← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لَا مزحل عَنهُ وَلَا بُد لَهُم من أَن يَفروا من أَن الْمَسِيح مسخوط يدعى فِي ملكوت السَّمَوَات صَغِيرا لَا عَظِيما لِأَنَّهُ هَكَذَا أخبر هُوَ عَمَّن حلل عهدا صَغِيرا من عهودها وَهُوَ قد حل عهوداً كبارًا من عهودها إِذْ حرم الطَّلَاق وَقد أباحته التَّوْرَاة وَنهى عَن الْقصاص الَّذِي جَاءَت بِهِ التَّوْرَاة فَقَالَ قد قيل الْعين بِالْعينِ وَالسّن بِالسِّنِّ وَأَنا أَقُول لَا تكافئوا أحدا بسيئة وَلَكِن من لطم خدك الْأَيْمن فانصب لَهُ الخد الْأَيْسَر قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ أَو لَا بُد لَهُم من أَن يشْهدُوا على أنفسهم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم وسالفهم عَن خالفهم بِمَعْصِيَة الله تَعَالَى وَمُخَالفَة الْمَسِيح وَأَنَّهُمْ يدعونَ فِي ملكوت السَّمَوَات صغَارًا إِذْ نقضوا حكم التَّوْرَاة أَولهَا عَن آخرهَا وَلَا يُمكنهُم هَا هُنَا دَعْوَى النّسخ الْبَتَّةَ لأَنهم حكوا كَمَا أوردنا عَن الْمَسِيح أَنه قَالَ أَقُول لكم إِلَى أَن تبيد السَّمَاء وَالْأَرْض لَا تبيد بَاء وَاحِدَة وَلَا حرف وَاحِد من التَّوْرَاة حَتَّى يتم الْجَمِيع فَمنع من النّسخ جملَة وَأَن فِي هَذَا لعجباً لَا نَظِير لَهُ وحمق وضلالاً مَا كُنَّا نصدق بِأَن أحدا يدين بِهِ لَوْلَا أَنا شاهدناهم ونسأل الله السَّلامَة ثمَّ ذكر فِي الْبَاب الثَّامِن عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ للحواريين الاثْنَي عشر بأجمعهم وَمن جُمْلَتهمْ يهوذا الأسخريوطي الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْيَهُود برشوة ثَلَاثِينَ درهما كل مَا حرمتموه فِي الأَرْض يكون محرما فِي السَّمَاء وكل مَا حللمتموه فِي الأَرْض يكون محللاً فِي السَّمَاء وَفِي الْبَاب السَّادِس عشر من إنجيل مَتى أَنه قَالَ هَذَا القَوْل لباطره وَحده قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا نَص تنَاقض عَظِيم كَيفَ يكون التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم للحواريين أَو لباطره مَعَ قَوْله أَنه لم يَأْتِ لتبديل التَّوْرَاة لَكِن لإتمامها وَأَنه من نقض من عهودها عهدا صَغِيرا دعِي فِي ملكوت السَّمَوَات صَغِيرا وَأَن السَّمَاء وَالْأَرْض تبيدان قبل أَن تبيد التَّوْرَاة بَاء وَاحِدَة أَو حرف وَاحِد لَئِن كَانَ صدق فِي هَذَا فَإِن فِي نَص التَّوْرَاة أَن الله تَعَالَى قد لعن من صلب فِي خَشَبَة وهم يَقُولُونَ أَنه صلب فِي خَشَبَة وَلَا شكّ فِي أَن باطرة شَمْعُون أَخا يُوسُف وأندرياش أَخُو باطرة وفليش وبولس صلبوا فِي الْخشب فعلى قَول الْمَسِيح لَا يبيد شَيْء من التَّوْرَاة حَتَّى يتم جَمِيعهَا فَكل هَؤُلَاءِ ملعونون بلعنة الله تَعَالَى فاعجبوا لضلال هَذِه الْفرْقَة المخذولة فَمَا سمع بأطم من هَذِه الفضائح أبدا

стр. 177

فصل وَفِي الرَّابِع عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم أَنا أَقُول لكم كل من شخط على أَخِيه بِلَا سَبَب فقد اسْتوْجبَ الْقَتْل وَإِن أضرت إِلَيْك عَيْنك الْيُمْنَى فافقأها وأذهبها عَن نَفسك فذهابها عَنْك أحسن من إِدْخَال جسدك الْجَحِيم وَإِن أضرت إِلَيْك يدك الْيُمْنَى فابرأ مِنْهَا فذهابها مِنْك أحسن من إِدْخَال جسدك النَّار قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذِه شرائع يقرونَ أَن الْمَسِيح ﵇ أَمرهم بهَا وكفهم عَنْهَا بِلَا خلاف بَين أحد مِنْهُم وَلَا يرَوْنَ الْقَضَاء بِشَيْء مِنْهَا فهم على مُخَالفَة الْمَسِيح بإقرارهم وهم لَا يرَوْنَ الْخِتَان والختان كَانَ مِلَّة الْمَسِيح وَكَانَ مختوناً والمسيح وتلاميذه لم يزَالُوا إِلَى أَن مَاتُوا يَصُومُونَ صَوْم الْيَهُود ويفصحون فصحهم ويلتزمون السبت إِلَى أَن مَاتُوا وهم قد بدلُوا هَذَا كُله وَجعلُوا مَكَان السبت الْأَحَد وأحدثوا صوما آخر بعد أَزِيد من مائَة عَام بعد رفع الْمَسِيح فَكفى بِهَذَا كُله ضلالا وَكفرا وَلَيْسَ مِنْهُم أحدا يقدر على إِنْكَار شَيْء من هَذَا فَإِن قَالُوا إِن الْمَسِيح أَمرهم بِاتِّبَاع أكابرهم قُلْنَا لَا عَلَيْكُم أَرَأَيْتُم لَو أَن بطارقتكم الْيَوْم أَجمعُوا على إبِْطَال مَا أحدثه بطارقتكم بعد مائَة عَام من رفع الْمَسِيح وأحدثوا لكم صياما آخر وَيَوْما آخر غير يَوْم الْأَحَد وفصحاً آخر وردوكم إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَسِيح من تَعْظِيم السبت وَصَوْم الْيَهُود وفصحهم أَكَانَ يلزمكم اتباعهم فَإِن قَالُوا لَا قُلْنَا وَلم وَأي فرق بَين اتِّبَاع أُولَئِكَ وَقد خالفوا مَا نَص عَلَيْهِ الْمَسِيح والحواريون وَبَين اتِّبَاع هَؤُلَاءِ فِيمَا أحدثوه آنِفا فَإِن قَالُوا إِن أُولَئِكَ لعنُوا وَمنعُوا من تَبْدِيل مَا شرعوا قُلْنَا لَهُم وَأي لعن وَأي منع أعظم من منع الْمَسِيح من تَبْدِيل شَيْء من عهود التَّوْرَاة ثمَّ قد بدله من أطعتموه فِي تبديله لَهُ فقد صَار منع من بعد الْمَسِيح أقوى من منع الْمَسِيح وَإِن قَالُوا نعم كُنَّا نتبعهم أقرُّوا أَن دينهم لَا حَقِيقَة لَهُ وَإنَّهُ إِنَّمَا هُوَ اتِّبَاع مَا شرع أكابرهم من تَبْدِيل مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَيُقَال لَهُم أَرَأَيْتُم إِن أحدث بعض بطارقتكم شرائع وأحدث الْآخرُونَ مِنْهُم أخر ولعنت كل طَائِفَة مِنْهُم من عمل بِغَيْر مَا شرعت فَكيف يكون الْحَال فَأَي دين أوسخ وأضل وأفسد من دين من هَذِه صفته وَلَقَد كَانَ لَهُم فِيمَا أوردنا من هَذَا الْفَصْل كِفَايَة فِي بطلَان كل مَا هم عَلَيْهِ وَلَو كَانَ لَهُم مسكة عقل وَحقّ لكل دين مرجعه إِلَى مَتى الشرطي ويوحنا المستخف وماقش الْمُرْتَد ولوقا الزنديق وباطره اللعين وبولس الموسوس الاضلال لَهُم فِي دينهم أَن تكون هَذِه صفته وَالْحَمْد لله على عَظِيم نعْمَته علينا فصل وَفِي الْبَاب الْخَامِس من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم ليكن دعائكم على مَا أصف لكم أَبَانَا السماوي تقدس اسْمك ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك وَقد علم أبوكم أَنكُمْ ستحتاجون إِلَى جَمِيع هَذَا وَفِي آخر الْإِنْجِيل أَنه قَالَ أَنا ذَاهِب إِلَى أبي وأبيكم إلهي وإلهكم فَمَا

стр. 178

نرى للمسيح من الْبُنُوَّة لله تَعَالَى إِلَّا مَا لسَائِر النَّاس وَلَا فرق فَمن أَيْن حصره بِأَنَّهُ ابْن الله دون سَائِرهمْ كلهم إِلَّا أَن كذبوه فِي هَذَا القَوْل فليختاروا أحد الْأَمريْنِ وَلَا بُد ثمَّ من أَيْن خصوا كل من سوى الْمَسِيح بِأَن الله تَعَالَى إلهه وَلم يَقُولُوا أَن الله إِلَه الْمَسِيح كَمَا قَالَ هُوَ بِلِسَانِهِ فَلَا بُد ضَرُورَة من الْإِقْرَار بِأَن الله هُوَ إِلَه الْمَسِيح وَأَن سَائِر النَّاس أَبنَاء الله تَعَالَى أَو يكذبوا الْمَسِيح فِي نصف كَلَامه وحسبك بِهَذَا فَسَادًا وضلالاً تَعَالَى الله عَن أَن يكون أَبَا لأحد أَو أَن يكون لَهُ ابْن لَا الْمَسِيح وَلَا غَيره بل هُوَ تَعَالَى إِلَه الْمَسِيح وإله كل من هُوَ غير الْمَسِيح فصل وَكَثِيرًا مَا يحكون فِي جَمِيع الأناجيل فِي غير مَا مَوضِع أَنه إِذا أخبر الْمَسِيح عَن نَفسه سمي نَفسه ابْن الْإِنْسَان وَمن الْمحَال والحمق أَن يكون الْإِلَه ابْن إِنْسَان أَو أَن يكون ابْن إِلَه وَابْن إِنْسَان مَعًا وَأَن يلد إِنْسَان إِلَهًا مَا فِي الْحمق والمحال وَالْكفْر أَكثر من هَذَا وتعوذ بِاللَّه من الضلال فصل وَفِي الْبَاب التَّاسِع من إنجيل مَتى فَبينا يسوع يَقُول هَذَا إِذْ أقبل إِلَيْهِ أحد أَشْرَاف ذَلِك الْموضع وَقَالَ لَهُ إِن ابْنَتي توفيت وَأَنا أَرغب إِلَيْك أَن تذْهب إِلَيْهَا وتمسها بِيَدِك لتحيا ثمَّ ذكر أَنه لما دخل بَيت الْقَائِد وَأبْصر بالنوائح والبواكي قَالَ لَهُنَّ اسكتن فَإِن الْجَارِيَة لم تمت وَلكنهَا رَاقِدَة فاستهزأت الْجَمَاعَة بِهِ وَلما خرجت الْجَمَاعَة عَنْهَا دخل عَلَيْهَا وَأخذ بِيَدِهَا ثمَّ أَقَامَهَا حَيَّة وَذكر هَذِه الْقِصَّة نَفسهَا فِي الْبَاب السَّابِع من إنجيل لوقا إِلَّا أَنه قَالَ فِيهَا إِن أَبَاهَا قَالَ لَهُ قد أشرفت على الْمَوْت وَأَنه نَهَضَ مَعَه فَلَقِيَهُ رَسُول يُخبرهُ بِأَن الْجَارِيَة قد مَاتَت فَلَا تتعبه وَأَن

стр. 179

الْمَسِيح قَالَ لأَبِيهَا لَا تخف وآمن فتحيا فَلَمَّا بلغا الْبَيْت لم يدْخل مَعَ نَفسه فِي الْبَيْت إِلَّا باطرة ويوحنا وَيَعْقُوب وَأَبُو الْجَارِيَة وَكَانَت الْجَمَاعَة تبْكي وتلتدم فَقَالَ لَهُم لَا تبكوا فَإِنَّهَا رَاقِدَة وَلَيْسَت ميتَة فاستهزؤا بِهِ معرفَة بموتها فَأخذ بِيَدِهَا ودعاها وَقَالَ يَا جَارِيَة قومِي فَعَادَت إِلَيْهَا روحها وَقَامَت من وَقتهَا وَأمر أَن تطعم طَعَاما وَجَاء أبواها وَأَمرهمَا أَن لَا يعلمَا أحدا بِمَا فعل وَذكر مثل هَذَا فِي الْبَاب الْخَامِس من إنجيل مارقش قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي هَذَا الْ فَصْل مصائب جمة أَحدهَا كَانَ يَكْفِي فِي أَنه إنجيل مَوْضُوع مَكْذُوب أَولهَا حكايتهم عَن الْمَسِيح أَنه كذب جهاراً إِذْ قَالَ لَهُم لم تمت إِنَّمَا هِيَ حَيَّة رَاقِدَة لَيست ميتَة فَإِن كَانَ صَادِقا فِي أَنَّهَا لَيست ميتَة فَلم يَأْتِ بِآيَة وَلَا بعجيبة وحاشى لله أَن يكذب نَبِي فَكيف إِلَه وَلَيْسَ لَهُم أَن يَقُولُوا أَن الْآيَة هِيَ إبراؤها من الْإِغْمَاء لِأَن فِي نَص إنجيلهم أَنه قَالَ لأَبِيهَا آمن فتحيا ابْنَتك فَلَا بُد من الْكَذِب فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَالثَّانيَِة أَن مَتى ذكر أَن أَبَاهَا جَاءَ إِلَى الْمَسِيح وَهِي قد مَاتَت وَأخْبرهُ بموتها وَدعَاهُ ليحيها ولوقا يَقُول إِن اباها أَتَى إِلَى الْمَسِيح وَهِي مَرِيضَة لم تمت وأتى بِهِ ليبرئها بعد وَأَن الرَّسُول لقِيه فِي الطَّرِيق وَقَالَ لَهُ لَا تتعبه فقد مَاتَت فأحد النذلين كَاذِب بِلَا شكّ فعلَيْهِمَا لعائن الله وَسخطه فَلَا يجوز أَخذ الدّين عَن كَذَّاب وَالثَّالِثَة انْفِرَاد الْمَسِيح عَن النَّاس عِنْد مَجِيئه بِهَذِهِ الْآيَة حاشى أَبَوَيْهَا وَثَلَاثَة من أَصْحَابه ثمَّ استكتامه إيَّاهُم ذَلِك والآيات لَا تطلب لَهَا الخلوات لَا تسترعن النَّاس وَفِي الأناجيل من هَذَا كثير من أَنه لم يقدر فِي بعض الْأَوْقَات على آيَة مرّة بِحَضْرَة بلاطس وَمرَّة بِحَضْرَة الْيَهُود وَأَنه قَالَ لمن طلب مِنْهُ آيَة إِنَّكُم لَا ترَوْنَ آيَة إِلَّا آيَة يُونُس إِذْ بَقِي فِي بطن الْحُوت ثَلَاثًا وَمَا كَانَ هَكَذَا فَإِنَّمَا هِيَ أَخْبَار مسترابة وكذبات مفتعلة وَنقل عَمَّن لَا خير فِيهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فصل وَفِي الْبَاب الْعَاشِر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح جمع إِلَى نَفسه اثْنَي عشر رجلا من تلاميذه وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانا على الْأَرْوَاح النَّجِسَة أَن ينفوها وَأَن يبرئوا من كل مرض وَهَذِه أَسمَاؤُهُم أَوَّلهمْ شَمْعُون الْمُسَمّى بباطرة وأندرياش أَخُوهُ وَيَعْقُوب بن سيذاي ويوحنا أَخُوهُ وفيلبس وبرثلوما وطوما وَمَتى الجابي وَيَعْقُوب ويهوذا أَخُوهُ وشمعون الكنعاني ويهوذا الأسخربوطي الَّذِي دلّ عَلَيْهِ بعد ذَلِك فَبعث يسوع هَؤُلَاءِ الاثْنَي عشر وَقَالَ لَهُم لَا تسلكوا فِي سَبِيل الْأَجْنَاس وَلَا تدْخلُوا فِي مَدَائِن السامريين وَلَكِن احتضروا إِلَى

стр. 180

الضان التالعة من بني إِسْرَائِيل فَفِي هَذَا الْ فَصْل طامتان إِحْدَاهمَا قَوْله أَنه أعْطى أُولَئِكَ الاثْنَي عشر وَسَمَّاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ كلهم سُلْطَانا على الْأَرْوَاح النَّجِسَة وَأَن يبرئوا من كل مرض وسمى فيهم يهوذا وَلم يدع للإنكار وَجها بل صرح بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ بعد ذَلِك الْيَهُود حَتَّى أَخَذُوهُ وصلبوه بزعمهم وضربوه بالسياط ولطموه واستهزؤا بِهِ وَقد كذبُوا لعنهم الله فَكيف يجوز أَن يقرب الله تَعَالَى وَيُعْطِي السُّلْطَان على الْجِنّ وَالْإِبْرَاء من كل مرض من يدْرِي أَنه هُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ وَيكفر بعد ذَلِك هَذَا مَعَ قَول يوحنا فِي إنجيله أَن يهوذا الْمَذْكُور كَانَ سَارِقا وَأَنه كَانَ يخطف كل مَا كَانَ يهدى إِلَى المسيحح وَيذْهب بِهِ فَلَا بُد ضَرُورَة من أحد وَجْهَيْن بِلَا ثَالِث أصلا إِمَّا أَن يكون الْمَسِيح اطلع على مَا اطلع عَلَيْهِ يوحنا من سَرقَة يهوذا وخبث بَاطِنه وَأَعْطَاهُ مَعَ ذَلِك الْآيَات والمعجزات وَجعله وَاسِطَة بَينه وَبَين النَّاس وَجعل لَهُ أَن يحرم ويحلل فَيكون مَا حرم وحلل محرما ومحللاً فِي السَّمَوَات فَهَذِهِ مُصِيبَة وتوقيع بالكفار وَتَقْدِيم لمن لَا يسْتَحق وسخرية بِالدّينِ وَلَيْسَ هَذِه صفة الْإِلَه وَلَا من فِيهِ خير أَو يكون خَفِي على الْمَسِيح من خبث نِيَّة يهوذا مَا عرف غَيره فَهَذِهِ عَظِيمَة أَن يكون الْإِلَه يجهل مَا خلق فَهَل سمع قطّ بأحمق من هَذِه الْقَصَص وَمِمَّنْ يعتقدها حَقًا وَالثَّانيَِة قَوْله لَا تسلكوا فِي سَبِيل الْأَجْنَاس وَلَا تدْخلُوا مداين السامرين واحتضروا إِلَى الضَّأْن المبددة التالغة من نسل بني إِسْرَائِيل وَأَنه لم يبْعَث إِلَّا إِلَى الضان التالفة من بني إِسْرَائِيل وَهَذَا إِنَّمَا أَمرهم بِأَن يكملوه بعد رَفعه بإقرارهم كلهم أَنه طول كَونه فِي الأَرْض لم يُفَارِقهُ أحد مِنْهُم وَلَا نهضوا داعين إِلَى بلد آخر الْبَتَّةَ فقد خالفوه وعصوه لأَنهم لم يذهبوا إِلَّا إِلَى الْأَجْنَاس فهم عصاة لله فساف بإقرارهم فصل وَفِي هَذَا الْبَاب نَفسه بإقرارهم أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه وَإِذا طلبتم فِي هَذِه الْمَدِينَة فاهربوا إِلَى أُخْرَى أَمِين أَقُول لكم لَا تستوعبون مَدَائِن بني إِسْرَائِيل حَتَّى يَأْتِي ابْن الْإِنْسَان يَعْنِي رُجُوعه إِلَى الدُّنْيَا ظَاهرا بعد رَفعه إِلَى جَمِيع النَّاس وَفِي الْبَاب السَّابِع من إنجيل مارقش وَفِي أول الْبَاب التَّاسِع من إنجيل لوقا أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم إِن من هَؤُلَاءِ الْوُقُوف بعض قوم لَا يذوقون الْمَوْت حَتَّى يرَوا ملك الله مُقبلا بقدرة

стр. 181

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَكذب هَذَا القَوْل قد ظهر عَلَانيَة فقد استوعبوا مَدَائِن بني إِسْرَائِيل وَغَيرهَا وَلم يرَوا مَا وعدهم بِهِ من رُجُوعه بِالْقُدْرَةِ عَلَانيَة قبل أَن يَمُوت كل من بِحَضْرَتِهِ يَوْمئِذٍ وحاش لله أَن يكذب نَبِي فَكيف إِلَه فَفِي هَذَا الْ فَصْل وَحده كِفَايَة لَو كَانَ ثمَّ عَاقل فِي أَن الَّذين كتبُوا هَذِه الأناجيل كانو كَذَّابين قوم سوء فَإِن قَالُوا فَإِن فِي صَحِيح حديثكم أَن نَبِيكُم ﷺ قَالَ وَأَشَارَ إِلَى غُلَام بِحَضْرَتِهِ من بني النجار أَن اسْتكْمل هَذَا عمره أدْرك السَّاعَة فَمَاتَ ذَلِك الْغُلَام فِي حد الصِّبَا وَأَنه كَانَ يَقُول للأعراب إِذا سَأَلُوهُ مَتى تقوم السَّاعَة فيشير إِلَى أَصْغَرهم وَيَقُول أَن يستكمل هَذَا عمره لم يَأْته الْمَوْت حَتَّى تقوم السَّاعَة قُلْنَا هَذَا لفظ غلط فِيهِ قَتَادَة ومعبد بن هِلَال فحدثا بِهِ عَن أنس على ماتوهماه من معنى الحَدِيث وَرَوَاهُ ثَابت بن أسلم الْبنانِيّ عَن أنس كَمَا قَالَه رَسُول الله ﷺ بِلَفْظِهِ فَقَالَ قَامَت عَلَيْكُم سَاعَتكُمْ وَهَكَذَا رَوَاهُ الثقاة أَيْضا عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ عَن النَّبِي ﷺ كَمَا رَوَاهُ ثَابت عَن أنس وَقَالَ أَنه ﵇ قَالَ أَن هَذَا لَا يَسْتَوْفِي عمره حَتَّى تقوم سَاعَتكُمْ يَعْنِي وَفَاة أُولَئِكَ المخاطبين لَهُ وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي لَا شكّ فِيهِ وَلَا خلاف فِي أَن ثَابتا الْبنانِيّ أثقف لألفاظ الْأَخْبَار من قَتَادَة ومعبد فَكيف وَقد وافقته أم الْمُؤمنِينَ وَنحن لَا ننكر غلط الروَاة إِذا قَامَ عَلَيْهِ الْبُرْهَان أَنه خطأ وَقد صَحَّ فِي الْقُرْآن وَالْأَخْبَار الثَّابِتَة من طَرِيق عمر بن الْخطاب ﵁ وَابْنه وَغَيرهمَا عَن النَّبِي ﷺ أَنه لَا يدْرِي مَتى تقوم السَّاعَة أحد إِلَّا الله وَلَو قَالَ النَّصَارَى وَالْيَهُود مثل هَذَا فِي نقلة كتبهمْ مَا عنفناهم وَلَا أَنْكَرْنَا عَلَيْهِم وجود الْغَلَط فِي نقلهم وَإِنَّمَا ننكر عَلَيْهِم أَن ينسبوا يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِلَى الله تَعَالَى الْكَذِب البحت ويقطعون أَنه من عِنْد الله تَعَالَى وننكر على النَّصَارَى أَن يجْعَلُوا من صَحَّ عَنهُ الْكَذِب مَعْصُوما يَأْخُذُونَ عَنهُ دينهم وَأَن يحققوا كل خبر متناقض وكل قَضِيَّة يكذب بَعْضهَا بَعْضًا ونعوذ بِاللَّه من الخذلان فصل وَفِي هَذَا الْبَاب نَفسه أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم لَا تحسبوا أَنِّي جِئْت لَا دخل بَين أهل الأَرْض الصُّلْح لَا السَّيْف وَإِنَّمَا قدمت لأفرق بَين الْمَرْء وَابْنه وَبَين الِابْنَة وَأمّهَا وَبَين الكنة وختنتها وَأَن يعادي الْمَرْء أهل خاصته وَفِي الْبَاب الثَّانِي عشر من إنجيل لوقا أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم إِنَّمَا قدمت لألقي فِي الأَرْض نَارا وَإِنَّمَا أَرَادَ لي إشعالها

стр. 182

والتعطش فِيهَا جَمِيعهَا وَأَنا بذلك منتصب إِلَى إِتْمَامه أتظنون أَنِّي أتيت لأصلح بَين هَل الأَرْض لَا وَلَكِن لَا فرق بَينهم فَيكون خَمْسَة مفترقين فِي بيب ثَلَاثَة على اثْنَيْنِ وَاثْنَانِ على ثَلَاثَة الْأَب على الْوَلَد وَالْولد على الْأَب والابنة على الْأُم وَالأُم على الِابْنَة والختنة على الكنة والكنة على الختنة فهذان فصل ان كَمَا ترى وَفِي الْبَاب التَّاسِع من إنجيل لوقا أَن الْمَسِيح قا لَهُم لم نبعث لتلف الْأَنْفس لَكِن لسلامتها وَفِي الْبَاب الْعَاشِر من إنجيل يوحنا أَن قَالَ من سمع كَلَامي وَلم يحفظه فلست أحكم أَنا عَلَيْهِ فَإِنِّي لم آتٍ لأحكم على الدُّنْيَا وأعقبها لَكِن إِلَى تَبْلِيغ أهل الدُّنْيَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَانِ الفصلان ضد الْفَصْلَيْنِ اللَّذين قبلهمَا وكل وَاحِد من الْمَعْنيين يكذب الآخر صراحاً فَإِن قيل إِنَّه إِنَّمَا أَرَادَ أَنه لم يبْعَث لتلف الْأَنْفس الَّتِي آمَنت بِهِ قُلْنَا قد عَم وَلم يخص وبرهان بطلَان تأويلكم هَذَا من أَنه إِنَّمَا عني أَنه لم يبْعَث لتلف النُّفُوس المؤمنة بِهِ إِنَّمَا هُوَ نَص هَذَا الْفَصْل فِي الْبَاب التَّاسِع من إنجيل لوقا هُوَ كَمَا نورده إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ عَن الْمَسِيح أَنه بعث بَين يَدَيْهِ رسلًا وَجعلُوا طريقهم على السامرية ليعدوا لَهُ بهَا فَلم يقتلوه لتوجهه إِلَى برشلام فَلَمَّا رأى ذَلِك يوحنا وَيَعْقُوب قَالَا لَهُ يَا سيدنَا أيوافقك أَن تَدْعُو فتنزل عَلَيْهِم نَارا من السَّمَاء وَتحرق عامتهم كَمَا فعل الياس فَرجع إِلَيْهِم وانتهرهم وَقَالَ الَّذِي أَنْتُم لَهُ أَرْوَاح لم يبْعَث الْإِنْسَان لتلف الْأَنْفس لَكِن لسلامتها ثمَّ توجهوا إِلَى حصن آخر قَالَ أَبُو مُحَمَّد فارتفع الْإِشْكَال وَصَحَّ أَنه لم يعن بالأنفس الَّتِي بعث لسلامتها بعض النُّفُوس دون بعض وَلَكِن عَنى كل نفس كَافِرَة بِهِ ومؤمنة بِهِ لَا كَمَا يسمعُونَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك إِذْ أَرَادَ أَصْحَابه هَلَاك الَّذين لم يقبلوه فَظهر تكاذب الْكَلَام الأول وحاشى لله أَن يكذب الرَّسُول الْمَسِيح ﵇ لَكِن الْكَذِب بِلَا شكّ من الْفُسَّاق الْأَرْبَعَة الَّذين كتبُوا تِلْكَ الأناجيل المحرفة المبدلة ثمَّ فِي هَذَا الْفَصْل نَص جلي على أَنه مَبْعُوث مَأْمُور فصح أَنه نَبِي كَمَا يَقُول أهل الْحق إِن كَانُوا أصدقوا فِي هَذَا الْفَصْل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فصل وَفِي الْبَاب الْمَذْكُور نَفسه أَن الْمَسِيح قَالَ من قبل نَبيا على اسْم نَبِي فَإِنَّهُ يكافأ بِمثل أجر النَّبِي قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كذب ومحال لِأَنَّهُ لَا تفاضل للنَّاس عِنْد الله تَعَالَى فِي الْآخِرَة إِلَّا بأجورهم الَّتِي يعطيهم الله تَعَالَى فَقَط لَا بِشَيْء آخر أصلا فَمن كَانَ أجره فَوق أجر غَيره فَهُوَ بِالضَّرُورَةِ أفضل مِنْهُ وَالْآخر بِلَا شكّ دونه وَمن كَانَ أجره مثل أجر آخر فهما بِلَا شكّ دونه وَمن كَانَ أجره سَوَاء فِي الْفضل هَذَا يعلم ضَرُورَة بالحس فَلَو كَانَ كل من اتبع نَبيا لَهُ مثل أجر النَّبِي لَكَانَ أهل الْإِيمَان كلهم فِي الْآخِرَة سَوَاء لَا فضل لأحد على أحد عِنْد الله تَعَالَى وَهَذَا يعلم أَنه كذب ومحال بِالضَّرُورَةِ وَلَو كَانَ هَذَا لوَجَبَ أَن يكون أجر كل من النَّصَارَى مثل أجر باطر والتلاميذ

стр. 183

وبولس ومارقش ولوقا وَلَيْسَ مِنْهُم أحد يَقُول بِهَذَا وَلَا يدْخلهُ فِي الْمُمكن فكلهم مُتَّفق على أَن إلههم كذب وحاشى لله من أَن يكذب نَبِي من أنبيائه أَو رجل صَادِق من أهل الْإِيمَان وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فصل وَفِي الْبَاب الثَّانِي عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ وَقد ذكر يحيى بن زَكَرِيَّا أَنا أَقُول لكم أَنه أَكثر من نَبِي وَهُوَ الَّذِي قيل فِيهِ وَأَنا باعث ملكي بَين يَديك ليعد لَك طريقك قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي هَذَا الْفَصْل كذب فِي موضِعين أَحدهمَا قَوْله فِي يحيى أَنه أَكثر من نَبِي وَهَذَا محَال لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو يحيى وَغير يحيى من النَّاس من أَن يكون أوحى إِلَيْهِ أَو لم يوحي إِلَيْهِ وَلَا سَبِيل إِلَى قسم ثَالِث فَإِن كَانَ أوحى إِلَيْهِ فَهُوَ نَبِي وَلَا يُمكن وجود أَكثر من نَبِي فِي النَّاس إِلَّا أَن يكون رَسُولا نَبيا وَيحيى رَسُول الله بإجماعهم وَإِن كَانَ لم يُوح إِلَيْهِ فَهَذِهِ منزلَة يَسْتَوِي فِيهَا الْكَافِر وَالْمُؤمن وَلَا يجوز أَن يكون من لَا يوحي الله إِلَيْهِ مثل من استخلصه الله بِالْوَحْي إِلَيْهِ فَكيف أَن يكون أَكْثَرهَا مِنْهُ والكذبة الثَّانِيَة قَوْله أَن يحيى هُوَ الَّذِي قيل فِيهِ وَأَنا باعث ملكي بَين يَديك لِأَن يحيى على هَذَا القَوْل ملك وَهَذَا كذب بحت لِأَنَّهُ إِنْسَان ابْن رجل وَامْرَأَة عَاشَ إِلَى أَن قتل وَلَيْسَ هَذِه صفة الْملك وَيحيى لم يكن ملكا وَفِي هَذَا الْفَصْل لَكِن بعد هَذَا أَنه قَالَ أَن يحيى آدَمِيّ فَهَذَا القَوْل كذب على كل حَال وحاشا لله أَن يكذب نَبِي لَا وَلَا رجل فَاضل وَصَحَّ أَن مَتى الشرطي النذل هُوَ الَّذِي كذب فَعَلَيهِ مَا على الْكَذَّابين أَمْثَاله فصل وَفِي الْبَاب الْمَذْكُور أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم أَمِين أَقُول لكم لم يُولد من الْآدَمِيّين أحد أشرف من يحيى المعمدان وَلَكِن من كَانَ صَغِيرا فِي ملكوت السَّمَاء فَهُوَ أكبر مِنْهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد تأملوا هَذَا الْفَصْل تروا مُصِيبَة الدَّهْر فيهم وقرة عُيُون الْأَعْدَاء وَهُوَ لَا يُمكن أَن يَقُوله وَلَا ينْطق بِهِ صبي يُرْجَى فلاحه وَلَا أمة وكعاء إِلَّا أَن تكون مدخولة الْعقل أئبت أَنه لم يُولد فِي الْآدَمِيّين أشرف من يحيى وَإِذا كَانَ كَمَا زعم أَن الصَّغِير فِي ملكوت السَّمَاء أكبر من يحيى فَكل من يدْخل ملكوت السَّمَاء ضَرُورَة فَهُوَ أكبر من يحيى فَوَجَبَ من هَذَا أَن كل مُؤمن من بني آدم فَهُوَ أفضل من يحيى وَأَن يحيى أرذل وأصغر من كل مُؤمن فَمَا هَذَا الهوس وَمَا هَذَا الْكَذِب وَمَا هَذِه الغباوة السمجة فِي الدّين وَكم هَذَا التَّنَاقُض وَالله مَا قَالَ الْمَسِيح قطّ شَيْئا من هَذِه الرعونة وَمَا قَالَهَا إِلَّا الْكذَّاب مَتى ونظراؤه عَلَيْهِم لعنة الله وَلَقَد كَانُوا فِي غَايَة الوقاحة وَالِاسْتِخْفَاف بِالدّينِ

стр. 184

فصل وَفِي الْبَاب المكور أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم كل كتاب ونبوة فَإِن مُنْتَهَاهَا إِلَى يحيى قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَفِي هَذَا الْفَصْل على صغره كذبتان أَحدهمَا قَوْله قيل أَن يحيى أكبر من نَبِي مَعَ مَا فِي الْإِنْجِيل من أَن يحيى سُئِلَ فَقيل لَهُ أَنَبِي أَنْت قَالَ لَا وَقَالَ هَهُنَا إِن كل نبوة فَإِن مُنْتَهَاهَا إِلَى يحيى فَمرَّة لَيْسَ هُوَ نَبيا وَمرَّة هُوَ نَبِي آخر الْأَنْبِيَاء وَمرَّة هُوَ أكبر من نَبِي تبَارك الله كم هَذَا التَّخْلِيط وَالْكذب الْفَاحِش وَالْأُخْرَى قَوْله فِيهِ إِن كل نبوة فمنتهاها إِلَى يحيى وَلَيْسَ بعد النِّهَايَة شَيْء فَهُوَ على هَذَا آخر الْأَنْبِيَاء وَفِي الْبَاب الرَّابِع عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم إِنِّي باعث إِلَيْكُم أَنْبيَاء وعلماء ستقتلون مِنْهُم وتصلبون فقد كذب القَوْل بِأَن يحيى آخر الْأَنْبِيَاء ومنتهى النُّبُوَّة إِلَيْهِ وَالنَّصَارَى مقرون بِأَنَّهُ قد كَانَ بعده أَنْبيَاء وَأَن نَبيا أَتَى إِلَى بولس فأنذره بِأَنَّهُ سيصلب ذكر ذَلِك لوقا فِي الافركسيس فقد حصلوا على تَكْذِيب الْمَسِيح فِي قَوْله وَفِي بعض هَذَا كِفَايَة فصل وَفِي الْبَاب الْمَذْكُور أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم أَتَاكُم يحيى وَهُوَ لَا يَأْكُل وَلَا يشرب فقلتم هُوَ مَجْنُون ثمَّ أَتَاكُم ابْن الْإِنْسَان يَعْنِي نَفسه يَأْكُل وَيشْرب فقلتم هَذَا صَاحب خوان شروب للخمر خليع صديق للمستخرجين والمذنبين قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذَا الْفَصْل كذب وَلَا وَخلاف لقَوْل النَّصَارَى أما الْكَذِب فَإِنَّهُ قَالَ هَاهُنَا أَن يحيى كَانَ لَا يَأْكُل وَلَا يشرب حَتَّى قيل فِيهِ أَنه مَجْنُون من أجل ذَلِك وَفِي الْبَاب الأول من إنجيل مارقش أَن يحيى بن زَكَرِيَّا هَذَا كَانَ طَعَامه الْجَرَاد وَالْعَسَل الصحرواي وَهَذَا تنَاقض وَأحد الْخَبَرَيْنِ كذب بِلَا شكّ وَأما خلاف قَول النَّصَارَى فَإِنَّهُ ذكر أَن يحيى كَانَ لَا يَأْكُل وَلَا يشرب وَأَن الْمَسِيح كَانَ يَأْكُل وَيشْرب وَبلا شكّ إِن من أغناه الله عَن الْأكل وَالشرب من النَّاس فقد أبانه وَرفع دَرَجَته عَمَّن لم يغنه عَن الْأكل وَالشرب مِنْهُم فيحيى أفضل من الْمَسِيح بِلَا شكّ على هَذَا وقصة ثَالِثَة وَهِي اعْتِرَاف الْمَسِيح على نَفسه بِأَنَّهُ يَأْكُل وَيشْرب وَهُوَ عِنْدهم إِلَه فَكيف يَأْكُل الْإِلَه وَيشْرب مَا فِي الهوس أَكثر من هَذَا فَإِن قَالُوا إِن الناسوت مِنْهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَأْكُل وَيشْرب قُلْنَا وَهَذَا كذب مِنْكُم على كل حَال لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْمَسِيح عنْدكُمْ لاهوتاً وناسوتاً مَعًا فَهُوَ شَيْئَانِ فَإِن كَانَ إِنَّمَا يَأْكُل الناسوت وَحده فَإِنَّمَا أكل الشَّيْء الْوَاحِد من جملَة الشَّيْئَيْنِ وَلم يَأْكُل لآخر فَقولُوا إِذا أكل نصف الْمَسِيح وَشرب نصف الْمَسِيح وَإِلَّا فقد

стр. 185

كَذبْتُمْ بِكُل حَال وَكذب أسلافكم فِي قَوْلهم أكل الْمَسِيح ونسبتم إِلَى الْمَسِيح الْكَذِب بِخَبَرِهِ عَن نَفسه أَنه يَأْكُل وَإِنَّمَا يَأْكُل نصفه لَا كُله وَالْقَوْم أنذال بِالْجُمْلَةِ فصل وَفِي الْبَاب الْمَذْكُور أَن الْمَسِيح قَالَ لَا يعلم غير الْأَب وَلَا يعلم الْأَب غير الْوَلَد قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا عجب جدا لِأَن الْمَسِيح عِنْدهم ابْن الله بِلَا خلاف بَينهم وَالله تَعَالَى عَن كفرهم هُوَ وَالِد الْمَسِيح وَأَبوهُ وَهَكَذَا يُطلق النذل باطرة فِي رسائله المنتنة مَتى ذكر الله فَإِنَّمَا يَقُول قَالَ الله وَالِد رَبنَا الْمَسِيح أمرا كَذَا وَكَذَا ثمَّ هَا هُنَا قَالَ إِن الْمَسِيح قَالَ إِنَّه لَا يعلم الْأَب إِلَّا الابْن وَلَا يعلم الابْن إِلَّا الْأَب فقد وَجب ضَرُورَة أَن التلاميذ وَسَائِر النَّصَارَى لَا يعلمُونَ الله تَعَالَى أصلا وَلَا يعْرفُونَ الْمَسِيح الْبَتَّةَ فهم جهلاء بِاللَّه تَعَالَى وبالابن وَمن جهل الله تَعَالَى وَلم يعرفهُ فَهُوَ كَافِر فهم كفار كلهم أسلافهم وأخلافهم أَو كذب الْمَسِيح فِي هَذَا الْكَلَام أَو كذب النذل مَتى وَلَا بُد وَالله من أَحدهمَا وَقد أعاذ الله تَعَالَى عَبده وَرَسُوله الْمَسِيح من الْكَذِب فَبَقيت الاثنتان وهما وَالَّذِي سمك السَّمَاء حق أَن النَّصَارَى جهال بِاللَّه تَعَالَى وَأَن الشرطي مَتى ملفق جَاهِل فعلى جَمِيعهم مَا يستحون من الله نعم وَفِي هَذَا القَوْل الملعون الَّذِي أضافوه إِلَى الْمَسِيح ﵇ الْقطع بِأَن الْمَلَائِكَة والأنبياء السالفين كلهم لَيْسَ مِنْهُم أحد يعرف الله تَعَالَى فاعجبوا لعَظيم فسق هَذَا الأحمق مَتى وعظيم حَمَاقَة من قَلّدهُ فِي دينه وَنَحْمَد الله على السَّلامَة كثيرا فصل وَفِي الْبَاب الْمَذْكُور أَن بعض التوراويين قَالَ للمسيح يَا معلم إِنَّا نُرِيد أَن تَأْتِينَا بِآيَة فَقَالَ لَهُم الْمَسِيح يَا نسل السوء وَيَا نسل الزِّنَا تسأولون آيَة وَلَا ترَوْنَ مِنْهَا آيَة غير آيَة يُونُس النَّبِي فَكَمَا أَن يُونُس النَّبِي كَانَ فِي بطن الْحُوت ثَلَاثَة أَيَّام وَثَلَاث لَيَال كَذَلِك يكون ابْن الْإِنْسَان فِي جَوف الأَرْض ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها قَالَ أَبُو مُحَمَّد رَضِي الله لَو لم يكن فِي إنجيلهم إِلَّا هَذَا الْفَصْل الملعون وَحده لكفى فِي بطلَان جَمِيع أَنَاجِيلهمْ وَجَمِيع دينهم فَإِنَّهُ قد جمع عظيمتين إِحْدَاهمَا تَحْقِيق أَنه لم يَأْتِ مخالفيه قطّ بِآيَة وَإِقْرَار الْمَسِيح بذلك بزعمهم وَأَن آيَاته الَّتِي يذكرُونَ إِنَّمَا كَانَت

стр. 186

خُفْيَة وَفِي السِّرّ بِحَضْرَة النزر الْقَلِيل الَّذين اتَّبعُوهُ وَمثل هَذَا لَا تقوم بِهِ حجَّة على الْمُخَالف أَو تَحْقِيق الْكَذِب على الْمَسِيح فِي أَنه يخبر أَنهم لَا يرَوْنَ آيَة وَهُوَ يُرِيهم الْآيَات لَا بُد من إِحْدَاهمَا وال فصل الثَّانِي وَهُوَ الطامة الْكُبْرَى حكايتهم عَن الْمَسِيح أَنه قَالَ عَن نَفسه كَمَا بَقِي يُونُس فِي بطن الْحُوت ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها كَذَلِك يبْقى هُوَ فِي جَوف الأَرْض ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها وَهَذِه كذبة شنيعة لَا حِيلَة فِيهَا لأَنهم مجمعون وَفِي جَمِيع أَنَاجِيلهمْ أَنه دفن قرب مغيب الشَّمْس من يَوْم الْجُمُعَة مَعَ دُخُول لَيْلَة السبت وَقَامَ من الْقَبْر قبل الْفجْر من لَيْلَة الْأَحَد فَلم يبْق فِي جَوف الأَرْض إِلَّا لَيْلَة وَبَعض أُخْرَى وَيَوْما ويسيراً من يَوْم ثَان فَقَط وَهَذِه كذبة لَا خَفَاء بهَا فِيمَا أخبر بِهِ الْمَسِيح لَا بُد مِنْهَا أَو كذب أَصْحَاب الأناجيل وهم أهل الْكَذِب وحسبنا الله فصل وَفِي الْبَاب الثَّالِث عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ يشبه ملكوت السَّمَاء بِحَبَّة خَرْدَل أَلْقَاهَا رجل فِي فدانه وَهِي أدق الزراريع كلهَا فَإِذا نَبتَت استعلت على جَمِيع الْبُقُول والزراريع حَتَّى ينزل فِي أَغْصَانهَا طير السَّمَاء ويسكن إِلَيْهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد حاشى للمسيح ﵇ أَن يَقُول هَذَا الْكَلَام لَكِن النذل الَّذِي قَالَه كَانَ قَلِيل البصارة بالفلاحة وَقد رَأينَا نَبَات الْخَرْدَل ورأينا من رأه فِي الْبِلَاد الْبَعِيدَة فَمَا رَأينَا قطّ ولاأخبرنا من رأى شَيْئا مِنْهُ يُمكن أَن يقف عَلَيْهِ طَائِر وَمثل هَذِه المسامحات لَا تقع لنَبِيّ أصلا فَكيف لله فصل وَفِي آخر الْبَاب الْمَذْكُور أَن الْمَسِيح رَجَعَ إِلَى بِلَاده وَجعل يُوصي جَمَاعَتهمْ بوصايا يعْجبُونَ مِنْهَا وَكَانُوا يَقُولُونَ من أَيْن أُوتِيَ هَذِه الْعُلُوم وَهَذِه الْقُدْرَة أما هَذَا ابْن الْحداد وَأمه مَرْيَم وَإِخْوَته يَعْقُوب ويوسف وشمعون ويهوذا وأخوته أما هَؤُلَاءِ كلهم عندنَا فَمن أَيْن أُوتِيَ هَذَا وَكَانُوا يَشكونَ فِيهِ فَقَالَ لَهُم يسوع لَيْسَ يعْدم النَّبِي حرمته إِلَّا فِي بَيته وبلده ولتشككهم وكفرهم لم يطلع فِي ذَلِك الْموضع عجايب كَثِيرَة وَفِي الْبَاب الْخَامِس من إنجيل مارقش قَالَ وَكَانَت الْجَمَاعَة تسمع مِنْهُ وتعجب مِنْهُ الْعجب الشَّديد من وَصيته وَيَقُولُونَ من أَيْن أُوتِيَ هَذَا وَمَا هَذِه الْحِكْمَة الَّتِي رزقها وَمن أَيْن هَذِه الْأَعَاجِيب الَّتِي ظَهرت على يَدَيْهِ أَلَيْسَ هُوَ ابْن حداد وَابْن مَرْيَم أَخُو يُوسُف وَيَعْقُوب وشمعون ويهوذا أَلَيْسَ أخواته هن هَا هُنَا مَعنا وَكَانَ يَقُول لَهُم يسوع لَيْسَ

стр. 187

يكون نَبِي بِغَيْر حُرْمَة إِلَّا فِي وَطنه وَبَين عشيرته وَفِي أهل بَيته وَلَيْسَ كَانَ يقوى أَن يفعل هُنَالك آيَة لَكِن وضع يَدَيْهِ على مرضى قَلِيل فأبرأهم وَفِي الْبَاب الثَّامِن من إنجيل لوقا فَلَمَّا دخل وَالِد الْمَسِيح الْبَيْت وَبعد هَذَا بِيَسِير قَالَ فَكَانَ يعجب مِنْهُ أَبوهُ وَأمه وَبعده بِيَسِير قَول مَرْيَم أمه لَهُ فقد طَلَبك أَبوك وَأَنا مَعَه وَفِي الْبَاب السَّابِع مِنْهُ أَقبلت إِلَيْهِ أمه وَإِخْوَته وَفِي الْبَاب الثَّامِن عشر من إنجيل يوحنا وَبعد هَذَا نزل إِلَى كفرنا حوم وَمَعَهُ أمه وَإِخْوَته وتلاميذه وَفِي الْبَاب السَّابِع من إنجيل يوحنا وَكَانَ إخْوَته لَا يُؤمنُونَ بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي هَذِه الْفُصُول ثَلَاث طوام نذكرها طامة طامة إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَولهَا اتِّفَاق الأناجيل الْأَرْبَعَة على أَنه كَانَ لَهُ وَالِد مَعْرُوف من النَّاس وإخوة وأخوات سمى الْإِخْوَة بِأَسْمَائِهِمْ وهم أَرْبَعَة رجال سوى الْأَخَوَات وَلَا يعول فِي ذَلِك إِلَّا على إِقْرَار أمه بِأَن لَهُ والداً طلبه مَعهَا وَهُوَ يُوسُف الْحداد أَو النجار فَأَما أمه فقد اتفقنا نَحن وَالْيَهُود وَجُمْهُور النَّصَارَى على أَنَّهَا حملت بِهِ حمل النِّسَاء وولدته كَمَا تَلد النِّسَاء أَوْلَادهنَّ إِلَّا طَائِفَة من النَّصَارَى قَالَت لم تحمل بِهِ وَلَكِن دخل من أذنها وَخرج من فرجهَا فِي الْوَقْت كَالْمَاءِ فِي الْمِيزَاب وَلَكِن بَقِي علينا أَن نَعْرِف كَيفَ تَقول أمه ﵍ عَن النجار أَو الْحداد أَنه أَبوهُ ووالده فَإِن قَالُوا إِن زوج الْأُم يُسمى فِي اللُّغَة أَبَا قُلْنَا هبكم أَن هَذَا كَذَلِك كَيفَ الْعَمَل فِي هَؤُلَاءِ الَّذين اتّفقت الأناجيل على أَنهم إخْوَته وأخواته وَإِنَّمَا هم أَوْلَاد يُوسُف النجار أَو الْحداد وَمَا وجد قطّ فِي اللُّغَة العبرانية أَن ولد الربيب من غير الْأُم يُسمى أَخا إِلَّا أَن يَقُولُوا إِن مَرْيَم ولدتهم من النجار فقد قَالَ هَذَا طَائِفَة من قدمائهم مِنْهُم يليان مطران طليطلة وَنحن نبرأ إِلَى الله تَعَالَى مِمَّا يَقُول هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة أَن يكون لآله معبود أم أَو خَال أَو خَاله أَو ابْن خَالَة أَو ربيب أَو أَخ أَو أُخْت وتباً لعقول يدْخل هَذَا فِيهَا من أَن لله تَعَالَى ربيباً هُوَ زوج أمه وَلَيْسَ يُمكنهُم أَن يَقُولُوا إِنَّمَا أَرَادَ كتاب الْإِنْجِيل أَنهم إخْوَته فِي الْإِيمَان وَالدّين لِأَن يوحنا قد رفع الْإِشْكَال فِي ذَلِك وَقَالَ وَمَعَهُ إخْوَته وتلاميذه فجعلهم طبقتين وَقَالَ أَيْضا إِن إخْوَته كَانُوا لَا يُؤمنُونَ بِهِ وتالله لَوْلَا أَنا شاهدنا النَّصَارَى مَا صدقنا أَن من يلْعَب بقذره وَمَا يخرج من سفله يصدق بِشَيْء من هَذَا الْحمق وَلَكِن تبَارك من أرانا بِهَذَا أَنه لَا ينْتَفع أحد ببصره وَلَا بسمعه وَلَا بتمييزه إِلَّا أَن يهديه خَالق الْهدى والضلال نسْأَل الله الَّذِي هدَانَا لملة الْإِسْلَام الْبَيْضَاء الْوَاضِحَة السليمة من كل مَا ينافره الْعقل أَن لَا يضلنا بعد إِذْ هدَانَا حَتَّى نَلْقَاهُ على مِلَّة الْحق ونحلة الْحق وَمذهب الْحق ناجين من خلل الْكفْر وَنحل الضلال ومذاهب الْخَطَأ وَفِي كل مَا أوردناه بَيَان وَاضح فِي أَن الَّذين ألفوا الأناجيل كَانُوا عيارين مستخفين بِمن أضلوه متلاعبين بِالدّينِ والطامة الثَّانِيَة إقرارهم بِأَن الْمَسِيح لم يكن

стр. 188

يقوى فِي ذَلِك الْمَكَان على آيَة وَلَو كَانَ لَهُم عقل لعلموا أَن هَذِه لَيست صفة آله يفعل مَا يَشَاء بل صفة عبد مَخْلُوق مُدبر لَا يملك من أمره شَيْئا كَمَا قَالَ لرَسُول الله ﷺ قل إِنَّمَا الْآيَات عِنْد الله وَالثَّالِثَة إقرارهم أَن الْمَسِيح سمعهم ينسبونه إِلَى ولادَة الْحداد وَأَنه أَبوهُ وَلم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِم فقد حققوا عَلَيْهِ أحد شَيْئَيْنِ لَا ثَالِث لَهما الْبَتَّةَ إِمَّا أَنه سمع الْحق من ذَلِك فَلم يُنكره وَفِي هَذَا مَا فِيهِ من خلاف قَوْلهم جملَة وَإِمَّا أَنه سمع الْبَاطِل وَالْكذب فَأقر عَلَيْهِ وَلم يُنكره وَهَذِه صفة سوء وتلبيس فِي الدّين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَفِي هَذِه الْفُصُول مِمَّا لم يُطلق الله تَعَالَى أَيْديهم على تبديله من الْحق قَوْله لَا يعْدم النَّبِي حرمته إِلَّا فِي وَطنه وَأهل بَيته فيا عقول الْأَطْفَال وَيَا أدمغة الإوز لَو عقلتم أما كَانَ يكفيكم أَن تَقولُوا فِيهِ مَا قَالَ فِي نَفسه وَمَا شهد العيان بصدقه وَصِحَّته فِيهِ وتتركوا الرعونة الَّتِي لم تقدروا مُنْذُ ألف عَام على بَيَان مَا تعتقدونه مِنْهَا بقلوبكم وَلَا قدرتكم على الْعبارَة عَنْهَا بألسنتكم وَكلما رمتم وَجها من وُجُوه النوك انفتق عَلَيْكُم بَاب مِنْهُ لَا قبل لكم بِهِ ونعوذ بِاللَّه من الضلال فصل وَفِي الْبَاب السَّادِس عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ لباطرة إِلَيْك أَبْرَأ بمفاتيح السَّمَوَات فَكل مَا حرمته فِي الأَرْض يكون محرما فِي السَّمَوَات وكل مَا أحللته على الأَرْض يكون حَلَالا فِي السَّمَوَات وَبعد هَذَا الْكَلَام بأَرْبعَة أَن الْمَسِيح قَالَ لباطرة نَفسه مُتَّصِلا بالْكلَام الْمَذْكُور تَبِعنِي يَا مُخَالف وَلَا تعارضني فَإنَّك جَاهِل بمرضاة الله وَإِنَّمَا تَدْرِي مرضاة الْآدَمِيّين قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي هَذَا الْفَصْل على قلته وَأَنه قَلِيل ومنتن كبعض مَا يُشبههُ مِمَّا نكره ذكره سؤتان عظيمتان إِحْدَاهمَا أَنه برْء إِلَى باطرة النذل بمفاتيح السَّمَوَات وولاه خطة الألوهية الَّتِي لَا تجوز لغير الله تَعَالَى وَحده لَا شريك لَهُ من أَن كل مَا حرمه فِي الأَرْض كَانَ حَرَامًا فِي السَّمَوَات وكل مَا حلله فِي الأَرْض كَانَ حَلَال فِي السَّمَوَات وَالثَّانيَِة أَنه إِثْر بَرَاءَته إِلَيْهِ بمفاتيح السَّمَوَات وتوليته خطة الربوبية إِمَّا شَرِيكا لله تَعَالَى فِي التَّحْرِيم والتحليل وَإِمَّا مُنْفَردا دونه بِهَذِهِ الصّفة قَالَ لَهُ فِي الْوَقْت أَنه مُخَالف معَارض لَهُ جَاهِل بمرضاة الله لَا يدْرِي إِلَّا مرضاة الْآدَمِيّين فوَاللَّه لَئِن كَانَ صدق فِي الْآخِرَة لقد خرق فِي الأولى إِذْ ولي مَا لَا يَنْبَغِي إِلَّا لله تَعَالَى جَاهِلا بمرضاة الله مُخَالفا لَهُ لَا يدْرِي إِلَّا رِضَاء النَّاس وَأَن هَذِه لسوءة الْأَبَد إِذْ من هَذِه صفته لَا يصلح أَن يبرأ إِلَيْهِ بمفاتيح كنيف أَو بَيت زبل وَلَئِن كَانَ صدق وَأصَاب فِي الأولى لقد كذب فِي الثَّانِيَة وَوَاللَّه مَا قَالَ الْمَسِيح قطّ شَيْئا مِمَّا ذكرُوا عَنهُ فِي الأولى لِأَنَّهَا مقَالَة كَافِر شَرّ خلق الله وَمَا يبعد أَنه

стр. 189

قَالَ لَهُ الْكَلَام الثَّانِي فَهُوَ وَالله كَلَام حق يشْهد بِهِ الْمُنَافِق على اللعين باطرة شاه وَجهه وَعَلِيهِ سخط الله وغضبه ثمَّ عجب ثَالِث أننا قد ذكرنَا قبل أر فِي الْبَاب الثَّانِي عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح أشرك مَعَ باطرة فِي هَذِه الخطة الَّتِي أفرده بهَا هَا هُنَا سَائِر الاثْنَي عشر تلميذاً وَفِي جُمْلَتهمْ السَّارِق الْكَافِر الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْيَهُود برشوة ثَلَاثِينَ درهما أَخذهَا مِنْهُم وَأَنه قَالَ لجميعهم مَا حرمتموه فِي الأَرْض كَانَ حَرَامًا فِي السَّمَوَات وَمَا حللمتموه فِي الأَرْض كَانَ حَلَالا فِي السَّمَاء فيا لَيْت شعري كَيفَ يكون الْحَال إِن اخْتلفُوا فِيمَا ولاهم من ذَلِك فأحل بَعضهم شَيْئا وَحرمه آخر مِنْهُم كَيفَ يكون الْحَال فِي السَّمَوَات وَفِي الأَرْض لقد يَقع أهلهما مَعَ هَؤُلَاءِ السفلة فِي شغل وَفِي حُرْمَة وَحل مَعًا فَإِن قيل لَا يجوز أَن يَخْتَلِفُوا قُلْنَا سُبْحَانَ الله وَأي خلاف أعظم من تَحْلِيل يهوذا إِسْلَامه إِلَى الْيَهُود وَأَخذه ثَلَاثِينَ درهما رشوة على ذَلِك إِلَّا أَن كَانَ عَزله عَن خطة الإلهية بعد أَن ولاه إِيَّاهَا فلعمري إِن من قدر أَن يوليها أَنه لقادر على الْعَزْل عَنْهَا ولعمري لقد رذلت هَذِه الْمنزلَة عِنْد هَؤُلَاءِ الأرذال حَقًا إِذْ يَليهَا السراق وَمن لَا خير فِيهِ ثمَّ يعزلون عَنْهَا بِلَا مؤونة تَعَالَى الله وَالله لَو دكت الْجبَال وَالْأَرْض دكاً وخرت السَّمَوَات الْعلَا وصعق كل ذِي روح عِنْد سَماع كفر هَؤُلَاءِ الخساس لما كَانَ ذَلِك بكبير وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَلَا يَخْلُو هَذَا القَوْل من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَنه أَرَادَ أَن باطرة والتلاميذ المولين هَذِه الخطة لَا يحللون شَيْئا وَلَا يحرمُونَ إِلَّا بِوَحْي من الله فَإِن كَانَ هَذَا فقد كذب فِي قَوْله الَّذِي ذكرنَا قبل أَن كل نبوة فمنتهاها إِلَى يحيى بن زَكَرِيَّا لِأَن هَؤُلَاءِ أَنْبيَاء على هَذَا القَوْل وَإِمَّا أَنه أَرَادَ أَنه جعل لباطرة وَأَصْحَابه ابْتِدَاء الحكم فِي التَّحْرِيم والتحليل من عِنْد أنفسهم بِلَا وَحي من الله تَعَالَى فَيجب على هَذَا أَنهم مَتى حرمُوا شَيْئا حرمه الله تَعَالَى اتبَاعا لتحريمهم وَمَتى حللوا شَيْئا حلله الله تَعَالَى اتبَاعا لتحليلهم فلئن كَانَ هَكَذَا فَإِنَّهَا لخطة خسف ونرى باطرة النذل وَأَصْحَابه الأوغاد قد صَارُوا حكاماً على الله تَعَالَى وَلَقَد صَار تَابعا لَهُم وحاشى لله تَعَالَى من هَذَا كُله وَمَا نرى باطرة المنتن وَأَصْحَابه الرذلة حصلوا من مَفَاتِيح السَّمَوَات وَمن خطة الألهية إِلَّا على حلق اللحى بالنتف وعَلى ضرب الظُّهُور بالسياط والصلب أما باطرة فدبره إِلَى فَوق وَرَأسه إِلَى أَسْفَل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد ليعلم كل مُسلم أَن هَؤُلَاءِ الَّذين يسمونهم النَّصَارَى ويزعمون أَنهم كَانُوا حواريين للمسيح ﵇ كباطرة وَمَتى الشرطي ويوحنا وَيَعْقُوب ويهوذا الاخساء

стр. 190

لم يَكُونُوا قطّ مُؤمنين فَكيف حواريين بل كَانُوا كَذَّابين مستخفين بِاللَّه تَعَالَى أما مقرين بالالهية الْمَسِيح ﵇ معتقدين لذَلِك غالين فِيهِ كغلو السبئية وَسَائِر فرق الغالية فِي عَليّ ﵁ وكقول الخطابية بالالهية أبي الْخطاب وَأَصْحَاب الحلاج بإلهية الحلاج وَسَائِر كفار الباطنية عَلَيْهِم اللَّعْنَة من الله وَالْغَضَب وَإِمَّا مدسوسين من قبل الْيَهُود كَمَا تزْعم الْيَهُود لإفساد ديث أَتبَاع الْمَسِيح ﵇ وإضلالهم كانتصاب عبد الله بن سبأ الْحِمْيَرِي وَالْمُخْتَار ابْن أبي عبيد وَأبي عبد الله العجاني وَأبي زَكَرِيَّا الْخياط وَعلي النجار وَعلي بن الْفضل الجندي وَسَائِر دعاة القرامطة والمشارقة لإضلال شيعَة عَليّ ﵁ فوصلوا من ذَلِك إِلَى حَيْثُ عرف وَسلم الله من ذَلِك من لم يكن من الشِّيعَة وَأما الحواريون الَّذين أثنى الله عَلَيْهِم فَأُولَئِك أَوْلِيَاء الله حَقًا ندين لله بحبهم وَلَا نَدْرِي أسمائهم لِأَن الله تَعَالَى لم يسمهم لنا إِلَّا إننا نبت ونوقن ونقطع بِأَن باطرة الْكذَّاب وَمَتى الشرطي ويوحنا المستخف ويهوذا وَيَعْقُوب النذلين ومارقس الْفَاسِق ولوقا الْفَاجِر وبولس الْجَاهِل مَا كَانُوا قطّ من الحواريون لَكِن من الطَّائِفَة الَّتِي قَالَ الله فِيهَا وكفرت طَائِفَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فصل وَفِي آخر الْبَاب السَّادِس عشر من إنجيل مَتى وَأعلم يسوع من ذَلِك الْوَقْت تلاميذه بِمَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يَفْعَله من دُخُول برشلام وَحمل الْعَذَاب من أكَابِر أَهلهَا وعلمائهم وقتلهم لَهُ وقيامه فِي الثَّالِث فخلابه باطرة وَقَالَ لَهُ تعفى عَن هَذَا يَا سَيِّدي وَلَا يصيبك مِنْهُ شَيْء وَفِي الْبَاب السَّابِع عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه سيبلى ابْن الْإِنْسَان فِي أَيدي النَّاس وَيقتل ويحيا فِي الثَّالِث يَعْنِي نَفسه فحزنزا لذَلِك حزنا شَدِيدا وَفِي أول الْبَاب الثَّامِن من إنجيل مارقش أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه إِن ابْن الْإِنْسَان سيبلى

стр. 191

فِي أَيدي الْآدَمِيّين فيقتلونه فَإِذا قتل يقوم فِي الْيَوْم الثَّالِث وَأما هم فَلم يفهموا مُرَاده بِهَذَا الْكَلَام وَفِي قرب آخر الْبَاب الثَّامِن من إنجيل لوقا أَن الْمَسِيح قَالَ للاثني عشر تلميذاً أَنا متصعد إِلَى برشلام ونكمل كل مَا نبأت بِهِ الْأَنْبِيَاء عَن ابْن الْإِنْسَان ويسيرون بِهِ إِلَى الْأَجْنَاس يستهزؤن بِهِ ويجلدونه ويبصقون فِيهِ وَبعد جلدهمْ إِيَّاه يقتلونه ويحيا فِي الْيَوْم الثَّالِث فَلم يفهموا عَنهُ مِمَّا ألقِي إِلَيْهِم شَيْئا وَكَانَ هَذَا عِنْدهم معقداً لَا يفهمونه قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذِه الْفُصُول ثَلَاث كذبات من طوام الْكَذِب أَحدهَا اتِّفَاق الأناجيل الْمَذْكُورَة كَمَا أوردنا على أَن الْمَسِيح أخْبرهُم عَن نَفسه أَنه يقتل وَجَمِيع الأناجيل الْأَرْبَعَة متفقة عِنْد ذكرهم لصلبه على أَنه مَاتَ على الْخَشَبَة حتف أَنفه وَلم يقتل أصلا إِلَّا أَن فِي بَعْضهَا أَنه طعنه بعد مَوته أحد الشَّرْط بِرُمْح فِي جنبه فَخرج من الطعنة دم وَمَاء وَفِي هَذَا إِثْبَات الْكَذِب على الْمَسِيح لاتفاقهم كَمَا أوردنا على أَنه أخْبرهُم بِأَنَّهُ يقتل واتفاقهم كلهم على أَنه لم يقتل وَهَذِه سوءة جدا وحاشى لله أَن يكذب نَبِي أَو ينذر بباطل هَذِه عَلامَة الْكَذَّابين لَا عَلامَة أهل الصدْق وَثَانِيها اتِّفَاق الأناجيل الْمَذْكُورَة كَمَا أوردنا على أَنه قَالَ وَيقوم فِي الثَّالِث ثمَّ اتّفقت الأناجيل كلهَا على أَنه لم يحيى وَلَا قَامَ إِلَّا فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة فَإِنَّهُ دفن فِي آخر يَوْم الْجُمُعَة مَعَ دُخُول لَيْلَة السبت وحسبك أَنهم ذكرُوا أَنه لم يحنط استعجالاً لِئَلَّا تدخل عَلَيْهِم لَيْلَة السبت وَأَنه أَقَامَ لَيْلَة الْأَحَد قبل الْفجْر وَهَذِه كذبة فَاحِشَة نسبوها إِلَى الْمَسِيح وحاشى لَهُ من مثلهَا وكذبة ثَالِثَة وَهِي إِخْبَار مَتى أَنهم فَهموا مُرَاده بِهَذَا القَوْل وَأَنَّهُمْ حزنوا حزنا شَدِيدا لذَلِك وَأَن باطرة قَالَ لَهُ تعفى عَن هَذَا يَا سَيِّدي وَلَا يصيبك مِنْهُ شَيْء وإخبار مارقس ولوقا أَنهم لم يفهموا مُرَاده بِهَذَا الْكَلَام وَهَذَا تكاذب فَاحش لَا يجوز أَن يَقع من صَادِقين فَكيف من معصومين فلاح يَقِينا عَظِيم الْكَذِب من الَّذين وضعُوا هَذِه الأناجيل وَأَنَّهُمْ كَانُوا فساقاً لَا خير فيهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فصل وَفِي الْبَاب السَّابِع عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه لَئِن كَانَ لكم إِيمَان على قدر حَبَّة الْخَرْدَل لتقولن للجبل ارحل من هُنَا فيرحل وَلَا يتعاصى عَلَيْكُم شَيْء وَقَبله مُتَّصِلا بِهِ أَن تلاميذه عجزوا عَن إِبْرَاء رجل بِهِ جن وَأَن الْمَسِيح أَبرَأَهُ وَأَن تلاميذه قَالُوا لَهُ لم عجزنا نَحن عَن إبرائه قَالَ لتشككم وَفِي الْبَاب الْحَادِي عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح دَعَا على شَجَرَة تين خضراء فيبست من وَقتهَا فَعجب التلاميذ فَقَالَ لَهُم الْمَسِيح أَمِين أَقُول لكم لَئِن آمنتم وَلم تَشكوا لَيْسَ تَفْعَلُونَ هَذَا فِي التينة وَحدهَا لَكِن مَتى قُلْتُمْ هَذَا لجبل انقلع وانطرح فِي الْبَحْر تمّ لكم وَفِي الْبَاب الْحَادِي عشر من إنجيل يوحنا

стр. 192

أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه من آمن بِي سيفعل الأفاعيل الَّتِي أَفعَلهَا أَنا وسيفعل أعظم مِنْهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذِه الْفُصُول ثَلَاث طوام من الْكَذِب عَظِيمَة لَا يخلوا لتلاميذ الْمَذْكُورين ثمَّ هَؤُلَاءِ الأشقياء بعدهمْ إِلَى الْيَوْم من أَن يَكُونُوا مُؤمنين بالمسيح أَو غير مُؤمنين وَلَا سَبِيل إِلَى قسم ثَالِث فَإِن كَانُوا مُؤمنين فقد كذب الْمَسِيح فِيمَا وعدهم بِهِ فِي هَذِه الْفُصُول جهاراً وحاشى لَهُ من الْكَذِب وَمَا مِنْهُم أحد قطّ قدر أَن تأتمر لَهُ ورقة فَكيف على قلع جبل وإلقائه فِي الْبَحْر وَإِن كَانُوا غير مُؤمنين بِهِ فهم بإقرارهم هَذَا كفار وَلَا خير فِي كَافِر وَلَا يجوز أَن يصدق كَافِر وَلَا أَن يُؤْخَذ الدّين عَن كَافِر وَلَا بُد لَهُم من أَن يجيبوا إِذْ سألناهم أَفِي قُلُوبكُمْ مِقْدَار حَبَّة خَرْدَل من إِيمَان أم لَا وتؤمنون بالمسيح أم لَا فَإِن قَالُوا نعم نَحن مُؤمنُونَ بِهِ وَالْإِيمَان فِي قُلُوبنَا قُلْنَا كذب الْمَسِيح بَقينَا فِيمَا أخبر بِهِ من أَن من فِي قلبه مِقْدَار حَبَّة خَرْدَل من إِيمَان يَأْمر الْجَبَل بِأَن ينقلع فينقلع وَالله مَا مِنْكُم أحد يقدر على تيبيس شَجَرَة بدعائه وَلَا على قلع جبل من مَوْضِعه وَإِن قَالُوا لَيْسَ فِي قُلُوبنَا قدر حَبَّة خَرْدَل من إِيمَان وَلَا نَحن مُؤمنُونَ بِهِ قُلْنَا صَدقْتُمْ وَالله حَقًا انْظُر كَيفَ كذبُوا على أنفسهم وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون صدق الله وأنبياؤه وَكذب مَتى وباطرة ويوحنا ومارقش ولوقا وَسَائِر النَّصَارَى وَهُوَ الكذابون وَلَقَد قلت هَذَا لبَعض عُلَمَائهمْ فَقَالَ لي إِنَّمَا عَنى شَجَرَة الْخَرْدَل الَّتِي تعلو على جَمِيع الزراريع حَتَّى يسكن الطير فِيهَا فَقلت لَهُ لم يقل فِي الأناجيل مثل شجر الْخَرْدَل إِنَّمَا قَالَ مثل حَبَّة الْخَرْدَل وَقد وصفهَا الْمَسِيح بإقرارهم بِأَنَّهَا أدق الزراريع وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ إِلَّا مُؤمن أَو كَافِر وَأما الشاك فَإِنَّهُ مَتى دخل الْإِيمَان شكّ بَطل وَحصل صَاحبه فِي الْكفْر فَكيف وَلم يدعنا الْمَسِيح بإقرارهم فِي شكّ من هَذَا التَّأْوِيل الْفَاسِد بل زَعَمُوا أَنه قَالَ لَهُم لتشككم لَئِن كَانَ لكم إِيمَان قدر حَبَّة الْخَرْدَل لتقولن للجبل وَقَالَ فِي إنجيل يوحنا كَمَا أوردنا لَئِن آمنتم وَلم تَشكوا فَإِنَّمَا أَرَادَ بِيَقِين بِهَذِهِ النُّصُوص التَّصْدِيق الَّذِي هُوَ خلاف الشَّك لَا غَايَة الْعَمَل الصَّالح وَقَالَ كَمَا أوردنا فِي إنجيل يوحنا من آمن بِي سيفعل الأفاعيل الَّتِي أفعل أَنا فَعَن هَذَا الْإِيمَان بِهِ سألناكم أَفِي قُلُوبكُمْ هُوَ أم لَا فَقولُوا مَا بدا لكم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما أَنا فَلَو سَمِعت هَذَا القَوْل مِمَّن يَدعِي النُّبُوَّة لما ترددت فِي الْيَقِين بِأَنَّهُ كَذَّاب وَوَاللَّه مَا قَالَهَا الْمَسِيح قطّ وَلَا اخترع هَذَا الْكَذِب إِلَّا أُولَئِكَ السفلة مَتى ويوحنا وأمثالهم وَالْعجب كُله إِقْرَار مَتى فِي الْفَصْل الْمَذْكُور كَمَا أوردنا أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُ ولأصحابه أَنهم إِنَّمَا عجزوا عَن إِبْرَاء الْمَجْنُون لشكهم فَشهد عَلَيْهِم بِالشَّكِّ وَأَنه لَو كَانَ لَهُم إِيمَان لم يعْجزُوا عَن ذَلِك فَلَا يَخْلُو الْمَسِيح ﵇ فِيمَا حكوا عَنهُ من الْكَذِب أَن يكون كَاذِبًا أَو صَادِقا فَإِن كَانَ كَاذِبًا فَهَذِهِ صفة سوء والكاذب لَا يكون نَبيا فَكيف إِلَهًا وَإِن كَانَ صَادِقا فَإِن

стр. 193

الَّذين أخذُوا عَنْهُم دينهم ويسمونهم تلاميذ وَأَنَّهُمْ فَوق الْأَنْبِيَاء كفار شكاك فَكيف يَأْخُذُونَ دينهم عَن كفار شكاك لَا مخرج لَهُم من أَحدهمَا وَلَو لم تكن إِلَّا هَذِه فِي أَنَاجِيلهمْ كلهَا لكفت فِي إِبْطَالهَا وَإِبْطَال جَمِيع مَا هم عَلَيْهِ من دينهم المنتن ثمَّ الْعجب كُله كَيفَ يشْهد عَلَيْهِم بِالشَّكِّ وهم يحكون أَنه قد ولاهم خطة الالهية وولاهم رُتْبَة الربوبية فِي أَن كلما حرمُوهُ فِي الأَرْض كَانَ حَرَامًا فِي السَّمَوَات وَكلما حللوه فِي الأَرْض كَانَ حَلَالا فِي السَّمَوَات فَكيف يجْتَمع هَذَا مَعَ هَذَا وَهل يَأْتِي بِهَذَا التَّنَاقُض من دماغه سَالم أَو فِيهِ آفَة يسيرَة بل هَذَا وَالله توليد أفاك كَاذِب واختراع عيار متلاعب ونعوذ بِاللَّه من الخذلان فصل فِي قرب آخر الْبَاب الثَّامِن عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه إِذا اجْتمع اثْنَان مِنْكُم على أَمر فَلَيْسَ يسألان شَيْئا على الأَرْض إِلَّا أجابهم إِلَيْهِ أبي السماوي وَحَيْثُ اجْتمع اثْنَان أَو ثَلَاثَة على اسْمِي فَأَنا متوسطهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا الْفَصْل ظريف جدا وَكذب لَا يمطل ظُهُوره وَلَا يَخْلُو أَن يكون عني بِهَذِهِ المخاطبة تلاميذه خَاصَّة أَو كل من آمن بِهِ وَأي الْأَمريْنِ كَانَ فَهُوَ كذب ظَاهر وَمَا يشك أحد فِي أَن تلاميذه سَأَلُوا أَن يُجِيبهُمْ من دَعوه إِلَى مَا دَعوه إِلَيْهِ من دينهم وَأَن يتَخَلَّص من فتن من أَصْحَابه فَمَا أَعْطَاهُم شَيْئا من ذَلِك الَّذِي سَمَّاهُ أَبَاهُ السماوي فَإِن قيل لم يسْأَلُون قطّ شَيْئا من ذَلِك قُلْنَا هَذِه طامة أُخْرَى لَئِن كَانَ هَذَا فهم غاشون للنَّاس غير مريدين لصلاحهم بل ساعون فِي هلاكهم هَيْهَات هَذِه منزلَة مَا أَعْطَاهَا الله تَعَالَى قطّ أحدا من خلقه صدق الله وَرَسُوله ﷺ إِذْ أخبرنَا أَن ربه تَعَالَى قَالَ لَهُ سواءٌ عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْت لَهُم أم لم تستغفر لن يغْفر الله لَهُم وَأخْبرنَا ﵇ أَنه دَعَا أَن يَجْعَل بأسنا بَيْننَا بعده فَلم يجبهُ الله تَعَالَى إِلَى ذَلِك هَذَا هُوَ الْحق الَّذِي لَا مزِيد فِيهِ وَالْقَوْل الَّذِي صَحبه الصدْق وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين لم يفخر بِمَا لم يُعْط قطّ وَلَا أنزل نَفسه فَوق قدرهَا ﷺ فصل وَفِي الْبَاب الْمَذْكُور أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم وَإِن أَسَاءَ إِلَيْك أَخُوك الْمُؤمن

стр. 194

فَعَاتَبَهُ وَحدك فِيمَا بَيْنك وَبَينه فَإِن سمع مِنْك فقد ربحته وَإِن لم يسمع فَخذ إِلَى نَفسك رجلا أَو رجلَيْنِ لكيما تثبت كل كلمة بِشَهَادَة شَاهِدين أَو ثَلَاثَة فَإِن لم يسمع فَاعْلَم بِخَبَرِهِ الْجَمَاعَة فَإِن لم يسمع من الْجَمَاعَة فَلْيَكُن عنْدك بِمَنْزِلَة الْمَجُوسِيّ والمستخرج ثمَّ بعده بأسطار يسيرَة قَالَ وَعند ذَلِك تداني إِلَيْهِ باطرة وَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي فَإِن أَسَاءَ إِلَيّ أخي أتأمرني أَن أَغفر لَهُ سبعا فَقَالَ لَهُ يسوع لست أَقُول لَك سبعا وَلَكِن سبعين فِي سَبْعَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه ضد قَوْله فِي الثَّالِثَة فَلْيَكُن عنْدك بِمَنْزِلَة الْمَجُوسِيّ والمستخرج وَلَا سَبِيل إِلَى الْجمع بَينهمَا فصل وَفِي الْبَاب الموفى عشْرين من إنجيل مَتى إِن أم ابْني سبدى أَقبلت إِلَيْهِ مَعَ ولديها فحنت ورغبت إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا مَا تريدين فَقَالَت أحب أَن تقعد ابْني هذَيْن أَحدهمَا عَن يَمِينك وَالْآخر عَن شمالك فِي ملكك فَقَالَ يسوع تجهلان السُّؤَال أتصبران على شرب الكأس الَّتِي اشرب فَقَالَا نصبر فَقَالَ لَهما ستشربان بكأسي وَلَيْسَ إِلَى تجليسكما عَن يَمِيني وشمالي إِلَّا لمن وهب ذَلِك إِلَى أبي قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي هَذَا الْفَصْل بَيَان أَنه لَيْسَ إِلَيْهِ من الْأَمر شَيْء وَأَنه غير الْأَب كَمَا يَقُولُونَ بِخِلَاف دينهم فَإذْ هُوَ غير الْأَب وَكِلَاهُمَا إِلَه فهما إلهان اثْنَان متغايران أَحدهمَا قوي وَالْآخر ضَعِيف لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ لَيْسَ لَهُ قدرَة على تقريب أحد إِلَّا من وهب لَهُ ذَلِك الَّذِي يسمونه أَبَا وليت شعري كَيفَ يجْتَمع مَا ينسبون إِلَيْهِ هَهُنَا من الِاعْتِرَاف بِأَنَّهُ لَيْسَ بِيَدِهِ أَن يجلس أحد عَن يَمِينه وَلَا عَن شِمَاله وَإِنَّمَا هُوَ بيد الله تَعَالَى مَعَ مَا ينسبون إِلَيْهِ من أَنه قدر على إِعْطَاء مَفَاتِيح السَّمَوَات وَالْأَرْض لأنذل من وجد وَهُوَ باطرة وَأَنه يفعل كل مَا يَفْعَله الْأَب وَأَن الله تَعَالَى قد تَبرأ إِلَيْهِ من الحكم وَأَن الله تَعَالَى لَيْسَ يحكم بعد على أحد وَسَائِر تِلْكَ الفضائح الْمهْلكَة مَعَ تكاذبها وتدافعها وشهادتها بِأَنَّهَا لَيست من عِنْد الله وَلَا من عِنْد نَبِي أصلا لَكِن توليد كَذَّاب كَافِر ونعوذ بِاللَّه تَعَالَى فصل وَفِي الْبَاب الْحَادِي وَالْعِشْرين من إنجيل مَتى فَلَمَّا تداني الْمَسِيح من برشلام وَكَانَ فِي مَوضِع يُقَال لَهُ بَيت فاجي جوَار جبل الزَّيْتُون بعث رجلَيْنِ من تلاميذه وَقَالَ لَهما امضيا إِلَى الْحصن الَّذِي يقابلكما وستجدان فِيهِ حمارة مربوطة بفلوها

стр. 195

فحلا عَنْهُمَا وأقبلا إِلَيّ بهما فَإِن تعرضكما أحد فقولا إِن السَّيِّد يُرِيدهُمَا فيدعكما من وقته وَكَانَ ذَلِك ليتم بِهِ قَول النَّبِي الْقَائِل قُولُوا لِابْنِهِ صهيون سيأتيك ملكك متواضعاً على حمارة وَابْن أتان فَتوجه التلميذان وفعلا كَمَا أَمرهمَا بِهِ وَأَقْبل بالحمارة وفولها وألقيا ثيابهما عَلَيْهِمَا وأجلساه من فَوْقهمَا وَفِي الْبَاب التَّاسِع من آخر إنجيل مارقش فَلَمَّا بلغ الْمَسِيح بَيت فاجي عِنْد جبل الزَّيْتُون أرسل اثْنَيْنِ من تلاميذه وَقَالَ لَهما اذْهَبَا إِلَى الْحصن الَّذِي بحيالكما فَإِذا دخلتما ستجدان فَلَو مربوطا لم يركبه بعد أحد من الْآدَمِيّين حلاه واقبلا بِهِ إِلَيّ فَإِن قَالَ لَكمَا أحد مَا هَذَا الَّذِي تفعلان فقولا لَهُ إِن السَّيِّد الْمَسِيح يحْتَاج إِلَيْهِ فيخليه لَكمَا فَانْطَلقَا ووجدا الفلو مربوطاً قبالة رحبة الْبَاب فِي زقاقين فحلاه فقالى لَهما بعض الْوُقُوف هُنَالك مَا لَكمَا تحلان الفلو فَقَالَا لَهُ كَالَّذي أَمرهمَا يسوع فَتَرَكُوهُ لَهما وساقا الفلو إِلَى يسوع فحملا عَلَيْهِ ثيابهما وَركب من فَوق قَالَ أَبُو مُحَمَّد فهاتان قضيتان كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تكذب الْأُخْرَى مَتى يَقُول ركب حمارة وفلوها ومارقش يَقُول ركب فلواً وَالْعجب كُله من اسشتهادهم لذَلِك بقول النَّبِي يَأْتِيك ملكك رَاكِبًا على حمارة وَابْن أتان وَمَا كَانَ الْمَسِيح قطّ ملك برشلام فَهَذِهِ كذبة أُخْرَى وأظرف شَيْء إسشهادهم لصِحَّة أمره بركوبه حمارة أثراه لم يدْخل قطّ برشلام إِنْسَان على حمارة سواهُ هَذِه وَالله مضحكة من مضاحك السخفاء وَلَقَد أَخْبرنِي الْحُسَيْن ابْن بَقِي صاحبنا نور الله وَجهه أَنه وقف عَالما من عُلَمَائهمْ على هَذَا الْ فَصْل قَالَ فَقَالَ إِنَّمَا هَذِه رمز والحمارة هِيَ التَّوْرَاة قَالَ فأضحكني قَوْله وَقلت لَهُ فالإنجيل هُوَ الفلو قَالَ فَسكت وَعلم أَنه أَتَى بِمَا يُوجب السخرية مِنْهُ فصل وَفِي الْبَاب الثَّالِث عشر من إنجيل مَتى أَن يسوع قَالَ لَهُم إِذا قَامَ النَّاس من الْأَمْوَات لَا يَتَزَوَّجُونَ وَلَا يتناكحون لكِنهمْ يكونُونَ كأمثال مَلَائِكَة الله فِي السَّمَاء وَفِي

стр. 196

الْبَاب السَّادِس وَالْعِشْرين من إنجيل مَتى وَأَيْضًا فِي الْبَاب الثَّانِي عشر من إنجيل مارقش أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه لَيْلَة أَخذه لَا شربت بعْدهَا من نسل الزرجون حَتَّى أشربها مَعكُمْ جَدِيدَة فِي ملكوت الله وَفِي الْبَاب الرَّابِع عشر من إنجيل لوقا أَن الْمَسِيح قَالَ للحواريين الاثْنَي عشر أَنْتُم الَّذين صَبَرْتُمْ معي فِي جَمِيع مصائبي فَإِنِّي ألخص لكم الْوَصِيَّة على مَا لخصها لي أبي لتطعموا وتشربوا على مائدتي فِي ملكوتي وتجلسوا على عروش حاكمين على اثْنَي عشر سبطاً من بني إِسْرَائِيل قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَفِي الْفَصْل الأول أَن النَّاس فِي الْآخِرَة لَا يتناكحون وَفِي الْفُصُول الثَّلَاثَة بعده أَن فِي الْجنَّة أكلا وشرباً للخبز وَالْخمر على الموائد وَالنَّصَارَى يُنكرُونَ كل هَذَا وَلَا مؤونة عَلَيْهِم فِي تكذيبهم للمسيح مَعَ إقرارهم بعبادتهم لَهُ وَأَنه رَبهم لَا سِيمَا وَفِي الْفَصْل الأول أَن النَّاس فِي الْجنَّة كالملائكة وَفِي التَّوْرَاة الَّتِي يصدقون بهَا أَن الْمَلَائِكَة أكلت عِنْد لوط وَعند إِبْرَاهِيم الفطاير وَاللَّحم وَاللَّبن وَالسمن وَإِذا كَانَت الْمَلَائِكَة يَأْكُلُون وَالنَّاس فِي الْجنَّة مثلهم فَالنَّاس فِي الْجنَّة يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ بِلَا شكّ بِمُوجب التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَلَا سِيمَا وَقد أخبروا أَن الْمَسِيح بعد أَن مَاتَ وَرجع إِلَى الدُّنْيَا وَلَقي تلاميذه طلب مِنْهُم مَا يَأْكُل فَأتوهُ بحوت مشوي فَأكل مَعَهم وَشرب شراب عسل بعد مَوته فَإِذا كَانَ الْإِلَه يَأْكُل الْحيتَان المشوية وَيشْرب عَلَيْهَا الْعَسَل فَأَي فكرة فِي شرب النَّاس وأكلهم فِي الْجنَّة وَإِذا كَانَ الله تَعَالَى عِنْدهم اتخذ ولدا من امْرَأَة اصطفاها فَأَي عجب فِي اتِّخَاذ النَّاس النِّسَاء فِي الْجنَّة وَهَذَا هُوَ طبعهم الَّذِي بناهم الله عَلَيْهِ إِلَّا أَن فِي رعونة هَؤُلَاءِ النوكي لعبرة لمن اعْتبر وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَعجب آخر وَهُوَ وعده الاثْنَي عشر تلميذاً بِأَنَّهُم يَقْعُدُونَ على عروش حاكمين على الاثْنَي عشر سبطاً من بني إِسْرَائِيل فَيُوجب ضَرُورَة كَون يهوذا الأسخريوطى فيهم وَلَا يجوز أَن يُخَاطب بِهَذَا أَصْحَابه دونه لِأَنَّهُ قد أوضح أَنهم اثْنَا عشر على اثْنَي عشر سبطاً من بني إِسْرَائِيل فَوَجَبَ ضن ورة كَونه فيهم وَهُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْيَهُود برشوة ثَلَاثِينَ درهما فَلَا بُد من أَنه لم يُذنب فِي ذَلِك وَهَذَا كذب لِأَنَّهُ قد قَالَ فِي مَكَان آخر ويل لذَلِك الْإِنْسَان الَّذِي كَانَ أحب إِلَيْهِ لَو لم يخلق أَو كذب الْمَسِيح فِي هَذَا الْوَعْد الْمَذْكُور لَا بُد من أَحدهمَا

стр. 197

فصل وَفِي الْبَاب الثَّالِث وَالْعِشْرين من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح كاشف عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل وَقَالَ مَا تَقولُونَ فِي الْمَسِيح وَابْن من هُوَ قَالُوا هُوَ ابْن دَاوُد فَقَالَ لَهُم كَيفَ يُسَمِّيه دَاوُد بِالروحِ إِلَهًا حَيْثُ كتب قَالَ الله لالهي اقعد على يَمِيني حَتَّى أجعَل من أعدائك كرسيا بقدميك فَإِن كَانَ دَاوُد يَدعُوهُ إِلَهًا فَكيف يكون هُوَ وَلَده فَلم يقدر مِنْهُم أحد على مُرَاجعَته قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا هُوَ الْحق من قَول الْمَسِيح ﵇ وَلَقَد أنكرها ﵇ الْمُنكر حَقًا وَالْعجب أَن هَؤُلَاءِ الأنذال المنتمين إِلَى أَتْبَاعه ﵇ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي الِاحْتِجَاج بِهَذَا الْفَصْل الْمَذْكُور وَهُوَ ﵇ قد أنكر أَن يكون الْمَسِيح ابْن دَاوُد وهم يسمونه فِي الأناجيل كلهَا بِأَنَّهُ ابْن دَاوُد فاعجبوا فصل وَفِي الْبَاب الْمَذْكُور أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه أَنْتُم إخْوَان وَلَا تنتسبوا إِلَى أَب على الأَرْض فَإِن أَبَاكُم السماوي وَاحِد قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي هَذَا الْفَصْل فضيحتان عظيمتنان احدهما إخْبَاره أَن الله تَعَالَى هُوَ أَبُو التلاميذ فتراهم مثله سَوَاء بِسَوَاء فَلم خصّه النَّصَارَى بِأَن يَقُولُوا أَنه ابْن الله دون أَن يَقُولُوا عَن تلاميذه مَتى ذكروهم أَنهم أَبنَاء الله تَعَالَى الله عَن هَذَا الْكفْر وَعَن أَن يكون أَبَا أَو ابْنا وَالْأُخْرَى قَوْله لَهُم لَا تنتسبوا إِلَى أَب على الأَرْض وَالنَّصَارَى والأناجيل يطلقون أَن شَمْعُون بن يوثا وَيَعْقُوب ويوحنا ابْنا سَيِّدي ويهوذا وَيَعْقُوب ابْنا يُوسُف فقد أقرُّوا بثباتهم على مَعْصِيّة الْمَسِيح إِذْ نَهَاهُم أَن ينتسبوا إِلَى أَب على الأَرْض وهم ملازمون مُخَالفَة أمره فِي ذَلِك متدينون بعصيانه فصل وَفِي الْبَاب الرَّابِع وَالْعِشْرين من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح أنذر تلاميذه بِمَا يكون فِي آخر الزَّمَان من الزلازل وَالْبَلَاء وَقَالَ لَهُم فَادعوا أَن لَا يكون هروبكم فِي شتاء وَلَا فِي سبت قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا بَيَان وَاضح بلزومهم حفظ السبت إِلَى انْقِضَاء أَمرهم وَإِلَى حُلُول الزلازل بهم وهم على خلاف ذَلِك هَذِه أمة لَا عقول لَهُم فصل وَفِي الْبَاب الْمَذْكُور أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم سيثور مسحاء كذبة وأنبياء

стр. 198

كذبة ويعطون الْعَجَائِب الْعَظِيمَة والآيات حَتَّى يغلط من يظنّ بِهِ الصّلاح وَفِي الْبَاب الثَّالِث عشر من إنجيل مارقش سيقوم مسيحون كذابون وأنبياء كذابون ويأتون بِالْآيَاتِ والبدائع ليخدعوا إِن أمكن أَيْضا المختارين قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا الْ فَصْل مَعَ الْفَصْل الْأَخير الَّذِي فِي توراة الْيَهُود فِي السّفر الْخَامِس الَّذِي نَصه إِن طلع فِيكُم نَبِي وَادّعى أَنه رأى رُؤْيا وأتاكم بِخَبَر مَا يكون وَكَانَ مَا وَصفه ثمَّ قَالَ لكم بعد اتبعُوا إلهة الْأَجْنَاس فَلَا تسمعوا لَهُ مَعَ الْفَصْل الَّذِي فِيهِ من التَّوْرَاة إِن السَّحَرَة عمِلُوا مثل مَا عمل مُوسَى فِي قلب الْعَصَا حَيَّة وإحالة المَاء دَمًا والمجيء بالضفادع كَاف فِي إبِْطَال مَا أَتَى بِهِ مُوسَى والمسيح ﵉ وكل نَبِي يقرونَ بنبوته لِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يَأْتِي نَبِي كَاذِب بالمعجزات وَأمكن أَن يكذب النَّبِي الصَّادِق فِيمَا ينذر بِهِ وَأمكن أَن يعْمل السَّحَرَة مثل شَيْء من آيَات نَبِي فقد امتزج الْحق بِالْبَاطِلِ وَلم يكن إِلَى تَمْيِيز أَحدهمَا من الآخر طَرِيق أصلا وَهَذَا إِفْسَاد الْحَقَائِق وَإِبْطَال مُوجب الْحق وَتَكْذيب الْحَواس وَإِذا أمكن عِنْد الْيَهُود وَالنَّصَارَى مَا ذَكرْنَاهُ مِمَّا فِي توراتهم وَأَنَاجِيلهمْ فَمَا الَّذِي يؤمنهم من أَن مُوسَى ﵇ والمسيح وَسَائِر أَنْبِيَائهمْ إِنَّمَا كَانُوا سحرة وكاذبين شَهِدنَا بِاللَّه شَهَادَة الْحق أَن هَذِه الْفُصُول الْمَذْكُورَة من عمل برهمي مكذب بِالنُّبُوَّةِ جملَة أَو مَا فِي مكذب بنبوة الْأَنْبِيَاء الْمَذْكُورين ﵈ وَأَن مُوسَى وَعِيسَى ﵉ لم يَقُولَا قطّ شَيْئا مِمَّا فِي هَذِه الْفُصُول الخبيثة الملعونة وَأما نَحن فَلَا نجيز الْبَتَّةَ أَن يكذب نَبِي وَلَا أَن يَأْتِي غير نَبِي بمعجزة وَلَا سَاحر وَلَا كَذَّاب وَلَا صَالح الصِّنَاعَة فَإِن قيل أَنكُمْ تَقولُونَ أَن الدَّجَّال يَأْتِي بالمعجزات قُلْنَا حاش لله من هَذَا وَمَا الدَّجَّال إِلَّا صَاحب عجائب كَأبي الْعَجَائِب وَلَا فرق إِنَّمَا هُوَ محيل يتحيل بحيل مَعْرُوفَة كل من عرفهَا عمل مثل عمله وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة سَأَلَهُ هَل مَعَ الدَّجَّال نهر مَاء وخبز وَنَحْو ذَلِك فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ هُوَ أَهْون على الله من ذَلِك وَصَحَّ أَيْضا عَنهُ ﵇ أَن الدَّجَّال صَاحب شبه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فصل وَفِي الْبَاب الْمَذْكُور أَن الْمَسِيح قَالَ وَأما ذَلِك الْيَوْم وَذَلِكَ الْوَقْت لَا يدْرِي أحد بهما لَا الْمَلَائِكَة وَلَا أحد غير الْأَب وَحده وَفِي الْبَاب الثَّالِث عشر من إنجيل مارقش

стр. 199

أَن الْمَسِيح قَالَ السَّمَوَات وَالْأَرْض تذْهب وكلامي لَا يبيد أبدا وَأما ذَلِك الْيَوْم وَتلك السَّاعَة فَلَا يدْرِي أحد بهما وَلَا الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء وَلَا ابْن الْإِنْسَان مَا عد الْأَب قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا الْ فَصْل يُوجب ضَرُورَة أَن الْمَسِيح هُوَ غير الله تَعَالَى لِأَنَّهُ أخبر إِن هَا هُنَا شَيْئا يُعلمهُ الله تَعَالَى وَلَا يُعلمهُ هُوَ وَإِذا كَانَ بِنَصّ إنجيلهم الابْن لَا يعلم مَتى السَّاعَة وَالْأَب يعلم مَتى هِيَ فبالضرورة القاطعة نعلم أَن الابْن غير الْأَب وَإِذا كَانَ كَذَلِك فهما اثْنَان متغايران أَحدهمَا يجهل مَا لَا يجهله الآخر وَهَذَا الشّرك الَّذِي عَلَيْهِ يحومون وَهَذَا مَا يُبطلهُ الْعقل أَن يكون إلهان أَحدهمَا نَاقص فصح ضَرُورَة أَن من هُوَ غير الله تَعَالَى فَهُوَ مَخْلُوق مربوب وَبَطل هوسهم وتخليطهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين أَو يكذبوا الْمَسِيح فِي هَذَا الْفَصْل وَلَا بُد فصل وَفِي الْبَاب السَّادِس وَالْعِشْرين من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ لباطرة لَيْلَة أَخذ أَمِين أَقُول لَك ستجحدني هَذِه اللَّيْلَة قبل صرخة الديك ثَلَاثًا فَقَالَ باطرة لَا يكون هَذَا وَلَو بلغت الْقَتْل وَفِي الْبَاب الرَّابِع عشر من إنجيل مارقش أَن الْمَسِيح قَالَ لباطرة أَمِين أَقُول لَك إِنَّك أَنْت الْيَوْم فِي هَذِه اللَّيْلَة قبل أَن يرفع الديك صَوته مرَّتَيْنِ ستجحدني ثَلَاثًا فَكَانَ باطرة يُعِيد القَوْل حَتَّى لَو أمكنني أَن أَمُوت مَعَك لست أجحدك وَفِي الْبَاب الثَّانِي وَالْعِشْرين من إنجيل لوقا أَن الْمَسِيح قَالَ لباطرة أَنا أعلمك أَنه لَا يصْرخ الديك هَذِه اللَّيْلَة حَتَّى تجحدني ثَلَاثًا وَأَنَّك لم تعرفنِي وَفِي الْبَاب الْحَادِي عشر من إنجيل يوحنا أَن الْمَسِيح قَالَ أَمِين أَقُول لَك لَا يصْرخ الديك اللَّيْلَة حَتَّى تجحدني ثَلَاثًا فاتفق مَتى ومرقس ولوقا ويوحنا على أَنه قَالَ لَهُ أَنَّك تجحدني ثَلَاث مَرَّات قبل أَن يصْرخ الديك وَهَكَذَا وصف كل وَاحِد مِنْهُم عَن باطرة أَنه هَكَذَا فعل أَمَام الْغُلَام وَالْأمة وَالْقَوْم الَّذين كَانُوا يصطلون على النَّار وَقَالَ مارقش أَنه قَالَ لَهُ قبل أَن يصْرخ الديك مرَّتَيْنِ تجحدني ثَلَاث مَرَّات وَهَكَذَا وصف مارقش عَن باطرة وَأَنه فعل ليلتئذٍ فَإِن خادمه الكوهن قَالَت لَهُ أَنْت من أَصْحَاب يسوع فَجحد ثمَّ صرخَ الديك ثمَّ قَالَت للحاضرين الواقفين هُنَالك هَذَا من أُولَئِكَ فَجحد ثَانِيَة ثمَّ قَالَ لَهُ الواقفون هُنَالك حَقًا أَنْت مِنْهُم فَجحد ثَالِثَة أَيْضا ثمَّ صرخَ الديك ثَانِيَة فعلى قَول مارقش كذب مَتى ولوقا ويوحنا لِأَن الديك صرخَ قبل أَن يجحده ثَلَاث مَرَّات أَو كذب الْمَسِيح فِي إخْبَاره بذلك إِن كَانَ هَؤُلَاءِ صدقُوا لَا بُد من أَحدهمَا وعَلى قَول مَتى ولوقا ويوحنا كذب مارقش أَيْضا كَذَلِك لِأَن الديك صرخَ قبل أَن يجحده ثَلَاث

стр. 200

مَرَّات أَو كذب الْمَسِيح وَلَا بُد من أَحدهمَا وَالْكذب وَاقع فِي أحد الْخَبَرَيْنِ وَلَا بُد ثمَّ طامة أُخْرَى وَهِي اتِّفَاق مَتى ومارقش على أَن الْمَسِيح أخبر باطرة بِأَنَّهُ سيجحده تِلْكَ اللَّيْلَة وَأَن باطرة رد خَبره وَقَالَ لَهُ لَا يكون هَذَا فلولا أَن الْمَسِيح كَانَ عِنْد باطرة مِمَّن يكذب فِي خَبره مَا كذبه مُوَاجهَة مرّة بعد مرّة أَو كفر باطرة إِذْ كذب ربه أَو نَبيا لَا بُد من أَحدهمَا فَإِن كَانَ كفر باطرة فَكيف يُعْطي مَفَاتِيح السَّمَوَات لمرتد كَافِر مكذب لله تَعَالَى أَو لنَبِيّ من الْأَنْبِيَاء جهاراً أم كَيفَ تولي مرتبَة التَّحْرِيم والتحليل من يكذب الله تَعَالَى أَو نبيه أَو كَيفَ يُؤْخَذ الدّين عَمَّن كذب ربه أَو كذب خبر نَبِي عَن الله تَعَالَى جهاراً فِي آخر سَاعَة كَانَ فِيهَا مَعَه وَختم بذلك عمله مَا سمعنَا بأوسخ عقولاً من أمة هَذِه صفة دينهم وكتابهم وأئمتهم ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَفِي الْبَاب السَّابِع وَالْعِشْرين من إنجيل مَتى أَن الْخَشَبَة الَّتِي صلب عَلَيْهَا الْمَسِيح أَخذ لحملها سخرة سيمون وَفِي الْبَاب الْخَامِس عشر من إنجيل مارقش أَن تِلْكَ الْخَشَبَة الَّتِي صلب عَلَيْهِ يسوع أَخذ لحملها سيمون القيرواني وَالِد الكسندرس وروفس وَفِي الْبَاب الموفى عشْرين من إنجيل لوقا أَنه سخر لحمل تِلْكَ الْخَشَبَة شَمْعُون القيرواني وَفِي الْبَاب التَّاسِع عشر من إنجيل يوحنا أَن يسوع نَفسه هُوَ الَّذِي حملت عَلَيْهِ الْخَشَبَة الَّتِي صلب فِيهَا وَهَذَا خلاف مَا حكى أَصْحَابه وَلَقَد قررت بعض عُلَمَائهمْ على هَذَا فَقَالَ لي كَانَت طَوِيلَة جدا فحملها هُوَ وشمعون الْمَذْكُور فَقلت لَهُ وَمن أَيْن لَك هَذَا وَأَيْنَ وجدته وَسِيَاق أَخْبَار مُؤَلَّفِي الْإِنْجِيل لَا تدل على هَذَا وَلَو قلت أَنه مُمكن أَن يسخر كل وَاحِد مِنْهُمَا لحملها بعض الطَّرِيق لَكَانَ أَدخل فِي سِيَاق الْخَبَر فصل وَفِي الْبَاب السَّابِع وَالْعِشْرين من إنجيل مَتى أَنه صلب مَعَه مَعَه لصان أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن يسَاره وَكَانَا يشتمانه ويتناولانه محركين رؤسهما ويقولان يَا من يهدم الْبَيْت ويبنيه فِي ثَلَاث سلم نَفسك إِن كنت ابْن الله فَانْزِل عَن الصلب وَفِي الْبَاب الْخَامِس عشر من إنجيل مارقش أَنه صلب مَعَه لصان أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله واللذان

стр. 201

صلبا مَعَه كَانَا يستعجزانه وَفِي الْبَاب الموفى عشْرين من إنجيل لوقا وَكَانَ أحد اللصين المصلوبين مَعَه يسبه وَيَقُول إِن كنت أَنْت الْمَسِيح فَسلم نَفسك وَسلمنَا فَأَجَابَهُ الآخر وكشر عَلَيْهِ وَقَالَ أما تخَاف الله وَأَنت فِي آخر عمرك وَفِي هَذِه الْعقُوبَة أما نَحن فكوفئنا بِمَا استوجبنا وَهَذَا لَا ذَنْب لَهُ ثمَّ قَالَ ليسوع يَا سَيِّدي اذْكُرْنِي إِذا نلْت ملكوتك فَقَالَ لَهُ يسوع أَمِين أَقُول لَك الْيَوْم تكون معي فِي الْجنَّة قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِحْدَى القضيتين كذب بِلَا شكّ لِأَن مَتى ومارقش أخبر بِأَن اللصين جَمِيعًا كَانَا يسبانه ولوقا يخبر بِأَن أَحدهمَا كَانَ يغبه وَالْآخر كَانَ يُنكر على الَّذِي يسبه ويؤمن بِهِ والصادق لَا يكذب فِي مثل هَذَا وَلَيْسَ يُمكن هَا هُنَا إِن يَدعِي أَن أحد اللصين سبه فِي وَقت وآمن بِهِ فِي آخر لِأَن سِيَاق خبر لوقا يمْنَع من ذَلِك ويخبر أَنه أنكر على صَاحبه سبه إِنْكَار من لم يساعده قطّ على ذَلِك وَكلهمْ مُتَّفق على أَن كَلَام اللصين وهم ثَلَاثَتهمْ مصلوبون على الْخشب فَوَجَبَ ضَرُورَة أَن لوقا كذب أَو كذب من أخبرهُ أَو أَن مَتى كذب وَكذب مارقش أَو الَّذِي أخبرهُ وَلَا بُد فصل وَفِي آخر إنجيل مَتى بعد أَن ذكر صلب الْمَسِيح وإنزاله برغبة يُوسُف الراماوي العريف وَدَفنه فِي قبر جَدِيد محفور فِي صَخْرَة وغطاه بصخرة عَظِيمَة وَفِي آخر إنجيل مارقش بعد أَن ذكر صلب الْمَسِيح وإنزاله برغبة يُوسُف الراماوي العريف وَدَفنه فِي قبر عشَاء الْجُمُعَة والسبت دَاخل وَفِي آخر إنجيل لوقا بعد أَن ذكر صلب الْمَسِيح وَأَن يُوسُف الراماوي أَتَى أول اللَّيْل فَرغب فِيهِ فَأَجَابَهُ بلاطش إِلَى إنزاله فأنزله وَجعله فِي قبر جَدِيد وَفِي آخر إنجيل يوحنا بعد أَن ذكر صلب الْمَسِيح وَأَن يوحنا الراماوي رغب فِيهِ وأنزله فِي قبر فِي بُسْتَان ثمَّ قَالَ مَتى وَعند الْعشَاء لَيْلَة السبت الَّتِي تصح فِي يَوْم الْأَحَد اقبلت مَرْيَم المجدلانية وَمَرْيَم الْأُخْرَى لمعاينة الْقَبْر فتزلزل بهما الْموضع زَلْزَلَة عَظِيمَة ثمَّ نزل ملك السَّيِّد من السَّمَاء وَأَقْبل وَرفع الصَّخْرَة وَقعد عَلَيْهَا وَكَانَ منظره كمنظر الْبَرْق وثيابه أنصع بَيَاضًا من الثَّلج فَمن خَوفه صقع الحرس

стр. 202

وصاروا كالأموات فَقَالَ الْملك للمرأتين لَا تخافا قد علمت أنكما أردتما يسوع المصلوب لَيْسَ هُوَ هَا هُنَا لِأَنَّهُ قد حيى وَقد تقدمكم إِلَى جلجال كَمَا قَالَ فانظروا إِلَى الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ السَّيِّد مُضْطَجعا وانهضا إِلَى تلاميذه وقولا لَهُم أَنه قد حيى وَهَا هُوَ يسبقكم إِلَى جلجال وَفِيه تَرَوْنَهُ فنهضتا مسرعتين بفرح عَظِيم وأقبلتا إِلَى التلاميذ وأخبرتاهم الْخَبَر فتلقاهما يسوع وَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُمَا فوقفتا وترامتا إِلَى رجلَيْهِ وسجدتا لَهُ فَقَالَ لَهما يسوع لَا تخافا واذهبا أعلما إخْوَانِي ليتوجهوا إِلَى جلجال وَفِيه يرونني فَأقبل بعض الحرس إِلَى الْمَدِينَة وَأعلم قواد القسيسين بِمَا أَصَابَهُم فرشوهم بِمَال عَظِيم ليقول الحرس إِن تلاميذه طرقوهم لَيْلًا وسرقوه وذهبوا بِهِ وهم رقود فَفَعَلُوا وانتشر الْخَبَر فِي الْيَهُود إِلَى الْيَوْم وَتوجه الْأَحَد عشر تلميذاً إِلَى جلجال إِلَى الْجَبَل الَّذِي كَانَ دلهم عَلَيْهِ يسوع فَلَمَّا بصروا بِهِ خنعوا لَهُ وَبَعْضهمْ شكوا فِيهِ وَقَالَ مارقش فَلَمَّا خلا يَوْم السبت اشترت مَرْيَم المجدلانية وَمَرْيَم أم يَعْقُوب وشلوما حنوطاً ليانين بِهِ ويدهنه فأقبلن يَوْم الْأَحَد بكرَة جدا إِلَى الْقَبْر وبلغن هُنَالك وَقد طلعت الشَّمْس وَهن يقلن من يحول لنا الْحجر عَن الْقَبْر فنظرن فَإِذا بِالْحجرِ قد حول فدخلن فِي الْقَبْر فأبصرن فَتى جَالِسا عَن الْيَمين متغطياً بِثَوْب أَبيض فَقَالَ لَهُنَّ لَا تفزعن فَإِن يسوع الناصري الْمَطْلُوب قد قَامَ وَلَيْسَ هُوَ هَا هُنَا فانطلقن وقلن لتلاميذه ولباطرة أَنه قد حيى وَقد تقدمكم إِلَى جلجال وهنالك تلقونه فَقَامَ بكرَة يَوْم الْأَحَد وتراءى لِمَرْيَم المجدلانية فمضت وأعلمت الَّذين كَانُوا مَعَه فَلم يصدقوها وَبعد هَذَا تظاهر لاثْنَيْنِ مِنْهُم وهما مسافران إِلَى قَرْيَة فِي صفة أُخْرَى فأخبرا سَائِرهمْ فَلم يصدقُوا أَيْضا وَآخر الْأَمر بَيْنَمَا الْأَحَد عشر تلميذاً متكئين إِذْ تظاهر لَهُم ووبخ كفرهم وقسوة قُلُوبهم وَقَالَ لوقا فَلَمَّا انفجر الصُّبْح يَوْم الْأَحَد بكرَة جدا أقبل النسْوَة إِلَى الْقَبْر يحملن حنوطاً فوجدن الْحجر مقلوعاً عَن الْقَبْر فدخلن فِيهِ فَلم يجدن السَّيِّد فِيهِ فتحيرن فَوقف إلَيْهِنَّ رجلَانِ فِي ثِيَاب بيض فَقَالَا لَهُنَّ لَا تَطْلُبن حَيا بَين أموات قد قَامَ لَيْسَ هُوَ هَا هُنَا فانصرفن وأعلمن الْأَحَد عشر تلميذاً وَمن كَانَ مَعَهم فَلم يصدقوهن فَقَامَ باطرة مسرعاً إِلَى الْقَبْر فَرَأى الْكَفَن وَحده فَعجب وَانْصَرف ثمَّ ترَاءى الْمَسِيح لِرجلَيْنِ مِنْهُم كَانَا ناهضين إِلَى حصن يُقَال لَهُ أماوس على سَبْعَة أَمْيَال وَنصف من اوراشلم فَلم يعرفاه حَتَّى ارْتَفع عَنْهُمَا وَغَابَ فانصرفا فِي الْوَقْت إِلَى أورشليم وَوجد الْأَحَد عشر تلميذاً مُجْتَمعين مَعَ أَصْحَابهم فأخبراهم بالْخبر فَبَيْنَمَا هم يَخُوضُونَ فِي هَذَا وقف يسوع فِي وَسطهمْ

стр. 203

فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم أَنا هُوَ فَلَا تخافوا فجزعوا وظنوه شَيْطَانا فَقَالَ لَهُم لم فزعتم أبصروا قدمي ويدي أَنا هُوَ فَإِن الشَّيْطَان لَيْسَ لَهُ لحم وَلَا عِظَام ثمَّ قَالَ أعندكم شَيْء يُؤْكَل فَأتوهُ بِقِطْعَة حوت مشوي وشربة عسل فَأكل وبرىء إِلَيْهِم بالبقية ثمَّ أوصاهم وارتفع عَنْهُم وَقَالَ يوحنا فَفِي يَوْم الْأَحَد اقبلت مَرْيَم صباحاً والظلمات لم تنجل بعد إِلَى الْقَبْر فرأت الصَّخْرَة مقلوعة عَن الْقَبْر فَرَجَعت إِلَى شَمْعُون باطرة وَإِلَى التلميذ الآخر يَعْنِي يوحنا بِهَذَا نَفسه وَقَالَت لَهما نزع سَيِّدي من الْقَبْر وَلَا أَدْرِي أَيْن وضعوه فَنَهَضَ باطرة والتلميذ الآخر إِلَى الْقَبْر فوجدا الأكفان مَوْضُوعَة ثمَّ رجعُوا فوقفت مَرْيَم باكية إِلَى الْقَبْر فرأت ملكَيْنِ منتصبين فَقَالَا لَهَا من تريدين فظنت أَنه البستاني فَقَالَت لَهُ يَا سَيِّدي إِن كنت أَنْت أَخَذته فَقل لي أَيْن وَضعته فَقَالَ لَهَا يَا مَرْيَم فالتفتت وَقَالَت معلمي فَقَالَ لَهَا يسوع لَا تمسيني لم أصعد بعد إِلَى أبي اذهبي إِلَى إخوتي وَقَوْلِي لَهُم إِنِّي صاعد إِلَى أبي وأبيكم إلهي وإلهكم قَالَت فَأَخْبَرتهمْ ثمَّ بَيْنَمَا التلاميذ مجتمعون أقبل يسوع ووقف فِي وَسطهمْ وَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَعرض عَلَيْهِم يَدَيْهِ وجنبه ثمَّ ذكر أَن طوما أحد الاثْنَي عشر تلميذاً لم يكن حَاضرا فيهم فِي هَذَا الظُّهُور فَلَمَّا أَتَى وَأَخْبرُوهُ فَقَالَ لَئِن لم أبْصر فِي يَدَيْهِ الصاق المسامير وَلم أَدخل اصبعي فِي مَوضِع المسامير فِي جنبه لَا آمَنت فَلَمَّا كَانَ بعد ثَمَانِيَة أَيَّام اجْتَمعُوا كلهم والأبواب مغلقة فَأقبل يسوع ووقف وَسطهمْ وَقَالَ لطوما أَدخل اصبعك وَأبْصر كفي وهات يدك وأدخلها إِلَى جَنْبي وَلَا تكن كَافِرًا بل كن مُؤمنا فَقَالَ لَهُ طوما سَيِّدي وإلهي ثمَّ ترَاءى عِنْد بحيرة طبرية لشمعون باطرة وطوما ونثنائيل وَابْني سَيِّدي واثنين من التلاميذ سواهُم وهم يصيدون فِي مركب فِي الْبَحْر قَالَ أَبُو مُحَمَّد فاعجبوا لهَذِهِ الْقِصَّة وَمَا فِيهَا من الْكَذِب والشنع يَقُول مَتى إِن مَرْيَم وَمَرْيَم أتتا إِلَى الْقَبْر عشَاء لَيْلَة السبت الَّتِي تصبح فِي يَوْم الْأَحَد فوجدتاه قد قَامَ وَيَقُول مارقش إِن مَرْيَم وَمَرْيَم وَغَيرهمَا أتين إِلَى الْقَبْر بعد طُلُوع الشَّمْس من يَوْم الْأَحَد فوجدنه قد قَامَ والظلمة لم تنْحَل بعد فَهَذِهِ كذبات مِنْهُم فِي وَقت بلوغهن إِلَى الْقَبْر وفيمن جَاءَ إِلَى الْقَبْر أمريم وَحدهَا أم مَرْيَم وَمَرْيَم أُخْرَى مَعهَا أم كلتاهما ومعهما نسْوَة أخر وَيَقُول مَتى إِن مَرْيَم وَمَرْيَم رأتا الْملك إِذْ نزل من السَّمَاء وَرفع الصَّخْرَة بحضرتهما بزلزلة عَظِيمَة وصعق الحرس وَقَالَ الْملك للمرأتين لَا تخافا إِنَّه قد قَامَ وَيَقُول مارقش إِن النسْوَة وجدن الصَّخْرَة قد قلعت بعد وَأَنه وقف إلَيْهِنَّ رجلَانِ مبيضان فاخبراهن بقيامه وَيَقُول يوحنا أَن مَرْيَم وَحدهَا أَتَت وَوجدت الصَّخْرَة قد قلعت وَلم تَرَ أحدا وَرجعت حائرة فَأخْبرت شَمْعُون ويوحنا حاكي

стр. 204

الْقِصَّة فنهضا مَعًا إِلَى الْقَبْر فَلم يجدا فِيهِ أحدا وانصرفا فالتفتت هِيَ فَإِذا بالمسيح نَفسه وَاقِفًا وَسلم عَلَيْهَا وأخبرها بقيامه فَهَذَا كذب آخر فِي وَقت قلع الصَّخْرَة وَهل وجد عِنْد الْقَبْر ملك وَاحِد أَو ملكان اثْنَان أم لم يُوجد فِيهِ أحد أصلا وَيَقُول مَتى إِن الْمَرْأَتَيْنِ أتتاهم بوصيته فصدقوهما وَأَنَّهُمْ نهضوا كلهم إِلَى جلجال وهنالك اجْتَمعُوا مَعَه وَيَقُول مارقش أَنه ترَاءى لِمَرْيَم وَأَخْبَرتهمْ وَلم يصدقوها ثمَّ ترَاءى لاثْنَيْنِ فأخبراهم فَلم يصدقوهما ثمَّ نزل عَلَيْهِم كلهم وَيَقُول لوقا إِنَّهُم لم يصدقُوا النِّسَاء وَأَن باطرة نَهَضَ إِلَى الْقَبْر وَلم يجد شَيْئا وَلَا رأى أحدا وَأَنه نزل بَينهم بأورشليم فَرَأَوْا حينئذٍ وَأكل مَعَهم الْحُوت المشوي وَهَذِه صفة من لم يَقْصِدهُ إِلَيْهِم إِلَّا الْجُوع وَطلب الْأكل وَيَقُول يوحنا أَنه ترَاءى لعشرة مِنْهُم حاشى طوما ترَاءى لَهُم ولطوما قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمثل هَذَا الِاخْتِلَاف فِي قصَّة وَاحِدَة عَن مقَام وَاحِد كذب لَا شكّ فِيهِ لَا يُمكن أَن يَقع من معصومين فصح أَنهم كذابون لَا يتحرون الصدْق فِيمَا حدثوا بِهِ وَمَا كتبوه ثمَّ فِي هَذِه الْقِصَّة قَول مارقش عَن الْمَسِيح أَنه بعد مَوته قبح كفر تلاميذه وقسوة قُلُوبهم فَإِذا شهد الْمَسِيح على تلاميذه بعد رَفعه بالْكفْر وقسوة الْقُلُوب فَكيف يجوز أَخذ الدّين عَنْهُم أم كَيفَ يجوز أَن يُعْطي الْإِلَه مَفَاتِيح السَّمَوَات ويولي منزلَة التَّحْرِيم والتحليل كَافِرًا قاسي الْقلب فَكل هَذَا برهَان وَاضح على أَن أَنَاجِيلهمْ كتب مفتراة من عمل كَذَّابين كفار ثمَّ فِي الْقِصَّة أَن مَرْيَم والتلاميذ كلهم كَانُوا يلتزمون بعد الْمَسِيح صِيَانة السبت وتعظيمه وَترك الْعَمَل فِيهِ وَكَذَلِكَ آخر حمل الحنوط إِلَيْهِ حِين دخل يَوْم الْأَحَد فقد صَحَّ يَقِينا أَن هَؤُلَاءِ المخاذيل لَيْسُوا على دين الْمَسِيح وَلَا على مَا مضى عَلَيْهِ تلاميذه بل على دين آخر فسحقاً لَهُم وبعداً وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين على عَظِيم نعْمَته علينا معشر الْإِسْلَام فصل وَفِي الْعَاشِر من إنجيل مارقش أَن الْمَسِيح أَن الْمَسِيح ﵇ قَالَ لتلاميذه أَن دُخُول الْجمل فِي سم الْخياط أيسر من دُخُول المثري فِي ملكوت الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا قطع من كَلَامه بِأَن كل غَنِي فَإِنَّهُ لَا يدْخل الْجنَّة أبدا وَفِي اتِّبَاعه أَغْنِيَاء كثير وَمَا رَأينَا قطّ أمة أحرص على جمع المَال من الدَّرَاهِم وَغير ذَلِك وادخاره وَمنعه دون أَن ينتفعوا مِنْهُ بِشَيْء وَلَا أَن يتصدقوا مِنْهُ بِشَيْء من الأصاقفة والقسيسين والرهبان فِي كل دير وكل كَنِيسَة فِي كل بلد وكل وَقت فعلى مُوجب كَلَام إلاههم أَنهم لَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط فَهَذَا وَالله حق وَأَنا على ذَلِك من الشَّاهِدين فصل وَفِي الْعَاشِر من إنجيل مارقش أَن باطرة قَالَ ليسوع الْمَسِيح هَا نَحن قد خلينا الْجَمِيع واتبعناك فَأَجَابَهُ يسوع وَقَالَ لَهُ أَمِين أَقُول لكم لَيْسَ من أحد ترك بَيْتا أَو إخْوَة

стр. 205

وأخوات أووالدا ووالدة أَو امْرَأَة أَو أَوْلَاد أَو فدادين لأجلي أَو لَا يعْطى مائَة ضعف مثله الْآن فِي هَذَا الزَّمَان من الْبيُوت والأخوة وَالْأَخَوَات والأمهات وَالْأَوْلَاد والفدادين مَعَ التَّبعَات وَفِي الْعَالم الْآتِي الْحَيَاة الدائمة قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا موعد كَاذِب مَضْمُون لَا يُمكن الْوَفَاء بِهِ وهبك أَنهم يخرجُون هَذَا على أَنه يعوض هَذَا من أهل دينه أَوْلَادًا وإخوة وأخوات وَأُمَّهَات كَيفَ الْحِيلَة فِي وعده من آمن بِهِ وَترك مَاله أَن يعوض عَن الفدان الَّذِي يتْركهُ مائَة فدان وَعَن الْبَيْت مائَة بَيت الْآن عَاجلا فِي الدُّنْيَا سوى مَاله فِي الْآخِرَة وَهَذَا كَمَا ترى فصل وَفِي الْبَاب الْعَاشِر من إنجيل مارقش أَن رجلا قَالَ للمسيح أَيهَا الْمعلم الصَّالح فَقَالَ لَهُ الْمَسِيح لم تَقول لي صَالح الله هُوَ الصَّالح وَحده وَفِي التَّاسِع من إنجيل يوحنا أَن الْمَسِيح قَالَ أَنا الرَّاعِي الصَّالح فَمرَّة ينكران يكون صَالحا وَأَن لَا صَالحا إِلَّا الله وَمرَّة يَقُول أَنه صَالح وكل هَذَا كذب عَلَيْهِ من توليد هَؤُلَاءِ الأنذال فصل فِي آخر إنجيل مارقش أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه اذْهَبُوا إِلَى جَمِيع الدُّنْيَا وبشروا جَمِيع الْخَلَائق بالإنجيل فَمن آمن وَاعْتمد يكون سالما وَمن لم يُؤمن يُعَاقب وَهَذِه الْآيَات تصْحَب الَّذين يُؤمنُونَ وَهِي سِيمَاهُمْ على أسمى ينفون الْجِنّ ويتكلمون باللغات الجديدة ويقلعون الثعابين وَإِن شربوا شربة قتالة لن تَضُرهُمْ ويضعون أَيْديهم على المرضى فينقهون قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي هَذَا الْفَصْل أعجوبتان من الْكَذِب إِحْدَاهمَا قَوْله بشروا بالإنجيل فَدلَّ هَذَا على إنجيل أَتَاهُم بِهِ الْمَسِيح وَلَيْسَ هُوَ عِنْدهم الْآن وَإِنَّمَا عِنْدهم أناجيل أَرْبَعَة مُتَغَايِرَة من تأليف أَرْبَعَة رجال معروفين لَيْسَ مِنْهَا إنجيل الا ألف بعد رفع الْمَسِيح ﵇ بأعوام كَثِيرَة ودهر طَوِيل فصح أَن ذَلِك الْإِنْجِيل الَّذِي أخبر الْمَسِيح بِأَنَّهُ أَتَاهُم بِهِ وَأمرهمْ بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ قد ذهب عَنْهُم لأَنهم لَا يعرفونه أصلا هَذَا مَا لَا يُمكن سواهُ والفصل الثَّانِي قَوْلهم أَنه وعد كل من آمن بِدُعَاء التلاميذ فَإِنَّهُم يَتَكَلَّمُونَ بلغات لم يعرفوها وَأَنَّهُمْ ينفون الْجِنّ عَن المجانين وَأَنَّهُمْ يضعون أَيْديهم على المرضى فينقهون وَأَنَّهُمْ يقلعون الثعابين وَإِن شربوا شربة قتالة لَا تَضُرهُمْ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا وعد ظَاهر الْكَذِب جهاراً مَا مِنْهُم أحد يتَكَلَّم بلغَة لم يعلمهَا وَلَا مِنْهُم أحد يَنْفِي جنياً وَلَا مِنْهُم أحد يضع يَده على مَرِيض فَيبرأ وَلَا مِنْهُم أحد يقْلع ثعباناً وَلَا مِنْهُم أحد يسْقِي السم فَلَا يُؤْذِيه وهم معترفون بِأَن يوحنا صَاحب الْإِنْجِيل قتل بالسم وحاشى لله أَن يَأْتِي نَبِي بمواعيد خاسئة كَاذِبَة فَكيف إِلَه فاعلموا أَن الأنذال الَّذين كتبُوا هَذِه الأناجيل كَانَ أسهل شَيْء عَلَيْهِم نِسْبَة الْكَذِب إِلَى الْمَسِيح ﵇ فصل وَبعد هَذَا الْفَصْل مُتَّصِلا بِهِ والرب لما أَن تكلم بِهَذَا قبض إِلَى السَّمَاء وَجلسَ

стр. 206

عَن يَمِين الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا شرك أَحمَق رب يقبض أَن هَذَا الْعجب وَرب يجلس عَن يَمِين الله هَذَانِ ربان وإلهان الْوَاحِد أجل من الثَّانِي لِأَن المقعود عَن يَمِينه أَسْنَى مرتبَة من المقعد على الْيَمين بِلَا شكّ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان فصل وَفِي أول إنجيل لوقا أَن نَفرا قبلنَا راموا وصف الْأَشْيَاء الَّتِي كملت فِينَا كَالَّذي دلنا عَلَيْهِ معشر الَّذين عاينوا الْأَمر وَكَانُوا حَملَة الحَدِيث فَرَأَيْت أَن أقفوا آثَارهم من أَوله على التجويد وأكتبه لَك أَيهَا الْكَرِيم لِأَن تفهم حق الْكَلَام الَّذِي عَلمته واطلعت عَلَيْهِ وَأَنت بِهِ ماهر هَذَا يبين أَن الأناجيل تواريخ مؤلفة كَمَا ترى بِنَصّ كَلَام لوقا فصل وَفِي أول إنجيل لوقا الَّذِي هُوَ تَارِيخه الْمُؤلف فِي أَخْبَار الْمَسِيح قَالَ لوقا كَانَ بعد هردوس وَالِي بلد يهود كوهن يَدعِي زَكَرِيَّا من دولة أبجا وَزَوجته من بَنَات هَارُون تسمى اليشبات ثمَّ ذكر كلا مَا فِيهِ مَجِيء جِبْرَائِيل الْملك ﵇ إِلَى مَرْيَم ﵍ أم الْمَسِيح ﵇ وَأَنه قَالَ لَهَا فِي جملَة كَلَام كثير وَقد حبلت اليشبات قرينتك على تقدمها فِي السن وعقرها فَأخْبر أَن اليشبات هارونية وَأَنَّهَا قريبَة لِمَرْيَم فعلى هَذَا فمريم أَيْضا هارونية وَالنَّصَارَى كلهم متفقون على مَا فِي جَمِيع الأناجيل من إِن الْمَسِيح هُوَ ابْن دَاوُد من نسل دَاوُد ﵇ وَفِي مَوَاضِع كَثِيرَة مِنْهَا يورثه الله ملك أَبِيه دَاوُد وَأَن الْعمي والمباطين والمرضى والمجانين وَالْجِنّ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ يَا بن دَاوُد فَلَا يُنكر ذَلِك عَلَيْهِم وَلَا يخْتَلف النَّصَارَى وَالْيَهُود فِي أَن الْمَسِيح المنتظر هُوَ من ولد دَاوُد والمسيح مَعَ هَذَا كُله قد أنكر فِي الْبَاب الثَّالِث عشر من إنجيل مَتى كَمَا أوردنا قبل أَن يكون الْمَسِيح من ولد دَاوُد فَكيف هَذَا الِاخْتِلَاط والتلون وَمَعَ هَذَا كُله فَلَا نرى على مَا ذكرنَا أَن تنسبه النَّصَارَى إِلَّا إِلَى أَنه ولد يُوسُف النجار الداوودي الَّذِي يَزْعمُونَ أَنه كَانَ زوج مَرْيَم وَهَذِه طامة وسوءة لَا يدارى لَهَا وَجه أَن ينسبوه إِلَى رجل لم يلده

стр. 207

وَأَقل مَا فِي هَذَا الْكَذِب الَّذِي هُوَ فِي الدُّنْيَا عَار وبرهان على الضلال وَفِي الْآخِرَة نَار ونعوذ بِاللَّه من الخذلان فصل وَفِي الْبَاب الثَّانِي من إنجيل لوقا فَلَمَّا دخل أَبُو الْمَسِيح بِهِ الْبَيْت ليقربا عَنهُ مَا أمرا بِهِ أَخذه شَمْعُون فِي يَدَيْهِ وَبعد ذَلِك فِي الْبَاب الْمَذْكُور وَكَانَ أَبَوَاهُ مُخْتَلفين إِلَى أورشلام كل سنة أَيَّام الفصح فَلَمَّا بلغ ثِنْتَيْ عشرَة سنة وَصعد إِلَى أورشلام على حَال سنتهما فِي يَوْم الْعِيد وَهَبَطَ عِنْد انقراضه بَقِي يسوع فِي أورشلام وَجَهل ذَلِك أَبَوَاهُ وظناه فِي الطَّرِيق مُقبلا فسارا يومهم وهما يطلبانه عِنْد الْأَقَارِب والإخوان فَلَمَّا لم يجداه انصرفا إِلَى أورشلام طَالِبين لَهُ فوجداه فِي الثَّالِث قَاعِدا مَعَ الْعلمَاء فِي الْبَيْت وَهُوَ يسمع مِنْهُم ويكاشفهم فَكَانَ يعجب مِنْهُ كل من سَمعه وَمن يرَاهُ من حسن حَدِيثه وَحسن مُرَاجعَته فَقَالَت لَهُ أمه لم أشخصتنا يَا بني وَقد طَلَبك أَبوك وَأَنا مَعَه محزونين فَقَالَ لَهما لم طلبتماني أتجهلان أَنه يجب عَليّ مُلَازمَة أَمر أبي فَلم يفهما عَنهُ جَوَابه فَانْطَلق مَعَهُمَا إِلَى ناصرة وَكَانَ يطوع لَهما قَالَ أَبُو مُحَمَّد كَيفَ يُطلق لوقا وَهُوَ عِنْدهم أجل من مُوسَى ﵇ أَن يُوسُف النجار وَالِد الْمَسِيح فِي غير مَوضِع ويكرر ذَلِك كَأَنَّهُ يحدث بِحَدِيث مَعْهُود أم كَيفَ تَقول مَرْيَم لابنها طَلَبك أَبوك تَعْنِي زَوجهَا بزعمكم وَكَيف يكون أَبَاهُ وَلَا أَب لَهُ وَإِنَّمَا يُطلق هَذَا الْإِطْلَاق مني الربيب فِيمَن يعرف أَبوهُ فَيُقَال لَهُ أَبوك عَن ربيبه بِمَعْنى كافله لِأَنَّهُ لَا إِشْكَال فِيهِ وَأما من لَا أَب لَهُ من بني آدم فإطلاق الْأُبُوَّة فِيهِ على زوج أمه إِشْكَال وتلبيس وتطريق إِلَى الْبلَاء أم كَيفَ تبقى مَرْيَم الْعَذْرَاء مَعَ زَوجهَا بزعمهم فض الله أَفْوَاههم أَزِيد من ثَلَاث عشرَة سنة كَمَا يبقي الرجل مَعَ امْرَأَته يغلقان عَلَيْهِمَا بَابا وَاحِدًا أم كَيفَ يَصح مَعَ هَذَا عِنْد هَؤُلَاءِ أَنه مَوْلُود من غير ذكر أَيْن هَذَا الزُّور المفتري من النُّور المقتفي قَول الله حَقًا فِي وحيه النَّاطِق إِلَى رَسُوله الصَّادِق الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه حَيْثُ قَالَ ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سوياً قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقياً قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكياً قَالَت أَنى يكون لي غُلَام وَلم يمسسني بشر وَلم أك بغياً قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين ولنجعله آيَة للنَّاس وَرَحْمَة منا وَكَانَ أمرا مقضياً فَحَملته فانتبذت بِهِ مَكَانا قصياً فأجاءها الْمَخَاض إِلَى جذع النَّخْلَة قَالَت يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا وَكنت نسياً منسياً﴾ إِلَى قَوْله ﴿قَومهَا تحمله قَالُوا يَا مَرْيَم لقد جِئْت شَيْئا فرياً يَا أُخْت هَارُون مَا كَانَ أَبوك امْرأ سوءٍ وَمَا كَانَت أمك بغياً فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا قَالَ إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب وَجَعَلَنِي نَبيا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا﴾

стр. 208

قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا هُوَ الْحق الْوَاضِح الَّذِي يصدق بعضه بَعْضًا لَا الْكَذِب المتناقض وَهَذَا الَّذِي لَا يُمكن سواهُ لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَهَا زوج لم يُنكر أحد وِلَادَتهَا وَلَو لم يقم برهَان بِكَلَامِهِ فِي المهد لما جَازَ عندنَا وَلَا عِنْد أحد من النَّاس أَنَّهَا حملت بِهِ من غير ذَلِك ولكان ذَلِك دَعْوَى كَاذِبَة لَا يجوز أَن يصدقها أحد لَا سِيمَا مَعَ زعمهم أَنَّهَا سكنت مَعَ زَوجهَا أَزِيد من ثَلَاثَة عشر عَاما فِي بَيت وَاحِد يهديان عِنْد وِلَادَته مَا يهدي الأبوان من الْيَهُود بِحكم التَّوْرَاة عَن ابنيهما وَتقول لَهُ أمه هَذَا أَبوك وَفعل أَبوك ثمَّ أَطَم من هَذَا إقرارهم بِأَن لَهُ أَرْبَعَة إخْوَة ذُكُور شَمْعُون ويهوذا وَيَعْقُوب ويوسف وأخوات ثمَّ لَا يذكرُونَ للنجار امْرَأَة غير مَرْيَم تكون هَؤُلَاءِ الْأَوْلَاد للنجار من تِلْكَ الْمَرْأَة وَهَذِه فضيحة الدَّهْر وقاصمة الظّهْر وَمُطلق السّنة الْقَائِلين أَنَّهَا أَتَت بِهِ من زوج أَو من عهر وحاشا لله من ذَلِك يصحح هَذَا كُله أَنهم مدسوسون من عِنْد الْيَهُود لإفساد مذاهبهم ونعوذ بِاللَّه من الخذلان فصل وَفِي الْبَاب الرَّابِع من إنجيل لوقا وَكَانَت الْعَامَّة تشهد لَهُ وتعجب لقَوْله وَمَا كَانَ يوصيهم بِهِ وَكَانَت تَقول أما هَذَا ابْن يُوسُف النجار فَقَالَ لَهُم نعم قد علمت أَنكُمْ ستقولون لي يَا طَبِيب داو نَفسك وَافْعل فِي موضعك كَمَا بلغنَا أَنَّك فعلته بِكفْر ناحوم أَمِين أَقُول لكم أَنه لَا يقبل أحد من الْأَنْبِيَاء فِي مَوْضِعه قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي هَذَا الْفَصْل ثَلَاث عظائم أَحدهَا قَوْلهم لَهُ أما هَذَا ابْن يُوسُف فَقَالَ نعم فَهَذَا تَحْقِيق أَنه ولد النجار وحاشى لله من ذَلِك وَالثَّانيَِة اعترافه واتفاقهم على أَنه لم يَأْتِ بِآيَة بِحَضْرَة الْجَمَاعَة وَإِنَّمَا ذكر أَنه أَتَى بِالْآيَاتِ فِي القفار وَالثَّالِثَة وَهِي الْحق قَوْله لَهُم أَنه نَبِي وَهَذَا الَّذِي أفلت من تبديلهم وأبقاه الله حجَّة عَلَيْهِم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فصل وَفِي الْبَاب الثَّانِي عشر من إنجيل لوقا أَن الْمَسِيح قَالَ من قَالَ شَيْئا فِي ابْن الْإِنْسَان يغْفر لَهُ وَمن سبّ روح الْقُدس لَا يغْفر لَهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا إبِْطَال لقَولهم كَاف لِأَن ابْن الْإِنْسَان عِنْد هَؤُلَاءِ هُوَ روح الْقُدس نَفسه وَنَصّ كَلَام الْمَسِيح هَاهُنَا يبين أَنَّهُمَا شيئآن متغايران أَحدهمَا يغْفر لمن سبه وَالْآخر لَا يغْفر لمن سبه وَهَذَا بَيَان رَافع للإشكال جملَة فَإِن كَانَ الْمَسِيح هُوَ ابْن الْإِنْسَان فَلَيْسَ هُوَ روح

стр. 209

الْقُدس أصلا بِنَصّ كَلَامه وَإِن كَانَ هُوَ روح الْقُدس فَلَيْسَ هُوَ ابْن الْإِنْسَان كَذَلِك أَيْضا وَلَئِن كَانَ ابْن الْإِنْسَان هُوَ روح الْقُدس فقد كذب الْمَسِيح إِذْ فرق بَينهمَا فَجعل أَحدهمَا يغْفر لمن سبه وَالْآخر لَا يغْفر لمن سبه وَفِي هَذَا كِفَايَة فصل وَفِي الْبَاب الموفى عشْرين من إنجيل لوقا فَلَمَّا بلغُوا إِلَى الْموضع الَّذِي يَدعِي الأجرد صلبوه فِيهِ وصلبوا مَعَه السارقين العائثين عَن يَمِينه وشماله فَقَالَ يسوع يَا أبتاه اغْفِر لَهُم لأَنهم يجهلون مَا يصنعون وَلَا يَدْرُونَ فعلهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي هَذَا الْفَصْل شنعتان عظيمتان على النَّصَارَى كافيتان فِي وساخة دينهم وَبَيَان فَسَاد كل مَا هم عَلَيْهِ جهاراً أَولهَا أَن نسألهم فَنَقُول لَهُم الْمَسِيح إِلَه عنْدكُمْ أم لَا فَمن قَوْلهم نعم فَيُقَال لَهُم فَإلَى من دَعَا وَرفع طلبته فَإِن كَانَ دَعَا غَيره فَهُوَ إِلَه يَدْعُو إِلَهًا آخر وَهَذَا شرك وتغاير بَين الْآلهَة وهم لَا يَقُولُونَ هَذَا وَإِن كَانَ دَعَا نَفسه فَهَذَا هوس إِنَّمَا حكمه أَن يَقُول قد غفرت لكم وَهُوَ يصرحون فِي الأناجيل بِأَنَّهُ يغْفر ذنُوب من شَاءَ فَأَيْنَ كَانَ عَن هَذِه الصّفة إِذْ دَعَا إِلَهًا غَيره وَالثَّانيَِة أَن يُقَال لَهُم هَل أجيبت دَعوته هَذِه أم لَا فَإِن قَالُوا لم تجب دَعوته قُلْنَا فَلَيْسَ فِي الخزي أَكثر من إِلَه يَدْعُو فَلَا يُسْتَجَاب لَهُ وَلَا فِي النحس فَوق هَذَا وعَلى هَذَا فَمَا بِيَدِهِ من الربوبية إِلَّا كذنب ثَوْر شارد فِي جدور كَمَا بيد سَائِر المخلوقين يَدْعُو فيجاب مرّة وَلَا يُجَاب مرّة وَإِن قَالُوا بل أجيبت دَعوته قُلْنَا لَهُم فاعلموا أَنكُمْ وأسلافكم كلكُمْ فِي سبكم الْيَهُود الَّذين صلبوه ظَالِمُونَ لَهُم وَكَيف يسْتَحلُّونَ سبّ قوم قد غفر لَهُم إلههم وَأسْقط عَنْهُم الْمَلَامَة فِي صلبهم لَهُ أما لكم عقول تعرفُون بهَا مِقْدَار مَا أَنْتُم عَلَيْهِ من الضلال الَّذِي لَيْسَ فِي الْعَالم أحد على مثله بل كل ضَلَالَة فَهِيَ دونه فَإِن قيل وَمَا أنكرتم من هَذَا وَأَنْتُم تَقولُونَ أَن الله تَعَالَى دَعَا الْكفَّار إِلَى الْإِيمَان فَلم يُجِيبُوهُ قُلْنَا نعم فَكَانُوا عصاة وَالله تَعَالَى لم يرد كَون الْإِيمَان مِنْهُم إِنَّمَا أَمرهم أَمر تعجيز فأخبرونا أَنْتُم من هُوَ الْمَدْعُو لَهُم ليغفر لَهُم فنجيبه أَو نعصيه وَلَا مخلص من هَذَا فصل وَفِي آخر إنجيل لوقا أَنه بعد صلبه ترَاءى لِرجلَيْنِ من تلاميذه وهما لَا يعرفانه فَقَالَ لَهما مَا هَذَا الَّذِي تخوضان فِيهِ وتحزنان لَهُ فَقَالَ أَحدهمَا وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّي كلوباش أَنْت وَحدك غَرِيب بيرشلام إِذْ تجْهَل مَا كَانَ بهَا هَذِه الْأَيَّام فَقَالَ لَهما وَمَا ذَلِك فَقَالَا لَهُ من خبر يسوع الناصري الَّذِي كَانَ نَبيا مقتدراً فِي أَفعاله وَكَلَامه عِنْد الله وَعند النَّاس وَكَيف اجْتمع قواد القسيسين على قَتله وصلبه إِلَى آخر كَلَامهمَا وَأَنه قَالَ لَهما يَا جهال وَيَا من عجزت عَن فهم

стр. 210

مقَالَة الْأَنْبِيَاء قُلُوبهم أما كَانَ هَذَا وَاجِبا أَن يلقاه الْمَسِيح وَبعد ذَلِك يبلغ إِلَى عَظمته قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابه يَقُولُونَ أَنه كَانَ نَبيا عِنْد الله وَعند النَّاس وَهُوَ يسمع بزعمهم وَلَا يُنكر ذَلِك فَهَلا قَالُوا فِيهِ هَكَذَا لقد طمس الشَّيْطَان أبصار قُلُوبهم ولوي ألسنتهم عَن أَن يَقُولُوا ذَلِك وَلَا مرّة فِي الدَّهْر بل يكذبونه أَشد التَّكْذِيب وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل فصل وَفِي إنجيل مَتى ومارقش ولوقا أَنه قبل أَخذه سجد ودعا وَقَالَ يَا أبي كل شَيْء عنْدك مُمكن فاعفني من هَذِه الكأس لَكِن لَا أسأَل إرادتي لَكِن إرادتك زَاد لوقا فِي إنجيله قَالَ فتراءى لَهُ ملك السَّيِّد معزيا لَهُ فَأطَال صلَاته حَتَّى سَالَ الْعرق مِنْهُ وتساقطت نقطه كتساقط نقط الدَّم إِذا انسكب فِي الأَرْض وَفِي إنجيل مَتى ومارقش أَنه صَاح بِأَعْلَى صَوته وَهُوَ مصلوب إلهي إلهي لم اسلمتني ثمَّ فاضت نَفسه قَالَ أَبُو مُحَمَّد فيا للنَّاس أهذه صفة إِلَه وَهل يحْتَاج الْإِلَه إِلَى ملك يعزيه وَهل يَدْعُو الْإِلَه فِي أَن يصرف عَنهُ كأس الْمنية وإله يعرق من صعوبة الْحَال إِذا أَيقَن بِالْمَوْتِ وإله يُسلمهُ إِلَه أَفِي الْحمق شَيْء يفوق هَذَا فَإِن قَالُوا لنا إِنَّمَا هَذَا كُله خبر عَن الطبيعة الناسوتية قُلْنَا لَهُم أَنْتُم تَقولُونَ فِي كل هَذَا فعل الْمَسِيح وَقَالَ الْمَسِيح والمسيح عنْدكُمْ طبيعتان ناسوتية ولاهوتية وَعند اليعقوبية مِنْكُم طبيعة وَاحِدَة وكلكم تَقولُونَ أَن اللاهوت اتَّحد بالناسوت فَأنْتم كَذبْتُمْ وَأَنْتُم طرقتم إِلَى هَذَا وَأَنْتُم أضفتم كل هَذَا إِلَى اللاهوت وَإِنَّمَا كَانَ الْحق على أصلكم هَذَا الملعون أَن تَقولُوا فعل نصف الْمَسِيح وَقَالَ نصف الْمَسِيح فعلى كل حَال فعلى كل حَال قد كَذبْتُمْ وسخفتم فِي هَذَا كِفَايَة لمن عقل فصل وَفِي أول إنجيل يوحنا وَهُوَ أعظم الأناجيل كفرا وأشدها تناقضاً وأتمها رعونة فَأول كلمة فِيهِ فِي البدء كَانَت الْكَلِمَة والكلمة كَانَت عِنْد الله وَالله كَانَ الْكَلِمَة بهَا خلقت الْأَشْيَاء وَمن دونهَا لم يخلق شَيْء فَالَّذِي خلق فَهُوَ حَيَاة فِيهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَل سمع بأعظم سخفاً وَأتم تناقضاً من هَذَا الْكَلَام كَيفَ تكون الْكَلِمَة هِيَ الله وَتَكون عِنْد الله فَالله إِذا كَانَ عِنْد نَفسه ثمَّ قَوْله أَن الَّذِي خلق بِالْكَلِمَةِ هُوَ حَيَاة فِيهَا فعلى هَذَا حَيَاة الله مخلوقة فَروح الْقُدس على نَص كَلَام هَذَا الرجل مَخْلُوق لِأَن روح الْقُدس عِنْد جَمِيعهم هُوَ حَيَاة الله وَهَذَا خلاف قَول جَمِيع النَّصَارَى لِأَن الْحَيَاة الَّتِي فِي الْكَلِمَة مخلوقة بِنَصّ كَلَام يوحنا وَالله بِنَصّ كَلَام يوحنا هُوَ الْكَلِمَة وَهَذَا هدم لملة النَّصَارَى من قرب أَطَم من هَذَا كُله إِذْ كَانَت حَيَاة الْكَلِمَة مخلوقة والكلمة هِيَ الله فَالله حَامِل لأعراض مخلوقة فِيهِ فاعجبوا ثمَّ اعجبوا وَبعد هَذَا الْفَصْل على مَا نورد إِن شَاءَ الله تَعَالَى والكلمة كَانَت بشرا مَعَ قَوْله الْكَلِمَة هِيَ الله فَالله بشر على نَص كَلَام هَذَا النذل يوحنا عَلَيْهِ من الله اللعائن المتواترة

стр. 211

فصل وَبعد ذَلِك ذكر الْمَسِيح فَقَالَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي الدُّنْيَا وَبِه خلقت الدُّنْيَا وَلم يعرفهُ أهل الدُّنْيَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا من الْحمق المزور كَيفَ يكون فِي الدُّنْيَا وَبِه خلقت الدُّنْيَا لَئِن كَانَ إِلَهًا كَمَا يَقُولُونَ فَهُوَ خلق الدُّنْيَا وَلَا يجوز أَن تخلق بِهِ وَإِن كَانَ إِنَّمَا بِهِ خلقت الدُّنْيَا وَلم يخلقها هُوَ فَلَيْسَ هُوَ إلاهاً وَلَا خَالِقهَا وَإِنَّمَا هُوَ آلَة من الْآلَات خلقت الدُّنْيَا بِهِ وحاشى لله أَن يخلق بِآلَة لَكِن كَمَا قَالَ فِي وحيه النَّاطِق إِلَى رَسُوله الصَّادِق الَّذِي لَا يتناقض كَلَامه وَلَا يتعارض اخباره ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ وَأَيْنَ يجْتَمع قَوْله هَاهُنَا إِن بِهِ خلقت الدُّنْيَا مَعَ الْكَذِب الَّذِي يضيفونه إِلَى الْمَسِيح من أَنه قَالَ بزعمهم أَنا أخلق وَأبي يخلق وَإِن لم أعمل كَمَا يعْمل أبي فَلَا تصدقوني حاشى لله من أَن يَقُول نَبِي هَذَا الْكَذِب وَهَذَا الْحمق إِذا كَانَ يكونَانِ إِلَهَيْنِ متغايرين اثْنَيْنِ كل وَاحِد مِنْهُمَا غير الآخر وكل وَاحِد مِنْهُمَا يخلق كَمَا يخلق الْأُخْرَى ثمَّ مرّة هُوَ إِلَه يخلق وَمرَّة آلَة يخلق بِهِ أَلا هَذَا هُوَ الضلال الْمُبين والخبال المتين فصل وَبعد ذَلِك قَالَ فَمن يقلهُ مِنْهُم وآمن باسمه أَعْطَاهُم سُلْطَانا أَن يَكُونُوا أَوْلَاد الله أُولَئِكَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ الَّذين لم يتوالدوا من دم وَلَا من شَهْوَة اللَّحْم وَلَا باءة رجل لَكِن تَوَالَدُوا من الله فالتحمت الْكَلِمَة والكلمة كَانَت بشرا وسكنت فِينَا ورأينا عظمتها كعظمة ولد الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَفِي هَذَا الْفَصْل من الْكفْر مَا لَو انْهَدَمت الْجبَال مِنْهُ لَكَانَ غير نَكِير نسْأَل الله الْعَافِيَة أَيهَا النَّاس فتأملوا قَول هَذَا النذل أَن الْمُؤمنِينَ بالمسيح هم أَوْلَاد الله فالنصارى إِذا كلهم أَوْلَاد الله فَأَي منزلَة للمسيح عَلَيْهِم إِذْ هُوَ ولد الله وهم أَوْلَاد الله ثمَّ اعجبوا لقَوْل هَذَا المستخف المستهزئ بالسفلة الَّذين قلدوا دينهم مثله إِن الْمُؤمنِينَ بالمسيح لم يتوالدوا من دم وَلَا من شَهْوَة لحم وَلَا باءة الرجل لَكِن تَوَالَدُوا من الله هَكَذَا هم هَكَذَا فَكيف تولد يوحنا من سيذاي وَامْرَأَته الْأَحْيَاء مَا هَذَا إِلَّا من عَظِيم المجاهرة بِالْبَاطِلِ وَالْكذب فَإِن قَالُوا هَذَا مجَاز قُلْنَا مجَاز فِي مَاذَا بل هُوَ الْكَذِب البحت الْبَارِد والحمق وَهَذَا نَفسه قُلْتُمْ عَن الْمَسِيح فَمَا الْفرق بَين الْقَوْلَيْنِ وَلَعَلَّ ذَلِك أَيْضا مجَازًا كَمَا هُوَ مجَاز مَا رَأينَا قطّ أَحمَق من هَؤُلَاءِ وَلَا أوقح من خدودهم ثمَّ اعجبوا لقَوْله فالتحمت الْكَلِمَة وسكنت فِينَا فَكيف تصير الْكَلِمَة لَحْمًا وَقد قَالَ إِنَّهَا هِيَ الله فَالله إِذا صَار لَحْمًا ودماً وَسكن فِي أُولَئِكَ الأقذار وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل فصل ثمَّ قَالَ إِثْر هَذَا إِن الله لم يره أحد قطّ مَا عدا مَا وصف عَنهُ الْوَلَد الَّذِي هُوَ فِي حجر أَبِيه

стр. 212

قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا عجب آخر قد قَالَ آنِفا إِن الْكَلِمَة هِيَ لله وَأَنَّهَا التحمت وَصَارَت لَحْمًا ودما وسكنت فيهم فَالله على قَوْلهم صَار لَحْمًا وَسكن فيهم فَكيف لم يره أحد ثمَّ قَوْله إِلَّا مَا وصف عَنهُ الْوَلَد الْفَرد الَّذِي هُوَ فِي حجر أَبِيه فَوَجَبَ من هَذَا أَن الْوَلَد هُوَ غير الْأَب لِأَن من الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكون الله فِي حجر نَفسه فصح ضَرُورَة أَن الابْن عِنْدهم على نُصُوص الأناجيل هُوَ غير الْأَب وهم لَا يثبتون على هَذَا بل مرّة هُوَ وَالْأَب عِنْدهم شَيْء وَاحِد وكل هَذَا مَنْصُوص فِي أَنَاجِيلهمْ وكل قَضِيَّة مِنْهَا تكذب الْأُخْرَى فَكلهَا كذب بِلَا شكّ ونعوذ بِاللَّه من الضلال فصل وَفِي الْبَاب الأول من إنجيل يوحنا إِذْ ذكر شهاه يحيى بن زَكَرِيَّا إِذْ بعث إِلَيْهِ الْيَهُود من برشلام الكهنة واللاوانيين وكاشفوه عَن نَفسه فَأقر وَلم يجْحَد وَقَالَ لَهُم لست أَنا الْمَسِيح قَالُوا أيراك الياس قَالَ لَا قَالُوا فَأَنت نَبِي قَالَ لَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد كَيفَ يكون هَذَا مَعَ قَول الْمَسِيح فِي إنجيل مَتى ومارقش كَمَا أوردنا قبل أَن كل نبوة وكل كتاب فمنتهاها إِلَى يحيى وَقَوله فِيهِ أَنه أَكثر من نَبِي فَمرَّة هُوَ نَبِي وانتهت إِلَيْهِ كل نبوة وَمرَّة هُوَ أَكثر من نَبِي وَمرَّة يَقُول هُوَ عَن نَفسه أَنه لَيْسَ نَبيا فَلَا بُد ضَرُورَة من الْكَذِب فِي إِحْدَى هَذِه الْأَقْوَال وحاشى لله أَن يكذب الْمَسِيح وَيحيى ﵉ لَكِن كذب وَالله النذلان مَتى الشرطي ويوحنا الْعيار فصل وَبعده فِي الْبَاب نَفسه قَالَ وَيَوْما آخر رأى يحيى الْمَسِيح مُقبلا إِلَيْهِ فَقَالَ هَذَا صَار خروف الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه طامة أُخْرَى بَيْنَمَا كَانَ كلمة الله وَابْن الله وإلهاً يخلق صَار خروف الله وحاشى لله أَن يُضَاف إِلَيْهِ خروف إِلَّا على سَبِيل الْخلق وَالْملك إِنَّمَا يُضَاف الخروف إِلَى من يَتَّخِذهُ للْأَكْل أَو الذّبْح أَو لمن يربيه للعجلة أَو لصبي يلْعَب بِهِ ويصبغه بالحنا وَتَعَالَى الله عَن كل هَذَا فصح أَنَّهَا من عمل عيار مستخف ونعوذ بِاللَّه من الضلال فصل وَبعده بِيَسِير فِي الْبَاب نَفسه أَن يحيى بن زَكَرِيَّا قَالَ عَن عِيسَى شهِدت بِأَن هَذَا سليل الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد شهِدت أَنا بنفسي وعقلي وجسدي بِشَهَادَة الله التَّامَّة أَن هَذِه كذبة كذبهَا اللعين يوحنا على رَسُول الله ﷺ وَابْن رَسُوله يحيى بن زَكَرِيَّا وَأَن الله تَعَالَى وَجل عَن أَن يكون لَهُ سليل وأعجب شَيْء نسبتهم إِلَى يحيى ﵇ أَنه قَالَ فِي الْمَسِيح هَذَا خروف الله هَذَا سليل الله وَإِنَّمَا الخروف سليل النعجة والكبش اللَّهُمَّ الْعَن هَؤُلَاءِ الأنتان فَمَا سمعنَا بأعظم اسْتِخْفَافًا بِاللَّه تَعَالَى وبرسله ﵈ مِنْهُم

стр. 213

فصل وَفِي الْبَاب الثَّالِث من إنجيل يوحنا أَن يحيى ﵇ قَالَ عَن الْمَسِيح قد رَضِي الْأَب عَن الْوَلَد وبرىء إِلَيْهِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء وَفِي الْبَاب الْخَامِس من إنجيل يوحنا أَيْضا وَلِهَذَا كَانَت الْيَهُود تُرِيدُ قَتله لِأَنَّهُ لَيْسَ كَانَ يفْسخ عَلَيْهِم سنة السبت فَقَط لكنه كَانَ يَدعِي الله أَبَا وَيُسَوِّي نَفسه بِهِ وَبعده بِيَسِير أَن الْمَسِيح قَالَ كَمَا يحيي الْأَب الْمَوْتَى ويقيمهم كَذَلِك يحيي الابْن من وَافقه وَمَا يحكم الْأَب على أحد لِأَنَّهُ يرد الحكم إِلَى سليله قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه الطامة أنست كل طامة سلفت وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه كَيفَ ينْطَلق لِسَان أحد بِهَذَا الْكفْر الْفَاحِش الفظيع من أَن الله تَعَالَى قد اعتزل الحكم فَلَا يحكم على أحد لِأَنَّهُ برىء بالحكم وبجميع الْأَشْيَاء إِلَى وَلَده حاش لله من هَذَا إِنَّمَا عهدنا هَذَا من فعل الْمُلُوك إِذا شاخوا وضعفوا وَأَرَادُوا الِانْفِرَاد لراحاتهم ولذاتهم وترتيب الْأَمر لأولادهم لِئَلَّا ينازعهم الْأَمر بعدهمْ غَيرهم فَحِينَئِذٍ يسلمُونَ الْأَمر إِلَيْهِم فِي الظَّاهِر وَأما فِي الْبَاطِن فَلَا هَذَا كفر مَا قَدرنَا أحد أَن ينْطَلق بِهِ لِسَانه حَتَّى سمعناه من قبل هَذَا الْكَافِر يوحنا لَعنه الله وَالْحَمْد لله على عَظِيم نعْمَته علينا كثيرا فصل وَبعده بِيَسِير فِي الْبَاب الْخَامِس من إنجيل يوحنا أَن الْمَسِيح قَالَ فَكَمَا احتوى الْأَب الْحَيَاة فِي ذَاته كَذَلِك ملك وَلَده الاحتواء على الْحَيَاة فِي ذَاته وَأَعْطَاهُ سُلْطَانا وَملكه الْحُكُومَة وَالسُّلْطَان والحياة كَمَا هِيَ للْأَب لِأَنَّهُ ابْن الْإِنْسَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَل سمع قطّ بأسخف من هَذِه الْمقَالة إِذْ أخبر أَن من أجل إِن الْمَسِيح هُوَ ابْن الْإِنْسَان ساواه الله بِنَفسِهِ وَهَذَا كُله يُوجب أَنه غير الله وَلَا بُد لِأَن الْمُعْطِي المملك هُوَ غير الْمُعْطِي المملك بِلَا شكّ فصل وَبعده بِيَسِير فِي الْبَاب نَفسه أَن الْمَسِيح قَالَ وَلَا أقوى أَن أفعل من ذاتي شَيْئا لَكِن أحكم بِمَا اسْمَع وحكمي عدل لِأَنِّي لست أنفذ إرادتي إِلَّا إِرَادَة أبي الَّذِي بَعَثَنِي فَإِن كنت أشهد لنَفْسي فَإِن شهادتي غير مَقْبُولَة وَلَكِن غَيْرِي يشْهد لي وَفِي الْبَاب السَّادِس من إنجيل يوحنا أَيْضا أَن الْمَسِيح قَالَ إِنَّمَا نزلت من السَّمَاء لأتم إِرَادَة أبي الَّذِي بَعَثَنِي لَا إرادتي وَفِي الْبَاب السَّابِع من إنجيل يوحنا أَنه قَالَ الْمَسِيح لَيْسَ علمي لي لَكِن للَّذي بَعَثَنِي وَفِي الْبَاب الْحَادِي عشر من إنجيل يوحنا أَيْضا أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم لَو أجبتموني لعرجتم بمسيري إِلَى الْأَب لِأَن الْأَب أكبر مني قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَل فِي الْعُبُودِيَّة والتذلل بِالْحَقِّ لله تَعَالَى أَكثر من هَذَا وَكَيف يجْتَمع هَذ الْكَلَام مَعَ الَّذِي قبله بأسطار من من أَنه مسَاوٍ لله وَأَن الله لَا يحكم بعد على أحد لَكِن يبرأ بالحكم كُله إِلَى وَلَده أما فِي هَذِه المناقضات السخيفة عِبْرَة لمن اعْتبر ثمَّ عجب آخر قَوْله هَاهُنَا إِن كنت أشهد لنَفْسي فشهادتي غير مَقْبُولَة ثمَّ قَالَ فِي آخر الْبَاب السَّابِع من إنجيل

стр. 214

يوحنا إِن كنت أشهد لنَفْسي فشهادتي حق فاعجبوا لهَذَا الِاخْتِلَاط وَهَكَذَا ذكر فِي الْبَاب السَّادِس من إنجيل يوحنا أَن جمَاعَة من تلاميذه لما سمعُوا هَذِه الْأَقْوَال المختلطة ارْتَدُّوا وفارقوه كَمَا نذْكر بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فصل وَفِي الْبَاب السَّادِس من إنجيل يوحنا أَنه لما أطْعم الْخَمْسَة آلَاف إِنْسَان من خمس خبز وحوتين وَفضل من شبعهم اثْنَتَا عشرَة سلة من خبز قَالَ الْجَمَاعَة هَذَا النَّبِي حَقًا فيا للعجب هلا قَالُوا فِيهِ مثل هَذَا القَوْل وَلَو مرّة وَاحِدَة فصل ثمَّ ذكر فِي السَّادِس الْمَذْكُور أَنه أَتَى بِكَلَام كثير لَا يعقل من جملَته أَنه قَالَ لَهُم أَمِين أَقُول لكم لَئِن لم تَأْكُلُوا لحم ابْن الْإِنْسَان وتشربوا دَمه لن تنالوا الْحَيَاة الدائمة فِيكُم فَمن أكل لحمي وَشرب دمي ينَال الْحَيَاة الدائمة وَأَنا أقيمه يَوْم الْقِيَامَة فلحمي هُوَ طَعَام صَادِق وَدمِي شراب صَادِق فَمن أكل لحمي وَشرب دمي كَانَ فِي وَكنت فِيهِ ثمَّ ذكر يوحنا أَنه قَالَ جمَاعَة من التلاميذ هَذَا كَلَام شاق وَمن أجل ذَلِك ارْتَدَّ جمَاعَة من التلاميذ وذهبوا عَنهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا الْكَلَام وسواس صَحِيح لَا يَقُوله إِلَّا مختلط وَقد أعاذ الله نبيه مِنْهُ فصل وَفِي الْبَاب السَّابِع من إنجيل يوحنا أَن إخْوَة يسوع قَالُوا اذْهَبْ إِلَى بلد يهوذا وَأخرج من هَاهُنَا تلاميذك عجايبك الَّتِي تطلع فَلَيْسَ يختفي أحد بِفعل يُرِيد أَن يطلع عَلَيْهِ فَإِذا كنت تُرِيدُ لتعاين هَذَا فَاطلع عَليّ نَفسك أهل الدُّنْيَا وَكَانُوا إخْوَته لَا يُؤمنُونَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَفِي هَذَا أَنه كَانَ يختفي بمعجزاته كَمَا نرى فصل وَفِي الْبَاب السَّابِع من إنجيل يوحنا أَنه أَتَى إِلَى الْمَسِيح بِامْرَأَة قد زنت فَلم يُوجب عَلَيْهَا شَيْئا وأطلقها قَالَ أَبُو مُحَمَّد وهم على خلاف هَذَا فقد زوروا الْمَسِيح وجوروه أَو فليشهدوا على أنفسهم بالجور وَالظُّلم فصل وَفِي آخر الْبَاب السَّابِع من إنجيل يوحنا أَن الْمَسِيح قَالَ أَنا لَا أحكم على أحد وَإِن حكمت فحكمي عدل لِأَنِّي لست وحيداً وَلَكِنِّي أَنا وَأبي الَّذِي بَعَثَنِي وَقيل فِي توراتكم أَن شَهَادَة رجلَيْنِ مَقْبُولَة فَإِنِّي أؤدي الشَّهَادَة عَن نَفسِي وَيشْهد لي الَّذِي بَعَثَنِي قَالَ أَبُو مُحَمَّد لَيْت شعري كَيفَ يجْتَمع هَذَا الْفَصْل مَعَ الَّذِي أوردنا فِي الْبَاب الثَّالِث من إنجيل يوحنا أَيْضا من أَن الله تَعَالَى لَا يحكم بعد على أحد لِأَنَّهُ قد برأَ بالحكم كُله إِلَى وَلَده الْمَسِيح فصل وَفِي الْبَاب الثَّامِن من إنجيل يوحنا أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم أَنا رجل أتيت إِلَيْكُم الْحق الَّذِي سمعته عَن الله فَهَذَا إِقْرَاره بِأَنَّهُ رجل يُؤَدِّي مَا سمع فَقَط مَعَ استشهادهم فِي الْبَاب الثَّانِي عشر من إنجيل مَتى بقول شعيا النَّبِي فِي الْمَسِيح من أَن الله تَعَالَى قَالَ فِيهِ هَذَا غلامي الْمُصْطَفى وحبيبي الَّذِي تخيرته فصح أَنه نَبِي من الْأَنْبِيَاء وَعبد الله

стр. 215

فصل وَفِي الْبَاب التَّاسِع من إنجيل يوحنا أَن الْيَهُود قَالُوا الْمَسِيح لسنا نرجمك لعمل صَالح إِلَّا للشتيمة ولادعائك الربوبية وَأَنت إِنْسَان فَقَالَ لَهُم الْمَسِيح أما قد كتب فِي كتابكُمْ الزبُور حَيْثُ يَقُول أما قُلْتُمْ آلِهَة وَبَنُو الْعلي كلكُمْ فَإِن كَانَ سمى الله الَّذِي كَلمهمْ آلِهَة وَلَا سَبِيل إِلَى تَحْرِيف الْكتاب وتبديله فَلم تَقولُونَ فِيمَن بَارك الله عَلَيْهِ وَبَعثه إِلَى الدُّنْيَا أَنه شتم إِذا قلت أَنِّي ابْن الله إِن كنت لَا أفعل أَفعَال أبي فَلَا تصدقوني إِلَى قَوْله لِتَعْلَمُوا أَنِّي فِي الْأَب وَالْأَب فِي وَفِي الْبَاب الْحَادِي عشر من إنجيل يوحنا أَن بلش الْحوَاري قَالَ للمسيح يَا سيدنَا أرنا الْأَب وَيَكْفِينَا فَقَالَ لَهُ الْمَسِيح طول هَذَا الزَّمَان كنت مَعكُمْ وَلم تعرفوني يَا بلش من رَآنِي فقد رأى الْأَب فَكيف تَقول أَنْت أرنا الْأَب أَلَيْسَ تؤمن أَنِّي أَنا فِي الْأَب وَأَن الْأَب هُوَ فِي فَكيف هَذَا مَعَ قَول يوحنا الَّذِي ذكرنَا فِي أول إنجيله أَن الْأَب لم يره أحد قطّ فصل وَفِي الْبَاب الْحَادِي عشر من إنجيل يوحنا الْمَذْكُور أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه أَنا فِي أبي وَأَنْتُم فِي وَأَنا فِيكُم قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِذا كَانَ هُوَ فِي الْأَب وَالْأَب فِيهِ وَهُوَ فِي التلاميذ والتلاميذ فِيهِ فالأب فِي التلاميذ والتلاميذ فِي الْأَب ضَرُورَة فَأَي مزية لَهُ عَلَيْهِم وَهل هُوَ وهم إِلَّا سَوَاء فِي كَونه وكونهم فِي الله وَكَون الله فيهم وَفِيه ثمَّ هَذَا الْكَلَام لَا يعقل وَلَا يفهم مِنْهُ إِلَّا الاستخفاف وَالْكفْر فَقَط لِأَنَّهُ إِن كَانَ فيهم بِذَاتِهِ فقد صَارُوا لَهُ مَكَانا وَصَارَ تَعَالَى محدوداً وَهَذِه صفة الْمُحدث وَإِن كَانَ فيهم بتدبيره فَهَكَذَا يدبر فِي كل حَيّ وميت وكل جماد وكل عرض وَلَا فرق وَلَا فَضِيلَة فِي هَذَا أصلا فصل وَفِي الْبَاب الثَّانِي عشر من إنجيل يوحنا أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم لست أسميكم بعد عبيد الْآن العَبْد لَا يدْرِي مَا يصنع سَيّده قد سميتكم إخْوَانًا وَفِي آخر الْبَاب الْمَذْكُور أَن الْمَسِيح قَالَ أَنا من الله خرجت وَمن الْأَب انبثقت فَفِي أحد هذَيْن الْفَصْلَيْنِ أَن التلاميذ قد أعتقوا من عبودية الْبَارِي وَأَنَّهُمْ إخوانه وَهُوَ خرج من الله وَمِنْه انبثق فهم كَذَلِك أَيْضا فَأَي مزية لَهُ عَلَيْهِم مَعَ سخف هَذَا الْكَلَام وَأَنه لَا يدْرِي هَذَا الانبثاق معنى أصلا والانبثاق لَا يكون إِلَّا من الْأَجْسَام ضَرُورَة فصل وَفِي الْبَاب الثَّالِث عشر من إنجيل يوحنا فِي أَوله أَن الْمَسِيح قَالَ رَافعا عَيْنَيْهِ إِلَى السَّمَاء يَا أبتاه قد آن الْوَقْت فشرف ولدك لكيما يشرفك ولدك ويعده بِيَسِير أَن الْمَسِيح قَالَ لله أَنا شرفتك على الأَرْض قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه مُصِيبَة الدَّهْر لم يقنعوا للمسيح بنبوة الله حَتَّى وصفوه بمساواته لله تَعَالَى ثمَّ لم يقنعوا بمساواته لله تَعَالَى حَتَّى قَالُوا أَن الله تَعَالَى قد أنزل لَهُ عَن الحكم وَلَيْسَ يحكم على أحد وَأَنه قد برِئ بِالْملكِ وَالْحكم كُله إِلَى الْمَسِيح ثمَّ لم يقنعوا لَهُ بالعزلة والخمول حَتَّى جعلُوا الْمَسِيح يشرف الله
следующие страницы →