Полный текст (353 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فى بَدْء امْرَهْ مَشْغُولًا بِكَلَام الصُّوفِيَّة وَكَانَت عباراته حِينَئِذٍ من الْجِنْس الذى تسميه الصُّوفِيَّة الشطح وَهُوَ الذى يحْتَمل مَعْنيين احدهما حسن مَحْمُود وَالْآخر قبح مَذْمُوم وَكَانَ يدعى انواع الْعُلُوم على الْخُصُوص والعموم وافتتن بِهِ قوم من اهل بَغْدَاد وَقوم من اهل طالقان خُرَاسَان وَقد اخْتلف فِيهِ المتكلمون وَالْفُقَهَاء والصوفية فاما المتكلمون فاكثرهم على تكفيره وعَلى انه كَانَ على مَذَاهِب الحلولية وَقَبله قوم من متكلمى السالمية بِالْبَصْرَةِ ولسبوه الى حقائق معانى الصُّوفِيَّة وَكَانَ القاضى ابو بكر مُحَمَّد بن الطّيب الاشعرى ﵀ نسبه الى معاطاة الْحِيَل والمخاريق وَذكر فى كِتَابه الذى أبان فِيهِ عجز الْمُعْتَزلَة عَن تَصْحِيح دَلَائِل النُّبُوَّة على اصولهم مخاريق الحلاج ووجوه حيله وَاخْتلف الْفُقَهَاء أَيْضا فى شَأْن الحلاج فتوقف فِيهِ ابو الْعَبَّاس بن سريح لما استفتى فى دَمه وافتى ابو بكر بن دَاوُد بِجَوَاز قَتله وَاخْتلف فِيهِ مَشَايِخ الصُّوفِيَّة فبرىء مِنْهُ عَمْرو بن عُثْمَان المكى وَأَبُو يَعْقُوب الاقطع وَجَمَاعَة مِنْهُم وَقَالَ عَمْرو بن عُثْمَان كنت اماشيه يَوْمًا فَقَرَأت شَيْئا من الْقُرْآن فَقَالَ يمكننى ان اقول مثل هَذَا وروى ان الحلاج مر يَوْمًا على الْجُنَيْد فَقَالَ لَهُ انا الْحق فَقَالَ الْجُنَيْد أَنْت بِالْحَقِّ اية خَشَبَة تقسد فتحقق فِيهِ مَا قَالَ الْجُنَيْد لانه صلب بعد ذَلِك وَقَبله جمَاعَة من الصُّوفِيَّة مِنْهُم أَبُو
стр. 247
الْعَبَّاس بن عطا بِبَغْدَاد وَأَبُو عبد الله بن خَفِيف بِفَارِس وَأَبُو الْقَاسِم النصرابادى بنيسابور وَفَارِس الدينورى بناحيته وَالَّذين نسبوه الى الْكفْر والى دين الحلولية حكوا عَلَيْهِ انه قَالَ من هذب نَفسه فى الطَّاعَة وصبر على اللَّذَّات والشهوات ارْتقى الى مقَام المقربين ثمَّ لَا يزَال يصفو ويرتقى فى دَرَجَات المصافات حَتَّى يصفو عَن البشرية فاذا لم يبْق فِيهِ من البشرية حَظّ حل فِيهِ روح الاله الذى حل فى عِيسَى بن مَرْيَم وَلم يرد حِينَئِذٍ شَيْئا الا كَانَ كَمَا اراد وَكَانَ جَمِيع فعله فعل الله تَعَالَى وَزَعَمُوا ان الحلاج ادّعى لنَفسِهِ هَذِه الرُّتْبَة وَذكر انه ظفروا بكتب لَهُ الى اتِّبَاع عنوانها من الهو هورب الارباب المتصور فى كل صُورَة الى عَبده فلَان فظفروا بكتب اتِّبَاعه اليه وفيهَا يَا ذَات اللَّذَّات ومنتهى غَايَة الشَّهَوَات تشهد انك المتصور فى كل زمَان بِصُورَة وفى زَمَاننَا هَذَا بِصُورَة الْحُسَيْن بن مَنْصُور وَنحن نستجير لَك وَنَرْجُو رحمتك يَا علام الغيوب وَذكروا انه استمال بِبَغْدَاد جمَاعَة من حَاشِيَة الْخَلِيفَة وَمن حرمه حَتَّى خَافَ الْخَلِيفَة وَهُوَ جَعْفَر المقتدر بِاللَّه معرة فتنته فحبسه واستفتى الْفُقَهَاء فى دَمه واستروح الى فَتْوَى أَبى بكر ابْن دَاوُد بآباحة دَمه فَقدم الى حَامِد بن الْعَبَّاس بضربه الف صَوت وبقطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وصلبه بعد ذَلِك عِنْد جسر بَغْدَاد
стр. 248
فَفعل بِهِ ذَلِك يَوْم الثُّلَاثَاء لست بَقينَ من ذى الْقعدَة سنة تسع وثلثمائة ثمَّ انْزِلْ من جذعه الذى صلب عَلَيْهِ بعد ثَلَاث واحرق وَطرح رماده فى الدجلة وَزعم بعض المنسوبين اليه انه حَيّ لم يقتل وانما قتل من ألْقى عَلَيْهِ شبهه وَالَّذين تولوه من الصُّوفِيَّة وَزَعَمُوا انه كشف لَهُ احوال من الْكَرَامَة فاظهرها للنَّاس فَعُوقِبَ بتسليط منكرى الكرامات عَلَيْهِ لتبقى حَاله على التلبيس وَزعم هَؤُلَاءِ ان حَقِيقَة التصوف حَال ظَاهرهَا تلبيس وباطنها تقديس وَاسْتَدَلُّوا على تقديس بَاطِن الحلاج بِمَا روى انه قَالَ عِنْد قطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ حسب الْوَاحِد افراد الْوَاحِد وَبِأَنَّهُ سُئِلَ يَوْمًا عَن ذَنبه فانشأ يَقُول ثَلَاثَة احرف لَا عجم فِيهَا ومعجومان وَانْقطع الْكَلَام وَأَشَارَ بذلك الى التَّوْحِيد واما العذاقرة فقوم بِبَغْدَاد اتِّبَاع رجل ظهر بِبَغْدَاد فى ايام الراضى بن المقتدر فى سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلثمائة وَكَانَ مَعْرُوفا بِابْن أَبى العذاقر واسْمه مُحَمَّد بن على السلمقانى وَادّعى حُلُول روح الاله فِيهِ وسمى نَفسه روح الْقُدس وَوضع لاتباعه كتابا سَمَّاهُ بالحاسة السَّادِسَة وَصرح فِيهِ بِرَفْع الشَّرِيعَة واباح اللواط وَزعم انه ايلاج الْفَاضِل نوره فى الْمَفْضُول واباح اتِّبَاعه لَهُ حرمهم طَمَعا فى ايلاجه نوره فِيهِنَّ وظفر الراضي بِاللَّه بِهِ وبجماعة من اتِّبَاعه مِنْهُم الْحُسَيْن بن الْقسم بن عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب وابو عمرَان
стр. 249
ابراهيم بن مُحَمَّد بن احْمَد بن المنجم وَوجد كتبهما اليه يخاطبانه فِيهَا بالرب وَالْمولى ويصفانه بِالْقُدْرَةِ على مَا يَشَاء واقروا بذلك بِحَضْرَة الْفُقَهَاء وَمِنْهُم ابو الْعَبَّاس احْمَد بن عمر بن سُرَيج وابو الْفَرح المالكى وَجَمَاعَة من الائمة فَاعْتَرفُوا بذلك وامر الْمَعْرُوف مِنْهُم بالحسين بن الْقسم بن عبيد الله بِالْبَرَاءَةِ من ابْن أَبى العذاقر بِأَن يصفعه فَفعل ذَلِك واظهر التَّوْبَة وافتى ابْن سُرَيج بِجَوَاز قبُول تَوْبَته على مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀ وافتى المالكيون برد تَوْبَة الزنديق بعد العثور عَلَيْهِ فامر الراضى بحبسه الى ان ينظر فى امْرَهْ وَأمر بقتل ابْن ابى العذاقر وَصَاحبه ابى عون فَقَالَ لَهُ ابْن ابي العذاقر امهلنى ثَلَاثَة ايام لينزل فِيهَا براءتى من السَّمَاء اَوْ نقمة على اعدائى وَأَشَارَ الْفُقَهَاء على الراضى بتعجيل قَتلهمَا فصلبهما ثمَّ احرقهما بعد ذَلِك وَطرح رمادهما فى الدجلة
стр. 250
الْفَصْل الْحَادِي عشر من فُصُول هَذَا الْبَاب فى ذكر اصحاب الاباحة من الخرمية وَبَيَان خُرُوجهمْ عَن جملَة فرق الاسلام
فؤلاء صنفان صنف مِنْهُم كَانُوا قبل دولة الاسلام كالمزدكية الَّذين استباحوا الْمُحرمَات وَزَعَمُوا ان النَّاس شُرَكَاء فى الاموال وَالنِّسَاء ودامت فتْنَة هَؤُلَاءِ الى ان قَتلهمْ انوشروان فى زَمَانه والصنف الثانى خرمدينية ظَهَرُوا فِي دولة الاسلام وهم فريقان بابكية وَمَا زيارية وكلتاهما مَعْرُوفَة بالمحمرة فالبابكية مِنْهُم اتِّبَاع بابك الخزى الذى ظهر فِي جبل الْيَدَيْنِ بِنَاحِيَة اذربيجان وَكثر بهَا اتِّبَاعه واستباحوا الْمُحرمَات وَقتلُوا الْكثير من الْمُسلمين وجهز اليه خلفاء بنى الْعَبَّاس جيوشا كَثِيرَة مَعَ الفشين الْحَاجِب وَمُحَمّد بن يُوسُف التعرى وابى دلف العجلى واقرانهم وَبقيت العساكر فِي وَجهه مِقْدَار عشْرين سنة الى ان أَخذ بابك واخوه اسحق بن ابرهيم وصلبا بِعَين من راى فِي ايام المعتصم واتهم الفشين الْحَاجِب بممالأة بابك فِي حربه وَقتل لأجل ذَلِك واما المازبارية مِنْهُم فهم اتِّبَاع
стр. 251
مَا زيار الذى اظهر دين المحمرة بجرجان وللبابكيه فِي جبلهم لَيْلَة عيد لَهُم يَجْتَمعُونَ فِيهَا على الْخمر وَالزمر وتختلط فِيهَا رِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ فاذا أطفئت سرجهم ونيرانهم افتض فِيهَا الرِّجَال وَالنِّسَاء على تَقْدِير من عزبز والبابكية ينسبون أصل دينهم الى أَمِير كَانَ لَهُم فِي الْجَاهِلِيَّة اسْمه شروين ويزعمون ان اباه كَانَ من الزنج وامه بعض بَنَات مُلُوك الْفرس ويزعمون ان شروين كَانَ افضل من مُحَمَّد وَمن سَائِر الانبياء وَقد بنوا فِي جبلهم مَسَاجِد للْمُسلمين يُؤذن فِيهَا الْمُسلمُونَ وهم يعلمُونَ أَوْلَادهم الْقُرْآن لكِنهمْ لَا يصلونَ فِي السِّرّ وَلَا يَصُومُونَ فِي شهر رَمَضَان وَلَا يرَوْنَ جِهَاد الْكَفَرَة وَكَانَت فتْنَة مازيار قد عظمت فِي ناحيته الى ان اخذ فِي ايام المعتصم ايضا وصلب بسر من رأى بحذاء بابك الخزى وَاتِّبَاع مازيار الْيَوْم فِي جبلهم اكرة من يليهم من سَواد جرجان يظهرون الاسلام ويضمرون خِلَافه وَالله الْمُسْتَعَان على اهل الزيغ والطغيان
стр. 252
الْفَصْل الثانى عشر من فُصُول هَذَا الْبَاب فى ذكر اصحاب التناسخ من اهل الاهواء وَبَيَان خُرُوجهمْ عَن فرق الاسلام
الْقَائِلُونَ بالتناسخ اصناف صنف من الفلاسفة وصنف من السمنية وَهَذَانِ الصنفان كَانَا قبل دولة الاسلام وصنفان اخران ظهرا فِي دولة الاسلام أَحدهمَا من جملَة الْقَدَرِيَّة وَالْآخر من جملَة الرافضة الغالية فاصحاب التناسخ من السمنية قَالُوا بقدم الْعَالم وَقَالُوا ايضا بابطال النّظر وَالِاسْتِدْلَال وَزَعَمُوا انه لَا مَعْلُوم الا من جِهَة الْحَواس الْخمس وانكر اكثرهم الْمعَاد والبعث بعد الْمَوْت وَقَالَ فريق مِنْهُم بتناسخ الارواح فِي الصُّور الْمُخْتَلفَة واجازوا ان ينْقل روح الانسان الى كلب وروح الْكَلْب الى انسان وَقد حكى اقلوطرخس مثل هَذَا القَوْل عَن بعض الفلاسفة وَزَعَمُوا ان من أذْنب فِي قالب ناله الْعقَاب على ذَلِك الذَّنب فِي قالب آخر وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الثَّوَاب عِنْدهم وَمن اعْجَبْ الاشياء دَعْوَى السمنية فِي التناسخ الذى لَا يعلم بالحواس مَعَ
стр. 253
قَوْلهم انه لَا مَعْلُوم الا من جِهَة الْحَواس وَقد ذهبت المانوية ايضا الى التناسخ وَذَلِكَ ان مانيا قَالَ فِي بعض كتبه إِن الارواح الَّتِى تفارق الاجسام نَوْعَانِ أَرْوَاح الصديقين وأرواح أهل الضَّلَالَة فأرواح الصديقين اذا فَارَقت أجسادها سرت فِي عَمُود الصُّبْح الى النُّور الذى فَوق الْفلك فَبَقيت فِي ذَلِك الْعَالم على السرُور الدَّائِم وأرواح أهل الضلال اذا فَارَقت الاجساد وأرادت اللحوق بِالنورِ الْأَعْلَى ردَّتْ منعكسة إِلَى السّفل فتتناسخ فِي أجسام الْحَيَوَانَات الى ان تصفو من شوائب الظلمَة ثمَّ تلتحق بِالنورِ العالى
وَذكر أَصْحَاب المقالات عَن سقراط وافلاطن واتباعهما من الفلاسفة انهم قَالُوا بتناسخ الْأَرْوَاح على تَفْصِيل قد حكيناه عَنْهُم فى كتاب الْملَل والنحل وَقَالَ بعض الْيَهُود بالتناسخ وَزعم انه وجد فِي كتاب دانيال ان الله تَعَالَى مسخ بخْتنصر فِي سبع صور من صور الْبَهَائِم وَالسِّبَاع وعذبه فِيهَا كلهَا ثمَّ بَعثه فِي آخرهَا موحدا وَأما أهل التناسخ فِي دولة الاسلام فان البيانية والجناحية والخطابية والروندية من الروافض الحلولية كلهَا قَالَت بتناسخ روح الاله فِي الائمة بزعمهم وَأول من قَالَ بِهَذِهِ الضَّلَالَة السبابية من الرافضة لدعواهم أَن عليا صَار الها حِين حل روح الاله فِيهِ
стр. 254
وَزَعَمت البيانية مِنْهُم ان روح الاله دارت فِي الانبياء ثمَّ فِي الائمة الى ان صَارَت فِي بَيَان بن سمْعَان وَادعت الجناحية مِنْهُم مثل ذَلِك فِي عبد الله بن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر وَكَذَلِكَ دَعْوَى الخطابية فِي ابْن الْخطاب وَكَذَلِكَ دَعْوَى قوم من الروندية فِي ابى مُسلم صَاحب دولة بنى الْعَبَّاس فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بتناسخ روح الاله دون أَرْوَاح النَّاس تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا واما أهل التناسخ من الْقَدَرِيَّة فجماعة مِنْهُم أَحْمد بن حايط وَكَانَ معتزليا منتسبا الى النظام وَكَانَ على بدعته فِي الْفطْرَة وَفِي نفى الْجُزْء الذى يتَجَزَّأ وَفِي نفى قدرَة الله تَعَالَى على الزِّيَادَة فِي نعيم أهل الْجنَّة أَو فِي عَذَاب أهل النَّار وَزَاد على النظام فِي ضلالته فِي التناسخ وَمِنْهُم احْمَد بن ايوب بن يانوش وَكَانَ تلميذ احْمَد بن حايط فِي التناسخ لكنهما اخْتلفَا بعد فِي كَيْفيَّة التناسخ وَمِنْهُم مُحَمَّد بن احْمَد القطحي وافتخر بِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُم فِي التناسخ والاعتزال وَمِنْهُم عبد الْكَرِيم بن ابى العوجاء وَكَانَ خَال معن بن زَائِدَة وَجمع بَين أَرْبَعَة أَنْوَاع من الضَّلَالَة أَحدهَا انه كَانَ يرى فِي السردين المانوية من الثنوية والثانى قَوْله بالتناسخ وَالثلث ميله الى الرافضة فِي الامامة وَالرَّابِع قَوْله بِالْقدرِ فِي ابواب التَّعْدِيل والتحوير وَكَانَ وضع أَحَادِيث كَثِيرَة باسانيد
стр. 255
يغتر بهَا من لَا معرفَة لَهُ بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل وَتلك الاحاديث الَّتِى وَضعهَا كلهَا ضلالات فِي التَّشْبِيه والتعطيل وَفِي بَعْضهَا تَغْيِير أَحْكَام الشَّرِيعَة وَهُوَ الذى أفسد على الرافضة صَوْم رَمَضَان بالهلال وردهم عَن اعْتِبَار الاهلة بِحِسَاب وَضعه لَهُم وَنسب ذَلِك الْحساب الى جَعْفَر الصَّادِق وَرفع خبر هَذَا الضال الى أَبى جَعْفَر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان عَامل الْمَنْصُور على الْكُوفَة فامر بقتْله فَقَالَ لن يقتلونى لقد وضعت أَرْبَعَة ألف حَدِيث أحللت بهَا الْحَرَام وَحرمت بهَا الْحَلَال وفطرت الرافضة فِي يَوْم من أَيَّام صومهم وصومتهم فِي يَوْم من أَيَّام فطرهم وتفصيل قَول هَؤُلَاءِ فِي التناسخ ان احْمَد بن حايط زعم ان الله تَعَالَى ابدع خلقَة أَصْحَابه سَالِمين عقلاء بالغين فِي دَار سوى الدُّنْيَا الَّتِي هم فِيهَا الْيَوْم واكمل عُقُولهمْ وَخلق فيهم مَعْرفَته وَالْعلم بِهِ واسبغ عَلَيْهِم نعمه وَزعم ان الانسان الْمَأْمُور المنهى الْمُنعم عَلَيْهِ هُوَ الرّوح الَّتِي فِي الْجِسْم وان الاجسام قوالب للأرواح وَزعم ان الرّوح هِيَ الْحَيّ الْقَادِر الْعَالم وان الْحَيَوَان كُله جنس وَاحِد وَزعم ايضا ان جَمِيع انواع الْحَيَوَان مُحْتَمل للتكليف وَكَانَ قد توجه الامر وَالنَّهْي عَلَيْهِم على اخْتِلَاف صورهم ولغاتهم وَقَالَ ان الله تَعَالَى لما كلفهم فِي الدَّار الَّتِي خلقهمْ فِيهَا شكره على مَا انْعمْ بِهِ عَلَيْهِم
стр. 256
أطاعه بَعضهم فِي جَمِيع مَا امرهم بِهِ وَعَصَاهُ بَعضهم فِي جَمِيع مَا أَمرهم بِهِ فَمن اطاعه فِي جَمِيع مَا امْرَهْ بِهِ أقره فِي دَار النَّعيم الَّتِي ابتدأه فِيهَا وَمن عَصَاهُ فِي جَمِيع مَا أمره بِهِ أخرجه من دَار النَّعيم الى دَار الْعَذَاب الدَّائِم وهى النَّار وَمن أطاعه فِي بعض مَا أمره بِهِ وَعَصَاهُ فِي بعض مَا أمره بِهِ أخرجه الى الدُّنْيَا وَألبسهُ بعض هَذِه الاجسام الَّتِي هِيَ القوالب الكثيفة وابتلاه بالبأساء وَالضَّرَّاء والشدة والرجاء وَاللَّذَّات والآلام فِي صور مُخْتَلفَة من صور النَّاس والطيور والبهائم وَالسِّبَاع والحشرات وَغَيرهَا على مقادير ذنوبهم ومعاصيهم فِي الدَّار الاولى الَّتِى خلقهمْ فِيهَا فَمن كَانَت مَعَاصيه فِي تِلْكَ الدَّار أقل وطاعاته اكثر كَانَت صورته فِي الدُّنْيَا احسن وَمن كَانَت طاعاته فِي تِلْكَ الدَّار أقل ومعاصيه اكثر صَار قالبه فِي الدُّنْيَا أقبح ثمَّ زعم ان الْحَيَوَان الذى من الرّوح لَا يزَال فِي هَذِه الدُّنْيَا يتَكَرَّر فِي قوالب وصور مُخْتَلفَة مَا دَامَت طاعاته مشوبة بذنوبه وعَلى قدر طاعاته وذنوبه يكون منَازِل قوالبه فى الانسانية والبيهمية ثمَّ لَا يزَال من الله تَعَالَى رَسُول الى كل نوع من الْحَيَوَان وتكليف للحيوان ابدا الى ان يتمحض عمل الْحَيَوَان طاعات فَيرد الى دَار النَّعيم الدَّائِم وهى الدَّار الَّتِى خلق فِيهَا اَوْ يمحض عمله معاصى فينقل الى النَّار الدَّائِم عَذَابهَا
стр. 257
فَهَذَا قَول ابْن حايط فى تناسخ الارواح وَقَالَ احْمَد بن ايوب بن بانوش ان الله تَعَالَى خلق الْخلق كُله دَفعه وَاحِدَة وَحكى عَنهُ بعض اصحابه أَن الله تَعَالَى خلق أَولا الاجزاء الْمقدرَة الَّتِي كل وَاحِد مِنْهَا جُزْء لَا يتَجَزَّأ وَزعم ان تِلْكَ الاجزاء كَانَت أَحيَاء عَاقِلَة وان الله تَعَالَى كَانَ قد سوى بَينهم فى جَمِيع امورهم اذ لم يسْتَحق وَاحِد مِنْهُم تَفْضِيلًا على غَيره وَلَا كَانَ من اُحْدُ مِنْهُم جِنَايَة يُؤَخر لاجلها عَن غَيره قَالَ ثمَّ انه خَيرهمْ بَين ان يمتحنهم بعد اسباغ النِّعْمَة عَلَيْهِم بالطاعات ليستحقوا بهَا الثَّوَاب عَلَيْهَا لَان منزلَة الِاسْتِحْقَاق أشرف من منزلَة التَّفْضِيل وَبَين ان يتركهم فِي تِلْكَ الدَّار تفضلا عَلَيْهِ بهَا فَاخْتَارَ بَعضهم الْمحبَّة واباها بَعضهم فَمن اباها تَركه فى الدَّار الاولى على حَاله فِيهَا وَمن اخْتَار الامتحان امتحنه فى الدُّنْيَا وَلما امتحن الَّذين اخْتَارُوا الامتحان عَصَاهُ بَعضهم وأطاعه بَعضهم فَمن عَصَاهُ حطه الى رُتْبَة هى دون الْمنزلَة الَّتِى خلقُوا فِيهَا وَمن اطاعه رَفعه الى رُتْبَة اعلى من الْمنزلَة الَّتِى خلق عَلَيْهَا ثمَّ كررهم فى الاشخاص والقوالب إِلَى ان صَار قوم مِنْهُم اناسا وَآخَرُونَ صَارُوا بهائم أَو سباعا بِذُنُوبِهِمْ وَمن صَار مِنْهُم الى البهيمية ارْتَفع عَنهُ التَّكْلِيف وَكَانَ يُخَالف ابْن حايط فى تَكْلِيف الْبَهَائِم ثمَّ قَالَ فى الْبَهَائِم انها لَا تزَال تَتَرَدَّد فى الصُّور
стр. 258
القبيحة وتلقى المكاره من الذّبْح والتسخير الى ان تستوفى مَا تسْتَحقّ من الْعقَاب بذنوبها ثمَّ تُعَاد الى الْحَالة الاولى ثمَّ يُخْبِرهُمْ الله تَعَالَى تخييرا ثَانِيًا فى الامتحان فان اختاروه اعاد تكليفهم على الْحَال الَّتِى وصنفاها وان امْتَنعُوا مِنْهُ تركُوا على حَالهم غير مكلفين وَزعم ان من الْمُكَلّفين من يعْمل الطَّاعَات حَتَّى يسْتَحق ان يكون نَبيا اَوْ ملكا فيفعل الله تَعَالَى ذَلِك بِهِ وَزعم القحطى مِنْهُم ان الله تَعَالَى لم يعرض عَلَيْهِم فى اول امرهم التَّكْلِيف بل هم سَأَلُوهُ الرّفْع عَن درجاتهم والتفاضل بَينهم فاخبرهم بانهم لَا يصفونَ بذلك الا بعد التَّكْلِيف والامتحان وانهم وان كلفوا فعصوا استحقوا الْعقَاب فابوا الامتحان قَالَ فَذَلِك قَوْله ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ وَزعم ابو مُسلم الحرانى ان الله تَعَالَى خلق الارواح وكلف مِنْهَا من علم انه يطيعه دون من يعصيه وان العصاة إِنَّمَا عصوه ابْتِدَاء فعوقبوا بالنسخ وَالْمَسْخ فى الاجساد الْمُخْتَلفَة على مقادير ذنوبهم فَهَذَا تَفْصِيل قَول اصحاب التناسخ وَقد نقضنا عللهم فى كتاب الْملَل والنحل بِمَا فِيهِ
стр. 259
الْفَصْل الثَّالِث عشر من فُصُول هَذَا الْبَاب فى بَيَان ضلالات الحايطية من الْقَدَرِيَّة وَبَيَان خُرُوجهمْ عَن فرق الامة
هَؤُلَاءِ اتِّبَاع احْمَد بن حايط القدرى وَكَانَ من اصحاب النظام فى الاعتزال وَقد ذكرنَا قَوْله فى التناسخ قبل هَذَا وَنَذْكُر فى هَذَا الْفَصْل ضلالاته فى تَوْحِيد الصَّانِع وَذَلِكَ ان ابْن حايط وفضلا الحدثى زعما ان لِلْخلقِ ربين وخالقين احدهما قديم وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ وَالْآخر مَخْلُوق وَهُوَ عِيسَى بن مَرْيَم وزعما ان الْمَسِيح ابْن الله على معنى النبى دون الْولادَة وزعما ايضا ان الْمَسِيح هُوَ الذى يُحَاسب الْخلق فى الْآخِرَة وَهُوَ الذى عناه الله بقوله ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ وَهُوَ الذى يأتى ﴿فِي ظلل من الْغَمَام﴾ وَهُوَ الذى خلق آدم على صُورَة نَفسه وَذَلِكَ تَأْوِيل مَا روى ان الله تَعَالَى خلق الها على صورته وَزعم انه هُوَ الذى عناه النبى ﷺ بقوله ترَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَهُوَ الذى عناه بقول ان الله تَعَالَى خلق
стр. 260
الْعقل فَقَالَ لَهُ أقبل فَأقبل وَقَالَ لَهُ أدبر فَأَدْبَرَ فَقَالَ مَا خلقت خلقا اكرم مِنْك وَبِك اعطى وَبِك آخذ وَقَالا ان الْمَسِيح تذرع جسدا وَكَانَ قبل التذرع عقلا قَالَ عبد القاهر قد شَارك هَذَانِ الكافران الثنوية وَالْمَجُوس فى دَعْوَى خالقين وَقَوْلهمْ شَرّ من قَوْلهم لَان الثنوية وَالْمَجُوس اضافوا اختراع جَمِيع الْخيرَات الى الله تَعَالَى وانما اضافوا فعل الشرور الى الظلمَة والى الشَّيْطَان واضاف ابْن حايط وَفضل الحدثى فعل الْخيرَات كلهَا الى عِيسَى بن مَرْيَم واضافا اليه محاسبة الْخلق فى الْآخِرَة وَالْعجب فى قَوْلهمَا ان عِيسَى خلق جده آدم ﵇ فيا عجبا من فرع يخلق اصله وَمن عد هذَيْن الضَّالّين من فرق الاسلام كمن عد النَّصَارَى من فرق الاسلام
الْفَصْل الرَّابِع عشر من فُصُول هَذَا الْبَاب فِي ذكر الحمارية من الْقَدَرِيَّة وَبَيَان خُرُوجهمْ عَن فرق الْأمة
هَؤُلَاءِ قوم من معتزلة عَسْكَر مكرم اخْتَارُوا من بدع اصناف الْقَدَرِيَّة ضلالات مَخْصُوصَة فاخذوا من ابْن حايط قَوْله بتناسخ الْأَرْوَاح فِي الاجساد والقوالب واخذوا من عباد بن
стр. 261
سُلَيْمَان الضميري قَوْله بَان الَّذين مسخهم الله قردة وَخَنَازِير كَانُوا بعد المسخ نَاسا وَكَانُوا معتقدين للكفر بعد المسخ واخذوا من جعد بن دِرْهَم الذى ضحى بِهِ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي قَوْله بَان النّظر الذى يُوجب الْمعرفَة تكون تِلْكَ الْمعرفَة فعلا لَا فَاعل لَهَا ثمَّ زَعَمُوا بعد ذَلِك ان الْخمر لَيست من فعل الله تَعَالَى وَإِنَّمَا هِيَ من فعل الْخمار لِأَن الله تَعَالَى لَا يفعل مَا يكون سَبَب الْمعْصِيَة وَزَعَمُوا ان الانسان قد يخلق أنواعا من الْحَيَوَانَات كَاللَّحْمِ اذا دَفنه الانسان اَوْ يَضَعهُ فِي الشَّمْس فيدود زَعَمُوا ان تِلْكَ الديدان من خلق الانسان وَكَذَلِكَ العقارب الَّتِي تظهر من التِّبْن تَحت الْآجر زَعَمُوا انها من اختراع من جمع بَين الْآجر والتبن وَهَؤُلَاء شَرّ من الْمَجُوس الَّذين اضافوا اختراع الْحَيَّات والحشرات والسموم الى الشَّيْطَان وَمن عدهم من فرق الامة كمن عد الْمَجُوس من فرق الامة
стр. 262
الْفَصْل الْخَامِس عشر من فُصُول هَذَا الْبَاب فِي ذكر اليزيدية من الْخَوَارِج وَبَيَان خُرُوجهمْ عَن فرق الاسلام
هَؤُلَاءِ اتِّبَاع يزِيد بن ابى أنيسَة الْخَارِجِي وَكَانَ من الْبَصْرَة ثمَّ انْتقل الى نون من ارْض فَارس وَكَانَ على رَأْي الاباضية من الْخَوَارِج ثمَّ انه خرج عَن قَول جَمِيع الامة لدعواه ان الله يبْعَث رَسُولا من الْعَجم وَينزل عَلَيْهِ كتابا من السَّمَاء وينسخ بشرعه شَرِيعَة مُحَمَّد ﷺ وَزعم ان اتِّبَاع ذَلِك النبى المنتظر هم الصابئون المذكورون فى الْقُرْآن فاما المسمون بالصابئة من اهل وَاسِط وحران فَمَا هم الصابئون المذكورون فِي الْقُرْآن وَكَانَ مَعَ هَذِه الضَّلَالَة يتَوَلَّى من شهد لمُحَمد ﷺ بِالنُّبُوَّةِ من اهل الْكتاب وان لم يدْخل فِي دينه وَسَمَّاهُمْ بذلك مُؤمنين وعَلى هَذَا القَوْل يجب ان يكون العيسوية والرعيانية من الْيَهُود مُؤمنين لانهم أقرُّوا بنبوة مُحَمَّد ﵇ وَلم يدخلُوا فِي دينه وَلَيْسَ بجائز ان يعد فِي فرق الاسلام من يعد الْيَهُود من الْمُسلمين وَكَيف يعد من فرق الاسلام من يَقُول بنسخ شَرِيعَة الاسلام
стр. 263
الْفَصْل السَّادِس عشر من هَذَا الْبَاب فى ذكر الميمونية من الْخَوَارِج وَبَيَان خُرُوجهمْ عَن فرق الاسلام
هَؤُلَاءِ اتِّبَاع رجل من الْخَوَارِج الشخرية كَانَ اسْمه ميمونا وَكَانَ على مَذْهَب العجاردة من الْخَوَارِج ثمَّ انه خَالف العجاردة فى الارادة وَالْقدر والاستطاعة وَقَالَ فِي هَذِه الابواب الثَّلَاثَة بقول الْقَدَرِيَّة الْمُعْتَزلَة عَن الْحق وَزعم مَعَ ذَلِك أَن أَطْفَال الْمُشْركين فى الْجنَّة وَلَو بقى مَيْمُون هَذَا على الْبدع الَّتِى حكيناها عَنهُ وَلم يزدْ عَلَيْهَا ضَلَالَة سواهَا لنسبناه الى الْخَوَارِج لقَوْله بتكفير على وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وَعُثْمَان وَقَوله بتكفير أَصْحَاب الذُّنُوب والى الْقَدَرِيَّة لقَوْله فى بَاب الارادة وَالْقدر والاستطاعة بأقوال الْقَدَرِيَّة فِيهَا وَلكنه زَاد على الْقَدَرِيَّة وعَلى الْخَوَارِج بضلالة اشتقها من دين الْمَجُوس وَذَلِكَ أَنه أَبَاحَ نِكَاح بَنَات الاولاد من الاجداد وَبَنَات أَوْلَاد الاخوة والاخوات وَقَالَ انما ذكر الله تَعَالَى فى تَحْرِيم النِّسَاء بِالنّسَبِ الامهات وَالْبَنَات والاخوات
стр. 264
والعمات والخالات وَبَنَات الاخ وَبَنَات الاخوات وَلم يذكر بَنَات الْبَنَات وَلَا بَنَات الْبَنِينَ وَلَا بَنَات أَوْلَاد الاخوة وَلَا بَنَات أَوْلَاد الاخوات فان طرد قِيَاسه فى امهات الامهات وامهات الْآبَاء والأجداد المخض فى الْمَجُوسِيَّة وان لم يجر نِكَاح الْجدَّات وقاس الْجدَّات على الامهات لزمَه قِيَاس بَنَات الاولاد على بَنَات الصلب وان لم يطرد قِيَاسه فى هَذَا الْبَاب نقض اعتلاله وَحكى الكرابيسى عَن الميمونية من الْخَوَارِج انهم انكروا أَن تكون سُورَة يُوسُف من الْقُرْآن ومنكر بعض الْقُرْآن كمنكر كُله وَمن اسْتحلَّ بعض ذَوَات الْمَحَارِم فى حكم الْمَجُوس وَلَا يكون المجوسى معدودا فى فرق الاسلام
الْفَصْل السَّابِع عشر من فُصُول هَذَا الْبَاب فى ذكر الباطنية وَبَيَان خُرُوجهمْ عَن جَمِيع فرق الاسلام
اعلموا اسعدكم الله ضَرَر الباطنية على فرق الْمُسلمين اعظم من ضَرَر الْيَهُود وَالنَّصَارَى والمجوز عَلَيْهِم بل اعظم من مضرَّة الدهرية وَسَائِر أَصْنَاف الْكَفَرَة عَلَيْهِم بل اعظم من ضَرَر
стр. 265
الدَّجَّال الذى يظْهر فِي آخر الزَّمَان لِأَن الَّذين ضلوا عَن الدّين بدعوة الباطنية من وَقت ظُهُور دعوتهم الى يَوْمنَا اكثر من الَّذين يضلون بالدجال فى وَقت ظُهُوره لَان فتْنَة الدَّجَّال لَا تزيد مدَّتهَا على اربعين يَوْمًا وفضائح الباطنية اكثر من عدد الرمل والقطر وَقد حكى أَصْحَاب المقالات أَن الَّذين أسسوا دَعْوَة الباطنية جمَاعَة مِنْهُم مَيْمُون بن ديصان الْمَعْرُوف بِالْقداحِ وَكَانَ مولى لجَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق وَكَانَ من الاهواز وَمِنْهُم مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الملقب بذيذان وَمَيْمُون بن ديصان فى سجن والى الْعرَاق اسسوا فى ذَلِك السجْن مَذَاهِب الباطنية ثمَّ ظَهرت دعوتهم بعد خلاصهم من السجْن من جِهَة الْمَعْرُوف بذيذان وابتدأ بالدعوة من نَاحيَة فَدخل فى دينه جمَاعَة من اكراد الجيل مَعَ اهل الْجَبَل الْمَعْرُوف بالبدين ثمَّ رَحل مَيْمُون بن ديصان الى نَاحيَة الْمغرب وانتسب فى تِلْكَ النَّاحِيَة الى عقيل بن ابى طَالب وَزعم انه من نَسْله فَلَمَّا دخل فى دَعوته قوم من غلاة الرَّفْض والحلولية مِنْهُم ادّعى انه من ولد مُحَمَّد بن اسماعيل بن جَعْفَر الصَّادِق فَقيل الاغبياء ذَلِك مِنْهُ على أَصْحَاب الانتساب بَان مُحَمَّد بن اسماعيل بن جَعْفَر مَاتَ وَلم يعقب ثمَّ ظهر فى دَعوته الى دين الباطنية رجل يُقَال لَهُ حمدَان قرمط لقب بذلك لقرمطه فى خطه اَوْ فى خطوه وَكَانَ فى
стр. 266
ابْتِدَاء أمره اكارا من اكرة سَواد الْكُوفَة واليه تنْسب القرامطة ثمَّ ظهر بعده فى الدعْوَة الى الْبِدْعَة ابو سعيد الجنابى وَكَانَ من مستجيبة حمدَان وتغلب على نَاحيَة الْبَحْرين وَدخل فى دَعوته بَنو سنير ثمَّ لما تمادت الايام بهم ظهر الْمَعْرُوف مِنْهُم بِسَعِيد بن الْحُسَيْن ابْن احْمَد بن عبد الله بن مَيْمُون بن ديصان القداح فَغير اسْم نَفسه وَنسبه وَقَالَ لاتباعه أَنا عبيد الله بن الْحسن بن مُحَمَّد بن اسماعيل ابْن جَعْفَر الصَّادِق ثمَّ ظَهرت فتنته بالمغرب واولاده الْيَوْم مستولون على أَعمال مُضر وَظهر مِنْهُم الْمَعْرُوف بِابْن كرويه بن مهرويه الدندانى وَكَانَ من تلامذة حمدَان قرمط وَظهر مَأْمُون اخو حمدَان قرمط بارض فَارس وقرامطة فَارس يُقَال لَهُم المأمونية لاجل ذَلِك وَدخل أَرض الديلم رجل من الباطنية يعرف بابى حَاتِم فَاسْتَجَاب لَهُ جمَاعَة من الديلم مِنْهُم أسفار بن شرويه وَظهر بنيسابور دَاعِيَة لَهُم يعرف بالشعرانى فَقتل بهَا فى ولَايَة أَبى بكر بن مُحْتَاج عَلَيْهَا وَكَانَ الشعرانى قد دَعَا الْحُسَيْن بن على المروردى قَامَ بدعوته بعده مُحَمَّد بن احْمَد النسفى دَاعِيَة أهل مَا وَرَاء النَّهر وابو يَعْقُوب السجزلى الْمَعْرُوف ببندانه وصنف النسفى لَهُم كتاب الْمَحْصُول وصنف لَهُم ابو يَعْقُوب كتاب اساس الدعْوَة وَكتاب تَأْوِيل الشَّرَائِع وَكتاب كشف الاسرار وَقتل النسفى وَالْمَعْرُوف ببندانه
стр. 267
على ضلالتهما وَذكر أَصْحَاب التواريخ أَن دَعْوَة الباطنية ظَهرت أَولا فى زمَان الْمَأْمُون وانتشرت فى زمَان المعتصم وَذكروا انه دخل فى دعوتهم الافشين صَاحب جَيش المعتصم وَكَانَ مراهنا لبابك الخرمى وَكَانَ الخرمى مستعصيا بِنَاحِيَة البدين وَكَانَ أهل جبله خرمية على طَريقَة المزدكية فَصَارَت الخرمية مَعَ الباطنية يدا وَاحِدَة وَاجْتمعَ مَعَ بابك من أهل البدين وَمِمَّنْ انْضَمَّ اليهم من الديلم مِقْدَار ثلثمِائة الف رجل وَأخرج الْخَلِيفَة لقتالهم الافشين فَظَنهُ ناصحا للْمُسلمين وَكَانَ فى سره مَعَ بابك وتوانى فى الْقِتَال مَعَه ودله على عورات عَسَاكِر الْمُسلمين وَقتل الْكثير مِنْهُم ثمَّ لحقت الأمداد بالافشين وَلحق بِهِ مُحَمَّد بن يُوسُف الثغرى وابو دلف الْقسم بن عِيسَى العجلى وَلحق بِهِ بعد ذَلِك قواد عبد الله ابْن طَاهِر واشتدت شَوْكَة البابكية والقرامطة على عَسْكَر الْمُسلمين حَتَّى بنوا لانفسهم الْبَلدة الْمَعْرُوفَة ببيرزند خوفًا من بَيَان البابكية ودامت الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ سِنِين كَثِيرَة الى ان أظفر الله الْمُسلمين بالبابكية فَأسر بابك وصلب بسر من رأى سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ اخذ أَخُوهُ اسحاق وصلب بِبَغْدَاد مَعَ المازيار صَاحب المحمرة بطبرستان وجرجان وَلما قتل بابك ظهر للخليفة غدر
стр. 268
الافشين وخيانته للْمُسلمين فى حروبه مَعَ بابك فامر بقتْله وصلبه فصلب لذَلِك وَذكر اصحاب التواريخ ان الَّذين وضعُوا اساس دين الباطنية كَانُوا من أَوْلَاد الْمَجُوس وَكَانُوا مائلين الى دين اسلافهم وَلم يجسروا على إِظْهَاره خوفًا من سيوف الْمُسلمين فَوضع الأغمال مِنْهُم اساسا من قبلهَا مِنْهُم صَار فى الْبَاطِن الى تَفْصِيل اديان الْمَجُوس وتأولوا آيَات الْقُرْآن وَسنَن النبى ﵇ على مُوَافقَة اساسهم وَبَيَان ذَلِك ان الثنوية زعمت ان النُّور والظلمة صانعان قديمان والنور مِنْهُمَا فَاعل الْخيرَات وَالْمَنَافِع والظلام فَاعل الشرور والمضار وان الاجسام ممتزجة من النُّور والظلمة وكل وَاحِد مِنْهُمَا مُشْتَمل على ارْبَعْ طبائع وهى الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة والاصلان الاولان مَعَ الطبائع الاربع مدبرات هَذَا الْعَالم وشاركهم الْمَجُوس فِي اعْتِقَاد صانعين غير أَنهم زَعَمُوا ان أحد الصانعين قديم وَهُوَ الاله الْفَاعِل لِلْخَيْرَاتِ وَالْآخر شَيْطَان مُحدث فَاعل للشرور وَذكر زعماء الباطنية فى كتبهمْ ان الاله خلق النَّفس فالاله هُوَ الاول وَالنَّفس هُوَ الثانى وهما مُدبرا هَذَا الْعَالم وسموهما الاول والثانى وَرُبمَا سموهما الْعقل وَالنَّفس ثمَّ قَالُوا انهما يدبران هَذَا الْعَالم بتدبير الْكَوَاكِب السَّبْعَة والطبائع الاول وَقَوْلهمْ ان الاول والثانى يدبران الْعَالم هُوَ بِعَيْنِه قَول الْمَجُوس باضافة الْحَوَادِث صانعين احدهما
стр. 269
قديم وَالْآخر مُحدث الا أَن الباطنية عبرت عَن الصانعين بالاول والثانى وَعبر الْمَجُوس عَنْهُمَا بيزدان وأهر من فَهَذَا هُوَ الذى يَدُور فِي قُلُوب الباطنية وَوَضَعُوا اساسا يُؤدى اليه وَلم يُمكنهُم إِظْهَار عبَادَة الثيران فاحتالوا بِأَن قَالُوا للْمُسلمين ينبغى ان تجمر الْمَسَاجِد كلهَا وَأَن تكون فى كل مَسْجِد مجمرة يوضع عَلَيْهَا الند وَالْعود فى كل حَال وَكَانَت البرامكة قد زَينُوا للرشيد أَن يتَّخذ فى جَوف الْكَعْبَة مجمرة يتبخر عَلَيْهَا الْعود أبدا فَعلم الرشيد أَنهم أَرَادوا من ذَلِك عبَادَة النَّار فى الْكَعْبَة وَأَن تصير الْكَعْبَة بَيت نَار فَكَانَ ذَلِك أحد أَسبَاب قبض الرشيد على البرامكة ثمَّ ان الباطنية لما تأولت اصول الدّين على الشّرك احتالت ايضا لتأويل أَحْكَام الشَّرِيعَة على وُجُوه تُؤَدّى الى رفع الشَّرِيعَة أَو الى مثل أَحْكَام الْمَجُوس والذى يدل على ان هَذَا مُرَادهم بِتَأْوِيل الشَّرِيعَة أَنهم قد اباحوا لاتباعهم نِكَاح الْبَنَات والاخوات وأباحوا شرب الْخمر وَجَمِيع اللَّذَّات
ويؤكد ذَلِك ان الْغُلَام الذى ظهر مِنْهُم بالبحر بن والاحساء بعد سُلَيْمَان بن الْحُسَيْن القرمطى سنّ لأتباعه اللواط وَأوجب قتل الْغُلَام الذى يمْتَنع على من يُرِيد الْفُجُور بِهِ وَأمر بِقطع يَد من اطفأ نَارا بِيَدِهِ وبقطع لِسَان من اطفأها بنفخة وَهَذَا الْغُلَام هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن أَبى زَكَرِيَّا الطامى وَكَانَ ظُهُوره فى سنة تسع
стр. 270
عشرَة وثلثمائة وطالت فتنته الى أَن سلط الله تَعَالَى عَلَيْهِ من ذبحه على فرَاشه ويؤكد مَا قُلْنَاهُ من ميل الباطنية الى دين الْمَجُوس أَنا لَا نجد على ظهر الارض مجوسيا إِلَّا وَهُوَ مواد لَهُم منتظر لظهورهم على الديار يظنون أَن الْملك يعود اليهم بذلك وَرُبمَا اسْتدلَّ أغمارهم على ذَلِك بِمَا يرويهِ الْمَجُوس عَن زرادشت أَنه قَالَ لكتتاسب ان الْملك يَزُول عَن الْفرس الى الرّوم واليونانية ثمَّ يعود الى الْفرس ثمَّ يَزُول عَن الْفرس الى الْعَرَب ثمَّ يعود الى الْفرس وساعده جاماسب المنجم على ذَلِك وَزعم ان الْملك يعود الى الْعَجم لتَمام الف وَخَمْسمِائة سنة من وَقت ظُهُور زرادشت وَكَانَ فى الباطنية رجل يعرف بأبى عبد الله العردى يدعى علم النحوم ويتعصب للمجوس وصنف كتابا وَذكر فِيهِ ان الْقرن الثَّامِن عشر من مولد مُحَمَّد ﷺ يُوَافق الالف الْعَاشِر وَهُوَ نوبَة الْمُشْتَرى والقوس وَقَالَ عِنْد ذَلِك يخرج انسان يُعِيد الدولة الْمَجُوسِيَّة ويستولى على الارض كلهَا وَزعم انه يملك مُدَّة سبع قرانات وَقَالُوا قد تحقق حكم زرادشت وجاماسب فى زَوَال ملك الْعَجم الى الرّوم واليونانية فى ايام الاسكندر ثمَّ عَاد الى الْعَجم بعد ثلثمِائة سنة ثمَّ زَالَ بعد ذَلِك ملك الْعَجم الى الْعَرَب وَسَيَعُودُ الى الْعَجم لتَمام الْمدَّة الَّتِى ذكرهَا جَاما سبّ وَقد وَافق الْوَقْت الذى ذَكرُوهُ ايام المكتفى والمقتدر
стр. 271
وأخلف موعدهم وَمَا رَجَعَ الْملك فِيهِ الى الْمَجُوس وَكَانَت القرامطة قبل هَذَا الْمِيقَات يتواعدون فِيمَا بَينهم ظُهُور المنتظر فى الْقرَان السَّابِع فى الْمُثَلَّثَة النارية وَخرج مِنْهُم سُلَيْمَان بن الْحُسَيْن من الاحياء على هَذِه الدَّعْوَى وَتعرض للحجيج وأسرف فى الْقَتْل مِنْهُم ثمَّ دخل مَكَّة وَقتل من كَانَ فى الطّواف وأغار على استار الْكَعْبَة وَطرح الْقَتْلَى فى بِئْر زَمْزَم وَكسر عَسَاكِر كَثِيرَة من عَسَاكِر الْمُسلمين وَانْهَزَمَ فى بعض حروبه الى هجر فَكتب للْمُسلمين قصيدته يَقُول فِيهَا ... أغركم منى رجوعى الى هجر
عَمَّا قَلِيل سَوف يأتيكم الْخَبَر ... اذا طلع المريخ فى ارْض بابل
وقارنه النجمات فالحذر الحذر ... أَلَسْت أَنا الْمَذْكُور فى الْكتب كلهَا
أَلَسْت أَنا الْمَبْعُوث فى سُورَة الزمر ... سأملك أهل الأَرْض شرقا ومغربا
الى قيروان الرّوم وَالتّرْك والخزر ...
واراد بالنجمين زحل والمشترى وَقد وجد هَذَا الْقرَان فى سنى ظُهُوره وَلم يملك من الارض شَيْئا غير بلدته الَّتِى خرج مِنْهَا
стр. 272
وطمع فى ان يملك سبع قرانات وَمَا ملك سبع سِنِين بل قتل بهيت رمته امْرَأَة من سطحها بلبنة على رَأسه فدمغته وقتيل النِّسَاء أخس قَتِيل واهون فقيد وفى آخر سنة ألف وَمِائَتَيْنِ واربعين للاسكندر تمّ من تَارِيخ زرادشت ألف وخمسائة سنة وَمَا عَاد فِيهَا ملك الارض الى الْمَجُوس بل اتَّسع بعْدهَا نطاق الاسلام فى الأَرْض وَفتح الله تَعَالَى للْمُسلمين بعْدهَا بِلَاد بِلَا ساعون وَارْضَ التيب واكثر نواحى الصين ثمَّ فتح لَهُم بعْدهَا جَمِيع ارْض الْهِنْد من لمفات الى قنوح وَصَارَت أَرض الْهِنْد الى سيتر سيقا بحرها من رقْعَة الاسلام فى أَيَّام أَمِين الدولة أَمِين الْملَّة مَحْمُود بن سبكتين ﵀ وفى هَذَا زعم انوف الباطنية وَالْمَجُوس الجاماسبية الَّذين حكمُوا بِعُود الْملك اليهم فذاقوا وبال أَمرهم وَكَانَ عَاقِبَة امانيهم بوارا لَهُم بِحَمْد الله وَمِنْه ثمَّ ان الباطنية خرج مِنْهُم عبيد الله بن الْحسن بِنَاحِيَة القيروان وخدع قوما من كتامه وقوما من المصامدة وشرذمة من أَغْنَام بربر بِحَبل ونيرنجات آظهرها لَهُم كروية الخيالات بِاللَّيْلِ من خلف الرِّدَاء والازار وَظن الاغمار أَنَّهَا معْجزَة لَهُ فتبعوه لاجلها على بدعته فاستولى بهم على بِلَاد الْمغرب ثمَّ خرج الْمَعْرُوف مِنْهُم بابى سعيد الْحُسَيْن بن بهْرَام على أهل الاحساء والقطيف والبحرين فَأتى باتباعه على اعدائه وسبى نِسَاءَهُمْ
стр. 273
وذراريهم واحرق الْمَصَاحِف والمساجد ثمَّ استولى على هجر وَقتل رجالها واستعبد ذَرَارِيهمْ ونساءهم ثمَّ ظهر الْمَعْرُوف مِنْهُم بالصناديقى بِالْيمن وَقتل الْكثير من اهلها حَتَّى قتل الاطفال وَالنِّسَاء وانضم اليه الْمَعْرُوف مِنْهُم بِابْن الْفضل فى اتِّبَاعه ثمَّ ان الله تَعَالَى سلط عَلَيْهِمَا وعَلى اتباعهما الاكلة والطاعون فماتوا بهما ثمَّ خرج بِالشَّام حفيد لميمون بن ديصان يُقَال لَهُ ابو الْقَاسِم بن مهرويه وَقَالا لمن تبعهما هَذَا وَقت ملكنا وَكَانَ ذَلِك سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ فقصدهم سبك صَاحب المعتضد فَقتلُوا سبكا فى الْحَرْب ودخلوا مَدِينَة الرصافة واحرقوا مَسْجِدهَا الْجَامِع وقصدوا بعد ذَلِك دمشق فَاسْتَقْبَلَهُمْ الحمامى غُلَام بن طيون وَهَزَمَهُمْ الى الرقة فَخرج اليهم مُحَمَّد بن سُلَيْمَان كَاتب المكتفى فى جند من اجناد المكتفى فَهَزَمَهُمْ وَقتل مِنْهُم الالوف فَانْهَزَمَ الْحسن بن زَكَرِيَّا بن مهرويه الى الرملة فَقبض عَلَيْهِ والى الرملة فَبعث بِهِ وبجماعة من اتِّبَاعه الى المكتفى فَقَتلهُمْ بِبَغْدَاد فى الشَّارِع باشد عَذَاب ثمَّ انْقَطَعت بِقَتْلِهِم شَوْكَة القرامطة الى سنة عشر وثلثمائة وَظهر بعْدهَا فتْنَة سُلَيْمَان بن الْحسن فى سنة احدى عشرَة وثلثمائة فانه كبس فِيهَا الْبَصْرَة وَقتل اميرها سبكا المقلجى وَنقل اموال الْبَصْرَة الى الْبَحْرين وفى سنة اثنتى عشرَة وثلثمائة وَقع على الحجيج فى المتهيبر لعشر بَقينَ من الْمحرم
стр. 274
وَقتل اكثر الحجيج وسبى الْحرم والذرارى ثمَّ دخل الْكُوفَة فى سنة ثَلَاث عشرَة وثلثمائة فَقتل النَّاس وانتهب الاموال وفى سنة خمس عشرَة وثلثمائة حَارب ابْن أَبى الساج وأسره وَهزمَ أَصْحَابه وفى سنة سبع عشرَة وثلثمائة دخل مَكَّة وَقتل من وجده فى الطّواف وَقيل انه قتل بهَا ثَلَاثَة آلَاف وَأخرج مِنْهَا سَبْعمِائة بكر واقتلع الْحجر الاسود وَحمله الى الْبَحْرين ثمَّ ردفها الى الْكُوفَة ورد بعد ذَلِك من الْكُوفَة الى مَكَّة على يَد ابى إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ابْن يحيى مزكي نيسابور فى سنة تسع وَعشْرين وثلثمائة وَقصد سُلَيْمَان ابْن الْحسن بَغْدَاد فى سنة ثمانى عشرَة وثلثمائة فَلَمَّا ورد هيت رمته امْرَأَة من سطحها بلبنة فَقتلته وانقطعت بعد ذَلِك شَوْكَة القرامطة وصاروا بعد قتل سُلَيْمَان بن الْحسن مبدرقين للحجيج من الْكُوفَة وَالْبَصْرَة الى مَكَّة فحضاة وَمَال مَضْمُون لَهُم إِلَى ان غلبهم الْأَصْغَر العقيلى على بعض دِيَارهمْ وَكَانَت ولَايَة مصر واعمالها للاخشادية وانضم بَعضهم الى ابْن عبيد الله الباطنى الذى كَانَ قد استولى على قيروان ودخلوا مصر فى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلثمائة وابتنوا بهَا مَدِينَة سَموهَا الْقَاهِرَة يسكنهَا اهل بدعته واهل مصر ثابتون على السّنة الى يَوْمنَا وان اطاعوا صَاحب الْقَاهِرَة فى اداء خراجهم اليه وَكَانَ ابو شُجَاع فناخسرو بن بويه قد تأهب لقصد مصر وانتزاعها
стр. 275
من ايدي الباطنية وَكتب على اعلامه بِالسَّوَادِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين الطائع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ ادخُلُوا مصر ان شَاءَ الله آمِنين وَقَالَ قصيدة أَولهَا ... أما ترى الاقدار لى طوائعا
قواضيا لى بالعيان كالخبر ... وَيشْهد الانام لى بأنى
ذَاك الذى يُرْجَى وَذَاكَ المنتظر ... لنصرة الاسلام والداعي الى
خَليفَة الله الإِمَام المفتخر ...
فَلَمَّا خرج مضاربه لِلْخُرُوجِ الى مصر غامضه الاجل فَمضى لسبيله فَلَمَّا قضى فناخسرو نحبه طمع زعيم مصر فى مُلُوك نواحى الشرق فكاتبهم يَدعُوهُم الى الْبيعَة لَهُ فاجاب قَابُوس بن وشمكين عَن كِتَابه بقوله انى لَا اذكرك الا على المستراح وأجابه نَاصِر الدولة ابو الْحسن مُحَمَّد بن ابراهيم بن سيمجور بَان كتب على ظهر كِتَابه اليه ﴿يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ لَا أعبد مَا تَعْبدُونَ﴾ الى آخر السُّورَة وأجابه نوح بن مَنْصُور والى خُرَاسَان بقتل دعاته الى بدعته وَدخل فى دَعوته بعض وُلَاة الجرجانية من ارْض خوارزم فَكَانَ دُخُوله فى دينه شؤما عَلَيْهِ فى ذهَاب ملكه وَقَتله اصحابه ثمَّ استولى يَمِين الدولة وامين الْملَّة مَحْمُود بن سبكتكين على ارضهم وَقتل من كَانَ بهَا من دعاة الباطنية وَكَانَ ابو على بن سيمجور قد وافقهم فى السِّرّ فذاق وبال امْرَهْ
стр. 276
فِي ذَلِك وَقبض عَلَيْهِ والى خُرَاسَان نوح بن مَنْصُور وَبعث بِهِ الى سبكتكين فَقتل بِنَاحِيَة غزنه وَكَانَ ابو الْقسم الْحسن بن على الملقب بُد الشمند دَاعِيَة ابى على بن سيمجور الى مَذْهَب الباطنية وظفر بِهِ بكفوزن صاحاحب جَيش السامانية بنيسابور فَقتله وَدفن فى مَكَان لَا يعرف وَكَانَ اميرك الطوسى والى نَاحيَة ثارويه قد دخل فى دَعْوَة الباطنية فَأسر وَحمل الى غزته وَقتل بهَا فى اللَّيْلَة الَّتِى قتل فِيهَا ابو على بن سيمجور وَكَانَ اهل مولتان من ارْض الْهِنْد داخلين فى دَعْوَة الباطنية فقصدهم مَحْمُود ﵀ فى عسكره وَقتل مِنْهُم الالوف وَقطع ايدى ألف مِنْهُم وباد بذلك نصراء الباطنية من تِلْكَ الباطنية وَمن هَذَا بَيَان شُؤْم الباطنية على منتحليها فليعتبر بذلك المعتبرون وَقد اخْتلف المتكلمون فى بَيَان اغراض الباطنية فى دعوتها الى بدعتها فَذهب اكثرهم الى ان غَرَض الباطنية الدعْوَة الى دين الْمَجُوس بالتأويلات الَّتِى يتأولون عَلَيْهَا الْقُرْآن وَالسّنة وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بَان زعيمهم الاول مَيْمُون بن ديصان كَانَ مجوسيا من سبى الاهواز ودعا ابْنه عبد الله بن مَيْمُون النَّاس الى دين ابيه وَاسْتَدَلُّوا ايضا بَان داعيهم الْمَعْرُوف بالبزدي قَالَ فى كِتَابه الْمَعْرُوف بالمحصول ان الْمُبْدع الأول أبدع النَّفس ثمَّ إِن الأول والثانى مُدبر الْعَالم بتدبير الْكَوَاكِب
стр. 277
السَّبْعَة والطبائع الْأَرْبَع وَهَذَا فى التَّحْقِيق معنى قَول الْمَجُوس ان أليزدان خلق اهرمن وانه مَعَ اهرمن مدبران للْعَالم غير ان أليزدان فَاعل الْخيرَات واهرمن فَاعل الشرور وَمِنْهُم من نسب الباطنية الى الصابئين الَّذين هم بحران وَاسْتدلَّ على ذَلِك بَان حمدَان قرمط دَاعِيَة الباطنية بعد مَيْمُون بن ديصان كَانَ من الصابئة الحرانية وَاسْتدلَّ ايضا بَان صابئة حران يكتمون اديانهم وَلَا يظهرونها إِلَّا لمن كَانَ مِنْهُم والباطنية ايضا لَا يظهرون دينهم الا لمن كَانَ مِنْهُم بعد احلافهم اياه على ان لَا يذكر اسرارهم لغَيرهم قَالَ عبد القاهر الذى يَصح عِنْدِي من دين الباطنية انهم دهرية زنادقة يَقُولُونَ بقدم الْعَالم وَيُنْكِرُونَ الرُّسُل والشرائع كلهَا لميلها الى اسْتِبَاحَة كل مَا يمِيل اليه الطَّبْع وَالدَّلِيل على انهم كَمَا ذَكرْنَاهُ مَا قرأته فِي كِتَابهمْ المترجم بالسياسة والبلاغ الاكيد والناموس الاعظم وَهِي رِسَالَة عبيد الله بن الْحسن القيرواني الى سُلَيْمَان بن الْحسن بن سعيد الجناني اوصاه فِيهَا بَان قَالَ لَهُ ادْع النَّاس بَان تتقرب اليهم بِمَا يميلون اليه وأوهم كل وَاحِد مِنْهُم بأنك مِنْهُم فَمن انست مِنْهُ رشدا فاكشف لَهُ الغطاء واذا ظَفرت بالفلسفي فاحتفظ بِهِ فعلى الفلاسفة معولنا وانا وإياهم مجمعون على ان نواميس الانبياء وعَلى القَوْل بقدم الْعَالم لَو ماما يخالفنا فِيهِ بَعضهم
стр. 278
من ان للْعَالم مُدبرا لَا يعرفهُ وَذكر فى هَذَا الْكتاب إبِْطَال القَوْل بالمعاد وَالْعِقَاب وَذكر فِيهَا ان الْجنَّة نعيم الدُّنْيَا وان الْعَذَاب انما هُوَ اشْتِغَال أَصْحَاب الشَّرَائِع بِالصَّلَاةِ وَالْحج وَالْجهَاد وَقَالَ ايضا فى هَذِه الرسَالَة إِن اهل الشَّرَائِع يعْبدُونَ إِلَهًا لَا يعرفونه وَلَا يحصلون مِنْهُ إِلَّا على اسْم بِلَا جسم وَقَالَ فِيهَا ايضا اكرم الدهرية فانهم منا وَنحن مِنْهُم وفى هَذَا تَحْقِيق نِسْبَة الباطنية الى الدهرية والذى يُؤَكد هَذَا ان الْمَجُوس يدعونَ نبوة زرادشت ونزول الْوَحْي عَلَيْهِ من الله تَعَالَى والصائبين يدعونَ نبوة هرمس وواليس ودوروتيوس وافلاطن وَجَمَاعَة من الفلاسفة وَسَائِر اصحاب الشَّرَائِع كل صنف مِنْهُم مقرون بنزول الْوَحْي من السَّمَاء على الَّذين اقروا بنبوتهم وَيَقُولُونَ ان ذَلِك الوحى شَامِل للامر والنهى وَالْخَبَر عَن عَاقِبَة بعد الْمَوْت وَعَن ثَوَاب وعقاب وجنه ونار يكون فِيهَا الْجَزَاء عَن الاعمال السالفة والباطنية يرفضون المعجزات وَيُنْكِرُونَ نزُول الْمَلَائِكَة من السَّمَاء بالوحى والامر والنهى بل يُنكرُونَ ان يكون فى السَّمَاء ملك وانما يتأولون الْمَلَائِكَة على دُعَائِهِمْ الى بدعتهم ويتأولون الشَّيَاطِين على مخالفيهم والابالسة على مخالفيهم ويزعمون ان الانبياء قوم أَحبُّوا الزعامة فساسوا الْعَامَّة بالنواميس والحيل طلبا للزعامة بِدَعْوَى النُّبُوَّة
стр. 279
والامامة وكل وَاحِد مِنْهُم صَاحب دور مسبع اذا انْقَضى دوره سَبْعَة تَبِعَهُمْ فى دور آخر واذا ذكرُوا النبى والوحى قَالُوا ان النبى هُوَ النَّاطِق والوحى اساسه الفاتق والى الفاتق تَأْوِيل نطق النَّاطِق على مَا ترَاهُ يمِيل اليه هَوَاهُ فَمن صَار الى تَأْوِيله الْبَاطِن فَهُوَ من الْمَلَائِكَة البرره وَمن عمل بِالظَّاهِرِ فَهُوَ من الشَّيَاطِين الْكَفَرَة ثمَّ تأولوا لكل ركن من اركان الشَّرِيعَة تَأْوِيلا يُورث تضليلا فزعموا ان معنى الصَّلَاة مُوالَاة امامهم وَالْحج زيارته وادمان خدمته وَالْمرَاد بِالصَّوْمِ الامساك عَن افشاء سر الامام دون الامساك عَن الطَّعَام والزنى عِنْدهم افشاء سرهم بِغَيْر عهد وميثاق وَزَعَمُوا ان من عرف معنى الْعِبَادَة سقط عَنهُ فَرضهَا وتأولوا فى ذَلِك قَوْله ﴿واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ وحملوا الْيَقِين على معرفَة التَّأْوِيل وَقد قَالَ القيروانى فِي رسَالَته الى سُلَيْمَان بن الْحسن انى اوصيك بتشكيك النَّاس فى الْقُرْآن والتوراة وَالزَّبُور والانجيل وبدعوتهم الى ابطال الشَّرَائِع والى ابطال الْمعَاد والنشور من الْقُبُور وابطال الْمَلَائِكَة فى السَّمَاء وابطال الْجِنّ فى الارض واوصيك بَان تدعوهم الى القَوْل بانه قد كَانَ قبل آدم بشر كثير فان ذَلِك عون لَك على القَوْل بقدم الْعَالم وفى هَذَا تَحْقِيق دعوانا على الباطنية انهم دهرية يَقُولُونَ بقدم الْعَالم ويجحدون الصَّانِع وَيدل على
стр. 280
دعوانا عَلَيْهِم القَوْل بابطال الشَّرَائِع ان القيروانى قَالَ أَيْضا فى رسَالَته الى سُلَيْمَان بن الْحسن وينبغى ان تحيط علما بمخاريق الانبياء ومناقضاتهم فى اقوالهم كعيسى بن مَرْيَم قَالَ للْيَهُود لَا ارْفَعْ شَرِيعَة مُوسَى ثمَّ رَفعهَا بِتَحْرِيم الاحد بَدَلا من السبت واباح الْعَمَل فى السبت وابدل قبْلَة مُوسَى بِخِلَاف جِهَتهَا وَلِهَذَا قتلته الْبِلَاد لما اخْتلفت كَلمته ثمَّ قَالَ لَهُ وَلَا تكن كصاحب الامة المنكوسة حِين سَأَلُوهُ عَن الرّوح فَقَالَ الرّوح من امْر ربى لما لم يحضرهُ جَوَاب الْمَسْأَلَة وَلَا تكن كموسى فى دَعْوَاهُ الَّتِى لم يكن لَهُ عَلَيْهَا برهَان سوى المخرقة بِحسن الْحِيلَة والشعبذة وَلما لم يجد المحق فى زَمَانه عِنْده برهانا قَالَ لَهُ لَئِن اتَّخذت إِلَهًا غيرى وَقَالَ لِقَوْمِهِ انا ربكُم الاعلى لانه كَانَ صَاحب الزَّمَان فى وقته ثمَّ قَالَ فى آخر رسَالَته وَمَا الْعجب من شىء كالعجب من رجل يدعى الْعقل ثمَّ يكون لَهُ اخت اَوْ بنت حسناء وَلَيْسَت لَهُ زَوْجَة فى حسنها فيحرمها على نَفسه وينكحها من اجنبى وَلَو عقل الْجَاهِل لعلم انه أَحَق باخته وبنته من الاجنبى مَا وَجه ذَلِك الا ان صَاحبهمْ حرم عَلَيْهِم الطَّيِّبَات وخوفهم بغائب لَا يعقل وَهُوَ الاله الذى يزعمونه واخبرهم بِكَوْن مَالا يرونه ابدا من الْبَعْث من الْقُبُور والحساب وَالْجنَّة وَالنَّار حَتَّى استعبدهم بذلك عَاجلا وجعلهم لَهُ فى
стр. 281
حَيَاته ولذريته بعد وَفَاته خولا واستباح بذلك بقوله ﴿لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ فَكَانَ امْرَهْ مَعَهم نَقْدا وَأمرهمْ مَعَه نَسِيئَة وَقد استعجل مِنْهُم بدل ارواحهم واموالهم على انْتِظَار موعد لَا يكون وَهل الْجنَّة إِلَّا هَذِه الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا وَهل النَّار وعذابها إِلَّا مَا فِيهِ اصحاب الشَّرَائِع من التَّعَب وَالنّصب فى الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْجهَاد وَالْحج ثمَّ قَالَ لِسُلَيْمَان بن الْحسن فى هَذِه الرسَالَة وانت واخوانك هم الوارثون الَّذين يَرِثُونَ الفردوس وفى هَذِه الدُّنْيَا ورثتم نعيمها ولذاتها الْمُحرمَة على الْجَاهِلين المتمسكين بشرائع اصحاب النواميس فهنيئا لكم مَا نلتم من الرَّاحَة عَن امرهم وفى هَذَا الذى ذَكرْنَاهُ دلَالَة على ان غَرَض الباطنية القَوْل بمذاهب الدهرية واستباحة الْمُحرمَات وَترك الْعِبَادَات ثمَّ ان الباطنية لَهُم فى اصطياد الاغنام ودعوتهم الى بدعتهم حيل على مَرَاتِب سَموهَا التفرس والتأنيس والتشكيك وَالتَّعْلِيق والربط والتدليس والتأسيس والمواثيق بالايمان والعهود وَآخِرهَا الْخلْع والسلخ فاما التفرس فانهم قَالُوا من شَرط الداعى الى بدعتهم ان يكون قَوِيا على التلبيس وعارفا بِوُجُوه تَأْوِيل الظَّوَاهِر ليردها الى الْبَاطِن وَيكون مَعَ ذَلِك مخبرا بَين من يجوز من يطْمع فِيهِ وفى اغوائه وَبَين من لَا مطمع فِيهِ وَلِهَذَا
стр. 282
قَالُوا فى وصاياهم للدعاة الى بدعتهم لَا تتكلموا فى بَيت فِيهِ سراج بعنون بالسراج من يعرف علم الْكَلَام ووجوه النّظر والمقاييس وَقَالُوا ايضا لدعاتهم لَا تطرحوا بذركم فى ارْض سبخَة وارادوا بذلك منع دعاتهم عَن اظهار بدعتهم عِنْد من لَا يُؤثر فيهم بدعتهم كَمَا لَا يُؤثر الْبذر فى الارض السبخة شَيْئا وَسموا قُلُوب اتباعهم الاغنام ارضا زاكية لانها تقبل بدعتهم وَهَذَا الْمثل بِالْعَكْسِ اولى وَذَلِكَ ان الْقُلُوب الزاكية هى الْقَابِلَة للدّين القويم والصراط الْمُسْتَقيم وهى الَّتِى لَا تصدأ بشبه اهل الضلال كالذهب الابريز الذى لَا يصدأ فى المَاء وَلَا يبْلى فى التُّرَاب وَلَا ينقص فى النَّار والارض السبخة كقلوب الباطنية وَسَائِر الزَّنَادِقَة الَّذين لَا يزجرهم عقل وَلَا يردعهم شرع مِنْهُم ارجاس أنجاس أموات غير أَحيَاء ﴿إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا﴾ وَأَقل حويلا قد قسم لَهُم الْحَظ من الرزق من قسم رزق الْخَنَازِير فى مراعيها وأباح طعمه الْعِنَب فى براريها ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَقَالُوا ايضا من شَرط الداعى الى مَذْهَبهم ان يكون عَارِفًا بالوجوه الَّتِي تدعى بهَا الاصناف فَلَيْسَتْ دَعْوَة الاصناف من وَجه وَاحِد بل لكل صنف من النَّاس وَجهه يدعى مِنْهُ الى مَذْهَب الْبَاطِن فَمن رَآهُ الداعى مائلا
стр. 283
الى الْعِبَادَات حمله على الزّهْد وَالْعِبَادَة ثمَّ سَأَلَهُ عَن معانى الْعِبَادَات وَعلل الْفَرَائِض وشككه فِيهَا وَمن رَآهُ ذَا مجون وخلاعة قَالَ لَهُ الْعِبَادَة باله وحماقته وانما الفطنة فى نيل اللَّذَّات وتمثل لَهُ بقول الشَّاعِر ... من راقب النَّاس مَاتَ هما
وفاز باللذة الجسور ...
وَمن رَآهُ شكا فى دينه اَوْ فى الْمعَاد وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب صرح لَهُ بنفى ذَلِك وَحمله على اسْتِبَاحَة الْمُحرمَات واستروح مَعَه الى قَول الشَّاعِر الماجن ... أأترك لَذَّة الصَّهْبَاء صرفا
لما وعدوه من لحم وخمر ... حَيَاة ثمَّ موت ثمَّ نشر
حَدِيث خرافة يَا ام عَمْرو ...
وَمن رَآهُ من غلاة الرافضة كالسبابية والبيانية والمغيرية والمنصورية والخطابية لم يحْتَج مَعَه الى تَأْوِيل الْآيَات والاخبار لانهم يتأولونها مَعَهم على وفْق ضلالتهم وَمن رَآهُ من الرافضة زيديا اَوْ اماميا مائلا الى الطعْن فى اخبار الصَّحَابَة دخل عَلَيْهِ من جِهَة شتم الصَّحَابَة وزين لَهُ بغض بنى تيم لِأَن ابا بكر مِنْهُم وبغض بنى عدى لَان عمر بن الْخطاب كَانَ مِنْهُم وحثه على بغض بنى أُميَّة لانه كَانَ مِنْهُم عُثْمَان وَمُعَاوِيَة وَرُبمَا استروح الباطنى فى عصرنا هَذَا الى قَول اسماعيل بن عباد ... دُخُول النَّار فى حب الوصى
وفى تَفْضِيل أَوْلَاد النبى ...
стр. 284
أحب الى من جنَّات عدن
اخلدها بتيم أَو عدى ...
قَالَ عبد القاهر قد أجبنا هَذَا الْقَائِل بقولنَا فِيهِ ... أتطمع فى دُخُول جنَّات عدن
وَأَنت عَدو تيم أَو عدى ... وهم تركوك أَشْقَى من ثَمُود
وهم تركوك أفضح من دعى ... وفى نَار الْجَحِيم غَدا ستصلى
اذا عاداك صديق النَّبِي ...
وَمن رَآهُ الداعى مائلا الى أَبى بكر وَعمر مدحهما عِنْده وَقَالَ لَهما حَظّ فى تَأْوِيل الشَّرْعِيَّة وَلِهَذَا استصحب النبى أَبَا بكر الى الْغَار ثمَّ الى الْمَدِينَة وأفضى اليه فى الْغَار تَأْوِيل شَرِيعَته فاذا سَأَلَهُ الموالى لأبى بكر وَعمر عَن التَّأْوِيل الْمَذْكُور لأبى بكر وَعمر اخذ عَلَيْهِ العهود والمواثيق فى كتمان مَا يظهره لَهُ ثمَّ ذكر لَهُ على التدريج بعض التأويلات فان قبلهَا مِنْهُ اظهر لَهُ الباقى وان لم يقبل مِنْهُ التَّأْوِيل الاول ربطه فى الباقى وكتمه عَنهُ وَشك الغر من أجل ذَلِك فى اركان الشَّرِيعَة والذى يروج عَلَيْهِم مَذْهَب الباطنية أَصْنَاف احدها الْعَامَّة الَّذين قتلت بصائرهم بأصول الْعلم وَالنَّظَر كالنبط والاكراد وَأَوْلَاد الْمَجُوس والصنف الثانى الشعوبية الَّذين يرَوْنَ تَفْضِيل الْعَجم على الْعَرَب ويتمنون عود الْملك الى الْعَجم والصنف الثَّالِث اغنام بنى ربيعَة من اجل غيظهم على
стр. 285
مُضر لخُرُوج النبى مِنْهُم وَلِهَذَا قَالَ عبد الله بن خازم السلمى فى خطبَته بخراسان ان ربيعَة لم تزل غضابا على الله مذ بعث نبيه من مُضر وَمن أجل حسد ربيعَة لمضر بَايَعت بَنو حنيفَة مُسَيْلمَة الْكذَّاب طَمَعا فى ان يكون فى بنى ربيعَة نبى كَمَا كَانَ من بنى مُضر نبى فاذا استأنس الاعجمى الغر اَوْ الربعى الْحَاسِد المطز يَقُول الباطنى لَهُ قَوْمك أَحَق بِالْملكِ من مُضر سَأَلَهُ عَن السَّبَب فى عود الْملك الى قومه فاذا سَأَلَهُ عَن ذَلِك قَالَ لَهُ ان الشَّرِيعَة المضرية لَهَا نِهَايَة وَقد دنا انقضاؤها وَبعد انْقِضَائِهَا يعود الْملك اليكم ثمَّ ذكر لَهُ تَأْوِيل إِنْكَار شَرِيعَة الاسلام على التدريج فاذا قبل ذَلِك مِنْهُ صَار ملحدا خرسا واستثقل الْعِبَادَات واستطاب استحلال الْمُحرمَات فَهَذَا بَيَان دَرَجَة التفرس مِنْهُم ودرجة التأنيس قربية من دَرَجَة التفرس عِنْدهم وهى تَزْيِين مَا عَلَيْهِ الانسان من مذْهبه فى عينه ثمَّ سُؤَاله بعد ذَلِك عَن تَأْوِيل مَا هُوَ عَلَيْهِ وتشكيكه اياه فى اصول دينه فاذا سَأَلَهُ الْمَدْعُو عَن ذَلِك قَالَ علم ذَلِك عِنْد الامام وَوصل بذلك مِنْهُ الى دَرَجَة التشكيك حَتَّى صَار الْمَدْعُو الى اعْتِقَاد ان المُرَاد بالظواهر وَالسّنَن غير مقتضاها فى اللُّغَة وَهَان عَلَيْهِ بذلك ارْتِكَاب الْمَحْظُورَات وَترك الْعِبَادَات والربط عِنْدهم تَعْلِيق نفس الْمَدْعُو بِطَلَب تَأْوِيل اركان
следующие страницы →