Полный текст (708 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
يَده الْخَيط الأرجوان وَسمي زارح تمّ الْفَصْل قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ ثمَّ بعد فُصُول وقصص ذكر أَوْلَاد يَعْقُوب المولودين بالشأم الَّذين دخلُوا مَعَه مصر إِذْ بعث يُوسُف ﵇ فيهم كلهم فَذكر يهوذا وبنيه الثَّلَاثَة الْأَحْيَاء شيلة وفارص وزارح وَذكر لفارص هَذَا نَفسه اثْنَيْنِ وهما حصرون وحامول ابْنا فارص ابْن يهوذا الْمَذْكُور قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَفِي هَذَا الْكَلَام عَار وفضيحة مكذوبة وَكذب فَاحش مفرط الْقبْح فَأَما الْعَار فَالَّذِي ذكر عَن يهوذا من طلبه الزِّنَا بِامْرَأَة لقيها فِي الطَّرِيق على أَن يُعْطِيهَا جدياً ثمَّ جوره فِي الحكم عَلَيْهَا بالحرق فَلَمَّا علم أَنه صَاحب الْخصْلَة أسقط الحكم عَن نَفسه وعنها ثمَّ شنعة أُخْرَى وَهِي قَوْله إِن ونان بن يهوذا لما عرف أَنه لَا ينْسب إِلَيْهِ من يُولد لَهُ من امْرَأَته الَّتِي تزَوجهَا بعد موت أَخِيه جعل يعْزل عَنْهَا وَهَذَا عجب جدا أَن تَلد امْرَأَة رجل من زَوجهَا من لَا ينْسب إِلَيْهِ لَكِن إِلَى غَيره مِمَّن قد مَاتَ قبل أَن يَتَزَوَّجهَا هَذَا فَلَعَلَّ فيهم الْآن ولادات وأنساب فِي كتبهمْ مثل هَذِه فَهَذِهِ وَالله أُمُور سمجة ثمَّ دع يهوذا فَلَيْسَ بنبيا وَلَا يُنكر مِمَّن لَيْسَ نَبيا مثل هَذَا إِنَّمَا الشَّأْن كُله وَالْعجب فِي أَنهم مطبقون بأجمعهم قطعا على أَن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ بن أشماي بن عونين بن يوغز بن بشاي بن مخشون ابْن عمينا ذاب بن نورام بن حصرون بن فارص الْمَذْكُور ابْن يهوذا فَجعلُوا الرسولين الفاضلين مولودين من تِلْكَ الْولادَة الخبيثة رَاجِعين إِلَى ولادَة الزِّنَا ثمَّ أقبح مَا يكون الزِّنَا رجل مَعَ امْرَأَة وَلَده حاشى لله من هَذَا الْإِفْك المفتري وَلَقَد قَالَ لي بَعضهم إِذْ قَرّرته على هَذَا الْفَصْل إِن هَذَا كَانَ مُبَاحا حِينَئِذٍ فَقلت لَهُ فَلم امْتنع من مضاجعتها بعد ذَلِك وَكَيف يكون مُبَاحا وَهِي لم تعرفه بِنَفسِهَا وَلَا عرفهَا عِنْد تِلْكَ الْمُعَامَلَة الخبيثة بالجدي المسخوط وَالرَّهْن الملعون وَإِنَّمَا وَطئهَا على أَنَّهَا زَانِيَة إِذا اغتلم إِلَيْهَا لَا على أَنَّهَا امْرَأَة الْمَيِّت وَلَده إِلَّا إِن قُلْتُمْ إِن الزِّنَا جملَة كَانَ مُبَاحا حِينَئِذٍ فقد قرت عيونكم فَسكت خزيان كالحاً وتالله مَا رَأَيْت أمة تقر بِالنُّبُوَّةِ وتنسب إِلَى الْأَنْبِيَاء مَا ينْسبهُ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة فَتَارَة ينسبون إِلَى إِبْرَاهِيم ﵇ أَنه تزوج إِلَى أُخْته فَولدت لَهُ إِسْحَق ﵉ ثمَّ ينسبون إِلَى يَعْقُوب أَنه تزوج امْرَأَة فدست إِلَيْهِ أُخْرَى لَيست امْرَأَته فَولدت لَهُ أَوْلَادًا مِنْهُم انتسل مُوسَى وَهَارُون وَسليمَان وَغَيرهم من الْأَنْبِيَاء ﵈ ثمَّ ينسبون إِلَى روبان بن يَعْقُوب أَنه زنى بربيبته زوج النَّبِي أَبِيه وَأم أَخَوَيْهِ ثمَّ ينسبون إِلَى نبيه يَعْقُوب ﵇ أَنه فسق بهَا كرها وافتضها غَلَبَة ثمَّ ينسبون إِلَى يهوذا مَا ذكرنَا من زِنَاهُ بِامْرَأَة ولديه فحبلت وَولدت من الزِّنَا ولدا مِنْهُ انتسل دَاوُد وَسليمَان ﵉ ثمَّ ينسبون إِلَى يُوشَع بن نون أَنه تزوج رحب الزَّانِيَة الْمَشْهُورَة الموقفة نَفسهَا للزِّنَا لكل من دب وهب فِي مَدِينَة أرِيحَا ثمَّ ينسبون إِلَى عمرَان بن فهث بن لاوي أَنه تزوج عمته أُخْت وَالِده وَاسْمهَا يوحانذ ولدت لجده بِمصْر فولد لَهُ مِنْهَا هَارُون
стр. 107
ومُوسَى ﵉ هَكَذَا ذكر نَسَبهَا فِي قرب آخر السّفر الرَّابِع ثمَّ ينسبون دَاوُد ﵇ أَنه زنى جهاراً بِامْرَأَة رجل من جنده مُحصنَة وَزوجهَا حَيّ وَأَنَّهَا ولدت مِنْهُ من ذَلِك الزِّنَا ابْنا ذكرا ثمَّ مَاتَ ذَلِك الفرخ الطّيب ثمَّ تزَوجهَا وَهِي أم سُلَيْمَان ابْن دَاوُد ﵉ ثمَّ ينسبون إِلَى أمثون بن دَاوُد ﵉ أَنه فسق بسراري أَبِيه عَلَانيَة أَمَام النَّاس ثمَّ ينسبون إِلَى سُلَيْمَان ﵇ العهر وَأَنه تزوج نسَاء لَا يحل لَهُ زواجهن وَأَنه بنى لَهُنَّ بيُوت الْأَوْثَان وَقرب لَهُنَّ القرابين للأوثان مَعَ مَا ذكرنَا قبل وَنَذْكُر إِن شَاءَ الله تَعَالَى من نسبتهم إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْحَق وَيَعْقُوب ويوسف ﵈ وَلَكِن أَيْن هَذَا مِمَّا فِي توراتهم من نسبتهم لعب الصراع إِلَى الله تَعَالَى مَعَ يَعْقُوب وَالْكذب المفضوح فِيمَا وعده وَأخْبر بِهِ فعلى من يصدق بِشَيْء من كل هَذَا الْإِفْك لعنة الله وغضبه فَأُعْجِبُوا لعَظيم كفر هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَمَا افتراه الْكَفَرَة أسلافهم الإنتان على الله تَعَالَى وعَلى رسله ﵈ ثمَّ على كل كتاب حقق فِيهِ شيءٌ من هَذَا وعَلى كَاتبه لعنة الله وغضبه عدد كل شيءٍ خلق الله فأحمدوا الله معاشر الْمُسلمين على مَا هدَاكُمْ لَهُ من الْملَّة الزهراء الَّتِي لم يشبها تَبْدِيل وَلَا تَحْرِيف وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَأما الكذبة الْفَاحِشَة المفضوحة الَّتِي هِيَ من الْمحَال الْمَحْض والافتراء الْمُجَرّد فَهُوَ مَا أذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فتأملوه تروا عجبا ذكر فِي توراتهم نصا أَن يهوذا بن يَعْقُوب كَانَ مَعَ إخْوَته يرعون أذوادهم إِذْ باعوا أَخَاهُم يُوسُف وَأَن يهوذا أَشَارَ عَلَيْهِم بِبيعِهِ وإخراجه من الْجب ليخلصه بذلك من الْمَوْت ثمَّ ذكر بعد ذَلِك أَن يهوذا اعتزل عَن إخْوَته وَصَارَ مَعَ حيرة العدلامي وَرَأى ابْنة رجل كنعاني اسْمه شوع فَتَزَوجهَا وَولدت لَهُ ولد اسْمه عير ثمَّ ولدا آخر اسْمه أونان ثمَّ ولدا آخر اسْمه شيلة كَمَا ذكرنَا آنِفا حرفا حرفا وَذكر بعد ذَلِك أَن عير تزوج امْرَأَة اسْمهَا ثامار وَدخل بهَا وَكَانَ مذنباً وَلذَلِك قَتله الله تَعَالَى فَزَوجهَا من أَخِيه أونان فَكَانَ يعْزل عَنْهَا فَمَاتَ لذَلِك وَبقيت أرملة ليكبر شيلة وَتزَوج مِنْهُ وَأَن شيلة كبر وَلم تزوج مِنْهُ وَقد اعْترف بذلك يهوذا إِذْ قَالَ هِيَ أعدل مني إِذْ منعتها شيلة ابْني وَذكر بعد ذَلِك أَنَّهَا تحيلت حَتَّى زنت بيهوذا نَفسه وَالِد زَوجهَا وحبلت مِنْهُ وَولدت مِنْهُ توءمين فارص وزارح كَمَا ذكرنَا قبل ثمَّ ذكر بعد ذَلِك نسل يَعْقُوب وَأَوْلَاد أَوْلَاده المولودين بِالشَّام ودخلوا مَعَه مصر فَذكر فيهم حصرون وحامول ابْني فارص بن يهوذا فاضبطوا هَذَا وَذكر فِي توراتهم أَن يُوسُف ﵇ إِذْ بلغ سِتّ عشرَة سنة كَانَ يرْعَى ذوداً مَعَ إخْوَته عِنْد أَبِيه وَأَنَّهُمْ باعوه فصح أَنه كَانَ ابْن سبع عشرَة سنة إِذْ باعوه وَهَكَذَا ذكر فِي توراتهم ثمَّ ذكر فِي توراتهم أَن يُوسُف ﵇ كَانَ إِذا دخل على فِرْعَوْن وَفسّر لَهُ رُؤْيَاهُ فِي الْبَقَرَات والسنابل وولاه أَمر مصر ابْن ثَلَاثِينَ سنة ثمَّ ذكر فِي توراتهم أَن يُوسُف ﵇ كَانَ إِذْ دخل أَبوهُ مصر مَعَ جَمِيع أَهله ابْن تسع وَثَلَاثِينَ سنة هَذَا مَنْصُوص فِيهَا بِلَا خلاف من وَاحِد مِنْهُم فصح يَقِينا أَنه لم يكن بَين دُخُول يَعْقُوب مَعَ نَسْله مصر وَبَين بيع يُوسُف إِلَّا اثْنَان وَعِشْرُونَ سنة وَرُبمَا أشهر يسيرَة زَائِدَة لَا أقل وَلَا أَكثر هَذَا حِسَاب ظَاهر لَا يخفى على جَاهِل وَلَا عَالم وَقد
стр. 108
ذكر فِي توراتهم أَن فِي هَذِه الْمدَّة تزوج يهوذا بنت شوع وَولدت لَهُ ولدا ثمَّ ثَانِيًا ثمَّ ثَالِثا وَأَن الْأَكْبَر بلغ فزوج زَوْجَة ثمَّ مَاتَ بِعَدَد دُخُوله بهَا فزوجت بعده من أَخِيه فَكَانَ يعْزل عَنْهَا فَمَاتَ وَبقيت مُدَّة حَتَّى كبر الثَّالِث وَلم تزوج مِنْهُ فزنت بيهوذا وَالِد زَوجهَا فولد لَهُ مِنْهَا توءمان ثمَّ ولد لأحد ذَيْنك التوءمين ابْنَانِ وَهَذَا محَال مُمْتَنع لَا خَفَاء بِهِ لَا يُمكن الْبَتَّةَ فِي طبيعة بني بشر وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ فِي الجبلة والبنية بِوَجْه من الْوُجُوه هبك أَن يهوذا اعتزل عَن إخْوَته وَتزَوج بنت شوع بائر بيع يُوسُف بِيَوْم وحبلت زَوجته وَولدت لَهُ الْوَلَد الْأَكْبَر فِي عامها الثَّانِي ثمَّ الثَّانِي فِي عَام آخر ثمَّ الثَّالِث فِي عَام ثَالِث وهبك أَن الْأَكْبَر زوج وَله اثْنَا عشر عَاما من جملَة اثْنَيْنِ وَعشْرين عَاما وَبَقِي مَعهَا مَا بَقِي ثمَّ زوجت منن الثَّانِي وَله اثْنَا عشر عَاما فَبَقيَ يعْزل عَنْهَا لِئَلَّا ينْسب إِلَى أَخِيه من يُولد لَهُ مِنْهَا ثمَّ مَاتَ وَبقيت تنْتَظر أَن يكبر شيلة وَتزَوج مِنْهُ حَتَّى طَال عَلَيْهَا وَرَأَتْ أَنه قد كبر وَلم تزوج مِنْهُ وَهَذَا لَا يكون الْبَتَّةَ فِي أقل من عَام فَهَذِهِ أَرْبَعَة عشر عَاما ثمَّ زنت بيهوذا فَحملت فَولدت فَهَذَا عَام أَو أقل بِيَسِير فَلم يبْق من الِاثْنَيْنِ وَعشْرين عَاما إِلَّا سَبْعَة أَعْوَام إِلَى ثَمَانِيَة أَعْوَام لَا أَكثر الْبَتَّةَ فَمن الْمحَال الْمُمْتَنع فِي الْعقل أَن يُوجد لرجل ابْن ثَمَان سنَن أَو سبع سِنِين ولدان مَا رَأَيْت أَجْهَل بِالْحِسَابِ من الَّذِي عمل لَهُم التَّوْرَاة وحاشى لله أَن يكون هَذَا الْخَبَر الْبَارِد الْكَاذِب عَن الله تَعَالَى أَو عَن مُوسَى ﵇ وَلَا عَن إِنْسَان يعقل مَا يَقُول ويستحي من تعمد الْكَذِب الفاضح ونسأل الله الْعَافِيَة
فصل
وَبعد ذَلِك ذكر عدد بني يَعْقُوب المولودين بالشأم عِنْد خَاله لابان الداخلين مَعَه مصر فَذكر الَّذين ولدت لَهُ ليئة وهم سِتّ ذُكُور وَابْنَة وَاحِدَة وَذكر أَوْلَاد هَؤُلَاءِ السِّتَّة وَسَمَّاهُمْ فَذكر لرأوبين أَرْبَعَة ذُكُور ولشمعون سِتَّة ذُكُور وللاوي ثَلَاثَة ذُكُور وليهوذا ثَلَاثَة ذُكُور وَابْني ابْن لَهُ فهم خَمْسَة وليساخر أَرْبَعَة ذُكُور ولزابلون ثَلَاثَة ذُكُور الْمُجْتَمع من بني ليئة فِي نَص توراتهم بعقب تسميتهم هَؤُلَاءِ بَنو ليئة وَعدد أَوْلَادهَا وبناتها ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ هَكَذَا نَص توراتهم وَهَذَا خطاء فِي الْحساب تَعَالَى الله عَن أَن يخطىء فِي الْحساب أَو أَن يخطىء فِيهِ مُوسَى ﵇ فصح أَنَّهَا من توليد جَاهِل غث أَو من عابث سخر بهم وكشف سواءتهم
فصل
ثمَّ ذكر بعد هَذَا أَوْلَاد راحيل فَذكر يُوسُف وبنيامين وبنيهما قَالَ وهم أَرْبَعَة عشر وَذكر أَوْلَاد زلفي عَاد وَأَشَارَ وبنيهما قَالَ وهم سِتَّة عشر وَذكر أَوْلَاد بلهة دَان نفتالى وبنيهما قَالَ وهم سَبْعَة ثمَّ وصل ذَلِك بِأَن قَالَ وَعدد نسل يَعْقُوب الَّذين دخلُوا مَعَه مصر سوى نسَاء أَوْلَاده سِتَّة وَسِتُّونَ وابنا يُوسُف اللَّذَان ولدا لَهُ بِمصْر اثْنَان فَجَمِيع الداخلين مصر سَبْعُونَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا خطأ فَاحش لِأَن الْمُجْتَمع من الْأَعْدَاد الْمَذْكُورَة تِسْعَة وَسِتُّونَ فَإِذا سَقَطت مِنْهُم وَلَدي يُوسُف اللَّذَان ولدا لَهُ بِمصْر بَقِي سَبْعَة وَسِتُّونَ وَهُوَ يَقُول سِتَّة وَسِتُّونَ فَهَذِهِ كذبة ثمَّ قَالَ فَجَمِيع الداخلين مَعَه إِلَى مصر سَبْعُونَ فَهَذِهِ كذبة ثَانِيَة وَقد قدمنَا أَن الَّذِي عمل لَهُم التَّوْرَاة كَانَ ضَعِيف البصارة بِالْحِسَابِ وَلَيْسَت هَذِه صفة الله وَلَا صفة من مَعَه مسكة عقل تردعه عَن الْكَذِب وتعمده على الله تَعَالَى وَعَن تكلّف
стр. 109
مَا لَا يحسن وَلَا يقوم بِهِ وَذكر فِي هَذَا الْ فَصْل قصَّة أُخْرَى فِيهَا الِاعْتِرَاض إِلَّا أَنَّهَا تخرج على وَجه مَا فَلذَلِك لم نفرد لَهَا فصلا وَهِي أَنه ذكر أَوْلَاد بنيامين فَقَالَ بالع وباكر واشبيل واجير ونعمان وابجي وروش ومفيم وحفيم وَارِد ثمَّ ذكر فِي السّفر الرَّابِع من توراتهم فَذكر بالع واشبيل واجير ومفيم وحفيم فَقَط ثمَّ قَالَ وابنا بالع ازد ونعمان ابْني بالع فَإِن لم يكن هَذَا على أَنه لم ينسل من أُولَئِكَ الْعشْرَة إِلَّا خَمْسَة الَّذين ذكرهم فِي الرَّابِع وَإِن ازد ونعمان ابْني بالع هما غير ازد ونعمان ابْني بنيامين وَإِلَّا فَهِيَ كذبة وَقد قُلْنَا إِن كل مَا يُمكن تَخْرِيجه بِوَجْه وَإِن بعد فلسنا نخرجهُ فِي فضائح كِتَابهمْ المكذوب
فصل
ثمَّ ذكر بركَة يَعْقُوب ﵇ على بنيه وَأَنه وضع يَده الْيُمْنَى على رَأس افرايم ابْن يُوسُف واليسرى على رَأس منسي بن يُوسُف وَإِن ذَلِك شقّ على يُوسُف ﵇ وَقَالَ لَا يحسن هَذَا يَا أَبَت لِأَن هَذَا بكر وَلَدي فَاجْعَلْ يَمِينك عَن رَأسه يَعْنِي منسي فكره ذَلِك يَعْقُوب وَقَالَ علمت يَا بني علمت وستكثر ذُرِّيَّة هَذَا وتعظم وَلَكِن أَخُوهُ الْأَصْغَر يكون أَكثر مِنْهُ نَسْلًا وعدداً يَعْنِي أَن افرايم يكون عدد نَسْله أَكثر من عدد نسل منسي ثمَّ ذكر فِي مصحف يُوشَع أَن بني منسي كَانُوا إِذا دخلُوا الشَّام وَقسمت عَلَيْهِم الأَرْض اثْنَيْنِ وَخمسين ألف مقَاتل وَسَبْعمائة وَإِن بني أفرايم كَانُوا حِينَئِذٍ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألفا وَخَمْسمِائة وَذكر فِي كتاب لَهُم مُعظم عِنْدهم اسْمه سفطيم أَنه ذكر بني إِسْرَائِيل قبل دَاوُد ﵇ أَرْبَعَة من مُلُوك بني منسي وَأَرْبَعَة من بني أفرايم وَأَن من جملَة بني منسي الْمَذْكُورين رجلا اسْمه مِفْتَاح بن علفاذ قتل من بني أفرايم اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين ألف مقَاتل حَتَّى كَاد يَسْتَأْصِلهُمْ وَفِي كتاب لَهُم آخر مُعظم عِنْدهم أَيْضا اسْمه ملاخيم أَنه ملك عشرَة أَسْبَاط من بني إِسْرَائِيل بعد سُلَيْمَان ﵇ إِلَى أَن ذهب الأسباط الْمَذْكُورين وَسبوا من بني أفرايم ملكَيْنِ كَانَت مدتهما جَمِيعًا سِتَّة وَعشْرين سنة فَقَط وهما باريعام وَابْنه باباط ووليهم من بني منشا خَمْسَة مُلُوك واتصلت دولتهم مائَة عَام وعامين وهم زحربا بن يربعم بن يؤاش بن يَهو ياحاز بن يَهو كلهم ملك بن ملك بن ملك بن ملك بن ملك وَلم يكن فِيمَن ملك الأسباط الْعشْرَة أقوى ملكا من هَؤُلَاءِ المنشانين وَهَذَا ضد قَول يَعْقُوب الَّذِي حكوه عَنهُ وحاشى لله أَن يكذب نَبِي فِيمَا ينذر بِهِ من الله فَإِن قَالُوا إِن يُوشَع بن نون وربور انسه وملحي المورشي النَّبِي كلهم كَانَ من بني أفرايم وَكَانَ بَنو أفرايم إِذْ أخرجُوا من مصر أَرْبَعِينَ ألف مقَاتل وَخَمْسمِائة مقَاتل ومائتي مقَاتل وَكَانَ بَنو منشا يَوْمئِذٍ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألف مقَاتل ومائتي مقَاتل قُلْنَا لم تَذكرُوا أَن يَعْقُوب قَالَ يكون الشّرف فِي نسل أفرايم إِنَّمَا حكيتم أَنه قَالَ إِن أفرايم يكون أَكثر نَسْلًا وعددا من منشا على التَّأْبِيد والعموم وإيصال الْبركَة لَا على وَقت خَاص قَلِيل ثمَّ يعود الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك فَتبْطل الْبركَة وَيصير الْمُبَارك مُدبرا وَالْمُدبر مُبَارَكًا فِي الْأَبَد
فصل
ثمَّ ذكر عَن يَعْقُوب ﵇ أَنه قَالَ لرأوبين فِي ذَلِك الْوَقْت أَنْت أول الْمَوَاهِب مفضل فِي الشّرف فِي الْعِزّ وَلَا تفضل منهملة مَاء
стр. 110
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا كَلَام يكذب أَوله آخِره
ثمَّ ذكر أَنه ﵇ قَالَ ليهوذا حِينَئِذٍ لَا تَنْقَطِع من يهوذا المخصرة وَلَا من نَسْله قَائِد حَتَّى يأتيني الْمَبْعُوث الَّذِي هُوَ رَجَاء الْأُمَم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا كذب قد انْقَطَعت من ولد يهوذا المخصرة وانقطعت من نَسْله القواد وَلم يَأْتِ الْمَبْعُوث الَّذِي هُوَ رجاءهم وَكَانَ انْقِطَاع الْملك من ولد يهوذا من عهد بخت نصر مذ أَزِيد من ألف عَام وَخَمْسمِائة عَام إِلَّا مُدَّة يسيرَة وَهِي مُدَّة زرباءيل بن صلثاءيل فَقَط وَقد قررت على هَذَا الْ فَصْل أعلمهم وأجدلهم وَهُوَ أشموال بن يُوسُف اللاوي الْكَاتِب الْمَعْرُوف بِابْن النفرال فِي سنة أَربع وَأَرْبَعمِائَة فَقَالَ لي لم تزل رُؤْس الجواليت ينتسلون من ولد دَاوُود وهم من بني يهوذا وَهِي قيادة وَملك ورياسة فَقلت هَذَا خطأ لِأَن رَأس الجالوت لَا ينفذ أمره على أحد من الْيَهُود وَلَا من غَيرهم وَإِنَّمَا هِيَ تَسْمِيَة لَا حَقِيقَة لَهَا وَلَا لَهُ قيادة وَلَا بِيَدِهِ مخصرة فَكيف وَبعد احرب بِابْن برام لم يكن من بني يهوذا وَال أصلا مُدَّة من سِتَّة أَعْوَام ثمَّ بعده نَشأ الملقب صدقيا بن يوشا لم يكن مِنْهُم لأحد لَهُ معِين وَلَا من يملك على أحد اثْنَيْنِ وَسبعين عَاما مُتَّصِلَة حَتَّى ولي زرباييل ثمَّ انْقَطع الْوُلَاة مِنْهُم جملَة لَا رَأس جالوت وَلَا غَيره مُدَّة وُلَاة الهارونيين ملكا ملكا مئين من السنين لَيْسَ لأحد من يهوذا فِي ذَلِك أَمر إِلَى دولة الْمُسلمين أَو قبلهَا بِيَسِير فأوقعوا اسْم رَأس الجالوت على رجل من بني دَاوُد إِلَى الْيَوْم إِلَّا أَن بعض المؤرخين القدماء ذكر أَن هردوس وابنيه وَابْن ابْنه اعريفاس بن اعريفاس كَانُوا من بني يهوذا وَالْأَظْهَر أَنهم من الرّوم عِنْد كل مؤرخ فَظهر كذب هَؤُلَاءِ الأنذال بِيَقِين وحاشى لله أَن يكذب نَبِي
فصل
ثمَّ ذكر أَن يَعْقُوب ﵇ قَالَ للاوي وشمعون سأبددهما فِي يَعْقُوب وأفرقهما فِي إِسْرَائِيل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ أما لاوي فَكَانَ نَسْله مبدداً فِي بني إِسْرَائِيل كَمَا ذكر وَأما بَنو شَمْعُون فَلَا بل كَانُوا مُجْتَمعين فِي الْبَلَد الَّذِي وَقع لَهُم كَسَائِر الأسباط وَلَا فرق وَلَيْسَ إنذار النُّبُوَّة مِمَّا يكذب فِي قصَّة وَيصدق فِي أُخْرَى هَذِه صِفَات إنذارات الْحساب القاعدين على الطّرق للنِّسَاء وَلمن لَا عقل لَهُ
فصل
وَقَالَ فِي السّفر الثَّانِي من توراتهم أَن الله تَعَالَى قَالَ لمُوسَى ﵇ قل لفرعون السَّيِّد يَقُول لإسرائيل بكر وَلَدي وَيَقُول لَك ائْذَنْ لوَلَدي ليخدمني وَإِن كرهت الْآن سأهلك بكر ولدك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا عجب ناهيك بِهِ لَيْت شعري ماذ يُنكرُونَ على النَّصَارَى بعد هَذَا وَهل طرق لِلنَّصَارَى سَبِيل الْكفْر فِي أَن يجْعَلُوا لله ولدا ونهج لَهُم طَرِيق التَّثْلِيث على مَا ذكرنَا قبل هَذَا إِلَّا هَذِه الْكتب الملعونة المبدلة إِلَّا أَن النَّصَارَى لم يدعوا بنوة لله إِلَّا لوَاحِد أَتَى بمعجزات عَظِيمَة وَأما هَذِه الْكتب السخيفة وكل من
стр. 111
تدين بهَا فَإِنَّهُم ينسبون بنوةً لله إِلَى جَمِيع بني إِسْرَائِيل وهم أوسخ الْأُمَم وأرذلهم وكفرهم أوحش وجهلهم أفحش
فصل
ثمَّ ذكر أَن هَارُون ألْقى الْعَصَا بَين يَدي فِرْعَوْن وعبيده فَصَارَت حَيَّة فدعى فِرْعَوْن بالعلماء والسحرة وفعلوا بالرقى الْمصْرِيّ مثل ذَلِك وَلَكِن عَصا مُوسَى ازدرت عصيهم ثمَّ ذكر مُوسَى وَهَارُون فعلا مَا أَمرهمَا السَّيِّد فَرفع الْعَصَا وَضرب بهَا مَاء النَّهر بَين يَدي فِرْعَوْن وعبيده فَعَاد دَمًا وَمَات كل حوت فِيهِ ونتن النَّهر وَلم يجد المصريون سَبِيلا إِلَى الشّرْب مِنْهُ وَصَارَ المَاء فِي جَمِيع أَرض مصر دَمًا فَفعل مثل ذَلِك سحرة مصر برقاهم ثمَّ ذكر أَن هَارُون مد يَده على مياه مصر وَخرجت الضفادع مِنْهَا وغطت أَرض مصر فَفعل السَّحَرَة برقاهم مثل ذَلِك وَأَقْبلُوا بالضفادع على أَرض مصر ثمَّ ذكر أَن هَارُون مد يَده بالعصا وَضرب بهَا غُبَار الأَرْض فتخلق مِنْهَا بعوض فِي الْآدَمِيّين والأنعام وَعَاد جَمِيع الْغُبَار بعوضاً فِي جَمِيع أَرض مصر فَلم يفعل السَّحَرَة مثل ذَلِك برقاهم وراموا اختراع البعوض فَلم يقدروا عَلَيْهِ فَقَالَ السَّحَرَة لفرعون هَذَا من صنع الله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذِه الآبدة المصمئلة والصيلم المطبقة وَلَو صَحَّ هَذَا لبطلت نبوة مُوسَى ﵇ بل نبوة كل نَبِي وَلَو قدر السَّحَرَة على شيءٍ من جنس مَا يَأْتِي بِهِ النَّبِي لَكَانَ بَاب السَّحَرَة وَبَاب مدعي النُّبُوَّة وَاحِدًا وَلما انْتفع مُوسَى بازدراء عَصَاهُ لعصييهم وَلَا بعجزهم عَن البعوض وَقد قدرُوا على قلب العصي حيات وعَلى إِعَادَة المَاء دَمًا وعَلى الْمَجِيء بالضفادع وَلما كَانَ لمُوسَى ﵇ عَلَيْهِم بنبوته أَكثر من أَنه أعلم بذلك الْعَمَل مِنْهُم فَقَط وَلَو كَانَ كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ الكذابون الملعونون لَكَانَ فِرْعَوْن صَادِقا فِي قَوْله إِنَّه لكبيركم الَّذِي علمكُم السحر وَلَا مَنْفَعَة لَهُم فِي قَول السَّحَرَة فِي البعوض هَذَا صنع الله لِأَنَّهُ يُقَال لبني إِسْرَائِيل فعلى مُوجب قَول السَّحَرَة لم يكن من صنع الله قلب الْعَصَا حَيَّة وَالْمَاء دَمًا والمجيء بالضفادع بل من غير صنع الله وَهَذِه عَظِيمَة تقشعر مِنْهَا الْجُلُود أَيْن هَذَا الْإِفْك المفترى الْبَارِد من نور الْحق الباهر إِذْ يَقُول الله ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كيد سَاحر﴾ وَإِذ يَقُول تَعَالَى ﴿وَجَاء السَّحَرَة فِرْعَوْن قَالُوا إِن لنا لأجراً إِن كُنَّا نَحن الغالبين قَالَ نعم وَإِنَّكُمْ لمن المقربين قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تلقي وَإِمَّا أَن نَكُون نَحن الملقين قَالَ ألقوا فَلَمَّا ألقوا سحروا أعين النَّاس واسترهبوهم وجاؤوا بِسحر عَظِيم وأوحينا إِلَى مُوسَى أَن ألق عصاك فَإِذا هِيَ تلقف مَا يأفكون فَوَقع الْحق وَبَطل مَا كَانُوا يعْملُونَ فغلبوا هُنَالك وانقلبوا صاغرين وَأُلْقِي السَّحَرَة ساجدين قَالُوا آمنا بِرَبّ الْعَالمين رب مُوسَى وَهَارُون﴾ وَإِذ يَقُول تَعَالَى ﴿فَإِذا حبالهم وعصيهم يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى﴾ فَأخْبر أَن الَّذِي عمل
стр. 112
ومسى حق وَأَن عَصَاهُ صَارَت ثعباناً على الْحَقِيقَة بقوله تَعَالَى ﴿فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين﴾ فصح أَنه تبين ذَلِك لكل من رَآهُ يَقِينا وَأخْبر أَن الَّذِي عمل السَّحَرَة إِنَّمَا هُوَ إفْك وتخييل وَكيد وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي تشهد بِهِ الْعُقُول لَا مَا فِي الْكتاب الْمُبدل المحرف فصح أَن فعل السَّحَرَة حِيلَة مموهة لَا حَقِيقَة لَهَا وَهَذَا الَّذِي يُصَحِّحهُ الْبُرْهَان إِذْ لَا يحِيل الطبائع إِلَّا خَالِقهَا شَهَادَة لرسله وأنبيائه وفرقاً بَين الصدْق وَالْكذب لَا قَوْلهم عمل السَّحَرَة مثل مَا عمل مُوسَى فِي وَقت تَكْلِيفه برهانٌ على صدق قَوْله وَعند تحديه لَهُم على أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ إِن كَانُوا صَادِقين وَهُوَ كَاذِب فَأتوا بِمثلِهِ فانظروا النتيجة يَرْحَمكُمْ الله هَذِه سُورَة تشهد شَهَادَة قَاطِعَة صَادِقَة بِأَن صانع ذَلِك الْكتاب الملعون المكذوب الَّذِي يسمونه الحماس وَيدعونَ أَنه توراة مُوسَى ﵇ إِنَّمَا كَانَ زنديقاً مستخفاً بالباري تَعَالَى وَرُسُله وَكتبه وحاش لمُوسَى ﷺ مِنْهُ وَأَنَّهُمْ إِلَى الْآن يَزْعمُونَ أَن إِحَالَة الطبائع وقلب الْأَجْنَاس عَن صفاتها الذاتية إِلَى أَجنَاس أخر واختراع الْأُمُور فِي المعجزات الْبَيِّنَة يقدر على ذَلِك بالرقي والصناعات وَعَلمُوا أَن من صدق بِهَذَا مُبْطل للنبوة بِلَا مرية إِذْ لَا فرق بَين النَّبِي وَغَيره إِلَّا فِي هَذَا الْبَاب فَإِذا أمكن لغير النَّبِي فَلم يبْق إِلَّا دَعْوَى لَا برهَان عَلَيْهَا ونعوذ بِاللَّه من الضلال وَلَقَد شاهدناهم متفقين إِلَى الْيَوْم على أَن رجلا من عُلَمَائهمْ بِبَغْدَاد دخل من بَغْدَاد إِلَى قُرَيْظَة فِي يَوْم وَاحِد وَأنْبت قرنين فِي رَأس رجل من بني الإسكندري كَانَ سَاكِنا بِقرب دَار الْيَهُود عِنْد فندق الحرقة كَانَ يُؤْذِي يهود تِلْكَ الْجِهَة ويسخر مِنْهُم وَهَذِه كذبة وفضيحة لَا نَظِير لَهَا والموضع مَشْهُور عندنَا بقرطبة دَاخل الْمَدِينَة وَبَنُو عبد الْوَاحِد بن يزِيد الإسكندري من بَيته رفيعة مَشْهُورَة أدركنا آخِرهم كَانَت فيهم وزارة وعمالة لَيْسَ فيهم مغمور وَلَا خَفِي إِلَى أَن بادوا مَا عرف قطّ أحد مِنْهُم هَذِه الأحموقة الْمُخْتَلفَة وَالْقَوْم بِالْجُمْلَةِ أكذب الْبَريَّة أسلافهم وأخلافهم وعَلى كَثْرَة مَا شاهدنا مِنْهُم مَا رَأَيْت فيهم قطّ متحرياً للصدق إِلَّا رجلَيْنِ فَقَط
فصل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَفِي قصَّة قلب المَاء دَمًا فضيحة أُخْرَى ظَاهِرَة الْكَذِب وَهِي أَن فِي نَص الْكَلَام الَّذِي يزعمونه التَّوْرَاة ثمَّ قَالَ السَّيِّد لمُوسَى قل لهارون مد يدك بالعصا على مياه مصر وأنهارها وأوديتها ومروجها وجناتها لتعود دَمًا وَتصير مَاء فِي آنِية التُّرَاب والخشب دَمًا فَفعل مُوسَى وَهَارُون كَمَا أَمرهمَا السَّيِّد إِلَى قَوْله وَصَارَ المَاء فِي جَمِيع أَرض مصر دَمًا فَفعل مثل ذَلِك سحرة مصر برقاهم وَاشْتَدَّ قلب فِرْعَوْن وَلم يسمع لَهما على حَال ثمَّ انْصَرف فِرْعَوْن وَدخل بَيته وَلم يُوَجه قلبه إِلَى هَذَا أَيْضا وحفر جَمِيع المصريين حوالي النَّهر ليصيبوا المَاء مِنْهَا لأَنهم لَا يقدرُونَ على شرب المَاء من النَّهر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا نَص كِتَابهمْ فَأخْبر أَن كل مَاء كَانَ بِمصْر فِي أنهارها وأوديتها ومروجها وجناتها وأواني الْخشب وَالتُّرَاب وَالْمَاء كُله فِي جَمِيع أَرض
стр. 113
مصر صَار دَمًا فَأَي مَاء بَقِي حَتَّى تقلبه السَّحَرَة دَمًا كَمَا فعل مُوسَى وَهَارُون أَبى الله إِلَّا فضيحة الْكَذَّابين وخزيهم فَإِن قَالُوا قلبوا مَاء الْآبَار حَتَّى حفرهَا المصريون حول النَّهر قُلْنَا لَهُم فَكيف عَاشَ النَّاس بِلَا مَاء أصلا أَلَيْسَ هَذِه فضائح مرددة وَهل يخفى إِن هَذَا من توليد ضَعِيف الْعقل أَو زنديق مستخف لَا يُبَالِي بِمَا أَتَى بِهِ من الْكَذِب ونعوذ بِاللَّه من الضلال
فصل
وَبعد ذَلِك ذكر الله تَعَالَى أَمر مُوسَى أَن يَقُول لفرعون سَتَكُون يَدي على مكسبك الَّذِي لَك فِي الفحوص وخيلك وحميرك وجمالك وبقرك وأغنامك بوباء شَدِيد وَيظْهر السَّيِّد هَذَا فِي الأَرْض فَفعل السَّيِّد ذَلِك فِي يَوْم آخر وَمَاتَتْ جَمِيع دَوَاب المصريين وَلم يمت لبني إِسْرَائِيل دَابَّة فَاشْتَدَّ قلب فِرْعَوْن وَلم يَأْذَن لَهُم ثمَّ ذكر بعد ذَلِك أَمر الله تَعَالَى مُوسَى بِأَن يَأْخُذ مَا حملت الْكَفّ من رماد الكانون وَيُلْقِيه إِلَى السَّمَاء بَين يَدي فِرْعَوْن ليصير غباراً فِي جَمِيع أَرض مصر فَيكون فِي الْآدَمِيّين والأنعام خراجات ونفاطات فَأخذ رَمَادا من كانون ووقف بَين يَدي فِرْعَوْن ورماه مُوسَى إِلَى السَّمَاء وَصَارَت مِنْهُ نفاطات فِي الْآدَمِيّين والأنعام وَلم تقدر السَّحَرَة على الْوُقُوف عِنْد مُوسَى لما كَانَ أَصَابَهُم من ألم النفاطات وَكَانَ مثل ذَلِك فِي جَمِيع أَرض مصر والسحرة فَشدد الله قلب فِرْعَوْن وَلم يسمع لَهما على حَال مَا عهد السَّيِّد إِلَى مُوسَى وَبعد ذَلِك قَالَ إِن الله أَمر مُوسَى أَن يَقُول لفرعون غَدا هَذَا الْوَقْت أمطر بردا كثيرا جدا لم ينزل مثله على مصر من الْيَوْم الَّذِي أسست فِيهِ إِلَى هَذَا الْوَقْت فَابْعَثْ واجمع أنعامك وكل من تملكه فِي الفدان فَكل مَا أدْركهُ الْبرد فِي الفدان وَلم يدْخل الْبيُوت فَمن خَافَ وَعِيد السَّيِّد من عبيد فِرْعَوْن أَدخل عبيده وأنعامه فِي الْبيُوت وَمن استهان بوعيد السَّيِّد أبقى عبيده وأنعامه فِي الفدان وَقَالَ السَّيِّد لمُوسَى مد يدك إِلَى السَّمَاء لينزل الْبرد فِي جَمِيع أَرض مصر فَمد مُوسَى يَده بالعصا فَأتى السَّيِّد بالرعد وَالْبرد الْمُخْتَلف على الأَرْض ثمَّ أمطر السَّيِّد الْبرد فِي جَمِيع أَرض مصر مخلوطاً بِنَار وَلم ينزل بعظمة فِي تِلْكَ الأَرْض من حِين سكن ذَلِك الْجِنْس فَأهْلك الْبرد فِي جَمِيع أَرض مصر كل مَا ظهر بِهِ فِي الْفَدادِين من الْآدَمِيّين والأنعام وَجَمِيع عشبهما وَكسر جَمِيع شَجَرهَا وَلم ينزل مِنْهُ شَيْء فِي أَرض قَوس حَيْثُ كَانُوا بَنو إِسْرَائِيل
стр. 114
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ تأملوا هَذَا الْكَذِب الهجين اللائح ذكر أَولا أَن مُوسَى أَتَى بالوباء وَأخْبر عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ لفرعون سأهلك مكسبك الَّذِي فِي الفحوص وخيلك وحميرك وجمالك وبقرك وأغنامك فعمم جَمِيع النَّاس مَا أَدخل فِي الْبيُوت وَمَا لم يدْخل يعم جَمِيع الْحَيَوَان صنفا صنفا ثمَّ أخبر أَن جَمِيع دَوَاب المصريين مَاتَ وَلم تمت لبني إِسْرَائِيل وَلَا دَابَّة ثمَّ ذكر أَمر النفاطات ثمَّ ذكر أَمر الْبرد وَأَن مُوسَى أنذر فِرْعَوْن من الله تَعَالَى وَأمره بِإِدْخَال أنعامه فِي الْبيُوت وَأَن مَا أدْرك الْبرد مِنْهَا فِي الفحص يهْلك فليت شعري أَي دَابَّة بقيت لفرعون وَأهل مصر وَقد ذكر أَن الوباء أهلك جَمِيعهَا وَأَيْنَ الْإِبِل وَالْحمير وَالْخَيْل وَالْغنم وَالْبَقر أَلَيْسَ هَذَا عجبا وَلَيْسَ يُمكن أَن يَقُول إِن دَوَاب بني إِسْرَائِيل هَلَكت آخرا إِذْ سلمت أَولا لِأَنَّهُ قد بَين أَنه لم يَقع من الْبرد شيءٌ فِي أَرض قَوس حَيْثُ سُكْنى بني إِسْرَائِيل وَلم يكن بَين آيَة وَآيَة بإقرارهم وَقت يُمكن فِيهِ جلب أنعام إِلَيْهِم من بلد آخر لأه لم يكن بَين آيَة وَآيَة إِلَّا يَوْم أَو يَوْمَانِ أَو قريب من ذَلِك ومصر وَاسِعَة الْأَعْمَال وَلَا تتصل بشيءٍ من العمائر بل بَين جَمِيع انْتِهَاء أقطارها من كل جِهَة وَبَين أقرب العمائر إِلَيْهَا مسيرَة أَيَّام كَثِيرَة كالشام وبلاد الغرب وَأَرْض النّوبَة والسودان وأفريقة فَظهر كذب من عمل ذَلِك الْكتاب الْمُبدل المحرف المفترى الَّذِي يزعمونه التَّوْرَاة وحاش لله من ذَلِك وَالْحَمْد لله على السَّلامَة من مثل عَمَلهم وضلالهم كثيرا
فصل
وَبعد ذَلِك قَالَ وَكَانَ مسكن بني إِسْرَائِيل بِمصْر أَرْبَعمِائَة وَثَلَاثِينَ سنة فَلَمَّا انْقَضتْ هَذِه السنون خرج ذَلِك الْيَوْم معسكر السَّيِّد من أَرض مصر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذِه فضيحة الدَّهْر وشهرة الْأَبَد قاصمة الظّهْر يَقُول هَا هُنَا إِن مسكن بني إِسْرَائِيل بِمصْر أَرْبَعمِائَة سنة وَثَلَاثُونَ سنة وَقد ذكر قبل أَن قاهاث بن لاوي دخل مصر مَعَ جده يَعْقُوب وَمَعَ أَبِيه لاوي وَمَعَ سَائِر أَعْمَامه وَبني أَعْمَامه وَإِن عمر قاهاث بن لاوي الْمَذْكُور كَانَ مائَة سنة وَثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ سنة وَأَن عمرَان بن قاهاث بن لاوي الْمَذْكُور كَانَ إِلَّا خرج ببني إِسْرَائِيل من مصر مَعَ نَفسه ابْن ثَمَانِينَ سنة هَذَا كُله مَنْصُوص كَمَا نذكرهُ فِي الْكتاب الَّذِي يَزْعمُونَ أَنه التَّوْرَاة فهبك أَن قاهاث دخل مصر ابْن شهر أَو أقل وَأَن عمرَان ابْنه ولد بعد مَوته وَأَن مُوسَى بن عمرَان ولد بعد موت أَبِيه لَيْسَ يجْتَمع من كل ذَلِك إِلَّا ثَلَاثمِائَة عَام وَخَمْسُونَ عَاما فَقَط فَأَيْنَ الثَّمَانُونَ عَاما الْبَاقِيَة من جملَة أَرْبَعمِائَة سنة وَثَلَاثِينَ سنة فَإِن قَالُوا نضيف إِلَى ذَلِك مُدَّة بَقَاء يُوسُف بِمصْر قبل دُخُول أَبِيه وَإِخْوَته قُلْنَا قد بَين فِي التَّوْرَاة أَنه كَانَ إِذْ دَخلهَا ابْن سبع عشرَة سنة وَأَنه كَانَ إِذْ دَخلهَا أَبوهُ وَإِخْوَته ابْن تسع وَثَلَاثِينَ سنة فَإِذن كَانَ مقَامه بِمصْر قبل أَبِيه وَإِخْوَته اثْنَيْنِ وَعشْرين سنة ضمهَا إِلَى ثلثمِائة سنة وَخمسين سنة يقوم من الْجَمِيع بِلَا شكّ ثَلَاثمِائَة وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ سنة أَيْن الثماني وَالْخَمْسُونَ الْبَاقِيَة من أَرْبَعمِائَة وَثَلَاثِينَ
стр. 115
سنة هَذِه شهرة لَا نَظِير لَهُ وَكذب لَا يخفى على أحد وباطل يقطع بِأَنَّهُ لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يَعْتَقِدهُ أحد فِي رَأسه شيءٌ من دماغ صَحِيح لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يكذب الله تَعَالَى فِي دقيقة وَلَا أَن يكذب رَسُوله ﷺ عَامِدًا وَلَا مخطئاً فِي دقيقة فيقره الله تَعَالَى على ذَلِك فَكيف وَلَا بُد أَن يسْقط من هَذِه الْمدَّة سنّ قاهاث إِذْ ولد لَهُ عمرَان وَسن عمرَان إِذْ ولد لَهُ مُوسَى ﵇ وَالصَّحِيح الَّذِي يخرج على نُصُوص كتبهمْ أَن مُدَّة بني إِسْرَائِيل مذ دخل يَعْقُوب وَبَنوهُ مصر إِلَى أَن خَرجُوا مِنْهَا مَعَ مُوسَى ﵇ لم تكن إِلَّا مِائَتي عَام وَسَبْعَة عشر عَاما فَهَذِهِ كذبة فِي مِائَتي عَام وَثَلَاثَة عشر عَاما وَلَو لم يكن فِي توراتهم إِلَّا هَذِه الكذبة وَحدهَا لكفت فِي أَنَّهَا مَوْضُوعَة مبدلة من حمَار فِي جَهله أَو مستخف سخر بهم وَلَا بُد
فصل
وَبعد ذَلِك قَالَ وَعند ذَلِك مجد مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيل بِهَذِهِ السُّورَة وَقَالُوا مجد بِنَا السَّيِّد فَإِنَّهُ يعظم ويشرف وَأغْرقَ فِي الْبَحْر الْفرس وراكبه قوتي ومديحي للسَّيِّد وَقد صَار خلاصي هَذَا إلهي أمجده وإله أبي أعظمه السَّيِّد قَاتل كَالرّجلِ الْقَادِر وَفِي السّفر الْخَامِس اعلموا أَن السَّيِّد إِلَهكُم الَّذِي هُوَ نارٌ أكول
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذِه سوءة من السوءات لتشبيه الله بِالرجلِ الْقَادِر ويخبر بِأَنَّهُ نَار هَذِه مُصِيبَة لَا تجبر وَلَقَد قَالَ بَعضهم أَلَيْسَ الله تَعَالَى يَقُول عنْدكُمْ ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ قلت نعم وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذْ سَأَلَهُ أَبُو ذَر هَل رَأَيْت رَبك فَقَالَ نورٌ أَنى أرَاهُ وَهَذَا بَين ظَاهر أَنه لم يعن النُّور المرئي لَكِن نور لَا يرى فلاح أَن معنى نور السَّمَوَات وَالْأَرْض إِذْ ثَبت أَنه لَيْسَ هُوَ النُّور المرئي الملون أَنه الْهَادِي لأهلهما فَقَط وَأَن النُّور اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى فَقَط وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿مثل نوره كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح الْمِصْبَاح فِي زجاجة﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَلَو لم تمسسه نَار﴾ فَإِنَّهُ شبه نوره الَّذِي يهدي بِهِ أولياءه بِالْمِصْبَاحِ الَّذِي ذكر فَإِنَّهُ شبه مخلوقاً بمخلوق وَبَيَان ذَلِك قَوْله تَعَالَى مُتَّصِلا بالْكلَام الْمَذْكُور فِي الْآيَة نَفسهَا ﴿نور على نور يهدي الله لنوره من يَشَاء﴾ فصح مَا قُلْنَاهُ يَقِينا من أَنه تَعَالَى إِنَّمَا عَنى بنوره هداه للْمُؤْمِنين فَقَط وَهَذَا أصح تَشْبِيه يكون لِأَن نور هداه فِي ظلمَة الْكفْر كالمصباح فِي ظلمَة اللَّيْل
فصل
ثمَّ وصف الْمَنّ النَّازِل عَلَيْهِم من السَّمَاء فَقَالَ وَكَانَ أَبيض شَبِيها بزريعة الكزبر ومذاقه كالسميد المعل ثمَّ قَالَ فِي السّفر الرَّابِع كَانَ الْمَنّ شَبِيها بزريعة الكزبر ولونه إِلَى الصُّفْرَة وَكَانَ طعمه كطعم الْخبز المعجون بالزيت
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا تنَاقض فِي الصّفة واللون والطعم وَإِحْدَى الصفتين تكذب الْأُخْرَى بِلَا شكّ
فصل
وَبعد ذَلِك قَالَ إِن الله قَالَ لبني إِسْرَائِيل لقد رَأَيْتُمُونِي كلكُمْ من السَّمَاء فَلَا تَتَّخِذُوا معي آلِهَة الْفضة ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك ثمَّ صعد مُوسَى وَهَارُون وناداب وابيهو وَسَبْعُونَ رجلا من الْمَشَايِخ ونظروا إِلَى إِلَه إِسْرَائِيل وَتَحْت رجلَيْهِ كلبنة من زمرد فيروزي وكسماء صَافِيَة وَلم يمد الرب يَده إِلَى خِيَار بني
стр. 116
إِسْرَائِيل الَّذين نظرُوا إِلَى الله وأكلوا وَشَرِبُوا وَقَالَ بمقربة من ذَلِك وَكَانَ منظر عَظمَة السَّيِّد كنار آكِلَة فِي قرن الْحِيَل يرَاهُ جمَاعَة من بني إِسْرَائِيل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا تجسيم لَا شكّ فِيهِ وتشبيه لَا خَفَاء بِهِ وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ وَلَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾ وَلَا كَقَوْل رَسُول الله ﷺ ينزل الله ﵎ كل لَيْلَة فِي ثلث اللَّيْل الْبَاقِي إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا لِأَن هَذَا كُله على ظَاهره بِلَا تكلّف تَأْوِيل إِنَّمَا هِيَ أَفعَال يَفْعَلهَا الله تسمى مجيئاً وإتياناً وتنزلاً وَلَا مثل قَوْله تَعَالَى ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ وَسَائِر مَا فِي الْقُرْآن من مثل هَذَا فكله لَيْسَ بِمَعْنى الْجَارِحَة لَكِن على وُجُوه ظَاهِرَة فِي اللُّغَة قد بيناها فِي غير هَذَا الْمَكَان عمدتها إِن كل ذَلِك خبر عَن الله تَعَالَى لَا يرجع بِشَيْء من ذَلِك إِلَى سواهُ أصلا ثمَّ كَيفَ يجْتَمع مَا ذكرنَا عَن توراتهم مَعَ قَوْله فِي السّفر الْخَامِس كلمكم الله من وسط اللهيب فسمعتم صَوته وَلم تروا لَهُ شخصا وَهَاتَانِ قضيتان تكذب كل وَاحِدَة مِنْهُمَا الْأُخْرَى وَلَا بُد
فصل
وَبعد ذَلِك قَالَ فَلَمَّا أَطَالَ مُوسَى الْمقَام اجْتمع بَنو إِسْرَائِيل إِلَى هَارُون وَقَالُوا قُم واعمل لنا إِلَهًا يتقدمنا فإننا لَا نَدْرِي مَا أصَاب مُوسَى الرجل الَّذِي أخرجنَا من مصر فَقَالَ لَهُم هَارُون اقلعوا أقراط الذَّهَب عَن آذان نِسَائِكُم وَأَوْلَادكُمْ وبناتكم وائتوني بهَا فَفَعَلُوا مَا أَمرهم بِهِ وأتوه بالأقراط فَلَمَّا قبضهَا هَارُون أفرغها وَعمل لَهُم مِنْهَا عجلاً وَقَالَ هَذَا إِلَهكُم يَا بني إِسْرَائِيل الَّذِي أخرجكم من مصر فَلَمَّا بصر بهَا هَارُون بنى مذبحاً بَين يَدي الْعجل وبرح مسمعاً غَدا عيد السَّيِّد فَلَمَّا قَامُوا صباحاً قربوا لَهُ قرباناً وأهدوا لَهُ هَدَايَا وَقَعَدت الْعَامَّة تَأْكُل وتشرب وَقَامُوا للعب ثمَّ ذكر إقبال مُوسَى وَأَنه لما تدانى من المعسكر بصر بالعجل وجماعات تتغنى وَبعد ذَلِك ذكر أَنه قَالَ لهارون مَاذَا فعلت بك هَذِه الْأمة إِذْ جعلتم تذنبون ذَنبا عَظِيما فَقَالَ لَهُ هَارُون لَا تغْضب سَيِّدي فَإنَّك تعرف رَأْي هَذِه الْأمة فِي الشَّرّ قَالُوا لي اعْمَلْ لنا إِلَهًا يتقدمنا لأننا نجهل مَا أصَاب مُوسَى الَّذِي أخرجنَا من مصر فَقلت لَهُم من كَانَ عِنْده مِنْكُم ذهب فليقبل بِهِ إِلَيّ وألقيته فِي النَّار وَخرج لَهُم مِنْهُ هَذَا الْعجل فَلَمَّا رأى مُوسَى الْقَوْم قد تعروا وَكَانَ هَارُون قد عراهم بِجَهَالَة قلبه وصيرهم بَين يَدي أعدائهم عُرَاة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا الْفَصْل عَفا على مَا قبله وطم عَلَيْهِ أَن يكون هَارُون وَهُوَ نَبِي مُرْسل يتَعَمَّد أَن يعْمل لِقَوْمِهِ إِلَهًا يعبدونه من دون الله وينادي عَلَيْهِ غَدا عيد السَّيِّد وَيَبْنِي للعجل مذبحاً ويساعدهم على تقريب القربان للعجل ثمَّ يجردهم ويكشف استاههم للرقص وللغناء أَمَام الْعجل إِلَّا أَن تكون أَحَق
стр. 117
استاه كشفت إِن هَذَا لعجبٌ نَبِي مُرْسل كَافِر مُشْرك يعْمل لِقَوْمِهِ إِلَهًا من دون الله أَو يكون الْعجل ظهر من غير أَن يتَعَمَّد هَارُون عمله فَهَذِهِ وَالله معْجزَة كمعجزات مُوسَى وَلَا فرق إِلَّا أَن هَذَا هُوَ الضلال والتلبيس والإشكال والتدليس المبعد عَن الله تَعَالَى إِذْ لَو كَانَ هَذَا لما كَانَ مُوسَى أولى بالتصديق من عَابِد الْعجل الملعون أَتَرَى بعد استخفاف النذل الَّذِي عمل لَهُم هَذِه الخرافة بالأنبياء ﵈ اسْتِخْفَافًا حاش لله من هَذَا أَو ترَوْنَ بعد حمق من يُؤمن بِأَن هَذَا من عِنْد مُوسَى رَسُول الله وكليمه عَن الله تَعَالَى حمقاً نحمد الله على الْعَافِيَة أَيْن هَذَا الهوس الْبَارِد وَالْكذب المفترى من نور الْحق الَّذِي يشْهد لَهُ الْعقل بِالصِّحَّةِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ عَن الله حَقًا إِذْ يَقُول فِي هَذِه الْقِصَّة نَفسهَا مَا لَا يُمكن سواهُ ﴿وَاتخذ قوم مُوسَى من بعده من حليهم عجلاً جسداً لَهُ خوارٌ ألم يرَوا أَنه لَا يكلمهم وَلَا يهْدِيهم سَبِيلا اتخذوه وَكَانُوا ظالمين﴾ وَقَوله ﴿فَكَذَلِك ألْقى السامري فَأخْرج لَهُم عجلاً جسداً لَهُ خوار فَقَالُوا هَذَا إِلَهكُم وإله مُوسَى فنسي أَفلا يرَوْنَ أَلا يرجع إِلَيْهِم قولا وَلَا يملك لَهُم ضراً وَلَا نفعا وَلَقَد قَالَ لَهُم هَارُون من قبل يَا قوم إِنَّمَا فتنتم بِهِ وَإِن ربكُم الرَّحْمَن فَاتبعُوني وَأَطيعُوا أَمْرِي قَالُوا لن نَبْرَح عَلَيْهِ عاكفين حَتَّى يرجع إِلَيْنَا مُوسَى قَالَ يَا هَارُون مَا مَنعك إِذْ رَأَيْتهمْ ضلوا أَلا تتبعن أفعصيت أَمْرِي قَالَ يَا ابْن أم لَا تَأْخُذ بلحيتي وَلَا برأسي إِنِّي خشيت أَن تَقول فرقت بَين بني إِسْرَائِيل وَلم ترقب قولي﴾ وَقَوله ﴿ابْن أم إِن الْقَوْم استضعفوني وكادوا يقتلونني﴾ فَهَذَا هُوَ الصدْق حَقًا إِنَّمَا عمل لَهُم الْعجل الْكَافِر الضال السامري وَأما هَارُون فنهاهم عَنهُ جهده وَإِنَّهُم عصوه وكادوا يقتلونه وَقد بَين الصُّبْح لذِي عينين ولاح صدق قَوْله تَعَالَى من كذب الآفكين وَأما الخوار فقد صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس مَا لَا يجوز سواهُ وَأَنه إِنَّمَا كَانَ دوِي الرّيح تدخل من قبله وَتخرج من دبره وَهَذَا هُوَ الْحق لِأَنَّهُ تَعَالَى أخبر أَنه لَا يكلمهم وَلَو خار من عِنْد نَفسه لَكَانَ ضربا من الْكَلَام ولكانت حَيَاة فِيهِ وَهُوَ محَال إِذْ لَا تكون معْجزَة وَلَا إِحَالَة لغير نَبِي أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
فصل
وَفِي خلال هَذِه الْفُصُول ذكر أَن الله قَالَ لمُوسَى دَعْنِي أغضب عَلَيْهِم وأهلكهم وأقدمك على أمة عَظِيمَة وَأَن مُوسَى رغب إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ تذكر إِبْرَاهِيم وَإِسْرَائِيل وَإِسْحَاق عبيدك الَّذين خلقتهمْ بِيَدِك وَقلت لَهُم سأكثر ذريتكم حَتَّى يَكُونُوا كنجوم السَّمَاء وأورثتهم جَمِيع هَذِه الأَرْض الَّتِي وعدتهم بهَا ويملكونها فحن السَّيِّد وَلم يتم مَا كَانَ أَرَادَ إنزاله من الْمَكْرُوه بأمته
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذَا الْفَصْل عجائب أَحدهَا إخْبَاره بِأَن الله تَعَالَى لم يتم مَا أَرَادَ إنزاله من الْمَكْرُوه بهم وَكَيف يجوز أَن يُرِيد الله إهلاك قوم قد تقدم وعده لَهُم بِأُمُور وَلم يُتمهَا لَهُم بعد وحاش لله من أَن يُرِيد إخلاف وعده فيريد الْكَذِب
стр. 118
وَثَانِيها نسبتهم البدآء إِلَى الله وحاش لله من ذَلِك وَالْعجب من إِنْكَار من أنكر مِنْهُم النّسخ بعد هَذَا وَلَا نكرَة فِي النّسخ لِأَنَّهُ فعل من أَفعَال الله أتبعه بِفعل آخر من أَفعاله مِمَّا قد سبق فِي علمه كَونه كَذَلِك وَهَذِه صفة كل مَا فِي الْعَالم من أَفعاله تَعَالَى وَأما البداء فَمن صِفَات من يهم بالشَّيْء ثمَّ يَبْدُو لَهُ غَيره وَهَذِه صفة المخلوقين لَا صفة من لم يزل لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء يَفْعَله فِي المستأنف وَثَالِثهَا قَوْله فِيهَا ويملكونها وَهَذَا كذب ظَاهر مَا ملكوها إِلَّا مُدَّة ثمَّ خَرجُوا عَنْهَا إِلَى الْأَبَد وَالله تَعَالَى لَا يكذب وَلَا يخلف وعده
فصل
وَبعد هَذَا ذكر أَن الله تَعَالَى قَالَ لمُوسَى اذْهَبْ واصعد من هَذَا الْموضع أَنْت وَأمتك الَّتِي أخرجت من مصر إِلَى الأَرْض الَّتِي وعدت بهَا مقسمًا إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب لأورثها نسلهم وَابعث بَين يَديك ملكا لَا خراج الكنعانيين والأموريين والحثيين والفرزيين والحويين واليبوسيين تدخل فِي أَرض تفيض لَبَنًا وَعَسَلًا لست أنزل مَعكُمْ لأنكم أمة قساة الرّقاب لِئَلَّا تهْلك بِالطَّرِيقِ فَلَمَّا سَمِعت الْعَامَّة هَذَا الْوَعيد الشَّديد عجبت وَلم تَأْخُذ زينتها فَقَالَ السَّيِّد لمُوسَى قل لبني إِسْرَائِيل أَنْتُم أمة قد قست رِقَابكُمْ سَأُنْزِلُ عَلَيْكُم مرّة وأهلككم فضعوا زينتكم لأعْلم مَا أفعل بكم وَبعد ذَلِك بفصول قَالَ إِن مُوسَى قَالَ لله تَعَالَى إِن كنت سَيِّدي عني رَاضِيا فَأَنا أَرغب إِلَيْك أَن تذْهب مَعنا وَبعد ذَلِك أَن الله تَعَالَى قَالَ لمُوسَى سأخرج بنفسي بَين يَديك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذَا الْفَصْل كذبتان وتشبيه مُحَقّق أما الكذبتان فأحدهما قَوْله أَنه سيبعث بَين يَدي مُوسَى ملكا لإِخْرَاج الْأَعْدَاء وَأما هُوَ تَعَالَى فَلَيْسَ ينزل مَعَهم ثمَّ نزل مَعَهم وَهَذَا كذب لَا مخلص مِنْهُ تَعَالَى الله عَن هَذَا وحاش لَهُ من أَن يَقُول سأفعل ثمَّ لَا يفعل وَأَن يَقُول لَا أفعل ثمَّ يفعل وَالثَّانيَِة قَوْله إِنِّي سَأُنْزِلُ إِلَيْكُم مرّة وأهلككم ثمَّ لم يفعل حاش لله من هَذَا وَأما التَّشْبِيه الْمُحَقق فإقتناعه من أَن ينزل بِنَفسِهِ واقتصاره على أَن يبْعَث ملكا لنصرتهم ثمَّ أجَاب إِلَى النُّزُول مَعَهم وَهَذَا مَا لَا يسوغ فِيهِ مَا يسوغ فَمن حَدِيث التَّنْزِيل من أَنه فعل بِفِعْلِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَو كَانَ هَذَا لَكَانَ إرْسَال الْملك أقوى مَا يُوجد فِي الْعَالم فَإذْ قد بَطل فقد صَحَّ أَنه نزُول نقلة وَلَا بُد
فصل
وَفِي خلال هَذِه الْفُصُول قَالَ وَكَانَ السَّيِّد يكلم مُوسَى مُوَاجهَة فَمَا بِفَم كَمَا يكلم الْمَرْء صديقه وَإِن مُوسَى رغب إِلَى الله تَعَالَى أَن يرَاهُ وَأَن الله تَعَالَى قَالَ لَهُ سأدخلك فِي حجر وأحفظك بيميني حَتَّى أجتاز ثمَّ أرفع يَدي وتبصر ورائي لِأَنَّك لَا تقدر أَن ترى وَجْهي فَفِي هذَيْن الْفَصْلَيْنِ تَشْبِيه شنيع قَبِيح جدا من إِثْبَات آخر بِخِلَاف الْوَجْه وَهَذَا لَا مخرج مِنْهُ
فصل
وَفِي السّفر الثَّالِث أَن الْبَارِي تَعَالَى قَالَ لَهُ من ضاجع امْرَأَة عَمه أَو خَاله أَو كشف عَورَة بنته فيحملان جَمِيعًا ذنوبهما ويموتان من غير أَوْلَاد
стр. 119
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ كُنَّا ذكرنَا أننا لَا نخرج عَلَيْهِم من توراتهم كلَاما لَا يفهم مَعْنَاهُ إِذْ للقائل أَن يَقُول قد أصَاب الله بِهِ مَا أَرَادَ لَكِن هَذَا الْمَكَان لم يتَخَلَّف فِيهِ وعدنا لِأَنَّهَا شَرِيعَة مكلفة ملزمة وَمن الْمحَال أَن يُكَلف الله النَّاس عملا لَا يفهمونه وَلَا يعْقلُونَ معنى الْأَمر بِهِ
فصل
وَفِي السّفر الرَّابِع ذكر أَن عدد بني إِسْرَائِيل الخارجين من مصر القادرين على الْقِتَال خَاصَّة من كَانَ ابْن عشْرين سنة فَصَاعِدا كَانُوا سِتّمائَة ألف مقَاتل وَثَلَاثَة آلَاف مقَاتل وَخَمْسمِائة مقَاتل وَخمسين مقَاتل وَأَنه لَا يدْخل فِي هَذَا الْعدَد من كَانَ لَهُ أقل من سِتّمائَة ألف رجل وَألف رجل وَسَبْعمائة رجل وَثَلَاثُونَ رجلا لم يعد فيهم من لَهُ أقل من عشْرين سنة وَأَن على هَؤُلَاءِ قسمت الأَرْض المغنومة وعَلى النِّسَاء وعَلى من كَانَ دون الْعشْرين أَيْضا وَفِي كتبهمْ أَن دَاوُد ﵇ أحصى فِي أَيَّامه بني إِسْرَائِيل فَوجدَ بني يهوذا خَاصَّة خَمْسمِائَة ألف مقَاتل وَوجد التِّسْعَة الأسباط الْبَاقِيَة حاشى بني لاوي وَبني بنيامين فَلم يحصهما ألف ألف مقَاتل غير ثَلَاثِينَ ألفا سوى النِّسَاء وَسوى من لَا يقدر على الْقِتَال من صبي أَو شيخ أَو مَعْذُور وكل هَؤُلَاءِ إِنَّمَا كَانُوا فِي فلسطين والأردن وَبَعض عمل الْغَوْر فَقَط والبلد الْمَذْكُور بحالته كَمَا كَانَ لم يزدْ بالاتساع وَلَا نقص وَفِي كتبهمْ أَيْضا أَن ابْنا ابْن يربعام بن سُلَيْمَان بن دَاوُد قتل من الْعشْرَة الأسباط من بني إِسْرَائِيل خَمْسمِائَة ألف رجل وَأَن ابْنا قتل اثْنَيْنِ وَخمسين ألف مقَاتل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ الْبَلَد الْمَذْكُور بَاقٍ لم ينقص وَلَا صغرت أرضه وَحده بإقرارهم فِي الْجنُوب غَزَّة وعسقلان ورحج وطرق من جبال الشراة بلد عيسو وَلَا خلاف بَينهم فِي أَنهم لم يملكُوا قطّ قَرْيَة فَمَا فَوْقهَا من هَذِه الْبِلَاد وَأَنَّهُمْ لم يزالوامن أول دولتهم إِلَى آخرهَا محاربين مرّة لنَبِيّ إِسْرَائِيل ومراراً عَلَيْهِم وحد ذَلِك الْبَلَد فِي الْقرب الْبَحْر الشَّامي وَحده فِي الشمَال صور وصيدا وأعمال دمشق الَّتِي لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنهم لم يملكُوا قطّ مِنْهَا مضرب وتد وَأَنَّهُمْ لم يزَالُوا من أول دولتهم إِلَى آخرهَا محاربين لَهُم فَمرَّة عَلَيْهِم وَمرَّة لَهُم وَفِي أَكثر ذَلِك يملكُونَ بني إِسْرَائِيل ويسومونهم سوء الْعَذَاب وَمرَّة يخرج بَنو إِسْرَائِيل عَن ملكهم فَقَط وحد الْبَلَد الْمَذْكُور فِي الشرق بِلَاد مواب وعمون وَقطعَة من صحراء الْعَرَب الَّتِي هِيَ الفلوات والرمال وَلَا خلاف بَينهم فِي أَن نَص توراتهم أَن الله تَعَالَى قَالَ لمُوسَى وَبني إِسْرَائِيل إِلَى هُنَا لَا تَحَارَبُوا بني عيسو وَلَا بني مواب وَلَا بني عمون فَإِنِّي لم أورثكم من بِلَادهمْ وَطْأَة قدم فَمَا فَوْقهَا لِأَنِّي قد ورثت بَين عيسو وَبني لوط هَذِه الْبِلَاد كَمَا ورثت بني إِسْرَائِيل تِلْكَ الَّتِي وعدتهم بهَا وَأَنَّهُمْ لم يزَالُوا من أول دولتهم إِلَى آخرهَا يحاربونهم فَمرَّة يملكهم بَنو عمون وَبَنُو مواب وَمرَّة يخرجُون عَن رقهم فَقَط وَطول بِلَاد بني إِسْرَائِيل الْمَذْكُورَة بمساححة الْخُلَفَاء المحققة من عقبَة أنيق وَهِي على أَرْبَعَة وَخمسين ميلًا من دمشق إِلَى طبرية ثَمَانِيَة أَمْيَال وَهِي جبل أفرايم إِلَى الطّور اثْنَي عشر ميلًا إِلَى اللجون اثْنَي عشر ميلًا إِلَى علمين عِنْدهمَا
стр. 120
يَنْقَطِع عمل الْأُرْدُن ومبدأ عمل فلسطين ميل وَاحِد إِلَى الرملة نَحْو أَرْبَعِينَ ميلًا إِلَى عسقلان ثَمَانِيَة عشر ميلًا وَمَوْضِع الرملة هُوَ كَانَ آخر عمل بني إِسْرَائِيل فَذَلِك ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ ميلًا وَعرضه من الْبَحْر الشَّامي إِلَى أول عمل جبل الشراة وَأول عمل مواب وَأول عمل عمان نَحْو ذَلِك أَيْضا وَعمل صَغِير شَرْقي الْأُرْدُن يُسمى الْغَوْر فِيهِ مَدِينَة بيسان يكون أقل من ثَلَاثِينَ ميلًا فِي ثَلَاثِينَ ميلًا وَلَا يزِيد وَكَانَ هَذَا الْعَمَل الَّذِي بشرقي الْأُرْدُن بزعمهم وَقع لبني رؤابين وَبني جادا وَنصف بني منشا بن يُوسُف ﵇ لِأَنَّهُ كَانَ يصلح لرعي الْمَوَاشِي وَكَانَ هَؤُلَاءِ أَصْحَاب بقر وغنم فَأُعْجِبُوا لهَذَا الْكَذِب المفضوح وَهَذَا الْمحَال الْمُمْتَنع أَن تكون الْمسَافَة الْمَذْكُورَة تقسم أرْضهَا على عدد يكون ابْنا الْعشْرين مِنْهُم فَصَاعِدا خَاصَّة أَزِيد من سِتّمائَة ألف فَأَيْنَ من دون الْعشْرين وَأَيْنَ النِّسَاء وَالْكل بزعمهم أَخذ سَهْمه من الأَرْض الْمَذْكُورَة ليعيش من زَرعهَا وثمرتها وَاعْلَمُوا أَنه لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون فِي المساحة الْمَذْكُورَة على أَن تكون مساحة كل قَرْيَة ميلًا فِي ميل مزارعها ومشاجرها إِلَّا سِتَّة آلَاف قَرْيَة وَمِائَتَا قَرْيَة هَذَا على أَن يكون جَمِيع الْعَمَل الْمَذْكُور عمراناً مُتَّصِلا لَا مرج فِيهِ وَلَا شجر وَلَا أَرض محجرة لَا تعمر وَلَا أَرض مرملة وَلَا سبخَة ملح كَذَلِك وَهَذَا محَال أَن يكون فعلي هَذَا يَقع لكل قَرْيَة من الرِّجَال الْمَذْكُورين مائَة رجل أَو نَحْو ذَلِك سوى من هُوَ دون الْعشْرين بَينهم وَسوى النِّسَاء وَلَا سَبِيل الْبَتَّةَ على هَذَا أَن يدركوا فِيهَا المعاش وَهَذَا كذب لَا خَفَاء بِهِ لَا سِيمَا إِذْ بلغُوا ألف ألف مقَاتل وَخَمْسمِائة مقَاتل سوى من لَا يُقَاتل وَسوى النِّسَاء أَيْن هَذَا الْكَذِب الْبَارِد من الْحق الْوَاضِح فِي قَول الله تَعَالَى حاكياً عَن فِرْعَوْن أَنه قَالَ إِذْ تبع بني إِسْرَائِيل ﴿إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ﴾ هَذَا الَّذِي لَا يجوز غَيره وَلَا يُمكن سواهُ أصلا وكذبة أُخْرَى وَهِي أَنهم ذكرُوا فِي كتاب يُوشَع أَن الْبَلَد الْمَذْكُور كَانَ فِيهِ من المدن فِي سهم بني يهوذا مائَة مَدِينَة وَأَرْبَعَة مدن وَفِي سهم بني شَمْعُون سبع عشرَة مَدِينَة وَفِي سهم بنيامين ثَمَان وَعِشْرُونَ مَدِينَة وَفِي سهم بني زبلون اثْنَي عشر مَدِينَة وَفِي سهم بني نفتالي تسع عشرَة مَدِينَة وَفِي سهم بني دَان ثَمَان عشرَة مَدِينَة فَذَلِك مِائَتَا مَدِينَة وَاثْنَتَانِ وست وَثَلَاثُونَ مَدِينَة قَالَ فِي الْكتاب الْمَذْكُور سوى قراها لَا يحصيها إِلَّا الله وَذكر فِيهِ أَنه وَقع لنصف بني منشا بن يُوسُف بشرقي الْأُرْدُن باشان وعملها وَأَن مدائنهم المحصنة سِتُّونَ مَدِينَة سوى قراها لَا يحصيها إِلَّا الله فالمجتمع من هَذِه المدن الْمَذْكُورَة ثَلَاث مائَة مَدِينَة غير أَربع مدن وَلم يذكر عدد مَدَائِن بني رؤابين وَلَا عدد مَدَائِن بني عادو وَلَا عدد مَدَائِن نصف بني منشا لذِي بغرب الْأُرْدُن وَلَا مَدَائِن بني أفرايم وَهَذِه الأسباط الَّتِي لم تذكر مدنها تقع على مَا توجبه توراتهم فِي الرّبع من جَمِيع بني إِسْرَائِيل يَقع لَهُم على هَذَا الْحساب نَحْو مائَة مَدِينَة إِذا ضمت إِلَى الْعدَد الَّذِي ذكرنَا فتمام الْجَمِيع نَحْو أَرْبَعمِائَة مَدِينَة فَأُعْجِبُوا لهَذِهِ الشُّهْرَة أَن تكون الْبقْعَة الَّتِي قد ذكرنَا مساحتها على قلتهَا وتفاهتها تكون فِيهَا هَذِه المدن وَقد ذكر أَن نصف سبط بني منشا الَّذين وَقَعُوا بشرقي الْأُرْدُن وَوَقع فِي خطهم سِتُّونَ مَدِينَة كَانُوا سِتَّة وَعشْرين ألف رجل مقاتلين كلهم لَيْسَ فيهيم ابْن أقل من عشْرين سنة وَالْعَمَل بَاقٍ إِلَى الْيَوْم لَعَلَّه اثْنَي عشر ميلًا فِي مثلهَا مَا رَأَيْت
стр. 121
أقل حَيَاء من الَّذِي كتب لَهُم تِلْكَ الْكتب المرذولة وسخم بهَا وُجُوههم ونعوذ بِاللَّه من الضلال
فصل
ويتصل بِهَذَا الْفَصْل فصل آخر هُوَ أشنع مِنْهُ فِي شهرة الْكَذِب وشنعة الْمحَال وَظُهُور التوليد وبشاعة الإفتعال وَذكر فِي صدر السّفر الثَّانِي إِذْ ذكر خُرُوج بني إِسْرَائِيل عَن مصر مَعَ مُوسَى ﵇ أَن الله تَعَالَى أَمر مُوسَى أَن يعد بني إِسْرَائِيل بعد خُرُوجهمْ من مصر بِسنة وَاحِدَة وَشهر وَاحِد فَقَط فعد جَمِيع قبائلهم فَقَالَ هَؤُلَاءِ أكَابِر الْبيُوت فِي قبائلهم حنوك وفلو وحصرون وكرمي وهم بَنو رؤابين بكر ولد إِسْرَائِيل هَذِه قبائيل رؤابين وَذكر فِي أول السّفر الرَّابِع أَن مقدمهم كَانَ اليصور بن شدّ يئور وَأَن عَددهمْ كَانَ سِتَّة وَأَرْبَعين ألف رجل لم يعد مِنْهُم من لَهُ أقل من عشْرين سنة وَلَا من لَا يُطيق الْحَرْب وَذكر فِي صدر السّفر الثَّانِي فَقَالَ وَبَنُو شَمْعُون يموئيل ويامين وأوهد وياكين وصوحر وشأول بن الكنعانية هَذِه قبائل شَمْعُون وَذكر فِي أول السّفر الرَّابِع أَن مقدمهم كَانَ شلو ميئيل بن صور يشداي وَأَن عَددهمْ كَانَ تِسْعَة وَخمسين ألف رجل لم يعد فيهم من لَهُ أقل من عشْرين سنة وَلَا من لَا يُطيق الْحَرْب وَقَالَ فِي صدر السّفر الثَّانِي هَذِه تَسْمِيَة بني لاوي فِي قبائلهم جرشون وقهاث ومراري وابنا جرشون لبني وشمعي فِي قبائلهما وَبَنُو قهاث عمرام ويصهار وحبرون وعزيئيل وَابْن مراري ومحلى وموشي هَذِه أَنْسَاب بني لاوي فِي قبائلهم فَتزَوج عمرَان يوكابد عمته فَولدت لَهُ مُوسَى وَهَارُون وَبَنُو يصهار قورح ونافج وذكري وَبَنُو قورح أُشير والقانة وابيا ساف وَبَنُو عزيئيل ميشائيل والصافان وستري فَتزَوج هَارُون إِلَى اليشابع بنت عمينا دَاب أُخْت نحشون فَولدت لَهُ ناداب وابيهوا والعازار وايثامار فَتزَوج العازار بن هَارُون فِي بَنَات بني فوطيئيل فَولدت فيخاس وَقَالَ فِي صدر السّفر الرَّابِع فَكلم السَّيِّد مُوسَى فِي مغار سينا وَقَالَ لَهُ عدد بني لاوي فِي بيُوت آبَائِهِم وأهاليهم فَكل ذكر ابْن شهر فَصَاعِدا حسبهم مُوسَى كَمَا عهد إِلَيْهِ السَّيِّد فَوجدَ ولد لاوي على أسمائهم مسمين جرشون وقهاث ومراري وَولد جرشون لبني وشمعي وَولد قهاث عمرام ويصهار وعزيئيل وَولد مراري محلي وموشي وَأَنه عد عَامَّة ذُكُور بني جرشون ابْن شهر فَصَاعِدا فَكَانُوا سِتَّة آلَاف وَخَمْسمِائة كَانُوا فِي ساقة الْقبَّة فِي الغرب تَحت أَيدي الياساف بن لايل وَبعد ذَلِك ذكر أَنه حسب ألفي رجل وسِتمِائَة رجل وَثَلَاثِينَ رجلا ثمَّ قَالَ هَذِه نِسْبَة قهاث خرج مِنْهُ رَهْط عمرام ويصهار وحبرون وعزيئيل فَحسب من كَانَ مِنْهُم ذكرا ابْن شهر فَصَاعِدا فَوَجَدَهُمْ ثَمَانِيَة آلَاف رجل وسِتمِائَة ذكر مقدمهم لصافان بن عزيئيل الْمَذْكُور وَأمرهمْ أَن يَكُونُوا فِي جنوب الْقبَّة حاشا مُوسَى وَهَارُون وأولادهما فَإِنَّهُم يكونُونَ أَمَام الْقبَّة فِي الشرق وَأَنه حسب من كَانَ مِنْهُم ابْن ثَلَاثِينَ سنة إِلَى ابْن خمسين سنة فَقَط فَوَجَدَهُمْ ألفي رجل وَسَبْعمائة رجل وَخمسين رجلا وَذكر أَنه حسب بني مراري محلي وموشي بني مراري
стр. 122
وَمن كَانَ مِنْهُم ابْن شهر فَصَاعِدا من الذُّكُور فَوَجَدَهُمْ سِتَّة آلَاف وَمِائَتَيْنِ مقدمهم صوريئيل ابْن أبيحايل وَأمرهمْ أَن يَكُونُوا فِي شمال الْقبَّة وَأَنه حسب من كَانَ مِنْهُم ابْن ثَلَاثِينَ سنة فَصَاعِدا إِلَى خمسين سنة فَوَجَدَهُمْ ثَلَاثَة آلَاف رجل ومائتي رجل وَبعد أَن ذكر من كَانَ من بني لاوي ابْن شهر فَصَاعِدا من الذُّكُور كَمَا أوردنا قَالَ فَجَمِيع اللاويين الَّذين حسب مُوسَى وَهَارُون من كل ذكر من ابْن شهر فَصَاعِدا اثْنَان وَعِشْرُونَ ألفا وَأَن السَّيِّد أوحى إِلَى مُوسَى أَحسب بكور ذُكُور ولد إِسْرَائِيل الذُّكُور من ابْن شهر فَصَاعِدا وَتَأْخُذ لي اللاويين عَن بكور جَمِيع ولد إِسْرَائِيل فعد مُوسَى بكور ولد بني إِسْرَائِيل الذُّكُور من ابْن فَصَاعِدا فَوَجَدَهُمْ اثْنَيْنِ وَعشْرين ألفا وَمِائَتَيْنِ وَثَلَاثَة وَسبعين فَقَالَ السَّيِّد لمُوسَى خُذ بني لاوي عَن بكور ذُكُور ولد إِسْرَائِيل ليَكُون بَنو لاوي لي وَعَن الْمِائَتَيْنِ وَالثَّلَاثَة وَالسبْعين الزائدين عَن عدد بني لاوي تَأْخُذ عَن كل وَاحِد خَمْسَة أشقال بِوَزْن الهيكل فَأخذ مُوسَى دَرَاهِم الزائدين فبلغت ألفا وثلاثمائة وَخَمْسَة وَسِتِّينَ شقلا وَأَعْطَاهَا لهارون وَولده على مَا عهد عَلَيْهِ السَّيِّد ثمَّ ذكر فِي سفر يُوشَع أَن العازار بن هَارُون بِنَفسِهِ أَتَى إِلَى يُوشَع بن نون إِذْ فتحت الأَرْض المقدسة وَكَلمه فِي أَن يُعْطي بن لاوي مَدَائِن للسُّكْنَى فَفعل وَأَنه وَقع لبني هَارُون خَاصَّة ثَلَاث عشرَة مَدِينَة من مَدَائِن بن يهوذا وبنيامين وشمعون وَأَنه وَقع لسَائِر بني قاهاث بن لاوي عشر مَدَائِن بني دَان وَبني أفرايم وَنصف سبط منشا الَّذين مَعَ سَائِر الأسباط وَأَنه وَقع لبني جرشون بن لاوي ثَلَاث عشرَة مَدِينَة من مَدَائِن يساخر وَأَشَارَ ونفتالي وَنصف سبط منشا الَّذِي بشرقي الْأُرْدُن وَأَنه وَقع لبني مراري بن لاوي ثِنْتَيْ عشرَة مَدِينَة من مَدَائِن بني زابلون وَبني رؤابين وجاد ابْن يَعْقُوب بشرقي الْأُرْدُن فَذَلِك لبني لاوي ثَمَان وَأَرْبَعُونَ مَدِينَة وَذكر فِي السّفر الرَّابِع أَنه أحصى أَيْضا بني جاد ابْن يَعْقُوب الرِّجَال خَاصَّة من كَانَ مِنْهُم ابْن عشْرين سنة فَصَاعِدا المبارزين للحرب فَوَجَدَهُمْ خَمْسَة وَأَرْبَعين ألف رجل وَخمسين رجلا مقدمهم الياساف بن رعوئيل وَأَنه أحصى بني يهوذا الذُّكُور خَاصَّة من كَانَ مِنْهُم ابْن عشْرين سنة فَصَاعِدا المبارزين للحرب خَاصَّة فَوَجَدَهُمْ أَرْبَعَة وَسبعين ألفا وسِتمِائَة رجل وَقد ذكر قبل وَبعد أَن هَذَا الْعدَد كُله إِنَّمَا هم من ولد شيلة وفارص وزارح بني يهوذا فَقَط مقدمهم نحشون عمينا دَاب ابْن أرام بن حصرون ابْن فارص بن يهوذا بن إسراءيل وَأَنه أحصى بني يساحر الذُّكُور خَاصَّة من كَانَ مِنْهُم ابْن عشْرين سنة فَصَاعِدا المبارزين للحرب خَاصَّة فَوَجَدَهُمْ أَرْبَعَة وَخمسين ألف رجل وَأَرْبَعمِائَة رجل مقدمهم نثنائيل بن صوغر وَأَنه أحصى بني زبلون الذُّكُور خَاصَّة من كَانَ مِنْهُم ابْن عشْرين سنة فَصَاعِدا المبارزين للحرب خَاصَّة فَوَجَدَهُمْ سَبْعَة وَخمسين ألف رجل وَأَرْبَعمِائَة رجل مقدمهم الياب بن حيلون وَأَنه حسب بني يُوسُف ﵇ الذُّكُور خَاصَّة من كَانَ مِنْهُم ابْن عشْرين فَصَاعِدا المبارزين للحرب خَاصَّة فَوَجَدَهُمْ اثْنَيْنِ وَسبعين ألف رجل وَسَبْعمائة رجل مِنْهُم من ولد أفرايم بن
стр. 123
يُوسُف أَرْبَعُونَ ألف رجل وَخَمْسمِائة رجل ومقدمهم اليشمع بن عميهود وَمن ولد منشا بن يُوسُف اثْنَان وَثَلَاثُونَ ألف رجل وَمِائَتَا رجل مقدمهم جمليئيل بن فدهصور وَأَنه حسب بني بنيامين الذُّكُور خَاصَّة من كَانَ مِنْهُم ابْن عشْرين سنة فَصَاعِدا المبارزين للحرب خَاصَّة فَكَانُوا خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألف رجل وَأَرْبَعمِائَة رجل مقدمهم ابيدن بن جدعوني وَأَنه حسب بني دَان الذُّكُور خَاصَّة من كَانَ مِنْهُم ابْن عشْرين فَصَاعِدا من المبارزين للحرب خَاصَّة فَكَانُوا اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ ألف رجل وَسَبْعمائة رجل مقدمهم أخيعزر بن عميشداي وَكلهمْ من ولد حوشيم بن دَان وَأَنه حسب بني أُشير الذُّكُور خَاصَّة من كَانَ مِنْهُم ابْن عشْرين فَصَاعِدا من المبارزين للحرب خَاصَّة فَوَجَدَهُمْ أحدا وَأَرْبَعين ألف رجل وَخَمْسمِائة رجل مقدمهم فجعيئيل ابْن عكران وَأَنه حسب بني نفتالي من كَانَ مِنْهُم من الذُّكُور خَاصَّة ابْن عشْرين فَصَاعِدا المبارزين للحرب خَاصَّة فَوَجَدَهُمْ ثَلَاثَة وَخمسين ألف رجل وَأَرْبَعمِائَة رجل مقدمهم أخيرع ابْن عينن وَأَن هَذَا الْحساب كَانَ بعد عَام وَاحِد وَشهر وَاحِد من خُرُوجهمْ من مصر حاشا قسْمَة الْمَدَائِن الْمَذْكُورَة وَأَنَّهَا بعد دُخُولهمْ فلسطين والأردن فَلْيتَأَمَّل كل ذِي تَمْيِيز صَحِيح من الْخَاصَّة والعامة هَذَا الْكَذِب الْفَاحِش الَّذِي لَا خَفَاء بِهِ والمحال الْمُمْتَنع وَالْجهل المفرط الْمُوجب كل ذَلِك ضَرُورَة أَنَّهَا كتب محرفة مبدلة من تَحْرِيف فَاسق سخر بهم وَأَنَّهَا لَا تمكن أَلْبَتَّة أَن تكون من عِنْد الله وَلَا من عِنْد نَبِي وَلَا من عمل صَادِق اللهجة فَمن ذَلِك أخباره بِأَن رجال بني دَان إِذا خَرجُوا من مصر اثْنَتَيْنِ وَسبعين ألفا وَسَبْعمائة رجل لم يعد فيهم من كَانَ مِنْهُم ابْن أقل من عشْرين سنة وَلَا من لَا يُطيق البروز للحرب وَلَا النِّسَاء وَأَنَّهُمْ كلهم رَاجِعُون إِلَى حوشيم بن دَان وَحده وَلم يكن لدان بإقرارهم ولد غير حوشيم مَعَ قرب أنسابهم من حوشيم لِأَن فِي نَص توراتهم أَن الله تَعَالَى قَالَ لإِبْرَاهِيم ﵇ أَن الجيل الرَّابِع من الْأَوْلَاد يرجعُونَ إِلَى الشَّام فاضبطوا هَذَا يظْهر لكم الْكَذِب عَلَانيَة لَا خَفَاء بِهِ وَأَن بني يهوذا كَانُوا أَرْبَعَة وَسبعين ألفا وسِتمِائَة رجل لَيْسَ يعد فيهم من لَهُ أقل من عشْرين سنة وَكلهمْ رَاجِعُون كَمَا ذكرنَا إِلَى ثَلَاثَة أَوْلَاد ليهوذا لم يعقب لَهُ غَيرهم وَفِي الْحَيَاة يَوْمئِذٍ رئيسهم نحشون بن عمينا دَاب بن رام ابْن حصرون بن فارص ابْن يهوذا وَأَن بني يُوسُف ﵇ كَانُوا اثْنَيْنِ وَسبعين ألف رجل وَسَبْعمائة رجل لَيْسَ يعد فيهم من لَهُ أقل من عشْرين سنة وَكلهمْ رَاجع إِلَى أفرايم ومنشا لم يعقب ليوسف غَيرهمَا وَفِيهِمْ يَوْمئِذٍ فِي الْحَيَاة صلفحاد بن حافر بن جلعاد بن منشا بن يُوسُف ﵇ وَقد ذكر أَيْضا فِي توراتهم أَوْلَاد أفرايم فَلم يَجْعَل لَهُ إِلَّا ثَلَاثَة ذُكُور وَلم يَجْعَل لمنشا إِلَّا وَلدين وَذكر أَوْلَاد جلعاد الْمَذْكُور بن منشا وَلم يَجْعَل لَهُ إِلَّا سِتَّة ذُكُور فَقَط فاجعلوا لمنشا وأفرايم أقْصَى مَا يُمكن أَن يكون للرجل من الْأَوْلَاد ثمَّ لجلعاد وَإِخْوَته وَبني عَمه مثل ذَلِك ثمَّ لحافر وطبقته مثل ذَلِك وانظروا هَل يُمكن أَن يبلغ ذَلِك ثلث هَذَا الْعدَد وَالْأَمر فِي لد دَان أفحش من سَائِر مَا فِي ولد إخْوَته وَإِن كَانَ الْكَذِب فِي كل ذَلِك فَاحِشا لِأَن الْبضْع وَالسبْعين ألف رجل وَزِيَادَة لم يعد فيهم ابْن أقل من عشْرين
стр. 124
سنة يرجعُونَ إِلَى ثَلَاثَة من ولد يهوذا واثنين من ولد يُوسُف وَأما الِاثْنَان وَسِتُّونَ ألف رجل ونيف لَا يعد فيهم ابْن أقل من عشْرين سنة فَإِنَّمَا يرجع إِلَى وَاحِد فَقَط لم يكن لدان غَيره بِلَا خلاف مِنْهُم فَكيف إِذا أضيف إِلَى هَذَا الْعدَد من لَهُ أقل من عشْرين سنة من الرِّجَال والأغلب أَنهم قريب من عدد المتجاوزين عشْرين سنة أَو أقل بِيَسِير وَجَمِيع النِّسَاء والأغلب أَنَّهُنَّ فِي عدد الرِّجَال أَو قَرِيبا من ذَلِك فيجتمع من ولد حوشيم ابْن دَان وَحده فِي مُدَّة مِائَتي عَام وَسَبْعَة عشر عَاما نَحْو مائَة ألف وَسِتِّينَ ألف إِنْسَان هَذَا الْمحَال الْمُمْتَنع الَّذِي لم يكن قطّ فِي الْعَالم على حسب بنيته ويجتمع من ولد يُوسُف ﵇ على هَذَا أرحج من مِائَتي ألف إِنْسَان وَمن ولد يهوذا نَحْو ذَلِك وَلَيْسَ يُمكنهُم أَن يَقُولُوا أَن الطَّبَقَات من الولادات كَانَت كَثِيرَة جدا لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا قَوْله فِي توراتهم أَن الجيل الرَّابِع من الْأَوْلَاد يرجعُونَ إِلَى الشَّام وَالثَّانِي أَن الَّذِي ذكر أنسابهم من بني لاوي وَبني يهوذا وَبني يُوسُف وَبني رؤابين كَانُوا متقاربين فِي التعداد كموسى وَهَارُون وَمَرْيَم بني عمرَان بن قاهاث بن لاوي بن إِسْرَائِيل واليصافان بن عزيئيل بن فاهاث بن لاوي بن إِسْرَائِيل وقورح واخوانه بَنو يصهار بن قاهاث بن لاوي بن إِسْرَائِيل ونحشون واخوانه بَنو عمينا دَاب ابْن أرام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن إِسْرَائِيل وأحار بن كرمي بن سيداي بن شيلة بن يهوذا بن إِسْرَائِيل ودابان وأبيرام ابْنا الْبَاب بن ملوكن بن روبان بن إِسْرَائِيل وإخوتهم وَأَوْلَادهمْ وَأَوْلَاد أَوْلَادهم هَذَا نَص ذكر أنسابهم فِي توارثهم فوضح أَن الْأَمر مُتَقَارب فِي تعدادهم وَظهر بِهَذَا عَظِيم االكذب الْفَاحِش فِي الْأَعْدَاد الَّتِي ذكرُوا وَلَا يُمكنهُم الْبَتَّةَ أَن يَقُولُوا أَنه كَانَ لإسرائيل غير من سمينا من الْأَوْلَاد الاثْنَي عشر وَلَا أَنه كَانَ لأَوْلَاد إِسْرَائِيل الْمَذْكُورين غير من سمينا من الْأَوْلَاد وعددهم أحد وَخَمْسُونَ رجلا فَقَط لبنيامين عشرَة ولجادا سَبْعَة ولشمعون سِتَّة ولرؤابين واشير وليساخر ونفتالي لكل وَاحِد مِنْهُم أَرْبَعَة أَرْبَعَة وليهوذا وللاوي وزبلون لكل وَاحِد مِنْهُم ثَلَاثَة ثَلَاثَة وليوسف اثْنَان ولدان وَوَاحِد فيا للنَّاس كَيفَ يُمكن أَن يتناسل من ولادَة وَاحِد وَخمسين رجلا فَقَط فِي مُدَّة مِائَتي عَام وَسَبْعَة عشر عَاما فَقَط أَزِيد من ألفي ألف إِنْسَان هَذَا غَايَة الْمحَال الْمُمْتَنع لِأَنَّهُ نَص فِي توراتهم أَنه إنتسل مِنْهُم ستماية ألف وَثَلَاثَة آلَاف رجال كلهم لم يعد فيهم ابْن أقل من عشْرين سنة وَلَعَلَّ من دون الْعشْرين عَاما مِنْهُم يقاربون هَذَا الْعدَد ثمَّ النِّسَاء ولعلهن نَحْو هَذَا الْعدَد فَأُعْجِبُوا لهَذِهِ الفضائح وَقد رام بعض من صككت وَجهه من عُلَمَائهمْ بِهَذِهِ الفضيحة أَن يلوذ بِهَذَا الشغب فَقلت دع عَنْك هَذَا التمويه فقد سدت عَلَيْك توراتك كل الْمذَاهب لِأَن فِيهَا بعلمك حَيْثُ ذكر خُرُوجهمْ من مصر وَحَيْثُ ذكر دُخُولهمْ إِلَى الشَّام وَحَيْثُ ذكر قسْمَة الأَرْض عَلَيْهِم فِي سفر يُوشَع ذكر أفخاذ قبائلهم وَتَسْمِيَة أسباطهم اسْما اسْما فَلم يزدْ على من سمينا وَلَا وَاحِدًا فَلَو كَانَ مَا تَقول لكَانَتْ أَيْضا قد كذبت فِي هَذَا الْموضع إِذْ فَلَا بُد فِيهَا من الْكَذِب الْمُتَيَقن كَيْفَمَا تصرفت الْحَال فَسكت خاسئاً فَإِن قيل ألم ينْقل يَعْقُوب إِذْ عرض عَلَيْهِ يُوسُف بنه أفرايم ومنشا فَقَالَ لَهُ يَعْقُوب افرايم ومنشا يكونَانِ ليي وينسبان إِلَيّ
стр. 125
وَمن ولد لَك بعدهمَا ينسبان إِلَيْك قُلْنَا لَا يَخْلُو يُوسُف ﵇ من أَن لَا يكون لَهُ ولد غَيرهمَا مِمَّا أعقب خَاصَّة كَمَا نقُول نَحن وَتشهد بِهِ نُصُوص توراتكم وَجَمِيع كتبكم أَو يكون ليوسف ولد أعقب غير أفرايم ومنشا فَلَو كَانَ ذَلِك فكتبكم كلهَا كَاذِبَة أَولهَا عَن آخرهَا من التَّوْرَاة فَمَا وَرَاءَهَا لِأَنَّهُ فِي كل مَكَان ذكر فِيهِ رُتْبَة معسكر الأسباط سبطاً سبطاً وعددهم إِذْ خَرجُوا من مصر وعددهم إِذْ دخلُوا الشَّام وعددهم إِذْ أهدوا الكباش والعجول وحقاق الذَّهَب وعددهم إِذْ وقفُوا على الجبلين للبركة واللعنة وعددهم إِذْ نقشت أَسمَاؤُهُم فِي الفصوص الْمرتبَة على صدر هَارُون فِي أَزِيد من ألف مَوضِع فِي سَائِر كتبهمْ وَلم يذكر ليوسف الإسبطين فَقَط سبط منشا وسبط أفرايم فَبَطل الِاعْتِرَاض بذلك الْكَلَام الْمَذْكُور وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَقد علم كل من يُمَيّز من الرِّجَال وَالنِّسَاء أَن الْكَثْرَة الْخَارِجَة من الْأَوْلَاد لم تُوجد فِي الْعَالم لصعوبة الْأَمر فِي تربية أَطْفَال النَّاس وَلكَون الْإِسْقَاط فِي الْحَوَامِل ولإبطاء حمل الْمَرْأَة بَين بطن وبطن ولكثرة الْمَوْت فِي الْأَطْفَال فَهَذِهِ أَربع عوارض قواطع دون الْكَثْرَة الخارجية فِي الْأَوْلَاد للنَّاس ثمَّ كَون الْإِنَاث فِي الولادات أَيْضا وَلَو طلبنا أَن نعد من عَاشَ لَهُ عشرُون ولدا فَصَاعِدا من الذُّكُور بلغُوا الْحلم فَمَا وجدناهم إِلَّا فِي الندرة ثمَّ فِي الْقَلِيل من الْمُلُوك وَذَوي الْيَسَار المفرط الَّذين تَنْطَلِق ايديهم على الْكثير من النِّسَاء وَالْإِمَاء ثمَّ على الخدام اللواتي هن العون على التربية والكفاية وعَلى كَثْرَة المَال الَّذِي لَا يكون المعاش إِلَّا بِهِ وَأما من لَا يجد إِلَّا الكفاف وفوقه مِمَّا لَا يبلغ الْإِكْثَار من الوفر وَلَا يقدر إِلَّا على الْمَرْأَة والمرأتين وَنَحْو ذَلِك فَلَا يُوجد هَذَا فيهم الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا يُمكن ذَلِك أصلا لَهُم لما ذكرنَا آنِفا من القواطع الْمَوَانِع وَقد شاهدنا النَّاس وبلغتنا أَخْبَار أهل الْبِلَاد الْبَعِيدَة وَكثر بحثنا عَمَّا غَابَ منا ووصلت إِلَيْنَا التواريخ الْكَثِيرَة الْمَجْمُوعَة فِي أَخْبَار من سلف من عرب وعجم فِي كثير من الْأُمَم فَمَا وجدنَا فِي ذَلِك الْمَعْهُود من عدد أَوْلَاد الذُّكُور فِي المكثرين الَّذين يتحدث بهم عِنْد كَثْرَة الْوَلَد إِلَّا من أَرْبَعَة عشر ذكرا فَأَقل وَأما مَا زَاد إِلَى الْعشْرين فنادر جدا هَذِه الْحَال فِي جَمِيع بِلَاد أهل الْإِسْلَام وَالَّذِي بلغنَا عَن ممالك النَّصَارَى إِلَى أَرض الرّوم وممالك الصقالبة وَالتّرْك والهند والسودان قَدِيما وحديثاً وَأما الثَّلَاثُونَ فَأكْثر فَمَا بلغنَا ذَلِك إِلَّا عَن نفر يسير عَمَّن سلف مِنْهُم أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَخَلِيفَة بن أبي السَّعْدِيّ وَأَبُو بكرَة فَإِن هَؤُلَاءِ لم يموتوا حَتَّى مشي بَين يَدي كل وَاحِد مِنْهُم مائَة ذكر من وَلَده وَعمر بن عبد الْملك فَإِنَّهُ كَانَ يركب مَعَه سِتُّونَ رجلا من وَلَده وجعفر بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس فَإِنَّهُ عَاشَ لَهُ أَرْبَعُونَ ذكر من وَلَده سوى أبنائهم وَعبد الرَّحْمَن بن الحكم ابْن هِشَام بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة فَإِنَّهُ ولد لَهُ خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ذكرا عَاشَ مِنْهُم نَيف وَثَلَاثُونَ ومُوسَى ابْن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب فَإِنَّهُ بلغ لَهُ مِنْهُم مبلغ الرِّجَال وَاحِد وَثَلَاثُونَ ابْنا ذُكُورا كلهم وَكَانَ أَبوهُ أَمِيرا على الْيمن مرّة قَائِما وَمرَّة والياً لِلْمَأْمُونِ ووصيف مولى المعتصم التركي كَانَ لَهُ خَمْسَة وَخَمْسُونَ ذكرا بالغون من وَلَده الأدنين وتامرت مولي بني مُنَاد صَاحب طرابلس
стр. 126
فَإِنَّهُ كَانَ يركب وَمَعَهُ ثَمَانُون من أَوْلَاده الأدنين إِلَّا أَن هَذَا كَانَ يغتصب كل امْرَأَة أَعْجَبته من أمة أَو حرَّة وَبِوَلَدِهَا وَرجل من مُلُوك البربر من بني دمر معتزلي كَانَ يركب مَعَه مِائَتَا فَارس من وَلَده وَولد وَلَده وَتَمِيم بن زيد بن يعلي بن مُحَمَّد العرني فَإِنَّهُ بلغنَا أَنه كَانَ لَهُ نَيف وَخَمْسُونَ ذكرا بالغون وَكَانَ ملك بني نفر مِمَّن ملك بلادا عظمية وَأَبُو الهار بن زيرى بن منكاد فَكَانَ يركب مَعَه ثَلَاثُونَ ذكرا من وَلَده الأدنين ومرزوق ابْن أشكر بن الثغري بِجِهَة لارده فَكَانَ يركب مَعَه ثَلَاثُونَ فَارِسًا من وَلَده الأدنين وبلغنا عَن ملك من مُلُوك الْهِنْد أَنه كَانَ لَهُ ثَمَانُون ولدا ذُكُورا بالغون وتذكر الْيَهُود فِي تواريخهم أَن رَئِيسا كَانَ يدبر أَمرهم يُسمى جدعون ابْن بواش من بني منشا بن يُوسُف ﵇ كَانَ لَهُ سَبْعُونَ ولدا ذُكُورا وَإِن آخر مِنْهُم أَيْضا من سبط منشا يُسمى بَابَيْنِ بن جلعاد كَانَ لَهُ اثْنَان وَثَلَاثُونَ ولدا ذُكُورا وَآخر من مدبريهم اسْمه عبدون بن هِلَال من بني افرايم بن يُوسُف كَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ ابْنا ذُكُورا بالغون وَآخر من مدبريهم من سبط يهوذا اسْمه افصان من سكان بَيت لحم كَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ زَوْجَة وَثَلَاثُونَ ابْنا ذُكُورا وَثَلَاثُونَ بِنْتا وتزعم الْفرس أَن جودرز الْملك عَليّ كرمان كَانَ لَهُ تسعون ابْنا ذُكُورا بالغون فَإِذا كَانَت هَذِه الصّفة لم نجدها مُنْذُ نَحْو ثَلَاثَة آلَاف عَام إِلَّا فِي أقل من عشْرين إنْسَانا فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا فِي الْأُمَم السالفة والخالفة مِمَّن علت حَاله وامتد عمره وَكَثُرت أَمْوَاله وَعِيَاله فَكيف يَتَأَتَّى من هَذَا الْعدَد مَا لم يسمع بِمثلِهِ قطّ فِي الدَّهْر لَا فِي نَادِر وَلَا فِي شَاذ لبني إِسْرَائِيل كَافَّة بِمصْر وحالهم فِيهَا مَعْرُوفَة مَشْهُورَة لَا يقدر أحد على إنكارها وَهِي أَنهم كَانُوا فِي حَيَاة يُوسُف ﵇ فِي كفاف من الْعَيْش أَصْحَاب غنم فَقَط وَلم يَكُونُوا فِي يسَار فائض ثمَّ كَانُوا بعد موت يُوسُف وَإِخْوَته ﵇ فِي فاقة عَظِيمَة وَعَذَاب وَنصب وسخرة مُتَّصِلَة وذل راتب وبلاءٍ دائب وتعب زاهق يكَاد يقطع عَن الشِّبَع فَكيف عَن الاتساع فِي الْعِيَال والأشر فِي الاستكثار من الْوَلَد فَهَذِهِ كذبة عَظِيمَة مطبقة فاضحة وثانية وَهِي أَن فِي توراتهم أَنهم كَانُوا ساكنين فِي أَرض قَوس فَقَط وَأَن معاشهم كَانَ من الْمَوَاشِي فَقَط وَذكر فِي توراتهم أَنهم خَرجُوا من مصر خَرجُوا بِجَمِيعِ مَوَاشِيهمْ فاعجبوا أَيهَا السامعون وتفكروا مَا الَّذِي يَكْفِي سِتّمائَة ألف وَثَلَاثَة آلَاف لم يعد فيهم بن أقل من عشْرين سنة سوى النِّسَاء للقوت وَالْكِسْوَة من الْمَوَاشِي ثمَّ اعلموا يَقِينا أَن أَرض مصر كلهَا تضيق عَن مسرح هَذَا الْمِقْدَار من الْمَوَاشِي فَكيف أَرض قَوس وَحدهَا وهم يَقُولُونَ فِي توراتهم أَن إِبْرَاهِيم ولوطاً ﵉ لم يحمل كَثْرَة مَوَاشِيهمْ أَرض وَاحِدَة وَلَا أمكنهما أَن يسكنا مَعًا فَكيف بمواش تقوم بأزيد من ألف ألف وَخَمْسمِائة ألف إِنْسَان لقد كَانَ الَّذِي عمل لَهُم هَذِه الْكتب الملعونة المكذوبة ضَعِيف الْعقل وَقَلِيل الفكرة فِيمَا يُطلق بِهِ قلمه فَهَذِهِ كذبة فَاحِشَة ثَانِيَة عَظِيمَة جدا وثالثة أَنه ذكر فِي توراتهم أَنهم كَانُوا كلهم يسخرون فِي عمل الطوب وتالله إِن سِتّمائَة ألف طواب لكثير جدا لَا سِيمَا فِي قَوس وَحدهَا وَلَيْسَ يُمكنهُم أَن يَقُولُوا أَنهم كَانُوا مُتَفَرّقين فَإِن توراتهم تَقول غير هَذَا
стр. 127
وتخبر أَنهم كَانُوا مُجْتَمعين ذكر ذَلِك فِي مَوَاضِع جمة مِنْهَا حَيْثُ أَمرهم بِذبح الخرفان وَمَسّ الْعِنَب بِالدَّمِ وَمِنْهَا حَيْثُ أَبَاحَ لَهُم فِرْعَوْن الْخُرُوج مَعَ مُوسَى ﵇ فَكَانُوا كلهم مُجْتَمعين بمواشيهم يَوْم خُرُوجهمْ وَهَذِه كذبة عَظِيمَة ثَالِثَة لَا خَفَاء بهَا وَالرَّابِعَة أَنه ذكر أَن بني لاوي ثَلَاثَة رجال فَقَط قهاث وجرشون ومراري وَأَن ذُكُور نسل هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة فَقَط كَانُوا اثْنَيْنِ وَعشْرين ألفا من الذُّكُور خَاصَّة من بن شهر فَصَاعِدا من جُمْلَتهمْ ثَمَانِيَة آلَاف رجل وَخَمْسمِائة رجل وَثَمَانُونَ رجلا لَيْسَ فيهم بن أقل من ثَلَاثِينَ سنة وَلَا ابْن أَكثر من خمسين سنة ثمَّ ذكر أَوْلَاد مراري فَلم يذكر لَهُ إِلَّا وَلدين محلي وموشي فَقَط وَذكر أَوْلَاد جرشون بن لاوي فَلم يذكر إِلَّا وَلدين لبني وشمعي وَذكر أَوْلَاد قهاث بن لاوي فَلم يذكر إِلَّا أَرْبَعَة فَقَط عمرام ويصهار وحبرون وعزيئيل فَرجع نسل لاوي كُله إِلَى هَؤُلَاءِ الثَّمَانِية فَقَط ثمَّ لم يجْعَلُوا لتوجيه التَّأْوِيل فِي كذبهمْ مساغاً بل عد أَوْلَاد عمرام بِأَنَّهُم مُوسَى وَهَارُون ﵉ فَقَط والعازار وفرصوم ابْني مُوسَى ﵇ وَكَانَا صغيرين حِينَئِذٍ جدا وَأَرْبَعَة أَوْلَاد لهارون ﵇ وعد أَوْلَاد يصهار فَذكر قورح وَإِخْوَته وَثَلَاثَة أَوْلَاد لقورح وَبَقِي سَائِر الْعدَد الْمَذْكُور من الألوف وَهِي ثَمَانِيَة آلَاف رجل وسِتمِائَة رجل لَا يعد فيهم بن أقل من شهر من بني قهاث خَاصَّة رَاجعا إِلَى أَوْلَاد حبرون وعزيئيل وأخوي قورح فَقَط هَذَا والصافان بَين عزيئيل حَيّ مقدم طبقته سوى النِّسَاء وَلَعَلَّ عددهن كعدد الرِّجَال وَهَذَا من أَحمَق الَّذِي لَا نَظِير لَهُ وَمن قلَّة الْحيَاء فِي الدرجَة الْعليا وَمن الْكَذِب الْبَحْث فِي الْمُقدمَة وَمن الْمحَال فِي الْمحل الْأَقْصَى وجار مجْرى الخرافات الَّتِي تقال عِنْد السمر بِاللَّيْلِ ولعمري لَو ضل بِتَصْدِيق هَذَا المهوس الْفَاجِر وَاحِد وَاثْنَانِ لَكَانَ عجبا فَكيف أَن يضل بِهِ عَالم عَظِيم وجيل بعد جيل مذ أَزِيد من ألف وَخَمْسمِائة عَام مذ كتب لَهُم عزّر الْوراق هَذَا السخام الَّذِي أضلهم بِهِ وَنَحْمَد الله على عَظِيم نعْمَته علينا كثيرا ونسأله الْعِصْمَة فِي بَاقِي أعمارنا مِمَّا امتحن بِهِ من شَاءَ ضلاله آمين آمين وَالْخَامِسَة قَوْله فِي سفر يُوشَع أَنه وَقع لبني هَارُون ثَلَاث عشرَة مَدِينَة والعازار بن هَارُون حَيّ قَائِم فيا للنَّاس أَفِي الْمحَال أَكثر من أَن يدْخل فِي عقل أحد أَن نسل هَارُون بعد مَوته بِسنة وَأشهر يبلغ عددا لَا يَسعهُ للسُّكْنَى إِلَّا ثَلَاث عشرَة مَدِينَة هَل لهَذَا الْحمق دَوَاء إِلَّا الغل والقيد والمجمعة وَمَا يتبع ذَلِك من الكي وَالسَّوْط ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وكذبة سادسة ظريفة جدا وَهِي انه ذكر فِي توراتهم أَن عدد ذُكُور بني جرشون بن لاوي من بن شهر فَصَاعِدا كَانُوا سِتَّة آلَاف وَخَمْسمِائة وَإِن عدد ذُكُور بني قهاث بن لاوي من بن شهر فَصَاعِدا كَانُوا ثَمَانِيَة آلَاف وسِتمِائَة وَإِن عدد ذُكُور بني مراري بن لاوى من بن شهر فَصَاعِدا كَانُوا سِتَّة آلَاف وَمِائَتَيْنِ ثمَّ قَالَ فَجَمِيع الذُّكُور من بني لاوي من ابْن شهر فَصَاعِدا اثْنَان وَعِشْرُونَ ألفا فَكَانَ هَذَا ظريفاً جدا أَو شَيْئا تندى مِنْهُ الاباط وَهل يجهل
стр. 128
أحد أَن الْأَعْدَاد الْمَذْكُورَة إِنَّمَا هِيَ يجْتَمع مِنْهَا وَاحِدًا وَعشْرين ألفا وَثَلَاث مائَة هَذَا أَمر لَا نَدْرِي كَيفَ وَقع أتراه بلغ المسخم الْوَجْه الَّذِي كتب لَهُم هَذَا الْكتاب الأحمق من الْجَهْل بِالْحِسَابِ هَذَا الْمبلغ إِن هَذَا لعجب وَلَقَد كَانَ الثور أهدي مِنْهُ وَالْحمار ابْنه مِنْهُ بِلَا شكّ أَتَرَى لم يَأْتِ بعده من الْيَهُود مذ أَزِيد من ألف عَام وَخَمْسمِائة عَام من تبين لَهُ أَن هَذَا خطاء وباطل وَلَا يُمكن أَن يَدعِي هُنَا غلط من الْكتاب وَلَا وهم من النَّاسِخ فِي بعض النّسخ لِأَنَّهُ لم يدعنا فِي لبس من ذَلِك وَلَا فِي شكّ من فَسَاد مَا أَتَى بِهِ بل أكد ذَلِك وَبَينه وفضحه وأوضحه بِأَن قَالَ إِن بكور ذُكُور بني إِسْرَائِيل كَانُوا اثْنَيْنِ وَعشْرين ألفا وَمِائَتَيْنِ وَثَلَاثَة وَسبعين وَإِن الله تَعَالَى أَمر مُوسَى أَن يَأْخُذ بني لاوي الذُّكُور عَن بكور ذُكُور بني إِسْرَائِيل وَأَن يَأْخُذ عَن الْمِائَتَيْنِ وَالثَّلَاثَة وَالسبْعين الزائدين من بكور بني إِسْرَائِيل عَن الِاثْنَيْنِ وَعشْرين ألفا من بني لاوي عَن كل رَأس خَمْسَة أشقال فضَّة فَاجْتمع من ذَلِك ألف شقل وثلثمائة شقل وَخَمْسَة وَسِتُّونَ شقلاً فارتفع الأشكال جملَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وتالله مَا سمعنَا قطّ بأخبث طِينَة وَلَا أفسد جبلة مِمَّن كتب لَهُم هَذَا الضلال إِلَّا من اتبعهُ وَصدق بضلاله فَهَذِهِ سِتّ كذبات فِي نسق لَو لم يكن فِي توراتهم مِنْهَا إِلَّا وَاحِد لَكَانَ برهاناً قَاطعا مُوجبا لليقين بِأَنَّهَا كتاب مَوْضُوع بِلَا شكّ مبدل محرف صَغِير مَكْذُوب فَكيف بِجَمِيعِ مَا أوردنا من ذَلِك ونورد إِن شَاءَ الله ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَيَتْلُو هَذَا كذبة شائعة بشيعة شنيعة وَهِي أَنهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن دَاوُد ﵇ هُوَ ابْن ابشاي بن عونيذ بن بوعز بن شلومون بن نخشون بن عمينا دَاب ابْن أرام بن حصرون لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن عوينيذ الْمَذْكُور جد دَاوُد أَبَا أَبِيه كَانَت أمه رَوْث العمونية الَّتِي لَهَا كتاب مُفْرد من كتب النُّبُوَّة وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن من خُرُوجهمْ من مصر إِلَى ولَايَة دَاوُد ﵇ كَانَت سِتّمائَة سنة وست وَسِتِّينَ وَفِي نَص التَّوْرَاة عِنْدهم وَبلا خلاف مِنْهُم أَن مقدم بني يهوذا إِذْ خَرجُوا من مصر كَانَ نحشون بن عمينا دَاب الْمَذْكُور وَأَنه أَخُو امْرَأَة هَارُون ﵇ وَفِي نَص توراتهم أَنهم قَالُوا قَالَ الله تَعَالَى أَنه لَا يدْخل الأَرْض المقدسة من خرج من مصر وَله عشرُون سنة فَصَاعِدا إِلَّا يهوشع بن نون الإفرايمي وكالب ابْن يفنة اليهوذاني فصح ضَرُورَة أَن نحشون مَاتَ فِي التيه وَأَن الدَّاخِل فِي أَرض الشَّام هُوَ ابْنه شلومون فَأَقْسَمُوا الْآن سِتّمائَة وست وَسِتِّينَ على أَربع ولادات فَقَط وَهَذِه ولادَة بوعز بن شلومون الدَّاخِل ثمَّ ولادَة عونيذ بن بوعز بن رَوْث العمونية ثمَّ ولادَة ابشاي بن عونيذ ثمَّ ولادَة دَاوُد ﵇ ثمَّ ابشاسي ثمَّ لَا تخلف كتبهمْ فِي أَن دَاوُد ﵇ ولي وَله ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة عِنْد تَمام الستمائة سنة وست وَسِتِّينَ فَيَنْبَغِي أَن تسْقط سنو دَاوُد إِذْ ولي من الْعدَد الْمَذْكُور يكون الْبَاقِي خَمْسمِائَة سنة وَثَلَاثًا وَسبعين سنة لثلاث ولادات وَهِي ولادَة أبشاي وولادة عونيذ وولادة بوعز فتأملوا ابْن كم كَانَ وَاحِد مِنْهُم إِذْ ولد لَهُ ابْنه الْمَذْكُور تعلمُوا أَنه كذب مُسْتَحِيل فِي نِسْبَة ذَلِك من أعمارهم يَوْمئِذٍ لِأَن فِي كتبهمْ نصا أَنه لم يَعش أحد بعد مُوسَى ﵇ فِي بني إِسْرَائِيل مائَة وَثَلَاثِينَ سنة إِلَّا يهوباراع الكوهن الهاروني وَحده
стр. 129
بِالضَّرُورَةِ يجب أَن كل وَاحِد مِمَّن ذكرنَا كَانَ لَهُ أَزِيد من مائَة ونيف وَأَرْبَعين إِذْ ولد لَهُ ابْنه الْمَذْكُور وَهَذِه أَقْوَال يكذب بَعْضهَا بَعْضًا فصح ضَرُورَة لَا محيد عَنْهَا أَنَّهَا كلهَا مبدلة مستعملة محرفة مكذوبة ملعونة وَثَبت أَن ديانتهم الْمَأْخُوذَة من هَذِه الْكتب ديانَة فَاسِدَة مكذوبة من عمل الْفُسَّاق ضَرُورَة كالشيء الْمدْرك بالعيان واللمس وَنَحْمَد الله على السَّلامَة
فصل
ثمَّ وصف قيام بني إِسْرَائِيل على مُوسَى ﵇ وطلبهم مِنْهُ اللَّحْم للْأَكْل وَذكروا شوقهم إِلَى القرع والقثاء والبصل والكراث والثوم الَّذِي تشبه رَائِحَته فِي الروائح عُقُولهمْ فِي الْعُقُول وَذكروا ضجرهم من الْمَنّ وَالله قَالَ لمُوسَى ﵇ نقُول للعامة تقدسوا غَدا تَأْكُلُوا اللَّحْم هَا أَنا أسمعكم قائلين من ذَا يطعمنا أكل اللَّحْم قد كُنَّا بِخَير بِمصْر ليعطيكم السَّيِّد اللَّحْم فتأكلون لَيْسَ يَوْمًا وَاحِدًا وَلَا يَوْمَيْنِ وَلَا خَمْسَة وَلَا عشرَة حَتَّى تكمل أَيَّام الشَّهْر حَتَّى يخرج على مناخركم ويصيبكم التخم لما تخليتم عَن السَّيِّد الَّذِي هُوَ فِي وسطكم ويبكون قدامه قائلين لماذا أخرجنَا من مصر فَقَالَ مُوسَى لله تَعَالَى هم سِتّمائَة ألف رجل وَأَنت تَقول أَنا أعطيهم اللحوم شهرا طعماً أَتَرَى تكْثر بذبائح الْبَقر وَالْغنم فيقتاتون بهَا أم تجمع حيتان الْبَحْر مَعًا لتشبعهم فَقَالَ لَهُ الرب أَتَرَى يَد السَّيِّد عاجزة سترى أَن يوافيك كَلَامي أم لَا ثمَّ ذكر أَن الله تَعَالَى أرسل ريحًا فأت بالسماني من خلف الْبَحْر إِلَى بني إِسْرَائِيل فأكلوها وَدخل اللَّحْم بَين أضراسهم وأصابتهم التُّخمَة وَأَخذهم وباء شَدِيد مَاتَ مِنْهُم بِهِ كثير وَإِن هَذَا كَانَ فِي الشَّهْر الثَّانِي من خُرُوجهمْ من مصر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد رَضِي اللله عَنهُ ذكر فِي هَذَا الْفَصْل آيَات من الله رب الْعَالمين وَمَا تَأتي لَهُ طامة أَلا تكَاد تنسي مَا قبلهَا فَأول ذَلِك إِخْبَار اللعين الْمُبدل للتوراة بِأَن الله تَعَالَى إِذْ قَالَ لمُوسَى غَدا تَأْكُلُونَ اللَّحْم إِلَى تَمام الشَّهْر قَالَ لَهُ مُوسَى هم سِتّمائَة ألف رجل وَأَنت تَقول أَنا أعطيهم اللحوم طَعَاما شهياً أَتَرَى تكْثر بذبائح الْبَقر وَالْغنم يقتاتون بهَا أَو تجمع حيتان الْبَحْر مَعًا لتشبعهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ حاش لله أَن يُرَاجع رجل لَهُ من الْعقل مسكة ربه هَذِه الْمُرَاجَعَة وَأَن يشك فِي قوته على ذَلِك وعَلى مَا هُوَ أعظم مِنْهُ فَكيف رَسُول نَبِي أَتَرَى مُوسَى ﵇ دخله قطّ شكّ فِي أَن الله تَعَالَى قَادر على أَن يكثر بذبائح الْبَقر وَالْغنم حَتَّى يشبعهم أَو على أَن يَأْتِيهم من حيتان الْبَحْر بِمَا يشبعهم مِنْهُ حاش لله من ذَلِك أتراه خَفِي على مُوسَى ﵇ أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي يرْزق جَمِيع بني آدم فِي شَرق الأَرْض وغربها اللَّحْم وَغير اللَّحْم وَأَنه تَعَالَى رَازِق سَائِر الْحَيَوَانَات كلهَا من الطَّائِر والعائم والمنساب والماشي على رجلَيْنِ وَأَرْبع وَأكْثر حَتَّى يستنكر أَن يشْبع شرذمة قَليلَة لَا قدر لَهَا من اللَّحْم حاش لَهُ من ذَلِك فَكيف يَقُول مُوسَى ﵇ هَذَا الْكَلَام الأحمق حاش لَهُ من ذَلِك وَقبل ذَلِك بعام وَشهر وَبَعض آخر طلبُوا اللَّحْم فَأَتَاهُم بالسماني والمن وأكلوا ذَلِك بِنَصّ توراتهم أتراه نسي ذَلِك فِي هَذِه الْمدَّة الْيَسِيرَة أَو يظنّ أَنه قدر على الأولى ويعجز عَن الثَّانِيَة حاشا لَهُ من هَذَا الهوس
ثمَّ زِيَادَة فِي بَيَان هَذَا الْكَذِب أَن فِي توراتهم إِن بني إِسْرَائِيل إِذْ خَرجُوا من مصر مَعَ
стр. 130
مُوسَى خَرجُوا بِجَمِيعِ مَوَاشِيهمْ من الْبَقر وَالْغنم وَأَن أهل بَيت مِنْهُم ذَبَحُوا جدياً أَو خروفاً فِي تللك اللَّيْلَة وَذكر فِي مَوَاضِع مِنْهَا أَنهم أهدوا الكباش والتيوس والخرفان والجديان وَالْبَقر والعجول إِلَى قبَّة الْعَهْد وَذكروا فِي آخرهَا أَن بني رؤابين وَبني جادا وَنصف سبط بني منشا كَانَ مَعَهم غنم كثير وَمن الْبَقر عدد لَا يُحْصى فِي حِين ابْتِدَاء قِتَالهمْ وفتحهم لأرض الشَّام فَأَي عِبْرَة فِي إشباعهم من اللَّحْم وَاللَّحم حَاضر مَعَهم كثير لَا قَلِيل ثَلَاثَة من الْغنم كَانَت تَكْفِي الْوَاحِد مِنْهُم شهرا كَامِلا وثور وَاحِد كَانَ يَكْفِي أَرْبَعَة مِنْهُم شهرا كَامِلا على أَن يَأْكُلُوا اللَّحْم قوتاً حَتَّى يشبعوا بِلَا خبز فَكيف إِذا تأدموا بِهِ فَأَي عجب فِي إشباعهم بِاللَّحْمِ حَتَّى يُرَاجع مُوسَى ربه تَعَالَى بإنكار ذَلِك من قُوَّة ربه فَهَل فِي الْعَالم أَحمَق مِمَّن كتب هَذِه الكذبة الشنيعة الْبَارِدَة السخيفة الممزوجة بالْكفْر اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على تسليمك لنا مِمَّا امتحنتهم بِهِ فَإِن قَالُوا إِن فِي كتابكُمْ أَن الله تَعَالَى قَالَ لزكريا ﴿إِنَّا نبشرك بِغُلَام اسْمه يحيى﴾ الْآيَة وَأَن زَكَرِيَّا قَالَ لرَبه تَعَالَى ﴿أَنى يكون لي غُلَام وَكَانَت امْرَأَتي عاقراً وَقد بلغت من الْكبر عتياً قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين﴾ الْآيَة ﴿قَالَ رب اجْعَل لي آيَة قَالَ آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سوياً﴾ وَفِي كتابكُمْ أَيْضا أَن الْملك قَالَ لِمَرْيَم ﴿أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكياً قَالَت أَنى يكون لي غُلَام﴾ الْآيَة ﴿قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين﴾ الْآيَة قُلْنَا لَيْسَ فِي جَوَاب زَكَرِيَّا وَمَرْيَم ﵉ اعْتِرَاض على بشرى الْبَارِي لَهما كَمَا فِي كتابكُمْ عَن مُوسَى ﵇ وَلَا فِي كَلَام زَكَرِيَّا وَمَرْيَم ﵉ إِنْكَار على أَن يعطيهما وَلدين وهما عقيم وَبكر إِنَّمَا سَأَلَا أَن يعرفا الْوَجْه الَّذِي مِنْهُ يكون الْوَلَد فَقَط لِأَن إِنِّي فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن بِلَا خلاف أَن مَعْنَاهَا من أَيْن فصح مَا قُلْنَا من أَنَّهُمَا سألاه أَن يعرفهما الله تَعَالَى من أَيْن يكون لَهما الْوَالِدَان أَو من أَي جِهَة أبنكاح زَكَرِيَّا لامْرَأَة أُخْرَى أم نِكَاح رجل لِمَرْيَم أم من اختراعه تَعَالَى وَقدرته فَإِنَّمَا سَأَلَ زَكَرِيَّا الْآيَة ليظْهر صدقه عِنْد قومه وَلِئَلَّا يظنّ أَنَّهُمَا أخذاه وادعياه هَذَا هُوَ ظَاهر الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذكرنَا من الْقُرْآن دون تكلّف تَأْوِيل بِنَقْل لفظ أَو زِيَادَة أَو حذف بِخِلَاف مَا حكيتم عَن مُوسَى من الْكَلَام الَّذِي لَا يحْتَمل التَّكْذِيب فَقَط
فصل
وَبعد ذَلِك ذكر قيام مَرْيَم وَهَارُون أخي مُوسَى ﵇ معاندين لمُوسَى من أجل امْرَأَته الحبشية
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَكَيف تكون حبشية وَقد قَالَ فِي أول توراتهم أَنَّهَا بنت يثرون المدياني وَهُوَ بِلَا شكّ من ولد مَدين بن إِبْرَاهِيم ﵇ فأحد هذَيْن الْقَوْلَيْنِ يكذب الآخر
فصل
ذكر كَمَا ذكرنَا أَن فِي الشَّهْر الثَّانِي من السّنة الثَّانِيَة من خُرُوجهمْ من مصر كَانَ طَلَبهمْ اللَّحْم كَمَا ذكرنَا وَأَنه بعد ذَلِك وَقع لهارون وَمَرْيَم الشغب مَعَ مُوسَى
стр. 131
أخيهما ﵇ كَمَا ذكرنَا وَأَن مَرْيَم مَرضت وأخرجت من المعسكر سَبْعَة أَيَّام حَتَّى بَرِئت ثمَّ رجعت وَأَن بعد ذَلِك وَجه مُوسَى ﵇ الاثْنَي عشر رجلا الَّذين كَانَ من جُمْلَتهمْ هوشع ابْن نون الافرايمي وكالب بن يفنة اليهوذاني ليروا الأَرْض المقدسة وَذكر أَنهم طافوها فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ رجعُوا وخوفوا بني إِسْرَائِيل حاشا كالب وهوشع وَأَن الله تَعَالَى سخط عَلَيْهِم وأهلكهم وَأوحى إِلَى مُوسَى أما جيفكم فستكون ملقاة فِي المفاز وَيكون أَوْلَادكُم سابحين فِي المفاز أَرْبَعِينَ سنة على عدد الْأَرْبَعين يَوْمًا الَّتِي دوختم فِيهَا الْبَلَد اجْعَل لكم كل يَوْم سنة وتكافئون أَرْبَعِينَ سنة بخطاياكم وَأَنَّهُمْ بقوا فِي التيه أَرْبَعِينَ سنة فَلَمَّا أَتموا أَمرهم الله بالحركة فتحركوا ثمَّ مَاتَت مَرْيَم أُخْت مُوسَى ﵍ ثمَّ مَاتَ هَارُون ﵇ ثمَّ حَارب مُوسَى عوج وسحون الْملكَيْنِ واحذ بلادهما وَأعْطى بلادهما لبني رؤابين وَبني جادا وَنصف سبط منشا ثمَّ حَارب المدينتين وَقتل ملوكهما ثمَّ أَنه ﵇ مَاتَ وَله مائَة سنة وَعِشْرُونَ سنة وَفِي صدر توراتهم أَنه ﵇ إِذْ خرج عَن مصر كَانَ لَهُ ثَمَانُون سنة هَذَا كُله نَص توراتهم حرفا حرفا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا كذب فَاحش وَقد قُلْنَا أَن الَّذِي عمل لَهُم التَّوْرَاة الَّتِي بِأَيْدِيهِم كَانَ قَلِيل الْعلم بِالْحِسَابِ ثقيل الْيَد فِيهِ جدا أَو عياراً مَاجِنًا مستخفاً لَا دين لَهُ سخر مِنْهُم بأمثال التيوس وَالْحمير لِأَنَّهُ إِذا أخرج وَله ثَمَانُون سنة وَبَقِي بعد خُرُوجه سنة وشهرا ثمَّ تاهوا أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ قَاتلُوا ملوكاً عدَّة وقتلوهم وَأخذُوا بِلَادهمْ وَأَمْوَالهمْ فقد اجْتمع من ذَلِك ضَرُورَة زِيَادَة على الْمِائَة وَالْعِشْرين سنة أَكثر من سنة وَلَا بُد والأغلب أَنَّهُمَا سنتَانِ زائدتان فكذب وَلَا بُد فِي سنّ مُوسَى إِذْ مَاتَ أَو كذب الْوَعْد الَّذِي أخبر عَن الله تَعَالَى بتيههم أَرْبَعِينَ سنة حاشا للباري تَعَالَى أَن يكذب أَو أَن يغلط فِي دقيقة أَو أقل وحاشا لنَبيه ﷺ من مثل ذَلِك وَصَحَّ أَنَّهَا مولودة مَوْضُوعَة
فصل
ثمَّ ذكر فِي السّفر الْخَامِس فَقَالَ إِن طلع فِيكُم نَبِي وَادّعى أَنه رأى رُؤْيا وأتاكم بِخَبَر مَا يكون وَكَانَ مَا وَصفه ثمَّ قَالَ لكم بعد ذَلِك اتبعُوا أَبنَاء إلهة الْأَجْنَاس فَلَا تسمعوا لَهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذَا الْفَصْل شنعة من شنع الدَّهْر وتدسيس كَافِر مُبْطل للنبوات كلهَا لِأَنَّهُ أثبت النُّبُوَّة بقوله إِن طلع فِيكُم نَبِي ويصدقه فِي الْأَخْبَار بِمَا يكون ثمَّ أَمرهم بمعصيته إِذا دعاهم إِلَى اتِّبَاع آلِهَة الْأَجْنَاس وَهَذَا تنَاقض فَاحش وَلَئِن جَازَ أَن يكون نَبِي يصدق فِيمَا ينذر بِهِ يدعوا إِلَى الْبَاطِل وَالْكفْر فَلَعَلَّ صَاحب هَذِه الْوَصِيَّة من أهل هَذِه الصّفة وَمَا الَّذِي يؤمننا من ذَلِك وَهل هَا هُنَا يُوجب تَصْدِيقه
стр. 132
واتباعه ويبينه من الْكَاذِبين إِلَّا مَا صَحَّ نبوته من المعجزات فَلَمَّا لَزِمت مَعْصِيَته إِذا أَمر بباطل فَإِن مَعْصِيّة مُوسَى لَازِمَة وَغير جَائِزَة فِي شَيْء مِمَّا أَمر بِهِ إِذْ لَعَلَّه أَمر بباطل إِذْ كَانَ فِي الْمُمكن أَن يكون نَبِي يَأْتِي بالمعجزات يَأْمر بباطل وحاش لله أَن يَقُول مُوسَى ﵇ هَذَا الْكَلَام وَالله مَا قَالَه قطّ وَلَقَد كذب عَلَيْهِ الْكذَّاب الْمُبدل للتوراة وَكَذَلِكَ حاش لله أَن يظْهر آيَة على يَدي من يُمكن أَن يكذب أَو يَأْمر بباطل هَذَا هُوَ التلبيس من الله على عباده ومزج الْحق بِالْبَاطِلِ وخلطهما حَتَّى لَا يقوم برهَان على تَحْقِيق حق وَلَا إبِْطَال بَاطِل وَاعْلَمُوا أَن هَذَا الْ فَصْل من توراتهم والفصل الملعون الَّذِي فِيهِ أَن السَّحَرَة عمِلُوا مثل بعض مَا عمل مُوسَى ﵇ فَإِنَّهُمَا مبطلان على الْيَهُود المصدقين بهما نبوة كل نَبِي يقرونَ لَهُ بنبوة قطعا لِأَنَّهُ لَا فرق فيهمَا بَين مُوسَى وَسَائِر أَنْبِيَائهمْ وَبَين الْكَذَّابين والسحرة وحاش لله من هَذَا وَبِه تَعَالَى نَعُوذ من الخذلان
هَذَا مَعَ قَوْله بعد ذَلِك وَأَيّمَا نَبِي أحدث فِيكُم من ذَاته نبوة مِمَّا لم نأمر بِهِ وَلم أَعهد إِلَيْهِ بِهِ أَو تنبأ فِيكُم يَدْعُو للآلهة والأوثان فَاقْتُلُوهُ فَإِن قُلْتُمْ فِي أَنفسكُم من أَيْن يعلم أَنه من عِنْد الله أَو من ذَاته فَهَذَا علمه فِيكُم إِذا أنبأ بِشَيْء وَلم يكن فاعلموا أَنه من ذَاته
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا كَلَام صَحِيح وَهَذَا مضاد للَّذي قبله من أَنه يُنبئ بالشَّيْء فَيكون كَمَا قَالَ وَهُوَ مَعَ ذَلِك يَدْعُو إِلَى عبَادَة غير الله وَالْقَوْم مخذولون نقلوا دينهم عَن زنادقة مستخفين لَا مُؤنَة عَلَيْهِم أَن ينسبوا إِلَى الْأَنْبِيَاء ﵈ الْكفْر والضلال وَالْكذب والعمد كَالَّذي ذكرنَا قبل وكنسبتهم إِلَى هَارُون ﵇ أَنه هُوَ الَّذِي عمل الْعجل لبني إِسْرَائِيل وَبنى لَهُ مذبحاً وَقرب لَهُ القربان وجرد استاه قومه للرقص والغناء قُدَّام الْعجل عُرَاة وكما نسبوا إِلَى سُلَيْمَان ﵇ أَنه قرب القرابين للأوثان على الكدي وَأَنه قتل يواب بن صوريا صَبر أَو هُوَ نَبِي مثله وكما نسبوا إِلَى شاول وَهُوَ نَبِي عِنْدهم يوحي إِلَيْهِ قتل النُّفُوس ظلما ونسبوا إِلَى بلعام با عابورا وَهُوَ نَبِي عِنْدهم يوحي الله تَعَالَى إِلَيْهِ مَعَ الْمَلَائِكَة العون على الْكفْر وَأَن مُوسَى وجيشه قَتَلُوهُ ثمَّ نسبوا النُّبُوَّة إِلَى منشابن حزقيا الْملك وَهُوَ بإقرارهم كَافِر مَلْعُون يعبد الْأَوْثَان وَيقتل الْأَنْبِيَاء وينسبون المعجزات إِلَى شمسون الدابي وَهُوَ عِنْدهم فَاسق مَشْهُور بِالْفِسْقِ متعشق للفواسق ملمٌّ بِهن وينسبون المعجزات إِلَى السَّحَرَة فاعجبوا الْعَظِيم بليتهم واحمدوا الله على السَّلامَة واسألوه الْعَافِيَة لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
فصل
ثمَّ قَالَ آخر توراتهم فَتوفي مُوسَى عبد الله بذلك الْموضع فِي أَرض مؤاب مُقَابل بَيت فغور وَلم يعرف آدَمِيّ مَوضِع قَبره إِلَى الْيَوْم وَكَانَ مُوسَى يَوْم توفّي ابْن مائَة وَعشْرين سنة لم ينقص بَصَره وَلَا تحركت أَسْنَانه فنعاه بَنو إِسْرَائِيل فِي أوطنة مؤاب ثَلَاثِينَ يَوْمًا وأكملوا نعيه ثمَّ إِن يشوع بن نون امْتَلَأَ من روح الله إِذْ جعل مُوسَى يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَسمع لَهُ بَنو إِسْرَائِيل وفعلوا مَا أَمر الله بِهِ مُوسَى وَلم يخلف مُوسَى فِي بني إِسْرَائِيل نَبِي مثله وَلَا من
стр. 133
بِكَلِمَة الله مُوَاجهَة فِي جَمِيع عجائبه الَّتِي فعل على يَدَيْهِ بِأَرْض مصر فِي فِرْعَوْن مَعَ عبيده وَجَمِيع أهل مَمْلَكَته وَلَا من صنع مَا صنع مُوسَى فِي جمَاعَة بني إِسْرَائِيل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا آخر توراتهم وتمامها وَهَذَا الْفَصْل شَاهد عدل وبرهان تَامّ وَدَلِيل قَاطع وَحجَّة صَادِقَة فِي أَن توراتهم مبدلة وَأَنَّهَا تَارِيخ مؤلف كتبه لَهُم من تحرض بجهله أَو تعمد بفكره وَأَنَّهَا غير منزلَة من عِنْد الله تَعَالَى إِذْ لَا يُمكن أَن يكون هَذَا الْفَصْل منزلا على مُوسَى فِي حَيَاته فَكَانَ يكون أَخْبَارًا عَنْهُمَا لم يكن بمساق مَا قد كَانَ وَهَذَا هُوَ مَحْض الْكَذِب تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَقَوله لم يعرف قَبره آدَمِيّ إِلَى الْيَوْم بَيَان لما ذكرنَا كَاف وَأَنه تَارِيخ ألف بعد دهر طَوِيل وَلَا بُد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَا هُنَا انْتهى مَا وجدنَا من التَّوْرَاة للْيَهُود الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا الربانيون والعانانيون والعيسويون والصدوقيون مِنْهُم مَعَ النَّصَارَى أَيْضا بِلَا خلاف مِنْهُم فِيهَا من الْكَذِب الظَّاهِر فِي الْأَخْبَار وَفِيمَا يخبر بِهِ عَن الله تَعَالَى ثمَّ عَن مَلَائكَته ثمَّ عَن رسله ﵈ من المناقضات الظَّاهِرَة وَالْفَوَاحِش المضافة إِلَى الْأَنْبِيَاء ﵈ وَلَو لم يكن فِيهَا إِلَّا فصل وَاحِد من الْفُصُول الَّتِي ذكرنَا لَكَانَ مُوجبا وَلَا بُد لكَونهَا مَوْضُوعَة محرفة مبدلة مكذوبة فَكيف وَهِي سَبْعَة وَخَمْسُونَ فصلا من جُمْلَتهَا فُصُول بِجمع الْفَصْل الْوَاحِد مِنْهَا سبع كذبات أَو مناقضات فَأَقل سوى ثَمَانِيَة عشر فصلا يتكاذب فِيهَا نَص توراة الْيَهُود مَعَ نَص تِلْكَ الْأَخْبَار بِأَعْيَانِهَا عِنْد النَّصَارَى وَالْكذب لائح وَلَا بُد فِي إِحْدَى الحكايتين فَمَا ظنكم بِمثل هَذَا الْعدَد من الْكَذِب والمناقضة فِي مِقْدَار توراتهم وَإِنَّمَا هِيَ مِقْدَار مائَة ورقة وَعشرَة أوراق فِي كل صفحة مِنْهَا من ثَلَاثَة وَعشْرين سطراً إِلَى نَحْو ذَلِك بِخَط هوإلى الِانْفِسَاخ أقرب يكون فِي السطر بضع عشرَة كلمة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَنحن نصف إِن شَاءَ الله تَعَالَى حَال كَون التَّوْرَاة عِنْد نبى إِسْرَائِيل من أول دولتهم إِثْر موت مُوسَى ﵇ إِلَى انْقِرَاض دولتهم إِلَى رجوعهم إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِلَى أَن كتبهَا لَهُم عزّر الْوراق بِإِجْمَاع من كتبهمْ واتفاق من عُلَمَائهمْ دون خلاف يُوجد من أحد مِنْهُم فِي ذَلِك وَمَا اخْتلفُوا فِيهِ من ذَلِك نبهنا عَلَيْهِ ليتيقن كل ذِي فهم أَنَّهَا محرفة مبدلة وَبِاللَّهِ تَعَالَى نستعين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ دخل بَنو إِسْرَائِيل الْأُرْدُن وفلسطين والغور مَعَ يُوشَع بن نون مُدبر أَمرهم ﵇ إِثْر موت مُوسَى ﵇ وَمَعَ يُوشَع العازار بن هَارُون ﵇ صَاحب السرادق بِمَا فِيهِ وَعِنْده التَّوْرَاة لَا عِنْد أحد غَيره بإقرارهم فدبر يُوشَع ﵇ أَمرهم فِي استقامة وألزمهم للدّين إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة مذمات مُوسَى ﵇ إِلَى أَن مَاتَ يُوشَع ثمَّ دبرهم فيخاس بن العزر بن هَارُون وَهُوَ صَاحب السرادق والكوهن الْأَكْبَر والتوراة عِنْده لَا عِنْد أحد غَيره خمْسا وَعشْرين سنة فِي استقامة والتزام للدّين ثمَّ مَاتَ وَطَائِفَة مِنْهُم عَظِيمَة يَزْعمُونَ أَنه حَيّ إِلَى الْيَوْم وَثَلَاثَة أنفس إِلَيْهِ وهم الياس النَّبِي الهاروني ﵇ وملكيصيدق بن فالج بن عَامر بن ارفخشاذ بن سَام بن نوح ﵇ وَالْعَبْد الَّذِي بَعثه إِبْرَاهِيم ﵇ ليزوج إِسْحَاق ﵇ رفْقَة بنت بتوئيل بن ناخور أخي
стр. 134
إِبْرَاهِيم ﵇ فَلَمَّا انْقَضتْ الْمدَّة الْمَذْكُورَة لفينحاس بن العزر كفر بَنو إِسْرَائِيل وَارْتَدوا كلهم وعبدوا الْأَوْثَان عَلَانيَة فملكهم كَذَلِك ملك صور وصيدا مُدَّة ثَمَانِيَة أَعْوَام على الْكفْر
ثمَّ دبر أَمرهم عثنيال بن قنار بن أخي كالب بن يفنة بن يهوذا أَرْبَعِينَ سنة على الْإِيمَان ثمَّ مَاتَ فَكفر بَنو إِسْرَائِيل كلهم وَارْتَدوا وعبدوا الْأَوْثَان عَلَانيَة فملكهم كَذَلِك عفلون ملك بني مؤاب ثَمَان عشرَة سنة على الْكفْر ثمَّ دبر أَمرهم أهوَ ذبن قارا قيل أَنه من سبط أفرايم وَقيل من سبط بنيامين وَاخْتلف أَيْضا فِي مُدَّة رياسته فَقيل ثَمَانُون سنة وَقيل خمس وَخَمْسُونَ سنة على الْإِيمَان إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ دبرهم سمْعَان بن غاث بن سبط أَشَارَ خمْسا وَعشْرين سنة على الْإِيمَان ثمَّ مَاتَ فَكفر بَنو إِسْرَائِيل كلهم وعبدوا الْأَوْثَان جهاراً فملكهم كَذَلِك مراش الكنعاني عشْرين سنة على الْكفْر ثمَّ دبرت أَمرهم دبور النبتية من سبط يهوذا وَكَانَ زَوجهَا رجلا يُسمى السدوث من سبط أفرايم إِلَى أَن مَاتَت وهم على الْإِيمَان فَكَانَ مُدَّة تدبيرها لَهُم أَرْبَعُونَ سنة فَلَمَّا مَاتَت كفر بَنو إِسْرَائِيل كلهم وَارْتَدوا وعبدوا الْأَوْثَان جهارا فملكهم عوزبب وزاب ملك بني مَدين سبع سِنِين على الْكفْر ثمَّ دبر أَمرهم جدعون بن بواس من سبط أفرايم وَقيل بل سبط منشا وهم يصفونَ أَنه كَانَ نَبيا وَكَانَ لَهُ وَاحِد وَسَبْعُونَ ابْنا وكورا فملكهم على الْإِيمَان أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ مَاتَ وَولي ابْنه أَبُو ملك ابْن جدعون وَكَانَ فَاسِقًا خَبِيث السِّيرَة فَارْتَد جَمِيع بني إِسْرَائِيل وَكَفرُوا وعبدوا الْأَوْثَان جهاراً وأعانه أَخْوَاله من أهل نابلس من بني إِسْرَائِيل من سبط يُوسُف بتسعين ديراً من بَيت ماعل الصَّنَم ومضوا مَعَه فَقتل جَمِيع إخْوَته حاشا وَاحِد مِنْهُم أفلت وَبَقِي كَذَلِك ثَلَاث سِنِين إِلَى أَن قتل ودبرهم بعده مولع بن قوا من سبط يساخر وَلم نجد بَيَانا هَل كَانَ على الْإِيمَان أَو على الْكفْر خمْسا وَعشْرين سنة ثمَّ مَاتَ ثمَّ دبر أَمرهم بعده بَابَيْنِ بن جلعاد من سبط منشا اثْنَيْنِ وَعشْرين عَاما على الْإِيمَان إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ لَهُ اثْنَان وَثَلَاثُونَ ولدا ذُكُورا قد ولي كل وَاحِد مِنْهُم مَدِينَة من مَدَائِن بني إِسْرَائِيل فَارْتَد بَنو إِسْرَائِيل كلهم بعد مَوته وعبدوا الْأَوْثَان جهاراً وملكهم بَنو عمون ثَلَاث عشرَة سنة مُتَّصِلَة على الْكفْر ثمَّ قَامَ فيهم رجل من سبط منشا اسْمه هيلع بن جلعاد وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنه كَانَ ابْن زَانِيَة وَكَانَ فَاسِقًا خَبِيث السِّيرَة نذر إِن أظفره الله بعدوه أَن يقرب لله أول من يلقاه من منزله فَأول من لقِيه ابْنَته وَلم يكن لَهُ ولد غَيرهَا فوفي بنذره وذبحها قرباناً وَكَانَ فِي عصره نَبِي فَلم يلْتَفت إِلَيْهِ وَأَنه قتل من بني أفرايم اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين ألف رجل فملكهم سِتّ سِنِين ثمَّ مَاتَ فوليهم بعده أفصات من سبط يهوذا من سكان بَيت لحم وَكَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ ابْنا ذُكُورا فوليهم سبع سِنِين وَقيل سِتّ سِنِين ثمَّ مَاتَ وَالْأَظْهَر من حَاله على مَا توجبه أخبارهم الاسْتقَامَة ووليهم بعده إيلون من سبط زبلون عشر سِنِين إِلَى أَن مَاتَ وَولي بعده عبدون بن هِلَال من سبط أفرايم ثَمَانِي سِنِين على الْإِيمَان وَكَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ ولدا ذُكُورا فَلَمَّا مَاتَ ارْتَدَّ بَنو إِسْرَائِيل كلهم وَكَفرُوا وعبدوا الْأَوْثَان جهاراً فملكهم الفلسطينيون وهم الكنعانيون وَغَيرهم أَرْبَعِينَ سنة على الْكفْر ثمَّ دبرهم شمشون بن مانوح من سبط داني وَكَانَ مَذْكُورا عِنْدهم بِالْفِسْقِ وَاتِّبَاع الزواني فدبرهم عشْرين سنة وينسبون إِلَيْهِ المعجزات ثمَّ أسر وَمَات فدبر بَنو إِسْرَائِيل
стр. 135
بَعضهم بَعْضًا فِي سَلامَة وإيمان أَرْبَعِينَ سنة بِلَا رَئِيس يجمعهُمْ ثمَّ دبرهم الكاهن الهاروني على الْإِيمَان عشْرين سنة إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ دبرهم شمويل بن فتان النَّبِي من سبط أفرايم قيل عشْرين سنة وَقيل أَرْبَعِينَ سنة كل ذَلِك فِي كتبهمْ على الْإِيمَان وَذكروا أَنه كَانَ لَهُ ابْنَانِ قوهال وببايجو أَن فِي الحكم ويظلمان النَّاس وَعند ذَلِك رَغِبُوا إِلَى شمويل أَن يَجْعَل لَهُم ملكا فولى عَلَيْهِم شاول الدّباغ بن قيش بن انيل بن شارون بن بورات بن آسيا بن خس من سبط بنيامين وَهُوَ طالوت فوليهم عشْرين سنة وَهُوَ أول ملك كَانَ لَهُم ويصفونه بِالنُّبُوَّةِ وبالفسق وَالظُّلم والمعاصي مَعًا وَأَنه قتل من بني هَارُون نيفاً وَثَمَانِينَ إنْسَانا وَقتل نِسَاءَهُمْ وأطفالهم لأَنهم أطعموا دَاوُد ﵇ خبْزًا فَقَط فاعلموا الْآن أَنه كَانَ مذ دخلُوا الأَرْض المقدسة إِثْر موت مُوسَى ﵇ إِلَى ولَايَة أول ملك لَهُم وَهُوَ شاول الْمَذْكُور سبع ردات فارقوا فِيهَا الْإِيمَان وأعلنوا بِعبَادة الْأَصْنَام فأولها بقوا فِيهَا ثَمَانِيَة أَعْوَام وَالثَّانيَِة ثَمَانِيَة عشر عَاما وَالثَّالِثَة عشْرين عَاما وَالرَّابِعَة سَبْعَة أَعْوَام وَالْخَامِسَة ثَلَاثَة أَعْوَام وَرُبمَا أَكثر وَالسَّادِسَة ثَمَانِيَة عشر عَاما وَالسَّابِعَة أَرْبَعِينَ عَاما فتأملوا أَي كتاب يبْقى مَعَ تمادي الْكفْر ورفض الْإِيمَان هَذِه المدد الطوَال فِي بلد صَغِير مِقْدَار ثَلَاثَة أَيَّام فِي مثلهَا فَقَط لَيْسَ على دينهم وَاتِّبَاع كِتَابهمْ أحد على ظهر الأَرْض غَيرهم ثمَّ مَاتَ شاول الْمَذْكُور مقتولاً وَولى أَمرهم دَاوُد ﵇ وهم ينسبون إِلَيْهِ الزِّنَا عَلَانيَة بِأم سُلَيْمَان ﵇ وَأَنَّهَا ولدت مِنْهُ من الزِّنَا ابْنا مَاتَ قبل ولادَة سُلَيْمَان فعلى من يضيف هَذَا إِلَى الْأَنْبِيَاء ﵈ ألف ألف لعنة وينسبون إِلَيْهِ أَنه قتل جَمِيع أَوْلَاد شاول لذنب أَبِيهِم حاشا صَغِيرا مقْعدا كَانَ فيهم فَقَط وَكَانَت مدَّته ﵇ أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ ولي سُلَيْمَان ﵇ وَقد وصفوه بِمَا ذكرنَا قبل وَذكروا عَنهُ أَن نَفَقَته فَرضهَا على الأسباط لكل سبط شهر من السّنة وَأَن جنده كَانُوا اثْنَي عشر ألف فَارس على الْخَيل وَأَرْبَعين ألفا على الرمك خلافًا لما فِي التَّوْرَاة أَن لَا يكثروا من الْخَيل وَهُوَ الَّذِي بني الهيكل فِي بَيت الْمُقَدّس وَجعل فِيهِ السرادق والمذبح والمنارة الْآن والقربان والتوراة والتابوت وسكينة بني هَارُون فَكَانَت ولَايَته أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ مَاتَ ﵇ فافترق أَمر بني إِسْرَائِيل فَصَارَ بَنو يهوذ وَبَنُو بنيامين لبني سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇ فِي بَيت الْمُقَدّس وَصَارَ ملك الأسباط الْعشْرَة الْبَاقِيَة إِلَى ملك آخر مِنْهُم يسكن بنابلس على ثَمَانِيَة عشر ميلًا من بَيت الْمُقَدّس وبقوا كَذَلِك إِلَى ابْتِدَاء إدبار أَمرهم على مَا نبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَنَذْكُر بحول الله تَعَالَى وقوته أَسمَاء مُلُوك بني سُلَيْمَان ﵇ وأديانهم ثمَّ نذْكر مُلُوك الأسباط الْعشْرَة وَبِاللَّهِ نتأيد ليرى كل وَاحِد كَيفَ كَانَت حَال التَّوْرَاة والديانة فِي أَيَّام دولتهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ ولي أثر موت سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇ ابْنه رحبعام بن سُلَيْمَان وَله سِتّ عشرَة سنة وَكَانَت ولَايَته سَبْعَة عشر عَاما فأعلن الْكفْر طول ولَايَته وَعبد الْأَوْثَان جهاراً هُوَ وَجَمِيع رَعيته وجنده بِلَا خلاف مِنْهُم وَيَقُولُونَ أَن جنده كَانُوا مائَة ألف وَعشْرين ألف مقَاتل وَفِي أَيَّامه غزا ملك مصر فِي سَبْعَة آلَاف فَارس وَخَمْسَة عشر ألف رجل إِلَى بَيت
стр. 136
الْمُقَدّس يَأْخُذهَا عنْوَة بِالسَّيْفِ وهرب رجسام وانتهب ملك مصر الْمَدِينَة وَالْقصر والهيكل وَأخذ كل مَا فِيهَا وَرجع إِلَى مصر سالما غانماً ثمَّ مَاتَ رحبعام على الْكفْر فولي مَكَانَهُ ابْنه أَبَيَا وَله ثَمَان عشرَة سنة فَبَقيَ على الْكفْر هُوَ وجنده ورعيته وعَلى عبَادَة الْأَوْثَان عَلَانيَة وَكَانَت ولَايَته سِتّ سِنِين وَيَقُولُونَ قتل من الأسباط الْعشْرَة فِي حروبه مَعَهم خَمْسمِائَة ألف إِنْسَان ثمَّ ولي بعد مَوته ابْنه اسابن ابيا وَله عشر سِنِين وَكَانَ مُؤمنا فهدم بيُوت الْأَوْثَان وَأظْهر الْإِيمَان وَبَقِي فِي ولَايَته إِحْدَى وَأَرْبَعين سنة على الْإِيمَان وَذكروا أَن جنده كَانُوا ثَلَاثمِائَة ألف مقَاتل من بني يهوذا واثنين وَخمسين ألفا من بني بنيامين وَمَات وَولي بعده ابْنه يَهو شافاط بن أسا وَهُوَ ابْن خمس وَثَلَاثِينَ سنة فَكَانَت ولَايَته خمْسا وَعشْرين سنة وَذكروا عَنهُ أَنه كَانَ على الْإِيمَان إِلَى أَن مَاتَ فولي ابْنه يهورام بن يَهو شافاط وَلم نجد أَمر سيرته وَدينه إِلَّا أَنه كَانَ مؤلفاً الْعِبَادَة والأوثان من مُلُوك سَائِر الأسباط وَولى وَله اثْنَان وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَت ولَايَته ثَمَانِيَة أَعْوَام وَمَات فولي مَكَانَهُ ابْنه أحزياهو وَله اثْنَان وَعِشْرُونَ سنة فأظهر الْكفْر وَعبادَة الْأَصْنَام فِي جَمِيع رَعيته وَكَانَت ولَايَته سنة وَقتل فوليت أمه عثلياهو بنت عمري ملك الْعشْرَة الأسباط فتمادت على أَشد مَا يكون من الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان وَقتلت الْأَطْفَال وَأمرت بإعلان الزِّنَا فِي الْبَيْت الْمُقَدّس وَجَمِيع عَملهَا وعهدت أَن لَا تمنع امْرَأَة مِمَّن أَرَادَ الزِّنَا مَعهَا وعهدت أَن لَا يُنكر ذَلِك أحد فَبَقيت كَذَلِك سِتّ سِنِين إِلَى أَن قتلت فولي ابْن ابْنهَا يؤاش بن احزياهو وَله سبع سِنِين فاتصلت ولَايَته أَرْبَعِينَ سنة وأعلن الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان وَقتل زَكَرِيَّا النَّبِي ﵇ بِالْحِجَارَةِ ثمَّ قَتله غلمانه فولي بعده ابْنه أمصياهو بن يؤاش وَله خمس وَعِشْرُونَ سنة فأعلن الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان هُوَ وَجَمِيع رَعيته فَبَقيَ كَذَلِك إِلَى أَن قتل وَهُوَ على الْكفْر وَكَانَت ولَايَته تسعا وَعشْرين سنة فِي أَيَّامه انتهب مُلُوك الأسباط الْعشْرَة الْبَيْت الْمُقَدّس وأغاروا على كل مَا فِيهِ مرَّتَيْنِ ثمَّ ولي بعده عزياهو بن أمصياهو وَله سِتّ عشرَة سنة فأعلن الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان هُوَ وَجَمِيع رَعيته فَبَقيَ كَذَلِك إِلَى أَن قتل وَهُوَ على الْكفْر وَكَانَت ولَايَته تسعا وَعشْرين سنة وَفِي أَيَّامه انتهب مُلُوك الأسباط الْعشْرَة الْبَيْت الْمُقَدّس وأغاروا على كل مَا فِيهِ مرَّتَيْنِ ثمَّ ولي بعده عزيا هُوَ بن أمصياهو وَله سِتّ عشرَة سنة فأعلن الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان هُوَ وَجَمِيع رَعيته إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت ولَايَته اثْنَتَيْنِ وَخمسين سنة وَهُوَ قتل عاموص النَّبِي ﵇ الداوودي فولي بعده ابْنه يوثام ابْن عزيا هُوَ وَله خمس وَعِشْرُونَ سنة وَلم نجد لَهُ سيرة وَكَانَت ولَايَته سِتّ عشرَة سنة فَمَاتَ فولي مَكَانَهُ ابْنه احاز بن يوثام وَله عشرُون سنة فأعلن الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان وَكَانَت ولَايَته سِتّ عشرَة سنة فأعلن الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان إِلَى أَن مَاتَ فولي بعده ابْنه حزقيا بن أحاز وَله خمس وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَت ولَايَته تسعا وَعشْرين سنة فأظهر الْإِيمَان وَهدم بيُوت الْأَوْثَان وَقتل خدمتهما وَبَقِي على الْإِيمَان إِلَى أَن مَاتَ هُوَ وَجَمِيع رَعيته وَفِي السّنة السَّابِعَة من ولَايَته انْقَطع ملك الْعشْرَة الأسباط من بني إِسْرَائِيل وَغلب عَلَيْهِم سُلَيْمَان الأعسر ملك الْموصل وسباهم ونقلهم إِلَى أمد
стр. 137
وبلاد الجزيرة وَسكن فِي بِلَاد الأسباط الْعشْرَة أهل أمد والجزيرة فأظهروا دين السامرة الَّذين هُنَاكَ إِلَى الْيَوْم ثمَّ مَاتَ حزقيا وَولي بعده ابْنه منشا بن حزقيا وَله ثنتا عشرَة سنة فَفِي السّنة الثَّالِثَة من ملكه أظهر الْكفْر وَبنى بيُوت الْأَوْثَان وَأظْهر عبادتها هُوَ وَجَمِيع أهل مَمْلَكَته وَقتل شعيا النَّبِي قيل نشره بِالْمِنْشَارِ من رَأسه إِلَى مخرجه وَقيل قَتله بِالْحِجَارَةِ وَأحرقهُ بالنَّار وَالْعجب كُله أَنهم يصفونَ فِي بعض كتبهمْ بِأَن الله أوحى إِلَيْهِ مَعَ ملك من الْمَلَائِكَة وَأَن ملك بابل كَانَ أسره وَحمله إِلَى بَلَده وَأدْخلهُ فِي ثَوْر نُحَاس وأوقد النَّار تَحْتَهُ فَدَعَا الله فَأرْسل إِلَيْهِ ملكا فَأخْرجهُ من الثور ورده إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَأَنه تَمَادى مَعَ ذَلِك كُله على كفره حَتَّى مَاتَ وَكَانَت ولَايَته خمْسا وَخمسين فَقولُوا يَا معشر السامعين بلد تعلن فِيهِ عبَادَة الْأَوْثَان وتبني هياكلها وَيقتل من وجد فِيهِ من الْأَنْبِيَاء كَيفَ يجوز أَن يبْقى فِيهِ كتاب الله سالما أم كَيفَ يُمكن هَذَا فَلَمَّا مَاتَ منشا ولي مَكَانَهُ ابْنه آمون بن منشا وَهُوَ ابْن اثْنَيْنِ وَعشْرين عَاما فَكَانَت ولَايَته سنتَيْن على الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان إِلَى أَن مَاتَ فولي مَكَانَهُ ابْنه يوشيا بن آموز وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين فَفِي السّنة الثَّالِثَة من ملكه أعلن الْإِيمَان وَكسر الصلبان وأحرقها واستأصل هياكلها وَقتل خدامها وَلم يزل على الْإِيمَان إِلَى أَن قتل قَتله ملك مصر وَفِي أَيَّامه أَخذ أرميا النَّبِي السرادق والتابوت وَالنَّار وأخفاها حَيْثُ لَا يدْرِي أحد لعلمه بفوت ذهَاب أَمرهم ثمَّ ولي بعده ابْنه يهويا حوز بن يوشيا وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَعشْرين سنة فَرد الْكفْر وأعلن عبَادَة الْأَوْثَان وَأخذ التَّوْرَاة من الكاهن الهاروني وَنشر مِنْهَا أَسمَاء لله حَيْثُ وجدهَا وَكَانَت ولَايَته ثَلَاثَة أشهر وأسره ملك مصر فولي مَكَانَهُ يهويا قيم بن نوشيا أَخُوهُ وَهُوَ ابْن خمس وَعشْرين سنة فأعلن الْكفْر وَبنى بيُوت الْأَوْثَان هُوَ وَجَمِيع أهل مَمْلَكَته وَقطع الدّين جملَة وَأخذ التَّوْرَاة من الهاروني فأحرقها بالنَّار وَقطع أَثَرهَا وَكَانَت ولَايَته إِحْدَى عشرَة سنة وَمَات فولي مَكَانَهُ ابْنه يهويا كين بن يهويا قيم وتلقب بنخيا وَهُوَ بن ثَمَان عشرَة سنة فَأَقَامَ على الْكفْر وأعلن عبَادَة الْأَوْثَان وَكَانَت ولَايَته ثَلَاثَة أشهر وأسرة بخْتنصر فولي مَكَانَهُ عَمه متنيا بن يوشيا وتلقب صدقا وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَعشْرين سنة فَثَبت على الْكفْر وأعلن عبَادَة الْأَوْثَان هُوَ وَجَمِيع أهل مَمْلَكَته وَكَانَت ولَايَته إِحْدَى عشر سنة وأسره بخْتنصر وَهدم الْبَيْت وَالْمَدينَة واستأصل جَمِيع بني إِسْرَائِيل وأخلى الْبَلَد مِنْهُم وَحَملهمْ إِلَى بِلَاد بابل وَهُوَ آخر مُلُوك بني إِسْرَائِيل وَبني سُلَيْمَان جملَة فَهَذِهِ كَانَت صفة مُلُوك بني سُلَيْمَان بن دَاوُود ﵉
فاعلموا الْآن أَن التَّوْرَاة لم تكن من أول دولتهم إِلَى انْقِضَائِهَا إِلَّا عِنْد الهاروني الكوهن الْأَكْبَر وَحده فِي الهيكل فَقَط وَأما مُلُوك الأسباط الْعشْرَة فَلم يكن فيهم مُؤمن قطّ وَلَا وَاحِد فَمَا فَوْقه بل كَانُوا كلهم معلنين بِعبَادة الْأَوْثَان مخيفين للأنبياء مانعين الْقَصْد إِلَى بَيت الْمُقَدّس لم يكن فيهم نَبِي قطّ إِلَّا مقتولاً أَو هَارِبا مخافاً
فَإِن قيل أَلَيْسَ قد قتل الياس جَمِيع أَنْبيَاء بابل لأجل الوثن الَّذِي كَانَ يعبده الْملك والنخلة الَّتِي كَانَت تعبدها بني إِسْرَائِيل وهم ثَمَانمِائَة وَثَمَانُونَ رجلا
قُلْنَا إِنَّمَا كَانَ بِإِقْرَار كتبهمْ فِي مشْهد وَاحِد ثمَّ هرب من وقته وطلبته امْرَأَة الْملك لتقتله وَمَا أبصره أحد فَأول مُلُوك الأسباط الْعشْرَة يربعام بن ناباط الافرايمي وليهم إِثْر موت سُلَيْمَان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ سلم فَعمل من حِينه عجلين من ذهب وَقَالَ هَذَانِ إلاهاكم اللَّذَان خلصاكم من مصر وَبنى لَهما هيكلين وَجعل لَهما سدنة من غير بني لاوي وعبدهما هُوَ وَجَمِيع
стр. 138
أهل مَمْلَكَته ومنعهم من الْمسير إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَهُوَ كَانَ شريعتهم لَا شَرِيعَة لَهُم غير الْقَصْد إِلَيْهِ والقربان فِيهِ فَملك أَرْبعا وَعشْرين سنة ثمَّ مَاتَ وَولي ابْنه ناداب بن يربعام على الْكفْر الْمُعْلن سنتَيْن ثمَّ قَتله هُوَ وَجَمِيع أهل بَيته وَولى بعشا بن إيلا من بني يساخر على عبَادَة الْأَوْثَان عَلَانيَة أَرْبعا وَعشْرين سنة وَولى وَلَده أيلا بن بعشا على الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان سنتَيْن إِلَى أَن قَامَ عَلَيْهِ رجل من قواده اسْمه زمري فَقتله وَجَمِيع أهل بَيته وَولى زمري سَبْعَة أَيَّام فَقتل وأحرق عَلَيْهِ دَاره وافترق أَمرهم على رجلَيْنِ أَحدهمَا يُسمى تبني بن جينة وَالْآخر عمري فبقيا كَذَلِك اثْنَتَيْ عشرَة عَاما ثمَّ مَاتَ تبني وَانْفَرَدَ بملكهم عمري فَبَقيَ كَذَلِك ثَمَانِيَة أَعْوَام على الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان إِلَى أَن مَاتَ وَولي بعده ابْنه أحاب بن عمري على أَشد مَا يكون من الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان إِحْدَى وَعشْرين سنة وَفِي أَيَّامه كَانَ الياس النَّبِي ﵇ هَارِبا عَنهُ فِي الفلوات وَعَن امْرَأَته بنت ملك صيدا وهما يطلبانه للْقَتْل ثمَّ مَاتَ أحاب وَولى ابْنه أحزيا بن أحاب على الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان ثَلَاث سِنِين ثمَّ مَاتَ وَولي مَكَانَهُ أَخُوهُ يهورام ابْن أحاب على الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان اثْنَتَيْ عشرَة سنة إِلَى أَن قتل هُوَ وَجَمِيع أهل بَيته وَفِي أَيَّامه كَانَ اليسع ﵇ وَولي مَكَانَهُ يَا هُوَ بن نمشي من سبط منشيا فَكَانَ أقلهم كفرا هدم هياكل مَا على الوثن وَقتل سدنته إِلَّا أَنه لم ينقص قطع عبَادَة الْأَوْثَان بل ترك النَّاس عَلَيْهَا وَلم يظْهر الْإِيمَان فولي كَذَلِك ثَمَانِيَة وَعشْرين سنة وَمَات وَولي مَكَانَهُ ابْنه يهويا حَاز بن ياهو سبع عشرَة سنة فَبنى بيُوت الْأَوْثَان وأعلن عبادتها هُوَ ورعيته إِلَى أَن مَاتَ وَفِي كتبهمْ أَن أَمر الأسباط الْعشْرَة ضعف فِي أَيَّامه حَتَّى لم يكن مَعَه من الْجند الاخمسون فَارِسًا وَعشرَة آلَاف رجل فَقَط لِأَن ملك دمشق غلب عَلَيْهِم وقتلهم وَولي مَكَانَهُ ابْنه يواش ابْن يهويا حازست عشرَة سنة على أَشد من كفر أَبِيه وَأخذ فِي عبَادَة الوثان وَهُوَ الَّذِي غزا بَيت الْمُقَدّس وأغار عَلَيْهِ وعَلى الهيكل وَأخذ كل مَا فِيهِ وَهدم من سور الْمَدِينَة أَرْبَعمِائَة ذِرَاع وهرب عَنهُ ملك يهوذ ثمَّ مَاتَ وَولي مَكَانَهُ ابْنه ياربعام بن يؤاش خمْسا وَأَرْبَعين سنة على مثل كفر أَبِيه وَعبادَة الْأَوْثَان وغزا أَيْضا بَيت الْمُقَدّس وهرب أَمَامه ملكهَا الداوودي فَأتبعهُ فَقتله ثمَّ مَاتَ وَولي مَكَانَهُ ابْنه زخريا بن يار بعام بن يؤاش بن يهويا حَاز بن يَا هُوَ بن نمشي سِتَّة أشهر على الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان إِلَى أَن قتل هُوَ وَجَمِيع أهل بَيته وَولي مَكَانَهُ شلوم ابْن نامس من سبط نفتالي فَملك شهرا وَاحِدًا على الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان ثمَّ قتل وَولي بعده مياخيم بن قارا من سبط يساخر عشْرين سنة على عبَادَة الْأَوْثَان وَالْكفْر وَمَات وَولي مَكَانَهُ ابْنه محيا بن مياخيم على الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان سنتَيْن إِلَى أَن قتل هُوَ وَجَمِيع أهل بَيته وَولي مَكَانَهُ ناجح بن مَلِيًّا من سبط داني فَملك ثمانياً وَعشْرين سنة على الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان إِلَى أَن قتل هُوَ وَجَمِيع أهل بَيته
وَفِي أَيَّامه أَجلي تباشر ملك الجزيرة بني رؤابين وَبني جادا وَنصف سبط منشيا من بِلَادهمْ بالغور وَحَملهمْ إِلَى بِلَاده
стр. 139
وَسكن بِلَادهمْ قوما من بِلَاده ثمَّ ولي مَكَانَهُ هُوَ سيع بن إيلا من سبط جادا على الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان سبع سِنِين إِلَى أَن أسره كَمَا ذكرنَا سُلَيْمَان الأعسر ملك الْموصل وَحمله والتسعة الأسباط وَنصف سبط منشيا إِلَى بِلَاده أسرى وَسكن بِلَادهمْ قوما من أهل بَلَده وهم السامرية إِلَى الْيَوْم وَهُوَ سيع هَذَا آخر مُلُوك الأسباط الْعشْرَة وانقضى أَمرهم فبقايا المنقولين من أمد والجزيرة إِلَى بِلَاد بني إِسْرَائِيل هم الَّذين يُنكرُونَ التَّوْرَاة جملَة وَعِنْدهم توراة أُخْرَى غير هَذِه الَّتِي عِنْد الْيَهُود وَلَا يُؤمنُونَ بِنَبِي بعد مُوسَى ﵇ وَلَا يَقُولُونَ بِفضل بَيت الْمُقَدّس وَلَا يعرفونه وَيَقُولُونَ أَن الْمَدِينَة المقدسة هِيَ نابلس فَأمر توراة أُولَئِكَ أَضْعَف من توراة هَؤُلَاءِ لأَنهم لَا يرجعُونَ فِيهَا إِلَى نَبِي أصلا وَلَا كَانُوا هُنَالك أَيَّام دولة بني إِسْرَائِيل وَإِنَّمَا عَملهَا لَهُم رؤساهم أَيْضا فقد صَحَّ يَقِينا أَن جَمِيع أَسْبَاط بني إِسْرَائِيل حاشا سبط يهوذا وبنيامين وَمن كَانَ بَينهم من بني هَارُون بعد سُلَيْمَان ﵇ مُدَّة مِائَتي عَام وَوَاحِد وَسبعين عَاما لم يظْهر فيهم قطّ إِيمَانًا وَلَا يَوْمًا وَاحِدًا فَمَا فَوْقه وَإِنَّمَا كَانُوا عباد أوثان وَلم يكن قطّ فيهم نَبِي إِلَّا مخاف وَلَا كَانَ للتوراة عِنْدهم لَا ذكر وَلَا رسم وَلَا أثر وَلَا كَانَ عِنْدهم شيءٌ من شرائعها أصلا مضى على ذَلِك جَمِيع عامتهم وَجَمِيع مُلُوكهمْ وهم عشرُون ملكا قد سميناهم إِلَى أَن أوجلوا ودخلوا فِي الْأُمَم وتدينوا بدين الصابئين الَّذين كَانُوا بَينهم متملكين وَانْقطع رسم رميميهم إِلَى الْأَبَد فَلَا يعرف مِنْهُم عين أحد وَظهر يَقِينا أَن بني يهوذا وَبني بنيامين كَانَت مُدَّة ملكهم بعد موت سُلَيْمَان ﵇ أَرْبَعمِائَة سنة غير أَعْوَام على اخْتِلَاف من كتبهمْ فِي ذَلِك فِي بضعَة عشر عَاما وَقد قُلْنَا أَنَّهَا كتب مدخولة فَاسِدَة ملك هذَيْن السبطين فِي هَذِه الْمدَّة من بني سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ تِسْعَة عشر رجلا وَمن غَيرهم امْرَأَة تَمُّوا بهَا عشْرين ملكا قد سميناهم كلهم آنِفا كَانُوا كفَّارًا معلنين بِعبَادة الْأَوْثَان حاشا خَمْسَة مِنْهُم فَقَط كَانُوا مُؤمنين وَلَا مزِيد وهم اشا بن أساولي إِحْدَى وَأَرْبَعين سنة وَابْنه يهوشا فاط بن أشاولي خمْسا وَعشْرين سنة فَهَذِهِ سِتَّة وَسِتُّونَ اتَّصل فيهم الْكفْر ظَاهرا وَعبادَة الْأَوْثَان ثمَّ ثَمَانِيَة أَعْوَام ليورام بن يهوشا فاط لم نجد لَهُ حَقِيقَة دين فحملناه على الْإِيمَان لسَبَب أَبِيه ثمَّ اتَّصل الْكفْر ظَاهرا وَعبادَة الْأَوْثَان فِي مُلُوكهمْ وعامتهم مائَة عَام وَسِتِّينَ عَاما مَعَ كفر سَائِر أسباطهم فعمهم الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان فِي أَوَّلهمْ وَآخرهمْ فَأَي كتاب أَو أَي دين يبْقى مَعَ هَذَا ثمَّ ولي حزقياً الْمُؤمن تسعا وَعشْرين سنة ثمَّ اتَّصل الْكفْر بعد فِي عامتهم وملوكهم وَعبادَة الْأَوْثَان سبعا وَخمسين سنة ثمولى يوشا الْمُؤمن الْفَاضِل إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة ثمَّ لم يل بعده إلأأ كَافِر معلن بِعبَادة الْأَوْثَان مُدَّة اثْنَيْنِ وَعشْرين عَاما وَسِتَّة أشهر مِنْهُم من نشر أَسمَاء الله من التَّوْرَاة وَمِنْهُم من أحرقها وَقطع أَثَرهَا وَلم نجد بعد هَؤُلَاءِ ظهر فيهم إِيمَان إِلَّا الْكفْر وَقتل الْأَنْبِيَاء ﵈ إِلَى أَن انْقَطع أَمرهم جملَة بغارة بخْتنصر وَسبوا كلهم وَهدم الْبَيْت واستأصل أَثَره إِلَى غارات كَانَت على مَدِينَة بَيت الْمُقَدّس وهيكلها الَّذِي لم تكن التَّوْرَاة عِنْد أحد إِلَّا فِيهِ لم يتْرك فِيهَا شَيْء مرّة أغار عَلَيْهِم صَاحب مصر أَيَّام رحبعام بن سُلَيْمَان ومرتين فِي أَيَّام أمصيا هُوَ الْملك
стр. 140
من قبل صَاحب الْعشْرَة الأسباط إِلَى أَن أملهَا عَلَيْهِم من حفظه عزّر الْوراق الهاروني وهم مقرون أَنه وجدهَا عِنْدهم وفيهَا خللٌ كثير فأصلحه وَهَذَا يَكْفِي وَكَانَ كِتَابَة عزّر للتوراة بعد أَزِيد من سبعين سنة من خراب بَيت الْمُقَدّس وكتبهم تدل على أَن عزرا لم يَكْتُبهَا لَهُم وَلم يصلحها إِلَّا بعد نَحْو أَرْبَعِينَ عَاما من رجوعهم إِلَى الْبَيْت بعد السّبْعين عَاما الَّتِي كَانُوا فِيهَا خالين وَلم يكن فيهم حِينَئِذٍ نَبِي أصلا وَلَا الْقبَّة وَلَا التابوت وَاخْتلف فِي النَّار كَانَت عِنْدهم أم لَا وَمن ذَلِك الْوَقْت انتشرت التَّوْرَاة وَنسخت وَظَهَرت ظهوراً ضَعِيفا أَيْضا وَلم تزل تتداولها الْأَيْدِي مَعَ ذَلِك إِلَى أَن جعل أنطاكيوس الْملك الَّذِي بنى أنطاكية وثناً لِلْعِبَادَةِ فِي بَيت الْمُقَدّس وَأخذ بني إِسْرَائِيل بِعِبَادَتِهِ وَقربت الْخَنَازِير على مذبح الْبَيْت ثمَّ تولى أَمرهم قوم من بني هَارُون بعد مئتين من السنين وانقطعت القرابين فَحِينَئِذٍ انتشرت نسخ التَّوْرَاة الَّتِي بِأَيْدِيهِم الْيَوْم وأحدث لَهُم أَحْبَارهم صلوَات لم تكن عِنْدهم جعلوها بَدَلا من القرابين وَعمِلُوا لَهُم دينا جَدِيدا ورتبوا لَهُم الْكَنَائِس فِي كل قَرْيَة بِخِلَاف حَالهم طول دولتهم وَبعد هَلَاك دولتهم بأزيد من أَرْبَعمِائَة عَام وأحدثوا لَهُم اجتماعاً فِي كل سبت على مَا هم عَلَيْهِ الْيَوْم بِخِلَاف مَا كَانُوا طول دولتهم فَإِنَّهُ لم يكن لَهُم فِي شَيْء من بِلَادهمْ بَيت عبَادَة وَلَا مجمع ذكر وَتعلم وَلَا مَكَان قرْبَان قربَة الْبَتَّةَ إِلَّا بَيت الْمُقَدّس وَحده وَمَوْضِع السرادق قبل بُنيان بَيت الْمُقَدّس فَقَط وبرهان هَذَا أَن فِي سفر يُوشَع بن نون بإقرارهم أَن بنى رؤا بَين وَبني جادا وَنصف سبط منشأ إِذا رجعُوا بعد فتح بِلَاد الْأُرْدُن وفلسطين إِلَى بِلَادهمْ بشرقي الْأُرْدُن بنوا مذبحاً فهم يُوشَع بن نون وَسَائِر بني إِسْرَائِيل بغزوهم من أجل ذَلِك حَتَّى أرْسلُوا إِلَيْهِ أننا لم نقمه لَا لقربان وَلَا لتقديس أصلا ومعاذ الله أَن نتَّخذ مَوضِع تقديس غير الْمُجْتَمع عَلَيْهِ الَّذِي فِي السرادق وَبَيت الله فَحِينَئِذٍ كف عَنْهُم فَفِي دون هَذَا كِفَايَة لمن عقل فِي أَنَّهَا كتاب مبدل مَكْذُوب مَوْضُوع وَدين مَعْمُول خلاف الدّين الَّذِي يقرونَ أَن مُوسَى ﵇ أَتَاهُم بِهِ وَمَا يزِيد الشَّيْطَان مِنْهُم أَكثر من هَذَا وَلَا فِي الضلال فَوق هَذَا ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَأَيْضًا فَإِن فِي التَّوْرَاة الَّتِي ترجمها السبعون شَيخا لبطليموس الْملك بعد ظُهُور التَّوْرَاة وفشوها مُخَالفَة للَّتِي كتبهَا لَهُم عزرا الْوراق وتدعي النَّصَارَى أَن تِلْكَ الَّتِي ترْجم السبعون شَيخا فِي اخْتِلَاف أَسْنَان الْآبَاء بَين آدم ونوح ﵉ الَّتِي من أجل ذَلِك الِاخْتِلَاف تولد بَين تَارِيخ الْيَهُود وتاريخ النَّصَارَى زِيَادَة ألف عَام ونيف على مَا نذْكر بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن كَانَ هُوَ كَذَلِك فقد وضح الْيَقِين وَكذب السبيعن شَيخا وتعمدهم لنقل الْبَاطِل وهم الَّذين عَنْهُم أخذُوا دينهم وأفٍ أفٍ لدين أَخذ عَن مُتَيَقن كذبه
وايضاً فَإِن فِي السّفر الْخَامِس من أسفار التَّوْرَاة الَّذِي يسمونه التّكْرَار أَن الله تَعَالَى قَالَ لمُوسَى اصْنَع لَو حِين على حَال الْأَوَّلين واصعد إِلَى الْجَبَل واعمل تابوتاً من خشب لأكتب فِي اللَّوْحَيْنِ الْعشْر كَلِمَات الَّتِي أسمعكم السَّيِّد فِي الْجَبَل من وسط اللهيب عِنْد اجتماعكم إِلَيْهِ وَيرى بهما إِلَيّ فَانْصَرَفت من الْجَبَل وجعلتهما فِي التابوت وهما فِيهِ إِلَى الْيَوْم وَفِي السّفر الْمَذْكُور أَيْضا بعد هَذَا الْفَصْل قَالَ وَمن بعد أَن كتب مُوسَى هَذِه العهود فِي مصحف واستوعبها أَمر نبى لاوي حاملي تَابُوت عهد الرب وَقَالَ لَهُم خُذُوا هَذَا الْمُصحف واجعلوه فِي المذبح وَاجْعَلُوا عَلَيْهِ تَابُوت عهد الرب إِلَهكُم ليَكُون عَلَيْكُم شَاهدا وَقَالَ قبل ذَلِك فِي السّفر الْمَذْكُور أَيْضا إِذا استجمعتم على تَقْدِيم ملك عَلَيْكُم على حَال مُلُوك الْأَجْنَاس فَلَا تقدمُوا إِلَّا
стр. 141
من ارتضاء الرب من عدد إخوتكم وَلَا تقدمُوا أَجْنَبِيّا على أَنفسكُم إِلَى أَن قَالَ فَإِذا قعد على سَرِير ملكه فليكتب من هَذَا التّكْرَار فِي مصحف مَا يُعْطِيهِ الكوهن الْمُتَقَدّم من بني لاوي لما يشاكله وَيكون ذَلِك مَعَه فيقرأه كل يَوْم طول ولَايَته ليخاف الرب إلهه وَيذكر كِتَابه وَعَهده فَهَذَا كُله بَيَان وَاضح بِصِحَّة مَا قُلْنَا من أَن الْعشْر كَلِمَات ومصحف التَّوْرَاة إِنَّمَا كَانَ فِي الهيكل فَقَط تَحت تَابُوت الْعَهْد وَفِي التابوت فَقَط عِنْد الكوهن الْأَكْبَر وَحده لِأَنَّهُ بإجماعهم لم يكن يصل إِلَى ذَلِك الْموضع أحد سواهُ وَفِيه أَيْضا أَنه أَمر أَن يكْتب الكوهن الْمَذْكُور من السّفر الْخَامِس فَقَط شَيْئا يُمكن أَن يقرأه الْملك كل يَوْم وَمثل هَذَا لَا يكون إِلَّا يَسِيرا جدا ورقة نَحْو أَو ذَلِك مَعَ أَنهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنه لم يلْتَفت إِلَى ذَلِك أَلْبَتَّة بعد سُلَيْمَان ﵇ أحد من مُلُوكهمْ إِلَّا أَرْبَعَة أَو خَمْسَة كَمَا قدمنَا فَقَط من جملَة أَرْبَعِينَ ملكا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ فِي السّفر الْمَذْكُور ثمَّ كتب مُوسَى هَذَا الْكتاب وَيرى بِهِ إِلَى الكهنة من بني لاوي الَّذين كَانُوا يحسنون عهد الرب وَقَالَ لَهُم مُوسَى إِذا اجْتَمَعْتُمْ للتقديس بَين يَدي الرب إِلَهكُم فِي الْموضع الَّذِي تخيره الرب فاقرؤا مَا فِي هَذَا الْمُصحف فِي جمَاعَة بني إِسْرَائِيل عِنْد اجْتِمَاعهم فَقَط يسمعوا مَا يلْزمهُم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَفِي نَص تورانهم أَنهم كَانُوا لَا يلْزمهُم الْمَجِيء إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِلَّا ثَلَاث مَرَّات فِي كل سنة فَقَط فَإِنَّمَا أَمر بِنَصّ التَّوْرَاة كَمَا أوردنا أَن يقرأه عَلَيْهِم الكوهن الهاروني عِنْد اجْتِمَاعهم فَقَط فَثَبت أَنَّهَا لم تكن إِلَّا فِي الهيكل فَقَط عِنْد الكوهن الهاروني فَقَط لَا عِنْد أحد سواهُ وَقد أوضحنا قبل أَن الْعشْرَة الأسباط لم يدْخل قطّ بَيت الْمُقَدّس مِنْهُم أحد بعد موت سُلَيْمَان ﵇ إِلَى أَن انْقَطَعُوا وَأَن بني يهوذا وبنيامين لم يجتمعوا لم يجتمعوا إِلَيْهِ إِلَّا فِي عهد الْمُلُوك الْخَمْسَة الْمُؤمنِينَ فَقَط فَظهر بِهَذَا كل مَا قُلْنَا وَصَحَّ تبديلها بِيَقِين وَلَا شكّ فِي أَن تِلْكَ الْمدَّة الطَّوِيلَة الَّتِي هِيَ أَرْبَعمِائَة سنة غير شَيْء قد كَانَ فِي الكهنة الهارونين مَا كَانَ فِي غَيرهم من الْكفْر وَالْفِسْق وَعبادَة الْأَوْثَان كَالَّذي يذكرُونَ عَن ابْني الكوهن عالى الهاروني وَغَيرهمَا مِمَّن يقرؤن فِي كتبهمْ أَنهم خدموا الْأَوْثَان وبيوتها من بني هَارُون وَبني لاوي وَمن هَذِه صفته فَلَا يُؤمن عَلَيْهِ تَغْيِير مَا ينْفَرد بِهِ وَهَذِه كلهَا براهين أَضْوَأ من الشَّمْس على صِحَة تَبْدِيل توراتهم وتحريفها
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ إِلَّا سُورَة وَاحِدَة ذكر فِي توراتهم أَن مُوسَى ﵇ أَمر بِأَن تكْتب وَتعلم جَمِيع بني إِسْرَائِيل ليحفظوها ويقوموا بهَا وَلَا يمْتَنع أحد من نسلهم من حفظهَا وَهَذَا نَصهَا حرفا بِحرف اسمعي يَا سموات قولي وَتسمع الأَرْض كَلَامي يكثر كالمطر وبل كالرذاذ كَلَامي وَيكون كالمطر على العشب وكالرذاذ على الخصب لِأَنِّي أنادي باسم الرب فيعظمه الرب الهنا الَّذِي أكمل خليقته واعتدلت أَحْكَامه الله الْأمين الَّذِي لَا يجور الْعدْل القيوم أذْنب لَدَيْهِ غير أوليائه ومحت الْأمة العاصية المستحيلة وَهَذَا شكر للرب يَا أمة جاهلة قيمَة أما هُوَ أبوكم الَّذِي خَلقكُم ومليككم فتذكروا الْقَدِيم وفكروا فِي الْأَجْنَاس وسلوا آباكم فيعلمونكم وأكابركم فيعرفونكم إِذا كَانَ يقسم الْعلي الْأَجْنَاس ويميز بَين بني آدم جعل قسْمَة الْأَجْنَاس على حِسَاب بني إِسْرَائِيل فهم الرب أمته وَيَعْقُوب قسمته وجده
стр. 142
فِي الأَرْض المقفرة وَفِي مَوضِع قَبِيح غير مسلوك فَأَطْلقهُ وَأَقْبل بِهِ وَحفظه كحفظ الشّعْر للعين وأطارهم كَمَا يستطير الْعقَاب بفراخها وتحوم عَلَيْهَا وتبسط جناحها حفظا لَهَا فَأقبل بهم وَحَملهمْ على مَنْكِبَيْه وَحده كَانَ فالرب وَحده كَانَ قائدهم وَلم يكن مَعَه إِلَه غَيره فجعلهم فِي أشرف أرضه ليأكلوا خبزها ويصيبوا عسل حجارتها وزيت جنادلها وَسمن مواشيها وَلبن ضأنها وشحوم خرفانها وكباش بني بِلِسَان وَلُحُوم التيوس ولباب البرودم الْعِنَب وتعاصوا سمنوا ودبروا وأشعوا ثمَّ تخلوا من الله خالقهم وَكَفرُوا بِاللَّه مسلمهم فألجوه لعبادتهم الْأَوْثَان إِلَى أَن سخط عَلَيْهِم ولسجودهم للشَّيْطَان لَا لله ولسجودهم لألهة بالأجناس كَانُوا يجهلونها وَلم يعدها قبلهم آباؤهم فتحلوا من الله الَّذِي ولدهم فنسوا الرب خالقهم فَبَصر الرب بِهَذَا وَغَضب لَهُ إِذْ تخلى بنوه وَبنَاته فَقَالَ اخفي وَجْهي عَنْهُم حَتَّى أعلم آخر أَمرهم فَإِنَّهَا أمة كَافِرَة عاصية وَقد أسخطوني بِعبَادة من لَيْسَ إِلَهًا وأغضبوني بفواحشهم وسأغيرهم على يَدي أمة ضَعِيفَة وأخف بهم على يَدي أمة جاهلة ويتقدم غَضَبي نَار تحرق إِلَى الْهَوَاء فتأتي على الأَرْض بمعاتسته وَتذهب أصُول الْجبَال فأجمع عَلَيْهِم بأسى وأثقبهم بنبلي وأهلكهم جوعا وأجعلهم طعماً للطير وأسلط عَلَيْهِم أَنْيَاب السبَاع وأعصب عَلَيْهِم الْحَيَاة فَإِن برزوا أهلكتهم رماحاً وَإِن تحَصَّنُوا أهلكت الشَّاب مِنْهُم والعذار والطفل وَالشَّيْخ رعْبًا حَتَّى أَقُول أَيْن هم فأقطع من الأَرْض ذكرهم لكني رفهت عَنْهُم لشدَّة حرد أعدائهم لِئَلَّا يزهوا ويقولوا أَيْدِينَا القوية فعلت لَا الرب فَهَذِهِ الْأمة لَا رأى لَهَا وَلَا تَمْيِيز فليتها عرفت وفهمت وأبصرت مَا يُدْرِكهَا فِي آخر أمرهَا كَيفَ يتبع وَاحِد مِنْهُم ألفا ويفر عَن اثْنَيْنِ عشرَة آلَاف أما هَذَا بِأَن رَبهم أسلمهم وربهم أعلق فيهم لَيْسَ إلهنا مثل آلِهَتهم وَصَارَ حكما كرمهم من كرم سدوم وعناقيدهم من أرباض عامورا فعناقيدهم عناقيد المرارة وشرابهم مرَارَة الثعابين وَمن السم الَّذِي لَا دَوَاء لَهُ أما هَذَا فِي علمي ومعروف فِي خزائني لي الانتقام وَأَنا أكافئ فِي وقته فترهق أَرْجُلكُم فَكَانَ قد حَان وَقت خرابهم وَإِلَى ذَلِك تسرع الْأَزْمِنَة سيحكم الرب على أمته وَيرْحَم عبيده إِذا أبصرهم قد ضعفوا وأغلق عَلَيْهِم وذهبوا وَذهب أواخرهم وَقَالَ أَيْن آلِهَتهم الَّتِي يَتَّقُونَ الَّتِي يَتَّقُونَ ويأكلون من قُرْبَانهمْ وَيَشْرَبُونَ مِنْهُ فليقوموا وليغيثوهم فِي وَقت حَاجتهم فتبصروا تبصروا أَنا وحدي وَلَا إِلَه غَيْرِي أَنا أميت وَأَنا أحيي وَأَنا أمرض وأناأبرئ وَلَا يتَخَلَّص شيئ من يَدي فأرفع إِلَى السَّمَاء يَدي وَأَقُول بحياتي الدائمة لَئِن حددت رُمْحِي كالصاعقة وابتدأت يَمِيني بالجكم لَا كافاني أعدائي وَأهل السنان وَلَا سكرن نبلى دَمًا وَلَا قطعن برمحي لحوما فامدحوا يَا معشر الْأَجْنَاس أمة فَإِنَّهُ سيأخذ بدماء عبيده وينتقم من أعدائهم وَيرْحَم أَرضهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذِه السُّورَة الَّتِي أبيحت لَهُم وَأمرُوا بحفظها وكتابتها لَا مَا سواهَا بِنَصّ توراتهم بزعمهم وَقد بَينا قبل أَنهم لم يشتغلوا بعد موت سُلَيْمَان ﵇ لَا بِهَذِهِ السُّورَة وَلَا بغَيْرهَا إِلَّا مُدَّة الْمُلُوك الْخَمْسَة فَقَط لأَنهم قد عبدُوا كلهم الْأَوْثَان وَقتلُوا الْأَنْبِيَاء وأخافوهم وشردوهم هَذَا مَا لَا يشك فِيهِ كَافِر وَلَا مُؤمن
على أَن فِي هَذِه السُّورَة من الفضائح مَا لَا يجوز أَن ينْسب إِلَى الله مثل قَوْله إِن الله تَعَالَى هُوَ أبوهم الَّذِي ولدهم وَأَنَّهُمْ بنوه وَبنَاته حاش لله من هَذَا وَهل طرق لِلنَّصَارَى وَسَهل
стр. 143
عَلَيْهِم أَن يجْعَلُوا لله ولدا إِلَّا مَا وجدوا فِي هَذِه الْكتب الملعونة المكذوبة المبدلة بأيدي الْيَهُود وَلَيْسَ فِي الْعجب أَكثر من أَن يجعلهم أنفسهم أَوْلَاد الله تَعَالَى وكل من عرفهم يعرف أَنهم أوضر الْأُمَم بزَّة وأبردهم طلعة وأغثهم مقاطع وأتمهم خبثاً وَأَكْثَرهم غشاً وأجبنهم نفوساً وأشدهم مهانة وأكذبهم لهدة وأضعفهم همة وأرعنهم شمائل بل حاش لله من هَذَا الاختبار الْفَاسِد
وَمثل قَوْله فِي هَذِه السُّورَة أَنه تَعَالَى حملهمْ على مَنْكِبَيْه
وَمثل قَوْله أَنه قسم الْأَجْنَاس من بني آدم وَجعل قسْمَة الْأَجْنَاس على حِسَاب بني إِسْرَائِيل وجعلهم سَهْمه فَهَذَا كذب ظَاهر حاش لله مِنْهُ لِأَن أَوْلَاد بني إِسْرَائِيل اثْنَا عشر فعلى هَذَا يجب أَن يكون أَجنَاس بني آدم اثْنَي عشر وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَإِن كَانَ عني من تناسل من بني إِسْرَائِيل فكذب حِينَئِذٍ أشنع وأبشع لِأَن عَددهمْ لَا يسْتَقرّ على قدر وَاحِد بل كل يَوْم يزِيدُونَ وينقصون بِالْولادَةِ وَالْمَوْت هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ فَكل هَذِه براهين وَاضِحَة بِأَنَّهَا محرفة مبدلة مكذوبة فَإذْ هِيَ كَذَلِك فَلَا يجوز الْبَتَّةَ فِي عقل أحد أَن يشْهد فِي تَصْحِيح شَرِيعَة وَلَا فِي نقل معْجزَة وَلَا فِي إِثْبَات نبوة بِنَقْل مَكْذُوب مفتري مَوْضُوع هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ وَقد قُلْنَا أَو نقُول أَن نقل الْيَهُود فَاسد مَدْخُول لِأَنَّهُ رَاجع إِلَى قوم أتبعوا من أخرجهم من الذل وَالْبَلَاء والسخرة والخدمة فِي عمل الطوب وَذبح أَوْلَادهم عِنْد الْولادَة وَمن حَال لَا يصبر عَلَيْهَا كلب مُطلق وَلَا حمَار مسيب إِلَى الْعِزّ والراحة والعافية والتملك للأموال وَأَن يَكُونُوا آمرين مخدومين آمِنين على أَوْلَادهم وأنفسهم وَلَا يُنكر فِي مثل هَذَا الْحَال أَن يشْهد المخلص للمخلص بِكُل مَا يُرِيد مِنْهُ وَمَعَ هَذَا كُله فَإِن انباءهم لمُوسَى ﵇ الَّذِي أخرجهم من تِلْكَ الْحَالة إِلَى هَذِه الْأُخْرَى وطاعتهم لَهُ كَانَت مدخولة ضَعِيفَة مضطربة
وَقد ذكر فِي نَص توراتهم أَنهم إِذْ عمِلُوا الْعجل نادوا هَذَا إِلَه مُوسَى الَّذِي يخلصهم من مصر وَمرَّة أُخْرَى أَرَادوا قَتله وتصايحوا قدم على أَنْفُسنَا قائداً وَنَرْجِع إِلَى مصر وَمَعَ هَذَا كُله قَوْلهم إِن السَّحَرَة عمِلُوا مثل كثير مِمَّا عمل مُوسَى وَإِن كل ذَلِك بَيَان مُمكن بصناعة مَعْرُوفَة وَفِي هَذَا كِفَايَة وهم مقرون بِلَا خلاف من أحد مِنْهُم أَنه لم يتتبع مُوسَى فِي أمة سواهُم وَلَا نقلت لَهُم معْجزَة وَطَائِفَة غَيرهم وأماالنصارى فَمنهمْ أخذُوا نبوة مُوسَى ومعجزاته وَأما سَائِر الْأُمَم والملل وَالْمَجُوس وَالْفرس وَالصَّابِئِينَ والسريانيين والمانية والسميئة والبراهمة والهند والصين وَالتّرْك فَلَا أصلا وَلَا على أَدِيم الأَرْض مُصدق بنبوة مُوسَى وبالتوراة الَّتِي بِأَيْدِيهِم والأهم وَمن هُوَ شُعْبَة مِنْهُم كالنصارى
وَأما نَحن الْمُسلمين فَإِنَّمَا قبلنَا نبوة مُوسَى وَهَارُون وَدَاوُد وَسليمَان والياس واليشع ﵈ وصدقنا بذلك وآمنا
стр. 144
بهم وَإِن مُوسَى الَّذِي أنذر بِمُحَمد ﷺ لأخبار رَسُول الله ﷺ بِصِحَّة نبوتهم ومعجزاتهم فَقَط وَلَوْلَا إخْبَاره ﵇ بذلك مَا كَانُوا عندنَا إِلَّا كشموال وإبراث وحداث وحقاي وحبقون وعدوا ويؤال وعاموص وعوبديا ومسيخا وناحوم وصفينا وملاخي وَسَائِر من تَفِر الْيَهُود بنبوته كإقرارهم بنبوة مُوسَى سَوَاء بِسَوَاء وَلَا فرق بَين طرق نقلهم لنبوة لجميعهم وَنحن لَا نصدق نقل الْيَهُود فِي شَيْء من ذَلِك بل نقُول إِنَّه قد كَانَ لله تَعَالَى أَنْبيَاء فِي بني إِسْرَائِيل أخبر بذلك الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْمنزل على نبيه الصَّادِق الْمُرْسل فَنحْن نقطع بنبوة من سمي لنا مِنْهُم ونقول فِي هَؤُلَاءِ الَّذين لم يسم لنا مُحَمَّد ﷺ أَسْمَاءَهُم الله أعلم إِن كَانُوا أَنْبيَاء فَنحْن نؤمن بهم وَإِن لم يَكُونُوا أَنْبيَاء فلسنا نؤمن بهم آمنا بِاللَّه وَكتبه وَرُسُله لَا نفرق بَين أحد من رسله وَهَكَذَا نقر بنبوة صَالح وَهود وَشُعَيْب وَإِسْمَاعِيل وبأنهم رسل الله يَقِينا وَلَا نبالي بإنكار الْيَهُود لنبوتهم وَلَا بجهلهم بهم لِأَن الصَّادِق ﵇ شهد برسالتهم وَأما التَّوْرَاة فَمَا وَافَقنَا قطّ عَلَيْهَا لأننا نَحن نقر بتوراةٍ حقٍ أنزلهَا الله تَعَالَى غلى مُوسَى ﵇ وَأَصْحَابه لِأَنَّهُ تَعَالَى أخبرنَا بذلك فِي كِتَابه النَّاطِق على لِسَان رَسُول الله ﷺ الصَّادِق ونقطع بِأَنَّهَا لَيست هَذِه الَّتِي بِأَيْدِيهِم بنصها بل حرف كثير مِنْهُم وَبدل وهم يقرونَ بِهَذِهِ الَّتِي بِأَيْدِيهِم وَلَا يعْرفُونَ الَّتِي نؤمن نَحن بهَا وَكَذَلِكَ لَا نصدق بشريعتهم الَّتِي هم عَلَيْهَا الْآن بل نقطع بِأَنَّهَا محرفة مبدلة مكذوبة وهم لَا يُؤمنُونَ بمُوسَى الَّذِي بشر بِمُحَمد ﷺ وبرسالته وبأصحابه فاعلموا أننا لم نوافقهم قطّ على التَّصْدِيق بِشَيْء من دينهم وَلَا مِمَّا هم عَلَيْهِ وَلَا مِمَّا بِأَيْدِيهِم من الْكتاب وَلَا بِالنَّبِيِّ الَّذِي يذكرُونَهُ لما قد أوضحناه من فَسَاد نقلهم ووضوح الْكَذِب فِيهِ وَعُمُوم الدواخل فِيهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَنَذْكُر إِن شَاءَ الله تَعَالَى طرفا مِمَّا فِي سَائِر الْكتب الَّتِي عِنْدهم الَّتِي يضيفونها إِلَى الْأَنْبِيَاء ﵈ من الْفساد كَالَّذي ذكرنَا فِي توراتهم وَلَا خلاف فِي أَن اهتبالهم بِالتَّوْرَاةِ كَانَ أَشد وَأكْثر أضعافا مضاعفة من اهتبالهم بِسَائِر كتب أنبياءهم أما كتاب يُوشَع فَإِن فِيهِ براهين قَاطِعَة بِأَنَّهُ أَيْضا تَارِيخ أَلفه لَهُم بعض متأخريهم بِيَقِين وَأَن يُوشَع لم يَكْتُبهُ قطّ وَلَا عرفه وَلَا أنزل عَلَيْهِ
فَمن ذَلِك أَن فِيهِ نصا فَلَمَّا انْتهى ذَلِك إِلَى دوسراق ملك بيوس الَّتِي بنى فِيهَا سُلَيْمَان بن دَاوُد بَيت الْمُقَدّس فعل أمرا ذكره
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يخبر يُوشَع أَن سُلَيْمَان بنى بَيت الْمُقَدّس ويوشع قبل سُلَيْمَان بِنَحْوِ سِتّمائَة سنة وَلم يَأْتِ هَذَا النَّص فِي كتاب يُوشَع الْمَذْكُور على سَبِيل الْإِنْذَار أصلا أئما مساقه بِلَا خلاف مِنْهُم مساق الْأَخْبَار عَمَّا قد مضى
وَفِيه قصَّة بشيعة جدا وَهِي أَن عخار بن كرمي بن شذان بن شيلة بن يهوذا بن يَعْقُوب ﵇ غل من الْمغنم خيطاً أرجواناً وَحقّ ذهب فِيهِ خَمْسُونَ مِثْقَالا وَمِائَتَا دِرْهَم فضَّة فَأمر يُوشَع برجمه ورجم بنيه
стр. 145
ورجم بَنَاته حَتَّى يموتوا كلهم بِالْحِجَارَةِ وَأمر بإحراق مواشيه كلهَا وحاش لله أَن يحكم نَبِي بِهَذَا الحكم فيعاقب بأغلظ الْعقُوبَة من لَا ذَنْب لَهُ من ذُرِّيَّة لم تجن شَيْئا بِجِنَايَة أَبِيهِم مَعَ أَن نَص التَّوْرَاة لَا يقتل الْأَب بذنب الابْن وَلَا الابْن بذنب الْأَب فَلَا بُد ضَرُورَة من أَن يَقُولُوا نسخ يُوشَع هَذَا الحكم فيثبتوا النّسخ من نَبِي لشريعة نَبِي قبله وَفِي شَرِيعَة مُوسَى أَيْضا أَو ينسبوا الظُّلم وَخلاف أَمر الله إِلَى يُوشَع فيجعلوه ظَالِما عَاصِيا لله مبدلا أَحْكَامه وَمَا فِيهَا حَظّ الْمُخْتَار مِنْهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
وَفِيه أَن كل من دخل من بني إِسْرَائِيل الأَرْض المقدسة فَإِنَّهُم كَانُوا مختونين وَفِيه أَبنَاء تِسْعَة وَخمسين عَاما وَأَقل وَإِن مُوسَى ﵇ لم يختن مِمَّن ولد بعد خُرُوجه من مصر أحدا هَذَا مَعَ إقرارهم أَن الله تَعَالَى شدد فِي الْخِتَان وَقَالَ من لم يختتن فِي يَوْم أُسْبُوع وِلَادَته فلتنف نَفسه من أمته بِمَعْنى فليقتل فَكيف يضيع مُوسَى هَذِه الشَّرِيعَة الوكيدة حَتَّى يختنهم كلهم يُوشَع بعد موت مُوسَى بدهر وَلَقَد فضحت بِهَذَا وَجه بعض عُلَمَائهمْ فَقَالَ لي كَانُوا فِي التيه فِي حل وارتحال فَقلت لَهُ فَكَانَ مَاذَا فَكيف وَلَيْسَ كَمَا تَقولُونَ بل كَانُوا يبقون الْمدَّة الطَّوِيلَة فِي مَكَان وَاحِد وَفِي نَص كتاب يُوشَع بزعمكم أَنه إِنَّمَا خنهم إِذْ جازوا الْأُرْدُن قبل الشُّرُوع فِي الْحَرْب وَفِي أضيق وَقت وختنهم كلهم حِينَئِذٍ وهم رجال كهول وشبان وَتركُوا الْخِتَان إِذْ لَا مُؤنَة فِي ختانهم أطفالاً تحمله أمه مختوناً كَمَا تحمله غير مختون وَلَا فرق فَسكت مُنْقَطِعًا وَأما الْكتاب الَّذِي يسمونه الزبُور فَفِي المزمور الأول مِنْهُ قَالَ بِي الرب أَنْت ابْني أَنا الْيَوْم وَلدتك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَأَي شَيْء تُنْكِرُونَهُ على النَّصَارَى فِي هَذَا الْبَاب مَا أشبه اللَّيْلَة بالبارحة وَفِيه أَيْضا أَنْتُم بَنو الله وَبَنُو الْعلي كلكُمْ وَهَذِه أَطَم من الَّتِي قبلهَا وَمثل مَا عِنْد النَّصَارَى أَو أنتن وَفِيه فِي المزمور الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ مِنْهُ عرشك يَا الله فِي الْعَالم وَفِي الْأَبَد قضيب الْعدْل قضيب ملكك أَحْبَبْت الصّلاح وأبغضت الْمَكْرُوه من أجل ذَلِك دهنك إلهك بِزَيْت الْفَرح بَين إشراكك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذِه سوءة الْأَبَد ومضيعة الدَّهْر وقاصمة الظّهْر وَإِثْبَات إِلَه آخر على الله تَعَالَى دهنه بالزيت إِكْرَاما لَهُ ومجازاة لَهُ على محبته الصّلاح وَإِثْبَات إشراك لله تَعَالَى وَهَذَا دين النَّصَارَى بِلَا مُؤنَة وَلَكِن إِثْبَات إلهٍ دون الله وَقد ظهر عِنْد الْيَهُود هَذَا عَلَانيَة على مَا نذْكر بعد أَن شَاءَ الله تَعَالَى وَبعده بِيَسِير يُخَاطب الله تَعَالَى وقفت زَوجتك عَن يَمِينك وعقاصها من ذهب أيتها الِابْنَة اسمعي وميلي بإذنيك وأبصري
следующие страницы →