← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من ارتضاء الرب من عدد إخوتكم وَلَا تقدمُوا أَجْنَبِيّا على أَنفسكُم إِلَى أَن قَالَ فَإِذا قعد على سَرِير ملكه فليكتب من هَذَا التّكْرَار فِي مصحف مَا يُعْطِيهِ الكوهن الْمُتَقَدّم من بني لاوي لما يشاكله وَيكون ذَلِك مَعَه فيقرأه كل يَوْم طول ولَايَته ليخاف الرب إلهه وَيذكر كِتَابه وَعَهده فَهَذَا كُله بَيَان وَاضح بِصِحَّة مَا قُلْنَا من أَن الْعشْر كَلِمَات ومصحف التَّوْرَاة إِنَّمَا كَانَ فِي الهيكل فَقَط تَحت تَابُوت الْعَهْد وَفِي التابوت فَقَط عِنْد الكوهن الْأَكْبَر وَحده لِأَنَّهُ بإجماعهم لم يكن يصل إِلَى ذَلِك الْموضع أحد سواهُ وَفِيه أَيْضا أَنه أَمر أَن يكْتب الكوهن الْمَذْكُور من السّفر الْخَامِس فَقَط شَيْئا يُمكن أَن يقرأه الْملك كل يَوْم وَمثل هَذَا لَا يكون إِلَّا يَسِيرا جدا ورقة نَحْو أَو ذَلِك مَعَ أَنهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنه لم يلْتَفت إِلَى ذَلِك أَلْبَتَّة بعد سُلَيْمَان ﵇ أحد من مُلُوكهمْ إِلَّا أَرْبَعَة أَو خَمْسَة كَمَا قدمنَا فَقَط من جملَة أَرْبَعِينَ ملكا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ فِي السّفر الْمَذْكُور ثمَّ كتب مُوسَى هَذَا الْكتاب وَيرى بِهِ إِلَى الكهنة من بني لاوي الَّذين كَانُوا يحسنون عهد الرب وَقَالَ لَهُم مُوسَى إِذا اجْتَمَعْتُمْ للتقديس بَين يَدي الرب إِلَهكُم فِي الْموضع الَّذِي تخيره الرب فاقرؤا مَا فِي هَذَا الْمُصحف فِي جمَاعَة بني إِسْرَائِيل عِنْد اجْتِمَاعهم فَقَط يسمعوا مَا يلْزمهُم قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَفِي نَص تورانهم أَنهم كَانُوا لَا يلْزمهُم الْمَجِيء إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِلَّا ثَلَاث مَرَّات فِي كل سنة فَقَط فَإِنَّمَا أَمر بِنَصّ التَّوْرَاة كَمَا أوردنا أَن يقرأه عَلَيْهِم الكوهن الهاروني عِنْد اجْتِمَاعهم فَقَط فَثَبت أَنَّهَا لم تكن إِلَّا فِي الهيكل فَقَط عِنْد الكوهن الهاروني فَقَط لَا عِنْد أحد سواهُ وَقد أوضحنا قبل أَن الْعشْرَة الأسباط لم يدْخل قطّ بَيت الْمُقَدّس مِنْهُم أحد بعد موت سُلَيْمَان ﵇ إِلَى أَن انْقَطَعُوا وَأَن بني يهوذا وبنيامين لم يجتمعوا لم يجتمعوا إِلَيْهِ إِلَّا فِي عهد الْمُلُوك الْخَمْسَة الْمُؤمنِينَ فَقَط فَظهر بِهَذَا كل مَا قُلْنَا وَصَحَّ تبديلها بِيَقِين وَلَا شكّ فِي أَن تِلْكَ الْمدَّة الطَّوِيلَة الَّتِي هِيَ أَرْبَعمِائَة سنة غير شَيْء قد كَانَ فِي الكهنة الهارونين مَا كَانَ فِي غَيرهم من الْكفْر وَالْفِسْق وَعبادَة الْأَوْثَان كَالَّذي يذكرُونَ عَن ابْني الكوهن عالى الهاروني وَغَيرهمَا مِمَّن يقرؤن فِي كتبهمْ أَنهم خدموا الْأَوْثَان وبيوتها من بني هَارُون وَبني لاوي وَمن هَذِه صفته فَلَا يُؤمن عَلَيْهِ تَغْيِير مَا ينْفَرد بِهِ وَهَذِه كلهَا براهين أَضْوَأ من الشَّمْس على صِحَة تَبْدِيل توراتهم وتحريفها قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ إِلَّا سُورَة وَاحِدَة ذكر فِي توراتهم أَن مُوسَى ﵇ أَمر بِأَن تكْتب وَتعلم جَمِيع بني إِسْرَائِيل ليحفظوها ويقوموا بهَا وَلَا يمْتَنع أحد من نسلهم من حفظهَا وَهَذَا نَصهَا حرفا بِحرف اسمعي يَا سموات قولي وَتسمع الأَرْض كَلَامي يكثر كالمطر وبل كالرذاذ كَلَامي وَيكون كالمطر على العشب وكالرذاذ على الخصب لِأَنِّي أنادي باسم الرب فيعظمه الرب الهنا الَّذِي أكمل خليقته واعتدلت أَحْكَامه الله الْأمين الَّذِي لَا يجور الْعدْل القيوم أذْنب لَدَيْهِ غير أوليائه ومحت الْأمة العاصية المستحيلة وَهَذَا شكر للرب يَا أمة جاهلة قيمَة أما هُوَ أبوكم الَّذِي خَلقكُم ومليككم فتذكروا الْقَدِيم وفكروا فِي الْأَجْنَاس وسلوا آباكم فيعلمونكم وأكابركم فيعرفونكم إِذا كَانَ يقسم الْعلي الْأَجْنَاس ويميز بَين بني آدم جعل قسْمَة الْأَجْنَاس على حِسَاب بني إِسْرَائِيل فهم الرب أمته وَيَعْقُوب قسمته وجده

стр. 142

فِي الأَرْض المقفرة وَفِي مَوضِع قَبِيح غير مسلوك فَأَطْلقهُ وَأَقْبل بِهِ وَحفظه كحفظ الشّعْر للعين وأطارهم كَمَا يستطير الْعقَاب بفراخها وتحوم عَلَيْهَا وتبسط جناحها حفظا لَهَا فَأقبل بهم وَحَملهمْ على مَنْكِبَيْه وَحده كَانَ فالرب وَحده كَانَ قائدهم وَلم يكن مَعَه إِلَه غَيره فجعلهم فِي أشرف أرضه ليأكلوا خبزها ويصيبوا عسل حجارتها وزيت جنادلها وَسمن مواشيها وَلبن ضأنها وشحوم خرفانها وكباش بني بِلِسَان وَلُحُوم التيوس ولباب البرودم الْعِنَب وتعاصوا سمنوا ودبروا وأشعوا ثمَّ تخلوا من الله خالقهم وَكَفرُوا بِاللَّه مسلمهم فألجوه لعبادتهم الْأَوْثَان إِلَى أَن سخط عَلَيْهِم ولسجودهم للشَّيْطَان لَا لله ولسجودهم لألهة بالأجناس كَانُوا يجهلونها وَلم يعدها قبلهم آباؤهم فتحلوا من الله الَّذِي ولدهم فنسوا الرب خالقهم فَبَصر الرب بِهَذَا وَغَضب لَهُ إِذْ تخلى بنوه وَبنَاته فَقَالَ اخفي وَجْهي عَنْهُم حَتَّى أعلم آخر أَمرهم فَإِنَّهَا أمة كَافِرَة عاصية وَقد أسخطوني بِعبَادة من لَيْسَ إِلَهًا وأغضبوني بفواحشهم وسأغيرهم على يَدي أمة ضَعِيفَة وأخف بهم على يَدي أمة جاهلة ويتقدم غَضَبي نَار تحرق إِلَى الْهَوَاء فتأتي على الأَرْض بمعاتسته وَتذهب أصُول الْجبَال فأجمع عَلَيْهِم بأسى وأثقبهم بنبلي وأهلكهم جوعا وأجعلهم طعماً للطير وأسلط عَلَيْهِم أَنْيَاب السبَاع وأعصب عَلَيْهِم الْحَيَاة فَإِن برزوا أهلكتهم رماحاً وَإِن تحَصَّنُوا أهلكت الشَّاب مِنْهُم والعذار والطفل وَالشَّيْخ رعْبًا حَتَّى أَقُول أَيْن هم فأقطع من الأَرْض ذكرهم لكني رفهت عَنْهُم لشدَّة حرد أعدائهم لِئَلَّا يزهوا ويقولوا أَيْدِينَا القوية فعلت لَا الرب فَهَذِهِ الْأمة لَا رأى لَهَا وَلَا تَمْيِيز فليتها عرفت وفهمت وأبصرت مَا يُدْرِكهَا فِي آخر أمرهَا كَيفَ يتبع وَاحِد مِنْهُم ألفا ويفر عَن اثْنَيْنِ عشرَة آلَاف أما هَذَا بِأَن رَبهم أسلمهم وربهم أعلق فيهم لَيْسَ إلهنا مثل آلِهَتهم وَصَارَ حكما كرمهم من كرم سدوم وعناقيدهم من أرباض عامورا فعناقيدهم عناقيد المرارة وشرابهم مرَارَة الثعابين وَمن السم الَّذِي لَا دَوَاء لَهُ أما هَذَا فِي علمي ومعروف فِي خزائني لي الانتقام وَأَنا أكافئ فِي وقته فترهق أَرْجُلكُم فَكَانَ قد حَان وَقت خرابهم وَإِلَى ذَلِك تسرع الْأَزْمِنَة سيحكم الرب على أمته وَيرْحَم عبيده إِذا أبصرهم قد ضعفوا وأغلق عَلَيْهِم وذهبوا وَذهب أواخرهم وَقَالَ أَيْن آلِهَتهم الَّتِي يَتَّقُونَ الَّتِي يَتَّقُونَ ويأكلون من قُرْبَانهمْ وَيَشْرَبُونَ مِنْهُ فليقوموا وليغيثوهم فِي وَقت حَاجتهم فتبصروا تبصروا أَنا وحدي وَلَا إِلَه غَيْرِي أَنا أميت وَأَنا أحيي وَأَنا أمرض وأناأبرئ وَلَا يتَخَلَّص شيئ من يَدي فأرفع إِلَى السَّمَاء يَدي وَأَقُول بحياتي الدائمة لَئِن حددت رُمْحِي كالصاعقة وابتدأت يَمِيني بالجكم لَا كافاني أعدائي وَأهل السنان وَلَا سكرن نبلى دَمًا وَلَا قطعن برمحي لحوما فامدحوا يَا معشر الْأَجْنَاس أمة فَإِنَّهُ سيأخذ بدماء عبيده وينتقم من أعدائهم وَيرْحَم أَرضهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذِه السُّورَة الَّتِي أبيحت لَهُم وَأمرُوا بحفظها وكتابتها لَا مَا سواهَا بِنَصّ توراتهم بزعمهم وَقد بَينا قبل أَنهم لم يشتغلوا بعد موت سُلَيْمَان ﵇ لَا بِهَذِهِ السُّورَة وَلَا بغَيْرهَا إِلَّا مُدَّة الْمُلُوك الْخَمْسَة فَقَط لأَنهم قد عبدُوا كلهم الْأَوْثَان وَقتلُوا الْأَنْبِيَاء وأخافوهم وشردوهم هَذَا مَا لَا يشك فِيهِ كَافِر وَلَا مُؤمن على أَن فِي هَذِه السُّورَة من الفضائح مَا لَا يجوز أَن ينْسب إِلَى الله مثل قَوْله إِن الله تَعَالَى هُوَ أبوهم الَّذِي ولدهم وَأَنَّهُمْ بنوه وَبنَاته حاش لله من هَذَا وَهل طرق لِلنَّصَارَى وَسَهل

стр. 143

عَلَيْهِم أَن يجْعَلُوا لله ولدا إِلَّا مَا وجدوا فِي هَذِه الْكتب الملعونة المكذوبة المبدلة بأيدي الْيَهُود وَلَيْسَ فِي الْعجب أَكثر من أَن يجعلهم أنفسهم أَوْلَاد الله تَعَالَى وكل من عرفهم يعرف أَنهم أوضر الْأُمَم بزَّة وأبردهم طلعة وأغثهم مقاطع وأتمهم خبثاً وَأَكْثَرهم غشاً وأجبنهم نفوساً وأشدهم مهانة وأكذبهم لهدة وأضعفهم همة وأرعنهم شمائل بل حاش لله من هَذَا الاختبار الْفَاسِد وَمثل قَوْله فِي هَذِه السُّورَة أَنه تَعَالَى حملهمْ على مَنْكِبَيْه وَمثل قَوْله أَنه قسم الْأَجْنَاس من بني آدم وَجعل قسْمَة الْأَجْنَاس على حِسَاب بني إِسْرَائِيل وجعلهم سَهْمه فَهَذَا كذب ظَاهر حاش لله مِنْهُ لِأَن أَوْلَاد بني إِسْرَائِيل اثْنَا عشر فعلى هَذَا يجب أَن يكون أَجنَاس بني آدم اثْنَي عشر وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَإِن كَانَ عني من تناسل من بني إِسْرَائِيل فكذب حِينَئِذٍ أشنع وأبشع لِأَن عَددهمْ لَا يسْتَقرّ على قدر وَاحِد بل كل يَوْم يزِيدُونَ وينقصون بِالْولادَةِ وَالْمَوْت هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ فَكل هَذِه براهين وَاضِحَة بِأَنَّهَا محرفة مبدلة مكذوبة فَإذْ هِيَ كَذَلِك فَلَا يجوز الْبَتَّةَ فِي عقل أحد أَن يشْهد فِي تَصْحِيح شَرِيعَة وَلَا فِي نقل معْجزَة وَلَا فِي إِثْبَات نبوة بِنَقْل مَكْذُوب مفتري مَوْضُوع هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ وَقد قُلْنَا أَو نقُول أَن نقل الْيَهُود فَاسد مَدْخُول لِأَنَّهُ رَاجع إِلَى قوم أتبعوا من أخرجهم من الذل وَالْبَلَاء والسخرة والخدمة فِي عمل الطوب وَذبح أَوْلَادهم عِنْد الْولادَة وَمن حَال لَا يصبر عَلَيْهَا كلب مُطلق وَلَا حمَار مسيب إِلَى الْعِزّ والراحة والعافية والتملك للأموال وَأَن يَكُونُوا آمرين مخدومين آمِنين على أَوْلَادهم وأنفسهم وَلَا يُنكر فِي مثل هَذَا الْحَال أَن يشْهد المخلص للمخلص بِكُل مَا يُرِيد مِنْهُ وَمَعَ هَذَا كُله فَإِن انباءهم لمُوسَى ﵇ الَّذِي أخرجهم من تِلْكَ الْحَالة إِلَى هَذِه الْأُخْرَى وطاعتهم لَهُ كَانَت مدخولة ضَعِيفَة مضطربة وَقد ذكر فِي نَص توراتهم أَنهم إِذْ عمِلُوا الْعجل نادوا هَذَا إِلَه مُوسَى الَّذِي يخلصهم من مصر وَمرَّة أُخْرَى أَرَادوا قَتله وتصايحوا قدم على أَنْفُسنَا قائداً وَنَرْجِع إِلَى مصر وَمَعَ هَذَا كُله قَوْلهم إِن السَّحَرَة عمِلُوا مثل كثير مِمَّا عمل مُوسَى وَإِن كل ذَلِك بَيَان مُمكن بصناعة مَعْرُوفَة وَفِي هَذَا كِفَايَة وهم مقرون بِلَا خلاف من أحد مِنْهُم أَنه لم يتتبع مُوسَى فِي أمة سواهُم وَلَا نقلت لَهُم معْجزَة وَطَائِفَة غَيرهم وأماالنصارى فَمنهمْ أخذُوا نبوة مُوسَى ومعجزاته وَأما سَائِر الْأُمَم والملل وَالْمَجُوس وَالْفرس وَالصَّابِئِينَ والسريانيين والمانية والسميئة والبراهمة والهند والصين وَالتّرْك فَلَا أصلا وَلَا على أَدِيم الأَرْض مُصدق بنبوة مُوسَى وبالتوراة الَّتِي بِأَيْدِيهِم والأهم وَمن هُوَ شُعْبَة مِنْهُم كالنصارى وَأما نَحن الْمُسلمين فَإِنَّمَا قبلنَا نبوة مُوسَى وَهَارُون وَدَاوُد وَسليمَان والياس واليشع ﵈ وصدقنا بذلك وآمنا

стр. 144

بهم وَإِن مُوسَى الَّذِي أنذر بِمُحَمد ﷺ لأخبار رَسُول الله ﷺ بِصِحَّة نبوتهم ومعجزاتهم فَقَط وَلَوْلَا إخْبَاره ﵇ بذلك مَا كَانُوا عندنَا إِلَّا كشموال وإبراث وحداث وحقاي وحبقون وعدوا ويؤال وعاموص وعوبديا ومسيخا وناحوم وصفينا وملاخي وَسَائِر من تَفِر الْيَهُود بنبوته كإقرارهم بنبوة مُوسَى سَوَاء بِسَوَاء وَلَا فرق بَين طرق نقلهم لنبوة لجميعهم وَنحن لَا نصدق نقل الْيَهُود فِي شَيْء من ذَلِك بل نقُول إِنَّه قد كَانَ لله تَعَالَى أَنْبيَاء فِي بني إِسْرَائِيل أخبر بذلك الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْمنزل على نبيه الصَّادِق الْمُرْسل فَنحْن نقطع بنبوة من سمي لنا مِنْهُم ونقول فِي هَؤُلَاءِ الَّذين لم يسم لنا مُحَمَّد ﷺ أَسْمَاءَهُم الله أعلم إِن كَانُوا أَنْبيَاء فَنحْن نؤمن بهم وَإِن لم يَكُونُوا أَنْبيَاء فلسنا نؤمن بهم آمنا بِاللَّه وَكتبه وَرُسُله لَا نفرق بَين أحد من رسله وَهَكَذَا نقر بنبوة صَالح وَهود وَشُعَيْب وَإِسْمَاعِيل وبأنهم رسل الله يَقِينا وَلَا نبالي بإنكار الْيَهُود لنبوتهم وَلَا بجهلهم بهم لِأَن الصَّادِق ﵇ شهد برسالتهم وَأما التَّوْرَاة فَمَا وَافَقنَا قطّ عَلَيْهَا لأننا نَحن نقر بتوراةٍ حقٍ أنزلهَا الله تَعَالَى غلى مُوسَى ﵇ وَأَصْحَابه لِأَنَّهُ تَعَالَى أخبرنَا بذلك فِي كِتَابه النَّاطِق على لِسَان رَسُول الله ﷺ الصَّادِق ونقطع بِأَنَّهَا لَيست هَذِه الَّتِي بِأَيْدِيهِم بنصها بل حرف كثير مِنْهُم وَبدل وهم يقرونَ بِهَذِهِ الَّتِي بِأَيْدِيهِم وَلَا يعْرفُونَ الَّتِي نؤمن نَحن بهَا وَكَذَلِكَ لَا نصدق بشريعتهم الَّتِي هم عَلَيْهَا الْآن بل نقطع بِأَنَّهَا محرفة مبدلة مكذوبة وهم لَا يُؤمنُونَ بمُوسَى الَّذِي بشر بِمُحَمد ﷺ وبرسالته وبأصحابه فاعلموا أننا لم نوافقهم قطّ على التَّصْدِيق بِشَيْء من دينهم وَلَا مِمَّا هم عَلَيْهِ وَلَا مِمَّا بِأَيْدِيهِم من الْكتاب وَلَا بِالنَّبِيِّ الَّذِي يذكرُونَهُ لما قد أوضحناه من فَسَاد نقلهم ووضوح الْكَذِب فِيهِ وَعُمُوم الدواخل فِيهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَنَذْكُر إِن شَاءَ الله تَعَالَى طرفا مِمَّا فِي سَائِر الْكتب الَّتِي عِنْدهم الَّتِي يضيفونها إِلَى الْأَنْبِيَاء ﵈ من الْفساد كَالَّذي ذكرنَا فِي توراتهم وَلَا خلاف فِي أَن اهتبالهم بِالتَّوْرَاةِ كَانَ أَشد وَأكْثر أضعافا مضاعفة من اهتبالهم بِسَائِر كتب أنبياءهم أما كتاب يُوشَع فَإِن فِيهِ براهين قَاطِعَة بِأَنَّهُ أَيْضا تَارِيخ أَلفه لَهُم بعض متأخريهم بِيَقِين وَأَن يُوشَع لم يَكْتُبهُ قطّ وَلَا عرفه وَلَا أنزل عَلَيْهِ فَمن ذَلِك أَن فِيهِ نصا فَلَمَّا انْتهى ذَلِك إِلَى دوسراق ملك بيوس الَّتِي بنى فِيهَا سُلَيْمَان بن دَاوُد بَيت الْمُقَدّس فعل أمرا ذكره قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يخبر يُوشَع أَن سُلَيْمَان بنى بَيت الْمُقَدّس ويوشع قبل سُلَيْمَان بِنَحْوِ سِتّمائَة سنة وَلم يَأْتِ هَذَا النَّص فِي كتاب يُوشَع الْمَذْكُور على سَبِيل الْإِنْذَار أصلا أئما مساقه بِلَا خلاف مِنْهُم مساق الْأَخْبَار عَمَّا قد مضى وَفِيه قصَّة بشيعة جدا وَهِي أَن عخار بن كرمي بن شذان بن شيلة بن يهوذا بن يَعْقُوب ﵇ غل من الْمغنم خيطاً أرجواناً وَحقّ ذهب فِيهِ خَمْسُونَ مِثْقَالا وَمِائَتَا دِرْهَم فضَّة فَأمر يُوشَع برجمه ورجم بنيه

стр. 145

ورجم بَنَاته حَتَّى يموتوا كلهم بِالْحِجَارَةِ وَأمر بإحراق مواشيه كلهَا وحاش لله أَن يحكم نَبِي بِهَذَا الحكم فيعاقب بأغلظ الْعقُوبَة من لَا ذَنْب لَهُ من ذُرِّيَّة لم تجن شَيْئا بِجِنَايَة أَبِيهِم مَعَ أَن نَص التَّوْرَاة لَا يقتل الْأَب بذنب الابْن وَلَا الابْن بذنب الْأَب فَلَا بُد ضَرُورَة من أَن يَقُولُوا نسخ يُوشَع هَذَا الحكم فيثبتوا النّسخ من نَبِي لشريعة نَبِي قبله وَفِي شَرِيعَة مُوسَى أَيْضا أَو ينسبوا الظُّلم وَخلاف أَمر الله إِلَى يُوشَع فيجعلوه ظَالِما عَاصِيا لله مبدلا أَحْكَامه وَمَا فِيهَا حَظّ الْمُخْتَار مِنْهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَفِيه أَن كل من دخل من بني إِسْرَائِيل الأَرْض المقدسة فَإِنَّهُم كَانُوا مختونين وَفِيه أَبنَاء تِسْعَة وَخمسين عَاما وَأَقل وَإِن مُوسَى ﵇ لم يختن مِمَّن ولد بعد خُرُوجه من مصر أحدا هَذَا مَعَ إقرارهم أَن الله تَعَالَى شدد فِي الْخِتَان وَقَالَ من لم يختتن فِي يَوْم أُسْبُوع وِلَادَته فلتنف نَفسه من أمته بِمَعْنى فليقتل فَكيف يضيع مُوسَى هَذِه الشَّرِيعَة الوكيدة حَتَّى يختنهم كلهم يُوشَع بعد موت مُوسَى بدهر وَلَقَد فضحت بِهَذَا وَجه بعض عُلَمَائهمْ فَقَالَ لي كَانُوا فِي التيه فِي حل وارتحال فَقلت لَهُ فَكَانَ مَاذَا فَكيف وَلَيْسَ كَمَا تَقولُونَ بل كَانُوا يبقون الْمدَّة الطَّوِيلَة فِي مَكَان وَاحِد وَفِي نَص كتاب يُوشَع بزعمكم أَنه إِنَّمَا خنهم إِذْ جازوا الْأُرْدُن قبل الشُّرُوع فِي الْحَرْب وَفِي أضيق وَقت وختنهم كلهم حِينَئِذٍ وهم رجال كهول وشبان وَتركُوا الْخِتَان إِذْ لَا مُؤنَة فِي ختانهم أطفالاً تحمله أمه مختوناً كَمَا تحمله غير مختون وَلَا فرق فَسكت مُنْقَطِعًا وَأما الْكتاب الَّذِي يسمونه الزبُور فَفِي المزمور الأول مِنْهُ قَالَ بِي الرب أَنْت ابْني أَنا الْيَوْم وَلدتك قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَأَي شَيْء تُنْكِرُونَهُ على النَّصَارَى فِي هَذَا الْبَاب مَا أشبه اللَّيْلَة بالبارحة وَفِيه أَيْضا أَنْتُم بَنو الله وَبَنُو الْعلي كلكُمْ وَهَذِه أَطَم من الَّتِي قبلهَا وَمثل مَا عِنْد النَّصَارَى أَو أنتن وَفِيه فِي المزمور الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ مِنْهُ عرشك يَا الله فِي الْعَالم وَفِي الْأَبَد قضيب الْعدْل قضيب ملكك أَحْبَبْت الصّلاح وأبغضت الْمَكْرُوه من أجل ذَلِك دهنك إلهك بِزَيْت الْفَرح بَين إشراكك قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذِه سوءة الْأَبَد ومضيعة الدَّهْر وقاصمة الظّهْر وَإِثْبَات إِلَه آخر على الله تَعَالَى دهنه بالزيت إِكْرَاما لَهُ ومجازاة لَهُ على محبته الصّلاح وَإِثْبَات إشراك لله تَعَالَى وَهَذَا دين النَّصَارَى بِلَا مُؤنَة وَلَكِن إِثْبَات إلهٍ دون الله وَقد ظهر عِنْد الْيَهُود هَذَا عَلَانيَة على مَا نذْكر بعد أَن شَاءَ الله تَعَالَى وَبعده بِيَسِير يُخَاطب الله تَعَالَى وقفت زَوجتك عَن يَمِينك وعقاصها من ذهب أيتها الِابْنَة اسمعي وميلي بإذنيك وأبصري

стр. 146

وآنسي عشيرتك وَبَيت أَبِيك فيهواك الْملك وَهُوَ الرب وَالله فاسجدي لَهُ طَوْعًا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ مَا شَاءَ الله كَانَ أَنْكَرْنَا الْأَوْلَاد فَأتوا بِالزَّوْجَةِ والأختان تبَارك الله فَمَا نرى لَهُم على النَّصَارَى فضلا أصلا ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَفِيه فِي المزمور الموفي مائَة وَسبعا قَالَ الرب لرَبي اقعد على يَمِيني حَتَّى أجعَل أعداك كرْسِي قَدَمَيْك قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا كَالَّذي قبله فِي الْجُنُون وَالْكفْر وَرب فَوق رب وَرب يقْعد عَن يَمِين رب وَرب يحكم على رب ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَفِيه فِي المزمور السَّادِس والثمانين مِنْهُ يَقُول روح الْقُدس لصهبون رجل وَرجل ولد فِيهَا وَهِي العلى أسسها الرب الَّذِي خلقهَا يعد عِنْد مكتبة الْأمة إِن هَذَا ولد هُنَاكَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا دين النَّصَارَى الَّذِي يشنعون بِهِ عَلَيْهِم من أَن الله ولد صهيون لَو انْهَدَمت الْجبَال من هَذَا مَا كَانَ عجبا وَفِيه فِي المزمور السَّابِع وَالسبْعين مِنْهُ الرب قَامَ كالمنتبه من نَومه كالجبار الَّذِي يفر بِهِ إِثْر الْخمار كَمَا يقوم الجريش وَفِيه اتَّقوا ربكُم الَّذِي قوته كقوة الجريش قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ مَا سمع فِي الْحمق اللفيف وَلَا فِي الْكفْر السخيف بِمثل هَذَا الْفِعْل مرّة يشبه قيام الله تَعَالَى بالمنتبه من نَومه وَقد علمنَا أَنه لَا يكون الْمَرْء أكسل وَلَا أحْوج إِلَى التمدد وَلَا أثقل حَرَكَة مِنْهُ حِين قِيَامه مِنْهُ وَمرَّة يشبه بجبار ثمل وَمَا عهد للمرء وَقت يكون فِيهِ أنكد وَلَا أثقل عين وَلَا أَخبث نفسا وَلَا آلم صداعاً وَلَا أَضْعَف عويلاً مِنْهُ فِي حَان الْخمار وَمرَّة يمثله بالجريش وَمَا الجريش وَالله مَا هُوَ إِلَّا ثَوْر من الثيران بقرن فِي وسط رَأسه حاش لله من هَذِه النحوس الَّتِي حق من يُؤمن بهَا السَّوْط حَتَّى يعتدل الْعدْل دماغه أَو يحمق بِالْكُلِّ ويقذف النَّاس بِالْحِجَارَةِ وَيسْقط عَنهُ الْخطاب ونعوذ بِاللَّه من الْبلَاء وَفِيه من المزمور الْحَادِي والثمانين قَامَ الله فِي مُجْتَمع الْآلهَة وقف إِلَه الْعِزَّة فِي وَسطهمْ يقْضِي وَهَذِه حَمَاقَة ممزوجة بِكفْر سمج مُجْتَمع الْآلهَة وَقيام الله بَينهم ووقوفه فِي وسط أَصْحَابه مَا شَاءَ الله كَانَ إِلَّا أَن هَذَا أَخبث من قَول النَّصَارَى لِأَن الْآلهَة عِنْد النَّصَارَى من ثَلَاثَة وهم عِنْد هَؤُلَاءِ السفلة الأرذال جمَاعَة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَفِيه من المزمور الثَّامِن والثمانين من ذَا يكون مثل الله فِي جَمِيع بني الله وَبعده يَقُول إِن دَاوُد يدعوني والداً وَأَنا جعلته بكر بني وَبعده إِن عرش دَاوُد يبْقى ملكه سرمداً أبدا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذِه كَالَّتِي قبلهَا صَارَت الْآلهَة قَبيلَة وَبني أَب وَكَانَ فيهم وَاحِد هُوَ سيدهم لَيْسَ فيهم مثله وَالْآخرُونَ فيهم نقص بِلَا شكّ تَعَالَى الله عَن ذَلِك ونحمده كثيرا على نعْمَة الْإِسْلَام مِلَّة التَّوْحِيد الصادقة الَّتِي تشهد الْعُقُول بِصِحَّتِهَا وَصِحَّة كل مَا فِيهَا مَعَ كذب الْوَعْد فِي بَقَاء ملك دَاوُد سرمداً وفيهَا مِمَّا يُوَافق قَول الْمُلْحِدِينَ الدهرية النَّاس كالعشب إِذا خرجت أَرْوَاحهم نسوا وَلَا يعلمُونَ مكانهم وَلَا يفهمون بعد ذَلِك

стр. 147

قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَإِن دين الْيَهُود ليميل إِلَى هَذَا ميلًا شَدِيدا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي توراتهم ذكر الْمعَاد أصلا وَلَا الْجَزَاء بعد الْمَوْت وَهَذَا مَذْهَب الدهرية بِلَا كلفة فقد جمعُوا الدهرية وَالشَّكّ والتشبيه وكل حمق فِي الْعَالم على أَن فِيهِ بِمَا أطلعهم الله على تَبْدِيل مَا شَاءَ رَفعه من كِتَابهمْ وكف أَيْديهم عَمَّا شَاءَ ابقاءه حجَّة لنا عَلَيْهِم ومعجزة لنبينا ﷺ وَفِي المزمور الْحَادِي وَالسِّتِّينَ مِنْهُ أَن الْعَرَب وَبني سبا يؤدون إِلَيْهِ المَال ويتبعونه وَإِن الدَّم يكون لَهُ عِنْده ثمن وَهَذِه صفة الدِّيَة الَّتِي لَيست إِلَّا فِي ديننَا وَفِيه أَيْضا وَيظْهر من الْمَدِينَة هَكَذَا نصا وَهَذَا إنذار بَين برَسُول الله ﷺ وَأما الْكتب الَّتِي يضيفونها إِلَى سُلَيْمَان ﵇ فَهِيَ ثَلَاثَة أَحدهَا يُسمى شارهسير ثمَّ مَعْنَاهُ شعر الْأَشْعَار وَهُوَ على الْحَقِيقَة هوس الأهواس لِأَنَّهُ كَلَام أَحمَق لَا يعقل وَلَا يدْرِي أحد مِنْهُم مُرَاده إِنَّمَا هُوَ مرّة يتغزل بمذكر وَمرَّة يتغزل بمؤنث وَمرَّة يَأْتِي مِنْهُ بلغم لزج بِمَنْزِلَة مَا يَأْتِي بِهِ المصدوع وَالَّذِي فسد دماغه وَقد رَأَيْت بَعضهم يذهب إِلَى أَنه رموز على الكيمياء وَهَذَا وسواس آخر ظريف وَالثَّانِي يُسمى مثلا مَعْنَاهُ الْأَمْثَال فِيهِ مواعظ وَفِيه إِن قَالَ إِن يخلق الله شَيْئا فِي البدء من الْأَبَد أَنا صرت وَمن الْقَدِيم قبل أَن تكون الأَرْض وَقبل أَن تكون النُّجُوم أَنا قد كنت استلمت وَقد كنت ولدت وَلَيْسَ كَانَ خلق الأَرْض بعد وَلَا الْأَنْهَار وَإِذ خلق الله السَّمَوَات قد كنت حَاضرا وَإِذ كَانَ يَجْعَل للنجوم حدا صَحِيحا ويدق بهَا وَكَانَ يوثق السَّمَوَات فِي الْعُلُوّ وَيقدر عُيُون الْمِيَاه وَإِذ كَانَ يحدق على الْبَحْر بنجمه وَيجْعَل للمياه نحى لِئَلَّا تجَاوز جوزها وَإِذ كَانَ يعلق أساسات الأَرْض أَنا مَعَه كنت مهيئاً للْجَمِيع قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَهَل فِي الملحدة أَكثر من هَذَا وَهل يُضَاف هَذَا الْحمق إِلَى رجل معتدل فَكيف إِلَى بني إِسْرَائِيل وَهل هَذَا الْإِشْرَاك صَحِيح وحاش لله أَن يَقُول سُلَيْمَان ﵇ هَذَا الْكَلَام تالله مَا غبط أهل الْإِلْحَاد بإلحادهم إِلَّا هَذَا وَمثله وَرَأَيْت بَعضهم يخرج هَذَا على أَنه إِنَّمَا أَرَادَ علم الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَلَا يعجز من لَا حَيَاء لَهُ عَن أَن يقلب كل كَلَام إِلَى مَا اشْتهى بِلَا برهَان وَوصف الْكَلَام عَن مَوْضِعه وَمَعْنَاهُ إِلَى معنى آخر لَا يجوز إِلَّا بِدَلِيل صَحِيح غير مُمْتَنع المُرَاد فِي اللُّغَة وَالثَّالِث يُسمى فوهلث مَعْنَاهُ الْجَوَامِع فِيهِ إِن قَالَ مُخَاطبا لله تَعَالَى اخترني أَمِيرا إِلَى أمتك وحا كَمَا على بنيك وبناتك وَهَذَا كَالَّذي سلف وحاش لله أَن يكون لَهُ بَنَات وبنون لَا سِيمَا مثل بني إِسْرَائِيل فِي كفرهم فِي دينهم وضعفهم فِي دنياهم ورذالتهم فِي أَحْوَالهم النفسية والجسدية وَفِي كتاب حزقيا يَقُول السَّيِّد حَامِد يَدي على بني عيسو وأذهب عَن أَرضهم الْآدَمِيّين والأنعام وأفقرهم وأنتقم مِنْهُم على يَدي أمتِي بني إِسْرَائِيل قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا ميعاد قد ظهر كذبه يَقِينا لِأَن بني إِسْرَائِيل قد بادوا جملَة وَبَنُو عيسو باقون فِي بِلَادهمْ بِنَصّ كتبهمْ ثمَّ بعد ذَلِك باد بَنو عيسو فَمَا على أَدِيم الأَرْض مِنْهُم أحد يعرف أَنه مِنْهُم وَصَارَت بِلَادهمْ للْمُسلمين وسكانها لخم وَغَيرهم من الْعَرَب وَبَطل بذلك أَن يدعوا أَن هَذَا يكون فِي المستأنف وَفِي كتاب لشعيا أَنه رأى الله عزوجل شَيخا أَبيض الرَّأْس واللحية وَهَذَا تَشْبِيه حاشا لنَبِيّ أَن يَقُوله وَفِيه قَالَ الرب من سمع قطّ مثل هَذَا أَنا أعطي غَيْرِي أَن يلد وَلَا أَلد أَنا وَأَنا الَّذِي أرزق غَيْرِي أَنا أكون أَنا بِلَا ابْن

стр. 148

قَالَ أبومحمد ﵁ هَذَا أَطَم مَا سمع بِهِ أَن يقيس الله عزوجل نَفسه فِي كَون الْبَنِينَ على خلقه وكل هَذَا أشنع من قَول النَّصَارَى فِي إِضَافَة الشّرك وَالْولد وَالزَّوْجَة إِلَى الله تَعَالَى ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ لم نكتب مِمَّا فِي الْكتب الَّتِي يضيفونها إِلَى الْأَنْبِيَاء ﵈ إِلَّا طرفا يَسِيرا دَالا على فضيحتها أَيْضا وتبديلها وَقد قُلْنَا أَنهم كَانُوا فِي بلد صَغِير محاط بِهِ ثمَّ لَا نَدْرِي كَيفَ يُمكنهُم اتِّصَال شيءٍ من ذَلِك إِلَى نَبِي من أَنْبِيَائهمْ لَا سِيمَا من لم يكن إِلَّا فِي أَيَّام كفرهم مخافاً ومقتولاً فصح بِلَا شكّ أَنَّهَا من توليد من عمل لَهُم الصَّلَوَات الَّتِي هم عَلَيْهَا والشرائع الَّتِي يقرونَ أَنَّهَا من عمل أَحْبَارهم الثَّابِتَة إِذْ ظهر دينهم وانتشرت بيُوت عِبَادَتهم فَصَارَت لَهُم مجامع يتعلمون فِيهَا دينهم وعلماء يعلمونهم فِي كل بلد بِخِلَاف مَا أوضحنا أَنهم كَانُوا عَلَيْهِ أَيَّام دولتهم الأولى من كَونهم كلهم كفَّارًا أُمِّيين من السنين وكونهم لَا مَسْجِد لَهُم أصلا إِلَّا بَيت الْمُقَدّس وَلَا مجمع بِعلم لَهُم أصلا وَلَا عَالما يعلمهُمْ بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا جَامع لشيءٍ من كتبهمْ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَلَو تقصينا مَا فِي كتب أَنْبِيَائهمْ من المناقضات وَالْكذب لكثر ذَلِك جدا وَفِيمَا أوردناه كِفَايَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَقد اعْترض بَعضهم فِيمَا كَانَ يَدعِي عَلَيْهِم من تَبْدِيل التَّوْرَاة وكتبهم المضافة إِلَى الْأَنْبِيَاء قبل أَن يبين لَهُم أَعْيَان مَا فِيهَا من الْكَذِب البحت فَقَالَ قد كَانَ فِي مُدَّة دولتهم أَنْبيَاء وَبعد دولتهم وَمن الْمحَال أَن يقْرَأ أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاء على تبديلها قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فجواب هَذَا القَوْل أَن يُقَال إِن كَانَ يَهُودِيّا كذبت مَا فِي شيءٍ من كتبكم أَنه رَجَعَ إِلَى الْبَيْت مَعَ زربائيل بن صيلئال بن صدقيا الْملك ببني أصلا وَلَا كَانَ مَعَه فِي الْبَيْت نَبِي بإقرارهم أصلا وَكَانَ ذَلِك قبل أَن يَكْتُبهَا لَهُم عزرا الْوراق بدهر وَقبل رجوعهم إِلَى الْبَيْت مَعَ زربائيل بن صيلئال مَاتَ دانيال آحر أَنْبِيَائهمْ فِي أَرض بابل وَأما الْأَنْبِيَاء الَّذين كَانُوا فِي بني إِسْرَائِيل بعد سُلَيْمَان فكلهم كَمَا بَينا إِمَّا مقتول بأشنع الْقَتْل أَو مخاف مطرود منفي لَا يسمع مِنْهُم كلمة إِلَّا خُفْيَة حاشا مُدَّة الْمُلُوك الْمُؤمنِينَ الْخَمْسَة فِي بني يهوذا أَو بني بنيامين حاصة وَذَلِكَ قَلِيل تلاه ظُهُور الْكفْر وَحرق الثوراة وَقتل الْأَنْبِيَاء وَهُوَ كَانَ خَاتِمَة الْأَمر وعَلى هَذَا الْحَال وافاهم انْقِرَاض دولتهم وَأَيْضًا فَلَيْسَ كل نَبِي يبْعَث بتصحيح كتاب من قبله فيطل اعتراضهم بِكَوْن الْأَنْبِيَاء فيهم جملَة وَإِن كَانَ نَصْرَانِيّا يقر بالمسيح وزَكَرِيا وَيحيى ﵈ قيل لَهُ إِن الْمَسِيح بِلَا شكّ كَانَت عِنْده التَّوْرَاة الْمنزلَة كَمَا أنزلهَا الله تَعَالَى وَكَانَ عِنْده الْإِنْجِيل الْمنزل قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويعلمه الْكتاب وَالْحكمَة والتوراة وَالْإِنْجِيل ورسولاً إِلَى بني إِسْرَائِيل﴾ إِلَّا أَنه عرض فِي النَّقْل عَنهُ بعد رَفعه عَارض أَشد وأفحش من الْعَارِض فِي النَّقْل إِلَى مُوسَى ﵇ فَلَا كَافَّة فِي الْعَالم مُتَّصِلَة إِلَى الْمَسِيح ﵇ أصلا وَالنَّقْل إِلَيْهِ رَاجع إِلَى خَمْسَة فَقَط وهم مَتى وباطرة إِبْنِ نونا ويوحنا ابْن سبذاي وَيَعْقُوب ويهوذا أَبنَاء يُوسُف فَقَط ثمَّ لم ينْقل عَن هَؤُلَاءِ إِلَّا ثَلَاثَة فَقَط وَهُوَ لوقا الطَّبِيب الا نكا كى ومارقس الها روني وبولس البنياميني

стр. 149

وَهَؤُلَاء كلهم كذابون قد وضح عَلَيْهِم الْكَذِب جهاراً على مَا نوضحه بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وكل هَؤُلَاءِ مَعَ مَا صَحَّ من كذبهمْ وتدليسهم فِي الدّين فَإِنَّمَا كَانُوا متسترين بِإِظْهَار دين الْيَهُود وَلُزُوم السبت بِنَصّ كتبهمْ وَيدعونَ إِلَى التَّثْلِيث سرا وَكَانُوا مَعَ ذَلِك مطلوبين حَيْثُ مَا ظفروا بِوَاحِد مِنْهُم ظَاهر اقْتُل فَبَطل الْإِنْجِيل والتوراة بِرَفْع الْمَسِيح ﵇ بطلاناً كلياً وَهَذَا الْجَواب إِنَّمَا كَانَ يحْتَاج إِلَيْهِ قبل أَن يظْهر من كذب توارتهم وكتبهم مَا قد أظهرنَا وَأما بعد مَا أوضحنا من عَظِيم كذب هَذِه الْكتب بِمَا لَا حِيلَة فِيهِ فاعتراض سَاقِط لِأَن يَقِين الْبَاطِل لَا يُصَحِّحهُ شيءٌ أصلا كَمَا أَن يَقِين الْحق لَا يفْسد شيءٌ أبدا فاعلموا الْآن أَن مَا عورض بِهِ الْحق الْمُتَيَقن ليبطل بِهِ أَو عورض بِهِ دون الْكَذِب الْمُتَيَقن ليصحح بِهِ فَإِنَّمَا هُوَ سغب وتمويه وإبهام وتحييل فَاسد بِلَا شكّ لِأَن يقينين لَا يُمكن الْبَتَّةَ فِي البنية أَن يتعارضا أبدا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قيل فَإِنَّكُم تقرون بِالتَّوْرَاةِ والانجيل وتستشهدون على الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِمَا فِيهَا من ذكر صِفَات نَبِيكُم وَقد اسْتشْهد نَبِيكُم بنصها فِي قصَّة الراجم للزاني الْمُحصن وَرُوِيَ أَن عبد الله بن سَلام ضرب يَد عبد الله بن صوريا إِذْ وَضعهَا على آيَة الرَّجْم وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ أَخذ التَّوْرَاة وَقَالَ آمَنت بِمَا فِيك وَفِي كتابكُمْ ﴿يَا أهل الْكتاب لَسْتُم على شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ وَفِيه أَيْضا ﴿قل فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَفِيه أَيْضا ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا من كتاب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء﴾ وَفِيه ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ وَفِيه ﴿وَلَو أَنهم أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم لأكلوا من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم﴾ وَفِيه ﴿يَا أَيهَا الَّذين أُوتُوا الْكتاب آمنُوا بِمَا نزلنَا مُصدقا لما مَعكُمْ﴾ قُلْنَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق كل هَذَا حق حاشا قَوْله ﵇ آمَنت بِمَا فِيك فَإِنَّهُ بَاطِل لم يَصح قطّ وَكله مُوَافق لقولنا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل بتبديلهما وَلَيْسَ شَيْء مِنْهُ حجَّة لمن ادّعى أَنَّهُمَا بأيدي الْيَهُود وَالنَّصَارَى كَمَا نزلا على مَا نبين الْآن إِن شَاءَ الله تَعَالَى بالبرهان الْوَاضِح قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ أما إقرارنا بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل فَنعم وَأي معنى لتمويهكم بِهَذَا وَنحن لم ننكرهما قطّ بل نكفر من أنكرهما إِنَّمَا قُلْنَا إِن الله تَعَالَى أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى ﵇ حَقًا وَأنزل الزبُور على دَاوُد ﵇ حَقًا وَأنزل الْإِنْجِيل على عِيسَى ﵇ حَقًا وَأنزل الصُّحُف على إِبْرَاهِيم ومُوسَى ﵉ حَقًا وَأنزل كتبا لم يسم لنا على أَنْبيَاء لم يسموا لنا حَقًا نؤمن بِكُل ذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لفي زبر الْأَوَّلين﴾ وَقُلْنَا ونقول إِن كفار بني إِسْرَائِيل بدلُوا التَّوْرَاة وَالزَّبُور فزادوا ونقصوا وَأبقى الله تَعَالَى بَعْضهَا حجَّة عَلَيْهِم كَمَا شَاءَ ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ ﴿لَا معقب لحكمه﴾ وَبدل كفار النَّصَارَى الْإِنْجِيل كَذَلِك فزادوا ونقصوا وَأبقى الله تَعَالَى بَعْضهَا حجَّة عَلَيْهِم كَمَا شَاءَ لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون فدرس مَا بدلُوا من الْكتب الْمَذْكُورَة

стр. 150

وَرَفعه الله تَعَالَى كَمَا درست الصُّحُف وَكتب سَائِر الْأَنْبِيَاء جملَة فَهَذَا هُوَ الَّذِي قُلْنَا وَقد أوضحنا الْبُرْهَان على صِحَة مَا أوردنا من التبديل وَالْكذب فِي التَّوْرَاة وَالزَّبُور ونورد إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْإِنْجِيل وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد فَظهر فَسَاد تمويهم نأننا نقربالتوراة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَلم ينتفعوا بذلك فِي تَصْحِيح مَا بِأَيْدِيهِم من الْكتب المكذوبة المبدلة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما استشهادنا على الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِمَا فيهمَا من الْإِنْذَار بنبينا ﷺ فَحق وَقد قُلْنَا آنِفا أَن الله تَعَالَى أطلعهم على تَبْدِيل مَا شَاءَ رَفعه من ذَيْنك الْكِتَابَيْنِ كَمَا أطلق أَيْديهم على قتل من أَرَادَ كرامته بذلك من الْأَنْبِيَاء الَّذين قتلوهم بأنواع الْمثل وكف أَيْديهم عَمَّا شَاءَ إبقاءه من ذَيْنك الْكِتَابَيْنِ حجَّة عَلَيْهِم كَمَا كف أَيْديهم الله تَعَالَى عَمَّن أَرَادَ أَيْضا كرامته بالنصر من أنبيائه الَّذين حَال بَين النَّاس وَبَين أذاهم وَقد أغرق الله تَعَالَى قوم نوح ﵇ وَقوم فِرْعَوْن نكالالهم وَأغْرقَ آخَرين شَهَادَة لَهُم وأملى لقوم ليزدادوا إِثْمًا وأملى لقوم آخَرين ليزدادوا فضلا هَذَا مَالا يُنكره أحد من أهل الْأَدْيَان جملَة وَكَانَ مَا ذكرنَا زِيَادَة فِي أَعْلَام النَّبِي ﷺ الْوَاضِحَة وبراهينه اللائحة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَبَطل اعتراضهم علينا باستشهادنا عَلَيْهِم بِمَا فِي كتبهمْ المحرفة من ذكر نَبينَا ﷺ وَأما استشهاد رَسُول الله ﷺ بِالتَّوْرَاةِ فِي أَمر رجم الزَّانِي الْمُحصن وَضرب بن سَلام ﵁ يَد ابْن صوريا إِذْ جعلهَا على آيَة الرَّجْم فَحق وَهُوَ مِمَّا قُلْنَا آنِفا أَن الله تَعَالَى أبقاه حزيا لَهُم وَحجَّة عَلَيْهِم وَإِنَّمَا يحْتَج عَلَيْهِم بِهَذَا كُله بعد إِثْبَات رسَالَته ﷺ بالبراهين الْوَاضِحَة الباهرة بِالنَّقْلِ الْقَاطِع للْعُذْر على مَا قد بَينا ونبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ نورد مَا أبقاه الله تَعَالَى فِي كتبهمْ المحرفة من ذكره ﵇ إخزاء لَهُم وتبكيتاً وفضيحة لضلالهم لَا لحَاجَة منا الى ذَلِك اصلاو الْحَمد لله رب الْعَالمين وَأما الْخَبَر بِأَن النَّبِي ﵇ أَخذ التَّوْرَاة وَقَالَ آمَنت بِمَا فِيك فخبر مَكْذُوب مَوْضُوع لم يَأْتِ قطّ من طرق فِيهَا خير ولسنا نستحل الْكَلَام فِي الْبَاطِل لوصح فَهُوَ من التَّكَلُّف الَّذِي نهينَا عَنهُ كَمَا لَا يحل توهين الْحق وَلَا الِاعْتِرَاض فِيهِ وَأما قَول الله عزوجل ﴿يَا أهل الْكتاب لَسْتُم على شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ فَحق لامرية فِيهِ وَهَكَذَا نقُول وَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى إِقَامَتهَا أبدا لرفع مَا أسقطوا مِنْهَا فليسوا على شَيْء إِلَّا بِالْإِيمَان بِمُحَمد ﷺ فيكونون حِينَئِذٍ مقيمين للتوراة وَالْإِنْجِيل كلهم يُؤمنُونَ حِينَئِذٍ بِمَا أنزل الله مِنْهُمَا وجد أَو عدم ويكذبون بِمَا بدل فيهمَا مِمَّا لم ينزله الله تَعَالَى فيهمَا وَهَذِه هِيَ إقامتهما حَقًا فلاح صدق قَوْلنَا مُوَافقا لنَصّ الْآيَة بِلَا تَأْوِيل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿قل فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فَنعم إِنَّمَا هُوَ فِي كذب كذبوه ونسبوه إِلَى التَّوْرَاة على جاري عَادَتهم زَائِد على الْكَذِب الَّذِي وَضعه أسلافهم فِي توراتهم فبكتهم ﵇ فِي ذَلِك الْكَذِب الْمُحدث بإحضار التَّوْرَاة إِن كَانُوا صَادِقين فَظهر كذبهمْ وَكم عرض لنا هَذَا مَعَ عُلَمَائهمْ فِي مناظراتنا لَهُم قبل أَن نقف على نُصُوص التَّوْرَاة فالقوم لَا مُؤنَة عَلَيْهِم من الْكَذِب حَتَّى الْآن اذا طمعوا بالتخلص من مجلسهم لَا يكون ذَلِك إِلَّا بِالْكَذِبِ وَهَذَا خلق حسيس وعار لَا يرضى بِهِ مصحح ونعوذ بِاللَّه من مثل هَذَا وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا من كتاب الله﴾

стр. 151

فَنعم هَذَا حق على ظَاهره كَمَا هُوَ وَقد قُلْنَا أَن الله تَعَالَى أنزل التَّوْرَاة وَحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا كموسى وَهَارُون وَدَاوُد سُلَيْمَان وَمن كَانَ بَينهم من الْأَنْبِيَاء ﵈ وَمن كَانَ فِي أزمانهم من الربانبين والأحبار الَّذين لم يَكُونُوا أَنْبيَاء بل كَانُوا حكاماً من قبل الْأَنْبِيَاء ﵈ وَمن كَانَ فِي أزمانهم من الربانيين والأحبار قبل حُدُوث التبديل هَذَا نَص قَوْلنَا وَلَيْسَ فِي هَذِه الْآيَة أَنَّهَا لم تبدل بعد ذَلِك أصلا بِنَصّ وَلَا بِدَلِيل وَأما من ظن لجهله من الْمُسلمين أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي رجم النَّبِي ﷺ للْيَهُود بَين اللَّذين زينا وهما مُحْصَنَانِ فقد ظن الْبَاطِل وَقَالَ بِالْكَذِبِ وَتَأَول الْمحَال وَخَالف الْقُرْآن لِأَن الله تَعَالَى قد نهى نَبينَا ﵇ عَن ذَلِك نصا بقوله ﴿وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمناً عَلَيْهِ فاحكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم عَمَّا جَاءَك من الْحق لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجاً وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة﴾ وَقَالَ عزوجل ﴿وَلَا تتبع أهواءهم واحذرهم أَن يفتنوك عَن بعض مَا أنزل الله إِلَيْك﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَهَذَا نَص كَلَام الله عزوجل الَّذِي مَا خَالفه فَهُوَ بَاطِل وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ﴾ فَحق على ظَاهره لِأَن الله تَعَالَى أنزل فِيهِ الْإِيمَان بِمُحَمد ﷺ وَاتِّبَاع دينه وَلَا يكونُونَ أبدا حاكمين بِمَا أنزل الله تَعَالَى فِيهِ إِلَّا باتبَاعهمْ دين مُحَمَّد ﷺ فَإِنَّمَا أَمرهم الله تَعَالَى بالحكم بِمَا أنزل فِي الْإِنْجِيل الَّذِي ينتمون إِلَيْهِ فهم أَهله وَلم يَأْمُرهُم قطّ تَعَالَى بِمَا يُسمى إنجيلاً وَلَيْسَ بإنجيل وَلَا أنزلهُ الله تَعَالَى كَمَا هُوَ قطّ وَالْآيَة مُوَافقَة لقولنا وَلَيْسَ فِيهَا أَن الْإِنْجِيل لم يُبدل لَا بِنَصّ وَلَا بِدَلِيل إِنَّمَا فِيهِ إِلْزَام النَّصَارَى الَّذين يتسمون بِأَهْل الْإِنْجِيل أَن يحكموا بِمَا أنزل الله فِيهِ وهم على خلاف ذَلِك وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو أَنهم أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم لأكلوا من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم﴾ فَحق كَمَا ذَكرْنَاهُ قبل وَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى إِقَامَة التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل المنزلين بعد تبديلهما إِلَّا بِالْإِيمَان بِمُحَمد ﷺ فيكونون حِينَئِذٍ مقيمين للتوراة وَالْإِنْجِيل حَقًا لإيمانهم بالمنزل فيهمَا وجحدهم مَا لم ينزل فيهمَا وَهَذِه هِيَ إقامتهما حَقًا وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين أُوتُوا الْكتاب آمنُوا بِمَا نزلنَا مُصدقا لما مَعكُمْ﴾ فَنعم هَذَا عُمُوم قَامَ الْبُرْهَان على أَنه مَخْصُوص وَأَنه تَعَالَى إِنَّمَا أَرَادَ مُصدقا لما مَعكُمْ من الْحق لَا يُمكن غير هَذَا لأننا بِالضَّرُورَةِ نَدْرِي أَن مَعَهم حَقًا وباطلاً وَلَا يجوز تَصْدِيق الْبَاطِل أَلْبَتَّة فصح أَنه إِنَّمَا أنزلهُ تَعَالَى مُصدقا لما مَعَهم من الْحق وَقد قُلْنَا إِن الله تَعَالَى أبقى فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل حَقًا ليَكُون حجَّة عَلَيْهِم وزائد فِي خزيهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَبَطل تعلقهم بشيءٍ مِمَّا ذكرنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وبلغنا عَن قوم من الْمُسلمين يُنكرُونَ بجهلهم القَوْل بِأَن التَّوْرَاة والانجيل الَّذين بأيدي الْيَهُود وَالنَّصَارَى محرفان وَإِنَّمَا حملهمْ على هَذِه قلَّة اهتبالهم بنصوص الْقُرْآن وَالسّنَن أَتَرَى هَؤُلَاءِ مَا سمعُوا قَول الله تَعَالَى ﴿يَا أهل الْكتاب لم تلبسُونَ الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتمون الْحق وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِن فريقاً مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ﴾

стр. 152

وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْهُم لفريقاً يلوون ألسنتهم بِالْكتاب لتحسبوه من الْكتاب وَمَا هُوَ من الْكتاب وَيَقُولُونَ هُوَ من عِنْد الله وَمَا هُوَ من عِنْد الله﴾ إِلَى آخر الْآيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه﴾ وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن كثير جدا ونقول لمن قَالَ من الْمُسلمين إِن نقلهم نقل تَوَاتر يُوجب الْعلم وَتقوم بِهِ الْحجَّة لَا شكّ فِي أَنهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن مَا نقلوه من ذَلِك عَن مُوسَى وَعِيسَى ﵉ لَا ذكر فِيهِ لمُحَمد ﷺ أصلا وَلَا إنذار بنبوته فَإِن صدقهم هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ فِي بعض نقلهم فَوَاجِب أَن يُصدقهُمْ فِي سائره أَحبُّوا أم كَرهُوا وَإِن كذبوهم فِي بعض نقلهم وصدقوهم فِي بعض فقد تناقضوا وَظَهَرت مكابرتهم وَظَهَرت مكابرتهم وَمن الْبَاطِل أَن يكون نقل واحدٌ جَاءَ مجيئاً وَاحِدًا بعضه حق وَبَعضه بَاطِل فقد تناقضوا وَمَا نَدْرِي كَيفَ يسْتَحل مُسلم إِنْكَار تَحْرِيف التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَهُوَ يسمع كَلَام الله ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضواناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود ذَلِك مثلهم فِي التَّوْرَاة وَمثلهمْ فِي الْإِنْجِيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فَاسْتَوَى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الْكفَّار﴾ وَلَيْسَ شيءٌ من هَذَا فِيمَا بأيدي الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِمَّا يدعونَ أَنه التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَلَا بُد لهَؤُلَاء الْجُهَّال من تَصْدِيق رَبهم جلّ وَعز أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى بدلُوا التَّوْرَاة والأنجيل وَألا يرجِعوا إِلَى الْحمق ويكذبوا رَبهم جلّ وَعز ويصدقوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى فيلحقوا بهم وَيكون السُّؤَال عَلَيْهِم كلهم حِينَئِذٍ وَاحِدًا فِيمَا أوصحناه من تَبْدِيل الْكِتَابَيْنِ وَمَا أوردناه مِمَّا فيهمَا من الْكَذِب الْمشَاهد عيَانًا مَا لم يَأْتِ نَص بِأَنَّهُم بدلوهما لعلمنا بتبديلهما يَقِينا كَمَا نعلم مَا نشهده بحواسنا مِمَّا نَص لَا نَص فِيهِ وَقد اجْتمعت الْمُشَاهدَة وَالنَّص حَدثنَا أَبُو سعيد الْجَعْفَرِي حَدثنَا أَبُو بكر الأرفوي مُحَمَّد بن عَليّ الْمصْرِيّ حَدثنَا أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل النّحاس حَدثنَا أَحْمد بن شُعَيْب مُحَمَّد بن المثني عَن عُثْمَان بن عمر حَدثنَا عَليّ هُوَ ابْن الْمُبَارك حَدثنَا يحيى بن أبي كثير عَن سَلمَة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ كَانَ أهل الْكتاب يقرؤن التَّوْرَاة بالعبرانية ويفسرونها لأهل الْإِسْلَام بِالْعَرَبِيَّةِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تصدقوا أهل الْكتاب وَلَا تكذبوهم وَقُولُوا آمنا بِالَّذِي أنزل إِلَيْنَا وَأنزل إِلَيْكُم وإلهنا وإلهكم وَاحِد قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب لعالمين مَا نزل الْقُرْآن وَالسّنة عَن النَّبِي ﷺ بتصديقه صدقنا بِهِ وَمَا نزل النَّص بتكذيبه أَو ظهر كذبه كذبنَا لَهُ وَمَا لم ينزل نَص بتصديقه أَو تَكْذِيبه وَأمكن أَن يكون حَقًا أَو كذبا لم نصدقهم وَلم نكذبهم وَقُلْنَا مَا أمرنَا رَسُول اله ﷺ أَن نقُوله كَمَا قُلْنَا فِي نبوة من لم يتنا باسمه نَص وَالْحَمْد لله رب العالميين حَدثنَا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد حَدثنَا إبراهبم بنأحمد البلجي حَدثنَا العزيزي حَدثنَا البُخَارِيّ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف حَدثنَا ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عتبَة بن مَسْعُود قَالَ ابْن عَبَّاس

стр. 153

كَيفَ تسْأَلُون أهل الْكتاب عَن شَيْء وَكِتَابكُمْ الَّذِي أنزل على رَسُوله ﷺ حدث تقرؤنه مَحْضا لم يشب وَقد حَدثكُمْ أَن أهل الْكتاب بدلُوا كتاب الله تَعَالَى وغيروه وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِم الْكتاب وَقد قَالُوا هُوَ من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا أصح إِسْنَاد عَن ابْن عَبَّاس ﵁ وَهُوَ نفس قَوْلنَا وَمَاله فِي ذَلِك من الصَّحَابَة مُخَالف وَقد روينَا أَيْضا عَن عمر ﵁ أَنه أَتَاهُ كَعْب الحبر بسفر وَقَالَ لَهُ هَذِه التَّوْرَاة أفأقرؤها فَقَالَ لَهُ عمر بن الْخطاب إِن كنت تعلم أَنَّهَا الَّتِي أنزل الله على مُوسَى فاقرأها آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار فَهَذَا عمر لم يحققها قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَنحن إِن شَاءَ الله تَعَالَى نذْكر طرفا يَسِيرا من كثير جدا من كَلَام أَحْبَارهم الَّذين عَنْهُم أخذُوا كِتَابهمْ وَدينهمْ وإليهم يرجعُونَ فِي نقلهم لتوراتهم وَكتب الْأَنْبِيَاء وَجَمِيع شرائعهم ليرى كل ذِي فهم مقدارهم من الْفسق وَالْكذب فيلوح لَهُ أَنهم كَانُوا كَذَّابين مستخفين بِالدّينِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَلَقَد كَانَ يَكْفِي من هَذَا إقرارهم بِأَنَّهُم عمِلُوا لَهُم هَذِه الصَّلَوَات عوضا مِمَّا أَمر الله تَعَالَى بِهِ من القرابين وَهَذَا تَبْدِيل الدّين جهاراً قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ ذكر أَحْبَارهم وَهُوَ فِي كتبهمْ مَشْهُور لَا ينكرونه عِنْد من يعرف كتبهمْ أَن إخْوَة يُوسُف إِذْ باعوا أَخَاهُم طرحوا اللَّعْنَة على كل من بلغ إِلَى أَبِيهِم حَيَاة ابْنه يُوسُف وَلذَلِك لم يُخبرهُ الله بذلك وَلَا أحد من الْمَلَائِكَة فَأُعْجِبُوا لجنون أمة تعتقد أَن الله خَافَ أَن يَقع عَلَيْهِ لعنة قوم باعوا النَّبِي أَخَاهُم وعقوا النَّبِي أباهم أَشد العقوق وكذبوا أعظم الْكَذِب فوَاللَّه لَو لم يكن فِي كتبهمْ إِلَّا هَذَا الْكَذِب وَهَذَا الْحمق وَهَذَا الْكفْر لكانوا بِهِ أَحمَق الْأُمَم وأكفرهم وأكذبهم فَكيف وَلَهُم مَا قد ذكرنَا وَنَذْكُر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي بعض كتبهمْ أَن هَارُون ﵇ قَالَ لله تَعَالَى إِذْ أَرَادَ أَن يسْخط على بني إِسْرَائِيل يَا رب لَا تفعل فلنا عَلَيْك ذمام وَحقّ لِأَن أخي وَأَنا أَقَمْنَا لَك مملكة عَظِيمَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذِه طامة أُخْرَى حاشا لهارون ﵇ أَن يَقُول هَذَا الْجُنُون أَيْن هَذَا الهوس وَهَذِه الرعونة من الْحق النير إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَفِي بعض كتبهمْ أَن الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَمر الله تَعَالَى مُوسَى أَن يصورهما على التابوت خلف الحجلة فِي السارداق إِنَّمَا كَانَتَا صُورَة مُوسَى ﵇ مَعَه تَعَالَى الله عَن كفرهم علوا كَبِيرا وَفِي بعض كتبهمْ أَن الله تَعَالَى قَالَ لبني إِسْرَائِيل من تعرض لكم فقد تعرض حدقة عَيْني وَفِي بعض كتبهمْ أَن عِلّة تردد بني إِسْرَائِيل مَعَ مُوسَى فِي التيه أَرْبَعِينَ سنة حَتَّى مَاتُوا كلهم إِنَّمَا كَانَت لِأَن فِرْعَوْن كَانَ بنى على طَرِيق مصر إِلَى الشَّام صنماً سَمَّاهُ باعل صفون وَجعله طلسماً لكل من هرب من مصر يحيره وَلَا يقدر على النَّفاذ فَأُعْجِبُوا لمن يُجِيز أَن يكون طلسم فِرْعَوْن يغلب الله تَعَالَى ويجيز بتيه مُوسَى وَمن مَعَه حَتَّى يموتوا فَأَيْنَ كَانَ فِرْعَوْن عَن هَذِه الْقُوَّة إِذْ غرق فِي الْبَحْر وَفِي بعض

стр. 154

كبتهم أَن دينة بنت يَعْقُوب ﵍ إِذْ غصبهَا شكيم بن حمور وزنا بهَا حملت وَولدت ابْنة وَأَن عقَابا خطف تِلْكَ الفرخة من الزِّنَا وَحملهَا إِلَى مصر وَوَقعت فِي حجر يُوسُف فرباها وَتَزَوجهَا وَهَذِه تشبه الخرافات الَّتِي يتحدث بهَا النِّسَاء بِاللَّيْلِ إِذا غزلن وَفِي بعض كتبهمْ أَن يَعْقُوب إِنَّمَا قَالَ فِي ابْنه نفثال ايل مُطلق لِأَنَّهُ قطع من قَرْيَة إِبْرَاهِيم ﵇ الَّتِي بِقرب بَيت الْمُقَدّس إِلَى منف الَّتِي بِمصْر وَرجع إِلَى قَرْيَة الْخَلِيل فِي سَاعَة من النَّهَار لشدَّة سرعته لَا لِأَن الأَرْض طويت لَهُ وَمِقْدَار ذَلِك مسيرَة نَيف وَعشْرين يَوْمًا وَفِي بعض كتبهمْ مِمَّا لَا يَخْتَلِفُونَ فِي صِحَّته أَن السَّحَرَة يحيون الْمَوْتَى على الْحَقِيقَة وَأَن هَهُنَا أَسمَاء لله تَعَالَى وَدُعَاء وكلاماً وَمن عرفه من صَالح أَو فَاسق أحَال الطبائع وأتى بالمعجزات وَأَحْيَا الْمَوْتَى وَإِن عجوزاً سَاحِرَة أحيت لشاول الْملك وَهُوَ طالوت شمؤال النَّبِي بعد مَوته فليت شعري إِذا كَانَ هَذَا حَقًا فَمَا يؤمنهم أَن مُوسَى وَسَائِر من يقرونَ بنبوته كَانُوا من أهل هَذِه الصّفة وَلَا سَبِيل إِلَى فرق بَين شَيْء من هَذَا أبدا وَفِي بعض كتبهمْ أَن بعض أَحْبَارهم المعظمين عِنْدهم ذكر لَهُم أَنه رأى طَائِر يطير فِي الْهَوَاء وَأَنه باض بَيْضَة وَقعت على ثَلَاث عشرَة مَدِينَة فهدمتها كلهَا وَفِي بعض كتبهمْ أَن الْمَرْأَة المدنية الَّتِي ذكر فِي التَّوْرَاة الَّتِي زنى بهَا زمري بن خالو من سبط شَمْعُون طعنه فينحاس بن العزار بن هَارُون برمحه فنفذه وَنفذ الْمَرْأَة تَحْتَهُ ثمَّ رفعهما فِي رمحه إِلَى السَّمَاء كَأَنَّهُمَا طائران فِي سفود وَقَالَ هَكَذَا نَفْعل بِمن عصاك قَالَ كَبِير من أَحْبَارهم مُعظم عِنْدهم أَنه كَانَ تكسير عجز تِلْكَ الْمَرْأَة مِقْدَار مزرعة مدى خَرْدَل وَفِي كتبهمْ أَن طول لحية فِرْعَوْن كَانَ سَبْعمِائة ذِرَاع وَهَذِه وَالله مضحكة تسلي الثكالى وَترد الأحزان قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ عَن مثل هَؤُلَاءِ فلينقل الدّين وتباً لقوم أخذُوا كتبهمْ وَدينهمْ عَن مثل هَذَا الرقيع الْكذَّاب وأشباهه وَفِي بعض كتبهمْ المعظمة أَن جباية سُلَيْمَان ﵇ فِي كل سنة كَانَت سِتّمائَة ألف قِنْطَار وَسِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف قِنْطَار من ذهب وهم مقرون أَنه لم يملك قطّ إِلَّا فلسطين والأردن والغور فَقَط وَأَنه لم يملك قطّ رفح وَلَا غَزَّة وَلَا عسقلان وَلَا صور وَلَا صيدا وَلَا دمشق وَلَا عمان وَلَا البلقاء وَلَا مؤاب وَلَا جبال الشراة فَهَذِهِ الجباية الَّتِي لَو جمع كل الذَّهَب الَّذِي بأيدي النَّاس لم يبلغهَا من أَيْن خرجت وَقد قُلْنَا إِن الْأَحْبَار الَّذين عمِلُوا لَهُم هَذِه الخرافات كَانُوا ثفالا فِي الْحساب وَكَانَ الْحيَاء فِي وُجُوههم قَلِيلا جدا وَذكروا أَنه كَانَ لمائدة سُلَيْمَان ﵇ فِي كل سنة أحد عشر ألف ثَوْر وَخَمْسمِائة ثَوْر وَزِيَادَة وَسِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف شَاة سوى الْإِبِل وَالصَّيْد فانظروا مَاذَا يَكْفِي لُحُوم من ذكرنَا من الْخبز وَقد ذكرُوا عددا مبلغه سِتَّة آلَاف مدى فِي الْعَام لمائدته خَاصَّة وَاعْلَمُوا أَن بِلَاد نَبِي إِسْرَائِيل تضيق عَن هَذِه النَّفَقَات هَذَا مَعَ قَوْلهم أَنه ﵇ كَانَ يهدي كل سنة ثُلثي هَذَا

стр. 155

الْعدَد من برٍ وَمثله من زَيْت إِلَى ملك صور فليت شعري لأي شَيْء كَانَ يهاديه بذلك هَل ذَلِك إِلَّا لِأَنَّهُ كفؤه وَنَظِيره فِي الْملك وَهَذِه كَلِمَات كذبات ورعونة لَا خَفَاء بهَا وأخبار متناقضة وَذكروا أَنه كَانَت تُوضَع فِي قصر سُلَيْمَان ﵇ كل يَوْم مائَة مائدة ذهب على كل مائَة صفحة ذهب وثلاثمائة طبق ذهب على كل طبق ثَلَاثمِائَة كأس ذهب فاعجبوه لهَذِهِ الكذبات الْبَارِدَة وَاعْلَمُوا أَن الَّذِي عَملهَا كَانَ ثقيل الذِّهْن فِي الْحساب مقصراً فِي علم المساحة لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يكون قطر دَائِرَة الصفحة أقل من شبر وَإِن لم تكن كَذَلِك فَهِيَ صحيفَة لَا صَحْفَة طَعَام ملك فَوَجَبَ ضَرُورَة أَن تكون مساحة كل مائدة من تِلْكَ الموائد عشرَة أشبار فِي مثلهَا لَا أقل سوى حاشيتها وأرجلها وَاعْلَمُوا أَن مائدة من ذهب هَذِه صفتهَا لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يحركها إِلَّا فيل لِأَن الذَّهَب أرزن الْأَجْسَام وأثقلها وَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون فِي كل مائدة من تِلْكَ الموائد أقل من ثَلَاثَة آلَاف رَطْل ذهب فَمن يرفعها وَمن يَضَعهَا وَمن يغسلهَا وَمن يمسحها وَمن يديرها فَهَذَا الذَّهَب كُله وَهَذِه الأطباق من أَيْن فَإِن قيل أَنْتُم تصدقُونَ بِأَن الله تَعَالَى أَتَاهُ ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعده وَأَن الله سخر لَهُ الرّيح وَالْجِنّ وَالطير وَعلمه منطق الطير والنمل وَأَن الرّيح كَانَت تجْرِي بأَمْره وَأَن الْجِنّ كَانُوا يعْملُونَ لَهُ المحاريب والتماثيل والجفان والقدور قُلْنَا نعم ونكفر من لم يُؤمن بذلك وَبَين الْأَمريْنِ فرق وَاضح وَهُوَ أَن الَّذِي ذكرت مِمَّا نصدق بِهِ نَحن هُوَ من المعجزات الَّتِي نأتي بِمِثْلِهَا الْأَنْبِيَاء ﵈ دَاخل كُله تَحت الْمُمكن فِي بنية الْعَالم وَالَّذِي ذَكرُوهُ هُوَ خَارج عَن هَذَا الْبَاب دَاخل فِي حد الْكَذِب والامتناع فِي ينية الْعَالم وَفِي بعض كتبهمْ المعظمة عِنْدهم إِن زارح ملك السودَان غزا بَيت الْمُقَدّس فِي ألف ألف مقَاتل وَأَن أسا بن ابْنا الْملك خرج إِلَيْهِ فِي ثَلَاثمِائَة ألف مقَاتل من بني يهوذا وَخمسين ألف مقَاتل من بني بنيامين فَهزمَ ملك السودَان وَهَذَا كذب فَاحش مُمْتَنع لِأَن من أقرب مَوضِع من بلد السودَان وهم النّوبَة إِلَى مسْقط النّيل فِي الْبَحْر نَحْو مسيرَة ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَمن مسْقط النّيل إِلَى بَيت الْمُقَدّس نَحْو عشرَة أَيَّام صحارى ومفاوز ألف ألف مقَاتل لَا تحملهم إِلَّا الْبِلَاد المعمورة الواسعة وَأما الصحارى الجرد فَلَا ثمَّ فِي مصر جَمِيع أَعمال مصر فَكيف يخطوها إِلَى بَيت الْمُقَدّس هَذَا مُمْتَنع فِي رُتْبَة الجيوش وسيرة الممالك وَمن الْبعيد أَن يكون عِنْد ملك السودَان حَيْثُ يَتَّسِع بلدهم وَيكثر عَددهمْ اسْم بَيت الْمُقَدّس فَكيف أَن يتكلفوا غزوها لبعد تِلْكَ الْبِلَاد عَن النّوبَة وَأما بلد النّوبَة والحبشة والبجاة فصغير الخطة قَلِيل الْعدَد وَإِنَّمَا هِيَ خرافات مكذوبة بَارِدَة وَفِي كتاب لَهُم يُسمى شعر توما من كتاب التلموذ والتلموذ هُوَ معولهم وعمدتهم فِي فقههم وَأَحْكَام دينهم وشريعتهم وهم من أَقْوَال أَحْبَارهم بِلَا خلاف من أحد مِنْهُم فَفِي الْكتاب الْمَذْكُور أَن تكسير جبهة خالقهم من أَعْلَاهَا إِلَى أَنفه خَمْسَة آلَاف ذِرَاع حاش لله من الصُّور والمساحات وَالْحُدُود والنهايات وَفِي كتاب آخر من التلموذ يُقَال لَهُ سادرناشيم وَمَعْنَاهُ تَفْسِير أَحْكَام الْحيض أَن فِي رَأس خالقهم تاجا فِيهِ ألف قِنْطَار من

стр. 156

ذهب وَفِي اصبعه خَاتم تضيء مِنْهُ الشَّمْس وَالْكَوَاكِب وَأَن الْملك الَّذِي يخْدم ذَلِك التَّاج اسْمه صندلفون تَعَالَى الله عَن هَذِه الحماقات وَمِمَّا أجمع عَلَيْهِ أَحْبَارهم لعنهم الله أَن من شتم الله تَعَالَى وَشتم الْأَنْبِيَاء يُؤَدب وَمن شتم الْأَحْبَار يَمُوت أَي يقتل فاعجبوا لهَذَا وَاعْلَمُوا أَنهم ملحدون لَا دين لَهُم يفضلون أنفسهم على الْأَنْبِيَاء ﵈ وعَلى الله وَمن الْأَحْبَار فَعَلَيْهِم مَا يخرج من أسافلهم وَفِيمَا سمعنَا علماءهم يذكرُونَهُ وَلَا يتناكرونه معنى أَن أَحْبَارهم الَّذين أخذُوا عَنْهُم دينهم والتوراة وَكتب الْأَنْبِيَاء ﵈ اتَّفقُوا على أَن رشوا بولس البنياميني لَعنه الله وأمروه بِإِظْهَار دين عِيسَى ﵇ اتَّفقُوا على أَن رشوا بولس البنياميني لَعنه الله وأمروه بِإِظْهَار دين عِيسَى ﵇ وَأَن يضل أتباعهم ويدخلهم إِلَى القَوْل بالإهيته وَقَالُوا لَهُ نَحن نتحمل إثمك فِي هَذَا فَفعل وَبلغ من ذَلِك حَيْثُ قد ظهر وَاعْلَمُوا يَقِينا أَن هَذَا عمل لَا يستسهله ذُو دين أصلا وَلَا يخلوا أَتبَاع الْمَسِيح ﵇ عِنْد أُولَئِكَ الْأَحْبَار لعنهم الله من أَن يَكُونُوا على حق أَو على بَاطِل لَا بُد من أَحدهمَا فَإِن كَانُوا عِنْدهم على حق فَكيف استحلوا ضلال قوم محقين وإخراجهم عَن الْهدى وَالدّين إِلَى الضلال الْمُبين هَذَا وَالله لَا يَفْعَله مُؤمن بِاللَّه تَعَالَى أصلا وَإِن كَانُوا عِنْدهم على ضلال وَكفر فحسبهم ذَلِك مِنْهُم وَإِنَّمَا يسْعَى الْمُؤمن ليهدي الْكَافِر أَو الضال وَإِمَّا أَن يُقَوي بصيرته فِي الْكفْر وَيفتح لَهُ فِيهِ أبواباً أَشد وأفحش مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ فَهَذَا لَا يَفْعَله أَيْضا من يُؤمن بِاللَّه تَعَالَى قطعا وَلَا يَفْعَله إِلَّا ملحد يُرِيد أَن يسخر بِمن سواهُ فَعَن هَؤُلَاءِ أخذُوا دينهم وَكتب أَنْبِيَائهمْ بإقرارهم فَأُعْجِبُوا لهَذَا وَهَذَا أَمر لَا نبعده عَنْهُم لأَنهم قد راموا ذَلِك فِينَا وَفِي ديننَا فَبعد عَلَيْهِم بُلُوغ إربهم من ذَلِك وَذَلِكَ بِإِسْلَام عبد الله بن سبأ الْمَعْرُوف بِابْن السوء الْيَهُودِيّ الْحِمْيَرِي لَعنه الله ليضل من أمكنه من الْمُسلمين فنهج لطائفة رذلة كَانُوا يتشيعون فِي عَليّ ﵁ أَن يَقُولُوا بإلهية عَليّ كَمَا نهج بولس لاتباع الْمَسِيح ﵇ أَن يَقُولُوا بإلهيته وهم الباطنية والغالية إِلَى الْيَوْم وأخفهم كفرا الإمامية على جَمِيعهم لعائن الله تترى وأشنع من هَذَا كُله نقلهم الَّذِي لَا تمانع بَينهم فِيهِ عَن كثير من أَحْبَارهم الْمُتَقَدِّمين الَّذين عَنْهُم أخذُوا دينهم ونقولوا توراتهم وَكتب الْأَنْبِيَاء بِأَن رجلا اسْمه إِسْمَاعِيل كَانَ إِثْر خراب الْبَيْت الْمُقَدّس سمع الله تَعَالَى يَئِن كَمَا تَئِنُّ الْحَمَامَة ويبكي وَهُوَ يَقُول الويل لمن أخرب بَيته وضعضع رُكْنه وَهدم قصره وَمَوْضِع سكينته ويلي على مَا أخرجت من بَيْتِي ويلي على مَا فرقت من بني وبناتي قامتي منكسة حَتَّى أبني بَيْتِي وأرد إِلَيْهِ بني وبناتي قَالَ هَذَا النذل الموسخ ابْن الأنذال إِسْمَاعِيل فَأخذ الله تَعَالَى بثيابي وَقَالَ لي أسمعتني يَا بني يَا إِسْمَاعِيل قلت لَا يَا رب فَقَالَ لي يَا بني إِسْمَاعِيل بَارك عَليّ قَالَ هَذَا الْكَلْب والجيفة المنتنة فباركت عَلَيْهِ ومضيت قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ لقد هان من بَالَتْ عَلَيْهِ الثعالب وَالله مَا فِي الموجودات أرذل وَلَا أنتن مِمَّن احْتَاجَ إِلَى بركَة هَذَا الْكَلْب الوضر فَأُعْجِبُوا لعَظيم مَا انتظمت هَذِه الْقِصَّة عَلَيْهِ من وُجُوه الْكفْر الشنيع فَمِنْهَا أخباره عَن الله تَعَالَى أَن يَدْعُو على نَفسه

стр. 157

بِالْوَيْلِ مرّة بعد مرّة الويل حَقًا على من يصدق بِهَذِهِ الْقِصَّة وعَلى الملعون الَّذِي أَتَى بهَا وَمِنْهَا وَصفه الله تَعَالَى بالندامة على مَا فعل وَمَا الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الندامة أتراه كَانَ عَاجِزا هَذَا عجب آخر وَإِذا كَانَ نَادِما على ذَلِك فَلم تَمَادى على تبديدهم وإلقاء النَّجس عَلَيْهِم حَتَّى يبلغ ذَلِك إِلَى إِلْقَاء الحكة فِي أدبارهم كَمَا نَص فِي آخر توراتهم مَا فِي الْعَالم صفة أَحمَق من صفة من يتمادى على من ينْدَم عَلَيْهِ هَذِه الندامة وَمِنْهَا وَصفه الله تَعَالَى بالبكاء والأنين وَمِنْهَا وَصفه لرَبه تَعَالَى بِأَنَّهُ لم يدر هَل سَمعه أم لَا حَتَّى سَأَلَهُ عَن ذَلِك ثمَّ أظرف شَيْء إخْبَاره عَن نَفسه بِأَنَّهُ أجَاب بِالْكَذِبِ وَأَن الله تَعَالَى قنع بكذبه وَجَاز عِنْده وَلم يدر أَنه كَاذِب وَمِنْهَا كَونه بَين الخرب وَهِي مأوى المجانين من النَّاس وخساس الْحَيَوَان كالثعالب والقطط الْبَريَّة وَنَحْوهمَا وَمِنْهَا وَصفه الله تَعَالَى بتنكيس الْقَامَة وَمِنْهَا طلبه الْبركَة من ذَلِك المنتن ابْن المنتنة والمنتن وَبِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَا بلغ قطّ ملحد وَلَا مستخف هَذِه المبالغ الَّذِي بلغَهَا هَذَا اللعين وَمن يعظمه وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد وَلَوْلَا مَا وَصفه الله تَعَالَى من كفرهم وَقَوْلهمْ يَد الله مغلولة وَالله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء مَا انْطلق لنا لِسَان بِشَيْء مِمَّا أوردنا وَلَكِن سهل علينا حِكَايَة كفرهم مَا ذكره الله تَعَالَى لنا من ذَلِك وَلَا أعجب من أَخْبَار هَذَا الْكَلْب لَعنه الله عَن نَفسه بِهَذَا الْخَبَر فَإِن الْيَهُود كلهم يَعْنِي الربانيين مِنْهُم مجمعون على الْغَضَب على الله وعَلى تعييبه وتهوين أمره فَإِنَّهُم يَقُولُونَ لَيْلَة عيد الكبود وَهِي الْعَاشِرَة من تشرين الأول وَهِي أكتوبر يقوم الميططرون وَمعنى هَذِه اللَّفْظَة عِنْدهم الرب الصَّغِير تَعَالَى الله عَن كفرهم قَالَ وَيَقُول وَهُوَ قَائِم ينتف شعره ويبكي قَلِيلا تحليلا ويلي إِذْ خربَتْ بَيْتِي وأيتمت بني وبناتي قامتي منكسة لَا أرفعها حَتَّى أبني بَيْتِي وأرد إِلَيْهِ بني وبناتي ويردد هَذَا الْكَلَام وَاعْلَمُوا أَنهم أفردوا عشرَة أَيَّام من أول أكتوبر يعْبدُونَ فِيهِ رَبًّا آخر غير الله فحصلوا على الشّرك الْمُجَرّد وَاعْلَمُوا أَن الرب الصَّغِير الَّذِي أفردوا لَهُ الْأَيَّام الْمَذْكُورَة يعبدونه فِيهَا من دون الله هُوَ عِنْدهم صندلفون الْملك خَادِم التَّاج الَّذِي فِي رَأس معبودهم وَهَذَا أعظم من شرك النَّصَارَى وَلَقَد وقفت بَعضهم على هَذَا فَقَالَ لي ميططرون ملك من الْمَلَائِكَة فَقلت وَكَيف يَقُول ذَلِك الْملك ويلي على مَا خرجت من بَيْتِي وَفرقت بني وبناتي وَهل فعل هَذَا إِلَّا الله فَإِن قَالُوا تولى ذَلِك الْملك ذَلِك الْفِعْل بِأَمْر الله تَعَالَى قُلْنَا فَمن الْمحَال الْمُمْتَنع ندامة الْملك على مَا فعله بِأَمْر الله تَعَالَى هَذَا كفر من الْملك لَو فعله فَكيف إِن يحمد ذَلِك مِنْهُ وكل هَذَا إِنَّمَا تحيل مِنْهُم عِنْد صك وُجُوههم بذلك وَإِلَّا فهم فِيهِ قِسْمَانِ قسم يَقُول أَنه الله تَعَالَى نَفسه فيصغرونه ويحقرونه ويعيبونه وَقسم يَقُول أَنه رب آخر دون الله تَعَالَى وَاعْلَمُوا أَن الْيَهُود يقومُونَ فِي كنائسهم أَرْبَعِينَ لَيْلَة مُتَّصِلَة من إيلول وتشرين الأول وهما ستنبر وأكتوبر فيصيحون ويولولون بمصائب مِنْهَا قَوْلهم لأي شيءٍ تسلمنا يَا الله هَكَذَا وَلنَا الدّين الْقيم والأثر الأول لم يَا الله تنصمم عَنَّا وَأَنت تسمع وتعمى وَأَنت مبصر هَذَا جَزَاء من تقدم إِلَى

стр. 158

عبوديتك وَبدر إِلَى الْإِقْرَار بك لم ياالله لَا تعاقب من يكفر النعم وَلَا تجازي بِالْإِحْسَانِ ثمَّ تبخسنا حظنا وتسلمنا لكل مُعْتَد وَتقول إِن أحكامك عدلة فَأُعْجِبُوا لَو غادة هَؤُلَاءِ الأوباش ولرذالة هَؤُلَاءِ الأنذال الممتنين على ربهمم المستخفين بِهِ وبملائكته وبرسله وتالله مَا بخسهم رَبهم حظهم وَمَا حظهم إِلَّا الخزي فِي الدُّنْيَا وَالْخُلُود فِي النَّار فِي الْآخِرَة وَهُوَ تَعَالَى موفيهم نصِيبهم غير مَنْقُوص واحمدوا الله على عَظِيم منته علينا بِالْإِسْلَامِ الْملَّة الزهراء الَّتِي صححتها الْعُقُول وبالكتاب الْمنزل من عِنْده تَعَالَى بِالنورِ الْمُبين والحقائق الباهرة نسْأَل الله تثبيتنا على مَا منحنا من ذَلِك بمنه إِلَى أَن نَلْقَاهُ مُؤمنين غير مغضوب علينا وَلَا ضَالِّينَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هُنَا انْتهى مَا أخرجناه من توراة الْيَهُود وكتبهم من الْكَذِب الظَّاهِر والمناقضات اللائحة الَّتِي لَا شكّ مَعَه فِي أَنَّهَا كتب مبدلة محرفة مكذوبة وَشَرِيعَة مَوْضُوعَة مستعملة من أكابرهم وَلم يبْق بِأَيْدِيهِم بعد هَذَا شَيْء أصلا وَلَا بَقِي فِي فَسَاد دينهم شُبْهَة بِوَجْه من الْوُجُوه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَإِيَّاكُم أَن يجور عَلَيْكُم تمويه من يعارضكم بخرافة أَو كذبة فإننا لَا نصدق فِي ديننَا بِشَيْء أصلا إِلَّا مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن أَو مَا صَحَّ بِإِسْنَاد الثِّقَات ثِقَة عَن ثِقَة حَتَّى يبلغ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَط وَمَا عدا هَذَا فَنحْن نشْهد أَنه بَاطِل وَاعْلَمُوا أننا لم نكتب من فضائحهم إِلَّا قَلِيلا من كثير وَلَكِن فِيمَا كتبناه كِفَايَة قَاطِعَة فِي بَيَان فَسَاد كل مَا هم عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 159

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما الْإِنْجِيل وَكتب النَّصَارَى فَنحْن إِن شَاءَ الله تَعَالَى موردون من الْكَذِب الْمَنْصُوص فِي أَنَاجِيلهمْ وَمن التَّنَاقُض الَّذِي فِيهَا أمرا لَا يشك كل من رَآهُ فِي أَنهم لَا عقول لَهُم وَأَنَّهُمْ مخذولون جملَة وَأما فَسَاد دينهم فَلَا إِشْكَال فِيهِ على من لَهُ مسكة عقل ولسنا نحتاج إِلَى تكلّف برهَان فِي أَن الأناجيل وَسَائِر كتب النَّصَارَى لَيست من عِنْد الله وَلَا من عِنْد الْمَسِيح ﵇ كَمَا احتجنا إِلَى ذَلِك فِي التَّوْرَاة والكتب المنسوبة إِلَى الْأَنْبِيَاء ﵈ الَّتِي عِنْد الْيَهُود لِأَن جُمْهُور الْيَهُود يَزْعمُونَ أَن التَّوْرَاة الَّتِي بِأَيْدِيهِم منزلَة من عِنْد الله على مُوسَى ﵇ فاحتجنا إِلَى إِقَامَة الْبُرْهَان على بطلَان دَعوَاهُم فِي ذَلِك وَأما النَّصَارَى فقد كفونا هَذِه المؤونة كلهَا لأَنهم لَا يدعونَ أَن الأناجيل منزلَة من عِنْد الله على الْمَسِيح وَلَا أَن الْمَسِيح أَتَاهُم بهَا بل كلهم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم أيوسيهم وملكيهم ونسطوريهم ويعقوبيهم ومارونيهم وبولقانيهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهَا أَرْبَعَة تواريخ (١) لفها أَرْبَعَة رجال معروفون فِي أزمان مُخْتَلفَة فأولها تَارِيخ لفه مَتى اللاواني

стр. 160

تلميذ الْمَسِيح بعد تسع سِنِين من رفع الْمَسِيح ﵇ وَكتبه بالعبرانية فِي بلد يهوذا بِالشَّام يكون نَحْو ثَمَان وَعشْرين ورقة بِخَط متوسط وَالْآخر تَارِيخ لفه مارقش الهاروني تلميذ شَمْعُون الصَّفَا بن توما الْمُسَمّى باطرة بعد اثْنَيْنِ وَعشْرين عَاما من رفع الْمَسِيح ﵇ وَكتبه باليونانية فِي بلد أنطاكية من بِلَاد الرّوم وَيَقُولُونَ أَن شَمْعُون الْمَذْكُور هُوَ الَّذِي أَلفه ثمَّ محا اسْمه من أَوله وَنسبه إِلَى تلميذ مارقش يكون أَرْبعا وَعشْرين ورقة بِخَط متوسط وشمعون الْمَذْكُور تلميذ الْمَسِيح والتالث تَارِيخ أَلفه لوقا الطَّبِيب الْأَنْطَاكِي تلميذ شَمْعُون باطرة أَيْضا كتبه باليونانية فِي بلد أقاية بعد تأليف مارقش الْمَذْكُور يكون من قدر إنجيل مَتى وَالرَّابِع تَارِيخ أَلفه يوحنا ابْن سيذاي تلميذ الْمَسِيح بعد رفع الْمَسِيح ببضع وَسِتِّينَ سنة وَكتبه باليونانية فِي بلد اشينية يكون أَرْبعا وَعشْرين ورقة بِخَط متوسط ويوحنا هَذَا نَفسه هُوَ ترْجم إنجيل مَتى صَاحبه من العبرانية إِلَى اليونانية ثمَّ لَيْسَ لِلنَّصَارَى كتاب قديم يعظمونه بعد الأناجيل الْأَرْبَعَة إِلَّا فركسيس وَهُوَ كتاب أَلفه لوقا الطَّبِيب الْمَذْكُور فِي أَخْبَار الحواريين وأخبار صَاحبه بولس البنياميني وسيرهم وقتلهم يكون نَحْو خمسين ورقة بِخَط مَجْمُوع وَكتاب الْوَحْي والإعلان أَلفه يوحنا ابْن سيذاي الْمَذْكُور وَهُوَ كتاب فِي غَايَة

стр. 161

السخف والركاكة ذكر فِيهِ مَا رَآهُ فِي الأحلام وَإِذ أسرِي بِهِ وخرافات بَارِدَة والرسائل القانونية وَهِي سبع رسائل فَقَط مِنْهَا ثَلَاث رسائل ليوحنا ابْن سيذاي الْمَذْكُور ورسالتان لباطرة شَمْعُون الْمَذْكُور ورسالة وَاحِدَة ليعنوب بن يُوسُف النجار وَالْأُخْرَى لِأَخِيهِ يهوذا بن يُوسُف تكون كل رِسَالَة من ورقة إِلَى ورقتين فِي غَايَة الْبرد والغثانة ورسائل بولس تلميذ شَمْعُون باطرة وَهِي خمس عشرَة رِسَالَة تكون كلهَا نَحْو أَرْبَعِينَ ورقة مَمْلُوءَة حمقاً ورعونة وَكفرا ثمَّ كل كتاب لَهُم بعد ذَلِك فَلَا خلاف بَينهم فِي أَنه من تأليف الْمُتَأَخِّرين من أساقفتهم وبطارقتهم كمجامع البطارقة والأساقفة الْكِبَار السِّتَّة وَسَائِر مجامعهم الصغار وفقههم فِي أحكامهم الَّذِي عمله ركديد الْملك وَبِه يعْمل نَصَارَى الأندلس ثمَّ لسَائِر النَّصَارَى أَحْكَام أَيْضا عَملهَا لَهُم من شَاءَ الله أَن يعملها من أساقفتهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا كُله أَنه كَمَا قُلْنَا ثمَّ أَخْبَار شهدائهم فَقَط فَجَمِيع نقل النَّصَارَى أَوله عَن آخِره حَيْثُ كَانُوا فَهُوَ رَاجع إِلَى الثَّلَاثَة الَّذين سمينا فَقَط وَهُوَ بولس ومارقش ولوقا وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة لَا ينقلون إِلَّا عَن خَمْسَة فَقَط وهم باطرة وَمَتى ويوحنا وَيَعْقُوب ويهوذا وَلَا مزِيد وكل هَؤُلَاءِ أكذب الْبَريَّة وأخبثهم على مَا نبين بعد ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى على أَن بولس حكى فِي الافركسيس وَفِي إِحْدَى رسائله أَنه لم يبْق مَعَ باطرة إِلَّا خَمْسَة عشر يَوْمًا ثمَّ لقِيه مرّة أُخْرَى بَقِي مَعَه أَيْضا يَسِيرا ثمَّ لقِيه الثَّالِثَة فَأخذ جَمِيعًا وصلبا إِلَى لعنة الله إِلَّا أَن الأناجيل الْأَرْبَعَة والكتب الَّتِي ذكرنَا أَن عَلَيْهَا معتمدهم فَإِنَّهَا عِنْد جَمِيع فرق النَّصَارَى فِي شَرق الأَرْض وغربها على نُسْخَة وَاحِدَة ورتبة وَاحِدَة لَا يُمكن أحد أَن يزِيد فِيهَا كلمة وَاحِدَة وَلَا ينقص مِنْهَا أُخْرَى إِلَّا افتضح عِنْد جَمِيع النَّصَارَى مبلغة كَمَا هِيَ إِلَى مارقش ولوقا ويوحنا لِأَن يوحنا هُوَ الَّذِي نقل إنجيل مَتى عَن مَتى ورسائل بولس مبلغة كَذَلِك إِلَى بولس وَاعْلَمُوا أَن أَمر النَّصَارَى أَضْعَف من أَمر الْيَهُود بِكَثِير لِأَن الْيَهُود كَانَت لَهُم مملكة وَجمع عَظِيم مَعَ مُوسَى ﵇ وَبعده وَكَانَ فيهم أَنْبيَاء كثير ظاهرون آمرون مطاعون كموسى ويوشع وشموال وَدَاوُد وَسليمَان ﵈ وَإِنَّمَا دخلت الدَّاخِلَة فِي التَّوْرَاة بعد سُلَيْمَان ﵇ إِذْ ظهر فيهم الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان وَقتل الْأَنْبِيَاء وَحرق التَّوْرَاة وَنهب الْبَيْت مرّة بعد مرّة فانصل كفر جَمِيعهم إِلَى أَن تلفت دولتهم على ذَلِك وَأما النَّصَارَى فَلَا خلاف بَين أحد مِنْهُم وَلَا من غَيرهم فِي أَنه لم يُؤمن بالمسيح فِي حَيَاته إِلَّا مائَة وَعِشْرُونَ رجلا فَقَط هَكَذَا فِي الافركسيس ونسوة مِنْهُم امْرَأَة وَكيل هردوس وَغَيرهَا كن ينفقن عَلَيْهِ أموالهن هَكَذَا فِي نَص إنجيلهم وَإِن كل من آمن بِهِ فَإِنَّهُم كَانُوا مستترين مخافين فِي حَيَاته وَبعده يدعونَ إِلَى دينه سرا وَلَا يكْشف أحد مِنْهُم وَجهه إِلَى الدُّعَاء إِلَى

стр. 162

مِلَّته وَلَا يظْهر دينه وكل من ظفر بِهِ مِنْهُم قتل إِمَّا بِالْحِجَارَةِ كَمَا قتل يَعْقُوب بن يُوسُف النجار واشطين الَّذِي يسمونه بكر الشُّهَدَاء وَغَيره وَإِمَّا صلب كَمَا صلب باطرة وأندرياس أَخُوهُ وشمعون أَخُو يُوسُف النجار وفليش وبولس وَغَيرهم أَو قتلوا بِالسَّيْفِ كَمَا قتل يَعْقُوب أَخُو يوحنا وطومار وبرتلوما ويهوذا بن يُوسُف النجار وَمَتى أَو بالسم كَمَا قتل يوحنا ابْن سيذاي فبقوا على هَذِه الْحَالة لَا يظهرون الْبَتَّةَ وَلَا لَهُم مَكَان يأمنون فِيهِ مُدَّة ثَلَاثمِائَة سنة بعد رفع الْمَسِيح ﵇ وَفِي خلال ذَلِك ذهب الْإِنْجِيل الْمنزل من عِنْد الله إِلَّا فصولا يسيرَة أبقاها الله تَعَالَى حجَّة عَلَيْهِم وخزياً لَهُم فَكَانُوا كَمَا ذكرنَا إِلَى أَن تنصر قسطنطين الْملك فَمن حِينَئِذٍ ظهر النَّصَارَى وكشفوا دينهم واجتمعوا وآمنوا وَكَانَ سَبَب تنصره أَن أمه هلاني كَانَت بنت نَصْرَانِيّ فعشقها أَبوهُ وَتَزَوجهَا فَولدت لَهُ قسطنطين فربته على النَّصْرَانِيَّة سرا فَلَمَّا مَاتَ أَبوهُ وَولي هُوَ أظهر النَّصْرَانِيَّة بعد أَعْوَام كَثِيرَة من ولَايَته وَمَعَ ذَلِك فَمَا قدر على إظهارها حَتَّى رَحل عَن رُومِية مسيرَة شهر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وبناها وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّمَا كَانَ أديوسيا هُوَ وَابْنه بعده يَقُولَانِ إِن الْمَسِيح عبد مَخْلُوق نَبِي الله تَعَالَى فَقَط وكل دين كَانَ هَكَذَا فمحال أَن يَصح فِيهِ نقل مُتَّصِل لِكَثْرَة الدواخل الْوَاقِعَة فِيمَا لَا يُؤْخَذ الإسرا تَحت السَّيْف لَا يقدر أَهله على حمايته وَلَا على الْمَنْع من تبديله ثمَّ لما ظهر دينهم بتنصر قسطنطين كَمَا ذكرنَا فَشَا فيهم دُخُول ألمانية بَغْتَة وَكَانَ فيهم غير مانية مداسون عَلَيْهِم فأمكنهم بِهَذَا أَن يُدْخِلُوهُمْ من الضلال فِيمَا أَحبُّوا وَلَا تمكنوا الْبَتَّةَ أَن ينْقل أحد عَن شَمْعُون باطرة وَلَا عَن يوحنا وَلَا عَن مَتى وَلَا عَن مارقش وَلَا عَن لوقا وَلَا عَن بولس آيَة ظَاهِرَة وَلَا معْجزَة باهرة لما ذكرنَا من أَنهم كَانُوا مستترين مختفين مظاهرين بدين الْيَهُود من الْتِزَام السبت وَغَيره طول حياتهم إِلَى أَن ظفر بهم فَقتلُوا فَكلما تضيفه النَّصَارَى إِلَى هَؤُلَاءِ من المعجزات فأكذوبات مَوْضُوعَة لَا يعجز عَن ادِّعَاء مثلهَا أحد كَالَّذي تَدعِي الْيَهُود لأحبارهم ورؤس مثانيهم وكالذي تدعيه ألمانية لماني سَوَاء بِسَوَاء وكالذي تدعيه الروافض لمن يعظمون وكالذي تدعيه طوائف من الْمُسلمين لقوم صالحين كإبراهيم بن أدهم وَأبي مُسلم الْخَولَانِيّ وشيبان الرَّاعِي وَغَيرهم وكل هَذَا كذب وإفك وتوليد لِأَن كل من ذكرنَا فَإِنَّمَا نَقله رَاجع إِلَى من لَا يدْرِي وَلَا يقوم بِكَلَامِهِ حجَّة وَلَا صَحَّ برهَان سَمْعِي وَلَا عَقْلِي يصدقهُ وَهَكَذَا كَانَ أَصْحَاب ماني مَعَ ماني إِلَّا أَنه ظهر نَحْو ثَلَاثَة أشهر إِذْ مكر بِهِ بهْرَام بن بهْرَام الْملك وأوهمه أَنه قد آمن بِهِ حَتَّى ظفر بِجَمِيعِ أَصْحَابه فصلب ماني وصلبهم كلهم إِلَى لعنة الله فَكل معْجزَة لم تنقل نقلا يُوجب الْعلم الضَّرُورِيّ كَافَّة عَن كَافَّة حَتَّى يبلغ إِلَى الْمُشَاهدَة فالحجة لَا تقوم بهَا على أحد وَلَا يعجز عَن توليدها من لَا تقوم لَهُ

стр. 163

قَالَ أَبُو مُحَمَّد مُعْتَمد النَّصَارَى كُله الَّذِي لَا مُعْتَمد لَهُم غَيره من قَوْلهم بالتثليث وَأَن الْمَسِيح لله وَابْن الله واتحاد اللاهوتية بالناسوتية والتحامه بِهِ إِنَّمَا هُوَ كُله على أَنَاجِيلهمْ وعَلى أَلْفَاظ تعلقوا بهَا مِمَّا فِي كتب الْيَهُود كالزبور وَكتاب أشميا وَكتاب أرميا وكلمات يسيرَة من التَّوْرَاة وَكتاب سُلَيْمَان وَكتاب زخريا وَقد نازعتهم الْيَهُود فِي تأولها فحصلت دَعْوَى مُقَابلَة لدعوى وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وموهوا بِأَن التَّوْرَاة وَكتب الْأَنْبِيَاء بِأَيْدِيهِم وبأيدي الْيَهُود سَوَاء لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهَا ليصححوا نقل الْيَهُود لسواد تِلْكَ الْكتب ثمَّ يجْعَلُوا تِلْكَ الْأَلْفَاظ الَّتِي فِيهَا الْحجَّة لَهُم فِي دَعوَاهُم وتأويلهم لَيْسَ بِأَيْدِيهِم حجَّة غير هَذَا أصلا وَلَا جملَة سوى هَذِه وَقد أوضحنا بحول الله تَعَالَى وقوته فَسَاد أَعْيَان تِلْكَ الْكتب وأوضحنا أَنَّهَا مفتعلة مبدلة لِكَثْرَة مَا فِيهَا من الْكَذِب وأوضحنا أَيْضا فَسَاد نقلهَا وَانْقِطَاع الطَّرِيق مِنْهُم إِلَى من نسب إِلَيْهِ تِلْكَ الْكتب بِمَا لَا يُمكن أحدا دَفعه الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه وَبينا آنِفا بحول الله تَعَالَى وقوته فَسَاد نقل النَّصَارَى جملَة وإقرارهم بِأَن أَنا جيلهم لَيست منزلَة وَلكنهَا كتب مؤلفة لرجال ألفوها فَبَطل كل تعلق لَهُم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ثمَّ نورد إِن شَاءَ الله تَعَالَى تكذيبهم فِي دَعوَاهُم أَن التَّوْرَاة عِنْد الْيَهُود وَعِنْدهم سَوَاء ونورد مَا يخالفون فِيهِ نَص التَّوْرَاة الَّتِي بأيدي الْيَهُود حَتَّى يلوح لكل أحد كذب دَعوَاهُم الظَّاهِرَة من تصديقهم لنصوص التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود وَيرى تكذيبهم لنصوصها فَيبْطل بذلك تعلقهم بِمَا فِيهَا وَبِمَا فِي نقل الْيَهُود إِذْ لَا يَصح لأحد الِاحْتِجَاج بتصحيح مَا يكذب ثمَّ نذْكر بعون الله مناقضات الأناجيل وَالْكذب الْفَاحِش المفضوح الْمَوْجُود فِي جَمِيعهَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فين تقع الْإِشْكَال فِي ذَلِك جملَة وَيَسْتَوِي فِي معرفَة بطلَان كل مَا بدى الطَّائِفَتَيْنِ كل من اغْترَّ بكتمانهم لما فضحناه منا وَمِنْهُم وَمن الْخَاصَّة والعامة وَمن سَائِر الْملَل أَيْضا وَيصِح عِنْد كل من طالع كلامنا هَذَا أَن الَّذين كتبُوا الأناجيل وألفوها كَانُوا كَذَّابين مجاهرين بِالْكَذِبِ لتكاذيبهم فِيمَا أوردوه فِيهَا من الْأَخْبَار وَأَنَّهُمْ كَانُوا مستخفين مهلكين لمن اغْترَّ بهم الْحَمد لله رب الْعَالمين على عَظِيم نعْمَته علينا بِالْإِسْلَامِ السَّالِم من كل غش البريء من كل توليد الْوَارِد من عِنْد الله لَا من عِنْد أحد دونه ذكر مَا تثبته النَّصَارَى بِخِلَاف نَص التَّوْرَاة وتكذيبهم لنصوصها الَّتِي بأيدي الْيَهُود وادعاء بعض عُلَمَاء النَّصَارَى أَنهم اعتمدوا فِي ذَلِك على التَّوْرَاة الَّتِي ترجمها السبعون شَيخا لبطليموس لَا على كتب عزراء الْوراق وَالْيَهُود مُؤمنُونَ بكلتي النسختين وَالْخلاف عِنْد النَّصَارَى مَوْجُود فِيهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي توراة الْيَهُود الَّتِي لَا اخْتِلَاف فِيهَا بَين الربانية والعانانية والعيسوية مِنْهُم لما عَاشَ آدم ثَلَاثِينَ سنة وَمِائَة سنة ولد لَهُ ولد كشبهه وجنسه وسماء شِيث وَعند

стр. 164

النَّصَارَى بِلَا اخْتِلَاف بَين أحد مِنْهُم وَلَا من جَمِيع فرقهم لما أَتَى على آدم مِائَتَان وَثَلَاثُونَ سنة ولد لَهُ شِيث وَفِي التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا لما عَاشَ شِيث خمس سِنِين وَمِائَة سنة ولد أنيوش وَعند لنصارى كلهم لما عَاشَ شِيث ماءتي سنة وَخمْس سِنِين ولد أنيوش وَفِي التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن أنيوش لما عَاشَ تسعين سنة ولد قينان وَعند النَّصَارَى كلهم أَن أنيوش لما عَاشَ تسعين سنة وَمِائَة سنة ولد قينان وَفِي التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن قينان لما عَاشَ سبعين سنة ولد مهلال وَفِي التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن مهلال لما بلغ خمْسا وَسِتِّينَ سنة ولد يارد وَعند النَّصَارَى كلهم أَن مهلال لما بلغ مائَة سنة وخمساً وَسِتِّينَ سنة ولد يارد واتفقت الطائفتان فِي عمر يارد إِذْ ولد لَهُ خنوخ وَفِي التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن خنوخ لما بلغ خمْسا وَسِتِّينَ سنة ولد متوشالخ وَأَن جَمِيع عمر خنوخ كَانَ ثَلَاثمِائَة سنة وخمساً وَسِتِّينَ سنة وَعند النَّصَارَى كلهم أَن خنوخ لما بلغ مائَة سنة وخمساً وَسِتِّينَ سنة ولد متوشالخ وَأَن جَمِيع عمر خنوخ كَانَ خَمْسمِائَة سنة وخمساً وَسِتِّينَ سنة فَفِي هَذَا الْفَصْل تكاذب بَين الطَّائِفَتَيْنِ فِي موضِعين أَحدهمَا سنّ خنوخ إِذْ ولد لَهُ متوشالخ وَالثَّانيَِة كمية عمر خنوخ واتفقت الطائفتان على عمر متوشالخ إِذْ ولد لَهُ لامخ وعَلى عمر لامخ إِذْ ولد لَهُ نوح وعَلى عمر نوح إِذْ ولد لَهُ سَام وَحَام وَيَافث وعَلى عمر سَام إِذْ ولد لَهُ أرفخشاذ وَفِي التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن أرفخشاذ لما بلغ خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ شالخ وَأَن عمر أرفخشاذ كَانَ أَرْبَعمِائَة سنة وخمساً وَثَلَاثِينَ سنة وَعند النَّصَارَى كلهم أَن أرفخشاذ لما بلغ مائَة سنة وخمساً وَثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ قينان وَأَن عمر أرفخشاذ كَانَ أَرْبَعمِائَة سنة وخمساً وَسِتِّينَ سنة وَأَن قينان لما بلغ مائَة سنة وَثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ شالخ فَبين الطَّائِفَتَيْنِ فِي هَذَا الْفَصْل وَحده اخْتِلَاف فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع احدها عمر أرفخشاذ جملَة وَالثَّانِي سنّ أرفخشاذ إِذْ ولد لَهُ وَلَده وَالثَّالِث زِيَادَة النَّصَارَى بَين أرفخشاذ وشالخ قينان وَإِسْقَاط الْيَهُود لَهُ وَفِي التَّوْرَاة عِنْد اليهودكما ذكرنَا أَن شالخ لما بلغ ثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ عَابِر وَأَن عمر شالخ كَانَ أَرْبَعمِائَة سنة وَثَلَاثِينَ سنة وَعند النَّصَارَى كلهم أَن شالخ لما بلغ مائَة وَثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ عَابِر وَأَن عمر شالخ كُله كَانَ أَرْبَعمِائَة سنة وَسِتِّينَ سنة فَفِي هَذَا الْفَصْل تكاذب بَين الطَّائِفَتَيْنِ فِي موضِعين أَحدهمَا سنّ شالخ إِذْ ولد لَهُ عَابِر وَالثَّانِي كمية عمر شالخ وَعند الْيَهُود كَمَا ذكرنَا فِي التَّوْرَاة أَن فالغ إِذْ بلغ ثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ (١) راغو وَعند النَّصَارَى كلهم أَن فالغ لما بلغ مائَة سنة وَثَلَاثِينَ ولد لَهُ رغو وَفِي توراة الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن راغو لما بلغ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ شاروع وَعند النَّصَارَى كلهم أَن راغو لما بلغ مائَة سنة واثنتين وَثَلَاثُونَ ولد لَهُ شاروع وَفِي التَّوْرَاة عِنْد الْيَهُود كَمَا

стр. 165

ذكرنَا أَن شاروع إِذْ بلغ ثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ ناحور وَكَانَ عمر شاروع كُله مِائَتي عَام وَثَلَاثِينَ عَاما وَعند النَّصَارَى كلهم أَن شاروع إِذْ بلغ ثَلَاثِينَ سنة وَمِائَة سنة ولد لَهُ ناحور وَأَن عمر شاروع كُله كَانَ ثَلَاثمِائَة سنة وَثَلَاثِينَ سنة فَفِي هَذَا الْفَصْل بَين الطَّائِفَتَيْنِ تكاذب فِي موضِعين أَحدهمَا عمر شاروع جملَة وَالثَّانِي سنّ شاروع إِذْ ولد لَهُ ناحور وَفِي التَّوْرَاة عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن ناحور لما بلغ تسع وَعشْرين سنة ولد لَهُ نارخ وَأَن عمر ناحور كُله كَانَ مائَة سنة وثمانياً وَأَرْبَعين سنة وَعند النَّصَارَى كلهم أَن ناحور لما بلغ تسعا وَسبعين سنة ولد لَهُ تارخ وَأَن عمر ناحور كُله كَانَ مِائَتي عَام وَثَمَانِية أَعْوَام فَفِي هَذَا الْفَصْل تكاذب بَين الطَّائِفَتَيْنِ فِي موضِعين أَحدهمَا عمر ناحور كُله وَالثَّانِي سنّ ناحور إِذْ ولد لَهُ تارخ وَفِي التَّوْرَاة عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن تارخ كَانَ عمره كُله مِائَتي عَام وَخَمْسَة أَعْوَام وَعند النَّصَارَى كلهم أَن تارخ كَانَ عمره كُله مِائَتي عَام وَثَمَانِية أَعْوَام قَالَ أَبُو مُحَمَّد فتولد من الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور بَين الطَّائِفَتَيْنِ زِيَادَة عَن ألف عَام وثلاثمائة عَام وَخمسين عَاما عِنْد النَّصَارَى فِي تَارِيخ الدُّنْيَا على مَا هُوَ عِنْد الْيَهُود فِي تاريخها وَهِي تِسْعَة عشر موضعا كَمَا أوردنا فوضح اخْتِلَاف التَّوْرَاة عِنْدهم وَمثل هَذَا من التكاذب لَا يجوز أَن يكون من عِنْد الله أصلا وَلَا من قَول نَبِي الْبَتَّةَ وَلَا من قَول صَادِق عَالم من عرض النَّاس فَبَطل بِهَذَا بِلَا شكّ أَن تكون التَّوْرَاة وَتلك الْكتب منقولة نقلا يُوجب صِحَة الْعلم لَكِن نقلا فَاسِدا مَدْخُولا مضطربا وَلَا بُد لِلنَّصَارَى ضَرُورَة من أحد خَمْسَة أوجه لَا مخرج لَهُم عَن أَحدهَا إِمَّا أَن يصدقُوا نقل الْيَهُود للتوراة وَأَنَّهَا صَحِيحَة عَن مُوسَى عَن الله ولكتبهم وَهَذِه طريقتهم فِي الْحجَّاج والمناظرة فَإِن فعلوا فقد أقرُّوا على أنفسهم وعَلى أسلافهم الَّذين نقلوا عَنْهُم دينهم بِالْكَذِبِ إِذْ خالفوا قَول الله تَعَالَى وَقَول مُوسَى ﵇ أَو يكذبوا مُوسَى ﵇ فِيمَا نقل عَن الله وهم لَا يَفْعَلُونَ هَذَا أَو يكذبوا نقل الْيَهُود للتوراة ولكتبهم فَيبْطل تعلقهم بِمَا فِي تِلْكَ الْكتب مِمَّا يَقُولُونَ أَنه إنذار بالمسيح ﵇ اذلا يجوز لأحد أَن يحْتَج بِمَا لَا يَصح نَقله أَو يَقُولُوا كَمَا قَالَ بَعضهم إِنَّهُم إِنَّمَا عولوا فِيمَا عِنْدهم على تَرْجَمَة السّبْعين شيحا الَّذين ترجموا التَّوْرَاة وَكتب الْأَنْبِيَاء ﵈ لبطليموس فَإِن قَالُوا هَذَا فَإِنَّهُم لَا يحلونَ ضَرُورَة من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يَكُونُوا صَادِقين فِي ذَلِك أَو يَكُونُوا كاذبين فِي ذَلِك فَإِن كَانُوا كاذبين فِي ذَلِك فقد سقط أَمرهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين إِذْ لم يرجِعوا إِلَّا إِلَى المجاهرة بِالْكَذِبِ وَإِن كَانُوا صَادِقين فِي ذَلِك فقد حصلت توراتان متخالفتان متكاذبتان متعارضتان توراة السّبْعين شَيخا وتوراة عزرا وَمن الْبَاطِل الْمُمْتَنع كَونهمَا جَمِيعًا حَقًا من عِنْد الله وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى كلهم مُصدق مُؤمن بِهَاتَيْنِ التوراتين مَعًا سوى توراة السامرية وَلَا بُد ضَرُورَة من ان تكون احدهما حَقًا

стр. 166

وَالْأُخْرَى مكذوبة فَأَيّهمَا كَانَت المكذوبة فقد حصلت الطائفتان على الْإِيمَان بِالْبَاطِلِ ضَرُورَة وَلَا خير فِي أمة تؤمن بِيَقِين الْبَاطِل وَإِن كَانَت توراة السّبْعين شَيخا هِيَ المكذوبة فَلَقَد كَانُوا شُيُوخ سوء كَذَّابين ملعونين إِذْ حرفوا كَلَام الله تَعَالَى وبدلوه وَمن هَذِه صفته فَلَا يحل أَخذ الدّين عَنهُ وَلَا قبُول نَقله وَإِن كَانَت توراة عزرا هِيَ المكذوبة فقد كَانَ كذابا إِذْ حرف كَلَام الله تَعَالَى وَلَا يحل أَخذ شَيْء من الدّين عَن كَذَّاب وَلَا بُد من أحد الْأَمريْنِ أَو يكون كِلَاهُمَا كذبا وَهَذَا هُوَ الْحق الْيَقِين الَّذِي لَا شكّ فِيهِ لما قدمنَا مِمَّا فِيهَا من الْكَذِب الفاضح الْمُوجب للْقطع بِأَنَّهَا مبدلة محرفة وَسَقَطت الطائفتان مَعًا وَبَطل دينهم الَّذِي إِنَّمَا مرجعه إِلَى تِلْكَ الْكتب المكذوبة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد فتأملوا هَذَا الْفَصْل وَحده فَفِيهِ كِفَايَة فِي تَيَقّن بطلَان دين الطَّائِفَتَيْنِ فَكيف بِسَائِر مَا أوردنا إِذا استضاف إِلَيْهِ وَفِي التَّوْرَاة عِنْد الْيَهُود وَعند النَّصَارَى اخْتِلَاف آخر اكتفيا مِنْهُ بِهَذَا الْقدر وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين على عَظِيم نعْمَته علينا بِالْإِسْلَامِ الْمَنْقُول نقل الكواف إِلَى رَسُول الله الْمَعْصُوم ﷺ البريء من كل كذب وَمن كل محَال الَّذِي تشهد لَهُ الْعُقُول بِالصِّحَّةِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ذكر مناقضات الأناجيل الْأَرْبَعَة وَالْكذب الظَّاهِر الْمَوْضُوع فِيهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد أول ذَلِك مبدأ الْخلق مبدأ إنجيل مَتى اللاواني الَّذِي هُوَ أول الأناجيل بالتأليف والرتبة فِي أول كلمة مِنْهُ مصحف نِسْبَة يسوع الْمَسِيح ابْن دَاوُد بن إِبْرَاهِيم وَإِبْرَاهِيم ولد إِسْحَاق وَإِسْحَق ولد يَعْقُوب وَيَعْقُوب ولد يهوذا وَإِخْوَته ويهوذا ولد من ثامار فارص وتارخ ثمَّ إِن فارص ولد حضروم وحضروم ولد آرام وآرام ولد عمينا ذاب وعمينا ذاب ولد نحشون الْخَارِج من مصر أَخُو زَوْجَة هَارُون ونحشون ولد شلمون وشلمون ولد لَهُ من راحاب بوعز وبوعز ولد لَهُ من راعوث عوبيذ وعوبيذ ولد لَهُ يشاي ويشاي ولد لَهُ دَاوُد الْملك وَولد دَاوُد الْملك شلمون وشلمون ولد رحبعام ورحبعام ولد أبيو وأبيو ولد أشا وأشا ولد يَهو شافاط ويهو شافاط ولد يهورام ويهورام ولد أحزياهو وأحزياهو ولد يوثام ويوثام ولد أحاز وأحاز ولد

стр. 167

أحزيا وأحزيا ولد منشا ومنشا ولد أمون وأمون ولد يوشياهو ويوشياهو ولد يخنبا وَإِخْوَته وَقت الرحلة إِلَى بابل وَبعد ذَلِك ولد ليخنيا صلئيل وصلئيل ولد روبابيل وروبابيل ولد أبيوذ وأبيوذ ولد ألياخيم وألياخيم ولد أَزور وأزور ولد صادوق وصادوق ولد أخيم وأخيم ولد اليوذ واليوذ ولد أليعزار وأليعزار ولد متان ومتان ولد يَعْقُوب وَيَعْقُوب ولد يُوسُف خطيب مَرْيَم الَّتِي ولدت يسوع الَّذِي يدعى مسيحاً فَصَارَ من إِبْرَاهِيم إِلَى دَاوُد أَرْبَعَة عشر أَبَا وَمن دَاوُد إِلَى وَقت الرحلة أَرْبَعَة عشر أَبَا وَمن وَقت الرحلة إِلَى الْمَسِيح أَرْبَعَة عشر أَبَا فَجَمِيع المواليد من إِبْرَاهِيم إِلَى الْمَسِيح اثْنَان وَأَرْبَعُونَ مولوداً قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَفِي هَذَا الْفَصْل خلاف لما فِي التَّوْرَاة وَكتب الْيَهُود الَّتِي هِيَ عِنْدهم فِي النَّقْل كالتوراة وهما كتاب ملاخيم وَكتاب وبراهياميم فَقَالَ هَاهُنَا تارخ بن يهوذا وَفِي التَّوْرَاة زارح بن يهوذا وَهَذَا اخْتِلَاف فِي الِاسْم وَكذب فِي أحد الْخَبَرَيْنِ والأنبياء لَا يكذبُون وَقَالَ هَا هُنَا أحزياهو بن يهورام وَفِي كتب الْيَهُود أحزيابن يورام وَهَذَا اخْتِلَاف فِي الْأَسْمَاء ووحي الله تَعَالَى لَا يحْتَمل هَذَا فأحد النقلين كَاذِب بِلَا شكّ وَقَالَ هَاهُنَا يومثام بن أحزياهو وَفِي كتب الْيَهُود الْمَذْكُور يوثام بن عزيا بن أمصيا بن أش بن أحزيا فأسقط ثَلَاثَة آبَاء مِمَّا فِي كتب الْيَهُود وَهَذَا عَظِيم جدا فَإِن صدقُوا كتب الْيَهُود وهم مصدقون بهَا فقد كذب مَتى وَجَهل وَإِن صدقُوا مَتى فَإِن كتب الْيَهُود كَاذِبَة لَا بُد من أحد ذَلِك فقد حصلوا على التَّصْدِيق بالشَّيْء وضده مَعًا وَقَالَ هَا هُنَا أحزياهو ابْن حَاز بن يوثام وَفِي كتب الْيَهُود الْمَذْكُورَة حزقيا بن أحاز بن يوثام وهذ اخْتِلَاف فِي الِاسْم وَالْوَحي لَا يحْتَمل هَذَا فأحد النقلين كَاذِب بِلَا شكّ وَقَالَ هَا هُنَا يخنيا بن يوشياهو بن أمون وَفِي كتب الْيَهُود الَّتِي ذكرنَا يخنيا بن الياقيم بن موشيا بن أموز فأسقط مَتى الياقيم وَخَالف فِي اسْم يوشيا بن آمون وهذ عَظِيم كَمَا قدمنَا من كذبهمْ وَلَا بُد إِذْ يصدقون بالشَّيْء والضد لَهُ مَعًا وهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن مَتى رَسُول مَعْصُوم أجل عِنْد الله من مُوسَى وَمن سَائِر الْأَنْبِيَاء كلهم وَهُوَ قد قَالَ فِي أول كلمة من إنجيله مصحف نِسْبَة الْمَسِيح بن دَاوُد بن إِبْرَاهِيم ثمَّ لم يَأْتِ إِلَّا بِنسَب يُوسُف النجار زوج مَرْيَم الَّذِي عِنْدهم هُوَ ربيب إلههم زوج أمه فَكيف يَقُول أَنه يذكر نسب الْمَسِيح ثمَّ يَأْتِي بِنِسْبَة يُوسُف النجار والمسيح عِنْد هَذَا التيس البوال لَيْسَ هُوَ ولد يُوسُف أصلا فقد كذب هَذَا القذر كذبا لَا خَفَاء بِهِ وَلَا مدْخل للمسيح فِي هَذَا النّسَب أصلا

стр. 168

بِوَجْه من الْوُجُوه إِلَّا أَن يَجْعَلُوهُ ولد يُوسُف النجار وهم لَا يَقُولُونَ هَذَا وَلَا نَحن وَلَا جُمْهُور الْيَهُود أما هم فَيَقُولُونَ أَنه ابْن الله من مَرْيَم وَأَنه إِلَه وَابْن إِلَه وَامْرَأَة تَعَالَى الله عَن هَذَا وَأما نَحن فَنَقُول والعيسوية من الْيَهُود مَعنا والأريوسية والبولقانية والمقدونية من النَّصَارَى أَنه عبد آدَمِيّ خلقه الله تَعَالَى فِي بطن مَرْيَم ﵍ من غير ذكر وَأما جُمْهُور الْيَهُود لعنهم الله فَيَقُولُونَ أَنه لغير رشدة حاشى لله من ذَلِك بل إِن طَائِفَة قَليلَة من الْيَهُود يَقُولُونَ أَنه ابْن يُوسُف النجار وَمَا نرى مَتى إِلَّا شَاهدا لقَولهم ومحققاً لَهُ وَإِلَّا فَكيف يبْدَأ بِأَنَّهُ يذكر نسب الْمَسِيح إِلَى دَاوُد ثمَّ لَا يذكر إِلَّا يُوسُف النجار إِلَى دَاوُد وَلَو أَنه ذكر نسب أمه مَرْيَم لَكَانَ لقَوْله مخرج ظَاهر لكنه لم يذكر نسب مَرْيَم أصلا ثمَّ لم يستحي النذل من أَن يُحَقّق مَا ابْتَدَأَ بِهِ فَبعد أَن أتم نسب يُوسُف النجار قَالَ من الرحلة إِلَى الْمَسِيح أَرْبَعَة عشر أَبَا فَجَمِيع المواليد من إِبْرَاهِيم إِلَى المسسيح اثْنَان وَأَرْبَعُونَ مولوداً فأكد هَذَا الملعون كذبه وَأَن الْمَسِيح ولد يُوسُف وَلَا بُد ضَرُورَة من أَحدهمَا وَإِلَّا فَكيف يكون من الرحلة إِلَى الْمَسِيح أَرْبَعَة عشرا أَبَا والمسيح لَيْسَ هُوَ ابْنا لأَحَدهم ولاهم آبَاء لَهُ فَكيف يكون من إِبْرَاهِيم إِلَى الْمَسِيح اثْنَان وَأَرْبَعُونَ مولوداً وَلَا مدْخل للمسيح فِي تِلْكَ الولادات إِلَّا كمدخله فِي ولادات أهل الصين وَأهل الْهِنْد وَأهل طلعة وسقر وسقرال وَلَا فرق هَذِه فضائح الدَّهْر وَمَا لَا يَأْتِي بِهِ إِلَّا أنجس الْبَريَّة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان ثمَّ كذب آخر وَجَهل زَائِد وهما قَوْله فَبين إِبْرَاهِيم إِلَى دَاوُد أَرْبَعَة عشرَة أَبَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا كذب إِنَّمَا هم على مَا ذكر ثَلَاثَة عشر إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب ويهوذا وزارح وحضروم وآرام وعمينا ذاب ونحشون وشلمون وبوعز وعوبيذ ويشاي فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة عشر اباً ثمَّ دَاوُد وَلَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يعد دَاوُد فِي آبَاء نَفسه فَيجْعَل أَبَا لنَفسِهِ فَهَذِهِ ملحنة ثمَّ قَالَ وَمن دَاوُد إِلَى الرحلة أَرْبَعَة عشر اباً وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن يخنيا هُوَ الراحل بِنَصّ قَول مَتى وَأَنه لم يُولد لَهُ على قَوْله صلتيئيل إِلَّا بعد الرحلة فهم شلمون ورحبعام وأبيو وآشا ويهو شافاط ويهوررام وأحزياهو ويوثام وأحاز وأحزياهو ومنشا وآمون ويوشياهو ويخنيا وَقد عد دَاوُد قبل فَإِن عده هَا هُنَا فقد حققوا الْكَذِب فِي الْفَصْل الَّذِي قبله وَإِن عده هُنَاكَ فقد كذبُوا فِي هَذَا الْعدَد الثَّانِي أَو جعلُوا يخنيا أَبَا لنَفسِهِ وَهَذَا هوس ثمَّ قَالَ وَمن الرحلة إِلَى الْمَسِيح أَرْبَعَة عشر أَبَا وَهَذَا فصل جمع كذبتين عظيمتين أحداهما أَنه إِذا عد صلتيئيل ثمَّ من بعده إِلَى يُوسُف النجار فليسوا إِلَّا اثْنَي عشر رجلا فَقَط وهم صلتيئيل وروبابيل وابيوذ والياخيم وآزور وصادوق وأخيم

стр. 169

واليوذ واليعازار وماثان وَيَعْقُوب ويوسف فَإِن عد فيهم يخنيا كَانُوا ثَلَاثَة عشر وَهُوَ يَقُول أَرْبَعَة عشر فاعجبوا لهَذَا الْحمق وَهَذَا الضلال واعجبوا لرعونة من جَازَ هَذَا عَلَيْهِ واعتقده دينا ثمَّ إِن كَانَ عني أَنهم آبَاء الْمَسِيح فيوسف وَالِد الْمَسِيح وكفي بِهَذَا عِنْدهم كفرا فقد كفر مَتى أَو كذب وَجَهل لَا بُد من أحد ذَلِك ثمَّ قَوْله فَمن إِبْرَاهِيم إِلَى الْمَسِيح اثْنَان وَأَرْبَعُونَ مَوْلُود فَهَذَا كذب فَاحش وَجَهل مفرط لِأَنَّهُ إِذا عد إِبْرَاهِيم وَمن بعده إِلَى يُوسُف وعد يُوسُف أَيْضا فَإِنَّمَا هم أَرْبَعُونَ فَقَط فَإِن عد الْمَسِيح وَجعله ولد يُوسُف لم يَكُونُوا أَيْضا إِلَّا وَاحِدًا وَأَرْبَعين فَقَط فاعجبوا مِمَّن يدين الله تَعَالَى بِهَذَا الْحمق واحمدوه على السَّلامَة هَذَا إِلَى الْكَذِب المفضوح الَّذِي فِي نسب دَاوُد ﵇ إِلَى نحشون بن عمينا ذاب لِأَن يحشون بِنَصّ توراتهم هُوَ الْخَارِج من مصر وَهُوَ مقدم بني يهوذا وَلم يدْخل بِنَصّ التَّوْرَاة أَرض الْبَيْت الْمُقَدّس لِأَن كل من خرج من مصر ابْن عشْرين سنة فَصَاعِدا مَاتُوا كلهم فِي التيه بِنَصّ التَّوْرَاة فَإِذا عدت الولادات من شلمون بن نحشون الَّذِي دخل أَرض الْبَيْت الْمُقَدّس إِلَى دَاوُد ﵇ وجدوا أَرْبَعَة فَقَط وهم دَاوُد بن يشاي بن عوبيذ بن بوعذ بن شلمون الدَّاخِل مصر الْمَذْكُور وَلَا يَخْتَلِفُونَ يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى مَعًا أَن من دُخُول شلمون الْمَذْكُور مَعَ يُوشَع وَبني إِسْرَائِيل الأَرْض المقدسة إِلَى مولد دَاوُد ﵇ خَمْسمِائَة سنة وَثَلَاثًا وَسبعين سنة فَيجب على هَذَا أَن يَقُول أَن شلمون لم يدْخل الأَرْض المقدسة إِلَّا وَهُوَ أقل من سنة وَأَنه لم يُولد لكل وَاحِد مِنْهُم وَلَده الْمَذْكُور إِلَّا وَله مائَة سنة ونيف وَأَرْبَعُونَ سنة وكتبهم تشهد ككتاب ملاخيم وبراهياميم وَغَيرهمَا وتقطع أَنه لم يَعش أحد من بني إِسْرَائِيل بعد مُوسَى ﵇ مائَة سنة وَثَلَاثِينَ سنة إِلَّا يهوراع الكوهن الهاروني وَحده فكم هَذَا الْكَذِب وَهَذَا الافتضاح فِيهِ وَهَذِه الشُّهْرَة الْعَظِيمَة لَا ينفكون من كذبة إِلَّا إِلَى أُخْرَى وَمن سوءة إِلَّا إِلَى سوءة ونعوذ بِاللَّه من الْبلَاء فاعجبوا لما افْتتح بِهِ هَذَا الْكذَّاب كِتَابه وتأليفه مَاذَا جمع هَذَا الْفَصْل على صغره وَأَنه أسطار يسيرَة من الْكَذِب وَالْجهل ... أحسن مَا فِي خَالِد وَجهه فقس على الْغَائِب بِالشَّاهِدِ ... ثمَّ ذكر لوقا الطَّبِيب فِي الْبَاب الثَّالِث مِنْهُ نسب الْمَسِيح ﵇ فَقَالَ أَنه كَانَ يظنّ أَنه ابْن يُوسُف النجار الْمَنْسُوب إِلَى عالى إِلَى ماثان إِلَى لاوي إِلَى ملكي إِلَى يمتاع إِلَى يُوسُف إِلَى متاثيا إِلَى حاموص إِلَى ماحوم إِلَى أشلا إِلَى أنجا إِلَى ماهاث إِلَى منيشا إِلَى شمعي إِلَى مصداق إِلَى يهندع

стр. 170

إِلَى يوحنا إِلَى ريشا إِلَى زربائيل إِلَى صلتئيل إِلَى ينرى إِلَى ملكي إِلَى أدّى إِلَى أريع إِلَى قرصام إِلَى المودان إِلَى هار إِلَى يشوع إِلَى يونا إِلَى الياخيم إِلَى ملكا اياز إِلَى يمتاع إِلَى متاثا إِلَى ناثان إِلَى دَاوُد النَّبِي ﷺ ثمَّ ذكر نسب دَاوُد كَمَا ذكره مَتى حرفا حرفا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فاعجبوا لهَذِهِ الْمُصِيبَة الْحَالة بهم مَا أفحشها وأوحشها وأقذرها وأوضرها وأرذلها وأنذلها مَتى الْكذَّاب ينْسب الْمَسِيح إِلَى يُوسُف النجار ثمَّ ينْسب يُوسُف إِلَى الْمُلُوك من ولد سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ أَبَا فأباً ولوقا ينْسب يُوسُف النجار إِلَى آبَاء غير الَّذِي ذكرهم مَتى حَتَّى يُخرجهُ إِلَى ناثان بن دَاوُد أخي سُلَيْمَان بن دَاوُد أَو لَا بُد ضَرُورَة من أَن يكون كلا النسبين كذبا فيكذب الملعونان جَمِيعًا وَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون كلا النسبتين حَقًا ولوقا عِنْدهم لوق الله صورهم وألاق وجوهم ولقاهم الْبلَاء وَألقى عَلَيْهِم الدمار واللعنة فِي الْجَلالَة فَوق جَمِيع الْأَنْبِيَاء ﵈ فَهَذِهِ صفة أَنَاجِيلهمْ فاحمدوا الله تَعَالَى أَيَّاهُ الْمُؤْمِنُونَ على السَّلامَة والعصمة وَقَالَ بعض أكَابِر من سلف مِنْهُم من مضليهم أَن أحد هذَيْن النسبين هُوَ نسب الْولادَة وَالنّسب الآخر نسب إِلَى إِنْسَان تبناه على مَا قد كَانَ فِي قديم زمن بني إِسْرَائِيل من أَن من مَاتَ وَلَا ولد لَهُ وَتزَوج آخر امْرَأَته نسب إِلَى الْمَيِّت من ولدت من هَذَا الْحَيّ فَقُلْنَا لمن عَارَضنَا مِنْهُم بِهَذَا الهوس من لَك بِهَذَا وَأَيْنَ وجدته ألموقا أَو لمتى وَالدَّعْوَى لَا يعجز عَنْهَا أحد وَهِي بَاطِلَة إِلَّا أَن يعضدها برهَان وَبعد هَذَا فَأَي النسبين هُوَ نسب الْولادَة وَأيهمَا هُوَ نسب الْإِضَافَة لَا الْحَقِيقَة فَأَيّهمَا قَالَ قلب عَلَيْهِ قَوْله وَقيل لَهُ هَذِه دَعْوَى بِلَا برهَان فَإِن قَالَ أَن لوقا لم يقل أَن فلَانا ولد فلَانا كَمَا قَالَه مَتى لَكِن قَالَ الْمَنْسُوب إِلَى عالى قُلْنَا وَهَكَذَا قَالَ فِي آبَاء عالى أَبَا فأباً إِلَى دَاوُد ثمَّ إِلَى إِبْرَاهِيم ثمَّ إِلَى نوح ثمَّ إِلَى آدم سَوَاء بسواءٍ فِي اسْم بعد اسْم وَفِي أَب بعد أَب وَلَا فرق افترى نسب دَاوُد إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِبْرَاهِيم إِلَى نوح ونوح إِلَى آدم كَانَ أَيْضا على الْإِضَافَة لَا على الْحَقِيقَة كَمَا قلت فِي نسب يُوسُف إِلَى عالى هَذَا عجب فَإذْ لَا سَبِيل إِلَى تَصْحِيح هَذِه الدَّعْوَى فَهِيَ كذب ووضح الْكَذِب فِي أحد النسبين ضَرُورَة عيَانًا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فصل وَفِي الْبَاب الثَّالِث من إنجيل مَتى فلحق يسوع يَعْنِي الْمَسِيح بالمفاز وَسَاقه الرّوح إِلَى هُنَالك ولبث فِيهِ ليقيس إِبْلِيس نَفسه فِيهِ فَلَمَّا أَن مضى أَرْبَعِينَ يَوْمًا بليالها جَاع فَوقف إِلَيْهِ الجساس وَقَالَ لَهُ إِن كنت ولد الله فَأمر هَذِه الجنادل تصير لَك خبْزًا فَقَالَ

стр. 171

يسوع قد صَار مَكْتُوبًا بِأَن عَيْش الْمَرْء لَيْسَ بالخبز وَحده وَلَكِن فِي كل كلمة تخرج من فَم الله تَعَالَى وَبعد هَذَا أقبل إِبْلِيس فِي الْمَدِينَة المقدسة وَهُوَ وَاقِف فِي أَعلَى بنيانها وَقَالَ لَهُ إِن كنت ولد الله فترام من فَوق فَإِنَّهُ قد صَار مَكْتُوبًا بِأَنَّهُ سيبعث مَلَائِكَة يرفدونك ويدفعون عَنْك حَتَّى لَا يُصِيب قدمك مَكْرُوه فَأَجَابَهُ يسوع وَقَالَ قه قد صا مَكْتُوبًا أَيْضا أَن لَا يقيس أحد العبيد إلهه ثمَّ عَاد إِلَيْهِ إِبْلِيس وَهُوَ فِي أَعلَى جبل منيف فأطهر لَهُ زِينَة جَمِيع الدُّنْيَا وشرفها وَقَالَ لَهُ إِنِّي سأملكك كل مَا ترى إِن سجدت لي فَقَالَ لَهُ يسوع اذْهَبْ يَا مُنَافِق مقهقراً فقد كتب أَن لَا يعبد أحد غير السَّيِّد إلهه وَلَا يخْدم سواهُ فتأيس عَنهُ إِبْلِيس عِنْد ذَلِك وَتَنَحَّى عَنهُ وَأَقْبَلت الْمَلَائِكَة وتولت خدمته وَفِي الْبَاب الرَّابِع من إنجيل لوقا فَانْصَرف يسوع من الْأُرْدُن محشواً من روح الْقُدس وقاده الرّوح إِلَى القفار وَمكث فِيهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وقايسه إِبْلِيس فِيهِ وَلم يَأْكُل شَيْئا فِي تِلْكَ الْأَرْبَعين يَوْمًا فَلَمَّا أكملها جَاع فَقَالَ لَهُ إِبْلِيس إِن كنت ابْن الله فَأمر هَذِه الْحجر أَن يصير خبْزًا فَأَجَابَهُ يسوع وَقَالَ لَهُ قد صَار مَكْتُوبًا أَنه لَيْسَ عَيْش الْآدَمِيّ فِي الْخبز وَحده إِلَّا فِي كل كلمة لله ثمَّ قَادَهُ إِبْلِيس إِلَى جبل منيف عَال وَعرض عَلَيْهِ وَملك جَمِيع الدُّنْيَا من وقته وَقَالَ لَهُ سأملكك هَذَا السُّلْطَان وأنزلك بعطمته لِأَنِّي قد ملكته وَأَنا أعْطِيه من وَافقنِي فَإِن سجدت لي كَانَ لَك أجمع فَأَجَابَهُ يسوع وَقَالَ لَهُ قد صَار مَكْتُوبًا أَن تعبد السَّيِّد إلهك وتخدمه وَحده ثمَّ سَاقه إِلَى برشام وصعده وَوَقفه على صَخْرَة الْبَيْت فِي أَعْلَاهُ وَقَالَ لَهُ إِن كنت ولد الله فتسبسب من هَاهُنَا لِأَنَّهُ مَكْتُوب أَن يبْعَث مَلَائِكَة لحرزك وحملك فِي الأكف حَتَّى لَا تعثر بقدمك فِي حجر وَلَا يصيبك مَكْرُوه فَأَجَابَهُ يسوع وَقَالَ لَهُ قد كتب أَيْضا أَن لَا تقيس السَّيِّد إلهك قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذَا الْفضل عجائب لم يسمع بأطم مِنْهَا أَولهَا إِقْرَار الصَّادِق عِنْدهم بِأَن إِبْلِيس قاد الْمَسِيح مرّة إِلَى جبل منيف وانقاد لَهُ وَمضى مَعَه وقاده مرّة أُخْرَى إِلَى أَعلَى صَخْرَة فِي بَيت الْمُقَدّس فَمَا نرَاهُ إِلَّا ينقاد لإبليس حَيْثُ قَادَهُ وَلَا يخلوا من أَن يكون قَادَهُ فانقاد لَهُ مطيقا سَامِعًا فَمَا نرَاهُ نرَاهُ إِلَّا منصرفاً تَحت حكم الشَّيْطَان وَهَذِه وَالله منزلَة رذيلة جدا أَو يكون قَادَهُ كرها فَهَذِهِ منزلَة المصروعين الَّذين يتخبطهم الشَّيْطَان من الْمس حاشى الْأَنْبِيَاء من كلتا الصفتين فَكيف بإله وَابْن إِلَه بزعمهم وَمَا سمع قطّ بأحمق من هَذَا الهوس وَنَحْمَد الله على عَظِيم منته ثمَّ الطامة الْأُخْرَى كَيفَ يطْمع إِبْلِيس عِنْد هَؤُلَاءِ النوكي فِي أَن يسْجد لَهُ خالقه وَفِي أَن يعبده ربه وَفِي أَن يخضع لَهُ من فِيهِ روح اللاهوت أم كَيفَ يَدْعُو إِبْلِيس ربه وإلهه إِلَى أَن يعبده وَالله إِنِّي لأقطع أَن كفر إِبْلِيس وحمقه لم يبلغَا قطّ هَذِه الْمبلغ فَهَذِهِ آبدة الدَّهْر ثمَّ عجب آخر كَيفَ يمني إِبْلِيس رب الدُّنْيَا وخالقها ومالكها ومالكه وإلهنا وإلهه فِي أَن يملكهُ زِينَة الدُّنْيَا فَهَذِهِ

стр. 172

كَمَا تَقول عامتنا أعْطه من خبزه كسيرة مَا هَذِه الوساوس الَّتِي لَا لَا ينْطق بهَا إِلَّا لِسَان من حَقه سُكْنى المارستان أَو عيار كَافِر مستخف بِقوم نوكي يوردهم وَلَا يصدرهم مَا شَاءَ الله كَانَ فَإِن قَالُوا إِنَّمَا دَعَا الناسوت وَحده وإياه عَنى إِبْلِيس وَحده قُلْنَا فَإِن اللاهوت والناسوت عنْدكُمْ متحدان بِمَعْنى أَنَّهُمَا صَارا شَيْئا وَاحِدًا والمسيح عنْدكُمْ إِلَه معبود وَقد قُلْتُمْ هَاهُنَا أَن إِبْلِيس قاد الْمَسِيح فانقاد لَهُ الْمَسِيح وَدعَاهُ إِبْلِيس إِلَى عِبَادَته وَالسُّجُود لَهُ ومناه إِبْلِيس بِملك الدُّنْيَا وَقَالَ للمسيح وَقَالَ لَهُ الْمَسِيح أَو قَالَ ليسوع وَقَالَ لَهُ يسوع وعَلى قَوْلكُم أَنه إِنَّمَا خَاطب الناسوت إِنَّمَا دَعَا نصف الْمَسِيح وَنصف يسوع وَإِنَّمَا مني بزينة الدُّنْيَا نصف الْمَسِيح فقد كذب لوقا وَمَتى على كل حَال وَأهل الْكَذِب هما فَكيف هَذَا وَيُوجب أَن إِبْلِيس إِنَّمَا دَعَا اللاهوت لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ إِن كنت ابْن الله فافعل كَذَا وَلَو لم يكن من هَذَا فِي الأناجيل إِلَّا هَذَا الْ فَصْل الأبخر وَحده لكفى فَكيف وَله فِيهَا نَظَائِر جمة وَنَحْمَد الله على السَّلامَة فصل قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَذكر فِي الْفَصْل الَّذِي تكلمنا عَلَيْهِ أَن الْمَسِيح ﵇ احتشى من روح الْقُدس وَفِي أول بَاب من إنجيل لوقا أَن يحيى بن زَكَرِيَّا احتشى من روح الْقُدس فِي بطن أمه وَأَن أم يحيى احتشت أَيْضا من روح الْقُدس فَمَا نرى للمسيح من روح الْقُدس إِلَّا كَالَّذي ليحيى ولأم يحيى من روح الْقُدس وَلَا فرق فَأَي فضل لَهُ عَلَيْهِمَا فصل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَفِي الْبَاب الثَّالِث من إنجيل مَتى فَلَمَّا بلغه حبس يحيى بن زَكَرِيَّا تنحى إِلَى جلجال وتخلا من مَدِينَة ناصرة ورحل وَسكن فِي كفرنا حوم على السَّاحِل فِي زابلون ونفثالى ليتم قَول أشعيا النَّبِي حَيْثُ قَالَ أَرض زابلون ونفثالى وَطَرِيق الْبَحْر خلف الْأُرْدُن وجلجال الْأَجْنَاس وكل من كَانَ بهَا فِي ظلمَة يبصرون نورا عَظِيما وَمن كَانَ سَاكِنا فِي ظلل الْمَوْت بهَا يطلع النُّور عَلَيْهِم وَمن ذَلِك الْموضع ابْتَدَأَ يسوع بِالْوَصِيَّةِ وَقَالَ تُوبُوا فقد تدانى ملكوت السَّمَاء وَبينا هُوَ يمشي على ريف الْبَحْر بَحر جلجال إِذْ بصر بأخوين أَحدهمَا يدعى شَمْعُون الْمُسَمّى باطرة وَالْآخر أندرياس وهما يدخلَانِ شباكهما فِي الْبَحْر وَكَانَا صيادين فَقَالَ لَهما اتبعاني أجعلكما صيادي الْآدَمِيّين فتخليا وقتهما ذَلِك من شباكهما واتبعاه ثمَّ تحرّك من ذَلِك الْموضع وبصر بأخوين أَيْضا وهما يَعْقُوب ويوحنا بن سيذاي فِي مركب مَعَ أَبِيهِمَا يعدَّانِ شباكهما فدعاهما فتخليا ذَلِك الْوَقْت من شباكهما وَمن أَبِيهِمَا ومتاعهما واتبعاه هَذَا نَص كَلَام مَتى فِي إنجيله حرفا حرفا وَفِي أول بَاب من إنجيل

стр. 173

مارقش قَالَ فَبعد أَن بلي يحيى أقبل يسوع إِلَى جلجال ملك الله وَقَالَ إِن الزَّمَان قد تمّ وتدانى ملك الله فتوبوا وتقبلوا الْإِنْجِيل فَلَمَّا خطر جوَار بَحر جلجال نظر إِلَى شَمْعُون وأندرياس وهما يدخلَانِ شبكتهما فِي الْبَحْر وَكَانَا صيادين فَقَالَ لَهما يسوع اتبعاني أجعلكما صيادين للآدميين فتركا ذَلِك الْوَقْت الشبكة واتبعاه ثمَّ تَمَادى قَلِيلا فأبصر يَعْقُوب بن زبدى وأخاه يوحنا وهما فِي الْمركب يهندمان شبكتهما فدعاهما فتركا ولدهما مَعَ العمالين بِأُجْرَة فِي الْمركب واتبعاه هَذَا نَص كَلَام مارقش فِي إنجيله حرفا حرفا وَقَالَ فِي الْبَاب الرَّابِع من إنجيل لوقا وبينما الْجَمَاعَات يَوْمًا تزدحم عَلَيْهِ رَغْبَة فِي اسْتِمَاع كَلَام الله وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت وَاقِفًا على ريف بحيرة بشيرات إِذْ بصر بمركبين فِي الْبحيرَة قد نزل عَنْهُمَا أصحابهما لغسل شباكهم فَدخل يسوع أَحدهمَا الَّذِي كَانَ لشمعون وَسَأَلَهُ أَن يتَنَحَّى بِهِ عَن الرِّيف قَلِيلا فَقعدَ فِي الْمركب وَجعل يُوصي الْجَمَاعَات مِنْهُ فَلَمَّا أمسك عَن الْوَصِيَّة قَالَ لشمعون تَنَح عَن العمق والقواجر أفاتكم للصَّيْد فَقَالَ لَهُ شَمْعُون يَا معلم قد عنينا طول اللَّيْل وَلم نصب شَيْئا وَلَكنَّا سنلقي الجرافة بِأَمْرك وقولك فَلَمَّا أَلْقَاهَا قبضت على حيتان كَثِيرَة جليلة فَكَادَتْ تقطع الجرافة من كثرتها فاستعانوا بأصحاب الْمركب الثَّانِي وسألوهم أَن يعينوهم على إخراجهم لَهَا فَاجْتمعُوا عَلَيْهَا وشحنوا مِنْهَا المركبين حَتَّى كادا أَن يغرقا فَلَمَّا بصر بذلك شَمْعُون الَّذِي يدعى باطرة سجد لسيوع وَقَالَ اخْرُج عني يَا سَيِّدي لِأَنِّي إِنْسَان مذنب وَكَانَ قد حَار وكل من كَانَ مَعَه لِكَثْرَة مَا أَصَابُوا من الْحيتَان وحار يَعْقُوب ويوحنا ابْنا زبدى فَقَالَ يسوع لشمعون لَا تخف فَإنَّك ستصطاد من الْيَوْم الْآدَمِيّين فَخَرجُوا إِلَى الرِّيف الآخر مركبهم وتخلوا من جَمِيع مَا كَانَ لَهُم واتبعوه هَذَا نَص كَلَام لوقا فِي إنجيله حرفا حرفا وَفِي أول بَاب من إنجيل يوحنا بن سيذاي قَالَ وَفِي يَوْم آخر كَانَ يحيى بن زَكَرِيَّا المعمدان وَاقِفًا وَمَعَهُ تلميذان من تلاميذه فَبَصر بيسوع مَا شيا فَقَالَ هَذَا خروف الله فَسمع ذَلِك مِنْهُ التلميذان واتبعا يسوع فَالْتَفت إِلَيْهِمَا يسوع إِذْ رآهما يتبعانه وَقَالَ لَهما مَا الَّذِي طلبتما قَالَا لَهُ يَا معلم أَيْن مسكنك فَقَالَ لَهما أَقبلَا فأبصرا فتوجها مَعَه ورأيا مَسْكَنه وباتا عِنْده ذَلِك الْيَوْم وَكَانَا فِي السَّاعَة الْعَاشِرَة وَكَانَ أحد التلميذين اللَّذين اتبعاه أندرياس أَخُو شَمْعُون الْمُسَمّى باطرى أحد الاثْنَي عشر فلقي أَخَاهُ شَمْعُون وَهُوَ اُحْدُ الَّذين سمعا من يحيى واتبعاه إِذْ نظر إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ وجدنَا الْمَسِيح ثمَّ

стр. 174

أقبل إِلَيْهِ بِهِ فَلَمَّا بصر بِهِ الْمَسِيح قَالَ لَهُ أَنْت شَمْعُون بن يوثا وَأَنت تسمى صفا وترجمته الْحجر وَهَذَا نَص كَلَام يوحنا فِي إنجيله حرفا حرفا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فاعجبوا لهَذِهِ الفضائح وتأملوها اتّفق مَتى وماقش على أَن أول مَا كَانَت صُحْبَة شَمْعُون باطره وأخيه أندرياش ابْني يوثا للمسيح فَإِنَّهَا كَانَت بعد أَن سجن يحيى بن زَكَرِيَّا إِذْ وجدهما الْمَسِيح وهما يدخلَانِ شبكتهما فِي الْبَحْر للصَّيْد وَقَالَ لوقا أَنه وجدهما أول مَا صحباه إِذْ وجدهما قد نزلا من الْمركب لغسل شباكهما وأنهما كَانَا قد تعبا طول اللَّيْل وَلم يصيدا شَيْئا وَقَالَ يوحنا إِن أول مَا صحباه إِذْ رَآهُ أندرياش أَخُو شَمْعُون باطره وَهُوَ وَاقِف مَعَ يحيى بن زَكَرِيَّا وَأَنه كَانَ تلميذاً ليحيى وَأَن يحيى حِينَئِذٍ كَانَ يعمد للنَّاس فَلَمَّا سمع أندرياش قَول يحيى إِذْ رأى الْمَسِيح هَذَا حُرُوف الله ترك يحيى وَصَحب الْمَسِيح وَذَلِكَ فِي السَّاعَة الْعَاشِرَة وَبَات عِنْده تِلْكَ اللَّيْلَة ثمَّ مضى إِلَى أَخِيه شَمْعُون باطره وَأخْبرهُ وأتى بِهِ إِلَى الْمَسِيح فصحبه وَهِي أول صحبته لَهُ فبعضهم يَقُول أول صُحْبَة باطره وأخيه أندرياش للمسيح كَانَت بعد سجن يحيى بن زَكَرِيَّا وَهُوَ قَول مَتى ومارقش وَبَعْضهمْ يَقُول أَن أول صُحْبَة شَمْعُون باطو وأندرياش للمسيح كَانَت قبل أَن يسجن يحيى وَهُوَ قَول يوحنا وَبَعْضهمْ يَقُول أول صُحْبَة باطره وأندرياش للمسيح كَانَت إِذْ وجدهما يدخلَانِ شبكتهما للصَّيْد جميعأً فتركاها وصحباه من حِينَئِذٍ وَهُوَ قَول مَتى ومارقش وَبَعْضهمْ يَقُول أَن أول صُحْبَة باطرة وأندرياش للمسيح كَانَت إِذْ رَآهُ أندرياش وَهُوَ وَاقِف مَعَ يحيى وَهُوَ تلميذ يحيى يَوْمئِذٍ فَرَأى الْمَسِيح مَاشِيا فَقَالَ يحيى هَذَا خروف الله فَترك أندرياش يحيى وَصَحب الْمَسِيح من حِينَئِذٍ ثمَّ مضى إِلَى أَخِيه شَمْعُون وعرفه أَنه قد وجد الْمَسِيح وأتى بِهِ إِلَيْهِ فصحبه من حِينَئِذٍ وَهُوَ قَول يوحنا فَهَذِهِ أَربع كذبات فِي نسق إِحْدَاهَا فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ ابْتَدَأَ صحبتهما للمسيح فِيهِ وَالْأُخْرَى فِي الْموضع الَّذِي كَانَت أول صحبتهما للمسيح فِيهِ وَالثَّالِثَة فِي رُتْبَة صحبتهما للمسيح امعاً أم أَحدهمَا قبل الثَّانِي وَالرَّابِعَة فِي صفة الْحَال الَّتِي وجدهما عَلَيْهَا أول مَا صحباه وبالضرورة نَدْرِي أَن أحد هَذِه الاختلافات الْأَرْبَعَة كذب بِلَا شكّ وَمثل هَذَا لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون من عِنْد الله وَلَا من عِنْد نَبِي وَلَا من عِنْد صَادِق بل من كَذَّاب عيار لَا يُبَالِي بِمَا حدث وَأغْرب شَيْء فِي ذَلِك قَوْلهم أَن يوحنا بن سيذاي هُوَ ترْجم إنجيل مَتى من العبرانية إِلَى اليونانية فَإِذا رأى هَذِه الْقَصَص فِي إنجيل مَتى بِخِلَاف مَا عِنْده فَلَا بُد ضَرُورَة من أَن يكون عرف أَن قَول مَتى كذب أَو عرف أَنه حق لَا بُد من أَحدهمَا ضَرُورَة فَإِن كَانَ قَول مَتى كذبا فقد

стр. 175

استجاز يوحنا أَن يُورد الْكَذِب عَن صَاحبه الْمُقَدّس الَّذِي هُوَ عِنْدهم أكبر من مُوسَى وَمن سَائِر الْأَنْبِيَاء وَإِن كَانَ قَول مَتى حَقًا فقد قصد يوحنا لإيراد الْكَذِب فِيمَا أخبر هُوَ بِهِ فِي إنجيله لَا بُد من أَحدهمَا وَلَقَد كَانَت هَذِه وَحدهَا تَكْفِي فِي بَيَان أَن الأناجيل من عمل كَذَّابين ملعونين شَاهَت وُجُوههم وحاقت بهم لعنة الله فصل وَفِي الْبَاب الرَّابِع من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه لَا تحسبوا أَنِّي جِئْت لنقض التَّوْرَاة وَكتب الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا أتيت لإتمامها فَإِنِّي الْحق أَقُول لكم إِلَى أَن تبيد السَّمَاء وَالْأَرْض لَا تبيد بَاء وَاحِدَة وَلَا حرف وَاحِد من التَّوْرَاة حَتَّى يتم الْجَمِيع فَمن حلل عهدا من هَذِه العهود الصَّغِيرَة وَحمل النَّاس على تَحْلِيله فسيدعى فِي ملكوت السَّمَوَات صَغِيرا وَمن أتمه وحض النَّاس على إِتْمَامه فسيدعى فِي ملكوت السَّمَوَات عَظِيما وَفِي الْبَاب السَّادِس عشر من إنجيل مَتى ستحول السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَا يحول كَلَامي قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذِه نُصُوص تَقْتَضِي التأييد وتمنع من النّسخ جملَة ثمَّ لم يمض بعد الْفَصْل الأول الْمَذْكُور إِلَّا أسطار يسيرَة حَتَّى ذكر مَتى أَنه قَالَ لَهُم الْمَسِيح قد قيل من فَارق امْرَأَته فليكتب لَهَا كتاب طَلَاق قَالَ وَأَنا أَقُول لكم من فَارق امْرَأَته إِلَّا لزنا فقد جعل لَهَا سَبِيلا إِلَى الزِّنَا وَمن تزوج مُطلقَة فَإِنَّهُ يَزْنِي وَهَذَا نقض لحكم التَّوْرَاة الَّذِي ذكر أَنه لم يَأْتِ لنقضها لَكِن لإتمامها ثمَّ يحكون عَن بولس الملعون أَنه نهى عَن الْخِتَان وَهُوَ من أوكد شرائع التَّوْرَاة وَعَن شَمْعُون باطرة المسخوط أَنه أَبَاحَ أكل الْخِنْزِير وكل حَيَوَان وَطَعَام حرمته التوارة ثمَّ هم قد نقضوا شرائع التَّوْرَاة كلهَا أَولهَا عَن آخرهَا من السبت وأعياد الْيَهُود وَغير ذَلِك وهم مَعَ هَذَا الْعَمَل لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن الْمَسِيح وَجَمِيع تلاميذه بعده لم يزَالُوا يلتزمون السبت وأعياد الْيَهُود وفصحهم إِلَى أَن مَاتُوا على ذَلِك وَأَن الْمَسِيح إِنَّمَا أَخذ لَيْلَة الفصح وَهُوَ يفصح على سنة الْيَهُود وشريعتهم فَكيف هَذَا فَلَا بُد لَهُم من أَن يضيفوا الْكَذِب إِلَى الْمَسِيح جهاراً إِذْ أخبر أَنه لم يَأْتِ لنقض التَّوْرَاة ثمَّ نقضهَا فصح أَنه أَتَى لما أخبر أَنه لم يَأْتِ لَهُ من نقضهَا وَهَذَا كذب

стр. 176

لَا مزحل عَنهُ وَلَا بُد لَهُم من أَن يَفروا من أَن الْمَسِيح مسخوط يدعى فِي ملكوت السَّمَوَات صَغِيرا لَا عَظِيما لِأَنَّهُ هَكَذَا أخبر هُوَ عَمَّن حلل عهدا صَغِيرا من عهودها وَهُوَ قد حل عهوداً كبارًا من عهودها إِذْ حرم الطَّلَاق وَقد أباحته التَّوْرَاة وَنهى عَن الْقصاص الَّذِي جَاءَت بِهِ التَّوْرَاة فَقَالَ قد قيل الْعين بِالْعينِ وَالسّن بِالسِّنِّ وَأَنا أَقُول لَا تكافئوا أحدا بسيئة وَلَكِن من لطم خدك الْأَيْمن فانصب لَهُ الخد الْأَيْسَر قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ أَو لَا بُد لَهُم من أَن يشْهدُوا على أنفسهم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم وسالفهم عَن خالفهم بِمَعْصِيَة الله تَعَالَى وَمُخَالفَة الْمَسِيح وَأَنَّهُمْ يدعونَ فِي ملكوت السَّمَوَات صغَارًا إِذْ نقضوا حكم التَّوْرَاة أَولهَا عَن آخرهَا وَلَا يُمكنهُم هَا هُنَا دَعْوَى النّسخ الْبَتَّةَ لأَنهم حكوا كَمَا أوردنا عَن الْمَسِيح أَنه قَالَ أَقُول لكم إِلَى أَن تبيد السَّمَاء وَالْأَرْض لَا تبيد بَاء وَاحِدَة وَلَا حرف وَاحِد من التَّوْرَاة حَتَّى يتم الْجَمِيع فَمنع من النّسخ جملَة وَأَن فِي هَذَا لعجباً لَا نَظِير لَهُ وحمق وضلالاً مَا كُنَّا نصدق بِأَن أحدا يدين بِهِ لَوْلَا أَنا شاهدناهم ونسأل الله السَّلامَة ثمَّ ذكر فِي الْبَاب الثَّامِن عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ للحواريين الاثْنَي عشر بأجمعهم وَمن جُمْلَتهمْ يهوذا الأسخريوطي الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْيَهُود برشوة ثَلَاثِينَ درهما كل مَا حرمتموه فِي الأَرْض يكون محرما فِي السَّمَاء وكل مَا حللمتموه فِي الأَرْض يكون محللاً فِي السَّمَاء وَفِي الْبَاب السَّادِس عشر من إنجيل مَتى أَنه قَالَ هَذَا القَوْل لباطره وَحده قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا نَص تنَاقض عَظِيم كَيفَ يكون التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم للحواريين أَو لباطره مَعَ قَوْله أَنه لم يَأْتِ لتبديل التَّوْرَاة لَكِن لإتمامها وَأَنه من نقض من عهودها عهدا صَغِيرا دعِي فِي ملكوت السَّمَوَات صَغِيرا وَأَن السَّمَاء وَالْأَرْض تبيدان قبل أَن تبيد التَّوْرَاة بَاء وَاحِدَة أَو حرف وَاحِد لَئِن كَانَ صدق فِي هَذَا فَإِن فِي نَص التَّوْرَاة أَن الله تَعَالَى قد لعن من صلب فِي خَشَبَة وهم يَقُولُونَ أَنه صلب فِي خَشَبَة وَلَا شكّ فِي أَن باطرة شَمْعُون أَخا يُوسُف وأندرياش أَخُو باطرة وفليش وبولس صلبوا فِي الْخشب فعلى قَول الْمَسِيح لَا يبيد شَيْء من التَّوْرَاة حَتَّى يتم جَمِيعهَا فَكل هَؤُلَاءِ ملعونون بلعنة الله تَعَالَى فاعجبوا لضلال هَذِه الْفرْقَة المخذولة فَمَا سمع بأطم من هَذِه الفضائح أبدا

стр. 177

فصل وَفِي الرَّابِع عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم أَنا أَقُول لكم كل من شخط على أَخِيه بِلَا سَبَب فقد اسْتوْجبَ الْقَتْل وَإِن أضرت إِلَيْك عَيْنك الْيُمْنَى فافقأها وأذهبها عَن نَفسك فذهابها عَنْك أحسن من إِدْخَال جسدك الْجَحِيم وَإِن أضرت إِلَيْك يدك الْيُمْنَى فابرأ مِنْهَا فذهابها مِنْك أحسن من إِدْخَال جسدك النَّار قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذِه شرائع يقرونَ أَن الْمَسِيح ﵇ أَمرهم بهَا وكفهم عَنْهَا بِلَا خلاف بَين أحد مِنْهُم وَلَا يرَوْنَ الْقَضَاء بِشَيْء مِنْهَا فهم على مُخَالفَة الْمَسِيح بإقرارهم وهم لَا يرَوْنَ الْخِتَان والختان كَانَ مِلَّة الْمَسِيح وَكَانَ مختوناً والمسيح وتلاميذه لم يزَالُوا إِلَى أَن مَاتُوا يَصُومُونَ صَوْم الْيَهُود ويفصحون فصحهم ويلتزمون السبت إِلَى أَن مَاتُوا وهم قد بدلُوا هَذَا كُله وَجعلُوا مَكَان السبت الْأَحَد وأحدثوا صوما آخر بعد أَزِيد من مائَة عَام بعد رفع الْمَسِيح فَكفى بِهَذَا كُله ضلالا وَكفرا وَلَيْسَ مِنْهُم أحدا يقدر على إِنْكَار شَيْء من هَذَا فَإِن قَالُوا إِن الْمَسِيح أَمرهم بِاتِّبَاع أكابرهم قُلْنَا لَا عَلَيْكُم أَرَأَيْتُم لَو أَن بطارقتكم الْيَوْم أَجمعُوا على إبِْطَال مَا أحدثه بطارقتكم بعد مائَة عَام من رفع الْمَسِيح وأحدثوا لكم صياما آخر وَيَوْما آخر غير يَوْم الْأَحَد وفصحاً آخر وردوكم إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَسِيح من تَعْظِيم السبت وَصَوْم الْيَهُود وفصحهم أَكَانَ يلزمكم اتباعهم فَإِن قَالُوا لَا قُلْنَا وَلم وَأي فرق بَين اتِّبَاع أُولَئِكَ وَقد خالفوا مَا نَص عَلَيْهِ الْمَسِيح والحواريون وَبَين اتِّبَاع هَؤُلَاءِ فِيمَا أحدثوه آنِفا فَإِن قَالُوا إِن أُولَئِكَ لعنُوا وَمنعُوا من تَبْدِيل مَا شرعوا قُلْنَا لَهُم وَأي لعن وَأي منع أعظم من منع الْمَسِيح من تَبْدِيل شَيْء من عهود التَّوْرَاة ثمَّ قد بدله من أطعتموه فِي تبديله لَهُ فقد صَار منع من بعد الْمَسِيح أقوى من منع الْمَسِيح وَإِن قَالُوا نعم كُنَّا نتبعهم أقرُّوا أَن دينهم لَا حَقِيقَة لَهُ وَإنَّهُ إِنَّمَا هُوَ اتِّبَاع مَا شرع أكابرهم من تَبْدِيل مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَيُقَال لَهُم أَرَأَيْتُم إِن أحدث بعض بطارقتكم شرائع وأحدث الْآخرُونَ مِنْهُم أخر ولعنت كل طَائِفَة مِنْهُم من عمل بِغَيْر مَا شرعت فَكيف يكون الْحَال فَأَي دين أوسخ وأضل وأفسد من دين من هَذِه صفته وَلَقَد كَانَ لَهُم فِيمَا أوردنا من هَذَا الْفَصْل كِفَايَة فِي بطلَان كل مَا هم عَلَيْهِ وَلَو كَانَ لَهُم مسكة عقل وَحقّ لكل دين مرجعه إِلَى مَتى الشرطي ويوحنا المستخف وماقش الْمُرْتَد ولوقا الزنديق وباطره اللعين وبولس الموسوس الاضلال لَهُم فِي دينهم أَن تكون هَذِه صفته وَالْحَمْد لله على عَظِيم نعْمَته علينا فصل وَفِي الْبَاب الْخَامِس من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم ليكن دعائكم على مَا أصف لكم أَبَانَا السماوي تقدس اسْمك ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك وَقد علم أبوكم أَنكُمْ ستحتاجون إِلَى جَمِيع هَذَا وَفِي آخر الْإِنْجِيل أَنه قَالَ أَنا ذَاهِب إِلَى أبي وأبيكم إلهي وإلهكم فَمَا

стр. 178

نرى للمسيح من الْبُنُوَّة لله تَعَالَى إِلَّا مَا لسَائِر النَّاس وَلَا فرق فَمن أَيْن حصره بِأَنَّهُ ابْن الله دون سَائِرهمْ كلهم إِلَّا أَن كذبوه فِي هَذَا القَوْل فليختاروا أحد الْأَمريْنِ وَلَا بُد ثمَّ من أَيْن خصوا كل من سوى الْمَسِيح بِأَن الله تَعَالَى إلهه وَلم يَقُولُوا أَن الله إِلَه الْمَسِيح كَمَا قَالَ هُوَ بِلِسَانِهِ فَلَا بُد ضَرُورَة من الْإِقْرَار بِأَن الله هُوَ إِلَه الْمَسِيح وَأَن سَائِر النَّاس أَبنَاء الله تَعَالَى أَو يكذبوا الْمَسِيح فِي نصف كَلَامه وحسبك بِهَذَا فَسَادًا وضلالاً تَعَالَى الله عَن أَن يكون أَبَا لأحد أَو أَن يكون لَهُ ابْن لَا الْمَسِيح وَلَا غَيره بل هُوَ تَعَالَى إِلَه الْمَسِيح وإله كل من هُوَ غير الْمَسِيح فصل وَكَثِيرًا مَا يحكون فِي جَمِيع الأناجيل فِي غير مَا مَوضِع أَنه إِذا أخبر الْمَسِيح عَن نَفسه سمي نَفسه ابْن الْإِنْسَان وَمن الْمحَال والحمق أَن يكون الْإِلَه ابْن إِنْسَان أَو أَن يكون ابْن إِلَه وَابْن إِنْسَان مَعًا وَأَن يلد إِنْسَان إِلَهًا مَا فِي الْحمق والمحال وَالْكفْر أَكثر من هَذَا وتعوذ بِاللَّه من الضلال فصل وَفِي الْبَاب التَّاسِع من إنجيل مَتى فَبينا يسوع يَقُول هَذَا إِذْ أقبل إِلَيْهِ أحد أَشْرَاف ذَلِك الْموضع وَقَالَ لَهُ إِن ابْنَتي توفيت وَأَنا أَرغب إِلَيْك أَن تذْهب إِلَيْهَا وتمسها بِيَدِك لتحيا ثمَّ ذكر أَنه لما دخل بَيت الْقَائِد وَأبْصر بالنوائح والبواكي قَالَ لَهُنَّ اسكتن فَإِن الْجَارِيَة لم تمت وَلكنهَا رَاقِدَة فاستهزأت الْجَمَاعَة بِهِ وَلما خرجت الْجَمَاعَة عَنْهَا دخل عَلَيْهَا وَأخذ بِيَدِهَا ثمَّ أَقَامَهَا حَيَّة وَذكر هَذِه الْقِصَّة نَفسهَا فِي الْبَاب السَّابِع من إنجيل لوقا إِلَّا أَنه قَالَ فِيهَا إِن أَبَاهَا قَالَ لَهُ قد أشرفت على الْمَوْت وَأَنه نَهَضَ مَعَه فَلَقِيَهُ رَسُول يُخبرهُ بِأَن الْجَارِيَة قد مَاتَت فَلَا تتعبه وَأَن

стр. 179

الْمَسِيح قَالَ لأَبِيهَا لَا تخف وآمن فتحيا فَلَمَّا بلغا الْبَيْت لم يدْخل مَعَ نَفسه فِي الْبَيْت إِلَّا باطرة ويوحنا وَيَعْقُوب وَأَبُو الْجَارِيَة وَكَانَت الْجَمَاعَة تبْكي وتلتدم فَقَالَ لَهُم لَا تبكوا فَإِنَّهَا رَاقِدَة وَلَيْسَت ميتَة فاستهزؤا بِهِ معرفَة بموتها فَأخذ بِيَدِهَا ودعاها وَقَالَ يَا جَارِيَة قومِي فَعَادَت إِلَيْهَا روحها وَقَامَت من وَقتهَا وَأمر أَن تطعم طَعَاما وَجَاء أبواها وَأَمرهمَا أَن لَا يعلمَا أحدا بِمَا فعل وَذكر مثل هَذَا فِي الْبَاب الْخَامِس من إنجيل مارقش قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي هَذَا الْ فَصْل مصائب جمة أَحدهَا كَانَ يَكْفِي فِي أَنه إنجيل مَوْضُوع مَكْذُوب أَولهَا حكايتهم عَن الْمَسِيح أَنه كذب جهاراً إِذْ قَالَ لَهُم لم تمت إِنَّمَا هِيَ حَيَّة رَاقِدَة لَيست ميتَة فَإِن كَانَ صَادِقا فِي أَنَّهَا لَيست ميتَة فَلم يَأْتِ بِآيَة وَلَا بعجيبة وحاشى لله أَن يكذب نَبِي فَكيف إِلَه وَلَيْسَ لَهُم أَن يَقُولُوا أَن الْآيَة هِيَ إبراؤها من الْإِغْمَاء لِأَن فِي نَص إنجيلهم أَنه قَالَ لأَبِيهَا آمن فتحيا ابْنَتك فَلَا بُد من الْكَذِب فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَالثَّانيَِة أَن مَتى ذكر أَن أَبَاهَا جَاءَ إِلَى الْمَسِيح وَهِي قد مَاتَت وَأخْبرهُ بموتها وَدعَاهُ ليحيها ولوقا يَقُول إِن اباها أَتَى إِلَى الْمَسِيح وَهِي مَرِيضَة لم تمت وأتى بِهِ ليبرئها بعد وَأَن الرَّسُول لقِيه فِي الطَّرِيق وَقَالَ لَهُ لَا تتعبه فقد مَاتَت فأحد النذلين كَاذِب بِلَا شكّ فعلَيْهِمَا لعائن الله وَسخطه فَلَا يجوز أَخذ الدّين عَن كَذَّاب وَالثَّالِثَة انْفِرَاد الْمَسِيح عَن النَّاس عِنْد مَجِيئه بِهَذِهِ الْآيَة حاشى أَبَوَيْهَا وَثَلَاثَة من أَصْحَابه ثمَّ استكتامه إيَّاهُم ذَلِك والآيات لَا تطلب لَهَا الخلوات لَا تسترعن النَّاس وَفِي الأناجيل من هَذَا كثير من أَنه لم يقدر فِي بعض الْأَوْقَات على آيَة مرّة بِحَضْرَة بلاطس وَمرَّة بِحَضْرَة الْيَهُود وَأَنه قَالَ لمن طلب مِنْهُ آيَة إِنَّكُم لَا ترَوْنَ آيَة إِلَّا آيَة يُونُس إِذْ بَقِي فِي بطن الْحُوت ثَلَاثًا وَمَا كَانَ هَكَذَا فَإِنَّمَا هِيَ أَخْبَار مسترابة وكذبات مفتعلة وَنقل عَمَّن لَا خير فِيهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فصل وَفِي الْبَاب الْعَاشِر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح جمع إِلَى نَفسه اثْنَي عشر رجلا من تلاميذه وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانا على الْأَرْوَاح النَّجِسَة أَن ينفوها وَأَن يبرئوا من كل مرض وَهَذِه أَسمَاؤُهُم أَوَّلهمْ شَمْعُون الْمُسَمّى بباطرة وأندرياش أَخُوهُ وَيَعْقُوب بن سيذاي ويوحنا أَخُوهُ وفيلبس وبرثلوما وطوما وَمَتى الجابي وَيَعْقُوب ويهوذا أَخُوهُ وشمعون الكنعاني ويهوذا الأسخربوطي الَّذِي دلّ عَلَيْهِ بعد ذَلِك فَبعث يسوع هَؤُلَاءِ الاثْنَي عشر وَقَالَ لَهُم لَا تسلكوا فِي سَبِيل الْأَجْنَاس وَلَا تدْخلُوا فِي مَدَائِن السامريين وَلَكِن احتضروا إِلَى

стр. 180

الضان التالعة من بني إِسْرَائِيل فَفِي هَذَا الْ فَصْل طامتان إِحْدَاهمَا قَوْله أَنه أعْطى أُولَئِكَ الاثْنَي عشر وَسَمَّاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ كلهم سُلْطَانا على الْأَرْوَاح النَّجِسَة وَأَن يبرئوا من كل مرض وسمى فيهم يهوذا وَلم يدع للإنكار وَجها بل صرح بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ بعد ذَلِك الْيَهُود حَتَّى أَخَذُوهُ وصلبوه بزعمهم وضربوه بالسياط ولطموه واستهزؤا بِهِ وَقد كذبُوا لعنهم الله فَكيف يجوز أَن يقرب الله تَعَالَى وَيُعْطِي السُّلْطَان على الْجِنّ وَالْإِبْرَاء من كل مرض من يدْرِي أَنه هُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ وَيكفر بعد ذَلِك هَذَا مَعَ قَول يوحنا فِي إنجيله أَن يهوذا الْمَذْكُور كَانَ سَارِقا وَأَنه كَانَ يخطف كل مَا كَانَ يهدى إِلَى المسيحح وَيذْهب بِهِ فَلَا بُد ضَرُورَة من أحد وَجْهَيْن بِلَا ثَالِث أصلا إِمَّا أَن يكون الْمَسِيح اطلع على مَا اطلع عَلَيْهِ يوحنا من سَرقَة يهوذا وخبث بَاطِنه وَأَعْطَاهُ مَعَ ذَلِك الْآيَات والمعجزات وَجعله وَاسِطَة بَينه وَبَين النَّاس وَجعل لَهُ أَن يحرم ويحلل فَيكون مَا حرم وحلل محرما ومحللاً فِي السَّمَوَات فَهَذِهِ مُصِيبَة وتوقيع بالكفار وَتَقْدِيم لمن لَا يسْتَحق وسخرية بِالدّينِ وَلَيْسَ هَذِه صفة الْإِلَه وَلَا من فِيهِ خير أَو يكون خَفِي على الْمَسِيح من خبث نِيَّة يهوذا مَا عرف غَيره فَهَذِهِ عَظِيمَة أَن يكون الْإِلَه يجهل مَا خلق فَهَل سمع قطّ بأحمق من هَذِه الْقَصَص وَمِمَّنْ يعتقدها حَقًا وَالثَّانيَِة قَوْله لَا تسلكوا فِي سَبِيل الْأَجْنَاس وَلَا تدْخلُوا مداين السامرين واحتضروا إِلَى الضَّأْن المبددة التالغة من نسل بني إِسْرَائِيل وَأَنه لم يبْعَث إِلَّا إِلَى الضان التالفة من بني إِسْرَائِيل وَهَذَا إِنَّمَا أَمرهم بِأَن يكملوه بعد رَفعه بإقرارهم كلهم أَنه طول كَونه فِي الأَرْض لم يُفَارِقهُ أحد مِنْهُم وَلَا نهضوا داعين إِلَى بلد آخر الْبَتَّةَ فقد خالفوه وعصوه لأَنهم لم يذهبوا إِلَّا إِلَى الْأَجْنَاس فهم عصاة لله فساف بإقرارهم فصل وَفِي هَذَا الْبَاب نَفسه بإقرارهم أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه وَإِذا طلبتم فِي هَذِه الْمَدِينَة فاهربوا إِلَى أُخْرَى أَمِين أَقُول لكم لَا تستوعبون مَدَائِن بني إِسْرَائِيل حَتَّى يَأْتِي ابْن الْإِنْسَان يَعْنِي رُجُوعه إِلَى الدُّنْيَا ظَاهرا بعد رَفعه إِلَى جَمِيع النَّاس وَفِي الْبَاب السَّابِع من إنجيل مارقش وَفِي أول الْبَاب التَّاسِع من إنجيل لوقا أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم إِن من هَؤُلَاءِ الْوُقُوف بعض قوم لَا يذوقون الْمَوْت حَتَّى يرَوا ملك الله مُقبلا بقدرة
следующие страницы →