Полный текст (353 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
بقوله ان الله تَعَالَى لم يزل مرِيدا وفى قَوْله ان الله تَعَالَى اذا علم حُدُوث شىء من افعال الْعباد وَلم يمْنَع مِنْهُ فقد أَرَادَ حُدُوثه وَالْحق فى هَذِه الْمسَائِل الْخمس كفرت الْمُعْتَزلَة البصرية فِيهَا بشرا مَعَ بشر والمكفرون لَهُ فِيهَا هم الْكَفَرَة وَنحن نكفر بشرا فى أُمُور شعواها كَذَا كل وَاحِد مِنْهَا بِدعَة شنعاء أَولهَا قَول بشر بَان الله تَعَالَى مَا والى مُؤمنا فى حَال إيمَانه وَلَا عادى كَافِرًا فى حَال كفره وَيجب تكفيره فى هَذَا على قَول جَمِيع الامة اما على قَول أَصْحَابنَا فلأنا نقُول إِن الله تَعَالَى لم يزل مواليا لمن علم أَنه يكون وليا لَهُ اذا وجد ومعاديا لمن علم اذا وجد كفر وَمَات على كفره يكون معاديا لَهُ قبل كفره وفى حَال كفره وَبعد مَوته واما على اصول الْمُعْتَزلَة غير بشر فلأنهم قَالُوا ان الله لم يكن مواليا لَاحَدَّ قبل وجود الطَّاعَة مِنْهُ فَكَانَ فى حَال وجود طَاعَته مواليا لَهُ وَكَانَ معاديا للْكَافِرِ فى حَال وجود الْكفْر مِنْهُ فَإِن ارْتَدَّ الْمُؤمن صَار الله تَعَالَى معاديا لَهُ بعد ان كَانَ مواليا لَهُ عِنْدهم وَزعم بشر أَن الله تَعَالَى لَا يكون مواليا للمطيع فى حَال وجود طَاعَته وَلَا معاديا للْكَافِرِ فى حَال وجود كفره وانما يوالى الْمُطِيع فى الْحَالة الثَّانِيَة من وجود طَاعَته ويعادى الْكَافِر فى الْحَالة الثَّانِيَة من وجود كفره وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِأَن قَالَ لَو جَازَ ان يوالى الْمُطِيع فى حَال طَاعَته
стр. 142
وَجَاز ان يعادى الْكَافِر فى حَال وجود كفره لجَاز ان يثيب الْمُطِيع فى حَال طَاعَته ويعاقب الْكَافِر فى حَال كفره فَقَالَ اصحابنا لَو فعل ذَلِك لجَاز فَقَالَ لَو جَازَ ذَلِك لجَاز ان يمسخ الْكَافِر فى حَال كفره فَقُلْنَا لَهُ لَو فعل ذَلِك لجَاز
الفضيحة الثَّانِيَة من فضائح بشر إفراطه بالْقَوْل فى التولد حَتَّى زعم انه يَصح من الانسان ان يفعل الالوان والطعوم والروائح والرؤية والسمع وَسَائِر الادراكات على سَبِيل التولد اذا فعل اسبابها وَكَذَلِكَ قَوْله فى الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة وَقد كفره اصحابنا وَسَائِر الْمُعْتَزلَة فى دَعْوَاهُ ان الانسان قد يخترع الألوان والطعوم والروائح والادراكات
الفضيحة الثَّالِثَة من فضائحه قَوْله بِأَن الله تَعَالَى قد يغْفر للانسان ذنُوبه ثمَّ يعود فِيمَا غفر لَهُ فيعذبه عَلَيْهِ اذا عَاد الى مَعْصِيَته فَسئلَ على هَذَا عَن كَافِر تَابَ عَن كفره ثمَّ شرب الْخمر بعد تَوْبَته عَن كفره من غير استحلال مِنْهُ للخمر وغامضه الْمَوْت قبل تَوْبَته عَن شرب الْخمر هَل يعذبه الله تَعَالَى فِي الْقيمَة على الْكفْر الذى قد تَابَ مِنْهُ فَقَالَ نعم فَقيل لَهُ يجب على هَذَا أَن يكون عَذَاب من هُوَ على مِلَّة الاسلام مثل عَذَاب الْكَافِر فالتزم ذَلِك
الفضيحة الرَّابِعَة من فضائحه قَوْله بِأَن الله تَعَالَى يقدر على ان
стр. 143
يعذب الطِّفْل ظَالِما لَهُ فى تعذيبه اياه فانه لَو فعل ذَلِك لَكَانَ الطِّفْل بَالغا عَاقِلا مُسْتَحقّا للعذاب وَهَذَا فى التَّقْدِير كَأَنَّهُ يَقُول ان الله تَعَالَى قَادر على ان يظلم وَلَو ظلم لَكَانَ بذلك الظُّلم عادلا واول هَذَا الْكَلَام ينْقض آخِره وأصحابنا يَقُولُونَ ان الله تَعَالَى قَادر على تَعْذِيب الطِّفْل وَلَو فعل ذَلِك كَانَ عدلا مِنْهُ فَلَا يُنَاقض قَوْلهم فى هَذَا الْبَاب وَقَوله بشر فِيهِ متناقض
الفضيحة الْخَامِسَة من فضائحه قَوْله بَان الْحَرَكَة تحصل وَلَيْسَ بالجسم فى الْمَكَان الاول وَلَا فى الْمَكَان الثانى وَلَكِن الْجِسْم يَتَحَرَّك بِهِ من الاول الى الثانى وَهَذَا قَول غير مَعْقُول فى نَفسه وَاخْتلف المتكلمون قبله فى الْحَرَكَة هَل هُوَ معنى أم لَا فنفاها بقاة الاعراض وَاخْتلف الَّذين اثبتوا الاعراض فى وَقت وجود الْحَرَكَة فَمنهمْ من زعم انها تُوجد فى الْجِسْم وَهُوَ فى الْمَكَان الأولى فَينْتَقل بهَا عَن الاول الى الثَّانِي وَبِه قَالَ النظام وَأَبُو شمر الممرجئ وَمِنْهُم من قَالَ ان الْحَرَكَة تحصل فى الْجِسْم وَهُوَ فِي الْمَكَان الثانى لانها اول كَون فى الْمَكَان الثانى وَهَذَا قَول ابى الْهُذيْل والجبائي وَابْنه أبي هَاشم وَبِه قَالَ شَيخنَا ابو الْحسن الاشعرى ﵀ وَمِنْهُم من قَالَ ان الْحَرَكَة كونان فى مكانين احدهما يُوجد فى المتحرك وَهُوَ فى الْمَكَان الاول والثانى يُوجد فِيهِ وَهُوَ فى الْمَكَان الثانى وَهَذَا قَول
стр. 144
الروندى وَبِه قَالَ شَيخنَا ابو الْعَبَّاس القلانسى وَقد خرج قَول بشر بن الْمُعْتَمِر عَن هَذِه الاقوال بِدَعْوَاهُ ان الْحَرَكَة تحصل وَلَيْسَ الْجِسْم فى الْمَكَان الاول وَلَا فى الثانى مَعَ علمنَا بِأَنَّهُ لَا وَاسِطَة بَين حالى كَونه فى الْمَكَان الاول وَكَونه فى الْمَكَان الثانى وَقَوله هَذَا غير مَعْقُول لَهُ فَكيف يكون معقولا لغيره
ذكر الهشامية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع هِشَام بن عَمْرو القوطى وفضائحه بعد ضلالته بِالْقدرِ تترى مِنْهَا أَنه حرم على النَّاس أَن يَقُولُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل من جِهَة تَسْمِيَته بالوكيل وَقد نطق الْقُرْآن بِهَذَا الِاسْم لله تَعَالَى وَذكر ذَلِك فى السّنة الْوَارِدَة فى تِسْعَة وَتِسْعين اسْما من الله تَعَالَى فاذا لم يجز اطلاق هَذَا الِاسْم على الله تَعَالَى مَعَ نزُول الْقُرْآن بِهِ وَمَعَ وُرُود السّنة الصَّحِيحَة بِهِ فأى اسْم بعده يُطلق عَلَيْهِ وَقد كَانَ اصحابنا يتعجبون من الْمُعْتَزلَة البصرية فى اطلاقها على الله من الاسماء مالم يذكر فى الْقُرْآن وَالسّنة اذا دلّ عَلَيْهِ الْقيَاس وَزَاد هَذَا التَّعَجُّب بِمَنْع القوطى عَن اطلاق الله تَعَالَى بِمَا قد نطق بِهِ الْقُرْآن وَالسّنة وَاعْتذر الْخياط عَن القوطى بِأَن قَالَ ان هشاما كَانَ يَقُول حَسبنَا الله وَنعم المتَوَكل بَدَلا من الْوَكِيل وَزعم ان وَكيلا يقتضى موكلا فَوْقه وَهَذَا من عَلَامَات جهل هِشَام والمعتذر عَنهُ
стр. 145
بمعانى الاسماء فى اللُّغَة وَذَلِكَ ان الْوَكِيل فى اللُّغَة بِمَعْنى الكافى لانه يكفى مُوكله أَمر مَا وَكله فِيهِ وَهَذَا معنى قَوْلهم حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل وَمعنى حَسبنَا كافينا وواجب ان يكون مَا بعد نعم مُوَافقا لما قبله كَقَوْل الْقَائِل الله رازقنا وَنعم الرازق وَلَا يُقَال الله رازقنا وَنعم الغافر وَلِأَن الله تَعَالَى قَالَ وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه أى كافيه وَقد يكون الْوَكِيل ايضا بِمَعْنى الحفيظ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿قل لست عَلَيْكُم بوكيل﴾ اى حفيظ وَيُقَال فى نقيض الحفيظ رجل وكل ووكل اي بليد والوكال البلادة واذا كَانَ الْوَكِيل بِمَعْنى الحفيظ وَكَانَ الله كَافِيا وحفيظا لم يكن للْمَنْع من إِطْلَاق الْوَكِيل فى اسمائه معنى وَالْعجب من هِشَام فى انه أجَاز ان يكْتب لله هَذَا الِاسْم وان يقْرَأ بِهِ الْقُرْآن وَلم يجز أَن يدعى بِهِ فى غير قِرَاءَة الْقُرْآن
الفضيحة الثَّانِيَة من فضائح القوطى امْتِنَاعه من اطلاق كثير مِمَّا نطق بِهِ الْقُرْآن فَمنع النَّاس من ان يَقُولُوا ان الله تَعَالَى الف بَين قُلُوب الْمُؤمنِينَ وأضل الْفَاسِقين وَهَذَا عناد مِنْهُ لقَوْل الله ﴿لَو أنفقت مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مَا ألفت بَين قُلُوبهم وَلَكِن الله ألف بَينهم﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿ويضل الله الظَّالِمين﴾ وَقَوله ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾
стр. 146
وَمنع ان يَقُول فى الْقُرْآن انه عمى على الْكَافرين عباد بن سُلَيْمَان الْعُمْرَى فى هَذِه الضَّلَالَة فَمنع النَّاس أَن يَقُولُوا ان الله تَعَالَى خلق الْكَافِر لِأَن الْكَافِر اسْم لشيئين إِنْسَان وكفره وَهُوَ غير خَالق لكفره عِنْده وَيلْزمهُ على هَذَا الْقيَاس ان لَا يَقُول ان الله تَعَالَى خلق الْمُؤمن لَان الْمُؤمن اسْم لشيئين انسان وايمان وَالله عِنْده غير خَالق لإيمانه وَيلْزمهُ على قِيَاس هَذَا الاصل ان لَا يَقُول إِن احدا قتل كَافِرًا اَوْ ضربه لَان الْكَافِر اسْم للانسان وكفره وَالْكفْر لَا يكون مقتولا وَلَا مَضْرُوبا وَمنع عباد من ان يُقَال ان الله تَعَالَى ثَالِث كل اثْنَيْنِ ورابع كل ثَلَاثَة وَهَذَا عناد مِنْهُ لقَوْل الله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سادسهم﴾ وَكَانَ يمْنَع ان يُقَال ان الله أمْلى الْكَافرين وفى هَذَا عناد مِنْهُ لقَوْله ﴿إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا﴾ فان كَانَ عباد قد أَخذ هَذِه الضَّلَالَة عَن استاذه هِشَام فالعصا من العصية وَلنْ تَلد الْحَيَّة الا الْحَيَّة وان انْفَرد بهَا دونه فقد قَاس التلميذ مَا منع من اطلافه على مَا منع استاذه من اطلاق اسْم الْوَكِيل وَالْكَفِيل على الله تَعَالَى
стр. 147
الفضيحة الثَّالِثَة من فضائح القوطى قَوْله بِأَن الْأَعْرَاض لَا يدل شىء مِنْهَا على الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحبه عباد وزعما ان فلق الْبَحْر وقلب الْعَصَا حَيَّة وانشقاق الْقَمَر ونجى السحر والمشى على المَاء لَا يدل شىء من ذَلِك على صدق الرَّسُول فى دَعْوَاهُ الرسَالَة وَزعم القوطى ان الدَّلِيل على الله تَعَالَى يجب ان يكون محسوسا والاجسام محسوسة فهى الْأَدِلَّة على الله تَعَالَى وهى اعراض مَعْلُوم بدلائل نظرية فَلَو دلّت على الله تَعَالَى لأحتاج كل دَلِيل مِنْهَا الى دَلِيل سواهُ لَا الى نِهَايَة فَقيل لَهُ يلزمك على هَذَا الِاسْتِدْلَال أَن تَقول إِن الاعراض لَا تدل على شىء من الاشياء وَلَا على حكم من الاحكام لانها لَو دلّت على شىء اَوْ على حكم لاحتاجت فى دلالتها على مدلولها الى دلَالَة على صِحَة دلالتها عَلَيْهِ وَاحْتَاجَ كل دَلِيل الى دَلِيل لَا الى نِهَايَة فان صَار الى ان الاعراض لَا تدل على شىء وَلَا على حكم ابطال دلَالَة كَلَام الله تَعَالَى وَكَلَام رَسُوله ﷺ على الْحَلَال وَالْحرَام والوعد والوعيد على ان من الاعراض مَا يعلم وجوده بِالضَّرُورَةِ كالالوان والطعوم والروائح وَالْحَرَكَة والسكون فَيلْزمهُ ان تكون هَذِه الاعراض الْمَعْلُومَة بِالضَّرُورَةِ دلَالَة على الله سُبْحَانَهُ لانها محسوسة كَمَا دلّت الاجسام عَلَيْهِ لانها محسوسة فان قَالَ ان الاعراض غير محسوسة لَان نفاة
стр. 148
الاعراض قد انكروا وجودهَا قيل فالنجارية والضرارية قد انكروا وجود جسم لَا يكون عرضا لدعواهم ان الاجسام اعراض مجتمعة فَيجب على قِيَاس قَوْلك ان لَا تكون الاجسام مَعْلُومَة بِالضَّرُورَةِ وان لَا سببحانه
الفضيحة الرَّابِعَة من فضائح القوطى قَوْله بالمقطوع والموصول وَذَلِكَ قَوْله لَو أَن رجلا أَسْبغ الْوضُوء وافتتح الصَّلَاة متقربا بهَا الى الله سُبْحَانَهُ عَازِمًا على اتمامها ثمَّ قَرَأَ فَرَكَعَ فَسجدَ مخلصا لله تَعَالَى فى ذَلِك كُله غير انه قطعهَا فى آخرهَا ان اول صلَاته وَآخِرهَا مَعْصِيّة قد نَهَاهُ الله تَعَالَى عَنْهَا وحرمها عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ سَبِيل قبل دُخُوله فِيهَا الى الْعلم بانها مَعْصِيّة فيجتنبها وَاجْتمعت الامة قبله على أَن مَا مضى مِنْهَا كَانَت طَاعَة لله تَعَالَى وَإِن لم تكن صَلَاة كَامِلَة كَمَا لَو مَاتَ فِيهَا كَانَ الماضى مِنْهَا طَاعَة وان لم تكن صَلَاة كَامِلَة
الفضيحة الْخَامِسَة من فضائحه إِنْكَاره حِصَار عُثْمَان وَقَتله بالغلبة والقهر وَزعم أَن شرذمة قَليلَة قَتَلُوهُ غرَّة من غير حِصَار مَشْهُور ومنكر حِصَار عُثْمَان مَعَ تَوَاتر الاخباربه كمنكر وقعتى بدر وَأحد مَعَ تَوَاتر الاخبار بهما وكمنكر المعجزات الَّتِى تَوَاتَرَتْ الاخبار بهَا
الفضيحة السَّادِسَة من فضائحه قَوْله فى بَاب الامة ان الامة
стр. 149
اذا اجْتمعت كلمتها وَتركت الظُّلم وَالْفساد احْتَاجَت الى إِمَام بسوسها واذا عَصَتْ وفجرت وَقتلت امامها لم تعقد الامامة لَاحَدَّ فى تِلْكَ الْحَال وانما أَرَادَ الطعْن فى امامة على لانها عقدت لَهُ فى حَال الْفِتْنَة وَبعد قتل امام قبله وَهَذَا قريب من قَول الْأَصَم مِنْهُم إِن الامامة لَا تَنْعَقِد الا بِإِجْمَاع عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قصد بِهَذَا الطعْن فى امامة على رضى الله عَنهُ لِأَن الامة لم تَجْتَمِع عَلَيْهِ لثُبُوت أهل الشَّام على خِلَافه الى أَن مَاتَ فانكر امامة على مَعَ قَوْله بامامة مُعَاوِيَة لِاجْتِمَاع النَّاس عَلَيْهِ بعد قتل على ﵁ وقرت عُيُون الرافضة المائلين الى الاعتزال بطعن شُيُوخ الْمُعْتَزلَة فى امامة على وَبعد شكّ زعيمهم وَاصل فى شَهَادَة على وَأَصْحَابه
الفضيحة السَّابِعَة من فضائح القوطى قَوْله بتكفير من قَالَ ان الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان وأخلافه من الْمُعْتَزلَة شكوا فى وجودهَا الْيَوْم وَلم يَقُولُوا بتكفير من قَالَ انهما مخلوقان والمثبتون لخلقهما يكفرون من أنكرهما ويقسمون بِاللَّه تَعَالَى ان من أنكرهما لَا يدْخل الْجنَّة وَلَا ينجو من النَّار
الفضيحة الثَّامِنَة من فضائحه انكاره افتضاض الابكار فى الْجنَّة وَمن انكر ذَلِك يحرم ذَلِك بل يحرم عَلَيْهِ دُخُول الْجنَّة فضلا عَن افتضاض الابكار فِيهَا وَكَانَ القوطى مَعَ ضلالاته الَّتِى حكيناها
стр. 150
عَنهُ يرى قتل مخالفيه فى السِّرّ غيلَة وان كَانُوا من أهل مِلَّة الاسلام وَأهل السّنة يَقُولُونَ فى القوطى وَأَتْبَاعه إِن دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ حَلَال للْمُسلمين وَفِيه الْخمس وَلَيْسَ على قَاتل الْوَاحِد مِنْهُم قَود وَلَا دِيَة وَلَا كَفَّارَة بل لقاتله عِنْد الله تَعَالَى الْقرْبَة والزافى وَالْحَمْد لله على ذَلِك
ذكر المردادية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع عِيسَى بن صبيح الْمَعْرُوف بابى مُوسَى المردار وَكَانَ يُقَال لَهُ رَاهِب الْمُعْتَزلَة وَهَذَا اللقب لَائِق بِهِ ان كَانَ المُرَاد بِهِ مأخوذا من رَهْبَانِيَّة النَّصَارَى ولقبه بالمردار لَائِق بِهِ ايضا وَهُوَ فى الْجُمْلَة كَمَا قيل ... وَقل مَا أَبْصرت عَيْنَاك من رجل
الا وَمَعْنَاهُ ان فَكرت فى لقبه ...
وَكَانَ هَذَا المردار يزْعم ان النَّاس قادرون على ان يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن وَبِمَا هُوَ افصح مِنْهُ كَمَا قَالَه النظام وفى هَذَا عناد مِنْهُمَا لقَوْل الله ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾ وَكَانَ المردار مَعَ ضلالته يَقُول بتكفير من لابس السُّلْطَان وَيَزْعُم انه لَا يَرث وَلَا يُورث وَكَانَ اسلافه من الْمُعْتَزلَة يَقُولُونَ فِيمَن لابس السُّلْطَان من موافقيهم فى الْقدر والاعتزال انه فَاسق لَا مُؤمن وَلَا كَافِر وافتى المردار بانه كَافِر وَالْعجب من
стр. 151
من سُلْطَان زَمَانه كَيفَ ترك قَتله مَعَ تكفيره إِيَّاه وتكفير من خالطه وَكَانَ يزْعم ايضا ان الله قَادر على ان يظلم ويكذب وَلَو فعل مقدوره من الظُّلم وَالْكذب لَكَانَ الها ظَالِما كَاذِبًا وَحكى ابو زفر عَن المردار انه أجَاز وُقُوع فعل وَاحِد من فاعلين مخلوقين على سَبِيل التولد مَعَ انكاره على أهل السّنة مَا أجازوه من وُقُوع فعل من فاعلين احدهما خَالق وَالْآخر مكتسب وَزعم المردار أَيْضا أَن من أجَاز رُؤْيَة الله تَعَالَى بالابصار بِلَا كَيفَ فَهُوَ كَافِر والشاك فى كفره كَافِر وَكَذَلِكَ الشاك فى الشاك لَا الى نِهَايَة وَالْبَاقُونَ من الْمُعْتَزلَة انما قَالُوا بتكفير من أجَاز الرُّؤْيَة على جِهَة الْمُقَابلَة اَوْ على اتِّصَال شُعَاع بصر الرائى بالمرئى وَالَّذين اثبتوا الرُّؤْيَة مجمعون على تَكْفِير المردار وتكفير الشاك فِي كفره وَقد حكت المعتزله عَن المردار انه لما حَضرته الْوَفَاة اوصى أَن يتَصَدَّق بِمَالِه وَلَا يدْفع شىء مِنْهُ الى ورثته وَقد اعتذر أَبُو الْحُسَيْن الْخياط عَن ذَلِك بِأَن قَالَ كَانَ فى مَاله شبه وَكَانَ للْمَسَاكِين فِيهِ حق وَقد وَصفه فى هَذَا الِاعْتِذَار بانه كَانَ غَاصبا وخائنا للْمَسَاكِين وَالْغَاصِب عِنْد الْمُعْتَزلَة فَاسق مخلد فى النَّار وَقد اكفره سَائِر الْمُعْتَزلَة فى قَوْله بتولد فعل وَاحِد من فاعلين وَقد اكفر هُوَ أَبَا الْهُذيْل فى قَوْله بِفنَاء مقدورات الله وصنف فِيهِ كتابا واكفر استاذه بشر بن الْمُعْتَمِر فى
стр. 152
قَوْله بتوليد الالوان والطعوم والروائح والادراكات واكفر النظام فى قَوْله بِأَن المتولدات من فعل الله وَقَالَ يلْزمه ان يكون قَول النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله من فعل الله فَهَذَا رَاهِب الْمُعْتَزلَة قد قَالَ بتكفير شُيُوخه وَقَالَ شُيُوخه بتكفيره وكلا الْفَرِيقَيْنِ محق فى تَكْفِير صَاحبه
ذكر الجعفرية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع جَعْفَر ابْن احدهما جَعْفَر ابْن حَرْب وَالْآخر جَعْفَر بن مُبشر وَكِلَاهُمَا للضلالة رَأس وللجهالة اساس اما جَعْفَر بن مُبشر فانه زعم ان فى فساق هَذِه الامة من هُوَ شَرّ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس والزنادقة هَذَا مَعَ قَوْله بِأَن الْفَاسِق موحد وَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَلَا كَافِر فَجعل الموحد الذى لَيْسَ بِكَافِر شرا من الثنوى الْكَافِر واقل مَا نقابل بِهِ على هَذَا القَوْل ان نقُول لَهُ انك عندنَا شَرّ من كل كَافِر على جَدِيد الارض وَزعم ايضا ان اجماع الصَّحَابَة على ضرب شَارِب الْخمر الْحَد وَقع خطأ لانهم أَجمعُوا عَلَيْهِ برأيهم فشارك ببدعته هطه نجدات الْخَوَارِج فى انكارها حد الْخمر وَقد أجمع فُقَهَاء الامة على تَكْفِير من أنكر حد الْخمر النىء وانما اخْتلفُوا فى حد شَارِب النَّبِيذ اذا لم يسكر مِنْهُ فَأَما اذا سكر مِنْهُ فَعَلَيهِ الْحَد عِنْد فريقى الرأى والْحَدِيث على رغم من انكر ذَلِك وَزعم ابْن مُبشر ايضا ان من سرق حَبَّة اَوْ
стр. 153
مَا دونهَا فَهُوَ فَاسق مخلد فى النَّار وَخَالف بذلك اسلافه الَّذين قَالُوا بغفران الصَّغَائِر عِنْد اجْتِنَاب الْكَبَائِر وَزعم ايضا ان تأييد المذنبين فى النَّار من مُوجبَات الْعُقُول وَخَالف بذلك اسلافه الَّذين قَالُوا ان ذَلِك مَعْلُوم بِالشَّرْعِ دون الْعقل وَزعم ايضا ان رجلا لَو بعث الى امْرَأَة يخطبها ليتزوجها وجاءته الْمَرْأَة فَوَثَبَ عَلَيْهَا فَوَطِئَهَا من غير عقد انه لَا حد عَلَيْهَا لِأَنَّهَا جَاءَتْهُ على سَبِيل النِّكَاح واوجب الْحَد على الرجل لانه قصد الزِّنَى وَلم يعلم هَذَا الْجَاهِل ان المطاوعة للزانى زَانِيَة اذا لم تكن مُكْرَهَة وانما اخْتلف الْفُقَهَاء فِيمَن اكره امْرَأَة على الزِّنَى فَمنهمْ من أوجب للْمَرْأَة مهْرا وَأوجب على الرجل حدا وَبِه قَالَ الشافعى وفقهاء الْحجاز وَمِنْهُم من أسقط الْحَد على الرجل لأجل وجوب الْمهْر عَلَيْهِ وَلم يقل اُحْدُ من سلف الامة بِسُقُوط الْحَد عَن المطاوعة للزانى كَمَا قَالَه ابْن مُبشر وَكَفاهُ بِخِلَاف الاجماع خزيا واما جَعْفَر بن حَرْب فانه جرى على ضلالات استاذه المردار وَزَاد عَلَيْهِ قَوْله بَان بعض الْجُمْلَة غير الْجُمْلَة وَهَذَا يُوجب عَلَيْهِ ان تكون الْجُمْلَة غير نَفسهَا اذ كَانَ كل بعض مِنْهَا غَيرهَا وَكَانَ يزْعم ان الْمَمْنُوع من الْعقل قَادر على الْعقل وَلَيْسَ يقدر على شىء وَهَكَذَا حكى عَنهُ الشّعبِيّ فى مقالاته وَيلْزمهُ على هَذَا الاصل ان يُجِيز كَون الْعَالم
стр. 154
لَيْسَ غير عَالم بشىء قَالَ عبد القاهر لِابْنِ حَرْب كتاب فى بَيَان ضلالاته وَقد نقضنا عَلَيْهِ وسمينا نقضنا عَلَيْهِ بِكِتَاب الْحَرْب على ابْن حَرْب وَفِيه نقض اصوله وفصوله بِحَمْد الله وَمِنْه ذكر الاسكافية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع مُحَمَّد بن عبد الله الاسكافى وَكَانَ قد أَخذ ضلالته فى الْقدر عَن جَعْفَر بن حَرْب ثمَّ خَالفه فى بعض فروعه وَزعم ان الله تَعَالَى يُوصف بِالْقُدْرَةِ على ظلم الاطفال والمجانين وَلَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على ظلم الْعُقَلَاء فَخرج عَن قَول النظام بِأَنَّهُ لَا يقدر على الظُّلم وَالْكذب وَخرج عَن قَول من قَالَ من أسلافه انه يقدر على الظُّلم وَالْكذب وَلكنه لَا يفعلهما لعلمه بقبحهما وغناه عَنْهُمَا وَجعل بَين الْقَوْلَيْنِ منزلَة فَزعم انه انما يقدر على ظلم من لَا عقل لَهُ وَلَا يقدر على ظلم الْعُقَلَاء واكفره اسلافه فى ذَلِك واكفرهم هُوَ فى خِلَافه وَمن تَدْقِيقه فى ضلالته قَوْله بانه يجوز ان يُقَال ان الله يكلم الْعباد وَلَا يجوز ان يُقَال انه يتَكَلَّم وَسَماهُ مكلما وَلم يسمه متكلما وَزعم ان متكلما يُوهم ان الْكَلَام قَامَ بِهِ ومكلم لَا يُوهم ذَلِك كَمَا ان متحركا يقتضى قيام الْحَرَكَة بِهِ ومتكلما يقتضى قيام الْكَلَام بِهِ فَصَحِيح عندنَا وَكَلَام الله تَعَالَى عندنَا قَائِم بِهِ واما أسلافه من الْقَدَرِيَّة فانهم يَقُولُونَ لَهُ ان اعتلالك هَذَا يُوجب عَلَيْك ان يكون الْمُتَكَلّم من بدن الانسان
стр. 155
لِسَانه فَحسب لَان الْكَلَام عنْدك يحل فِيهِ بل يُوجب عَلَيْك احالة اجراء اسْم الْمُتَكَلّم على شىء لَان الْكَلَام عنْدك وَعند سَائِر الْمُعْتَزلَة لَهُ حُرُوف وَلَا يَصح ان يكون حرف وَاحِد كلَاما وَمحل كل حرف من حُرُوف الْكَلَام غير مَحل الْحَرْف الآخر فيعنى على اعتلالك ان لَا يكون الانسان متكلما وَلَا جُزْء مِنْهُ على قَود اعتلالك ان الله تَعَالَى لم يكن متكلما لَان الْكَلَام لَا يقوم بِهِ عنْدك وَقد فخم بعض الْمُعْتَزلَة من الاسكافى بَان زعم ان مُحَمَّد بن الْحسن رَآهُ مَاشِيا فَنزل عَن فرسه وَهَذَا كذب من قَائِله لَان الاسكافى لم يكن فى زمَان مُحَمَّد بن الْحسن وَمَات مُحَمَّد بن الْحسن بالرى فى خلَافَة هرون الرشيد وَلم يدْرك الاسكافى زمَان الرشيد وَلَو أدْرك زمَان مُحَمَّد لم يكن مُحَمَّد ينزل لمثله عَن فرسه مَعَ تكفيره اياه وَقد روى هِشَام بن عبيد الله الرازى عَن مُحَمَّد بن الْحسن ان من صلى خلف المعتزلى يُعِيد صلَاته وروى هِشَام ايضا عَن يحيى ابْن اكثم عَن أَبى يُوسُف انه سُئِلَ عَن الْمُعْتَزلَة فَقَالَ هم الزَّنَادِقَة وَقد اشار الشافعى فى كتاب الْقيَاس الى رُجُوعه عَن قبُول شَهَادَة الْمُعْتَزلَة وَأهل الاهواء وَبِه قَالَ مَالك وفقهاء الْمَدِينَة فَكيف يَصح من ائمة الاسلام اكرام الْقَدَرِيَّة بالنزول لَهُم مَعَ قَوْلهم بتكفيرهم
стр. 156
ذكر الثمامية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع ثُمَامَة بن اشرس النميرى من مواليهم وَكَانَ زعيم الْقَدَرِيَّة فى زمَان الْمَأْمُون والمعتصم والواثق وَقيل انه هُوَ الذى اغوى الْمَأْمُون بَان دَعَاهُ الى الاعتزال وَانْفَرَدَ عَن سَائِر اسلاف الْمُعْتَزلَة ببدعتين اكفرته الامة كلهَا فِيهَا احداهما انه لما شَاركهُ اصحاب المعارف فى دَعوَاهُم ان المعارف ضَرُورِيَّة زعم ان من لم يضطره الله تَعَالَى الى مَعْرفَته لم يكن مَأْمُورا بالمعرفة وَلَا مَنْهِيّا عَن الْكفْر وَكَانَ مخلوقا للسحرة والاعتبارية فَحسب كَسَائِر الْحَيَوَانَات الَّتِى لَيست بمكلفة وَزعم لاجل ذَلِك ان عوام الدهرية وَالنَّصَارَى والزنادقة يصيرون فى الْآخِرَة تُرَابا وَزعم ان الْآخِرَة انما هى دَار ثَوَاب اَوْ عِقَاب وَلَيْسَ فِيهَا لمن مَاتَ طفْلا وَلَا لمن يعرف الله تَعَالَى بِالضَّرُورَةِ طَاعَة يسْتَحقُّونَ بهَا ثَوابًا وَلَا مَعْصِيّة يسْتَحقُّونَ عَلَيْهَا عقَابا فيصيرون حِينَئِذٍ تُرَابا اذ لم يكن لَهُم حَظّ فى ثَوَاب وَلَا عِقَاب والبدعة الثَّانِيَة من بدع ثُمَامَة قَوْله بَان الافعال المتولدة افعال لَا فَاعل لَهَا وَهَذِه الضَّلَالَة تجر الى انكار صانع الْعَالم لانه لَو صَحَّ وجود فعل بِلَا فَاعل لصَحَّ وجود كل فعل بِلَا فَاعل وَلم يكن حِينَئِذٍ من الافعال دلَالَة على فاعلها وَلَا كَانَ فى حُدُوث الْعَالم دلَالَة على صانعة كَمَا لَو أجَاز انسان وجود كِتَابَة لَا من كَاتب وَوُجُود مَنْسُوخ ومبنى لَا من بَان
стр. 157
وناسخ وَيُقَال لَهُ اذا كَانَ كَلَام الانسان عنْدك متولدا وَلَا فَاعل لَهُ عنْدك فَلم تلوم الانسان على كذبه وعَلى كلمة الْكفْر وَهُوَ عنْدك غير فَاعل للكذب وَلَا لكلمة الْكفْر وَمن فضائح ثُمَامَة ايضا انه كَانَ يَقُول فى دَار الاسلام انها دَار شرك وَكَانَ يحرم السبى لَان المسبى عِنْده مَا عصى ربه اذا لم يعرفهُ وانما العاصى عِنْده من عرف ربه بِالضَّرُورَةِ ثمَّ جَحده اَوْ عَصَاهُ وفى هَذَا اقرار مِنْهُ على نَفسه بانه ولد زنى لانه كَانَ من الموالى وَكَانَت امهِ مسبية وَوَطْء من لَا يجوز سبيهَا على حكم السبى الْحَرَام زنى والمولود مِنْهُ ولد زنى فبدعة ثُمَامَة على هَذَا التَّقْدِير لَائِق بنسبه وَقد حكى أَصْحَاب التواريخ عَن سخافة ثُمَامَة ومجونة أمورا عَجِيبَة مِنْهَا مَا ذكره عبد الله بن مُسلم عَن قُتَيْبَة فى كتاب مُخْتَلف الحَدِيث ذكر فِيهِ ان ثُمَامَة بن اشرس رأى النَّاس يَوْم جُمُعَة يتعادون الى الْمَسْجِد الْجَامِع لخوفهم فَوت الصَّلَاة فَقَالَ لرفيق لَهُ انْظُر الى هَؤُلَاءِ الْحمير وَالْبَقر ثمَّ قَالَ مَاذَا صنع ذَاك العربى بِالنَّاسِ يعْنى رَسُول الله ﷺ وَحكى الجاحظ فى كتاب المضاحك ان الْمَأْمُون ركب يَوْمًا فَرَأى ثُمَامَة سَكرَان قد وَقع فى الطين فَقَالَ لَهُ ثُمَامَة قَالَ أى وَالله قَالَ أَلا تستحى قَالَ لَا وَالله قَالَ عَلَيْك لعنة الله قَالَ تترى ثمَّ تترى وَذكر الجاحظ ايضا ان غُلَام
стр. 158
ثُمَامَة قَالَ يَوْمًا لثمامة قُم صل فتغافل فَقَالَ لَهُ قد ضَاقَ الْوَقْت فَقُمْ وصل واسترح فَقَالَ انا مستريح إِن تركتنى وَذكر صَاحب تَارِيخ المراوزة ان ثُمَامَة بن أَشْرَس سعى الى الواثق باحمد بن نصر المروزى وَذكر لَهُ ان يكفر من يُنكر رُؤْيَة الله تَعَالَى وَمن يَقُول يخلق الْقُرْآن فاعتصم من بِدعَة الْقَدَرِيَّة فَقتله ثمَّ نَدم على قَتله وعاتب ثُمَامَة وَابْن دَاوُود وَابْن الزيات فى ذَلِك وَكَانُوا قد أشاروا عَلَيْهِ بقتْله فَقَالَ لَهُ ابْن الزيات وان لم يكن قَتله صَوَابا فقتلنى الله تَعَالَى بَين المَاء وَالنَّار وَقَالَ ابْن أَبى دَاوُد حبسنى الله تَعَالَى فِي جلدى ان لم يكن قَتله صَوَابا وَقَالَ ثُمَامَة سلط الله تَعَالَى على السيوف ان لم تكن أَنْت مصيبا فى قَتله فَاسْتَجَاب الله تَعَالَى دُعَاء كل وَاحِد مِنْهُم فى نَفسه أما ابْن الزيات فانه قتل فى الْحمام وَسقط فى اثوابه فَمَاتَ بَين لماء وَالنَّار وَأما ابْن أَبى دَاوُد فان المتَوَكل رَحْمَة الله حَبسه فاصابه فى حَبسه الفالج فبقى فى جلده مَحْبُوسًا بالفالج الى ان مَاتَ وَأما ثُمَامَة فانه خرج الى مَكَّة فَرَآهُ الخزاعيون بَين الصَّفَا والمروه فَنَادَى رجل مِنْهُم فَقَالَ يَا آل خُزَاعَة هَذَا الذى سعى بصاحبكم احْمَد بن فهر وسعى فى دَمه فَاجْتمع عَلَيْهِ بَنو خُزَاعَة بسيوفهم حَتَّى قَتَلُوهُ ثمَّ اخْرُجُوا جيفتة من الْحرم فاكلته السبَاع خَارِجا من الْحرم فَكَانَ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فذاقت وبال أمرهَا وَكَانَ عَاقِبَة أمرهَا خسرا﴾
стр. 159
ذكر الجاحظية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع عَمْرو بن يحيى الجاحظ وهم الَّذين اغتروا بِحسن بذله هَكَذَا الجاحظ فى كتبه الَّتِى لَهَا تَرْجَمَة تروق بِلَا معنى وَاسم يهول وَلَو عرفُوا جهالاته فى ضلالاته لاستغفروا لله تَعَالَى من تسميتهم اياه انسانا فضلا عَن ان ينسبوا اليه احسانا فَمن ضلالاته المنسوبة اليه مَا حَكَاهُ الكعبى عَنهُ فى مقالاته مَعَ افتخاره بِهِ من قَوْله ان المعارف كلهَا طباع وهى مَعَ ذَلِك فعل للعباد وَلَيْسَت بِاخْتِيَار لَهُم قَالُوا وَوَافَقَ ثُمَامَة فى ان لَا فعل للعباد الا الارادة وان سَائِر الافعال تنْسب الى الْعباد على معنى انها وَقعت مِنْهُم طباعا وانها وَجَبت بارادتهم قَالَ وَزعم ايضا انه لَا يجوز ان يبلغ اُحْدُ فَلَا يعرف الله تَعَالَى وَالْكفَّار عِنْده من معاند وَمن عَارِف قد استغرقه حبه لمذهبه فَهُوَ لَا يشْكر بِمَا عِنْده من الْمعرفَة بخالقه وبصدق رسله فان صدق الكعبى على الجاحظ فى أَن لَا فعل للانسان الا الارادة لزمَه ان لَا يكون الانسان مُصَليا وَلَا صَائِما وَلَا حَاجا وَلَا زَانيا وَلَا سَارِقا وَلَا قَاذِفا وَلَا قَاتلا لانه لم يفعل عِنْده صَلَاة وَلَا صوما وَلَا حجا وَلَا زنى وَلَا سَرقَة وَلَا قتلا وَلَا قذفا لَان هَذِه الافعال عِنْده غير الارادة واذا كَانَت هَذِه الافعال الَّتِى ذَكرنَاهَا عِنْده طباعا لَا كسبا لزمَه
стр. 160
ان لَا يكون للانسان عَلَيْهَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب لَان الانسان لَا يُثَاب وَلَا يُعَاقب على مَا لَا يكون كسبا لَهُ كَمَا لَا يُثَاب وَلَا يُعَاقب على لَونه وتركيب بدنه اذا لم يكن ذَلِك من كَسبه وَمن فضائح الجاحظ ايضا قَوْله باستحالة عدم الاجسام بعد حدوثها وَهَذَا يُوجب القَوْل بَان الله يقدر على خلق شىء وَلَا يقدر على افنائه وانه لَا يَصح بَقَاؤُهُ بعد ان خلق الْخلق مُنْفَردا كَمَا كَانَ مُنْفَردا قبل ان خلق الْخلق وَنحن وان قُلْنَا ان الله لَا يفنى الْجنَّة وَنَعِيمهَا وَالنَّار وعذابها ولسنا نجْعَل ذَلِك بَان الله قَادر على افناء ذَلِك كُله وانما نقُول بدوام الْجنَّة وَالنَّار بطرِيق الْخَبَر وَمن فضائح الجاحظ ايضا قَوْله بَان الله لَا يدْخل النَّار احدا وانما النَّار تجذب اهلها الى نَفسهَا بطبعها ثمَّ تمسكهم فى نَفسهَا على الخلود وَيلْزمهُ على هَذَا القَوْل ان يَقُول فى الْجنَّة انها تجذب اهلها الى نَفسهَا بطبعها وان الله لَا يدْخل احدا الْجنَّة فان قَالَ بذلك قطع الرَّغْبَة الى الله فى الثَّوَاب وابطل فَائِدَة الدُّعَاء وان قَالَ ان الله تَعَالَى هُوَ يدْخل اهل الْجنَّة الْجنَّة لزمَه القَوْل بَان يدْخل النَّار اهلها وَقد افتخر الكعبى بالجاحظ وَزعم انه من شُيُوخ الْمُعْتَزلَة وافتخر بتصانيفه الْكَثِيرَة وَزعم انه كنانى من بنى كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر فَيُقَال لَهُ ان كَانَ كنانيا
стр. 161
كَمَا زعمت فَلم صنفت كتاب مفاخر القحطانية على الكنانية وَسَائِر العدنانية وان كَانَ عَرَبيا فَلم صنف كتاب فضل الموالى على الْعَرَب وَقد ذكر فى كِتَابه المسى بمفاخر قحطان على عدنان اشعارا كَثِيرَة من هجاء القحطانية للعدنانية وَمن رضى بهجو آبَائِهِ كمن هجا أَبَاهُ وَقد أحسن جحظة فِي هجاء ابْن بسام الذى هجا اباه فَقَالَ من كَانَ يهجو أَبَاهُ فهجوه قد كَفاهُ لَو انه من أَبِيه مَا كَانَ يهجو اباه واما كتبه المزخرفة فاصناف مِنْهَا كِتَابَة فى حيل اللُّصُوص وَقد علم بهَا الفسقة وُجُوه السّرقَة وَمِنْهَا كِتَابه فى عشر الصناعات وَقد افسد بِهِ على التُّجَّار سلعهم وَمِنْهَا كِتَابه فى النواميس وَهُوَ ذَرِيعَة للمحتالين يجتلبون بهَا ودائع النَّاس واموالهم وَمِنْهَا كِتَابه فى الْفتيا وَهُوَ مشحون بطعن استاذه النظام على اعلام الصَّحَابَة وَمِنْهَا كتبه فى القحاب وَالْكلاب واللاطة وفى حيل المكدين ومعانى هَذِه الْكتب لائقة بِهِ وبصفته واسرته وَمِنْهَا كتاب طبائع الْحَيَوَان وَقد سلخ فِيهِ معانى كتاب الْحَيَوَان لارسطاطاليس وَضم اليه مَا ذكره المدائنى من حكم الْعَرَب وَأَشْعَارهَا فى مَنَافِع الْحَيَوَان ثمَّ انه شحن الْكتاب بمناظرة بَين الْكَلْب والديك والاشتغال بِمثل هَذِه المناظرة يضيع الْوَقْت بالغث وَمن افتخر بالجاحظ سلمناه اليه قَول اهل السّنة فى الجاحظ
стр. 162
كَقَوْل الشَّاعِر فِيهِ ... لَو يمسخ الْخِنْزِير مسخا ثَانِيًا
مَا كَانَ الا دون قبح الجاحظ ... رجل يَتُوب عَن الْجَحِيم بِنَفسِهِ
وَهُوَ القذى فى كل طرف لاحظ ...
ذكر الشحامية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع أَبى يَعْقُوب الشحام وَكَانَ استاذ الجبائى وضلالاته كضلالات الجبائى غير انه أجَاز كَون مَقْدُور وَاحِد لقادرين وَامْتنع الجبائى وَابْنه من ذَلِك وَقد ظن بعض أَن الاغبياء قَول الشحام كَقَوْل الصفاتية فى مَقْدُور لقادرين وَبَين الْقَوْلَيْنِ فرق وَاضح وَذَلِكَ ان الشحام اجاز كَون مَقْدُور وَاحِد لقادرين يَصح ان يحدثه كل وَاحِد مِنْهُمَا على الْبَدَل وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الكعبى فى كتاب عُيُون الْمسَائِل على أَبى الْهُذيْل والصفاتية لَا يثبتون خالقين وانما يجيزون كَون مَقْدُور وَاحِد لقادرين أَحدهمَا خالقه وَالْآخر مكتسب لَهُ وَلَيْسَ الْخَالِق مكتسبا وَلَا المكتسب خَالِقًا وفى هَذَا بَيَان الْفرق بَين الفرقين على اخْتِلَاف الطَّرِيقَيْنِ
ذكر الخياطية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع ابى الْحُسَيْن الْخياط الذى كَانَ استاذ الكعبى فِي ضلالته وشارك الْخياط سَائِر الْقَدَرِيَّة فى اكثر ضلالاتها وَانْفَرَدَ عَنْهُم بقول من لم يسْبق اليه فى الْمَعْدُوم وَذَلِكَ ان الْمُعْتَزلَة اخْتلفُوا فى تَسْمِيَة الْمَعْدُوم شَيْئا مِنْهُم من قَالَ لَا يَصح ان يكون الْمَعْدُوم مَعْلُوما ومذكورا وَلَا يَصح كَونه شَيْئا وَلَا ذاتا
стр. 163
وَلَا جوهرا وَلَا عرضا وَهَذَا اخْتِيَار الصالحى مِنْهُم وَهُوَ مُوَافق لاهل السّنة فى الْمَنْع فى تَسْمِيَة الْمَعْدُوم شَيْئا وَزعم آخَرُونَ من الْمُعْتَزلَة ان الْمَعْدُوم شىء وَمَعْلُوم ومذكور وَلَيْسَ بجوهر وَلَا عرض وَهَذَا اخْتِيَار الكعبى مِنْهُم وَزعم الجبائى ابْنه ابو هَاشم ان كل وصف يسْتَحقّهُ الْحَادِث لنَفسِهِ اَوْ لجنسه فان الْوَصْف ثَابت لَهُ فى حَال عَدمه وَزعم ان الْجَوْهَر كَانَ فى حَال عَدمه جوهرا وَكَانَ الْعرض فى حَال عَدمه عرضا وَكَانَ السوَاد سوادا وَالْبَيَاض بَيَاضًا فى حَال عدمهما وَامْتنع هَؤُلَاءِ كلهم عَن تَسْمِيَة الْمَعْدُوم جسما من قبل ان الْجِسْم عِنْدهم مركب وَفِيه تأليف وَطول وَعرض وعمق وَلَا يجوز وصف مَعْدُوم بِمَا يُوجب قيام معنى بِهِ وَفَارق الْخياط فى هَذَا الْبَاب جَمِيع الْمُعْتَزلَة وَسَائِر فرق الامة فَزعم ان الْجِسْم فى حَال عَدمه يكون جسما لانه يجوز ان يكون فى حَال حُدُوثه جسما وَلم يجز ان يكون الْمَعْدُوم متحركا لَان الْجِسْم فى حَال حُدُوثه لَا يَصح ان يكون متحركا عِنْده فَقَالَ كل وصف يجوز ثُبُوته فى حَال الْحُدُوث فَهُوَ ثَابت لَهُ فى حَال عَدمه وَيلْزمهُ على هَذَا الاعتلال ان يكون الانسان قبل حُدُوثه انسانا لَان الله تَعَالَى لَو احدثه على صُورَة الانسان بكمالها من غير نقل لَهُ فى الاصلاب والارحام وَمن غير تَغْيِير لَهُ من صُورَة الى صُورَة اخرى
стр. 164
يَصح ذَلِك وَحسان هَؤُلَاءِ الخياطية يُقَال لَهُم لمعدومية لافراطهم بوصفهم الْمَعْدُوم باكثر اوصاف الموجودات وَهَذَا اللقب لَائِق بهم وَقد نقض الجبائى على الْخياط قَوْله بَان الْجِسْم جسم قبل حُدُوثه فى كتاب مُفْرد وَذكر ان قَوْله بذلك يُؤَدِّيه الى القَوْل بقدم الاجسام وَهَذَا الالزام مُتَوَجّه على الْخياط وَيتَوَجَّهُ مثله على الجبائى وَابْنه فى قَوْلهمَا بَان الْجَوَاهِر والاعراض كَانَت فى حَال الْعَدَم اعراضا وجواهر فاذا قَالُوا لم تزل اعيانا وجواهر واعراضا وَلم يكن حدوثها لِمَعْنى سوى اعيانها فقد لَزِمَهُم القَوْل بوجودها فى الازل وصاروا فى تَحْقِيق معنى قَول الَّذين قَالُوا بقدم الْجَوَاهِر والاعراض وَكَانَ الخياطي مَعَ ضلالته فى الْقدر وفى المعدومات مُنكر الْحجَّة فى اخبار الْآحَاد وَمَا اراد بانكاره الا انكار اكثر احكام الشَّرِيعَة فان اكثر فروض الْفِقْه مَبْنِيَّة على اخبار من اخبار الْآحَاد وللكعبى عَلَيْهِ كتاب فى حجَّة اخبار الاحاد وَقد ضلل فِيهِ من انكر الْحجَّة فِيهَا وَقُلْنَا للكعبى يَكْفِيك من الخزى والعار انتسابك الى استاذ تقر بضلالته
ذكر الْكَعْبِيَّة مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع ابى الْقَاسِم عبد الله بن احْمَد ابْن مَحْمُود البنحى الْمَعْرُوف بالكعبى وَكَانَ حَاطِب قبل يدعى فى انواع الْعُلُوم على الْخُصُوص والعموم وَلم يحظ فى شىء مِنْهَا باسراره
стр. 165
وَلم يحط بِظَاهِرِهِ فضلا عَن بَاطِنه وَخَالف الْبَصرِيين من الْمُعْتَزلَة فى احوال كَثِيرَة مِنْهَا ان الْبَصرِيين مِنْهُم اقروا بَان الله تَعَالَى يرى خلقه من الاجسام والالوان وانكروا ان يرى نَفسه كَمَا انكروا ان يرَاهُ غَيره وَزعم الكعبى ان الله تَعَالَى لَا يرى نَفسه وَلَا غَيره الا على معنى علمه بِنَفسِهِ وَبِغَيْرِهِ وَتبع النظام فى قَوْله ان الله تَعَالَى لَا يرى شَيْئا فى الْحَقِيقَة وَمِنْهَا ان الْبَصرِيين مِنْهُم مَعَ اصحابنا فى ان الله سامع للْكَلَام والاصوات على الْحَقِيقَة لَا على معنى انه عَالم بهما وَزعم الكعبى والبغداديون من الْمُعْتَزلَة ان الله تَعَالَى لَا يسمع شَيْئا على معنى الادراك الْمُسَمّى بِالسَّمْعِ وتأولوا وَصفه بالسميع الْبَصِير على معنى انه عليم بالمسموعات الَّتِى يسْمعهَا غَيره والمرئيات الَّتِي يَرَاهَا غَيره وَمِنْهَا ان الْبَصرِيين مِنْهُم مَعَ اصحابنا فى ان الله مُرِيد على الْحَقِيقَة غير ان اصحابنا قَالُوا انه لم يزل مرِيدا بارادة ازلية وَزعم البصريون من الْمُعْتَزلَة انه يُرِيد بارادة حَادِثَة لَا فى مَحل وَخرج الكعبى والنظام واتباعهما عَن هذَيْن الْقَوْلَيْنِ وَزَعَمُوا انه لَيست لله تَعَالَى ارادة على الْحَقِيقَة وَزَعَمُوا انه اذا قيل ان الله اراد شَيْئا من فعله فَمَعْنَاه انه فعله واذا قيل انه اراد من عِنْده فعلا فَمَعْنَاه انه امْرَهْ بِهِ وَقَالُوا ان وَصفه بالارادة فى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا مجَاز كَمَا ان وصف
стр. 166
الْجِدَار بالارادة قَول الله تَعَالَى ﴿جدارا يُرِيد أَن ينْقض﴾ مجَاز وَقد اكفرهم البصريون مَعَ اصحابنا فى نفيهم ارادة الله وَمِنْهَا ان الكعبى زعم ان الْمَقْتُول لَيْسَ بميت وعاند قَول الله تَعَالَى ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ وَسَائِر الامة مجمعون على ان كل مقتول ميت وان صَحَّ ميت غير مقتول وَمِنْهَا ان الكعبى على قَول من اوجب على الله تَعَالَى فعل الاصلح فى بَاب التَّكْلِيف وَمِنْهَا ان الْبَصرِيين مَعَ اصحابنا فى ان الِاسْتِطَاعَة معنى غير صِحَة الْبدن والسلامة من الافات وَزعم الكعبى انها لَيست غير الصِّحَّة والسلامة والبصريون من الْمُعْتَزلَة يكفرون البغداديين مِنْهُم والبغداديون يكفرون الْبَصرِيين وكلا الْفَرِيقَيْنِ صَادِق فى تَكْفِير الْفَرِيق الاخر كَمَا بَيناهُ فى كتاب فضائح الْقَدَرِيَّة
ذكر الجبائية مِنْهُم هَؤُلَاءِ أَتبَاع أَبى على الجبائى الذى أَهْوى اهل خوزستان وَكَانَت الْمُعْتَزلَة البصرية فى زَمَانه على مذْهبه ثمَّ انتقلوا بعده ألى مَذْهَب ابْنه أَبى هَاشم فَمن ضلالات الجبائى انه سمى الله مُطيعًا لعَبْدِهِ اذا فعل مرَادا لعبد وَكَانَ سَبَب ذَلِك انه قَالَ يَوْمًا لشَيْخِنَا أَبى الْحسن الاشعرى ﵀ مَا معنى الطَّاعَة عنْدك فَقَالَ مُوَافقَة الامر وَسَأَلَهُ عَن قَوْله فِيهَا فَقَالَ
стр. 167
الجبائى حَقِيقَة الطَّاعَة عندى مُوَافقَة الارادة وكل من فعل مُرَاد غَيره فقد اطاعه فَقَالَ شَيخنَا ابو الْحسن ﵀ يلزمك على هَذَا الأَصْل ان يكون الله تَعَالَى مُطيعًا لعَبْدِهِ اذا فعل مُرَاده فَالْزَمْ ذَلِك فَقَالَ لَهُ شَيخنَا ﵀ خَالَفت إِجْمَاع الْمُسلمين وكفرت بِرَبّ الْعَالمين وَلَو جَازَ ان يكون الله تَعَالَى مُطيعًا لعَبْدِهِ لجَاز ان يكون خاضعا لَهُ تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا ثمَّ ان الجبائى زعم ان اسماء الله تَعَالَى جَارِيَة على الْقيَاس وَأَجَازَ إشتقاق اسْم لَهُ من كل فعل فعله والزمه شَيخنَا ابو الْحسن ﵀ ان يُسَمِّيه بمحبل النِّسَاء لانه خَالق الْحَبل فِيهِنَّ فالتزم ذَلِك فَقَالَ لَهُ بدعتك هَذِه أشنع من ضَلَالَة النَّصَارَى فى تَسْمِيَة الله أَبَا لعيسى مَعَ امتناعهم من القَوْل بِأَنَّهُ محبل مَرْيَم وَمن ضلالات الجبائى ايضا انه أجَاز وجود عرض وَاحِد فى امكنة كَثِيرَة وفى اكثر من الف ألف مَكَان وَذَلِكَ انه أجَاز وجود كَلَام وَاحِد فى الف ألف مَحل وَزعم ان الْكَلَام الْمَكْتُوب فى مَحل اذا كتب لي غَيره كَانَ مَوْجُودا فى المحلين من غير انْتِقَال مِنْهُ غير الْمَكَان الأول الى الثانى وَمن غير حُدُوث فِي الثانى وَكَذَلِكَ ان كتبت فى ألف مَكَان اَوْ الف ألف وَزعم هُوَ وَابْنه أَبُو هَاشم أَن الله تَعَالَى اذا أَرَادَ أَن يفنى الْعَالم خلق عرضا لَا فى مَحل أفنى بِهِ جَمِيع الاجسام
стр. 168
والجواهر وَلَا يَصح فى قدرَة الله تَعَالَى ان يفنى بعض الْجَوَاهِر مَعَ بَقَاء بَعْضهَا وَقد خلقهَا تفاريق وَلَا يقدر على إفنائها تفاريق وَقد حكى ان شَيخنَا أَبَا الْحسن ﵀ قَالَ للجبائى اذا زعمت ان الله تَعَالَى قد شاكل مَا أَمر بِهِ فَمَا تَقول فى رجل لَهُ على غَيره حق يماطله فِيهِ فَقَالَ لَهُ وَالله لاعطينك حَقك غَدا إِن شَاءَ الله ثمَّ لم يُعْطه حَقه فى غده فَقَالَ يَحْنَث فى يَمِينه لَان الله تَعَالَى قد شَاءَ ان يُعْطِيهِ حَقه فِيهِ فَقَالَ لَهُ خَالَفت إِجْمَاع الْمُسلمين قبلك لانهم اتَّفقُوا قبلك على ان من قرن يَمِينه بِمَشِيئَة الله لم يَحْنَث اذا لم يقر بِهِ
ذكر البهشمية هَؤُلَاءِ اتِّبَاع أَبى هَاشم والجبائى واكثر معتزلة عصرنا على مذْهبه لدَعْوَة ابْن عباد وَزِير آل بويه اليه وَيُقَال لَهُم الدمية لقَولهم بِاسْتِحْقَاق الدَّم واالعقاب لَا على فعل وَقد شاركوا الْمُعْتَزلَة فى اكثر ضلالاتها وانفردوا عَنْهُم بفضائح لم يسْبقُوا اليها مِنْهَا قَوْلهم بِاسْتِحْقَاق الدَّم وَالْعِقَاب لَا على فعل وَذَلِكَ انهم زَعَمُوا ان الْقَادِر مِنْهَا يجوز اان يَخْلُو من الْفِعْل والشرك مَعَ ارْتِفَاع الْمَوَانِع من الْفِعْل والذى الجأهم الى ذَلِك أَن اصحابنا قَالُوا للمعتزلة اذا اجزتم تقدم الِاسْتِطَاعَة على الْفِعْل لزمتكم التَّسْوِيَة بَين الْوَقْتَيْنِ والاوقات الْكَثِيرَة فى تقدمها عَلَيْهِ فَكَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي الْجَواب عَن هَذَا الالزام فَمنهمْ من كَانَ يُوجب وُقُوع الْفِعْل اَوْ ضِدّه بالاستطاعة فِي
стр. 169
الْحَال الثَّانِيَة من حَال حُدُوث الِاسْتِطَاعَة الى وَقت حُدُوث الْفِعْل وَيُوجب وُقُوع الْفِعْل اَوْ ضِدّه عِنْد عدم الْمَوَانِع وَيَزْعُم مَعَ ذَلِك ان الْقُدْرَة لَا تكون قدرته عَلَيْهِ فى حَال حُدُوثه وَمِنْهُم من اجاز عدم الْقُدْرَة مثل حُدُوث الْفِعْل وَمَعَ حُدُوث الْعَجز الذى هُوَ ضد الْقُدْرَة الَّتِي قد عدمت بعد وجودهَا وَرَأى أَبُو هَاشم بن الجبائى توجه الزام أَصْحَابنَا عَلَيْهِم فِي التَّسْوِيَة بَين الْوَقْتَيْنِ والاوقات الْكَثِيرَة فى جَوَاز تقدم الِاسْتِطَاعَة على الْفِعْل ان جَازَ تقدمها عَلَيْهِ وَلم يجد للمعتزلة عَنهُ انفصالا صَحِيحا فالتزم التَّسْوِيَة وَأَجَازَ بَقَاء المستطيع ابدا مَعَ بَقَاء قدرته وتوفر الْآيَة وارتفاع الْمَوَانِع عَنهُ عاليها من الْفِعْل وَالتّرْك فَقيل لَهُ على هَذَا الاصل أَرَأَيْت لَو كَانَ هَذَا الْقَادِر مُكَلّفا وَمَات قبل ان يفعل بقدرته طَاعَة لَهُ مَعْصِيّة مَاذَا يكون حَاله فَقَالَ يسْتَحق الذَّم وَالْعِقَاب الدَّائِم لَا على فعل وَلَكِن من أجل أَنه لم يفعل مَا أَمر بِهِ مَعَ قدرته عَلَيْهِ وتوفر الْآيَة فِيهِ وارتفاع الْمَوَانِع مِنْهُ فَقيل لَهُ كَيفَ اسْتحق الْعقَاب بِأَن لم يفعل مَا أَمر بِهِ وان لم يفعل مَا نهى عَنهُ دون ان يسْتَحق الثَّوَاب بِأَن لم يفعل مَا نهى عَنهُ وان لم يفعل مَا أَمر بِهِ وَكَانَ اسلافه من الْمُعْتَزلَة يكفرون من يَقُول إِن الله تَعَالَى يعذب العاصى على اكْتِسَاب مَعْصِيّة لم يخترعها العاصى وَقَالُوا الْآن إِن تَكْفِير أَبى هَاشم فِي
стр. 170
قَوْله بعقاب من لَيْسَ فِيهِ مَعْصِيّة لَا من فعله وَلَا من فعل غَيره اولى والثانى انه سمى من لم يفعل مَا أَمر بِهِ عَاصِيا وان لم يفعل مَعْصِيّة وَلم يُوقع اسْم الْمُطِيع الا على من فعل طَاعَة وَلَو صَحَّ عَارض بِلَا مَعْصِيّة لصَحَّ مُطِيع بِلَا طَاعَة اَوْ لصَحَّ كَافِر بِلَا كفر ثمَّ إِنَّه مَعَ هَذِه الْبدع الشنعاء زعم ان هَذَا الْمُكَلف لَو تغير تغيرا قبيحا لَا يسْتَحق بذلك قسطين من الْعَذَاب أَحدهمَا للقبيح الذى فعله والثانى لِأَنَّهُ لم يفعل الْحسن الذى أَمر بِهِ وَلَو تغير تغيرا حسنا وَفعل مثل أَفعَال الانبياء وَكَانَ الله تَعَالَى قد أمره بشىء فَلم يفعل وَلَا فعل ضِدّه لصار مخلدا وَسَائِر الْمُعْتَزلَة يكفرونه فِي هَذِه المواضيع الثَّلَاثَة أَحدهَا اسْتِحْقَاق الْعقَاب لَا على فعل والثانى اسْتِحْقَاق قسطين من الْعَذَاب اذا تغير تغيرا قبيحا وَالثَّالِث فِي قَوْله انه لَو تغير تغيرا حسنا وأطاع بِمثل طَاعَة الانبياء ﵈ وَلم يفعل شَيْئا وَاحِدًا مِمَّا أمره الله تَعَالَى بِهِ وَلَا ضِدّه لَا يسْتَحق الخلود فِي النَّار وألزمه اصحابنا فِي الْحُدُود مثل قَوْله فِي القسطين حَتَّى يكون عَلَيْهِ حدان حد الزِّنَى الذى قد فعله والثانى لِأَنَّهُ لم يفعل مَا وَجب عَلَيْهِ من ترك الزِّنَى وَكَذَلِكَ القَوْل فى حُدُود الْقَذْف وَالْقصاص وَشرب الْخمر وألزموه إِيجَاب كفارتين على الْمُفطر فِي شهر رَمَضَان إِحْدَاهمَا لفطرة الْمُوجب لِلْكَفَّارَةِ وَالثَّانيَِة
стр. 171
بِأَن لم يفعل مَا وَجب عَلَيْهِ من الصَّوْم والكف عَن الْفطر فَلَمَّا رأى ابْن الجبائى توجه هَذَا الالزام عَلَيْهِ فِي بدعته هَذِه ارْتكب مَا هُوَ أشنع مِنْهَا فِرَارًا من ايجاب حَدَّيْنِ وكفارتين فِي فعل وَاحِد فَقَالَ إِنَّمَا نهى عَن الزِّنَى وَالشرب وَالْقَذْف فَأَما ترك هَذِه الافعال فَغير وَاجِب عَلَيْهِ وألزموه ايضا القَوْل بثلاثه أقساط واكثر لَا الى نِهَايَة لانه اثْبتْ قسطين فِيمَا هُوَ متولد عِنْده قسطا لانه لم يَفْعَله وقسطا لانه لم يفعل سَببه وَقد وجدنَا من المسببات مَا يتَوَلَّد عِنْده من اسباب كَثِيرَة يتقدمه كاصابة الهدف بِالسَّهْمِ فانها يتَوَلَّد عِنْده من حركات كَثِيرَة يَفْعَلهَا الرمى فِي السهْم وكل حَرَكَة مِنْهَا سَبَب لما يَليهَا الى الاصابة وَلَو كَانَت مائَة حَرَكَة فالمائة مِنْهَا سَبَب الاصابة فَيبقى على أَصله اذا أمره الله تَعَالَى بالاصابة فَلم يَفْعَلهَا ان يسْتَحق مائَة قسط وقسطا آخر الْوَاحِد مِنْهَا ان لم يفعل الاصابة وَالْمِائَة لانه لم يفعل تِلْكَ الحركات وَمن اصله ايضا انه اذا كَانَ مَأْمُورا بالْكلَام فَلم يَفْعَله اسْتحق عَلَيْهِ قسطين قسطا لانه لم يفعل الْكَلَام وقسطا لانه لم يفعل سَببه وَلَو انه فعل ضد سَبَب الْكَلَام لَا يسْتَحق قسطين وَقَامَ هَذَا عِنْده مقَام السَّبَب الَّذِي لم يَفْعَله فَقُلْنَا لَهُ هَل اسْتحق ثَلَاثَة اقساط قسطا لانه لم يفعل الْكَلَام وقسطا لانه لم يفعل سَببه وقسطا لانه ضد سَبَب الْكَلَام وَقد حكى
стр. 172
بعض أَصْحَابنَا عَنهُ انه لم يكن يثبت القسطين إِلَّا فِي ترك سَبَب الْكَلَام وَحده وَقد نَص فِي كتاب اسْتِحْقَاق الذِّمَّة على خِلَافه وَقَالَ فِيهِ كل مَاله ترك مَخْصُوص فَحكمه حكم سَبَب الْكَلَام وَمَا لَيْسَ لَهُ ترك مَخْصُوص فَحكمه حكم ترك الْعَطِيَّة الْوَاجِبَة كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَة وَقَضَاء الدّين ورد الْمَظَالِم واراد بِهَذَا ان الزَّكَاة وَالْكَفَّارَة وَمَا اشبههما لَا تقع بجارحة مَخْصُوصَة وَلَا لَهُ ترك وَاحِد مَخْصُوص بل لَو صلى اَوْ حج أَو فعل غير ذَلِك كَانَ جَمِيعه تركا لِلزَّكَاةِ وَالْكَلَام سَبَب تَركه مَخْصُوص فَكَانَ تَركه قبيحا فاذا ترك سَبَب الْكَلَام اسْتحق لاجله قسطا وَلَيْسَ للعطية ترك قَبِيح فَلم يسْتَحق عَلَيْهِ قسطا آخر اكثر من ان يسْتَحق الذَّم لانه لم يود فَيُقَال لَهُ ان لم يكن ترك الصَّلَاة وَالزَّكَاة قبيحا وَجب ان يكون حسنا وَهَذَا خُرُوج عَن الدّين فَمَا يُؤَدِّي اليه مثله وَمن مناقضاته فِي هَذَا الْبَاب انه سمى من لم يفعل مَا وَجب عَلَيْهِ ظَالِما وان لم يُوجد مِنْهُ ظلم وَكَذَلِكَ سَمَّاهُ كَافِرًا وفاسقا وَتوقف فِي تَسْمِيَته إِيَّاه عَاصِيا فَأجَاز أَن يخلد الله فِي النَّار عبدا لم يسْتَحق اسْم عَاص وتسميته اياه فَاسِقًا وكافرا يُوجب عَلَيْهِ تَسْمِيَته بالعاصى وامتناعه من هَذِه التَّسْمِيَة يمنعهُ من تَسْمِيَته فَاسِقًا وكافرا وَمن مناقضاته فِيهِ ايضا مَا خَالف فِيهِ الاجماع بفرقة بَين الْجَزَاء وَالثَّوَاب حَتَّى انه قَالَ يجوز ان يكون
стр. 173
فِي الْجنَّة ثَوَاب كثير لَا يكون جَزَاء وَيكون فِي النَّار عِقَاب كثير لَا يكون جَزَاء وانما امْتنع من تَسْمِيَته جَزَاء لَان الْجَزَاء لَا يكون الا على فعل وَعِنْده انه قد يكون عِقَاب لَا على فعل وَقيل لَهُ اذا لم يكن جَزَاء الا على فعل مَا تنكر انه لَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب إِلَّا على فعل والفضيحة الثَّانِيَة من فضائح أَبى هَاشم قَوْله بِاسْتِحْقَاق الذَّم وَالشُّكْر على فعل الْغَيْر فَزعم ان زيدا لَو أَمر عمرا بِأَن يعْطى غَيره فَأعْطَاهُ اسْتحق الشُّكْر على فعل الْغَيْر من قَابض الْعَطِيَّة على الْعَطِيَّة الَّتِى هى فعل غَيره وَكَذَلِكَ لَو أمره بِمَعْصِيَة ففعلها لَا يسْتَحق الذَّم على نفس الْمعْصِيَة الَّتِى هِيَ فعل غَيره وَلَيْسَ قَوْله فِي هَذِه كَقَوْل سَائِر فرق الامة انه يسْتَحق الشُّكْر اَوْ الذَّم على امْرَهْ إباه بِهِ لَا على الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ الذى هُوَ فعل غَيره وَهَذَا المبتدع يُوجب لَهُ شكرين أَو ذمين أَحدهمَا على الامر الذى هُوَ فعله وَالْآخر على الْمَأْمُور بِهِ الذى هُوَ فعل غَيره وَكَيف يَصح هَذَا القَوْل على مذْهبه مَعَ انكاره على اصحاب الْكسْب قَوْلهم بِأَن الله تَعَالَى يخلق اكساب عباده ثمَّ يثيبهم اَوْ يعاقبهم عَلَيْهَا وَيُقَال لَهُ مَا أنْكرت على هَذَا الاصل الذى هُوَ فعل غَيره انْفَرَدت بِهِ من قَول الازارقة ان الله تَعَالَى يعذب طِفْل الْمُشرك على فعل أَبِيه وَقيل اذا أجزت ذَلِك فأجز أَن يسْتَحق العَبْد الشُّكْر
стр. 174
وَالثَّوَاب على فعل فعله الله تَعَالَى عِنْد فعل العَبْد مثل ان يسقى اَوْ يطعم من قد اشرف على الْهَلَاك فيعيش وَيحيى فَيسْتَحق الشُّكْر وَالثَّوَاب على نفس الْحَيَاة والشبع والرى الذى هُوَ من فعل الله تَعَالَى
والفضيحة الثَّالِثَة من فضائحه قَوْله فِي التَّوْبَة لانها لَا تصح مَعَ ذَنْب مَعَ الاصرار على قَبِيح آخر يُعلمهُ قبيحا اَوْ يَعْتَقِدهُ قبيحا وان كَانَ حسنا وَزعم ايضا ان التَّوْبَة من الفضائح لَا تصح مَعَ الاصرار على منع حَبَّة تجب عَلَيْهِ وعول فِيهِ على دَعْوَاهُ فِي الشَّاهِد ان من قتل ابْنا لغيره وزنى بحرمته يحسن مِنْهُ قبُوله تَوْبَة من اُحْدُ الذنبين مَعَ اصراره على الآخر وَهَذِه دَعْوَى غير مسلمة لَهُ فِي الشَّاهِد بل يحسن فِي الشَّاهِد قبُوله التَّوْبَة من ذَنْب مَعَ الْعقَاب على الآخر كَالْإِمَامِ يعقه ابْنه وَيسْرق أَمْوَال النَّاس ويزنى بجواريه ثمَّ يعْتَذر الى أَبِيه فِي العقوق فَيقبل تَوْبَته فِي العقوق عقوقه وَفِيمَا خانه فِيهِ من مَاله وَيقطع يَده فِي مَال غَيره ويجلده فِي الزِّنَى وَمِمَّا عول عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب قَوْله أَنما وَجب عَلَيْهِ ترك الْقَبِيح لقبحه فاذا اصر على قبح آخر لم يكن تَارِكًا للقبح الْمَتْرُوك من أجل قبحه وَقُلْنَا لَهُ مَا تنكر ان يكون وجوب ترك الْقَبِيح لازالة عِقَابه عَن نَفسه فَيصح خلاصه من عِقَاب مَا تَابَ عَنهُ وان عُوقِبَ على مَال يتب عَنهُ وَقُلْنَا لَهُ اكثر مَا فى هَذَا الْبَاب أَن يكون التائب
стр. 175
عَن بعض ذنُوبه قد نَاقض وَتَابَ عَن ذَنبه لقبحه وأصر على قَبِيح آخر فَلم لَا تصح تَوْبَته من الذى تَابَ مِنْهُ كَمَا أَن الْخَارِجِي وَغَيره مِمَّن يعْتَقد اعتقادات فَاسِدَة وَعِنْده انها حَسَنَة يَصح عنْدك من التَّوْبَة عَن قبائح يعلم قبحها مَعَ اصراره على قبائح قد اعْتقد حسنها ويلزمك على أصلك هَذَا اذا قلت انه مَأْمُور باجتناب كل مَا اعتقده قبيحا أَن تَقول فِي الْوَاحِد منا اذا اعْتقد قبح مَذَاهِب أَبى هَاشم وزنى وسرق أَن لَا يَصح تَوْبَته الا بترك جَمِيع مَا اعتقده قبيحا فَيكون مَأْمُورا باجتناب الزِّنَى وَالسَّرِقَة وباجتناب مَذَاهِب أَبى هَاشم كلهَا لاعْتِقَاده قبحها وَقد سَأَلَهُ أَصْحَابنَا عَن يهودى اسْلَمْ وَتَابَ عَن جَمِيع القبائح غير انه أصر على منع حَبَّة فضَّة من مستحقها عَلَيْهِ من غير استحلالها وَلَا جحود لَهَا هَل صحت تَوْبَته من الْكفْر فان قَالَ نعم نقض اعتلاله وان قَالَ لَا عاند اجماع الامة وَمن قَوْله أَنه لم يَصح اسلامه وانه كَافِر على يَهُودِيَّته الَّتِى كَانَت قبل تَوْبَته ثمَّ انه لم تجر عَلَيْهِ احكام الْيَهُود فَزعم انه غير تائب من الْيَهُودِيَّة بل هُوَ مصر عَلَيْهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَيْسَ يَهُودِيّا وَهَذِه مناقضة بَيِّنَة وَقيل لَهُ ان كَانَ مصرا على يَهُودِيَّته فأبح ذَبِيحَته وَخذ الْجِزْيَة مِنْهُ وَذَلِكَ خلاف قَول الامة
والفضيحة الرَّابِعَة من فضائحه قَوْله فِي التَّوْبَة ايضا إِنَّهَا لَا تصح
стр. 176
عَن الذَّنب بعد الْعَجز عَن مثله فَلَا يَصح عِنْده تَوْبَة من خرس لِسَانه عَن الْكَذِب وَلَا تَوْبَة من جب ذكره عَن الزِّنَى وَهَذَا خلاف قَول جَمِيع الامة قبله وَقيل لَهُ أَرَأَيْت لَو اعْتقد أَنه لَو كَانَ لَهُ لِسَان وَذكر لكذب وزنى كَانَ ذَلِك من مَعْصِيَته فاذا قَالَ نعم قيل فَكَذَلِك اذا اعْتقد انه لَو كَانَ لَهُ آلَة الْكَذِب والزنى لم يعْص الله تَعَالَى بهما وَجب ان يكون ذَلِك من طَاعَة وتوبة وَكَانَ ابو هَاشم مَعَ افراطه فِي الْوَعيد أفسق أهل زَمَانه وَكَانَ مصرا على شرب الْخمر وَقيل انه مَاتَ فِي سكره حَتَّى قَالَ فِيهِ بعض المرجئة ... يعيب القَوْل بالإرجاء حَتَّى
يرى بعض الرَّجَاء من الجرائر ... واعظم من ذَوي الارجاء جرما
وعبدي كَذَا أصر على الْكَبَائِر ...
والفضيحة الْخَامِسَة من فضائحه قَوْله فِي الارادة الْمَشْرُوطَة واصلها عِنْده قَوْله بانه لَا يجوز أَن يكون شىء وَاحِد مرَادا من وَجه مَكْرُوها من وَجه آخر والذى الجأه الى ذَلِك أَن تكلم على من قَالَ بالجهات فِي الْكسْب والخلق فَقَالَ لَا تَخْلُو الوجهة الَّتِى هى الْكسْب من أَن تكون مَوْجُودَة أَو مَعْدُومَة
стр. 177
فان كَانَ ذَلِك الْوَجْه مَعْدُوما كَانَ فِيهِ إِثْبَات شىء وَاحِد مَوْجُودا ومعدوما وَإِن كَانَ مَوْجُودا لم يخل من أَن يكون مخلوقا أم لَا فان كَانَ مخلوقا ثَبت أَنه مَخْلُوق من كل وَجه وان لم يكن مخلوقا صَار الْعقل قَدِيما من وَجه خلقا من وَجه آخر وَهَذَا محَال فألزم على هَذَا كَون الشىء مرَادا من وَجه مَكْرُوها من وَجه آخر وَقيل لَهُ إِن الْإِرَادَة عنْدك لَا تتَعَلَّق بالشىء إِلَّا على وجهة الْحُدُوث وَكَذَلِكَ الْكَرَاهَة فاذا كَانَ مرَادا من جِهَة مَكْرُوها من جِهَة أُخْرَى وَجب أَن يكون المريد قد اراد مَا اراد وَكره مَا اراد وَهَذَا متناقض فَقَالَ لَا يكون المريد للشىء مرِيدا لَهُ إِلَّا من جَمِيع وجوهه حَتَّى لَا يجوز أَن يكرههُ من وَجه فألزم عَلَيْهِ الْمَعْلُوم والمجهول اذ لَا يُنكر كَون شىء وَاحِد مَعْلُوما من وَجه مَجْهُولا من وَجه آخر وَلما ارْتكب قَوْله بِأَن الشىء الْوَاحِد لَا يكون مرَادا من جِهَة مَكْرُوها من جِهَة أُخْرَى حلت على نَفسه مسَائِل فِيهَا هدم اصول الْمُعْتَزلَة وَقد ارْتكب اكثرها مِنْهَا انه يلْزمه ان يكون من القبائح الْعِظَام مَا لم يكرههُ الله تَعَالَى وَمن الْحسن الْجَمِيل مالم يردهُ وَذَلِكَ انه اذا كَانَ السُّجُود لله تَعَالَى عبَادَة عبَادَة الصَّنَم مَعَ ان السُّجُود للصنم قَبِيح عَظِيم وَكَذَلِكَ اذا اراد أَن يكون القَوْل بِأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله إِخْبَارًا عَن مُحَمَّد بن عبد الله
стр. 178
وَجب أَن لَا يكرههُ ان يكون إِخْبَارًا عَن مُحَمَّد آخر مَعَ كَون ذَلِك كفرا وَلَزِمَه اذا كره الله تَعَالَى ان يكون السُّجُود عبَادَة للصنم ان لَا يُرِيد كَونه عبَادَة لله تَعَالَى مَعَ كَونه عبَادَة لله طَاعَة حَسَنَة وَركب هَذَا كُله وَذكر فى جَامعه الْكَبِير أَن السُّجُود للصنم لم يكرههُ الله تَعَالَى وأبى ان يكون الشىء الْوَاحِد مرَادا مَكْرُوها من وَجْهَيْن مُخْتَلفين وَقَالَ فِيهِ أما ابو على يعْنى أَبَاهُ فانه يُجِيز ذَلِك وَهُوَ عندى غير مُسْتَمر على الاصول لِأَن الارادة لَا تتَنَاوَل الشىء إِلَّا على طَرِيق الْحُدُوث عندنَا وَعِنْده فَلَو اراد حُدُوثه وَكره لوَجَبَ ان يكون قد كره مَا اراد اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون لَهُ حدوثان وَهُوَ الذى عول عَلَيْهِ على اصلنا بَاطِل لَان الارادة عندنَا قد تتَعَلَّق بالمراد على وَجه الْحُدُوث وعَلى غير وَجه الْحُدُوث وَلَيْسَ اما اباه مَا ألزمهُ وَله عَن إِلْزَامه جَوَاب وقلب اما الْجَواب فان اباه لم يرد بقوله إِن الْإِرَادَة تتَعَلَّق بالشىء على وَجه الْحُدُوث مَا ذهب اليه أَبُو هَاشم وانما أَرَادَ بذلك انها تتَعَلَّق بِهِ فى حَال حُدُوثه بحدوثه اَوْ بِصفة يكون عَلَيْهَا فى حَال الْحُدُوث مثل أَن يُرِيد حُدُوثه وَيُرِيد كَونه طَاعَة لله تَعَالَى وهى صفة عَلَيْهَا يكون فى حَال الْحُدُوث وَهَذَا كَقَوْلِهِم إِن الْأَمر وَالْخَبَر لَا يكونَانِ امرا وخبرا إِلَّا بالارادة إِمَّا إِرَادَة الْمَأْمُور بِهِ على أصل أَبى هَاشم وَغَيره اَوْ إِرَادَة
стр. 179
كَونه امرا وخبرا كَمَا قَالَه ابْن الاخشيد مِنْهُم لِأَن الله تَعَالَى قد قَالَ ﴿فَمن شَاءَ فليؤمن﴾ وَقد اراد حُدُوث كَلَامه وَأَرَادَ الْأَيْمَان مِنْهُم وَلَيْسَ قَوْلهم فليؤمن مَعَ ذَلِك امرا بل هُوَ تهديد لِأَنَّهُ لم يرد كَون هَذَا القَوْل امرا وَكَذَلِكَ الْخَبَر لَا يكون خَبرا عِنْدهم وَحَتَّى يُرِيد كَونه خَبرا عَن زيد دون عَمْرو مَعَ أَن هَذَا السَّبَب بِإِرَادَة لحدوث الشىء وَبَان بِهَذَا أَن كَرَاهَة الله تَعَالَى ان يكون السُّجُود عبَادَة للصنم غير ارادته لحدوثه فَلم يلْزم مَا ذكره ابو هَاشم من كَونه مرَادا من الْوَجْه الذى كرهه وَوجه الْقلب عَلَيْهِ أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى قد نهى عَن السُّجُود للصنم وَقد نَص عَلَيْهِ وَقد ٢ ثَبت من أصل الْمُعْتَزلَة أَن الله تَعَالَى لَا يَأْمر إِلَّا بحدوث الشىء وَلَا ينْهَى إِلَّا عَن حُدُوثه وَقد ثَبت أَنه أَمر بِالسُّجُود عبَادَة لَهُ فَيلْزمهُ ان يكون قد نهى عَنهُ من الْوَجْه الذى امْر بِهِ لانه لَا ينْهَى الا عَن إِحْدَاث الشىء وَلَيْسَ للسُّجُود الا حُدُوث وَاحِد وَلَو كَانَ لَهُ حدوثان لزمَه أَن يكون مُحدثا من وَجه غير مُحدث من وَجه آخر فَلَزِمَهُ فى الامر والنهى مَا ألزم إِيَّاه والتجار فى الارادة وَالْكَرَاهَة
والفضيحة السَّادِسَة من فضائحه قَوْله بالاحوال الَّتِى كفره فِيهَا مشاركوه فى الاعتزال فضلا عَن سَائِر الْفرق والذى أَلْجَأَهُ
стр. 180
اليها سُؤال أَصْحَابنَا قدماء الْمُعْتَزلَة عَن الْعَالم منا هَل فَارق الْجَاهِل بِمَا علمه لنَفسِهِ اَوْ لعِلَّة وأبطلوا مُفَارقَته إِيَّاه لنَفسِهِ مَعَ كَونهمَا من جنس وَاحِد وَبَطل ان تكون مُفَارقَته إِيَّاه لَا لنَفسِهِ وَلَا لعِلَّة لانه لَا يكون حِينَئِذٍ بمفارقته لَهُ أولى من آخر سواهُ فَثَبت أَنه إِنَّمَا فَارقه فى كَونه عَالما لِمَعْنى مَا وَوَجَب ايضا ان يكون لله تَعَالَى فى مُفَارقَة الْجَاهِل معنى اَوْ صفة بهَا فَارقه فَزعم أَنه إِنَّمَا فَارقه لحَال كَانَ عَلَيْهَا فَأثْبت الْحَال فى ثَلَاثَة مَوَاضِع أَحدهَا الْمَوْصُوف الذى يكون مَوْصُوفا لنَفسِهِ فَاسْتحقَّ ذَلِك الْوَصْف لحَال كَانَ عَلَيْهَا والثانى الْمَوْصُوف بالشىء لِمَعْنى صَار مُخْتَصًّا بذلك الْمَعْنى لحَال وَالثَّالِث مَا يسْتَحقّهُ لَا لنَفسِهِ وَلَا لِمَعْنى فَيخْتَص بذلك الْوَصْف دون غَيره عِنْده لحَال وأحوجه الى هَذَا سُؤال معمر فى الْمعَانى لما قَالَ إِن علم زيد اخْتصَّ بِهِ دون عمر ولنفسه اَوْ لِمَعْنى اولا لنَفسِهِ اولا لِمَعْنى فان كَانَ لنَفسِهِ وَجب ان يكون لجَمِيع الْعُلُوم بِهِ اخْتِصَاص لكَونهَا علوما وان كَانَ لِمَعْنى صَحَّ قَول معمر فى تعلق كل معنى بِمَعْنى لَا الى نِهَايَة وان كَانَ لَا لنَفسِهِ وَلَا لِمَعْنى لم يكن اخْتِصَاصه بِهِ أولى من اخْتِصَاصه بِغَيْرِهِ وَقَالَ ابو هَاشم انما اخْتصَّ بِهِ لحَال وَقَالَ اصحابنا ان علم زيد اخْتصَّ بِهِ لعَينه لَا لكَونه علما وَلَا لكَون زيدكما
следующие страницы →