Полный текст (353 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أخى مرداس فَقَالَ لَهُ يَا عَدو الله أَشرت على اخيك مرداس بالاستعراض للنَّاس فقد انتقم الله تَعَالَى للنَّاس مِنْك وَمن أَخِيك ثمَّ أَمر بِهِ فَقطعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وصلبه فَلَمَّا قتل مرداس اتَّخذت الصفرية عمرَان بن حطَّان إِمَامًا وَهُوَ الذى رثى مرداسا بقصائد يَقُول فِي بَعْضهَا ... أنْكرت بعْدك مَا قد كنت اعرفه
مَا النَّاس بعْدك يَا مرداس بِالنَّاسِ ...
وَكَانَ عمرَان بن حطَّان هَذَا ناسكا شَاعِرًا شَدِيدا فِي مَذْهَب الصفرية وَبلغ من خبثة فِي غَزْوَة على ﵁ أَنه رثى عبد الرَّحْمَن بن ملجم وَقَالَ فِي ضربه عليا ... يَا ضَرْبَة من منيب مَا أَرَادَ بهَا
الا ليبلغ قردى الْعَرْش رضوانا ... إنى لأذكره يَوْمًا فأحسبه
أَو فِي الْبَريَّة عِنْد الله ميزانا ...
قَالَ عبد القاهر وَقد أجبناه عَن شعره هَذَا بقولنَا ... يَا ضَرْبَة من كفور مَا اسْتَفَادَ بهَا
إِلَّا الجداء بِمَا يصليه نيرانا ... إنى لألعنه دينا وألعن من
يَرْجُو لَهُ أبدا عفوا وغفرانا ... وَذَاكَ ابْن ملجم أشفى النَّاس كلهم
أخفهم عِنْد رب النَّاس ميزانا ...
ذكر العجاردة من الْخَوَارِج العجاردة كلهَا أَتبَاع عبد الْكَرِيم بن عجرد وَكَانَ عبد الْكَرِيم من اتِّبَاع عطيه بن الاسود الحنفى وَقد كَانَت العجاردة مفترقة عشر فرق يجمعها
стр. 72
القَوْل بِأَن الطِّفْل يدعى إِذا بلغ وَتجب الْبَرَاءَة مِنْهُ قبل ذَلِك حَتَّى يدعى الى الاسلام أَو يصفه هُوَ وفارقوا الازارقة فِي شَيْء آخر وَهُوَ ان الازارقة استحلت أَمْوَال مخالفيهم بِكُل حَال والعجاردة لَا يرَوْنَ أَمْوَال مخالفيهم فَيْئا الا بعد قتل صَاحبه فَكَانَت العجاردة على هَذِه الْجُمْلَة الى ان افْتَرَقت فرقها الَّتِى نذكرها بعد هَذَا
ذكر الخازمية مِنْهُم هَؤُلَاءِ أَكثر عجاردة سجستان وَقد قَالُوا فِي بَاب الْقدر والاستطاعة والمشيئة بقول أهل السّنة أَن لَا خَالق إِلَّا الله وَلَا يكون إِلَّا مَا شَاءَ الله وَأَن الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل وأكفر والميمونية الَّذين قَالُوا فِي بَاب الْقدر والاستطاعة بقول الْقَدَرِيَّة الْمُعْتَزلَة عَن الْحق ثمَّ إِن الخازمية خالفوا أَكثر الْخَوَارِج فِي الْولَايَة والعداوة وَقَالُوا انهما صفتان لله تَعَالَى وَإِن الله إِنَّمَا يتَوَلَّى العَبْد على مَا هُوَ صائر اليه من الايمان وَإِن كَانَ فِي أَكثر عمره كَافِرًا وَيرى مِنْهُ مَا يصير اليه من الْكفْر فى آخر عمره وَإِن كَانَ فى أَكثر عمره مُؤمنا وان الله تَعَالَى لم يزل محبا لأوليائه ومبغضا لأعدائه وَهَذَا القَوْل مِنْهُم مُوَافقا لقَوْل أهل السّنة فى الموافاة غير ان أهل السّنة ألزموا الخازمية على قَوْلهَا بالموافاة ان يكون على وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعُثْمَان من أهل الْجنَّة لانهم من أهل بيعَة الرضْوَان الَّذين قَالَ الله تَعَالَى
стр. 73
فيهم ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ وَقَالُوا لَهُم اذا كَانَ الرِّضَا من الله تَعَالَى عَن العَبْد انما يكون على علم انه يَمُوت على الايمان وَجب ان يكون المبايعون تَحت الشَّجَرَة على هَذِه الصّفة وَكَانَ على وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر مِنْهُم وَكَانَ عُثْمَان يَوْمئِذٍ أَسِيرًا فَبَايع لَهُ النَّبِي ﷺ وَجعل يَده بَدَلا عَن يَده وَصَحَّ بِهَذَا بطلَان قَول من أكفر هَؤُلَاءِ الاربعة ذكر الشعيبية مِنْهُم قَول هَؤُلَاءِ فى بَاب الْقدر والاستطاعة والمشيئة كَقَوْل الخازمية وانما ظهر ذكر الشعيبية حِين نَازع زعيمهم الْمَعْرُوف بشعيب رجلا من الْخَوَارِج اسْمه مَيْمُون وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَنه كَانَ لميمون على شُعَيْب مَال فتقاضاه فَقَالَ لَهُ شُعَيْب أعطيكه ان شَاءَ الله فَقَالَ لَهُ مَيْمُون قد شَاءَ الله ذَلِك السَّاعَة فَقَالَ شُعَيْب لَو كَانَ قد شَاءَ ذَلِك لم استطع أَلا اعطيكه فَقَالَ مَيْمُون قد أَمرك الله بذلك وكل مَا أَمر بِهِ فقد شاءه وَمَا لم يَشَأْ لم يَأْمر بِهِ فافترقت العجاردة عِنْد ذَلِك فتبع قوم شعيبا وَتبع آخَرُونَ ميمونا وَكَتَبُوا فِي ذَلِك الى عبد الْكَرِيم بن عجرد وَهُوَ يَوْمئِذٍ فِي حبس السُّلْطَان فَكتب فِي جوابهم إِنَّمَا نقُول مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَلَا نلحق بِاللَّه سَوَاء فوصل الْجَواب اليهم بعد موت ابْن عجرد وَادّعى مَيْمُون
стр. 74
أَنه قَالَ بقوله لِأَنَّهُ قَالَ لَا نلحق بِاللَّه سوءا وَقَالَ شُعَيْب بل قَالَ بقولى لِأَنَّهُ قَالَ نقُول مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن ومالت الخازمية وَأكْثر العجاردة الى شُعَيْب ومالت الحمزية مَعَ الْقَدَرِيَّة الى مَيْمُون ثمَّ زَادَت الميمونية على كفرها فِي الْقدر نوعا من الْمَجُوسِيَّة فأباحوا نِكَاح بَنَات الْبَنَات وَبَنَات الْبَنِينَ وَرَأَوا قتال السُّلْطَان وَمن رَضِي بِحكمِهِ فرضا فَأَما من أنكرهُ فَلَا يرَوْنَ قَتله إِلَّا اذا أغار عَلَيْهِم أَو طعن فِي دينهم أَو كَانَ دَلِيلا للسُّلْطَان وَسَنذكر الميمونية فِي جملَة فرق الغلاة الخارجين عَن الْملَّة فِي بَاب بعد هَذَا إِن شَاءَ الله وَقد كَانَ من جملَة الميمونة رجل يُقَال لَهُ خلف ثمَّ أَنه خَالف الميمونية فِي الْقدر والاستطاعة والمشيئة وَقَالَ فِي هَذِه الثَّلَاثَة بقول أهل السّنة وَتَبعهُ على ذَلِك خوارج كرمان ومكران فَيُقَال لَهُم الخلفية وهم الَّذين قَاتلُوا حَمْزَة ابْن اكرك الخارجى فِي أَرض كرمان ذكر الخلفية مِنْهُم هم أَتبَاع خلف الذى قَاتل حَمْزَة الخارجى والخلفية لَا يرَوْنَ الْقِتَال إِلَّا مَعَ إِمَام مِنْهُم وَقد كفوا أَيْديهم عَن الْقِتَال لفقدهم من يصلح للْإِمَامَة مِنْهُم وَصَارَت الخلفية الى قَول الْأزَارِقَة فِي شىء وَاحِد وَهُوَ دَعوَاهُم أَن أَطْفَال مخالفيهم فِي النَّار
стр. 75
ذكر المعلومية والمجهولية مِنْهُم هَاتَانِ فرقتان من جملَة الخازمية ثمَّ أَن المعلومية مِنْهُمَا خَالَفت سلفها فِي شَيْئَيْنِ أَحدهمَا دَعْوَاهَا أَن من لم يعرف الله تَعَالَى بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ فَهُوَ جَاهِل بِهِ وَالْجَاهِل بِهِ كَافِر والثانى أَنهم قَالُوا إِن أَفعَال الْعباد غير مخلوقة لله تَعَالَى وَلَكنهُمْ قَالُوا فِي الِاسْتِطَاعَة والمشيئة بقول اهل السّنة فى أَن الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل وَأَنه لَا يكون إِلَّا مَا شَاءَ الله وَهَذِه الْفرْقَة تدعى إِمَامَة من كَانَ على دينهَا وَخرج بسيفة على اعدائه من غير بَرَاءَة فهم عَن الْقعدَة عَنْهُم وَأما المجهولية مِنْهُم فَقَوْلهم كَقَوْل المعلومية غير أَنهم قَالُوا من عرف الله بِبَعْض اسمائه فقد عرفه وأكفروا المعلومية مِنْهُم فِي هَذَا الْبَاب
ذكر الصلتية مِنْهُم هَؤُلَاءِ منسوبون الى صلت بن عُثْمَان وَقيل صلت بن أَبى الصَّلْت وَكَانَ من العجاردة غير أَنه قَالَ إِذا اسْتَجَابَ لنا الرجل وَأسلم توليناه وبرئنا من أطفاله لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُم إِسْلَام حَتَّى يدركوا فَيدعونَ حِينَئِذٍ الى الاسلام فيقبلونه وبازاء هَذِه الْفرْقَة فرقة اخرى وهى التَّاسِعَة من العجاردة زَعَمُوا أَنه لَيْسَ لأطفال الْمُؤمنِينَ وَلَا لأطفال الْمُشْركين ولَايَة وَلَا عَدَاوَة حَتَّى يدركوا فيدعوا الى الاسلام فيقبلوا اَوْ ينكروا
ذكر الحمزية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع حَمْزَة بن أكرك الَّذِي
стр. 76
عاث سجستان وخراسان ومكران وقهستان وكرمان وَهزمَ الجيوش الْكَثِيرَة وَكَانَ فِي الاصل من العجاردة الخازمية ثمَّ خالفهم فِي بَاب الْقدر والاستطاعة فَقَالَ فِيهَا بقول الْقَدَرِيَّة فأكفرته الخازمية فِي ذَلِك ثمَّ زعم مَعَ ذَلِك أَن أَطْفَال الْمُشْركين فِي النَّار فأكفرته الْقَدَرِيَّة فِي ذَلِك ثمَّ إِنَّه والى الْقعدَة من الخوراج مَعَ قَوْله بتكفير من لَا يُوَافقهُ على قتال مخالفيه من فرق هَذِه الامة مَعَ قَوْله بِأَنَّهُم مشركون وَكَانَ اذا قَاتل قوما وَهَزَمَهُمْ أَمر باحراق أَمْوَالهم وَعقد دوابهم وَكَانَ مَعَ ذَلِك يقتل الاسراء من مخالفيهم وَكَانَ ظُهُوره فِي أَيَّام هَارُون الرشيد فى سنة تسع وَسبعين وَمِائَة وبقى النَّاس فِي فتنته الى أَن مضى صدر من أَيَّام خلَافَة الْمَأْمُون وَلما استولى على بعض الْبلدَانِ جعل قاضيه أَبَا يحيى يُوسُف بن بشار وَصَاحب جَيْشه رجلا اسْمه جيويه بن معبد وَصَاحب حرسه عَمْرو بن صاعد وَكَانَ مَعَه جمَاعَة من شعراء الْخَوَارِج كطلحة بن فَهد وأبى الجلندى وأقرانهم وَبَدَأَ بِقِتَال البيهسية من الْخَوَارِج وَقتل الْكثير مِنْهُم فَسَموهُ عِنْد ذَلِك أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقَالَ الشَّاعِر طَلْحَة بن فَهد فِي ذَلِك ... أَمِير الْمُؤمنِينَ على رشاد
وَغير هِدَايَة نعم الْأَمِير ... امير يفضل الامراء فضلا
كَمَا فضل السها الْقَمَر الْمُنِير ...
стр. 77
ثمَّ ان حَمْزَة أسرى سَرِيَّة الى الخازمية من الْخَوَارِج بِنَاحِيَة فلجرد فَقتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة ثمَّ قصد بِنَفسِهِ هراة فَمَنعه اهلها من دُخُولهَا فاستعرض النَّاس خَارج الْمَدِينَة وَقتل مِنْهُم الْكثير فَخرج اليه عَمْرو بن يزِيد الازدى وَهُوَ يَوْمئِذٍ والى هراة مَعَ جنده فدامت الْحَرْب بَينهم شهورا وَقتل من ارْض هراة جمَاعَة وَقتل من أَصْحَاب هَيْصَم الشاري وَكَانَ دَاعِيَة حَمْزَة يَدْعُو النَّاس الى ضلالته ثمَّ أغار حَمْزَة على كروخ من رستاق هراة واحرق أَمْوَالهم وعقر أَشْجَارهم ثمَّ حَارب عَمْرو بن يزِيد الأزدى بِقرب بوشبخ وَقتل عمر ثمَّ انتصب على بن عِيسَى بن هاديان وَهُوَ يَوْمئِذٍ والى خُرَاسَان لِحَرْب حَمْزَة فَانْهَزَمَ مِنْهُ الى ارْض سجستان بعد ان قتل من قواده سِتُّونَ رجلا سوى اتِّبَاعه فَلَمَّا وصل الى سجستان مَنعه أهل زرنخ عَن دُخُول الْبَلَد فاستعرض النَّاس بِالسَّيْفِ فِي صحراء الْبَلَد ثمَّ تنكر لأهل زرنخ بَان ألبس أَصْحَابه السوَاد يوهمهم انهم أَصْحَاب السُّلْطَان وَأَنْذرهُمْ بذلك مُنْذر فمنعوه من دُخُول الْبَلدة فعقر نَخْلهمْ فِي سوادهم وَقتل المجتازين فى صحاريهم ثمَّ قصد نهر شُعْبَة وَقتل بهَا الْكثير من الْخَوَارِج الخلفية وعقر اشجارهم وأحرق أَمْوَالهم وَانْهَزَمَ مِنْهُ رَئِيس للخلفية اسْمه مَسْعُود بن قيس وَعبر فى هزيمته وَاديا وغرق فِيهِ وَشك أَتْبَاعه فِي مَوته وهم ينتظرونه الى
стр. 78
الْيَوْم ثمَّ رَجَعَ حَمْزَة من كرمان وأغار فِي طَرِيقه على رستاق بست من رساتيق نيسابور وَكَانَ بهَا قوم من الْخَوَارِج الثعالبة فَقَتلهُمْ حَمْزَة ودامت فتْنَة بخراسان وكرمان وقهستان وسجستان الى آخر ايام الرشيد وَصدر من خلَافَة الْمَأْمُون لاشتغال حند أَكثر خُرَاسَان بِقِتَال رَافع بن لَيْث بن نصر بن سيان على بَاب سَمَرْقَنْد فَلَمَّا تمكن الْمَأْمُون من الْخلَافَة كتب الى حَمْزَة كتابا استدعاه فِيهِ الى طَاعَته فَمَا ازْدَادَ الا عتوا فِي امْرَهْ فَبعث الْمَأْمُون بطاهر بن الْحُسَيْن لقِتَال حَمْزَة فدارت بَين طَاهِر وَحَمْزَة حروب قتل فِيهَا من الْفَرِيقَيْنِ مِقْدَار ثَلَاثِينَ ألفا أَكْثَرهم من اتِّبَاع حَمْزَة وَانْهَزَمَ فِيهَا حَمْزَة الى كرمان وأتى طَاهِر على الْقعدَة عَن حَمْزَة مِمَّن كَانَ على رَأْيه وظفر بثلثمائة مِنْهُم فَأمر بشد كل رجل مِنْهُم بالحبال بَين شجرتين قد جذبت رُؤُوس بَعْضهَا الى بعض ثمَّ قطع الرجل بَين الشجرتين فَرَجَعت كل وَاحِدَة من الشجرتين بِالنِّصْفِ من بدن المشدود عَلَيْهَا ثمَّ ان الْمَأْمُون استدعى طَاهِر بن الْحُسَيْن من خُرَاسَان وَبعث بِهِ الى منصبه فطمع حَمْزَة فِي خُرَاسَان فَأقبل فى جَيْشه من كرمان فَخرج اليه عبد الرَّحْمَن النيسابورى فِي عشْرين الف رجل من غزَاة نيسابور ونواحيها فهزموا حَمْزَة باذن الله وَقتلُوا الالوف من أَصْحَابه وانفلت مِنْهُم حَمْزَة جريحا وَمَات فِي هزيمته
стр. 79
هَذِه وأراح الله مِنْهُ وَمن أَتْبَاعه الْعباد بعد ذَلِك وَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة الَّتِى هلك بعْدهَا حَمْزَة الخارجى القدرى من مفاخر اهل نيسابور وَالْحَمْد لله على ذَلِك
ذكر الثعالبة مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع ثَعْلَبَة بن مشكان والثعالبة تدعى إِمَامَته بعد عبد الْكَرِيم بن عجرد وَيَزْعُم أَن عبد الْكَرِيم بن عجرد كَانَ إِمَامًا قيل أَن خَالفه ثَعْلَبَة فِي حكم الاطفال فَلَمَّا اخْتلفَا فِي ذَلِك كفر بن عجرد وَصَارَ ثَعْلَبَة إِمَامًا وَالسَّبَب فِي اخْتِلَافهمَا أَن رجلا من العجاردة خطب الى ثَعْلَبَة بنته فَقَالَ لَهُ بَين مهرهَا فَأرْسل الْخَاطِب امْرَأَة الى ام تِلْكَ الْبِنْت يسْأَلهَا هَل بلغت الْبِنْت فَإِن كَانَت قد بلغت ووصفت الاسلام على الشَّرْط الذى تعتبره العجاردة لم يبال كم كَانَ مهرهَا فَقَالَت امها هى مسلمة فِي الْولَايَة بلغت أم لم تبلغ فاخبر بذلك عبد الْكَرِيم بن عجرد وثعلبة بن مشكان فَاخْتَارَ عبد الْكَرِيم الْبَرَاءَة من الاطفال قبل الْبلُوغ وَقَالَ ثَعْلَبَة نَحن على ولايتهم صغَارًا وكبارا الى أَن يبين لنا مِنْهُم إِنْكَار للحق فَلَمَّا اخْتلفَا فِي ذَلِك برىء كل وَاحِد مِنْهُمَا من صَاحبه وَصَارَ أَتبَاع كل وَاحِد مِنْهُمَا فرقا وَقد ذكرنَا فرق العجاردة قبل هَذَا وَصَارَت الثعالبة بعد ذَلِك سِتّ فرق فرقة أَقَامَت على إِمَامَة ثَعْلَبَة وَلم تقل بإمامة أحد بعده وَلم يكترثوا لما ظهر فيهم من خلاف الاخنسية والمعبدية
стр. 80
ذكر المعبدية مِنْهُم والفرقة الثَّانِيَة مِنْهُم معبدية قَالَت بإمامة رجل مِنْهُم بعد ثَعْلَبَة اسْمه معبد خَالف جُمْهُور الثعالبة فى أَخذ الزَّكَاة من العبيد العبيد فى إعطائهم مِنْهَا واكفر من لم يقل بذلك وأكفره سَائِر الثعالبة فِي قَوْله
الأخنسية والفرقة الثَّالِثَة مِنْهُم الاخنسية اتِّبَاع رجل مِنْهُم كَانَ يعرف بالأخنس وَكَانَ فِي بَدْء أمره على قَول الثعالبة فِي مُوالَاة الْأَطْفَال ثمَّ خنس من بَينهم فَقَالَ يجب علينا ان نتوقف عَن جَمِيع من فى دَار التقية الا من عرفنَا مِنْهُ ايمانا فنوليه عَلَيْهِ اَوْ كفرا فبرئنا مِنْهُ وَقَالُوا بِتَحْرِيم الْقَتْل والاغتيال فِي السروان يبْدَأ أحد من أهل الْقبْلَة بِقِتَال حَتَّى يدعى إِلَّا من عرفوه بِعَيْنِه وَصَارَ لَهُ تبع على هَذَا القَوْل وبرىء من سَائِر الثعالبة وبرىءمنه سَائِرهمْ
الشيبانية مِنْهُم والفرقة الرَّابِعَة من الثعالبة شيبانية هم اتِّبَاع شَيبَان بن سَلمَة الخارجى الذى خرج فِي ايام أَبى مُسلم صَاحب دولة بنى الْعَبَّاس وأعان أَبَا مُسلم على أعدائه فى حروبه وَكَانَ مَعَ ذَلِك يَقُول بتشبيه الله سُبْحَانَهُ لخلقه فأكفره سَائِر الثعالبة مَعَ أهل السّنة فِي قَوْله بالتشبيه وأكفرته الْخَوَارِج كلهَا فِي معاونته أَبَا مُسلم وَالَّذين أكفروه من الثعالبة يُقَال لَهُم زيادية أَصْحَاب زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن والشيبانية يَزْعمُونَ أَن شَيبَان
стр. 81
تَابَ من ذنُوبه وَقَالَت الزيادية إِن ذنُوبه كَانَ مِنْهَا مظالم الْعباد الَّتِى لَا تسْقط بِالتَّوْبَةِ وَأَنه أعَان أَبَا مُسلم على قِتَاله مَعَ الثعالبة كَمَا أَعَانَهُ على قِتَاله مَعَ بنى أُميَّة
ذكر الرشيدية مِنْهُم والفرقة الْخَامِسَة من الثعالبة يُقَال لَهُم رشيدية نسبوا الى رجل اسْمه رشيد وانفردوا بِأَن قَالُوا فِيمَا سقى بالعيون والانهار الْجَارِيَة نصف الْعشْر وَإِنَّمَا يجب الْعشْر الْكَامِل فِيمَا سقته السَّمَاء فَحسب وَخَالفهُم زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن فَأوجب فِيمَا سقى بالعيون والأنهار الْجَارِيَة الْعشْر الْكَامِل
ذكر المكرمية مِنْهُم والفرقة الثَّالِثَة من الثعالبة يُقَال لَهُم المكرمية اتِّبَاع أَبى مكرم زَعَمُوا ان تَارِك الصَّلَاة كَافِر لَا لاجل ترك الصَّلَاة لَكِن لجهله بِاللَّه وَزَعَمُوا ان كل ذِي ذَنْب جَاهِل بِاللَّه وَالْجهل بِاللَّه كفر وَقَالُوا ايضا بالموافاة فِي الْولَايَة والعداء فَهَذَا بَيَان فرق الثعالبة وَبَيَان اقوالها
ذكر الاباضية وفرقها أَجمعت الاباضية على القَوْل بامامة عبد الله بن أباض وافترقت فِيمَا بَينهَا فرقا يجمعها القَوْل بِأَن كفار هَذِه الامة يعنون بذلك مخالفيهم من هَذِه الامة برَاء من الشّرك وَالْإِيمَان وانهم لَيْسُوا مُؤمنين وَلَا مُشْرِكين وَلَكنهُمْ كفار وأجازوا شَهَادَتهم وحرموا دِمَاءَهُمْ فِي السِّرّ واستحلوها
стр. 82
فى الْعَلَانِيَة وصححوا منا كحنهم والتوارث مِنْهُم وَزَعَمُوا انهم فِي ذَلِك محاربون لله وَلِرَسُولِهِ لَا يدينون دين الْحق وَقَالُوا باستحلال بعض اموالهم دون بعض والذى اسْتَحَلُّوهُ الْخَيل وَالسِّلَاح فَأَما الذَّهَب وَالْفِضَّة فانهم يردونهما على أصحابهما عِنْد الْغَنِيمَة ثمَّ افْتَرَقت الاباضية فِيمَا بَينهم أَربع فرق وهى الحفصية والحارثية واليزيدية وَأَصْحَاب طَاعَة لَا يُرَاد الله بهَا واليزيدية مِنْهُم غلاة لقَولهم بنسخ شَرِيعَة الاسلام فِي آخر الزَّمَان وسنذكرهم فِي بَاب فرق الغلاة المنتسبين الى الاسلام بعد هَذَا وانما نذْكر فِي هَذَا الْبَاب الحفصية والحارثية وَأَصْحَاب طَاعَة لَا يُرَاد الله بهَا
ذكر الحفصية مِنْهُم هَؤُلَاءِ قَالُوا بامامة حَفْص بن أبي الْمِقْدَام وَهُوَ الذى زعم أَن بَين الشّرك والايمان معرفَة الله تَعَالَى وَحدهَا فَمن عرفه ثمَّ كفر بِمَا سواهُ من رَسُول اَوْ جنَّة اَوْ نَار اَوْ عمل بِجَمِيعِ الْمُحرمَات من قتل النَّفس وَاسْتِحْلَال الزِّنَا وَسَائِر الْمُحرمَات فَهُوَ كَافِر برىء من الشّرك وَمن جهل بِاللَّه تَعَالَى وَأنْكرهُ فَهُوَ مُشْرك وَتَأَول هَؤُلَاءِ فى عُثْمَان بن عَفَّان مثل تَأَول الرافضة فِي ابى بكر وَعمر وَزَعَمُوا ان عليا هُوَ الذى انْزِلْ الله تَعَالَى فِيهِ ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيشْهد الله على مَا فِي قلبه وَهُوَ أَلد الْخِصَام﴾
стр. 83
وَأَن عبد الرَّحْمَن بن ملجم هُوَ الذى أنزل الله فِيهِ ﴿وَمن النَّاس من يشري نَفسه ابْتِغَاء مرضات الله﴾ ثمَّ قَالُوا بعد هَذَا كُله ان الْإِيمَان بالكتب وَالرسل مُتَّصِل بتوحيد الله فَمن كفر بذلك فقد اشرك بِاللَّه وَهَذَا نقيض قَوْلهم إِن الْفَصْل بَين الشّرك والايمان معرفَة الله تَعَالَى وَحده وَأَن من عرفه فقد برىء من الشّرك وَإِن كفر بِمَا سواهُ من رَسُول اَوْ جنَّة أَو نَار فَصَارَ قَوْلهم فِي هَذَا الْبَاب متناقضا
ذكر الحارثية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع حَارِث بن مزِيد الأباضي وهم الَّذين قَالُوا فِي بَاب الْقدر بِمثل قَول الْمُعْتَزلَة وَزَعَمُوا ايضا أَن الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل وأكفرهم سَائِر الأباضية فِي ذَلِك لَان جمهورهم على قَول أهل السّنة فى ان الله تَعَالَى خَالق أَعمال الْعباد وفى أَن الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل وَزَعَمت الحارثية انه لم يكن لَهُم إِمَام بعد المحكمة الاولى إِلَّا عبد الله بن أباضى وَبعده حَارِث ابْن مزِيد الاباضى
ذكر اصحاب طَاعَة لَا يُرَاد الله بهَا زعم هَؤُلَاءِ أَنه يَصح وجود طاعات كَثِيرَة مِمَّن لَا يُرِيد الله تَعَالَى بهَا كَمَا قَالَه ابو الهزيل وَأَتْبَاعه من الْقَدَرِيَّة وَقَالَ أَصْحَابنَا أَن ذَلِك لَا يَصح إِلَّا فِي طَاعَة وَاحِدَة وَهُوَ النّظر الاول فَإِن صَاحبه اذا استذل بِهِ كَانَ
стр. 84
مُطيعًا لله تَعَالَى فِي فعله وَإِن لم يقْصد بِهِ التَّقَرُّب الى الله تَعَالَى لِاسْتِحَالَة تقربه اليه قبل مَعْرفَته فاذا عرف الله تَعَالَى فَلَا يَصح مِنْهُ بعد مَعْرفَته طَاعَة مِنْهُ لله تَعَالَى الا بعد قَصده التَّقَرُّب بهَا اليه وَزَعَمت الأباضية كلهَا أَن دور مخالفيهم من أهل مَكَّة دَار تَوْحِيد الا معسكر السُّلْطَان فَإِنَّهُ دَار بغى عِنْدهم وَاخْتلفُوا فِي النِّفَاق على ثَلَاثَة أَقْوَال فَقَالَ فريق مِنْهُم إِن النِّفَاق بَرَاءَة من الشّرك والايمان جَمِيعًا وَاحْتَجُّوا بقول الله فِي الْمُنَافِقين ﴿مذبذبين بَين ذَلِك لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ وَفرْقَة مِنْهُم قَالَت كل نفاق شرك لِأَنَّهُ يضاد التَّوْحِيد وَفرْقَة ثَالِثَة قَالَت لَا نزيل اسْم النِّفَاق عَن مَوْضِعه وَلَا نسمى بالنفاق غير الْقَوْم الَّذين سماهم الله تَعَالَى منافقين وَمن قَالَ مِنْهُم بِأَن الْمُنَافِق لَيْسَ بمشرك زعم أَن الْمُنَافِقين على عهد رَسُول الله ﷺ كَانُوا مُوَحِّدين وَكَانُوا أَصْحَاب كَبَائِر فَكَفرُوا وَإِن لم يدخلُوا فِي حد الشّرك قَالَ عبد القاهر بعد الْجُمْلَة الَّتِى حكيناها عَنْهُم شذوذ من الْأَقْوَال انفردوا بهَا مِنْهَا أَن فريقا مِنْهُم زَعَمُوا أَن لَا حجَّة لله تَعَالَى على الْخَلَائق فِي التحويد وَغَيره الا بالْخبر وَمَا يقوم مقَام الْخَبَر من إِشَارَة وايماء وَمِنْهَا أَن قوما مِنْهُم قَالُوا كل من دخل فى دين الاسلام وَجَبت عَلَيْهِ الشَّرَائِع والاحكام سَمعهَا أَو
стр. 85
عرفهَا أَو لم يسْمعهَا وَلم يعرفهَا وَقَالَ سَائِر الامة لَا يَأْثَم بترك مَا لم يقف عَلَيْهِ مِنْهَا إِلَّا أَن ثبتَتْ عَلَيْهِ الْحجَّة فِيهِ وَمِنْهَا أَن قوما مِنْهُم قَالُوا بِجَوَاز ان يبْعَث الله تَعَالَى الى خلقه رَسُولا بِلَا دَلِيل يدل على صَدَقَة وَمِنْهَا ان قوما مِنْهُم قَالُوا من ورد عَلَيْهِ الْخَبَر بِأَن الله تَعَالَى قد حرم الْخمر اَوْ ان الْقبْلَة قد حولت فَعَلَيهِ ان يعلم ان الذى أخبرهُ بِهِ مُؤمن اَوْ كَافِر وَعَلِيهِ ان يعلم ذَلِك بالْخبر وَلَيْسَ عَلَيْهِ ان يعلم أَن ذَلِك عَلَيْهِ بالْخبر وَمِنْهَا قَول بَعضهم لَيْسَ على النَّاس المشى الى الصَّلَاة وَلَا الرّكُوب والمسير لِلْحَجِّ وَلَا شَيْء من الاسباب الَّتِى يتَوَصَّل بهَا الى أَدَاء الْوَاجِب وانما يجب عَلَيْهِم فعل الطَّاعَات الْوَاجِبَة بِأَعْيَانِهَا دون اسبابها الموصلة اليها وَمِنْهَا قَوْلهم جَمِيعًا بِوُجُوب اسْتِتَابَة مخالفيهم فِي تَنْزِيل اَوْ تَأْوِيل فان تَابُوا والا قتلوا سَوَاء كَانَ ذَلِك الْخلاف فِيمَا يسع جَهله اَوْ فِيمَا لَا يسع جَهله وَقَالُوا من زنى اَوْ سرق أقيم عَلَيْهِ الْحَد ثمَّ استتيب فان تَابَ والا قتل وَقَالُوا ان الْعَالم يفنى كُله اذا افنى الله اهل التَّكْلِيف وَلَا يجوز الا ذَلِك لِأَنَّهُ انما خلقه لَهُم وأجازت الاباضية ٢ وُقُوع حكمين مُخْتَلفين فى شَيْء وَاحِد من وَجْهَيْن كمن دخل زرعا بِغَيْر إِذن مَالِكه فان الله قد نَهَاهُ عَن الْخُرُوج مِنْهُ اذا كَانَ خُرُوجه مِنْهُ مُفْسِدا للزَّرْع وَقد أمره بِهِ وَقَالُوا لَا يتبع الْمُدبر فِي الْحَرْب اذا
стр. 86
كَانَ من أهل الْقبْلَة وَكَانَ موحدا وَلَا نقبل مِنْهُم امْرَأَة وَلَا ذُرِّيَّة وأباحوا قتل المشبهه وَاتِّبَاع مدبرهم وسبى نِسَائِهِم وذراريهم وَقَالُوا ان هَذَا كَمَا فعله ابو بكر بِأَهْل الرِّدَّة وَقد كَانَ من الاباضية رجل يعرف بابراهيم دَعَا قوما من اهل مذهبَة الى دَاره وَأمر جَارِيَة لَهُ كَانَت على مذْهبه بِشَيْء فأبطأت عَلَيْهِ فَحلف ليبيعنها فِي الاعراب فَقَالَ لَهُ رجل مِنْهُم اسْمه مَيْمُون وَلَيْسَ هُوَ صَاحب الميمونية من العجاردة كَيفَ تبيع جَارِيَة مُؤمنَة الى الْكَفَرَة فَقَالَ لَهُ ابراهيم ان الله تَعَالَى قد أحل البيع وَقد مضى أَصْحَابنَا وهم يسْتَحلُّونَ ذَلِك فتبرأ مِنْهُم مَيْمُون وَتوقف آخَرُونَ مِنْهُم فى ذَلِك وَكَتَبُوا بذلك الى عُلَمَائهمْ فأجابوهم بِأَن بيعهَا حَلَال وَبِأَنَّهُ يُسْتَتَاب مَيْمُون ويستتاب من توقف فى ابراهيم فصاروا فِي هَذَا ثَلَاث فرق إبراهيمية وميمونية واقفة وَتبع إِبْرَاهِيم على إجَازَة هَذَا البيع قوم يُقَال لَهُم الضحاكية وأجازوا نِكَاح الْمسلمَة من كفار قَومهمْ فِي دَار التقية فَأَما فى دَار حكمهم فَلَا يسْتَحلُّونَ ذَلِك وَقوم مِنْهُم توقفوا فِي هَذِه الْمسلمَة وفى أَمر الزَّوْجَة وَقَالُوا ان مَاتَت لم نصل عَلَيْهَا وَلم نَأْخُذ مِيرَاثهَا لأَنا لَا نَدْرِي مَا حَالهَا وَتبع بعد هَؤُلَاءِ الإبراهيمية قوم يُقَال لَهُم البيهسية أَصْحَاب أَبى بيهس هَيْصَم بن عَامر قَالُوا ان ميمونا
стр. 87
كفر بِأَن حرم بيع الْأمة فِي دَار التقية من كفار قَومنَا وكفرت الواقفة بِأَن لم يعرفوا كفر مَيْمُون وصواب إِبْرَاهِيم وَكفر إِبْرَاهِيم بِأَن لم يتبرأ من أهل الْوَقْف قَالُوا وَذَلِكَ أَن الْوُقُوف بِمَا يسع على الْأَبدَان وانما الْوُقُوف على الحكم بِعَيْنِه مالم يُوَافقهُ أحد فاذا وَافقه أحد من الْمُسلمين لم يسع من حضر ذَلِك إِلَّا أَن يعرف من عرف الْحق ودان بِهِ وَمن أظهر الْبَاطِل ودان بِهِ ثمَّ ان البيهسية قَالَت ان من وَاقع ذَنبا لم نشْهد عَلَيْهِ بالْكفْر حَتَّى يرفع الى الوالى وَيحد وَلَا نُسَمِّيه قبل الرّفْع الى الوالى مُؤمنا وَلَا كَافِرًا وَقَالَ بعض البيهسية فاذا كفر الإِمَام كفرت الرّعية وَقَالَ بَعضهم كل شراب حَلَال الأَصْل مَوْضُوع عَمَّن سكر مِنْهُ كل مَا كَانَ مِنْهُ فِي السكر من ترك الصَّلَاة والشتم لله وَلَيْسَ فِيهِ حد وَلَا كفر مَا دَامَ فِي سكره وَقَالَ قوم من البيهسية يُقَال لَهُم العوفية السكر كفر اذا كَانَ مَعَه غَيره من ترك الصَّلَاة وَنَحْوه وافترقت العوفية من البيهسية فرْقَتَيْن فرقة قَالَت من رَجَعَ عَنَّا من دَار هجرته وَمن الْجِهَاد الى حَال الْقعُود بَرِئْنَا مِنْهُ وَفرْقَة قَالَت بل تتولاه لانه رَجَعَ إِلَى أَمر كَانَ مُبَاحا لَهُ قبل هجرته الينا وكلا الْفَرِيقَيْنِ قَالَ اذا كفر الإِمَام كفرت الرّعية الْغَائِب مِنْهُم وَالشَّاهِد وللأباضية والبيهسية بعد هَذَا مَذَاهِب قد ذَكرنَاهَا
стр. 88
فِي كتاب الْملَل والنحل وَفِيمَا ذكرنَا مِنْهُ فِي هَذَا الْكتاب كِفَايَة ذكر الشبيبية مِنْهُم هَؤُلَاءِ يعْرفُونَ بالشبيبية لانتسابهم الى شبيب بن يزِيد الشيبانى المكنى بأبى الصحارى ويعرفون بالصالحية أَيْضا لانتسابهم الى صَالح بن مشرح الْخَارِجِي وَكَانَ شبيب بن يزِيد الخارجى من اصحاب صَالح ثمَّ تولى الْأَمر بعده على جنده وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن صَالح بن مشرح التميمى كَانَ مُخَالفا للازارقة وَقد قَالَ انه كَانَ صفريا وَقيل إِنَّه لم يكن صفريا وَلَا أزرقيا وَكَانَ خُرُوجه على بشر بن مَرْوَان فى أَيَّام ولَايَته على الْعرَاق من جِهَة أَخِيه عبد الْملك بن مَرْوَان وَبعث بشر اليه بِالْحَارِثِ بن عُمَيْر وَذكر المواينى أَن خُرُوج صَالح كَانَ على الْحجَّاج بن يُوسُف وَأَن الْحجَّاج بعث بِالْحَارِثِ بن عُمَيْر الى قِتَاله وَأَن الْقِتَال وَقع بَين الْفَرِيقَيْنِ على بَاب حصن حلولا وَانْهَزَمَ صَالح جريحا فَلَمَّا أشرف على الْمَوْت قَالَ لاصحابه قد اسْتخْلفت عَلَيْكُم شبيبا وَأعلم أَن فِيكُم من هُوَ أفقه مِنْهُ وَلكنه رجل شُجَاع مهيب فِي عَدوكُمْ فليعنه الْفَقِيه مِنْكُم بفقهه ثمَّ مَاتَ وَبَايع أَتْبَاعه شبيبا الى أَن خَالف صَالحا فى شَيْء وَاحِد وَهُوَ أَنه مَعَ أَتْبَاعه أَجَازُوا إِمَامَة الْمَرْأَة مِنْهُم اذا قَامَت بأمورهم وَخرجت على مخالفيهم وَزَعَمُوا أَن غزالة أم شبيب كَانَت الإِمَام
стр. 89
بعد قتل شبيب الى أَن قتلت وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بِأَن شبيبا لما دخل الْكُوفَة أَقَامَ أمه على مِنْبَر الْكُوفَة حَتَّى خطبت وَذكر أَصْحَاب التواريخ أَن شبيبا فِي ابْتِدَاء أمره قصد الشَّام وَنزل على روح بن زنباع وَقَالَ لَهُ سل أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يفْرض لى فِي أهل الشّرف فَإِن لى فِي بنى شَيبَان تبعا كثيرا فَسَأَلَ روح بن زنباع عبد الْملك بن مَرْوَان ذَلِك فَقَالَ هَذَا رجل لَا أعرفهُ وأخشى أَن يكون حروريا فَذكر روح لشبيب أَن عبد الْملك بن مَرْوَان ذكر أَنه لَا يعرفهُ فَقَالَ سيعرفنى بعد هَذَا وَرجع الى بنى شَيبَان وَجمع من الْخَوَارِج الصالحية مِقْدَار الف رجل وَاسْتولى بهم على مَا بَين كسكر والمدائن فَبعث الْحجَّاج اليه بعبيد بن أَبى الْمخَارِق المتنبى فى الف فَارس فَهَزَمَهُ شبيب فَوجه اليه بِعَبْد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث فَهَزَمَهُ شبيب وَبعث بعتاب بن وَرْقَاء التميمى فَقتله شبيب وَمَا زَالَ كَذَلِك حَتَّى هزم للحجاج عشْرين جَيْشًا فِي مُدَّة سنتَيْن ثمَّ إِنَّه كبس الْكُوفَة لَيْلًا وَمَعَهُ الف من الْخَوَارِج وَمَعَهُ أمة غزالة وَامْرَأَته جهزية فى مِائَتَيْنِ من نسَاء الْخَوَارِج قد اعتقلن الرماح وتقلدن السيوف فَلَمَّا كبس الْكُوفَة لَيْلًا قصد الْمَسْجِد الْجَامِع وَقتل حراس الْمَسْجِد والمعتكفين فِيهِ وَنصب امهِ غزالة على الْمِنْبَر حَتَّى خطبت
стр. 90
وَقَالَ خُزَيْمٌ بن فاتك الأسدى فى ذَلِك ... أَقَامَت غزالة سيوف الضراب كَذَا
لأهل العراقين حولا قميطا ... سمت للعراقين فِي جيشها
فلاق العراقان مِنْهَا طيطا ...
وصبر الْحجَّاج لَهُم فِي دَاره لَان جَيْشه كَانُوا مُتَفَرّقين إِلَى أَن اجْتمع جنده إِلَيْهِ بعد الصُّبْح وَصلى شبيب بِأَصْحَابِهِ فى الْمَسْجِد وَقَرَأَ فى ركعتى الصُّبْح سورتى الْبَقَرَة وَآل عمرَان ثمَّ وافاه الْحجَّاج فِي أَرْبَعَة آلَاف من جنده واقتتل الْفَرِيقَانِ فى سوق الْكُوفَة إِلَى أَن قتل أَصْحَاب شبيب وَانْهَزَمَ شبيب فِيمَن بقى مَعَه الى الأنبار فَوجه الْحجَّاج فى طلبه جَيْشًا فهزموا شبيبا من الأنبار الى الأهواز وَبعث الْحجَّاج سفين بن الْأَبْرَد الكليبى فى ثَلَاثَة آلَاف لطلب شبيب فَنزل سفين على شط الدجيل وَركب شبيب جسر الدجيل ليعبر اليه وَأمر سفين أَصْحَابه بِقطع حبال الجسر فَاسْتَدَارَ الجسر وغرق شبيب مَعَ فرسه وَهُوَ يَقُول ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم وَبَايع أَصْحَاب شبيب فى الْجَانِب الآخر من الدجيل غزالة أم شبيب وَعقد سفين بن الْأَبْرَد الجسر وَعبر مَعَ جنده الى أُولَئِكَ الْخَوَارِج وَقتل اكثرهم وَقتل غزالة ام شبيب وَامْرَأَته جهيزه وَأسر البَاقِينَ من اتِّبَاع شبيب وَأمر الغواصين بِإِخْرَاج شبيب من المَاء وَأخذ رَأسه وانفذه مَعَ الاسرى الى
стр. 91
الْحجَّاج فَلَمَّا وقف الاسرى بَين يدى الْحجَّاج أَمر بقتل رجل مِنْهُم قَالَ لَهُ اسْمَع مني بَيْتَيْنِ أختم بهما عَمَلي ثمَّ أنشأ يَقُول ... أَبْرَأ الى الله من عَمْرو وشيعته
وَمن على وَمن أَصْحَاب صفّين ... وَمن مُعَاوِيَة الطاغى وشيعته
لَا بَارك الله فِي الْقَوْم الملاعين ...
فَأمر بقتْله وبقتل جمَاعَة مِنْهُم وَأطلق البَاقِينَ قَالَ عبد القاهر يُقَال للشبيبة من الخوراج أنكرتم على أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة خُرُوجهَا الى الْبَصْرَة مَعَ جندها الذى كل وَاحِد مِنْهُم محرم لَهَا لِأَنَّهَا أم جَمِيع الْمُؤمنِينَ فى الْقُرْآن وزعمتم أَنَّهَا كفرت بذلك وتلوتم عَلَيْهَا قَول الله تَعَالَى وَقرن فى بيوتكن فَهَلا تلوتم هَذِه الْآيَة على غزالة أم شبيب وهلا قُلْتُمْ بكفرها وَكفر من خرجن مَعهَا من نسَاء الْخَوَارِج الى قتال جيوش الْحجَّاج فان أجزتم لَهُنَّ ذَلِك لانه كَانَ مَعَهُنَّ أَزوَاجهنَّ اَوْ بنوهن واخوتهن فقد كَانَ مَعَ عَائِشَة أَخُوهَا عبد الرَّحْمَن وَابْن اختها عبد الله بن الزبير وكل وَاحِد مِنْهُم محرم لَهَا وَجَمِيع الْمُسلمين بنوها وكل وَاحِد محرم لَهَا فَهَلا أجزتم لَهَا ذَلِك على ان من أجَاز مِنْكُم إِمَامَة غزالة فإمامتها لائقة بِهِ وبدينه وَالْحَمْد لله على الْعِصْمَة من الْبِدْعَة
стр. 92
الْفَصْل الثَّالِث من فُصُول هَذَا الْبَاب فِي بَيَان مقالات فرق الضلال من الْقَدَرِيَّة الْمُعْتَزلَة عَن الْحق
قد ذكرنَا قبل هَذَا أَن الْمُعْتَزلَة افْتَرَقت فِيمَا بَينهَا عشْرين فرقة كل فرقة مِنْهَا تكفر سائرها وَهن الواصلية والعمرية والهذيلية والنظامية والاسوارية والمعمرية والاسكافية والجعفرية والبشرية والمرادارية والهشامية والتمامية والجاحظية والحايطية والحمارية والخياطية واصحاب صَالح قبَّة والمويسية والشحامية والكعبية والجبابية والبهشمية المنسوبة الى أَبى هَاشم بن الحبالى فَهَذِهِ ثِنْتَانِ وَعِشْرُونَ فرقة فرقتان مِنْهَا من جملَة ١٤٠ فرق الغلاة فِي الْكفْر نذكرها فى الْبَاب الذى نذْكر فِيهِ فرق الغلاة وهما الحايطية والحماريه وَعِشْرُونَ مِنْهَا قدرية مَحْضَة يجمعها كلهَا فى بدعتها امور مِنْهَا نَفيهَا كلهَا عَن الله صِفَاته الازلية وَقَوْلها بِأَنَّهُ لَيْسَ لله علم وَلَا قدرَة وَلَا حَيَاة وَلَا سمع وَلَا بصر وَلَا صفة أزلية وَزَادُوا على هَذَا بقَوْلهمْ ان الله تَعَالَى لم يكن لَهُ فِي الازل
стр. 93
اسْم وَلَا صفة وَمِنْهَا قَوْلهم باستحالة رُؤْيَة الله بالابصار وَزَعَمُوا أَنه لَا يرى نَفسه وَلَا يرَاهُ غَيره وَاخْتلفُوا فِيهِ هَل هُوَ رَاء نغيره أم لَا فَأَجَازَهُ قوم مِنْهُم وأباه قوم آخَرُونَ مِنْهُم وَمِنْهَا اتِّفَاقهم على القَوْل بحدوث كَلَام الله وحدوث أمره وَنَهْيه وَخَبره وَكلهمْ يَزْعمُونَ ان كَلَام الله حَادث واكثرهم الْيَوْم يسمون كَلَامه مخلوقا وَمِنْهَا قَوْلهم جَمِيعًا بِأَن الله تَعَالَى غير خَالق لأكساب النَّاس وَلَا لشىء من أَعمال الْحَيَوَانَات وَقد زَعَمُوا ان النَّاس هم الَّذين يقدرُونَ أكسابهم وانه لَيْسَ لله فى اكسابهم وَلَا فى اعمار سَائِر الْحَيَوَانَات صنع وَلَا تَقْدِير وَلأَجل هَذَا القَوْل سماهم الْمُسلمُونَ قدرية وَمِنْهَا اتِّفَاقهم على دَعوَاهُم فى الْفَاسِق من أمة الاسلام بالمنزلة بَين المنزلتين وهى انه فَاسق لَا مُؤمن وَلَا كَافِر ولاجل هَذَا سماهم الْمُسلمُونَ معتزلة لاعتزالهم قَول الْأمة بأسرها وَمِنْهَا قَوْلهم ان كل مَا لم يَأْمر الله تَعَالَى بِهِ اَوْ نهى عَنهُ من أَعمال الْعباد لم يَشَأْ الله شَيْئا مِنْهَا وَزعم الكعبى فى مقالاته أَن الْمُعْتَزلَة اجْتمعت على أَن الله شىء لَا كالاشياء وَأَنه خَالق الْأَجْسَام والأعراض وَأَنه خلق كل مَا خلقه لَا من شىء وعَلى أَن الْعباد يَفْعَلُونَ أَعْمَالهم بِالْقدرِ الَّتِى خلقهَا الله فيهم قَالَ وَأَجْمعُوا على أَنه لَا يغْفر لمرتكبى الْكَبَائِر
стр. 94
بِلَا تَوْبَة وفى هَذَا الْفَصْل من كَلَام الكعبى غلط مِنْهُ على أَصْحَابه من وُجُوه مِنْهَا قَوْله إِن الْمُعْتَزلَة اجْتمعت على أَن الله تَعَالَى شَيْء لَا كالاشياء وَلَيْسَت هَذِه الخاصية لله تَعَالَى وَحده عِنْد جَمِيع الْمُعْتَزلَة فَإِن الجبائى وَابْنه أَبَا هَاشم قد قَالَا إِن كل قدرَة محدثة شىء لَا كالاشياء وَلم يخصوا رَبهم بِهَذَا الْمَدْح وَمِنْهَا حكايته عَن جَمِيع الْمُعْتَزلَة قَوْلهَا بِأَن الله خَالق الْأَجْسَام والأعراض وَقد علم أَن الاصم من الْمُعْتَزلَة ينفى الْأَعْرَاض كلهَا وَأَن الْمَعْرُوف مِنْهُم بِمَعْمَر يزْعم ان الله تَعَالَى لم يخلق شَيْئا من الْأَعْرَاض وَأَن ثُمَامَة يزْعم أَن الاعراض المتولدة لَا فَاعل لَهَا فَكيف يَصح دَعْوَاهُ إِجْمَاع الْمُعْتَزلَة على أَن الله سُبْحَانَهُ خَالق الْأَجْسَام والأعراض وَفِيهِمْ من يُنكر وجود الْأَعْرَاض وَفِيهِمْ من يثبت الْأَعْرَاض وَيَزْعُم أَن الله تَعَالَى لم يخلق شَيْئا مِنْهَا وَفِيهِمْ من يزْعم أَن المتولدات أَعْرَاض لَا فَاعل لَهَا والكعبى مَعَ سَائِر الْمُعْتَزلَة زَعَمُوا أَن الله تَعَالَى لم يخلق أَعمال الْعباد وَهِي أَعْرَاض عِنْد من أثبت الْأَعْرَاض فَبَان غلط الكعبى فى هَذَا الْفَصْل على أَصْحَابه وَمِنْهَا دَعْوَى إِجْمَاع الْمُعْتَزلَة على أَن الله خلق مَا خلق لَا من شىء وَكَيف يَصح اجماعهم على ذَلِك والكعبى مَعَ سَائِر الْمُعْتَزلَة سوى الصالحى يَزْعمُونَ أَن الْحَوَادِث كلهَا
стр. 95
كَانَت قبل حدوثها أَشْيَاء والبصريون مِنْهُم يَزْعمُونَ ان الْجَوَاهِر والاعراض كَانَت فى حَال عدمهَا جَوَاهِر وأعراضا وَأَشْيَاء وَالْوَاجِب على هَذَا الْفَصْل ان يكون الله خلق الشَّيْء لَا من شَيْء وَإِنَّمَا يَصح القَوْل بانه خلق الشىء لَا من شىء على اصول اصحابنا الصفاتية الَّذين أَنْكَرُوا كَون الْمَعْدُوم شَيْئا واما دَعْوَى إِجْمَاع الْمُعْتَزلَة على ان الْعباد يَفْعَلُونَ أفاعلهم بِالْقدرِ الَّتِي خلقهَا الله تَعَالَى فيهم فغلط مِنْهُ عَلَيْهِم لَان معمرا مِنْهُم زعم أَن الْقُدْرَة فعل الْجِسْم الْقَادِر بهَا وَلَيْسَت من فعل الله تَعَالَى والاصم مِنْهُم ينفى وجود الْقُدْرَة لِأَنَّهُ ينفى الْأَعْرَاض كلهَا وَكَذَلِكَ دَعْوَى إِجْمَاع الْمُعْتَزلَة على أَن الله سُبْحَانَهُ لَا يغْفر لمرتكبى الْكَبَائِر من غير تَوْبَة مِنْهُم غلط مِنْهُ عَلَيْهِم لَان مُحَمَّد بن شبيب البصرى والصالحى والخالدى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من شُيُوخ الْمُعْتَزلَة وهم واقفية فى وَعِيد مرتكبى الْكَبَائِر وَقد أَجَازُوا من الله تَعَالَى مغْفرَة ذنوبهم من غير تَوْبَة وَبِأَن مَا ذَكرْنَاهُ غلط الكعبى فِيمَا حَكَاهُ عَن الْمُعْتَزلَة وَصَحَّ ان الْمُعْتَزلَة يجمعها مَا حكيناه عَنْهُم مِمَّا أَجمعُوا عَلَيْهِ فاما الذى اخْتلفُوا فِيهِ فِيمَا بَينهم فعلى مَا نذكرهُ فِي تَفْصِيل فرقهم إِن شَاءَ الله
ذكر الواصلية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع وَاصل بن عطا الغزال رَأس الْمُعْتَزلَة وداعيهم الى بدعتهم بعد معبد الْجُهَنِىّ وغيلان الدمشقى
стр. 96
وَكَانَ وَاصل من منتابى مجْلِس الْحسن البصرى فى زمَان فتْنَة الازارقة وَكَانَ النَّاس يَوْمئِذٍ مُخْتَلفين فى أَصْحَاب الذُّنُوب من امة الاسلام على فرق فرقة تزْعم أَن كل مرتكب لذنب صَغِير اَوْ كَبِير مُشْرك بِاللَّه وَكَانَ هَذَا قَول الازارقة من الخوراج وَزعم هَؤُلَاءِ ان اطفال الْمُشْركين مشركون وَلذَلِك استحلوا قتل اطفال مخالفيهم وَقتل نِسَائِهِم سَوَاء كَانُوا من امة الاسلام اَوْ من غَيرهم وَكَانَت الصفرية من الْخَوَارِج يَقُولُونَ فى مرتكبى الذُّنُوب بِأَنَّهُم كفرة مشركون كَمَا قالته الازارقة غير أَنهم خالفوا الازارقة فى الاطفال وَزَعَمت النجدات من الْخَوَارِج ان صَاحب الذَّنب الذى اجمعت الامة على تَحْرِيمه كَافِر مُشْرك وَصَاحب الذَّنب الذى اخْتلفت الامة فِيهِ حكم على اجْتِهَاد اهل الْفِقْه فِيهِ وعذروا مرتكب مَالا يعلم تَحْرِيمه بِجَهَالَة تَحْرِيمه الى ان تقوم الْحجَّة عَلَيْهِ فِيهِ وَكَانَت الاباضية من الْخَوَارِج يَقُولُونَ ان مرتكب مَا فِيهِ الْوَعيد مَعَ مَعْرفَته بِاللَّه وَبِمَا جَاءَ من عِنْده كَافِر كفران نعْمَة وَلَيْسَ بِكَافِر كفر شرك وَزعم قوم من اهل ذَلِك الْعَصْر ان صَاحب الْكَبِيرَة من هَذِه الامة ٤٢ مُنَافِق وَالْمُنَافِق شَرّ من الْكَافِر الْمظهر لكفره وَكَانَ عُلَمَاء التَّابِعين فى ذَلِك الْعَصْر مَعَ أَكثر الامة يَقُولُونَ إِن صَاحب الْكَبِيرَة من أمة الاسلام مُؤمن لما فِيهِ
стр. 97
من مَعْرفَته بالرسل والكتب الْمنزلَة من الله تَعَالَى ولمعرفته بِأَن كل مَا جَاءَ من عِنْد الله حق وَلكنه فَاسق بكبيرته وفسقه لَا ينفى عَنهُ اسْم الايمان وَالْإِسْلَام وعَلى هَذَا القَوْل الْخَامِس مضى سلف الامة من الصَّحَابَة وأعلام التَّابِعين فَلَمَّا ظَهرت فتْنَة الْأزَارِقَة بِالْبَصْرَةِ والأهواز وَاخْتلف النَّاس عِنْد ذَلِك فى أَصْحَاب الذُّنُوب على الْوُجُوه الْخَمْسَة الَّتِي ذَكرنَاهَا خرج وَاصل بن عطا عَن قَول جَمِيع الْفرق الْمُتَقَدّمَة وَزعم أَن الْفَاسِق من هَذِه الامة لَا مُؤمن وَلَا كَافِر وَجعل الْفسق منزلَة بَين منزلتى الْكفْر والايمان فَلَمَّا سمع الْحسن البصرى من وَاصل بدعته هَذِه الَّتِى خَالف بهَا أَقْوَال الْفرق قبله طرده عَن مَجْلِسه فاعتزل عِنْد سَارِيَة من سوارى مَسْجِد الْبَصْرَة وانضم اليه قرينه فى الضَّلَالَة عَمْرو ابْن عبيد بن بَاب كَعبد صريخه امهِ فَقَالَ النَّاس يَوْمئِذٍ فيهماانهما قد اعتزلا قَول الامة وسمى أتباعهما من يَوْمئِذٍ معتزلة ثمَّ إنَّهُمَا أظهرا بدعتهما فى الْمنزلَة بَين المنزلتين وضما اليها دَعْوَة النَّاس الى قَول الْقَدَرِيَّة على رأى معبد الْجُهَنِىّ فَقَالَ النَّاس يَوْمئِذٍ لواصل إِنَّه مَعَ كفره قدرى وَجرى الْمثل بذلك فى كل كَافِر قدرى ثمَّ ان واصلا وعمرا وافقا الْخَوَارِج فى تأييد عِقَاب صَاحب الْكَبِيرَة فى النَّار مَعَ قَوْلهمَا بِأَنَّهُ موحد وَلَيْسَ بمشرك وَلَا كَافِر
стр. 98
وَلِهَذَا قيل للمعتزلة إِنَّهُم مخانيث الْخَوَارِج لَان الْخَوَارِج لما رأو لأهل الذُّنُوب الخلود فِي النَّار سموهم كفرة وحاربوهم والمعتزلة رَأَتْ لَهُم الخلود فى النَّار وَلم تجسر على تسميتهم كفرة وَلَا جسرت على قتال اهل فرقة مِنْهُم فضلا عَن قتال جُمْهُور مخالفيهم وَلِهَذَا نسب إِسْحَاق بن سُوَيْد العدري واصلا وَعَمْرو بن عبيد الى الْخَوَارِج لاتفاقهم على تأييد عِقَاب أَصْحَاب الذُّنُوب فَقَالَ فى بعض قصائده ... بَرِئت من الْخَوَارِج لست مِنْهُم
من الغزال مِنْهُم وَابْن بَاب ... وَمن قوم اذا ذكرُوا عليا
يردون السَّلَام على السَّحَاب ...
ثمَّ ان واصلا فَارق السّلف ببدعة ثَالِثَة وَذَلِكَ أَنه وجد اهل عصره مُخْتَلفين فى على وَأَصْحَابه وفى طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وَسَائِر أَصْحَاب الْجمل فَزَعَمت الْخَوَارِج ان طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وأتباعهم يَوْم الْجمل كفرُوا بقتالهم عليا وَأَن عليا كَانَ على الْحق فى قتال أَصْحَاب الْجمل وفى قتال اصحاب مُعَاوِيَة بصفين الى وَقت التَّحْكِيم ثمَّ كفر بالتحكيم وَكَانَ اهل السّنة وَالْجَمَاعَة يَقُولُونَ بِصِحَّة إِسْلَام الْفَرِيقَيْنِ فى حَرْب الْجمل وَقَالُوا ان عليا كَانَ على الْحق فى قِتَالهمْ واصحاب الْجمل كَانُوا عصاة مخطئين فى قتال على وَلم يكن خطؤهم كفرا وَلَا فسقا يسْقط شَهَادَتهم وأجازوا الحكم بِشَهَادَة
стр. 99
عذلين من كل فرقة من الْفَرِيقَيْنِ وَخرج وَاصل عَن قَول الْفَرِيقَيْنِ وَزعم ان فرقة من الْفَرِيقَيْنِ فسقة لَا بأعيانهم وَأَنه لَا يعرف الفسقة مِنْهُمَا وأجازوا ان يكون الفسقة من الْفَرِيقَيْنِ عليا واتباعه كالحسن وَالْحُسَيْن وَابْن عَبَّاس وعمار بن يَاسر وأبى أَيُّوب الأنصارى وَسَائِر من كَانَ مَعَ على يَوْم الْجمل وَأَجَازَ كَون الفسقة من الْفَرِيقَيْنِ عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسَائِر اصحاب الْجمل ثمَّ قَالَ فى تحقق شكه فى الْفَرِيقَيْنِ لَو شهد على وَطَلْحَة اَوْ على وَالزُّبَيْر وَرجل من أَصْحَاب على وَرجل من اصحاب الْجمل عندى على باقة بقل لم أحكم بِشَهَادَتِهِمَا لعلمى بِأَن احدهما فَاسق لَا بِعَيْنِه كَمَا لَا أحكم بِشَهَادَة المتلاعنين لعلمى بَان احدهما فَاسق لَا بِعَيْنِه وَلَو شهد رجلَانِ من اُحْدُ الْفَرِيقَيْنِ ايهما كَانَ قبلت شَهَادَتهمَا وَلَقَد سخنت عُيُون الرافضة الْقَائِلين بالاعتزال بشك شيخ الْمُعْتَزلَة فى عَدَالَة على واتباعه ومقالة وَاصل فى الْجُمْلَة كَمَا قُلْنَا فى بعض أشعارنا ... مقَالَة مَا وصلت بواصل
بل قطع الله بِهِ أوصالها
وَسَنذكر تَمام أَبْيَات هَذِه القصيدة بعد هَذَا إِن شَاءَ الله غز وَجل ذكر العمرية مِنْهُم هَؤُلَاءِ أَتبَاع عَمْرو بن عبيد بن بَاب
стр. 100
مولى بنى تَمِيم وَكَانَ جده من سبى كَامِل وَمَا ظَهرت الْبدع والضلالات فى الْأَدْيَان إِلَّا من ابناء السبايا كَمَا روى فى الْخَبَر وَقد شَارك عَمْرو واصلا فى بِدعَة الْقدر وفى ضَلَالَة قَوْلهمَا بالمنزلة بَين المنزلتين وفى ردهما شَهَادَة رجلَيْنِ أَحدهمَا من أَصْحَاب الْجمل وَالْآخر من أَصْحَاب على وَزَاد عَمْرو على وَاصل فى هَذِه الْبِدْعَة فَقَالَ بفسق كلتا الْفرْقَتَيْنِ المتقاتلتين يَوْم الْجمل وَذَلِكَ أَن واصلا إِنَّمَا رد شَهَادَة رجلَيْنِ أَحدهمَا من أَصْحَاب الْجمل وَالْآخر من أَصْحَاب على رضى الله عَنهُ وَقبل شَهَادَة رجلَيْنِ كِلَاهُمَا من أحد الْفَرِيقَيْنِ وَزعم عَمْرو أَن شَهَادَتهمَا مَرْدُودَة وَإِن كَانَا من فريق وَاحِد لِأَنَّهُ قَالَ بفسق الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا وَقد افْتَرَقت الْقَدَرِيَّة بعد وَاصل وَعَمْرو فى هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ النظام وَمعمر والجاحظ فى فريقى يَوْم الْجمل بقول وَاصل وَقَالَ حَوْشَب وهَاشِم الأوقص نجت القادة وَهَلَكت الِاتِّبَاع وَقَالَ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بتصويب على وَأَتْبَاعه يَوْم الْجمل وَقَالُوا إِن الزبير رَجَعَ عَن الْقِتَال يَوْمئِذٍ تَائِبًا فَلَمَّا بلغ وادى السبَاع قَتله بهَا عَمْرو بن حرمون غرَّة وَبشر على قَاتله بالنَّار وهم طَلْحَة بِالرُّجُوعِ فَرَمَاهُ مَرْوَان بن الحكم وَكَانَ مَعَ أَصْحَاب الْجمل بِسَهْم قَتله وَعَائِشَة رضى الله عَنْهَا قصدت الْإِصْلَاح بَين الْفَرِيقَيْنِ فغلبها بَنو أَزْد وَبَنُو ضبة على
стр. 101
أمرهَا حَتَّى كَانَ من الْأَمر مَا كَانَ وَمن قَالَ بتكفير الْفَرِيقَيْنِ أَو أَحدهمَا فَهُوَ الْكَافِر دونهم هَذَا قَول أهل السّنة فيهم وَالْحَمْد لله على ذَلِك
ذكر الهذيلية مِنْهُم هَؤُلَاءِ أَتبَاع أَبى الْهُذيْل مُحَمَّد بن الْهُذيْل الْمَعْرُوف بالعلاف كَانَ مولى لعبد الْقَيْس وَقد جرى على منهاج ابناء السبايا لظُهُور اكثر الْبدع مِنْهُم وفضائحه تترى تكفره فِيهَا سَائِر فرق الامة من أَصْحَابه فى الاعتزال وَمن غَيرهم وللمعروف بالمرداد من الْمُعْتَزلَة كتاب كَبِير فِيهِ فضائح أَبى الْهُذيْل وفى تكفيره بِمَا انْفَرد بِهِ من ضلالاته وللجبائى ايضا كتاب فى الرَّد على أَبى الْهُذيْل فى الْمَخْلُوق ويكفره فِيهِ ولجعفر بن حَرْب أَيْضا وَهُوَ الْمَشْهُور فى زعماء الْمُعْتَزلَة كتاب سَمَّاهُ توبيخ أَبى الْهُذيْل وَأَشَارَ الى تَكْفِير أَبى الْهُذيْل وَذكر فِيهِ ان قَوْله يجر الى قَول الذهرية فَمن فضائح أَبى الْهُذيْل قَوْله بِفنَاء مقدورات الله حَتَّى لَا يكون بعد فنَاء مقدوراته قَادِرًا على شىء وَلأَجل هَذَا زعم ان نعيم أهل الْجنَّة واهل النَّار يفنيان وَيبقى حِينَئِذٍ أهل الْجنَّة وَأهل النَّار خامدين لَا يقدرُونَ على شىء وَلَا يقدر الله فى تِلْكَ الْحَال على إحْيَاء ميت وَلَا على إماته حى وَلَا على تَحْرِيك سَاكن
стр. 102
وَلَا على تسكين متحرك وَلَا على إِحْدَاث شىء وَلَا على إفناء شىء مَعَ صِحَة عقول الاحياء فى ذَلِك الْوَقْت وَقَوله فى هَذَا الْبَاب شَرّ من قَول من قَالَ بِفنَاء الْجنَّة وَالنَّار كَمَا ذهب اليه جهم لَان جهما وَإِن قَالَ بفنائهما فقد قَالَ بِأَن الله قَادر بعد فنائهما على ان يخلق أمثالهما وَأَبُو الْهُذيْل يزْعم أَن ربه لَا يقدر بعد فنَاء مقدوراته على شىء وَقد شنع الْمَعْرُوف مِنْهُم بالمرداد على أَبى الْهُذيْل فى هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ يلْزمه اذا كَانَ ولى الله فى الْجنَّة قد يناول باحدى يَدَيْهِ الكاس وبالاخرى بعض التحف ثمَّ حضر وَقت السّكُون الدَّائِم ان يبْقى ولى لله ابدا على هَيْئَة المصلوب وَقد اعتذر ابو الْحُسَيْن الْخياط عَن أَبى الْهُذيْل فى هَذَا الْبَاب باعتذارين احدهما دَعْوَاهُ ان أَبَا الْهُذيْل اشار الى أَن الله عِنْد قرب انْتِهَاء مقدوراته يجمع فى اهل الْجنَّة اللَّذَّات كلهَا فيبقون على ذَلِك فى سُكُون دَائِم واعتذاره الثانى دَعْوَاهُ ان ابا الْهُذيْل انه كَانَ يَقُول هَذَا القَوْل مجادلا بِهِ خصومه الْبَحْث عَن جَوَابه واعتذاره الاول عَنهُ بَاطِل من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه يُوجب اجْتِمَاع لذتين متضادتين فى مَحل وَاحِد فى وَقت وَاحِد وَذَلِكَ محَال كاستحالة اجْتِمَاع لَذَّة وألم فى مَحل وَاحِد وَالْوَجْه الثانى أَن هَذِه الِاعْتِذَار لَو صَحَّ لوَجَبَ ان يكون اهل الْجنَّة بعد فنَاء
стр. 103
مقدورات الله أحسن من حَالهَا فى حَال كَونه قَادِرًا وَأما دَعْوَاهُ ان أَبَا الْهُذيْل إِنَّمَا قَالَ بِفنَاء المقدورات مجادلا بِهِ مُعْتَقدًا لذَلِك فالفاضل بَيْننَا وَبَين المعتذر عَنهُ كتب أَبُو الْهُذيْل وَأَشَارَ فى كِتَابه الذى سَمَّاهُ بالحجج إِلَى ماحكيناه عَنهُ وَذكر فى كِتَابه الْمَعْرُوف بِكِتَاب القوالب بَابا فى الرَّد على الدهرية وَذكر فِيهِ قَوْلهم للموحدين اذا جَازَ أَن يكون بعد كل حَرَكَة حَرَكَة سواهَا لَا إِلَى آخر وَبعد كل حَادث حَادث آخر لَا إِلَى غَايَة فَهَلا صَحَّ قَول من زعم أَن حَرَكَة الا وَقبلهَا حَرَكَة وَلَا حَادث إِلَّا وَقَبله حَادث لَا عَن أول لَا حَالَتْ قبله وَأجَاب عَن هَذَا الالزام بتسويته بَينهمَا وَقَالَ كَمَا أَن الْحَوَادِث لَهَا ابْتِدَاء لم يكن قبلهَا حَادث كَذَلِك لَهَا آخر لَا يكون بعده حَادث ولاجل هَذَا قَالَ بِفنَاء مقدورات الله وَسَائِر الْمُتَكَلِّمين من أَصْنَاف فرق الاسلام فرقوا بَين الْحَوَادِث الْمَاضِيَة والحوادث الْمُسْتَقْبلَة بفروق وَاضِحَة لم يهتد اليها أَبُو الْهُذيْل فارتكب لاجل جَهله بهَا قَوْله بِفنَاء المقدورات وَقد ذكرنَا تِلْكَ الفروق الْوَاضِحَة فى بَاب الدّلَالَة على حُدُوث الْعَالم فِي كتبنَا الْمُؤَلّفَة فى ذَلِك والفضيحة الثَّانِيَة من فضائح أَبى الْهُذيْل قَوْله بِأَن أهل الْآخِرَة مضطرون الى مَا يكون مِنْهُم وان أهل الْجنَّة مضطرون
стр. 104
الى أكلهم وشربهم وجماعهم وَأَن أهل النَّار مضطرون الى أَقْوَالهم وَلَيْسَ لأحد فى الْآخِرَة من الْخلق قدرَة على اكْتِسَاب فعل وَلَا على اكْتِسَاب قَول وَالله خَالق أَقْوَالهم وحركاتهم وَسَائِر مَا يوصفون بِهِ وَكَانَت الْقَدَرِيَّة يعيبون جهما فى قَوْله ان الْعباد فى الدُّنْيَا مضطرون الى مَا يكون مِنْهُم وَيُنْكِرُونَ على أَصْحَابنَا قَوْلهم بِأَن الله خَالق اكساب الْعباد وَيَقُولُونَ لاصحابنا اذا كَانَ هُوَ خَالق ظلم الْعباد وَجب ان يكون ظَالِما واذا خلق كذب الانسان وَجب ان يكون كَاذِبًا فَهَلا قَالُوا لأبى الْهُذيْل اذا قلت أَن الله يخلق فى الْآخِرَة كذب اهل النَّار فى قَوْلهم ﴿وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ وَجب ان يكون هُوَ الْكَاذِب بِهَذَا القَوْل ان كَانَ الْكَاذِب عِنْدهم من فعل الْكَذِب وَلَا يتَوَجَّه علينا هَذَا الالزام لأَنا لَا نقُول ان الْكَاذِب والظالم من خلق الْكَذِب وَالظُّلم وَلَكنَّا نقُول ان الظَّالِم من قَامَ بِهِ الظُّلم والكاذب من قَامَ بِهِ الْكَذِب لَا من فعله وَقد اعتذر الْخياط عَن أَبى الْهُذيْل فى بدعته هَذِه بِأَن قَالَ ان الْآخِرَة دَار جَزَاء وَلَيْسَت بدار تَكْلِيف فَلَو كَانَ اهل الْآخِرَة مكتسبين لاعمالهم لكانوا مكلفين ولوقع ثوابهم وعقابهم فى دَار
стр. 105
سواهَا فَيُقَال للخياط هَل ترْضى بِهَذَا الِاعْتِذَار من أَبى الْهُذيْل ام تسخطه فان رضيته فَقل فِيهِ بِمثل قَوْله وَذَلِكَ خلاف قَوْلك وان سخطته فَلَا معنى لاعتذارك عَنهُ فى شىء تكفره وَقُلْنَا لابى الْهُذيْل مَا تنكر من كَون أهل الْآخِرَة مكتسبين لاعمالهم وان يَكُونُوا فِيهَا مأمورين للشكر لله على نعمه وَلَا يَكُونُوا مأمورين بِصَلَاة وَلَا زَكَاة وَلَا صِيَام وَلَا يَكُونُوا منتهين عَن المعاصى وَيكون ثوابهم على الشُّكْر وَترك الْمعْصِيَة دوَام النَّعيم عَلَيْهِم وَمَا انكرت عَلَيْهِم من أَنهم يكونُونَ فى الاخرة منهيين عَن المعاصى ومعصومين مِنْهَا كَمَا قَالَ أَصْحَابنَا مَعَ أَكثر الشِّيعَة ان الانبياء ﵈ كَانُوا فى الدُّنْيَا منتهين عَن المعاصى ومعصومين عَنْهَا وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَة مُنْتَهُونَ عَن المعاصى ومعصومون عَنْهَا وَلذَلِك قَالَ الله فيهم ﴿لَا يعصون الله مَا أَمرهم ويفعلون مَا يؤمرون﴾
والفضيحة الثَّالِثَة من فضائحه قَوْله بطاعات كَثِيرَة لَا يُرَاد الله بهَا كَمَا ذهب اليه قوم من الْخَوَارِج الاباضية وَقد زعم أَن لَيْسَ فى الارض هدى وَلَا زنديق الا وَهُوَ مُطِيع لله تَعَالَى فى أشباه كَثِيرَة وان عَصَاهُ من جِهَة كفره وَقَالَ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة ان الطَّاعَة لله مِمَّن لَا يعرفهُ انما تصح
стр. 106
فى شىء وَاحِد وَهُوَ النّظر وَالِاسْتِدْلَال الْوَاجِب عَلَيْهِ قبل وُصُوله الى معرفَة الله فان يفعل ذَلِك يكن مُطيعًا لله تَعَالَى لِأَنَّهُ قد أمره بِهِ وان لم يكن قصد بِفِعْلِهِ لذَلِك النّظر الاول التَّقَرُّب بِهِ الى الله وَلَا تصح مِنْهُ طَاعَة لله تَعَالَى سواهَا الا اذا قصد بهَا التَّقَرُّب بهَا اليه لانه يُمكنهُ ذَلِك اذا توصل بِالنّظرِ الاول الى معرفَة الله تَعَالَى وَلَا يُمكنهُ قبل النّظر الاول التَّقَرُّب بِهِ اليه اذا لم يكن عَارِفًا بِهِ قبل نظره واستدلاله وَاسْتدلَّ أَبُو الْهُذيْل على دَعْوَاهُ صِحَة وُقُوع طاعات الله تَعَالَى مِمَّن لَا يعرفهُ بِأَن قَالَ ان أوَامِر الله تَعَالَى بازائها زواجره فَلَو كَانَ من لَا يعرفهُ فعل ترك جَمِيع أوامره وَجب ان يكون قد صَار الى جَمِيع زواجره وان يكون من ترك جَمِيع الطَّاعَات قد صَار الى جَمِيع المعاصى وَلَو كَانَ كَذَلِك لصار الدهرى يَهُودِيّا ونصرانيا ومجوسيا وعَلى اديان سَائِر الْكَفَرَة واذا صَار المجوسى تَارِكًا لكل كفر سوى الْمَجُوسِيَّة علمنَا أَنه عَارض بمجوسيته الَّتِى قد نهى عَنْهَا ومطيع لله بترك مَا تَركه من انواع الْكفْر لانه مَأْمُور بِتَرْكِهَا فَقلت لَهُ لَيْسَ الامر فى أوَامِر الله تَعَالَى وزواجره على مَا ظننته وَلَكِن لَا خصْلَة من الطَّاعَة الا ويضادها معاص متضادة وَلَا خصْلَة من الايمان الا ويضادها خِصَال متضادة كل نوع مِنْهَا يضاد النَّوْع الآخر
стр. 107
كَمَا يضادها الطَّاعَة وَذَلِكَ بِمَنْزِلَة الْقيام وَالْقعُود والاضطجاع والاستلقاء وَقد يخرج عَن الْقعُود من لَا يصير الى جَمِيع اضداده وانما يخرج من الْقعُود بِنَوْع وَاحِد من أضداده كَذَلِك يخرج عَن كل طَاعَة لله تَعَالَى بِنَوْع وَاحِد من الْكفْر المضاد للطاعات كلهَا لَان ذَلِك النَّوْع من الْكفْر يضاد نوعا آخر من الْكفْر كَمَا يضاد سَائِر الطَّاعَات وَهَذَا وَاضح فى نَفسه وان جَهله أَبُو الْهُذيْل
والفضيحة الرَّابِعَة من فضائحه قَوْله بِأَن علم الله هُوَ الله وَقدرته هى هُوَ وَيلْزمهُ على هَذَا القَوْل أَن يكون الله تَعَالَى علما وقدرة وَلَو كَانَ هُوَ علما وقدرة لاستحال ان يكون عَالما قَادِرًا لَان الْعلم لَا يكون عَالما وَالْقُدْرَة لَا تكون قادرة وَيلْزمهُ ايضا اذا قَالَ ان علم الله هُوَ الله وَقدرته هى هُوَ ان يَقُول ان علمه هُوَ قدرته وَلَو كَانَ علمه قدرته لوَجَبَ ان يكون كل مَعْلُوم لَهُ مَقْدُورًا لَهُ وَهَذَا يُوجب ان يكون رَأْيه مَقْدُورًا لَهُ لانه مَعْلُوم لَهُ وَهَذَا كفر فَمَا يُؤدى اليه مثله
والفضيحة الْخَامِسَة تقسيمه كَلَام الله الى مَا يحْتَاج الى مَحل والى مَالا يحْتَاج الى مَحل وَقد زعم ان قَول الله سُبْحَانَهُ للشىء كن حَادث لَا فى مَحل وَسَائِر كَلَامه حَادث فى جسم من الاجسام وكل كَلَامه عِنْده اعراض وَقد زعم ان قَوْله للشىء
стр. 108
كن من جنس قَول الانسان كن فَفرق بَين عرضين من جنس وَاحِد فى حَاجَة احدهما الى مَحل واستغناء الآخر عَن الْمحل فاما قَوْله بحدوث ارادة الله سُبْحَانَهُ لَا فى مَحل وَقد شَاركهُ فِيهِ الْمُعْتَزلَة البصرية مَعَ قَوْلهم بِأَنَّهَا من جنس وَاحِد ارادتنا المفتقرة الى الْمحل وَوُجُود كلمة لَا فى مَحل يُوجب ان لَا يكون بعض الْمُتَكَلِّمين بَان يتَكَلَّم بهَا أولى من بعض وَلَيْسَ لأبى الْهُذيْل ان يَقُول ان فاعلها أولى بَان يتَكَلَّم بهَا من غَيره لانه قد قَالَ بَان الله تَعَالَى يخلق فى الْآخِرَة كَلَام أهل الْجنَّة وَكَلَام أهل النَّار وَلَا يكون متكلما بكلامهم فقد أَدَّاهُ قَوْله بِوُجُود كلمة لَا فى مَحل الى تَصْحِيح كَلَام لَا لمتكلم وَهَذَا محَال فَمَا يُؤدى اليه مثله
والفضيحة السَّادِسَة من فضائحه قَوْله ان الْحجَّة من طَرِيق الاخبار فِيمَا غَابَ عَن الْحَواس من آيَات الانبياء ﵈ وَفِيمَا سواهَا لَا تثبت بِأَقَلّ من عشْرين نفسا فيهم وَاحِد من اهل الْجنَّة اَوْ أَكثر وَلم يُوجب بأخبار الْكَفَرَة والفسقة حجَّة وان بلغُوا عدد التَّوَاتُر الَّذين لَا يُمكن تواطؤهم على الْكَذِب اذا لم يكن فيهم وَاحِد من أهل الْجنَّة وَزعم أَن خبر مَا دون الاربعة لَا يُوجب حكما وَمن فَوق الاربعة ٤٧ الى الْعشْرين قد يَصح وُقُوع الْعلم بخبرهم وَقد لَا يَقع الْعلم بخبرهم وَخبر الْعشْرين اذا كَانَ فيهم وَاحِد من
стр. 109
اهل الْجنَّة يجب وُقُوع الْعلم مِنْهُ لَا محَالة وَاسْتدلَّ على ان الْعشْرين حجَّة بقول الله تَعَالَى ﴿إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ﴾ وَقَالَ لم يبح لَهُم قِتَالهمْ الا وهم عَلَيْهِم حجَّة وَهَذَا يُوجب عَلَيْهِ ان يكون خبر الْوَاحِد حجَّة مُوجبَة للْعلم لِأَن الْوَاحِد فى ذَلِك الْوَقْت كَانَ لَهُ قتال الْعشْرَة من الْمُشْركين فَيكون جَوَاز قِتَاله لَهُم دَلِيلا على كَونه حجَّة عَلَيْهِم قَالَ عبد القاهر مَا أَرَادَ ابو الْهُذيْل بِاعْتِبَارِهِ عشْرين فى الْحجَّة من جِهَة الْخَبَر اذا كَانَ فيهم وَاحِد من أهل الْجنَّة إِلَّا تَعْطِيل الاخبار الْوَارِدَة فى الاحكام الشَّرْعِيَّة عَن فوائدها لانه أَرَادَ بقوله يَنْبَغِي ان يكون فيهم وَاحِد من أهل الْجنَّة وَاحِد يكون على بدعته فى الاعتزال وَالْقدر وفى فنَاء مقدورات الله لَان من لم يقل بذلك لَا يكون عِنْده مُؤمنا وَلَا من أهل الْجنَّة وَلم يقل قبل أَبى الْهُذيْل أحد على بِدعَة أَبى الْهُذيْل حَتَّى تكون رِوَايَته فى جملَة الْعشْرين على شَرطه
الفضيحة السَّابِعَة انه فرق بَين أَفعَال الْقُلُوب وأفعال الْجَوَارِح فَقَالَ لَا يجوز وجود أَفعَال الْقُلُوب من الْفَاعِل مَعَ قدرته عَلَيْهِ وَلَا مَعَ مَوته وَأَجَازَ وجود أَفعَال الْجَوَارِح من الْفَاعِل منا بعد مَوته وَبعد عدم قدرته ان كَانَ حَيا لم يمت وَزعم ان الْمَيِّت وَالْعَاجِز يجوز ان يَكُونَا فاعلين لافعال الْجَوَارِح بِالْقُدْرَةِ الَّتِي كَانَت مَوْجُودَة
стр. 110
قبل الْمَوْت وَالْعجز وَزعم الجبائى وَابْنه أَبُو هِشَام ان أَفعَال الْقُلُوب فى هَذَا الْبَاب كأفعال الْجَوَارِح فى انه يَصح وجودهَا بعد فنَاء الْقُدْرَة عَلَيْهَا وَمَعَ وجود الْعَجز عَنْهَا وَقَول الجبائى وَابْنه فى هَذَا الْبَاب شَرّ من قَول ابى الْهُذيْل غير ان ابا الْهُذيْل سبق الى القَوْل باجازة كَون الْمَيِّت وَالْعَاجِز فاعلين لأفعال الْجَوَارِح ونسج الجبائى وَابْنه على منواله فى هَذِه الْبِدْعَة وقاسا عَلَيْهِ إجَازَة كَون الْعَاجِز فَاعِلا لأفعال الْقُلُوب ومؤسس الْبِدْعَة عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا الى يَوْم الْقِيَامَة من غير نُقْصَان يدْخل فى وزن العاملين بهَا
الفضيحة الثَّامِنَة من فضائحه إِنَّمَا لما وقف على اخْتِلَاف النَّاس فى المعارف هَل هى ضَرُورِيَّة أم اكتسابية ترك قَول من زعم انها كلهَا ضَرُورِيَّة وَقَول من زعم أَنَّهَا كلهَا كسبية وَقَول من قَالَ ان الْمَعْلُوم مِنْهَا بالحواس والبداية ضَرُورِيَّة وَمَا علم مِنْهَا بالاستدلال اكتسابية وَاخْتَارَ لنَفسِهِ قولا خَارِجا عَن أَقْوَال السّلف فَقَالَ المعارف ضَرْبَان أَحدهمَا باضطرار وَهُوَ معرفَة الله وَمَعْرِفَة الدَّلِيل الداعى الى مَعْرفَته وَمَا بعْدهَا من الْعُلُوم الْوَاقِعَة عَن الْحَواس أَو الْقيَاس فَهُوَ علم اخْتِيَار واكتساب ثمَّ انه بنى على ذَلِك قَوْله فى مهلة الْمعرفَة فَخَالف فِيهَا سَائِر الامة فَقَالَ
следующие страницы →