Полный текст (353 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
حَيَاته ولذريته بعد وَفَاته خولا واستباح بذلك بقوله ﴿لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ فَكَانَ امْرَهْ مَعَهم نَقْدا وَأمرهمْ مَعَه نَسِيئَة وَقد استعجل مِنْهُم بدل ارواحهم واموالهم على انْتِظَار موعد لَا يكون وَهل الْجنَّة إِلَّا هَذِه الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا وَهل النَّار وعذابها إِلَّا مَا فِيهِ اصحاب الشَّرَائِع من التَّعَب وَالنّصب فى الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْجهَاد وَالْحج ثمَّ قَالَ لِسُلَيْمَان بن الْحسن فى هَذِه الرسَالَة وانت واخوانك هم الوارثون الَّذين يَرِثُونَ الفردوس وفى هَذِه الدُّنْيَا ورثتم نعيمها ولذاتها الْمُحرمَة على الْجَاهِلين المتمسكين بشرائع اصحاب النواميس فهنيئا لكم مَا نلتم من الرَّاحَة عَن امرهم وفى هَذَا الذى ذَكرْنَاهُ دلَالَة على ان غَرَض الباطنية القَوْل بمذاهب الدهرية واستباحة الْمُحرمَات وَترك الْعِبَادَات ثمَّ ان الباطنية لَهُم فى اصطياد الاغنام ودعوتهم الى بدعتهم حيل على مَرَاتِب سَموهَا التفرس والتأنيس والتشكيك وَالتَّعْلِيق والربط والتدليس والتأسيس والمواثيق بالايمان والعهود وَآخِرهَا الْخلْع والسلخ فاما التفرس فانهم قَالُوا من شَرط الداعى الى بدعتهم ان يكون قَوِيا على التلبيس وعارفا بِوُجُوه تَأْوِيل الظَّوَاهِر ليردها الى الْبَاطِن وَيكون مَعَ ذَلِك مخبرا بَين من يجوز من يطْمع فِيهِ وفى اغوائه وَبَين من لَا مطمع فِيهِ وَلِهَذَا
стр. 282
قَالُوا فى وصاياهم للدعاة الى بدعتهم لَا تتكلموا فى بَيت فِيهِ سراج بعنون بالسراج من يعرف علم الْكَلَام ووجوه النّظر والمقاييس وَقَالُوا ايضا لدعاتهم لَا تطرحوا بذركم فى ارْض سبخَة وارادوا بذلك منع دعاتهم عَن اظهار بدعتهم عِنْد من لَا يُؤثر فيهم بدعتهم كَمَا لَا يُؤثر الْبذر فى الارض السبخة شَيْئا وَسموا قُلُوب اتباعهم الاغنام ارضا زاكية لانها تقبل بدعتهم وَهَذَا الْمثل بِالْعَكْسِ اولى وَذَلِكَ ان الْقُلُوب الزاكية هى الْقَابِلَة للدّين القويم والصراط الْمُسْتَقيم وهى الَّتِى لَا تصدأ بشبه اهل الضلال كالذهب الابريز الذى لَا يصدأ فى المَاء وَلَا يبْلى فى التُّرَاب وَلَا ينقص فى النَّار والارض السبخة كقلوب الباطنية وَسَائِر الزَّنَادِقَة الَّذين لَا يزجرهم عقل وَلَا يردعهم شرع مِنْهُم ارجاس أنجاس أموات غير أَحيَاء ﴿إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا﴾ وَأَقل حويلا قد قسم لَهُم الْحَظ من الرزق من قسم رزق الْخَنَازِير فى مراعيها وأباح طعمه الْعِنَب فى براريها ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَقَالُوا ايضا من شَرط الداعى الى مَذْهَبهم ان يكون عَارِفًا بالوجوه الَّتِي تدعى بهَا الاصناف فَلَيْسَتْ دَعْوَة الاصناف من وَجه وَاحِد بل لكل صنف من النَّاس وَجهه يدعى مِنْهُ الى مَذْهَب الْبَاطِن فَمن رَآهُ الداعى مائلا
стр. 283
الى الْعِبَادَات حمله على الزّهْد وَالْعِبَادَة ثمَّ سَأَلَهُ عَن معانى الْعِبَادَات وَعلل الْفَرَائِض وشككه فِيهَا وَمن رَآهُ ذَا مجون وخلاعة قَالَ لَهُ الْعِبَادَة باله وحماقته وانما الفطنة فى نيل اللَّذَّات وتمثل لَهُ بقول الشَّاعِر ... من راقب النَّاس مَاتَ هما
وفاز باللذة الجسور ...
وَمن رَآهُ شكا فى دينه اَوْ فى الْمعَاد وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب صرح لَهُ بنفى ذَلِك وَحمله على اسْتِبَاحَة الْمُحرمَات واستروح مَعَه الى قَول الشَّاعِر الماجن ... أأترك لَذَّة الصَّهْبَاء صرفا
لما وعدوه من لحم وخمر ... حَيَاة ثمَّ موت ثمَّ نشر
حَدِيث خرافة يَا ام عَمْرو ...
وَمن رَآهُ من غلاة الرافضة كالسبابية والبيانية والمغيرية والمنصورية والخطابية لم يحْتَج مَعَه الى تَأْوِيل الْآيَات والاخبار لانهم يتأولونها مَعَهم على وفْق ضلالتهم وَمن رَآهُ من الرافضة زيديا اَوْ اماميا مائلا الى الطعْن فى اخبار الصَّحَابَة دخل عَلَيْهِ من جِهَة شتم الصَّحَابَة وزين لَهُ بغض بنى تيم لِأَن ابا بكر مِنْهُم وبغض بنى عدى لَان عمر بن الْخطاب كَانَ مِنْهُم وحثه على بغض بنى أُميَّة لانه كَانَ مِنْهُم عُثْمَان وَمُعَاوِيَة وَرُبمَا استروح الباطنى فى عصرنا هَذَا الى قَول اسماعيل بن عباد ... دُخُول النَّار فى حب الوصى
وفى تَفْضِيل أَوْلَاد النبى ...
стр. 284
أحب الى من جنَّات عدن
اخلدها بتيم أَو عدى ...
قَالَ عبد القاهر قد أجبنا هَذَا الْقَائِل بقولنَا فِيهِ ... أتطمع فى دُخُول جنَّات عدن
وَأَنت عَدو تيم أَو عدى ... وهم تركوك أَشْقَى من ثَمُود
وهم تركوك أفضح من دعى ... وفى نَار الْجَحِيم غَدا ستصلى
اذا عاداك صديق النَّبِي ...
وَمن رَآهُ الداعى مائلا الى أَبى بكر وَعمر مدحهما عِنْده وَقَالَ لَهما حَظّ فى تَأْوِيل الشَّرْعِيَّة وَلِهَذَا استصحب النبى أَبَا بكر الى الْغَار ثمَّ الى الْمَدِينَة وأفضى اليه فى الْغَار تَأْوِيل شَرِيعَته فاذا سَأَلَهُ الموالى لأبى بكر وَعمر عَن التَّأْوِيل الْمَذْكُور لأبى بكر وَعمر اخذ عَلَيْهِ العهود والمواثيق فى كتمان مَا يظهره لَهُ ثمَّ ذكر لَهُ على التدريج بعض التأويلات فان قبلهَا مِنْهُ اظهر لَهُ الباقى وان لم يقبل مِنْهُ التَّأْوِيل الاول ربطه فى الباقى وكتمه عَنهُ وَشك الغر من أجل ذَلِك فى اركان الشَّرِيعَة والذى يروج عَلَيْهِم مَذْهَب الباطنية أَصْنَاف احدها الْعَامَّة الَّذين قتلت بصائرهم بأصول الْعلم وَالنَّظَر كالنبط والاكراد وَأَوْلَاد الْمَجُوس والصنف الثانى الشعوبية الَّذين يرَوْنَ تَفْضِيل الْعَجم على الْعَرَب ويتمنون عود الْملك الى الْعَجم والصنف الثَّالِث اغنام بنى ربيعَة من اجل غيظهم على
стр. 285
مُضر لخُرُوج النبى مِنْهُم وَلِهَذَا قَالَ عبد الله بن خازم السلمى فى خطبَته بخراسان ان ربيعَة لم تزل غضابا على الله مذ بعث نبيه من مُضر وَمن أجل حسد ربيعَة لمضر بَايَعت بَنو حنيفَة مُسَيْلمَة الْكذَّاب طَمَعا فى ان يكون فى بنى ربيعَة نبى كَمَا كَانَ من بنى مُضر نبى فاذا استأنس الاعجمى الغر اَوْ الربعى الْحَاسِد المطز يَقُول الباطنى لَهُ قَوْمك أَحَق بِالْملكِ من مُضر سَأَلَهُ عَن السَّبَب فى عود الْملك الى قومه فاذا سَأَلَهُ عَن ذَلِك قَالَ لَهُ ان الشَّرِيعَة المضرية لَهَا نِهَايَة وَقد دنا انقضاؤها وَبعد انْقِضَائِهَا يعود الْملك اليكم ثمَّ ذكر لَهُ تَأْوِيل إِنْكَار شَرِيعَة الاسلام على التدريج فاذا قبل ذَلِك مِنْهُ صَار ملحدا خرسا واستثقل الْعِبَادَات واستطاب استحلال الْمُحرمَات فَهَذَا بَيَان دَرَجَة التفرس مِنْهُم ودرجة التأنيس قربية من دَرَجَة التفرس عِنْدهم وهى تَزْيِين مَا عَلَيْهِ الانسان من مذْهبه فى عينه ثمَّ سُؤَاله بعد ذَلِك عَن تَأْوِيل مَا هُوَ عَلَيْهِ وتشكيكه اياه فى اصول دينه فاذا سَأَلَهُ الْمَدْعُو عَن ذَلِك قَالَ علم ذَلِك عِنْد الامام وَوصل بذلك مِنْهُ الى دَرَجَة التشكيك حَتَّى صَار الْمَدْعُو الى اعْتِقَاد ان المُرَاد بالظواهر وَالسّنَن غير مقتضاها فى اللُّغَة وَهَان عَلَيْهِ بذلك ارْتِكَاب الْمَحْظُورَات وَترك الْعِبَادَات والربط عِنْدهم تَعْلِيق نفس الْمَدْعُو بِطَلَب تَأْوِيل اركان
стр. 286
الشَّرِيعَة فإمَّا ان يقبل مِنْهُم تَأْوِيلهَا على وَجه يؤول الى رَفعهَا وَإِمَّا ان يبْقى على الشَّك والحيرة فِيهَا ودرجة التَّدْلِيس مِنْهُم قَوْلهم للغر الْجَاهِل بأصول النّظر وَالِاسْتِدْلَال ان الظَّوَاهِر عَذَاب وباطنها فِيهِ الرَّحْمَة وَذكر لَهُ قَوْله فى الْقُرْآن ﴿فَضرب بَينهم بسور لَهُ بَاب بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب﴾ فاذا سَأَلَهُمْ الغر عَن تَأْوِيل بَاطِن الْبَاب قَالُوا جرت سنة الله تَعَالَى فى أَخذ الْعَهْد والميثاق على رسله وَلذَلِك قَالَ ﴿وَإِذ أَخذنَا من النَّبِيين ميثاقهم ومنك وَمن نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ابْن مَرْيَم وأخذنا مِنْهُم ميثاقا غليظا﴾ وَذكروا لَهُ قَوْله ﴿وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها وَقد جعلتم الله عَلَيْكُم كَفِيلا﴾ فاذا حلف الغر لَهُم بالايمان الْمُغَلَّظَة وبالطلاق وَالْعِتْق وبسبيل الاموال فقد ربطوه بهَا وَذكروا لَهُ من تَأْوِيل الظَّوَاهِر مَا يُؤدى الى رَفعهَا بزعمهم فان قبل الاحمق ذَلِك مِنْهُم دخل فى دين الزَّنَادِقَة بَاطِلا واستتر بالاسلام ظَاهرا وان نفر الْحَالِف عَن اعْتِقَاد تأويلات الباطنية الزَّنَادِقَة كتمها عَلَيْهِم لانه قد حلف لَهُم على كتمان مَا اظهروه لَهُم من اسرارهم واذا قبلهَا مِنْهُم فقد حلفوه وسلخوه عَن دين الاسلام وَقَالُوا لَهُ حِينَئِذٍ ان الظَّاهِر كالقشر وَالْبَاطِن كاللب واللب خير من القشر قَالَ عبد القاهر حكى لَهُ بعض من
стр. 287
كَانَ دخل فى دَعْوَة الباطنية ثمَّ وَفقه الله تَعَالَى لرشده وهداه الى حل ايمانهم أَنهم لما وثقوا مِنْهُ بايمانه قَالُوا لَهُ ان المسمين بالانبياء كنوح وابراهيم ومُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد وكل من ادّعى النُّبُوَّة كَانُوا أَصْحَاب نواميس ومخاريق احبوا الزعامة على الْعَامَّة فخدعوهم بنيرنجات واستعبدوهم بشرائعهم قَالَ هَذَا الحاكى لى ثمَّ نَاقض الذى كشف لى هَذَا السِّرّ بَان قَالَ لَهُ ينبغى أَن تعلم أَن مُحَمَّد بن اسماعيل بن جَعْفَر هُوَ الذى نَادَى مُوسَى بن عمرَان من الشَّجَرَة فَقَالَ لَهُ ﴿إِنِّي أَنا رَبك فاخلع نعليك﴾ قَالَ فَقلت سخنت عَيْنك تدعونى الى الْكفْر بِرَبّ قديم الْخَالِق للْعَالم ثمَّ تدعونى مَعَ ذَلِك الى الاقرار بربوبية انسان مَخْلُوق وتزعم انه كَانَ قبل وِلَادَته الها مُرْسلا لمُوسَى فان كَانَ مُوسَى عنْدك رازقا فالذى زعمت انه ارسله اكذب فَقَالَ لى انك لَا تفلح أبدا وَنَدم على افشاء اسراره الى وتبت من بدعتهم فَهَذَا بَيَان وَجه حيلهم على اتباعهم وَأما ايمانهم فان داعيهم يَقُول للْحَالِف جعلت على نَفسك عهد الله وميثاقه وذمته وَذمَّة رسله وَمَا أَخذ الله تَعَالَى من النَّبِيين من عهد وميثاق انك تستر مَا تسمعه منى وَمَا تعلمه من امرى وَمن أَمر الامام الذى هُوَ صَاحب زَمَانك وَأمر أشياعه واتباعه فى هَذَا الْبَلَد وفى سَائِر الْبلدَانِ وامر المطيعين
стр. 288
لَهُ من الذُّكُور والاناث فَلَا تظهر من ذَلِك قَلِيلا وَلَا كثيرا وَلَا تظهر شَيْئا يدل عَلَيْهِ من كِتَابَة اَوْ اشارة إِلَّا مَا أذن لَك فِيهِ الامام صَاحب الزَّمَان اَوْ أذن لَك فى اظهاره الْمَأْذُون لَهُ فى دَعوته فتعمل فى ذَلِك حِينَئِذٍ بِمِقْدَار مَا يُؤذن لَك فِيهِ وَقد جعلت على نَفسك الْوَفَاء بذلك وألزمته نَفسك فى حالتى الرضاء وَالْغَضَب وَالرَّغْبَة والرهبة قَالَ نعم فاذا قَالَ نعم قَالَ لَهُ وَجعلت على نَفسك أَن تمنعنى وَجَمِيع من اسميه لَك مِمَّا تمنع مِنْهُ نَفسك بِعَهْد الله تَعَالَى وميثاقه عَلَيْك وذمته وَذمَّة رسله وتنصحهم نصحا ظَاهرا وَبَاطنا وَألا تخون الامام وأولياءه واهل دَعوته فى أنفسهم وَلَا فى أَمْوَالهم وَأَنَّك لَا تتأول فى هَذِه الايمان تَأْوِيلا وَلَا تعتقد مَا يحلهَا وَإنَّك إِن فعلت شَيْئا من ذَلِك فانت برىء من الله وَرُسُله وَمَلَائِكَته وَمن جَمِيع مَا أنزل الله تَعَالَى من كتبه وانك ان خَالَفت فى شىء مِمَّا ذَكرْنَاهُ لَك فَللَّه عَلَيْك ان تحج الى بَيته مائَة حجَّة مَاشِيا نذرا وَاجِبا وكل مَا تملكه فى الْوَقْت الذى أَنْت فِيهِ صَدَقَة على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وكل مَمْلُوك يكون فى ملكك يَوْم تخَالف فِيهِ اَوْ بعده يكون حرا وكل امْرَأَة لَك الْآن اَوْ يَوْم مخالفتك اَوْ تتزوجها بعد ذَلِك تكون طَالقا مِنْك ثَلَاث طلقات وَالله تَعَالَى الشَّاهِد على نيتك وَعقد ضميرك فِيمَا
стр. 289
حَلَفت بِهِ فاذا قَالَ نعم قَالَ لَهُ كفى بِاللَّه شَهِيدا بَيْننَا وَبَيْنك فاذا حلف الغر بِهَذِهِ الايمان ظن انه لَا يُمكن حلهَا وَلنْ يعلم الغر انه لَيْسَ لايمانهم عِنْدهم مِقْدَار وَلَا حُرْمَة وانهم لَا يرَوْنَ فِيهَا وَلَا فى حلهَا إِثْمًا وَلَا كَفَّارَة وَلَا عارا وَلَا عقَابا فى الْآخِرَة وَكَيف يكون للْيَمِين بِاللَّه وبكتبه وَرُسُله عِنْدهم حُرْمَة وهم لَا يقرونَ بإله قديم بل يقرونَ بحدوث الْعَالم وَلَا يثبتون كتابا منزلا من السَّمَاء وَلَا رَسُولا ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي من السَّمَاء وَكَيف يكون لايمان الْمُسلمين عِنْدهم حُرْمَة وَمن دينهم أَن الله الرَّحْمَن الرَّحِيم انما هُوَ زعيمهم الَّذِي يَدْعُو اليه وَمن مَال مِنْهُم الى دين الْمَجُوس زعم أَن الْإِلَه نور بازائه شَيْطَان قد غَلبه ونازعه فى ملكه وَكَيف يكون لنذر الْحَج وَالْعمْرَة عِنْدهم مِقْدَار وهم لَا يرَوْنَ للكعبة مِقْدَارًا ويسخرون بِمن يحجّ ويعتمر وَكَيف يكون للطَّلَاق عِنْدهم حُرْمَة وهم يسْتَحلُّونَ كل امْرَأَة من غير عقد فَهَذَا بَيَان حكم الايمان عِنْدهم فَأَما حكم الايمان عِنْد الْمُسلمين فَإنَّا نقُول كل يَمِين يحلف بهَا الْحَالِف ابْتِدَاء بطوع نَفسه فَهُوَ على نِيَّته وكل يَمِين يحلف بهَا عِنْد قَاض اَوْ سُلْطَان يحلفهُ ينظر فِيهَا فان كَانَت يَمِينا فى دَعْوَى لمدع شَيْئا على الْحَالِف الْمُنكر وَكَانَ الْمُدعى ظَالِما للْمُدَّعى عَلَيْهِ فِيمَن الْحَالِف على نِيَّته وان كَانَ الْمُدعى محقا وَالْمُنكر
стр. 290
ظَالِما للْمُدَّعى فيمين الْمُنكر على نِيَّة القاضى اَوْ السُّلْطَان الَّذِي أحلفه وَيكون الْحَالِف خائنا فى يَمِينه واذا صحت هَذِه الْمُقدمَة فالباحث عَن دين الباطنية اذا قصد اظهار بدعتهم للنَّاس اَوْ اراد النَّقْض عَلَيْهِم مَعْذُور فى يَمِينه وَتَكون يَمِينه على نِيَّته فاذا اسْتثْنى بِقَلْبِه مَشِيئَة الله تَعَالَى فِيهَا لم ينْعَقد عَلَيْهِ ايمانه وَلم يَحْنَث فِيهَا باظهاره أسرار الباطنية للنَّاس وَلم تطلق نساؤه وَلَا تعْتق مماليكه وَلَا تلْزمهُ صَدَقَة بذلك وَلَيْسَ زعيم الباطنية عِنْد الْمُسلمين إِمَامًا وَمن اظهر سره لم يظْهر سر امام وانما اظهر سر كَافِر زنديق وَقد جَاءَ فى ذكر الحَدِيث الْمَأْثُور اذْكروا الْفَاسِق بِمَا فِيهِ يحذرهُ النَّاس فَهَذَا بَيَان حيلتهم على الاغمار بالايمان فاما احتيالهم على الأغمار بالتشكيك فَمن جِهَة أَنهم يَسْأَلُونَهُمْ عَن مسَائِل من احكام الشَّرِيعَة يوهمونهم فِيهَا خلاف مَعَانِيهَا الظَّاهِرَة وَرُبمَا سألوهم عَن مسَائِل فى المحسوسات يوهمون ان فِيهَا علوما لَا يُحِيط بهَا إِلَّا زعيمهم فَمن مسائلهم قَول الداعى مِنْهُم للغر لم صَار للانسان أذنان ولسان وَاحِد وَلم صَار للرجل ذكر وَاحِد وخصيتان وَلم صَارَت الأعصاب مُتَّصِلَة لدماغ والأوراد مُتَّصِلَة بالكبد والشرايين مُتَّصِلَة بِالْقَلْبِ وَلم صَار الانسان مَخْصُوصًا بنبات
стр. 291
الشّعْر على جفنيه الْأَعْلَى والاسفل وَسَائِر الْحَيَوَان ينْبت الشّعْر على جفْنه الْأَعْلَى دون الاسفل وَلم صَار ثدى الانسان على صَدره وثدى الْبَهَائِم على بطونها ولماذا لم يكن للْفرس غدد وَلَا كرش وَلَا كَعْب وَمَا الْفرق بَين الْحَيَوَان الذى يبيض وَلَا يلد وَلَا يبيض وبماذا يُمَيّز بَين السَّمَكَة النهرية والسمكة البحرية وَنَحْو هَذَا كثير يوهمون ان الْعلم بذلك عِنْد زعيمهم وَمن مسائلهم فى الْقُرْآن سُؤَالهمْ عَن مَعَاني حُرُوف الهجاء فى أَوَائِل السُّور كَقَوْلِه الم وحم وطس وبس وطه وكهيعص وَرُبمَا قالو مَا معنى كل حرف من حُرُوف الهجاء وَلم صَارَت حُرُوف الهجاء تِسْعَة وَعشْرين حرفا وَلم عجم بَعْضهَا بالنقط وخلا بعض من النقط وَلم جَازَ وصل بَعْضهَا بِمَا بعْدهَا بِحرف وَرُبمَا للغر مَا معنى قَوْله ﴿وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ الحاقة ١٧ وَلم يَجْعَل الله تَعَالَى أباب الْجنَّة ثَمَانِيَة ٠٠٠ سَبْعَة وَمَا معنى قَوْله ﴿عَلَيْهَا تِسْعَة عشر﴾ ٠٠٠ فَائِدَة هَذَا الْعدَد وَرُبمَا سَأَلُوا ٠٠٠ وَزَعَمُوا انه لَا يعرف تَأْوِيلهَا الا ٠٠٠ ﴿عَن ذَنبه إنس وَلَا جَان﴾ الرَّحْمَن ٣٩ ٠٠٠ سقط من الأَصْل
стр. 292
﴿فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ﴾ وَمِنْهَا مسائلهم فى أَحْكَام الْفِقْه كَقَوْلِهِم لم صَارَت صَلَاة الصُّبْح رَكْعَتَيْنِ وَالظّهْر اربعا وَالْمغْرب ثَلَاثًا وَلم صَار فى كل رَكْعَة رُكُوع وَاحِد وسجدتان وَلم كَانَ الْوضُوء على اربعة اعضاء وَالتَّيَمُّم على عضوين وَلم وَجب الْغسْل من المنى وَهُوَ عِنْد اكثر الْمُسلمين طَاهِر وَلم يجب الْغسْل من الْبَوْل مَعَ نَجَاسَته عِنْد الْجَمِيع وَلم أعادت الْحَائِض مَا تركت من الصّيام وَلم تعد مَا تركت من الصَّلَاة وَلم كَانَت الْعقُوبَة فى السّرقَة بِقطع الْيَد وفى الزِّنَى بِالْجلدِ وهلا قطع الْفرج الذى بِهِ زنى فى الزِّنَى كَمَا قطعت الْيَد الَّتِى بهَا سرق فى السّرقَة فاذا سمع الغر مِنْهُم هَذِه الاسئلة وَرجع اليهم فى تَأْوِيلهَا قَالُوا لَهُ علمهَا عِنْد امامنا وَعند الْمَأْذُون لَهُ فى كشف أَسْرَارنَا فاذا تقرر عِنْد الغر ان امامهم اَوْ مَا دونه هُوَ الْعَالم بتأويله اعْتقد ان المُرَاد بظواهر الْقُرْآن وَالسّنة غير ظَاهرهَا فاخرجوه بِهَذِهِ الْحِيلَة عَن الْعَمَل باحكام الشَّرِيعَة فاذا اعْتَادَ ترك الْعِبَادَة واستحل الْمُحرمَات كشفوا لَهُ القناع وَقَالُوا لَهُ لَو كَانَ لنا اله قديم غنى عَن كل شىء لم يكن لَهُ فَائِدَة فى رُكُوع الْعباد وسجودهم وَلَا فى طوافهم حول بَيت من حجر وَلَا فى سعى بَين جبلين فاذا قبل مِنْهُم ذَلِك فقد انْسَلَخَ عَن تَوْحِيد ربه وَصَارَ جاحدا لَهُ زنديقا قَالَ عبد القاهر وَالْكَلَام
стр. 293
عَلَيْهِم فى مسائلهم الَّتِي يسْأَلُون عَنْهَا عِنْد قصدهم الى تشكيك الاغمار فى اصول الدّين من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يُقَال لَهُم انكم لَا تخلون من أحد أَمريْن اما أَن تقروا بحدوث الْعَالم وتثبتوا لَهُ صانعا قَدِيما عَالما حكيما يكون لَهُ تَكْلِيف عباده مَا شَاءَ كَيفَ شَاءَ وَإِمَّا ان تنكروا ذَلِك وَتَقولُوا بقدم الْعَالم وَنفى الصَّانِع فان اعتقدتم قدم الْعَالم وَنفى الصَّانِع فَلَا معنى لقولكم لم فرض الله كَذَا وَلم حرم كَذَا وَلم خلق كَذَا وَلم جعل كَذَا على مِقْدَار كَذَا اذا لم تقروا باله فرض شَيْئا أَو حرمه اَوْ خلق شَيْئا اَوْ قدره وَيصير الْكَلَام بَيْننَا وَبَيْنكُم كَالْكَلَامِ بَيْننَا وَبَين الدهرية فى حُدُوث الْعَالم وَإِن أقررتم بحدوث الْعَالم وتوحيد صانعه وأجزتم لَهُ تَكْلِيف عباده مَا شَاءَ من الاعمال كَانَ جَوَاز ذَلِك جَوَابا لكم عَن قَوْلكُم لم فرض وَلم حرم كَذَا لاقراركم بِجَوَاز ذَلِك مِنْهُ إِن أقررتم بِهِ ويجواز تَكْلِيفه وَكَذَلِكَ سُؤَالهمْ عَن خاصية المحسوسات يبطل إِن أقرُّوا بصانع احدثها وان أنكرواالصانع فَلَا معنى لقَولهم لم خلق الله ذَلِك مَعَ انكارهم أَن يكون لذَلِك صانع قديم وَالْوَجْه الثانى من الْكَلَام عَلَيْهِم فِيمَا سَأَلُوا عَنهُ من عجائب خلق الْحَيَوَان ان يُقَال لَهُم كَيفَ يكون زعماء الباطنية مخصوصين بِمَعْرِِفَة علل ذَلِك وَقد ذكرته الاطباء والفلاسفة فى كتبهمْ وصنف
стр. 294
ارسطا طاليس فى طبائع الْحَيَوَان كتابا وَمَا ذكرت الفلاسفة من هَذَا النَّوْع شَيْئا إِلَّا مسروقا من حكماء الْعَرَب الَّذين كَانُوا قبل زمَان الفلاسفة من الْعَرَب القحطانية والجرهمية والطسمية وَسَائِر الاصناف الحميرية وَقد ذكرت الْعَرَب فى اشعارها وأمثالها جَمِيع طبائع الْحَيَوَان وَلم يكن فى زمانها باطنى وَلَا زعيم للباطنية وَإِنَّمَا أَخذ ارسطاطاليس الْفرق بَين مَا يلد وَمَا يبيض من قَول الْعَرَب فى أَمْثَالهَا كل شرقاء ولود وكل صكاء بيوض وَلِهَذَا كَانَ الخفاش من الطير ولودا لَا يبوضا لَان لَهَا أذنا شرقاء وكل ذَات أذن صكاء بيوض كالحية والضب والطيور البائضة وَذكر أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَعبد الْملك بن قريب الأصمعى أَن الْعَرَب قَالَت بتحريمها فى الْجَاهِلِيَّة أَن كل حَيَوَان لعينيه أهداب على الجفن الْأَعْلَى دون الاسفل لَا الانسان فان اهدابه على الجفن الْأَعْلَى والاسفل وَقَالُوا كل حَيَوَان ألْقى فى المَاء يسبح فِيهِ إِلَّا الْإِنْسَان والقرد وَالْفرس الاعسر فانه يغرق فِيهِ إِلَّا أَن يتَعَلَّم الانسان السباحة وَقَالُوا فِي الانسان انه اذا قطع رَأسه وَألقى فى المَاء انتصب قَائِما فى وسط المَاء وَقَالُوا كل طَائِر كَفه فى رجلَيْهِ وكف الانسان والقرد فى الْيَد وكل ذى أَربع ركبته فى يَده
стр. 295
وركبتا الانسان فى رجلَيْهِ وَقَالُوا لَيْسَ للْفرس غدد وَلَا كرش وَلَا طحال وَلَا كَعْب وَلَيْسَ للبعير مرَارَة وَلَيْسَ للظليم مخ وَكَذَلِكَ طير المَاء وحيتان الْبَحْر لَيْسَ لَهَا ألسن وَلَا أدمغة وَقد يكون حوت النَّهر ذَا لِسَان ودماغ وَقَالُوا ان السموك كلهَا لَا رئة لَهَا كَذَلِك وَلَا تتنفس وَقَالَت الْعَرَب من تجاربها ان الضَّأْن تضع فى السّنة مرّة وَتفرد وَلَا تتيم والماعز تضع فى السّنة مرَّتَيْنِ وتضع الْوَاحِدَة والاثنتين وَالثَّلَاثَة وَالْعدَد والنماء وَالْبركَة فى الضَّأْن اكثر مِنْهَا فى الماعز وَقَالُوا ايضا اذا رعت الضان نبتا وفصيلا نبت وَلَا ينْبت مَا يَأْكُلهُ الماعز لِأَن الضَّأْن تقرضه بأسنانها والماعز ٢ تقلعه من أَصله وَقَالُوا ان الماعز اذا حملت انزلت اللَّبن اول الْحمل الى الضَّرع والضائنية لَا تنزل اللَّبن الا عِنْد الْولادَة وَقَالُوا إِن اصوات الذُّكُور من كل جنس أَجْهَر من اصوات الاناث الا المعزى فان اصوات اناثها اجهر من اصوات ذكورها وَمن امثال الْعَرَب فى الْحَيَوَان فَهُوَ لَهُم كل ثَوْر افطس وكل بعير اعْلَم وكل ذى نَاب افرج وَقَالُوا بالتجربة ان الاسد لَا يَأْكُل شَيْئا حامضا وَلَا يدنو من النَّار وَلَا يدنو من الحامض وَقَالُوا ان حمل الْكَلْب سِتُّونَ يَوْمًا فان وضعت حملهَا لأَقل من ذَلِك لم تكد اولادها تعيش وَقَالُوا ان اناث الْكلاب يحضن
стр. 296
لسبعة اشهر ثمَّ ان الكلبة تحيض فى كل سَبْعَة ايام وعلامة حَيْضهَا ورم اثغارها وَقَالُوا فى الْكَلْب انه لَا يلقى من اسنانه شَيْئا الا الثَّامِن وَقَالُوا فى الذِّئْب انه ينَام باجدى عَيْنَيْهِ ويحترس بالاخرى وَلذَلِك قَالَ فِيهِ حميد بن ثَوْر ... ينَام باحدى مقلتيه ويتقى
باخرى المنايا فَهُوَ يقظان نَائِم ...
والارنب تنام مَفْتُوحَة الْعَينَيْنِ وَقَالُوا لَيْسَ فِي الْحَيَوَان مَا لِسَانه مقلوب الا الْفِيل وَلَيْسَ فِي ذَوَات الاربع ماثديه على صَدره الا الْفِيل وَقَالُوا ان الْفِيل تضع لسبع سِنِين وَالْحمار لسنة وَالْبَقَرَة فِي ذَلِك كَالْمَرْأَةِ وَقَالُوا فِي قضيب الارنب والثعلب انه عظم وَقَالُوا كل ذى رجلَيْنِ اذا انْكَسَرت احداهما قَامَ على الاخرى وعرج الا الظليم فانه اذا انْكَسَرت احدى رجلَيْهِ جثم فِي مَكَانَهُ وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِر فى نَفسه واخيه ... فانى واياه كرجلى نعَامَة
على مَا بنامن ذى غنى وذى فقر ...
يُرِيد لَا غنى لأَحَدهمَا عَن صَاحبه وَقَالُوا فِي النعامة أَنَّهَا تبيض من ثَلَاثِينَ بَيْضَة الى اربعين لَكِنَّهَا تخرج ثَلَاثِينَ مِنْهَا تحضن عَلَيْهَا كخيط مَمْدُود على الاسْتوَاء وَرُبمَا تركت بيضها وحضنت بيض غَيرهَا وَلِهَذَا قَالَ فِيهَا ابْن هرمة ... كتاركة بيضها بالعرا
وملبسة بيض اخرى جنَاحا ...
стр. 297
وَقَالُوا فى الْفرج والفروج انهما يخلقان من الْبيَاض والصفرة غذاؤهما وَقَالُوا فى القطا انها لَا تضع الا فَردا وفى الْعقَاب انها تضع ثَلَاث بيضات فَتخرج بيضتين وتطرح وَاحِدَة فيخرجها الطير الْمَعْرُوف بكاسى الْعِظَام وَلِهَذَا قيل فى الْمثل أبر من كاسى الْعِظَام وَقَالُوا فى الضَّب انها تضع سبعين بَيْضَة وَلكنهَا وَلكنهَا تَأْكُل مَا خرج من الحسولة عَن الْبيض إِلَّا الحسل الذى يعدو ويهرب مِنْهَا وَلِهَذَا قَالُوا فى الْمثل أعق من ضَب والضب لَا يرد المَاء وَلِهَذَا قَالُوا فى الْمثل اروى من ضَب وَقَالُوا فِي الضَّب إِنَّه ذُو ذكرين وللأنثى من الضباب فرجان من قبل وَقَالُوا فِي الْحَيَّة لَهَا لسانان ولسانها اسود على اخْتِلَاف الوان قشرها والحيات كلهَا تكره ريح السذاب والبنفسج وتعجب برِيح التفاح والبطيخ والجرو والخرذل وَاللَّبن وَالْخمر وَقَالُوا فِي الضفادع انها لَا تصيح الا وَفِي افواهها المَاء وَلَا تصيح فِي دجلة بِحَال وان صاحت فِي الْفُرَات وَسَائِر الانهار وَقَالَ الشَّاعِر فى الضفدع ... يدْخل فِي الاشداق مَا ينضفه
حَتَّى ينق والنقيق يتلفه ...
يعْنى ان نقيقها يدل عَلَيْهَا الْحَيَّة فتصيدها فتأكلها وَقَالُوا
стр. 298
ان الضفادع لَا عِظَام لَهَا وَقَالُوا فِي الْجعل انه اذا دفن فِي الْورْد سكن كالميت فاذا اعيد الى الروث تحرّك
فَهَذَا وَمَا جرى مجْرَاه من خَواص الْحَيَوَانَات وَغَيرهَا قد عَرفته الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا بالتجارب من غير رُجُوع مِنْهَا الى زعماء الباطنية بل عرفوها قبل وجود الباطنية فِي الدُّنْيَا باحقاب كَثِيرَة وَفِي هَذَا بَيَان كذب الباطنية فِي دَعْوَاهَا أَن زعماءها مخصصون بِمَعْرِِفَة أسرار الاشياء وخواصها وَقد بَينا خُرُوجهمْ عَن جَمِيع فرق الاسلام بِمَا فِيهِ كِفَايَة وَالْحَمْد لله على ذَلِك
الْبَاب الْخَامِس من ابواب هَذَا الْكتاب فِي بَيَان اوصاف الْفرْقَة النَّاجِية وَتَحْقِيق النجَاة لَهَا وَبَيَان محاسنها
هَذَا بَاب يشْتَمل على فُصُول هَذِه ترجمتها فصل فِي بَيَان اصناف فرق السّنة والجماعه فصل فى بَيَان تَحْقِيق النجَاة لاهل السّنة وَالْجَمَاعَة فصل فى بَيَان الاصول الَّتِي اجْتمع عَلَيْهَا اهل السّنة والجماعه فصل فى بَيَان قَول اهل السّنة فى السّلف الصَّالح
стр. 299
سقط من الأَصْل
стр. 300
والصنف الرَّابِع مِنْهُم قوم احاطوا علما باكثر ابواب الادب والنحو والتصريف وجروا على سمت أَئِمَّة اللُّغَة كالخليل وابى عَمْرو بن الْعَلَاء وسيبويه وَالْفراء والاخفش والأصمعى والمازنى وأبى عبيد وَسَائِر ائمة النَّحْو من الْكُوفِيّين والبصريين الَّذين لم يخلطوا علمهمْ بذلك بشىء من بدع الْقَدَرِيَّة اَوْ الرافضة اَوْ الْخَوَارِج وَمن مَال مِنْهُم الى شىء من الاهواء الضَّالة لم يكن من اهل السّنة وَلَا كَانَ قَوْله حجَّة فى اللُّغَة والنحو والصنف الْخَامِس مِنْهُم هم الَّذين أحاطوا علما بِوُجُوه قراءات الْقُرْآن وبوجوه تَفْسِير آيَات الْقُرْآن وتأويلها على وفْق مَذَاهِب اهل السّنة دون تأويلات اهل الاهواء الضَّالة والصنف السَّادِس مِنْهُم الزهاد الصُّوفِيَّة الَّذين ابصروا فاقصروا واختبروا فاعتبروا وَرَضوا بالمقدور وقنعوا بالميسور وَعَلمُوا ان السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل اولئك مسئول عَن الْخَيْر وَالشَّر ومحاسب على مَثَاقِيل الذَّر فاعدوا خير الِاعْتِدَاد ليَوْم الْمعَاد وَجرى كَلَامهم فى طريقى الْعبارَة والاشارة على سمت اهل الحَدِيث دون من يشترى لَهو الحَدِيث لَا يعْملُونَ الْخَيْر رِيَاء وَلَا يتركونه حَيَاء دينهم التَّوْحِيد وَنفى التَّشْبِيه ومذهبهم التَّفْوِيض الى الله تَعَالَى والتوكل عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيم لامره والقناعة
стр. 301
بِمَا رزقوا والإعراض عَن الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾ والصنف السَّابِع مِنْهُم قوم مرابطون فى ثغور الْمُسلمين فى وُجُوه الْكَفَرَة يجاهدون اعداء الْمُسلمين ويحمون حمى الْمُسلمين ويذبون عَن حريمهم وديارهم ويظهرون فى ثغورهم مَذَاهِب اهل السّنة وَالْجَمَاعَة وهم الَّذين انْزِلْ الله تَعَالَى فيهم قَوْله ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا﴾ زادهم الله تَعَالَى تَوْفِيقًا بفضله وَمِنْه والصنف الثَّامِن مِنْهُم عَامَّة الْبلدَانِ الَّتِى غلب فِيهَا شَعَائِر اهل السّنة دون عَامَّة الْبِقَاع الَّتِى ظهر فِيهَا شعار اهل الاهواء الضَّالة وانما اردنا بِهَذِهِ الصِّنْف من الْعَامَّة عَامَّة اعتقدوا تصويب عُلَمَاء السّنة وَالْجَمَاعَة فى ابواب الْعدْل والتوحيد والوعد والوعيد وَرَجَعُوا اليهم فى معالم دينهم وقلدوهم فِي فروع الْحَلَال وَالْحرَام وَلم يعتقدوا شَيْئا من بدع اهل الاهواء الضَّالة وَهَؤُلَاء هم الَّذين سمتهم الصُّوفِيَّة حَشْو الْجنَّة فَهَؤُلَاءِ اصناف اهل السّنة وَالْجَمَاعَة ومجموعهم اصحاب الدّين القويم والصراط الْمُسْتَقيم ثبتهم الله تَعَالَى بالْقَوْل الثَّابِت فى الْحَيَاة الدُّنْيَا وفى الْآخِرَة انه بالإجابة جدير وَعَلَيْهَا قدير
стр. 302
الْفَصْل الثانى من فُصُول هَذَا الْبَاب فى بَيَان تَحْقِيق النجَاة لاهل السّنة وَالْجَمَاعَة
قد ذكرنَا فى الْبَاب الاول من هَذَا الْكتاب ان النبى ﵇ لما ذكر افْتِرَاق امته بعده ثَلَاثًا وَسبعين فرقة وَأخْبر ان فرقة وَاحِدَة مِنْهَا نَاجِية سُئِلَ عَن الْفرْقَة النَّاجِية وَعَن صفتهَا فَأَشَارَ الى الَّذين هم على مَا عَلَيْهِ هُوَ واصحابه ولسنا نجد الْيَوْم من فرق الامة من هم على مُوَافقَة الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم غير اهل السّنة وَالْجَمَاعَة من فُقَهَاء الامة ومتكلميهم الصفاتية دون الرافضة والقدرية والخوارج والجهمية والنجارية والمشبهة والغلاة والحلولية اما الْقَدَرِيَّة فَكيف يكونُونَ موافقيه للصحابة وَقد طعن زعيمهم النظام فى اكثر الصَّحَابَة وَأسْقط عَدَالَة ابْن مَسْعُود وَنسبه الى الضلال من اجل رِوَايَته عَن النبى ﷺ ان السعيد من سعد فى بطن امهِ والشقى من شقى فى بطن امهِ وَرِوَايَته انْشِقَاق الْقَمَر وَمَا ذَاك مِنْهُ الا لانكاره معجزات النبى ﵇ وَطعن فى فَتَاوَى عمر رضى الله عَنهُ من اجل انه حد فى الْخمر ثَمَانِينَ وَنفى نصر بن الْحجَّاج الى الْبَصْرَة حِين خَافَ فتنته
стр. 303
نسَاء الْمَدِينَة بِهِ وَمَا هَذَا مِنْهُ الا لقلَّة غيرته على الْحرم وَطعن فى فَتَاوَى على رضى الله عَنهُ لقَوْله فى امهات الاولاد ثمَّ رَأَيْت أَنَّهُنَّ يبعن وَقَالَ من هُوَ حَتَّى يحكم بِرَأْيهِ وثلب عُثْمَان رضى الله عَنهُ لقَوْله فى الخرقا بقسم المَال بَين الْجد والام والاخت ثَلَاثًا بِالسَّوِيَّةِ وَنسب ابا هُرَيْرَة الى الْكَذِب من اجل ان الْكثير من رواياته على خلاف مَذَاهِب الْقَدَرِيَّة وَطعن فى فَتَاوَى كل من افتى من الصَّحَابَة بِالِاجْتِهَادِ وَقَالَ ان ذَلِك مِنْهُم انما كَانَ لأجل امرين إِمَّا لجهلهم بَان ذَلِك لَا يحل لَهُم وَإِمَّا لانهم ارادوا ان يَكُونُوا زعماء وارباب مَذَاهِب تنْسب اليهم فنسب اخيار الصَّحَابَة الى الْجَهْل اَوْ النِّفَاق وَالْجَاهِل باحكام الدّين عِنْده كَافِر والمتعمد للْخلاف بِلَا حجَّة عِنْده مُنَافِق كَافِر اَوْ فَاسق فَاجر وَكِلَاهُمَا من أهل النَّار على الخلود فاوجب بِزَعْمِهِ على أَعْلَام الصَّحَابَة الخلود فى النَّار الَّتِى هُوَ بهَا أولى ثمَّ انه أبطل اجماع الصَّحَابَة وَلم ير حجَّة وَأَجَازَ اجْتِمَاع الامة على الضَّلَالَة فَكيف يكون على سمت الصَّحَابَة مقتديا بهم من يرى مُخَالفَة جَمِيعهم وَاجِبا اذا كَانَ رَأْيه خلاف رَأْيهمْ وَكَانَ زعيمهم وَاصل بن عطا الغزال يشك فى عَدَالَة على وابنيه وَابْن عَبَّاس وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وكل من شهد حَرْب الْجمل من الْفَرِيقَيْنِ وَلذَلِك قَالَ لَو شهد عِنْدِي على وَطَلْحَة على
стр. 304
باقة بقل لم احكم بِشَهَادَتِهِمَا لعلمى بَان احدهما فَاسق وَلَا أعرفهُ بِعَيْنِه فَجَائِز على اصله أَن يكون على واتباعه فاسقين مخلدين فى النَّار وَجَائِز ان يكون الْفَرِيق الآخر الَّذين كَانُوا أَصْحَاب الْجمل فى النَّار خَالِدين فَشك فى عَدَالَة على وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر مَعَ شَهَادَة النبى ﵇ لهَؤُلَاء الثَّلَاثَة بِالْجنَّةِ وَمَعَ دُخُولهمْ فى بيعَة الرضْوَان وفى جملَة الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ وَكَانَ عَمْرو بن عبيد يَقُول بقول وَاصل فى فريقي الْجمل وَزَاد عَلَيْهِ القَوْل بِالْقطعِ على فسق كل فرقة من الْفرْقَتَيْنِ وَذَلِكَ ان واصلا إِنَّمَا قطع بفسق أحد الْفَرِيقَيْنِ وَلم يحكم بِشَهَادَة رجلَيْنِ أَحدهمَا من أَصْحَاب على وَالْآخر من أَصْحَاب الْجمل وَقبل شَهَادَة رجلَيْنِ من أَصْحَاب على وَشَهَادَة رجلَيْنِ من أَصْحَاب الْجمل وَقَالَ عَمْرو بن عبيد لَا أقبل شَهَادَة الْجَمَاعَة مِنْهُم سَوَاء كَانُوا من أحد الْفَرِيقَيْنِ وَكَانَ بَعضهم من حزب على وَبَعْضهمْ من حزب الْجمل فَاعْتقد فسق الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا وواجب على أَصله ان يكون على وابناه وَابْن عَبَّاس وعمار وَأَبُو أَيُّوب الانصارى وَخُزَيْمَة بن ثَابت الانصارى الذى جعل رَسُول الله ﷺ شَهَادَته بِمَنْزِلَة شَهَادَة رجلَيْنِ عَدْلَيْنِ وَسَائِر أَصْحَاب على مَعَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة
стр. 305
وَسَائِر اصحاب الْجمل فاسقين مخلدين فى النَّار وَفِيهِمْ من الصَّحَابَة الوف وَقد كَانَ مَعَ على خَمْسَة وَعِشْرُونَ بَدْرِيًّا واكثر اصحاب أحد وسِتمِائَة من الانصار وَجَمَاعَة من الْمُهَاجِرين الاولين وَقد كَانَ أَبُو الْهُذيْل والجاحظ واكثر الْقَدَرِيَّة فى هَذَا الْبَاب على رأى وَاصل بن عطا فيهم فَكيف يكون مقتديا بالصحابة من يفسق اكثرهم ويراهم من أهل النَّار وَمن لَا يرى شَهَادَتهم مَقْبُولَة كَيفَ يقبل روايتهم وَمن رد رواياتهم ورد شهاداتهم خرج عَن سمتهم ومتابعتهم وانما يقْتَدى بهم من يعْمل برواياتهم وَيقبل شهاداتهم كدأب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فى ذَلِك واما الْخَوَارِج فقد اكفروا عليا وابنيه وَابْن عَبَّاس وابا أَيُّوب الانصارى واكفروا ايضا عُثْمَان وَعَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر واكفروا كل من لم يُفَارق عليا وَمُعَاوِيَة بعد التَّحْكِيم واكفروا كل ذى ذَنْب من الامة وَلَا يكون على سمت الصَّحَابَة من يَقُول بتكفير اكثرها واما الغلاة من الروافض كالسبابية والبيانية والمغيرية والمنصورية والجناحية والخطابية وَسَائِر الحلولية فقد بَينا خُرُوجهمْ عَن فرق الاسلام وَبينا أَنهم فى عداد عَبدة الاصنام أَو فى عداد الحلولية من النَّصَارَى وَلَيْسَ لعبدة الاصنام وَلَا لِلنَّصَارَى وَسَائِر الْكَفَرَة
стр. 306
بالصحابة اسوة وَلَا قدوة واما الزيدية مِنْهُم فالجارودية مِنْهُم يكفرون أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان واكثر الصَّحَابَة وَلَا يقْتَدى بهم من يكفر اكثرهم والسليمانية البشرية من الزيدية يكفرون عُثْمَان اَوْ يوقفون فِيهِ ويفسقون ناصريه ويكفرون اكثر اصحاب الْجمل واما الامامية مِنْهُم فقد زعم اكثرهم أَن الصَّحَابَة ارْتَدَّت بعد النبى ﷺ سوى على وابنيه وَمِقْدَار ثَلَاثَة عشر مِنْهُم وَزَعَمت الكاملية مِنْهُم أَن عليا ايضا ارْتَدَّ وَكفر بِتَرْكِهِ قِتَالهمْ فَكيف يكون على سمت الصَّحَابَة من يَقُول بتكفيرهم ثمَّ نقُول كَيفَ يكون الرافضة والخوارج والقدرية والجهمية والنجارية والبكرية والضرارية موافقين للصحابة وهم بأجمعهم لَا يقبلُونَ شَيْئا مِمَّا روى عَن الصَّحَابَة فى أَحْكَام الشَّرِيعَة لامتناعهم من قبُول رِوَايَات الحَدِيث وَالسير والمغازى من اجل تكفيرهم لأَصْحَاب الحَدِيث الَّذين هم نقلة الاخبار والْآثَار وَرَوَاهُ التواريخ وَالسير وَمن اجل تكفيرهم فُقَهَاء الامة الَّذين ضبطوا آثَار الصَّحَابَة وقاسوا فروعهم على فَتَاوَى الصَّحَابَة وَلم يكن بِحَمْد الله وَمِنْه فى الْخَوَارِج وَلَا فى الروافض وَلَا فى الْجَهْمِية وَلَا فى الْقَدَرِيَّة وَلَا فى المجسمة وَلَا فى سَائِر اهل الاهواء الضَّالة قطّ إِمَام فى الْفِقْه وَلَا إِمَام فى رِوَايَة الحَدِيث وَلَا إِمَام
стр. 307
فى اللُّغَة والنحو وَلَا موثوق بِهِ فى نقل المغازى وَالسير والتواريخ وَلَا إِمَام فِي الْوَعْظ والتذكير وَلَا إِمَام فى التَّأْوِيل وَالتَّفْسِير وانما كَانَ أَئِمَّة هَذِه الْعُلُوم على الْخُصُوص والعموم من اهل السّنة وَالْجَمَاعَة واهل الاهواء الضَّالة اذا ردوا الرِّوَايَات الْوَارِدَة عَن الصَّحَابَة فى احكامهم وسيرهم لم يَصح اقتداؤهم بهم مَتى لم يشاهدوهم وَلم يقبلُوا رِوَايَة اهل الرِّوَايَة عَنْهُم وَبَان من هَذَا أَن المقتدين بالصحابة من يعْمل بِمَا قد صَحَّ بالرواية الصَّحِيحَة فِي احكامهم وسيرهم وَذَلِكَ سنة اهل السّنة دون ذوى السّنة وَصَحَّ بِصِحَّة مَا ذَكرْنَاهُ تَحْقِيق نجاتهم كَحكم النبى ﷺ بنجاة المقتدين باصحابه وَالْحَمْد لله على ذَلِك
الْفَصْل الثَّالِث من فُصُول هَذَا الْبَاب فِي بَيَان الاصول الَّتِى اجْتمعت عَلَيْهَا اهل السّنة
قد اتّفق جُمْهُور اهل السّنة وَالْجَمَاعَة على اصول من اركان الدّين كل ركن مِنْهَا يجب على كل عَاقل بَالغ معرفَة حَقِيقَته وَلكُل ركن مِنْهَا شعب وَفِي شعبها مسَائِل اتّفق اهل السّنة فِيهَا على قَول وَاحِد وضللوا من خالفهم فِيهَا واول الاركان الَّتِى رأوها من
стр. 308
اصول الدّين اثبات الْحَقَائِق والعلوم على الْخُصُوص والعموم والركن الثانى هُوَ الْعلم بحدوث الْعَالم فِي اقسامه من اعراضه واجسامه والركن الثَّالِث فى معرفَة صانع الْعَالم وصفات ذَاته والركن الرَّابِع فِي معرفَة صِفَاته الازلية والركن الْخَامِس فِي معرفَة اسمائه واوصافه والركن السَّادِس فِي معرفَة عدله وحكمته والركن السَّابِع فِي معرفَة رسله وانبيائه والركن الثَّامِن فِي معرفَة معجزات الانبياء وكرامات الاولياء والركن التَّاسِع فِي معرفَة مَا أَجمعت الامة عَلَيْهِ من اركان شَرِيعَة الاسلام والركن الْعَاشِر فِي معرفَة احكام الامر والنهى والتكليف والركن الحادى عشر فِي معرفَة الْخلَافَة والامامة وشروط الزعامة والركن الثَّالِث عشر كَذَا فِي احكام الايمان والاسلام فِي الْجُمْلَة والركن الرَّابِع عشر فِي معرفَة احكام الاولياء ومراتب الْأَئِمَّة الاتقياء والركن الْخَامِس عشر فِي معرفَة احكام الاعداء من الْكَفَرَة واهل الاهواء
فَهَذِهِ اصول اتّفق أهل السّنة على قواعدها وضللوا من خالفهم فِيهَا وفى كل ركن مِنْهَا مسَائِل اصول ومسائل فروع وهم يجمعُونَ على اصولها وَرُبمَا اخْتلفُوا فى بعض فروعها اخْتِلَافا لَا يُوجب تضليلا وَلَا تفسيقا
فَأَما الرُّكْن الاول فى اثبات الْحَقَائِق والعلوم فقد اجْمَعُوا
стр. 309
على اثبات الْعُلُوم معانى قَائِمَة بالعلماء وَقَالُوا بتضليل نفاة الْعلم وَسَائِر الاعراض وبتجهيل السوفسطائية الَّذين ينفون الْعلم وينفون حقائق الاشياء كلهَا وعدوهم معاندين لما قد علموه بِالضَّرُورَةِ وَكَذَلِكَ السوفسطائية الَّذين شكوا فى وجود الْحَقَائِق وَكَذَلِكَ الَّذين قَالُوا مِنْهُم بَان حقائق الاشياء تَابِعَة للاعتقاد وصححوا جَمِيع الاعتقادات مَعَ تضادها وتنافيها وَهَذِه الْفرق الثَّلَاث كلهَا كفرة معاندة لموجبات الْعُقُول الضرورية وَقَالَ أهل السّنة ان عُلُوم النَّاس وعلوم سَائِر الْحَيَوَانَات ثَلَاثَة انواع علم بديهى وَعلم حسى وَعلم استدلالى وَقَالُوا من جحد الْعُلُوم البديهية اَوْ الْعُلُوم الحسية الْوَاقِعَة من جِهَة الْحَواس الْخمس فَهُوَ معاند وَمن انكر الْعُلُوم النظرية الْوَاقِعَة عَن النّظر وَالِاسْتِدْلَال نظر فِيهِ فان كَانَ من السمنية الْمُنكرَة للنَّظَر فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة فَهُوَ كَافِر ملحد وَحكمه حكم الدهرية لقَوْله مَعَهم بقدم الْعَالم وانكار الصَّانِع مَعَ زِيَادَته عَلَيْهِم القَوْل بابطال الاديان كلهَا وان كَانَ مِمَّن يَقُول بِالنّظرِ فِي العقليات وينكر الْقيَاس فِي فروع الاحكام الشَّرْعِيَّة كَأَهل الظَّاهِر لم يكفر بانكار الْقيَاس الشرعى وَقَالُوا بَان الْحَواس الَّتِى يدْرك بهَا المحسوسات خمس وهى حاسة الْبَصَر لادراك المرئيات وحاسة السّمع لادراك المسموعات وحاسة
стр. 310
الذَّوْق لادراك الطعوم وحاسة الشم لادراك الروائح وحاسة اللَّمْس لادراك الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة بهَا وَقَالُوا ان الاوراكات الْوَاقِعَة من جِهَة هَذِه الْحَواس معانى قَائِمَة بالآلات الَّتِى تسمى حواس وضللوا ابا هَاشم بن الجباى فى قَوْله ان الادراك لَيْسَ بِمَعْنى وَلَا عرض وَلَا شىء سوى الْمدْرك وَقَالُوا ان الْخَبَر الْمُتَوَاتر طَرِيق الْعلم الضرورى بِصِحَّة مَا تَوَاتر عَنهُ الْخَبَر اذا كَانَ الْمخبر عَنهُ مِمَّا يُشَاهد وَيدْرك بالحس والضرورة كَالْعلمِ بِصِحَّة وجود مَا تَوَاتر الْخَبَر فِيهِ من الْبلدَانِ الَّتِى لم يدخلهَا السَّامع الْمخبر عَنْهَا اَوْ كعلمنا بِوُجُود الانبياء والملوك الَّذين كَانُوا قبلنَا فاما صِحَة دعاوى الانبياء فِي النُّبُوَّة فمعلوم لنا بالحجج النظرية واكفروا من انكر من السمنية وُقُوع الْعلم من جِهَة التَّوَاتُر وَقَالُوا ان الاخبار الَّتِى يلْزمنَا الْعَمَل بهَا ثَلَاثَة انواع تَوَاتر وآحاد ومتوسط بَينهمَا مستفيض فَالْخَبَر الْمُتَوَاتر الذى يَسْتَحِيل التواطؤ على وَضعه يُوجب الْعلم الضَّرُورِيّ بِصِحَّة مخبره وَبِهَذَا النَّوْع من الاخبار علمنَا الْبلدَانِ الَّتِى لم ندْخلهَا وَبهَا عرفنَا الْمُلُوك والانبياء والقرون الَّذين كَانُوا قبلنَا وَبِه يعرف الانسان وَالِديهِ اللَّذين هُوَ مَنْسُوب اليهما وَأما اخبار الْآحَاد فَمَتَى صَحَّ اسنادها وَكَانَت متونها غير مستحيلة فِي الْعقل كَانَت مُوجبَة
стр. 311
مُوجبَة للْعَمَل بهَا دون الْعلم وَكَانَت بِمَنْزِلَة شَهَادَة الْعُدُول عِنْد الْحَاكِم فى انه يلْزمه الحكم بهَا فى الظَّاهِر وان لم يعلم صدقهم فى الشَّهَادَة وَبِهَذَا النَّوْع من الْخَبَر اثْبتْ الْفُقَهَاء اكثر فروع الاحكام الشَّرْعِيَّة فى الْعِبَادَات والمعاملات وَسَائِر ابواب الْحَلَال وَالْحرَام وضللوا من اسقط وجوب الْعَمَل باخبار الْآحَاد فِي الْجُمْلَة من الرافضة والخوارج وَسَائِر اهل الاهواء واما الْخَبَر المستفيض الْمُتَوَسّط بَين التَّوَاتُر والآحاد فانه يُشَارك التَّوَاتُر فى ايجابه للْعلم وَالْعَمَل ويفارقه من حَيْثُ ان الْعلم الْوَاقِع عَنهُ يكون علما مكتسبا نظريا وَالْعلم الْوَاقِع عَن التَّوَاتُر يكون ضَرُورِيًّا غير مكتسب وَهَذَا النَّوْع من الْخَبَر على اقسام مِنْهَا اخبار الانبياء فى انفسهم وَكَذَلِكَ خبر من أخبر النبى عَن صدقه يكون الْعلم لصدقه مكتسبا وَمِنْهَا الْخَبَر الْمُنْتَشِر من بعض النَّاس اذا اخبر بِهِ بِحَضْرَة قوم لَا يَصح مِنْهُم التواطؤ على الْكَذِب وَادّعى عَلَيْهِم وُقُوع مَا اخبر عَنهُ بحضرتهم فاذا لم يُنكر عَلَيْهِ اُحْدُ مِنْهُم علمنَا صَدَقَة فِيهِ وَبِهَذَا النَّوْع من الاخبار علمنَا معْجزَة نَبينَا ﷺ فى انْشِقَاق الْقَمَر وتسبيح الْحَصَا فى يَده وحنين الْجذع اليه لما فَارقه واشباعه الْخلق الْكثير من الطَّعَام الْيَسِير وَنَحْو ذَلِك من معجزاته غير الْقُرْآن المعجز نظمه فان ثُبُوت الْقُرْآن وظهوره عَلَيْهِ وَعجز
стр. 312
الْعَرَب والعجم عَن الْمُعَارضَة بِمثلِهِ مَعْلُوم بالتواتر الْمُوجب للْعلم الضَّرُورِيّ وَمِنْهَا أَخْبَار مستفيضة بَين ائمة الحَدِيث وَالْفِقْه وهم مجمعون على صِحَّتهَا كالاخبار فِي الشَّفَاعَة والحساب والحوض والصراط وَالْمِيزَان وَعَذَاب الْقَبْر وسؤال الْملكَيْنِ فى الْقَبْر وَكَذَلِكَ الْأَخْبَار المستفيضة فى كثير من احكام الْفِقْه كنصب الزَّكَاة واخبار الهوا وحد الْخمر فى الْجُمْلَة والاخبار فى الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وفى الرَّجْم وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا اجْمَعْ الْفُقَهَاء على قبُول الاخبار فِيهَا وعَلى الْعَمَل بمضمونها وضللوا من خَالف فِيهَا من أهل الاهواء كتضليل الْخَوَارِج فِي انكارها الرَّجْم وتضليل من انكر من النجدات حد الْخمر وتضليل من انكر الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وتكفير من أنكر الرُّؤْيَة والحوض والشفاعة وَعَذَاب الْقَبْر وَكَذَلِكَ ضللوا الْخَوَارِج الَّذين قطعُوا يَد السَّارِق فِي الْقَلِيل وَالْكثير من الْحِرْز وَغير الْحِرْز كردهم الاخبار الصِّحَاح فِي اعْتِبَار النّصاب والحرز فِي الْقطع وكما ضللوا من رد الْخَبَر المستفيض ضللوا من ثَبت على حكم خبر اتّفق الْفُقَهَاء من فريقي الرأى والْحَدِيث على نسخه كتضليل الرافضة فِي الْمُتْعَة الَّتِى قد نسخت إباحتها وَاتفقَ أهل السّنة على أَن الله تَعَالَى كلف الْعباد معرفَة وَأمرهمْ بهَا وَأَنه أَمرهم بِمَعْرِِفَة رَسُوله وَكتابه وَالْعَمَل بِمَا يدل عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة
стр. 313
وأكفروا من زعم من الْقَدَرِيَّة والرافضة أَن الله تَعَالَى مَا كلف أحدا مَعْرفَته كَمَا ذهب اليه ثُمَامَة والجاحظ وَطَائِفَة من الرافضة وَاتَّفَقُوا على أَن كل علم كسبى نظرى يجوز أَن يجعلنا الله تَعَالَى مضطرين الى الْعلم بمعلومه واكفروا من زعم من الْمُعْتَزلَة أَن الْمعرفَة بِاللَّه فى الْآخِرَة مكتسبة من غير اضطرار الى معرفتة وَاتَّفَقُوا على أَن اصول احكام الشَّرِيعَة الْقُرْآن وَالسّنة وَإِجْمَاع السّلف واكفروا من زعم من الرافضة أَن لَا حجَّة الْيَوْم فِي الْقُرْآن وَالسّنة لدعواه فِيهَا أَن الصَّحَابَة غيروا بعض الْقُرْآن وحرفوا بعضه واكفروا الْخَوَارِج الَّذين ردوا جَمِيع السّنَن الَّتِى رَوَاهَا نقلة الاخبار لقَولهم بتكفير نَاقِلِيهَا واكفروا النظام فِي انكاره حجَّة الاجماع وَحجَّة التَّوَاتُر وَقَوله بِجَوَاز اجْتِمَاع الامة على الضَّلَالَة وَجَوَاز تواطؤ أهل التَّوَاتُر على وضع الْكَذِب فَهَذَا بَيَان مَا اتّفق عَلَيْهِ أهل السّنة من مسَائِل الرُّكْن الأول
واما الرُّكْن الثانى وَهُوَ الْكَلَام فى حُدُوث الْعَالم فقد أَجمعُوا على ان الْعَالم كل شىء هُوَ غير الله وعَلى ان كل مَا هُوَ غير الله تَعَالَى وَغير صِفَاته الازلية مَخْلُوق مَصْنُوع وعَلى ان صانعه لَيْسَ بمخلوق وَلَا مَصْنُوع وَلَا هُوَ من جنس الْعَالم وَلَا من جنس شىء من اجزاء الْعَالم واجمعوا على ان اجزاء الْعَالم قِسْمَانِ
стр. 314
جَوَاهِر واعراض خلاف قَول نفاة الاعراض فى نَفيهَا الاعراض واجمعوا على ان كل جَوْهَر جُزْء لَا يتَجَزَّأ واكفروا النظام والفلاسفة الَّذين قَالُوا بانقسام كل جُزْء الى أَجزَاء بِلَا نِهَايَة لَان هَذَا يقتضى الا تكون اجزاؤها محصورة عِنْد الله تَعَالَى وَفِي هَذَا رد قَوْله ﴿وأحصى كل شَيْء عددا﴾ وَقَالُوا باثبات الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالشَّيَاطِين فِي اجناس حيوانات الْعَالم واكفروا من انكرهم من الفلاسفة والباطنية وَقَالُوا بتجانس الْجَوَاهِر والاجسام وَقَالُوا إِن اختلافها فِي الصُّور والالوان والطعوم والروائح انما هُوَ لاخْتِلَاف الاعراض الْقَائِمَة بهَا وضللوا من قَالَ باخْتلَاف الاجسام لاخْتِلَاف الطبائع وضللوا ايضا من قَالَ من الفلاسفة بِخمْس طبائع وَزعم ان الْفلك طبيعة خَامِسَة لَا تقبل الْكَوْن وَالْفساد كَمَا ذهب اليه ارسطاطاليس وضللوا من قَالَ من الثنوية إِن الاجسام نَوْعَانِ نور وظلمة وان الْخَيْر من النُّور وَالشَّر من الظلمَة وان فَاعل الْخَيْر والصدق لَا يفعل الشَّرّ وَالْكذب وفاعل الشَّرّ وَالْكذب لَا يفعل الْخَيْر والصدق وسألناهم عَن رجل قَالَ أَنا شرير وظلمة من الْقَائِل لهَذَا القَوْل فان قَالُوا هُوَ النُّور فقد كذب وان قَالُوا هُوَ الظلمَة فقد صدق وَفِي هَذَا بطلَان قَوْلهم ان النُّور لَا يكذب والظلام لَا يصدق
стр. 315
وَهَذَا الزم لَهُم على اصولهم فاما نَحن فانا لَا نثبت النُّور والظلمة فاعلين قديمين بل نقُول انهما مخلوقان لَا فعل لَهما وَاتفقَ أهل السّنة على اخْتِلَاف اجناس الاعراض واكفروا النظام فِي قَوْله إِن الاعراض كلهَا جنس وَاحِد وانها كلهَا حركات لَان هَذَا يُوجب عَلَيْهِ ان يكون الايمان من جنس الْكفْر وَالْعلم من جنس الْجَهْل وَالْقَوْل من جنس السُّكُوت وان يكون فعل النبى ﷺ من جنس فعل الشَّيْطَان الرَّجِيم وينبغى لَهُ على هَذَا الاصل الا يغْضب على من لَعنه وَشَتمه لَان قَول الْقَائِل لعن الله النظام عِنْده من جنس قَوْله ﵀ وَاتَّفَقُوا على حُدُوث الاعراض فى الاجسام واكفروا من زعم من الدهرية انها كامنة فِي الاجسام وانما يظْهر بَعْضهَا عِنْد كمون ضِدّه فِي مَحَله وَاتَّفَقُوا على ان كل عرض حَادث فِي مَحل وان الْعرض لَا يقوم بِنَفسِهِ واكفروا من قَالَ من الْمُعْتَزلَة البصرية بحدوث ارادة الله سُبْحَانَهُ لَا فِي مَحل وبحدوث فنَاء الاجسام لَا فى مَحل واكفروا ابا الْهُذيْل فِي قَوْله ان قَول الله للشىء كن عرض حَادث لَا فِي مَحل وَاتَّفَقُوا على أَن الاجسام لَا تخلوا وَلم تخل قطّ من الاعراض المتعاقبة عَلَيْهَا واكفروا من قَالَ من أَصْحَاب الهيولي ان الهيولي كَانَت فِي الازل
стр. 316
خَالِيَة من الاعراض ثمَّ حدثت فِيهَا الاعراض حَتَّى صَارَت على صُورَة الْعَالم وَهَذَا القَوْل غَايَة فِي الاستحالة لَان حُلُول الْعرض فى الْجَوْهَر يُغير صفته وَلَا يزِيد فى عدده فَلَو كَانَ هيولى الْعَالم جوهرا وَاحِدًا لم يصر جَوَاهِر كَثِيرَة بحلول الاعراض فِيهَا وَأَجْمعُوا على وقُوف الارض وسكونها وان حركتها انما تكون بِعَارِض يعرض لَهَا من زَلْزَلَة وَنَحْوهَا خلاف قَول من زعم من الدهرية أَن الارض تهوى أبدا وَلَو كَانَت كَذَلِك لوَجَبَ الا يلْحق الْحجر الذى نلقيه من ايدينا الارض أبدا لَان الْخَفِيف لَا يلْحق مَا هُوَ أثقل مِنْهُ فى انحداره وَأَجْمعُوا على أَن الارض متناهية الْأَطْرَاف من الْجِهَات كلهَا وَكَذَلِكَ السَّمَاء متناهية الاقطار من الْجِهَات السِّت خلاف قَول من زعم من الدهرية انه لَا نِهَايَة للارض من اسفل وَلَا عَن الْيَمين واليسار وَلَا من خلف وَلَا من امام وانما نهايتها من الْجِهَة الَّتِي تلاقى الْهَوَاء من فَوْقهَا وَزَعَمُوا ان السَّمَاء ايضا متناهية من تحتهَا وَلَا نِهَايَة لَهَا من خمس جِهَات سوى جِهَة السّفل وَبطلَان قَوْلهم ظَاهر من جِهَة عود الشَّمْس الى مشرقها كل يَوْم وقطعها جرم السَّمَاء وَمَا فَوق الارض فى يَوْم وَلَيْلَة وَلَا يَصح قطع مَا لَا نِهَايَة لَهَا من المساقة فى الامكنة فى زمَان متناه وَأَجْمعُوا على ان السَّمَاوَات سبع سماوات طباق خلاف قَول
стр. 317
من زعم من الفلاسفة والمنجمين انها تسع واجمعوا انها لَيست بكرية تَدور حول الارض خلاف قَول من زعم انها كرات بَعْضهَا فى جَوف بعض وان الارض فى وَسطهَا كمركز الكرة فى جوفها وَمن قَالَ بِهَذَا لم يثبت فَوق السَّمَاوَات عرشا وَلَا مَلَائِكَة وَلَا شَيْئا مِمَّا يُثبتهُ الموجودون فَوق السَّمَاوَات عرشا وَلَا مَلَائِكَة وَلَا شَيْئا مِمَّا يُثبتهُ الموجودون فَوق السَّمَاوَات وَأَجْمعُوا ايضا على جَوَاز الفنا على الْعَالم كُله من طَرِيق الْقدر والامكان وانما قَالُوا بتأييد الْجنَّة وَنَعِيمهَا وتأييد جَهَنَّم وعذابها من طَرِيق الشَّرْع واجازوا ايضا فنَاء بعض الاجسام دون بعض واكفروا ابا الْهُذيْل بقوله بِانْقِطَاع نعيم الْجنَّة وَعَذَاب النَّار واكفروا من قَالَ من الْجَهْمِية بِفنَاء الْجنَّة وَالنَّار واكفروا الجباي وَابْنه ابى هَاشم فِي قَوْلهمَا ان الله لَا يقدر على افناء بعض الاجسام مَعَ ابقاء بَعْضهَا وانما يقدر على افناء جَمِيعهَا بِفنَاء يخلقه لَا فِي مَحل
وَقَالُوا فِي الرُّكْن الثَّالِث وَهُوَ الْكَلَام فى صانع الْعَالم وَصِفَاته الذاتية الَّتِى اسْتحقَّهَا لذاته ان الْحَوَادِث كلهَا لَا بُد لَهَا من مُحدث صانع واكفروا ثُمَامَة واتباعه من الْقَدَرِيَّة فِي قَوْلهم ان الافعال المتولدة لَا فَاعل لَهَا وَقَالُوا ان صانع الْعَالم خَالق الاجسام والاعراض واكفروا معمرا واتباعه من الْقَدَرِيَّة فِي قَوْلهم ان الله تَعَالَى لم يخلق شَيْئا من الاعراض وانما خلق
стр. 318
الاجسام وان الاجسام هى الخالقة للاعراض فِي انفسها وَقَالُوا ان الْحَوَادِث قبل حدوثها لم تكن أَشْيَاء وَلَا اعيانا وَلَا جَوَاهِر وَلَا اعراضا خلاف قَول الْقَدَرِيَّة فِي دَعْوَاهَا ان المعدومات فِي حَال عدمهَا اشياء وَقد زعم البصريون مِنْهُم ان الْجَوَاهِر والاعراض كَانَت قبل حدوثها جَوَاهِر واعراضا وَقَول هَؤُلَاءِ يُؤدى الى القَوْل بقدم الْعَالم وَالْقَوْل الذى يُؤدى الى الْكفْر كفر فِي نَفسه وَقَالُوا ان صانع الْعَالم قديم لم يزل مَوْجُودا خلاف قَول الْمَجُوس فِي قَوْلهم بصانعين احدهما شَيْطَان مُحدث وَخلاف قَول الغلاة من الروافض الَّذين قَالُوا فِي على جَوْهَر مَخْلُوق مُحدث بانه صَار الها صانعا بحلول روح الْإِلَه فِيهِ تَعَالَى الله عَن قَوْلهم علوا كَبِيرا وَقَالُوا بنفى النِّهَايَة وَالْحَد عَن صانع الْعَالم خلاف قَول هِشَام بن الحكم الرافضى فِي دَعْوَاهُ ان معبوده سَبْعَة اشبار بشبر نَفسه وَخلاف قَول من زعم من الكرامية انه ذُو نِهَايَة من الْجِهَة الَّتِى تلاقى مِنْهَا الْعَرْش وَلَا نِهَايَة لَهُ من خمس جِهَات سواهَا واجمعوا على احالة وَصفه بالصورة والاعضاء خلاف قَول من زعم من غلاة الروافض وَمن اتِّبَاع دَاوُود الحوالى انه على صُورَة الانسان وَقد زعم هِشَام بن سَالم الجواليقى واتباعه من الرافضة ان معبودهم على صُورَة الانسان وعَلى راسه وفرة سَوْدَاء وَهُوَ نور
стр. 319
اسود وان نصفه الاعلى مجوف وَنصفه الاسفل مصمت وَخلاف قَول المغيرية من الرافضة فِي دَعوَاهُم أَن اعضاء معبودهم على صُورَة حُرُوف الهجاء تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا واجمعوا على انه لَا يحويه مَكَان وَلَا يجرى عَلَيْهِ زمَان خلاف قَول من زعم من الشهامية والكرامية انه مماس لعرشه وَقد قَالَ امير الْمُؤمنِينَ على ﵁ ان الله تَعَالَى خلق الْعَرْش اظهارا لقدرته لَا مَكَانا لذاته وَقَالَ ايضا قد كَانَ وَلَا مَكَان وَهُوَ الْآن على مَا كَانَ واجمعوا على نفى الْآفَات والغموم والآلام وَاللَّذَّات عَنهُ وعَلى نفى الْحَرَكَة والسكون عَنهُ خلاف قَول الهشامية من الرافضة فِي قَوْلهَا بِجَوَاز الْحَرَكَة عَلَيْهِ وَفِي دَعوَاهُم ان مَكَانَهُ حُدُوث من حركته وَخلاف قَول من اجاز عَلَيْهِ التَّعَب والراحة وَالْغَم وَالسُّرُور والملالة كَمَا حكى عَن ابى شُعَيْب الناسك تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا واجمعوا على ان الله تَعَالَى غنى عَن خلقه لَا يجتلب بخلقه الى نَفسه نفعا وَلَا يدْفع بهم عَن نَفسه ضَرَرا وَهَذَا خلاف قَول الْمَجُوس فِي دَعوَاهُم ان الله انما خلق الْمَلَائِكَة ليدفع بهم عَن نَفسه أَذَى الشَّيْطَان وأذى اعوانه واجمعوا على ان صانع الْعَالم وَاحِد خلاف قَول الثنوية بصانعين قديمين أَحدهمَا نور وَالْآخر ظلمَة وَخلاف قَول الْمَجُوس بصانعين احدهما اله قديم
стр. 320
اسْمه عِنْدهم بزدان وَالْآخر شَيْطَان رجيم اسْمه أهرمن وَخلاف قَول المفوضة من غلاة الروافض فى ان الله تَعَالَى فوض تَدْبِير الْعَالم الى على فَهُوَ الْخَالِق الثانى وَخلاف قَول الحايطية من الْقَدَرِيَّة اتِّبَاع احْمَد بن حايط فى قَوْلهم إِن الله تَعَالَى فوض تَدْبِير الْعَالم على عِيسَى بن مَرْيَم وانه هُوَ الْخَالِق الثانى وَقد استقصينا وُجُوه دَلَائِل الْمُوَحِّدين على تَوْحِيد الصَّانِع فى كتاب الْملَل والنحل
وَقَالُوا فِي الرُّكْن الرَّابِع وَهُوَ الْكَلَام فِي الصِّفَات الْقَائِمَة بِاللَّه أَن علم الله تَعَالَى وَقدرته وحياته وارادته وسَمعه وبصره وَكَلَامه صِفَات لَهُ أزلية ونعوت لَهُ أبدية وَقد نفت الْمُعْتَزلَة عَنهُ جَمِيع الصِّفَات الازلية وَقَالُوا لَيْسَ لَهُ قدرَة وَلَا علم وَلَا حَيَاة وَلَا رُؤْيَة وَلَا ادراك للمسموعات واثبتوا لَهُ كلَاما مُحدثا وَنفى البغداديون عَنهُ الارادة وَأثبت البصريون مِنْهُم لَهُ ارادة حَادِثَة لَا فِي مَحل وَقُلْنَا لَهُم فِي نفى الصّفة نفى الموصون كَمَا أَن فى نفى الْفِعْل نفى الْفَاعِل وَفِي نفى الْكَلَام نفى الْمُتَكَلّم واجمع اهل السّنة على ان قدرَة الله تَعَالَى على المقدورات كلهَا قدرَة وَاحِدَة يقدر بهَا على جَمِيع القدورات على طَرِيق الاختراع دون الِاكْتِسَاب خلاف قَول الكرامية فى دَعْوَاهَا أَن الله تَعَالَى انما يقدر بقدرته
следующие страницы →