Полный текст (353 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فى شىء وَاحِد وَهُوَ النّظر وَالِاسْتِدْلَال الْوَاجِب عَلَيْهِ قبل وُصُوله الى معرفَة الله فان يفعل ذَلِك يكن مُطيعًا لله تَعَالَى لِأَنَّهُ قد أمره بِهِ وان لم يكن قصد بِفِعْلِهِ لذَلِك النّظر الاول التَّقَرُّب بِهِ الى الله وَلَا تصح مِنْهُ طَاعَة لله تَعَالَى سواهَا الا اذا قصد بهَا التَّقَرُّب بهَا اليه لانه يُمكنهُ ذَلِك اذا توصل بِالنّظرِ الاول الى معرفَة الله تَعَالَى وَلَا يُمكنهُ قبل النّظر الاول التَّقَرُّب بِهِ اليه اذا لم يكن عَارِفًا بِهِ قبل نظره واستدلاله وَاسْتدلَّ أَبُو الْهُذيْل على دَعْوَاهُ صِحَة وُقُوع طاعات الله تَعَالَى مِمَّن لَا يعرفهُ بِأَن قَالَ ان أوَامِر الله تَعَالَى بازائها زواجره فَلَو كَانَ من لَا يعرفهُ فعل ترك جَمِيع أوامره وَجب ان يكون قد صَار الى جَمِيع زواجره وان يكون من ترك جَمِيع الطَّاعَات قد صَار الى جَمِيع المعاصى وَلَو كَانَ كَذَلِك لصار الدهرى يَهُودِيّا ونصرانيا ومجوسيا وعَلى اديان سَائِر الْكَفَرَة واذا صَار المجوسى تَارِكًا لكل كفر سوى الْمَجُوسِيَّة علمنَا أَنه عَارض بمجوسيته الَّتِى قد نهى عَنْهَا ومطيع لله بترك مَا تَركه من انواع الْكفْر لانه مَأْمُور بِتَرْكِهَا فَقلت لَهُ لَيْسَ الامر فى أوَامِر الله تَعَالَى وزواجره على مَا ظننته وَلَكِن لَا خصْلَة من الطَّاعَة الا ويضادها معاص متضادة وَلَا خصْلَة من الايمان الا ويضادها خِصَال متضادة كل نوع مِنْهَا يضاد النَّوْع الآخر
стр. 107
كَمَا يضادها الطَّاعَة وَذَلِكَ بِمَنْزِلَة الْقيام وَالْقعُود والاضطجاع والاستلقاء وَقد يخرج عَن الْقعُود من لَا يصير الى جَمِيع اضداده وانما يخرج من الْقعُود بِنَوْع وَاحِد من أضداده كَذَلِك يخرج عَن كل طَاعَة لله تَعَالَى بِنَوْع وَاحِد من الْكفْر المضاد للطاعات كلهَا لَان ذَلِك النَّوْع من الْكفْر يضاد نوعا آخر من الْكفْر كَمَا يضاد سَائِر الطَّاعَات وَهَذَا وَاضح فى نَفسه وان جَهله أَبُو الْهُذيْل
والفضيحة الرَّابِعَة من فضائحه قَوْله بِأَن علم الله هُوَ الله وَقدرته هى هُوَ وَيلْزمهُ على هَذَا القَوْل أَن يكون الله تَعَالَى علما وقدرة وَلَو كَانَ هُوَ علما وقدرة لاستحال ان يكون عَالما قَادِرًا لَان الْعلم لَا يكون عَالما وَالْقُدْرَة لَا تكون قادرة وَيلْزمهُ ايضا اذا قَالَ ان علم الله هُوَ الله وَقدرته هى هُوَ ان يَقُول ان علمه هُوَ قدرته وَلَو كَانَ علمه قدرته لوَجَبَ ان يكون كل مَعْلُوم لَهُ مَقْدُورًا لَهُ وَهَذَا يُوجب ان يكون رَأْيه مَقْدُورًا لَهُ لانه مَعْلُوم لَهُ وَهَذَا كفر فَمَا يُؤدى اليه مثله
والفضيحة الْخَامِسَة تقسيمه كَلَام الله الى مَا يحْتَاج الى مَحل والى مَالا يحْتَاج الى مَحل وَقد زعم ان قَول الله سُبْحَانَهُ للشىء كن حَادث لَا فى مَحل وَسَائِر كَلَامه حَادث فى جسم من الاجسام وكل كَلَامه عِنْده اعراض وَقد زعم ان قَوْله للشىء
стр. 108
كن من جنس قَول الانسان كن فَفرق بَين عرضين من جنس وَاحِد فى حَاجَة احدهما الى مَحل واستغناء الآخر عَن الْمحل فاما قَوْله بحدوث ارادة الله سُبْحَانَهُ لَا فى مَحل وَقد شَاركهُ فِيهِ الْمُعْتَزلَة البصرية مَعَ قَوْلهم بِأَنَّهَا من جنس وَاحِد ارادتنا المفتقرة الى الْمحل وَوُجُود كلمة لَا فى مَحل يُوجب ان لَا يكون بعض الْمُتَكَلِّمين بَان يتَكَلَّم بهَا أولى من بعض وَلَيْسَ لأبى الْهُذيْل ان يَقُول ان فاعلها أولى بَان يتَكَلَّم بهَا من غَيره لانه قد قَالَ بَان الله تَعَالَى يخلق فى الْآخِرَة كَلَام أهل الْجنَّة وَكَلَام أهل النَّار وَلَا يكون متكلما بكلامهم فقد أَدَّاهُ قَوْله بِوُجُود كلمة لَا فى مَحل الى تَصْحِيح كَلَام لَا لمتكلم وَهَذَا محَال فَمَا يُؤدى اليه مثله
والفضيحة السَّادِسَة من فضائحه قَوْله ان الْحجَّة من طَرِيق الاخبار فِيمَا غَابَ عَن الْحَواس من آيَات الانبياء ﵈ وَفِيمَا سواهَا لَا تثبت بِأَقَلّ من عشْرين نفسا فيهم وَاحِد من اهل الْجنَّة اَوْ أَكثر وَلم يُوجب بأخبار الْكَفَرَة والفسقة حجَّة وان بلغُوا عدد التَّوَاتُر الَّذين لَا يُمكن تواطؤهم على الْكَذِب اذا لم يكن فيهم وَاحِد من أهل الْجنَّة وَزعم أَن خبر مَا دون الاربعة لَا يُوجب حكما وَمن فَوق الاربعة ٤٧ الى الْعشْرين قد يَصح وُقُوع الْعلم بخبرهم وَقد لَا يَقع الْعلم بخبرهم وَخبر الْعشْرين اذا كَانَ فيهم وَاحِد من
стр. 109
اهل الْجنَّة يجب وُقُوع الْعلم مِنْهُ لَا محَالة وَاسْتدلَّ على ان الْعشْرين حجَّة بقول الله تَعَالَى ﴿إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ﴾ وَقَالَ لم يبح لَهُم قِتَالهمْ الا وهم عَلَيْهِم حجَّة وَهَذَا يُوجب عَلَيْهِ ان يكون خبر الْوَاحِد حجَّة مُوجبَة للْعلم لِأَن الْوَاحِد فى ذَلِك الْوَقْت كَانَ لَهُ قتال الْعشْرَة من الْمُشْركين فَيكون جَوَاز قِتَاله لَهُم دَلِيلا على كَونه حجَّة عَلَيْهِم قَالَ عبد القاهر مَا أَرَادَ ابو الْهُذيْل بِاعْتِبَارِهِ عشْرين فى الْحجَّة من جِهَة الْخَبَر اذا كَانَ فيهم وَاحِد من أهل الْجنَّة إِلَّا تَعْطِيل الاخبار الْوَارِدَة فى الاحكام الشَّرْعِيَّة عَن فوائدها لانه أَرَادَ بقوله يَنْبَغِي ان يكون فيهم وَاحِد من أهل الْجنَّة وَاحِد يكون على بدعته فى الاعتزال وَالْقدر وفى فنَاء مقدورات الله لَان من لم يقل بذلك لَا يكون عِنْده مُؤمنا وَلَا من أهل الْجنَّة وَلم يقل قبل أَبى الْهُذيْل أحد على بِدعَة أَبى الْهُذيْل حَتَّى تكون رِوَايَته فى جملَة الْعشْرين على شَرطه
الفضيحة السَّابِعَة انه فرق بَين أَفعَال الْقُلُوب وأفعال الْجَوَارِح فَقَالَ لَا يجوز وجود أَفعَال الْقُلُوب من الْفَاعِل مَعَ قدرته عَلَيْهِ وَلَا مَعَ مَوته وَأَجَازَ وجود أَفعَال الْجَوَارِح من الْفَاعِل منا بعد مَوته وَبعد عدم قدرته ان كَانَ حَيا لم يمت وَزعم ان الْمَيِّت وَالْعَاجِز يجوز ان يَكُونَا فاعلين لافعال الْجَوَارِح بِالْقُدْرَةِ الَّتِي كَانَت مَوْجُودَة
стр. 110
قبل الْمَوْت وَالْعجز وَزعم الجبائى وَابْنه أَبُو هِشَام ان أَفعَال الْقُلُوب فى هَذَا الْبَاب كأفعال الْجَوَارِح فى انه يَصح وجودهَا بعد فنَاء الْقُدْرَة عَلَيْهَا وَمَعَ وجود الْعَجز عَنْهَا وَقَول الجبائى وَابْنه فى هَذَا الْبَاب شَرّ من قَول ابى الْهُذيْل غير ان ابا الْهُذيْل سبق الى القَوْل باجازة كَون الْمَيِّت وَالْعَاجِز فاعلين لأفعال الْجَوَارِح ونسج الجبائى وَابْنه على منواله فى هَذِه الْبِدْعَة وقاسا عَلَيْهِ إجَازَة كَون الْعَاجِز فَاعِلا لأفعال الْقُلُوب ومؤسس الْبِدْعَة عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا الى يَوْم الْقِيَامَة من غير نُقْصَان يدْخل فى وزن العاملين بهَا
الفضيحة الثَّامِنَة من فضائحه إِنَّمَا لما وقف على اخْتِلَاف النَّاس فى المعارف هَل هى ضَرُورِيَّة أم اكتسابية ترك قَول من زعم انها كلهَا ضَرُورِيَّة وَقَول من زعم أَنَّهَا كلهَا كسبية وَقَول من قَالَ ان الْمَعْلُوم مِنْهَا بالحواس والبداية ضَرُورِيَّة وَمَا علم مِنْهَا بالاستدلال اكتسابية وَاخْتَارَ لنَفسِهِ قولا خَارِجا عَن أَقْوَال السّلف فَقَالَ المعارف ضَرْبَان أَحدهمَا باضطرار وَهُوَ معرفَة الله وَمَعْرِفَة الدَّلِيل الداعى الى مَعْرفَته وَمَا بعْدهَا من الْعُلُوم الْوَاقِعَة عَن الْحَواس أَو الْقيَاس فَهُوَ علم اخْتِيَار واكتساب ثمَّ انه بنى على ذَلِك قَوْله فى مهلة الْمعرفَة فَخَالف فِيهَا سَائِر الامة فَقَالَ
стр. 111
فى الطِّفْل انه لَا يلْزمه فى الْحَال الثَّانِيَة من حَال مَعْرفَته بِنَفسِهِ أَن يأتى بِجَمِيعِ معارف التَّوْحِيد وَالْعدْل بِلَا فصل وَكَذَلِكَ عَلَيْهِ ان يأتى مَعَ مَعْرفَته بتوحيد الله سُبْحَانَهُ وعدله بِمَعْرِِفَة جَمِيع مَا كلفه الله تَعَالَى بِفِعْلِهِ حَتَّى ان لم يَأْتِ بذلك كُله فى الْحَال الثَّانِيَة من مَعْرفَته بِنَفسِهِ وَمَات فى الْحَال الثَّالِثَة مَاتَ كَافِرًا وعدوا لله تَعَالَى مُسْتَحقّا للخلود فى النَّار واما مَعْرفَته بِمَا لَا يعرف الا بِالسَّمْعِ من جِهَة الاخبار فَعَلَيهِ ان يأتى بِمَعْرِِفَة ذَلِك فى الْحَال الثَّانِيَة من سَمَاعه للْخَبَر الذى يكون حجَّة قَاطِعَة للْعُذْر وَكَانَ بشر بن الْمُعْتَمِر يَقُول عَلَيْهِ ان يأتى بالمعارف الْعَقْلِيَّة فى الْحَال الثَّالِثَة مَعَ مَعْرفَته بِنَفسِهِ لَان الْحَال الثَّانِيَة حَال نظر وفكر فان لم يَأْتِ بهَا فى الْحَال الثَّالِثَة وَمَات فى الْحَال الرَّابِعَة كَانَ عدوا لله تَعَالَى مُسْتَحقّا للخلود فى النَّار فهذان القدريان اللَّذَان انكرا على الازارقة قَوْلهمَا بَان اطفال مخالفيهم فى النَّار وعَلى من زعم ان أَطْفَال الْمُشْركين فى النَّار قد زعما ان اطفال الْمُؤمنِينَ اذا مَاتُوا فى الْحَال الثَّالِثَة اَوْ الرَّابِعَة من معرفتهم بِأَنْفسِهِم قبل اتيانهم بالمعارف الْعَقْلِيَّة كفرة مخلدون فى النَّار من غير كفر اعتقدوه
الفضيحة التَّاسِعَة من فضائحه انه أجَاز حَرَكَة الْجِسْم الْكثير الاجزاء بحركة تحل فى بعض اجزائه وَلم يخبر مثل هَذَا فى اللَّوْن
стр. 112
وَقَالَ سَائِر الْمُتَكَلِّمين ان الْجُزْء الذى قَامَت بِهِ الْحَرَكَة هُوَ المتحرك بهَا دون غَيره من اجزاء الْجُمْلَة كَمَا ان الْجُزْء الذى يقوم بِهِ السوَاد هُوَ الاسود بِهِ دون غَيره من اجزاء الْجُمْلَة وان تحركت الْجُمْلَة كَانَ فى كل جُزْء مِنْهَا حَرَكَة كَمَا لَو اسودت الْجُمْلَة كَانَ فى كل جُزْء مِنْهَا سَواد
الفضيحة الْعَاشِرَة من فضائحه قَوْله بَان الْجُزْء الذى لَا يتَجَزَّأ لَا يَصح قيام اللَّوْن بِهِ اذا كَانَ مُنْفَردا وَلَا تصح رُؤْيَته اذا لم يكن فِيهِ لون وَهَذَا يُوجب عَلَيْهِ ان الله تَعَالَى لَو خلق جُزْءا مُنْفَردا لم يكن رائيا لَهُ وَالْحَمْد لله الذى انقذ اهل السّنة من الْبدع الَّتِى حليناها فى هَذَا الْبَاب من أَبى الْهُذيْل
ذكر النظامية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع أَبى اسحق ابراهيم بن سيار الْمَعْرُوف بالنظام والمعتزلة يموهون على الاغمار بديته يوهمون انه كَانَ نظاما للْكَلَام المنثور وَالشعر الْمَوْزُون وانما كَانَ ينظم الخرز فِي سوق الْبَصْرَة ولاجل ذَلِك قيل لَهُ النظام وَكَانَ فى زمَان شبابه قد عَاشر قوما من الثنوية وقوما من السمتية الْقَائِلين بتكافؤ الادلة وخالط بعد كبره قوما من ملحدة الفلاسفة ثمَّ خالط هِشَام بن الحكم الرافضى فاخذ عَن هِشَام وَعَن ملحدة الفلاسفة قَوْله بابطال الْجُزْء الذى لَا يتَجَزَّأ ثمَّ بنى عَلَيْهِ قَوْله بالطفرة الَّتِى لم يسْبق اليها وهم اُحْدُ قبله واخذ من الثنوية قَوْله بَان فَاعل الْعدْل لَا يقدر على
стр. 113
فعل الْجور وَالْكذب واخذ من هِشَام بن الحكم ايضا قَوْله بَان الالوان والطعوم والروائح والاصوات اجسام وَبنى على هَذِه الْبِدْعَة قَوْله بتداخل الاجسام فى حيّز وَاحِد ودلين مَذَاهِب الثنوية وبدع الفلاسفة وَشبه الملحدة فى دين الاسلام وأعجب بقول البراهمة بابطال النبوات وَلم يَجْسُر على اظهار هَذَا القَوْل خوفًا من السَّيْف فانكر اعجاز الْقرَان فى نظمه وانكر مَا روى فى معجزات نَبينَا ﷺ من انْشِقَاق الْقَمَر وتسبيح الْحَصَا فى يَده ونبوع المَاء من بَين اصابعه ليتوصل بانكار معجزات نَبينَا ﵇ الى انكار نبوته ثمَّ انه استثقل احكام شَرِيعَة الاسلام فى فروعها وَلم يَجْسُر على اظهار رَفعهَا فابطل الطّرق الدَّالَّة عَلَيْهَا فانكر لاجل ذَلِك حجَّة الاجماع وَحجَّة الْقيَاس فى الْفُرُوع الشَّرْعِيَّة وانكر الْحجَّة من الاخبار الَّتِى لَا توجب وَالْعلم الضرورى ثمَّ انه علم اجماع الصَّحَابَة على الاجتهادفى الْفُرُوع الشَّرْعِيَّة فَذكرهمْ بِمَا يَقْرَؤُهُ غَدا من صحيفَة مخازيه وَطعن فى فَتَاوَى اعلام الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم وَجَمِيع فرق الامة من فريقى الرأى والْحَدِيث مَعَ الْخَوَارِج والشيعة والنجارية واكثر الْمُعْتَزلَة متفقون على تَكْفِير النظام وانما تبعه فى ضلالته شرذمة من الْقَدَرِيَّة كالاسوارى وَابْن حايط وَفضل الحدثى والجاحظ مَعَ مُخَالفَة كل وَاحِد مِنْهُم لَهُ فى
стр. 114
بعض ضلالاته وَزِيَادَة بَعضهم عَلَيْهِ فِيهَا واعجاب هَؤُلَاءِ النَّفر الْيَسِير بِهِ كاعجاب الْجعل بدحروجته وَقد قَالَ بتكفيره اكثر شُيُوخ الْمُعْتَزلَة مِنْهُم أَبُو الْهُذيْل فانه قَالَ بتكفيره فى كِتَابه الْمَعْرُوف بِالرَّدِّ على النظام وفى كِتَابه عَلَيْهِ فى الاعراض والانسان والجزء الذى لَا يتَجَزَّأ وَمِنْهُم الجبائى كفر النظام فى قَوْله ان المتولدات من افعال الله بِإِيجَاب الْخلقَة والجبائى فى هَذَا الْبَاب هُوَ الْكَافِر دون غَيره غير انا أردنَا أَن نذْكر تَكْفِير شُيُوخ الْمُعْتَزلَة بَعْضهَا بَعْضًا وكفره الجبائى فى احالته قدرَة الله تَعَالَى على الظُّلم وكفره فى قَوْله بالطبائع وَله فى ذَلِك كتاب عَلَيْهِ وعَلى معمر فى الطبائع وَمِنْهُم الاسكافى لَهُ كتاب على النظام كفره فِيهِ فى اكثر مذاهبه وَمِنْهُم جَعْفَر بن حَرْب صنف كتابا فى تَكْفِير النظام بابطاله الْجُزْء الذى لَا يتَجَزَّأ واما كتب اهل السّنة وَالْجَمَاعَة فى تكفيره فَالله يحصيها ولشيخنا ابى الْحسن الاشعرى ﵀ فى تَكْفِير النظام ثَلَاثَة كتب وللقلانسى عَلَيْهِ كتب ورسائل وللقاضى ابى بكر مُحَمَّد بن أَبى الطّيب الاشعرى ﵀ كتاب كَبِير فى بعض اصول النظام وَقد أَشَارَ الى ضلالاته فى كتاب اكفار المتأولين وَنحن نذْكر فى هَذَا الْكتاب مَا هُوَ الْمَشْهُور من فضائح النظام فاولها قَوْله بَان الله لَا يقدر ان يفعل بعباده خلاف مَا
стр. 115
فِيهِ صَلَاحهمْ وَلَا يقدر على ان ينقص من نعيم اهل الْجنَّة ذرة لَان نعيمهم صَلَاح لَهُم وَالنُّقْصَان مِمَّا فِيهِ الصّلاح ظلم عِنْده وَلَا يقدر ان يزِيد فى عَذَاب اهل النَّار ذرة وَلَا على ان ينقص من عَذَابهمْ شَيْئا وَزعم ايضا ان الله تَعَالَى لَا يقدر على ان يخرج احدا من اهل الْجنَّة عَنْهَا وَلَا يقدر على ان يلقى فى النَّار من لَيْسَ من اهل النَّار وَقَالَ لَو وقف طِفْل على شَفير جَهَنَّم لم يكن الله قَادِرًا على القائه فِيهَا وَقدر الطِّفْل على القاء نَفسه فِيهَا وقدرت الزَّبَانِيَة ايضا على القائه فِيهَا ثمَّ زَاد على هَذَا بَان قَالَ ان الله تَعَالَى لَا يقدر على ان يعمى بَصيرًا اَوْ يزمن صَحِيحا اَوْ يفقر غَنِيا اذا علم ان الْبَصَر وَالصِّحَّة والغنى اصلح لَهُم وَكَذَلِكَ لَا يقدر على ان يغنى فَقِيرا اَوْ يصحح زَمنا اذا علم ان الْمَرَض والزمانة والفقر اصلح لَهُم ثمَّ زَاد على هَذَا ان قَالَ انه لَا يقدر على ان يخلق حَيَّة اَوْ عقربا اَوْ جسما يعلم ان خلق غَيره اصلح من خلقه وَقد أكفرته البصرية من الْمُعْتَزلَة فى هَذَا القَوْل وَقَالُوا ان الْقَادِر على الْعدْل يجب ان يكون قَادِرًا على الظُّلم والقادر على الصدْق يجب ان يكون قَادِرًا على الْكَذِب وان لم يفعل الظُّلم وَالْكذب لقبحهما اَوْ غناهُ عَنْهُمَا وَعلم بغناه عَنْهُمَا لَان الْقُدْرَة على الشَّيْء يجب ان يكون قدرَة على صده فاذا قَالَ النظام ان الله تَعَالَى لَا يقدر على الظُّلم وَالْكذب لزمَه
стр. 116
ان لَا يكون قَادِرًا على الصدْق وَالْعدْل وَالْقَوْل بانه لَا يقدر على الْعدْل كفر فَمَا يُؤدى اليه مثله وَقَالُوا ايضا لَا فرق بَين قَول النظام إِنَّه يكون من الله تَعَالَى مَالا يقدر على صده وَلَا على تَركه وَبَين قَول من زعم انه مطبوع على فعل لَا يَصح مِنْهُ خِلَافه وَهَذَا كفر فَمَا يُؤدى اليه مثله وَمن عجائب النظام فى هَذِه الْمَسْأَلَة انه صنف كتابا على الثنوية وتعجب فِيهِ من قَول المانوية بَان النُّور يَأْمر اشكاله الْمُخْتَلفَة بالظلمة يفعل الْخَيْر وَهِي مِمَّا لَا تقدر على الشَّرّ وَلَا يَصح مِنْهَا فعل الشرور وتعجب من ذمّ الثنوية الظلمَة على فعل الشَّرّ مَعَ قَوْلهَا بَان الظلمَة لَا تَسْتَطِيع فعل الْخَيْر وَلَا تقدر الا على الشَّرّ فَيُقَال لَهُ اذا كَانَ الله عنْدك مشكورا على فعل الْعدْل والصدق وَهُوَ غير قَادر على فعل الظُّلم وَالْكذب فَمَا وَجه انكارك على الثنوية ذمّ الظُّلم على الشَّرّ وهى عِنْدهم لَا تعذر على خلاف ذَلِك
الفضيحة الثَّانِيَة من فضائحه قَوْله ان الانسان هُوَ الرّوح وَهُوَ جسم لطيف فداخل لهَذَا الْجِسْم الكثيف مَعَ قَوْله بَان الرّوح هى الْحَيَاة المشابكة لهَذَا الْجَسَد وَقد زعم انه فى الْجَسَد على سَبِيل المداخلة وانه جَوْهَر وَاحِد غير مُخْتَلف وَلَا متضاد وفى قَوْله هَذَا فضائح لَهُ مِنْهَا ان الانسان على هَذَا القَوْل لَا يرى على الْحَقِيقَة وانما يرى الْجَسَد الذى فِيهِ الانسان وَمِنْهَا انه يُوجب ان الصَّحَابَة مَا رَأَوْا رَسُول الله
стр. 117
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وانما رَأَوْا قالبا فِيهِ الرَّسُول وَمِنْهَا يُوجب ان لَا يكون اُحْدُ قد رأى اباه وامه وانما رأى قالبيهما وَمِنْهَا انه اذا قَالَ فى الانسان انه لَيْسَ هُوَ الْجَسَد الظَّاهِر وانما هُوَ روح مدَاخِل للجسد لزمَه ان يَقُول فى الجماد ايضا انه لَيْسَ هُوَ جسده وانما هُوَ روح فى جسده وَهُوَ الْحَيَاة المشابكة للجسد وَكَذَلِكَ القَوْل فى الْفرس وَسَائِر الْبَهَائِم وَجَمِيع الطُّيُور والحشرات واصناف الْحَيَوَانَات وَكَذَلِكَ القَوْل فى الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ والانس وَالشَّيَاطِين وَهَذَا يُوجب ان احدا مَا رأى حمارا وَلَا فرسا وَلَا طيرا وَلَا نوعا من الْحَيَوَان وَيُوجب ايضا ان لَا يكون النبى رأى ملكا وَيُوجب ان الْمَلَائِكَة لَا يرى بَعضهم بَعْضًا وانما رأى الراؤون قوالب هَذِه الاشياء الَّتِى ذَكرنَاهَا وَمِنْهَا انه اذا قَالَ ان الرّوح الَّتِى فِي الْجَسَد هى الانسان وهى الفاعلة دون الْجَسَد الذى هُوَ قالبه لزمَه ان يَقُول ان الرّوح هى الزَّانِيَة والسارقة والقاتلة فاذا جلد الْجَسَد وَقطعت يَده صَار الْمَقْطُوع غير السَّارِق والمجلود غير الزانى وفى هَذَا غنى وَيَقُول الله ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ وَقَوله ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ وَكَفاهُ بعناد الْقُرْآن خزيا
الفضيحة الثَّالِثَة من فضائحه قَوْله بَان الرّوح الَّتِى هِيَ
стр. 118
الانسان بِزَعْمِهِ مستطيع بِنَفسِهِ حى بِنَفسِهِ وانما يعجز لآفة تدخل عَلَيْهِ وَالْعجز عِنْده جسم وَلَا يَخْلُو من ان يَقُول فى الْعَاجِز وَالْمَيِّت انهما نفس الانسان الذى يكون حَيا قَادِرًا اَوْ يَقُول ان الْمَيِّت الْعَاجِز جسده فان قَالَ ان الانسان هُوَ الذى يعجز وَيَمُوت أبطل قَوْله بِأَن الانسان حى بِنَفسِهِ ومستطيع بِنَفسِهِ لوُجُود نَفسه فى حَال مَوته وعجزه ميته اَوْ عاجزه وان زعم ان الرّوح هى قوى بِنَفسِهِ وان الْجَسَد هُوَ الذى يَمُوت ويعجز غير الذى كَانَ حَيا قَادِرًا وَيجب على هَذَا القَوْل ان لَا يكون الله تَعَالَى قَادِرًا على احياء ميت وَلَا على اماتة حى وَلَا على اقدار عَاجز وَلَا على تعجيز قَادر لَان الحى عِنْده لَا يَمُوت والقوى لَا يعجز وَقد وصف الله تَعَالَى نَفسه بانه يحيى الْمَوْتَى وان زعم ان الرّوح حى قوى بِنَفسِهِ وانما تَمُوت وتعجز لِأَنَّهُ تدخل عَلَيْهِ لم ينْفَصل مِمَّن يزْعم انها ميتَة عاجزة بِنَفسِهَا وانما تحيى وتقوى بحياة وقدرة تدخلان عَلَيْهِمَا
الفضيحة الرَّابِعَة من فضائحه قَوْله ان الرّوح جنس وَاحِد وافعاله جنس وَاحِد وان الاجسام ضَرْبَان حى وميت وان الحى مِنْهَا يَسْتَحِيل ان يصير مَيتا وَالْمَيِّت يَسْتَحِيل ان يصير حَيا وانما اخذ هَذَا القَوْل من الثنوية والبرهانية الَّذين زَعَمُوا ان النُّور حَيّ
стр. 119
خَفِيف من شَأْنه الصعُود ابدا وان الظلام موَات ثقيل من شَأْنه التسفل ابدا وان الثقيل الْمَيِّت محَال ان يصير خَفِيفا وان الْخَفِيف الحى محَال ان يصير ثقيلا مَيتا
الفضحية الْخَامِسَة من فضائحه دَعْوَاهُ ان الْحَيَوَان كُله جنس وَاحِد لِاتِّفَاق حمية مِنْهُ فى تدريك الادراك وَزعم ان الْعَمَل اذا اتّفق دلّ اتفاقه على اتِّفَاق مَا وَلَده وَزعم ايضا ان الْجِنْس الْوَاحِد لَا يكون مِنْهُ عملان مُخْتَلِفَانِ كَمَا لَا يكون من النَّار تسخين وتبريد وَلَا من الثَّلج تسخين وتبريد وَهَذَا تَحْقِيق قَول الثنوية ان النُّور يفعل الْخَيْر وَلَا يكون مِنْهُ الشَّرّ والظلام يفعل الشَّرّ وَلَا يكون مِنْهُ الْخَيْر لَان الْفَاعِل الْوَاحِد لَا يفعل فعلين مُخْتَلفين كَمَا لَا يَقع من النَّار تسخين وتبريد وَلَا من الثَّلج تسخين وتبريد وَمن الْعجب انه صنف كتابا على الثنوية ألزمهم فِيهِ اسْتِحَالَة مزاج النُّور والظلمة اذا كَانَا مُخْتَلفين فى الْجِنْس وَالْعَمَل وَكَانَت جِهَات تحركهما مُخْتَلفَة ثمَّ زعم مَعَ ذَلِك ان الْخَفِيف والثقيل من الاجسام مَعَ اخْتِلَافهمَا فى جنسيهما وَاخْتِلَاف جهتى حركتهما تتداخلان والمداخلة فى حيّز وَاحِد اعظم من المزاج الذى انكره على الثنوية
الفضيحة السَّادِسَة من فضائحه قَوْله بَان النَّار من شَأْنهَا ان تعلو بطباعها على كل شىء وانها اذا شملت من الشوائب الحابسة لَهَا فى
стр. 120
هَذَا الْعَالم ارْتَفَعت حَتَّى تجَاوز السَّمَاوَات وَالْعرش الا ان يكون من جِنْسهَا مَا تتصل بِهِ فَلَا تُفَارِقهُ وَقَالَ فى الرّوح ايضا انه اذا كَانَ فَارق الْجَسَد ارْتَفع ويستحيل مِنْهَا غير ذَلِك وَهَذَا بِعَيْنِه قَول الثنوية اذ الذى شَاب من اجزاء النُّور باجزاء الظلمَة اذا انْفَصل مِنْهَا ارْتَفع الى عَالم النُّور فان كَانَ يثبت فَوق السَّمَاء نورا تتصل بِهِ الارواح فَهُوَ ثنوى وان كَانَ يثبت فَوق الْهَوَاء نَارا يخلص اليها النيرَان المرتفعة فى الْهَوَاء فَهُوَ من جملَة الطبيعيين الَّذين زَعَمُوا ان مَسَافَة الْهَوَاء فى الِارْتفَاع عَن الاعراض سِتَّة عشر ميلًا وفوقها نَار مُتَّصِلَة بفلك الْقَمَر يلْحق بهَا مَا يرْتَفع من لَهب النَّار فَهُوَ اما ثنوى واما طبيعي يُدَلس نَفسه فى غمار الْمُسلمين
الفضيحة السَّابِعَة من فضائحه قَوْله بَان افعال الْحَيَوَان كلهَا من جنس وَاحِد وهى كلهَا حَرَكَة وَسُكُون والسكون عِنْده حَرَكَة اعْتِمَاد والعلوم والارادات عِنْده من جملَة الحركات وهى الاعراض والاعراض كلهَا عِنْده جنس وَاحِد وهى كلهَا حركات فاما الالوان والطعوم والاصوات والخواطر فهن عِنْده اجسام مُخْتَلفَة بِهِ ومتداخلة ونتيجة قَوْله بَان افعال الْحَيَوَان جنس وَاحِد توجب عَلَيْهِ ان يكون الايمان مثل الْكفْر وَالْعلم مثل الْجَهْل وَالْحب مثل البغض وان يكون فعل النبى ﵇ بِالْمُؤْمِنِينَ مثل فعل ابليس بالكافرين
стр. 121
وان يكون دَعْوَة النبى ﵇ الى دين الله تَعَالَى مثل دَعْوَة ابليس إِلَى الضَّلَالَة وَقد قَالَ فى بعض كتبه ان هَذِه الافعال كلهَا جنس وَاحِد وانما اخْتلفت اسماؤها لاخْتِلَاف احكامها وهى فى الْجِنْس وَاحِد لانها كلهَا افعال الْحَيَوَانَات وَلَا يفعل الْحَيَوَان عِنْده فعلين مُخْتَلفين كَمَا لَا يكون من النَّار تبريد وتسخين وَيلْزمهُ على هَذَا الاصل ان لَا يغْضب على من شَتمه ولعنه لَان قَول الْقَائِل لعن الله النظام عِنْد النظام مثل قَوْله ﵀ وَقَوله انه ولد زنى كَقَوْلِه انه ولد حَلَال فان رضى لنَفسِهِ بِمثل هَذَا الْمَذْهَب فَهُوَ أهل لَهُ وَلما يلْزمه عَلَيْهِ
الفضيحة الثَّامِنَة من فضائحه قَوْله بَان الالوان والطعوم والروائح والاصوات والخواطر أجسام واجازته تدَاخل الاجسام الْكَثِيرَة فِي حيّز وَاحِد وَقد انكر على هِشَام بن الحكم قَوْله بَان الْعُلُوم والارادات والحركات اجسام وَقَالَ لَو كَانَت هَذِه الثَّلَاثَة اجساما لم يجْتَمع فى شىء وَاحِد وَلَا فى حيّز وَاحِد وَهُوَ يَقُول ان اللَّوْن والطعم وَالصَّوْت اجسام متداخلة فى حيّز وَاحِد وينقض بِمذهب اعتلاله على خَصمه وَمن أجَاز مداخلة الاجسام فى حيّز وَاحِد لزمَه اجازة دُخُول الْجمل فى سم الْخياط
الفضيحة التَّاسِعَة من فضائحه قَوْله فى الاصوات وَذَلِكَ انه
стр. 122
زعم انه لَيْسَ فى الارض اثْنَان سمعا صَوتا وَاحِدًا الا على معنى انهما سمعا جِنْسا وَاحِدًا من الصَّوْت كَمَا يأكلان جِنْسا وَاحِدًا من الطَّعَام وان كَانَ مَأْكُول احدهما غير ماكول الآخر وانما أَلْجَأَهُ الى هَذَا القَوْل دَعْوَاهُ ان الصَّوْت لَا يسمع الا بهجومه على الرّوح من جِهَة السّمع وَلَا يجوز ان يهجم من قطعه وَاحِدَة على سمعين متباينين وَشبه ذَلِك بِالْمَاءِ المصبوب على قوم يُصِيب كل وَاحِد مِنْهُم غير مَا يُصِيب الآخر وَيلْزمهُ على هَذَا الاصل ان لَا يكون اُحْدُ سمع كلمة وَاحِدَة من الله تَعَالَى وَلَا من رَسُوله ﷺ لَان مسموع كل وَاحِد من السامعين خير من صَوت الْمُتَكَلّم بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَة والكلمة الْوَاحِدَة رُبمَا كَانَت من حرفين وَبَعض الحرفين لَا يكون كلمة عِنْده وان زعم ان الصَّوْت لَا يكون كلَاما مسموعا الا اذا كَانَ من حُرُوف لزمَه ان لَا يسمع الْجَمَاعَة حرفا وَاحِدًا لَان الْحَرْف الْوَاحِد لَا يَنْقَسِم حروفا كَثِيرَة على عدد السامعين
الفضيحة الْعَاشِرَة من فضائحه قَول بانقسام كل جُزْء لَا الى نِهَايَة وفى ضمن هَذَا القَوْل احالة كَون الله تَعَالَى محيطا بآخر الْعَالم عَالما بهَا وَذَلِكَ قَول الله تَعَالَى ﴿وأحصى كل شَيْء عددا﴾ وَمن عجائبه انه انكر على المانوية قَوْلهم بَان الهمامة الَّتِى هِيَ روح
стр. 123
الظلمَة عِنْدهم قطعت بلادها ووافت الفضيحة الْعليا من الْعليا حَتَّى شاهدت النُّور وَقَالَ لَهُم ان كَانَت بلادها لَا تتناهى من جِهَة السّفل فَكيف قطعتها الهمامة لَان قطع مَا لَا نِهَايَة لَهُ محَال ثمَّ زعم مَعَ ذَلِك ان الرّوح اذا فَارق الْبدن قطع الْعَالم الى فَوق مَعَ قَوْله بَان الْمَقْطُوع من الْعَالم غير متناهية الاجزاء بل كل قِطْعَة مِنْهَا غير متناهية الاجزاء فَكيف قطعهَا الرّوح فى وَقت متناه ولاجل هَذَا الالزام قَالَ بالطفرة الَّتِى لم يسْبق اليها من أهل الاهواء غَيره واعجب من هَذَا انه الزم الثنوية بتناهى النُّور والظلمة من كل جِهَة من الْجِهَات السِّت من اجل قَوْلهم بتناهى كل وَاحِد مِنْهَا من جِهَة ملاقاته للْآخر فَهَل اسْتدلَّ بتناهى كل جسم من جَمِيع جِهَات اطرافه على تناهى اجزائه فى الْوسط واذا كَانَ تناهى الْجِسْم من جهاته السِّت لَا يدل عِنْده على تناهيه فى الْوسط لم ينْفَصل من الثنوية اذا قَالُوا ان تناهى كل وَاحِد من النُّور والظلمة من جِهَة الملاقاة لَا يدل على تناهيهما من سَائِر الْجِهَات
الفضيحة الْحَادِيَة عشرَة من فضائحه قَوْله بالطفرة وهى دَعْوَاهُ ان الْجِسْم قد يكون فِي مَكَان ثمَّ يصير مِنْهُ الى الْمَكَان الثَّالِث اَوْ الْعَاشِر مِنْهُ من غير مُرُور بالامكنة المتوسطة بَينه وَبَين الْعَاشِر وَمن غير ان يصير مَعْدُوما فى الأول ومعادا فى الْعَاشِر وَنحن نَتَحَاكَم
стр. 124
اليه فى بطلَان هَذَا القَوْل ان انصف من نَفسه وان كَانَ التَّحْكِيم بعد أَبى مُوسَى الاشعرى وَعَمْرو بن الْعَاصِ تضييعا للحزم
الفضيحة الثَّانِيَة عشرَة من فضائحه هى الَّتِى تكَاد السَّمَاوَات يتفطرن مِنْهُ وهى دَعْوَاهُ انه لَا يعلم باخبار الله وَلَا باخبار رَسُوله ﵇ وَلَا باخبار اهل دينه شىء على الْحَقِيقَة ودعواه ان الاجسام والالوان لَا يعلمَانِ بالاخبار والذى الجأه الى هَذَا القَوْل الشنيع قَوْله بَان المعلومات ضَرْبَان محسوس وَغير محسوس والمحسوس مِنْهَا اجسام وَلَا يَصح الْعلم بهَا الا من جِهَة الْحس والحس عِنْده لَا يَقع الا على جسم واللون والطعم والرائحة وَالصَّوْت عِنْده اجسام قَالَ وَلِهَذَا ادركت بالحواس واما غير المحسوس فضربان قديم وأعراض وَلَيْسَ طَرِيق الْعلم بهما الْخَبَر وانما يعلمَانِ بِالْقِيَاسِ وَالنَّظَر دون الْحس وَالْخَبَر فَقيل لَهُ على هَذَا الاصل كَيفَ عرفت ان مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ فى الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ سَائِر الانبياء والملوك وان كَانَت الاخبار عنْدك لَا يعلم بهَا شىء فَقَالَ ان الَّذين شاهدوا النبى ﵇ اقتطعوا مِنْهُ حِين رَأَوْهُ قِطْعَة توزعوها بَينهم وصلوها بارواحهم فَلَمَّا اخبروا التَّابِعين عَن وجوده خرج مِنْهُم بعض تِلْكَ الْقطعَة فاتصل بارواح التابعون لاتصال ارواحهم بِبَعْضِه وَهَكَذَا
стр. 125
قصَّة الناقلون عَن التَّابِعين وَمن نقلوا عَنْهُم الى ان وصل الينا فَقيل فقد علمت الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس والزنادقة ان نَبينَا ﵇ كَانَ فى الدُّنْيَا أفتزعم ان قِطْعَة مِنْهُ اتَّصَلت بارواح الْكَفَرَة فالتزم ذَلِك فَالْزَمْ ان يكون أهل الْجنَّة اذا اطلعوا على اهل النَّار ورآهم اهل النَّار وخاطب كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ الْفَرِيق الآخر ان تنفصل قِطْعَة من ارواح كل وَاحِد مِنْهُم فيتصل بأرواح الْفَرِيق الآخر فَيدْخل الْجنَّة قطع كَثِيرَة من ابدان اهل النَّار وارواحهم وَيدخل النَّار قطع كَثِيرَة من ابدان أهل الْجنَّة وارواحهم وَكَفاهُ بِالْتِزَام هَذِه الْبِدْعَة خزيا
الفضيحة الثَّالِثَة عشرَة من فضائحه مَا حَكَاهُ الجاحظ عَنهُ من قَوْله تتجدد الْجَوَاهِر والاجسام حَالا بعد حَال وان الله تَعَالَى يخلق الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا فى كل حَال من غير ان يفنيها وَيُعِيدهَا وَذكر ابو الْحُسَيْن الْخياط فى كِتَابه على ابْن الروندى ان الجاحظ غلط فى حِكَايَة هَذَا القَوْل على النظام فَيُقَال لَهُ ان صدق الجاحظ عَلَيْهِ فى هَذِه الْحِكَايَة فاحكم بِحَبل النظام وحمقه والحادة فِيهِ وان كذب عَلَيْهِ فاحكم بمجون الجاحظ وسفهه وَهُوَ شيخ الْمُعْتَزلَة وفيلسوفها وَنحن لَا ننكر كذب الْمُعْتَزلَة على أسلافها اذا كَانُوا كاذبين على رَبهم ونبيهم
стр. 126
الفضيحة الرَّابِعَة عشر من فضائحه قَوْله بِأَن الله تَعَالَى خلق النَّاس والبهائم وَسَائِر الْحَيَوَان وأصناف النَّبَات والجواهر المعدنية كلهَا فى وَقت وَاحِد وان خلق آدم ﵇ لم يتَقَدَّم على خلق اولاده وَلَا تقدم خلق الامهات على خلق الْأَوْلَاد وَزعم أَن الله تَعَالَى خلق ذَلِك أجمع فى وَقت وَاحِد غير أَن اكثر بعض الاشياء فى بعض فالتقدم والتأخر إِنَّمَا يَقع فى ظُهُورهَا من أماكنها وفى هَذَا تَكْذِيب مِنْهُ لما اجْتمع عَلَيْهِ من سلف الامة مَعَ أهل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى والسامرة من أَن الله تَعَالَى خلق اللَّوْح والقلم قبل خلق السَّمَوَات والارض وانما اخْتلفت الْمُسلمُونَ فى السَّمَاء وَالْأَرْض أَيَّتهمَا خلقت أَولا فَخَالف النظام الْمُسلمين وَأهل الْكتاب فى ذَلِك وَخَالف فِيهِ أَكثر الْمُعْتَزلَة لِأَن الْمُعْتَزلَة البصرية زعمت أَن الله تَعَالَى خلق إِرَادَته قبل مرادته وَأقر سَائِرهمْ بِخلق بعض أجسام الْعَالم قبل بعض وَزعم أَبُو الْهُذيْل أَنه خلق قَوْله للشىء كن لَا فى مَحل قبل أَن خلق الْأَجْسَام والأعراض وَقَول النظام بالظهور والكمون فى الاجسام وتداخلها شَرّ من قَول الزهرية الَّذين زَعَمُوا أَن الاعراض كلهَا كامنة فى الاجسام وَإِنَّمَا يتَعَيَّن الْوَصْف على الْأَجْسَام بِظُهُور بعض الاعراض وكمون بَعْضهَا وفى كل وَاحِد من المذهبين تطريق
стр. 127
الدهرية الى إِنْكَار حُدُوث الْأَجْسَام والأعراض بدعواهم وجود جَمِيعهَا فى كل حَال على شَرط كمون بَعْضهَا وَظُهُور بَعْضهَا من غير حُدُوث شىء مِنْهَا فى حَال الظُّهُور وَهَذَا إلحاد وَكفر وَمَا يُؤدى الى الضَّلَالَة فَهُوَ مثلهَا
الفضيحة الْخَامِسَة عشرَة من فضائحه قَوْله أَن نظم الْقُرْآن وَحسن تأليف كَلِمَاته لَيْسَ بمعجزة للنبى ﵇ وَلَا دلَالَة على صدقه فى دَعْوَاهُ النُّبُوَّة وَإِنَّمَا وَجه الدّلَالَة مِنْهُ على صدقه مَا فِيهِ من الاخبار عَن الغيوب فَأَما نظم الْقُرْآن وَحسن تأليف آيَاته فَإِن الْعباد قادرون على مثله وعَلى مَا هُوَ أحسن مِنْهُ فى النّظم والتأليف وفى هَذَا عناد مِنْهُ لقَوْل الله تَعَالَى ﴿لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾ وَلم يكن غَرَض مُنكر إعجاز الْقُرْآن إِلَّا إِنْكَار نبوة من تحدى الْعَرَب بِأَن يعارضوه بِمثلِهِ
الفضيحة السَّادِسَة عشرَة من فضائحه قَوْله بِأَن الْخَبَر الْمُتَوَاتر مَعَ خُرُوج ناقليه عِنْد سامع الْخَبَر عَن الْحصْر وَمَعَ اخْتِلَاف همم الناقلين وَاخْتِلَاف دواعيهم يجوز ان يَقع كذب هَذَا مَعَ قَوْله بِأَن من أَخْبَار الْآحَاد مَا يُوجب الْعلم الضرورى وَقد كفره أَصْحَابنَا
стр. 128
مَعَ موافقيه فى الاعتزال فى هَذَا الْمَذْهَب الذى صَار اليه
الفضيحة السَّابِعَة عشرَة من فضائحه تجويزه إِجْمَاع الامة فى كل عصر وفى جَمِيع الاعصار على الْخَطَأ من جِهَة الرأى وَالِاسْتِدْلَال يلْزمه على هَذَا الاصل ان لايثق بشىء مِمَّا اجْتمعت الامة عَلَيْهِ لجَوَاز خطئهم فِيهِ عِنْده واذا كَانَت احكام الشَّرِيعَة مِنْهَا مَا أَخذه الْمُسلمُونَ عَن خبر متواتر وَمِنْهَا مَا أَخَذُوهُ عَن أَخْبَار الاحاد وَمِنْهَا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وأخذوه عَن اجْتِهَاد وَقِيَاس وَكَانَ النظام وَاقعا لحجة التَّوَاتُر ولحجة الْإِجْمَاع وإبطل الْقيَاس وَخبر الْوَاحِد اذا لم يُوجد الْعلم الضرورى فَكَأَنَّهُ أَرَادَ إبِْطَال أَحْكَام فروع الشَّرِيعَة لإبطاله طرقها
الفضيحة الثَّامِنَة عشرَة دَعْوَاهُ فى بَاب الْوَعيد أَن من غصب أَو سرق مائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين درهما لم يفسق بذلك حَتَّى يكون مَا سَرقه اَوْ غصبه وخان فِيهِ مائتى دِرْهَم فَصَاعِدا فان كَانَ قد بنى هَذَا القَوْل على مَا يقطع فِيهِ الْيَد فى السّرقَة فَمَا جعل اُحْدُ نِصَاب الْقطع فى السّرقَة مائتى دِرْهَم بل قَالَ قوم فى نِصَاب الْقطع إِنَّه ربع دِينَار اَوْ قِيمَته وَبِه قَالَ الشافعى وَأَصْحَابه وَقَالَ مَالك بِربع دِينَار اَوْ ثَلَاثَة دَرَاهِم وَقَالَ ابو حنيفَة بِوُجُوب الْقطع فى عشرَة دَرَاهِم فَصَاعِدا واعتبره قوم باربعين درهما اَوْ قيمتهَا وأوجبت
стр. 129
الاباضية الْقطع فِي قَلِيل السّرقَة وكثيرها وَمَا اعْتبر اُحْدُ نِصَاب الْقطع بمائتى دِرْهَم وَلَو كَانَ التفسيق مُعْتَبرا بنصاب الْقطع لما فسق الْغَاصِب لألوف دَنَانِير لِأَنَّهُ لَا قطع على الْغَاصِب المجاهر ولوجب أَن لَا يفسق من سرق الالوف من غير حرز اَوْ من الابْن لِأَنَّهُ لَا قطع فى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وان كَانَ إِنَّمَا بنى تَحْدِيد الْمِائَتَيْنِ فى الْفسق على ان الْمِائَتَيْنِ نِصَاب لِلزَّكَاةِ لزمَه تفسيق من سرق اربعين شَاة بِوُجُوب الزَّكَاة فِيهَا وان كَانَت قيمتهَا دون مائتى دِرْهَم واذا لم يكن للْقِيَاس فى تحديده محَال وَلم يدل عَلَيْهِ نَص من الْقُرْآن وَالسّنة الصَّحِيحَة لم يكن مأخوذا الا من وَسْوَسَة شَيْطَانه الذى دَعَاهُ الى ضلالته
الفضيحة التَّاسِعَة عشرَة من فضائحه قَوْله فى الايمان ان اجْتِنَاب الْكَبِيرَة فَحسب ونتيجة هَذَا القَوْل ان الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال لَيْسَ شىء مِنْهَا إِيمَانًا وَالصَّلَاة عِنْده أفعالها لَيست بِإِيمَان وَلَا من الايمان وانما الايمان فِيهَا ترك الْكَبَائِر فِيهَا وَكَانَ يَقُول مَعَ هَذَا ان الْفِعْل وَالتّرْك كِلَاهُمَا طَاعَة وَالنَّاس قبله فريقان فريق قَالُوا ان الصَّلَاة كلهَا من الايمان وفريق قَالُوا لَيْسَ شىء من الصَّلَاة ايمانا وَقد فَارق هُوَ الْفَرِيقَيْنِ فَزعم ان الصَّلَاة لَيست من الايمان وَترك الْكَبَائِر فِيهَا من الايمان
стр. 130
الفضيحة الْعشْرُونَ من فضائحه قَوْله فى بَاب الْمعَاد بَان العقارب والحيات والخنافس والذباب والذبان والجعلان وَالْكلاب والخنازير وَسَائِر السبَاع والحشرات تحْشر الى الْجنَّة وَزعم أَن كل من وكل مَا تفضل الله عَلَيْهِ بِالْجنَّةِ لَا يكون لبَعْضهِم على بعض دَرَجَة فى التَّفْضِيل وَزعم انه لَيْسَ لابراهيم بن رَسُول الله ﷺ فى الْجنَّة تَفْضِيل دَرَجَة على دَرَجَات أَطْفَال الْمُؤمنِينَ وَلَا لاطفال الْمُؤمنِينَ فِيهَا تَفْضِيل بِدَرَجَة اَوْ نعْمَة اَوْ مرتبَة على الْحَيَّات والعقارب والخنافس لانه لَا عمل لَهُم كَمَا لَا عمل لَهَا فحجر على رب الْعَالمين ان يتفضل على اولاد الانبياء بِزِيَادَة نعْمَة لَا يتفضل بِمِثْلِهَا على الحشرات ثمَّ لم يرض بِهَذَا الْحجر حَتَّى زعم انه لَا يقدر على ذَلِك وَزعم ايضا انه لَا يتفضل على الانبياء ﵈ الا بِمثل مَا يتفضل بِهِ على الْبَهَائِم لِأَن بَاب الْفضل عِنْده لَا يخْتَلف فِيهِ الْعَالمُونَ وَغَيرهم وانما يَخْتَلِفُونَ فى الثَّوَاب وَالْجَزَاء لاخْتِلَاف مَرَاتِبهمْ فى الاعمال وينبغى للنظام على قَول هَذَا الاصل ان لَا يغْضب على من قَالَ لَهُ حشرك الله مَعَ الْكلاب والخنازير والحيات والعقارب الى مأواها وَنحن نَدْعُو لَهُ بِهَذَا الدُّعَاء رضى بِهِ لنَفسِهِ
الفضيحة الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ من فضائحه أَنه لما ابتدع ضلالاته فى الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة أَدخل فى أَبْوَاب الْفِقْه ايضا ضلالات لَهُ لم
стр. 131
يسْبق اليها مِنْهَا قَوْله إِن الطَّلَاق لَا ينفع بشىء من الْكِنَايَات كَقَوْل الرجل لامْرَأَته أَنْت خلية اَوْ بَريَّة اَوْ حبلك على غاربك اَوْ الحقي بأهلك اَوْ اغتدى اَوْ نَحْوهَا من كنايات الطَّلَاق عِنْد الْفُقَهَاء سَوَاء نوى بهَا الطَّلَاق اَوْ لم يُنَوّه وَقد أجمع فُقَهَاء الامة على وُقُوع الطَّلَاق بهَا اذا قارنتها نِيَّة الطَّلَاق وَقد قَالَ فُقَهَاء الْعرَاق إِن كنايات الطَّلَاق فى حَال الْغَضَب كصريح الطَّلَاق فى وُقُوع الطَّلَاق بهما من غير نِيَّة وَمِنْهَا قَوْله فى الظِّهَار ان من ظَاهر من امْرَأَته بِذكر الْبَطن اَوْ الْفرج لم يكن مُظَاهرا وَهَذَا فِيهِ خلاف قَول الامة بأسرها والشأن فى أَنه كَانَ يَقُول بتفسيق أَبى مُوسَى الاشعرى فى حكمه ثمَّ اخْتَار قَوْله فى أَن النّوم لَا ينْقض الطَّهَارَة اذا لم يكن مَعهَا حدث على قَول الْجُمْهُور الْأَعْظَم بِأَن النّوم مُضْطَجعا ينْقض الْوضُوء وانما اخْتلفُوا فى النّوم قَاعِدا وراكعا وساجدا وسامح فِيهِ أَبُو حنفية وأوجبه اكثر اصحاب الشافعى من طَرِيق الْقيَاس وَمِنْهَا أَنه زعم أَن من ترك صَلَاة مَفْرُوضَة عمدا لم يَصح قَضَاؤُهُ لَهَا وَلم يجب عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَهَذَا عِنْد سَائِر الامة كفر ككفر من زعم أَن الصَّلَوَات الْخمس غير مَفْرُوضَة وفى فُقَهَاء الامة من قَالَ فِيمَن فَاتَتْهُ صَلَاة مَفْرُوضَة أَنه يلْزمه قَضَاء صلوَات يَوْم وَلَيْلَة وَقَالَ سعيد بن الْمسيب من ترك صَلَاة مَفْرُوضَة
стр. 132
حَتَّى فَاتَ وَقتهَا قضى الف صَلَاة وَقد بلغ من تَعْظِيم شَأْن الصَّلَاة أَن بعض الْفُقَهَاء افتى بِكفْر من ينكرها عَامِدًا وان لم يسْتَحل تَركهَا كَمَا ذهب اليه احْمَد بن حَنْبَل وَقَالَ الشافعى بِوُجُوب قتل تاركها عمدا وان لم يحكم بِكُفْرِهِ اذا تَركهَا كسلا لَا استحلالاتة وَقَالَ ابو حنيفَة بِحَبْس تَارِك الصَّلَاة وتعذيبه الى ان يصلى وَخلاف النظام للامة فى وجوب قَضَاء المتروكة من فَرَائض الصَّلَاة بِمَنْزِلَة خلاف الزَّنَادِقَة فى وجوب الصَّلَاة وَلَا اعْتِبَار بالخلافين ثمَّ ان النظام مَعَ ضلالاته الَّتِى حكيناها عَنهُ طعن فى اخبار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ من اجل فتاويهم بِالِاجْتِهَادِ فَذكر الجاحظ عَنهُ فى كتاب المعارف وفى كِتَابه الْمَعْرُوف بالفتيا أَنه عَابَ اصحاب الحَدِيث ورواياتهم احاديث ابى هُرَيْرَة وَزعم أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ اكذب النَّاس وَطعن فى الْفَارُوق عمر رضى عَنهُ وَزعم انه شكّ يَوْم الْحُدَيْبِيَة فى دينه وَشك يَوْم وَفَاة النبى ﷺ وانه كَانَ فِيمَن نفر بالنبى ﵇ لَيْلَة الْعقبَة وَأَنه ضرب فَاطِمَة وَمنع مِيرَاث الفترة وانكر عَلَيْهِ تغريب نصر بن الْحجَّاج من الْمَدِينَة الى الْبَصْرَة وَزعم أَنه ابدع صَلَاة التَّرَاوِيح وَنهى عَن مُتْعَة الْحَج وَحرم نِكَاح الموالى للعربيات وَعَابَ عُثْمَان بايوآئه الحكم بن الْعَاصِ الى الْمَدِينَة واستعماله الْوَلِيد بن عقبَة على الْكُوفَة حَتَّى صلى بِالنَّاسِ وَهُوَ سَكرَان
стр. 133
وعابه بِأَن أعَان سعيد بن الْعَاصِ بِأَرْبَعِينَ الف دِرْهَم على نِكَاح عقده وَزعم أَنه اسْتَأْثر بالحمى ثمَّ ذكر عليا رضى الله عَنهُ وَزعم انه سُئِلَ عَن بقرة قتلت حمارا فَقَالَ اقول فِيهَا برأيى ثمَّ قَالَ بجهله من هُوَ حَتَّى يقْضى بِرَأْيهِ وَعَابَ أَبَا مَسْعُود فى قَوْله فى حَدِيث تَزْوِيج بنت واشتف اقول فِيهَا برأيى فان كَانَ صَوَابا فَمن الله وان كَانَ خطأ فمنى وَكذبه فى رِوَايَته عَن النبى ﵇ أَنه قَالَ السعيد من سعد فى بطن أمه والشقى من شقى فى بطن أمه وَكذبه ايضا فى رِوَايَته انْشِقَاق الْقَمَر وفى رِوَايَة الْجِنّ لَيْلَة الْجِنّ فَهَذَا قَوْله فى اخيار الصَّحَابَة وفى اهل بيعَة الرضْوَان الَّذين انْزِلْ الله تَعَالَى فيهم ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ وَمن غضب على من رضى الله عَنهُ فَهُوَ المغضوب عَلَيْهِ دونه ثمَّ أَنه قَالَ فى كِتَابه ان الَّذين حكمُوا بالرأى من الصَّحَابَة اما ان يَكُونُوا قد ظنُّوا أَن ذَلِك جَائِر لَهُم وجهلوا تَحْرِيم الحكم بالرأى فى الْفتيا عَلَيْهِم وَإِمَّا ارادوا أَن يذكرُوا بِالْخِلَافِ وَأَن يَكُونُوا رُؤَسَاء فى الْمذَاهب فَاخْتَارُوا لذَلِك القَوْل بالرأى فنسبهم الى إبثار الْهوى على الدّين وَمَا للصحابة رضى الله عَنْهُم عِنْد هَذَا الملحد الفرى ذَنْب غير أَنهم كَانُوا مُوَحِّدين لَا يَقُولُونَ بِكفْر الْقَدَرِيَّة الَّذين ادعوا مَعَ الله خالقين كثيرين
стр. 134
وانما انكر على ابْن مَسْعُود رِوَايَته أَن السعيد من سعد فى بطن أمه والشقى من شقى فِي بطن أمه لِأَن هَذَا اخلاف قَول الْقَدَرِيَّة فى دَعْوَاهَا من السَّعَادَة والشقاوة ليستا من قَضَاء الله وَقدره وانما إِنْكَاره انْشِقَاق الْقَمَر فَإِنَّمَا كره مِنْهُ ثُبُوت معْجزَة لنبينا عَلَيْهِ ﵇ كَمَا انكر معجزته فى نظم الْقُرْآن فَإِن كَانَ أحَال انْشِقَاق الْقَمَر مَعَ ذكر الله ذَلِك فى الْقُرْآن مَعَ قَوْله من طَرِيق الْعقل فقد زعم أَن جَامع اجزاء الْقَمَر لَا يقدر على تفريقها وان اجاز انْشِقَاق الْقَمَر فى الْقُدْرَة والإمكان فَمَا الذى اوجب كذب ابْن مَسْعُود فى رِوَايَته انْشِقَاق الْقَمَر مَعَ ذكر الله ذَلِك فى الْقُرْآن مَعَ قَوْله ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر وَإِن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر﴾ فَقَوْل النظام بانشقاق الْقَمَر لم يكن اصلا شَرّ من قَول الْمُشْركين الَّذين قَالُوا لما رَأَوْا انشقاقه زَعَمُوا أَن ذَلِك وَاقع بِسحر ومنكر وجود المعجزة شَرّ مِمَّن تأولها على غير وَجههَا وَأما انكاره رُؤْيَة الْجِنّ اصلا لزمَه أَن لَا يرى بعض الْجِنّ بَعْضًا وان اجاز رُؤْيَتهمْ فَمَا الذى أوجب تَكْذِيب ابْن مَسْعُود فى دَعْوَاهُ رُؤْيَتهمْ ثمَّ ان النظام مَعَ مَا حكيناه من ضلالاته كَانَ افسق خلق الله وأجرأهم على الذُّنُوب الْعِظَام وعَلى إدمان شرب الْمُسكر وَقد
стр. 135
ذكر عبد الله بن مُسلم بن قتيبه ﵀ فى كتاب مُخْتَلف الحَدِيث أَن النظام كَانَ يَغْدُو على مُسكر وَيروح على مُسكر وانشد قَوْله فى الْخمر ... مَا زلت آخذ روح الزق فى لطف
واستبيح دَمًا من غير مَذْبُوح ... حَتَّى انتشيت ولى روحان فى بدن
والزق مطرح جسم بِلَا روح ...
وَمثله فى طعنه على اخبار الصَّحَابَة مَعَ بدعته مَعَ بدعته فى أَقْوَاله وضلالته فى أَفعاله كَمَا قيل فى الامثال السائرة ان من كَانَ فى دينه دميما وفى اصله لئيما لم يتْرك لنَفسِهِ عارا يهيما الا نحله كَرِيمًا واستباح بِهِ حريما وَهل يضر السَّحَاب نباح الْكلاب كَذَلِك لَا يضر
مُلَاحظَة انْقَطع الْكَلَام فى مُنْتَهى الصفحة ٥٨ ب وَمن سِيَاق الْكَلَام يظْهر ان ثمَّة صَحَائِف مفقودة عرض فى الْجِسْم من فعل الْجِسْم بطبعه والاصوات عِنْده فعل الاجسام المصوبة بطباعها وفناء الْجِسْم عِنْده فعل الْجِسْم بطبعه وَصَلَاح الزروع وفسادها من فعل الزروع عِنْده وَزعم ايضا ان فنَاء كل فان فعل لَهُ بطبعه وَزعم ان لَيْسَ لله تَعَالَى فِي الاعراض
стр. 136
صنع وَلَا تَقْدِير وفى قَوْله ان الله تَعَالَى لم يخلق حَيَاة وَلَا موتا تَكْذِيب مِنْهُ لوصف الله سُبْحَانَهُ نَفسه بِأَن يحيى وَيُمِيت وَكَيف يحيى وَيُمِيت من لَا يخلق حَيَاة وَلَا موتا
والفضيحة الثَّانِيَة من فضائحه انه لما زعم أَن الله تَعَالَى لم يخلق شَيْئا من الاعراض وانكر مَعَ ذَلِك صِفَات لله تَعَالَى الازلية كَمَا أنكرها سَائِر الْمُعْتَزلَة لزمَه على هَذِه الْبِدْعَة أَن لَا يكون لله تَعَالَى كَلَام اذ لم يُمكنهُ أَن يَقُول إِن كَلَامه صفة لَهُ أزلية كَمَا قَالَ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة لِأَنَّهُ لَا يثبت لله تَعَالَى صفة ازلية وَلم يُمكنهُ أَن يَقُول إِن كَلَامه فعله كَمَا قَالَه سَائِر الْمُعْتَزلَة لِأَن الله سُبْحَانَهُ عِنْده لم يفعل شَيْئا من الاعراض وَالْقُرْآن عِنْده فعل الْجِسْم الذى حل الْكَلَام فِيهِ وَلَيْسَ هُوَ فعلا لله تَعَالَى وَلَا صفة لَهُ فَلَيْسَ يَصح على اصله أَن يكون لَهُ كَلَام على معنى الصّفة وَلَا على معنى الْفِعْل واذا لم يكن لَهُ كَلَام لم يكن لَهُ امْر وَنهى وتكليف وَهَذَا يُؤدى الى رفع التَّكْلِيف والى رفع احكام الشَّرِيعَة وَمَا أَرَادَ غَيره لِأَنَّهُ قَالَ بِمَا يُؤدى اليه
الفضيحة الثَّالِثَة من فضائحه دَعْوَاهُ أَن كل نوع من الْأَعْرَاض الْمَوْجُودَة فى الاجسام لَا نِهَايَة لعدده وَذَلِكَ أَنه قَالَ اذا كَانَ المتحرك متحركا بحركة قَامَت بِهِ فَتلك الْحَرَكَة اخْتصّت بمحله
стр. 137
لِمَعْنى سواهَا وَذَلِكَ الْمَعْنى ايضا يخْتَص بمحله لِمَعْنى سواهُ وَكَذَلِكَ القَوْل فى اخْتِصَاص كل معنى بمحله لِمَعْنى سواهُ لَا الى نِهَايَة وَكَذَلِكَ اللَّوْن والطعم والرائحة وكل عرض يخْتَص بمحله لِمَعْنى سواهُ وَذَلِكَ الْمَعْنى ايضا يخْتَص بمحله لِمَعْنى سواهُ لَا الى نِهَايَة وَحكى الكعبى عَنهُ فى مقالاته أَن الْحَرَكَة عِنْده انما خَالَفت السّكُون لِمَعْنى سواهَا وَكَذَلِكَ السّكُون خَالف الْحَرَكَة لِمَعْنى سواهُ وان هذَيْن الْمَعْنيين مُخْتَلِفَانِ لمعنيين غَيرهمَا ثمَّ هَذَا الْقيَاس مُعْتَبر عِنْده لَا الى نِهَايَة وفى هَذَا القَوْل إلحاد من وَجْهَيْن احدهما قَوْله بحوادث لَا نِهَايَة لَهَا وَهَذَا يُوجب وجود حوادث لَا يحصيها الله تَعَالَى وَذَلِكَ عناد لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وأحصى كل شَيْء عددا﴾ والثانى إِن قَوْله بحدوث أَعْرَاض لَا نِهَايَة لَهَا يُؤَدِّيه الى القَوْل بِأَن الْجِسْم أقدر من الله لِأَن الله عِنْده أَنه مَا خلق غير الاجسام وهى محصورة عندنَا وَعِنْده والجسم اذا فعل عرضا فقد فعل عرضا فقد فعل مَعَه مَالا نِهَايَة لَهُ من الاعراض وَمن خلق مَا لَا نِهَايَة لَهُ ينبغى أَن يكون أقدر مِمَّا لَا يخلق إِلَّا متناهيا فى الْعدَد وَقد اعتذر الكعبى عَنهُ فى مقالاته بِأَن قَالَ إِن معمرا كَانَ يَقُول إِن الانسان لَا فعل لَهُ غير الْإِرَادَة وَسَائِر الاعراض أَفعَال الاجسام بالطباع فان صحت هَذِه الرِّوَايَة عَنهُ لزمَه ان يكون الطَّبْع الذى نسب اليه فعل الاعراض
стр. 138
اقوى من الله لِأَن افعال الله اجسام محصورة وافعال الطباع أَصْنَاف من الاعراض كل صنف مِنْهَا غير مَحْصُور الْعدَد وعَلى أَن قَول معمر بأعراض لَا نِهَايَة لَهَا تطريق لاصحاب الظُّهُور والكمون على الْمُسلمين فى حُدُوث الْأَعْرَاض وَذَلِكَ أَن الْمُسلمين استدلوا على حُدُوث الاعراض فى الْأَجْسَام بتعاقب المتضادات مِنْهَا على الاجسام وَأنكر أَصْحَاب الكمون والظهور حُدُوث الاعراض وَزَعَمُوا أَنَّهَا كلهَا مَوْجُودَة فى الاجسام فاذا ظهر فى الْجِسْم بعض الاعراض كمن فِيهِ ضِدّه واذا كمن فِيهِ الْعرض ظهر ضِدّه فَقَالَ لَهُم المقصدون لَو كمن الْعرض تَارَة وَظهر تَارَة لَكَانَ ظُهُوره بعد الكمون وكمونه بعد الظُّهُور لِمَعْنى سواهُ والا افْتقر ذَلِك الْمَعْنى فى ظُهُوره وكمونه الى معنى سواهُ لَا الى نِهَايَة واذا بَطل اجْتِمَاع مَا لَا نِهَايَة لَهُ من الاعراض فى الْجِسْم الْوَاحِد صَحَّ تعاقبها على الْجِسْم من جِهَة حدوثها فِيهِ لَا من جِهَة الكمون والظهور واذا قَالَ معمر يجوز اجْتِمَاع مَالا نِهَايَة لَهُ من الاعراض فى الْجِسْم لم يَصح لَهُ دفع اصحاب الكمون والظهور عَن دَعوَاهُم وجود اعراض لَا نِهَايَة لَهَا من اجناس الكمون والظهور فى مَحل وَاحِد وسوق هَذَا الاصل يُؤدى الى القَوْل بقدم الاعراض وَذَلِكَ كفر فَمَا يُؤدى اليه مثله
стр. 139
الفضيحة الرَّابِعَة من فضائحه قَوْله فى الانسان إِنَّه شىء غير هَذَا الْجَسَد المحسوس وَهُوَ حى عَالم قَادر مُخْتَار وَلَيْسَ هُوَ متحركا وَلَا سَاكِنا وَلَا متلونا وَلَا يرى وَلَا يلمس وَلَا يحل موضعا دون مَوضِع وَلَا يحويه مَكَان دون مَكَان فاذا قيل لَهُ أَتَقول إِن الانسان فى هَذَا الْجَسَد أم فى السَّمَاء أم فى الارض أم فى الْجنَّة أم فى النَّار قَالَ لَا اطلق شَيْئا من ذَلِك ولكنى أَقُول إِنَّه فى الْجَسَد مُدبر وفى الْجنَّة منعم اَوْ فى النَّار معذب وَلَيْسَ هُوَ فى شَيْء من هَذِه الاشياء حَالا وَلَا مُتَمَكنًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بطويل وَلَا عريض وَلَا عميق وَلَا ذى وزن فوصف الانسان بِمَا يُوصف بِهِ الاله سُبْحَانَهُ لِأَنَّهُ وَصفه بِأَنَّهُ حى عَالم قَادر حَكِيم وَهَذِه الاوصاف وَاجِبَة لله تَعَالَى ثمَّ نزه الانسان عَن أَن يكون متحركا اَوْ سَاكِنا اَوْ حارا اَوْ بَارِدًا اَوْ رطبا اَوْ يَابسا اَوْ ذَا لون اَوْ وزن اَوْ طعم اَوْ رَائِحَة وَالله سُبْحَانَهُ منزه عَن هَذِه الاوصاف وكما زعم أَن الانسان فى الْجَسَد مُدبر لَهُ لَا على معنى الْحُلُول والتمكن فِيهِ كَذَلِك الاله عِنْده فى كل مَكَان على معنى أَن مُدبر لَهُ عَالم بِمَا يجرى فِيهِ لَا على معنى الْحُلُول والتمكن فِيهِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يعبد الانسان لوصفه إِيَّاه بِمَا يُوصف الاله بِهِ فَلم يحسن على اظهار القَوْل بذلك فَقَالَ بِمَا يُؤدى اليه ثمَّ إِن هَذَا القَوْل يُوجب عَلَيْهِ أَن لَا يرى إِنْسَان إنْسَانا
стр. 140
وَيُوجب أَن لَا يكون الصَّحَابَة رَأَوْا رَسُول الله ﷺ وَكَفاهُ بذلك خزيا
الفضيحة الْخَامِسَة من فضائحه قَوْله بِأَن الله لَا يجوز أَن يَقُول فِيهِ انه قديم مَعَ وَصفه إِيَّاه بِأَنَّهُ مَوْجُود أزلي
الفضيحة السَّادِسَة من فضائحه امْتِنَاعه عَن القَوْل بِأَن الله تَعَالَى يعلم نَفسه لَا من شَرط الْمَعْلُوم عِنْده ان يكون غير الْعَالم بِهِ وَهَذَا يبطل عَلَيْهِ بِذكر الذاكر نَفسه لِأَنَّهُ اذا جَازَ ان يذكر الذاكر نَفسه جَازَ ان يعلم الْعَالم نَفسه وَقد افتخر الكعبى فى مقالاته بَان معمرا من شُيُوخه فى الاعتزال وَمن افتخر بِمثلِهِ وهبناه مِنْهُ وتمثلنا بقول الشَّاعِر ... هَل مُشْتَر والسعيد بَايعه
هَل بَايع والسعيد من وهبا ...
ذكر البشرية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع بشر بن الْمُعْتَمِر وَقَالَ اخوانه من الْقَدَرِيَّة بتكفيره فى امور هُوَ فِيهَا مُصِيب عِنْد الْقَدَرِيَّة فَمَا كفرته الْقَدَرِيَّة فِيهِ قَوْله بَان الله تَعَالَى قَادر على لطف لَو فعله بالكافر لآمن طَوْعًا وكفروه ايضا فى قَوْله بِأَن الله تَعَالَى لَو خلق الْعُقَلَاء ابْتِدَاء فى الْجنَّة وتفضل عَلَيْهِم بذلك لَكَانَ ذَلِك أصلح لَهُم وكفروه ايضا بقوله ان الله لَو علم من عبد انه لَو أبقاه لآمن كَانَ إبقاؤه اياه اصلح لَهُ من ان يميته كَافِرًا وكفروه ايضا
стр. 141
بقوله ان الله تَعَالَى لم يزل مرِيدا وفى قَوْله ان الله تَعَالَى اذا علم حُدُوث شىء من افعال الْعباد وَلم يمْنَع مِنْهُ فقد أَرَادَ حُدُوثه وَالْحق فى هَذِه الْمسَائِل الْخمس كفرت الْمُعْتَزلَة البصرية فِيهَا بشرا مَعَ بشر والمكفرون لَهُ فِيهَا هم الْكَفَرَة وَنحن نكفر بشرا فى أُمُور شعواها كَذَا كل وَاحِد مِنْهَا بِدعَة شنعاء أَولهَا قَول بشر بَان الله تَعَالَى مَا والى مُؤمنا فى حَال إيمَانه وَلَا عادى كَافِرًا فى حَال كفره وَيجب تكفيره فى هَذَا على قَول جَمِيع الامة اما على قَول أَصْحَابنَا فلأنا نقُول إِن الله تَعَالَى لم يزل مواليا لمن علم أَنه يكون وليا لَهُ اذا وجد ومعاديا لمن علم اذا وجد كفر وَمَات على كفره يكون معاديا لَهُ قبل كفره وفى حَال كفره وَبعد مَوته واما على اصول الْمُعْتَزلَة غير بشر فلأنهم قَالُوا ان الله لم يكن مواليا لَاحَدَّ قبل وجود الطَّاعَة مِنْهُ فَكَانَ فى حَال وجود طَاعَته مواليا لَهُ وَكَانَ معاديا للْكَافِرِ فى حَال وجود الْكفْر مِنْهُ فَإِن ارْتَدَّ الْمُؤمن صَار الله تَعَالَى معاديا لَهُ بعد ان كَانَ مواليا لَهُ عِنْدهم وَزعم بشر أَن الله تَعَالَى لَا يكون مواليا للمطيع فى حَال وجود طَاعَته وَلَا معاديا للْكَافِرِ فى حَال وجود كفره وانما يوالى الْمُطِيع فى الْحَالة الثَّانِيَة من وجود طَاعَته ويعادى الْكَافِر فى الْحَالة الثَّانِيَة من وجود كفره وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِأَن قَالَ لَو جَازَ ان يوالى الْمُطِيع فى حَال طَاعَته
стр. 142
وَجَاز ان يعادى الْكَافِر فى حَال وجود كفره لجَاز ان يثيب الْمُطِيع فى حَال طَاعَته ويعاقب الْكَافِر فى حَال كفره فَقَالَ اصحابنا لَو فعل ذَلِك لجَاز فَقَالَ لَو جَازَ ذَلِك لجَاز ان يمسخ الْكَافِر فى حَال كفره فَقُلْنَا لَهُ لَو فعل ذَلِك لجَاز
الفضيحة الثَّانِيَة من فضائح بشر إفراطه بالْقَوْل فى التولد حَتَّى زعم انه يَصح من الانسان ان يفعل الالوان والطعوم والروائح والرؤية والسمع وَسَائِر الادراكات على سَبِيل التولد اذا فعل اسبابها وَكَذَلِكَ قَوْله فى الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة وَقد كفره اصحابنا وَسَائِر الْمُعْتَزلَة فى دَعْوَاهُ ان الانسان قد يخترع الألوان والطعوم والروائح والادراكات
الفضيحة الثَّالِثَة من فضائحه قَوْله بِأَن الله تَعَالَى قد يغْفر للانسان ذنُوبه ثمَّ يعود فِيمَا غفر لَهُ فيعذبه عَلَيْهِ اذا عَاد الى مَعْصِيَته فَسئلَ على هَذَا عَن كَافِر تَابَ عَن كفره ثمَّ شرب الْخمر بعد تَوْبَته عَن كفره من غير استحلال مِنْهُ للخمر وغامضه الْمَوْت قبل تَوْبَته عَن شرب الْخمر هَل يعذبه الله تَعَالَى فِي الْقيمَة على الْكفْر الذى قد تَابَ مِنْهُ فَقَالَ نعم فَقيل لَهُ يجب على هَذَا أَن يكون عَذَاب من هُوَ على مِلَّة الاسلام مثل عَذَاب الْكَافِر فالتزم ذَلِك
الفضيحة الرَّابِعَة من فضائحه قَوْله بِأَن الله تَعَالَى يقدر على ان
стр. 143
يعذب الطِّفْل ظَالِما لَهُ فى تعذيبه اياه فانه لَو فعل ذَلِك لَكَانَ الطِّفْل بَالغا عَاقِلا مُسْتَحقّا للعذاب وَهَذَا فى التَّقْدِير كَأَنَّهُ يَقُول ان الله تَعَالَى قَادر على ان يظلم وَلَو ظلم لَكَانَ بذلك الظُّلم عادلا واول هَذَا الْكَلَام ينْقض آخِره وأصحابنا يَقُولُونَ ان الله تَعَالَى قَادر على تَعْذِيب الطِّفْل وَلَو فعل ذَلِك كَانَ عدلا مِنْهُ فَلَا يُنَاقض قَوْلهم فى هَذَا الْبَاب وَقَوله بشر فِيهِ متناقض
الفضيحة الْخَامِسَة من فضائحه قَوْله بَان الْحَرَكَة تحصل وَلَيْسَ بالجسم فى الْمَكَان الاول وَلَا فى الْمَكَان الثانى وَلَكِن الْجِسْم يَتَحَرَّك بِهِ من الاول الى الثانى وَهَذَا قَول غير مَعْقُول فى نَفسه وَاخْتلف المتكلمون قبله فى الْحَرَكَة هَل هُوَ معنى أم لَا فنفاها بقاة الاعراض وَاخْتلف الَّذين اثبتوا الاعراض فى وَقت وجود الْحَرَكَة فَمنهمْ من زعم انها تُوجد فى الْجِسْم وَهُوَ فى الْمَكَان الأولى فَينْتَقل بهَا عَن الاول الى الثَّانِي وَبِه قَالَ النظام وَأَبُو شمر الممرجئ وَمِنْهُم من قَالَ ان الْحَرَكَة تحصل فى الْجِسْم وَهُوَ فِي الْمَكَان الثانى لانها اول كَون فى الْمَكَان الثانى وَهَذَا قَول ابى الْهُذيْل والجبائي وَابْنه أبي هَاشم وَبِه قَالَ شَيخنَا ابو الْحسن الاشعرى ﵀ وَمِنْهُم من قَالَ ان الْحَرَكَة كونان فى مكانين احدهما يُوجد فى المتحرك وَهُوَ فى الْمَكَان الاول والثانى يُوجد فِيهِ وَهُوَ فى الْمَكَان الثانى وَهَذَا قَول
стр. 144
الروندى وَبِه قَالَ شَيخنَا ابو الْعَبَّاس القلانسى وَقد خرج قَول بشر بن الْمُعْتَمِر عَن هَذِه الاقوال بِدَعْوَاهُ ان الْحَرَكَة تحصل وَلَيْسَ الْجِسْم فى الْمَكَان الاول وَلَا فى الثانى مَعَ علمنَا بِأَنَّهُ لَا وَاسِطَة بَين حالى كَونه فى الْمَكَان الاول وَكَونه فى الْمَكَان الثانى وَقَوله هَذَا غير مَعْقُول لَهُ فَكيف يكون معقولا لغيره
ذكر الهشامية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع هِشَام بن عَمْرو القوطى وفضائحه بعد ضلالته بِالْقدرِ تترى مِنْهَا أَنه حرم على النَّاس أَن يَقُولُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل من جِهَة تَسْمِيَته بالوكيل وَقد نطق الْقُرْآن بِهَذَا الِاسْم لله تَعَالَى وَذكر ذَلِك فى السّنة الْوَارِدَة فى تِسْعَة وَتِسْعين اسْما من الله تَعَالَى فاذا لم يجز اطلاق هَذَا الِاسْم على الله تَعَالَى مَعَ نزُول الْقُرْآن بِهِ وَمَعَ وُرُود السّنة الصَّحِيحَة بِهِ فأى اسْم بعده يُطلق عَلَيْهِ وَقد كَانَ اصحابنا يتعجبون من الْمُعْتَزلَة البصرية فى اطلاقها على الله من الاسماء مالم يذكر فى الْقُرْآن وَالسّنة اذا دلّ عَلَيْهِ الْقيَاس وَزَاد هَذَا التَّعَجُّب بِمَنْع القوطى عَن اطلاق الله تَعَالَى بِمَا قد نطق بِهِ الْقُرْآن وَالسّنة وَاعْتذر الْخياط عَن القوطى بِأَن قَالَ ان هشاما كَانَ يَقُول حَسبنَا الله وَنعم المتَوَكل بَدَلا من الْوَكِيل وَزعم ان وَكيلا يقتضى موكلا فَوْقه وَهَذَا من عَلَامَات جهل هِشَام والمعتذر عَنهُ
стр. 145
بمعانى الاسماء فى اللُّغَة وَذَلِكَ ان الْوَكِيل فى اللُّغَة بِمَعْنى الكافى لانه يكفى مُوكله أَمر مَا وَكله فِيهِ وَهَذَا معنى قَوْلهم حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل وَمعنى حَسبنَا كافينا وواجب ان يكون مَا بعد نعم مُوَافقا لما قبله كَقَوْل الْقَائِل الله رازقنا وَنعم الرازق وَلَا يُقَال الله رازقنا وَنعم الغافر وَلِأَن الله تَعَالَى قَالَ وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه أى كافيه وَقد يكون الْوَكِيل ايضا بِمَعْنى الحفيظ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿قل لست عَلَيْكُم بوكيل﴾ اى حفيظ وَيُقَال فى نقيض الحفيظ رجل وكل ووكل اي بليد والوكال البلادة واذا كَانَ الْوَكِيل بِمَعْنى الحفيظ وَكَانَ الله كَافِيا وحفيظا لم يكن للْمَنْع من إِطْلَاق الْوَكِيل فى اسمائه معنى وَالْعجب من هِشَام فى انه أجَاز ان يكْتب لله هَذَا الِاسْم وان يقْرَأ بِهِ الْقُرْآن وَلم يجز أَن يدعى بِهِ فى غير قِرَاءَة الْقُرْآن
الفضيحة الثَّانِيَة من فضائح القوطى امْتِنَاعه من اطلاق كثير مِمَّا نطق بِهِ الْقُرْآن فَمنع النَّاس من ان يَقُولُوا ان الله تَعَالَى الف بَين قُلُوب الْمُؤمنِينَ وأضل الْفَاسِقين وَهَذَا عناد مِنْهُ لقَوْل الله ﴿لَو أنفقت مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مَا ألفت بَين قُلُوبهم وَلَكِن الله ألف بَينهم﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿ويضل الله الظَّالِمين﴾ وَقَوله ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾
следующие страницы →