Полный текст (353 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
عَن الذَّنب بعد الْعَجز عَن مثله فَلَا يَصح عِنْده تَوْبَة من خرس لِسَانه عَن الْكَذِب وَلَا تَوْبَة من جب ذكره عَن الزِّنَى وَهَذَا خلاف قَول جَمِيع الامة قبله وَقيل لَهُ أَرَأَيْت لَو اعْتقد أَنه لَو كَانَ لَهُ لِسَان وَذكر لكذب وزنى كَانَ ذَلِك من مَعْصِيَته فاذا قَالَ نعم قيل فَكَذَلِك اذا اعْتقد انه لَو كَانَ لَهُ آلَة الْكَذِب والزنى لم يعْص الله تَعَالَى بهما وَجب ان يكون ذَلِك من طَاعَة وتوبة وَكَانَ ابو هَاشم مَعَ افراطه فِي الْوَعيد أفسق أهل زَمَانه وَكَانَ مصرا على شرب الْخمر وَقيل انه مَاتَ فِي سكره حَتَّى قَالَ فِيهِ بعض المرجئة ... يعيب القَوْل بالإرجاء حَتَّى
يرى بعض الرَّجَاء من الجرائر ... واعظم من ذَوي الارجاء جرما
وعبدي كَذَا أصر على الْكَبَائِر ...
والفضيحة الْخَامِسَة من فضائحه قَوْله فِي الارادة الْمَشْرُوطَة واصلها عِنْده قَوْله بانه لَا يجوز أَن يكون شىء وَاحِد مرَادا من وَجه مَكْرُوها من وَجه آخر والذى الجأه الى ذَلِك أَن تكلم على من قَالَ بالجهات فِي الْكسْب والخلق فَقَالَ لَا تَخْلُو الوجهة الَّتِى هى الْكسْب من أَن تكون مَوْجُودَة أَو مَعْدُومَة
стр. 177
فان كَانَ ذَلِك الْوَجْه مَعْدُوما كَانَ فِيهِ إِثْبَات شىء وَاحِد مَوْجُودا ومعدوما وَإِن كَانَ مَوْجُودا لم يخل من أَن يكون مخلوقا أم لَا فان كَانَ مخلوقا ثَبت أَنه مَخْلُوق من كل وَجه وان لم يكن مخلوقا صَار الْعقل قَدِيما من وَجه خلقا من وَجه آخر وَهَذَا محَال فألزم على هَذَا كَون الشىء مرَادا من وَجه مَكْرُوها من وَجه آخر وَقيل لَهُ إِن الْإِرَادَة عنْدك لَا تتَعَلَّق بالشىء إِلَّا على وجهة الْحُدُوث وَكَذَلِكَ الْكَرَاهَة فاذا كَانَ مرَادا من جِهَة مَكْرُوها من جِهَة أُخْرَى وَجب أَن يكون المريد قد اراد مَا اراد وَكره مَا اراد وَهَذَا متناقض فَقَالَ لَا يكون المريد للشىء مرِيدا لَهُ إِلَّا من جَمِيع وجوهه حَتَّى لَا يجوز أَن يكرههُ من وَجه فألزم عَلَيْهِ الْمَعْلُوم والمجهول اذ لَا يُنكر كَون شىء وَاحِد مَعْلُوما من وَجه مَجْهُولا من وَجه آخر وَلما ارْتكب قَوْله بِأَن الشىء الْوَاحِد لَا يكون مرَادا من جِهَة مَكْرُوها من جِهَة أُخْرَى حلت على نَفسه مسَائِل فِيهَا هدم اصول الْمُعْتَزلَة وَقد ارْتكب اكثرها مِنْهَا انه يلْزمه ان يكون من القبائح الْعِظَام مَا لم يكرههُ الله تَعَالَى وَمن الْحسن الْجَمِيل مالم يردهُ وَذَلِكَ انه اذا كَانَ السُّجُود لله تَعَالَى عبَادَة عبَادَة الصَّنَم مَعَ ان السُّجُود للصنم قَبِيح عَظِيم وَكَذَلِكَ اذا اراد أَن يكون القَوْل بِأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله إِخْبَارًا عَن مُحَمَّد بن عبد الله
стр. 178
وَجب أَن لَا يكرههُ ان يكون إِخْبَارًا عَن مُحَمَّد آخر مَعَ كَون ذَلِك كفرا وَلَزِمَه اذا كره الله تَعَالَى ان يكون السُّجُود عبَادَة للصنم ان لَا يُرِيد كَونه عبَادَة لله تَعَالَى مَعَ كَونه عبَادَة لله طَاعَة حَسَنَة وَركب هَذَا كُله وَذكر فى جَامعه الْكَبِير أَن السُّجُود للصنم لم يكرههُ الله تَعَالَى وأبى ان يكون الشىء الْوَاحِد مرَادا مَكْرُوها من وَجْهَيْن مُخْتَلفين وَقَالَ فِيهِ أما ابو على يعْنى أَبَاهُ فانه يُجِيز ذَلِك وَهُوَ عندى غير مُسْتَمر على الاصول لِأَن الارادة لَا تتَنَاوَل الشىء إِلَّا على طَرِيق الْحُدُوث عندنَا وَعِنْده فَلَو اراد حُدُوثه وَكره لوَجَبَ ان يكون قد كره مَا اراد اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون لَهُ حدوثان وَهُوَ الذى عول عَلَيْهِ على اصلنا بَاطِل لَان الارادة عندنَا قد تتَعَلَّق بالمراد على وَجه الْحُدُوث وعَلى غير وَجه الْحُدُوث وَلَيْسَ اما اباه مَا ألزمهُ وَله عَن إِلْزَامه جَوَاب وقلب اما الْجَواب فان اباه لم يرد بقوله إِن الْإِرَادَة تتَعَلَّق بالشىء على وَجه الْحُدُوث مَا ذهب اليه أَبُو هَاشم وانما أَرَادَ بذلك انها تتَعَلَّق بِهِ فى حَال حُدُوثه بحدوثه اَوْ بِصفة يكون عَلَيْهَا فى حَال الْحُدُوث مثل أَن يُرِيد حُدُوثه وَيُرِيد كَونه طَاعَة لله تَعَالَى وهى صفة عَلَيْهَا يكون فى حَال الْحُدُوث وَهَذَا كَقَوْلِهِم إِن الْأَمر وَالْخَبَر لَا يكونَانِ امرا وخبرا إِلَّا بالارادة إِمَّا إِرَادَة الْمَأْمُور بِهِ على أصل أَبى هَاشم وَغَيره اَوْ إِرَادَة
стр. 179
كَونه امرا وخبرا كَمَا قَالَه ابْن الاخشيد مِنْهُم لِأَن الله تَعَالَى قد قَالَ ﴿فَمن شَاءَ فليؤمن﴾ وَقد اراد حُدُوث كَلَامه وَأَرَادَ الْأَيْمَان مِنْهُم وَلَيْسَ قَوْلهم فليؤمن مَعَ ذَلِك امرا بل هُوَ تهديد لِأَنَّهُ لم يرد كَون هَذَا القَوْل امرا وَكَذَلِكَ الْخَبَر لَا يكون خَبرا عِنْدهم وَحَتَّى يُرِيد كَونه خَبرا عَن زيد دون عَمْرو مَعَ أَن هَذَا السَّبَب بِإِرَادَة لحدوث الشىء وَبَان بِهَذَا أَن كَرَاهَة الله تَعَالَى ان يكون السُّجُود عبَادَة للصنم غير ارادته لحدوثه فَلم يلْزم مَا ذكره ابو هَاشم من كَونه مرَادا من الْوَجْه الذى كرهه وَوجه الْقلب عَلَيْهِ أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى قد نهى عَن السُّجُود للصنم وَقد نَص عَلَيْهِ وَقد ٢ ثَبت من أصل الْمُعْتَزلَة أَن الله تَعَالَى لَا يَأْمر إِلَّا بحدوث الشىء وَلَا ينْهَى إِلَّا عَن حُدُوثه وَقد ثَبت أَنه أَمر بِالسُّجُود عبَادَة لَهُ فَيلْزمهُ ان يكون قد نهى عَنهُ من الْوَجْه الذى امْر بِهِ لانه لَا ينْهَى الا عَن إِحْدَاث الشىء وَلَيْسَ للسُّجُود الا حُدُوث وَاحِد وَلَو كَانَ لَهُ حدوثان لزمَه أَن يكون مُحدثا من وَجه غير مُحدث من وَجه آخر فَلَزِمَهُ فى الامر والنهى مَا ألزم إِيَّاه والتجار فى الارادة وَالْكَرَاهَة
والفضيحة السَّادِسَة من فضائحه قَوْله بالاحوال الَّتِى كفره فِيهَا مشاركوه فى الاعتزال فضلا عَن سَائِر الْفرق والذى أَلْجَأَهُ
стр. 180
اليها سُؤال أَصْحَابنَا قدماء الْمُعْتَزلَة عَن الْعَالم منا هَل فَارق الْجَاهِل بِمَا علمه لنَفسِهِ اَوْ لعِلَّة وأبطلوا مُفَارقَته إِيَّاه لنَفسِهِ مَعَ كَونهمَا من جنس وَاحِد وَبَطل ان تكون مُفَارقَته إِيَّاه لَا لنَفسِهِ وَلَا لعِلَّة لانه لَا يكون حِينَئِذٍ بمفارقته لَهُ أولى من آخر سواهُ فَثَبت أَنه إِنَّمَا فَارقه فى كَونه عَالما لِمَعْنى مَا وَوَجَب ايضا ان يكون لله تَعَالَى فى مُفَارقَة الْجَاهِل معنى اَوْ صفة بهَا فَارقه فَزعم أَنه إِنَّمَا فَارقه لحَال كَانَ عَلَيْهَا فَأثْبت الْحَال فى ثَلَاثَة مَوَاضِع أَحدهَا الْمَوْصُوف الذى يكون مَوْصُوفا لنَفسِهِ فَاسْتحقَّ ذَلِك الْوَصْف لحَال كَانَ عَلَيْهَا والثانى الْمَوْصُوف بالشىء لِمَعْنى صَار مُخْتَصًّا بذلك الْمَعْنى لحَال وَالثَّالِث مَا يسْتَحقّهُ لَا لنَفسِهِ وَلَا لِمَعْنى فَيخْتَص بذلك الْوَصْف دون غَيره عِنْده لحَال وأحوجه الى هَذَا سُؤال معمر فى الْمعَانى لما قَالَ إِن علم زيد اخْتصَّ بِهِ دون عمر ولنفسه اَوْ لِمَعْنى اولا لنَفسِهِ اولا لِمَعْنى فان كَانَ لنَفسِهِ وَجب ان يكون لجَمِيع الْعُلُوم بِهِ اخْتِصَاص لكَونهَا علوما وان كَانَ لِمَعْنى صَحَّ قَول معمر فى تعلق كل معنى بِمَعْنى لَا الى نِهَايَة وان كَانَ لَا لنَفسِهِ وَلَا لِمَعْنى لم يكن اخْتِصَاصه بِهِ أولى من اخْتِصَاصه بِغَيْرِهِ وَقَالَ ابو هَاشم انما اخْتصَّ بِهِ لحَال وَقَالَ اصحابنا ان علم زيد اخْتصَّ بِهِ لعَينه لَا لكَونه علما وَلَا لكَون زيدكما
стр. 181
تَقول ان السوَاد سَواد لعَينه لَا لَان لَهُ نفسا وعينا ثمَّ قَالُوا لابى هَاشم هَل تعلم الاحوال اولا تعلمهَا فَقَالَ لَا من قبل انه لَو قَالَ انها مَعْلُومَة لزمَه اثباتها اشياء اذ لَا يعلم عِنْده إِلَّا مَا يكون شَيْئا ثمَّ ان لم يقل بانها احوال مُتَغَايِرَة لَان التغاير إِنَّمَا يَقع بَين الاشياء والذوات ثمَّ انه لَا يَقُول فى الاحوال انها مَوْجُودَة وَلَا انها مَعْدُومَة وَلَا انها قديمَة وَلَا محدثة وَلَا مَعْلُومَة وَلَا مَجْهُولَة وَلَا تَقول انها مَذْكُورَة مَعَ ذكره لَهَا بقوله انها غير مَذْكُورَة وَهَذَا متناقض وَزعم ايضا ان الْعَالم لَهُ فى كل مَعْلُوم حَال لَا يُقَال فِيهَا انها حَالَة مَعَ الْمَعْلُوم الآخر ولاجل هَذَا زعم ان احوال البارى فى معلوماته لَا نِهَايَة لَهَا وَكَذَلِكَ احواله فى مقدوراته لَا نِهَايَة لَهَا كَمَا ان مقدوراته لَا نِهَايَة لَهَا وَقَالَ لَهُ اصحابنا مَا انكرت ان يكون لمعلوم وَاحِد احوال بِلَا نِهَايَة لصِحَّة تعلق الْمَعْلُوم بِكُل عَالم يُوجد لَا الى نِهَايَة وَقَالُوا لَهُ هَل احوال البارى من عمل غَيره ام هى هُوَ فاجاب بانها لَا هى هُوَ وَلَا غَيره فَقَالُوا لَهُ فَلم انكرت على الصفاتية قَوْلهم فى صِفَات الله فى الازل انها لَا هى وَلَا غَيره
والفضيحة السَّابِعَة من فضائحه قَوْله نبغى جملَة من الْأَعْرَاض الَّتِى اثبتها اكثر مثبتى الْأَعْرَاض كالبقاء والإدراك والكدرة والألم
стр. 182
وَالشَّكّ وَقد زعم ان الْأَلَم الذى يلْحق الانسان عِنْد الْمُصِيبَة والألم الذى يجده عِنْد شرب الدَّوَاء الكريه لَيْسَ بِمَعْنى اكثر من ادراك مَا ينفر عَنهُ الطَّبْع والادراك لَيْسَ بِمَعْنى عِنْده وَمثله ادراك جَوَاهِر اهل النَّار وَكَذَلِكَ اللَّذَّات عِنْده لَيست بِمَعْنى وَلَا هى اكثر من ادراك المشتهى والادراك لَيْسَ بِمَعْنى وَقَالَ فى الْأَلَم الذى يحدث عِنْد الوباء إِنَّه معنى كالألم عِنْد الضَّرْب وَاسْتدلَّ على ذَلِك بانه وَاقع تَحت الْحسن وَهَذَا من عجائبه لِأَن ألم الضَّرْب بالخشب والألم بسعوط الْخَرْدَل والتلدع بالنَّار وَشرب الصَّبْر سَوَاء فى الْحسن وَيلْزمهُ اذا نفى كَون الملذة معنى أَلا يزِيد لذات اهل الثَّوَاب فى الْجنَّة على لذات الاطفال الَّتِى نالوها بِالْفَضْلِ لِاسْتِحَالَة ان يكون لَا شىء اكثر من لَا شىء وَقد قَالَ ان اللَّذَّة فى نَفسهَا نفع وَحسن فَاثْبتْ نفعا وحسنا لَيْسَ بشىء وَقَالَ كل ألم ضَرَر وَجَاء من هَذَا ان الضَّرَر مَا لَيْسَ شىء عِنْده
والفضيحة الثَّامِنَة من فضائحه قَوْله فى بَاب الفناء ان الله تَعَالَى لَا يقدر على ان يفنى من الْعَالم ذرة مَعَ بَقَاء السَّمَاوَات والارض وبناه على اصله فى دَعْوَاهُ ان الاجسام لَا تفنى الا بِفنَاء يخلقه الله تَعَالَى لَا فى مَحل يكون ضدا لجَمِيع الاجسام لِأَنَّهُ لَا يخْتَص بِبَعْض الْجَوَاهِر دون بعض اذ لَيْسَ هُوَ قَائِما بشىء مِنْهَا فاذا كَانَ
стр. 183
ضدا لَهَا نفاها كلهَا وحسبه من الفضيحة فى هَذَا قَوْله بِأَن الله يقدر على إفناء جملَة لَا يقدر على افناء بَعْضهَا
والفضيحة التَّاسِعَة قَوْله بِأَن الطَّهَارَة غير وَاجِبَة والذى الجأه الى ذَلِك ان سَأَلَ نَفسه عَن الطَّهَارَة بِمَاء مَغْصُوب على قَوْله وَقَول ابيه بِأَن الصَّلَاة فى الارض الْمَغْصُوبَة فَاسِدَة واجاب بِأَن الطَّهَارَة بِالْمَاءِ الْمَغْصُوب صَحِيحَة وَفرق بَينهَا وَبَين الصَّلَاة فى الدَّار الْمَغْصُوبَة بِأَن قَالَ ان الطَّهَارَة غير وَاجِبَة وانما امْر الله تَعَالَى العَبْد بِأَن يصلى اذا كَانَ متطهرا ثمَّ اسْتدلَّ على ان الطَّهَارَة غير وَاجِبَة بَان غَيره لَو طهره مَعَ كَونه صَحِيحا اجزاه ثمَّ انه طرد هَذَا الاعتلال فى الْحَج فَزعم ان الْوُقُوف والطوف والسعى غير وَاجِب فى الْحَج لَان ذَلِك كُله مجزيه اذا اتى بِهِ رَاكِبًا وَلَزِمَه على هَذَا الاصل أَلا تكون الزَّكَاة وَاجِبَة وَلَا الْكَفَّارَة وَالنُّذُور وَقَضَاء الدُّيُون لَان وَكيله يَنُوب عَنهُ فِيهَا وفى هَذَا ارْفَعْ احكام الشَّرِيعَة وَبَان بِمَا ذَكرْنَاهُ فى هَذَا الْفَصْل تَكْفِير زعماء الْمُعْتَزلَة بَعْضهَا لبَعض واكثرهم يكفرون اتباعهم المقلدين لَهُم وَمثلهمْ فى ذَلِك كَمَا قَالَه الله تَعَالَى ﴿فأغرينا بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء﴾ واما مثل اتباعهم مَعَهم فَقَوْل الله تَعَالَى ﴿إِذْ تَبرأ الَّذين اتبعُوا من الَّذين اتبعُوا وَرَأَوا الْعَذَاب وتقطعت بهم الْأَسْبَاب﴾ ﴿وَقَالَ الَّذين اتبعُوا لَو أَن لنا كرة فنتبرأ مِنْهُم كَمَا تبرؤوا منا﴾
стр. 184
وَمن مكابرات زعمائهم مُكَابَرَة النظام فى الطفرة وَقَوله بِأَن الْجِسْم يصير من الْمَكَان الاول الى الثَّالِث اَوْ الْعَاشِر من غير ضَرُورَة بالوسط ومكابرة اصحاب التوالد مِنْهُم فى دَعوَاهُم ان الْمَوْتَى يقتلُون الاحياء على الحقيقهومكابرة جمهورهم فِي دَعوَاهُم ان الذى يقدر على ان يرْتَفع من الارض شبْرًا قَادر على ان يرْتَفع فَوق السَّمَاوَات السَّبع وان الْمُقَيد المغلول يَدَاهُ قَادر على صُعُوده الى السَّمَاء وان البقه الصَّغِيرَة تقدر على شرب الْقرَان كَذَا بِمثلِهِ وَبِمَا هُوَ افصح مِنْهُ وَزعم الْمَعْرُوف مِنْهُم بقاسم الدمشقى أَن حُرُوف الصدْق هى حُرُوف الْكَذِب وان الْحُرُوف الَّتِى فى قَول الْقَائِل لَا أَله إِلَّا الله هى الَّتِى فى قَول من يَقُول الْمَسِيح اله وان الْحُرُوف الَّتِى فى الْقرَان هى الَّتِي فى كتاب زردشت الْمَجُوس باعيانها لَا على معنى انها مثلهَا وَمن لم يعد هَذِه الْوُجُوه مكابرات للعقول لم يكن لَهُ ان يعد انكار السوفسطائية للمحسوسات مُكَابَرَة وَقد حكى أَصْحَاب المقالات ان سَبْعَة من زعماء الْقَدَرِيَّة اجْتَمعُوا فى مجْلِس وَتَكَلَّمُوا فى قدرَة الله تَعَالَى على الظُّلم وَالْكذب وافترقوا عَن تَكْفِير كل وَاحِد مِنْهُم لسائرهم وَذَلِكَ ان قَائِلا مِنْهُم قَالَ للنظام فى ذَلِك الْمجْلس هَل يقدر الله تَعَالَى على مَا وَقع مِنْهُ لَكَانَ جورا وكذبا مِنْهُ فَقَالَ لَو قدر عَلَيْهِ لم ندر لَعَلَّه قد جَار اَوْ
стр. 185
كذب فِيمَا مضى اَوْ يجوز ويكذب فى الْمُسْتَقْبل اَوْ جَار فى بعض اطراف الارض وَلم يكن لنا من جوره وَكذبه امان الا من جِهَة حسن الظَّن بِهِ قَالَ مَا دَلِيل يؤمننا من وُقُوع ذَلِك مِنْهُ فَلَا سَبِيل اليه فَقَالَ لَهُ عَليّ الاسوارى يلزمك على هَذَا الاعتلال ان لَا يكون قَادِرًا على مَا علم انه لَا يَفْعَله أَو أخبر بانه لَا يَفْعَله لانه لَو قدر على ذَلِك لم يَأْمَن وُقُوعه مِنْهُ فِيمَا مضى اَوْ فى الْمُسْتَقْبل فَقَالَ النظام هَذَا الالزام فَمَا قَوْلك فِيهِ فَقَالَ أَنا أسوى بَينهمَا وَأَقُول انه لَا يقدر على مَا علم ان لَا يَفْعَله اَوْ اخبر بانه لَا يَفْعَله كَمَا أَقُول أَنا وَأَنت انه لَا يقدر على الظُّلم وَالْكذب فَقَالَ النظام للاسوارى قَوْلك الحاد وَكفر وَقَالَ أَبُو الْهُذيْل للاسوارى مَا تَقول فى فِرْعَوْن وَمن علم الله تَعَالَى مِنْهُم انهم لَا يُؤمنُونَ هَل كَانُوا قَادِرين على الايمان أم لَا فان زعمت انهم لم يقدروا عَلَيْهِ فقد كلفهم الله تَعَالَى مَا لم يطيقوه وَهَذَا عنْدك كفر وان قلت انهم كَانُوا قَادِرين عَلَيْهِ فَمَا يُؤمنك من ان يكون قد وَقع من بَعضهم مَا علم الله تَعَالَى ان لَا يَقع اَوْ اخبر بانه لَا يَقع مِنْهُ على قَول اعتلالك واعتلال النظام انكار كَمَا انكر قدرَة الله تَعَالَى على الظُّلم وَالْكذب فَقَالَ لابى الْهُذيْل هَذَا الالزام لنا فَمَا جوابك عَنهُ فَقَالَ انا أَقُول ان الله تَعَالَى قَادر على ان يظلم ويكذب وعَلى ان يفعل مَا علم انه لَا يَفْعَله فَقَالَا لَهُ
стр. 186
أَرَأَيْت لَو فعل الظُّلم وَالْكذب كَيفَ يكون مَكْنُون حَال الدَّلَائِل الَّتِى دلّت على ان الله تَعَالَى لَا يظلم وَلَا يكذب فَقَالَ هَذَا محَال فَقَالَا لَهُ كَيفَ يكون الْمحَال مَقْدُورًا لله تَعَالَى وَلم احلت وُقُوع ذَلِك مِنْهُ مَعَ كَونه مَقْدُورًا لَهُ فَقَالَ لانه لَا يَقع الا عَن آفَة تدخل عَلَيْهِ ومحال دُخُول الافات على الله تَعَالَى فَقَالَا لَهُ ومحال ايضا ان يكون قَادِرًا على مَا يَقع مِنْهُ الا عَن آفَة تدخل عَلَيْهِ فبهت الثَّلَاثَة فَقَالَ لَهُم بشر كل مَا انتم فِيهِ تَخْلِيط فَقَالَ لَهُ أَبُو الْهُذيْل فَمَا تَقول أَنْت تزْعم ان الله تَعَالَى يقدر ان يعذب الطِّفْل ام تَقول هَذَا يَقُول هَذَا يعْنى النظام فَقَالَ أَقُول بانه قَادر على ذَلِك فَقَالَ أَرَأَيْت لَو فعل مَا قدر عَلَيْهِ من تَعْذِيب الطِّفْل ظَالِما لَهُ فى تعذيبه لَكَانَ الطِّفْل بَالغا عَاقِلا عَاصِيا مُسْتَحقّا للعقاب الَّذِي اوقعه الله تَعَالَى بِهِ وَكَانَت الدَّلَائِل بِحَالِهَا فى دلالتها على عدله فَقَالَ لَهُ ابو الْهُذيْل سخنت عَيْنك كَيفَ تكون عبَادَة لَا تفعل مَا تقدر عَلَيْهِ من الظُّلم فَقَالَ لَهُ المردار انك قد انكرت على استاذى فكرا وَقد غلط الاستاذ فَقَالَ لَهُ بشر فَكيف تَقول قَالَ اقول ان الله تَعَالَى قَادر على الظُّلم وَالْكذب وَلَو فعل ذَلِك لَكَانَ الها ظَالِما كَاذِبًا فَقَالَ لَهُ بشر فَهَل كَانَ مُسْتَحقّا لِلْعِبَادَةِ ام لَا فان اسْتحقَّهَا فالعبادة شكر للمعبود واذا ظلم اسْتحق الذَّم لَا الشُّكْر وان لم يسْتَحق الْعِبَادَة فَكيف يكون
стр. 187
رَبًّا لَا يسْتَحق الْعِبَادَة فَقَالَ لَهُم الاشبح انا أَقُول انه قَادر على ان يظلم ويكذب وَلَو ظلم وَكذب لَكَانَ عادلا كَمَا انه قَادر على ان يفعل مَا علم انه لَا يَفْعَله علم لَو فعله كَانَ عَالما بَان يَفْعَله فَقَالَ لَهُ الاسكافى كَيفَ يَنْقَلِب الْجور عدلا فَقَالَ كَيفَ تَقول انت فَقَالَ أَقُول لَو فعل الْجور وَالْكذب مَا كَانَ الْفِعْل مَوْجُودا وَكَانَ ذَلِك وَاقعا لمَجْنُون أَو مَنْقُوص فَقَالَ لَهُ جَعْفَر بن حَرْب كانك تَقول ان الله تَعَالَى انما يقدر على ظلم المجانين وَلَا يقدر على ظلم الْعُقَلَاء فافترق الْقَوْم يَوْمئِذٍ عَن انْقِطَاع كل وَاحِد مِنْهُم وَلما انْتَهَت نوبَة الاعتزال الى الجبائى وَابْنه امسكا عَن الْجَواب فى هَذِه الْمَسْأَلَة بنصح وَلَا ذكر بعض أَصْحَاب أَبى هَاشم فى كِتَابه هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ من قَالَ لنا ايصح وُقُوع مَا يقدر الله تَعَالَى عَلَيْهِ من الظُّلم وَالْكذب قُلْنَا لَهُ يَصح ذَلِك لانه لَو لم يَصح وُقُوعه مِنْهُ مَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ لَان الْقُدْرَة على الْمحَال محَال فان قَالَ أفيجوز وُقُوعه مِنْهُ قُلْنَا لَا يجوز وُقُوعه مِنْهُ لقبحه وغناه عَنهُ وَعلمه بغناه عَنهُ فان قَالَ أخبرونا لَو وَقع مقدوره من الظُّلم وَالْكذب كَيفَ كَانَ يكون حَاله فى نَفسه هَل كَانَ يدل وُقُوع الظُّلم مِنْهُ على جَهله اَوْ حَاجته قُلْنَا محَال ذَلِك لانا قد علمناه عَالما غَنِيا فان قَالَ فَلَو وَقع مِنْهُ الظُّلم وَالْكذب هَل كَانَ يجوز ان يُقَال ان ذَلِك لَا يدل على جَهله وَحَاجته قُلْنَا لَا
стр. 188
يُوصف بذلك لانا قد عرفنَا دلَالَة الظُّلم على جهل فَاعله اَوْ حَاجته فان قَالَ فكانكم لَا تجيبون عَن سُؤال من سألكم عَن دلَالَة وُقُوع الظُّلم وَالْكذب مِمَّن على جهل وحاجة باثبات وَلَا نفى قُلْنَا كَذَلِك تَقول فَهَؤُلَاءِ زعماء قدرية عصرنا قد اقروا بعجزهم وَعجز أسلافهم عَن الْجَواب فى هَذِه الْمَسْأَلَة وَلَو وفقوا للصَّوَاب فِيهَا لرجعوا الى قَول أَصْحَابنَا بَان الله قَادر على كل مَقْدُور وان كل مَقْدُور لَهُ لَو وَقع مِنْهُ لم يكن ظلما مِنْهُ وَلَو احالوا الْكَذِب عَلَيْهِ كَمَا أَحَالهُ أَصْحَابنَا لتخلصوا عَن الالزام الذى توجه عَلَيْهِم فى هَذِه الْمَسْأَلَة وَكَانَ الجبائى يعْتَذر فى امْتِنَاعه عَن الْجَواب فى هَذِه الْمَسْأَلَة بنعم اَوْ لَا بَان يَقُول مِثَال هَذَا ان قَائِلا لَو قَالَ اخبرونى عَن النبى لَو فعل الْكَذِب لَكَانَ يدل على انه لَيْسَ بنبى اَوْ لَا يدل على ذَلِك وَزعم ان الْجَواب فى ذَلِك مُسْتَحِيل وَهَذَا ظن مِنْهُ على اصله فاما على أصل أهل السّنة فان النبى كَانَ مَعْصُوما عَن الْكَذِب وَالظُّلم وَلم يكن قَادِرًا عَلَيْهِمَا والمعتزلة غير النظام والاسوارى قد وصفوا الله تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ على الظُّلم وَالْكذب فلزمهم الْجَواب عَن سُؤال من سَأَلَهُمْ عَن وُقُوع مقدوره مِنْهُمَا هَل يدل على الْجَهْل وَالْحَاجة أَولا يدل على ذَلِك بنعم اولا وَأيهمَا أجابوا بِهِ نقضوا بِهِ أصولهم وَالْحَمْد لله الذى أنقذنا من ضلالتهم المؤدية الى مناقضاتهم
стр. 189
الْفَصْل الرَّابِع من فُصُول هَذَا الْبَاب فِي بَيَان الْفرق المرجئة وتفصيل مذاهبهم
والمرجئة ثَلَاثَة أَصْنَاف صنف مِنْهُم قَالُوا بالارجاء فى الايمان وَمَا يقدر على مَذَاهِب الْقَدَرِيَّة الْمُعْتَزلَة كغيلان وأبى شمر وَمُحَمّد ابْن أبي شبيب البصرى وَهَؤُلَاء داخلون فى مَضْمُون الْخَبَر الْوَارِد فى لعن الْقَدَرِيَّة والمرجئة يسْتَحقُّونَ اللَّعْنَة من وَجْهَيْن وصنف مِنْهُم قَالُوا بالارجاء بالايمان وبالخبر فى الاعمال على مَذْهَب جهم ابْن صَفْوَان فهم اذا من جملَة الْجَهْمِية والصنف الثَّالِث مِنْهُم خارجون عَن الْخَبَر والقدرية وهم فِيمَا بَينهم خمس فرق اليونسية ٢ والغسانية والثوبانية والتومنية والمريسية وانما سموا مرجئة لانهم أخروا الْعَمَل عَن الايمان والارجاء بِمَعْنى التَّأْخِير يُقَال ارجيت وارجائه اذا اخرته وروى عَن النبى ﷺ انه قَالَ لعنت المرجئة على لِسَان سبعين نَبيا قيل من المرجئة يَا رَسُول الله قَالَ الَّذين يَقُولُونَ الايمان كَلَام يعْنى الَّذين زَعَمُوا ان الايمان هُوَ اقرار وَحده دون غَيره وَالْفرق الْخمس الَّتِى ذَكرنَاهَا من المرجئة
стр. 190
تضل كل فرقة مِنْهَا اختها ويضللها سَائِر الْفرق وسنذكرها على التَّفْصِيل ان شَاءَ الله
ذكر اليونسية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع يُونُس بن عون الذى زعم ان الايمان فى الْقلب وَاللِّسَان وانه هُوَ الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى والمحبة والخضوع لَهُ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ أَنه وَاحِد لَيْسَ كمثله شىء مالم تقم حجَّة الرُّسُل ﵈ فان قَامَت عَلَيْهِم حجتهم بالتصديق لَهُم وَمَعْرِفَة مَا جَاءَ من عِنْدهم فِي الْجُمْلَة من الايمان وَلَيْسَت معرفَة تَفْصِيل مَا جَاءَ من عِنْدهم أيمانا وَلَا من جملَته وَزعم هَؤُلَاءِ أَن كل خصْلَة من خِصَال الايمان لَيست بأيمان وَلَا بعض إِيمَان ومجموعها ايمان
ذكر الغسانية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع غَسَّان المرجىء الذى زعم أَن الايمان هُوَ الْإِقْرَار اَوْ الْمحبَّة لله تَعَالَى وتعظيمه وَترك الاستكبار عَلَيْهِ وَقَالَ انه يزِيد وَلَا ينقص وَفَارق اليونسية بِأَن سمى كل خصْلَة من الْأَيْمَان بعض الْأَيْمَان وَزعم غَسَّان هَذَا فى كِتَابه ان قَوْله فى هَذَا الْكتاب كَقَوْل أَبى حنيفَة فِيهِ وَهَذَا غلط مِنْهُ عَلَيْهِ لِأَن أَبَا حنيفَة قَالَ إِن الايمان هُوَ الْمعرفَة والاقرار بِاللَّه تَعَالَى وبرسله وَبِمَا جَاءَ من الله تَعَالَى وَرُسُله فى الْجُمْلَة دون التَّفْصِيل وانه لَا يزِيد وَلَا ينقص وَلَا يتفاضل النَّاس فِيهِ وغسان قد قَالَ بِأَنَّهُ
стр. 191
يزِيد وَلَا ينقص
ذكر التومنية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع أَبى معَاذ التومنى الذى زعم ان الايمان مَا عصم من الْكفْر وَهُوَ اسْم لخصال من تَركهَا أَو ترك خصْلَة مِنْهَا كفر ومجموع تِلْكَ الْخِصَال إِيمَان وَلَا يُقَال للخصلة مِنْهَا أَيْمَان وَلَا بعض أَيْمَان وَقَالَ كل مَا لم تَجْتَمِع الامة على كفره بِتَرْكِهِ من الْفَرَائِض فَهُوَ من شرع الْأَيْمَان وَلَيْسَ بأيمان وَزعم ان تَارِك الْفَرِيضَة الَّتِى لَيست بأيمان يُقَال لَهُ فسق وَلَا يُقَال لَهُ فَاسق على الاطلاق اذا لم يَتْرُكهَا جاحدا وَزعم ايضا أَن من لطم نَبيا اَوْ قَتله كفر لَا من أجل لطمه وَقَتله لَكِن من أجل عداوته وبغضه لَهُ واستخفاقه بِحقِّهِ
ذكر الثوبانية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع أَبى ثَوْبَان المرجىء الذى زعم ان الايمان هُوَ الْإِقْرَار والمعرفة بِاللَّه وبرسله وَبِكُل مَا يجب فى الْعقل فعله وَمَا جَازَ فى الْعقل ان لَا يفعل فَلَيْسَتْ الْمعرفَة من الايمان وفارقوا اليونسية والغسانية بإيجابهم فى الْعقل شَيْئا قبل وُرُود الشَّرْع بِوُجُوبِهِ
ذكر المريسية مِنْهُم هَؤُلَاءِ مرجئة بَغْدَاد من أَتبَاع بشر المريسى وَكَانَ فى الْفِقْه على رأى أَبى يُوسُف القاضى غير أَنه لما أظهر قَوْله بِخلق الْقُرْآن هجره أَبُو يُوسُف وضللته الصفاتية
стр. 192
فى ذَلِك وَلما وافقوا الصفاتية فى القَوْل بَان الله تَعَالَى خَالق اكساب الْعباد وفى ان الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل اكفرته الْمُعْتَزلَة فى ذَلِك فَصَارَ مهجور الصفاتية والمعتزلة مَعًا وَكَانَ يَقُول فى الايمان انه هُوَ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان جَمِيعًا كَمَا قَالَ ابْن الروندى فى ان الْكفْر هُوَ الْجحْد والانكار وزعما ان السُّجُود للصنم لَيْسَ بِكفْر وَلكنه دلَالَة على الْكفْر فَهَؤُلَاءِ الْفرق الْخمس هم المرجئة الْخَارِجَة عَن الْخَبَر وَالْقدر واما المرجئة الْقَدَرِيَّة كأبى شمر وَابْن شبيب وغيلان وَصَالح قبَّة فقد اخْتلفُوا فى الايمان فَقَالَ ابْن مُبشر الايمان هُوَ الْمعرفَة والاقرار بِاللَّه تَعَالَى وَبِمَا جَاءَ من عِنْده مِمَّا اجْتمعت عَلَيْهِ الامة كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَتَحْرِيم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَوَطْء الْمَحَارِم وَنَحْو ذَلِك وَمَا عرف بِالْعقلِ من عدل الايمان وتوحيد وَنفى التَّشْبِيه عِنْد وَأَرَادَ بِالْعقلِ قَوْله بِالْقدرِ وَأَرَادَ بِالتَّوْحِيدِ نَفْيه عَن الله تَعَالَى صِفَاته الأزلية قَالَ كل ذَلِك إِيمَان والشاك فِيهِ كَافِر والشاك فى الشاك أَيْضا كَافِر ثمَّ كَذَلِك أبدا وَزعم أَن هَذِه الْمعرفَة لَا تكون ايمانا الا مَعَ الاقرار وَكَانَ أَبُو شمر مَعَ بدعته هَذِه لَا يَقُول لمن فسق من موافقيه فِي الْقدر انه فَاسق مُطلقًا وَلكنه كَانَ يَقُول إِنَّه فَاسق فى كَذَا وَهَذِه الْفرْقَة عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أكفر أَصْنَاف المرجئة لانها جمعت
стр. 193
بَين ضلالتى الْقدر والارجاء وَالْعدْل الذى أَشَارَ اليه أَبُو شمر شرك على الْحَقِيقَة لانه اراد بِهِ اثبات خالقين كبيرين غير الله تَعَالَى وتوحيده الذى اشار اليه تَعْطِيل لانه اراد بِهِ نفى علم الله تَعَالَى وَقدرته ورؤيته وَسَائِر صِفَاته الازلية وَقَوله فى مخالفيه إِنَّهُم كفرة وان الشاك فى كفرهم كَافِر مُقَابل بقول أهل السّنة فِيهِ إِنَّه كَافِر وان الشاك فى كفره كَافِر وَكَانَ غيلَان القدرى يجمع بَين الْقدر والارجاء وَيَزْعُم أَن الايمان هُوَ الْمعرفَة الثَّانِيَة بِاللَّه تَعَالَى والمحبة والخضوع وَالْإِقْرَار بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ وَبِمَا جَاءَ من الله تَعَالَى وَزعم ان الْمعرفَة الاولى اضطرار وَلَيْسَ بايمان وَحكى زرقان فى مقالاته عَن غيلَان أَن الايمان هُوَ الاقرار بِاللِّسَانِ وان الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى ضَرُورِيَّة فعل الله تَعَالَى وَلَيْسَت من الايمان وَزعم غيلَان أَن الايمان لَا يزِيد وَلَا ينقص وَلَا يتفاضل النَّاس فِيهِ وَزعم مُحَمَّد بن شبيب أَن الايمان هُوَ الاقرار بِاللَّه والمعرفة برسله وبجميع مَا جَاءَ من عِنْد الله تَعَالَى مِمَّا نَص عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ من الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وكل مَا لم يَخْتَلِفُوا فِيهِ وَقَالَ ان الايمان يَتَبَعَّض ويتفاضل النَّاس فِيهِ والخصلة الْوَاحِدَة من الايمان قد تكون بعض الايمان وتاركها يكفر بترك بعض الايمان وَلَا يكون مُؤمنا باصابة كُله وَزعم الصالحى أَن الايمان
стр. 194
هُوَ المعفرقة بِاللَّه تَعَالَى فَقَط وَالْكفْر هُوَ الْجَهْل بِهِ فَقَط وَأَن قَول الْقَائِل ان الله تَعَالَى ثَالِث ثَلَاثَة لَيْسَ بِكفْر لكنه لَا يظْهر الا من كَافِر وَمن جحد الرُّسُل لَا يكون مُؤمنا لَا من أجل أَن ذَلِك محَال لَكِن لَان الرَّسُول قَالَ من لَا يُؤمن بى فَلَيْسَ مُؤمنا بِاللَّه تَعَالَى وَزعم ان الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج طاعات وَلَيْسَت بِعبَادة لله تَعَالَى وَأَن لَا عبَادَة لَهُ الا الايمان بِهِ وَهُوَ مَعْرفَته والايمان عِنْده خصْلَة وَاحِدَة لَا تزيد وَلَا تنقص وَكَذَلِكَ الْكفْر خصْلَة وَاحِدَة فَهَذِهِ اقوال المرجئة فى الايمان الذى تأخيرهم الاعمال عَن الايمان سموا مرجئة
الْفَصْل الْخَامِس فى ذكر مقالات الْفرق التجارية
هَؤُلَاءِ اتِّبَاع الْحُسَيْن بن مُحَمَّد النجار وَقد وافقوا أَصْحَابنَا فى أصُول ووافقوا الْقَدَرِيَّة فى اصول وانفردوا باصول لَهُم فالذى وافقوا فِيهِ أَصْحَابنَا قَوْلهم مَعنا بَان الله تَعَالَى خَالق اكساب الْعباد وَأَن الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل وانه لَا يحدث فى الْعَالم الا مَا يُريدهُ الله تَعَالَى ووافقونا ايضا فى أَبْوَاب الْوَعيد وَجَوَاز الْمَغْفِرَة لاهل الذُّنُوب
стр. 195
وفى اكثر أَبْوَاب التَّعْدِيل والتحوبر وَأما الذى وافقوا فِيهِ الْقَدَرِيَّة فنفى علم الله تَعَالَى وَقدرته وحياته وَسَائِر صِفَاته الازلية وإحالة رُؤْيَته بالابصار وَالْقَوْل بحدوث كَلَام الله تَعَالَى واكفرتهم الْقَدَرِيَّة فِيمَا وافقوا فِيهِ أَصْحَابنَا وأكفرهم أَصْحَابنَا فِيمَا وافقوا فِيهِ الْقَدَرِيَّة والذى يجمع النجارية فى الايمان قَوْلهم بَان الايمان هُوَ الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى وبرسله وفرائضه الَّتِى أجمع عَلَيْهَا الْمُسلمُونَ والخضوع لَهُ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ فَمن جهل شَيْئا من ذَلِك بعد قيام الْحجَّة بِهِ عَلَيْهِ اَوْ عرفه وَلم يقر بِهِ فقد كفر وَقَالُوا كل خصْلَة من خِصَال الْأَيْمَان طَاعَة وَلَيْسَت بايمان ومجموعها ايمان وَلَيْسَت خصْلَة مِنْهَا عِنْد الِانْفِرَاد ايمانا وَلَا طَاعَة وَقَالُوا ان الايمان يزِيد وَلَا ينقص وَزعم النجار أَن الْجِسْم اعراض مجتمعة وهى الْأَعْرَاض الَّتِى لَا يَنْفَكّ الْجِسْم عَنْهَا كاللون والطعم والرائحة وَسَائِر مَالا يَخْلُو الْجِسْم مِنْهُ وَمن ضِدّه فَأَما الذى يَخْلُو الْجِسْم مِنْهُ وَمن ضِدّه كَالْعلمِ وَالْجهل وَنَحْوهمَا فَلَيْسَ شىء مِنْهَا بَعْضًا للجسم وَزعم ايضا ان كَلَام الله تَعَالَى عرض اذا قرىء وجسم اذا كتب وانه لَو كتب بِالدَّمِ صَار ذَلِك الدَّم المقطع قطيع حُرُوف الْكَلَام كلَاما لله تَعَالَى بعد ان لم يكن كلَاما حِين كَانَ دَمًا مسفوحا فَهَذِهِ اصول النجارية وافترقوا بعد هَذَا فِيمَا بَينهم فى الْعِبَادَة عَن خلق الْقُرْآن
стр. 196
وفى حكم أَقْوَال مخالفيهم فرقا كَبِيرَة كل فرقة مِنْهَا تكفر سائرها والمشهورون مِنْهَا ثَلَاث فرق وهى البرغوثية والزعفرانية والمستدركة من الزعفرانية
ذكر البرغوثية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع مُحَمَّد بن عِيسَى الملقب ببرغوث وَكَانَ على مَذْهَب النجار فى اكثر مذاهبه وَخَالفهُ فى تَسْمِيَة المكتسب فَاعِلا فَامْتنعَ مِنْهُ واطلقه النجار وَخَالفهُ فى تَسْمِيَة المكتسب فَاعِلا فَامْتنعَ مِنْهُ واطلقه النجار وَخَالفهُ ايضا فى المتوالدات فَزعم انها فعل لله تَعَالَى بايجاب الطَّبْع على معنى ان الله تَعَالَى طبع الْحجر طبعا يذهب إِذا وَقع وطبع الْحَيَوَان طبعا يألم اذا ضرب وَقَالَ النجار فى المتولدات بِمثل قَول اصحابنا فِيهَا انها من فعل الله تَعَالَى بِاخْتِيَار لَا من طبع الْجِسْم الذى سموهُ مولدا
ذكر الزعفرانية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع الزعفرانى الذى كَانَ بالرى وَكَانَ يُنَاقض بآخر كَلَامه اوله فَيَقُول ان كَلَام الله تَعَالَى غَيره وكل مَا هُوَ غير الله تَعَالَى مَخْلُوق ثمَّ يَقُول مَعَ ذَلِك الْكَلْب خير مِمَّن يَقُول كَلَام الله مَخْلُوق وَذكر بعض أَصْحَاب التواريخ أَن هَذَا الزعفرانى أَرَادَ أَن يشهر نَفسه فى الْآفَاق فأكترى رجلا على أَن يخرج الى مَكَّة ويسبه ويلعنه فى مواسم مَكَّة ليشتهر ذكره عِنْد حجيج الْآفَاق وَقد بلغ حمق أَتْبَاعه بالرى أَن قوما مِنْهُم لَا يَأْكُلُون العنجد حُرْمَة للزعفرانى ويزعمون انه كَانَ يحب ذَلِك
стр. 197
وَقَالُوا لَا نَأْكُل محبوبه
ذكر المستدركة مِنْهُم هَؤُلَاءِ قوم من النجارية يَزْعمُونَ انهم استدركوا مَا خفى على اسلافهم لَان اسلافهم منعُوا اطلاق القَوْل بِأَن الْقُرْآن مَخْلُوق وَزَعَمت المستدركة أَنه مَخْلُوق ثمَّ افْتَرَقُوا فِيمَا بَينهم فرْقَتَيْن فرقة زعمت أَن النبى ﵇ قد قَالَ ان كَلَام الله مَخْلُوق على تَرْتِيب هَذِه الْحُرُوف وَلكنه اعْتقد ذَلِك بِهَذِهِ اللَّفْظَة على ترتيبه حروفها وَمن لم يقل إِن النبى ﵇ قَالَ ذَلِك على تَرْتِيب هَذِه الْحُرُوف فَهُوَ كَافِر وَقَالَت الْفرْقَة الثَّانِيَة مِنْهُم إِن النبى ﵇ لم يقل كَلَام الله مَخْلُوق على تَرْتِيب هَذِه الْحُرُوف وَلكنه اعْتقد ذَلِك وَدلّ عَلَيْهِ وَمن زعم أَنه قَالَ إِن كَلَام الله مَخْلُوق بِهَذِهِ اللَّفْظَة فَهُوَ كَافِر وَمن هَؤُلَاءِ المستدركة قوم بالرى يَزْعمُونَ أَن أَقْوَال مخالفيهم كلهَا كذب حَتَّى لَو قَالَ الْوَاحِد مِنْهُم فى الشَّمْس انها شمس لَكَانَ كَاذِبًا فِيهِ قَالَ عبد القاهر ناظرت بعض هَذِه الطَّائِفَة بالرى فَقلت لَهُ اخبرنى عَن قولى لَك أَنْت إِنْسَان عَاقل مَوْلُود من نِكَاح لَا من سفاح هَل أكون صَادِقا فِيهِ فَقَالَ أَنْت كَاذِب فى هَذَا القَوْل فَقلت لَهُ أَنْت صَادِق فى هَذَا الْجَواب فَسكت خجلا وَالْحَمْد لله على ذَلِك
стр. 198
الْفَصْل السَّادِس من فُصُول هَذَا الْبَاب فِي ذكر الْجَهْمِية والبكرية والضرارية وَبَيَان مذاهبها
الْجَهْمِية اتِّبَاع جهم بن صَفْوَان الذى قَالَ بالاجبار والاضطرار الى الاعمال وانكر الاستطاعات كلهَا وَزعم ان الْجنَّة وَالنَّار تبيدان وتفنيان وَزعم أَيْضا ان الايمان هُوَ الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى فَقَط وان الْكفْر هُوَ الْجَهْل بِهِ فَقَط وَقَالَ لافعل وَلَا عمل لَاحَدَّ غير الله تَعَالَى وانما تنْسب الاعمال الى المخلوقين على الْمجَاز كَمَا يُقَال زَالَت الشَّمْس ودارت الرَّحَى من غير أَن يَكُونَا فاعلين اَوْ مستطيعين لما وصفتا بِهِ وَزعم ايضا أَن علم الله تَعَالَى حَادث وَامْتنع من وصف الله تَعَالَى بانه شىء اَوْ حى اَوْ عَالم أَو مُرِيد وَقَالَ لَا أصفه يجوز اطلاقه على غَيره كشىء مَوْجُود وحى وعالم ومريد وَنَحْو ذَلِك وَوَصفه بانه قَادر وموجود وفاعل وخالق ومحيى ومميت لَان هَذِه الاوصاف مُخْتَصَّة بِهِ وَحده وَقَالَ بحدوث كَلَام الله تَعَالَى كَمَا قالته الْقَدَرِيَّة وَلم يسم الله تَعَالَى متكلما بِهِ واكفره أَصْحَابنَا فى جَمِيع ضلالاته
стр. 199
واكفرتة الْقَدَرِيَّة فى قَوْله بَان الله تَعَالَى خَالق اعمال الْعباد فاتفق أَصْنَاف الامة على تكفيره وَكَانَ جهم مَعَ ضلالاته الَّتِى ذَكرنَاهَا يحمل السِّلَاح وَيُقَاتل السُّلْطَان وَخرج مَعَ شُرَيْح بن الْحَرْث على نصر بن يسَار وَقَتله سلم بن اجون المازنى فى آخر زمَان بنى مَرْوَان واتباعه الْيَوْم بنهوند وَخرج اليهم فى زَمَاننَا اسماعيل بن ابراهيم بن كبوس الشيرازى الديلى فَدَعَاهُمْ الى مَذْهَب شَيخنَا ابى الْحسن الاشعرى فاجابه قوم مِنْهُم وصاروا مَعَ اهل السّنة يدا وَاحِدَة وَالْحَمْد لَهُ على ذَلِك
واما البكرية فاتباع بكر بن اخت عبد الْوَاحِد بن زيد وَكَانَ يُوَافق النظام فى دَعْوَاهُ ان الانسان هُوَ الرّوح دون الْجَسَد الذى فِيهِ الرّوح ويوافق اصحابنا فى ابطال القَوْل بالتولد وفى ان الله تَعَالَى هُوَ المخترع الْأَلَم عِنْد الضَّرْب وَأَجَازَ وُقُوع الضَّرْب من غير حُدُوث ألم وَقطع بعْدهَا كَمَا أجَاز ذَلِك أَصْحَابنَا وَانْفَرَدَ بضلالات اكفرته الامة فِيهَا مِنْهَا مِنْهَا قَوْله بِأَن الله تَعَالَى يرى فى الْقِيَامَة فِي صُورَة يخلقها وان يكلم عباده من تِلْكَ الصُّورَة وَمِنْهَا قَوْله فى الْكَبَائِر الْوَاقِعَة من اهل الْقبْلَة انها نفاق وان صَاحب الْكَبِيرَة مُنَافِق وعابد للشَّيْطَان وان كَانَ من اهل الصَّلَاة وَزعم ايضا انه مَعَ كَونه منافقا مكذب لله تَعَالَى جَاحد لَهُ وان يكون
стр. 200
فى الدَّرك الاسفل من النَّار مخلدا فِيهَا وانه مَعَ ذَلِك مُسلم وَمُؤمن ثمَّ انه طرد قَوْله فِي هَذِه الْبِدْعَة فَقَالَ فِي على وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر ان ذنوبهم كَانَت كفرا وشركا غير انهم كَانُوا مغفورا لَهُم لما روى فِي الْخَبَر ان الله تَعَالَى اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم وَمن ضلالاته ايضا مَا عاند فِيهِ الْعُقَلَاء فَزعم أَن الاطفال فى المهد لَا يألمون وان قطعُوا اَوْ حرقوا وَأَجَازَ ان يَكُونُوا فى وَقت الضَّرْب وَالْقطع والاحراق متلذذين مَعَ ظُهُور الْبكاء والصياح مِنْهُم وَمِنْهَا انه أبدع فى الْفِقْه تَحْرِيم اكل الثوم والبصل وَأوجب الْوضُوء من قرقرة الْبَطن وَلَا اعْتِبَار عِنْد أهل السّنة بِخِلَاف اهل الاهواء فى الْفِقْه
واما الضرارية فهم اتِّبَاع ضرار بن عَمْرو الذى وَافق اصحابنا فى ان افعال الْعباد مخلوقة لله تَعَالَى واكساب للعباد وفى ابطال القَوْل بالتولد وَوَافَقَ الْمُعْتَزلَة فى ان الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل وَزَاد عَلَيْهِم بقوله انها قبل الْفِعْل وَمَعَ الْفِعْل وَبعد الْفِعْل وانها بعض المستطيع وَوَافَقَ النجار فى دعواهما ان الْجِسْم اعراض مجتمعة من لون وَطعم ورائحة وَنَحْوهَا من الاعراض الَّتِى لَا يَخْلُو الْجِسْم مِنْهَا وَانْفَرَدَ باشياء مُنكرَة مِنْهَا قَوْله بَان الله تَعَالَى يرى فى الْقِيَامَة بحاسة سادسة يرى بهَا الْمُؤْمِنُونَ مَاهِيَّة الْإِلَه وَقَالَ لله
стр. 201
تَعَالَى مَاهِيَّة لَا يعرفهَا غَيره يَرَاهَا الْمُؤْمِنُونَ بحاسة سادسة وَتَبعهُ على هَذَا القَوْل حَفْص القرد وانه أنكر حرف ابْن مَسْعُود وحرف ابى بن كَعْب وَشهد بِأَن الله تَعَالَى لم ينزلهما فنسب هذَيْن الامامين من الصَّحَابَة الى الضَّلَالَة فى مصحفيهما وَمِنْهَا أَنه شكّ فى جَمِيع عَامَّة الْمُسلمين وَقَالَ لَا أدرى لَعَلَّ سرائر الْعَامَّة كلهَا شرك وَكفر وَمِنْهَا قَوْله ان معنى قَوْلنَا ان الله تَعَالَى عَالم حى هُوَ انه لَيْسَ بجاهل وَلَا ميت وَكَذَلِكَ قِيَاسه فى سَائِر اوصاف الله تَعَالَى من غير إِثْبَات معنى أَو فَائِدَة سوى نفى الْوَصْف بنقيض تِلْكَ الاوصاف عَنهُ
الْفَصْل السَّابِع من هَذَا الْبَاب فى ذكر مقالات الكرامية وَبَيَان أوصافها
الكرامية بخراسان ثَلَاثَة أَصْنَاف حقاقية وطرايقية واسحاقية وَهَذِه الْفرق الثَّلَاث لَا يكفر بَعْضهَا بَعْضًا وان أكفرها سَائِر الْفرق فَلهَذَا عددناها فرقه وَاحِدَة وزعيمها الْمَعْرُوف مُحَمَّد بن كرام كَانَ مطرودا من سخستان الى غرجستان وَكَانَ أَتْبَاعه فى وقته أوغاد شورين وافشين ووردوا مَعَ نيسابور
стр. 202
فى زمَان ولَايَة مُحَمَّد بن طَاهِر بن عبد الله بن طَاهِر وَتَبعهُ على بدعته من أهل سَواد نيسابور شرذمة من حوكة الْقرى والدتهم وضلالات أَتْبَاعه الْيَوْم متنوعة أنواعا لَا نعدها ارباعا وَلَا اسباعا لَكنا نزيد على الآلاف آلافا وَنَذْكُر مِنْهَا الْمَشْهُور الذى هُوَ بالقبح مَذْكُور فَمِنْهَا ان ابْن كرام دَعَا اتِّبَاعه الى تجسيم معبوده وَزعم انه جسم لَهُ حد وَنِهَايَة من تَحْتَهُ والجهة الَّتِى مِنْهَا يلاقى عَرْشه وَهَذَا شَبيه بقول الثنوية إِن معبودهم الذى سموهُ نورا يتناهى من الْجِهَة الَّتِى يلاقى الْكَلَام وان لم يتناه من خمس جِهَات وَقد وصف ابْن كرام معبوده فى بعض كتبه بِأَنَّهُ جَوْهَر كَمَا زعمت النَّصَارَى ان الله تَعَالَى جَوْهَر وَذَلِكَ أَنه قَالَ فى خطْبَة كِتَابه الْمَعْرُوف بِكِتَاب عَذَاب الْقَبْر إِن الله تَعَالَى احدى الذَّات احدى الْجَوَاهِر وَأَتْبَاعه الْيَوْم لَا يبوحون باطلاق لفظ الْجَوْهَر على الله تَعَالَى عِنْد الْعَامَّة خوفًا من الشناعة عِنْد الاشاعة واطلاقهم عَلَيْهِ اسْم الْجِسْم اشنع من اسْم الْجَوْهَر وامتناعهم من تَسْمِيَته جوهرا مَعَ قَوْلهم بِأَنَّهُ جسم كامتناع تَسْمِيَة شَيْطَان الطاق الرافض من تَسْمِيَته الاله جسما مَعَ قَوْله بِأَنَّهُ على صُورَة الانسان وَلَيْسَ على الخذلان فى سَوَاء الِاخْتِيَار قِيَاس وَقد ذكر ابْن كرام فى كِتَابه ان الله تَعَالَى مماس لعرشه وان الْعَرْش مَكَان لَهُ وأبدل أَصْحَابه
стр. 203
لفظ الماسة بِلَفْظ الملاقاة مِنْهُ للعرش وَقَالُوا لَا يَصح وجود جسم بَينه وَبَين الْعَرْش إِلَّا بَان يُحِيط الْعَرْش الى اسفل وَهَذَا معنى المماسة الَّتِى امْتَنعُوا من لَفظهَا وَاخْتلف أَصْحَابه فى معنى الاسْتوَاء الْمَذْكُور فى قَوْله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ فَمنهمْ من زعم أَن كل الْعَرْش مَكَان لَهُ وانه لَو خلق بازاء الْعَرْش عروشا موازية لعرشه لَصَارَتْ العروش كلهَا مَكَانا لَهُ لانه أكبر مِنْهَا كلهَا وَهَذَا القَوْل يُوجب عَلَيْهِم ان يكون عَرْشه الْيَوْم كبعضه فى عرضه وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه لَا يزِيد على عَرْشه فى جِهَة المماسة وَلَا يفضل مِنْهُ شىء على الْعَرْش وَهَذَا يقتضى ان يكون عرضه كعرض الْعَرْش وَكَانَ من الكرامية بنيسابور وَرجل يعرف بابراهيم ابْن مهَاجر بنصر هَذَا القَوْل ويناظر عَلَيْهِ وَزعم ابْن كرام وَأَتْبَاعه أَن معبودهم مَحل للحوادث وَزَعَمُوا أَن أَقْوَاله وارادته وإدراكاته للمرئيات وإدراكاته للمسموعات زملاقاته للصحيفة الْعليا من الْعَالم أَعْرَاض حَادِثَة فِيهِ وَهُوَ مَحل لتِلْك الْحَوَادِث الْحَادِثَة فِيهِ وَسموا قَوْله للشىء كن خلقا للمخلوق وإحداثا للمحدث واعلاما للذى يعْدم بعد وجوده وَمنعُوا من وصف الْأَعْرَاض الْحَادِثَة فِيهِ بِأَنَّهَا مخلوقة اَوْ مفعولة اَوْ محدثة وَزَعَمُوا ايضا أَنه لَا يحدث فى الْعَالم جسم وَلَا عرض إِلَّا بعد حُدُوث أَعْرَاض كَثِيرَة فى ذَات معبودهم
стр. 204
مِنْهَا ارادة لحدوث ذَلِك الْحَادِث وَمِنْهَا قَوْله لذَلِك الْحَادِث كن على الْوَجْه الذى علم حُدُوثه عَلَيْهِ وَذَلِكَ القَوْل فى نَفسه حُرُوف كَثِيرَة كل حرف مِنْهَا عرض حَادث فِيهِ وَمِنْهَا رُؤْيَة تحدث فِيهِ يرى بهَا ذَلِك الْحَادِث وَلَو لم يحدث فِيهِ الرُّؤْيَة لم ير ذَلِك الْحَادِث وَمِنْهَا استماعه لذَلِك الْحَادِث ان كَانَ مسموعا وَزَعَمُوا ايضا أَنه لَا يعْدم من الْعَالم شىء من الاعراض الا بعد حُدُوث أَعْرَاض كَثِيرَة فى معبودهم مِنْهَا ارادة لعدمه وَمِنْهَا قَوْله لما يُرِيد عَدمه كن مَعْدُوما اَوْ افن وَهَذَا القَوْل فى نَفسه حُرُوف كل حرف مِنْهَا عرض حَادث فِيهِ فَصَارَت الْحَوَادِث الْحَادِثَة فى ذَات الاله عِنْدهم أَضْعَاف أَضْعَاف الْحَوَادِث من اجسام الْعَالم وأعراضها وَاخْتلفت الكرامية فى جَوَاز الْعَدَم فى تِلْكَ الْحَوَادِث الْحَادِثَة فى ذَات الْإِلَه بزعمهم فَأجَاز بَعضهم عدمهَا وَأَجَازَ عدمهَا أَكْثَرهم واجمع الْفَرِيقَانِ مِنْهُم على أَن ذَات الاله لَا يَخْلُو فى الْمُسْتَقْبل عَن حُلُول الْحَوَادِث فِيهِ وان كَانَ قد خلا مِنْهَا فى الْأَزَل وَهَذَا نَظِير قَول اصحاب الهيولى إِن الهيولى كَانَت فى الازل جوهرا خَالِيا من الاعراض ثمَّ حدثت الاعراض فِيهَا وهى لَا تَخْلُو مِنْهَا فى الْمُسْتَقْبل وَاخْتلفت الكرامية فى جَوَاز الْعَدَم على أجسام الْعَالم فأحال ذَلِك اكثرهم وضاهوا بذلك من زعم من
стр. 205
الدهرية والفلاسفة أَن الْفلك وَالْكَوَاكِب طبيعة خَامِسَة لَا تقبل الْفساد والفناء وَكَانَ النَّاس يتعجبون من قَول الْمُعْتَزلَة البصرية إِن الله تَعَالَى يقدر على افناء الاجسام كلهَا دفْعَة وَاحِدَة وَلَا يقدر على افناء بَعْضهَا مَعَ بَقَاء بعض مِنْهَا وَزَالَ هَذَا التَّعَجُّب بقول من زعم من الكرامية انه لَا يقدر على إعدام جسم بِحَال وأعجب من هَذَا كُله أَن ابْن كرام وصف معبوده بالثقل وَذَلِكَ انه قَالَ فى كتاب عَذَاب الْقَبْر فى تَفْسِير قَول الله ﴿إِذا السَّمَاء انفطرت﴾ انها انفطرت من ثقل الرَّحْمَن عَلَيْهَا ثمَّ إِن ابْن كرام واكثر أَتْبَاعه زَعَمُوا ان الله تَعَالَى لم يزل مَوْصُوفا باسمائه المشتقة من افعاله عِنْد أهل اللُّغَة مَعَ اسْتِحَالَة وجود الافعال فى الازل فزعموا أَنه لم يزل خَالِقًا رازقا منعما من غير وجود خلق ورزق ونعمة مِنْهُ وَزَعَمُوا أَنه لم يزل خَالِقًا بخالقية فِيهِ ورازقا برازقية فِيهِ وَقَالُوا ان خالقيته قدرته على الْخلق ورازقيته قدرته على الرزق وَالْقُدْرَة قديمَة والخلق والرزق حادثان فِيهِ بقدرته وَقَالُوا بالخلق يصير الْمَخْلُوق من الْعَالم مخلوقا وَبِذَلِك الرزق الْحَادِث فِيهِ يصير المرزوق مرزوقا وأعجب من هَذَا فرقهم بَين الْمُتَكَلّم وَالْقَائِل وَبَين الْكَلَام وَالْقَوْل وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا ان الله تَعَالَى لم يزل متكلما قَائِلا ثمَّ فرقوا بَين الاسمين فى الْمَعْنى فَقَالُوا انه لم يزل متكلما
стр. 206
بِكَلَام هُوَ قدرته على القَوْل وَلم يزل قَائِلا بقائلية لَا يَقُول والقائلية قدرته على القَوْل وَقَوله حُرُوف حَادِثَة فِيهِ فَقَوْل الله تَعَالَى عِنْدهم حَادث فِيهِ وَكَلَامه قديم قَالَ عبد القاهر ناظرت بَعضهم فى هَذِه الْمَسْأَلَة فَقلت لَهُ اذا زعمت ان الْكَلَام هُوَ الْقُدْرَة على القَوْل والساكت عنْدك قَادر على القَوْل فى حَال سُكُوته لزمك على هَذَا القَوْل ان يكون السَّاكِت متكلما فالتزم ذَلِك وَمن تدقيق الكرامية فى هَذَا الْبَاب قَوْلهم انا نقُول ان الله تَعَالَى لم يزل خَالِقًا رازقا على الاطلاق وَلَا نقُول بالاضافة ان لم يزل خَالِقًا للمخلوقين ورازقا للمرزوقين وانما نذْكر هَذِه الاضافة عِنْد وجود المخلوقين والمرزوقين وَقَالُوا على هَذَا الْقيَاس ان الله تَعَالَى لم يزل معبودا وَلم يكن فى الازل معبود العابدين وانما صَار معبود العابدين عِنْد وجود العابدين وَوُجُود عِبَادَتهم لَهُ ثمَّ ان ابْن كرام ذكر فى كِتَابه الْمَعْرُوف بِعَذَاب الْقَبْر بَابا لَهُ تَرْجَمَة عَجِيبَة فَقَالَ بَاب فى كيفوفية الله وَلَا يدْرِي الْعَاقِل مماذا يتعجب أعن جسارته على اطلاق لفظ الْكَيْفِيَّة فى صِفَات الله تَعَالَى ام من قبح عِبَارَته عَن الْكَيْفِيَّة بالكيفوفية وَله من جنس هَذِه الْعبارَة أشكال مِنْهَا قَوْله فى بَاب الرَّد على أَصْحَاب الحَدِيث فى الايمان فان قَالُوا صحوفيتهم الايمان قَول وَعمل قيل لَهُم كَذَا وَكَذَا وَقد عبر عَن مَكَان معبوده فى بعض كتبه بالحيثوثية
стр. 207
وَهَذِه الْعبارَات السخيفة لائقة بمذهبه السخيف ثمَّ انه مَعَ أَصْحَابه تكلمُوا فى مقدورات الله تَعَالَى فزعموا انه لَا يقدر الا على الْحَوَادِث الَّتِي تحدث فى ذَاته من ارادته وأقواله وادراكاته وملاقاته لما يلاقيه فاما الْمَخْلُوقَات من اجسام الْعَالم وأعراضها فَلَيْسَ شىء مِنْهَا مَقْدُورًا لله تَعَالَى وَلم يكن الله تَعَالَى قَادِرًا على شىء مِنْهَا مَعَ كَونهَا مخلوقة وانما خلق كل مَخْلُوق من الْعَالم بقوله كن لَا بقدرته وَهَذِه بِدعَة لم يسْبقُوا اليها لَان النَّاس قبلهم اخْتلفُوا فى مقدورات الله تَعَالَى على مَذَاهِب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة كل مَخْلُوق كَانَ مَقْدُورًا لله تَعَالَى قبل حُدُوثه وَهُوَ مُحدث جَمِيع الْحَوَادِث بقدرته وَزعم معمر أَن الاجسام كلهَا كَانَت مقدورة لَهُ قبل أَن خلقهَا وَلَيْسَت الاعراض مخلوقة لَهُ وَلَا مقدورة لَهُ وَقَالَ اكثر الْمُعْتَزلَة ان الاجسام والالوان والطعوم والروائح وَسَائِر أَجنَاس الاعراض كَانَت مقدورة لله تَعَالَى وانما امْتَنعُوا من وَصفه بِالْقُدْرَةِ على مقدورت غَيره وَقَالَت الْجَهْمِية الْحَوَادِث كلهَا مقدورة لله تَعَالَى وَلَا قَادر وَلَا فَاعل غَيره وَمَا قَالَ أحد قبل الكرامية باختصاص قدرَة الاله بحوادث تحدث فى ذَاته بزعمهم تَعَالَى الله عَن قَوْلهم علوا كَبِيرا ثمَّ انهم تكلمُوا فى بَاب التَّعْدِيل والتحوير بعجائب مِنْهَا قَوْلهم يجب ان يكون اول شىء خلقه
стр. 208
الله تَعَالَى جسما حَيا يَصح مِنْهُ الِاعْتِبَار وَزَعَمُوا أَنه لَو بَدَأَ بِخلق الجمادات لم يكن حكيما وَزَادُوا فى هَذِه الْبِدْعَة على الْقَدَرِيَّة فى قَوْلهَا لَا بُد من أَن يكون فى الْخلق من يَصح مِنْهُ الِاعْتِبَار وَلَيْسَ بِوَاجِب أَن يكون اول الْخلق حَيا يَصح مِنْهُ الِاعْتِبَار وَقد ردوا ببدعتهم هَذِه الاخبار الصَّحِيحَة فى أَن أول شىء خلقه تَعَالَى اللَّوْح والقلم ثمَّ أجْرى الْقَلَم على اللَّوْح بِمَا هُوَ كَائِن الى يَوْم الْقِيَامَة وَقَالُوا لَو خلق الله تَعَالَى الْخلق وَكَانَ فى معلومه انه لَا يُؤمن بِهِ اُحْدُ مِنْهُم لَكَانَ خلقه إيَّاهُم عَبَثا وانما حسن مِنْهُ خلق جَمِيعهم لعلمه بأيمان بَعضهم وَقَالَ أهل السّنة لَو خلق الْكَفَرَة دون الْمُؤمنِينَ اَوْ خلق الْمُؤمنِينَ دون الْكَفَرَة جَازَ وَلم يقْدَح ذَلِك فى حكمته وَزَعَمت الكرامية أَنه لَا يجوز فى حِكْمَة الله تَعَالَى احترام الطِّفْل الذى يعلم أَنه إِن ابقاه الى زمَان بُلُوغه آمن وَلَا احترام الْكَافِر الذى لَو ابقاه الى مُدَّة آمن إِلَّا أَن يكون فى احترامه إِيَّاه قبل وَقت ايمانه صَلَاح لغيره ويلزمهم على هَذَا القَوْل ان يكون الله تَعَالَى انما احترام إِبْرَاهِيم بن النبى ﷺ قبل بُلُوغه لانه علم انه لَو أبقاه لم يُؤمن وفى هَذَا قدح مِنْهُم فى كل من مَاتَ من ذرارى الانبياء طفْلا وَمن جهالاتهم فى بَاب النُّبُوَّة والرسالة قَوْلهم بِأَن النُّبُوَّة والرسالة صفتان حالتان فى النبى
стр. 209
وَالرَّسُول سوى الوحى اليه وَسوى معجزاته وَسوى عصمته عَن الْمعْصِيَة وَزَعَمُوا أَن من فعل فِيهِ تِلْكَ الصّفة وَجب على الله تَعَالَى إرْسَاله وَفرقُوا بَين الرَّسُول والمرسل بَان الرَّسُول من قَامَت بِهِ تِلْكَ الصّفة والمرسل هُوَ الْمَأْمُور باداء الرسَالَة ثمَّ انهم خَاضُوا فى بَاب عصمَة الانبياء ﵈ فَقَالُوا كل ذَنْب اسقط الْعَدَالَة أَو أوجب حدا مِنْهُم معصومون مِنْهُ غير معصومين مِمَّا دون ذَلِك وَقَالَ بَعضهم لَا يجوز الْخَطَأ عَلَيْهِم فى التَّبْلِيغ وَأَجَازَ ذَلِك بَعضهم وَزعم أَن النبى ﵇ أَخطَأ فى تَبْلِيغ قَوْله ﴿وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى﴾ حَتَّى قَالَ بعده تِلْكَ الغرانيق العلى شَفَاعَتهَا ترتجى وَقَالَ اهل السّنة ان تِلْكَ الْكَلِمَة كَانَت من تِلَاوَة الشَّيْطَان القاها فى خلال تِلَاوَة النبى ﷺ وَقد قَالَ شَيخنَا ابو الْحسن الأشعرى فى بعض كتبه إِن الانبياء بعد النُّبُوَّة معصومون من الْكَبَائِر والصغائر وَزَعَمت الكرامية ايضا أَن النبى اذا ظَهرت دَعوته فَمن سَمعهَا مِنْهُ اَوْ بلغه خَبره لزمَه تَصْدِيقه والاقرار بِهِ من غير توقف على معرفَة دَلِيله وَقد سرقوا هَذِه الْبِدْعَة من أباضية الْخَوَارِج الَّذين قَالُوا ان قَول النبى ﵇ انا نَبِي فنفسه حجَّة لَا يحْتَاج مَعهَا الى برهَان وَزَعَمت الكرامية أَيْضا أَن من لم تبلغه دَعْوَة الرُّسُل لزمَه أَن يعْتَقد مُوجبَات الْعُقُول وَأَن يعْتَقد أَن الله
стр. 210
تَعَالَى أرسل رسلًا الى خلقه وَقد سبقهمْ اكثر الْقَدَرِيَّة الى القَوْل بِوُجُوب اعْتِقَاد مُوجبَات الْعُقُول وَلم يقل اُحْدُ قبلهم بِوُجُوب اعْتِقَاد وجود الرُّسُل قبل وُرُود الْخَبَر عَنْهُم بوجودهم وَزَعَمت الكرامية ايضا ان الله تَعَالَى لَو اقْتصر على رَسُول وَاحِد من أول زمَان التَّكْلِيف الى الْقِيَامَة وأدام شَرِيعَة الرَّسُول الاول لم يكن حكيما وَقَالَ اهل السّنة لَو فعل ذَلِك جَازَ لما قد جَازَ مِنْهُ لَامة شَرِيعَة خَاتم النَّبِيين الى الْقِيَامَة ثمَّ ان ابْن كرام خَاضَ فى بَاب الامامة فَأجَاز كَون امامين فى وَقت وَاحِد مَعَ وُقُوع الْجِدَال وتعاطى الْقِتَال وَمَعَ الِاخْتِلَاف فى الاحكام واشار فى بعض كتبه الى أَن عليا وَمُعَاوِيَة كَانَا إمامين فى وَقت وَاحِد وَوَجَب على أَتبَاع كل وَاحِد مِنْهُمَا طَاعَة صَاحبه وَإِن كَانَ احدهما عادلا وَالْآخر بَاغِيا وَقَالَ أَتْبَاعه إِن عليا كَانَ إِمَامًا على وفْق السّنة وَكَانَ مُعَاوِيَة إِمَامًا على خلاف السّنة وَكَانَت طَاعَة كل وَاحِد مِنْهُمَا وَاجِبَة على أَتْبَاعه فيا عجبا من طَاعَة وَاجِبَة خلاف السّنة ثمَّ إِن الكرامية خَاضُوا فى بَاب الايمان فزعموا انه إِقْرَار فَرد على الِابْتِدَاء وان تكريره لَا يكون إِيمَانًا الا من الْمُرْتَد اذا أقرّ بِهِ بقدرته وَزَعَمُوا ايضا انه هُوَ الاقرار السَّابِق فِي الذَّر الاول فى طلب النبى ﵇ وَهُوَ قَوْلهم بلَى وَزَعَمُوا ان ذَلِك القَوْل
стр. 211
بَاقٍ ابدا لَا يدون الا بِالرّدَّةِ وَزَعَمُوا ايضا ان الْمقر بِالشَّهَادَتَيْنِ مُؤمن حَقًا وان اعْتقد الْكفْر بالرسالة وَزَعَمُوا ايضا أَن الْمُنَافِقين الَّذين انْزِلْ الله تَعَالَى فى تكفيرهم آيَات كَثِيرَة كَانُوا مُؤمنين حَقًا وَأَن ايمانهم كَانَ كايمان الانبياء وَالْمَلَائِكَة وَقَالُوا فى اهل الاهواء من مخالفيهم ومخالفى أهل السّنة أَن عَذَابهمْ فى الْآخِرَة غير مؤبد واهل الاهواء يرَوْنَ خُلُود الكرامية فى النَّار ثمَّ ان ابْن كرام ابدع فى الْفِقْه حماقات لم يسْبق اليها مِنْهَا قَوْله فى صَلَاة الْمُسَافِر ان يَكْفِيهِ تكبيرتان من غير رُكُوع وَلَا سُجُود وَلَا قيام وَلَا قعُود وَلَا تشهد وَلَا سَلام وَمِنْهَا قَوْله بِصُحْبَة الصَّلَاة فى ثوب كُله نجس وعَلى ارْض نَجِسَة وَمَعَ نَجَاسَة ظَاهر الْبدن وانما أوجب الطَّهَارَة عَن الْأَحْدَاث دون الانجاس وَمِنْهَا قَوْله بِأَن غسل الْمَيِّت وَالصَّلَاة عَلَيْهِ سنتَانِ غير مفروضتين وَإِنَّمَا الْوَاجِب كَفنه وَدَفنه وَمِنْهَا قَوْله بِصِحَّة الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة وَالصَّوْم الْمَفْرُوض وَالْحج الْمَفْرُوض بلانية وَزعم ان نِيَّة الاسلام فى الِابْتِدَاء كَافِيَة عَن نِيَّة كل فَرِيضَة من فَرَائض الاسلام وَكَانَ فى عصرنا شيخ للكرامية يعرف بابراهيم بن مهَاجر اخترع ضَلَالَة لم يسْبق اليها فَزعم ان اسماء الله كلهَا اعراض فِيهِ وَكَذَلِكَ اسْم كل مُسَمّى عرض فِيهِ فَزعم ان الله تَعَالَى عرض حَال فى جسم
стр. 212
قديم والرحمن عرض آخر والرحيم عرض ثَالِث والخالق عرض رَابِع وَكَذَلِكَ كل اسْم لله تَعَالَى عرض غير الآخر فَالله تَعَالَى عِنْده غير الرَّحْمَن والرحمن غير الرَّحِيم والخالق غير الرازق وَزعم ايضا ان الزانى عرض فى الْجِسْم الذى يُضَاف اليه الزِّنَى وَالسَّارِق عرض فِي الذى يُضَاف اليه السّرقَة وَلَيْسَ الْجِسْم زَانيا وَلَا سَارِقا فالمجلود والمقطوع عِنْده غير الزانى وَالسَّارِق وَزعم ايضا أَن الْحَرَكَة والمتحرك عرضان فِي الْجِسْم وَكَذَلِكَ السوَاد والاسود عرضان فِي الْجِسْم وَكَذَلِكَ الْعلم والعالم وَالْقُدْرَة والقادر والحى والحياة كل ذَلِك أَعْرَاض غير الاجسام فالعلم عِنْده لَا يقوم بالعالم وانما يقوم بِمحل الْعَالم وَالْحَرَكَة لَا تقوم بالمتحرك وانما تقوم بِمحل المتحرك قَالَ عبد القاهر ناظرت ابْن مهَاجر هَذَا فِي مجْلِس نَاصِر الدولة أَبى الْحسن مُحَمَّد بن ٤ ابراهيم بن سيمجور صَاحب جَيش السامانية فِي سنة سبعين وثلثمائة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الزمته فِيهَا ان يكون الْمَحْدُود فِي الزِّنَى غير الزانى والمقطوع فِي السّرقَة غير السَّارِق فالتزم ذَلِك فالزمته أَن يكون معبوده عرضا لَان المعبود عِنْده اسْم واسماء الله تَعَالَى عِنْده أَعْرَاض حَالَة فِي جسم قديم فَقَالَ المعبود عرض فِي جسم الْقَدِيم وَأَنا اعبد الْجِسْم دون الْعرض فَقلت لَهُ أَنْت اذن لَا تعبد الله لَان الله تَعَالَى عنْدك عرض وَقد زعمت
стр. 213
أَنَّك تعبد الْجِسْم دن الْعرض وفضائح الكرامية على الاعداد كَثِيرَة الامداد وَفِيمَا ذكرنَا مِنْهَا فِي هَذَا الْفَصْل كِفَايَة وَالله اعْلَم
الْفَصْل الثَّامِن فى بَيَان مَذَاهِب المشبهة من أَصْنَاف شَتَّى
اعلموا أسعدكم الله ان المشبهة صنفان صنف شبهوا ذَات البارى بِذَات غَيره وصنف آخَرُونَ شبهوا صِفَاته بِصِفَات غَيره وكل صنف من هذَيْن الصِّنْفَيْنِ مفترقون على أَصْنَاف شَتَّى والمشبهة الَّذين ضلوا فى تَشْبِيه ذَاته بِغَيْرِهِ أَصْنَاف مُخْتَلفَة وَأول ظُهُور التَّشْبِيه صادر عَن أَصْنَاف من الروافض الغلاة فَمنهمْ السبابية الَّذين سموا عليا الها وشبهوه بِذَات الاله وَلما احْرِقْ قوما مِنْهُم قَالُوا لَهُ الْآن علمنَا انك اله لَان النَّار لَا يعذب بهَا الا الله وَمِنْهُم البيانية اتِّبَاع بَيَان بن سمْعَان الذى زعم أَن معبوده انسان من ثَوْر على صُورَة الانسان فى اعضائه وانه يفنى كُله الا وَجهه وَمِنْهُم المغيرية اتِّبَاع الْمُغيرَة بن سعيد العجلى الذى زعم ان معبوده ذُو اعضاء وَأَن اعضاءه على صور حُرُوف الهجاء وَمِنْهُم المنصورية اتِّبَاع أَبى مَنْصُور الْعجلِيّ الذى شبه نَفسه بربه وَزعم أَنه صعد
стр. 214
الى السَّمَاء وَزعم ايضا أَن الله مسح يَده على رَأسه وَقَالَ لَهُ يَا نبى بلغ عَنى وَمِنْهُم الخطابية الَّذين قَالُوا بالاهية الائمة وبالاهية أَبى الْخطاب الاسدى وَمِنْهُم الَّذين قَالُوا بالاهية عبد الله بن مُعَاوِيَة ابْن عبد الله بن جَعْفَر وَمِنْهُم الحلولية الَّذين قَالُوا بحلول الله فى أشخاص الائمة وعبدوا الائمة لاجل ذَلِك وَمِنْهُم الحلولية الحكمانية المنسوبة الى أَبى حكمان الدمشقى الذى زعم أَن الاله يحل فِي كل صُورَة حَسَنَة وَكَانَ يسْجد لكل صُورَة حَسَنَة وَمِنْهُم المقنعية المبيضة بِمَا وَرَاء نهر جيحون فى دَعوَاهُم ان الْمقنع كَانَ الها وانه مُصَور فى كل زمَان بِصُورَة مَخْصُوصَة وَمِنْهُم العذاقرة الَّذين قَالُوا بالاهية ابْن أَبى العذاقر الْمَقْتُول بِبَغْدَاد وَهَذِه الاصناف الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ فى هَذَا الْفَصْل كلهم خارجون عَن دين الاسلام وان انتسبوا فى الظَّاهِر اليه وَسَنذكر تَفْصِيل مقَالَة كل صنف مِنْهُم فى الْبَاب الرَّابِع من أَبْوَاب هَذَا الْكتاب اذا انتهينا اليه ان شَاءَ الله وَبعد هَذَا فرق من المشبهة عدهم المتكلمون فى فرق الْملَّة لَا قرارهم بِلُزُوم أَحْكَام الْقُرْآن واقرارهم بِوُجُوب أَرْكَان شَرِيعَة الاسلام من الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج عَلَيْهِم واقرارهم بِتَحْرِيم الْمُحرمَات عَلَيْهِم وان ضلوا وَكَفرُوا فى بعض الاصوال الْعَقْلِيَّة وَمن هَذَا الصِّنْف هشامية منتسبة الى هِشَام بن الحكم الرافضى
стр. 215
الذى شبه معبوده بالانسان وَزعم لاجل ذَلِك أَنه سَبْعَة أشبار بشبر نَفسه وَأَنه جسم ذُو حد وَنِهَايَة وَأَنه طَوِيل عريض عميق وَذُو لون وَطعم ورائحة وَقد روى عَنهُ ان معبوده كسكيبة الْفضة وكاللؤلؤة المستديرة وروى عَنهُ أَنه أَشَارَ الى أَن جبل ابى قبيس أعظم مِنْهُ وروى عَنهُ انه زعم ان الشعاع من معبوده مُتَّصِل بِمَا يرَاهُ ومقالته فى هَذَا التَّشْبِيه على التَّفْصِيل الذى ذَكرْنَاهُ فى تَفْصِيل أَقْوَال الامامية قبل هَذَا وَمِنْهُم الهشامية المنسوبة إِلَى هِشَام بن سَالم الجواليقى الذى زعم ان معبوده على صُورَة الانسان وان نصفه الْأَعْلَى مجوف وَنصفه الاسفل مصمت وَأَن لَهُ شَعْرَة سَوْدَاء وَقَلْبًا تنبع مِنْهُ الْحِكْمَة وَمِنْهُم اليونسية المنسوبة الى يُونُس بن عبد الرَّحْمَن القمى الذى زعم ان الله تَعَالَى يحملهُ حَملَة عَرْشه وان كَانَ هُوَ أقوى مِنْهُم كَمَا ان الكركى تحمله رِجْلَاهُ وَهُوَ أقوى من رجلَيْهِ وَمِنْهُم المشبهة المنسوبة الى دَاوُود الجوارى الذى وصف معبوده بِجَمِيعِ أَعْضَاء الانسان الا الْفرج واللحية وَمِنْهُم الابراهيمية المنسوبة الى ابراهيم بن أَبى يحيى الاسلمى وَكَانَ من جملَة رُوَاة الاخبار غير انه ضل فى التَّشْبِيه نسب الى الْكَذِب فِي كثير من رواياته وَمِنْهُم الحايطية من الْقَدَرِيَّة وهم منسوبون الى احْمَد بن حايط وَكَانَ من الْمُعْتَزلَة المنتسبة الى
следующие страницы →