسين وأكابر بني إِسْرَائِيل وَكَانَ يهوذا قد قَالَ لأولئك الأعوان من قبطته من الْجَمَاعَة فَهُوَ

стр. 357

المُرَاد فاحبسوه وَفِي ذَلِك الْوَقْت دنا يهوذا إِلَى ياشوا وَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا معلم فَقَالَ لَهُ ياشوا يَا صديق لم أَقبلت هُنَا فَعِنْدَ ذَلِك تعلّقت الْجَمَاعَة بِهِ وحبسته زَاد ماركش أَنه لما قبضوا عَلَيْهِ تخلى عَنهُ التلاميذ وهربوا فَاتبعهُ شَاب عُريَانا وَهُوَ ملتف فِي رِدَائه فقبضوا عَلَيْهِ فَأسلم لَهُم الرِّدَاء وَنَجَا عُريَانا زَاد لوقا أَن بلاط لما أخبر أَنه جلجالي وَعلم أَنه من طَاعَة هيرودس بَعثه إِلَيْهِ زَاد فِي إنجيل يوحنا أَن ياشوا تقدم لجَماعَة وَقَالَ لَهُم من تُرِيدُونَ فَقَالُوا لَهُ ياشوا الناذري فَقَالَ لَهُم ياشوا أَنا هُوَ وَكَانَ يهوذا المدل عَلَيْهِ مَعَهم وَاقِفًا فَلَمَّا قَالَ لَهُم أَنا هُوَ قهقروا إِلَى خلف فتساقطوا فِي الأَرْض ثمَّ دنا مِنْهُم وَقَالَ لَهُم من تُرِيدُونَ فَقَالُوا لَهُ ياشوا الناذري فَقَالَ لَهُم من تُرِيدُونَ فَقَالُوا لَهُ ياشوا الناذري فَقَالَ لَهُم ياشوا قد قلت لكم إِنِّي أَنا هُوَ فَإِن كُنْتُم إِنَّمَا تريدونني أَنا فأطلقوا سَبِيل هَؤُلَاءِ وَذكر مَتى أَن يهوذا الدَّال عَلَيْهِ لما أبْصر مَا فعل بِهِ نَدم ورد الثَّلَاثِينَ درهما على قواد القسيسين وَقَالَ أَخْطَأت إِذْ سلمت دَمًا صَالحا فَقَالُوا لَهُ مَا علينا أَنْت ترى فَألْقى الدارهم فِي الْبَيْت وَتوجه إِلَى مَوضِع خنق فِيهِ نَفسه

стр. 358

هَذِه نُصُوص أَنَاجِيلهمْ ومستند إعتقاداتهم لَيْسَ شَيْء مِنْهَا يدل دلَالَة قَاطِعَة على أَن المصلوب هُوَ الْمَسِيح بِعَيْنِه بل إِذا اعْتبر الْعَاقِل تِلْكَ الحكايات الْمَذْكُورَات ولفق متلفقها وحقق النّظر فِيهَا تفطن لموْضِع الأشكال وتنبه لمثار الشَّك فِيهَا والإحتمال وَنحن نبين ذَلِك بعون الله فَنَقُول مَا سودناه من أَنَاجِيلهمْ فِيهِ أحتمالات مِنْهَا أَن يهوذا كذب للْيَهُود فِي قَوْله هُوَ ذَا فَإِن الْيَهُود كَانَت لَا تعرفه وَلم تَأْخُذهُ إِلَّا بِشَهَادَتِهِ أَنه هُوَ أَلا ترى أَن يهوذا عرفهم إِيَّاه بالعلامة وَكَذَلِكَ يدل على ذَلِك سُؤَالهمْ عَنهُ وَكَذَلِكَ سُؤال بلاط عَن بَلَده حِين أخبر أَنه من جلجال يدل على أَنه كَانَ لَا يعرفهُ فَهَذَا كُله يدل على أَنهم كَانُوا لَا يعرفونه وَإِنَّمَا عولوا فِي تَعْيِينه لَهُم على يهوذا فَإِذا ثَبت ذَلِك فَيحْتَمل أَن يكون يهوذا إِنَّمَا أَشَارَ إِلَى غَيره لِأَنَّهُ كَانَ نَدم على بَيْعه كَمَا تقدم نَصه فِي كتبكم وَيدل على أَنه تَابَ من ذَلِك وَنَدم عَلَيْهِ وَحسنت تَوْبَته قَول عِيسَى لَهُ فِيمَا زعمتم حِين سلم عَلَيْهِ يَا صديق لم أَقبلت وَلَو كَانَ مصرا على الدل عَلَيْهِ وعَلى مَا كَانَ هم بِهِ لما كَانَ يحل لعيسى أَن يَقُول لَهُ يَا صديق فَإِنَّهُ كَانَ يكون كَافِرًا وَلَا يُمكن أَن يَقُول للْكَافِرِ يَا صديق فَإِنَّهُ كذب لِأَن الْكَافِر عَدو فَيلْزم هُنَا أحد ثَلَاثَة أُمُور أما أَن يكون يهوذا تَابَ فِي ذَلِك الْوَقْت وَنَدم على مَا فرط مِنْهُ فعفى عَنهُ وتوبته لَا تصح فِي تِلْكَ الْحَال أعنى حَال الدّلَالَة عَلَيْهِ إِلَّا بِأَن يعدل عَنهُ وَلَا يدل عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ فعل وَالله أعلم أَو يكون عِيسَى كَاذِبًا فِيمَا قَالَ لَهُ حَيْثُ أخبر أَنه صديق وَعِيسَى ﵇ منزه عَن الْكَذِب أَو يكون كتابكُمْ بَاطِلا ومحرفا فَاخْتَارُوا من هَذِه الثَّلَاث وَاحِدَة وَأي شَيْء التزمتم مِنْهَا فَهِيَ مبطلة لقولكم وفاسدة

стр. 359

وَيدل على حسن تَوْبَته وصدقها أَنه رمى بِالدَّرَاهِمِ واعترف بالخطية وَقتل نَفسه وَهَذَا يدل على غَايَة الصدْق فِي النَّدَم ومقصود هَذَا الْكَلَام أَن يهوذا نَدم وَلَا بُد على مَا فرط مِنْهُ فَيحْتَمل أَن يكون دلّ على غَيره من أَصْحَابه وَأَن ذَلِك الْغَيْر رضى بِأَن يقتل مَكَان الْمَسِيح فتعرض بِنَفسِهِ للْيَهُود فَأَخَذُوهُ وَرفع عِيسَى مَكَانَهُ إِلَى السَّمَاء كَمَا رفع أَخْنُوخ النَّبِي وَهُوَ إِدْرِيس ﵇ وَهَذَا كَمَا تَقولُونَ أَنْتُم أَنه لما صلب وحيى اجْتمع بِأَصْحَابِهِ بجلجال ثمَّ رفع إِلَى السَّمَاء فقد توافقنا على الرّفْع وَأَنْتُم تَقولُونَ أَنه بعد الصلب والصفع والإهانة وَنحن نجله ونكرمه عَن ذَلِك ونقول أَنه رفع من غير صلب وإهانة بل صانه الله من أَن يظفر بِهِ عدوا وأكرمه حَتَّى أحله مَكَانا عليا وَلَو كُنْتُم عقلاء لجحدتم أَمر الصلوبية وَلم تعترفوا بهَا ولقبلتم قَوْلنَا فِيهَا وَلَو فَعلْتُمْ ذَلِك لَكَانَ أليق بكم وأستر لجهلكم فَإِنَّكُم تُرِيدُونَ أَن تجمعُوا بَين نقيضين حَيْثُ حكمتم عَلَيْهِ بأمرين محالين الهية وصلوبية وَمِنْهَا أَن يحْتَمل أَن يكون الْمَسِيح فِي الْجَمَاعَة الَّذين أطلق الأعوان سبيلهم وَكَانَ الْمُتَكَلّم مَعَهم غَيره مِمَّن يُرِيد أَن يَبِيع نَفسه من الله ويقى الْمَسِيح بِهِ فَقَالَ ذَلِك الْمُتَكَلّم أَنا الْمَسِيح فحبسوه وخلوا سَبِيل غَيره فانفلت الْمَسِيح فِي جُمْلَتهمْ ويقوى هَذَا الإحتمال أَن يهوذا كَانَ وَاقِفًا نَاحيَة وَلم يُنَبه عَلَيْهِ لكَونه كَانَ نَادِما لما قد تبين وَبعد ذَلِك رفع وَمِنْهَا أَن أُولَئِكَ الأعوان أخذُوا عَلَيْهِ رشوة فأطلقوه وعَلى هَذَا يدل حَدِيث رِدَاء الشَّاب حَيْثُ قَالَ ماركش إِن الشَّاب أسلم اليهم الرادء لما تقبضوا عَلَيْهِ وَإِذا جَازَ أَن يَأْخُذ يهوذا الأشكريوث وَهُوَ حواريه على قَتله ثَلَاثِينَ درهما جَازَ أَن يَأْخُذ الأعوان على إِطْلَاقه رِدَاء

стр. 360

وَمِنْهَا أَنه لَا يبعد أَن يكون الله تَعَالَى رفع الْمَسِيح إِلَى السَّمَاء وصور لَهُم شَيْطَانا أَو غَيره بِصُورَة تشبه صورته فاعتقدوا أَنه هُوَ فصلبوه وَإِلَى هَذَا يشيء سُكُوته حَيْثُ سَأَلُوهُ فَسكت وَلم يجاوبهم وَفِي الْوَقْت الَّذِي تكلم لَهُم نزلت تِلْكَ الصُّورَة نَفسهَا مَنْزِلَته وَهَذَا كُله مُمكن لَا يَدْفَعهُ عقل فَإِن الله على كل شَيْء قدير وَلَا يَدْفَعهُ ايضا نقل فَإِن كل مَا نقلتموه لَيْسَ نصا قَاطعا وَلَا نقل نقلا متواترا فَحصل من هَذَا أَنكُمْ غير عَالمين بصلبه وَلَا موقنين بقتْله وَأما الْيَهُود فليسوا أَيْضا عَالمين بِشَيْء من ذَلِك إِذْ لَا يصدقون كتابكُمْ وَلَيْسَ عِنْدهم نقل متواتر بذلك على التَّفْصِيل وغايتهم أَن يعتقدوا على الْجُمْلَة أَن رجلا كَانَ فِيمَا مضى غير بعض أَحْكَام التَّوْرَاة فَشهد عَلَيْهِ بذلك فَقتل وَكِتَابكُمْ يدل على أَنهم إِنَّمَا قتلوا رجلا شهد لَهُم فِيهِ يهوذا الأشكريوث أَنه الْمَسِيح الَّذِي ادّعى أَنه ابْن الله فَحصل من هَذَا أَن الْيَهُود فِي شكّ مِنْهُ وأنكم أَنْتُم على غير علم بِهِ وَهَكَذَا قَالَ كتاب الله النَّاطِق على لِسَان رَسُوله الصَّادِق ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم وَإِن الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ لفي شكّ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا بل رَفعه الله إِلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ وَحين بَينا أَنهم فِي شكّ من الصلوبية يَنْبَغِي أَن نتتبع بِالنَّقْضِ كَلَامهم الْمُتَقَدّم فَنَقُول أما قَوْلهم من رَحمته على النَّاس أَنه رضى بهرق دَمه عَنْهُم فِي خشيَة الصلب فتواقح لَا يفوه بِهِ من لَهُ من الْحيَاء أقل نصيب يَا عجبا كَيفَ يجترئ أَن ينْطق بِهَذِهِ القبائح عَاقل أم كَيفَ يرضى لنَفسِهِ بِمثل هَذِه المخازي فَاضل وهلا كَانَ يرحم عباده بِأَن يغْفر لأبيهم وَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا كُله أَو لَيْسَ كَانَ يكون غفران الذَّنب أَهْون عَلَيْهِ ابْتِدَاء وأليق بالحكمة وَالرَّحْمَة والرأفة من أَن يُعَاقب من لم يجن ثمَّ ذَلِك المعاقب الَّذِي لم يجن الذَّنب ابْنه بل وَهُوَ عنْدكُمْ

стр. 361

نَفسه بإعتبار مَا حل فِيهِ مِنْهُ فَلم يرض من عُقُوبَة الذَّنب الَّذِي جناه آدم حَتَّى عاقب نَفسه أَو ابْنه فَأنْتم فِي هَذَا القَوْل الوقاح والإفك الصراح بِمَنْزِلَة رجل أَخطَأ عَلَيْهِ عَبده فبقى بعد مُدَّة غاضبا عَلَيْهِ وعَلى غَيره من عبيده نَاوِيا على معاقبتهم حَتَّى ولد لنَفسِهِ ولد فَعمد إِلَيْهِ فَقتله بذنب العَبْد الَّذِي كَانَ أذْنب ثمَّ لم يقنع بذلك حَتَّى ضرب نَفسه ولامها وأهانها على مَا صنع عَبده مَعَ أَنه قد كَانَ مُتَمَكنًا من أَن يغْفر لعَبْدِهِ وَلَا يفعل هَذَا بولده وَلَا بِنَفسِهِ فَأَي تشف يحصل لَهُ مِمَّا فعل بل يحصل لَهُ كل ألم وَنقص وخلل مثل السَّفِيه الأحمق الْجَاهِل بل يزِيدهُ ذَلِك فِي كربته وَيَدْعُو إِلَى دوَام حزنه وحسرته ويلزمكم على ذَلِك أَن يكون الله تَعَالَى لم يتب على آدم ﵇ إِلَّا بعد أَن صلب الْمَسِيح وَبِذَلِك تَكْذِيب كتب الْأَنْبِيَاء فَإِنَّهَا تقتضى أَن آدم بَكَى على خطيته ودعا الله تَعَالَى حَتَّى تَابَ عَلَيْهِ واجتباه ويلزمكم أَيْضا عَلَيْهِ أَن يكون نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَمَا بَينهم من النَّبِيين عصاة بذنب آدم حَتَّى صلب عِيسَى وَحِينَئِذٍ غفر لَهُم وَقد صرح بعض أقستكم لَعنه الله أَن آدم وَجَمِيع وَلَده إِلَى زمَان عِيسَى كَانُوا كلهم ثاويين فِي الْجَحِيم بخطيئة أَبِيهِم حَتَّى فداهم عِيسَى بهرق دَمه فِي الْخَشَبَة فَلَمَّا صلب نزل جَهَنَّم وَأخرج مِنْهَا جَمِيعهم إِلَّا يهوذا الأشكريوث فَانْظُر هَل يستجرئ مَجْنُون موسوس على أَن يَقُول أَن نوحًا وَإِبْرَاهِيم الْخَلِيل ومُوسَى الكليم وَمن بَينهم من النَّبِيين مثل يَعْقُوب وَإِسْحَق وَغَيرهمَا من الْأَبْنَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ كلهم فِي نَار الْجَحِيم وَالْعَذَاب الْأَلِيم وَفِي السخط الْعَظِيم حَتَّى صلب الْإِلَه نَفسه وإبنه فَانْظُر هَل سبّ الْأَنْبِيَاء بأقبح من هَذِه الشتائم أَو هَل تجرأ أحد قطّ أَن يَقُول على الله وعَلى رسله مثل هَذِه العظائم فسبحان الْحَلِيم الَّذِي يمهلكم والكريم الَّذِي يرزقكم وَلَكِن إِنَّمَا يعجل من يخَاف الْفَوْت أَو يجزع من الْمَوْت ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة ترى الَّذين كذبُوا على الله وُجُوههم مسودة أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للمتكبرين﴾

стр. 362

ثمَّ يلزمكم عَلَيْهِ أَيْضا نِسْبَة الله إِلَى الْجور وَإِلَى أَنه يَأْخُذ بالذنب غير فَاعله ويعاقب على الزُّور غير قَائِله وَهَذَا يهون عَلَيْكُم إِذْ لَيْسَ للإله قدر عنْدكُمْ إِذْ قد صرحتم بِأَن آدم ظلمه وَأَنه لَا يُمكن أَن ينْتَقم مِمَّن ظلمه واستهان بِقَدرِهِ فياليت شعري لأي شَيْء لم يُمكنهُ أَن ينْتَقم من عَبده الْعَاجِز عَن ذَلِك أم لِأَنَّهُ لَا يقدر على عِقَاب أحد مِمَّن هُنَالك أم بحكمة أَنه يُعَاقب غير الْجَانِي أم لحكمة قتل وَلَده فِي جِنَايَة عَبده قاتلكم الله مَا أسخف عقولكم وَمَا أرك فروعكم وأصولكم ثمَّ أعجب من ذَلِك أَنهم يَقُولُونَ الْكَلِمَة هِيَ الله وَالله هُوَ الْمَسِيح ثمَّ يَقُولُونَ إِنَّه لم يُمكنهُ أَن ينْتَقم من عَبده العَاصِي الَّذِي ظلمه وَإِنَّمَا انتقم من إِلَه مثله فَانْظُر إِلَى هَذَا التَّنَاقُض الشنيع كَيفَ يعتقدونه تَارَة أَنه هُوَ فَيلْزم عَلَيْهِ أَنه هُوَ المنتقم والمنتقم مِنْهُ والمعاقب والمعاقب وَتارَة يَعْتَقِدُونَ أَن الإهانة والصلب لم يحل بلاهوته بل حل بناسوته وناسوته لَيْسَ بإله فَيلْزم على هَذَا القَوْل الآخر أَنه لم ينْتَقم من إِلَه مثله وَكَيف مَا كَانَ فالتناقض لَهُم لَازم والمحال وَهَكَذَا يفعل الله بالجهال أهل الضلال ثمَّ انْظُر سخف جرأتهم على الْكَذِب وَقَوْلهمْ بالمحال من غير سَبَب حَيْثُ قَالَ فَأَخَذُوهُ وصلبوه فغار دَمه فِي اصبعه وَهَذَا لم يرد مِنْهُ شَيْء فِي كتبهمْ بل هُوَ من كذبهمْ وإختراعهم وَلَو كَانَ هَذَا حَقًا لَكَانَ أولى بِالنَّقْلِ من نقلهم جعل الصَّلِيب على عُنُقه وَأَنه رفع إِلَيْهِ إِنَاء خل ليشربه وَكتب على خشبته بالرومية والعبرانية والعجمية هَذَا ملك الْيَهُود فَهَذَا ولابد كذب وتواقح فَإِن كابروا فِي ذَلِك على عَادَتهم قُلْنَا لَهُم فَأتوا بالإنجيل فاتلوه إِن كُنْتُم صَادِقين ثمَّ انْظُر كَيفَ تنَاقض ذَلِك الْمُتَكَلّم على الْفَوْر فِي قَوْله لِأَنَّهُ

стр. 363

لَو وَقع شَيْء من دَمه على الأَرْض ليبست ثمَّ إِنَّه أثر ذَلِك قَالَ أَلا شَيْء وَقع فِيهَا نبت مِنْهُ النوار فَكيف يَصح فِي عقل مَجْنُون فأحرى فِي عقل عَاقل أَن يتَكَلَّم بِمثل هَذَا الهذيان أَو يسْتَحل أَن يَتَحَرَّك لَهُ بذلك لِسَان فَإِنَّهُ كذب فَاسد متناقض فلعمري لَو أَن شَيْطَانا يتقول على ألسنتهم وَهُوَ يُرِيد الإضحاك بهم مَا بلغ مِنْهُم بِأَكْثَرَ مِمَّا بلغُوا من أنفسهم بِهَذَا القَوْل السفساف الَّذِي اتّفق الْعُقَلَاء على فَسَاده وإستحالته من غير خلاف وَلَقَد أحسن بعض عقلاء الشُّعَرَاء فِي إفحام هَؤُلَاءِ الأغبياء فَقَالَ ... عجبى للمسيح بَين النَّصَارَى ... وَإِلَى أَي وَالِد نسبوه أسلموه إِلَى الْيَهُود وَقَالُوا ... أَنهم بعد قَتله صلبوه فَإِذا كَانَ مَا تَقولُونَ حَقًا ... وصحيحا فَأَيْنَ كَانَ أَبوهُ حِين حل ابْنه رهين الأعادي ... أَترَاهُم قد رضوه أم أغضبوه فلئن كَانَ رَاضِيا بأذاهم ... فاحمدوهم لأَنهم عذبوه وَإِذا كَانَ ساخطا فاتركوه ... واعبدوهم لأَنهم غلبوه ... فقد جعلتم أَنفسكُم ضحكة الْعُقَلَاء حَيْثُ ارتكبتم كل قبيحة شنعاء وَمَا بالنا نطول الْكَلَام مَعَ من تبين عارهم ومحالهم للخاص وَالْعَام فَقدر هَؤُلَاءِ الْقَوْم عِنْد الْعُقَلَاء أَحْقَر من قلامة فِي قمامة وأخس من بقة فِي حَقه وَلَوْلَا أَن هذيانهم ومحالهم طبق الْوُجُود لما كَانَ يَنْبَغِي أَن يتَكَلَّم مَعَهم من الْعُقَلَاء مَوْجُود فَإِن الْكَلَام مَعَهم مخل بالعقول محوج لحكاية القبائح والفضول وَقد قدمت فِي صدر الْكتاب مَا يمهد الْعذر ويزيل العتاب وَأَنا اسْتغْفر الله الْعَظِيم الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم وأسأله التَّوْبَة من حِكَايَة قبائحهم وأسأله جزيل الْأجر فِي إبداء فضائحهم

стр. 364

مَسْأَلَة فِي تَركهم الْخِتَان لَا خلاف بَينهم أَن عِيسَى ﵇ كَانَ مختونا وَأَن الْخِتَان من أَحْكَام التَّوْرَاة وثابت فِيهَا وَإِن أنكر ذَلِك متواقح جَاهِل ذكرنَا لَهُ نَص التَّوْرَاة قَالَ فِي التَّوْرَاة إِذْ حبلت امْرَأَة وَولدت ذكرا تكون نَجِسَة سَبْعَة أَيَّام كَمَا تكون أَيَّام حَيْضَتهَا وَفِي الْيَوْم الثَّامِن يختن الصَّبِي ونكون نَجِسَة تجْلِس مَكَانهَا ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَهَذَا نَص لَا إِشْكَال فِيهِ ثمَّ إِن النَّصَارَى بتحكمهم وإستهانتهم بالشرائع تركُوا الْعَمَل وَذَلِكَ من غير أصل يعتمدون عَلَيْهِ ولانسخ يثبت عِنْدهم لَهُ وَمن ادّعى مِنْهُم شَيْئا من ذَلِك طالبناه بِنَصّ من الْإِنْجِيل وَلَيْسَ لذَلِك من سَبِيل غير التحكم بالقال والقيل وَقد وجدت فِي كتبهمْ الْفِقْهِيَّة أَنهم قَالُوا فِي تَأْوِيل حكم الْخِتَان قولا أَتَوا فِيهِ على التَّوْرَاة بِالْبَاطِلِ والبهتان قَالُوا إِنَّمَا عَنى بالختان نقاوة الْقُلُوب وصفاء النِّيَّة وَذَهَاب الغلوفة كَالَّذي يَقُول الْكتاب عَن الْيَهُود إِن رقابهم قاسية وَقُلُوبهمْ غلف وَلذَلِك علمنَا أَن الله استقذر غلوفة الْقلب وَلَيْسَ غلوفة اللَّحْم فَمَا على الْإِنْسَان أَن يختن لَحْمه إِذْ لامنفعة لَهُ فِي ذَلِك فَمن شَاءَ اختتن وَمن شَاءَ ترك وَالْأَحْسَن أَن تتْرك الأجساد تَامَّة غير نَاقِصَة كَمَا بهَا خلقنَا الله هَذَا نَص كَلَامهم فِي كتبهمْ فَانْظُر أَيهَا الْعَاقِل إِن كنت منصفا مَا الَّذِي ارتكبوه من العظائم ونسبوه إِلَى الله وَرُسُله من الشائم فأولها أَنهم كذبُوا على الله حَيْثُ قَالُوا إِنَّمَا أَرَادَ الله بِهَذِهِ الحكم إِزَالَة غلوفية الْقُلُوب وَلَو كَانَ ذَلِك حَقًا لبينه مُوسَى للنَّاس وَلما جَاءَهُم بالختان وَلما فعله وَلما فعل بِيَحْيَى وَعِيسَى وَسَائِر الْأَنْبِيَاء الَّذين حكمُوا بِالتَّوْرَاةِ وَلم يزَالُوا يختتنون ويأمرون بالختان إِلَى زمَان الْمَسِيح ثمَّ إِن الْمَسِيح لم ينْه عَنهُ وَلَا أَمر بِتَرْكِهِ فَهَذَا على الله وَرُسُله كذب صراح وَقَول وقاح

стр. 365

وَثَانِيها أَنهم سفهوا أَحْكَام الله ورسل الله حَيْثُ قَالُوا لَا مَنْفَعَة فِي ذَلِك مَعَ أَن الله قد حكم بِهِ وشرعه وَبلغ ذَلِك أنبياؤه وَرُسُله وعلموه النَّاس فَكيف يجوز على الله وعَلى أنبيائه أَن يتعبدوا النَّاس بِحكم لَا فَائِدَة لَهُ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة فَهَذَا غَايَة الإفتراء على الله وعَلى رسله ثمَّ يلْزمهُم على ذَلِك أَن يَكُونُوا عابثين فِي أفعالهم وَأَن وجود الشَّرَائِع وَعدمهَا بِمَثَابَة وَاحِدَة وَكَذَلِكَ إرْسَال الرُّسُل وإنزال الْكتب وَلَا كفر أعظم من هَذَا ثمَّ إِنَّا نبدي فَوَائِد الْخِتَان حَتَّى يظْهر كذبهمْ وجهلهم وتواقحهم لكل إِنْسَان ونقول فِي الْخِتَان فَوَائِد كَثِيرَة مِنْهَا أَولا أَنَّهَا عبَادَة فِي بدن الْإِنْسَان إِذا فعلهَا أثيب وَإِن تَركهَا عُوقِبَ على القَوْل بِوُجُوبِهِ وَلَا فَائِدَة أعظم من هَذَا وَثَانِيا أَنه لَا يَتَأَتَّى مَعَ وجود الغلفة مُبَالغَة فِي النَّظَافَة وَمَعَ زَوَالهَا يَتَأَتَّى ذَلِك وثالثا أَنه ألذ فِي الْجِمَاع وأسرع لمجئ شَهْوَة الوقاع وَمَعَ وجودهَا يكون أبعد للشهوة وَقد تكون الغرلة إِذا طَالَتْ مكسلة عَن الْإِنْزَال ورابعا أَن خُرُوج المَاء الدافق من غير غلفة وإنزعاجه أَشد فَإِن الغلفة إِذا طَالَتْ رُبمَا نقصت من إنزعاجه وفترته وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَخرج المَاء فاترا قد لَا يَقع فِي الْمحل الَّذِي ينْعَقد فِيهِ النُّطْفَة فَلَا ينْعَقد الْوَلَد وَيكون هَذَا كالعزل ومقصود الشَّرْع فِي الْغَالِب تَكْثِير النَّسْل فَهَذِهِ أَربع فَوَائِد مُحَققَة لَا يتَصَوَّر إنكارها وَقد لَا يبعد أَن يقْصد الشَّرْع جَمِيعهَا أَو بَعْضهَا فَإِذن قد تبين أَن النَّصَارَى كذبُوا على الله وجهلوا شرع الله وَثَالِثهَا أَنهم تركُوا حكم الله بالتوهم بل بالهوى والتحكم وتأولوا من غير حَاجَة للتأويل وَرفعُوا النَّص والتنزيل فهم أهل التحريف والتبديل ثمَّ الْعجب من كذبهمْ وَظُهُور تناقضهم حَيْثُ حكوا عَن عِيسَى أَنه قَالَ لم آتٍ لأنقض شَرِيعَة من قبلي وَإِنَّمَا أتيت

стр. 366

لأتممها فَإِن كَانَ هَذَا القَوْل حَقًا عِنْدهم فلأي شَيْء نقضوا شَرِيعَة من قبله حرفا حرفا وَإِن كَانَ كذبا فكفاك بذلك فَسَادًا وخلفا وَرَابِعهَا أَنهم لما نقضوا حكم الله فضلوا بحكمهم وأهوائهم على شرع رَسُول الله حَيْثُ قَالَ وَالْأَحْسَن أَن تتْرك الْأَجْسَام تَامَّة غير نَاقِصَة وَهَذِه مُبَالغَة فِي تسفيه مُوسَى والنبيين وَفِي تسفيه الْمَسِيح فَإِنَّهُم قد تركُوا الْأَحْسَن وفعلوا الأسوأ والأفسد فَاعْتبر أَحْوَالهم فَمَا أعجبها وجهالاتهم فَمَا أغربها مذمومون وهم يتوهمون أَنهم يمدحون ومخالفون ويظنون أَنهم متبعون ثمَّ مَعَ ظُهُور عَوْرَاتهمْ لكل عَاقل يتعرضون للشريعة الصَّحِيحَة بِكُل جهل وباطل ويموهون بخرافات وترهات لَا يلْتَفت إِلَيْهَا عَاقل يظنون أَن دين الْإِسْلَام كدينهم الْمُسْتَند إِلَى الترهات والأوهام الَّتِي لَا يقبلهَا سليم الْفطْرَة من الْعَوام وسنبين أصُول دين الْإِسْلَام ومستنداتهم فِي أحكامهم بحول الله فِي الْفَنّ الثَّانِي من هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى مسأله فِي صِيَامهمْ قَالَ حَفْص بن الْبر مِنْهُم فِي بعض كتبه وَقد سَأَلَهُ سَائل عَن صِيَامهمْ فَقَالَ أول من صَامَ الْأَرْبَعين يَوْمًا مُوسَى ابْن عمرَان وَبعد ذَلِك صامها إلْيَاس النَّبِي الَّذِي رَفعه الله فِي عصر بني إِسْرَائِيل ثمَّ بعد ذَلِك صامها الْمَسِيح وَأما الْعلمَاء فأكملوا ثَلَاثَة وَأَرْبَعين يَوْمًا وَإِنَّمَا هِيَ عشر أَيَّام السّنة كَمَا قَالَ بولش الْحوَاري فِي بعض رسائله كَمَا تؤدون العشرات من أَمْوَالكُم فأدوا العشرات من أبدانكم فَهَذَا هُوَ الصّيام الْمَفْرُوض اعْلَم يَا هَذَا أَن هَذَا القس الَّذِي هُوَ حَفْص هُوَ من أكيسهم وأفصحهم على أَنه لَيْسَ فِي الْقَوْم رجل رشيد وَلَا ذُو عقل سديد وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَنَّهُ قد ضربت عَلَيْهِ الْجِزْيَة وَلَزِمَه الصغار والذلة إِذْ كَانَ قد نَشأ فِي ذمَّة الْمُسلمين وَتعلم من علومهم مَا فاق بِهِ النَّصَارَى أَجْمَعِينَ

стр. 367

وَمَعَ ذَلِك فَإِذا أَخذ يتَكَلَّم فِي عُلُوم النَّصَارَى وأحكامهم تلجلج لِسَانه وَقصر بَيَانه لِأَنَّهُ ينزل على آرائهم الْفَاسِدَة وتحكماتهم الْبَارِدَة وَهل يصلح الْعَطَّار مَا أفسد الدَّهْر نبين لَك يَا هَذَا أَن كَلَامه فِي هَذَا الْفَصْل فَاسد واحتجاجه بَارِد وَذَلِكَ أَنه ادّعى أَن صَوْم الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعِينَ وَاجِب وَحين أَخذ يسْتَدلّ على وُجُوبهَا اسْتدلَّ على وجوب الْأَرْبَعين ثمَّ أخبر أَن علماءهم زادوا من عِنْد أنفسهم ثَلَاثَة أَيَّام فَنَقُول لَهُم وَهَذِه الثَّلَاثَة الْأَيَّام الَّتِي ادعيتم وُجُوبهَا هَل علم مُوسَى وَعِيسَى وَمن بَينهمَا من الْأَنْبِيَاء أَنَّهَا من فرض الصّيام أَو لم يعلمُوا فَإِن كَانُوا قد علمُوا فلأي معنى لم يبلغُوا وَلم يبينوا وَيلْزم مَعْصِيّة الْأَنْبِيَاء من وَجْهَيْن من حَيْثُ أَنهم لم يَصُومُوا مَا هُوَ فرض الله وَمن حَيْثُ لم يبلغُوا الشَّرْع وَذَلِكَ محَال عَلَيْهِم وَإِن كَانُوا لم يعلمُوا وجوب هَذِه الْأَيَّام الثَّلَاثَة فَمن أَيْن علم الْجُهَّال أمثالكم وُجُوبهَا وَالْأَحْكَام إِنَّمَا تستند إِلَى أَقْوَال الْأَنْبِيَاء وكتبهم فَإِن قَالُوا أوجبهَا بولش الْحوَاري قُلْنَا ذَلِك هُوَ الَّذِي أفسد عَلَيْكُم أديانكم وأعمى بصائركم وأذهانكم ذَلِك هُوَ الَّذِي غير دين الْمَسِيح الصَّحِيح الَّذِي لم تسمعوا لَهُ بِخَبَر وَلَا وقفتم مِنْهُ على أثر على مَا تقدم هُوَ الَّذِي صرفكم عَن الْقبْلَة وحلل لكم كل محرم كَانَ فِي الْملَّة وَلذَلِك كثرت أَحْكَامه عنْدكُمْ وتداولتموها بَيْنكُم ويدلك على ذَلِك أَنَّك إِذا سَمِعت لَهُ قولا فِي حكم فتكاد لَا تحده إِلَّا مغيرا للْأَحْكَام الْمُتَقَدّمَة مُخَالفا لَهَا فَتَارَة يزِيد وَأُخْرَى ينقص وَأُخْرَى يرفع يعرف هَذَا من وقف على كتبهمْ وعَلى مَا ينقلون عَنهُ ثمَّ لَو سلمنَا أَنه لم يفعل شَيْئا من ذَلِك لما كَانَ يَنْبَغِي لكم أَن تَأْخُذُوا بقوله وتتركوا فعل مُوسَى وَعِيسَى والياس وَقَوْلهمْ وَهل فعل ذَلِك إِلَّا جهل لَا يَنْبَغِي أَن يُصَار إِلَيْهِ وَلَا يلتزمه أحد حكما عَلَيْهِ فَإِن المبلغين عَن الله المبينين شرع الله إِنَّمَا هم مُوسَى وَعِيسَى وَمن تنزل مَنْزِلَتهمْ وبإتفاق مِنْكُم أَن بولش

стр. 368

لَيْسَ منزلا منزلَة مُوسَى وَلَا منزلَة عِيسَى وغايته إِذا سلم مِمَّا ذكر عَنهُ فِي كتب التواريخ أَن يكون حواريا لم تكْثر صحبته لعيسى بل صَحبه أَيَّامًا قَلَائِل بِدَعْوَاهُ وَلَيْسَت صحبته لَهُ كصحبة متاؤوش وَلَا يوحنا وَلَا أحد من الْأَحَد عشر حواريا ثمَّ لَو سلمنَا أَنه صُحْبَة صحبتهم فَلَعَلَّهُ ارْتَدَّ بعد رفع عِيسَى كَمَا فعله الأشكريوث بزعمكم ثمَّ لَو سلمنَا أَنه لم يرْتَد فَمن أَيْن يلْزم إتباع حكمه وَلَا سِيمَا إِذا غير الْأَحْكَام الْمُتَقَدّمَة وَحكم بِخِلَافِهَا وَلَيْسَ بِنَبِي وَلَا رَسُول فَإِن قُلْتُمْ إِنَّه نَبِي فقد قدمنَا مَا يكذب قَوْلكُم وَيرد عَلَيْكُم زعمكم فقد تبين من هَذَا أَن حَفْص بن الْبر على جلالة قدره عِنْدهم قبل مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يرد ورد مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يقبل فَإِنَّهُ رد فعل مُوسَى وَعِيسَى وإلياس وَقبل قَول عَامَّة النَّاس فَهُوَ وهم من الأخسرين أعمالا ﴿الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ وَلَو تتبعنا أَحْكَام صِيَامهمْ لأظهرنا فِيهَا كثيرا من هذيانهم فلنأخذ من كل بَاب مَسْأَلَة وَاحِدَة بحول الله وَحسن عونه مَسْأَلَة فِي أعيادهم المصانة قَالَ حَفْص أما بعد فَإِن الَّذِي أردْت علمه من الأعياد السَّبْعَة الَّتِي أَمر القانون بصيانتها فَهِيَ مَعْرُوفَة فَأول يَوْم مِنْهَا إِذْ بشر جِبْرِيل الْملك مَرْيَم بإيلاد الْمَسِيح وَالْيَوْم الثَّانِي إِذْ ولد الْمَسِيح وَالثَّالِث إِذْ ختن إِلَى ثَمَانِيَة أَيَّام وَالرَّابِع إِذْ ظهر للهجين وأهدوا إِلَيْهِ ذَهَبا ولوبانا وَمَرا وَهُوَ يَوْم النَّجْم وَالْخَامِس يَوْم الفصح إِذْ قَامَ عَن الْقَبْر وَالسَّادِس إِذْ تخطفته السحابة ورقى إِلَى السَّمَاء بِمحضر الحواريين وَالسَّابِع إِذا نزل روح الْقُدس على الحواريين وَتَكَلَّمُوا بِجَمِيعِ الألسن

стр. 369

وَأما غَيرهَا من الْأَيَّام الَّتِي اسْتشْهد فِيهَا الشُّهَدَاء ويصونها النَّاس وَيَتَصَدَّقُونَ فِيهَا على الْمَسَاكِين والضعفاء فَوَاجِب على كل ذِي عقل أَن يصونها إِمَّا فِي مَدِينَة وَإِمَّا فِي قَرْيَة فَنَقُول لَهُ وَلَهُم هَذِه الْأَيَّام المصانة عنْدكُمْ هَل صيانتها وَاجِب عنْدكُمْ بِالشَّرْعِ أَو لَيْسَ وَاجِبا بِالشَّرْعِ فَإِن قَالُوا لَيْسَ بِوَاجِب بِالشَّرْعِ قُلْنَا لَهُم فلأي معنى تعملونها وتلتزمون صيانتها حَتَّى أَن من كَانَ فِي قَرْيَة أَو فِي موطن لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يرتحل عَنهُ حَتَّى يُتمهَا فقد التزمتم مَا لَيْسَ بِلَازِم وأوجبتم مَا لَيْسَ بِوَاجِب فَإِن قَالُوا هِيَ وَاجِبَة بِالشَّرْعِ قُلْنَا لَهُم بِأَيّ شرع وَجَبت بشرع مُوسَى أَو شرع عِيسَى فَإِن قَالُوا بشرع مُوسَى كذبُوا وَقُلْنَا لَهُم ﴿فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَلَا شكّ فِي أَنهم لَا يَجدونَ شَيْئا مِنْهَا فِي التَّوْرَاة وَلَا فِي الْإِنْجِيل وغايتهم أَن يَقُولُوا مَا قَالَ عالمهم حَفْص هَذِه أَيَّام شريع لِأَنَّهَا اتّفق فِيهَا أُمُور شريفة من أَحْوَال الْمَسِيح فَنَقُول لَهُم هَب أَنه اتّفق مَا تَقولُونَ فَمن أخْبركُم من الْأَنْبِيَاء أَنه إِذا أتفق أَمر من تِلْكَ الْأُمُور فافعلوا كَذَا واصنعوا ذَلِك الْيَوْم عيدا وَفِي أَي كتاب من كتبكم وجدتموه وَلَا شكّ فِي أَنهم لَا يَجدونَ شَيْئا مِمَّا ادعوهُ فَلم يبْق لَهُم إِلَّا مَحْض التحكم ثمَّ يلْزمهُم على مساق هَذَا أَن يبحثوا عَن أَيَّام عِيسَى وَعَن عَددهَا ويتخذوا تِلْكَ الْأَيَّام أعيادا فَإِن أَيَّامه كلهَا ومحاضرة كَانَت شريفة إِذْ كَانَت أَيَّامه لَا تَخْلُو عَن كَرَامَة يُكرمهُ الله بهَا وَعَن بركَة من بركاته وَعَن معْجزَة من معجزاته فلأي معنى خصصتم تِلْكَ الْأَيَّام لَوْلَا مَحْض الْهوى والتحكم الْبَاطِل ثمَّ نقُول لَهُم هَل كَانَ عِيسَى يعلم فَضِيلَة تِلْكَ الْأَيَّام أَو لَا يعلم فَإِن كَانَ يعلمهَا فلأي معنى لم يفعل فِيهَا مَا تَفْعَلُونَ أَو لأي معنى لم يبين شَرعه فِيهَا لَو كَانَ لَهُ فِيهَا شرع وَإِن لم يعلم فضيلتها فَكيف لم يعلم هُوَ مَا علمْتُم أَنْتُم ثمَّ كَيفَ يجهل شَيْئا علمتموه أَنْتُم وَهُوَ عنْدكُمْ قد اتَّحد بِهِ علم الله فَحصل من هَذَا أَنَّهَا لَيست فاضلة وَلَا لله فِيهَا حكم إِذْ لَو كَانَت فاضلة لله فِيهَا حكم لعلمها وَلَو علمهَا لبينها فَلَمَّا

стр. 370

لم يعلم وَلم يبين علم أَنه لَيْسَ لله فِيهَا شَيْء مِمَّا اخترعتمون لكنكم تحكمتم بإختراع مَا جهلتم وشرعتم مَا لم يشرع لكم نَبِيكُم فَإِن قَالُوا هَذِه أَيَّام اتخذناها لفعل الْخَيْر نتصدق فِيهَا على مساكيننا ونطعم فِيهَا جياعنا وَهَذِه أَفعَال خير وبهذه جَاءَت الشَّرَائِع كلهَا قُلْنَا لَهُم لَا ننكر أَن الشَّرَائِع جَاءَت بإعانة الْمَسَاكِين لَكِن لم خصصتم لَهَا أَيَّامًا بالتحكم ثمَّ أوجبتم صِيَانة تِلْكَ الْأَيَّام أَو لأي شَيْء لم تَقولُوا أَنه يَنْبَغِي إطْعَام الْمَسَاكِين أبدا وسد خلاتهم مَتى ظَهرت وَلم تحتاجوا إِلَى وضع أَحْكَام بالتوهم وَلَو كُنْتُم موفقين لسلكتم مَسْلَك اتِّبَاع الْمَسِيح تَفْعَلُونَ مَا فعل وتتركون مَا ترك وَلَو فَعلْتُمْ ذَلِك لَكَانَ مُوَافقا لتعظيمه وَلَو فَرضنَا عَبْدَيْنِ أَمرهمَا سيدهما بالإقتداء بِهِ وبإتباع سنته فَأخذ الْوَاحِد مِنْهُمَا يقفو أثر سَيّده فِي أَفعاله فَلَا يزِيد فِيهَا وَلَا ينقص مِنْهَا بل هُوَ مواظب عَلَيْهَا غير خَارج عَنْهَا وَلَا زَائِد فِيهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِك مُعْتَقد لتعظيمه محب لَهُ وَأخذ الآخر يزِيد تَارَة فِي حكم وَينْقص تَارَة من حكم وَهُوَ مَعَ ذَلِك مُعظم لسَيِّده فَلَو فَرضنَا أَن السَّيِّد قَالَ للْأولِ مَا صنعت فِيمَا أَمرتك فَقَالَ لَهُ لم أَزْد على مَا رَأَيْتُك تفعل وَلَا نقصت لِأَنِّي خفتك وَأَيْضًا فَإِنِّي أحبك وأعظمك فأحببتك وأحببت فعلك الَّذِي رَأَيْتُك تَفْعَلهُ فَلَا شكّ أَن الْعُقَلَاء يستحسنون هَذَا الْفِعْل ويرون أَن هَذَا العَبْد فِي أَعلَى دَرَجَات الْعقل وَالطَّاعَة لسَيِّده والمحبة لَهُ والتعظيم وَإِن مثل هَذَا يَنْبَغِي للسَّيِّد أَن يعتقهُ ويثبه وَأما الثَّانِي فَإِذا قَالَ لَهُ سَيّده مَا فعلت فِيمَا أَمرتك فَيَقُول فعلت مَا رَأَيْتُك تفعل وَمَا أَمرتنِي بِهِ إِلَّا أَنِّي زِدْت أفعالا لم تَأْمُرنِي بهَا ونقصت أَيْضا فَإِنِّي تركت أفعالا رَأَيْتُك تفعلها فَيَقُول لَهُ لأي شَيْء زِدْت مَا لم آمُرك بِهِ ونقصت مِمَّا رَأَيْتنِي فعلت فَلَا يَصح لَهُ أَن يَقُول لِأَنِّي عظمتك وأحببتك فَإِن هَذَا لَا يُنَاسب تَعْظِيمه وَلَا محبته بل يُنَاسب بغضه وإهانته فَلَا شكّ أَن الْعُقَلَاء يحكمون أَن مثل هَذَا العَبْد لم يطع سَيّده فِي جَمِيع مَا أمره بِهِ وَأَنه كَاذِب فِي تَعْظِيمه ومحبته وَأَنه مستوجب لنكال سَيّده

стр. 371

وَهَذَا الْمِثَال الْأَخير هُوَ مثالكم مَعَ الْمَسِيح فَإِنَّكُم تدعون تَعْظِيمه وتخالفونه فِي أَفعاله وتزيدون عَلَيْهِ فِي أَحْكَامه فَأنْتم مستحقون لتوبيخه وعقاب مرسله ومتجمعكم مَعَ من شرع لكم هَذِه الْأَحْكَام نَار حامية تسمى الهاوية مَسْأَلَة فِي قُرْبَانهمْ قَالَ حَفْص اعْلَم أَن الَّذِي أردْت مَعْرفَته من خبر القربان وَشَرحه أَن الْأَنْبِيَاء وَبني إِسْرَائِيل كَانُوا يقربون القربان على مَا تحكيه التَّوْرَاة العجول والجزر والخرفان فَأَما ملكي صَادِق فَإِنَّهُ أول من قرب القربان من الْخبز وَالْخمر وَكَانَ قسيس الله فِي البدء وَإِلَيْهِ أدّى إِبْرَاهِيم العشرات الْمَفْرُوضَة وَقد حكى دَاوُود النَّبِي فِي الزبُور خبر ملكي صَادِق إِذْ بشر بالمسيح سيدنَا وأنزله مَنْزِلَته وأحله مَحَله وَجعله قسا إِلَى الْأَبَد فَقَالَ الرب أقسم يَمِينا وَلَيْسَ ينْدَم أَنْت أبدا قسيس لي فِي خطة القسيسين على رُتْبَة ملكي صَادِق فَأَما الحواريون وأتباعهم فَإِنَّهُم فرضوا هَذَا القربان الَّذِي يقدسه الأساقفة والقساوس على المذبح من الْخمر وَالْخبْز على مَا تقدم من فعل ملكي صَادِق وكما قَالَ الْمَسِيح فِي الْإِنْجِيل من أكل لحمي وَشرب دمي كَانَ فِي وَكنت فِيهِ وَأما الْخبز النَّازِل من السَّمَاء فَمن أكلني يحيا بِي أنظر مَا أعجب حَال هَؤُلَاءِ فِي تَركهم شَرْعِيَّة التَّوْرَاة فِي القربان وعدولهم عَنْهَا الى مَا هُوَ ضرب من الهذيان وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى افْترض القربان فِي التَّوْرَاة بالعجول والجزر والخرفان كَمَا ذكر وعملت بذلك بَنو إِسْرَائِيل من غير تَغْيِير وَلَا تَبْدِيل إِلَى مُدَّة هَؤُلَاءِ المغيرين لأحكام التَّوْرَاة فغيروا وبدلوا وَعدلُوا إِلَى الْخبز وَالْخمر من غير أَن ينْسَخ لَهُم عِيسَى شَيْئا من ذَلِك وَلَا بدله بِغَيْرِهِ لكِنهمْ يكْرهُونَ الْعَمَل بِأَحْكَام التَّوْرَاة فيعدلون عَنْهَا إِلَى الْعَمَل بأهوائهم

стр. 372

مَعَ أَنهم متعبدون بأحكامها إِذْ الْأَحْكَام فِي الْإِنْجِيل قَليلَة جدا وَلم يتْركُوا لآرائهم حَتَّى يتحكموا بأهوائهم ثمَّ إِنَّهُم يتحكمون بآرائهم فَإِن اتّفق لَهُم شَيْء يتمسكون بِهِ كَانَ ذَلِك مؤكدا لأغراضهم وَإِن لم يتَّفق لَهُم ذَلِك استغنوا عَنهُ وحكموا بأغراضهم وَيبين هَذَا أَنهم استثقلوا العجول والجزر والخرفان لارْتِفَاع أثمانها وَأَنه لَا يُوجد فِيهَا مَا يُوجد فِي الْخمر من اللَّذَّة والطرب الداعين إِلَى شربهَا وَلذَلِك عدلوا للخمر مَعَ خفَّة مؤنتها وَقلة ثمنهَا فَإِنَّهُم أَشد النَّاس بخلا فَإِن قيل لَهُم بِأَيّ شَيْء عدلتم عَن قرْبَان التَّوْرَاة قَالُوا لِأَن ملكي صَادِق أول من قرب الْخمر وَالْخبْز وَلِأَن الْمَسِيح قَالَ من أكل لحمي وَشرب دمي كَانَ فِي وَأَنا فِيهِ وَلِأَن الحواريين فرضوا هَذَا القربان هَذَا غَايَة مَا يحتجون بِهِ وَلَا بُد من تتبع ذَلِك وَبَيَان تحكمهم وباطلهم فَنَقُول أما قَوْلكُم بِفعل ملكي صَادِق فَبَاطِل من أوجه أَحدهَا أَنه لم يكن نَبيا فَإِن ادعيتم أَنه نَبِي فَلَا بُد من الدَّلِيل على ذَلِك فَعَلَيْكُم إثْبَاته وَلَو سلم ذَلِك لتبقى عَلَيْكُم أَن تثبتوا أَن شَرعه شرع لكم وَلَو سلم أَن شَرعه شرع لكم لَكَانَ يَنْبَغِي أَن تعلمُوا أَن التَّوْرَاة قد نسخت ذَلِك الشَّرْع إِذْ قد اسْتَقر أَن مُوسَى عمل بِخِلَافِهِ وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاء بعده وَلَو كَانَ ذَلِك الحكم بَاقِيا صَحِيحا لما كَانَ يَنْبَغِي لمُوسَى أَن يعدل عَنهُ وَلما جَاءَكُم بِغَيْرِهِ فترككم التَّوْرَاة الَّتِي أَنْتُم مخاطبون بأحكامها وشرعها إِلَى مالم تخاطبوا بِهِ وَلَا شرع لكم إستهانة بشرع التَّوْرَاة وأحكامها بل إستخفاف بِالَّذِي أنزلهَا وَبِالَّذِي أنزلت عَلَيْهِ فقد بَطل إستدلالكم بِفعل ملكي صَادِق من أوجه وَأما استدلالكم بقول عِيسَى فهذيان لَا يلْتَفت إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ من عمل بعملي أَو تعلم من علمي أحببته وأحبني وَمَا ذكره مثل محسوس قصد بِهِ التَّنْبِيه على معنى مَعْقُول وَدَلِيل ذَلِك من قَوْله قَوْله أَنا الْخبز النَّازِل من السَّمَاء انما اراد أَنه بِمَنْزِلَة الْخَبَر الَّذِي يغتذي بِهِ لِأَنَّهُ قد جَاءَ بغذاء الْأَرْوَاح

стр. 373

وبخبزها وَهَذَا اسْتِعَارَة حَسَنَة مستعملة وَكَثِيرًا مَا يُقَال فِي الْكَلَام الْعلم والمعاني الشَّرِيفَة خبز الْأَرْوَاح كَمَا أَن الطَّعَام الْمَعْرُوف خبز الأشباح ولكلامه ﵇ عَامل آخر وتأويلات جَارِيَة غير مَا ذكرْتُمْ يجوزها الْعقل وَلَا يبعدها إستعمال اللَّفْظ لَا يخرج شَيْء مِنْهَا إِلَى الهذيان الَّذِي صرتم إِلَيْهِ الَّذِي أفْضى بكم لجهلكم إِلَى ترك حكم وَترك الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ وَلَوْلَا التَّطْوِيل لذكرنا مِنْهَا وُجُوهًا وَبِهَذَا اللَّفْظ وَمَا يُشبههُ ضللتم حَيْثُ قُلْتُمْ بالإتحاد وَلم تفهموا مِنْهُ المُرَاد فكابرتم العقلو وحرفتم الْمَنْقُول وحملتم من الشناعة والقباحة مَالا يرضى بِهِ عليم وَلَا جهول وَقد ذكرنَا إبِْطَال ذَلِك فِيمَا تقدم وَأما استدلالهم بِفعل الحواريين فَذَلِك من فن الْكَذِب عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَلَو سلمنَا أَنه صَحِيح وَصدق لما كَانَ فِي فعلهم حجَّة بل إِن كتاب الله تَعَالَى يُخَالف فعلهم بل الْحجَّة كتاب الله وَلَا يرْتَفع شَيْء من ذَلِك إِلَّا إِذا بَين عِيسَى ﵇ أَنه مَنْسُوخ ويبلغكم ذَلِك عَنهُ بِنَصّ قَاطع على شُرُوط النّسخ على مَا هُوَ مَعْرُوف عِنْد أَهله بل قد أوردوا فِي إنجيلهم أَن عِيسَى قَالَ للمبروص الَّذِي شفَاه أمض واعرض نَفسك على القسيسين واهد قربانك الَّذِي أَمر بِهِ مُوسَى فِي عَهده وَهَذَا نَص على أَن القربان عِنْد عِيسَى إِنَّمَا هُوَ الَّذِي حكم بِهِ مُوسَى وَهُوَ العجول والجزر والخرفان لَا كَمَا شرعتم أَنْتُم من الهذيان فقد حصل من هَذَا أَنكُمْ خالفتم عِيسَى وقلتم عَلَيْهِ الْبُهْتَان وَأما استدلالهم بِفعل القسيسين فَأُولَئِك المغيرون للدّين والمحرفون لكتاب رب الْعَالمين كدينك من أم الْحُوَيْرِث قبلهَا وجارتها أم الربَاب بماسل فقد ظهر من هَذَا أَنهم تركُوا قرْبَان التَّوْرَاة لغير شَيْء وَأَنَّهُمْ على غير شَيْء فَعَلَيْهِم لعنة كل ميت وَحي

стр. 374

مَسْأَلَة فِي تقديسهم دُورهمْ وَبُيُوتهمْ بالملح قَالَ حَفْص أما الْملح الَّذِي نقدس بِهِ الدّور والبيوت وَأَرَدْت فهم ذَلِك فَأَنا وجدنَا فِي سير إلْيَاس النَّبِي الَّذِي رَفعه الله أَن تِلْمِيذه اليسع مكث بِمَدِينَة أرِيحَا زَمَانا فَقَالَ لَهُ أَهلهَا إِن عندنَا عينا جَارِيَة تنفجر مِنْهَا مياه كَثِيرَة مرّة لَا نفع فِيهَا فَأمر أَن يُؤْتى إِلَيْهِ بِإِنَاء جَدِيد فَأدْخل فِيهِ الْملح وَقدس بِهِ مَاء الْعين فَمن هَذَا السَّبَب صرنا نقدس الدّور والبيوت بالملح الْمُقَدّس بعد مايتلو عَلَيْهِ القساوس آيَات من النُّبُوَّة فَنَقُول لَهُم يَا هَؤُلَاءِ المتلاعبون بأديانهم المستمرون على هذيانهم كَيفَ جعلتم مثل هَذَا دَلِيلا على ثُبُوت حكم عَلَيْكُم وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل من وُجُوه كَثِيرَة لَكنا نقتصر من ذَلِك على نُكْتَة كَافِيَة وَهِي أَن اليسع لم يفعل ذَلِك على جِهَة بَيَان أَنه حكم وَإِنَّمَا فعل ذَلِك على جِهَة إِظْهَار الْكَرَامَة والمعجزة فَإِن ذَلِك المَاء عذب وطاب فظهرت كرامته ومعجزاته كَمَا ظَهرت على عِيسَى حِين مس المبروص وبرأ وَكَذَلِكَ مس الأعميين فأبصرا إِلَى غير ذَلِك وَقد حكيتم فِي بعض أناجيلكم أَن أعمى سَأَلَ من عِيسَى أَن يرد عَلَيْهِ بَصَره فَأخذ قِطْعَة من طين فَجَعلهَا فِي عينه فأبصر وَهَذَا بِمَثَابَة مَا فعل اليسع فَكَانَ يَنْبَغِي لكم أَن تقدسوا دُوركُمْ بِالتُّرَابِ والطين كَمَا فعل عِيسَى وَهُوَ أولى بكم إِذْ هُوَ مفضل عنْدكُمْ على اليسع وَغَيره بزعمكم وَمَعَ ذَلِك فتركتم الإقتداء بِهِ وأقتديتم بِمن هُوَ دونه وَذَلِكَ عكس مَا كَانَ يَنْبَغِي لكم وَهَذَا نتيجة جهلكم وَمن سوء فعلكم مَسْأَلَة فِي تصليبهم على وُجُوههم فِي صلَاتهم قَالَ حَفْص إِنَّمَا نصلب على وُجُوهنَا لأَنا وجدنَا فِي كتب عُلَمَائِنَا السالفين أَنه لما أَرَادَ ملك قسطنطينية أَن يَغْزُو بعض أعدائه ترَاءى لَهُ فِي السَّمَاء صُورَة صَلِيب من لَهب وَملك من الْمَلَائِكَة

стр. 375

يخاطبه وَيَقُول لَهُ إِن كنت تُرِيدُ غَلَبَة أعدائك فأجعل هَذِه الصُّورَة عَلامَة تكون قدامك فَإنَّك غَالب ظافر بهَا على جَمِيع أعدائك فَآمن وَفعل كَمَا قَالَ لَهُ الْملك وَهُوَ الَّذِي بحث وكشف عَن صَلِيب الْمَسِيح حَتَّى وجده مَدْفُونا وَعمل من المسامير الَّتِي كَانَت فِيهِ لجاما لفرسه وزين جَبينه بصليب من ذهب فَلم يزل من حِينَئِذٍ أهل مِلَّة الْمَسِيح يستعملون هَذِه الْعَلامَة لِأَنَّهَا عَلامَة السَّبق وَالظفر هَذَا الَّذِي ذكره حَفْص هُنَا يصدق مَا حكيناه عَن قسطنطين فِيمَا تقدم فَإِن كذبنَا أحد مِنْهُم فِيمَا ذَكرْنَاهُ عَنهُ فليكذب أسقفه حفصا على أَن مَا ذَكرْنَاهُ مَشْهُور عِنْد أهل التَّارِيخ الَّذين اعتنوا بِنَقْل أَخْبَار الْأَزْمَان الْمَاضِيَة والقرون السالفة وَبعد هَذَا نقُول لمن اسْتدلَّ على أَن الصَّلِيب مَشْرُوع لَهُم من أَيْن عرفت صدق قسطنطين فِيمَا حكام وَقَالَهُ وَلَعَلَّه كذب وَأَرَادَ بِهِ بذلك إصْلَاح رَعيته وحالته وإيغار صُدُور الْعَامَّة على من خَالفه وَذَلِكَ دَاخل فِي بَاب السياسات إِلَى يسلكها من لم يتَقَيَّد بالشرعيات وَكَثِيرًا مَا يُشَاهد من الْمُلُوك مثلهَا ثمَّ لَو سلمنَا أَنه صدق فِي رُؤْيَاهُ فَمن أَيْن علم أَن الَّذِي كَلمه ملك فَلَعَلَّهُ شَيْطَان قصد إضلالكم وَكَذَلِكَ كَانَ حَتَّى تعتقدوا الصلوبية الَّتِي هِيَ أعظم كل بلية ومحمل على العصبية ثمَّ لَو سلمنَا أَنه ملك فلأي معنى جعلتم ذَلِك التصليب فِي صَلَاتكُمْ وزدتم على مَا علمكُم عِيسَى وَلَقَد كَانَ يَنْبَغِي لكم أَن تَفعلُوا فِي الصَّلَاة مثل فعله وَلَا تَزِيدُوا على ذَلِك ثمَّ يلزمكم على ذَلِك أَن يُقَال لكم لَا يَخْلُو ذَلِك التصليب أَن يكون حكما من أَحْكَام الصَّلَاة أَو لَا يكون فَإِن كَانَ حكما وَلم تنقلوه عَن عِيسَى وَلَا أَنه علمه لكم فقد نسبتم عِيسَى إِلَى أَنه كتم حكم الله وَلم يبلغهُ وَهَذَا محَال على عِيسَى وعَلى كل رَسُول أرْسلهُ الله إِلَى أمة وَإِن قُلْتُمْ أَنه لَيْسَ بِحكم فَلم تَفْعَلُونَ فِي الصَّلَاة مَا لَيْسَ بِحكم شَرْعِي وَإِن قُلْتُمْ شَرعه لنا أَئِمَّتنَا وأساقفتنا قُلْنَا لكم وَمن جعل لأئمتكم أَن يتحكموا فِي شرع الله ويفتروا على الله وهم مذنبون عاصون لَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ صرا وَلَا نفعا وَلَا عَطاء وَلَا منعا

стр. 376

ثمَّ نقُول لَهُم هَذِه الصَّلَاة الَّتِي يصلب فِيهَا على الْوَجْه أفضل أم الصَّلَاة الَّتِي لَا يصلب فِيهَا فَإِن قَالُوا الصَّلَاة الَّتِي يصلب فِيهَا فيلزمكم على هَذَا أَن تكون صلَاتهم أفضل من صَلَاة الْمَسِيح وَكفى هَذَا شناعة وحماقة وَإِن كَانَت الصَّلَاة الَّتِي لَا يصلب فِيهَا هِيَ الْأَفْضَل فَيَنْبَغِي أَلا تَفعلُوا مَالا فَضِيلَة فِيهِ وَهَذَا كُله يبين أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَا يعولون على الْأَنْبِيَاء فِي أحكامهم وَلَا يرجعُونَ إِلَى قوانينهم بل يعولون على أغراضهم وشهواتهم فَلَقَد تمكن الشَّيْطَان مِنْهُم فأضلهم حَتَّى استدرجهم عَن الشَّرَائِع وأزلهم فَهَذِهِ الْمسَائِل الَّتِي ذَكرنَاهَا هِيَ من مُعظم قواعدهم وأصولهم وَإِذا كَانَ عَمَلهم فِي هَذِه الْقَوَاعِد مثل مَا رَأَيْت فناهيك بفروعهم ولنقتصر على مَا ذكرنَا إِذْ فِيهِ تَنْبِيه على مَا لم نذْكر ثمَّ إِن أحوجونا إِلَى مزِيد تتبعنا كبار كتبهمْ بِأَن ننقضها حرفا حرفا ونبين فَسَادهَا لفظا لفظا بقيت علينا مَسْأَلَة وَاحِدَة وَهِي بَيَان إعتقاداتهم فِي الدَّار الْآخِرَة وعذابها وَنَعِيمهَا وَبهَا اختتام هَذَا الْفَنّ إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَسْأَلَة فِي قَوْلهم فِي النَّعيم وَالْعَذَاب الأخراوين قَالَ صَاحب كتاب الْمسَائِل لسنا نَنْتَظِر فِي الْمُكَافَأَة الإلهية شَيْئا من الأرضيات الفانيات كَالَّذي ينتظره شيعَة ملسيان وَلَا تَزْوِيج العرائس كَالَّذي يشتهيه جرنش ومركش وَلَا مَا ينتسب إِلَى الْمَأْكُول والمشروب كَالَّذي يسوغه بابيه وَجَمَاعَة وَلَا نَنْتَظِر أَن يكون ملك الْمَسِيح فِي الأَرْض ألف سنة بعد الْقِيَامَة ليمتلك الصالحون مَعَه متنعمين كتعليم قابوش الَّذِي خيل بقيامتين الأولى للصالحين وَالثَّانيَِة للْكَافِرِينَ فَقَالَ إِن مَا بَين هَاتين القيامتين تمسك الأحباس الجاهلة بِاللَّه فِي زَوَايَا الأَرْض فِي أجسامهم ثمَّ يحملهم الشَّيْطَان بعد تملك الصَّالِحين فِي الأَرْض ألف سنة على محاربة الصَّالِحين المتملكين فيدفعهم الله عَنْهُم بأمطار النيرَان مُحَاربًا عَنْهُم فيموتون هَكَذَا

стр. 377

مَعَ سَائِرهمْ الَّذين مَاتُوا فِي الْكفْر ثمَّ يحيون فِي لحم غير متغير للعذابات الدائمة قد بَين هَذَا الْمُتَكَلّم الحاكي خبط النَّصَارَى وإختلاف فرقها فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَا أغْنى عَن الْبَحْث عَن كثير من فرقهم على أَن فرقهم لَا تَنْحَصِر وإختلافهم لَا يَنْضَبِط فَإِن إختلافهم كإختلاف المجانين إِذا اجْتَمعُوا فَكل وَاحِد مِنْهُم يتَكَلَّم بِمَا لَا يعقل وَمَا لَا حجَّة لَهُ عَلَيْهِ وَلَا معول لَكِن مَذْهَب جماهيرهم ومعظمهم وَمن ينتسب إِلَى التدين مِنْهُم أَن الْخلق لابد أَن يجتمعوا فِي الْقِيَامَة وَأَن عِيسَى محاسبهم فينعم ويعذب لَكِن لَيْسَ عذَابا بنيران وسلاسل وأغلال وَغير ذَلِك مِمَّا نعتقده نَحن وَلَيْسَ نعيما أَيْضا بمأكول ومشروب والتذاذ بِنِكَاح وَيُشبه وَالله أعلم مَذْهَبهم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَذْهَب الفلاسفة حَيْثُ يُنكرُونَ الْعَذَاب المحسوس وَالنَّعِيم ويصرفون ذَلِك إِلَى الإلتذاذ الروحاني لكِنهمْ لَا يصرحون بِهِ كَمَا تصرح بِهِ الفلاسفة إِذْ لَا يقدرُونَ على تَبْيِين أغراضهم لقصورهم وَنحن نتكلم هُنَا مَعَ من يُنكر ذَلِك من المتشرعين فَإِنَّهُم قد اجْتَمعُوا على إعادتنا كَمَا كُنَّا أول مرّة إِذْ قد اجْتمعت على ذَلِك الشَّرَائِع كلهَا من غير اخْتِلَاف بَينهَا فِيهِ فَنَقُول لمنكر ذَلِك لَا يَخْلُو أَن مَا تنكره أما من جِهَة الْعقل أَو من جِهَة الشَّرْع فَإِن قَالَ من جِهَة الْعقل قُلْنَا لَهُ كذبت وأخطأت فَإِن الْعقل لَا يدل على اسْتِحَالَة ذَلِك بل يدل على جَوَازه إِذْ لَيْسَ فِي ذَلِك إِلَّا أَن الَّذِي خلقنَا أول مرّة ومكننا أَن نتنعم نعيما محسوسا ونتألم ألما محسوسا قَادر على أَن يعيدنا بعد أَن يفنينا كَمَا بدأنا فَإِن الْإِعَادَة إِنَّمَا هِيَ خلق ثَان وَمن قدر على الْخلق الأول قدر على الْخلق الثَّانِي وَهَذَا مَعْلُوم بِنَفسِهِ فَهُوَ إِذن فعل مُمكن فِي نَفسه لَيْسَ من قبيل الْمُمْتَنع وَالله تَعَالَى قَادر على كل مُمكن فَيجب وَصفه بِالْقُدْرَةِ على ذَلِك فَإِن قَالُوا إِن كَانَ فِي الْجنَّة أكل

стр. 378

وشراب وَنِكَاح ولباس فَيلْزم عَلَيْهِ أَن يكون فِي الْجنَّة غَائِط وَبَوْل وولادة وتمزيق الثِّيَاب وتخريقها وكل ذَلِك محَال أَن يكون فِي الْجنَّة قُلْنَا هَذَا جهل وَلَا يلْزم شَيْء مِمَّا ذكرْتُمْ فِيهَا بل نقُول هُنَاكَ أكل وَشرب وَلَيْسَ هُنَالك غَائِط وَلَا بَوْل وَهَذَا غير مُنكر إِذْ لَا يلْزم فِي كل طَعَام أَن يكون لَهُ فضلَة وَلَو سلمنَا أَن تكون لَهُ فضلَة لما لزم أَن يكون فضلَة مستقذرة بل قد تكون فضلات كَثِيرَة طيبا يتطيب بِهِ وَشَرَابًا يشرب مثل الْمسك فَإِنَّهُ دم حَيَوَان أَو رجيعه أَو الْعَسَل فَإِنَّهُ فضل حَيَوَان مَعْرُوف وَلَيْسَ شَيْء من ذَلِك مستقذرا بل هُوَ مستطاب مستلذ وَلَا يبعد أَن تكون فضلات الْجنَّة بل هُوَ هَكَذَا وَقد جَاءَنَا على لِسَان الصَّادِق أَن أهل الْجنَّة لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ إِنَّمَا هُوَ عرق يجرى من أَجْسَادهم مثل الْمسك وَأما الْحمل فَلَا يلْزم شَيْء مِنْهُ إِذْ قد نجد من النِّسَاء العواقر وَهن اللواتي لَا يلدن فَكَذَلِك نسَاء أهل الْجنَّة لَا يلدن وَلَا يحضن وَأما اللبَاس فَلَا يتمزق وَلَا يفنى وَفِي لِبَاس بني إِسْرَائِيل فِي المفاز دَلِيل على بطلَان مَا يخيل هَذَا السَّائِل فَالَّذِي يبْقى الثِّيَاب إِلَى مُدَّة قَادر على أَن يبقيها أَبَد الآبدين وَهَذِه أُمُور لَا ينكرها إِلَّا كل غبي جَاهِل لَيْسَ لَهُ مَعْقُول حَاصِل فَإِذا دلّ الْعقل على جَوَازه فَيَنْبَغِي أَن يسْتَدلّ على وُقُوع ذَلِك ووجوده بِكَلَام الصَّادِقين صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَنَقُول لمنكر ذَلِك شرعا لَا يَصح لَك أَن تستدل على إنكارك بِشَيْء من كَلَام الْأَنْبِيَاء إِذْ لَا تَجدهُ بل سنريك نُصُوص كَلَامهم على إثْبَاته مِنْهَا أَن من الْمَعْلُوم أَن آدم ﵇ كَانَ يَأْكُل فِي الْجنَّة وَيشْرب وينكح فَإِن قَالُوا الْجنَّة الَّتِي كَانَ فِيهَا آدم قبل هُبُوطه إِلَى الأَرْض إِنَّمَا كَانَت فِي الأَرْض وَهِي جنَّة عدن الَّتِي قَالَ فِيهَا فِي التَّوْرَاة وغرس الله فردوسا بعدن من قبل وَأَسْكَنَهُ آدم

стр. 379

وَإِنَّمَا كَانَت تِلْكَ بستانا من بساتين الدُّنْيَا قُلْنَا لَيْسَ فِي التَّوْرَاة نَص قَاطع يدل على أَن الْجنَّة الَّتِي يرجع النَّاس إِلَيْهَا يَوْم الْجَزَاء لَيست هِيَ الَّتِي أسكن الله فِيهَا آدم بل التَّوْرَاة مُحْتَملَة لذَلِك وَأما كتَابنَا فَيدل على أَنَّهَا هِيَ ثمَّ لَو سلمنَا أَنَّهَا لَيست هِيَ لحصل لنا من ذَلِك دَلِيل جَوَاز الْأكل وَالشرب وَالنِّكَاح فِي الْجنَّة فَإِنَّهُ كَمَا جَازَ أَن آدم أكل وَشرب فِيهَا كَذَلِك يجوز أَن يَأْكُل وَيشْرب وينكح فِي الْجنَّة الَّتِي يرجعُونَ إِلَيْهَا وَهَذَا بَين بِنَفسِهِ عِنْد الْمنصف وَمِنْهَا أَن فِي الْإِنْجِيل أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه لَيْلَة أكل مَعَهم الفصح وَقد سقاهم كأسا من الْخمر وَقَالَ لَهُم إِنِّي لَا أشربها مَعكُمْ أبدا حَتَّى تشربوها معي فِي الملكوت عَن يَمِين الله وَهَذَا نَص لَا يحْتَمل التَّأْوِيل إِلَّا مَعَ ضعف وَفِيه أَيْضا فِي قصَّة العازر الَّذِي كَانَ مطروحا على بَاب الْغنى وَالْكلاب تلحس جراح قروحه وَأَن ذَلِك الْغنى نظر إِلَيْهِ فِي الْجنَّة مُتكئا على حجر إِبْرَاهِيم الْخَلِيل فناداه الْغنى وَهُوَ فِي النَّار يَا أبي إِبْرَاهِيم ابْعَثْ العازر إِلَى بِشَيْء من مَاء أبل بِهِ لساني وَهَذَا نَص آخر أبين من الأول وَفِيه أَيْضا أَنه قَالَ للْيَهُود يَا ثعابين بني الأفاعي كَيفَ لكم والنجاة من عَذَاب النَّار وَفِيه أَيْضا أَن الْجَمَاعَة قَالَت للمسيح بِكفْر ناحوم مَتى جِئْت إِلَى هُنَا يَا معلم فَقَالَ لَهُم آمين آمين أَقُول لكم تطلبونني لَيْسَ لأنكم رَأَيْتُمْ عجائب بل لأنكم أكلْتُم من الْخبز فشبعتم فارغبوا فِي طَعَام لَا يفنى فِي الْجنَّة الدائمة وَفِيه أَيْضا أَنه قَالَ لتلاميذه فِي وَصِيَّة وصاهم بهَا لتطعمن ولتشربن فِي مائدتي فِي ملك الله

стр. 380

وَفِيه أَيْضا أَنه قَالَ للْيَهُود إِن كَانَ مُوسَى أطْعمكُم خبْزًا فِي المفاز فَأَنا أطْعمكُم خبْزًا سماويا يُرِيد الْجنَّة وَقَالَ أشعياء يَا معشر العطاش توجهوا إِلَى المَاء الْورْد وَمن لَا فضَّة لَهُ فليذهب وليأكل وَيشْرب وَيَأْخُذ من الْخبز وَاللَّبن بِغَيْر فضَّة وَلَا ثمن وَهَذَا كثير فِي كتب الْأَنْبِيَاء بِلَا شكّ وَلَا إمتراء فَإِن قَالُوا فلأي معنى لم يُصَرح مُوسَى فِي التَّوْرَاة بذلك وبأخبار الْقِيَامَة قُلْنَا الله وَرَسُوله أعلم وعَلى سَبِيل التَّنْبِيه تحْتَمل وُجُوهًا أَحدهَا لعتو بني إِسْرَائِيل وتمردهم ولكلال أفهامهم ثَانِيهَا لبعد زمَان ذَلِك ثَالِثهَا ليعجل لَهُم جَزَاء أَعْمَالهم فَإِنَّمَا كَانُوا يهددون ويخوفون بالعقوبات العاجلة ويوعدون باللذات العاجلة من الْملك وتكثير الرزق وخصب الْبِلَاد إِلَى غير ذَلِك رَابِعهَا لِأَنَّهُ قد كَانَ سبق فِي علم الله تَعَالَى أَنه يُرْسل رَسُولا فِي آخر الزَّمَان لَيْسَ بعده نَبِي وَلَا رَسُول يبين أُمُور الْآخِرَة بَيَانا شافيا وَهُوَ مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ لقرب الْقِيَامَة من زَمَانه وليحصل لنبينا ﷺ من فَضِيلَة الْعلم والأعلام مَا لم يحصل لأحد غَيره ولتختص أمته بِعلم لَيْسَ لأحد غَيرهَا وَهَذَا الْوَجْه هُوَ أقرب الْوُجُوه وَالله أعلم وَيدل على ذَلِك قَوْله فِي التَّوْرَاة حِين بشر بنبينا ﵇ وَذكر كثيرا من علاماته وَمَعَهُ كتاب نَارِي وَقد تقدم ذكر ذَلِك وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَيْضا أَنَّك لَا تَجِد عِنْد أمة من الْأُمَم من أَخْبَار الْقِيَامَة أُمُور الْآخِرَة مَا عِنْدهم

стр. 381

فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل لنا كل الْفَضَائِل وخصنا بِمُحَمد ﷺ خير نَبِي وفاضل فقد ظهر من هَذَا النّظر أَن مَا انتحلوه من إِنْكَار النَّعيم وَالْعَذَاب المحسوسين بَاطِل بِشَهَادَة الْعُقُول وبنصوص كَلَام الْأَنْبِيَاء الْمَنْقُول وَقد فَرغْنَا فِي الْفَنّ الأول وَالْحَمْد لله كثيرا

стр. 382

الْفَنّ الثَّانِي محَاسِن دين الْإِسْلَام تمهيد الْغَرَض من هَذَا الْفَنّ أَن نبين فِيهِ عقيدة الْإِسْلَام وجملا من أصُول أَحْكَامه ومواضع من فروع دينه أنكرتها النَّصَارَى عَلَيْهِ وَإِنَّمَا فعلنَا ذَلِك لغرضين أَحدهمَا أَن السَّائِل الَّذِي حركنا لهَذَا الْكتاب هددنا وَزعم أَنه أَن سبّ وَشتم كتب كتابا بِنَصّ شريعتنا وَوَجهه للبلاد حَتَّى يقف النَّاس عَلَيْهَا فَأَرَدْت أَن أتولى ذكر شريعتنا لِئَلَّا يتعاطى ذكرهَا ونقلها جهول لَا يحسن مَا ينْقل وَلَا مَا يَقُول كي يقف الْعُقَلَاء عَلَيْهَا وينظروا فِيهَا على أَن شرعنا لَيْسَ بالخفي بل قد طبق الأَرْض شرقا وغربا وقرع من الْعُقَلَاء سمعا وَقَلْبًا فَلم يسمع بِمن مجه وَطَرحه غير معاند كبثه شرعنا وفضحه فَإِنَّهُ جَار على الْمِنْهَاج الْمَعْقُول المستحسن عِنْد أَرْبَاب الْعُقُول وسأبين ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى على أَنِّي لم أتعرض لهَذِهِ السَّائِل وَلَا لأحد من ملتهم بالسب أَكثر من تَبْيِين جهلهم وركاكة هذيانهم وَقَوْلهمْ وَرُبمَا أغاظوا فِي بعض الْأَقْوَال لما ارتكبوا فِيهَا من الْقَبِيح والمحال فأطلقت عَلَيْهِم اللَّعْنَة حسب مَا تَقْتَضِيه الْبغضَاء والأحنة وتعويلا على مَا فِي التَّوْرَاة من لعنتهم وركاكة شرعتهم فَإِن فِي التَّوْرَاة مَلْعُون مَلْعُون من يعلق بالصليب يُرِيد

стр. 383

بذلك من اعْتقد الصَّلِيب وإدعاه وعظمه وَهَذَا نَص بلعنتهم وَمُوجب لبغضهم وَهَذَا مَا نعلمهُ مَعَ ديننَا وواضح سبيلنا وَالْغَرَض الثَّانِي أَنه لَا يبعد أَن يقف على هَذَا الْكتاب نَصْرَانِيّ أَو يَهُودِيّ لم يسمع قطّ من ديننَا تَفْصِيلًا وَلَا تَصْرِيحًا بل إِنَّمَا سمع لَهُ سبا وتقبيحا فَأَرَدْت أَن أسرده على الْجُمْلَة ليتبين حسنه لمن كَانَ ذكي الْعقل صَحِيح الْفطْرَة فَلَعَلَّ ذَلِك يكون سَبَب هداه وجلاء عماه ﴿وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه﴾ وَفِي هَذَا الْفَنّ فصلان وانقسم هَذَا الْفَنّ إِلَى فصلين لِأَن شَرِيعَة الْإِسْلَام مُشْتَمِلَة على إعتقاد بالقلوب وَعمل بالجوارح فالفصلين نذْكر فِي أَحدهمَا قَوَاعِد الإعتقاد وَفِي الثَّانِي ندافع عَن الإعتقاد وَعَن التشريع فَنَقُول

стр. 384

الْفَصْل الأول إعتقاد الْمُسلمين أما إعتقاد الْمُسلمين فَهُوَ أَن كل مَوْجُود سوى الله تَعَالَى فَهُوَ مُحدث مَخْلُوق مخترع على معنى أَنه لم يكن مَوْجُودا ثمَّ صَار مَوْجُودا وَأَن لَهُ مُحدثا مَوْجُودا قَدِيما لَا يشبه شَيْئا من الموجودات الْحَادِثَة بل يتعالى عَن شبهها من كل وَجه فَلَيْسَ بجسم وَلَا يحل فِي الْأَجْسَام وَلَا جَوْهَر وَلَا يحل فِي الْجَوَاهِر وَلَا عرض وَلَا تحله الْأَعْرَاض وَأَنه إِلَه وَاحِد لَا شريك لَهُ فِي فعله وَلَا نَظِير لَهُ فِي ذَاته وَطوله لَا يَنْبَغِي لَهُ الصاحبة وَلَا الْوَلَد وَلم يكن لَهُ من خلقه كُفؤًا أحد وَأَنه عَالم قَادر مُرِيد حَيّ مَوْصُوف بِصِفَات الْكَمَال من السّمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام وَغير ذَلِك مِمَّا يكون كمالا فِي حَقه وَأَنه منزه عَن صِفَات النَّقْص والقصور وَأَنه يفعل فِي ملكه مَا يُرِيد وَيحكم فِي خلقه بِمَا يَشَاء لَا يفْتَقر إِلَى شَيْء وَإِلَيْهِ يفْتَقر كل شَيْء وَبِيَدِهِ ملك كل جماد وَحي لايجب عَلَيْهِ لمخلوق حق وَتجب حُقُوقه على الْخلق لَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ مَتى وَلَا أَيْن وَلَا لم وَلَا كَيفَ فَلَا يُقَال مَتى وجد وَلَا أَيْن وجد وَلَا كَيفَ هُوَ وَلَا لم فعل ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَإِن إرْسَال الرُّسُل من أَفعاله الْجَائِزَة وَأَنه قد أرسل الرُّسُل وَأنزل الْكتب وكلف الْخلق وَشرع لَهُم شرائع على أَلْسِنَة رسله وَأَن رسله صَادِقُونَ فِي قَوْلهم ومؤيدون بالمعجزات من عِنْد رَبهم وَأَنَّهُمْ عبيد الله وَرُسُله وَأَنَّهُمْ بشر مثلنَا إِلَّا أَن الله تَعَالَى فَضلهمْ بِأَن جعلهم وَاسِطَة بَينه وَبَين خلقه وأطلعهم على مَا شَاءَ من غيبه وَأَنَّهُمْ بلغُوا عَن الله مَا أمروا بتبليغه وَأَنَّهُمْ كلهم صَادِقُونَ مصدقون لَا نفرق بَين أحد مِنْهُم وَأَن مُحَمَّدًا بن عبد الله بن عبد المطلب الْعَرَبِيّ

стр. 385

الْقرشِي الْهَاشِمِي رَسُول من الله إِلَى النَّاس كَافَّة بشير وَنَذِيرا وَأَن الله تَعَالَى أيده بالمعجزات على صدقه كَمَا فعل بالرسل من قبله وَأَن شَرعه وإجابته لازمان لكل من بلغته دَعوته حَيْثُ كَانَ من أقطار الأَرْض وجهاتها وعَلى أَي دين كَانَ من أديانها لَا يقبل مِمَّن كفر بِهِ يَوْم الْقِيَامَة مَا هُوَ عَلَيْهِ من دين بل يكون مخلدا فِي الْعَذَاب أَبَد الآبدين كَمَا أَن الْمُؤمن بِهِ وَبِكُل مَا جَاءَ بِهِ مخلد فِي الْجنَّة أَبَد الآبدين وَأَن شَرعه نَاسخ لكل الشَّرَائِع الْمُتَقَدّمَة على الْجُمْلَة وهادم مَا قبله من الْأَحْكَام السالفة وَأَن كل مَا جَاءَ بِهِ عَن الله حق من الْعَذَاب والحشر والنشر بعد الْمَوْت والصراط وَالْمِيزَان والحوض والمحاسبة وشفاعة مُحَمَّد ﷺ لأهل الْموقف وَلأَهل الْكَبَائِر من أمته خَاصَّة وَالْجنَّة وَنَعِيمهَا وَالنَّار وعذابها وأنهما محسوسان ليسَا معنويين وَأَن خُلُود أهل الْجنَّة سرمد وَعَذَاب أهل النَّار الْكَافرين سرمد وَلَا إنقطاع لوَاحِد مِنْهُمَا إِلَى غير ذَلِك مِمَّا هُوَ مفصل فِي الشَّرِيعَة مِمَّا يعرفهُ أَهله وَلَا يسعهم جَهله وَهَذِه قَوَاعِد إعتقاد أهل الْإِسْلَام مُجَرّدَة عَن أدلتها ومقتضبة من شواهدها إِذْ مَا مِنْهَا قَاعِدَة إِلَّا ويعضدها برهَان عَقْلِي لَا يشك فِيهِ عَاقل وَدَلِيل سَمْعِي لَا يُنكره فَاضل وَمن أَرَادَ تعرف ذَلِك طلبه من موَاضعه وَأما مستندات أحكامهم فَهِيَ كتاب الله وَسنة رَسُول الله لَا يعدلُونَ لمحة عَنْهَا وَلَا يخرجُون لَحْظَة مِنْهَا إِلَّا أَن وُجُوه إستدلالاتهم لَا يُحِيط بهَا متطفل عَلَيْهَا لكثرتها ولنقاوة درجاتها فَإِن كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله لَا يسْتَدلّ بهما من لَا يعرف منظوم اللَّفْظ وَمَفْهُومه وفحواه ومعقوله وَيعرف من المنظوم النَّص وَالظَّاهِر والمؤول والمحمل والعموم وَالْخُصُوص والإستثناء وَالْمُطلق والمقيد وَيعرف من الْمَفْهُوم أَحْكَامه وأقسامه وَكَذَلِكَ من الفحوى والمعقول على مَا هُوَ مَعْرُوف فِي علم الْأُصُول الَّذِي هُوَ علم خَاص بِأمة مُحَمَّد ﷺ بل هُوَ من كرامات أهل الْإِسْلَام

стр. 386

إِذْ لَيْسَ فِي مِلَّة من الْملَل الْمُتَقَدّمَة من التَّحْقِيق مَا عِنْدهم وَلَا اجْتمع لأحد قبلهم من الْعُلُوم مثل الَّذِي اجْتمع لَهُم ذَلِك بِأَنَّهُم آخر الْأُمَم وكتابهم آخر الْكتب وأفضلها ورسولهم آخر الرُّسُل وأفضلهم ولسانهم أحكم الْأَلْسِنَة وأفصحها على مَا يعرفهُ من تصفح شريعتهم وَعرف لغتهم وَنظر إِلَيْهَا بِعَين الْإِنْصَاف وَترك طَرِيق التعصب والإعتساف فالحمدلله على مَا أولاه ﴿وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله لقد جَاءَت رسل رَبنَا بِالْحَقِّ﴾ وَمِمَّا يبين للعاقل حسن شَرِيعَة الْإِسْلَام وجمال طريقتها إِنَّهَا مَبْنِيَّة على مُرَاعَاة مصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وإتمام مَكَارِم الْأَخْلَاق الْحَسَنَة أما بَيَان مصَالح الْآخِرَة فَهُوَ أَن هَذَا الشَّرْع يبين وجوهها وَلم يغْفل شَيْئا مِنْهَا بل فَسرهَا وأوضحها غَايَة الوضوح لِئَلَّا يجهل شَيْء مِنْهَا فوعد بنعيمها وتوعد بعذابها بِخِلَاف الشَّرَائِع الْمُتَقَدّمَة فَإِنَّهَا إِنَّمَا كَانَت تتوعد على الْمُخَالفَة بعقاب دُنْيَوِيّ كَمَا فعل بنوا إِسْرَائِيل غير مرّة وتوعد بِثَوَاب دُنْيَوِيّ وَلم يبين لَهُم شَيْء مِمَّا بَين لنا على مَا يَقْتَضِيهِ نسق التَّوْرَاة إِذْ لَيْسَ فِيهَا ذكر جنَّة وَلَا نَار إِلَّا تَنْبِيهَات قَليلَة وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيل لَيْسَ فِيهِ شَيْء من ذَلِك إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُ تعبدنا بعبادات مَحْضَة ذَوَات فعال وأركان كَالصَّلَاةِ وَالْحج وَغير ذَلِك وكل ركن من أَرْكَانهَا فالمقصود بِهِ تَعْظِيم الله تَعَالَى وخضوع لَهُ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِن حَتَّى تُؤدِّي كل جارحة من الْجَوَارِح حظها من تَعْظِيم الله تَعَالَى مَعَ مَا ينضاف إِلَى ذَلِك من الْمعَانِي الشَّرِيفَة والأدعية الرفيعة الفصيحة الَّتِي يعرف مَعَانِيهَا أَهلهَا حسب مَا فسروه فِي كتبهمْ وَلَيْسَ كَمَا تَقولُونَ أَنْتُم فِي صَلَاتكُمْ يَا أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاء

стр. 387

فَإِن ظَاهر هَذَا مستبشع فِي الْعرف محَال فِي الْعقل أما استبشاعه فِي الْعرف فَإِنَّهُ يقبح بِالْعَبدِ أَن يُخَاطب سَيّده بِلَفْظ الْأُبُوَّة هَذَا مَعَ أَن معنى الْأُبُوَّة جَائِز فِي حقوقنا فَكيف لَا يقبح إِطْلَاقه فِي حق من لَا تجوز الْأُبُوَّة فِي حَقه فإطلاق مثل هَذِه اللَّفْظ فِي حق الله تَعَالَى يَنْبَغِي أَلا يجوز وَلَا يُطلق وَأما إحالته فِي الْعقل فَإِن ظَاهر قوكم فِي السَّمَاء يفهم مِنْهُ أَن السَّمَاء مُحِيط بِهِ وَإِن جَازَ ذَلِك جَازَ أَن يكون جسما وَأَنْتُم تأبون ذَلِك وَهُوَ محَال فِي حَقه ﵎ وَكَذَلِكَ قَوْلكُم فِي بَقِيَّة هَذَا الدُّعَاء وَعجل لنا خبزنا الدَّائِم واغفر لنا كَمَا يغْفر بَعْضنَا لبَعض فَإِنَّهُ لفظ مستثقل مستقبح وَمَعْنَاهُ مستغث مسترك وَلَوْلَا خوف التَّطْوِيل لأبدينا مَا يحْتَمل ذَلِك من قَبِيح التَّأْوِيل فَإِن قُلْتُمْ هَكَذَا علمنَا عِيسَى فِي الْإِنْجِيل فَقَالَ لنا إِذا صليتم فَقولُوا قُلْنَا لَا نسلم أَن هَذَا مِمَّا علمه عِيسَى وَلَا مِمَّا جَاءَ بِهِ بل هُوَ إختراع من لَا يحسن مَا يَقُول وَلَيْسَ لَهُ إِلَى المعارف وُصُول وَقد تقدم أَن كتابكُمْ قَابل للتحريف والتصحيف فَهَذَا الَّذِي ذكرنَا يُنَبه على الْمصَالح الأخروية وَأما الْمصَالح الدُّنْيَوِيَّة فقد بَينا أَن مَقْصُود شرعنا حفظ الْأَدْيَان والنفوس وَالْأَمْوَال والأنساب والأعراض والعقول وَلأَجل ذَلِك شرع الْقَتْل والديات والعقوبات وَحرم السّرقَة والخيانة وَجَمِيع وُجُوه أكل المَال بِالْبَاطِلِ وَحرم الزِّنَا وَفعل اللوطى وَغير ذَلِك من الْفَوَاحِش وَكَذَلِكَ حرم الْغَيْبَة والنميمة وَالْقَذْف والبهتان والزور وَجَمِيع أَصْنَاف الْكَذِب والغش وَالْخداع وَالْمَكْر إِلَى غير ذَلِك من أَنْوَاع الْمَفَاسِد وَلأَجل ذَلِك أَيْضا حرم الْخمر فَإِنَّهَا تذْهب الْعقل الَّذِي هُوَ منَاط التَّكْلِيف وَبِه يعرف الْبَارِي ﵎ وَالسكر آفَة تناقضه وتضاده فَهَذِهِ الْأُمُور كلهَا مَحْفُوظَة بالحدود والزواجر المشاكلة للعقوبات الثَّابِتَة عَن النَّبِي ﷺ إِمَّا بِالْكتاب وَإِمَّا بِالسنةِ وَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا مَوْضُوعا بالتشهي والتحكم كَمَا فَعلْتُمْ أَنْتُم

стр. 388

وَقد بَينا ذَلِك بمستنده للشارع وَلَا نعدل عَنهُ طرفَة عين بل نقف عِنْد مَا أَمر وننتهي عَمَّا نَهَانَا وَيعرف ذَلِك على التَّفْصِيل أَهله وَمن وقف عَلَيْهِ من الْعُقَلَاء المنصفين وَأما مَكَارِم الْأَخْلَاق الَّتِي تضمنها شرعنا فَلَا تخفى على متأمل وَذَلِكَ أَن شرعنا أمرنَا بهَا ظَاهرا وَبَاطنا ونهانا عَن رذائلها وسفسافها فَمن المكارم الظَّاهِرَة النَّظَافَة وَالطَّهَارَة والتنزه عَن الأقذار والأوساخ فَمن النَّظَافَة تَطْهِير الثِّيَاب والأبدان فَإِنَّهَا يَنْبَغِي أَن تنزه عَن الأقذار مثل الْبَوْل وَالْغَائِط والمنى والمذى وَالدَّم والقيح وَمَا شاكل ذَلِك وَمن النَّظَافَة أَيْضا التَّطَيُّب وتحسين الْهَيْئَة فالطيب لَا يخفى على عَاقل اسْتِعْمَاله وَكَذَلِكَ تَحْسِين الْهَيْئَة وَمن تَحْسِين الْهَيْئَة قصّ الشَّارِب وإعفاء اللِّحْيَة فَقص الشَّارِب لتتأتى النَّظَافَة فِي الْأكل إِذْ لَا تتأتى مَعَ طوله إِذْ يدْخل الشّعْر فِي الْفَم وينغص الْأكل ويقذره هَذَا مَعَ مَا يلْحق الشَّارِب من قذارة المخاط إِذْ كَانَ الشَّارِب كَبِيرا وَمَعَ ذَلِك فَلَا يحلق عندنَا كُله ويمحق رسمه فَإِن ذَلِك مثله وتشويه وَكَذَلِكَ اللحي إِذا حلقت فَيَنْبَغِي أَن توفر توفيرا لَا يخل بمروءة الْإِنْسَان وَلَا يخرج عَن عَادَة النَّاس وَخير الْأُمُور أوساطها وَأما حلق اللِّحْيَة فتشويه ومثلة لَا يَنْبَغِي لعاقل أَن يَفْعَلهَا بِنَفسِهِ وَالْعجب من جهل النَّصَارَى بالشرائع وَبِمَا يستحسنه ذووا المروءات فَإِنَّهُم يحلقون لحاهم ويشوهون أنفسهم ويوفرون غلوفتهم الَّتِي يَنْبَغِي أَن تزَال لما فِي إِزَالَتهَا من الْفَوَائِد على مَا ذكرنَا من النَّظَافَة الْمَأْمُور بهَا تقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط وَحلق الْعَانَة وَغسل البراجم والمغابن بِالْمَاءِ وَهَذَا كُله من شرعنا مُبَالغَة فِي النَّظَافَة ومحافظة على مَكَارِم الْأَخْلَاق وعَلى عَادَة ذَوي الْعُقُول والمروءات وَأما التَّنَزُّه عَن الأقذار فَإِنَّهُ حرم علينا الْخَبَائِث من الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير والأنجاس كلهَا على مَا تَقْتَضِيه عَادَة الْعُقَلَاء والمروءات وأمرنا بِأَكْل الطَّيِّبَات وإستعمال المستحسنات ونهانا عَن السَّرف والتبذير

стр. 389

وَلأَجل هَذَا نَهَانَا عَن إستعمال أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة وَعَن لِبَاس الْحَرِير للذكور وَذَلِكَ لما فِيهِ من التبذير والسرف وَأَيْضًا فَإِن فِيهِ ترفها يُنَاسب ترفه أهل الْجنَّة ويشبهه وَلَا يَنْبَغِي أَن يفعل ذَلِك وَلأَجل ذَلِك قَالَ نَبينَا ﵇ من شرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة لم يشرب بهَا فِي الْآخِرَة وَمن لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة وَهَذَا كُله لِأَن الدُّنْيَا دَار عمل وَالْآخِرَة دَار جَزَاء وَلأَجل ذَلِك قَالَ الْحُكَمَاء الدُّنْيَا قنطرة فاعبروها وَلَا تتعمروها فَهَذِهِ نبذة من النَّظَافَة الطاهرة وأحكامها كَثِيرَة تعرف فِي موَاضعهَا وَأما النَّظَافَة الباطنية فترجع إِلَى التخلي عَن مَذْمُوم الْأَخْلَاق والتحلي بمحامدها ومستحسنها وَهِي كَثِيرَة فلنذكر الْأَخْلَاق المذمومة الَّتِي يتنظف مِنْهَا وَبعدهَا نذْكر الْأَخْلَاق المحمودة الَّتِي يَنْبَغِي الإتصاف بهَا أما الْأَخْلَاق المذمومة فكثيرة لَكِن أمهاتها مَا نذكرهُ وَهِي الْغَضَب والحسد وَالْبخل ومهانة النَّفس ودناءتها والرعونة وَحب الجاه وَحب الدُّنْيَا الَّذِي مِنْهُ كل خَطِيئَة وَالْكبر وَالْعجب والرياء إِلَى غير ذَلِك من الْأَخْلَاق المذمومة الَّتِي من اتّصف بهَا كَانَ منجس الْبَاطِن بِمَثَابَة من كَانَ مُتَنَجّس الظَّاهِر فَعَلَيهِ تنظيفه إِلَّا أَن نظافة النَّجَاسَة الظَّاهِرَة بِالْمَاءِ ونظافة النَّجَاسَة الْبَاطِنَة بالإتصاف بالأخلاق المحمودة الَّتِي هِيَ التَّوْبَة من الْمعاصِي وَحسن الصُّحْبَة مَعَ الْخلق والنصيحة لَهُم وَالْعدْل فِي الْأُمُور كلهَا والتواضع وكرم النَّفس وبغض الدُّنْيَا والزهد فِيهَا وَالْإِخْلَاص وَالْخَوْف وَالصَّبْر وَالشُّكْر والصدق والتوكل ومحبة الله تَعَالَى ومحبة رسله إِلَى غير ذَلِك من الْأَوْصَاف المحمودة الَّتِي من اتّصف بهَا فقد تتقي من أَوْصَاف البشرية وتطهر الطَّهَارَة المعنوية

стр. 390

فَهَذِهِ أنموذج وقانون يعرف الْعَاقِل الْمنصف بِهِ حسن شريعتنا وجمال طريقتنا وَأَنَّهَا جَارِيَة على نهج الْعُقُول ومستحسنه عِنْد من لَهُ محصول وَمن أَرَادَ أَن يتَبَيَّن محَاسِن شريعتنا على التَّفْصِيل فَلَا يصل إِلَى ذَلِك إِلَّا ببحث كثير وَتَطْوِيل فَإِن وقف فأمعن النّظر وأستدت مِنْهُ الْكفْر قضى من عجائبها كل عجب وَعلم على الْقطع والبتات أَنَّهَا حق من الله من غير شكّ وَلَا ريب وَأَن الَّذِي جَاءَ بهَا لَا يجوز عَلَيْهِ الْغَلَط وَلَا الْكَذِب فها نَحن معشر الْمُسلمين قد أرصدنا شريعتنا للإستعراض ونادينا عَلَيْهَا فِي سوق الإعتراض لِئَلَّا يعْتَرض أحد أَو يُعَارض فيدمغه ناقد لقَوْله وحافظ وَلم نكل حكايتها إِلَى غبي غافل عَن مَقَاصِد شرعنا جَاهِل وَقد آن أَن نذْكر مَا اعْترض بِهِ النَّصَارَى على ديننَا ونتصل عَنهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَعند ذَلِك يتَبَيَّن صميم جهلهم وَسُوء صنيعهم وفعلهم
следующие страницы →