Полный текст (708 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
غير هَذَا الْمَكَان على البراهمة فِي كتَابنَا هَذَا بِمَا يَكْفِي وَقد رددنا الْكَلَام أَيْضا فِي بَيَان بُطْلَانه فِي غير مَا مَوضِع من كتَابنَا وَفِي بَاب الْكَلَام على من أبطل الْقدر من الْمُعْتَزلَة فِي كتَابنَا هَذَا وَالْحَمْد الله رب الْعَالمين وَيَكْفِي من بطلَان هَذَا الأَصْل الْفَاسِد أَن يُقَال لَهُم إِن طردتم هَذَا الأَصْل وَقَعْتُمْ فِي مثل مَا أنكرتم وَلَا فرق وَهُوَ أَن الْحَكِيم الْعدْل الرَّحِيم على أصلكم لَا يخلق من يعرضه للمعصية حَتَّى يحْتَاج إِلَى إفساده بِالْعَذَابِ بعد إِصْلَاحه وَقد كَانَ قَادِرًا على أَن يطهر كل نفس خلقهَا وَلَا يعرضهَا للفتن ويلطف بهَا ألطافاً فيصلحها بهَا حَتَّى تسْتَحقّ كلهَا إحسانه وَالْخُلُود فِي النَّعيم وَمَا كَانَ ذَلِك ينقص شَيْئا من ملكه فَإِن كَانَ عَاجِزا عَن ذَلِك فَهَذِهِ صفة نقص وَيلْزم حاملها أَن يكون من أجل نَقصه مُحدثا مخلوقاً فَإِن طردوا هَذَا الأَصْل خَرجُوا إِلَى قَول المانوية فِي أَن للأشياء فاعلين وَقد تقدم إبطالنا لقَولهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَبينا أَن الَّذِي لَا آمُر فَوْقه وَلَا مُرَتّب عَلَيْهِ فَإِن كل مَا يَفْعَله فَهُوَ حق وَحِكْمَة وَإِذ قد تعلق هَؤُلَاءِ الْقَوْم بالشريعة أَن كل قَول لم يَأْتِ عَن نَبِي تِلْكَ الشَّرِيعَة فَهُوَ كذب وفرية فَإذْ لم يَأْتِ عَن أحد من الْأَنْبِيَاء ﵈ القَوْل بتناسخ الْأَرْوَاح فقد صَار قَوْلهم بِهِ خرافة وكذباً وباطلاً وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
فصل فِي الْكَلَام على من أنكر الشَّرَائِع من المنتمين إِلَى الفلسفة بزعمهم وهم أبعد النَّاس عَن الْعلم بهَا جملَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ نبين فِي هَذَا الْفَصْل بحول الله تَعَالَى وقوته وجوب صِحَة الشَّرَائِع على مَا توجبه أصُول الفلاسفة على الْحَقِيقَة أَوَّلهمْ عَن آخِرهم على اخْتِلَاف أَقْوَالهم فِي غير ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ الفلسفة على الْحَقِيقَة إِنَّمَا مَعْنَاهَا وثمرتها وَالْغَرَض الْمَقْصُود نَحوه بتعلمها لَيْسَ هُوَ شَيْئا غير إصْلَاح النَّفس بِأَن تسْتَعْمل فِي دنياها الْفَضَائِل وَحسن السِّيرَة المؤدية إِلَى سلامتها فِي الْمعَاد وَحسن السياسة للمنزل والرعية وَهَذَا نَفسه لَا غَيره هُوَ الْغَرَض فِي الشَّرِيعَة هَذَا مَا لَا خلاف فِيهِ بَين أحد من الْعلمَاء بالفلسفة وَلَا بَين أحد من الْعلمَاء بالشريعة فَيُقَال لمن انْتَمَى إِلَى الفلسفة بِزَعْمِهِ وَهُوَ يُنكر الشَّرِيعَة بجهله على الْحَقِيقَة بمعاني الفلسفة وَبعده عَن الْوُقُوف على غرضها وَمَعْنَاهَا أليست الفلسفة بِإِجْمَاع من الفلاسفة مبينَة للفضائل من الرذائل موقفة على الْبَرَاهِين المفرقة بَين الْحق وَالْبَاطِل فَلَا بُد من نعم وضرورة فَيُقَال لَهُ أَلَيْسَ الفلاسفة كلهم قد قَالُوا صَلَاح الْعَالم بشيئين أَحدهمَا بَاطِن وَالْآخر ظاهرفالباطن هُوَ اسْتِعْمَال النَّفس للشرائع الزاجرة عَن تظالم النَّاس وَعَن القبائح وَالظَّاهِر هُوَ التحصين بالأسوار واتخاذ السِّلَاح لدفع الْعَدو الَّذِي يُرِيد ظلم النَّاس والإفساد ثمَّ أضافوا إِلَى إصْلَاح النُّفُوس بِمَا ذكرنَا إصْلَاح الأجساد بالطب فَلَا بُد من نعم ضَرُورَة فَيُقَال لَهُم فَهَل صَلَاح الْعَالم وانكفاف النَّاس عَن الْقَتْل الَّذِي فِيهِ فنَاء الْحلق وَعَن الزِّنَا الَّذِي فِيهِ فَسَاد النَّسْل وحراب الْمَوَارِيث وَعَن الظُّلم الَّذِي فِيهِ الضَّرَر على الْأَنْفس وَالْأَمْوَال وحراب الأَرْض وَعَن الرذائل من
стр. 72
الْبَغي والحسد وَالْكذب والجبن وَالْبخل والنميمة والغش والخيانة وَسَائِر الرذائل إِلَّا بشرائع زاجرة للنَّاس عَن كل ذَلِك فَلَا بُد من نعم ضَرُورَة وَإِلَّا وَجب الإهمال الَّذِي فِيهِ فَسَاد كل مَا ذَكرْنَاهُ فَإِذا لَا بُد من ذَلِك وَإِلَّا ذَلِك لفسد الْعَالم كُله ولفسدت الْعُلُوم كلهَا ولكان الْإِنْسَان قد بطلت فَضِيلَة الْفَهم والنطق وَالْعقل الَّذِي فِيهِ وَصَارَ كَالْبَهَائِمِ فَلَا تَخْلُو تِلْكَ الشَّرَائِع من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن تكون صحاحاً من عِنْد الله الَّذِي هُوَ خَالق الْعَالم ومدبره كَمَا يقوا أَصْحَاب الشَّرَائِع وَإِمَّا أَن تكون مَوْضُوعَة بِاتِّفَاق من أفاضل الْحُكَمَاء لسياسة النَّاس بهَا وكفهم عَن التظالم والرذائل وَإِن كَانَت مَوْضُوعَة كَمَا يَقُول هَؤُلَاءِ المخاذيل فقد تَيَقنا أَن مَا ألزموا النَّاس من ذَلِك كذب لَا أصل لَهُ وزور مختلق وَإِيجَاب لما لَا يجب وباطل لَا حَقِيقَة لَهُ ووعيد ووعد كِلَاهُمَا كذب فَإِن كَانَ ذَلِك كَذَلِك فقد صَار الْكَذِب الَّذِي هُوَ أرذل الرذائل وَأعظم الشَّرّ لَا يتم صَلَاح الْعَالم الَّذِي هُوَ الْغَرَض من طلب الْفَضَائِل إِلَّا بِهِ وَإِذ ذَلِك كَذَلِك فقد صَار الْحق بَاطِلا والصدق رذيلة وَصَارَ الْبَاطِل حَقًا وصدقاً وَالْكذب فَضِيلَة وَصَارَ لَا قوام للْعَالم أصلا إِلَّا بِالْبَاطِلِ وَصَارَ الْكَذِب نتيجة الْحق وَصَارَ الْبَاطِل ثَمَرَة الصدْق وَصَارَ الْغرُور والغش والخديعة فَضَائِل ونصيحة وَهَذَا أعظم مَا يكون من الْمحَال والممتنع والخلق الَّذِي لَا مدْخل لَهُ فِي الْعقل فَإِن قَالُوا إِنَّه لَو كشف السِّرّ فِي ذَلِك إِلَى الْعَامَّة لم ترغب فِي الْفَضَائِل فَوَجَبَ لذَلِك أَن يُؤْتِي بِمَا ترهبه وتتقيه فاضطر فِي ذَلِك إِلَى الْكَذِب لَهُم كَمَا يفعل بالصبيان وكما أبحتم أَنْتُم فِي شرائعكم كذب الرجل لامْرَأَته ليستصلحها بذلك وَفِي دفاع الظَّالِم على سَبِيل التقية وَفِي الْحَرْب كَذَلِك فيلزمكم فِي هَذَا مَا ألزمتموه إيانا من أَن الْكَذِب صَار حَقًا وفضيلة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَيُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أما نَحن فقولنا أَنه لَيْسَ كَمَا ذكرْتُمْ قبيحاً إِذْ أَبَاحَهُ الله الَّذِي لَا حسن إِلَّا مَا حسن وَمَا أَمر بِهِ وَلَا قَبِيح إِلَّا مَا قبح وَمَا نهي عَنهُ وَلَا آمُر فَوْقه فَلَا يلْزمنَا مَا أردتم إلزامنا إِيَّاه ثمَّ أَيْضا على أصولكم فَإِنَّهُ لَيْسَ مَا ذكرْتُمْ مُعَارضَة وَلَا مَا شبهتم بِهِ مشبهاً لما شبهتموه بِهِ لأننا إِنَّمَا أبحنا الْكَذِب فِي الْوُجُوه الَّتِي ذكرْتُمْ للضَّرُورَة الدافعة إِلَى ذَلِك النَّص الْوَارِد علينا بذلك كَمَا جَازَ بِالنَّصِّ عِنْد الضَّرُورَة دفع الْقَتْل عَن النَّفس بقتل المريد لقتلها وَلَو أمكننا كف الصَّبِي وَالْمَرْأَة بِغَيْر ذَلِك لما جَازَ الْكَذِب أصلا فَإِذا ارْتَفَعت الضَّرُورَة وَجب الرُّجُوع إِلَى اسْتِعْمَال الصدْق على كل حَال وَلَوْلَا النَّص لم نبح شَيْئا من ذَلِك وَلَا حرمناه وَأَنْتُم فِيمَا تَدعُونَهُ من مداراة النَّاس كلهم مبتدئون لاختيار الْكَذِب دون أَن يَأْمُركُمْ بِهِ من يسْقط عَنْكُم اللوم بِطَاعَتِهِ فَأنْتم لَا عذرلكم على خلاف حكمنَا فِي ذَلِك ثمَّ إِنَّكُم لَا تخلون من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن تطووا هَذَا السِّرّ عَن كل أحد فتصيرون إِلَى مَا ألزمناكم من أَن قطع الصدْق جملَة فَضِيلَة وَأَن الْكَذِب على الْجُمْلَة حق وَاجِب وَهَذَا هُوَ الَّذِي ألزمناكم ضَرُورَة وَإِمَّا أَن تبوحوا بذلك لمن وثقتم بِهِ فَهَذَا إِن قُلْتُمْ بِهِ يُوجب ضَرُورَة كشف سركم فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز الْبَتَّةَ أَن ينكتم أصلا على كَثْرَة العارفين بِهِ هَذَا أَمر يعلم بالضضرورة أَن الشَّيْء إِذا كثر العارفون بِهِ فبالضرورة لَا بُد من انتشاره فَإِن كُنْتُم تَقولُونَ أَن طيه وَاجِب الاعمن يوثق بِهِ وَفِي كشفه إِلَى من يوثق بِهِ
стр. 73
مَا يُوجب انتشاره إِلَى من لَا يوثق بِهِ فقد رجعتم إِلَى وجوب كشفه لِأَن كشفه الْبَتَّةَ هُوَ نتيجة كشفه إِلَى خَاص دون عَام وَفِي كشفه بطلَان مَا دبرتموه صلاحاً فقد بَطل حكمكم بِالضَّرُورَةِ لَا سِيمَا والقائلون بِهَذَا القَوْل مجدون فِي كشف سرهم هَذَا إِلَى الْخَاص وَالْعَام فقد أبطلوا علتهم جملَة وتناقضوا أقبح تنَاقض وعَلى كل ذَلِك فقد صَار الْبَاطِل وَالْكذب لَا يتم الْخَيْر والفضائل الْبَتَّةَ فِي شَيْء من الْأَشْيَاء إِلَّا بهما وَهَذَا خلاف الفلسفة جملَة وَأَيْضًا إِن كَانَت الشَّرَائِع مَوْضُوعَة فَلَيْسَ مَا وَضعه وَاضع مَا بِأَحَق بِأَن يتبع مِمَّا وَضعه وَاضع آخر هَذَا أَمر يعلم بِالضَّرُورَةِ وَقد علمنَا بِمُوجب الْعقل وضرورته أَن الْحق لَا يكون من الْأَقْوَال الْمُخْتَلفَة والمتناقضة إِلَّا فِي وَاحِد وسائرها بَاطِل فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَأَي تَكُ الموضوعات هُوَ الْحق أم أَيهَا هُوَ الْبَاطِل وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يَأْتُوا بِمَا يحِق مِنْهَا شَيْئا دون سائرها أصلا فَإذْ لَا دَلِيل على صِحَة شىء مِنْهَا فقد صَارَت كلهَا بَاطِلَة إِذْ مَا لَا دَلِيل على صِحَّته فَهُوَ بَاطِل وَلَيْسَ لأحد أَن يَأْخُذ بقول وَيتْرك غَيره بِلَا دَلِيل فَبَطل بِهَذَا بطلاناً ضَرُورِيًّا كل مَا تعلقوا بِهِ وَالْحَمْد الله رب الْعَالمين وَبَطل بِهَذَا الْبُرْهَان الضَّرُورِيّ ماتوهمه هَؤُلَاءِ الْجُهَّال المجانين وَصَحَّ يَقِينا أَن الشَّرَائِع صِحَاح من عِنْد منشىء الْعَالم ومدبره الَّذِي يُرِيد بَقَاءَهُ إِلَى الْوَقْت الَّذِي سبق فِي علمه تَعَالَى أَنه يبقيه إِلَيْهِ كَمَا هُوَ وَإِذ ذَلِك كَذَلِك ضَرُورَة لَا يَخْلُو الحكم فِي ذَلِك من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن تكون الشَّرَائِع كلهَا حَقًا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَقد رَأَيْت مِنْهُم من يذهب إِلَى هَذَا وَإِمَّا أَن يكون بَعْضهَا حَقًا وَبَعضهَا بَاطِلا لَا بُد من أحد هذَيْن الْوَجْهَيْنِ ضَرُورَة فَإِن كَانَت كلهَا حَقًا فَهَذَا محَال لَا سَبِيل إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا شَرِيعَة مِنْهَا إِلَّا وَهِي تكذب سائرها وتخبر يأنها بَاطِل وَكفر وضلال وإلحادٌ فَوَجَدنَا هَذَا المخذول الَّذِي أَرَادَ بِزَعْمِهِ مُوَافقَة جَمِيع الشَّرَائِع قد حصل على خلاف جَمِيعهَا أَولهَا عَن آخرهَا وَحصل على تَكْذِيب جَمِيع الشَّرَائِع لَهُ كلهَا بِلَا خلاف وعَلى تَكْذِيبه هُوَ لجميعها وَمَا كَانَ هَكَذَا أَو هُوَ يَقُول إِنَّهَا كلهَا حق وَهِي كلهَا مكذبة لَهُ وَهُوَ مُصدق لَهَا كلهَا فقد شهد على نَفسه بِالْكَذِبِ وَبطلَان قَوْله وَصَحَّ بِالْيَقِينِ أَنه كَاذِب فِيهِ وَأَيْضًا فَإِن كل شَرِيعَة فَهِيَ مضادة فِي أَحْكَامهَا لغَيْرهَا تحرم هَذِه مَا تحل هَذِه وتوجب هَذِه مَا تسْقط هَذِه وَمن الْمحَال الْفَاسِد أَن يكون الشَّيْء وضده حَقًا مَعًا فِي وَقت وَاحِد حَرَامًا حَلَالا فِي حِين وَاحِد على إِنْسَان وَاحِد وَوجه وَاحِد وَاجِبا غير وَاجِب كَذَلِك وَهَذَا أَمر يُعلمهُ بَاطِلا كل ذِي حس سليم وَلَيْسَ فِي الْعقل تَحْرِيم شَيْء مِمَّا جَاءَ فِيهَا تَحْرِيمه وَلَا إِيجَاب شَيْء مِمَّا جَاءَ فِيهَا إِيجَابه فَبَطل أَن يرجح بِمَا فِي الْعقل إِذْ كل ذَلِك فِي حد الْمُمكن فِي الْعقل فَإذْ قد بَطل هَذَا الْوَجْه ضَرُورَة فقد وَجَبت صِحَة الْوَجْه الآخر ضَرُورَة وَهُوَ أَن فِي الشَّرَائِع شَرِيعَة وَاحِدَة صَحِيحَة من عِنْد الله وَإِن سَائِر الشَّرَائِع كلهَا بَاطِل فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَفرض على كل ذِي حس طلب تِلْكَ الشَّرِيعَة وإطراح كل شَرِيعَة دون ذَلِك وَإِن جلت حَتَّى يُوقف عَلَيْهَا بالبراهين الصِّحَاح إِذْ بهَا يكون صَلَاح النَّفس فِي الْأَبَد وبجهلها يكون هَلَاك النَّفس فِي الْأَبَد فَالْحَمْد الله الَّذِي وفقنا لتِلْك الشَّرِيعَة ووفقنا عَلَيْهَا وهدانا
стр. 74
إِلَى طريقها وعرفناها حمداً كثيرا طيبا كَمَا هُوَ أَهله وَنحن نَسْأَلهُ تَعَالَى أَن يثبتنا عَلَيْهَا حَتَّى نَلْقَاهُ وَنحن من أَهلهَا وحملتها آمين رب الْعَالمين وَصلى الله على مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا فَمن نازعنا فِي هَذَا القَوْل وادعاه لنَفسِهِ فَنحْن فِي ميدان النّظر وَحمل الْأَقْوَال على السّير بالبراهين فسنزيف الْبَاطِل والدعاوي الَّتِي لَا دَلِيل عَلَيْهَا حَيْثُمَا كَانَت ويلوح الْحق ثَابتا حَيْثُمَا كَانَ وبيد من كَانَ وَلَا حول وَلَا قُوَّة إل بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
الْكَلَام على الْيَهُود وعَلى من أنكر التثليب من النَّصَارَى
وَمذهب الصابئين وعَلى من أقرّ بنبوة زرادشت من الْمَجُوس وَأنكر من سواهُ من الْأَنْبِيَاء ﵈
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ إِن أهل هَذِه الْملَّة يَعْنِي الْيَهُود وَأهل هَذِه النحلة يَعْنِي من أنكر التَّثْلِيث من النَّصَارَى موافقون لنا فِي الْإِقْرَار بِالتَّوْحِيدِ ثمَّ بِالنُّبُوَّةِ وبآيات الْأَنْبِيَاء ﵈ وبنزول الْكتب من عِنْد الله إِلَّا أَنهم فارقونا فِي بعض الْأَنْبِيَاء ﵈ دون بعض وَكَذَلِكَ وافقتنا الصابئة وَالْمَجُوس على لإقرار بِبَعْض الْأَنْبِيَاء فَأَما الْيَهُود فَإِنَّهُم قد افْتَرَقُوا على خمس فرق وَهِي ١ السامرية وهم يَقُولُونَ أَن مَدِينَة الْقُدس هِيَ نابلس وَهِي من بَيت الْمُقَدّس على ثَمَانِيَة عشر ميلًا وَلَا يعْرفُونَ حُرْمَة لبيت الْمُقَدّس وَلَا يعظمونه وَلَهُم توراة غير التَّوْرَاة الَّتِي بأيدي سَائِر الْيَهُود وييبطلون كل نبوة كَانَت فِي بني اسرائييل بعد مُوسَى ﵇ وَبعد يُوشَع ﵇ فيكذبون بنبوة شَمْعُون وَدَاوُد وَسليمَان واشعيا وَالْيَسع والياس وعاموص وحبقوق وزَكَرِيا وارميا وَغَيرهم وَلَا يقرونَ بِالْبَعْثِ أَلْبَتَّة وهم بِالشَّام لَا يسْتَحلُّونَ الْخُرُوج عَنْهَا والصدوقية ونسبوا إِلَى رجل يُقَال لَهُ صَدُوق وهم يَقُولُونَ بَين سَائِر اليهودان العزير هُوَ ابْن الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَكَانُوا بِجِهَة الْيَمين والعنانية وهم أَصْحَاب عانان الدَّاودِيّ الْيَهُودِيّ وتسميهم الْيَهُود العراس والمسر وَقَوْلهمْ إِنَّهُم لَا يتعدون شرائع التَّوْرَاة وَمَا جَاءَ فِي كتب الْأَنْبِيَاء ﵈ ويتبرؤن من قَول الْأَحْبَار ويكذبونهم وَهَذِه الْفرْقَة بالعراق ومصر وَالشَّام وهم من الأندلس بطليطله وطليبره والربانية وهم الأشعنية وهم الْقَائِلُونَ بأقوال الْأَحْبَار ومذاهبهم وهم جُمْهُور الْيَهُود والعيسوية وهم أَصْحَاب أبي عِيسَى الْأَصْبَهَانِيّ رجل من الْيَهُود كَانَ بأصبهان وَبَلغنِي أَن اسْمه كَانَ مُحَمَّد بن عِيسَى وهم يَقُولُونَ بنبوة عِيسَى بن مَرْيَم وَمُحَمّد ﷺ وَيَقُولُونَ أَن عِيسَى بَعثه الله إِلَى بني إِسْرَائِيل على مَا جَاءَ فِي الْإِنْجِيل وَأَنه أحد أَنْبيَاء بني اسرائيل وَيَقُولُونَ أَن مُحَمَّدًا ﷺ نَبِي أرْسلهُ الله تَعَالَى بشرائع الْقُرْآن إِلَى بني إِسْمَاعِيل ﵈ وَإِلَى سَائِر الْعَرَب كَمَا كَانَ أَيُّوب نَبيا فِي بني عيص وكما كَانَ بلعام نَبيا فِي بني مواب بِإِقْرَار من جَمِيع فرق الْيَهُود
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَلَقَد لقِيت من ينحو إِلَى هَذَا الْمَذْهَب من خَواص الْيَهُود كثيرا وقرأت فِي تَارِيخ لَهُم جمعه رجل هاروني كَانَ قَدِيما فيهم وَمن كبارهم وأئمتهم وَمِمَّنْ عصبت بِهِ ثلث بلدهم وَثلث حروبهم وَثلث جيوشهم أَيَّام حَرْب طيطوس خراب الْبَيْت وَكَانَ لَهُ فِي تِلْكَ آثَار عَظِيمَة وَكَانَ قد أدْرك أَمر الْمَسِيح ﵇ واسْمه يُوسُف بن هَارُون فَذكر
стр. 75
مُلُوكهمْ وحروبهم إِلَى أَن وصل إِلَى قتل يحيى بن زَكَرِيَّا ﵇ فَذكره أجمل ذكر وَعظم شَأْنه وَأَنه قتل ظلما لقَوْله الْحق وَذكر أَمر المعمودية ذكرا حسنا لم ينكرها وَلَا أبطلها ثمَّ قَالَ فِي ذكره لذَلِك الْملك هردوس بن هردوس وَقبل هَذَا الْملك من حكماء بني إِسْرَائِيل وخيارهم وعلمائهم جمَاعَة وَلم يذكر من شَأْن الْمَسِيح عِيسَى بن مَرْيَم ﵉ أَكثر من هَذَا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَإِنَّمَا ذكرت هَذَا الْكَلَام لأرى إِن هَذَا الْمَذْهَب كَانَ فيهم ظَاهرا فاشياً فِي أئمتهم من حِينَئِذٍ إِلَى الْآن ثمَّ انقسم الْيَهُود جملَة على قسمَيْنِ فقسم أبطل النّسخ وَلم يجْعَلُونَ مُمكنا وَالْقسم الثَّانِي أجازوه إِلَّا أَنهم قَالُوا لم يَقع وعمدة حجَّة من أبطل النّسخ أَن قَالُوا إِن الله يَسْتَحِيل مِنْهُ أَن يَأْمر بِالْأَمر ثمَّ ينْهَى عَنهُ وَلَو كَانَ كَذَلِك لعاد الْحق بَاطِلا وَالطَّاعَة مَعْصِيّة وَالْبَاطِل حَقًا وَالْمَعْصِيَة طَاعَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ لَا نعلم لَهُم حجَّة غير هَذِه وَهِي من أَضْعَف مَا يكون من التمويه الَّذِي لَا يقوم على سَاق لِأَن من تدبر أَفعَال الله كلهَا وَجَمِيع أَحْكَامه وآثاره تَعَالَى فِي هَذَا الْعَالم تَيَقّن بطلَان قَوْلهم هَذَا لِأَن الله تَعَالَى يحيي ثمَّ يُمِيت ثمَّ يحيي وينقل الدولة من قوم أعزة فيذلهم إِلَى قوم أَذِلَّة فيعزهم ويمنح من شَاءَ مَا شَاءَ من الْأَخْلَاق الْحَسَنَة والقبيحة وَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون ثمَّ نقُول لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق مَا تَقولُونَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ من الْأُمَم المقبول دُخُولهَا فِيكُم إِذا غزوكم أَلَيْسَ دِمَاؤُهُمْ لكم حَلَالا وقتلهم حَقًا وفرضاً وَطَاعَة وَلَا بُد من نعم فَنَقُول لَهُم فَإِن دخلُوا فِي شريعتكم لَيْسَ قد حرمت دِمَاؤُهُمْ وَصَارَ عنْدكُمْ قَتلهمْ حَرَامًا وباطلاً ومعصية بعد أَن كَانَ فرضا وَحقا وَطَاعَة فَلَا بُد من نعم ثمَّ إِن عدوا فِي السبت وَعمِلُوا أَلَيْسَ قد عَاد قَتلهمْ فرضا بعد أَن كَانَ حَرَامًا فَلَا بُد من نعم فَهَذَا إِقْرَار ظَاهر مِنْهُم بِبُطْلَان قَوْلهم وَإِثْبَات مِنْهُم لما أنكروه من أَن الْحق يعود بَاطِلا وَالْأَمر يعود نهيا وَأَن الطَّاعَة تعود مَعْصِيّة وَهَكَذَا القَوْل فِي جَمِيع شرائعهم لِأَنَّهَا إِنَّمَا هِيَ أوَامِر فِي وَقت مَحْدُود بِعَمَل مَحْدُود فَإِذا خرج ذَلِك الْوَقْت عَاد ذَلِك الْأَمر مَنْهِيّا عَنهُ كالعمل هُوَ عِنْدهم مُبَاح فِي الْجُمُعَة محرم يَوْم السبت ثمَّ يعود مُبَاحا يَوْم الْأَحَد وكالصيام والقرابين وَسَائِر الشَّرَائِع كلهَا وَهَذَا بِعَيْنِه هُوَ نسخ الشَّرَائِع الَّذِي أَبوهُ وامتنعوا مِنْهُ إِذْ لَيْسَ معنى النّسخ إِلَّا أَن يَأْمر الله عزز وَجل بِأَن يعْمل عمل مَا مُدَّة مَا ثمَّ ينْهَى عَنهُ بعد انْقِضَاء تِلْكَ الْمدَّة وَلَا فرق فِي شَيْء من الْعُقُول بَين أَن يعرف الله تَعَالَى ويخبر عباده بِمَا يُرِيد أَن يَأْمُرهُم بِهِ قبل أَن يَأْمُرهُم بِهِ ثمَّ بِأَنَّهُ سينهى عَنهُ بعد ذَلِك وَبَين أَن لَا يعرفهُمْ بِهِ إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ تَعَالَى شَرط أَن يعرف عباده بِمَا يُرِيد أَن يَأْمُرهُم قبل أَن يَأْتِي الْوَقْت الَّذِي يُرِيد إلزامهم فِيهِ الشَّرِيعَة وَأَيْضًا فَإِن جَمِيعهم مقرّ بِأَن شَرِيعَة يَعْقُوب ﵇ كَانَت غير شَرِيعَة مُوسَى ﵇ وَإِن يَعْقُوب تزوج ليا وراحيل إبنتي لَا بَان وجمعهما مَعًا وَهَذَا حرَام فِي شَرِيعَة مُوسَى ﵇ هَذَا مَعَ قَوْلهم أَن أم مُوسَى ﵇ كَانَت عمَّة أَبِيه أُخْت جده وَهِي يوحا نذا بنت لاوي وَهَذَا فِي شَرِيعَة مُوسَى حرَام وَلَا فرق فِي الْعُقُول بَين شَيْء أحله الله تَعَالَى ثمَّ حرمه وَبَين شَيْء حرمه الله ثمَّ أحله والمفرق بَين هذَيْن مكابر للعيان مجاهر بالقحة وَلَو قلب عله قالب كَلَامه مَا كَانَ بَينهمَا فرق وَفِي توراتهم أَن الله تَعَالَى افْترض عَلَيْهِم بِالْوَحْي إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 76
وَأمرهمْ مُوسَى بذلك فِي نَص توراتهم أَن لَا يتْركُوا من الْأُمَم السَّبْعَة الَّذين كَانُوا سكاناً فِي فلسطين والأردن أحدا أصلا إِلَّا قَتَلُوهُ ثمَّ أَنه لما اختدعتهم الْأمة الَّتِي يُقَال لَهَا عباوون وَهِي إخدى تِلْكَ الْأُمَم الَّتِي افْترض عَلَيْهِم قَتلهمْ واستئصالهم فتحيلوا عَلَيْهِم وأظهروا لَهُم أَنهم أَتَوْ من بِلَاد بعيدَة حَتَّى عاهدوهم فَلَمَّا عرفُوا بعد ذَلِك أَنهم من السكان فِي الأَرْض الَّتِي أمروا بقتل أَهلهَا حرم الله عَلَيْهِم قَتلهمْ على لِسَان يُوشَع النَّبِي بِنَصّ كتاب يُوشَع عِنْدهم فأبقوهم ينقلون المَاء والحطب إِلَى مَكَان التَّقْدِيس وَهَذَا هُوَ النّسخ الَّذِي أَنْكَرُوا بِلَا كلفة وَفِي توراتهم البداء الَّذِي هُوَ أَشد من النّسخ وَذَلِكَ أَن فِيهَا أَن الله تَعَالَى قَالَ لمُوسَى ﵇ سأهلك هَذِه الْأمة وأقدمك على أمة أُخْرَى عَظِيمَة فَلم يزل مُوسَى يرغب إِلَى الله تَعَالَى فِي أَن لَا يفعل ذَلِك حَتَّى أَجَابَهُ أمسك عَنْهُم وَهَذَا هُوَ البداء بِعَيْنِه وَالْكذب المنفيان عَن الله تَعَالَى لِأَنَّهُ ذكر أَن الله تَعَالَى أخبر أَنه سيهلكهم ويقدمه على غَيره ثمَّ لم يفعل فَهَذَا هُوَ الْكَذِب بِعَيْنِه تَعَالَى الله عَنهُ وَفِي سفر اشعيا أَن الله تَعَالَى سيرتب فِي آخر الزَّمَان من الْفرس خداماً لبيته
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا هُوَ النّسخ بِعَيْنِه لِأَن التَّوْرَاة مُوجبَة أَن لَا يخْدم فِي الْبَيْت الْمُقَدّس أحد غير بني لاوي بن يَعْقُوب على حسب مَرَاتِبهمْ فِي الْخدمَة فعلى أَي وَجه أنزلوا هَذَا القَوْل من اشعيا فَهُوَ نسخ لما فِي التَّوْرَاة على كل حَال وَأما فِي الْحَقِيقَة فَهُوَ إنذار بالملة الإسلامية الَّتِي صَار فِيهَا الْفرس وَالْعرب وَسَائِر الْأَجْنَاس فِي الْمَسَاجِد بِبَيْت الْمُقَدّس وَغَيره الَّتِي هِيَ بيُوت الله تَعَالَى
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَأما الطَّائِفَة الَّتِي أجازت النّسخ إِلَّا أَنَّهَا أخْبرت أَنه لم يكن فَإِنَّهُ يُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق بِأَيّ شَيْء علمْتُم صِحَة نبوة مُوسَى ﵇ وَوُجُوب طَاعَته فَلَا سَبِيل إِلَى أَن يَأْتُوا بِشَيْء غير إِعْلَامه وبراهينه وإعلامه الظَّاهِرَة فَيُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِذا وَجب تَصْدِيق مُوسَى وَالطَّاعَة لأَمره لما ظهر من أحالة الطبائع على مَا بَيناهُ فِي بَاب الْكَلَام فِي بَيَان إِثْبَات النبوات فَلَا فرق بَينه وَبَين من أَتَى بمعجزات غَيرهَا وبإحالة لطبائع أخر وبضرورة الْعقل يعلم كل ذِي حس أَن مَا أوجبه لنَوْع فَإِنَّهُ وَاجِب لأجزائه كلهَا فَإِذا كَانَت إِحَالَة الطبائع مُوجبَة تَصْدِيق من ظَهرت عَلَيْهِ فوجوب تَصْدِيق مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد ﷺ وَاجِب وجوبا مستوياً وَلَا فرق بَين شَيْء مِنْهُ بِالضَّرُورَةِ وَيُقَال لَهُم مَا الْفرق بَيْنكُم فِي تصديقكم بعض من ظَهرت عَلَيْهِ المعجزات وتكذبيكم بَعضهم وَبَين من صدق من كَذبْتُمْ وَكذب من صَدقْتُمْ كالمجوس المصدقين بنبوة زرادشت المكذبين بنبوة مُوسَى وَسَائِر أنبيائكم أَو المانوية المصدقة بنبوة عِيسَى وزرادشت المكذبة بنبوة مُوسَى أَو الصابئين المكذبين بنبوة إِبْرَاهِيم ﵇ فَمن دونه المصدقين بنبوة إِدْرِيس وَغَيره وكل هَذِه الْفرق والملل تَقول فِي مُوسَى ﵇ وَفِي سَائِر أنبيائكم أَكثر مِمَّا تَقولُونَ أَنْتُم فِي عِيسَى وَمُحَمّد ﵍ تنطق بذلك تواريخهم وكتبهم وَهِي مَوْجُودَة مَشْهُورَة وَأقرب ذَلِك السامرية الَّذين يُنكرُونَ نبوة كل نَبِي لكم بعد مُوسَى ﵇ وَلَا سَبِيل إِلَى أَن تَأْتُوا على جَمِيع من ذكرنَا
стр. 77
بفرق إِلَّا أَتَوْكُم بِمثلِهِ وَلَا تدعوا عَلَيْهِم دَعْوَى إِلَّا ادعوا عَلَيْكُم بِمِثْلِهَا وَلَا أَن تطعنوا فِي نقلهم بِشَيْء إِلَّا أروكم فِي نقلكم مثله سَوَاء بِسَوَاء وَقد نبه الله تَعَالَى على هَذَا الْبُرْهَان بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم وَقُولُوا آمنا بِالَّذِي أنزل إِلَيْنَا وَأنزل إِلَيْكُم وإلهنا وإلهكم وَاحِد﴾ فنص تَعَالَى على أَن طَرِيق الْإِيمَان بِمَا آمنُوا بِهِ من النُّبُوَّة وَطَرِيق مَا آمنا بِهِ نَحن فَمَا وَاحِد وَأَنه لَا فرق بَين شَيْء من ذَلِك وَأَن الْإِيمَان بالإله الْبَاعِث لمُوسَى هُوَ الْإِيمَان الْبَاعِث لمُحَمد صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم
وَأَن طَرِيق كل لَك طَرِيق وَاحِدَة لَا فرق فِيهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَأما شغب من شغب مِنْهُم بأننا نؤمن بمُوسَى وهم لَا يُؤمنُونَ بِمُحَمد ﷺ فَهُوَ شغب ضَعِيف بَارِد لأَنهم لَا يخلون من أَن يَكُونُوا إِنَّمَا صدقُوا بنبوة مُوسَى من أجل تصديقنا نَحن وَلَوْلَا ذَلِك لم يصدقُوا بِهِ وَيكون إِنَّمَا صدقُوا بِهِ لما أظهر من الْبُرْهَان فَقَط فَإِن كَانُوا إِنَّمَا صدقُوا بِهِ من أجل تصديقنا نَحن فَوَاجِب عَلَيْهِم أَن يصدقُوا بِمُحَمد ﷺ من أجل تصديقنا نَحن بِهِ وَإِلَّا فقد تناقضوا وَإِن كَانَ إِنَّمَا صدقُوا بِهِ لما أظهر من الْآيَات فَلَا معنى لتصديق من صدقه وَلَا لتكذيب من كذبه وَالْحق حق صدقه النَّاس أَو كذبوه وَالْبَاطِل بَاطِل صدقه النَّاس أم كذبوه وَلَا يزِيد الْحق دَرَجَة فِي أَنه حق أطباق النس كلهم على تَصْدِيقه وَلَا يزِيد الْبَاطِل مرتبَة فِي أَنه بَاطِل تَكْذِيب النَّاس كلهم لَهُ وَلَا يظنّ ظان أننا فِي مناظرتنا من نناظره من أهل ملتنا الْمُخَالفين لنا فِي بعض أقوالنا بِالْإِجْمَاع وَقد نقضنا كلامنا فِي هَذَا الْمَكَان فَليعلم أننا لم ننقضه لِأَن الْإِجْمَاع حجَّة قد قَامَ الْبُرْهَان على صِحَّتهَا فِي الْفتيا فِي دين الْإِسْلَام وَمَا قَامَ على صِحَّته الْبُرْهَان فَهُوَ حجَّة قَاطِعَة على من خَالفه وعَلى من وَافقه وَأما إِن نحتج على مخالفنا بِأَنَّهُ مُوَافق لنا فِي بعض مَا نَخْتَلِف فِيهِ فَلَيْسَ حجَّة علينا فَإِن وجد لنا يَوْمًا من الْأَيَّام فَإِنَّمَا نخاطب بِهِ جَاهِلا نستكف تخليطه بذلك أَو نبكته لنريه تناقضه فَقَط وَأَيْضًا فَإنَّا إِنَّمَا آمنا بنبوة مُوسَى الَّذِي أنذر بنبوة مُحَمَّد ﷺ وبالتوراة الَّتِي فِيهَا الْإِنْذَار برسالة مُحَمَّد ﷺ باسمه وَنسبه وَصفَة أَصْحَابه ﵃ وَهَكَذَا نقُول فِي عِيسَى وَالْإِنْجِيل حرفا حرفا لَا بنبوة من لم ينذر النَّبِي ﷺ وَلَا نؤمن بمُوسَى وَعِيسَى وَلَا نؤمن بتوراة وَلَا إنجيل لَيْسَ فيهمَا الْإِنْذَار برسالة مُحَمَّد ﷺ وَصفَة أَصْحَابه بل نكفر بِكُل ذَلِك ونبرأ مِنْهُم فَلم نوافقهم قطّ على مَا يَدعُونَهُ فَبَطل شغبهم الضَّعِيف وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَجُمْلَة القَوْل فِي هَذَا إِن نقل الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَاسد لما ذكرنَا وَنَذْكُر إِن شَاءَ الله تَعَالَى من عَظِيم الدَّاخِلَة فِي كتبهمْ المبينة أَنَّهَا مفتعلة وَفَسَاد نقلهم فَإِنَّمَا صدقنا بنبوة مُوسَى وَعِيسَى ﵉ لِأَن مُحَمَّدًا ﷺ صدقهما وَأخْبرنَا عَنْهُمَا وَعَن أعلامهما وَلَوْلَا ذَلِك لما صدقنا بهما وَلما كَانَا عندنَا بِمَنْزِلَة إلْيَاس وَالْيَسع وَيُونُس وَلُوط فِي ذَلِك
كَمَا أننا لَا نقطع بِصِحَّة نبوة سموال وحقاي وَحُقُوق وَسَائِر الْأَنْبِيَاء الَّذين عِنْدهم كموسى وَسَائِر من ذكرنَا وَلَا فرق وَلَكِن نقُول آمنا بِاللَّه وَكتبه وَرُسُله فَإِن كَانَ المذكورون أَنْبيَاء فَنحْن نؤمن بهم وَإِن لم يَكُونُوا أَنْبيَاء فَلَا ندخل فِي أَنْبيَاء الله تَعَالَى من لَيْسَ مِنْهُم بأخبار الْيَهُود وَالنَّصَارَى الكاذبة الَّتِي لَا أصل لَهَا الراجعة إِلَى قوم كفار كاذبين وَبِاللَّهِ
стр. 78
تَعَالَى نتأيد وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي الرُّسُل ﴿مِنْهُم من قَصَصنَا عَلَيْك وَمِنْهُم من لم نَقْصُصْ عَلَيْك﴾ فَنحْن نؤمن بالأنبياء جملَة وَلَا نسمي مِنْهُم إِلَّا من يُسَمِّي مُحَمَّد ﷺ فَقَط
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَيُقَال لسَائِر فرق الْيَهُود حاشا السامرية مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين السامرية الَّذين كذبُوا بنبوة كل نَبِي صَدقْتُمْ أَنْتُم بِهِ بعد يُوشَع بِمثل مَا كَذبْتُمْ أَنْتُم بِهِ عِيسَى ومحمداً ﷺ وَهَذَا مَا لَا إنفكاك مِنْهُ بِوَجْه من الْوُجُوه فَإِن ادعوا أَن عِيسَى ومحمداً ﷺ لم يأتيا بالمعجزات بِأَن كذبهمْ ومجاهرتهم إِذْ قد نقلت الكواف عَن النَّبِي ﷺ أَنه سقى الْعَسْكَر فِي تَبُوك وهم أُلُوف كَثِيرَة من قدح صَغِير نبع فِيهِ المَاء من بَين أَصَابِعه ﵇ وَفعل أَيْضا مثل ذَلِك بِالْحُدَيْبِية وَأَنه أطْعم ﵇ فِي منزل أبي طَلْحَة أهل الخَنْدَق حَتَّى شَبِعُوا وَفِي منزل جَابر أَيْضا وَرمى هوَازن فِي جَيش فعميت عُيُون جَمِيعهم بِتُرَاب يَده وفيهَا أنزل الله تَعَالَى ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ وشق الْقَمَر إِذْ سَأَلَهُ قومه آيَة فَأنْزل الله تَعَالَى فِي ذَلِك ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر وَإِن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر وكذبوا وَاتبعُوا أهواءهم وكل أَمر مُسْتَقر وَلَقَد جَاءَهُم من الأنباء مَا فِيهِ مزدجر﴾
وَكَذَلِكَ حنين الْجذع الَّذِي سَمعه كل من حَضَره من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم وَمن أبهر ذَلِك وأعظمه قَوْله للْيَهُود الَّذين كَانُوا مَعَه فِي وقته وهم زِيَادَة على ألف بِلَا شكّ ولعلهم كَانُوا ألوفاً وهم بَنو قُرَيْظَة وبنوا النصير وبنوا أهدل وَبَنُو قينقاع أَن يتمنوا الْمَوْت إِن كَانُوا صَادِقين فِي تكذيبهم نبوته وأعلمهم أَنهم لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِك أصلا فعجزوا عَن ذَلِك أَي عَن تمني الْمَوْت وحيل بَينهم وَبَين النُّطْق بذلك وَهَذِه قصَّة منصوصة فِي سُورَة الْجُمُعَة يقْرَأ بهَا كل يَوْم جُمُعَة فِي جَمِيع جَوَامِع الْمُسلمين من شَرق الدُّنْيَا إِلَى غربها وَقد كَانَ أسهل الْأُمُور عَلَيْهِم أَن يكذبوا بِأَن يتمنوا الْمَوْت لَو اسْتَطَاعُوا وهم يسمعونه يَقُول فتمنوا الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين وَلَا يتمنونه أبدا بِمَا قدمت أَيْديهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا أَمر لَا يَدْفَعهُ الأوقاح جَاهِل مكابر للعيان لِأَن الْقُرُون والاعصار نقلت هَذِه الْآيَات جيلاً جيلاً يخاطبون بهَا فَكل أذعن وَأقر وَلم يُمكن أحدا دَفعه ودعا ﵇ من حِين مبعثه الْعَرَب كلهم على فصاحة ألسنتهم وَكَثْرَة استعمالهم لأنواع البلاغة من الإطالة والإيجاز وَالتَّصَرُّف فِي أفانين البلاغة والألفاظ المركبة على وُجُوه الْمعَانِي إِلَى أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن ثمَّ ردهم إِلَى سُورَة فعجزوا كلهم عَن ذَلِك على سَعَة بِلَادهمْ طولا وعرضاً وَأَنه ﷺ أَقَامَ بَين أظهرهم ثَلَاثَة وَعشْرين عَاما يستسهلون قِتَاله والتعرض لسفك دِمَائِهِمْ واسترقاق ذَرَارِيهمْ وَقد أضربوا عَمَّا دعاهم إِلَيْهِ من الْمُعَارضَة لِلْقُرْآنِ جملَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا لَا يخفى على من لَهُ أقل فهم أَنه إِنَّمَا حملهمْ على ذَلِك الْعَجز عَمَّا كلفهم من ذَلِك وارتفاع الْقُوَّة عَنْهُم وَأَنه قد حيل بَينهم وَبَين ذَلِك ثمَّ عَم الدُّنْيَا من البلغاء الَّذين يتخللون بألسنتهم تخَلّل النَّاقِد ويطيلون فِي الْمَعْنى التافة إِظْهَارًا لإقتدراهم
стр. 79
على الْكَلَام جماعات لَا بصائر لَهُم فِي دين الْإِسْلَام مُنْذُ أَرْبَعمِائَة عَام وَعشْرين عَاما فَمَا مِنْهُم أحد يتَكَلَّف معارضته إِلَّا افتضح وَسقط وَصَارَ مهزأة ومعيرة يتماجن بِهِ وَبِمَا أَنِّي بِهِ ويتطايب عَلَيْهِ مِنْهُم مُسَيْلمَة بن حبيب الْحَنَفِيّ لما رام ذَلِك لم ينْطق لِسَانه إِلَّا بِمَا يضْحك الثكلى وَقد تعاطى بَعضهم ذَلِك يَوْمًا فِي كَلَام جرى بيني وَبَينه فَقلت لَهُ اتَّقِ الله على نَفسك فَإِن الله تَعَالَى قد منحك من الْبَيَان والبلاغة نعْمَة سبقت بهَا وَوَاللَّه لَئِن تعرضت لهَذَا الْبَاب بِإِشَارَة ليسلبنك الله هَذِه النِّعْمَة وليجعلنك فضيحة وشهرة ومسخرة وضحكة كَمَا فعل بِمن رام هَذَا من قبلك فَقَالَ لي صدقت وَالله أظهر النَّدَم وَالْإِقْرَار بقبحه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا مشَاهد وَهِي آيَة بَاقِيَة إِلَى الْيَوْم وَإِلَى انْقِضَاء الدُّنْيَا وَسَائِر آيَات الْأَنْبِيَاء ﵈ قد فنيت بفنائهم فَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا الْخَبَر عَنْهَا فَقَط
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَقد ظن قوم إِن عجز الْعَرَب وَمن تلاهم من سَائِر البلغاء عَن مُعَارضَة الْقُرْآن إِنَّمَا هُوَ لكَون الْقُرْآن فِي أَعلَى طَبَقَات البلاغة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا خطأ شَدِيد وَلَو كَانَ ذَلِك وَقد أَبى الله أَن يكون لما كَانَ حينئذٍ معْجزَة لِأَن هَذِه صفة كل باسق فِي طبقته وَالشَّيْء الَّذِي هُوَ كَذَلِك وَإِن كَانَ قد سبق فِي وَقت مَا فَلَا يُؤمن أَن يَأْتِي فِي غَد مَا يُقَارِبه بل مَا يفوقه وَلَكِن الإعجاز فِي ذَلِك إِنَّمَا هُوَ أَن الله حَال بَين الْعباد وَبَين أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ وَرفع عَنْهُم الْقُوَّة فِي ذَلِك جملَة وَهَذَا مثل لَو قَالَ قَائِل إِنِّي أَمْشِي الْيَوْم فِي هَذِه الطَّرِيق ثمَّ لَا يُمكن أحدا بعدِي أَن يمشي فِيهَا وَهُوَ لَيْسَ بأقوى من سَائِر النَّاس وَأما لَو كَانَ الْعَجز عَن الْمَشْي لصعوبة الطَّرِيق وَقُوَّة هَذَا الْمَاشِي لما كَانَت آيَة وَلَا معْجزَة وَقد بَينا فِي غير هَذَا الْمَكَان أَن الْقُرْآن لَيْسَ من نوع بلاغة النَّاس لِأَن فِيهِ الْأَقْسَام الَّتِي فِي أَوَائِل السُّور والحروف الْمُقطعَة الَّتِي لَا يعرف أحد مَعْنَاهَا وَلَيْسَ هَذَا من نوع بلاغة النَّاس الْمَعْهُودَة وَقد روينَا عَن أنيس أخي أبي ذَر الْغِفَارِيّ ﵄ أَنه سمع الْقُرْآن فَقَالَ لقد وضعت هَذَا الْكَلَام على أَلْسِنَة البلغاء وألسنة الشُّعَرَاء فَلم أَجِدهُ يُوَافق ذَلِك أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ فصح بِهَذَا مَا قُلْنَاهُ من أَن الْقُرْآن خَارج عَن نوع بلاغة المخلوقين وَأَنه على رُتْبَة قد منع الله تَعَالَى جَمِيع الْخلق عَن أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ وَلنَا فِي هَذَا رِسَالَة مستقصاة كتبنَا بهَا إِلَى أبي عَامر أَحْمد بن عبد الْملك ابْن شَهِيد وَسَنذكر مِنْهَا هُنَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَا فِيهِ كِفَايَة فِي كلامنا مَعَ الْمُعْتَزلَة والأشعرية فِي خلق الْقُرْآن من ديواننا هَذَا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَإِن قَالَ قَائِل أَنه منع المعارضون حينئذٍ من الْمُعَارضَة أَو عارضوا فَستر ذَلِك قيل لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق لَو أمكن مَا تَقول لأمكن لغيرك أَن يَدعِي فِي آيَات مُوسَى ﵇ مثل ذَلِك بل كَانَ يكون أقرب إِلَى التلبيس لِأَن فِي توراتكم أَن السَّحَرَة عمِلُوا مثل مَا عمل مُوسَى ﵇ حاشا الْعِوَض خَاصَّة فَإِنَّهُم لم يطيقوه
стр. 80
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا هُوَ الْبَاطِل والتبديل الظَّاهِر لِأَن السحر لَا يحِيل عينا وَلَا يقلبها وَلَا يحِيل طبيعة إِنَّمَا هُوَ حيل قد بَينا الْكَلَام فِيهَا بعون الله تَعَالَى فِي مَوْضِعه من هَذَا الْكتاب وَفِي غَيره
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا الِاعْتِرَاض هُوَ على سَبِيل إبِْطَال الكواف لَا سَبِيل من أفر بِشَيْء مِنْهَا ثمَّ يُقَال كل من ولي الْأَمر بعده ﵇ مَعْرُوف لَيْسَ مِنْهُم أحد إِلَّا وَله أَعدَاء يخرجُون من عداوته إِلَى أبعد الغايات من الحنق والغيظ فَأَبُو بكر وَعمر ﵄ تعاديهما الرافضة وتبلغ فِي عداوتهما أقْصَى الغايات وَمَا قَالَ قطّ أحد مُؤمن وَلَا كَافِر عَدو لَهما وَلَا ولي أَن أحد مِنْهُمَا أجبر أحدا على الْإِقْرَار بآيَات مُحَمَّد ﷺ وَلَا على ستر شَيْء عورض بِهِ وَلَا قدر أَن يَقُول هَذَا أَيْضا يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ وَكَذَلِكَ عُثْمَان أَيْضا وَعلي تعاديهما الْخَوَارِج وَتخرج فِي عداوتهما وتكفيرهما إِلَى أبعد الغايات مَا قَالَ قطّ قَائِل فِي أَحدهمَا شَيْئا من هُنَا وَحَتَّى لَو رام أحد من الْمُلُوك ذَلِك لما قدر عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يملك أَيدي النَّاس وَلَا ألسنتهم يصنعون فِي مَنَازِلهمْ مَا أَحبُّوا وينشرونه عِنْد من يثقون بِهِ حَتَّى ينتشر وَهَذَا أَمر لَا يقدر على ضَبطه وَالْمَنْع مِنْهُ أحد لَا سِيمَا مَعَ انخراق الدُّنْيَا وسعة أقطارها من أقْصَى السَّنَد إِلَى أقْصَى الأندلس فَلَو أمكنت معارضته مَا تَأَخّر عَن ذَلِك من لَهُ أدنى حَظّ من استطاعة عِنْد نَفسه على ذَلِك مِمَّن لَا بَصِيرَة لَهُ فِي الْإِسْلَام فِي شَرق الأَرْض وغربها فَإِن قَالَ قَائِل من الْيَهُود أَن مُوسَى ﵇ قَالَ لَهُم فِي التَّوْرَاة لَا تقبلُوا من نَبِي أَتَاكُم بِغَيْر هَذِه الشرايعة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ قُلْنَا لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَا سَبِيل إِلَى أَن يَقُول مُوسَى ﵇ هَذَا بِوَجْه من الْوُجُوه لِأَنَّهُ لَو قَالَ ذَلِك لَكَانَ مُبْطلًا لنبوة نَفسه وَهَذَا كَلَام يَنْبَغِي أَن يتدبر وَذَلِكَ أَنه لَو قَالَ لَهُم لَا تصدقوا من دعَاكُمْ إِلَى غير شريعتي وَإِن جَاءَ بآيَات فَإِنَّهُ يلْزمه إِذا كَانَت الْآيَات لَا توجب تَصْدِيق غَيره إِذا أَتَى بهَا فِي شَيْء دَعَا إِلَيْهِ فَهِيَ غير مُوجبَة تَصْدِيق مُوسَى ﵇ فِيمَا أَتَى بِهِ إِذْ لَا فرق بَين معجزاته ومعجزات غَيره إِذْ بِالْآيَاتِ صحت الشَّرَائِع وَلم تصح الْآيَات بالشرائع لِأَن تَصْدِيق الشَّرِيعَة مُوجبَة لِلْآيَةِ وَالْآيَة مُوجبَة تَصْدِيق الشَّرِيعَة وَمن قَالَ خلاف هَذَا مِمَّن يدين بشريعة وبنبوة فَهُوَ عَظِيم المجاهرة بِالْبَاطِلِ
стр. 81
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَأَيْضًا فَإِن هَذَا القَوْل الْمَنْسُوب إِلَى مُوسَى ﵇ كذب مَوْضُوع لَيْسَ فِي التَّوْرَاة شَيْء مِنْهُ وَإِنَّمَا فِيهَا من أَتَاكُم يَدعِي نبوة وَهُوَ كَاذِب فَلَا تُصَدِّقُوهُ فَإِن قُلْتُمْ من أَيْن نعلم كذبه من صدقه فانظروا فَإِذا قَالَ عَن الله شَيْئا وَلم يكن كَمَا قَالَ فَهُوَ كَاذِب هَذَا نَص مَا فِي التَّوْرَاة فصح بِهَذَا أَنه إِذا أخبر عَن الله تَعَالَى بِشَيْء فَكَانَ كَمَا قَالَ فَهُوَ صَادِق وَقد وجدنَا كلما أخبر بِهِ النَّبِي ﷺ فِي غَلَبَة الرّوم على كسْرَى وإنذاره بقتل الْكذَّاب الْعَنسِي وَيَوْم ذِي قار وبخلع كسْرَى وَبِغير ذَلِك فَإِن قَالُوا إِن فِي التَّوْرَاة أَن هَذِه الشَّرِيعَة لَازِمَة لكم فِي الْأَبَد قُلْنَا هَذَا محَال فِي التَّأْوِيل لِأَنَّهُ كَذَلِك أَيْضا فِيهَا أَن هَذِه الْبِلَاد يسكنونها أبدا وَقد رأيناهم لعيان خَرجُوا مِنْهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَإِن قَالَ قَائِل فقد قَالَ لكم مُحَمَّد ﷺ لَا نَبِي بعدِي قيل لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى نأيد لَيْسَ هَذَا الْكَلَام مِمَّا ادعيتموه على مُوسَى ﵇ لأننا قد علمنَا من أخباره ﵇ أَنه لَا سَبِيل إِلَى أَن يظْهر أحد آيَة بعده أبدا وَلَو جَازَ ظُهُورهَا لوَجَبَ تَصْدِيق من أظهرها وَلَكنَّا قد أيقنا أَنه لَا تظهر آيَة على أحد بعده ﵇ بِوَجْه من الْوُجُوه فَإِن قَالَ قَائِل وَكَيف تَقولُونَ فِي الدَّجَّال وَأَنْتُم ترَوْنَ أَنه يظْهر لَهُ عجائب فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن الْمُسلمين فِيهِ على أَقسَام فَأَما ضرار ابْن عمر وَسَائِر الْخَوَارِج فَإِنَّهُم ينفون أَن يكون الدَّجَّال جملَة فَكيف أَن يكون لَهُ آيَة وَأما سَائِر فرق الْمُسلمين فَلَا ينفون ذَلِك والعجائب الْمَذْكُورَة عَنهُ إِنَّمَا جَاءَت بِنَقْل الْآحَاد وَقَالَ بعض أَصْحَاب الْكَلَام أَن الدَّجَّال إِنَّمَا يَدعِي الربوبية ومدعي الربوبية فِي نفس قَوْله بَيَان كذبه قَالُوا فظهور الْآيَة عَلَيْهِ لَيْسَ مُوجبا لضلال من لَهُ عقل وَأما مدعي النُّبُوَّة فَلَا سَبِيل إِلَى ظُهُور الْآيَات عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يكون ضلالا لكل ذِي عقل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَأما قَوْلنَا فِي هَذَا فَهُوَ أَن الْعَجَائِب الظَّاهِرَة من الدَّجَّال إِنَّمَا هِيَ حيل من نَحْو مَا صنع سحرة فِرْعَوْن وَمن بَاب أَعمال الحلاج وَأَصْحَاب الْعَجَائِب يدل على ذَلِك حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة إِذْ قَالَ للنَّبِي ﷺ أَن مَعَه نهر مَاء ونهر خبز فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ هُوَ أَهْون على الله من ذَلِك حَدثنَا يُونُس بن عبد الله بن مغيث حَدثنَا أَحْمد بن عبد الرَّحِيم حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الْخُشَنِي حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار بنْدَار حَدثنَا يحيى بن سعيد الْقطَّان حَدثنَا هِشَام بن حسان الفردوسي حَدثنَا حميد بن هِلَال عَن أبي الدهماء عَن عمرَان بن حُصَيْن عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من سمع من أمتِي الدَّجَّال فلينأ عَنهُ فَإِن الرجل يَأْتِيهِ وَهُوَ يحسبه مُؤمن فيتبعه مِمَّا يرى من الشُّبُهَات
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فصح بِالنَّصِّ أَنه صَاحب شُبُهَات
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَبِهَذَا تتألف الْأَحَادِيث وَقد بَين رَسُول الله ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث أَن مَا يظْهر الدَّجَّال من نهر مَاء ونار وَقتل إِنْسَان وإحيائه أَن ذَلِك حيل وَلكُل ذَلِك وُجُوه إِذا طلبت وجدت فقد تحيل بِبَعْض الأجساد المعدنية إِذا أذيب أَنه مَاء وتحيل بالنفط الْكَاذِب أَنه نَار وَيقتل إِنْسَان ويغطي وَآخر معد مخبوء فَيظْهر ليرى أَنه قتل ثمَّ أحيي كَمَا فعل الْحُسَيْن بن مَنْصُور الحلاج فِي الجدي الأبلق وكما فعل الشريعي والنميري بالبغلة وكما فعل زبزن بالزرزور وَأَنا أَدْرِي من يطعم الدَّجَاج الزرنيخ فتخدر وَلَا يشك فِي مَوتهَا ثمَّ يصب
стр. 82
فِي حلوقها الزَّيْت فتقوم صحاحاً وَإِنَّمَا كَانَت تكون معْجزَة لَو أَحْيَا عظاماً قد أرمت فَيظْهر نَبَات اللَّحْم عَلَيْهَا فَهَذِهِ كَانَت تكون معْجزَة ظَاهِرَة لَا شكّ فِيهَا وَلَا يقدر غير نَبِي عَلَيْهَا أَلْبَتَّة
وَقد رَأينَا لدبر يلقى فِي المَاء حَتَّى لَا يشك أحد أَنَّهَا ميتَة ثمَّ كُنَّا نضعها للشمس فَلَا تلبث أَن تقوم وَتَطير وَقد بلغنَا مثل ذَلِك فِي الذُّبَاب المسترخي فِي المَاء إِذا ذَر عَلَيْهِ سحق الْآجر الْجَدِيد وآيات الْأَنْبِيَاء ﵈ لَا تكون من وَرَاء حَائِط وَلَا فِي مَكَان بِعَيْنِه وَلَا من تَحت ستارة وَلَا تكون إِلَّا بادية مكشوفة وَقد فضحت أَنا حِيلَة أبي مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمحرق فِي الْكَلَام المسموع بِحَضْرَتِهِ وَلَا يرى الْمُتَكَلّم وسمت بعض أَصْحَابه أَن يسمعني ذَلِك فِي مَكَان آخر أَو بِحَيْثُ الفضاء دون بُنيان فَامْتنعَ من ذَلِك فظهرت الْحِيلَة وَإِنَّمَا هِيَ قَصَبَة مثقوبة تُوضَع وَرَاء الْحَائِط على شقّ خَفِي وَيتَكَلَّم الَّذِي طرف القصبة على فِيهِ على حِين غَفلَة مِمَّن فِي الْمَسْجِد كَلِمَات يسيرَة الْكَلِمَتَيْنِ وَالثَّلَاث لَا أَكثر من ذَلِك فَلَا يشك من فِي الْبَيْت مَعَ المحرق الملعون فِي أَن الْكَلَام انْدفع بحضرتهم وَكَانَ الْمُتَكَلّم فِي ذَلِك مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاتِب صَاحبه فَإِن اعْترض معترض بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا منعنَا أَن نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كذب بهَا الْأَولونَ﴾ قيل لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هَذَا يخرج على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا منعنَا أَن نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كذب بهَا الْأَولونَ﴾ إِنَّمَا هُوَ على معنى التبكيت لمن قَالَ ذَلِك وَأورد تَعَالَى كَلَامهم وَحذف ألف الِاسْتِفْهَام وَهَذَا مَوْجُود فِي كَلَام الْعَرَب كثيرا وَالثَّانِي أَنه إِنَّمَا عَنى تَعَالَى بذلك الْآيَات المشترطة فِي الرقي إِلَى السَّمَاء وَأَن يكون مَعَه ملك وَمَا أشبه وَهَذَا لَيْسَ على الله تَعَالَى شَرط لأحد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَالْقَوْل الأول هُوَ جَوَابنَا لِأَن الله تَعَالَى لَا شَيْء يمنعهُ عَمَّا يُرِيد وَكَذَلِكَ إِن اعْترض معترض بقول النَّبِي ﷺ مَا من الْأَنْبِيَاء إِلَّا من قد أُوتِيَ مَا على مثله آمن الْبشر وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتهُ وَحيا أُوحِي إِلَيّ وَإِنِّي لأرجو أَن أكون أَكْثَرهم تبعا يَوْم الْقِيَامَة قيل لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِنَّمَا عَنى رَسُول الله ﷺ هَذَا القَوْل آيَته الْكُبْرَى الثَّابِتَة الْبَاقِيَة أَبَد الآباد الَّتِي هِيَ أول معجزته حِين بعث وَهِي الْقُرْآن لبَقَاء هَذِه الْآيَة على الآباد وَإِنَّمَا جعلهَا ﵇ بِخِلَاف سَائِر آيَات الْأَنْبِيَاء ﵈ لِأَن تِلْكَ الْآيَات يَسْتَوِي فِي معرفَة إعجازها الْعَالم وَالْجَاهِل وَأما إعجاز الْقُرْآن فَإِنَّمَا يعرفهُ الْعلمَاء بلغَة الْعَرَب ثمَّ يعرفهُ سَائِر النَّاس بأخبار الْعلمَاء لَهُم بذلك مَعَ مَا فِي التَّوْرَاة من الْإِنْذَار الْبَين برَسُول الله ﷺ من قَوْله تَعَالَى فِيهَا سأقيم لبني إِسْرَائِيل نَبيا من إِخْوَتهم أجعَل على لِسَانه كَلَامي فَمن عَصَاهُ انتقمت مِنْهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَلم تكن هَذِه الصّفة لغير مُحَمَّد ﷺ وإخوة بني إِسْرَائِيل هم بنوا إِسْمَاعِيل وَقَوله فِي السّفر الْخَامِس مِنْهَا جَاءَ الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وسيناء هُوَ مَوضِع مبعث مُوسَى ﵇ بِلَا شكّ وساعير هُوَ مَوضِع مبعث عِيسَى ﵇ وفاران بِلَا شكّ هِيَ مَكَّة مَوضِع مبعث مُحَمَّد ﷺ بَيَان ذَلِك أَن إِبْرَاهِيم ﵇ أسكن إِسْمَاعِيل فاران وَلَا خلاف بَين أحد فِي أَنه إِنَّمَا أسْكنهُ مَكَّة فَهَذَا نَص على مبعث النَّبِي ﷺ والرؤيا الَّتِي فَسرهَا دانيال
стр. 83
فِي أَمر الْحجر الَّذِي رأى الْملك فِي نَومه الَّذِي دق الصَّنَم الَّذِي كَانَ بعضه ذَهَبا وبعه فضَّة وَبَعضه نُحَاسا وَبَعضه حديدا وَبَعضه فخارا وخلطه كُله وطحنه وَجعله شَيْئا وَاحِدًا ثمَّ رَبًّا الْحجر حَتَّى مَلأ الأَرْض ففسره دانيال أَنه نَبِي يجمع الْأَجْنَاس ويبلغ ملك أمره ملْء الْآفَاق فَهَل كَانَ نَبِي قطّ غير مُحَمَّد ﷺ جمع الْأَجْنَاس كلهَا على اختلافها وَاخْتِلَاف لغاتها وأديانها وممالكها فجعلهم جِنْسا وَاحِدًا ولغة وَاحِدَة وَأمة وَاحِدَة ومملكة وَاحِدَة وديناً وَاحِدًا فَإِن الْعَرَب وَالْفرس والنبط والأكراد وَالتّرْك والديلم والجبل والبربر والقبط وَمن أسلم من الرّوم والهند والسودان على كثرتهم كلهم ينطقون بلغَة وَاحِدَة وَبهَا يقرؤن الْقُرْآن وَقد صَار كل من ذكرنَا أمة وَاحِدَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَصحت النُّبُوَّة الْمَذْكُورَة بِلَا أشكال وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وكل مَا ذكرنَا فِي هَذَا الْبَاب أَنه يدْخل على النَّصَارَى الَّذين يَقُولُونَ بنبوة عِيسَى ﵇ فَقَط من الأريوسية والمقدونية والبولقانية سَوَاء سَوَاء مَعَ مَا فِي الْإِنْجِيل من دُعَاء الْمَسِيح ﵇ فِي قَوْله اللَّهُمَّ ابْعَثْ البارقليط ليعلم النَّاس أَن ابْن الْبشر إِنْسَان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا غَايَة الْبَيَان لمن عقل لِأَن الْمَسِيح ﵇ علم أَنه سيغلو قومه فِيهِ فَيَقُولُونَ أَنه الله وَأَنه ابْن الله فَدَعَا الله فِي أَن يبْعَث الَّذِي يبين للنَّاس أَنه لَيْسَ إِلَهًا وَلَا ابْن إِلَه وَإِنَّمَا هُوَ إِنْسَان من ولد امْرَأَة من الْبشر فَهَل أُتِي بعده نَبِي يبين هَذَا إِلَّا مُحَمَّد ﷺ وَهَذَا لَا يحِيل بَيَانه على ذِي حس سليم وإنصاف ونسأل الله إيزاع الشُّكْر على مَا وفْق لَهُ من الْهدى فَإِن قَالَ قَائِل فَإِن الْمَجُوس تصدق بنبوة زرادشت وَقوم من الْيَهُود بنبوة أبي عِيسَى الْأَصْبَهَانِيّ وَقوم من كفرة الغالية يصدقون بنبوة يزيع الحائك والمغيرة بن سعيد وبنان بن سمْعَان التَّمِيمِي وَغَيرهم من كلاب الغالية فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن أَبَا عِيسَى وبنان ويزيعاً وَسَائِر من تَدعِي لَهُ الغالية بنبوة أَو إلهية من خِيَار النَّاس وشرارهم لم تظهر لوَاحِد مِنْهُم آيَة بِوَجْه من الْوُجُوه والآيات لَا تصح إِلَّا بِنَقْل الكواف وكل هَؤُلَاءِ كَانَ بعد رَسُول الله ﷺ وَقد أخبر الَّذِي جَاءَت الْبَرَاهِين بصدقه أَنه لَا نَبِي بعده فقد صَحَّ الْبُرْهَان بطلَان مَا ادّعى لهَؤُلَاء من النُّبُوَّة وَأما زرادشت فقد قَالَ كثير من الْمُسلمين بنبوته
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ لَيست النُّبُوَّة بمدفوعة قبل رَسُول الله ﷺ لمن صحت عَنهُ معْجزَة قَالَ الله ﴿وَإِن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير﴾ وَقَالَ ورسلاً قد قصصناهم عَلَيْك من قبل ورسلا لم نقصصهم عَلَيْك وَقَالُوا إِن الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الْمَجُوس من الأكذوبات بَاطِل مفتري مِنْهُم وبرهان ذَلِك أَن المانية تنْسب إِلَيْهِم مقالتهم وأقوال هَؤُلَاءِ كلهم متضادة لَا سَبِيل إِلَى أَن يَقُول بهَا قَائِل وَاحِد صَادِق وَلَا كَاذِب فِي وَقت وَاحِد وَكَذَا الْمَسِيح ﵇ ينْسب إِلَيْهِ الملكانية قَوْلهم فِي التَّثْلِيث وتنسب إِلَيْهِ النسطورية قَوْلهم أَيْضا وَكَذَلِكَ اليعقوبية وتنسب إِلَيْهِ المانية أَيْضا أَو كَذَلِك
стр. 84
المزنوقية وَهَذَا برهَان ظَاهر على كذب جَمِيعهم عَلَيْهِمَا بِلَا شكّ وَقد رامت الغالية مثل هَذَا فِي الْقُرْآن وَلَكِن قد تولى الله حفظه وَبِالْجُمْلَةِ فَكل كتاب وَشَرِيعَة كَانَا مقصورين على رجال من أَهلهَا وَكَانَا محظورين على من سواهُمَا فالتبديل والتحريف مَضْمُون فيهمَا وَكتاب الْمَجُوس وشريعتهم إِنَّمَا كَانَ طول مُدَّة دولتهم عِنْد المؤبذ وَعند ثَلَاثَة وَعشْرين هربذاً لكل هربذ سفر قد أفرد بِهِ وَحده لَا يُشَارِكهُ فِيهِ غَيره من الهرابذة وَلَا من غَيرهم وَلَا يُبَاح بشيءٍ من ذَلِك لأحد سواهُم ثمَّ دخل فِيهِ الخرم بإحراق الْإِسْكَنْدَر لكتابهم أَيَّام غلبته لدارا بن دَارا وهم مقرون بِلَا خلاف مِنْهُم أَنه ذهب مِنْهُ مِقْدَار الثُّلُث ذكر ذَلِك بشير الناسك وَغَيره من عُلَمَائهمْ وَكَذَلِكَ التَّوْرَاة إِنَّمَا كَانَت طول مُدَّة ملك بني إِسْرَائِيل عِنْد الكوهن الْأَكْبَر الهاروني وَحده لَا يُنكر ذَلِك مِنْهُم إِلَّا كَذَّاب مجاهر وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيل إِنَّمَا هِيَ كتب أَرْبَعَة مُخْتَلفَة من تأليف أَرْبَعَة رجال فَأمكن فِي كل ذَلِك التبديل وَقد نقلت كواف الْمَجُوس الْآيَات المعجزات عَن زرادشت كالصفر الَّذِي أفرغ وَهُوَ مذاب على صَدره فَلم يضرّهُ وقوائم الْفرس الَّتِي غاصت فِي بَطْنه فأخرجها وَغير ذَلِك وَمِمَّنْ قَالَ أَن الْمَجُوس أهل كتاب عَليّ بن أبي طَالب وَحُذَيْفَة ﵄ وَسَعِيد بن الْمسيب وَقَتَادَة وَأَبُو ثَوْر وَجُمْهُور أَصْحَاب أهل الظَّاهِر وَقد بَينا الْبَرَاهِين الْمُوجبَة لصِحَّة هَذَا القَوْل فِي كتَابنَا الْمُسَمّى الإيصال فِي كتاب الْجِهَاد مِنْهُ وَفِي كتاب الذَّبَائِح مِنْهُ وَفِي كتاب النِّكَاح مِنْهُ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ويكفى من ذَلِك صِحَة أَخذ رَسُول الله ﷺ الْجِزْيَة مِنْهُم وَقد حرم الله فِي نَص الْقُرْآن فِي آخر سُورَة نزلت مِنْهُ وَهِي بَرَاءَة أَن تُؤْخَذ الْجِزْيَة من غير كتابي
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَأما العيسوية من الْيَهُود فَإِنَّهُ يُقَال لَهُم إِذا صَدقْتُمْ الكافة فِي نقل الْقُرْآن عَن النَّبِي ﷺ وَفِي نقل معجزاته وَصِحَّة نبوته فقد لزمكم الإنقياد لما فِي الْقُرْآن من أَنه ﵇ بعث إِلَى النَّاس كَافَّة بقوله تَعَالَى فِيهِ آمراً لرَسُوله ﷺ أَن يَقُول يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ وَقَوله تَعَالَى فِيهِ ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر﴾ إِلَى قَوْله ﴿حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ وَمَا فِيهِ من دُعَاء الْيَهُود إِلَى ترك مَا هم عَلَيْهِ وَالرُّجُوع إِلَى شَرِيعَته ﵇ وَهَذَا مَا لَا مخلص مِنْهُ فَإِن اعْترضُوا بِمَا فِي الْقُرْآن مِمَّا حرم عَلَيْهِم يَعْنِي الْيَهُود وحضهم على الْتِزَام السبت
فَإِنَّمَا هُوَ تبكيت لَهُم فِيمَا سلف من أسلافهم الَّذين قفوا هم آثَارهم يبين هَذَا نَص الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى عَن عِيسَى ﵇ أَنه رَسُول الله ﷺ إِلَى بني إِسْرَائِيل ليحل لَهُم بعض الَّذِي حرم عَلَيْهِم وَهَذَا نَص جلي على نسخ شريعتهم وبطلانها ثمَّ مَا لم يُنكره أحد من مُؤمن وَلَا كَافِر من أَنه ﵇ حَارب يهود بني إِسْرَائِيل من بني قُرَيْظَة وَالنضير وهذل وَبني قنيقاع وقتلهم وسباهم وألزمهم الْجِزْيَة وَسَمَّاهُمْ كفَّارًا إِذْ لم يرجِعوا إِلَى الْإِسْلَام وَقبل إِسْلَام من أسلم مِنْهُم فَلَو لم يكن نسخ دينهم مَا حل لَهُ إجبارهم على تَركه أَو الْجِزْيَة وَالصغَار وَلَا جَازَ لَهُ قبُول ترك مَا ترك مِنْهُم بدين بني إِسْرَائِيل
стр. 85
وَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكون عِنْد العيسويين رَسُولا صَادِقا نَبيا ثمَّ يجور وَيظْلم ويبدل دين الْحق فوضح فَسَاد قَوْلهم وتناقضه بِيَقِين لَا إِشْكَال فِيهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَهَكَذَا يُقَال لمن أقرّ بنبوة بعض الْأَنْبِيَاء ﵈ من فرق الصابئين كإدريس وَغَيره مِمَّن لَا يُوقن بِصِحَّة قَوْلهم فِيهِ كعادمون واسقلاببوس وايلن وَغَيرهم وللمجوس المقتصرين على زرادشت فَقَط
أخبرونا بِأَيّ شَيْء صحت نبوة من تدعون لَهُ النُّبُوَّة فَلَيْسَ هَاهُنَا إِلَّا صِحَة مَا أَتَوْ بِهِ من المعجزات فَيُقَال لَهُم فَإِن النَّقْل إِلَى مُحَمَّد ﷺ فِي معجزاته أقرب عهدا وَأظْهر صِحَة وَأكْثر عدد ناقلين وَأدْخل فِي الضَّرُورَة وَلَا فرق وَلَا مخلص لَهُم من هَذَا أصلا لِأَنَّهُ نقل وَنقل إِلَّا أَن نقلنا أفشى وَأظْهر وَأقوى انتشاراً ومبدأ هَذَا مَعَ ذهَاب دين الصابئين وانقطاعهم وَرُجُوع نقلهم إِلَى من لَا يقوم بهم حجَّة لقلتهم ولعلهم الْيَوْم فِي جَمِيع الأَرْض لَا يبلغون أَرْبَعِينَ وَأما الْمَجُوس فَإِنَّهُم معترفون مقرون بِأَن كِتَابهمْ الَّذِي فِيهِ دينهم أحرقه الْإِسْكَنْدَر إِذْ قتل دَارا بن دَارا وَأَنه ذهب مِنْهُ الثُّلُثَانِ وَأكْثر وَأَنه لم يبْق مِنْهُ إِلَّا أقل من الثُّلُث وَأَن الشَّرَائِع كَانَت فِيمَا ذهب فَإذْ هَذَا صفة دينهم فقد بَطل القَوْل بِهِ جملَة لذهاب جمهوره وَأَن الله تَعَالَى لَا يُكَلف أحدا مَا لَا يتكفل بحفظه حَتَّى يبلغ إِلَيْهِ وَفِي كتاب لَهُم اسْمه خذاي بِأَنَّهُ يعظمونه جدا أَن أنوشروان الْملك منع من أَن يتَعَلَّم دينهم فِي شَيْء من الْبِلَاد إِلَّا فِي أزدشيرخرة وَفَشَا من داتجرد فَقَط وَكَانَ قبله لَا يتَعَلَّم إِلَّا باصطخر فَقَط وَكَانَ لَا يُبَاح إِلَّا لقوم خَصَائِص وكتابهم الَّذِي بَقِي بعد مَا أحرق الْإِسْكَنْدَر ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ سفرا فَلهم ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ هربذاً لكل هربذ سفر لَا يتعداه إِلَى غَيره وموبذ موبذ أَن يشرف على جَمِيع تِلْكَ الْأَسْفَار وَمَا كَانَ هَكَذَا فمضمون تبديله وتحريفه وكل نقل هَكَذَا فَهُوَ فَاسد لَا يُوجب الْقطع بِصِحَّتِهِ هَذَا إِلَى مَا فِي كتبهمْ الَّتِي لَا يَصح دينهم إِلَّا بِالْإِيمَان بهَا من الْكَذِب الظَّاهِر كَقَوْلِهِم أَن جرم الْملك كَانَ يركب إِبْلِيس حَيْثُ شَاءَ وَإِن مبدأ النَّاس من بقلة الريباس وَهِي الشرالية وَمن ولادَة بيروان سياوش بن كيفاوش بني مَدِينَة كنكدر بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وأسكنها ثَمَانِينَ ألف راجل من أهل البيوتات هم فِيهَا إِلَى الْيَوْم فَإِذا ظهر بهْرَام هماوند على الْبَقَرَة ليرد ملكهم نزلت تِلْكَ الْمَدِينَة إِلَى الأَرْض ونصروه وردوا دينهم وملكهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وكل كتاب دون فِيهِ الْكَذِب فَهُوَ بَاطِل مَوْضُوع لَيْسَ من عِنْد الله فَظهر فَسَاد دين الْمَجُوس كَالَّذي ظهر من فَسَاد دين الْيَهُود وَالنَّصَارَى سَوَاء سَوَاء وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
فصل فِي مناقضات ظَاهِرَة وتكاذيب وَاضِحَة فِي الْكتاب الَّذِي تسميه الْيَهُود التَّوْرَاة وَفِي سَائِر كتبهمْ وَفِي الأناجيل الْأَرْبَعَة يتَيَقَّن بذلك تحريفها وتبديله وَأَنَّهَا غير الَّذِي أنزل الله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ نذْكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَا فِي الْكتب الْمَذْكُورَة من الْكَذِب الَّذِي لَا يشك كل ذِي مسكة تَمْيِيز فِي أَنه كذب على الله تَعَالَى وعَلى الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم السَّلَام
стр. 86
وعَلى الْأَنْبِيَاء ﵈ إِلَى أَحْبَار أوردوها لَا يخفي الْكَذِب فِيهَا على أحد كَمَا لَا يخفى ضوء النَّهَار على ذِي بصر وَقد كُنَّا نعجب من إطباق النَّصَارَى على تِلْكَ الْأَقْوَال الْفَاسِدَة المتناقضة الَّتِي لَا يخفى فَسَادهَا على أحد بِهِ رَمق إِلَى أَن وقفنا على مَا بأيدي الْيَهُود فَرَأَيْنَا أَن سبيلهم وسبيل النَّصَارَى وَاحِدَة كشق الْأُنْمُلَة وَثَبت بذلك عِنْد كل منصف من الْمُخَالفين صِحَة قَوْلنَا أَن كل من خَالف دين الْإِسْلَام ونحلة اللسنة وَمذهب أَصْحَاب الحَدِيث فَإِنَّهُ عَارِف بضلال مَا هم عَلَيْهِ إِلَّا أَنهم بخذلان الله تَعَالَى إيَّاهُم مكابرون لعقولهم مغلبون لأهوائهم وظنونهم على يقينهم تقليداً لأسلافهم وعصبية واستدامة لرياسة دنيوية وَهَكَذَا وجدنَا أَكثر من شاهدنا من رُؤَسَائِهِمْ فنحمد الله كثيرا على مَا هدَانَا لَهُ من الْإِسْلَام ونحلة السّنة وَاتِّبَاع الْآثَار الثَّابِتَة ونسأله ثتبيتنا على ذَلِك وَأَن يجعلنا من الدعاة إِلَيْهِ حَتَّى يَدْعُونَا إِلَى رَحمته ورضوانه عَن لِقَائِه آمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وليعلم كل من قَرَأَ كتَابنَا هَذَا أننا لم نخرج من الْكتب الْمَذْكُورَة شَيْئا يُمكن أَن يخرج على وَجه مَا وَإِن دق وَبعد فالاعتراض بِمثل هَذَا لَا معنى لَهُ وَكَذَلِكَ أَيْضا لم نخرج مِنْهُ كلَاما لَا يفهم وَإِن كَانَ ذَلِك مَوْجُودا فِيهَا لِأَن للقائل أَن يَقُول قد أصَاب الله مَا أَرَادَ وَإِنَّمَا أخرجنَا مَا لَا حِيلَة فِيهِ وَلَا وَجه أصلا إِلَّا الدعاوي الكاذبة الَّتِي لَا دَلِيل عَلَيْهَا أصلا لَا مُحْتملا وَلَا خفِيا
فصل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ أول ذَلِك أَن بأيدي السامرية توراة غير التَّوْرَاة الَّتِي بأيدي سَائِر الْيَهُود يَزْعمُونَ أَنَّهَا الْمنزلَة ويقطعون أَن الَّتِي بأيدي الْيَهُود محرفة مبدلة وَسَائِر الْيَهُود يَقُولُونَ أَن الَّتِي بأيدي السامرية محرفة مبدلة وَلم إِلَى آخِره وَلم يَقع إِلَيْنَا توراة السامرية لأَنهم لَا يسْتَحلُّونَ الْخُرُوج عَن فلسطين والأردن أصلا إِلَّا أننا قد أَتَيْنَا ببرهان ضَرُورِيّ على أَن التَّوْرَاة الَّتِي بأيدي السامرية أَيْضا محرفة مبدلة عِنْدَمَا ذكرنَا فِي آخر هَذِه الْفُصُول أَسمَاء مُلُوك بني إِسْرَائِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
فصل
فِي أول ورقة من توراة الْيَهُود الَّتِي عِنْد ربانيهم وعانانيهم وعيسوبهم حَيْثُ كَانُوا فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهَا على صفة وَاحِدَة لَو رام أَن يزِيد فِيهَا لَفْظَة أَو ينقص أُخْرَى لافتضح عِنْد جَمِيعهم مبلغة ذَلِك إِلَى أَحْبَارهم الَّذين كَانُوا أَيَّام ملك
стр. 87
الهارونية لَهُم قبل الخراب الثَّانِي بدهر يذكرُونَ أَنَّهَا مبلغة ذَلِك من أُولَئِكَ إِلَى عذراء الْوراق الهاروني فَفِي صدرها قَالَ الله تَعَالَى اصْنَع بِنَاء آدم كصورتنا كشبهنا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ ول لم يقل إِلَّا كصورتنا لَكَانَ لَهُ وَجه حسن وَمعنى صَحِيح وَهُوَ أَن نضيف الصُّورَة إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَة الْملك والخلق كَمَا تَقول هَذَا عمل الله وَتقول للقرد والقبيح وَالْحسن هَذِه صُورَة الله أَي تَصْوِير الله وَالصّفة الَّتِي انْفَرد بملكها وخلقها لَكِن قَوْله كشبهنا منع التأويلات وسد المخارج وَقطع السبل وَأوجب شبه آدم لله ولابد ضَرُورَة وَهَذَا يعلم بُطْلَانه ببديهة الْعقل إِذْ الشّبَه والمثل مَعْنَاهُمَا وَاحِد وحاشى لله أَن يكون لَهُ مثل أَو شبه
فصل
وَبعد ذَلِك قَالَ ونهر يخرج من عدن فيسقي الْجنان وَمن ثمَّ يفْتَرق فَيصير أَرْبَعَة أرؤس اسْم أَحدهَا النّيل وَهُوَ مُحِيط بِجَمِيعِ بِلَاد زويله الَّذِي بِهِ الذَّهَب وَذهب ذَلِك الْبَلَد جيد وَبهَا اللُّؤْلُؤ وحجارة البلور وَاسم الثَّانِي جيحان وَهُوَ مُحِيط بِجَمِيعِ بِلَاد الْحَبَشَة وَاسم الثَّالِث الدجلة وَهُوَ السائر شَرق الْموصل وَاسم الرَّابِع الْفُرَات وَأخذ الله آدم وَوَضعه فِي جنَّات عدن
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذَا الْكَلَام من الْكَذِب وُجُوه فَاحِشَة قَاطِعَة بِأَنَّهَا من توليد كَذَّاب مستهزيء أول ذَلِك أخباره أَن هَذِه الْأَرْبَعَة تفترق من النَّهر الَّذِي يخرج من جنَّات عدن الَّتِي أسكن الله فِيهَا آدم إِذْ خلقه ثمَّ أخرجه مِنْهَا إِذْ أكل من الشَّجَرَة الَّتِي نَهَاهُ الله تَعَالَى عَن أكلهَا وكل من لَهُ أدنى معرفَة بالهيئة وبصفة الرّبع الْمَعْمُور من الأَرْض الَّذِي هُوَ فِي سماك الأَرْض أَو من مَشى إِلَى مصر وَالشَّام والموصل يدْرِي أَن هَذَا كُله كذب فاضح وَأَن مخرج النّيل من عين الْجنُوب من خَارج الْمَعْمُور ومصبه قبالة تنيس وقبالة الْإسْكَنْدَريَّة فِي آخر أَعمال مصر فِي الْبَحْر الشَّامي وَأَن مخرج الدجلة والفرات وجيحان من الشمَال فَأَما جيحان فَيخرج من بِلَاد الرّوم ويمر مَا بَين المصيصة وربضها الْمُسَمّى كفرينا حَتَّى يصب فِي الْبَحْر الشَّامي على أَرْبَعَة أَمْيَال من المصيصة وَأما دجلة فمخرجها من أعين بِقرب خلاط من عمل أرمينية بِقرب آمد من ديار بكر وتصب مياهها فِي البطائح الْمَشْهُورَة بِقرب الْبَصْرَة فِي أَرض الْعرَاق متأخمه أَرض الْعَرَب وَأما الْفُرَات فمخرجه من بِلَاد الرّوم على يَوْم من قالى قلا قرب أرمينيه ثمَّ يخرج إِلَى ملطيه ثمَّ يَأْخُذ على أَعمال الرقه إِلَى الْعرَاق وينقسم إِلَى قسمَيْنِ كِلَاهُمَا يَقع فِي دجلة دجلة فَهَذِهِ كذبة شنيعة كَبِيرَة لَا مخلص مِنْهَا وَالله تَعَالَى لَا يكذب وَأُخْرَى وَهِي قَوْله إِن النّيل مُحِيط بِبَلَد زويلة وجيحان مُحِيط بِبَلَد الْحَبَشَة وَهَذِه كذبة شنيعة فَاحِشَة مَا فِي جَمِيع أَرض السودَان الْحَبَشَة وَغير الْحَبَشَة نهر غير النّيل أصلا وَيتَفَرَّع سَبْعَة فروع كلهَا مخرج وَاحِد ثمَّ يجْتَمع فَوق بِلَاد النّوبَة وكذبة ثَالِثَة وَهِي قَوْله أَن بِبَلَد زويلة اللُّؤْلُؤ الْجيد وَهَذَا كذب مَا للؤلؤ بهَا مَكَان أصلا إِنَّمَا
стр. 88
اللُّؤْلُؤ فِي مغاصاته فِي بَحر فَارس وبحر الْهِنْد وأنهار بِالْهِنْدِ والصين وَهَذِه فضائح لَا خَفَاء بهَا لم يقلها الله تَعَالَى قطّ وَلَا إِنْسَان يهاب الْكَذِب فَإِن قَالَ قَائِل فقد صَحَّ عَن نَبِيكُم ﷺ أَنه قَالَ النّيل والفرات وسيحان وجيحان من أَنهَار الْجنَّة قُلْنَا نعم هَذَا حق لَا شكّ فِيهِ وَمَعْنَاهُ هُوَ على ظَاهره بِلَا تَكْلِيف تَأْوِيل أصلا وَهِي أَسمَاء لأنهار الْجنَّة كالكوثر والسلسبيل فَإِن قيل قد صَحَّ عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ مَا بَين بَيْتِي ومنبري رَوْضَة من رياض الْجنَّة وَرُوِيَ عَنهُ مقبري ومنبري رَوْضَة من رياض الْجنَّة قُلْنَا هَذَا حق وَهُوَ من أَعْلَام نبوته لِأَنَّهُ أنذر بمَكَان قَبره فَكَانَ كَمَا قَالَ وَذَلِكَ الْمَكَان لفضله وَفضل الصَّلَاة فِيهِ يُؤَدِّي الْعَمَل فِيهِ إِلَى دُخُول الْجنَّة فَهِيَ رَوْضَة من رياضها وَبَاب من أَبْوَابهَا ومعهود اللُّغَة أَن كل شَيْء فَاضل طيب فَإِنَّهُ يُضَاف إِلَى الْجنَّة ونقول لمن بشرنا بِخَبَر حسن هَذَا من الْجنَّة وَقَالَ الشَّاعِر ... رَوَائِح الْجنَّة فِي الشَّبَاب ... وَلَيْسَ كَذَلِك هَذَا الَّذِي فِي توراة الْيَهُود لِأَن واضعها لم يَدعهَا فِي لَيْسَ من كذبه بل بَين أَنه عَنى النّيل النحيط بِأَرْض زويلة بلد الذَّهَب الْجيد ودجلة الَّتِي بشرقي الْموصل وجيحان الْمُحِيط بِبَلَد الْحَبَشَة الَّتِي لم تخلق بعد فَلم يدع لطَالب تَأْوِيل لكَلَامه حِيلَة وَلَا مخرجا وَأَيْضًا فَإِنَّهُم لَا يُمكنهُم أَلْبَتَّة تَخْرِيج مَا فِي توراتهم المكذوبة على مَا وَصفنَا نَحن الْآن فِي نَص توراتهم أَن الْجنَّة الَّتِي أخرج مِنْهَا آدم لأكله من الشَّجَرَة الَّتِي فِيهَا إِنَّمَا هِيَ شَرْقي عدن فِي الأَرْض لَا فِي السَّمَاء كَمَا نقُول نَحن فثبتت الكذبة لَا مخرج مِنْهَا أصلا وَلَو لم يكن فِي توراتهم إِلَّا هَذِه الكذبة وَحدهَا لكفت فِي بَيَان أَنَّهَا مَوْضُوعَة لم يَأْتِ بهَا مُوسَى قطّ وَلَا هِيَ من عِنْد الله تَعَالَى فَكيف وَلها نَظَائِر ونظائر ونظائر فَإِن قيل فِي الْقُرْآن ذكر سد يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَلَا يدْرِي مَكَانَهُ وَلَا مكانهم قُلْنَا مَكَانَهُ مَعْرُوف فِي أقْصَى الشمَال فِي آخر الْمَعْمُور مِنْهُ وَقد ذكر أَمر يَأْجُوج وَمَأْجُوج فِي كتب الْيَهُود الَّتِي يُؤمنُونَ بهَا ويؤمن بهَا النَّصَارَى وَقد ذكر يَأْجُوج وَمَأْجُوج والسد ارسطاطاليس فِي كِتَابه فِي الْحَيَوَان عِنْد كَلَامه على الغرانيق وَقد ذكر سد يَأْجُوج وَمَأْجُوج بطليموس فِي كِتَابه الْمُسَمّى جغرافيا وَذكر طول بِلَادهمْ وعرضها وَقد بعث إِلَيْهِ الواثق أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام الترجمان فِي جمَاعَة مَعَه حَتَّى وقفُوا عَلَيْهِ ذكر ذَلِك أَحْمد بن الطَّبِيب السَّرخسِيّ وَغَيره وَقد ذكره قدامَة بن جَعْفَر وَالنَّاس فهيهات خبر من خبر وَحَتَّى لَو خَفِي مَكَان يَأْجُوج وَمَأْجُوج والسد فَلم يعرف فِي شَيْء من الْمَعْمُور مَكَانَهُ لما ضرّ ذَلِك خبرنَا شَيْئا لِأَنَّهُ كَانَ يكون مَكَانَهُ حِينَئِذٍ خلف خطّ الاسْتوَاء حَيْثُ يكون ميل الشَّمْس ورجوعها وَبعدهَا كَمَا هُوَ فِي الْجِهَة الشمالية بِحَيْثُ تكون الْآفَاق كبعض آفاقنا المسكونة والهواء كهواء بعض الْبِلَاد الَّتِي يُوجد فِيهَا النَّبَات والتناسل وَاعْلَمُوا أَن كل مَا كَانَ فِي عنصر الْإِمْكَان فَادْخُلْهُ مدْخل فِي عنصر الِامْتِنَاع بِلَا برهَان فَهُوَ كَاذِب مُبْطل جَاهِل أَو متجاهل لَا سِيمَا إِذا أخبر بِهِ من قد قَامَ الْبُرْهَان على صدق خَبره وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي الْمحَال الْمُمْتَنع الَّتِي تكذبه الْحَواس والعيان أَو بديهة الْعقل فَمن جَاءَ بِهَذَا فَإِنَّمَا جَاءَ ببرهان قَاطع على أَنه كَذَّاب مفتر ونعوذ بِاللَّه من الْبلَاء
فصل
ثمَّ قَالَ وَقَالَ
стр. 89
الله هَذَا آدم قد صَار كواحد منا فِي معرفَة الْخَيْر وَالشَّر والآن كَيْلا يمد يَده وَيَأْخُذ من شَجَرَة الْحَيَاة وَيَأْكُل وَيحيى إِلَى الدَّهْر فطرده الله من جنَّات عدن
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ حكايتهم عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ هَذَا آدم قد صَار كواحد منا مُصِيبَة من مصائب الدَّهْر وَمُوجب ضَرُورَة أَنهم آلِهَة أَكثر من وَاحِد وَلَقَد أدّى هَذَا القَوْل الْخَبيث المفتري كثيرا من خَواص الْيَهُود إِلَى الِاعْتِقَاد أَن الَّذِي خلق آدم لم يكن إِلَّا خلقا خلقه الله تَعَالَى قبل آدم وَأكل من الشَّجَرَة الَّتِي أكل مِنْهَا آدم فَعرف الْخَيْر وَالشَّر ثمَّ أكل من شَجَرَة الْحَيَاة فَصَارَ إِلَهًا من جملَة الْآلهَة نَعُوذ بِاللَّه من هَذَا الْكفْر الأحمق ونحمده إِذْ هدَانَا للملة الزهراء الْوَاضِحَة الَّتِي تشهد سلامتها من كل دخل بِأَنَّهَا من عِنْد الله تَعَالَى
فصل
وَبعد ذَلِك وأسكن فِي شَرْقي جنَّة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب بحراسة شَجَرَة الْحَيَاة وَرَأَيْت فِي نُسْخَة أُخْرَى مِنْهَا ووكل بالجنان المشتهر إسْرَافيل وَنصب بَين يَدَيْهِ رمحاً ناريا ليحفظ طريقي شَجَرَة الْحَيَاة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ إِن لم يكن أَحدهمَا خطأ من المترجم وَإِلَّا فَلَا أَدْرِي كَيفَ هَذَا
فصل
وَبعد ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى كل من قتل قابيل نفاديه إِلَى سَبْعَة وَلَا تناكر بَين جَمِيعهم فِي أَن لامك بن متوشائيل بن محويائيل ابْن عيراد بن حنوك بن قابين هُوَ الَّذِي قتل قابين جد جد أَبِيه وَأَنه لم يقل بِهِ فنسبوا إِلَى الله تَعَالَى الْكَذِب لِأَنَّهُ وعده أَن يفْدِيه إِلَى السَّبْعَة وَلم يفده وَأَيْضًا فَإِن ذكر السَّبْعَة هُنَا حمق لِأَن لامك الَّذِي قَتله هُوَ الْخَامِس من ولد قابين وقابين هُوَ الْخَامِس من آبَاء لامك فَلَا مدْخل للسبعة هَا هُنَا
فصل وَقبل هَذَا ذكر هابيل بن آدم وَأَنه راعي غنم ثمَّ قَالَ قبل ذَلِك بِنَحْوِ ورقتين أر لامك الْمَذْكُور آنِفا اتخذ امْرَأتَيْنِ اسْم إِحْدَاهمَا عَادَة وَالثَّانيَِة صلَة وَولدت عَادَة يابال وَهُوَ أول من سكن الأخبية وَملك الْمَاشِيَة وَهَاتَانِ قضيتان تكذب إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى لَا بُد
فصل
وَبعد ذَلِك قَالَ فَلَمَّا ابْتَدَأَ النَّاس يكثرون على ظهر الأَرْض وَولد لَهُم الْبَنَات فَلَمَّا رأى أَوْلَاد الله بَنَات آدم أَنَّهُنَّ حسان اتَّخذُوا مِنْهُنَّ نسَاء وَقَالَ بعد ذَلِك كَانَ يدْخل بَنو الله إِلَى بَنَات آدم ويولد لَهُم حَرَامًا وهم الْجَبَابِرَة الَّذين على الدَّهْر لَهُم أَسمَاء وَهَذَا حمق ناهيك بِهِ وَكذب عَظِيم إِذْ جعل الله أَوْلَادًا ينْكحُونَ بَنَات آدم وَهَذِه مصاهرة تَعَالَى الله عَنْهَا حَتَّى أَن بعض أسلافهم قَالَ إِنَّمَا عني بذلك الْمَلَائِكَة وَهَذِه كذبة إِلَّا أَنَّهَا دون الْكَذِب فِي ظَاهر اللَّفْظ
فصل
وَفِي خلال هَذَا قَالَ لَا يدين روحي فِي الْإِنْسَان إِلَى الدَّهْر إِذْ هم منتشرون لزيغانه هُوَ بشر فَتكون أعمارهم مائَة وَعشْرين سنة وَهَذَا كذب فَاحش ومصيبة الْأَبَد لِأَنَّهُ ذكر بعد هَذَا القَوْل أَن سَام بن نوح عَاشَ بعد ذَلِك سِتّمائَة سنة وارفخشاد بن سَام عَاشَ أَرْبَعمِائَة وخمساً وَسِتِّينَ سنة وشالح بن ارفخشاذ عَاشَ أَرْبَعمِائَة سنة وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة وعابر بن شالخ عَاشَ أَرْبَعمِائَة سنة وَسِتِّينَ سنة وفالغ بن عَابِر عَاشَ مِائَتي سنة وَسبعا وَثَلَاثِينَ سنة ورعو بن فالغ عَاشَ مِائَتي سنة وتسعاً وَعشْرين سنة وسروغ بن رعوعاش
стр. 90
مِائَتي سنة وَثَلَاثِينَ سنة وناحور بن سروغ عَاشَ مائَة ثَمَان وَأَرْبَعين سنة وتارح بن ناحور عَاشَ مِائَتي سنة وَخمسين سنة وَإِبْرَاهِيم بن تارح عَاشَ مائَة سنة وخمساً وَسبعين سنة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَاشَ مائَة سنة وَسبعا وَثَلَاثِينَ سنة وَيَعْقُوب بن إِسْحَاق عَاشَ مائَة سنة وَسبعا وَأَرْبَعين سنة ولاوي ين يَعْقُوب عَاشَ مائَة سنة وَسبعا وَثَلَاثِينَ سبة وَعمْرَان بن فاهث عَاشَ كَذَلِك أَيْضا وفاهث ابْن لاوي عَاشَ مائَة سنة وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَإِن سارح بنت أشر وَمَرْيَم بنت عمرَان وَهَارُون بن عمرَان عَاشَ كل وَاحِد مِنْهُم أَزِيد من مائَة وَعشْرين سنة بسنيهم فَأُعْجِبُوا لهَذِهِ الفضائح ولعقول تَتَابَعَت على التَّصْدِيق والتدين بِمثل هَذَا الْإِفْك الَّذِي لَا خَفَاء بِهِ
فصل
وَبعد ذَلِك ذكر أَن متوشالح بن حنوك بن مارد عَاشَ تِسْعمائَة سنة وتسعاً وَسِتِّينَ سنة وَأَنه ولد لَهُ لامك وَهُوَ ابْن مائَة سنة وَسبع وَثَمَانِينَ سنة وَأَن لامك الْمَذْكُور إِذْ بلغ مائَة سنة واثنتين وَثَمَانِينَ سنة ولد لَهُ نوح ﵇ فَلَا شكّ من أَن متوشالح كَانَ إِذْ ولد لَهُ نوح بن ثَلَاثمِائَة سنة وتسع وَسِتِّينَ سنة فَوَجَبَ من هَذَا ضَرُورَة أَن نوحًا ﵇ كَانَ ابْن سِتّمائَة سنة إِذْ مَاتَ متوشالح فاضبطوا هَذَا ثمَّ قَالَ إِن فِي الْيَوْم السَّابِع عشر من الشَّهْر الثَّانِي من سنة سِتّمائَة من عمر نوح اندفعت الْمِيَاه بالطوفان ثمَّ قَالَ أَن فِي الْيَوْم سَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا من الشَّهْر الثَّانِي من سنة إِحْدَى وسِتمِائَة لنوح خرج نوح من التابوت يعنيي السَّفِينَة هُوَ وَمن كَانَ مَعَه فَوَجَبَ من هَذَا ضَرُورَة لَا محيد عَنْهَا أَن متوشالح بن حنوك دخل السَّفِينَة وَأَنه فِيهَا مَاتَ قبل خُرُوجهمْ مِنْهَا بشهرين غير ثَلَاثَة أَيَّام وَقد قطع فِيهَا وَبت على أَنه لم يدْخل التابوت أحد من النَّاس إِلَّا نوح وَبَنوهُ الثَّلَاثَة وَامْرَأَة نوح وَثَلَاثَة نسَاء لأولاده وَقد قطع فِيهَا وَبت على أَنه لم ينج من الْغَرق إنسي أصلا وَلَا حَيَوَان فِي غير التابوت وَهَذِه كذبات فَوَاضِح نَعُوذ بِاللَّه من مثلهَا لِأَن فِي نُصُوص توراتهم كَمَا أوردنا أَن متوشالح لم يغرق لِأَنَّهُ لَو غرق لم يسْتَوْف تَمام السّنة الموفية سِتّمائَة سنة لنوح وَفِي نَصهَا أَنه استوفاها وَأَيْضًا فَإِنَّهُ عِنْدهم مَحْمُود ممدوح لم يسْتَحق الْهَلَاك قطّ وأبطلوا أَن يكون دخل التابوت إِذْ قطعُوا بِأَنَّهُ لم يدخلهَا إنسي إِلَّا نوح وَبَنوهُ الثَّلَاثَة وَنِسَاؤُهُمْ وأبطلوا أَن يتنجوا فِي غير التابوت بقطعهم أَنه لم ينج إنس وَلَا حَيَوَان فِي غير التابوت وَلَا بُد لمتوشالح من أحد هَذِه الْوُجُوه الثَّلَاثَة فلاح الْكَذِب البحت فِي نقل توراتهم ضَرُورَة وتيقن كل ذِي عقل أَنَّهَا غير منزلَة من الله تَعَالَى وَلَا جَاءَ بهَا نَبِي أصلا لِأَن الله تَعَالَى لَا يكذب والأنبياء لَا تَأتي بِالْكَذِبِ فصح يَقِينا أَنَّهَا من عمل زنديق جَاهِل أَو مستخف متلاعب بهم ونعوذ بِاللَّه من مثل مقامهم وَفِي هَذَا الْفَصْل كِفَايَة فَكيف وَمَعَهُ أَمْثَاله كَثِيرَة
فصل
وَبعد ذَلِك أَن نوحًا إِذْ بلغه فعل ابْنه حام أبي كنعان قَالَ مَلْعُون أَبُو كنعان عبد العبيد يكون لإخوته مستعبداً يكون لأخويه يُبَارك الْإِلَه ساماً وَيكون أَبُو كنعان عبدا لَهُم إِحْسَان الله ليافث ويسكن فِي أخبية سَام وَيكون أَبُو كنعان عبدا لَهُم ثمَّ نسي نَفسه المحرف أَو تعاظم اسْتِخْفَافًا بهم فَلم يطلّ لكنه بعد سِتَّة أسطر قَالَ إِذْ ذكر
стр. 91
أَوْلَاد حام فَقَالَ بَنو حام كوش ومصرايم وفوحا وكنعان وَبَنُو كوش وصبان وزويلة ورغاوة ورعمة وسفتخا وَبَنُو رعمة السَّنَد والهند وكوش ولد غرود الي ابْتَدَأَ يكون جبارا فِي الأَرْض الَّذِي كَانَ جَبَّار صيد بَين يَدي الله وَكَانَ أول مَمْلَكَته بابل فَحصل من هَذَا الْخَبَر تَكْذِيب نوح فِي خَبره وَهُوَ بإقرارهم نَبِي مُعظم جدا وَإِذ وصف أَن ولد أبي كنعان صَارُوا ملوكاً على إخْوَة بني كنعان وعَلى بنيهم ثمَّ الْعجب كُله على أَن مَا توجبه توراتهم كَانَ ملك نمْرُود بن كوش بن كنعان بن حام على جَمِيع الأَرْض ونوح حَيّ وسام بن نوح حَيّ لِأَن فِي نَص توراتهم أَن نوحًا عَاشَ إِلَى أَن بلغ إِبْرَاهِيم بن تارح ﵇ ثَمَانِيَة وَخمسين عَاما وَأَن سَام بن نوح عَاشَ إِلَى أَن بلغ يَعْقُوب وعيصا ابْنا إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم ﵉ خمْسا وَأَرْبَعين سنة على مَا ذكره من مواليدهم أَبَا فأبا فَمَا لنا نرى خبر نوح معكوساً فَإِن قَالُوا إِن السودَان تملكوا الْيَوْم قُلْنَا وَفِي السودَان ملك عَظِيم جدا وممالك شَتَّى كغانة والحبشة والنوبة والهند والتبت وَالْأَمر بَينهم سَوَاء يملكُونَ طوائف من بني سَام كَمَا يملك بَنو سَام طوائف مِنْهُم وحاش لله أَن يكذب نَبِي
فصل
وَقَالَت توراتهم أَن نوحًا لما بلغ خَمْسمِائَة سنة ولد لَهُ يافث وسام وَحَام ثمَّ ذكرت أَن نوحًا إِذْ بلغ سِتّمائَة سنة كَانَ الطوفان ولسام يَوْمئِذٍ مائَة سنة وَقَالَت بعد ذَلِك أَن سَام بن نوح لما كَانَ ابْن مائَة سنة ولدار فخشاذ لِسنتَيْنِ بعد الطوفان وَهَذَا كذب فَاحش وتلون سمج وَجَهل مظلم لِأَنَّهُ إِذا كَانَ نوح إِذْ ولد لَهُ سَام ابْن خَمْسمِائَة سنة وَبعد مائَة سنة كَانَ الطوفان فسام حِينَئِذٍ ابْن مائَة سنة وسنتين وَفِي نَص توراتهم أَنه كَانَ ابْن مائَة سنة وَهَذَا كذب لَا خَفَاء بِهِ حاش لله من مثله
فصل
وَبعد ذَلِك أَن الله تَعَالَى قَالَ لإِبْرَاهِيم اعْلَم علما أَنه سَيكون نسلك غَرِيبا فِي بلد لَيْسَ لَهُ ويستعبدونهم ويعذبونهم أَرْبَعمِائَة سنة وَأَيْضًا الْقَوْم الَّذين يعذبونهم يحكم لَهُم وَبعد ذَلِك بشرح عَظِيم وَأَنت تسير لآبائك بِسَلام وتدفن بِشَيْبَة صَالِحَة والجيل الرَّابِع من الْبَنِينَ يرجعُونَ إِلَى هَا هُنَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذَا الْفَصْل على قلته كذبتان فاحشتان شنيعتان منسوبتان إِلَى الله تَعَالَى وحاش لله من الْكَذِب وَالْخَطَأ فأحدهما قَوْله والجيل الرَّابِع من الْبَنِينَ يرجعُونَ إِلَى هَاهُنَا وَهَذَا كذب لَا خَفَاء بِهِ لِأَن الجيل الأول من بني إِبْرَاهِيم ﵇ هم إِسْحَاق وَإِخْوَته ﵈ والجيل الثَّانِي هم يَعْقُوب وعيصا وَبَنُو أعمامهما والجيل الثَّالِث أَوْلَاد يَعْقُوب لصلبه وهم دوبان وشمعون ويهوذا ولاوي وساخار وزابلون ويوسف وبنيامين وداى وهباد وعاذ وَأَشَارَ وَأَوْلَاد عيصا وَمن كَانَ فِي تعدادهما من سَائِر عقب إِبْرَاهِيم والجيل الرَّابِع هم أَوْلَاد هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين وهم والجيل الثَّالِث آباؤهم وَيَعْقُوب جدهم هم الداخلون مصر لَا الخارجون مِنْهَا بِنَصّ توراتهم وإجماعهم كلهم بِلَا خلاف من أحد مِنْهُم وَإِنَّمَا رَجَعَ إِلَى االشام بِنَصّ توراتهم وإجماعهم كلهم الجيل السَّادِس من أَبنَاء إِبْرَاهِيم وهم أَوْلَاد الجيل الرَّابِع الْمَذْكُور وَمَا رَجَعَ من الجيل الرَّابِع وَلَا من الجيل الْخَامِس وَلَا وَاحِد إِلَى الشَّام وحاشى لله م ن أَن يكذب فِي خَبره
стр. 92
فَإِن قيل إِنَّمَا تعد الأجيال من الجيل المعذب قُلْنَا هَذَا خلاف نَص توراتهم لِأَن نَصهَا الجيل الرَّابِع من الْأَبْنَاء وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لم يعذب أحد من أَوْلَاد يَعْقُوب بل كَانُوا مبرورين وهم الجيل الثَّالِث بِنَصّ توراتهم حرفا حرفا على مَا نورد بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِنَّمَا ابْتَدَأَ التعذيب فِي أَبنَاء يَعْقُوب وهم الداخلون مَعَ آبَائِهِم وهم الجيل الرَّابِع فعد من حَيْثُ شِئْت لست تخرج من شرك الْكَذِب الفاضح وَفِي هَذَا كِفَايَة والكذبة الثَّانِيَة طامة من الطَّامَّات وَهِي قَوْله لإِبْرَاهِيم أَن نسلك سَيكون غَرِيبا فِي بلد لَيْسَ لَهُ ويستعبدونهم ويعذبونهم أَرْبَعمِائَة سنة وَبعد ذَلِك يخرجُون فَهَذِهِ سوءة وعار الدَّهْر لِأَنَّهُ إِذا عذب الأربعمائة سنة من وَقت بدإِ بتعذيب بني إِسْرَائِيل بِمصْر فَإِنَّمَا ذَلِك بعد موت يُوسُف ﵇ إِلَى أَن خرج بهم مُوسَى ﵇ نصا إِذْ فِي سِيَاق توراتهم وَلما مَاتَ يُوسُف وَجمع إخْوَته وَذَلِكَ الجيل كُله كثر بَنو إِسْرَائِيل وتكاثروا وتفووا فملكوا الأَرْض وَولى عِنْد ذَلِك بِمصْر ملك جَدِيد لم يعرف يُوسُف فَقَالَ لأهل مَمْلَكَته إِن بني إِسْرَائِيل قد كَثُرُوا وصاروا أقوى منا فأذلوهم بَيْننَا لِئَلَّا يزدادوا كَثْرَة ويكونوا عوناً لمن رام محاورتنا فَقدم عَلَيْهِم أَصْحَاب صناعته لسخرتهم هَذَا نَص تورتهم شاهدة بِمَا قُلْنَا وَقد ذكر فِي توراتهم إِذْ ذكر من دخل مَعَ يَعْقُوب من وَلَده وَولد وَولد أَن قاهاث بن لاوي بن يَعْقُوب وَالِد عمرَان بن قاهاث وَهُوَ جد مُوسَى ﵇ وَكَانَ مِمَّن ولد بِالشَّام وَدخل مصر مَعَ أَبِيه لاوي وجده يَعْقُوب وَذكر فِيهَا أَيْضا أَن جَمِيع عمر قاهاث الْمَذْكُور ابْن لاوي كَانَ مائَة سنة وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة وَأَن جَمِيع عمر عمرَان بن قاهاث الْمَذْكُور كَانَ مائَة سنة وَسبعا وَثَلَاثِينَ سنة وَذكر فِيهَا نصا أَن مُوسَى ﵇ كَانَ إِذْ خرج ببني إِسْرَائِيل من مصر ابْن ثَمَانِينَ سنة هَذَا كُله نَص توراتهم حرفا بِحرف بِإِجْمَاع مِنْهُم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم فهبك أَن قاهاث كَانَ إِذْ دَخلهَا ابْن أقل من شهر وَأَن عمرَان ولد لَهُ سنة مَوته وَأَن مُوسَى ولد لعمران سنة مَوته فالمجتمع من هَذَا الْعدَد كُله ثَلَاثمِائَة سنة وَخَمْسُونَ سنة وَهَذِه كَانَت مدتهم بِمصْر من يَوْم دُخُولهَا إِلَى أَن خَرجُوا عَنْهَا على هَذَا الْحساب فَأَيْنَ الأربعمائة سنة فَكيف وَلَا بُد أَن يسْقط سنّ قاهاث إِذْ دخل مصر مَعَ أَبِيه لاوي الْمدَّة الَّتِي كَانَت من ولادَة عمرَان لقاهاث إِلَى موت قاهاث والمدة الَّتِي كَانَت من ولادَة مُوسَى ﵇ إِلَى موت ابْنه عمرَان وَفِي كتب الْيَهُود أَن قاهاث دخل مصر وَله ثَلَاث سِنِين وَأَنه كَانَ إِذْ ولد لَهُ عمرَان ابْن سِتِّينَ سنة وَأَن عمرَان كَانَ إِذْ ولد لَهُ مُوسَى ﵇ ابْن ثَمَانِينَ سنة فعلى هَذَا لم يكن بَقَاء بني إِسْرَائِيل بِمصْر مذ دخلوها مَعَ يَعْقُوب إِلَى أَن خَرجُوا مِنْهَا مَعَ مُوسَى إِلَّا مِائَتي عَام وَسَبْعَة عشر عَاما فَأَيْنَ الأربعمائة عَام فَكيف وَلَا بُد أَن يسْقط من هَذَا الْعدَد الْأَخير مُدَّة حَيَاة يُوسُف مذ دخل إخْوَته وأبوهم وبنوهم مصر إِلَى أَن مَاتَ يُوسُف ﵇ فطول هَذَا الأمد لم يَكُونُوا مستخدمين وَلَا معذبين وَلَا مستعبدين بل كَانُوا أعزاء مكرمين وَفِي نَص توراتهم أَن يُوسُف ﵇ كَانَ إِذْ دخل على فِرْعَوْن ابْن ثَلَاثِينَ سنة ثمَّ كَانَت سنو الْخطب سبع سِنِين وبدأت سنو الْجُوع ودخله يَعْقُوب ونسله مصر بعد سنتَيْن من سني الْجُوع فليوسف حِينَئِذٍ تسع وَثَلَاثُونَ سنة وَفِي نَص توراتهم أَن يُوسُف كَانَ إِذْ مَاتَ ابْن مائَة سنة وَعشر سِنِين فصح أَن مدتهم مذ دخلُوا مصر إِلَى أَن مَاتَ يُوسُف عَلَيْهِ
стр. 93
السَّلَام كَانَت إِحْدَى وَسبعين سنة فَقَط وَلَا بُد فالباقي مائَة سنة وست وَأَرْبَعُونَ سنة يسْقط مِنْهَا وَلَا بُد بِنَصّ توراتهم مُدَّة بَقَاء من بَقِي من إخْوَة يُوسُف بعده وَلم نجد من ذَلِك إِلَّا عمر لاوي فَقَط فَإِنَّهُ على نَص التَّوْرَاة كَانَ يزِيد على يُوسُف ثَلَاثَة أَعْوَام أَو أَرْبَعَة فَعَاشَ بعد يُوسُف ثَلَاثَة وَعشْرين عَاما فَقَط وَلَا بُد من هَذَا الْعدَد فالباقي مائَة سنة وَثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة هَذِه مُدَّة عَذَابهمْ واستخدامهم واستعبادهم على أبعد الْأَعْدَاد وَقد تكون أقل فَأَيْنَ الأربعمائة سنة وَلَعَلَّ وقاح الْوَجْه يَقُول مَا أعد ذَلِك إِلَّا من دُخُول يُوسُف مصر مستعبداً مستخدماً معذباً ثمَّ مسجوناً فَاعْلَم أَنه لَا يزِيد على المائتي عَام وَسَبْعَة عشر عَاما الَّتِي ذكرنَا قبل إِلَّا اثْنَيْنِ وَعشْرين عَاما فَقَط فَذَلِك مِائَتَا عَام وَتِسْعَة وَثَلَاثُونَ عَاما فَأَيْنَ الأربعمائة سنة فَظهر الْكَذِب المفضوح الَّذِي لَا يدْرِي كَيفَ خَفِي عَلَيْهِم جيلاً بعد جيل وَرَأَيْت لنذل مِنْهُم مقلة ظريفة وَهِي انه ذكر هَذِه الْقِصَّة وَقَالَ إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن تعد هَذِه الأربعمائة سنة من حِين خَاطب الله إِبْرَاهِيم بِهَذَا الْكَلَام
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَأَرَادَ هَذَا السَّاقِط الْخُرُوج من مزبلة فَوَقع فِي كنيف عذرة لِأَنَّهُ جاهر بِالْبَاطِلِ وتعجل الفضيحة وَنسبَة الْكَذِب إِلَى الله تَعَالَى إِذْ نَص مَا حكوه عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ لإِبْرَاهِيم أَن نسلك يستعبد أَرْبَعمِائَة سنة وَلم يقل لَهُ قطّ من الْآن إِلَى انْقِضَاء استخدامهم أَرْبَعمِائَة سنة وَأَيْضًا فَإِن نَص توراتهم أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا قَالَ هَذَا الْكَلَام لإِبْرَاهِيم قبل ولادَة إِسْمَاعِيل هَذَا أَيْضا فَكَانَ إِبْرَاهِيم حِينَئِذٍ ابْن أقل من سِتَّة وَثَمَانِينَ عَاما ثمَّ عَاشَ بعد ذَلِك أَرْبَعَة عشر عَاما وَولد لَهُ إِسْحَاق وعاش إِسْحَاق مئة وَثَمَانِينَ سنة وَمَات إِسْحَاق وليعقوب مائَة وَعِشْرُونَ سنة وَدخل يَعْقُوب مصر وَله مائَة وَثَلَاثُونَ سنة كل هَذَا نُصُوص توراتهم بِلَا اخْتِلَاف مِنْهُم ممات إِسْحَاق قبل دُخُول يَعْقُوب مصر بِعشْرَة أَعْوَام فَمن حِين ادعوا أَن الله تَعَالَى قَالَ هَذَا الْكَلَام لإِبْرَاهِيم إِلَى دُخُول يَعْقُوب مصر مِائَتَا عَام وَأَرْبَعَة أَعْوَام وَمن دُخُول يَعْقُوب مصر إِلَى خُرُوج مُوسَى عَنْهَا كَمَا ذكرنَا مائَة عَام وَسَبْعَة عشر عَاما فحصلنا على أَرْبَعمِائَة عَام وَأَرْبَعَة وَعشْرين عَاما فَلَا منجا من الْكَذِب إِمَّا بِزِيَادَة أَو نُقْصَان وحاش لله أَن يكذب فِي حِسَاب بدقيقة فَكيف بأعوام وَالله خَالق الْحساب ومعلمه عباده ومعاذ الله أَن يكذب مُوسَى ﵇ أَو يخطىء فِيمَا أوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ فوضح يَقِينا لكل من لَهُ أدنى فهم يَقِينا كَمَا أَن أمس قبل الْيَوْم أَنَّهَا لَيست من عِنْد الله تَعَالَى وَلَا من أَخْبَار نَبِي وَلَا من تأليف عَالم يَتَّقِي الْكَذِب وَلَا من عمل من يحسن الْحساب وَلَا يخطيء فبمَا لَا يخطىء فِيهِ صبي يحسن الْجمع والطرح وَالْقِسْمَة وَالتَّسْمِيَة وَلكنهَا بِلَا شكّ من عمل كَافِر مستخف ماجن سخر بهم وتطايب مِنْهُم وَكتب لَهُم مَا سخم الله بِهِ وجوهم عَاجلا فِي الدُّنْيَا بالفضيحة وآجلاً فِي الْآخِرَة بالنَّار وَالْخُلُود فِيهَا أَو من عمل تَيْس أرعن تكلّف إملاء مَا لم يقم بحفظه جَاهِل مَعَ ذَلِك مظلم الْجَهْل بالهيئة وَصفَة الأَرْض وبالحساب وَبِاللَّهِ تَعَالَى وبرسله صلى الله عَلَيْهِم وَسلم فأملى مَا خرج إِلَى فهمه من خَبِيث وَطيب وَلَقَد كَانَ فِي هَذَا الْفَصْل كِفَايَة لمن نصح نَفسه لَو لم يكن غَيره فَكيف وَمَعَهُ عجائب جمة وَنَحْمَد الله تَعَالَى على نعْمَة الْإِسْلَام كثيرا
стр. 94
فصل
وَبعد ذَلِك ذكر أَن الله تَعَالَى قَالَ لإِبْرَاهِيم لنسلك أعطي هَذَا الْبَلَد من نهر مصر النَّهر الْكَبِير إِلَى نهر الْفُرَات وَهَذَا كذب وشهرة من الشَّهْر لِأَنَّهُ إِن كَانَ عَنى نَبِي إِسْرَائِيل وَهَكَذَا يَزْعمُونَ فَمَا ملكوا قطّ من نهر مصر وَلَا على نَحْو عشرَة أَيَّام مِنْهُ شبْرًا مِمَّا فَوْقه وَذَلِكَ من موقع النّيل إِلَى قرب بَيت الْمُقَدّس وَفِي هَذِه الْمسَافَة الصَّحَارِي الْمَشْهُورَة الممتدة والحضار ثمَّ دفج وغزة وعسقلان وجبال الشراه الَّتِي لم تزل تحاربهم طول مُدَّة دولتهم وتذيقهم الْأَمريْنِ إِلَى انْقِضَاء دولتهم وَلَا ملكوا قطّ من الْفُرَات وَلَا على عشرَة أَيَّام مِنْهُ بل بَين أخر حوز بني إِسْرَائِيل إِلَى أقرب مَكَان من الْفُرَات إِلَيْهِم نَحْو تسعين فرسخاً فِيهَا قنسرين وحمص الَّتِي لم يقربُوا مِنْهَا قطّ ثمَّ دمشق وصور وصيدا الَّتِي لم يزل أَهلهَا يحاربونهم ويسومونهم الْخَسْف طول مُدَّة دولتهم بإقرارهم ونصوص كتبهمْ وحاش لله أَن يخلف وعده فِي قدر وقيقة من سرابة فَكيف فِي تسعين فرسخاً فِي الشمَال وَنَحْوهَا فِي الْجنُوب ثمَّ فوله النَّهر الْكَبِير وَمَا فِي بِلَادهمْ الَّتِي ملكوا نهر يذكر إِلَّا الْأُرْدُن وَحده وَمَا هُوَ بكبير إِنَّمَا مَسَافَة مجْرَاه من بحيرة الْأُرْدُن إِلَى مسقطه فِي الْبحيرَة المنتنة نَحْو سِتِّينَ ميلًا فَقَط فَإِن قَالَ قَائِل إِنَّمَا عَنى الله بِهَذَا الْوَعْد بني إِسْمَاعِيل ﵇ قُلْنَا وَهَذَا أَيْضا خطأ لِأَن هَذَا الْقدر الْمَذْكُور هَا هُنَا من الأَرْض أقل من جُزْء من مائَة جُزْء مِمَّا ملك الله بني إِسْمَاعِيل ﵇ وَأَيْنَ يَقع مَا بَين مصب النّيل عِنْد تنيس وَبَين الْفُرَات وَمن آخر الأندلس على سَاحل الْبَحْر الْمُحِيط وبلاد البربر كَذَلِك إِلَى آخر السَّنَد وكابل مِمَّا يَلِي الْهِنْد وَمن سَاحل الْيمن إِلَى ثغور أرمينية وأذربيجان فَمَا بَين ذَلِك وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَكيف وَهَذِه الدَّعْوَى بَاطِلَة لِأَن ذَلِك الْكَلَام بعضه مَعْطُوف على بعض فالموعودون بِملك ذَلِك الْبَلَد هم المتوعدون بِأَنَّهُم يتملكون ويعذبون فِي الْبَلَد الآخر وَقد أكْرم الله تَعَالَى بني إِسْمَاعِيل وصانهم عَن ذَلِك فوضح الْكَذِب الْفَاحِش فِي الْأَخْبَار الْمَذْكُورَة وَصَحَّ أَنه لَيْسَ من عِنْد الله وَلَا من كَلَام نَبِي أصلا بل من تَبْدِيل وغد جَاهِل كالحمار بلادة أَو متلاعب بِالدّينِ وفاسد المعتقد ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
فصل
وَمِنْهَا أَن الله تَعَالَى قَالَ لإِبْرَاهِيم أَنا الله الَّذِي أخرجتك من أتون الكردانيين لأعطيك هَذَا الْبَلَد حوراً فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم يَا رب بِمَاذَا أعرف أَنِّي أرث هَذَا الْبَلَد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ حاشى لله أَن يَقُول إِبْرَاهِيم ﷺ لرَبه هَذَا الْكَلَام فَهَذَا كَلَام من لم يَثِق بِخَبَر الله حَتَّى طلب على ذَلِك برهاناً فَإِن قَالَ قَائِل جَاهِل فَفِي الْقُرْآن أَنه قَالَ رب كَيفَ تحي الْمَوْتَى وَأَن زَكَرِيَّا قَالَ لله تَعَالَى إِذْ وعده بِابْن يُسمى يحيى رب اجْعَل لي آيَة قُلْنَا بَين المراجعات الْمَذْكُورَة فرق كَمَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب أما طلب إِبْرَاهِيم ﵇ رُؤْيَة إحْيَاء الْمَوْتَى فَإِنَّمَا طلب ذَلِك لِيَطمَئِن قلبه المنازع لَهُ إِلَى
стр. 95
رُؤْيَة الْكَيْفِيَّة فِي ذَلِك فَقَط بَيَان ذَلِك قَوْله تَعَالَى لَهُ ﴿أَو لم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ فوضح أَن إِبْرَاهِيم لم يطْلب ذَلِك برهاناً على شكّ أزاله عَن نَفسه لَكِن ليرى الْهَيْئَة فَقَط وَأما زَكَرِيَّا ﵇ فَإِنَّمَا طلب آيَة تكون لَهُ عِنْد النَّاس لِئَلَّا يكذبوه هَذَا نَص كَلَامه وَالَّذِي ذَكرُوهُ عَن إِبْرَاهِيم ﵇ كَلَام شَاك يطْلب برهاناً يعرف بِهِ صِحَة وعد ربه لَهُ تَعَالَى الله عَن ذَلِك وحاشى لإِبْرَاهِيم مِنْهُ
فصل
وَبعد ذَلِك قَالَ وتجلى الله لإِبْرَاهِيم عِنْد بلوطات ممرأ وَهُوَ جَالس عِنْد بَاب الخباء عِنْد حمي النَّهَار وَرفع عَيْنَيْهِ وَنظر فَإِذا بِثَلَاثَة نفر وقُوف أَمَامه فَنظر وركض لاستقبالهم عِنْد بَاب الخباء وَسجد على الأَرْض وَقَالَ يَا سَيِّدي إِن كنت قد وجدت نعْمَة فِي عَيْنَيْك فَلَا تتجاوز عَبدك ليؤخذ قَلِيل من مَاء واغسلوا أَرْجُلكُم واستندوا تَحت الشَّجَرَة وأقدم لكم كسرة من الْخبز تشتد بهَا قُلُوبكُمْ وَبعد ذَلِك تمضون فَمن أجل ذَلِك مررتم على عبدكم فَقَالُوا اصْنَع كَمَا قلت فأسرع إِبْرَاهِيم إِلَى الخباء إِلَى سارة وَقَالَ لَهَا اصنعي ثَلَاث صيعان من دَقِيق سميذ اعجنيه واصنعي خبز مِلَّة وَحضر إِبْرَاهِيم إِلَى الْبَقر وَأخذ عجلاً رخصا سمنا وَدفعه للغلام واستعجل بإصلاحه وَأخذ سمناً ولبناً والعجل الَّذِي صنعوه وَقدم بَين أَيْديهم وَهُوَ وَاقِف عَلَيْهِم تَحت الشَّجَرَة وَقَالَ كلوا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذَا الْفَصْل آيَات من الْبلَاء شنيعة نَعُوذ بِاللَّه من قَلِيل الضلال وَكَثِيره فَأول ذَلِك إخْبَاره أَن الله تَعَالَى تجلى لإِبْرَاهِيم وَأَنه رأى الثَّلَاثَة نفر فأسرع إِلَيْهِم وَسجد وخاطبهم بالعبودية فَإِن كَانَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَة هم الله فَهَذَا هُوَ التَّثْلِيث بِعَيْنِه بِلَا كلفة بل هُوَ أَشد من التَّثْلِيث لِأَنَّهُ إِخْبَار بشخوص ثَلَاثَة وَالنَّصَارَى يهربون من التشخيص وَقد رَأَيْت فِي بعض كتب النَّصَارَى الِاحْتِجَاج بِهَذِهِ الْقَضِيَّة فِي إِثْبَات التَّثْلِيث وَهَذَا كَمَا ترى فِي غَايَة الفضيحة فَإِن كَانَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَة مَلَائِكَة وَهَكَذَا يَقُولُونَ فَعَلَيْهِم فِي ذَلِك أَيْضا فضائح عَظِيمَة وَكذب فَاحش من وُجُوه أَولهَا من الْمحَال وَالْكذب أَن يخبر بِأَن الله تَعَالَى تجلى لَهُ وَإِنَّمَا تجلى لَهُ ثَلَاثَة من الْمَلَائِكَة وَثَانِيها أَن يُخَاطب أُولَئِكَ الْمَلَائِكَة بخطاب الْوَاحِد وَهَذَا مِمَّا يزِيد فِي ضلال النَّصَارَى فِي هَذَا الْفَصْل وَهَذَا أَيْضا محَال فِي الْخطاب وَثَالِثهَا سُجُوده للْمَلَائكَة فَإِن من الْبَاطِل أَن يسْجد رَسُول الله ﷺ وخليله لغير الله تَعَالَى ولمخلوق مثله فَهَذِهِ كذبة وَإِن قَالُوا بل الله سجد فَهَذِهِ كذبة وَلَا بُد أَو يكون الله عِنْدهم هم الثَّلَاثَة المتجلون لَا بُد من أحداها وعادت البلية أَشد مَا كَانَت وَرَابِعهَا خطابه لَهُم بِأَنَّهُ عبدهم فَإِن كَانَ الْمُخَاطب بذلك هُوَ الله تَعَالَى وَهُوَ المتجلي لَهُ فقد عَادَتْ البلية وَإِن كَانَ المخاطبون بذلك الْمَلَائِكَة فحاشى لله أَن يُخَاطب إِبْرَاهِيم ﵇ بالعبودية غير الله تَعَالَى ومخوقا مثله مَعَ أَن الْمحَال أَن يُخَاطب ثَلَاثَة بخطاب وَاحِد وخامسها قَوْله يُؤْخَذ قَلِيل من مَاء وَيغسل أَرْجُلكُم وأقدم كسرة من الْخبز تشتد بهَا قُلُوبكُمْ فَهَذِهِ الْحَالة لَئِن كَانَ خَاطب بِهَذَا الْخطاب الله تَعَالَى فَهِيَ الَّتِي لَا سوي لَهَا وَلَا بَقِيَّة بعْدهَا وَالَّتِي تملأ الْفَم وَإِن كَانَ خَاطب بذلك الْمَلَائِكَة فَهَذَا أكذب لِأَن إِبْرَاهِيم ﵇ لَا يجهل أَن الْمَلَائِكَة لَا تشتد قُلُوبهم بِأَكْل كسر الْخبز
стр. 96
فَهَذِهِ على كل حَال كذبة بَارِدَة سمجة فَإِن قَالُوا ظنهم نَاسا قُلْنَا هَذَا أكذب لِأَن فِي أول الْخَبَر يخبر أَن الله تجلى لَهُ وَكَيف يسْجد إِبْرَاهِيم ويتعبد لخاطر طَرِيق حاشى لَهُ من هَذَا الضلال وسادسها إخْبَاره أَنهم أكلُوا الْخبز والشوى وَالسمن وَاللَّبن وحاشى لَهُ أَن يكون هَذَا خَبرا عَن الله تَعَالَى لَا وَلَا عَن الْمَلَائِكَة أَيْن هَذَا الْكَذِب الْبَارِد الفاضح الَّذِي يشبه عقول الْيَهُود المصدقين بِهِ من الْحق الْمُنِير الْوَاضِح عَلَيْهِ ضِيَاء الْيَقِين من قَول الله فِي هَذِه الْقِصَّة نَفسهَا ﴿وَلَقَد جَاءَت رسلنَا إِبْرَاهِيم بالبشرى قَالُوا سَلاما قَالَ سَلام فَمَا لبث أَن جَاءَ بعجل حنيذ فَلَمَّا رأى أَيْديهم لَا تصل إِلَيْهِ نكرهم وأوجس مِنْهُم خيفة قَالُوا لَا تخف إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم لوط﴾ الْآيَات هَيْهَات نور الْحق من ظلمات الْكَذِب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين كثيرا وفيهَا أَيْضا وَجه سَابِع لَيْسَ كهذه الْوُجُوه فِي الشناعة وَهُوَ إقرارهم بِأَن إِبْرَاهِيم أطْعم الْمَلَائِكَة اللَّحْم وَاللَّبن وَالسمن مَعًا والربانيون مِنْهُم يحرمُونَ هَذَا الْيَوْم فَأَقل مَا فِيهِ النّسخ على أَن يكون سَلَامَته من أَطَم الدَّوَاهِي والسلامة وَالله مِنْهُم بعيدَة
فصل
ثمَّ قَالَ مُتَّصِلا بِهَذَا الْفَصْل وَقَالُوا لَهُ أَيْن سارة زَوجتك فَقَالَ هَا هِيَ ذِي فِي الخباء قَالَ سأرجع إِلَيْك مثل هَذَا الْوَقْت من قَابل وَيكون لَهَا ابْن وَسَارة تسمع فِي الخباء وَهُوَ وَرَاءَهَا وَكَانَ إِبْرَاهِيم وَسَارة شيخين قد طَعنا فِي السن وانْتهى لسارة أَن لَا يكون لَهَا عَادَة النِّسَاء فَضَحكت سارة فِي نَفسهَا قائلة أبعد أَن نليت يصير لي ذَا وسيدي شيخ قَالَ الله لإِبْرَاهِيم لماذا ضحِكت سارة قائلة هَل لي أَن أَلد وَأَنا عَجُوز وَهل يخفى عَن الله أَمْرِي فِي هَذَا الْوَقْت إِذْ قَالَ عز من قَائِل يكون لسارة ابْن فجحددت سارة وَقَالَت لم أضْحك لِأَنَّهَا خَافت وَقَالَ السَّيِّد لَيْسَ كَمَا تَقُولِينَ بل قد ضحِكت فَقَامَ الْقَوْم من ثمَّ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ عَاد الْخَبَر بَين سارة وَإِبْرَاهِيم وَبَين الله وَعَاد الحَدِيث الْمَاضِي ثمَّ فِي هَذَا زِيَادَة أَن الله تَعَالَى قَالَ أَن سارة ضحِكت وَقَالَت سارة لم أضْحك فَقَالَ الله بل قد ضحِكت فَهَذِهِ مُرَاجعَة الْخُصُوم وتعارض الْأَكفاء وحاشى لسارة الفاضلة المنبأة من الله بالبشارة من أَن تكذب الله فِيمَا يَقُول وَتكذب هِيَ فِي ذَلِك فتجحد مَا فعلت فتجمع بَين سوءتين إِحْدَاهمَا كَبِيرَة من الْكَبَائِر قد نزه الله الصَّالِحين عَنْهَا فَكيف الْأَنْبِيَاء وَالْأُخْرَى أدهى وَأمر وَهِي الَّتِي لَا يَفْعَلهَا مُؤمن وَلَو أَنه أفسق أهل الأَرْض لِأَنَّهَا كفر ونعوذ بِاللَّه من الضلال
فصل
وَبعد ذَلِك وصف أَن الْملكَيْنِ باتا عِنْد لوط وأكلا عِنْده الْخبز الفطير وَلَو أَن لوطاً سجد لَهما على وَجه الأَرْض وَتعبد لَهما وَقد مضى مثل هَذَا وَأَنه كذب وَأَن الْمَلَائِكَة لَا تَأْكُل فطيراً وَلَا مختمراً وَأَن الْأَنْبِيَاء ﵈ لَا يَسْجُدُونَ لغير الله تَعَالَى وَلَا يتعبدون لسواه
فصل
وَذكر أَن إِبْرَاهِيم ﵇ قَالَ لله إِذْ ذكر لَهُ هَلَاك قوم
стр. 97
لوط فِي كَلَام كثير أَنْت معَاذ من أَن تصنع هَذَا الْأَمر لَا تقتل الصَّالح مَعَ الطالح فَأَنت معَاذ يَا حَاكم جَمِيع الْعَالم وَلم يُنكر الله تَعَالَى عَلَيْهِ هَذَا القَوْل وَقَالَ بعد ذَلِك أَن الْملكَيْنِ قَالَا للوط أنظر من لَك هُنَا من صهر بنيك وبناتك وكل مَالك فِي الْقرْيَة أخرجهم من هَذَا الْموضع لأَنا مهلكون هَذَا الْموضع وَقَالَ بعد ذَلِك إِن لوطاً كلم أَصْحَابه المتزوجين بَنَاته وَقَالَ لَهُم اخْرُجُوا من هَذَا الْموضع فَإِن الله مهلكهم وَأَنه صَار عِنْدهم كاللاعب ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك أَن الْمَلَائِكَة أَمْسكُوا بيد لوط وبيد زَوجته وابنتيه لشفقة الله عَلَيْهِم وأخرجوهم خَارج الْقرْيَة ثمَّ ذكر هَلَاك الْقرْيَة بِكُل مَا فِيهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ لَا تَخْلُو أَصْهَار لوط وَبَنوهُ وَبنَاته الناكحات من أَن يَكُونُوا صالحين أَو طالحين فَإِن كَانُوا صالحين فقد هَلَكُوا مَعَ الطالحين وَبَطل عقد الله تَعَالَى مَعَ إِبْرَاهِيم فِي ذَلِك وحاشى لله من هَذَا وَإِن كَانُوا طالحين فَكيف تَأمر الْمَلَائِكَة بِإِخْرَاج الطالحين وهم كَانُوا مبعوثين لهلاكهم فَلَا بُد من الْكَذِب فِي أحد الْوَجْهَيْنِ وَبِالْجُمْلَةِ فأخبارهم معفونة جدا
فصل
وَبعد ذَلِك قَالَ وَأقَام لوط فِي المغارة هُوَ وابنتاه فَقَالَت الْكُبْرَى للصغرى أَبونَا شيخ وَلَيْسَ فِي الأَرْض أحد يأتينا كسبيل النِّسَاء تَعَالَى نسقي أَبَانَا الْخمر ونضاجعه ونستبق مِنْهُ نَسْلًا فسقتا أباهما الْخمر فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَأَتَت الْكُبْرَى فضاجعت أَبَاهَا وَلم يعلم بنومها وَلَا بقيامها فَلَمَّا كَانَ من الْغَد قَالَت الْكُبْرَى للصغرى قد ضاجعت أبي أمس تعالي نسقيه الْخمر هَذِه اللَّيْلَة وضاجعيه أَنْت ونستبقي من أَبينَا نَسْلًا فسقتاه تِلْكَ اللَّيْلَة خمرًا وَأَتَتْ الصُّغْرَى فضاجعته وَلم يعلم بنومها وَلَا بقيامها وحملت ابنتا لوط من أَبِيهِمَا فَولدت الْكُبْرَى ابْنا وسمته مواب وَهُوَ أَبُو الموابين إِلَى الْيَوْم وَولدت الصُّغْرَى ابْنا سمته ابْن عمي وَهُوَ أَبُو العمونيين إِلَى الْيَوْم وَفِي السّفر الْخَامِس من التَّوْرَاة بزعمهم أَن مُوسَى قَالَ لبني إِسْرَائِيل إِن الله تَعَالَى قَالَ لما انتهينا إِلَى صحراء بني مواب قَالَ لي لَا تحارب بني مواب وَلَا تقَاتلهمْ فَإِنِّي لم أجعَل لكم فِيمَا تَحت أَيْديهم سَهْما لِأَنِّي قد ورثت بني لوط أَدّوا وجعلتها مسكنا لَهُم ثمَّ ذكر أَن مُوسَى قَالَ لَهُم إِن الله تَعَالَى قَالَ لَهُ أَيْضا أَنْت تخلف الْيَوْم حوز بني مواب الْمَدِينَة الَّتِي تَدعِي عَاد وتنزل فِي حوز بني عمون فَلَا تحاربهم وَلَا تقَاتل أحدا مِنْهُم فَإِنِّي لم أجعَل لكم تَحت أَيْديهم سَهْما لأَنهم من بني لوط وَقد ورثتهم تِلْكَ الأَرْض
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذِه الْفُصُول فضائح وسوآت تقشعر من سماعهَا جُلُود الْمُؤمنِينَ بِاللَّه تَعَالَى العارفين حُقُوق الْأَنْبِيَاء ﵈ فأولها مَا ذكر عَن بِنْتي لوط ﵇ من قَوْلهمَا لَيْسَ أحد فِي الأَرْض يأتينا كسبيل النِّسَاء تعالي نسقي أَبَانَا خمرًا ونضاجعه ونستبق مِنْهُ نَسْلًا فَهَذَا كَلَام أَحمَق فِي غَايَة الككذب وَالْبرد أَتَرَى كَانَ انْقَطع نسل ولد آدم حَتَّى لم يبْق فِي الأَرْض أحد يضاجعها إِن هَذَا لعجب فَكيف والموضع مَعْرُوف إِلَى الْيَوْم لَيْسَ بَين تِلْكَ المغارة الَّتِي كَانَ فِيهَا لوط ﵇ مَعَ بنتيه وَبَين قَرْيَة سُكْنى إِبْرَاهِيم ﵇ إِلَّا فَرسَخ وَاحِد لَا يزِيد وَهُوَ ثَلَاثَة أَمْيَال فَقَط فَهَذِهِ سوءة وَالثَّانيَِة اطلاق الْكَذِب الْوَاضِع لهَذِهِ الخرافة لَعنه الله هَذِه الطومة
стр. 98
على الله من أَنه أطلق نبيه وَرَسُوله ﷺ على هَذِه الْفَاحِشَة الْعَظِيمَة من وَطْء ابْنَتَيْهِ وَاحِدَة بعد الْأُخْرَى فَإِن قَالُوا لَا ملامة عَلَيْهِ فِي ذَلِك لِأَنَّهُ فعل ذَلِك وَهُوَ سَكرَان وَهُوَ لَا يعلم من هما قُلْنَا فَكيف عمل إِذْ رآهما حاملتين وَإِذ رآهما قد ولدتا وَلدين لغير رشدة وَإِذ رآهما تربيان أَوْلَاد الزِّنَا هَذِه فضائح الْأَبَد وتوليد الزَّنَادِقَة المبالغين فِي الاستخفاف بِاللَّه تَعَالَى وبرسله ﵈ وَالثَّالِثَة إِطْلَاقهم على الله تَعَالَى أَنه نسب أَوْلَاد ذَيْنك الزنيمين فرخي الزِّنَا إِلَى ولادَة لوط ﵇ حَتَّى ورثهما بلدين كل ورث بني إِسْرَائِيل وَبني عيسو ابْني إِسْحَاق سَوَاء سَوَاء تَعَالَى الله عَن هَذَا علوا كَبِيرا فَإِن قَالُوا كَانَ مُبَاحا حِينَئِذٍ قُلْنَا فقد صَحَّ النّسخ الَّذِي تُنْكِرُونَهُ بِلَا كلفة وَقَالَ قبل هَذَا إِن إِبْرَاهِيم إِذْ أَمر الله تَعَالَى بِالْمَسِيرِ من حران إِلَى أَرض كنعان أَخذ مَعَ نَفسه امْرَأَته سارة وَابْن أَخِيه لوط بن هَارُون وَذكروا فِي بعض توراتهم أَنه كَلمته الْمَلَائِكَة وَأَن الله تَعَالَى أرسلهم إِلَيْهِ فصح بإقرارهم أَنه نَبِي الله وهم يَقُولُونَ أَنه بَقِي فِي تِلْكَ المغارة شَرِيدًا طريداً فَقِيرا لَا شَيْء لَهُ يرجع إِلَيْهِ فَكيف يدْخل فِي عقل من لَهُ أقل إِيمَان أَن إِبْرَاهِيم ﵇ يتْرك ابْن أَخِيه الَّذِي تغرب مَعَه وآمن بِهِ ثمَّ تنبأ مثله يضيع ويسكن فِي مغارة مَعَ ابْنَتَيْهِ فَقِيرا هَالكا وَهُوَ على ثَلَاثَة أَمْيَال مِنْهُ وَإِبْرَاهِيم على مَا ذكر فِي التَّوْرَاة عَظِيم المَال مفرط الْغنى كثير الْيَسَار من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْعَبِيد وَالْإِمَاء وَالْجمال وَالْبَقر وَالْغنم وَالْحمير وَيَقُولُونَ فِي توراتهم أَنه ركب فِي ثَلَاثمِائَة مقَاتل وَثَمَانِية عشر مُقَاتِلًا لِحَرْب الَّذين سبوا لوطاً وَمَاله حَتَّى استنفذوه وَمَاله فَكيف يضيعه بعد ذَلِك هَذَا التضييع لَيست هَذِه صِفَات الْأَنْبِيَاء وَلَا كَرَامَة وَلَا صِفَات من فِيهِ شيءٌ من الْخَيْر لَكِن صِفَات الْكلاب الَّذين وضعُوا لَهُم هَذِه الخرافات الْبَارِدَة الَّتِي لَا فَائِدَة فِيهَا وَلَا موعظة وَلَا عِبْرَة حَتَّى ضلوا بهَا ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
فصل
وَفِي موضِعين من توراتهم المبدلة أَن سارة امْرَأَة إِبْرَاهِيم ﵇ أَخذهَا فِرْعَوْن ملك مصر وَأَخذهَا ملك الخلص أَبُو مَالك مرّة ثَانِيَة وَأَن الله أرى الْملكَيْنِ فِي منامهما مَا أوجب ردهَا إِلَى إِبْرَاهِيم ﵇ وَذكر أَن سنّ إِبْرَاهِيم ﵇ إِذْ انحدر من حران خَمْسَة وَسَبْعُونَ عَاما وَأَن إِسْحَاق ولد لَهُ وَهُوَ ابْن مائَة سنة ولسارة إِذْ ولد تسعون عَاما فصح أَنه كَانَ يزِيد عَلَيْهَا عشر سنسن وَذكر أَن ملك الخلص أَخذهَا بعد أَن ولدت إِسْحَاق وَهِي عَجُوز مُسِنَّة بإقرارها بلسانها إِذْ بشرت بِإسْحَاق فَكيف بعد أَن وَلدته وَقد جَاوَزت تسعين عَاما وَمن الْمحَال أَن تكون فِي هَذَا السن تفتن ملكا وَأَن إِبْرَاهِيم قَالَ فِي كلتا الْمَرَّتَيْنِ هِيَ أُخْتِي وَذكر عَن إِبْرَاهِيم أَنه قَالَ للْملك هِيَ أُخْتِي بنت أبي لَكِن لَيست من أُمِّي فَصَارَت لي زَوْجَة فنسبوا فِي نَص توراتهم إِلَى إِبْرَاهِيم ﵇ أَنه تزوج أُخْته وَقد وقفت على هَذَا الْكَلَام من يعَض من شَاهَدْنَاهُ مِنْهُم وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن يُوسُف الْكَاتِب الْمَعْرُوف بإبن النغرالي فَقَالَ لي إِن نَص اللَّفْظَة فِي التَّوْرَاة أُخْت وَهِي لَفْظَة تقع فِي العبرانية على الْأُخْت وعَلى الْقَرِيبَة فَقلت يمْنَع من صرف هَذِه اللَّفْظَة إِلَى الْقَرِيبَة هَا هُنَا قَوْله لَكِن لَيست من أُمِّي وَإِنَّمَا هِيَ بنت أبي فَوَجَبَ أَنه
стр. 99
أَرَادَ الْأُخْت بنت الْأَدَب وَأَقل مَا فِي هَذَا إِثْبَات النّسخ الَّذِي تفرون مِنْهُ فخلط وَلم يَأْتِ بِشَيْء
فصل
ثمَّ ذكر موت سارة وَقَالَ تزوج إِبْرَاهِيم ﵇ امراة اسْمهَا قطورة وَولدت لَهُ زمران ويقشان ومدان ومديان ويشبق وشوحا وَأعْطى إِبْرَاهِيم جَمِيع مَاله لإسحاق وَأعْطى بني الْإِمَاء عطايا وأبعدهم عَن إِسْحَاق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا نَص الْكَلَام مُتَتَابِعًا مُرَتبا وَلم يذكر لَهُ زَوْجَة فِي حَيَاة سارة وَلَا أمة لَهَا ولد إِلَّا هَاجر أم إِسْمَاعِيل ﵇ وَلَا ذكر لَهُ بعد سارة زَوْجَة وَلَا أمة وَلَا ولدا غير قطورة وبنيها وَفِي كتبهمْ أَن قطورة هَذِه بنت ملك الربذ وَهُوَ مَوضِع عمان الْيَوْم بِقرب البلقاء وَهَذِه أَخْبَار يكذب بَعْضهَا بَعْضًا
فصل
ثمَّ ذكر أَن رفْقَة بنت بتوئيل بن تارخ زَوْجَة إِسْحَاق ﵇ كَانَت عاقراً قَالَ فشفعه الله وحملت وازدحم الْولدَان فِي بَطنهَا وَقَالَت لَو علمت أَن الْأَمر هَكَذَا كَانَ يكون مَا طلبته وَمَضَت لتلتمس علما من الله فَقَالَ لَهَا الله فِي بَطْنك أمتان وحزبان يفترقان مِنْهُ أَحدهمَا أكبر من الآخر وَالْكَبِير يخْدم الصَّغِير فَلَمَّا كَانَت أَيَّام الْولادَة إِذْ بتوءمين فِي بَطنهَا وَخرج الأول أَحْمَر كُله كفروة من شعر فَسُمي عيسو وَبعد ذَلِك خرج أَخُوهُ وَيَده ممسكة بعقب عيسو فَسَماهُ يَعْقُوب
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ لَا مُؤنَة على هَؤُلَاءِ السفلة فِي أَن ينسبوا الْكَذِب إِلَى الله وحاشى لله أَن يكذب وَلَا خلاف بَينهم فِي أَن عيسو لم يخْدم قطّ يَعْقُوب وَأَن بني عيسو لم تخْدم قطّ بني يَعْقُوب بل فِي التَّوْرَاة نصا أَن يَعْقُوب سجد على الأَرْض سبع مَرَّات لعيسو اذرآه وَأَن يَعْقُوب لم يُخَاطب عيسو إِلَّا بالعبودية والتذلل المفرط وَأَن جَمِيع أَوْلَاد يَعْقُوب حاشا بنيامين الَّذِي لم يكن ولد بعد كلهم سجدوا لعيسو وَأَن يَعْقُوب أهْدى لعيسو مداراة لَهُ خَمْسمِائَة رَأس وَخمسين رَأْسا من إبل وبقر وحمير وضأن ومعز وَأَن يَعْقُوب رَآهَا منَّة عَظِيمَة إِذْ قبلهَا مِنْهُ وَأَن بني عيسو لم تزل أَيْديهم على إقفاء بني إِسْرَائِيل من أول دولتهم إِلَى انقطاعها إِمَّا يتملكون عَلَيْهِم أَو يكونُونَ على السوَاء مَعَهم وَأَن بني إسرئيل لم يملكُوا قطّ أَيَّام دولتهم بني عيسو فَأُعْجِبُوا لهَذِهِ الفضائح أَيهَا الْمُسلمُونَ واحمدوا الله على السَّلامَة مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ غَيْركُمْ من الضلال والعمى
فصل
ثمَّ ذكر أَن إِسْحَاق قَالَ لِابْنِهِ عيسو يَا بني قد شخت وَلَا أعلم يَوْم موتِي فَاخْرُج وَصد لي صيدا واصنع لي مِنْهُ طَعَاما كَمَا أحب وائتني بِهِ لآكله كي تبَارك نَفسِي قبل أَن أَمُوت وَإِن رفْقَة أم عيسو وَيَعْقُوب أمرت يَعْقُوب ابْنهَا أَن يَأْخُذ جديين وتصنع هِيَ مِنْهُمَا طَعَاما وَيَأْتِي يَعْقُوب إِلَى إِسْحَاق أَبِيه ليأكله ويبارك عَلَيْهِ وَأَن يَعْقُوب قَالَ لأمه أَن عيسو أخي أشعر وَأَنا أجرد لَعَلَّ أبي أَن يحس بِي وأكون عِنْده كاللاعب وأجلب على نَفسِي لعنة لَا بركَة فَقَالَت لَهُ أمه عَليّ استدفاع لعنتك وَإِن يَعْقُوب فعل مَا أَمرته بِهِ أمه فَأخذت هِيَ ثِيَاب عيسو ابْنهَا الْأَكْبَر وألبستها يَعْقُوب وَجعلت جُلُود الجديين على يَدَيْهِ وعَلى حلقه وأعطته الطَّعَام وَجَاء بِهِ إِلَى
стр. 100
أَبِيه فَقَالَ لَهُ يَا أبي فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق من أَنْت يَا وَلَدي قَالَ يَعْقُوب أَنا ابْنك عيسو بكرك صنعت جَمِيع مَا قلت لي فاجلس وتأكل من صيدي لتبارك عَليّ وَأَن إِسْحَاق قَالَ ليعقوب تقدم حَتَّى أجلسك يَا بني هَل أَنْت ابْني عيسو أم لَا فَتقدم يَعْقُوب فجسه إِسْحَاق وَقَالَ الصَّوْت صَوت يَعْقُوب وَالْيَدَانِ يدا عيسو وَقَالَ هَل أَنْت هُوَ ابْني عيسو فَقَالَ أَنا فَبَارك عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ فِي بركته تِلْكَ تخدمك الْأُمَم وتخضع لَك الشعوب وَتَكون مولي إخْوَتك وتسجد لَك بَنو أمك ثمَّ ذكر أَن عيسو أَتَى بالصيد إِلَى إِسْحَاق فَلَمَّا عرف إِسْحَاق الْقِصَّة قَالَ لعيسو عَن يَعْقُوب قد صيرته سُلْطَانا وَجعلت جَمِيع إخْوَته عبيدا فَرغب إِلَيْهِ عيسو فِي أَن يباركه أَيْضا فَفعل وَقَالَ فِي بركته هوذا بِلَا دسم الأَرْض يكون مسكنك وَبلا ندى السَّمَاء من فَوق وبسيفك تعيش ولأخيك تستعبد وَلَكِن يكون حينما تجمح أَنَّك تكسر غيرَة عَن عُنُقك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَفِي هَذَا الْفَصْل فضائح وأكذوبات وَأَشْيَاء تشبه الخرافات فَأول ذَلِك إِطْلَاقهم على نَبِي الله يَعْقُوب ﵇ أَنه خدع أَبَاهُ وغشه وَهَذَا مبعد عَمَّن فِيهِ خير من أَبنَاء النَّاس مَعَ الْكفَّار والأعداء فَكيف من نَبِي مَعَ أَبِيه نَبِي أَيْضا هَذِه سوآت مضاعفات أَيْن ظلمَة هَذَا الْكَذِب من نور الصدْق فِي قَول الله تَعَالَى ﴿يخادعون الله وَالَّذين آمنُوا وَمَا يخدعون إِلَّا أنفسهم﴾ وثانية وَهِي أخبارهم ان بركَة يَعْقُوب إِنَّمَا كَانَت مسروقة مَأْخُوذَة بغش وخديعة وتخابث وحاشى للأنبياء ﵈ من هَذَا ولعمري أَنَّهَا لطريقة الْيَهُود فَمَا تلقى مِنْهُم إِلَّا الْخَبيث المخادع إِلَّا الشاذ وثالثة وَهِي أخبارهم ان الله تَعَالَى أجْرى حكمه وَأعْطى نعْمَته على طَرِيق الْغِشّ والخديعة وحاش لله من هَذَا ورابعة وَهِي الَّتِي لَا يشك أحد فِي أَن إِسْحَاق ﵇ إِذْ بَارك يَعْقُوب إِذْ خدعه بزعم النذل الَّذِي كتب لَهُم هَذَا الهوس إِنَّمَا قصد بِتِلْكَ الْبركَة عيسو وَله دَعَا لَا ليعقوب فَأَي مَنْفَعَة للخديعة هَهُنَا لَو كَانَ لَهُم عقل وَمَا أشبه هَذِه الْقَضِيَّة إِلَّا بحمق الغالية من الرافضة الْقَائِلين أَن الله تَعَالَى بعث جِبْرِيل إِلَى عليٍّ فَأَخْطَأَ جِبْرِيل وأتى إِلَى مُحَمَّد وَهَكَذَا بَارك إِسْحَاق على عيسو فأخطأت الْبركَة وَمَضَت إِلَى يَعْقُوب فعلى كلتا الطَّائِفَتَيْنِ لعنة الله فَهَذِهِ وُجُوه الْخبث والغش فِي هَذِه الْقَضِيَّة وَأما وُجُوه الْكَذِب فكثيرة جدا من ذَلِك نسبتهم الْكَذِب إِلَى يَعْقُوب ﵇ وَهُوَ نَبِي الله تَعَالَى وَرَسُوله فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع أَولهَا قَوْله لِأَبِيهِ إِسْحَاق أَنا ابْنك عيسو وبكرك فَهَذِهِ كذبتان فِي نسق لأه لم يكن ابْنه عيسو وَلَا كَانَ بكره وثالثة قَوْله لِأَبِيهِ صنعت جَمِيع مَا قلت لي فاجلس وكل من صيدي فَهَذِهِ كذبتان فِي نسق لِأَنَّهُ لم يكن قَالَ لَهُ شَيْئا وَلَا أطْعمهُ من صَيْده وكذبات أخر وَهِي بطلَان بركَة إِسْحَاق إِذْ قَالَ لَهُ تخدمك الْأُمَم وتخضع الشعوب وَتَكون مولي إخْوَتك وَيسْجد لَك بَنو أمك وَقَوله لعيسو ولأخيك تستعبد وَهَذِه كذبات مُتَوَالِيَات وَالله مَا خدمت الْأُمَم قطّ يَعْقُوب وَلَا بنيه بعده وَلَا خضعت لَهُم الشعوب وَلَا كَانُوا موَالِي إِخْوَتهم وَلَا سجد لَهُم وَلَا لَهُ بنوا أمه بل بنوا بني إِسْرَائِيل خدموا الْأُمَم فِي كل بَلْدَة وَفِي كل أمة وهم خضعوا للشعوب قَدِيما وحديثاًُ فِي أَيَّام دولتهم وَبعدهَا فَإِن قَالُوا سَيكون هَذَا قُلْنَا لَهُم ... قد حصلتم على الصغار يَقِينا
والأماني بضائع السخفاء ... هَيْهَات
стр. 101
ترجى ربيع أَن ستحيا صغارها
بِخَير وَقد أعيا ربيعاً كِبَارهَا ...
لَا سِيمَا مَعَ تقضي جَمِيع الآماد الَّتِي كَانُوا ينبئون بِأَنَّهَا لَا تَنْقَضِي حَتَّى يرجع أَمرهم وَاعْلَمُوا أَن كل أمة أَدْبَرت فَإِنَّهُم ينتظرون من العودة ويمنون أنفسهم من الرّجْعَة بِمثل مَا تمنى بِهِ بَنو إِسْرَائِيل أَنْفسهَا ويذكرون فِي ذَلِك مواعيد كمواعيدهم فأملٌ كاملٍ وَلَا فرق كانتظار مجوس الْفرس بهزام هما وندراكب الْبَقَرَة وانتظار الروافض للمهدي وانتظار النَّصَارَى الَّذين ينتظرون فِي السَّحَاب وانتظار الصائبين أَيْضا لقصة أُخْرَى وانتظار غَيرهم للسفياني ... تمن يلذ المستهام بِمثلِهِ
وَإِن كَانَ لَا يُغني فتيلاً وَلَا يجدي
وغيظ على الْأَيَّام كالنار فِي الحشا
وَلكنه غيظ الْأَسير على الْقد ...
وَأما قَوْله تكون مولي إخْوَتك وَيسْجد لَك بَنو أمك فلعمري لقد صَحَّ ضد ذَلِك جهاراً إِذْ فِي توراتهم أَن يَعْقُوب كَانَ راعي ابْن عَمه لابان ابْن ناحور بن لامك وخادمه عشْرين سنة وَأَنه بعد ذَلِك سجد هُوَ وَجَمِيع وَلَده حاشا من لم يكن خلق مِنْهُم بعد لِأَخِيهِ عيسو مرَارًا كَثِيرَة وَمَا سجد عيسو قطّ ليعقوب وَلَا ملك قطّ أحد من بني يَعْقُوب بني عيسو وَأَن يَعْقُوب تعبد لعيسو فِي جَمِيع خطابه لَهُ وَمَا تعبد قطّ عيسو ليعقوب وَسَأَلَهُ عيسو عَن أَوْلَاده فَقَالَ لَهُ يَعْقُوب هم أصاغر من الله بهم على عَبدك وَأَن يَعْقُوب طلب رِضَاء عيسو وَقَالَ لَهُ إِنِّي نظرت إِلَى وَجهك كمن نظر إِلَى بهجة الله فارض عني وَاقْبَلْ مَا أهديت إِلَيْك وَأَن عيسو بالحرا قبل هَدِيَّة يَعْقُوب حينئذٍ فَمَا نرى عيسو وبنيه إِلَّا موَالِي يَعْقُوب وبنيه وَكَذَلِكَ ملك بَنو عيسو بِإِقْرَار توراتهم ميراثهم لساعير وَهِي جبال الشراة وَبَنُو لوط ميراثهم بمواب وعمان قبل أَن يملك بَنو إِسْرَائِيل ميراثهم بفلسطين والأردن بدهر طَوِيل ثمَّ لم يزَالُوا يتغلبون على بني إِسْرَائِيل أَو يساوونهم طول دولة بني إِسْرَائِيل بِإِقْرَار كتبهمْ وَمَا ملك بَنو إِسْرَائِيل قطّ بني عيسو وَلَا بني لوط وَلَا بني إِسْمَاعِيل بإقرارهم وَلَقَد بَقِي بَنو عيسو وَبَنُو لوط بِإِقْرَار كتبهمْ فِي ميراثهم بساعير ومواب وعمان بعد هَلَاك دولة بني إِسْرَائِيل وأخرجهم عَن ميراثهم ثمَّ ملكهم بَنو إِسْمَاعِيل إِلَى الْيَوْم فَمَا نرى تِلْكَ الْبركَة كَانَت إِلَّا معكوسة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَلَكِن حق الْبركَة المسروقة الْمَأْخُوذَة بالخبث فِي زعمهم أَن تخرج معكوسة منكوسة
فصل
ثمَّ ذكر أَن يَعْقُوب إِذْ مُضِيّ إِلَى خَاله لابان بن بثوال خطب إِلَيْهِ ابْنَته راحيل وَقَالَ لَهُ أخدمك سبع سِنِين فِي راحيل ابْنَتك الصُّغْرَى فَقَالَ لَهُ لابان أُعْطِيك إِيَّاهَا أحسن من أَن أعطيها رجلا آخر أقِم عِنْدِي وخدم يَعْقُوب فِي راحيل سبع سِنِين وَصَارَت عِنْده أَيَّامًا يسيرَة فِي محبته لَهَا وَقَالَ يَعْقُوب للابان أَعْطِنِي زَوْجَتي إِذْ قد كملت أيامي فَأدْخل بهَا وَجمع لابان جَمِيع أهل الْموضع وصنع وَلِيمَة فَلَمَّا كَانَ بالْعَشي أَخذ ليئة ابْنَته وزفها إِلَيْهِ وَدخل بهَا فَلَمَّا كَانَ بالغد وَرَأى أَنَّهَا ليئة قَالَ للابان مَاذَا صنعت أَلَيْسَ فِي راحيل خدمتك
стр. 102
فَلم خدعتني فَقَالَ لابان لَا نصْنَع هَكَذَا فِي موضعنا أَن نزوج الصُّغْرَى قبل الْكُبْرَى أكمل أُسْبُوع هَذِه وَأُعْطِيك أَيْضا هَذِه بِخِدْمَة سبع سِنِين أُخْرَى وصنع يَعْقُوب كَذَلِك وأكمل أُسْبُوع ليئة وَأعْطى راحيل ابْنَته لتَكون لَهُ زَوْجَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذَا الْ فَصْل آبدة الدَّهْر وَهِي إقرارهم أَن يَعْقُوب ﵇ تزوج راحيل فأدخلت عَلَيْهِ غَيرهَا فحصلت ليئة إِلَى جنبه بِلَا نِكَاح وَولد لَهَا مِنْهُ سِتَّة ذُكُور وَابْنَة وَهَذَا هُوَ الزِّنَا بِعَيْنِه أَخذ امْرَأَة لم يَتَزَوَّجهَا بخديعة وَقد أعاذ الله نبيه من هَذِه السوءة وأعاذ الْأَنْبِيَاء ﵈ مُوسَى وَهَارُون وَدَاوُد وَسليمَان من أَن يَكُونُوا من مثل هَذِه الْولادَة وَهَذَا يشْهد ضَرُورَة أَنَّهَا من توليد زنديق متلاعب بالديانات فَإِن قَالُوا لَا بُد أَنه قد تزَوجهَا إِذْ علم أَنَّهَا لَيست الَّتِي تزوج قُلْنَا فعلي أَن نسمح لكم بِهَذَا فالنسخ ثَابت وَلَا بُد لِأَن نِكَاح أُخْتَيْنِ مَعًا حرَام فِي توراتكم وَقد قَالَ لي بَعضهم فِي هَذَا لم تكن الشَّرَائِع نازلة من الله تَعَالَى قبل مُوسَى فَقلت هَذَا كذب أَلَيْسَ فِي نَص توراتكم أَن الله تَعَالَى قَالَ لنوح ﵇ كل دَبِيب حَيّ يكون لكم أكله كخضراء العشب أُعْطِيكُم لَكِن اللَّحْم بدمه لَا تأكلوه وَأما دماؤكم فِي أَنفسكُم فسأطلبها فَهَذِهِ شَرِيعَة إِبَاحَة وَتَحْرِيم قبل مُوسَى ﵇
فصل
وَبعد ذَلِك ذكر أَن يَعْقُوب رَجَعَ من عِنْد خَاله لابان بنسائه وَأَوْلَاده قَالَ وَلما أصبح أجَاز امرأتيه وجاريته وَأحد عشر من وَلَده المخاضة وَبَقِي وَحده وصارعه رجل إِلَى الصُّبْح فَلَمَّا عجز عَنهُ ضرب حق فَخذه فانخلع حق فَخذ يَعْقُوب فِي مصارعته مَعَه وَقَالَ لَهُ خَلِّنِي لِأَنَّهُ قد طلع الْفجْر قَالَ لست أدعك حَتَّى تبَارك عَليّ فَقَالَ لَهُ كَيفَ اسْمك قَالَ يَعْقُوب قَالَ لَهُ لست تدعى من الْيَوْم يَعْقُوب بل إِسْرَائِيل من أجل أَنَّك كنت قَوِيا على الله فَكيف على النَّاس فَقَالَ لَهُ يَعْقُوب عرفني بِاسْمِك فَقَالَ لَهُ لَو لم تَسْأَلنِي عَن اسْمِي وَبَارك عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْموضع فَسُمي يَعْقُوب ذَلِك الْموضع فنيئيل وَقَالَ رَأَيْت الله تَعَالَى مُوَاجهَة وسلمت نَفسِي وبزغت لَهُ الشَّمْس بعد أَن جَاوز فنيئيل وَهُوَ يعرج من رجله وَلِهَذَا لَا يَأْكُل بَنو إِسْرَائِيل الْعقب الَّذِي على حق الْفَخْذ إِلَى الْيَوْم لِأَنَّهُ ضرب حق فَخذ يَعْقُوب لمس الله وانقباضه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذَا الْفَصْل شنعة على كل من سلف يقشعر مِنْهَا جُلُود أهل الْعُقُول وَبِاللَّهِ الْعَظِيم لَوْلَا أَن الله قصّ علينا كفرهم بقَوْلهمْ ﴿يَد الله مغلولة﴾ وبقولهم ﴿إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء﴾ لما نطقت ألسنتنا بحكاية هَذِه العظائم لَكنا نحكيه منكرين كَمَا نتلوه فِيمَا نَصه لنا تحذيراً من إفكهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ ذكر فِي هَذَا الْمَكَان أَن يَعْقُوب صارع الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَعَن كل شبه لخلقه فَكيف عَن لعب الصراع الَّذِي لَا يَفْعَله إِلَّا أهل البطالة وَأما أهل الْعُقُول فَلَا يَفْعَلُونَهُ لغير ضَرُورَة ثمَّ لم يكتفوا بِهَذِهِ الشُّهْرَة حَتَّى قَالُوا
стр. 103
أَن الله عجز عَن أَن يصرع بِنَصّ كَلَام توراتهم وحقق ذَلِك قَوْلهم عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ كنت قَوِيا على الله تَعَالَى فَكيف على النَّاس وَلَقَد أَخْبرنِي بعض أهل الْبَصَر بالعبرانية أَنه لذَلِك سَمَّاهُ إِسْرَائِيل إبل بلغتهم هُوَ اسْم الله تَعَالَى بِلَا شكّ وَلَا خلاف فَمَعْنَاه أسر الله تذكيراً بذلك الضَّبْط الَّذِي كَانَ بعد المصارعة إِذْ قَالَ لَهُ دَعْنِي فَقَالَ لَهُ يَعْقُوب لَا أدعك حَتَّى تبَارك عَليّ وَلَقَد ضربت بِهَذَا الْ فَصْل وُجُوه المتعرضين مِنْهُم للجدال فِي كل محفل فثبتوا على أَن نَص التَّوْرَاة أَن يَعْقُوب صارع الوهيم وَقَالَ أَن لفظ الوهيم يعبر بهَا عَن الْملك فَإِنَّمَا صارع ملكا من الْمَلَائِكَة فَقلت لَهُم سِيَاق الْكَلَام يبطل مَا تَقولُونَ ضَرُورَة أَن فِيهِ كنت قَوِيا على الله فَكيف على النَّاس وَفِيه أَن يَعْقُوب قَالَ رَأَيْت الله مُوَاجهَة وسلمت نَفسِي وَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يعجب من سَلامَة نَفسه إِذْ رأى الْملك وَلَا يبلغ من مس الْملك لما نَص يَعْقُوب أَن يحرم على بني إِسْرَائِيل أكل عروق الْفَخْذ فِي الْأَبَد من أجل ذَلِك وَفِيه أَنه سمي الْموضع بذلك فنيئيل لِأَنَّهُ قَابل إيل وَهُوَ الله بِلَا احْتِمَال عنْدكُمْ ثمَّ لَو كَانَ ملكا كَمَا تدعون عِنْد المناظرة لَكَانَ أَيْضا من الخطاء تصارع نَبِي وَملك لغير معنى فَهَذِهِ صفة المتحدين فِي العنصر لَا صفة الْمَلَائِكَة والأنبياء فَإِن قيل قد رويتم أَن نَبِيكُم صارع ركَانَة بن عبد يزِيد قُلْنَا نعم لِأَن ركَانَة كَانَ من الْقُوَّة بِحَيْثُ لَا يجد أحدا يقاومه فِي جَزِيرَة الْعَرَب وَلم يكن رَسُول الله ﷺ مَوْصُوفا بِالْقُوَّةِ الزَّائِدَة فَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ إِن صرعتني آمَنت بك وَرَأى إِن هَذَا من المعجزات فَأمره ﵇ بالتأهب لذَلِك ثمَّ صرعه للْوَقْت وَأسلم ركَانَة بعد مُدَّة فَبين الْأَمريْنِ فرق كَمَا بَين الْعقل والحمق وَلكُل مقَام مقَال وَلَكِن إِذا أكل الْمَلَائِكَة عنْدكُمْ كسور الْخبز حَتَّى تشتد بهَا قُلُوبهم والشاي وَاللَّبن وَالسمن والفطائر فَمَا يُنكر بَعضهم للصراع مَعَ النَّاس فِي الطرقات وَهَذِه مصائب شاهدة بضلالهم وخذلانهم وَصِحَّة الْيَقِين بِأَن توراتهم مبدلة
فصل
وَفِي الْفَصْل الْمَذْكُور أَن الله تَعَالَى قَالَ ليعقوب لست تدعى من الْيَوْم يَعْقُوب لَكِن إِسْرَائِيل ثمَّ فِي السّفر الثَّانِي من توراتهم قَالَ الله تَعَالَى قل لآل يَعْقُوب وَعرف بني إِسْرَائِيل فقد سَمَّاهُ بعد ذَلِك يَعْقُوب وَهَذِه نِسْبَة الْكَذِب إِلَى الله تَعَالَى
فصل
ثمَّ قَالَ وَبينا إِسْرَائِيل بذلك الْموضع ضاجع رأوبين ابْن ليئة سَرِيَّة أَبِيه بلهة وَهِي أم دَان ونفثالى وهما أَخَوَاهُ وابنا يَعْقُوب ثمَّ أكد هَذَا بِأَن ذكر فِي قرب آخر السّفر الأول ذكر موت يَعْقُوب ﵇ ومخاطبته لِبَنِيهِ ابْنا ابْنا وَأَن يَعْقُوب قَالَ لرؤابين ابْنه أَنَّك صعدت على سَرِير أَبِيك ووسخت فرَاشه وَلَيْسَ مِمَّا ابتذلت فِرَاشِي تخلص بعد أَن ذكر فِي توراتهم أَن شكيم بن حمور الحوى أَخذ دينة بنت يَعْقُوب ﵇ واضطجع مَعهَا وأذلها ثمَّ بعد ذَلِك خطبهَا إِلَى يَعْقُوب أَبِيهَا إِلَى أَن ذكر قتل لاوي وشمعون لحمور وشكيم ابْنه وَجَمِيع أهل مدينته وإنكار يَعْقُوب على ابنيه فتاهما لَهُم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ معَاذ الله أَن يخذل الله نبيه وَلَا يعصمه فِي حُرْمَة امْرَأَته وابنتيه من هَذِه الفضائح ثمَّ لَا يُنكر ذَلِك بِأَكْثَرَ من التعزيز الضَّعِيف فَقَط
стр. 104
فصل
وَبعد ذَلِك قَالَ وَأَوْلَاد يَعْقُوب اثْنَا عشر فأولاد ليئة رؤابين بكر يَعْقُوب وشمعون ولاوي ويهوذا ويساخر وزبولون وَأَبْنَاء راحيل يُوسُف وبنيامين وابنا بلهة أمة راحيل دَان ونفثالى وابنا زلفة أمة ليئة جادا وأشير هَؤُلَاءِ بني يَعْقُوب الَّذين ولدُوا لَهُ بفدان ارام
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا كذب ظَاهر لِأَنَّهُ ذكر قبل أَن بنيامين لم يُولد ليعقوب إِلَّا باقراشا بِقرب بَيت لحم على أَرْبَعَة أَمْيَال من بَيت الْمُقَدّس بعد رحيله من فدان ارام بدهر وَالله تَعَالَى لَا يتَعَمَّد الْكَذِب وَلَا ينسى هَذَا النسْيَان
فصل
وَبعد ذَلِك قَالَ وَكَانَ إِسْرَائِيل يحب يُوسُف لِأَنَّهُ كَانَ ولد لَهُ فِي شيخوخته
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذِه الْعلَّة توجب محبَّة بنيامين لِأَنَّهُ ولد لَهُ بعد يُوسُف بازيد من سِتّ سِنِين بِنَصّ توراتهم وتوجب مُشَاركَة يساكر وزبولون فِي الْمحبَّة ليوسف لِأَنَّهُ ذكر قبل هَذَا أَن يَعْقُوب قَالَ للابان خَاله خدمتك عشْرين سنة من ذَلِك أَرْبَعَة عشر سنة لابنتيك وست سِنِين لأدواتك وَذكر أَن بعد سِنِين اعطاء ليئة وَبعد سَبْعَة أَيَّام أعطَاهُ راحيل لم يكن بَينهمَا إِلَّا سَبْعَة أَيَّام وَهُوَ اسبوع ليئة فَقَط وَأَن ليئة ولدت لَهُ روابين ثمَّ شَمْعُون ثمَّ لاوي ثمَّ يهوذا ثمَّ قعدت عَن الْوَلَد وَأَن راحيل أَعْطَتْ بعد ذَلِك يعفوب أمتها بلهة فَتَزَوجهَا فَولدت لَهُ دانا ثمَّ نفثالى ثمَّ أَعْطَتْ ليئة أمتها زلفة ليعقوب فَتَزَوجهَا فَولدت لَهُ جاداً ثمَّ أُشير ثمَّ أطلقت لَهُ راحيل مماسة ليئة فِي لقاح أَخَذتهَا مِنْهَا فَولدت لَهُ راحيل يُوسُف ثمَّ بعد ولادَة يُوسُف ابْتَدَأَ يَعْقُوب بمعاملة خَاله لابان على أُجْرَة ذكرهَا لرعاية غنمه فرعاها لَهُ سِتّ سِنِين هَذَا كُله نَص توراتهم فصح أَن يُوسُف كَانَ لَهُ عِنْد تَمام السِّت سِنِين سِتّ سِنِين فَقَط بِلَا شكّ وَإِن جَمِيع أَوْلَاد يَعْقُوب حاشا بنيامين فَإِنَّمَا ولدُوا وَلَا بُد فِي السَّبع سِنِين الَّتِي كَانَت قبل السِّت سِنِين الْمَذْكُورَة بِلَا شكّ وَالْأَوْلَاد سَبْعَة فَفِي كل عشرَة أشهر ولدت ولدا لَا يُمكن أقل من هَذَا فَلَا شكّ فِي أَن زابولون لَا يزِيد على يُوسُف إِلَّا سنة وَاحِدَة فَقَط وَلَا يزِيد عَلَيْهِ يساكر إِلَّا سنتَيْن فَقَط وَأَقل هَذَا على أَن تلغى الْمدَّة الَّتِي ذكرنَا أَن ليئة قعدت فِيهَا عَن الْوَلَد والمدة الَّتِي اعتزلها فِيهَا يَعْقُوب وَلَا بُد أَن لَهَا مِقْدَارًا مَا فعلى هَذَا فزابلون ويوسف ولدا مَعًا والمدة تضييق عَن هَذِه الْقِسْمَة فَفِي هَذَا الْخَبَر كذب مَقْطُوع بِهِ ضَرُورَة وَلَا بُد وَلَا يجوز قَلِيل الْكَذِب وَلَا كَثِيره على الله تَعَالَى وَلَا على نَبِي من الْأَنْبِيَاء فصح أَنَّهَا مفتعلة مبدلة وَلَو كَانَ لهَذَا الْخَبَر وَجه وَإِن غمض ومخرج وَإِن بعد أَو أمكنت فِيهِ حِيلَة أَو سَاغَ فِيهِ تَأْوِيل مَا ذَكرْنَاهُ ونسأل الله الْعَافِيَة وَفِي توراتهم عِنْد ذكر أَوْلَاد عيسو خبال شَدِيد وتخليط فِي الْأَسْمَاء والوالدات إِلَّا أَنه رُبمَا خرج على وُجُوه بعيدَة ضَعِيفَة فَلم نعتن بإيراده لذَلِك وَلَكِن نبهنا عَلَيْهِ فَالْأَظْهر الْأَغْلَب فِيهِ الْكَذِب وَأَنه إِيرَاد جَاهِل بِتِلْكَ الْقَضِيَّة بِلَا شكّ
стр. 105
فصل
ثمَّ ذكر بيع إخْوَة يُوسُف ليوسف وَأَن إخْوَته كَانُوا مُجْتَمعين حِينَئِذٍ يرعون أذوادهم ثمَّ قَالَ وَفِي ذَلِك الزَّمَان اعتزل يهوذا عَن إخْوَته وَكَانَ مَعَ رجل من أهل عدلام يَدعِي اسْمه حيرة فَبَصر فِي ذَلِك الْموضع بابنة رجل كنعاني اسْمه شوع فَتَزَوجهَا وضاجعها فَحملت وَولدت ولدا اسْمه عيرًا ثمَّ حملت وَوضعت ثَانِيًا وَسَماهُ أنان ثمَّ حملت وَوضعت وسمته شيلة ثمَّ أَمْسَكت عَن الْوَلَد فزوج يهوذا عيرًا بكر وَلَده امْرَأَة وَكَانَ عيرًا بكر يهذا مذنباً بَين يَدي السَّيِّد وَلذَلِك قتل فَقَالَ يهوذا لِابْنِهِ أونان أَدخل إِلَى امْرَأَة أَخِيك وضاجعها لتحي نَسْله فَلَمَّا علم أَنه لَا ينْسب إِلَيْهِ من ولد لَهُ مِنْهَا دخل إِلَى مرأة أَخِيه وَكَانَ يعْزل عَنْهَا لِئَلَّا يُولد لِأَخِيهِ مِنْهُ وَلذَلِك أهلكه السَّيِّد للفاحشة الَّتِي اطلع عَلَيْهَا مِنْهُ فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ يهوذا لثامار كنته كوني أرملة فِي بَيت أَبِيك إِلَى أَن يكبر ابْني شيلة وَكَانَ يتَوَقَّع أَن يُصِيبهُ من الْمَوْت مَا أصَاب أَخَاهُ إِن ضاجعها فسكنت فِي بَيت أَبِيهَا وَبعد أَيَّام كَثِيرَة توفيت بنت شوع امْرَأَة يهوذا فتصبر يهوذا وتسلى عَنهُ حزنها وَتوجه إِلَى جزار أغنامه مَعَ حيرة صديقه العدلامي إِلَى تمنة وَقيل لثامار إِن خنتك صاعد إِلَى تمنة ليجز أغنامه فَأَلْقَت عَن نَفسهَا ثِيَاب الأرامب وتقنعت وَقَعَدت فِي مجمع الطّرق المسلوكة إِلَى تمنة فعلت ذَلِك مذ كبر شيلة وَلم تزوج مِنْهُ فَلَمَّا رَآهَا يهوذا ظَنّهَا زَانِيَة وَكَانَت غطت وَجههَا لِئَلَّا تعرف فَمَال إِلَيْهَا وَقَالَ ائذني لي فِي مضاجعتك وَكَانَ يجهل أَنَّهَا كنته فَقَالَت لَهُ مَاذَا تُعْطِينِي إِن أمكنتك من مضاجعتي قَالَ لَهَا أبْعث إِلَيْك جدياً من الْغنم فَقَالَت نعم إِن أَعْطَيْتنِي رهنا إِلَى أَن تبْعَث مَا وعدت فَقَالَ لَهَا يهوذا وَمَا أرهنه لَك قَالَت أرهن لي خاتمك وحزامك والعصا الَّتِي بِيَدِك فحبلت من مضاجعة وَاحِدَة ثمَّ انْطَلَقت وَأَلْقَتْ الشكل الَّتِي كَانَت فِيهِ وعادت إِلَى شكل الأرامل وَبعث يهوذا الجدي مَعَ صديقه العدلامي ليَأْخُذ من الْمَرْأَة الرَّهْن الَّذِي وَضعه عِنْدهَا فَسَأَلَ عَنْهَا إِذْ لم يجدهَا من سكان ذَلِك الْموضع فَقَالَ أَيْن الْمَرْأَة الْقَاعِدَة فِي مجمع الطّرق فَقَالُوا لَهُ لم تكن فِي هَذَا الْموضع زَانِيَة فَانْصَرف إِلَى يهوذا فَقَالَ لَهُ لم أَجدهَا وَقَالَ لي سكان ذَلِك الْموضع لم تكن هَهُنَا زَانِيَة فَقَالَ لَهُ يهوذا تَأْخُذ مَا عِنْدهَا مَخَافَة ان تكون ضحكة فَإِنِّي قد أرْسلت الجدي إِلَيْهَا وَأَنت تَقول لم أَجدهَا وَبعد ثَلَاثَة أشهر قيل ليهوذا إِن كنتك ثامار قد زنت وَقد بدا بَطنهَا يظْهر فَقَالَ يهوذا أخرجوها لتحرق فَلَمَّا أخرجت بعثت إِلَى يهوذا إِنَّمَا حبلت من الَّذِي لَهُ هَذَا فاعرف هَذَا الْخَاتم والزنار والعصا فَلَمَّا عرف قَالَ هِيَ أعدل مني إِذْ منعتها شيلة وَلَدي وَلم يضاجحعها بعد ذَلِك فَلَمَّا أدركتها الْولادَة ظهر فِيهَا توأمان فَفِي وَقت خروجهما بدر أَحدهمَا وَأخرج يَده فَربطت الْقَابِلَة فِي يَده خيطاً أرجواناً وَقَالَت هَذَا يخرج أَولا فَأدْخل يَده إِلَى تفسه وَأخرج الْوَلَد الآخر فَقَالَت لَهُ الْقَابِلَة لم افترضت أَخَاك فَسُمي فارصاً وَبعده خرج الَّذِي ربط فِي
стр. 106
يَده الْخَيط الأرجوان وَسمي زارح تمّ الْفَصْل قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ ثمَّ بعد فُصُول وقصص ذكر أَوْلَاد يَعْقُوب المولودين بالشأم الَّذين دخلُوا مَعَه مصر إِذْ بعث يُوسُف ﵇ فيهم كلهم فَذكر يهوذا وبنيه الثَّلَاثَة الْأَحْيَاء شيلة وفارص وزارح وَذكر لفارص هَذَا نَفسه اثْنَيْنِ وهما حصرون وحامول ابْنا فارص ابْن يهوذا الْمَذْكُور قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَفِي هَذَا الْكَلَام عَار وفضيحة مكذوبة وَكذب فَاحش مفرط الْقبْح فَأَما الْعَار فَالَّذِي ذكر عَن يهوذا من طلبه الزِّنَا بِامْرَأَة لقيها فِي الطَّرِيق على أَن يُعْطِيهَا جدياً ثمَّ جوره فِي الحكم عَلَيْهَا بالحرق فَلَمَّا علم أَنه صَاحب الْخصْلَة أسقط الحكم عَن نَفسه وعنها ثمَّ شنعة أُخْرَى وَهِي قَوْله إِن ونان بن يهوذا لما عرف أَنه لَا ينْسب إِلَيْهِ من يُولد لَهُ من امْرَأَته الَّتِي تزَوجهَا بعد موت أَخِيه جعل يعْزل عَنْهَا وَهَذَا عجب جدا أَن تَلد امْرَأَة رجل من زَوجهَا من لَا ينْسب إِلَيْهِ لَكِن إِلَى غَيره مِمَّن قد مَاتَ قبل أَن يَتَزَوَّجهَا هَذَا فَلَعَلَّ فيهم الْآن ولادات وأنساب فِي كتبهمْ مثل هَذِه فَهَذِهِ وَالله أُمُور سمجة ثمَّ دع يهوذا فَلَيْسَ بنبيا وَلَا يُنكر مِمَّن لَيْسَ نَبيا مثل هَذَا إِنَّمَا الشَّأْن كُله وَالْعجب فِي أَنهم مطبقون بأجمعهم قطعا على أَن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ بن أشماي بن عونين بن يوغز بن بشاي بن مخشون ابْن عمينا ذاب بن نورام بن حصرون بن فارص الْمَذْكُور ابْن يهوذا فَجعلُوا الرسولين الفاضلين مولودين من تِلْكَ الْولادَة الخبيثة رَاجِعين إِلَى ولادَة الزِّنَا ثمَّ أقبح مَا يكون الزِّنَا رجل مَعَ امْرَأَة وَلَده حاشى لله من هَذَا الْإِفْك المفتري وَلَقَد قَالَ لي بَعضهم إِذْ قَرّرته على هَذَا الْفَصْل إِن هَذَا كَانَ مُبَاحا حِينَئِذٍ فَقلت لَهُ فَلم امْتنع من مضاجعتها بعد ذَلِك وَكَيف يكون مُبَاحا وَهِي لم تعرفه بِنَفسِهَا وَلَا عرفهَا عِنْد تِلْكَ الْمُعَامَلَة الخبيثة بالجدي المسخوط وَالرَّهْن الملعون وَإِنَّمَا وَطئهَا على أَنَّهَا زَانِيَة إِذا اغتلم إِلَيْهَا لَا على أَنَّهَا امْرَأَة الْمَيِّت وَلَده إِلَّا إِن قُلْتُمْ إِن الزِّنَا جملَة كَانَ مُبَاحا حِينَئِذٍ فقد قرت عيونكم فَسكت خزيان كالحاً وتالله مَا رَأَيْت أمة تقر بِالنُّبُوَّةِ وتنسب إِلَى الْأَنْبِيَاء مَا ينْسبهُ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة فَتَارَة ينسبون إِلَى إِبْرَاهِيم ﵇ أَنه تزوج إِلَى أُخْته فَولدت لَهُ إِسْحَق ﵉ ثمَّ ينسبون إِلَى يَعْقُوب أَنه تزوج امْرَأَة فدست إِلَيْهِ أُخْرَى لَيست امْرَأَته فَولدت لَهُ أَوْلَادًا مِنْهُم انتسل مُوسَى وَهَارُون وَسليمَان وَغَيرهم من الْأَنْبِيَاء ﵈ ثمَّ ينسبون إِلَى روبان بن يَعْقُوب أَنه زنى بربيبته زوج النَّبِي أَبِيه وَأم أَخَوَيْهِ ثمَّ ينسبون إِلَى نبيه يَعْقُوب ﵇ أَنه فسق بهَا كرها وافتضها غَلَبَة ثمَّ ينسبون إِلَى يهوذا مَا ذكرنَا من زِنَاهُ بِامْرَأَة ولديه فحبلت وَولدت من الزِّنَا ولدا مِنْهُ انتسل دَاوُد وَسليمَان ﵉ ثمَّ ينسبون إِلَى يُوشَع بن نون أَنه تزوج رحب الزَّانِيَة الْمَشْهُورَة الموقفة نَفسهَا للزِّنَا لكل من دب وهب فِي مَدِينَة أرِيحَا ثمَّ ينسبون إِلَى عمرَان بن فهث بن لاوي أَنه تزوج عمته أُخْت وَالِده وَاسْمهَا يوحانذ ولدت لجده بِمصْر فولد لَهُ مِنْهَا هَارُون
стр. 107
ومُوسَى ﵉ هَكَذَا ذكر نَسَبهَا فِي قرب آخر السّفر الرَّابِع ثمَّ ينسبون دَاوُد ﵇ أَنه زنى جهاراً بِامْرَأَة رجل من جنده مُحصنَة وَزوجهَا حَيّ وَأَنَّهَا ولدت مِنْهُ من ذَلِك الزِّنَا ابْنا ذكرا ثمَّ مَاتَ ذَلِك الفرخ الطّيب ثمَّ تزَوجهَا وَهِي أم سُلَيْمَان ابْن دَاوُد ﵉ ثمَّ ينسبون إِلَى أمثون بن دَاوُد ﵉ أَنه فسق بسراري أَبِيه عَلَانيَة أَمَام النَّاس ثمَّ ينسبون إِلَى سُلَيْمَان ﵇ العهر وَأَنه تزوج نسَاء لَا يحل لَهُ زواجهن وَأَنه بنى لَهُنَّ بيُوت الْأَوْثَان وَقرب لَهُنَّ القرابين للأوثان مَعَ مَا ذكرنَا قبل وَنَذْكُر إِن شَاءَ الله تَعَالَى من نسبتهم إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْحَق وَيَعْقُوب ويوسف ﵈ وَلَكِن أَيْن هَذَا مِمَّا فِي توراتهم من نسبتهم لعب الصراع إِلَى الله تَعَالَى مَعَ يَعْقُوب وَالْكذب المفضوح فِيمَا وعده وَأخْبر بِهِ فعلى من يصدق بِشَيْء من كل هَذَا الْإِفْك لعنة الله وغضبه فَأُعْجِبُوا لعَظيم كفر هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَمَا افتراه الْكَفَرَة أسلافهم الإنتان على الله تَعَالَى وعَلى رسله ﵈ ثمَّ على كل كتاب حقق فِيهِ شيءٌ من هَذَا وعَلى كَاتبه لعنة الله وغضبه عدد كل شيءٍ خلق الله فأحمدوا الله معاشر الْمُسلمين على مَا هدَاكُمْ لَهُ من الْملَّة الزهراء الَّتِي لم يشبها تَبْدِيل وَلَا تَحْرِيف وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَأما الكذبة الْفَاحِشَة المفضوحة الَّتِي هِيَ من الْمحَال الْمَحْض والافتراء الْمُجَرّد فَهُوَ مَا أذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فتأملوه تروا عجبا ذكر فِي توراتهم نصا أَن يهوذا بن يَعْقُوب كَانَ مَعَ إخْوَته يرعون أذوادهم إِذْ باعوا أَخَاهُم يُوسُف وَأَن يهوذا أَشَارَ عَلَيْهِم بِبيعِهِ وإخراجه من الْجب ليخلصه بذلك من الْمَوْت ثمَّ ذكر بعد ذَلِك أَن يهوذا اعتزل عَن إخْوَته وَصَارَ مَعَ حيرة العدلامي وَرَأى ابْنة رجل كنعاني اسْمه شوع فَتَزَوجهَا وَولدت لَهُ ولد اسْمه عير ثمَّ ولدا آخر اسْمه أونان ثمَّ ولدا آخر اسْمه شيلة كَمَا ذكرنَا آنِفا حرفا حرفا وَذكر بعد ذَلِك أَن عير تزوج امْرَأَة اسْمهَا ثامار وَدخل بهَا وَكَانَ مذنباً وَلذَلِك قَتله الله تَعَالَى فَزَوجهَا من أَخِيه أونان فَكَانَ يعْزل عَنْهَا فَمَاتَ لذَلِك وَبقيت أرملة ليكبر شيلة وَتزَوج مِنْهُ وَأَن شيلة كبر وَلم تزوج مِنْهُ وَقد اعْترف بذلك يهوذا إِذْ قَالَ هِيَ أعدل مني إِذْ منعتها شيلة ابْني وَذكر بعد ذَلِك أَنَّهَا تحيلت حَتَّى زنت بيهوذا نَفسه وَالِد زَوجهَا وحبلت مِنْهُ وَولدت مِنْهُ توءمين فارص وزارح كَمَا ذكرنَا قبل ثمَّ ذكر بعد ذَلِك نسل يَعْقُوب وَأَوْلَاد أَوْلَاده المولودين بِالشَّام ودخلوا مَعَه مصر فَذكر فيهم حصرون وحامول ابْني فارص بن يهوذا فاضبطوا هَذَا وَذكر فِي توراتهم أَن يُوسُف ﵇ إِذْ بلغ سِتّ عشرَة سنة كَانَ يرْعَى ذوداً مَعَ إخْوَته عِنْد أَبِيه وَأَنَّهُمْ باعوه فصح أَنه كَانَ ابْن سبع عشرَة سنة إِذْ باعوه وَهَكَذَا ذكر فِي توراتهم ثمَّ ذكر فِي توراتهم أَن يُوسُف ﵇ كَانَ إِذا دخل على فِرْعَوْن وَفسّر لَهُ رُؤْيَاهُ فِي الْبَقَرَات والسنابل وولاه أَمر مصر ابْن ثَلَاثِينَ سنة ثمَّ ذكر فِي توراتهم أَن يُوسُف ﵇ كَانَ إِذْ دخل أَبوهُ مصر مَعَ جَمِيع أَهله ابْن تسع وَثَلَاثِينَ سنة هَذَا مَنْصُوص فِيهَا بِلَا خلاف من وَاحِد مِنْهُم فصح يَقِينا أَنه لم يكن بَين دُخُول يَعْقُوب مَعَ نَسْله مصر وَبَين بيع يُوسُف إِلَّا اثْنَان وَعِشْرُونَ سنة وَرُبمَا أشهر يسيرَة زَائِدَة لَا أقل وَلَا أَكثر هَذَا حِسَاب ظَاهر لَا يخفى على جَاهِل وَلَا عَالم وَقد
стр. 108
ذكر فِي توراتهم أَن فِي هَذِه الْمدَّة تزوج يهوذا بنت شوع وَولدت لَهُ ولدا ثمَّ ثَانِيًا ثمَّ ثَالِثا وَأَن الْأَكْبَر بلغ فزوج زَوْجَة ثمَّ مَاتَ بِعَدَد دُخُوله بهَا فزوجت بعده من أَخِيه فَكَانَ يعْزل عَنْهَا فَمَاتَ وَبقيت مُدَّة حَتَّى كبر الثَّالِث وَلم تزوج مِنْهُ فزنت بيهوذا وَالِد زَوجهَا فولد لَهُ مِنْهَا توءمان ثمَّ ولد لأحد ذَيْنك التوءمين ابْنَانِ وَهَذَا محَال مُمْتَنع لَا خَفَاء بِهِ لَا يُمكن الْبَتَّةَ فِي طبيعة بني بشر وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ فِي الجبلة والبنية بِوَجْه من الْوُجُوه هبك أَن يهوذا اعتزل عَن إخْوَته وَتزَوج بنت شوع بائر بيع يُوسُف بِيَوْم وحبلت زَوجته وَولدت لَهُ الْوَلَد الْأَكْبَر فِي عامها الثَّانِي ثمَّ الثَّانِي فِي عَام آخر ثمَّ الثَّالِث فِي عَام ثَالِث وهبك أَن الْأَكْبَر زوج وَله اثْنَا عشر عَاما من جملَة اثْنَيْنِ وَعشْرين عَاما وَبَقِي مَعهَا مَا بَقِي ثمَّ زوجت منن الثَّانِي وَله اثْنَا عشر عَاما فَبَقيَ يعْزل عَنْهَا لِئَلَّا ينْسب إِلَى أَخِيه من يُولد لَهُ مِنْهَا ثمَّ مَاتَ وَبقيت تنْتَظر أَن يكبر شيلة وَتزَوج مِنْهُ حَتَّى طَال عَلَيْهَا وَرَأَتْ أَنه قد كبر وَلم تزوج مِنْهُ وَهَذَا لَا يكون الْبَتَّةَ فِي أقل من عَام فَهَذِهِ أَرْبَعَة عشر عَاما ثمَّ زنت بيهوذا فَحملت فَولدت فَهَذَا عَام أَو أقل بِيَسِير فَلم يبْق من الِاثْنَيْنِ وَعشْرين عَاما إِلَّا سَبْعَة أَعْوَام إِلَى ثَمَانِيَة أَعْوَام لَا أَكثر الْبَتَّةَ فَمن الْمحَال الْمُمْتَنع فِي الْعقل أَن يُوجد لرجل ابْن ثَمَان سنَن أَو سبع سِنِين ولدان مَا رَأَيْت أَجْهَل بِالْحِسَابِ من الَّذِي عمل لَهُم التَّوْرَاة وحاشى لله أَن يكون هَذَا الْخَبَر الْبَارِد الْكَاذِب عَن الله تَعَالَى أَو عَن مُوسَى ﵇ وَلَا عَن إِنْسَان يعقل مَا يَقُول ويستحي من تعمد الْكَذِب الفاضح ونسأل الله الْعَافِيَة
فصل
وَبعد ذَلِك ذكر عدد بني يَعْقُوب المولودين بالشأم عِنْد خَاله لابان الداخلين مَعَه مصر فَذكر الَّذين ولدت لَهُ ليئة وهم سِتّ ذُكُور وَابْنَة وَاحِدَة وَذكر أَوْلَاد هَؤُلَاءِ السِّتَّة وَسَمَّاهُمْ فَذكر لرأوبين أَرْبَعَة ذُكُور ولشمعون سِتَّة ذُكُور وللاوي ثَلَاثَة ذُكُور وليهوذا ثَلَاثَة ذُكُور وَابْني ابْن لَهُ فهم خَمْسَة وليساخر أَرْبَعَة ذُكُور ولزابلون ثَلَاثَة ذُكُور الْمُجْتَمع من بني ليئة فِي نَص توراتهم بعقب تسميتهم هَؤُلَاءِ بَنو ليئة وَعدد أَوْلَادهَا وبناتها ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ هَكَذَا نَص توراتهم وَهَذَا خطاء فِي الْحساب تَعَالَى الله عَن أَن يخطىء فِي الْحساب أَو أَن يخطىء فِيهِ مُوسَى ﵇ فصح أَنَّهَا من توليد جَاهِل غث أَو من عابث سخر بهم وكشف سواءتهم
فصل
ثمَّ ذكر بعد هَذَا أَوْلَاد راحيل فَذكر يُوسُف وبنيامين وبنيهما قَالَ وهم أَرْبَعَة عشر وَذكر أَوْلَاد زلفي عَاد وَأَشَارَ وبنيهما قَالَ وهم سِتَّة عشر وَذكر أَوْلَاد بلهة دَان نفتالى وبنيهما قَالَ وهم سَبْعَة ثمَّ وصل ذَلِك بِأَن قَالَ وَعدد نسل يَعْقُوب الَّذين دخلُوا مَعَه مصر سوى نسَاء أَوْلَاده سِتَّة وَسِتُّونَ وابنا يُوسُف اللَّذَان ولدا لَهُ بِمصْر اثْنَان فَجَمِيع الداخلين مصر سَبْعُونَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا خطأ فَاحش لِأَن الْمُجْتَمع من الْأَعْدَاد الْمَذْكُورَة تِسْعَة وَسِتُّونَ فَإِذا سَقَطت مِنْهُم وَلَدي يُوسُف اللَّذَان ولدا لَهُ بِمصْر بَقِي سَبْعَة وَسِتُّونَ وَهُوَ يَقُول سِتَّة وَسِتُّونَ فَهَذِهِ كذبة ثمَّ قَالَ فَجَمِيع الداخلين مَعَه إِلَى مصر سَبْعُونَ فَهَذِهِ كذبة ثَانِيَة وَقد قدمنَا أَن الَّذِي عمل لَهُم التَّوْرَاة كَانَ ضَعِيف البصارة بِالْحِسَابِ وَلَيْسَت هَذِه صفة الله وَلَا صفة من مَعَه مسكة عقل تردعه عَن الْكَذِب وتعمده على الله تَعَالَى وَعَن تكلّف
стр. 109
مَا لَا يحسن وَلَا يقوم بِهِ وَذكر فِي هَذَا الْ فَصْل قصَّة أُخْرَى فِيهَا الِاعْتِرَاض إِلَّا أَنَّهَا تخرج على وَجه مَا فَلذَلِك لم نفرد لَهَا فصلا وَهِي أَنه ذكر أَوْلَاد بنيامين فَقَالَ بالع وباكر واشبيل واجير ونعمان وابجي وروش ومفيم وحفيم وَارِد ثمَّ ذكر فِي السّفر الرَّابِع من توراتهم فَذكر بالع واشبيل واجير ومفيم وحفيم فَقَط ثمَّ قَالَ وابنا بالع ازد ونعمان ابْني بالع فَإِن لم يكن هَذَا على أَنه لم ينسل من أُولَئِكَ الْعشْرَة إِلَّا خَمْسَة الَّذين ذكرهم فِي الرَّابِع وَإِن ازد ونعمان ابْني بالع هما غير ازد ونعمان ابْني بنيامين وَإِلَّا فَهِيَ كذبة وَقد قُلْنَا إِن كل مَا يُمكن تَخْرِيجه بِوَجْه وَإِن بعد فلسنا نخرجهُ فِي فضائح كِتَابهمْ المكذوب
فصل
ثمَّ ذكر بركَة يَعْقُوب ﵇ على بنيه وَأَنه وضع يَده الْيُمْنَى على رَأس افرايم ابْن يُوسُف واليسرى على رَأس منسي بن يُوسُف وَإِن ذَلِك شقّ على يُوسُف ﵇ وَقَالَ لَا يحسن هَذَا يَا أَبَت لِأَن هَذَا بكر وَلَدي فَاجْعَلْ يَمِينك عَن رَأسه يَعْنِي منسي فكره ذَلِك يَعْقُوب وَقَالَ علمت يَا بني علمت وستكثر ذُرِّيَّة هَذَا وتعظم وَلَكِن أَخُوهُ الْأَصْغَر يكون أَكثر مِنْهُ نَسْلًا وعدداً يَعْنِي أَن افرايم يكون عدد نَسْله أَكثر من عدد نسل منسي ثمَّ ذكر فِي مصحف يُوشَع أَن بني منسي كَانُوا إِذا دخلُوا الشَّام وَقسمت عَلَيْهِم الأَرْض اثْنَيْنِ وَخمسين ألف مقَاتل وَسَبْعمائة وَإِن بني أفرايم كَانُوا حِينَئِذٍ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألفا وَخَمْسمِائة وَذكر فِي كتاب لَهُم مُعظم عِنْدهم اسْمه سفطيم أَنه ذكر بني إِسْرَائِيل قبل دَاوُد ﵇ أَرْبَعَة من مُلُوك بني منسي وَأَرْبَعَة من بني أفرايم وَأَن من جملَة بني منسي الْمَذْكُورين رجلا اسْمه مِفْتَاح بن علفاذ قتل من بني أفرايم اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين ألف مقَاتل حَتَّى كَاد يَسْتَأْصِلهُمْ وَفِي كتاب لَهُم آخر مُعظم عِنْدهم أَيْضا اسْمه ملاخيم أَنه ملك عشرَة أَسْبَاط من بني إِسْرَائِيل بعد سُلَيْمَان ﵇ إِلَى أَن ذهب الأسباط الْمَذْكُورين وَسبوا من بني أفرايم ملكَيْنِ كَانَت مدتهما جَمِيعًا سِتَّة وَعشْرين سنة فَقَط وهما باريعام وَابْنه باباط ووليهم من بني منشا خَمْسَة مُلُوك واتصلت دولتهم مائَة عَام وعامين وهم زحربا بن يربعم بن يؤاش بن يَهو ياحاز بن يَهو كلهم ملك بن ملك بن ملك بن ملك بن ملك وَلم يكن فِيمَن ملك الأسباط الْعشْرَة أقوى ملكا من هَؤُلَاءِ المنشانين وَهَذَا ضد قَول يَعْقُوب الَّذِي حكوه عَنهُ وحاشى لله أَن يكذب نَبِي فِيمَا ينذر بِهِ من الله فَإِن قَالُوا إِن يُوشَع بن نون وربور انسه وملحي المورشي النَّبِي كلهم كَانَ من بني أفرايم وَكَانَ بَنو أفرايم إِذْ أخرجُوا من مصر أَرْبَعِينَ ألف مقَاتل وَخَمْسمِائة مقَاتل ومائتي مقَاتل وَكَانَ بَنو منشا يَوْمئِذٍ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألف مقَاتل ومائتي مقَاتل قُلْنَا لم تَذكرُوا أَن يَعْقُوب قَالَ يكون الشّرف فِي نسل أفرايم إِنَّمَا حكيتم أَنه قَالَ إِن أفرايم يكون أَكثر نَسْلًا وعددا من منشا على التَّأْبِيد والعموم وإيصال الْبركَة لَا على وَقت خَاص قَلِيل ثمَّ يعود الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك فَتبْطل الْبركَة وَيصير الْمُبَارك مُدبرا وَالْمُدبر مُبَارَكًا فِي الْأَبَد
فصل
ثمَّ ذكر عَن يَعْقُوب ﵇ أَنه قَالَ لرأوبين فِي ذَلِك الْوَقْت أَنْت أول الْمَوَاهِب مفضل فِي الشّرف فِي الْعِزّ وَلَا تفضل منهملة مَاء
стр. 110
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا كَلَام يكذب أَوله آخِره
ثمَّ ذكر أَنه ﵇ قَالَ ليهوذا حِينَئِذٍ لَا تَنْقَطِع من يهوذا المخصرة وَلَا من نَسْله قَائِد حَتَّى يأتيني الْمَبْعُوث الَّذِي هُوَ رَجَاء الْأُمَم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا كذب قد انْقَطَعت من ولد يهوذا المخصرة وانقطعت من نَسْله القواد وَلم يَأْتِ الْمَبْعُوث الَّذِي هُوَ رجاءهم وَكَانَ انْقِطَاع الْملك من ولد يهوذا من عهد بخت نصر مذ أَزِيد من ألف عَام وَخَمْسمِائة عَام إِلَّا مُدَّة يسيرَة وَهِي مُدَّة زرباءيل بن صلثاءيل فَقَط وَقد قررت على هَذَا الْ فَصْل أعلمهم وأجدلهم وَهُوَ أشموال بن يُوسُف اللاوي الْكَاتِب الْمَعْرُوف بِابْن النفرال فِي سنة أَربع وَأَرْبَعمِائَة فَقَالَ لي لم تزل رُؤْس الجواليت ينتسلون من ولد دَاوُود وهم من بني يهوذا وَهِي قيادة وَملك ورياسة فَقلت هَذَا خطأ لِأَن رَأس الجالوت لَا ينفذ أمره على أحد من الْيَهُود وَلَا من غَيرهم وَإِنَّمَا هِيَ تَسْمِيَة لَا حَقِيقَة لَهَا وَلَا لَهُ قيادة وَلَا بِيَدِهِ مخصرة فَكيف وَبعد احرب بِابْن برام لم يكن من بني يهوذا وَال أصلا مُدَّة من سِتَّة أَعْوَام ثمَّ بعده نَشأ الملقب صدقيا بن يوشا لم يكن مِنْهُم لأحد لَهُ معِين وَلَا من يملك على أحد اثْنَيْنِ وَسبعين عَاما مُتَّصِلَة حَتَّى ولي زرباييل ثمَّ انْقَطع الْوُلَاة مِنْهُم جملَة لَا رَأس جالوت وَلَا غَيره مُدَّة وُلَاة الهارونيين ملكا ملكا مئين من السنين لَيْسَ لأحد من يهوذا فِي ذَلِك أَمر إِلَى دولة الْمُسلمين أَو قبلهَا بِيَسِير فأوقعوا اسْم رَأس الجالوت على رجل من بني دَاوُد إِلَى الْيَوْم إِلَّا أَن بعض المؤرخين القدماء ذكر أَن هردوس وابنيه وَابْن ابْنه اعريفاس بن اعريفاس كَانُوا من بني يهوذا وَالْأَظْهَر أَنهم من الرّوم عِنْد كل مؤرخ فَظهر كذب هَؤُلَاءِ الأنذال بِيَقِين وحاشى لله أَن يكذب نَبِي
فصل
ثمَّ ذكر أَن يَعْقُوب ﵇ قَالَ للاوي وشمعون سأبددهما فِي يَعْقُوب وأفرقهما فِي إِسْرَائِيل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ أما لاوي فَكَانَ نَسْله مبدداً فِي بني إِسْرَائِيل كَمَا ذكر وَأما بَنو شَمْعُون فَلَا بل كَانُوا مُجْتَمعين فِي الْبَلَد الَّذِي وَقع لَهُم كَسَائِر الأسباط وَلَا فرق وَلَيْسَ إنذار النُّبُوَّة مِمَّا يكذب فِي قصَّة وَيصدق فِي أُخْرَى هَذِه صِفَات إنذارات الْحساب القاعدين على الطّرق للنِّسَاء وَلمن لَا عقل لَهُ
فصل
وَقَالَ فِي السّفر الثَّانِي من توراتهم أَن الله تَعَالَى قَالَ لمُوسَى ﵇ قل لفرعون السَّيِّد يَقُول لإسرائيل بكر وَلَدي وَيَقُول لَك ائْذَنْ لوَلَدي ليخدمني وَإِن كرهت الْآن سأهلك بكر ولدك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا عجب ناهيك بِهِ لَيْت شعري ماذ يُنكرُونَ على النَّصَارَى بعد هَذَا وَهل طرق لِلنَّصَارَى سَبِيل الْكفْر فِي أَن يجْعَلُوا لله ولدا ونهج لَهُم طَرِيق التَّثْلِيث على مَا ذكرنَا قبل هَذَا إِلَّا هَذِه الْكتب الملعونة المبدلة إِلَّا أَن النَّصَارَى لم يدعوا بنوة لله إِلَّا لوَاحِد أَتَى بمعجزات عَظِيمَة وَأما هَذِه الْكتب السخيفة وكل من
следующие страницы →