← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6517

الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام

أبو العباس القرطبي

Полный текст (442 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

إِذْ لَيْسَ فِي مِلَّة من الْملَل الْمُتَقَدّمَة من التَّحْقِيق مَا عِنْدهم وَلَا اجْتمع لأحد قبلهم من الْعُلُوم مثل الَّذِي اجْتمع لَهُم ذَلِك بِأَنَّهُم آخر الْأُمَم وكتابهم آخر الْكتب وأفضلها ورسولهم آخر الرُّسُل وأفضلهم ولسانهم أحكم الْأَلْسِنَة وأفصحها على مَا يعرفهُ من تصفح شريعتهم وَعرف لغتهم وَنظر إِلَيْهَا بِعَين الْإِنْصَاف وَترك طَرِيق التعصب والإعتساف فالحمدلله على مَا أولاه ﴿وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله لقد جَاءَت رسل رَبنَا بِالْحَقِّ﴾ وَمِمَّا يبين للعاقل حسن شَرِيعَة الْإِسْلَام وجمال طريقتها إِنَّهَا مَبْنِيَّة على مُرَاعَاة مصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وإتمام مَكَارِم الْأَخْلَاق الْحَسَنَة أما بَيَان مصَالح الْآخِرَة فَهُوَ أَن هَذَا الشَّرْع يبين وجوهها وَلم يغْفل شَيْئا مِنْهَا بل فَسرهَا وأوضحها غَايَة الوضوح لِئَلَّا يجهل شَيْء مِنْهَا فوعد بنعيمها وتوعد بعذابها بِخِلَاف الشَّرَائِع الْمُتَقَدّمَة فَإِنَّهَا إِنَّمَا كَانَت تتوعد على الْمُخَالفَة بعقاب دُنْيَوِيّ كَمَا فعل بنوا إِسْرَائِيل غير مرّة وتوعد بِثَوَاب دُنْيَوِيّ وَلم يبين لَهُم شَيْء مِمَّا بَين لنا على مَا يَقْتَضِيهِ نسق التَّوْرَاة إِذْ لَيْسَ فِيهَا ذكر جنَّة وَلَا نَار إِلَّا تَنْبِيهَات قَليلَة وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيل لَيْسَ فِيهِ شَيْء من ذَلِك إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُ تعبدنا بعبادات مَحْضَة ذَوَات فعال وأركان كَالصَّلَاةِ وَالْحج وَغير ذَلِك وكل ركن من أَرْكَانهَا فالمقصود بِهِ تَعْظِيم الله تَعَالَى وخضوع لَهُ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِن حَتَّى تُؤدِّي كل جارحة من الْجَوَارِح حظها من تَعْظِيم الله تَعَالَى مَعَ مَا ينضاف إِلَى ذَلِك من الْمعَانِي الشَّرِيفَة والأدعية الرفيعة الفصيحة الَّتِي يعرف مَعَانِيهَا أَهلهَا حسب مَا فسروه فِي كتبهمْ وَلَيْسَ كَمَا تَقولُونَ أَنْتُم فِي صَلَاتكُمْ يَا أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاء

стр. 387

فَإِن ظَاهر هَذَا مستبشع فِي الْعرف محَال فِي الْعقل أما استبشاعه فِي الْعرف فَإِنَّهُ يقبح بِالْعَبدِ أَن يُخَاطب سَيّده بِلَفْظ الْأُبُوَّة هَذَا مَعَ أَن معنى الْأُبُوَّة جَائِز فِي حقوقنا فَكيف لَا يقبح إِطْلَاقه فِي حق من لَا تجوز الْأُبُوَّة فِي حَقه فإطلاق مثل هَذِه اللَّفْظ فِي حق الله تَعَالَى يَنْبَغِي أَلا يجوز وَلَا يُطلق وَأما إحالته فِي الْعقل فَإِن ظَاهر قوكم فِي السَّمَاء يفهم مِنْهُ أَن السَّمَاء مُحِيط بِهِ وَإِن جَازَ ذَلِك جَازَ أَن يكون جسما وَأَنْتُم تأبون ذَلِك وَهُوَ محَال فِي حَقه ﵎ وَكَذَلِكَ قَوْلكُم فِي بَقِيَّة هَذَا الدُّعَاء وَعجل لنا خبزنا الدَّائِم واغفر لنا كَمَا يغْفر بَعْضنَا لبَعض فَإِنَّهُ لفظ مستثقل مستقبح وَمَعْنَاهُ مستغث مسترك وَلَوْلَا خوف التَّطْوِيل لأبدينا مَا يحْتَمل ذَلِك من قَبِيح التَّأْوِيل فَإِن قُلْتُمْ هَكَذَا علمنَا عِيسَى فِي الْإِنْجِيل فَقَالَ لنا إِذا صليتم فَقولُوا قُلْنَا لَا نسلم أَن هَذَا مِمَّا علمه عِيسَى وَلَا مِمَّا جَاءَ بِهِ بل هُوَ إختراع من لَا يحسن مَا يَقُول وَلَيْسَ لَهُ إِلَى المعارف وُصُول وَقد تقدم أَن كتابكُمْ قَابل للتحريف والتصحيف فَهَذَا الَّذِي ذكرنَا يُنَبه على الْمصَالح الأخروية وَأما الْمصَالح الدُّنْيَوِيَّة فقد بَينا أَن مَقْصُود شرعنا حفظ الْأَدْيَان والنفوس وَالْأَمْوَال والأنساب والأعراض والعقول وَلأَجل ذَلِك شرع الْقَتْل والديات والعقوبات وَحرم السّرقَة والخيانة وَجَمِيع وُجُوه أكل المَال بِالْبَاطِلِ وَحرم الزِّنَا وَفعل اللوطى وَغير ذَلِك من الْفَوَاحِش وَكَذَلِكَ حرم الْغَيْبَة والنميمة وَالْقَذْف والبهتان والزور وَجَمِيع أَصْنَاف الْكَذِب والغش وَالْخداع وَالْمَكْر إِلَى غير ذَلِك من أَنْوَاع الْمَفَاسِد وَلأَجل ذَلِك أَيْضا حرم الْخمر فَإِنَّهَا تذْهب الْعقل الَّذِي هُوَ منَاط التَّكْلِيف وَبِه يعرف الْبَارِي ﵎ وَالسكر آفَة تناقضه وتضاده فَهَذِهِ الْأُمُور كلهَا مَحْفُوظَة بالحدود والزواجر المشاكلة للعقوبات الثَّابِتَة عَن النَّبِي ﷺ إِمَّا بِالْكتاب وَإِمَّا بِالسنةِ وَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا مَوْضُوعا بالتشهي والتحكم كَمَا فَعلْتُمْ أَنْتُم

стр. 388

وَقد بَينا ذَلِك بمستنده للشارع وَلَا نعدل عَنهُ طرفَة عين بل نقف عِنْد مَا أَمر وننتهي عَمَّا نَهَانَا وَيعرف ذَلِك على التَّفْصِيل أَهله وَمن وقف عَلَيْهِ من الْعُقَلَاء المنصفين وَأما مَكَارِم الْأَخْلَاق الَّتِي تضمنها شرعنا فَلَا تخفى على متأمل وَذَلِكَ أَن شرعنا أمرنَا بهَا ظَاهرا وَبَاطنا ونهانا عَن رذائلها وسفسافها فَمن المكارم الظَّاهِرَة النَّظَافَة وَالطَّهَارَة والتنزه عَن الأقذار والأوساخ فَمن النَّظَافَة تَطْهِير الثِّيَاب والأبدان فَإِنَّهَا يَنْبَغِي أَن تنزه عَن الأقذار مثل الْبَوْل وَالْغَائِط والمنى والمذى وَالدَّم والقيح وَمَا شاكل ذَلِك وَمن النَّظَافَة أَيْضا التَّطَيُّب وتحسين الْهَيْئَة فالطيب لَا يخفى على عَاقل اسْتِعْمَاله وَكَذَلِكَ تَحْسِين الْهَيْئَة وَمن تَحْسِين الْهَيْئَة قصّ الشَّارِب وإعفاء اللِّحْيَة فَقص الشَّارِب لتتأتى النَّظَافَة فِي الْأكل إِذْ لَا تتأتى مَعَ طوله إِذْ يدْخل الشّعْر فِي الْفَم وينغص الْأكل ويقذره هَذَا مَعَ مَا يلْحق الشَّارِب من قذارة المخاط إِذْ كَانَ الشَّارِب كَبِيرا وَمَعَ ذَلِك فَلَا يحلق عندنَا كُله ويمحق رسمه فَإِن ذَلِك مثله وتشويه وَكَذَلِكَ اللحي إِذا حلقت فَيَنْبَغِي أَن توفر توفيرا لَا يخل بمروءة الْإِنْسَان وَلَا يخرج عَن عَادَة النَّاس وَخير الْأُمُور أوساطها وَأما حلق اللِّحْيَة فتشويه ومثلة لَا يَنْبَغِي لعاقل أَن يَفْعَلهَا بِنَفسِهِ وَالْعجب من جهل النَّصَارَى بالشرائع وَبِمَا يستحسنه ذووا المروءات فَإِنَّهُم يحلقون لحاهم ويشوهون أنفسهم ويوفرون غلوفتهم الَّتِي يَنْبَغِي أَن تزَال لما فِي إِزَالَتهَا من الْفَوَائِد على مَا ذكرنَا من النَّظَافَة الْمَأْمُور بهَا تقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط وَحلق الْعَانَة وَغسل البراجم والمغابن بِالْمَاءِ وَهَذَا كُله من شرعنا مُبَالغَة فِي النَّظَافَة ومحافظة على مَكَارِم الْأَخْلَاق وعَلى عَادَة ذَوي الْعُقُول والمروءات وَأما التَّنَزُّه عَن الأقذار فَإِنَّهُ حرم علينا الْخَبَائِث من الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير والأنجاس كلهَا على مَا تَقْتَضِيه عَادَة الْعُقَلَاء والمروءات وأمرنا بِأَكْل الطَّيِّبَات وإستعمال المستحسنات ونهانا عَن السَّرف والتبذير

стр. 389

وَلأَجل هَذَا نَهَانَا عَن إستعمال أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة وَعَن لِبَاس الْحَرِير للذكور وَذَلِكَ لما فِيهِ من التبذير والسرف وَأَيْضًا فَإِن فِيهِ ترفها يُنَاسب ترفه أهل الْجنَّة ويشبهه وَلَا يَنْبَغِي أَن يفعل ذَلِك وَلأَجل ذَلِك قَالَ نَبينَا ﵇ من شرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة لم يشرب بهَا فِي الْآخِرَة وَمن لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة وَهَذَا كُله لِأَن الدُّنْيَا دَار عمل وَالْآخِرَة دَار جَزَاء وَلأَجل ذَلِك قَالَ الْحُكَمَاء الدُّنْيَا قنطرة فاعبروها وَلَا تتعمروها فَهَذِهِ نبذة من النَّظَافَة الطاهرة وأحكامها كَثِيرَة تعرف فِي موَاضعهَا وَأما النَّظَافَة الباطنية فترجع إِلَى التخلي عَن مَذْمُوم الْأَخْلَاق والتحلي بمحامدها ومستحسنها وَهِي كَثِيرَة فلنذكر الْأَخْلَاق المذمومة الَّتِي يتنظف مِنْهَا وَبعدهَا نذْكر الْأَخْلَاق المحمودة الَّتِي يَنْبَغِي الإتصاف بهَا أما الْأَخْلَاق المذمومة فكثيرة لَكِن أمهاتها مَا نذكرهُ وَهِي الْغَضَب والحسد وَالْبخل ومهانة النَّفس ودناءتها والرعونة وَحب الجاه وَحب الدُّنْيَا الَّذِي مِنْهُ كل خَطِيئَة وَالْكبر وَالْعجب والرياء إِلَى غير ذَلِك من الْأَخْلَاق المذمومة الَّتِي من اتّصف بهَا كَانَ منجس الْبَاطِن بِمَثَابَة من كَانَ مُتَنَجّس الظَّاهِر فَعَلَيهِ تنظيفه إِلَّا أَن نظافة النَّجَاسَة الظَّاهِرَة بِالْمَاءِ ونظافة النَّجَاسَة الْبَاطِنَة بالإتصاف بالأخلاق المحمودة الَّتِي هِيَ التَّوْبَة من الْمعاصِي وَحسن الصُّحْبَة مَعَ الْخلق والنصيحة لَهُم وَالْعدْل فِي الْأُمُور كلهَا والتواضع وكرم النَّفس وبغض الدُّنْيَا والزهد فِيهَا وَالْإِخْلَاص وَالْخَوْف وَالصَّبْر وَالشُّكْر والصدق والتوكل ومحبة الله تَعَالَى ومحبة رسله إِلَى غير ذَلِك من الْأَوْصَاف المحمودة الَّتِي من اتّصف بهَا فقد تتقي من أَوْصَاف البشرية وتطهر الطَّهَارَة المعنوية

стр. 390

فَهَذِهِ أنموذج وقانون يعرف الْعَاقِل الْمنصف بِهِ حسن شريعتنا وجمال طريقتنا وَأَنَّهَا جَارِيَة على نهج الْعُقُول ومستحسنه عِنْد من لَهُ محصول وَمن أَرَادَ أَن يتَبَيَّن محَاسِن شريعتنا على التَّفْصِيل فَلَا يصل إِلَى ذَلِك إِلَّا ببحث كثير وَتَطْوِيل فَإِن وقف فأمعن النّظر وأستدت مِنْهُ الْكفْر قضى من عجائبها كل عجب وَعلم على الْقطع والبتات أَنَّهَا حق من الله من غير شكّ وَلَا ريب وَأَن الَّذِي جَاءَ بهَا لَا يجوز عَلَيْهِ الْغَلَط وَلَا الْكَذِب فها نَحن معشر الْمُسلمين قد أرصدنا شريعتنا للإستعراض ونادينا عَلَيْهَا فِي سوق الإعتراض لِئَلَّا يعْتَرض أحد أَو يُعَارض فيدمغه ناقد لقَوْله وحافظ وَلم نكل حكايتها إِلَى غبي غافل عَن مَقَاصِد شرعنا جَاهِل وَقد آن أَن نذْكر مَا اعْترض بِهِ النَّصَارَى على ديننَا ونتصل عَنهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَعند ذَلِك يتَبَيَّن صميم جهلهم وَسُوء صنيعهم وفعلهم

стр. 391

الْفَصْل الثَّانِي دفاع عَن الْإِسْلَام أعلم أَن النَّصَارَى يعيبون دين الْإِسْلَام ويقبحونه عِنْد جهالهم وعامتهم بِأُمُور من فروع الْإِسْلَام لَا يَنْبَغِي لمنصف أَن يعيبها وَلَا يعيب شرعا هِيَ فِيهِ وَقد كُنَّا بَينا فِيمَا تقدم أَنه لَا يَنْبَغِي أَن ننبذ الشَّرَائِع أَو نجحدها بِمَا تجوزه الْعُقُول بل يتلَقَّى ذَلِك المجوز عقلا الَّذِي جَاءَت بِهِ الشَّرَائِع بِالْقبُولِ إِذا علم صدق ذَلِك الشَّرْع بل يَنْبَغِي للعاقل أَن ينظر فِي دَلِيل صدق ذَلِك الشَّرْع فَإِن وجده دَلِيلا صَحِيحا قبل مِنْهُ كل مَا يَقُول فَإِنَّهُ صَادِق والصادق لَا يَقُول مَا تكذبه الْعُقُول نعم قد يَقُول مَا يقصر الْعقل عَن إِدْرَاكه وَلَيْسَ ذَلِك طَعنا على قَول الصَّادِق وَإِنَّمَا الْعَجز فِي حق الْعقل فَلَيْسَ كل مَا تَأتي بِهِ الشَّرَائِع يعرف الْعقل جَوَازه قبل وُقُوعه بل قد يكون مِنْهُ مَا يجهله وَهَذَا بَين عِنْد الْفَهم الْمنصف وَقد كُنَّا قَررنَا ذَلِك بأبلغ من هَذَا فِيمَا تقدم فَإِذا تقرر ذَلِك قُلْنَا لِلنَّصَارَى كَانَ يجب عَلَيْكُم أَن تنظروا فِي الْأَدِلَّة الَّتِي بهَا اسْتدلَّ هَذَا النَّبِي على صدقه فَإِذا صحت لزمكم قبُول قَوْله وَإِن لم تصح لديكم رددتم كُلية شَرعه وَلَا تعترضوا بِبَعْض مَا جَاءَ بِهِ مِمَّا يجوزه الْعقل على مَا تقرر وَنحن قد أثبتنا الْأَدِلَّة القاطعة على صدقه وأنواعها فَيجب عَلَيْكُم أَن تقبلُوا شَرعه إِذْ قَالَ أَنا رَسُول الله إِلَى النَّاس كلهم وَإِلَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَقد ظهر صدقه فِي قَوْله وَإِن لم تَفعلُوا فقد وَجَبت عَلَيْكُم اللَّعْنَة وحاقت بكم الطامة ﴿وَسَيعْلَمُ الْكفَّار لمن عُقبى الدَّار﴾

стр. 392

وَنحن نذْكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَا اعْترضُوا بِهِ على ديننَا ونحكي اعتراضهم كَمَا ذَكرُوهُ فِي كتبهمْ ونسبوه إِلَى أساقفتهم قَالَ صَاحب كتاب الْحُرُوف بعد أَن ذكر وَصِيَّة عِيسَى الَّتِي قَالَ فِيهَا احْذَرُوا أَنْبيَاء الْكَذِب الَّذين يأتونكم بلباس الحملان يَعْنِي سمة الْأَبْرَار وزي الْعباد وَبَاطِنهمْ ذئاب خاطفة قَالَ بعد ذَلِك معرضًا بنبينا ومستنقصا لديننا وَقد رَأينَا نَفاذ قَوْله هَذَا فبمن ادّعى النُّبُوَّة فأظهر سمة الحملان ثمَّ عمل عمل الذئاب فَأمر بِخِلَاف هَذِه الْوَصَايَا من الْعَدَاوَة للنَّاس عَامَّة والتحريض على قتل من خَالفه وَالْأَمر بِالْقصاصِ والإنتقام ثمَّ أَمر بالإكثار من النِّسَاء وَرخّص فِي طلاقهن وَأحل تَزْوِيج المطلقات الفاجرات ثمَّ ردهن إِلَى الْأزْوَاج الْأَوَّلين بعد طَلَاق ثَان وَأحل ذَلِك لَهُنَّ من الرجل الثَّانِي إِلَى الأول ثمَّ مَا وصف الله بِهِ من الْجور والقساوة وَالظُّلم إِذْ زعم أَنه يهدي بَعْضًا ويضل بَعْضًا وَقَالَ القوطي الَّذِي قدمنَا ذكره لَا فَائِدَة فِي شريعتكم لأَنا نجد الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة حكمين الأول التوراوي الَّذِي هُوَ من لطمك فالطمه الآخر الإنجيلي الَّذِي هُوَ من لطم خدك الْيُمْنَى فانصب لَهُ الْيُسْرَى وَأَنت ترى فضل هَذَا على الأول ثمَّ لَا تَجِد لهذين الْحكمَيْنِ ثَالِثا إِلَّا كَانَ دَاخِلا فيهمَا هَذَا مُنْتَهى مَا يعْتَرض بِهِ من ينتمي إِلَى النّظر من أقستهم وَإِن كَانَ بَعيدا عَن التَّحْقِيق وَأما عامتهم وَمن لَا مبالاة بهم فقد تَقولُوا العظائم وجاهروا

стр. 393

بالتواقح والشتائم وَنحن نجيب هذَيْن الْقسمَيْنِ على مَا قَالَاه جَوَابا يرفع الإشتباه وَنَرْجُو بِهِ التَّقَرُّب من الْإِلَه فَنَقُول للْأولِ أما استدلالك على رد نبوة نَبينَا بقول عِيسَى فتجهيل للعامة وتلبيس عَلَيْهِم فَإنَّك أدخلته فِي جملَة أَنْبيَاء الْكَذِب وَقد شهد الْأَنْبِيَاء بصدقه كَمَا قدمنَا بل قد شهد كتابك بصدقه وبنبوته فَإِنَّهُ قد جَاءَ فِيهِ من قَول عِيسَى مَالا يمكنك إِنْكَاره حَيْثُ ذكر البرقليط وَأخْبر أَنه يَأْتِي وَوَصفه بِمَا يَنْبَغِي لَهُ وَقد قدمنَا ذَلِك مُسْتَوفى فَهَذَا مِنْك ياهذا جهل بكتبك وَتَكْذيب لأنبيائك ورسلك وَإِنَّمَا الَّذِي حذر مِنْهُ عِيسَى وَغَيره من الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا هم أَنْبيَاء الْكَذِب كَمَا قَالَ وَلم تزل الْأَنْبِيَاء يحذرون من الْأَنْبِيَاء الْكَذَّابين وَلَقَد أَكثر من مثل هَذَا التحذير نَبينَا ﵇ حَتَّى قَالَ يكون فِي آخر الزَّمَان ثَلَاثُونَ كذبا كلهم يزْعم أَنه نَبِي وَأَنا خَاتم النَّبِيين فَلَا رَسُول بعدِي وَلَا نَبِي وَقد وجد بَعضهم وَلَا بُد من أَن يُوجد الْبَاقِي كَمَا قَالَ الصَّادِق وَأما قَوْلك أَن سمة نَبينَا سمة الحملان وَعَمله عمل الذئاب فكذب صراح وإفك وقاح وَنحن قد بَينا سمته وَعَمله ومنهاجه وَقد عرف حَاله الْقَرِيب والبعيد بل سمته سمت الْأَنْبِيَاء وَعَمله عَمَلهم وَلَا فرق بَينه وَبينهمْ إِلَّا أَنه أفضلهم وأكملهم وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن فِي صحف أشعياء أَنه قَالَ أَتَت أَيَّام الإفتقادات أَيَّام الْكَمَال ثمَّ قَالَ لِتَعْلَمُوا يَا بني إِسْرَائِيل الْجَاهِلين أَن الَّذِي تسمونه ضَالًّا هُوَ صَاحب النُّبُوَّة تفترون بذلك على كَثْرَة ذنوبكم وَعظم فجوركم وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّمَا عَنى نَبينَا وَلم يرد غَيره لِأَنَّهُ قَالَ يَا بني إِسْرَائِيل وَهَذَا خطاب لجميعهم وَلم تكذب جَمِيع بني إِسْرَائِيل بنبوة نَبِي إِلَّا نبوة مُحَمَّد ﷺ إِلَى غير ذَلِك مِمَّا تقدم وَأما عِيسَى وَغَيره فَكَانَ مِنْهُم من آمن بِهِ وَصدقه على مَا هُوَ مَعْرُوف وَأما قَوْلك أَمر بِخِلَاف هَذِه الْوَصَايَا من العدواة للنَّاس فكذب وتشنيع لَا يرضى بِهِ سفلَة النَّاس بل قد أَمر بالألفة والإجتماع والتحاب فِي الله والمؤاخاة فِي ذَاته والتعاون على الْبر وَالتَّقوى وَنهى عَن التباغض والتدابر والتخاذل على مَا بَيناهُ من شَرعه

стр. 394

وكل ذَلِك من حَاله وحالهم مَعْرُوف بِحَيْثُ لَا يجهل ومشهور بِحَيْثُ لَا يُنكر نعم رَحمته للْمُؤْمِنين وغلظته على الْكَافرين وَكَذَلِكَ وَصفه الله فِي كتبه وعَلى لِسَان رسله قَالَ الله الْعَظِيم فِي مُحكم وحيه الْكَرِيم ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾ وَكَذَلِكَ كَانَت أَحْوَال أَصْحَابه قَالَ الله تَعَالَى ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ وَلَيْسَ كَمَا تقولونه أَنْتُم عَن أَصْحَاب عِيسَى أَنه لما تقبضت الْيَهُود عَلَيْهِ فروا عَنهُ وأنكروه وحلفوا على أَنهم لم يعرفوه فأسلموه وتركوه وَقد بَينا فِيمَا تقدم مَا ذكرت الْأَنْبِيَاء من أَوْصَافه وعَلى أَنه لم يغلظ على الْكَافرين حَتَّى تمردوا على الله وكذبوا رسالات الله وَذَلِكَ أَنه أَقَامَ بَين أظهرهم عشر سِنِين أَو نيفا عَلَيْهَا يَدعُوهُم إِلَى الله على سَبِيل الْوَعْظ والإنذار والتعليم والتبليغ وَإِظْهَار الْآيَات والعجائب ملينا لَهُم القَوْل ومظهرا لَهُم الإشفاق وباذلا لَهُم النَّصِيحَة صَابِرًا بِنَفسِهِ على مَا يلقى من أذاهم وَمن سبهم وهم مَعَ ذَلِك يبالغون فِي ضَرَره بِكُل مَا يُمكن وَكلما ألح عَلَيْهِم بالإنذار زادوا فِي الْإِضْرَار حَتَّى هموا بقتْله وطرده عَن بَلَده وَأَهله وَبعد ذَلِك أمره الله بالإنتصار مِمَّن ظلمه وَإِخْرَاج من أخرجه وَلذَلِك أنزل الله تَعَالَى عَلَيْهِ ﴿أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا وَإِن الله على نَصرهم لقدير﴾ وَأما قَوْله والتحريض على قتال من خَالفه فَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يعاب بِهِ دين فَإِن الْكَافِر بِالْحَقِّ لَا حُرْمَة لَهُ وجنايته أكبر من كل جِنَايَة فعقوبته يَنْبَغِي أَن تكون أكبر من كل عُقُوبَة لَا سِيمَا بعد أَن تقدم للْكَافِرِينَ بالأعذار وبولغ لَهُم فِي الْإِنْذَار وَلأَجل أَن الْكَافِر لَا حُرْمَة لَهُ عِنْد الله يُعَاقِبهُ فِي الدَّار الْآخِرَة عُقُوبَة لَا إنقطاع لَهَا بإتفاق الشَّرَائِع وَإِن جَازَ أَن يعاب شرعنا لِأَنَّهُ جَاءَ بِقِتَال الْكَافرين جَازَ أَن يعاب شرع مُوسَى فَإِنَّهُ جَاءَ بِقِتَال الجبارين على مَا لَا يخفى على

стр. 395

أحد من المتشرعين فقد لزم هَذَا الْمُنكر لشرعنا من حَيْثُ أَنه شرع فِيهِ الْقِتَال أَن يُنكر مَا يدين بِهِ ويعتقده من شرع مُوسَى بن عمرَان وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يسفه فعل يشوع بن نون حَيْثُ أذاق الجبارين أَشد الْقَتْل وَأعظم الْهون ثمَّ أعجب من ذَلِك جهلهم بِمَا فِي كتبهمْ أَو مجاهرتهم بإنكارها وَذَلِكَ أَنه يَجدونَ فِي كتبهمْ أَوْصَاف النَّبِي ﷺ ويجدون فِيهَا أَنه يبْعَث بِالْقَتْلِ وَالسيف ثمَّ يُنكرُونَ ذَلِك ويباهتون فِيهِ وَقد ذكرنَا من ذَلِك مَا فِيهِ كِفَايَة وَمن ذَلِك مَا قد جَاءَ فِي كتاب أشعياء أَنه أخبر عَن هزيمَة الْعَرَب وَقتل اشرافهم فَقَالَ لما ذكر النَّبِي ﷺ يدوسون الْأُمَم كدوس البيادر وَينزل الْبلَاء بمشركي الْعَرَب وينهزمون ثمَّ قَالَ وينهزمون بَين يَدي سيوف مسلولة وقسى موتورة من شدَّة الملحمة وَكَذَلِكَ قَالَ حبقوق تضيء لنوره الأَرْض وستنزع فِي قسيك إغراقا وترتوي السِّهَام بِأَمْرك يَا مُحَمَّد إرتواء وَهَذِه نُصُوص على إسمه وَصفته كَمَا تقدم وَقد أَشَارَ إنجيلكم إِلَى هَذَا فَإِنَّكُم تَزْعُمُونَ أَن عِيسَى قَالَ لتلاميذه إِنِّي كنت أرسلتكم وَلَيْسَ مَعكُمْ مزود وَلَا خف فَهَل ضركم ذَلِك أَو نقصكم شَيْئا قَالُوا لَا قَالَ أما الْآن فَمن لم يكن لَهُ كيس فليأخذ كيسا ومزود فليشتر مزودا وَمن لم يكن لَهُ سيف فليبع من ثِيَابه وليشتر سَيْفا فَأَمرهمْ بإشتراء السيوف لِلْقِتَالِ بعد أَن كَانَ نَهَاهُم عَن الْقِتَال لعلمه أَن مُحَمَّدًا يبْعَث بعده بِالسَّيْفِ وَهَذَا كثير بِحَيْثُ لَا يحْتَمل التَّأْوِيل

стр. 396

وَخير من ذَلِك كُله أَنهم قد ذكرُوا فِي إنجيلهم أَن عِيسَى قَالَ لَهُم لَا تحسبوا أَنِّي قدمت لأصلح بَين أهل الأَرْض لم آتٍ لاصلاحهم لَكِن لألقى الْمُحَاربَة بَينهم إِنَّمَا قدمت لأفرق بَين الْمَرْء وإبنه وَالْمَرْأَة وإبنتها وأعداء الْمَرْء أهل بَيته وَهَذَا نَص بِأَن عِيسَى إِنَّمَا جَاءَ بالمحاربة وإلقاء الْعَدَاوَة بَين النَّاس وَهَذَا عين مَا أنكروه علينا ثمَّ قد زَاد وَأَعْلَى ذَلِك أَنهم حكوا أَنه قَالَ لم آتٍ لأصلح أهل الأَرْض لم آتٍ لإصلاحهم وَظَاهر هَذَا إِنَّمَا جَاءَ بِفساد أهل الأَرْض وَهَذَا لايصح أَن يَقُوله عِيسَى ﵇ وَلَا غَيره من الْأَنْبِيَاء وَهُوَ من كذبهمْ وتحريفهم وَقد قدمنَا ذَلِك فِيمَا سبق وَمن الْعجب أَنهم يَقُولُونَ أَن مِلَّة الْمَسِيح وشريعته لم تأت بِقِتَال ويتمدحون بِأَنَّهَا لم تظهر بِقِتَال وَإِنَّمَا ظَهرت بِمَا ظهر على أَيدي الحواريين من الْعَجَائِب وهم مَعَ ذَلِك يعترفون بمحاربة قسطنطين وبمقاتلته من خَالفه وَأَنه الَّذِي تلقيت عَنهُ الشَّرِيعَة الصليبية فَإِنَّهُ أرى فِي النّوم صُورَة الصَّلِيب وَقيل لَهُ بِهَذَا تنصر فَفعله وأعتقده وَقَاتل فنصر وأعجب من ذَلِك تَلبسهمْ بِالْقِتَالِ والإكثار مِنْهُ أَبَد الدَّهْر إِلَى الْيَوْم وهم مَعَ ذَلِك يدعونَ أَن الْقِتَال غير مَشْرُوع لَهُم ويذمون الشَّرِيعَة الَّتِي جَاءَت بِهِ فهم قد ناقضت أفعالهم أَقْوَالهم وَشهِدت على كذبهمْ أَحْوَالهم ثمَّ نقُول لقسطنطين ولجماعة النَّصَارَى المقاتلين قتالكم من خالفكم لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مَشْرُوعا لكم أَو غير مَشْرُوع لكم فَإِن كَانَ مَشْرُوعا لكم فلأي معنى تخالفونا فِي ذَلِك وتذموا شرعنا لأَجله وَإِن لم يكن مَشْرُوعا لكم فلأي معنى تركْتُم شرعكم وفعلتم خِلَافه وَكَيف حل لكم ذَلِك فَأنْتم بَين أَمريْن قبيحين عَلَيْكُم إِمَّا أَن تعترفوا بِأَن قتال الْأَعْدَاء جَائِز حسن فَلَا تَذُمُّوا شرعنا لأَجله وَإِمَّا أَن تعترفوا بِأَنَّهُ غير جَائِز وقبيح فيلزمكم التَّنَاقُض والسفه وَالْخُرُوج عَن شَرِيعَة الْمَسِيح فَأنْتم على الْمثل السائر أَعور بِأَيّ عَيْنَيْهِ شَاءَ

стр. 397

فَإِن قَالُوا إِنَّمَا نقتصر بِالْقِتَالِ لأنفسنا ونمتنع مِمَّن يُرِيد بِهِ ظلمنَا قُلْنَا وَمن شرع لكم أَن تنتصفوا مِمَّن ظلمكم أَو تنتصروا لأنفسكم بل قد حكيتم فِي إنجيلكم أَنه قَالَ لكم احْفَظُوا أعداءكم وأكرموا من أَسَاءَ إِلَيْكُم فَإِن لم تحفظُوا إِلَّا إخْوَانكُمْ فَمَا أجرؤكم على ذَلِك وَهَذَا نَص على أَنه يَنْبَغِي لكم أَن تستسلموا عَن قاتلكم وَلَا تنتصروا مِمَّن ظلمكم فَإِن لم تَفعلُوا ذَلِك فقد تركْتُم شرعكم واستهنتم بِسنة نَبِيكُم ثمَّ يلزمكم على ذَلِك أَن تعترفوا بِأَن شرعكم نَاقص إِذْ قد بَين لكم نَبِيكُم بعض الْمصَالح وَترك بَعْضهَا وَهُوَ الْقِتَال الَّذِي استدركتموه بنظركم من حَيْثُ كَانَ ضَرُورِيًّا ومحتاجا إِلَيْهِ وتعترفوا بِكَمَال الشَّرْع الَّذِي جَاءَ بِالْقِتَالِ الَّذِي هُوَ شرعنا وَعند هَذَا يتَبَيَّن فَسَاد قَوْلهم إِن الحكم حكمان لَا ثَالِث لَهما وَيفْسد عيبهم علينا الْقصاص وَذَلِكَ أَنهم يَزْعمُونَ أَن حكم التَّوْرَاة يقتضى الْقصاص وَحكم الْإِنْجِيل يقتضى الْعَفو ثمَّ زعم ذَلِك الْجَاهِل أَن لَا حكم ثَالِث وَلم يشر بثالث متوسط هُوَ أكملهما وأتمهما وَهُوَ الحكم الفرقاني حَيْثُ قَالَ الله الْعَظِيم ﴿وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهو خير للصابرين﴾ وَقَالَ ﴿وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلمن انتصر بعد ظلمه فَأُولَئِك مَا عَلَيْهِم من سَبِيل﴾ ثمَّ الْعجب من هَؤُلَاءِ الْجُهَّال كَيفَ يذمون شريعتنا ويكذبونها من حَيْثُ أَنَّهَا تَضَمَّنت الْقصاص ويؤمنون بشريعة مُوسَى وَقد صرحت بِالْقصاصِ فيلزمهم على قَوْلهم أَن يكذبوا بشريعة مُوسَى ويذمونها من ذَلِك الْوَجْه ثمَّ أعجب من ذَلِك كُله مدحهم شريعتهم من حَيْثُ كَانَت مَبْنِيَّة على الْعَفو والصفح ثمَّ مَعَ ذَلِك أَبَوا أَن يجوزوا عَفْو الله تَعَالَى عَن آدم حِين أكل من الشَّجَرَة حَتَّى قَالُوا أَن جَمِيع بني آدم

стр. 398

كَانُوا مرتهنين بِمَعْصِيَة أَبِيهِم حَتَّى فداهم الْمَسِيح بِنَفسِهِ بل لم يتَصَوَّر عِنْدهم عَفْو الله حَتَّى انتقم من إِلَه مثله تَعَالَى الله وتقدس عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا فعلى هَذَا نقُول لَهُم لَا يَخْلُو الْعَفو من أَن يكون هُوَ الأولى مُطلقًا أَو الإنتقام هُوَ الْأَفْضَل أَو الْحَالة الثَّالِثَة فَإِن كَانَ الْعَفو هُوَ الأولى فَلم لم يعف الله تَعَالَى عَن آدم من غير أَن يُعَاقِبهُ وبنيه على مَا زعمتم وَإِن كَانَ الإنتقام هُوَ الأولى فَلم لم ينْتَقم من آدم وبنيه مُطلقًا فَلم يبْق على هَذَا إِلَّا أَن الأولى هُوَ الْحَالة الثَّالِثَة وَهُوَ الإنتقام فِي حَال من مُسْتَحقّه وَالْعَفو فِي حَال أُخْرَى عَن مُسْتَحقّ الْعقَاب تفضلا وتكرما حسب مَا يُريدهُ الْبَارِي تَعَالَى وعَلى هَذَا الْمِنْهَاج السديد وَالْأَمر الرشيد جَاءَت شريعتنا فَهِيَ كَامِلَة متممة والحمدلله ثمَّ إِذا كَانَ الْعَفو هُوَ الأولى وَالْأَفْضَل وَبِه جَاءَت شريعتكم فلأي معنى تتركون شريعتكم الأولى فقد اعترفتم بألسنتكم وتناقضتم بأفعالكم وَكم لكم مِنْهَا وَكم وَأما إعتراضه على شرعنا بتحليل نِكَاح الْكثير من النِّسَاء فَذَلِك مَالا يَنْبَغِي أَن يُنكره أحد من الْعُقَلَاء فَإِنَّهُ من مجوزات الْعُقُول وَقد ورد بذلك الشَّرْع الصَّادِق الْمَنْقُول ثمَّ قد ورد عَن جمَاعَة من الرُّسُل وَقد جَاءَت بذلك الْكتب ألم يَجِيء فِي التَّوْرَاة أَن إِبْرَاهِيم كَانَت لَهُ سارة وَهَاجَر وَكَذَلِكَ ورد فِيهَا أَن يَعْقُوب جمع بَين أُخْتَيْنِ ليئة وراحيل وَقد ثَبت أَيْضا أَن سُلَيْمَان كَانَت لَهُ مائَة إمرأة أَو تِسْعَة وَتسْعُونَ بل قد روى فِي الْإسْرَائِيلِيات أَنه كَانَ لَهُ ثَلَاث مائَة إمرأة حرَّة وَسبع مائَة سَرِيَّة فَإِن كَذبْتُمْ شرعنا لأجل أَنه اشْتَمَل على جَوَاز نِكَاح نسَاء كَثِيرَة فلتكذبوا بنبوة إبراهم وَيَعْقُوب وَسليمَان وَلَا فرق بَين نَبينَا وَبَين هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُم رَسُول الله يبلغ

стр. 399

حكم الله فَمَا لكم تنكرون مَا بِمثلِهِ تعترفون وتكذبون عين مَا تصدقُونَ فَلَعَلَّ الْمَعْتُوه الَّذِي لَا يعرف مابه يفوه ثمَّ لَا يُنكر عَاقل حِكْمَة الله تَعَالَى فِي شَرْعِيَّة كَثْرَة النِّسَاء إِذْ مَقْصُوده بذلك إِنَّمَا هُوَ تَكْثِير النَّسْل وَعمارَة الدُّنْيَا بِالذَّرَارِيِّ ليكْثر الصالحون لما أَرَادَ الله بهم من الْكَرَامَة وليكثر الطالحون لما أَرَادَ الله بهم من الشقاوة والتعذيب ولتنفذ على خلقه أَحْكَامه وتجري عَلَيْهِم أقداره ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَأما إعتراضه بِالطَّلَاق ورد المطلقات فقد تقدم ذكره على أوضح المقالات وأشفينا فِي الْجَواب على أحسن الغايات فلينظره من أَرَادَهُ فِي بَاب النبوات وَأما إعتراضهم على إعتقادنا أَن الله يهدي من يَشَاء ويضل من يَشَاء فقد قدمنَا فِيهِ قولا كَافِيا وَلَكنَّا مَعَ ذَلِك نؤيده أيضاحا فَنَقُول قد قَامَ الدَّلِيل الْقَاطِع والبرهان الصادع على أَن الله تَعَالَى مُنْفَرد بِخلق الموجودات ومريد لكل الحادثات لَا يخرج عَن قدرته مُمكن وَلَا يشذ عَن إِرَادَته حَادث وَالْهدى والضلال من الْحَوَادِث فَإِذن هما مستندان إِلَيْهِ وموجودان بإرادته وَتَحْقِيق هَذَا الْبُرْهَان يعرف فِي مَوْضِعه ثمَّ نقُول لَا يشك عَاقل أَن الْهدى والضلال وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا أُمُور محدثة وأفعال مَوْجُودَة بعد أَن لم تكن وكل فعل مُحدث فَلَا بُد لَهُ من فَاعل مُحدث بِالضَّرُورَةِ ففاعل الْهدى والضلال وخالقهما إِمَّا أَن يكون الله سُبْحَانَهُ أَو غَيره محَال أَن يكون غير الله لِاسْتِحَالَة وجود خالقين وَيلْزم مِنْهُ إمتناع الْخلق كَمَا قدمنَا حِين ذكرنَا دلَالَة التمانع فَلم يبْق إِلَّا أَن يكون الْفَاعِل هُوَ الله تَعَالَى إِذْ لَا خَالق إِلَّا هُوَ وَلَا مبدع سواهُ ثمَّ نقُول لِلنَّصَارَى صلب الْمَسِيح وَقَتله إِمَّا أَن يكون ضلالا وَإِمَّا أَن يكون هدى ومحال أَن يكون هدى فَإِنَّكُم تكفرون من فعل ذَلِك

стр. 400

وتضللونهم وَلأَجل ذَلِك الْفِعْل حاق الْغَضَب وحاقت اللَّعْنَة على الْيَهُود بزعمكم فَلم يبْق إِلَّا أَن يكون ضلالا وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد لزمكم أَن الله فعل الضلال فَإِنَّكُم قد صرحتم بِأَن الله إِنَّمَا فعل ذَلِك لأجل خطية آدم وَلَا من أحد من وَلَده وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن ينْتَقم من إِلَه مثله فقد صرحتم ونصصتم أَن الله تَعَالَى أَرَادَ الضلال وَفعله على أقبح مَا سمع وأشنع مَا بِهِ يتحدث ثمَّ إِنَّا لَا ندير مِمَّا يكون التَّعَجُّب أَكثر إِن كَانَ من ذهَاب عقولكم أَو من جهلكم بكتبكم فَأَما نقص عقولكم فَإِنَّكُم تَقولُونَ أقوالا تتناقضون فِيهَا وَلَا تشعرون وتلتزمون ضروبا من المحالات وتنكرون أمورا جائزات كَمَا قدمنَا آنِفا وَلم نزل نبين ذَلِك من أول كلمة من هَذَا الْكتاب إِلَى آخِره وَأما جهلكم بكتبكم فقد جَاءَ فِي كتابكُمْ نصا هَذَا الْمَعْنى الَّذِي أنكرتموه علينا وَذَلِكَ أَن عِيسَى قَالَ حِين دنا أَجله يَا أبتاه إِنَّك قَادر على جَمِيع الْأَشْيَاء فزح عني هَذِه الكأس وَلَكِن لست أَسأَلك أَن تفعل مشيئتي بل مشيئتك وَهَذَا نَص على أَن الله على كل شَيْء قدير وَأَنه يفعل مَا يُرِيد وَأَنه أَرَادَ صلب الْمَسِيح بزعمكم وَكَانَ ضلالا للْيَهُود بِلَا شكّ فَمَا لكم تخبطون وَعَن كتبكم تعرضون بل أَنْتُم عَن عقولكم مصروفون وَفِي ورطة الْجَهْل مرتبكون وَفِي بحبوحة الضلال عمهون فَلَقَد صدق الَّذِي قَالَ الْيَهُود مغضوب عَلَيْهِم وَالنَّصَارَى ضلال وَالْكَلَام على الْهدى والضلال والطبع والختم يَسْتَدْعِي تَطْوِيلًا وشرحا وتفصيلا وَمن طلبه وجده إِذا ساعده التَّحْقِيق ورافقه التَّوْفِيق وَقد حصل غرضنا من مكالمة هَؤُلَاءِ وإفحامهم والحمدلله وَأما قَوْله ودعواه أَنا وَصفنَا الْبَارِي تَعَالَى بالجور والقساوة وَالظُّلم فعلى الْمثل السائر رمتني بدائها وانسلت

стр. 401

أما نَحن فننزه الله تَعَالَى عَن كل مَا ذكر وَلَا نقُول بقول يُؤَدِّي إِلَى ذَلِك وَكَيف يَصح فِي حَقه تَعَالَى الظُّلم والجور وَهُوَ إِنَّمَا يتَصَرَّف فِي ملكه وَملكه وخلقه وَلَا يجب عَلَيْهِ لأحد من خلقه حق بل هُوَ متفضل بِكُل مَا يفعل وَإِنَّمَا يتَصَوَّر الظُّلم والجور فِي حق من تصرف فِي ملك غَيره أَو عدل عَن فعل مَا وَجب عَلَيْهِ وَهَذَا كُله فِي حق الله تَعَالَى محَال وَإِنَّمَا يلْزم وَصفه بالظلم والجور والقساوة لمن قَالَ إِن آدم عَصَاهُ ثمَّ جعل ذَنبه على جَمِيع وَلَده ثمَّ لم يقنع بِشَيْء من دِمَائِهِمْ بل وَلَا من دِمَائِهِمْ كلهم حَتَّى انتقم من اله مثله وأجرى دَمه على خَشَبَة الصَّلِيب فَهَذَا ظلم من حَيْثُ حمل الذَّنب من لم يَفْعَله وجور من حَيْثُ قتل إِلَهًا لأجل لقْمَة من شَجَرَة أكلهَا غَيره وقساوة من حَيْثُ قتل وَلَده وحبيبه فِي عَبده العَاصِي عنْدكُمْ وَلم يعف نَعُوذ بِاللَّه من هَذِه القبائح وَمن إلتزام هَذِه الفضائح وتتبع جهالات الْجُهَّال بِحَق مَعْقُول العقال على أَن كَلَام هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَا يسْتَحق أَن يسمع إِذْ لَيْسَ لَهُم فِي الْعُقُول مطمع ولكثرة فَسَاد كَلَامهم يحار النحرير النَّاظر فِي هذيانهم فيظل مُتَعَجِّبا وينشد متمثلا ... تَفَرَّقت الظباء على خرَاش ... فلايدري خرَاش مَا يصيد ... وَأَنا أكرر الإستغفار من حكايات كَلَامهم وأسأله النَّفْع بِإِظْهَار فَسَاد مرامهم وَمَعَ ذَلِك فقد أصبْنَا مِنْهُم غَرضا وصادفنا مِنْهُم مقتلا وَلَئِن زادوا زِدْنَا وَإِن عَادوا عدنا ... إِن عَادَتْ الْعَقْرَب عدنا لَهَا ... وَكَانَت النَّعْل لَهَا حَاضِرَة ... وَيَنْبَغِي أَن نختم الْكتاب بِدُعَاء مأثور عَن رَسُول الله ﷺ فَلَعَلَّ الْوَاقِف على كتابي هَذَا يُؤمن عِنْد خاتمته وَعَسَى الله أَن يشركنا فِي صَالح دَعوته

стр. 402

فَأَقُول اللَّهُمَّ اقْسمْ لنا من خشيتك مَا تحول بَيْننَا وَبَين مَعَاصِيك وَمن طَاعَتك مَا تبلغنَا بِهِ جنتك وَمن الْيَقِين مَا تهون بِهِ علينا مصائب الدُّنْيَا وَمَتعْنَا بأسماعنا وأبصارنا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا واجعله الْوَارِث منا وَاجعَل ثَأْرنَا على من ظلمنَا وَانْصُرْنَا على من عَادَانَا وَلَا تجْعَل مُصِيبَتنَا فِي ديننَا وَلَا تجْعَل الدُّنْيَا أكبر هَمنَا وَلَا مبلغ علمنَا وَلَا تسلط علينا من لَا يَرْحَمنَا آمين آمين والحمدلله رب الْعَالمين وَالصَّلَاة على مُحَمَّد سيد الْمُرْسلين وَسَلام عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم فِي الْعَالمين وعَلى صَحبه أَجْمَعِينَ وعَلى التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين نجز الْكتاب الْمُبَارك بحمدالله وعونه وَحسن توفيقه على يَد العَبْد الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى عَليّ بن مُحَمَّد بن عانبه الفيومي نسبا وَالشَّافِعِيّ مذهبا حامدا لله ومصليا وَمُسلمًا على رَسُول الله ﷺ وعَلى جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ فِي سَابِع عشْرين شهر ربيع أول سنة تسع وَسبعين وثماني مائَة قَالَ فِي أصل النُّسْخَة وَكَانَ الْفَرَاغ مِنْهُ ضحوة سادس شهر شعْبَان سنة سِتّ وَعشْرين وَسبع مائَة بِدِمَشْق المحروسة والحمدلله رب الْعَالمين تمّ الْجُزْء الرَّابِع من كتاب الْإِعْلَام بِمَا فِي دين النَّصَارَى من الْفساد والأوهام وَإِظْهَار محَاسِن دين الْإِسْلَام وَإِثْبَات نبوة نَبينَا مُحَمَّد ﵊ وبتمامه تمّ الْكتاب كُله بعون الله وَكَانَ الْفَرَاغ من تَحْقِيقه وَالتَّعْلِيق عَلَيْهِ والتقديم لَهُ فِي يَوْم السَّبَب الْعشْرين من شهر شَوَّال سنة ثَمَان وَتِسْعين وثلثمائة وَألف من الْهِجْرَة الْمُوَافق الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر سبتمبر سنة ألف وتسعائة وثمان وَسبعين من الميلاد فِي مَدِينَة الْقَاهِرَة

стр. 403

مُلْحق فِي تقديمنا لهَذَا الْكتاب تحدثنا فِي مبحثين إثنين هما ١ الأقانيم ٢ والمسيا المنتظر بِفَتْح الْمِيم وَكسر السِّين وَتَشْديد الْيَاء مَفْتُوحَة وَمَعَ كتابتهما كتبت مبحثا ثَالِثا عَن مبادئ النَّصْرَانِيَّة وَرَأَيْت أَن أَضَعهُ فِي نِهَايَة الْكتاب كملحق لِأَن فهمه يتعسر على الْقَارئ أَو السَّامع إِذا لم يقْرَأ قبله المبحثين وَكتاب الْإِعْلَام هَذَا أَو كتبا فِيهَا مَا يساعد على الْفَهم ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ د أَحْمد حجازي السقا

стр. 404

المبحث الثَّالِث مبادئ النَّصْرَانِيَّة أَي سفر من أسفار الْكتب المقدسة عِنْد النَّصَارَى يُمكن أَن تظهر لنا مِنْهُ بوضوح مبادئ النَّصْرَانِيَّة لَيْسَ غير سفر أَعمال الرُّسُل الْمُسَمّى باللغة اليونانية الأبركسيس فَإِن هَذَا السّفر الْمَوْضُوع بعد الأناجيل الْأَرْبَعَة لَا يحْكى فَقَط عَن نمو الْجَمَاعَة النَّصْرَانِيَّة الأولى بل يحْكى للنَّاس جَمِيعًا كَيفَ اتّفق بطرس وبولس وَيَعْقُوب وَمن نحا نحوهم فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ على تَغْيِير دَعْوَة الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ الْأَصْلِيَّة وَقبل أَن نبين مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ نقُول أَولا لماذا أتفقوا على مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ هَل ﴿حسدا من عِنْد أنفسهم من بعد مَا تبين لَهُم الْحق﴾ كَمَا فِي الْقُرْآن الْكَرِيم إِنَّهُم يعلمُونَ علم الْيَقِين من أتوراة مُوسَى ﵇ الْأَسْفَار الْخَمْسَة ب وَمن أسفار الْأَنْبِيَاء الَّذين ظَهَرُوا من بعد مُوسَى ﵇ يعلمُونَ أَن نَبيا سَيظْهر للْعَالم قَالَ عَنهُ بطرس فَإِن مُوسَى قَالَ للآباء أَن نَبيا مثلي سيقيم لكم الرب إِلَهكُم من إخوتكم لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كل مَا يكلمكم بِهِ وَيكون أَن كل نفس لَا تسمع لذَلِك النَّبِي تباد من الشّعب وَهَذَا النَّبِي يعلمُونَ أَنه لَيْسَ عِيسَى ﵇ لِأَنَّهُ من بني إِسْرَائِيل وَلَو كَانَ النَّبِي الْآتِي من بني إِسْرَائِيل لقَالَ من أَنفسكُم وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مماثلا لمُوسَى فِي ١ الحروب ٢ المعجزات ٣ والإنتصار على الْأَعْدَاء فَإِن الَّذِي لم يسمع لكَلَامه لم يُبْدِهِ الرب من الشّعب على يَدَيْهِ كَمَا أبادهم على يَد نَبِي الْإِسْلَام صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 405

وَهَذَا النَّبِي يعلمُونَ أَنه سَيكون نَاسِخا لشريعة مُوسَى ﵇ فَإِن من أَوْصَافه لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كل مَا يكلمكم بِهِ لقد اتَّفقُوا على إستبدال نَبِي بني نَبِي تحدثت عَنهُ نبوءات التَّوْرَاة وَهُوَ مُحَمَّد ﷺ بِنَبِي لم يرد لَهُ ذكر فِي أَي سفر وَهُوَ عِيسَى ﵇ وَفِي سَبِيل ذَلِك لَا بُد من أَن يتفادوا أَمريْن إثنين لَا ثَالِث لَهما الأول النبوءات الَّتِي تحدثت عَن مُحَمَّد ﷺ وَالثَّانِي الشَّرِيعَة الَّتِي سيبلغها النَّبِي المنتظر للنَّاس عَن أَمر الله مُنَاسبَة للزمان الَّذِي سَيظْهر فِيهِ فَمَاذَا قُولُوا لتفادي هذَيْن الْأَمريْنِ قَالُوا إِن النبوءات يجب أَن تطبق على عِيسَى ﵇ وَقَالُوا نعمل شَرِيعَة جَدِيدَة فِيهَا من تعاليم مُوسَى وفيهَا من تعاليم الرومانيين وننسبها إِلَى عِيسَى ﵇ وَكَيف ينسبونها إِلَيْهِ وَقد رفع إِلَى السَّمَاء وَهُوَ لَا يعلم عَنْهَا شَيْئا هَذَا أشكال اعْتَرَضَهُمْ وَلَكنهُمْ تفادوه أَيْضا بزعمهم أَن عِيسَى ﵇ نزل من السَّمَاء بعد سِنِين من رَفعه إِلَيْهَا وقابل بولس وَهُوَ منطلق إِلَى مَدِينَة دمشق فِي رُؤْيا وَقَالَ لَهُ يَا بولس انْطلق بإذني وأمري بدعوتي إِلَى ١ أُمَم ٢ وملوك ٣ وَبني إِسْرَائِيل ونسوا أَن يبينوا مَا هِيَ الدعْوَة الجديدة الَّتِي لقنها عِيسَى لبولس مَا بينوا قطّ لِأَن الظَّاهِرَة من رسائل بولس أَنه يَدْعُو بدعوة من تِلْقَاء نَفسه ويشرع للنَّاس مَا استحسنه من تِلْقَاء نَفسه وَينْصَح تلاميذه بِمَا يصلح الْمعدة والبطن وخلاصة دَعوته فِي هَذِه الْعبارَة الدعْوَة الَّتِي دعى فِيهَا كل وَاحِد فليلبث فِيهَا أَي إِذا دَعَا الْيَهُودِيّ إِلَى النَّصْرَانِيَّة وَقبل الدعْوَة فليعمل بِحَسب شَرِيعَته الَّتِي درج عَلَيْهَا وَهِي شَرِيعَة مُوسَى وَإِذا دعى اليوناني إِلَى النَّصْرَانِيَّة وَقبل الدعْوَة فليعمل بِحَسب قوانين بِلَاده الَّتِي تحكم المواطنين وبحسب الْعَادَات والتقاليد الَّتِي درج عَلَيْهَا وَهَكَذَا يكون إسم النَّصْرَانِيَّة كمظلة على رُؤُوس الْكل وَالنَّاس أَحْرَار فِي أَعْمَالهم تَحت المظلة ثمَّ قَالَ على سَبِيل الْإِذْن أَقُول لغير المتزوجين وللأرامل انه حسن لَهُم إِذا لَبِثُوا كَمَا أَنا وَلَكِن إِن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا لِأَن التَّزَوُّج أصلح من التحرق وَأما المتزوجون فأوصيهم لَا أَنا بل الرب أَن لَا تفارق الْمَرْأَة رجلهَا وَإِن فارقته فلتلبث غير متزوجة أَو لتصالح رجلهَا

стр. 406

وَلَا يتْرك الرجل امْرَأَته وَأما الْبَاقُونَ فَأَقُول لَهُم أَنا لَا الرب إِن كَانَ أَخ لَهُ امْرَأَة غير مُؤمنَة وَهِي ترتضى أَن تسكن مَعَه فَلَا يَتْرُكهَا الخ كورنثوس الأولى ٧ وَمن نصائحه لتيموثاوس فِي رسَالَته الأولى إِلَيْهِ لَا تكن فِي مَا بعد شراب مَاء بل اسْتعْمل خمرًا قَلِيلا من أجل معدتك وأسقامك الْكَثِيرَة وليلاحظ مَا نبديه الْآن وَهُوَ أَن دَعْوَة مُوسَى ﵇ فِي أَصْلهَا كَانَت لبني إِسْرَائِيل ومعاصريهم من الْأُمَم فَإِن مُوسَى طلب من فِرْعَوْن الْإِيمَان بِاللَّه رب الْعَالمين وَعدم الْعُلُوّ عَلَيْهِ ومُوسَى حث بني إِسْرَائِيل بعد الْخُرُوج من مصر على فتح الْبِلَاد لنشر الْإِيمَان وَالْعَمَل بالشريعة وَبَين لَهُم أَن الْجنَّة تَحت ظلال السيوف كَمَا بَين نَبِي الْإِسْلَام وَعِيسَى ﵉ للأتباع الصَّادِقين فَفِي الْقُرْآن الْكَرِيم يَقُول الله ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن﴾ وَأَن دَعْوَة مُوسَى ﵇ حرفها عزرا فِي مَدِينَة بابل من بعد سنة ٥٨٦ ق م وَمن التحريف الَّذِي أقره فِيهَا أَن تكون دَعْوَة مُوسَى ﵇ لبني إِسْرَائِيل من دون النَّاس وَلما ظهر عِيسَى ﵇ وبخ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل على تقصيرهم فِي دَعْوَة الْأُمَم فِي قَوْله ويل لكم أَيهَا الناموسيون لأنكم أَخَذْتُم مِفْتَاح الْمعرفَة مَا دَخَلْتُم أَنْتُم والداخلون منعتموهم ثمَّ قَالَ لتلاميذه ١ - انْطَلقُوا أَولا بِالضَّرُورَةِ إِلَى بني إِسْرَائِيل بالدعوة ٢ - ثمَّ ثَانِيًا بعد أَن يعلم وَيفهم جَمِيع بني إِسْرَائِيل إنطلقوا إِلَى الْأُمَم قَالَ مَتى عَن الْأَمر الأول وَالثَّانِي هَؤُلَاءِ الإثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قَائِلا إِلَى طَرِيق أُمَم لَا تمضوا وَإِلَى مَدِينَة

стр. 407

للسامريين لَا تدْخلُوا بل اذْهَبُوا بالحرى إِلَى خراف بَيت إِسْرَائِيل الضَّالة وَفِيمَا أَنْتُم ذاهبون أكرزوا قائلين إِنَّه قد اقْترب ملكوت السَّمَاوَات وَقَالَ مَتى عَن الْأَمر الأول وَالثَّانِي أَن إمرأة من نسَاء الكنعانيين أهل فلسطين طلبت من الْمَسِيح أَن يشفى ابْنَتهَا من الْجُنُون فَلم يجبها بِكَلِمَة فَتقدم تلاميذه وطلبوا إِلَيْهِ قائلين اصرفها لِأَنَّهَا تصيح وَرَاءَنَا فَأجَاب وَقَالَ لم أرسل إِلَّا إِلَى خراف بَيت إِسْرَائِيل الضَّالة فَأَتَت وسجدت لَهُ أَي أَعطَتْهُ التَّحِيَّة قائلة يَا سيد أعنى فَأجَاب وَقَالَ لَيْسَ حسنا أَن يُؤْخَذ خبز الْبَنِينَ ويطرح للكلاب فَقَالَت نعم يَا سيد وَالْكلاب أَيْضا تَأْكُل من الفتات الَّذِي يسْقط من مائدة أَرْبَابهَا حِينَئِذٍ أجَاب يسوع وَقَالَ لَهَا يَا امْرَأَة عَظِيم إيمانك ليكن لَك كَمَا تريدين فشفيت ابْنَتهَا من تِلْكَ السَّاعَة بإستثناء تَشْبِيه الْأُمَم بالكلاب فِي هَذَا النَّص ومستبعد أَن يحدث هَذَا التَّشْبِيه من الْمَسِيح صَاحب الْخلق الرفيع فَإِنَّهُ نَص فِي دَعْوَة الْأُمَم بعد مَا يفهم الدعْوَة بَنو إِسْرَائِيل الَّذين يشبهون الخراف الضَّالة فِي فلاة من الأَرْض بِسَبَب إلتواء عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل فِي تعليمهم وَقَالَ مَتى عَن الْأَمر الثَّانِي إِن الْمَسِيح بَعْدَمَا رفع إِلَى السَّمَاء نزل ثَانِيَة إِلَى الأَرْض وكلمهم قَائِلا اذْهَبُوا وتلمذوا جَمِيع الْأُمَم وإنطلاق التلاميذ إِلَى الْأُمَم حسب كَلَام الْمَسِيح نَفسه على النَّحْو التَّالِي ١ - أَن تؤمن الْأُمَم بالإله الْوَاحِد المتصف بِكُل كَمَال والمنزه عَن كل نقص الَّذِي لَا يرى وَلَا يقدر أحد أَن يرَاهُ وَلَيْسَ كمثله شَيْء كَمَا نَص كتاب مُوسَى ﵇ ٢ - أَن تعْمل الْأُمَم بشريعة مُوسَى ﵇ ٣ - أَن يعلمُوا أَن نَبيا من الْعَرَب سَيظْهر لينسخ شَرِيعَة مُوسَى هُوَ مُحَمَّد ﷺ ٤ - وعَلى الْأُمَم إِذا ظهر هَذَا النَّبِي الْعَرَبِيّ أَن يتْركُوا الْعَمَل بشريعة مُوسَى وَأَن يعملوا بشريعة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 408

وَلَكِن بطرس وبولس وَيَعْقُوب وأتباعهم غيروا كَلَام الْمَسِيح نَفسه وَجعلُوا النَّصْرَانِيَّة دينا عالميا لَا على كَلَام الْمَسِيح السَّابِق ذكره بل على أَن عِيسَى هُوَ كَانَ النَّبِي المنتظر وَمَا عرفُوا أَنه هُوَ إِلَّا بعد قَتله وصلبه كَمَا يَزْعمُونَ وعَلى أَن الْإِنْجِيل شَرِيعَة يجب التَّعَبُّد على أَحْكَامهَا وعَلى أَن عِيسَى خَاتم النبييين وَلَا نَبِي من بعده إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَغير خَافَ مِمَّا قدمنَا على ذِي بَصِيرَة أَنهم اتَّفقُوا لكراهيتم للْعَرَب أَبنَاء إِسْمَاعِيل ﵇ أَن يخضعوا لأحكامهم وَأَن لَا يكون لَهُم فضل فِي دولتهم وَإِلَّا لما تفادوا مَجِيء النَّبِي الْآتِي مِنْهُم من قبل مَجِيئه وطبقوا النبواءات على وَاحِد من بني إِسْرَائِيل لقد فكر الْيَهُود فِي عالمية الدعْوَة ثَانِيًا فِي شكل النَّصْرَانِيَّة ليكسبوا أنصارا جددا يقاومون بهم الْعَرَب إِذا ظهر النَّبِي مِنْهُم وانضم حوله الأتباع من كل جنس وَلِأَنَّهُم يخزون إِذا رجعُوا إِلَى الأَصْل تظاهر مِنْهُم من تظاهر بالإخلاص للمسيح وَعمِلُوا العالمية فِي شخصه لِأَنَّهُ مِنْهُم وَأَتْبَاعه بِالضَّرُورَةِ سيكونون للْيَهُود ﴿بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ الْمَائِدَة ٥١ لِأَن الأناجيل مَبْنِيَّة على كتاب التَّوْرَاة وأسفار الْأَنْبِيَاء ولنبين الْأَمريْنِ هُنَا فَنَقُول أَولا النبوءات يحْكى هَذَا السّفر أَن بطرس تلميذ عِيسَى ﵇ الَّذِي لما نصحه بِعَدَمِ دُخُول أورشليم خوفًا عَلَيْهِ من الْيَهُود الْتفت وَقَالَ لبطرس اذْهَبْ عني يَا شَيْطَان أَنْت معثرة لي لِأَنَّك لَا تهتم بِمَا لله لَكِن بِمَا للنَّاس بطرس هَذَا هُوَ أول من خطب فِي النَّصَارَى وَكَانَ عدتهمْ يَوْمئِذٍ نَحْو مئة وَعشْرين مُبينًا أَن نبوءات التَّوْرَاة وأسفار الْأَنْبِيَاء يجب أَن تطبق على عِيسَى ﵇ حَتَّى لَا ينْتَظر النَّاس نَبيا من بعده سَوَاء كَانَ آيتا من الْيَهُود كَمَا يدعى الْيَهُود أَو كَانَ آتِيَا من بني إِسْمَاعِيل كَمَا يَقُول الْعَرَب وَعِيسَى ابْن مَرْيَم نَفسه وَفِي الْخطْبَة الثَّانِيَة لبطرس وَهِي فِي الإصحاح الثَّانِي من هَذَا السّفر يواجه الْيَهُود بِأَن دَاوُود ﵇ قَالَ فِي سفر الزبُور عَن النَّبِي المنتظر إِن الله سيضع أعداءه تَحت قَدَمَيْهِ وَنحن نعلم أَن

стр. 409

عِيسَى لم يضع أعداءه تَحت قَدَمَيْهِ فَكيف نطبق هَذِه النُّبُوَّة عَلَيْهِ قَالَ بطرس لنقل أَن عِيسَى لم يمت لنقل أَنه وَإِن رفع مَا يزَال حَيا ولسوف يرجع ليحارب أعداءه وينتصر عَلَيْهِم ويضعهم تَحت قَدَمَيْهِ وَالدَّلِيل على أَنه حَيّ أَنه لما قتل وَوضع فِي الْقَبْر ردَّتْ إِلَيْهِ الرّوح وانتصر على الْمَوْت وَصعد إِلَى السَّمَوَات الْعلي وَمن كَانَ شَأْنه هَكَذَا فَلَا يستبعد مِنْهُ الرُّجُوع ثَانِيَة إِلَى الدُّنْيَا ليدين الْأَحْيَاء والأموات وَمَا يزَال النَّصَارَى إِلَى الْيَوْم يَعْتَقِدُونَ فِي نزُول الْمَسِيح لينتصر على أعدائه ويزعمون أَنه فِي غيبَة وَالْملك لَهُ سيرجع كَمَا كَانَ ملك دَاوُود وَسليمَان ﵉ فِي الزَّمَان الْقَدِيم لقد عقد مُقَارنَة بَين دَاوُود وَعِيسَى فِي أَمريْن إثنين هما ١ الْملك ٢ وَالْمَوْت فَقَالَ كَانَ دَاوُود ملكا وَمَات وَقبل مَوته تنبأ عَن عِيسَى الَّذِي سَيكون ملكا قبل مَوته أَي موت عِيسَى وَحَيْثُ أَن عِيسَى مَاتَ من قبل أَن يكون ملكا إِذن هُوَ فِي غيبَة وسيرجع حسب تنبوء دَاوُود نَفسه وَلَقَد كذب بطرس والحاكي عَن بطرس بِشَهَادَة الْمَسِيح نَفسه ذَلِك لِأَن بطرس اسْتدلَّ بقول دَاوُود عَن النَّبِي المنتظر قَالَ الرب لرَبي اجْلِسْ عَن يَمِيني حَتَّى أَضَع أعداءك موطئا لقدميك زاعما أَن دَاوُود يُشِير إِلَى عِيسَى ﵇ مَعَ أَن عِيسَى ﵇ كَمَا سبق أَن بَينا قَالَ أَن الَّذِي يُشِير إِلَيْهِ دَاوُود لَيْسَ من الْيَهُود عُمُوما لِأَنَّهُ عبر عَنهُ بسيده والإبن لَا يكون سيدا لِأَبِيهِ وَفِي هَذِه الْخطْبَة جهر بطرس بِأَن عِيسَى ﵇ رَبًّا ومسيحا من قبل أَن يجْهر بولس وَمن كَلَام بطرس فِي هَذِه الْخطْبَة أَيهَا الرِّجَال الْأُخوة يسوغ أَن يُقَال لكم جهارا عَن رَئِيس الْآبَاء دَاوُود أَنه مَاتَ وَدفن فِي قَبره عندنَا حَتَّى هَذَا الْيَوْم فَإِذا كَانَ نَبيا وَعلم أَن الله حلف لَهُ بقسم أَنه من ثَمَرَة صلبه يُقيم الْمَسِيح حسب الْجَسَد ليجلس على كرسيه سبق فَرَأى وَتكلم عَن قِيَامَة الْمَسِيح أَنه لم تتْرك نَفسه فِي الهاوية وَلَا رأى جسده فَسَادًا فيسوع هَذَا أَقَامَهُ الله نَحن جَمِيعًا شُهُودًا لذَلِك وَإِذا ارْتَفع بِيَمِين الله وَأخذ موعد الرّوح الْقُدس من الآب سكب هَذَا الَّذِي تبصرونه وتسمعونه لِأَن دَاوُود لم يصعد إِلَى السَّمَوَات وَهُوَ نَفسه يَقُول قَالَ الرب لرَبي اجْلِسْ عَن يَمِيني حَتَّى أَضَع أعداءك موطئا لقدميك فَليعلم يَقِينا جَمِيع بَيت إِسْرَائِيل أَن الله جعل يسوع هَذَا الَّذِي صلبتموه أَنْتُم رَبًّا ومسيحا ألخ

стр. 410

وَفِي الْخطْبَة الثَّالِثَة لبطرس وَهِي فِي الإصحاح الثَّالِث من سفر الْأَعْمَال يطبق كَلَام مُوسَى فِي الْأَسْفَار الْخَمْسَة عَن نَبِي الْإِسْلَام ﷺ على عِيسَى ﵇ يَقُول للْيَهُود لقد قَامَ عِيسَى من الْأَمْوَات وَغَابَ عَن الدُّنْيَا وسيرجع ليملك عَلَيْكُم وعَلى الْعَالم ويؤسس مملكة لن تنقرض أبدا ولماذا لَا يرجع ومُوسَى وعد بِنَبِي على مِثَاله لَيْسَ هُوَ غير يسوع الْمَسِيح وَلَقَد كذب بطرس والحاكي عَن بطرس فَإِن مُوسَى لما وعد بِنَبِي على مِثَاله قَالَ أَيْضا لن يكون مثلي فِي بني إِسْرَائِيل فَكيف يكون المماثل لمُوسَى يسوع الْمَسِيح وَهُوَ من بني إِسْرَائِيل وَمن كَلَام بطرس فِي هَذِه الْخطْبَة والآن أَيهَا الْأُخوة أَنا أعلم أَنكُمْ بِجَهَالَة عملتم كَمَا رؤساؤكم أَيْضا وَأما الله فَمَا سبق وأنبأ بِهِ بأفواه جَمِيع أنبيائه أَن يتألم الْمَسِيح قد تممه هَكَذَا فتوبوا وَارْجِعُوا لتمحي خطاياكم لكَي تَأتي أَوْقَات الْفرج من وَجه الرب وَيُرْسل أَي الله يسوع الْمَسِيح المبشر بِهِ لكم قبل الَّذِي يَنْبَغِي أَن السَّمَاء تقبله إِلَى أزمنة رد كل شَيْء الَّتِي تكلم عَنْهَا الله بِفَم جَمِيع أنبيائه القديسين مُنْذُ الدَّهْر فَإِن مُوسَى قَالَ للآباء أَن نَبيا مثلي سيقيم لكم الرب إِلَهكُم من إخواتكم لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كل مَا يكلمكم بِهِ وَيكون أَن كل نفس لَا تسمع لذَلِك النَّبِي تباد من الشّعب وَجَمِيع الْأَنْبِيَاء أَيْضا من صموئيل فَمَا بعده جَمِيع الَّذين تكلمُوا سبقوا وأنبأوا بِهَذِهِ الْأَيَّام أَنْتُم أَبنَاء الْأَنْبِيَاء والعهد الَّذِي عَاهَدَ بِهِ الله آبَاءَنَا قَائِلا لابراهيم وبنسلك تتبارك جَمِيع قبائل الأَرْض الخ لقد تعسف بطرس فِي تَأْوِيل النبوءات تعسفا ممقوتا خرج بِهِ عَن الْوَاقِع الْحَقِيقِيّ فَمن ذَا الَّذِي يصدق أَن عِيسَى بعد قَتله دخل النَّار ثمَّ خرج من النَّار حَيا ليجلس فِي السَّمَاء ومؤرخو الْقرن الأول للميلاد كتبُوا أَن عِيسَى لم يقتل وَلم يصلب لقد تعسف بطرس ليطبق النبوءات على عِيسَى غير مبال بالحقائق التاريخية الثَّابِتَة وَغير مبال بالأوصاف الَّتِي تدل على النَّبِي المنتظر من نَص النبوءات وَغير مبال بسياق الْعبارَات ليربط النبوءة بِمَا قبلهَا وَبِمَا بعْدهَا من التعابير وَأَيْضًا غير مبال بالمحكم والمتشابه فِي نُصُوص التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ولكي يبرر النَّصَارَى خَطؤُهُ الْعمد وغلطه وتناقضه ادعوا أَنه كَانَ من الْعَوام الْأُمِّيين غير الدارسين وَأَنه ماقال بِمَا قَالَ إِلَّا بالهام من الرّوح الْقُدس

стр. 411

فَفِي سفر الْأَعْمَال فَلَمَّا رَأَوْا مجاهرة بطرس ويوحنا ووجدوا أَنَّهُمَا إنسانان عديما الْعلم وعاميان تعجبوا فعرفوهما أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ يسوع وَفِي الْخطْبَة الرَّابِعَة لبطرس وَهِي فِي الإصحاح الرَّابِع من سفر الْأَعْمَال يعمد إِلَى تطبيق نبوءة قَالَهَا دَاوُود ﵇ عَن نَبِي الْإِسْلَام ﷺ يعمد إِلَى تطبيقها على عِيسَى ﵇ متجاهلا أَن عِيسَى نَفسه كَمَا روى مَتى لم يطبقها على نَفسه بل طبقها على نَبِي الْإِسْلَام ﷺ يحْكى الْكَاتِب أَن بطرس شفى رجلا أعرج وَلما استدعاه رُؤَسَاء الْيَهُود ليسألوه بأية قُوَّة وَبِأَيِّ اسْم صنعت هَذَا قَالَ لَهُم يارؤساء الشّعب وشيوخ إِسْرَائِيل إِن كُنَّا نفحص الْيَوْم عَن إِحْسَان إِلَى إِنْسَان سقيم بِمَاذَا شفى هَذَا فَلْيَكُن مَعْلُوما عِنْد جميعكم وَجَمِيع شعب إِسْرَائِيل أَنه باسم يسوع الْمَسِيح الناصري الَّذِي صلبتموه أَنْتُم الَّذِي أَقَامَهُ الله من الْأَمْوَات بِذَاكَ وقف هَذَا أمامكم صَحِيحا هَذَا هُوَ الْحجر الَّذِي احتقرتموه أَيهَا البناؤون الَّذِي صَار رَأس الزاوية الخ انْظُر لقد قَالَ لَهُم إِن عِيسَى ابْن مَرْيَم هُوَ الْحجر فَمَا قصَّة هَذَا الْحجر تبدأ قصَّته من النَّبِي دَاوُود ﵇ فقد نطق نبوءة عَن النَّبِي المنتظر المماثل لمُوسَى ﵇ فِي المزمور المئة وَالثَّامِن عشر بَين فِيهَا أَن النَّبِي المنتظر سيتألم من إِعْرَاض النَّاس عَن دَعوته وَلَكِن الله لن يُسلمهُ إِلَى أَيدي أعدائه ليقتلوه وَأَن هَذَا النَّبِي سيرفضه الْيَهُود لِأَنَّهُ من غير جنسهم أَنه من نسل المصرية هَاجر جَارِيَة إِبْرَاهِيم ﵇ ونسلها لَا قيمَة لَهُ فِي نظر الْيَهُود كالحجر الَّذِي يرفض البناؤون وَضعه فِي الْبناء وَأَن هَذَا النَّبِي سَيكون مُبَارَكًا من قبل الله وَمن عِبَارَات دَاوُود ١ الإحتماء بالرب خير من التَّوَكُّل على إِنْسَان الإحتماء بالرب خير من التَّوَكُّل على الرؤساء كل الْأُمَم أحاطوا بِي باسم الرب أبيدهم أحاطوا بِي واكتنفوني باسم الرب أبيدهم

стр. 412

أحاطوا بِي مثل النَّحْل أنطفأوا كنار الشوك بإسم الرب أبيدهم ٢ - افتحوا لي أَبْوَاب الْبر أَدخل فِيهَا وَأحمد الرب هَذَا الْبَاب للرب الصديقون يدْخلُونَ فِيهِ أحمدك لِأَنَّك استجبت لي وصرت لي خلاصا الْحجر الَّذِي رفضه البناؤون قد صَار رَأس الزاوية من قبل الرب كَانَ هَذَا وَهُوَ عَجِيب فِي أعيينا ٣ - مبارك الْآتِي باسم الرب وَفِي إنجيل مَتى ومرقس ولوقا نجد عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ يَقُول لعلماء بني إِسْرَائِيل أَن هَذَا النَّبِي الَّذِي يتحدث عَنهُ دَاوُود سَيَأْتِي من بعدِي وسيتسلم الْملك مِنْكُم والشريعة وَلما اغتاظوا مِنْهُ لذَلِك وَأَرَادُوا قَتله خَافُوا من ثورة الْعَامَّة عَلَيْهِم لأَنهم كَانُوا يحبونَ الْمَسِيح قَالَ الْمَسِيح إِنَّكُم يَا بني إِسْرَائِيل كعمال فِي حقل ائتمنكم صَاحبكُم عَلَيْهِ وَلما أرسل إِلَيْكُم ليحاسبكم قتلتم الْمُرْسلين وأهنتموهم وَمَا جَزَاء من يفعل ذَلِك أَلا أَن تسحب مِنْهُ الثِّقَة إِلَى غَيره ليقوم ذَلِك الْغَيْر بِالْعَمَلِ وَأَدَاء الْحق وَلما قَالَ مَا مَعْنَاهُ هَذَا قَالَ لَهُ الْعلمَاء وَقد فَهموا مغزى كَلَامه حاشا أَي لن يحصل لنا ذَلِك فَنظر إِلَيْهِم وَقَالَ إِذن مَا هُوَ هَذَا الْمَكْتُوب الْحجر الَّذِي رفضه البناؤون هُوَ قد صَار رَأس الزاوية كل من يسْقط على ذَلِك الْحجر يترضض وَمن سقط هُوَ عَلَيْهِ يسحقه فَطلب رُؤَسَاء الكهنة والكتبة أَن يلْقوا الأيادي عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّاعَة وَلَكنهُمْ خَافُوا الشّعب لأَنهم عرفُوا أَنه قَالَ الْمثل عَلَيْهِم لقد أَشَارَ بالمكتوب إِلَى الزبُور المئة وَالثَّامِن عشر وطبقه حرفيا على نَبِي الْإِسْلَام ﷺ وَبَين أَنه لن يقتل كَمَا قَالَ دَاوُود وَأَنه إِذا قصد قوما بِالْحَرْبِ أهلكهم وَإِذا هم قصدوه أهلكم كالحجر القوى من يَنْطَحُهُ لَا يُؤثر فِي الْحجر بل يُؤثر فِي نَفسه هُوَ وَإِذا وَقع الْحجر على شَيْء أثر فِيهِ أما الْحجر نَفسه فَلَا يتأثر وَلم يكن بِهَذِهِ الصّفة عِيسَى ﵇ وَفِي إنجيل مَتى ولوقا ايضا نجد الْمَسِيح يَقُول سَيَأْتِي من بعدِي الَّذِي قَالَ عَنهُ دَاوُود مبارك الْآتِي بإسم الرب قَالَ الْمَسِيح لعلماء بني إِسْرَائِيل هُوَ ذَا بَيتكُمْ أَي هيكل سُلَيْمَان فِي الْقُدس يتْرك لكم خرابا وَالْحق أَقُول لكم انكم لَا ترونني حَتَّى يَأْتِي وَقت تَقولُونَ فِيهِ مبارك الْآتِي بإسم الرب

стр. 413

لقد تجاهل بطرس هَذَا كُله وَزعم أَن الْمَقْصُود من كَلَام دَاوُود ﵇ هُوَ عِيسَى ﵇ مُخَالفا بذلك كَلَام عِيسَى نَفسه وَمَا تدل عَلَيْهِ النبوءة من الْأَوْصَاف وَرجع بطرس إِلَى النَّصَارَى الَّذين كَانُوا قد بلغُوا يَوْمئِذٍ نَحْو خَمْسَة آلَاف ليتلو مَعَهم نبوءة أُخْرَى من نبوءات دَاوُود على نَبِي الْإِسْلَام ﷺ مفسرين لَهَا تَفْسِيرا لَا تقره اللُّغَة هِيَ نبوءة ابْن الله الَّتِي هِيَ أصل أقنوم الإبن عِنْد النَّصَارَى يَقُول دَاوُود ﵇ فِي المزمور الثَّانِي لماذا ارتجت الْأُمَم وتفكر الشعوب فِي الْبَاطِل قَامَ مُلُوك الأَرْض وتآمر الرؤساء مَعًا على الرب ومسيحه الخ أَنه يبين فزع الْأُمَم لَا أمة وَاحِدَة سيفكرون مَعًا فِي مقاومة دَعوته وَأَن مُلُوك الأَرْض لَا ملك أَرض وَاحِدَة سيقومون متآمرين عَلَيْهِ لهلاكه وَأَنَّهُمْ بمناوأته يقاومون الله الَّذِي سيرسله وَمن أجل ذَلِك الرب يستهزئ بهم كَمَا يَقُول دَاوُود ﵇ هَذَا هُوَ معنى كَلَام دَاوُود بِحَسب اللُّغَة وَلَكِن كَاتب سفر الْأَعْمَال يرْوى التَّفْسِير هَكَذَا أَيهَا السَّيِّد يخاطبون الله أَنْت هُوَ الْإِلَه الصَّانِع السَّمَاء وَالْأَرْض وَالْبَحْر وكل مَا فِيهَا الْقَائِل بِفَم دَاوُود فتاك لماذا ارتجت الْأُمَم وتفكر الشعوب بِالْبَاطِلِ قَامَت مُلُوك الأَرْض وَاجْتمعَ الرؤساء مَعًا على الرب وعَلى مسيحه لِأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ اجْتمع على فتاك القدوس يسوع الَّذِي مسحته هيرودس وبيلاطس البنطي مَعَ أُمَم وشعوب إِسْرَائِيل يُرِيد أَن يَقُول أَن هيرودس وبيلاطس الواليان على الْيَهُود هما مُلُوك جَمِيع الأَرْض وهما رُؤَسَاء دوَل الْعَالم فَهَل هَذَا صَحِيح وَيُرِيد أَن يَقُول أَن شعب إِسْرَائِيل كُله هُوَ أُمَم الْعَالم وشعوب الْعَالم فَهَل هَذَا صَحِيح أَن تَفْسِير اشد التواء من هَذَا التَّفْسِير وَمَعَ قَوْله هَذَا لم يسلم لَهُ انتصار النَّبِي المنتظر لِأَن نبوءة دَاوُود توضح أَنه لن يقتل بيد أعدائه وَقد صَرَّحُوا بقتل عِيسَى ﵇ الَّذين جَعَلُوهُ هدفا للنبوءات وَلَيْسَت لَهُ

стр. 414

وَفِي الْخطْبَة الَّتِي أَلْقَاهَا بطرس فِي مَدِينَة قيصرية أَمَام كرنيليوس وَهِي فِي الإصحاح الْعَاشِر من سفر الْأَعْمَال زعم أَن النَّبِي يحيى ﵇ كَانَ يبشر بمجيء عِيسَى ﵇ وَلم يكن يبشر بمجيء مُحَمَّد ﷺ قَالَ يحيى ﵇ يَأْتِي بعدِي من هُوَ أقوى مني الَّذِي لست أَهلا ان أنحنى وَأحل سيور حذائه أَنا عمدتكم بِالْمَاءِ وَأما هُوَ فسيعمدكم بِالروحِ الْقُدس وَلم يكن عِيسَى من بعده بل كَانَ مَعَه ودعا مَعَه بِنَفس الدعْوَة الَّتِي دَعَا بهَا يوحنا المعمدان النَّبِي يحيى دعوا مَعًا بِصَوْت وَاحِد اقْترب ملكون السَّمَوَات زعم بطرس أَمَام كرنيليوس ان يسوع الْمَسِيح هُوَ الَّذِي قَالَ عَنهُ يوحنا يَأْتِي بعدِي من هُوَ أقوى مني الخ مَعَ أَن الْمَسِيح لم يكن أقوى من يوحنا كَانَا من الدعاة الْفُقَرَاء وَلم يَكُونَا من الْمُلُوك الْأَغْنِيَاء كَانَا من الْأَنْبِيَاء وَلم يَكُونَا من الْأَنْبِيَاء الْمُلُوك كداوود وَسليمَان ﵉ فَفتح بطرس فَاه وَقَالَ بِالْحَقِّ أَنا أجد أَن الله لَا يقبل الْوُجُوه بل فِي كل أمة الَّذِي يتقيه ويصنع الْبر مَقْبُول عِنْده الْكَلِمَة الَّتِي أرسلها إِلَى بني إِسْرَائِيل يبشر بِالسَّلَامِ بيسوع الْمَسِيح هَذَا هُوَ رب الْكل أَنْتُم تعلمُونَ الْأَمر الَّذِي صَار فِي كل الْيَهُودِيَّة مبتدئا من الْجَلِيل بعد المعمودية الَّتِي كرز بهَا يوحنا يسوع الَّذِي من الناصرة كَيفَ مَسحه الله بِالروحِ الْقُدس والقوه الَّذِي جال يصنع خيرا ويشفى جَمِيع المتسلط عَلَيْهِم إِبْلِيس لِأَن الله كَانَ مَعَه وَنحن شُهُود بِكُل مَا فعل فِي كورة الْيَهُودِيَّة وَفِي أورشليم الَّذِي ايضا قَتَلُوهُ معلقين إِيَّاه على خَشَبَة هَذَا أَقَامَهُ الله فِي الْيَوْم الثَّالِث وَأعْطى أَن يصير ظَاهرا لَيْسَ لجَمِيع الشّعب بل لشهود سبق الله فانتخبهم لنا نَحن الَّذين أكلنَا وشربنا مَعَه بعد قِيَامَته من الْأَمْوَات وأوصانا أَن نكرز للشعب ونشهد بِأَن هَذَا هُوَ الْمعِين من الله ديانا للأحياء والأموات لَهُ يشْهد جَمِيع الْأَنْبِيَاء أَن كل من يُؤمن بِهِ ينَال بإسمه غفران الْخَطَايَا وَقد اقتفى بولس أثر بطرس فِي تطبيق النبوءات قسرا على الْمَسِيح ابْن مَرْيَم ﵇ إِذْ أَنه انْطلق إِلَى بِلَاد الْعَرَب من

стр. 415

دمشق ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا ثمَّ بعد ثَلَاث سِنِين صعد إِلَى أوشليم ليتعرف ببطرس وَمكث عِنْده خَمْسَة عشر يَوْمًا وَرَأى يَعْقُوب صديق بطرس وحواري الْمَسِيح وَرَأى أَيْضا يوحنا وبرنابا وَرجع ليردد نفس الأفكار الَّتِي صرح بهَا بطرس لَا يُرَدِّدهَا فِي أوشليم وَحدهَا بل فِي كل مَكَان تطؤه قدماه فَفِي مَدِينَة أنطاكية بيسيدية دخل مجمعا من مجامع الْيَهُود كَمَا فِي الإصحاح الثَّالِث عشر من سفر الْأَعْمَال وَشرح نبوءة يوحنا المعمدان كَمَا شرحها بطرس وَشرح أَيْضا نبوءة المزمور الثَّانِي كَمَا شرح بطرس قَالَ بولس أَيهَا الرِّجَال الإسرائيليون وَالَّذين يَتَّقُونَ الله اسمعوا إِلَه شعب إِسْرَائِيل هَذَا اخْتَار آبَاءَنَا وَرفع الشّعب فِي الغربة فِي أَرض مصر وبذراع مُرْتَفعَة أخرجهم مِنْهَا وَنَحْو مُدَّة أَرْبَعِينَ سنة احْتمل عوائدهم فِي الْبَريَّة ثمَّ أهلك سبع أُمَم فِي أَرض كنعان وَقسم لَهُم أَرضهم بِالْقُرْعَةِ وَبعد ذَلِك فِي نَحْو أربعمئة سنة وَخمسين سنة أعطاههم قُضَاة حَتَّى صموئيل النَّبِي وَمن ثمَّ طلبُوا ملكا فَأَعْطَاهُمْ الله شاول ابْن قيس رجلا من سبط بنيامين أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ عَزله وَأقَام لَهُم دَاوُود ملكا الَّذِي شهد لَهُ أَيْضا إِذْ قَالَ وجدت دَاوُود بن يسى رجلا حسب قلبِي الَّذِي سيصنع كل مشيئتي من نسل هَذَا حسب الْوَعْد أَقَامَ الله لإسرائيل مخلصا يسوع إِذْ سبق يوحنا فكرز قبل مَجِيئه بمعمودية التَّوْبَة لجَمِيع شعب إِسْرَائِيل وَلما صَار يوحنا يكمل سَعْيه جعل يَقُول من تظنون أَنِّي أَنا لست أَنا إِيَّاه لَكِن هُوَ ذَا يَأْتِي بعدِي الَّذِي لست مُسْتَحقّا أَن أحل حذاء قَدَمَيْهِ أَيهَا الرِّجَال الْأُخوة بني جنس إِبْرَاهِيم وَالَّذِي بَيْنكُم يَتَّقُونَ الله إِلَيْكُم أرْسلت كلمة هَذَا الْخَلَاص لِأَن الساكنين فِي أورشليم ورؤساءهم لم يعرفوا هَذَا وأقوال الْأَنْبِيَاء الَّتِي تقْرَأ كل سبت تمموها إِذْ حكمُوا عَلَيْهِ وَمَعَ أَنهم لم يَجدوا عِلّة وَاحِدَة للْمَوْت طلبُوا من بيلاطس أَن يقتل وَلما تمموا كل مَا كتب عَنهُ أنزلوه عَن الْخَشَبَة ووضعوه فِي قَبره وَلَكِن الله أَقَامَهُ من الْأَمْوَات وَظهر أَيَّامًا كَثِيرَة للَّذين صعدوا مَعَه من الْجَلِيل إِلَى أورشليم الَّذين هم شُهُوده عِنْد الشّعب

стр. 416

وَنحن نبشركم بالموعد الَّذِي صَار لآبائنا إِن الله قد أكمل هَذَا لنا نَحن أَوْلَادهم إِذْ أَقَامَ يسوع كَمَا هُوَ مَكْتُوب أَيْضا فِي المزمور الثَّانِي أَنْت إبني أَنا الْيَوْم وَلدتك الخ وَفِي مَدِينَة دمشق أَيْضا جهر بولس بِأَن يسوع الْمَسِيح هُوَ ابْن الله الَّذِي تنبأ عَنهُ دَاوُود ﵇ فِي المزمور الثَّانِي وَأَن يسوع الْمَسِيح هُوَ المسيا تَمامًا كَمَا قَالَ بطرس زعم بولس أَنه رأى الْمَسِيح فِي رُؤْيا وَأَن الْمَسِيح زَجره ووبخه على إضطهاده لأتباعه وَصرح لَهُ بِأَن ينْطَلق إِلَى الْأُمَم بالإنجيل وَأَنه كَمَا فِي الإصحاح التَّاسِع من سفر الْأَعْمَال جعل يكرز فِي المجامع بالمسيح أَن هَذَا هُوَ ابْن الله فبهت جَمِيع الَّذين كَانُوا يسمعُونَ وَقَالُوا أَلَيْسَ هَذَا هُوَ الَّذِي أهلك فِي أورشليم الَّذين يدعونَ بهذاالإسم وَقد جَاءَ إِلَى هُنَا ليسوقهم مُوثقِينَ إِلَى رُؤَسَاء الكهنه وَأما شاول فَكَانَ يزْدَاد قُوَّة ويحير الْيَهُود الساكنين فِي دمشق محققا أَن هَذَا هُوَ الْمَسِيح كَانَ تلميذ من تلاميذ الْمَسِيح اسْمه فيلبس من الْقرْيَة الَّتِي مِنْهَا بطرس وَهِي بَيت صيدا قَالَ لصديق لَهُ وجدنَا الَّذِي كتب عَنهُ مُوسَى فِي الناموس والأنبياء يسوع ابْن يُوسُف الَّذِي من الناصرة فَرد عَلَيْهِ بقوله أَمن الناصرة يُمكن أَن يكون شَيْء صَالح ثمَّ قَالَ للمسيح يامعلم أَنْت ابْن الله أَنْت ملك إِسْرَائِيل يوحنا ففيلبس فِي محاولة جر رجل صديقه إِلَى الْإِيمَان بدعوة الْمَسِيح زعم أَن الْمَسِيح هُوَ الَّذِي تحدثت عَنهُ الْأَسْفَار الخسمة وأسفار الْأَنْبِيَاء الَّذين ظَهَرُوا من بعد مُوسَى مَعَ أَن الْأَسْفَار الْخَمْسَة وأسفار الْأَنْبِيَاء لَا تُشِير بِكَلِمَة وَاحِدَة إِلَى يسوع الْمَسِيح لِأَنَّهُ من بني إِسْرَائِيل ومستبعد من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل نسخ شَرِيعَة مُوسَى فلماذا يُنَبه الله على مَجِيء نَبِي من بني إِسْرَائِيل إِن التَّنْبِيه لَازم على من يحِق لَهُ نسخ شَرِيعَة مُوسَى لِأَنَّهَا كَلَام الله فِي الأَصْل وَلَا يتْرك كَلَام الله الَّذِي نشأت عَلَيْهِ أجيال إِلَى من سَيَقُولُ أَن معي كَلَام الله الْمُنَاسب لزماننا هَذَا بسهولة لِأَن التَّصْرِيح بنسخ شَرِيعَة لَيْسَ بِالْأَمر الهين خَاصَّة وَأَن الشَّرِيعَة المنسوخة للْيَهُود وَأَن النَّاسِخ لَيْسَ مِنْهُم بل من جنس آخر هم الْعَرَب أَبنَاء النَّبِي إِسْمَاعِيل ﵇ وَصديقه يُؤمن على

стр. 417

أساس أَن الْمَسِيح هُوَ ابْن الله الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ دَاوُود بِظهْر الْغَيْب وَبَين فِي أَوْصَافه أَنه سَيكون رَئِيسا مُطَاعًا أَي ملكا والمسيح لم يكن رَئِيسا وَلَا ملكا فقد قَالَ أعْطوا مَا لقيصر لقيصر وَمَا لله لله وَلم يَقع كَاتب الْإِنْجِيل فِي هَذَا الْخَطَأ وَحده وَإِنَّمَا وَقع فِي خطأ آخر وَهُوَ قَوْله وجدنَا الَّذِي كتب عَنهُ مُوسَى فِي الناموس والأنبياء فَإِن مُوسَى تَارِك للناموس وَلَيْسَ هُوَ بتارك لأسفار الْأَنْبِيَاء وَكَيف يتْرك كتبا نسبت لأصحابها من بعد مَوْتهمْ وأصحابها ظَهَرُوا من بعده بسنين يحْكى لوقا كَاتب سفر أَعمال الرُّسُل كَمَا يَزْعمُونَ فِي بعض الرِّوَايَات أَن فيلبس هَذَا كَانَ من أهل الخطوة كالياس النَّبِي ﵇ وَقد وجد وزيرا من أهل الْحَبَشَة فَدَعَاهُ إِلَى النَّصْرَانِيَّة فَقبل الدعْوَة وَلما رأى مَاء قَالَ لفيلبس مَاذَا يمْنَع أَن أعْتَمد أَي أستحم بِالْمَاءِ لأدخل فِي الدّين على طَهَارَة فَقَالَ فيلبس إِن كنت تؤمن من كل قَلْبك يجوز فَأجَاب وَقَالَ أَنا أُؤْمِن أَن يسوع الْمَسِيح هُوَ ابْن الله فعمده فيلبس لقَوْله هَذَا وعَلى ذَلِك كَانَ فيلبس شَرِيكا لبطرس وبولس فِي تطبيق نبوءة الإبن على عِيسَى الْمَسِيح ﵇ واشترك فِي تطبيق نبوءة المسيا على عِيسَى ﵇ مَعَهم يَهُودِيّ من يهود الْإسْكَنْدَريَّة إسمه أبلوس فقد جَاءَ عَنهُ فِي الإصحاح الثَّامِن عشر من سفر الْأَعْمَال أَنه كَانَ بإشتداد يفحم الْيَهُود جَهرا مُبينًا بالكتب أَن يسوع هُوَ الْمَسِيح أما عَن نبوءة ابْن الْإِنْسَان صَاحب ملكوت السَّمَاوَات وَيُسمى أَيْضا ملكوت الله فأشهر من طبقها على عِيسَى ﵇ رغم أَنفه استفانوس وبولس وأصل نبوءة ابْن الْإِنْسَان من التَّوْرَاة من سفر النَّبِي الْمُعظم دانيال كَانَ دانيال فِي مَدِينَة بابل فِي عهد الْملك نبوخذناصر وَرَأى الْملك هَذَا أحلاما أطارت عَنهُ النّوم وَلما طلب من الْحُكَمَاء تَعْبِير الْحلم لم يستطيعوا التَّعْبِير لِأَن الله مَا ألهم التَّعْبِير لغير النَّبِي دانيال الَّذِي سبح الله ومجده بقوله ليكن إسم الله

стр. 418

مُبَارَكًا من الْأَزَل وَإِلَى الْأَبَد لِأَن لَهُ الْحِكْمَة والجبروت وَهُوَ يُغير الْأَوْقَات والأزمنة يعْزل ملوكا وَينصب ملوكا يعْطى الْحُكَمَاء حِكْمَة وَيعلم العارفين فهما هُوَ يكْشف العمائق والأسرار يعلم مَا هُوَ فِي الظلمَة وَعِنْده يسكن النُّور وَقَالَ دانيال للْملك رَأَيْت فِي حلم تمثالا ١ رَأسه من ذهب جيد ٢ صَدره وذراعاه من فضَّة ٣ بَطْنه وفخذاه من نُحَاس ٤ ساقاه من حَدِيد ٥ قدماه بعضهما من حَدِيد وَالْبَعْض من خزف ب وَرَأَيْت حجرا هوى بِقُوَّة شَدِيدَة على التمثال فَضرب قَدَمَيْهِ فَوَقع على الأَرْض مهشما وَصَارَ الْحجر جبلا كَبِيرا بعد مَا حطم التمثال وهشمه هَذَا هُوَ الْحلم أَيهَا الْملك وَإِلَيْك تَعْبِيره ١ - رَأس التمثال مملكة بابل ٢ صدر التمثال وذراعاه مملكة أُخْرَى هِيَ مملكة فَارس ٣ بطن التمثال وفخذاه مملكه ثَانِيَة هِيَ مملكة اليونان ٤ ساقا التمثال مملكة رَابِعَة هِيَ مملكة الرومان ومملكة الرومان تكون منقسمة على ذَاتهَا إِلَى شرقية وغربية وَفِي أَيَّام مُلُوك الرومان بعد الإنقسام يُقيم إِلَه السَّمَوَات مملكة لن تنقرض أبدا وملكها لَا يتْرك لشعب آخر وتسحق وتفنى كل هَذِه الممالك وَهِي تثبت إِلَى الْأَبَد وَهَذَا الْحلم الَّذِي رَآهُ الْملك نبوخذ نَاصِر رَآهُ أَيْضا بعد ذَلِك دانيال نَفسه بأيام لَكِن بِصُورَة غير الصُّورَة الَّتِي رَآهَا الْملك أما التَّعْبِير فَغير مُخْتَلف عَن تَعْبِير رُؤْيا الْملك رأى دانيال فِي حلم اللَّيْل أأربع ريَاح السَّمَاء هجمت على الْبَحْر الْكَبِير الْأَبْيَض الْمُتَوَسّط ب وَصعد من الْبَحْر أَرْبَعَة حيوانات عَظِيمَة ١ - أَسد ٢ دب ٣ نمر ٤ حَيَوَان هائل وقوى وشديد جدا ثمَّ رأى عقب الْحَيَوَان الرَّابِع الهائل وَالْقَوِي والشديد جدا ابْن إِنْسَان أعطَاهُ الله ملكا عَظِيما قَالَ عَنهُ دانيال مَا نَصه كنت أرى فِي رؤى اللَّيْل وَإِذا مَعَ سحب السَّمَاء مثل ابْن إِنْسَان أَتَى وَجَاء إِلَى الْقَدِيم الْأَيَّام فقربوه قدامه فَأعْطى سُلْطَانا ومجدا وملكوتا لتتعبد لَهُ كل الشعوب والأمم والألسنة سُلْطَانه سُلْطَان أبدي مَا لن يَزُول وملكوته مَا لاينقرض

стр. 419

ثمَّ نطق دانيال بتعبير الْحلم فَقَالَ مَا نَصه هَؤُلَاءِ الْحَيَوَانَات الْعَظِيمَة الَّتِي هِيَ أَرْبَعَة هِيَ أَرْبَعَة مُلُوك يقومُونَ على الأَرْض أما قديسو العلى فَيَأْخُذُونَ المملكة ويمتلكون المملكة إِلَى الْأَبَد وَإِلَى أَبَد الآبدين هَذِه أصل نبوءة ابْن الْإِنْسَان صَاحب ملكوت السَّمَوَات وَلَقَد فسر هَذِه النبوءة الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ فَقَالَ إِن ابْن الْإِنْسَان هُوَ نَبِي الْإِسْلَام ﷺ وَأَن الله سيعطيه ملكا عَظِيما وَنسب الْملك إِلَى السَّمَوَات لِأَنَّهَا جِهَة الْعُلُوّ فِي نظر النَّاس وَأَن النَّاس سيتعبدون بِشَرِيعَتِهِ أَي يخضعون لله على وفْق مَا فِيهَا من بَيِّنَات لقد حكى كتاب الأناجيل وَالرِّوَايَة هُنَا لمتى مَا نَصه وَفِي تِلْكَ الْأَيَّام جَاءَ يوحنا المعمدان يكرز فِي بَريَّة الْيَهُودِيَّة قَائِلا تُوبُوا لِأَنَّهُ قد اقْترب ملكوت السَّمَوَات من ذَلِك الزَّمَان ابْتَدَأَ يسوع يكرز وَيَقُول تُوبُوا لِأَنَّهُ قد اقْترب ملكوت السَّمَوَات أَي أَن المعمدان ويسوع دعوا مَعًا بِصَوْت وَاحِد إِلَى إقتراب ملكوت السَّمَوَات الَّذِي تنبأ عَنهُ النَّبِي الْمُعظم دانيال فِي الإصحاح الثَّانِي وَالسَّابِع من سَفَره وَضرب الْمَسِيح ابْن مَرْيَم الْأَمْثَال الْكَثِيرَة لكيفية إنتشار هَذَا الملكوت وَمن أمثلته هَذَا الْمِثَال يشبه ملكوت السَّمَوَات حَبَّة خَرْدَل أَخذهَا إِنْسَان وزرعها فِي حقله وَهِي أَصْغَر جَمِيع البزور وَلَكِن مَتى نمت فَهِيَ أكبر الْبُقُول وَتصير شَجَرَة حَتَّى أَن طيور السَّمَاء تَأتي وتتآوى فِي أَغْصَانهَا أَي أَن الْمُسلمين فِي بَدْء الْإِسْلَام يكونُونَ قلَّة ثمَّ يكثرون رويدا رويدا حَتَّى يملأوا الأَرْض وَهَذَا هُوَ مثل الْمُسلمين الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن الْكَرِيم فِي سُورَة الْفَتْح يَقُول تَعَالَى ﴿وَمثلهمْ فِي الْإِنْجِيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فَاسْتَوَى على سوقه﴾ وَلم يرد فِي إنجيل مَتى فَقَط بل ورد فِي مرقس ولوقا أَيْضا قَالَ الْمَسِيح فِي رِوَايَة مرقس بِمَاذَا نشبه ملكوت الله أَو بِأَيّ مثل نمثله مثل حَبَّة خَرْدَل مَتى زرعت فِي الأَرْض فَهِيَ أَصْغَر جَمِيع البزور الَّتِي على الأَرْض وَلَكِن مَتى زرعت تطلع وَتصير

стр. 420

أكبر جَمِيع الْبُقُول وتصنع أغصانا كَبِيرَة حَتَّى تَسْتَطِيع طيور السَّمَاء أَن تتآوى تَحت ظلها وَقَالَ الْمَسِيح فِي رِوَايَة لوقا مَاذَا يشبه ملكوت الله وبماذا أشبهه يشبه حَبَّة خَرْدَل أَخذهَا إِنْسَان وَأَلْقَاهَا فِي بستانه فَنمت وَصَارَت شَجَرَة كَبِيرَة وتآوت طيور السَّمَاء فِي أَغْصَانهَا هَذَا هُوَ أصل نبوءة إِبْنِ الْإِنْسَان صَاحب ملكوت السَّمَوَات وَهَذَا هُوَ تَفْسِير الْمَسِيح عِيسَى ﵇ للنبوءة فَمَا تَفْسِير النَّصَارَى لَهَا من بعد الْمَسِيح فِي الإصحاح السَّابِع من سفر الْأَعْمَال وقف استفانوس خَطِيبًا بِحَيْثُ يسمعهُ بولس وَصرح بِأَن ابْن الْإِنْسَان هُوَ يسوع الْمَسِيح وَلَيْسَ هُوَ نَبِي الْإِسْلَام ﷺ كَمَا صرح عِيسَى ﵇ وَفِي الإصحاح التَّاسِع عشر من هَذَا السّفر وَفِي مَوَاضِع كَثِيرَة يردد بولس عِبَارَات استفانوس الَّذِي لم يُشَاهد الْمَسِيح بعينى رَأسه مثل بولس قَالَ استفانوس هَا أَنا أنظر السَّمَوَات مَفْتُوحَة وَابْن الْإِنْسَان قَائِما عَن يَمِين الله لما حكى عَنهُ الْكَاتِب وَأما هُوَ فشخص إِلَى السَّمَاء وَهُوَ ممتلئ من الرّوح الْقُدس فَرَأى مجد الله ويسوع قَائِما عَن يَمِين الله وَقَالَ الْكَاتِب عَن بولس فِي مَدِينَة أفسوس ثمَّ دخل الْمجمع وَكَانَ يُجَاهر مُدَّة ثَلَاثَة أشهر محاجا ومقنعا فِي مَا يخْتَص بملكوت الله يَوْم الرب وَلما قَالَ بطرس وَتَبعهُ بولس بِأَن عِيسَى لم يمت وَأَنه رفع حَيا إِلَى السَّمَاء وَأَنه سيرجع إِلَى الدُّنْيَا ليحارب أعداءه وينتصر ويؤسس فِي الدُّنْيَا ملكا كملك دَاوُود وَسليمَان فِي الزَّمَان الْقَدِيم علم أَن الزَّمن إِذا طَال وَلم ينزل عِيسَى سيسأل النَّاس مَتى يَوْم الرب أَي مَتى الْيَوْم الَّذِي سَيظْهر فِيهِ عِيسَى ليقيم الْملك الدنيوي لأَنهم طبقوا بالزور نبوءات التَّوْرَاة عَلَيْهِ فَقَالَ فِي الإصحاح الثَّالِث من رسَالَته الثَّانِيَة سَيَأْتِي فِي آخر الْأَيَّام قوم مستهزئين سالكين بِحَسب

стр. 421

شهوات أنفسهم وقائلين أَيْن هُوَ موعد مَجِيئه لِأَنَّهُ من حِين رقد الْآبَاء كل شَيْء بَاقٍ هَكَذَا من بَدْء الخليقة ورد بقوله لَا يخف عَلَيْكُم هَذَا الشَّيْء الْوَاحِد أَيهَا الأحباء أَن يَوْمًا وَاحِدًا عِنْد الرب كألف سنة وَألف سنة كَيَوْم وَاحِد لَا يتباطأ الرب عَن وعده كَمَا يحْسب قوم التباطؤ لكنه يتأنى علينا وَالنَّصَارَى الْيَوْم طوائفهم الْعُظْمَى على أَن يَوْم الرب قريب وَلَكِن لن ينزل عِيسَى بالجسد وَالروح بل بِالروحِ دون الْجَسَد ثَانِيًا تَغْيِير التَّوْرَاة لاحظ أَولا مَا يَلِي يرْوى الْقُرْطُبِيّ الإِمَام الْفَقِيه الْمُفَسّر فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى عَن عِيسَى ﵇ ﴿ولأحل لكم بعض الَّذِي حرم عَلَيْكُم﴾ آل عمرَان ٥٠ قَول عَن إِمَام من الإئمة هُوَ أَن عِيسَى ﵇ مَا أحل لَهُم إِلَّا مَا حرمه عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل على النَّاس لَا مَا حرمه الله بِنَصّ فِي التَّوْرَاة وَهَذَا القَوْل مَعَ صَوَابه لم يجْزم بصوابه الْمُفَسّر ولماذا لم يكن لِأَن الْعلمَاء نظرُوا إِلَى آيَات أَرْبَعَة فِي دَعْوَة الْمَسِيح الْآيَة الأولى قَول الله عَن عِيسَى ﵇ أَنه ﴿مُصدقا لما بَين يَدي من التَّوْرَاة وَمُبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد﴾ الصَّفّ ٦ أَي أَن دَعوته فِي أَمريْن إثنين الأول أَنه مُصدق للتوراة غير نَاسخ وَالثَّانِي أَنه لم يُعْط لأتباعه شَرِيعَة مُنْفَصِلَة عَن شَرِيعَة مُوسَى ﵇ لم يعطهم إِلَّا خَبرا بمجيء نَبِي الْإِسْلَام ﷺ وَالْخَبَر لَا ينْسَخ التشريع وَالْآيَة الثَّانِيَة قَول الله عَن عِيسَى ﵇ أَنه قَالَ لِقَوْمِهِ ﴿ولأبين لكم بعض الَّذِي تختلفون فِيهِ﴾ الزخرف ٦٣ أَي أَنه كَانَ على شَرِيعَة مُوسَى الَّتِي يَخْتَلِفُونَ فِي تَفْسِير بعض آياتها فيفسر لَهُم التَّفْسِير الصَّحِيح وَالْآيَة الثَّالِثَة ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ﴾ الْمَائِدَة ٤٧ وَقد فهم مِنْهَا الْبَعْض أَن الحكم بالإنجيل يعْنى أَنه شَرِيعَة مُنْفَصِلَة عَن التَّوْرَاة وَفهم مِنْهَا الْبَعْض وَقد أَشَارَ إِلَيْهِم الزَّمَخْشَرِيّ الْمُفَسّر طيب الله ثراه أَن الحكم بالإنجيل هُوَ نَفسه الحكم بِالتَّوْرَاةِ لماذا لِأَنَّهُ مَكْتُوب فِي الْإِنْجِيل رغم تحريفه أَن عِيسَى ﵇ قَالَ لأتباعه

стр. 422

أتظنون أَنِّي جِئْت لأبطل الشَّرِيعَة والأنبياء الْحق أَقُول لكم لعمر الله إِنِّي لم آتٍ لأبطلها وَلَكِن لأحفظها فعلى قَوْله هَذَا إِذا أَرَادَ النَّصَارَى أهل الْإِنْجِيل أَن يقيموا حكم الله فَعَلَيْهِم بهدى إمَامهمْ وَهدى إمَامهمْ مَعْرُوف من قَوْله لم آتٍ لأبطلها إِذن فليتحاكموا فِيمَا بَينهم على قوانينها وَالْآيَة الرَّابِعَة قَول الله تَعَالَى عَن عِيسَى عَليّ السَّلَام ﴿ومصدقا لما بَين يَدي من التَّوْرَاة ولأحل لكم بعض الَّذِي حرم عَلَيْكُم﴾ آل عمرَان ٥٠ وَهَذِه الْآيَة هِيَ مَوضِع الْإِشْكَال فِي الظَّاهِر حَيْثُ فهم الْبَعْض أَن التَّصْدِيق لَا صلَة لَهُ الْبَتَّةَ بإنجيله الَّذِي أحل فِيهِ وَأَن التَّصْدِيق لَا يتعارض مَعَ شَرِيعَة جَدِيدَة تكون مَعَه وفهمهم هَذَا يكون صَحِيحا إِذا كَانَ الله تَعَالَى قد صرح فِي أَمر عِيسَى ﵇ بِأَنَّهُ مَعَ التَّصْدِيق مهيمن على التَّوْرَاة فَفِي الْحَالة هَذِه يجب القَوْل بِأَن عِيسَى ﵇ قد أعْطى بِنَاء عَن وَحي الله شَرِيعَة مُسْتَقلَّة عَن شَرِيعَة مُوسَى ﵇ لِأَن معنى الهيمنة السيطرة بِقُوَّة على الْكتاب أَي يصدق على صَحِيحه وَيُصَرح بباطله ويغير من تشريعاته مَا هُوَ غير صَالح للنَّاس فِي زَمَانه فَهَل الهيمنة على التَّوْرَاة من إختصاص عِيسَى ﵇ لَا لَيست من إختصاصه بل من إختصاص مُحَمَّد نَبِي الْإِسْلَام ﷺ فَإِنَّهُ هُوَ وَحده الْمُصدق والمهيمن وَحَيْثُ ذَلِك ثَابت فَإِن تَحْلِيل عِيسَى ﵇ يجب أَن ينظر فِيهِ إِلَى أَي أَمر غير تَغْيِير نُصُوص التَّوْرَاة الَّتِي تحرم مَا يُرِيد هُوَ أَن يحله وَإِلَّا لزم التَّنَاقُض فِي مَفْهُوم دَعوته بَين التَّصْدِيق فَقَط وَحل مَا حرم على بني إِسْرَائِيل وَهَذَا هُوَ الَّذِي حدا بِي إِلَى فحص هَذَا الْمَوْضُوع بدقة متناهية وَقد انْتَهَيْت فِيهِ إِلَى أَنه أحل بعض مَا حرمه على النَّاس عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل من تِلْقَاء أنفسهم وَمَا يزَال الْبَعْض من النَّاس فِي عصرنا هَذَا يعد النَّصْرَانِيَّة دينا سماويا تاليا للديانة الْيَهُودِيَّة سَابِقًا على الْإِسْلَام ويزعمون أَن الْأَدْيَان ثَلَاثَة أَدْيَان الْيَهُودِيَّة والنصرانية وَالْإِسْلَام وَأَنا أعلم أَن زعمهم قَائِم لَا على حسب وَاقع النَّاس الْيَوْم بل على أَنهم عالمون بِأَن عِيسَى ﵇ قد أضَاف جَدِيدا على شَرِيعَة مُوسَى ﵇ وَلَقَد علمُوا ذَلِك من التَّرْجَمَة المتداولة للإنجيل وفيهَا يَقُول مَتى عَن عِيسَى ﵇ لَا تظنوا إِنِّي جِئْت لأنقض الناموس أَو الْأَنْبِيَاء مَا جِئْت لأنقض بل لأكمل يفهمون من

стр. 423

قَوْله لأكمل أَنه أضَاف جَدِيدا وَلم يكلفوا أنفسهم أَن يبحثوا عَن هَذَا الْجَدِيد الْمُضَاف الَّذِي أكمل بِهِ عِيسَى ﵇ كتاب مُوسَى ﵇ أَي جَدِيد أَضَافَهُ عِيسَى ﵇ وَإِن أصُول الْإِنْجِيل باللغة اليونانية فِيهَا بل لأصحح وَفِي التَّرْجَمَة الَّتِي نقلت عَن برنابا لم آتٍ لأبطلها بل لأحفظها وَفِي الْخطاب الْأَخير يَقُول للجموع وللتلاميذ على كرْسِي مُوسَى جلس الكتبة والفريسيون فَكل مَا قَالُوا لكم أَن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه لقد أوصى فَقَط بِحِفْظ شَرِيعَة مُوسَى وَالْعَمَل بهَا وَلم يُصَرح بجديد عَلَيْهَا مُضَاف إِلَيْهَا وَأي جَدِيد يُصَرح بِهِ وَقد أحَال الأتباع إِلَى عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل وَمِنْهُم من يُؤمن بِهِ وَمن لَا يُؤمن بِهِ فَأَي دَلِيل على هَذَا الزَّعْم وَهَذَا كَلَام صَاحب الشَّأْن كَمَا هُوَ مَكْتُوب وواضح للْعَالم والمتعلم لَيست الْأَدْيَان ثَلَاثَة بل إثنين فَقَط لَا ثَالِث لَهما الْيَهُودِيَّة أَولا وَالْإِسْلَام آخرا وَقد نسخ الدّين الْأَخير الدّين الأول الَّذِي حرف من قبل ظُهُوره وَغير وَبدل بِشَهَادَة أَهله فَإِنَّهُ فِي الإصحاح الثَّالِث وَالْعِشْرين من سفر أرمياء على لِسَان الله تَعَالَى لِأَن الْأَنْبِيَاء والكهنة تنجسوا جَمِيعًا بل فِي بَيْتِي وجدت شرهم يَقُول الرب وَقد رَأَيْت فِي أَنْبيَاء السامرة حَمَاقَة تنبأوا بالبعل وأضلوا شعبي إِسْرَائِيل وَفِي أَنْبيَاء أورشليم رَأَيْت مَا يقشعر مِنْهُ يفسقون ويسلكون بِالْكَذِبِ ويشددون أيادي فاعلى الشَّرّ من عِنْد أَنْبيَاء أورشليم خرج نفاق فِي كل الأَرْض أما وَحي الرب فَلَا تذكروه بعد لِأَن كلمة كل إِنْسَان تكون وحيه إِذْ قد حرفتم كَلَام الْإِلَه الْحَيّ رب الْجنُود إلهنا الخ وَأي تَصْرِيح أوضح من هَذَا التَّصْرِيح لنتحدث بعد تِلْكَ الملاحظات فِي محاولة بطرس وبولس وَيَعْقُوب لتغيير التَّوْرَاة فَنَقُول يحْكى هَذَا السّفر أَن بطرس الَّذِي وَصفه الْمَسِيح ﵇ بِأَنَّهُ شَيْطَان هُوَ أول من دَعَا إِلَى تَغْيِير التَّوْرَاة فِي الشَّرِيعَة وَقد غَيرهَا هُوَ وَمن مَعَه من أجل الرومان أَولا الَّذين أَرَادوا أَن يُدْخِلُوهُمْ فِي النَّصْرَانِيَّة بسهولة لقد كَانَ من عَادَة الْعلمَاء من بني إِسْرَائِيل بعد سبي بابل أَن لَا يدخلُوا بَيت خاطئ وَأَن لَا يمشوا مَعَه وَأَن لَا يتعرفوا على رجل

стр. 424

لَيْسَ من جنس بني إِسْرَائِيل وَأَن لَا يعاشروه وَأَن لَا يدخلُوا بَيته وَأَن لَا يَأْكُلُوا طَعَامه وَلَيْسَت هَذِه الْعَادة لِأَن الله نَص عَلَيْهَا فِي التَّوْرَاة بل لأَنهم ابتدعوها من سبى بابل وَلذَلِك وبخهم الْمَسِيح وبكتهم فقد روى مَتى أَنه دخل مَعَ تلاميذه بَيت خاطئ لِيَدْعُوهُ إِلَى التَّوْبَة فَلَمَّا نظره الْعلمَاء قَالُوا لتلاميذه لماذا يَأْكُل معلمكم مَعَ العشارين والخطاة فَلَمَّا سمع يسوع قَالَ لَهُم لَا يحْتَاج الأصحاء إِلَى طَبِيب بل المرضى فأذهبوا وتعلموا مَا هُوَ إِنِّي أُرِيد رَحْمَة لَا ذَبِيحَة لِأَنِّي لم آتٍ لأدعوا أبرارا بل خطاة إِلَى التَّوْبَة وَقد اقتفى بطرس أثر الْمَسِيح مَعَ الْفَارِق فقد دخل الْمَسِيح وَأكل حَسْبَمَا تنص شَرِيعَة مُوسَى فِي الْأَطْعِمَة وَدخل بطرس بَيت أممي غير يَهُودِيّ وَأكل مَا هُوَ محرم فِي شَرِيعَة مُوسَى من الْأَطْعِمَة وَلما سَأَلُوهُ عَن تَحْلِيله لما هُوَ محرم لم يجب بِأَن الْمَسِيح أحل مَا كَانَ محرما وَإِنَّمَا أجَاب بِأَنَّهُ رأى السَّمَاء مَفْتُوحَة وإناء نازلا عَلَيْهِ مثل ملاءة عَظِيمَة مربوطة بأَرْبعَة أَطْرَاف ومدلاة على الأَرْض وَكَانَ فِيهَا كل دَوَاب الأَرْض والوحوش والزحافات وطيور السَّمَاء وَصَارَ إِلَيْهِ صَوت قُم يَا بطرس اذْبَحْ وكل فَقَالَ بطرس كلا يَا رب لِأَنِّي لم آكل قطّ شَيْئا دنسا أَو نجسا فَصَارَ إِلَيْهِ أَيْضا صَوت ثَانِيَة مَا طهره الله لَا تدنسه أَنْت وَكَانَ هَذَا على ثَلَاث مَرَّات ثمَّ ارْتَفع الْإِنَاء أَيْضا إِلَى السَّمَاء وَقد واجه المجتمعين بِرَأْيهِ فِي معاشرة الأمميين قَالَ لَهُم أَنْتُم تعلمُونَ كَيفَ هُوَ محرم على رجل يَهُودِيّ أَن يلتصق بِأحد أَجْنَبِي أَو يَأْتِي إِلَيْهِ وَأما أَنا فقد أَرَانِي الله أَن لَا أَقُول عَن إِنْسَان مَا أَنه دنس أَو نجس وَعلل رَأْيه بقوله بِالْحَقِّ أَنا أجد أَن الله لَا يقبل الْوُجُوه بل فِي كل أمة الَّذِي يتقيه ويصنع الْبر مَقْبُول عِنْده وَلما رَجَعَ بطرس من عِنْد الأممي إِلَى أورشليم وَقد علم الْيَهُود أَنه دخل بَيت أممي وَأكل عِنْده خاصموه فَقص عَلَيْهِم قصَّة الْإِنَاء الَّذِي يشبه الملاءة فعندئذ سكتوا عَن الْخِصَام قَالَ

стр. 425

كَاتب السّفر فِي الإصحاح الْحَادِي عشر وَلما صعد بطرس إِلَى أورشليم خاصمه الَّذين من أهل الْخِتَان قائلين إِنَّك دخلت إِلَى رجال ذَوي غلفة وأكلت مَعَهم فابتدأ بطرس يشْرَح لَهُم بالتتابع قَائِلا أَنا كنت فِي مَدِينَة يافا أُصَلِّي فَرَأَيْت فِي غيبَة رُؤْيا إِنَاء نازلا مثل ملاءة عَظِيمَة مدلاة بأَرْبعَة أَطْرَاف من السَّمَاء الخ ثمَّ يَقُول الْكَاتِب فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك سكتوا وَكَانُوا يمجدون الله قائلين إِذن أعْطى الله الْأُمَم أَيْضا التَّوْبَة للحياة أَي أَن بطرس بِتِلْكَ الرُّؤْيَا رُؤْيا الْإِنَاء المشابه للملاءة يُرِيد أَن يَقُول أَن كل مَا كَانَ محرما فِي التَّوْرَاة أصبح حَلَالا من الأن إِن من الْأَطْعِمَة الْمُحرمَة فِي التَّوْرَاة الْجمل والأرنب والوبر وَالْخِنْزِير والنسر والأنوق وَالْعِقَاب والحدأة والباشق والشاهين على أجناسه والغراب على أجناسه والنعامة والظليف والسأف والباز على أجناسه والبوم والكركي والبجع والقوق والرخم والغواص واللقلق والببغاء على أجناسه والهدهد والخفاش وكل دَبِيب الطير وَالْميتَة وتعبر التَّوْرَاة عَن عدم حلّه بِلَفْظ أَنه نجس لكم نجس لكم نَجِسَة لكم فِي الإصحاح الرَّابِع عشر من سفر التَّثْنِيَة وَفِي الإصحاح الْحَادِي عشر من سفر اللاويين تعبر التَّوْرَاة عَن عدم حلّه بِلَفْظ نجس لكم إِنَّهَا نَجِسَة لكم لَا تدنسوا أَنفسكُم بدبيب يدب وَلَا تتنجسوا بِهِ وَلَا تَكُونُوا بِهِ نجسين وَيُرِيد بطرس أَن يَقُول أَن ماكان دنسا وَمَا كَانَ نجسا فِي التَّوْرَاة أصبح طَاهِرا ومباحا أكله من يَوْمنَا هَذَا هَذَا رَأْي بطرس وَهُوَ نَفسه رَأْي بولس فَإِن بولس يَقُول الْإِنْسَان الَّذِي يحرم طَعَاما مَا على نَفسه فَلهُ هُوَ وَحده هَذَا الطَّعَام حرَام وَلَكِن لَيْسَ للنَّاس جَمِيعًا أَن الْإِيمَان بيسوع الْمَسِيح كَاف فِي دُخُول الْجنَّة بِدُونِ أَعمال لِأَنَّهُ صلب ليكفر عَن خَطَايَا الْمُؤمنِينَ بِهِ يَقُول لأهل غلاطية إِنَّه بأعمال الناموس لَا يتبرر جَسَد مَا وَيَقُول لأهل كولوسى لَا يحكم عَلَيْكُم أحد فِي أكل أَو شرب أَو من جِهَة عيد أَو هِلَال أَو سبت وَيَقُول لأهل رُومِية إِنِّي عَالم ومتيقن فِي الرب يسوع أَن لَيْسَ شَيْء نجسا بِذَاتِهِ إِلَّا من يحْسب شَيْئا نجسا فَلهُ هُوَ نجس وَيَقُول بولس لأتباعه تلونوا ونافقوا وداهنوا فِي الدعْوَة كَمَا أَنا أفعل فَإِن رَأَيْتُمْ إنْسَانا يُرِيد الدُّخُول فِي النَّصْرَانِيَّة وَهُوَ يُرِيد
следующие страницы →