Полный текст (708 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فصل
وَبعد ذَلِك ذكر الْمَسِيح فَقَالَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي الدُّنْيَا وَبِه خلقت الدُّنْيَا وَلم يعرفهُ أهل الدُّنْيَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا من الْحمق المزور كَيفَ يكون فِي الدُّنْيَا وَبِه خلقت الدُّنْيَا لَئِن كَانَ إِلَهًا كَمَا يَقُولُونَ فَهُوَ خلق الدُّنْيَا وَلَا يجوز أَن تخلق بِهِ وَإِن كَانَ إِنَّمَا بِهِ خلقت الدُّنْيَا وَلم يخلقها هُوَ فَلَيْسَ هُوَ إلاهاً وَلَا خَالِقهَا وَإِنَّمَا هُوَ آلَة من الْآلَات خلقت الدُّنْيَا بِهِ وحاشى لله أَن يخلق بِآلَة لَكِن كَمَا قَالَ فِي وحيه النَّاطِق إِلَى رَسُوله الصَّادِق الَّذِي لَا يتناقض كَلَامه وَلَا يتعارض اخباره ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ وَأَيْنَ يجْتَمع قَوْله هَاهُنَا إِن بِهِ خلقت الدُّنْيَا مَعَ الْكَذِب الَّذِي يضيفونه إِلَى الْمَسِيح من أَنه قَالَ بزعمهم أَنا أخلق وَأبي يخلق وَإِن لم أعمل كَمَا يعْمل أبي فَلَا تصدقوني حاشى لله من أَن يَقُول نَبِي هَذَا الْكَذِب وَهَذَا الْحمق إِذا كَانَ يكونَانِ إِلَهَيْنِ متغايرين اثْنَيْنِ كل وَاحِد مِنْهُمَا غير الآخر وكل وَاحِد مِنْهُمَا يخلق كَمَا يخلق الْأُخْرَى ثمَّ مرّة هُوَ إِلَه يخلق وَمرَّة آلَة يخلق بِهِ أَلا هَذَا هُوَ الضلال الْمُبين والخبال المتين
فصل
وَبعد ذَلِك قَالَ فَمن يقلهُ مِنْهُم وآمن باسمه أَعْطَاهُم سُلْطَانا أَن يَكُونُوا أَوْلَاد الله أُولَئِكَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ الَّذين لم يتوالدوا من دم وَلَا من شَهْوَة اللَّحْم وَلَا باءة رجل لَكِن تَوَالَدُوا من الله فالتحمت الْكَلِمَة والكلمة كَانَت بشرا وسكنت فِينَا ورأينا عظمتها كعظمة ولد الله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَفِي هَذَا الْفَصْل من الْكفْر مَا لَو انْهَدَمت الْجبَال مِنْهُ لَكَانَ غير نَكِير نسْأَل الله الْعَافِيَة أَيهَا النَّاس فتأملوا قَول هَذَا النذل أَن الْمُؤمنِينَ بالمسيح هم أَوْلَاد الله فالنصارى إِذا كلهم أَوْلَاد الله فَأَي منزلَة للمسيح عَلَيْهِم إِذْ هُوَ ولد الله وهم أَوْلَاد الله ثمَّ اعجبوا لقَوْل هَذَا المستخف المستهزئ بالسفلة الَّذين قلدوا دينهم مثله إِن الْمُؤمنِينَ بالمسيح لم يتوالدوا من دم وَلَا من شَهْوَة لحم وَلَا باءة الرجل لَكِن تَوَالَدُوا من الله هَكَذَا هم هَكَذَا فَكيف تولد يوحنا من سيذاي وَامْرَأَته الْأَحْيَاء مَا هَذَا إِلَّا من عَظِيم المجاهرة بِالْبَاطِلِ وَالْكذب فَإِن قَالُوا هَذَا مجَاز قُلْنَا مجَاز فِي مَاذَا بل هُوَ الْكَذِب البحت الْبَارِد والحمق وَهَذَا نَفسه قُلْتُمْ عَن الْمَسِيح فَمَا الْفرق بَين الْقَوْلَيْنِ وَلَعَلَّ ذَلِك أَيْضا مجَازًا كَمَا هُوَ مجَاز مَا رَأينَا قطّ أَحمَق من هَؤُلَاءِ وَلَا أوقح من خدودهم ثمَّ اعجبوا لقَوْله فالتحمت الْكَلِمَة وسكنت فِينَا فَكيف تصير الْكَلِمَة لَحْمًا وَقد قَالَ إِنَّهَا هِيَ الله فَالله إِذا صَار لَحْمًا ودماً وَسكن فِي أُولَئِكَ الأقذار وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
فصل
ثمَّ قَالَ إِثْر هَذَا إِن الله لم يره أحد قطّ مَا عدا مَا وصف عَنهُ الْوَلَد الَّذِي هُوَ فِي حجر أَبِيه
стр. 212
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا عجب آخر قد قَالَ آنِفا إِن الْكَلِمَة هِيَ لله وَأَنَّهَا التحمت وَصَارَت لَحْمًا ودما وسكنت فيهم فَالله على قَوْلهم صَار لَحْمًا وَسكن فيهم فَكيف لم يره أحد ثمَّ قَوْله إِلَّا مَا وصف عَنهُ الْوَلَد الْفَرد الَّذِي هُوَ فِي حجر أَبِيه فَوَجَبَ من هَذَا أَن الْوَلَد هُوَ غير الْأَب لِأَن من الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكون الله فِي حجر نَفسه فصح ضَرُورَة أَن الابْن عِنْدهم على نُصُوص الأناجيل هُوَ غير الْأَب وهم لَا يثبتون على هَذَا بل مرّة هُوَ وَالْأَب عِنْدهم شَيْء وَاحِد وكل هَذَا مَنْصُوص فِي أَنَاجِيلهمْ وكل قَضِيَّة مِنْهَا تكذب الْأُخْرَى فَكلهَا كذب بِلَا شكّ ونعوذ بِاللَّه من الضلال
فصل
وَفِي الْبَاب الأول من إنجيل يوحنا إِذْ ذكر شهاه يحيى بن زَكَرِيَّا إِذْ بعث إِلَيْهِ الْيَهُود من برشلام الكهنة واللاوانيين وكاشفوه عَن نَفسه فَأقر وَلم يجْحَد وَقَالَ لَهُم لست أَنا الْمَسِيح قَالُوا أيراك الياس قَالَ لَا قَالُوا فَأَنت نَبِي قَالَ لَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد كَيفَ يكون هَذَا مَعَ قَول الْمَسِيح فِي إنجيل مَتى ومارقش كَمَا أوردنا قبل أَن كل نبوة وكل كتاب فمنتهاها إِلَى يحيى وَقَوله فِيهِ أَنه أَكثر من نَبِي فَمرَّة هُوَ نَبِي وانتهت إِلَيْهِ كل نبوة وَمرَّة هُوَ أَكثر من نَبِي وَمرَّة يَقُول هُوَ عَن نَفسه أَنه لَيْسَ نَبيا فَلَا بُد ضَرُورَة من الْكَذِب فِي إِحْدَى هَذِه الْأَقْوَال وحاشى لله أَن يكذب الْمَسِيح وَيحيى ﵉ لَكِن كذب وَالله النذلان مَتى الشرطي ويوحنا الْعيار
فصل
وَبعده فِي الْبَاب نَفسه قَالَ وَيَوْما آخر رأى يحيى الْمَسِيح مُقبلا إِلَيْهِ فَقَالَ هَذَا صَار خروف الله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه طامة أُخْرَى بَيْنَمَا كَانَ كلمة الله وَابْن الله وإلهاً يخلق صَار خروف الله وحاشى لله أَن يُضَاف إِلَيْهِ خروف إِلَّا على سَبِيل الْخلق وَالْملك إِنَّمَا يُضَاف الخروف إِلَى من يَتَّخِذهُ للْأَكْل أَو الذّبْح أَو لمن يربيه للعجلة أَو لصبي يلْعَب بِهِ ويصبغه بالحنا وَتَعَالَى الله عَن كل هَذَا فصح أَنَّهَا من عمل عيار مستخف ونعوذ بِاللَّه من الضلال
فصل
وَبعده بِيَسِير فِي الْبَاب نَفسه أَن يحيى بن زَكَرِيَّا قَالَ عَن عِيسَى شهِدت بِأَن هَذَا سليل الله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد شهِدت أَنا بنفسي وعقلي وجسدي بِشَهَادَة الله التَّامَّة أَن هَذِه كذبة كذبهَا اللعين يوحنا على رَسُول الله ﷺ وَابْن رَسُوله يحيى بن زَكَرِيَّا وَأَن الله تَعَالَى وَجل عَن أَن يكون لَهُ سليل وأعجب شَيْء نسبتهم إِلَى يحيى ﵇ أَنه قَالَ فِي الْمَسِيح هَذَا خروف الله هَذَا سليل الله وَإِنَّمَا الخروف سليل النعجة والكبش اللَّهُمَّ الْعَن هَؤُلَاءِ الأنتان فَمَا سمعنَا بأعظم اسْتِخْفَافًا بِاللَّه تَعَالَى وبرسله ﵈ مِنْهُم
стр. 213
فصل
وَفِي الْبَاب الثَّالِث من إنجيل يوحنا أَن يحيى ﵇ قَالَ عَن الْمَسِيح قد رَضِي الْأَب عَن الْوَلَد وبرىء إِلَيْهِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء وَفِي الْبَاب الْخَامِس من إنجيل يوحنا أَيْضا وَلِهَذَا كَانَت الْيَهُود تُرِيدُ قَتله لِأَنَّهُ لَيْسَ كَانَ يفْسخ عَلَيْهِم سنة السبت فَقَط لكنه كَانَ يَدعِي الله أَبَا وَيُسَوِّي نَفسه بِهِ وَبعده بِيَسِير أَن الْمَسِيح قَالَ كَمَا يحيي الْأَب الْمَوْتَى ويقيمهم كَذَلِك يحيي الابْن من وَافقه وَمَا يحكم الْأَب على أحد لِأَنَّهُ يرد الحكم إِلَى سليله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه الطامة أنست كل طامة سلفت وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه كَيفَ ينْطَلق لِسَان أحد بِهَذَا الْكفْر الْفَاحِش الفظيع من أَن الله تَعَالَى قد اعتزل الحكم فَلَا يحكم على أحد لِأَنَّهُ برىء بالحكم وبجميع الْأَشْيَاء إِلَى وَلَده حاش لله من هَذَا إِنَّمَا عهدنا هَذَا من فعل الْمُلُوك إِذا شاخوا وضعفوا وَأَرَادُوا الِانْفِرَاد لراحاتهم ولذاتهم وترتيب الْأَمر لأولادهم لِئَلَّا ينازعهم الْأَمر بعدهمْ غَيرهم فَحِينَئِذٍ يسلمُونَ الْأَمر إِلَيْهِم فِي الظَّاهِر وَأما فِي الْبَاطِن فَلَا هَذَا كفر مَا قَدرنَا أحد أَن ينْطَلق بِهِ لِسَانه حَتَّى سمعناه من قبل هَذَا الْكَافِر يوحنا لَعنه الله وَالْحَمْد لله على عَظِيم نعْمَته علينا كثيرا
فصل
وَبعده بِيَسِير فِي الْبَاب الْخَامِس من إنجيل يوحنا أَن الْمَسِيح قَالَ فَكَمَا احتوى الْأَب الْحَيَاة فِي ذَاته كَذَلِك ملك وَلَده الاحتواء على الْحَيَاة فِي ذَاته وَأَعْطَاهُ سُلْطَانا وَملكه الْحُكُومَة وَالسُّلْطَان والحياة كَمَا هِيَ للْأَب لِأَنَّهُ ابْن الْإِنْسَان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَل سمع قطّ بأسخف من هَذِه الْمقَالة إِذْ أخبر أَن من أجل إِن الْمَسِيح هُوَ ابْن الْإِنْسَان ساواه الله بِنَفسِهِ وَهَذَا كُله يُوجب أَنه غير الله وَلَا بُد لِأَن الْمُعْطِي المملك هُوَ غير الْمُعْطِي المملك بِلَا شكّ
فصل
وَبعده بِيَسِير فِي الْبَاب نَفسه أَن الْمَسِيح قَالَ وَلَا أقوى أَن أفعل من ذاتي شَيْئا لَكِن أحكم بِمَا اسْمَع وحكمي عدل لِأَنِّي لست أنفذ إرادتي إِلَّا إِرَادَة أبي الَّذِي بَعَثَنِي فَإِن كنت أشهد لنَفْسي فَإِن شهادتي غير مَقْبُولَة وَلَكِن غَيْرِي يشْهد لي وَفِي الْبَاب السَّادِس من إنجيل يوحنا أَيْضا أَن الْمَسِيح قَالَ إِنَّمَا نزلت من السَّمَاء لأتم إِرَادَة أبي الَّذِي بَعَثَنِي لَا إرادتي وَفِي الْبَاب السَّابِع من إنجيل يوحنا أَنه قَالَ الْمَسِيح لَيْسَ علمي لي لَكِن للَّذي بَعَثَنِي وَفِي الْبَاب الْحَادِي عشر من إنجيل يوحنا أَيْضا أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم لَو أجبتموني لعرجتم بمسيري إِلَى الْأَب لِأَن الْأَب أكبر مني
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَل فِي الْعُبُودِيَّة والتذلل بِالْحَقِّ لله تَعَالَى أَكثر من هَذَا وَكَيف يجْتَمع هَذ الْكَلَام مَعَ الَّذِي قبله بأسطار من من أَنه مسَاوٍ لله وَأَن الله لَا يحكم بعد على أحد لَكِن يبرأ بالحكم كُله إِلَى وَلَده أما فِي هَذِه المناقضات السخيفة عِبْرَة لمن اعْتبر ثمَّ عجب آخر قَوْله هَاهُنَا إِن كنت أشهد لنَفْسي فشهادتي غير مَقْبُولَة ثمَّ قَالَ فِي آخر الْبَاب السَّابِع من إنجيل
стр. 214
يوحنا إِن كنت أشهد لنَفْسي فشهادتي حق فاعجبوا لهَذَا الِاخْتِلَاط وَهَكَذَا ذكر فِي الْبَاب السَّادِس من إنجيل يوحنا أَن جمَاعَة من تلاميذه لما سمعُوا هَذِه الْأَقْوَال المختلطة ارْتَدُّوا وفارقوه كَمَا نذْكر بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فصل
وَفِي الْبَاب السَّادِس من إنجيل يوحنا أَنه لما أطْعم الْخَمْسَة آلَاف إِنْسَان من خمس خبز وحوتين وَفضل من شبعهم اثْنَتَا عشرَة سلة من خبز قَالَ الْجَمَاعَة هَذَا النَّبِي حَقًا فيا للعجب هلا قَالُوا فِيهِ مثل هَذَا القَوْل وَلَو مرّة وَاحِدَة
فصل
ثمَّ ذكر فِي السَّادِس الْمَذْكُور أَنه أَتَى بِكَلَام كثير لَا يعقل من جملَته أَنه قَالَ لَهُم أَمِين أَقُول لكم لَئِن لم تَأْكُلُوا لحم ابْن الْإِنْسَان وتشربوا دَمه لن تنالوا الْحَيَاة الدائمة فِيكُم فَمن أكل لحمي وَشرب دمي ينَال الْحَيَاة الدائمة وَأَنا أقيمه يَوْم الْقِيَامَة فلحمي هُوَ طَعَام صَادِق وَدمِي شراب صَادِق فَمن أكل لحمي وَشرب دمي كَانَ فِي وَكنت فِيهِ ثمَّ ذكر يوحنا أَنه قَالَ جمَاعَة من التلاميذ هَذَا كَلَام شاق وَمن أجل ذَلِك ارْتَدَّ جمَاعَة من التلاميذ وذهبوا عَنهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا الْكَلَام وسواس صَحِيح لَا يَقُوله إِلَّا مختلط وَقد أعاذ الله نبيه مِنْهُ
فصل
وَفِي الْبَاب السَّابِع من إنجيل يوحنا أَن إخْوَة يسوع قَالُوا اذْهَبْ إِلَى بلد يهوذا وَأخرج من هَاهُنَا تلاميذك عجايبك الَّتِي تطلع فَلَيْسَ يختفي أحد بِفعل يُرِيد أَن يطلع عَلَيْهِ فَإِذا كنت تُرِيدُ لتعاين هَذَا فَاطلع عَليّ نَفسك أهل الدُّنْيَا وَكَانُوا إخْوَته لَا يُؤمنُونَ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَفِي هَذَا أَنه كَانَ يختفي بمعجزاته كَمَا نرى
فصل
وَفِي الْبَاب السَّابِع من إنجيل يوحنا أَنه أَتَى إِلَى الْمَسِيح بِامْرَأَة قد زنت فَلم يُوجب عَلَيْهَا شَيْئا وأطلقها
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وهم على خلاف هَذَا فقد زوروا الْمَسِيح وجوروه أَو فليشهدوا على أنفسهم بالجور وَالظُّلم
فصل
وَفِي آخر الْبَاب السَّابِع من إنجيل يوحنا أَن الْمَسِيح قَالَ أَنا لَا أحكم على أحد وَإِن حكمت فحكمي عدل لِأَنِّي لست وحيداً وَلَكِنِّي أَنا وَأبي الَّذِي بَعَثَنِي وَقيل فِي توراتكم أَن شَهَادَة رجلَيْنِ مَقْبُولَة فَإِنِّي أؤدي الشَّهَادَة عَن نَفسِي وَيشْهد لي الَّذِي بَعَثَنِي
قَالَ أَبُو مُحَمَّد لَيْت شعري كَيفَ يجْتَمع هَذَا الْفَصْل مَعَ الَّذِي أوردنا فِي الْبَاب الثَّالِث من إنجيل يوحنا أَيْضا من أَن الله تَعَالَى لَا يحكم بعد على أحد لِأَنَّهُ قد برأَ بالحكم كُله إِلَى وَلَده الْمَسِيح
فصل
وَفِي الْبَاب الثَّامِن من إنجيل يوحنا أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم أَنا رجل أتيت إِلَيْكُم الْحق الَّذِي سمعته عَن الله فَهَذَا إِقْرَاره بِأَنَّهُ رجل يُؤَدِّي مَا سمع فَقَط مَعَ استشهادهم فِي الْبَاب الثَّانِي عشر من إنجيل مَتى بقول شعيا النَّبِي فِي الْمَسِيح من أَن الله تَعَالَى قَالَ فِيهِ هَذَا غلامي الْمُصْطَفى وحبيبي الَّذِي تخيرته فصح أَنه نَبِي من الْأَنْبِيَاء وَعبد الله
стр. 215
فصل
وَفِي الْبَاب التَّاسِع من إنجيل يوحنا أَن الْيَهُود قَالُوا الْمَسِيح لسنا نرجمك لعمل صَالح إِلَّا للشتيمة ولادعائك الربوبية وَأَنت إِنْسَان فَقَالَ لَهُم الْمَسِيح أما قد كتب فِي كتابكُمْ الزبُور حَيْثُ يَقُول أما قُلْتُمْ آلِهَة وَبَنُو الْعلي كلكُمْ فَإِن كَانَ سمى الله الَّذِي كَلمهمْ آلِهَة وَلَا سَبِيل إِلَى تَحْرِيف الْكتاب وتبديله فَلم تَقولُونَ فِيمَن بَارك الله عَلَيْهِ وَبَعثه إِلَى الدُّنْيَا أَنه شتم إِذا قلت أَنِّي ابْن الله إِن كنت لَا أفعل أَفعَال أبي فَلَا تصدقوني إِلَى قَوْله لِتَعْلَمُوا أَنِّي فِي الْأَب وَالْأَب فِي وَفِي الْبَاب الْحَادِي عشر من إنجيل يوحنا أَن بلش الْحوَاري قَالَ للمسيح يَا سيدنَا أرنا الْأَب وَيَكْفِينَا فَقَالَ لَهُ الْمَسِيح طول هَذَا الزَّمَان كنت مَعكُمْ وَلم تعرفوني يَا بلش من رَآنِي فقد رأى الْأَب فَكيف تَقول أَنْت أرنا الْأَب أَلَيْسَ تؤمن أَنِّي أَنا فِي الْأَب وَأَن الْأَب هُوَ فِي فَكيف هَذَا مَعَ قَول يوحنا الَّذِي ذكرنَا فِي أول إنجيله أَن الْأَب لم يره أحد قطّ
فصل
وَفِي الْبَاب الْحَادِي عشر من إنجيل يوحنا الْمَذْكُور أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه أَنا فِي أبي وَأَنْتُم فِي وَأَنا فِيكُم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِذا كَانَ هُوَ فِي الْأَب وَالْأَب فِيهِ وَهُوَ فِي التلاميذ والتلاميذ فِيهِ فالأب فِي التلاميذ والتلاميذ فِي الْأَب ضَرُورَة فَأَي مزية لَهُ عَلَيْهِم وَهل هُوَ وهم إِلَّا سَوَاء فِي كَونه وكونهم فِي الله وَكَون الله فيهم وَفِيه ثمَّ هَذَا الْكَلَام لَا يعقل وَلَا يفهم مِنْهُ إِلَّا الاستخفاف وَالْكفْر فَقَط لِأَنَّهُ إِن كَانَ فيهم بِذَاتِهِ فقد صَارُوا لَهُ مَكَانا وَصَارَ تَعَالَى محدوداً وَهَذِه صفة الْمُحدث وَإِن كَانَ فيهم بتدبيره فَهَكَذَا يدبر فِي كل حَيّ وميت وكل جماد وكل عرض وَلَا فرق وَلَا فَضِيلَة فِي هَذَا أصلا
فصل
وَفِي الْبَاب الثَّانِي عشر من إنجيل يوحنا أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم لست أسميكم بعد عبيد الْآن العَبْد لَا يدْرِي مَا يصنع سَيّده قد سميتكم إخْوَانًا وَفِي آخر الْبَاب الْمَذْكُور أَن الْمَسِيح قَالَ أَنا من الله خرجت وَمن الْأَب انبثقت فَفِي أحد هذَيْن الْفَصْلَيْنِ أَن التلاميذ قد أعتقوا من عبودية الْبَارِي وَأَنَّهُمْ إخوانه وَهُوَ خرج من الله وَمِنْه انبثق فهم كَذَلِك أَيْضا فَأَي مزية لَهُ عَلَيْهِم مَعَ سخف هَذَا الْكَلَام وَأَنه لَا يدْرِي هَذَا الانبثاق معنى أصلا والانبثاق لَا يكون إِلَّا من الْأَجْسَام ضَرُورَة
فصل
وَفِي الْبَاب الثَّالِث عشر من إنجيل يوحنا فِي أَوله أَن الْمَسِيح قَالَ رَافعا عَيْنَيْهِ إِلَى السَّمَاء يَا أبتاه قد آن الْوَقْت فشرف ولدك لكيما يشرفك ولدك ويعده بِيَسِير أَن الْمَسِيح قَالَ لله أَنا شرفتك على الأَرْض
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه مُصِيبَة الدَّهْر لم يقنعوا للمسيح بنبوة الله حَتَّى وصفوه بمساواته لله تَعَالَى ثمَّ لم يقنعوا بمساواته لله تَعَالَى حَتَّى قَالُوا أَن الله تَعَالَى قد أنزل لَهُ عَن الحكم وَلَيْسَ يحكم على أحد وَأَنه قد برِئ بِالْملكِ وَالْحكم كُله إِلَى الْمَسِيح ثمَّ لم يقنعوا لَهُ بالعزلة والخمول حَتَّى جعلُوا الْمَسِيح يشرف الله
стр. 216
تَعَالَى يَا للنَّاس هَل سَمِعْتُمْ بأعظم من هَذَا الْكفْر وَالله وَالله قطعا مَا قَالَ هَذَا الْكَلَام قطّ مُؤمن بِاللَّه أصلا وَمَا كَانُوا إِلَّا دهرية مستخفين رقعاء فَعَلَيْهِم أَضْعَاف كل لعنة لعنها الله تَعَالَى من سواهُم من الْكَفَرَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَفِي إنجيل يوحنا أَن الْمَسِيح قَالَ أَنا أميت نَفسِي وَأَنا أحييها فليت شعري كَيفَ يُمكن ان يحي نَفسه وَهُوَ ميت قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ سَبْعُونَ فصلا فِي أَنَاجِيلهمْ من كذب بحت ومناقضة لَا حِيلَة فِيهَا وَمِنْهَا فُصُول يجمع الْفَصْل مِنْهَا ثَلَاث كذبات فاقل على قلَّة مِقْدَار أَنَاجِيلهمْ وَجُمْلَة أَمرهم فِي الْمَسِيح ﵇ أَنه مرّة بِنَصّ أَنَاجِيلهمْ ابْن الله وَمرَّة هُوَ ابْن يُوسُف وَابْن دَاوُد وَابْن الْإِنْسَان وَمرَّة هُوَ إِلَه يخلق ويرزق وَمرَّة هُوَ خروف الله وَمرَّة هُوَ فِي الله وَالله فِيهِ وَمرَّة هُوَ فِي تلاميذه فِيهِ وَمرَّة هُوَ علم الله وَقدرته وَمرَّة لَا يحكم على أحد وَلَا ينفذ إِرَادَته وَمرَّة هُوَ نَبِي وَغُلَام الله وَمرَّة أسلمه الله إِلَى أعدائه وَمرَّة قد انْعَزل الله لَهُ عَن الْملك وتولاه هُوَ وَصَارَ يشرف الله تَعَالَى وَيُعْطِي مَفَاتِيح السَّمَوَات لباطرة ويولي أَصْحَابه خطة التَّحْرِيم ولتحليل فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمرَّة يجوع وَيطْلب مَا يَأْكُل ويعطش وَيشْرب ويعرق من الْخَوْف ويلعن الشَّجَرَة إِذا لم يجد فِيهَا تيناً يَأْكُلهُ ويفشل ويركب حِمَاره وَيُؤْخَذ ويلطم وَجهه وَيضْرب رَأسه بالقصبة ويزق فِي وَجهه وَيضْرب ظَهره بالسياط ويميته الشَّرْط ويتهكمون بِهِ ويسقي الْخلّ فِي الحنظل ويصلب بَين سارقين ويسمر يَدَاهُ وَمَات فِي السَّاعَة وَدفن ثمَّ يحيى بعد الْمَوْت وَلم يكن لَهُ هم إِذْ حيى بعد الْمَوْت وَاجْتمعَ بِأَصْحَابِهِ إِلَّا طلب مَا يَأْكُل فأطعموه الْخبز والحوت المشوي وسقوه الْعَسَل ثمَّ انْطلق إِلَى شغله هَذَا كُله نَص أَنَاجِيلهمْ وهم قد اقتصروا فِي دينهم من هَذَا كُله على أَنه آلَة معبود فَقَط وهم ينفون من إِلَه مَعَ الله وَأَنَاجِيلهمْ وأماناتهم توجب أَن الْمَسِيح آلَة آخر غير الله بل يقْعد عَن يَمِين الله وَأَنه أكبر مِنْهُ وَهُوَ يخلق كَمَا يخلق وَيحيى كَمَا يحي الله والضرورة توجب أَنهم قَائِلُونَ بآلهين وَلَا بُد متغايرين ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
ذكر بعض مَا فِي كتبهمْ غير الأناجيل من الْكَذِب وَالْكفْر والهوس
قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَالَ يوحنا بن سيذاي فِي إِحْدَى رسائله الثَّلَاث يَا أحبائي نَحن الْآن أَوْلَاد الله وَلم يظْهر بعد مَا نَحن كائنون وَقد نعلم أَنه إِذا ظهر سَيكون أَمْثَالًا لَهُ لأننا نرَاهُ كَمَا هُوَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد أَفِي الْكفْر أعظم من كفر هَذَا الْكذَّاب أَنهم أَوْلَاد الله وَأَنَّهُمْ سيكونون مثل الله إِذا ظهر وَقَالَ هَذَا الْمعِين فِي كتاب الْوَحْي والإعلان أَنه رأى الله شَيخا أَبيض الرَّأْس واللحية وَرجلَاهُ من لاطون والمسيح يقْرَأ بَين يَدَيْهِ فِي كتاب من ذهب وَالْمَلَائِكَة يَقُولُونَ هَذَا خروف الرب والأسواق قَائِمَة بَين يَدَيْهِ الْقَمْح كَذَا وَكَذَا قَفِيزا
стр. 217
بِدِينَار وَالْخمر كَذَا وَكَذَا قسطاً بِدِينَار وَالزَّيْت كَذَا وَكَذَا قسطاً بِدِينَار فَهَل هَذَا إِلَّا هزل وعيارة وتماجن وتطايب وَقَالَ شَمْعُون فِي إِحْدَى رسائله يَوْمئِذٍ يَأْتِي الرب كمجيء اللص فلعمري لقد شبه ربه تشبها هُوَ أولى بِهِ وَلَا مُؤنَة على هذَيْن الكلين وعَلى يهوذا وَيَعْقُوب اللعينين فِي رسائلهم الفارغة من كل خير الْبَارِدَة المملوءة من كل كفر وهوس أَن يَقُولُوا قَالَ الله وَالِد رَبنَا الْمَسِيح وَفعل الله وَالِد سيدنَا الْمَسِيح كَأَنَّهُمْ وَالله إِنَّمَا يخبرون عَن نسب من الْأَنْسَاب وولادة من الولادات وَقَالَ بولس اللعين فِي إِحْدَى رسائله وَهِي الَّتِي إِلَى أهل غلاربه فِي الْبَاب السَّادِس نشْهد لكل إِنْسَان يختن أَنه يلْزمه أَن يحفظ شرايع التَّوْرَاة كلهَا وَقَالَ أَيْضا قبل ذَلِك إِن اختتنتم فَإِن الْمَسِيح لَا ينفعكم فاعجبوا لهَذَا وَاعْلَمُوا أَنه قد ألزمهم دينين أما من كَانَ مختوناً فَإِن شرايع التَّوْرَاة كلهَا تلْزمهُ وَلَا يَنْفَعهُ الْمَسِيح وَأما من كَانَ غير مختون فالمسيح بنفعه وَلَا يلْزمه شراءع التَّوْرَاة وَهُوَ وَسَائِر التلاميذ كَانُوا بِإِجْمَاع من النَّصَارَى مختونين كلهم فَوَجَبَ أَن الْمَسِيح لَا ينفهم وَأَن شرائع الْيَهُود كلهَا لَهُم لَازِمَة وَأكْثر من بَين أظهر الْمُسلمين مِنْهُم الْيَوْم مختونون وَإِن كَانَ بولس صَادِقا فَإِن الْمَسِيح لَا يَنْفَعهُمْ وَأَن شرائع التَّوْرَاة كلهَا لَهُم لَازِمَة وَإِن كَانَ بولس كَاذِبًا فِي ذَلِك فَكيف يَأْخُذُونَ دينهم عَن الْكذَّاب وَلَا بُد من إِحْدَاهمَا وَقَالَ أَيْضا فِي إِحْدَى رسائله أَن يوحنا بن سيذاي وَيَعْقُوب بن يُوسُف النجار وباطرة أَمرُوهُ أَن يكون هُوَ يَدْعُو إِلَى ترك الْخِتَان وَيَكُونُونَ هم يدعونَ إِلَى الْخِتَان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا غير طَرِيق التَّحْقِيق فِي الدُّعَاء إِلَى الدّين وَإِنَّمَا هِيَ دَعْوَة حِيلَة وإضلال مينية لَا حَقِيقَة لَهَا وَقَالَ بولس إِن يَعْقُوب ابْن يُوسُف النجار كَانَ مرائياً يتحفظ من مداخلة الْأَجْنَاس بِحَضْرَة الْيَهُود وَأَن بولس واجهه بذلك فِي أنطاكية وعنفه على ذَلِك أفيجوز أَخذ الدّين عَن مراء مُدَلّس وَقَالَ هَذَا اللعين بولس أَيْضا فِي إِحْدَى رسائله أَن يسوع بَيْنَمَا كَانَ فِي صُورَة الله لم يغتنم أَن يكون مُسَاوِيا لله بل أذلّ نَفسه وَلبس صُورَة عبد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَل سمع قطّ بأوحش من هَذَا الْكفْر وأحمق من هَذَا الْكَلَام أَو أسخف من هَذَا الِاخْتِيَار وَهل يتذلل الْإِنْسَان وَيحمل كل بلَاء فِي الدُّنْيَا إِلَّا ليصل إِلَى رضى الله تَعَالَى فَقَط فليت شعري هَل بعد الْوُصُول إِلَى مُسَاوَاة الله تَعَالَى عِنْد هَؤُلَاءِ الأقذار منزلَة تبتغي فيرفضها الْمَسِيح لينال أَعلَى مِنْهَا اللَّهُمَّ قد ذكرنَا تِلْكَ الْمنزلَة وَهِي الَّتِي وصفهَا يوحنا اللعين فِي إنجيله من أَن الله تَعَالَى عَن كفرهم اعتزل عَن الْملك وَالْحكم وولاهما الْمَسِيح وتبرأ إِلَيْهِ بِكُل شَيْء ثمَّ إِن الْمَسِيح شرفه الله تَعَالَى عَن ذَلِك اللَّهُمَّ الْعَن عقولاً يجوز فِيهَا هَذَا الْحمق وَقَالَ هَذَا النذل فِي بعض رسائله إِنِّي كنت أَتَمَنَّى أَن أكون محروماً من الْمَسِيح
قَالَ أَبُو مُحَمَّد لَيْت شعري من ضغطه وَمَا الْمَانِع لَهُ من أَن يكفر بالمسيح فَيبلغ مناه وَيصير محروماً مِنْهُ وَوَاللَّه أَنه لمرحوم مِنْهُ بِلَا شكّ وَقَالَ هَذَا النذل بولس أَيْضا فِي بعض رسائله
стр. 218
الخسيسة الْيَهُود يطْلبُونَ الْآيَات واليونانيون يطْلبُونَ الْحِكْمَة وَنحن نشرع أَن الْمَسِيح صلب وَهَذَا القَوْل عِنْد الْيَهُود فتْنَة وَعند الْأَجْنَاس جهل وَنقص وَعند المختنين من الْيَهُود واليونانيين أَن الْمَسِيح علم الله وَقدرته لِأَن مَا كَانَ جهلا عِنْد الله هُوَ أحكم مَا يكون عِنْد النَّاس وَمَا هُوَ ضَعِيف عِنْد الله هُوَ أقوى مَا يكون عِنْد النَّاس
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَل فِي بَيَان قحة هَذَا النذل وسخريته لمن اتبعهُ وَتَحْقِيق مَا تدعيه الْيَهُود من أَن أسلافهم دسوا هَذَا الرذل بولس لإضلال أَتبَاع الْمَسِيح ﵇ أَكثر من هَذَا القَوْل فِي إِبْطَاله الْآيَات وَالْحكم وَقَوله إِن أحكم مَا يكون عِنْد النَّاس هُوَ الْجَهْل عِنْد الله فمحصول هَذَا الْكَلَام اتْرُكُوا الْعقل وموجبه واطلبوا الْحمق وتدينوا بِهِ نَعُوذ بِاللَّه مِمَّا ابْتَلَاهُم بِهِ وَقَالَ بولس أَيْضا فِي بعض رسائله إِنَّه لَا تبقى دَعْوَة كَاذِبَة فِي الدّين أَكثر من ثَلَاثِينَ سنة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هُوَ عِنْدهم لعنهم الله أصدق من مُوسَى بن عمرَان ﵇ فَإِن كَانَ صَادِقا فَمَا يحْتَاج مَعَهم إِلَى برهَان فِي صِحَة دين الْإِسْلَام ونبوة مُحَمَّد ﷺ سوى هَذَا فَإِن لهَذِهِ الدَّعْوَى أَرْبَعمِائَة عَام ونيفاً وَخمسين عَاما ظَاهِرَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فيلزمهم أَن يرجِعوا إِلَى الْحق أَو يكذبوا بولس بشيرهم وَقَالَ بعض من يعظمونه من أسلافهم وَهُوَ يوحنا فَم الذَّهَب بطريارك الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي كتاب لَهُ مَعْرُوف عِنْدهم أَن الشَّجَرَة الَّتِي أكل مِنْهَا آدم وبسببها أخرج من الْجنَّة كَانَت شَجَرَة تين وَأَن الله تَعَالَى أنزل تِلْكَ الشَّجَرَة بِعَينهَا إِلَى الأَرْض وَهِي الَّتِي دَعَا الْمَسِيح عَلَيْهَا فيبست إِذْ طلب فِيهَا تيناً يَأْكُلهُ فَلم يجده وَهِي نَفسهَا الْخَشَبَة الَّتِي صلب عَلَيْهَا قَالَ وبرهان ذَلِك أَنَّك لَا تَجِد غاراً إِلَّا وعَلى فَمه شَجَرَة تين نابتة فاعجبوا لهَذَا الْهزْل والعيارة والمجون والبرهان البديع وَاعْلَمُوا أَنهم بأجمعهم متفقون على أَن يصوروا فِي كنائسهم صُورَة يَقُولُونَ هِيَ صُورَة الْبَارِي وَعلا وَأُخْرَى صُورَة الْمَسِيح وَأُخْرَى صُورَة مَرْيَم وَصُورَة باطرة وَصُورَة بولس والصليب وَصُورَة جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل وَصُورَة إسْرَافيل ثمَّ يَسْجُدُونَ للصورة سُجُود عبَادَة وَيَصُومُونَ لَهَا تديناً وَهَذَا هُوَ عبَادَة الْأَوْثَان بِلَا شكّ والشرك الْمَحْض وهم يُنكرُونَ عبَادَة الْأَوْثَان ثمَّ يعبدونها عَلَانيَة وحجتهم فِي هَذَا حجَّة عبَادَة نفسا وَهِي أَنهم يَتَقَرَّبُون بذلك إِلَى أَصْحَاب تِلْكَ الصُّور لَا إِلَى الصُّور بِأَعْيَانِهَا وَاعْلَمُوا أَنهم لم يزَالُوا بعد الْمَسِيح بأزيد من مائَة عَام يَصُومُونَ فِي شهر كانون الآخر إِثْر عيد الحجيج أَرْبَعِينَ يَوْمًا مُتَّصِلَة ثمَّ يفطرون ثمَّ يعيدون الفصح مَعَ الْيَهُود اقْتِدَاء بالمسيح إِلَى أَن أبطل ذَلِك عَلَيْهِم خَمْسَة من البطاركة أَجمعُوا على ذَلِك ونقلوا صِيَامهمْ وفصحهم إِلَى مَا هم عَلَيْهِ الْيَوْم فَكيف ترَوْنَ هَذَا الدّين وَلعب أَهله بِهِ وحكمهم بِأَن مَا مضى عَلَيْهِ الْمَسِيح والحواريون ضلال وَكفر وَلَا يَخْتَلِفُونَ أصلا فِي أَن شرائعهم كلهَا إِنَّمَا هِيَ من عمل أساقفتهم وملوكهم عَلَانيَة فَهَل تطيب نفس من بِهِ مسكة عقل
стр. 219
على أَن يبْقى سَاعَة على دين هَذِه صفته فَكيف أَن يلقى الله تَعَالَى على دين يقر بِلِسَانِهِ وَيعلم بِقَلْبِه أَنه لَيْسَ من عِنْد الله تَعَالَى وَلَا مِمَّا أَتَى بِهِ نَبِي ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَمن عَظِيم هوسهم وَقَوْلهمْ كلهم أَن الْمَسِيح أَتَى ليَأْخُذ بجراحته آلامنا وبكلومه ذنوبنا وَهَذَا كَلَام فِي غَايَة السخف لَيْت شعري أَي ألم أَخذ بجراحته أم كَيفَ تُؤْخَذ ذنُوب النَّاس بكلوم الْمَسِيح مَا نراهم إِلَّا يألمون ويذنبون كَمَا يألم غَيرهم وَلَا فرق وَمن فضائحهم دَعوَاهُم أَن هلاني وَالِدَة قسطنطين أول من تنصر من مُلُوك الرّوم وَذَلِكَ بعد أَزِيد من ثلاثماية عَام من رفع الْمَسِيح وجدت الْخَشَبَة الَّتِي صلب فِيهَا الْمَسِيح والشوك الَّذِي جعل على رَأسه وَالدَّم الَّذِي طَار من جنبه والمسامير الَّتِي ضربت فِي يَده فليت شعري أَيْن وجدوا هَذَا السخام كُله وَأهل ذَلِك الدّين كُله مطرودون مقتولون حَيْثُ وجدوا وَالْمَدينَة خَالِيَة أَزِيد من مِائَتي عَام لَا أنيس بهَا ثمَّ من لَهُم بِأَنَّهَا تِلْكَ وَأَيْنَ يبْقى أثر الدَّم ومسامير وَشَوْك وخشبة تِلْكَ الْمدَّة الْعَظِيمَة فِي الْبِلَاد الخالية المقفرة وَلَا شكّ فِي أَنه إِذْ صلب كَمَا يَقُولُونَ كَانَ أَصْحَابه مختفين وأعداؤه لَا يلتفتون إِلَى أمره أَيكُون فِي السخف أعظم من هَذَا وَمَا عُقُولهمْ إِلَّا كعقول من يصدق بالعنقاء وَبِكُل مَا لَا يُمكن وَاعْلَمُوا أَن كل مَا يَدعُونَهُ لباطرة ويوحنا ومرقش وبولس من المعجزات فَإِنَّهَا أكذوبات مَوْضُوعَة لِأَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة لم يَكُونُوا من رفع الْمَسِيح ﵇ ومذ تنصر بولس إِلَّا مطلوبين مشردين مضروبين كالزنادقة مستترين وَقد ذكر بولس عَن نَفسه أَن الْيَهُود ضربوه خمس مَرَّات بالقضبان كل مرّة تسعا وَثَلَاثِينَ جلدَة وَأَنه رجم بِالْحِجَارَةِ فِي جمع عَظِيم وتدلى من سُورَة دمشق فِي قفة خوف الْقَتْل وَمَعَ ذَلِك تظاهروا بدين الْيَهُود إِلَى أَن صلبوا وَقتلُوا إِلَى لعنة الله وَلَا يجوز أَن تصح معْجزَة إِلَّا بِنَقْل كَافَّة عَن مثلهَا مِمَّن شَاهد ذَلِك ظَاهرا وَلَكِن دَعْوَى النَّصَارَى ذَلِك لمن ذكرنَا ولغيرهم من أسلافهم معْجزَة كدعوى المانية لماني بِسَوَاء فَإِنَّهُ لم يزل مسترا إِلَّا شهوراً يسيرَة إِذْ اختدعه بهْرَام بن بهْرَام الْملك حَتَّى ظفر بِهِ وبأصحابه فَقَتلهُمْ كلهم وكدعوى الْيَهُود لأحبارهم السالفين ولرؤس السبت المعجزات بالصناعات وكدعوى أَصْحَاب الحلاج للحلاج وكدعوى طوائف من الْمُسلمين مثل ذَلِك من المعجزات لشيبان الرَّاعِي ولإبراهيم بن أدهم وَلأبي مُسلم الْخَولَانِيّ ولعَبْد الله ابْن الْمُبَارك رَحْمَة الله عَلَيْهِم وعَلى غَيرهم من الصَّالِحين وكل ذَلِك كذب وتوليد من لَا خير فِيهِ وإحالة على أَشْيَاء مغيبة لَا يعجز عَن ادِّعَاء مثلهَا أحد وكل طَائِفَة مِمَّن ذكرنَا تعَارض دَعْوَاهَا بِدَعْوَى سَائِر الطوائف وَلَا سيبل إِلَى الْفرق بَين شَيْء من هَذِه الدعاوي وَقد قُلْنَا لَا يُمكن الْبَتَّةَ وجود معْجزَة إِلَّا لنَبِيّ فَقَط ثمَّ لَا تصح إِلَّا بِنَقْل يقطع الْعذر وَيُوجب الْعلم للْكَافِرِ وَالْمُؤمن إِلَّا من كَابر حسه وغالط نَفسه وَقَالَ هَذَا سحر فَقَط وَكَذَلِكَ مَا اغْترَّ بِهِ كثير من جهالهم مِمَّا
стр. 220
رَأَوْا من عظم اجْتِهَاد رهبانهم أَصْحَاب الصوامع والديارات والمطوس عَلَيْهِم أَبْوَاب الْبيُوت فليعلموا أَنه لَيْسَ عِنْدهم من الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة إِلَّا جُزْء من أَجزَاء كَثِيرَة مِمَّا عِنْد المنانية وَشدَّة اجتهادهم وَالَّذِي عِنْد الصابئين من ذَلِك أعظم فَإِنَّهُ يبلغ الْأَمر بهم إِلَى أَن يخصي الْوَاحِد نَفسه ويسمل عَيْني نَفسه اجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَة وَالَّذِي عِنْد الهنود أَكثر من هَذَا كُله فَإِنَّهُم لَا يزالون يحرقون أنفسهم فِي النَّار تقرباً إِلَى البد وَلَا يزالون يرْمونَ أنفسهم من أعالي الْجبَال كَذَلِك فَأَيْنَ اجتهادٍ من اجْتِهَاد وَعباد الْهِنْد لَا يَمْشُونَ إِلَّا عُرَاة وَلَا يلتبسون من الدُّنْيَا بِشَيْء أصلا فَأَيْنَ هَذَا من هَذَا لَو عقلوا وَلم ير قطّ أَشد جريمة من جَاهِل مقلد لَا سِيمَا إِذا اتّفق أَن يكون سوداوياً ضَعِيفا وَإِن شِئْت فَتَأمل أساقفة النَّصَارَى وقسيسيهم وجتالقتهم تجدهم جفلة أفسق الْخلق وأزناهم وأجمعهم لِلْمَالِ لَا سَبِيل إِلَى أَن تَجِد مِنْهُم وَاحِدًا بِخِلَاف هَذَا وَكَذَلِكَ إِن اغتروا بصبر أوائلهم للْقَتْل على دينهم حَتَّى عمِلُوا لَهُم الشائنات إِلَى الْيَوْم فَإِن ذَلِك لَا يتَجَزَّأ من صَبر المنانية على الْقَتْل فِي الثَّبَات على دينهم وَمن صَبر دعاة القرامطة على الْقَتْل أَيْضا وكل هَذَا لَا يتعلل بِهِ إِلَّا جَاهِل سخيف مقلد متهالك وَإِنَّمَا الْحمق فِيمَا أوجبته براهين الْعُقُول الَّتِي وَضعهَا الله تَعَالَى فِينَا لتمييز الْحق من الْبَاطِل ونبا بهَا عَن البهايم فَقَط ثمَّ فِي الِاعْتِدَال والاقتصار على مَا جَاءَ بِهِ صَاحب الشَّرِيعَة الَّتِي قَامَ الْبُرْهَان بِصِحَّتِهَا عَن الله وجماع ذَلِك مَا جرى عَلَيْهِ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي حَيَاته وَبعده ﵇
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَبَقِي لَهما اعتراضان نذكرهما إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَحدهمَا إِن قَالُوا قَالَ الله فِي كتابكُمْ حِكَايَة عَن الْمَسِيح ﵇ أَنه قَالَ
من أَنْصَارِي إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحن أنصار الله فآمنت طَائِفَة من بني إِسْرَائِيل وكفرت طَائِفَة فأيدنا الَّذين آمنُوا على عدوهم فَأَصْبحُوا ظَاهِرين
وَقَالَ تَعَالَى أَيْضا مُخَاطبا للمسيح ﵇ ﴿إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ ومطهرك من الَّذين كفرُوا وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ قُلْنَا نعم هَذَا خبر حق ووعد صدق وَإِنَّمَا أخبر تَعَالَى عَن الْمُؤمنِينَ وَلم يسمهم وَلَا شكّ فِي أَن من ثَبت عَلَيْهِ الْكَذِب من باطرة ويوحنا وَمَتى ويهوذا وَيَعْقُوب لَيْسُوا مِنْهُم لكِنهمْ من الْكفَّار المدعين لَهُ الربوبية كذبا وَكفرا وَأما الموعودون بالنصر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة الْمُؤْمِنُونَ بالمسيح ﵇ فهم نَحن الْمُسلمُونَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ حَقًا وبنبوته ورسالته لَا من كفر بِهِ وَقَالَ أَنه كَذَّاب وَقَالَ أَنه إِلَه أَو ابْن إِلَه تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَالثَّانِي إِن قَالُوا إِن فِي كتابكُمْ ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ وَفِيه ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة وَقضي الْأَمر﴾ فَهَلا قُلْتُمْ فِيمَا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل كَمَا تَقولُونَ فِيمَا فِي كتابكُمْ قُلْنَا بَين الْأَمريْنِ فرق بَين كَمَا بَين قطبي الْفلك وَذَلِكَ أَن الَّذِي فِي الْقُرْآن ظَاهر لَا يحْتَاج فِيهِ
стр. 221
إِلَى تَأْوِيل إِنَّمَا معنى وَجَاء رَبك ويأتيهم الله هُوَ أَمر مَعْلُوم فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن مشهود فِيهَا تَقول جَاءَ الْملك وأتانا الْملك وَإِنَّمَا أَتَى جَيْشه وسطوته وَأمره فَلَيْسَ فِيمَا تلوتم أَمر يُنكر وَلَيْسَ كَذَلِك مَا كتبنَا فِي توراتكم وأناجيلكم من التكاذب والتناقض وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد واعترضوا أَيْضا بِأَن قَالُوا كَيفَ تحققون نقلكم لكتابكم وَأَنْتُم مُخْتَلفُونَ أَشد الِاخْتِلَاف فِي قراءتكم لَهُ وبعضكم يزِيد حروفاً كَثِيرَة وبعضكم يُسْقِطهَا فَهَذَا بَاب وَأَيْضًا فَإِنَّكُم تروون بأسانيد عنْدكُمْ فِي غَايَة الصِّحَّة أَن طوائف من أَصْحَاب نَبِيكُم ﵇ وَمن تابعيهم الَّذين تعظمون وتأخذون دينكُمْ عَنْهُم قرؤا الْقُرْآن بِأَلْفَاظ زَائِدَة ومبدلة لَا تستحلون أَنْتُم الْقِرَاءَة بهَا وَإِن مصحف عبد الله بن مَسْعُود خلاف مصحفكم وَأَيْضًا فَإِن طوائف من علمائكم الَّذين تعظمون وتأخذون عَنْهُم دينكُمْ يَقُولُونَ إِن عُثْمَان بن عَفَّان أبطل قراءات كَثِيرَة صَحِيحَة وأسقطها إِذْ كتب الْمُصحف الَّذِي جمعكم عَلَيْهِ وعَلى حرف وَاحِد من الأحرف السَّبْعَة الَّتِي أنزل بهَا الْقُرْآن عنْدكُمْ وَأَيْضًا فَإِن الروافض يَزْعمُونَ أَن أَصْحَاب نَبِيكُم بدلُوا الْقُرْآن وأسقطوا مِنْهُ وَزَادُوا فِيهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد كل هَذَا لَا مُتَعَلق لَهُم بِشَيْء مِنْهُ على مَا نبين بِمَا لَا إِشْكَال فِيهِ على أحد من النَّاس وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
أما قَوْلهم إننا مُخْتَلفُونَ فِي قِرَاءَة كتَابنَا فبعضنا يزِيد حروفاً وبعضنا يُسْقِطهَا فَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافا بل هُوَ اتِّفَاق منا صَحِيح لِأَن تِلْكَ الْحُرُوف وَتلك الْقرَاءَات كلهَا مبلغ بِنَقْل الكواف إِلَى رَسُول الله ﷺ أَنَّهَا نزلت كلهَا عَلَيْهِ فَأَي تِلْكَ الْقرَاءَات قَرَأنَا فَهِيَ صَحِيحَة وَهِي محصورة كلهَا مضبوطة مَعْلُومَة لَا زِيَادَة فِيهَا وَلَا نقص فَبَطل التَّعَلُّق بِهَذَا الْفَصْل وَللَّه تَعَالَى الْحَمد وَأما قَوْلهم أَنه قد روى بأسانيد صِحَاح عَن طَائِفَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَمن التَّابِعين الَّذين نعظم ونأخذ ديننَا عَنْهُم قرءوا فِي الْقُرْآن قراءات لَا نستحل نَحن الْقِرَاءَة بهَا فَهَذَا حق وَنحن وَإِن بلغنَا الْغَايَة فِي تَعْظِيم أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ورضوان الله عَلَيْهِم وتقربنا إِلَى الله بمحبتهم فلسنا نبعد عَنْهُم الْوَهم وَالْخَطَأ وَلَا نقلدهم فِي شَيْء مِمَّا قَالُوهُ إِنَّمَا نَأْخُذ عَنْهُم مَا أخبرونا بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ بِمَا هُوَ عِنْدهم بِالْمُشَاهَدَةِ وَالسَّمَاع لما ثَبت من عدالتهم وثقتهم وَصدقهمْ وَأما عصمتهم من الْخَطَأ فِيمَا قَالُوهُ برأى وبظن فَلَا نقُول بذلك وَلَو أَنكُمْ أَنْتُم فَعلْتُمْ كَذَلِك بأحباركم وأساقفتكم الَّذين بَيْنكُم وَبَين الْأَنْبِيَاء ﵈ مَا عنفنا كم بل كُنْتُم على صَوَاب وَهدى متبعين للحق الْمنزل مجانبين للخطأ المهمل لَكِن لم تَفعلُوا هَكَذَا بل قلدتموهم فِي كل مَا شرعوه لكم فهلكتم فِي الدُّنْيَا والاخرة وَتلك الْقرَاءَات الَّتِي ذكرْتُمْ إِنَّمَا هِيَ مَوْقُوفَة على الصاحب أَو التَّابِع فَهِيَ ضَرُورَة وهم من الصاحب وَالوهم لَا يعري
стр. 222
مِنْهُ أحد بعد الْأَنْبِيَاء ﵈ أَو وهم مِمَّن دونه فِي ذَلِك وَأما قَوْلهم أَن مصحف عبد الله ابْن مَسْعُود خلاف مصحفنا فَبَاطِل وَكذب وإفك مصحف عبد الله بن مَسْعُود إِنَّمَا فِيهِ قِرَاءَته بِلَا شكّ وقراءته هِيَ قِرَاءَة عَاصِم الْمَشْهُورَة عِنْد جَمِيع أهل الْإِسْلَام فِي شَرق الدُّنْيَا وغربها نَقْرَأ بهَا كَمَا ذكرنَا وبغيرها قد صَحَّ أَنه كُله منزل من عِنْد الله تَعَالَى فَبَطل تعلقهم بِهَذَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما قَوْلهم إِن طَائِفَة من عُلَمَائِنَا الَّذين أَخذنَا عَنْهُم ديننَا ذكرُوا إِن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ إِذْ كتب الْمُصحف الَّذِي جمع النَّاس عَلَيْهِ أسقط سِتَّة أحرف من الأحرف الْمنزلَة وَاقْتصر على حرف مِنْهَا فَهُوَ مِمَّا قُلْنَا وَهُوَ ظن ظَنّه ذَلِك الْقَائِل أَخطَأ فِيهِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بل كل هَذَا بَاطِل ببرهان كَالشَّمْسِ وَهُوَ أَن عُثْمَان ﵁ لم يَك إِلَّا وجزيرة الْعَرَب كلهَا مَمْلُوءَة بِالْمُسْلِمين والمصاحف والمساجد والقراء يعلمُونَ الصّبيان وَالنِّسَاء وكل من دب وهب واليمن كلهَا وَهِي فِي أَيَّامه مدن وقرى الْبَحْرين كَذَلِك وعمان كَذَلِك وَهِي بِلَاد وَاسِعَة مدن وقرى وملكها عَظِيم وَمَكَّة والطائف وَالْمَدينَة وَالشَّام كلهَا كَذَلِك والجزيرة كَذَلِك ومصر كلهَا كَذَلِك والكوفة وَالْبَصْرَة كَذَلِك فِي كل هَذِه الْبِلَاد من الْمَصَاحِف والقراء مَا لَا يحصي عَددهمْ إِلَّا الله تَعَالَى وَحده فَلَو رام عُثْمَان مَا ذكرُوا مَا قدر على ذَلِك أصلا وَأما قَوْلهم أَنه جمع النَّاس على مصحف فَبَاطِل مَا كَانَ يقدر على ذَلِك لما ذكرنَا وَلَا ذهب عُثْمَان قطّ إِلَى جمع النَّاس على مصحف كتبه إِنَّمَا خشِي ﵁ أَن يَأْتِي فَاسق يسْعَى فِي كيد الدّين أَو أَن يهم وهم من أهل الْخَيْر فيبدل شَيْئا من الْمُصحف يفعل ذَلِك عمدا وَهَذَا وهما فَيكون اخْتِلَاف يُؤَدِّي إِلَى الضلال فَكتب مصاحف مجتمعاً عَلَيْهَا وَبعث إِلَى كل أفق مُصحفا لكَي إِن وهم واهم أَو بدل مبدل رَجَعَ إِلَى الْمُصحف الْمُجْتَمع عَلَيْهِ فانكشف الْحق وَبَطل الكيد وَالوهم فَقَط وَأما قَول من قَالَ أبطل الأحرف السِّتَّة فقد كذب من قَالَ ذَلِك وَلَو فعل عُثْمَان ذَلِك أَو أَرَادَهُ لخرج عَن الْإِسْلَام وَلما مطل سَاعَة بل الأحرف السَّبْعَة كلهَا مَوْجُودَة عندنَا قَائِمَة كَمَا كَانَت مثبوتة فِي الْقرَاءَات الْمَشْهُورَة المأثورة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما قَوْلهم فِي دَعْوَى الروافض تَبْدِيل الْقرَاءَات فَإِن الروافض لَيْسُوا من الْمُسلمين إِنَّمَا هِيَ فرق حدث أَولهَا بعد موت النَّبِي ﷺ بِخمْس وَعشْرين سنة وَكَانَ مبدؤها إِجَابَة من خذله الله تَعَالَى لدَعْوَة من كَاد الْإِسْلَام وَهِي طَائِفَة تجْرِي مجْرى الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي الْكَذِب وَالْكفْر وَهِي طوائف أَشَّدهم غلواً يَقُولُونَ بإلهية عَليّ بن أبي طَالب والآلهية جمَاعَة مَعَه وَأَقلهمْ غلواً يَقُولُونَ إِن الشَّمْس ردَّتْ على عَليّ بن أبي طَالب مرَّتَيْنِ فقوم هَذَا أقل مَرَاتِبهمْ فِي الْكَذِب أيستشنع مِنْهُم كذب يأْتونَ بِهِ وكل من يزجره عَن الْكَذِب ديانَة أَو نزاهة نفس أمكنه أَن يكذب مَا شَاءَ وكل دَعْوَى بِلَا برهَان فَلَيْسَ يسْتَدلّ بهَا عَاقل سَوَاء كَانَت لَهُ أَو عَلَيْهِ وَنحن إِن شَاءَ الله تَعَالَى نأتي بالبرهان الْوَاضِح الفاضح لكذب الروافض فِيمَا افتعلوه من ذَلِك
стр. 223
قَالَ أَبُو مُحَمَّد مَاتَ رَسُول الله ﷺ وَالْإِسْلَام قد انْتَشَر وَظهر فِي جَمِيع جَزِيرَة الْعَرَب من مُنْقَطع الْبَحْر الْمَعْرُوف ببحر القلزم ماراً إِلَى سواحل الْيمن كلهَا إِلَى بَحر فَارس إِلَى مُنْقَطِعَة ماراً إِلَى الْفُرَات ثمَّ على ضفة الْفُرَات إِلَى مُنْقَطع الشَّام إِلَى بَحر القلزم وَفِي هَذِه الجزيرة من المدن والقرى مَا لَا يعرف عدده إِلَّا الله كاليمن والبحرين وعمان ونجد وجبلي طي وبلاد مُضر وَرَبِيعَة وقضاعة والطائف وَمَكَّة كلهم قد أسلم وبنوا الْمَسَاجِد لَيْسَ مِنْهَا مَدِينَة وَلَا قَرْيَة وَلَا حلَّة لأعراب إِلَّا قد قَرَأَ فِيهَا الْقُرْآن فِي الصَّلَوَات وَعلمه الصّبيان وَالرِّجَال وَالنِّسَاء وَكتب وَمَات رَسُول الله ﷺ والمسلمون كَذَلِك لَيْسَ بَينهم اخْتِلَاف فِي شَيْء أصلا بل كلهم أمة وَاحِدَة وَدين وَاحِد ومقالة وَاحِدَة ثمَّ ولي أَبُو بكر سنتَيْن وَسِتَّة أشهر فغزى فَارس وَالروم وَفتح الْيَمَامَة وزادت قِرَاءَة النَّاس لِلْقُرْآنِ وَجمع النَّاس الْمَصَاحِف كَأبي عمر وَعُثْمَان وَعلي وَزيد وَأبي زيد وَابْن مَسْعُود وَسَائِر النَّاس فِي الْبِلَاد فَلم يبْق بلد إِلَّا وَفِيه الْمَصَاحِف ثمَّ مَاتَ ﵁ والمسلمون كَمَا كَانُوا لَا اخْتِلَاف بَينهم فِي شَيْء اصر أمة وَاحِدَة ومقالة وَاحِدَة إِلَّا مَا حدث فِي آخر حَيَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسسلم وَأول خلَافَة أبي بكر ﵁ من ظُهُور الْأسود الْعَنسِي فِي جِهَة صنعاء ومسيلمة فِي الْيَمَامَة يدعيان النُّبُوَّة وهما فِي ذَلِك مقران بنبوة مُحَمَّد ﷺ معلنان بذلك وَمن انقسام الْعَرَب وَمن بِالْيمن من غَيرهم أَرْبَعَة أَقسَام إِثْر مَوته ﵇ فطائفة ثبتَتْ على مَا كَانَت عَلَيْهِ من الْإِسْلَام لم تبدل ولزمت طَاعَة أبي بكر وهم الْجُمْهُور وَالْأَكْثَر وَطَائِفَة بقيت على الْإِسْلَام أَيْضا إِلَّا أَنهم قَالُوا نُقِيم الصَّلَاة وشرايع الْإِسْلَام إِلَّا أَنا لَا نُؤَدِّي الزَّكَاة إِلَى أبي بكر وَلَا نعطي طَاعَة لأحد بعد رَسُول الله ﷺ وَكَانَ هَؤُلَاءِ كثيرا إِلَّا أَنهم دون من ثَبت على الطَّاعَة وَيبين هَذَا قَوْله الحطيئة الْعَبْسِي ... أَطعْنَا رَسُول الله إِذْ كَانَ بَيْننَا ... فيالهفانا مَا بَال دين أبي بكر
أيورثها بكرا إِذا مَاتَ بعده ... فَتلك لعمر الله قاصمة الظّهْر
وَإِن الَّتِي طالبتم فمنعتم ... لكالتمر أَو أحلى لذِي من التَّمْر ...
يَعْنِي الزَّكَاة ثمَّ ذكر الْقَبَائِل الثَّابِتَة على الطَّاعَة فَقَالَ
... فباست بني سعد واسناه طيٌ ... وباست بني دودان حاشي بَين النَّضر ...
قَالَ أَبُو مُحَمَّد لَكِن وَالله باستاه بني نضر وباست الحطيئة حلت الدائرة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَطَائِفَة ثَالِثَة أعلنت بالْكفْر وَالرِّدَّة كأصحاب طليحة وسجاح وَسَائِر من ارْتَدَّ وهم قَلِيل بِالْإِضَافَة إِلَى من ذكرنَا إِلَّا أَن فِي كل قَبيلَة من الْمُؤمنِينَ من يُقَاوم الْمُرْتَدين فقد كَانَ بِالْيَمَامَةِ تمامة بن أَثَال الحتفي فِي طوايف من الْمُسلمين محاربين لمُسَيْلمَة وَفِي قوم الْأسود
стр. 224
أَيْضا كَذَلِك وَفِي بني تَمِيم وَبني أَسد الْجُمْهُور من الْمُسلمين وَطَائِفَة رَابِعَة توقفت فَلم تدخل فِي أحد من الطوائف الْمَذْكُورَة وبقوا يتربصون لمن تكون الْغَلَبَة كمالك بن نُوَيْرَة وَغَيره فَأخْرج إِلَيْهِم أَبُو بكر الْبعُوث فَقتل مُسَيْلمَة وَقد كَانَ فَيْرُوز وذاذوية الفارسيان الفاضلان ﵄ قتلا الْأسود الْعَنسِي فَلم يمض عَام وَاحِد حَتَّى رَاجع الْجَمِيع الْإِسْلَام أَوَّلهمْ عَن آخِرهم وَأسْلمت سجَاح وطليحة وَغَيرهم وَإِنَّمَا كَانَت نزغة من الشَّيْطَان كنار اشتعلت فأطفأها الله للْوَقْت ثمَّ مَاتَ أَبُو بكر وَولي عمر ففتحت بِلَاد الْفرس طولا وعرضاً وَفتحت الشَّام كلهَا والجزيرة ومصر كلهَا وَلم يبْق إِلَّا وبنيت فِيهِ الْمَسَاجِد وَنسخت فِيهِ الْمَصَاحِف وَقَرَأَ الْأَئِمَّة الْقُرْآن وَعلمه الصّبيان فِي الْمكَاتب شرفا وغرباً وَبَقِي كَذَلِك عشرَة أَعْوَام وأشهراً والمؤمنون كلهم لَا اخْتِلَاف بَينهم فِي شَيْء بل مِلَّة وَاحِدَة ومقالة وَاحِدَة وَإِن لم يكن عِنْد الْمُسلمين إِذْ مَاتَ عمر مائَة ألف مصحف من مصر إِلَى الْعرَاق إِلَى الشَّام إِلَى الْيمن فَمَا بَين ذَلِك فَلم يكن أقل ثمَّ ولي عُثْمَان فزادت الْفتُوح واتسع الْأَمر فَلَو رام أحد إحصاء مصاحف أهل الْإِسْلَام مَا قدر وَبَقِي كَذَلِك اثْنَي عشر عَاما حَتَّى مَاتَ وبموته حصل الِاخْتِلَاف وَابْتِدَاء أَمر الروافض وَاعْلَمُوا أَنه لَو رام الْيَوْم أحد أَن يزِيد فِي شعر النَّابِغَة أَو شعر زُهَيْر كلمة أَو ينقص أُخْرَى مَا قدر لِأَنَّهُ كَانَ يفتضح الْوَقْت وتخالفه النّسخ المثبوتة فَكيف الْقُرْآن فِي الْمَصَاحِف وَهِي من آخر الأندلس وبلاد البربر وبلاد السودَان إِلَى آخر السَّنَد وكابل وخراسان وَالتّرْك والصقالبة وبلاد الْهِنْد فَمَا بَين ذَلِك فَظهر حمق الرافضة ومجاهرتها بِالْكَذِبِ وَمِمَّا يبين كذب الروافض فِي ذَلِك أَن عَليّ بن أبي طَالب الَّذِي هُوَ عِنْد أَكْثَرهم إِلَه خَالق وَعند بَعضهم نَبِي نَاطِق وَعند سَائِرهمْ إِمَام مَعْصُوم مَفْرُوضَة طَاعَته ولي الْأَمر وَملك فَبَقيَ خَمْسَة أَعْوَام وَتِسْعَة أشهر خَليفَة مُطَاعًا ظَاهر الْأَمر سَاكِنا بِالْكُوفَةِ مَالِكًا للدنيا حاشى الشَّام ومصر إِلَى الْفُرَات وَالْقُرْآن يقْرَأ فِي الْمَسَاجِد فِي كل مَكَان وَهُوَ يؤم النَّاس بِهِ والمصاحف مَعَه وَبَين يَدَيْهِ فَلَو رأى فِيهِ تبديلاً كَمَا تَقول الرافضة وَكَانَ يقرهم على ذَلِك ثمَّ إِلَى ابْنه الْحسن هُوَ عِنْدهم كأبيه فَجرى على ذَلِك فَكيف يسوغ لهَؤُلَاء النوكي أَن يَقُولُوا أَن فِي الْمُصحف حرفا زَائِدا أَو نَاقِصا أَو مبدلاً مَعَ هَذَا وَلَقَد كَانَ جِهَاد من حرف الْقُرْآن وَبدل الْإِسْلَام أوكد عَلَيْهِ من قتال أهل الشَّام الَّذين إِنَّمَا خالفوه فِي رَأْي يسير رَأَوْهُ ورأي خلَافَة فَقَط فلاح كذب الرافضة ببرهان لَا محيد عَنهُ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنحن إِن شَاءَ الله تَعَالَى نذْكر صفة وُجُوه النَّقْل الَّذِي عِنْد الْمُسلمين لكتابهم وَدينهمْ لما نقلوه عَن أئمتهم حَتَّى يقف عَلَيْهِ الْمُؤمن وَالْكَافِر والعالم وَالْجَاهِل عيَانًا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فيعرفون أَيْن نقل سَائِر الْأَدْيَان من نقلهم فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن نقل الْمُسلمين لكل مَا ذكرنَا يَنْقَسِم أقساماً سِتَّة أَولهَا شَيْء يَنْقُلهُ أهل الْمشرق وَالْمغْرب عَن أمثالهم جيلاً جيلاً لَا يخْتَلف فِيهِ مُؤمن وَلَا كَافِر منصف غير معاند للمشاهد وَهُوَ الْقُرْآن الْمَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف فِي شَرق الأَرْض وغربها لَا يَشكونَ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب أُتِي بِهِ وَأخْبر أَن الله
стр. 225
عز وَجل أوحى بِهِ إِلَيْهِ وَأَن من اتبعهُ أَخذه عَنهُ كَذَلِك ثمَّ أَخذ عَن أُولَئِكَ حَتَّى بلغ إِلَيْنَا وَمن ذَلِك الصَّلَوَات الْخمس فَإِنَّهُ لَا يخْتَلف مُؤمن وَلَا كَافِر وَلَا يشك أحد أَنه صلاهَا بِأَصْحَابِهِ كل يَوْم وَلَيْلَة فِي أَوْقَاتهَا الْمَعْهُودَة وصلاها كَذَلِك كل من اتبعهُ على دينه حَيْثُ كَانُوا كل يَوْم هَكَذَا إِلَى الْيَوْم لَا يشك أحد فِي أَن أهل السَّنَد يصلونها كَمَا يُصليهَا أهل الأندلس وَأَن أهل الأرمنية يصلونها كَمَا يُصليهَا أهل الْيمن وكصيام شهر رَمَضَان فَإِنَّهُ لَا يخْتَلف كَافِر وَلَا مُؤمن وَلَا يشك أحد فِي أَنه صَامَهُ رَسُول الله ﷺ وصامه مَعَه كل من اتبعهُ فِي كل بلد كل عَام ثمَّ كَذَلِك جيلاً جيلاً إِلَى يَوْمنَا هَذَا وكالحج فَإِنَّهُ لَا يخْتَلف مُؤمن وَلَا كَافِر وَلَا يشك أحد فِي أَنه ﵇ حج مَعَ أَصْحَابه وَأقَام الْمَنَاسِك ثمَّ حج الْمُسلمُونَ من كل أفق من إِلَّا فاق كل عَام فِي شهر وَاحِد مَعْرُوف إِلَى الْيَوْم وكجملة الزَّكَاة وكسائر الشَّرَائِع الَّتِي فِي الْقُرْآن من تَحْرِيم القرائب وَالْميتَة وَالْخِنْزِير وَسَائِر شرائع الْإِسْلَام وكآياته من شقّ الْقَمَر وَدُعَاء الْيَهُود الَّتِي تمنى الْمَوْت وَسَائِر مَا هُوَ فِي نَص الْقُرْآن مقروء ومنقول وَلَيْسَ عَن الْيَهُود وَلَا عِنْد النَّصَارَى فِي هَذَا النَّقْل شَيْء أصلا لِأَن نقلهم لشريعة السبت وَسَائِر شرائعهم إِنَّمَا يرجعُونَ فِيهَا إِلَى التَّوْرَاة وَيقطع نقل ذَلِك وَنقل التَّوْرَاة إطباقهم على أَن أوائلهم كفرُوا بأجمعهم وبرؤا من دين مُوسَى وعبدوا الْأَوْثَان عَلَانيَة دهوراً طوَالًا وَمن الْمحَال أَن يكون ملك كَافِر عَابِد أوثان هُوَ وَأمته كلهَا مَعَه كَذَلِك يقتلُون الْأَنْبِيَاء ويخنقونهم وَيقْتلُونَ من دعى إِلَى الله تَعَالَى يشتغلون بِسَبَب أَو بشريعة مُضَافَة إِلَى الله سُبْحَانَهُ تَعَالَى عَن هَذَا الْكَذِب الَّذِي لَا شكّ فِيهِ وَيقطع بالنصارى عَن مثل هَذَا عدم نقلهم إِلَّا عَن خَمْسَة رجال فَقَط وَقد وضح الْكَذِب عَلَيْهِم إِلَى مَا أوضحنا من الْكَذِب الَّذِي فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل القَاضِي بتبديلهما بِلَا شكّ وَالثَّانِي شء نقلته الكافة عَن مثلهَا حَتَّى يبلغ الْأَمر كَذَلِك إِلَى رَسُول الله ﷺ ككثير من آيَاته ومعجزاته الَّتِي ظَهرت يَوْم الخَنْدَق وَفِي تَبُوك بِحَضْرَة الْجَيْش وككثير من مَنَاسِك الْحَج وكزكاة التَّمْر وَالْبر وَالشعِير وَالْوَرق وَالْإِبِل وَالذَّهَب وَالْبَقر وَالْغنم ومعاملته أهل خَيْبَر وَغير ذَلِك مِمَّا يخفى على الْعَامَّة وَإِنَّمَا يعرفهُ كواف أهل الْعلم فَقَط وَلَيْسَ عِنْد الْيَهُود وَالنَّصَارَى من هَذَا لنقل شَيْء أصلا لِأَنَّهُ يقطع بهم دونه وَمَا قطع بهم دون النَّقْل الَّذِي ذكرنَا قبل من أطباقهم على الْكفْر الدهور الطوَال وَعدم إِيصَال الكافة إِلَى عِيسَى ﵇ وَالثَّالِث مَا نَقله الثِّقَة عَن الثِّقَة كَذَلِك حَتَّى يبلغ إِلَى النَّبِي ﷺ يخبر كل وَاحِد مِنْهُم باسم الَّذِي أخبرهُ وَنسبه وَكلهمْ مَعْرُوف الْحَال وَالْعين وَالْعَدَالَة وَالزَّمَان وَالْمَكَان على أَن أَكثر مَا جَاءَ هَذَا الْمَجِيء فَإِنَّهُ مَنْقُول نقل الكواف إِمَّا إِلَى رَسُول الله ﷺ من طرق جمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃ وَإِمَّا إِلَى الصاحب وَإِمَّا إِلَى التَّابِع وَإِمَّا إِلَى أَمَام أَخذ عَن التَّابِع يعرف ذَلِك من كَانَ من أهل الْمعرفَة بِهَذَا الشَّأْن وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَهَذَا نقل خص الله تَعَالَى بِهِ المسملين دون سَائِر أهل الْملَل كلهَا وبناه عِنْدهم غضاً جَدِيدا على
стр. 226
قديم الدهور مد أَرْبَعمِائَة عَام وَخمسين عَاما فِي الْمشرق وَالْمغْرب والجنوب وَالشمَال يرحل فِي طلبه من لَا يُحْصى عَددهمْ إِلَّا خالقهم إِلَى الْآفَاق الْبَعِيدَة ويواظب على تَقْيِيده من كَانَ النَّاقِد قَرِيبا مِنْهُ قد تولى الله تَعَالَى حفظه عَلَيْهِم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَلَا تفوتهم ذلة فِي كلمة فَمَا فَوْقهَا فِي شيءٍ من النَّقْل إِن وَقعت لأَحَدهم وَلَا يُمكن فَاسق أَن يقحم فِيهِ كلمة مَوْضُوعَة وَللَّه تَعَالَى الشُّكْر وَهَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الَّتِي نَأْخُذ ديننَا مِنْهَا وَلَا نتعداها إِلَى غَيرهَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَالرَّابِع شَيْء نَقله أهل الْمشرق وَالْمغْرب أَو الكافة أَو الْوَاحِد الثِّقَة عَن أمثالهم إِلَى أَن يبلغ من لَيْسَ بَينه وَبَين النَّبِي ﷺ إِلَّا وَاحِد فَأكْثر فَسكت ذَلِك المبلوغ إِلَيْهِ عَمَّن أخبرهُ بِتِلْكَ الشَّرِيعَة عَن النَّبِي ﷺ فَلم يعرف من هُوَ فَهَذَا نوع يَأْخُذ بِهِ كثير من الْمُسلمين ولسنا نَأْخُذ بِهِ الْبَتَّةَ وَلَا نضيفه إِلَى النَّبِي ﷺ إِذْ لم نَعْرِف من حدث بِهِ عَن النَّبِي ﷺ وَقد يكون غير ثِقَة وَيعلم مِنْهُ غير الَّذِي رُوِيَ عَنهُ مَا لم يعرف مِنْهُ الَّذِي رُوِيَ عَنهُ وَمن هَذَا النَّوْع كثير من نقل الْيَهُود بل هُوَ أَعلَى مَا عِنْدهم إِلَّا أَنهم لَا يقربون فِيهِ من مُوسَى كقربنا فِيهِ من مُحَمَّد ﷺ بل يقفون وَلَا بُد حَيْثُ بَينهم وَبَين مُوسَى ﵇ أَزِيد من ثَلَاثِينَ عصراً فِي أَزِيد من ألف وَخَمْسمِائة عَام وَإِنَّمَا يبلغون بِالنَّقْلِ إِلَى هِلَال وشماني ومرعقيما وأمثالهم وأظن أَن لَهُم مَسْأَلَة وَاحِدَة فَقَط يروونها عَن حبر من أَحْبَارهم عَن نَبِي من متأخري أَنْبِيَائهمْ أَخذهَا عَنهُ مشافهة فِي نِكَاح الرجل ابْنَته إِذا مَاتَ عَنْهَا أَخُوهُ وَأما النَّصَارَى فَلَيْسَ عِنْدهم من صفة هَذَا النَّقْل إِلَّا تَحْرِيم الطَّلَاق وَحده فَقَط على أَن مخرجه من كَذَّاب قد صَحَّ كذبه وَالْخَامِس شَيْء نقل كَمَا ذكرنَا إِمَّا بِنَقْل أهل الْمشرق وَالْمغْرب أَو كَافَّة عَن كَافَّة أَو ثِقَة عَن ثِقَة حَتَّى يبلغ إِلَى النَّبِي ﷺ إِلَّا أَن فِي الطَّرِيق رجلا مجروحاً بكذب أَو غَفلَة أَو مَجْهُول الْحَال فَهَذَا أَيْضا يَقُول بِهِ بعض الْمُسلمين وَلَا يحل عندنَا القَوْل بِهِ وَلَا تَصْدِيقه وَلَا الْأَخْذ بِشَيْء مِنْهُ وَهَذِه صفة نقل الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِيمَا أضافوه إِلَى أَنْبِيَائهمْ لِأَنَّهُ يقطع بِأَنَّهُم كفار بِلَا شكّ وَلَا مرية وَالسَّادِس نقلٌ نقل بِأحد الْوُجُوه الَّتِي قدمنَا إِمَّا بِنَقْل من بَين الْمشرق وَالْمغْرب أَو بالكافة أَو بالثقة عَن الثِّقَة حَتَّى يبلغ ذَلِك إِلَى صَاحب أَو تَابع أَو إِمَام دونهمَا أَنه قَالَ كَذَا أَو حكم بِكَذَا غير مُضَاف ذَلِك إِلَى رَسُول الله ﷺ كَفعل أبي بكر فِي سبي أهل الرِّدَّة وكصلاة الْجُمُعَة صدر النَّهَار وكضرب عمر الْخراج وإضعافه الْقيمَة على رَقِيق حَاطِب وَغير ذَلِك كثير جدا فَمن الْمُسلمين من يَأْخُذ بِهَذَا وَمِنْهُم من لَا يَأْخُذ بِهِ وَنحن لَا نَأْخُذ بِهِ أصلا لِأَنَّهُ لَا حجَّة فِي فعل أحد دون من أمرنَا الله تَعَالَى باتباعه وأرسله إِلَيْنَا بِبَيَان دينه وَلَا يَخْلُو فَاضل من وهم وَلَا حجَّة فِيمَن يهم وَلَا يَأْتِي الْوَحْي بِبَيَان وهمه وَهَذَا الصِّنْف من النَّقْل هُوَ صفة جَمِيع نقل الْيَهُود لشرائعهم الَّتِي هم عَلَيْهَا الْآن مِمَّا لَيْسَ فِي التَّوْرَاة وَهُوَ صفة جَمِيع نقل النَّصَارَى حاشى تَحْرِيم الطَّلَاق إِلَّا أَن الْيَهُود لَا يُمكنهُم أَن يبلغُوا فِي ذَلِك إِلَى صَاحب نَبِي أصلا وَلَا إِلَى تَابع لَهُ وَأَعْلَى من يقف عِنْده النَّصَارَى
стр. 227
شَمْعُون ثمَّ بولس ثمَّ أساقفهم عصراً عصراً هَذَا أَمر لَا يقدر أحد مِنْهُم على إِنْكَاره وَلَا إِنْكَار شَيْء مِنْهُ إِلَّا أَن يَدعِي أحد مِنْهُم كذبا عِنْد من يطْمع فِي تجويزه عَلَيْهِ مِمَّن يظنّ بِهِ جهلا بِمَا عِنْده فَقَط وَأما إِذا قررهم على ذَلِك من يَدْرُونَ أَنه يعرف كتبهمْ فَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى إِنْكَاره اصلاً
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنقل الْقُرْآن وَمَا فِيهِ من إِعْلَام النَّبِي ﷺ كالإنذار بالغيوب وشق الْقَمَر وَدُعَاء الْيَهُود إِلَى تمني الْمَوْت وَالنَّصَارَى إِلَى المباهلة وَجَمِيع الْعَرَب إِلَى الْمَجِيء بِمثل الْقُرْآن وبتوبيخهم بِالْعَجزِ عَنهُ وبتوبيخ الْيَهُود بِأَنَّهُم لَا يتمنون الْمَوْت وقصة الطير الأبابيل ورميها أَصْحَاب الْفِيل بحجارة من سجيل وَكثير من الشَّرَائِع وَكثير من السّنَن فَإِنَّهُ نقل كل ذَلِك الْيَمَانِيّ والمضري والربيعي والقضاعي وَكلهمْ أَعدَاء متباينون متحاربون يقتل بَعضهم بَعْضًا لَيْسَ هُنَاكَ شيءٌ يَدعُوهُم إِلَى الْمُسَامحَة فِي نقلهم لَهُ ثمَّ نَقله عَن هَؤُلَاءِ من بَين الْمشرق وَالْمغْرب وَكَانَت الْعَرَب بِلَا خلاف قوما لقاحاً لَا يملكهم أحد كمضر وَرَبِيعَة وإياد وقضاعة أَو ملوكاً فِي بِلَادهمْ يتوارثون الْملك كَابِرًا عَن كَابر كملوك الْيمن وعمان وَشهر بن بارام ملك صفا وَالْمُنْذر بن سَاوَى ملك الْبَحْرين وَالنَّجَاشِي ملك الْحَبَشَة وجعفر وعياذا بني الجلندي ملكي عمان فانقادوا كلهم لظُهُور الْحق وبهوره وآمنوا بِهِ ﷺ طَوْعًا وهم آلَاف آلَاف وصاروا إخْوَة كبني أَب وَأم وانحل كل من أمكنه الانحلال عَن ملكه مِنْهُم إِلَى رسله طَوْعًا بِلَا خوف غَزْو وَلَا إِعْطَاء مَال وَلَا يطْمع فِي عز بل كلهم أقوى جَيْشًا من جَيْشه وَأكْثر مَالا وسلاحا مِنْهُ وأوسع بَلَدا من بَلَده كذي الكلاع وَكَانَ ملكا متوجاً ابْن مُلُوك متوجين تسْجد لَهُ جَمِيع رَعيته يركب أَمَامه ألف عبد من عبيده سوى بني عَمه من حمير وَذي طليم وَذي زود وَذي مران وَذي عَمْرو وَغَيرهم كلهم مُلُوك متوجون فِي بِلَادهمْ هَذَا كُله أَمر لَا يجهله أحد من حَملَة الْأَخْبَار بل هُوَ مَنْقُول كنقل كَون بِلَادهمْ فِي موَاضعهَا وَهَكَذَا كَانَ إِسْلَام جَمِيع الْعَرَب أَوَّلهمْ كالأوس والخزرج ثمَّ سَائِرهمْ قَبيلَة قَبيلَة لما ثَبت عِنْدهم من آيَاته وبهرهم من معجزاته وَمَا اتبعهُ الْأَوْس والخزرج إِلَّا وَهُوَ فريد طريد قد نابذه قومه حسدا لَهُ إِذا كَانَ فَقِيرا لَا مَال لَهُ يَتِيما لَا أَب وَلَا أَخ وَلَا ابْن أَخ وَلَا ولد أُمِّيا لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب نَشأ فِي بِلَاد الْجَهْل يرْعَى غنم قومه بِأُجْرَة يتقوت بهَا فَعلمه الله تَعَالَى الْحِكْمَة دون معلم وَعَصَمَهُ من كل من أَرَادَهُ بِلَا حرس وَلَا حَاجِب وَلَا بواب وَلَا قصر يمْتَنع فِيهِ على كَثْرَة من أَرَادَ قَتله من شجعان الْعَرَب وفتاكهم كعامر بن الطُّفَيْل واربد بن جزءٍ وغورث بن الْحَارِث وَغَيرهم مَعَ إِقْرَار أعدائه بنبوته كمسيلمة وسجاح وطليحة وَالْأسود وَهُوَ مكذب لَهُم فَهَل بعد هَذَا برهَان أَو بعد هَذِه الْكِفَايَة من الله تَعَالَى كِفَايَة وَهُوَ لَا يَبْغِي دينا وَلَا يمني بهَا من اتبعهُ بل أنذر الْأَنْصَار بالأثرة عَلَيْهِم بعده وتابعوه على الصَّبْر على ذَلِك قَامَ لَهُ أَصْحَابه على قدم فَمَنعهُمْ وَأنكر ذَلِك عَلَيْهِم وأعلمهم أَن الْقيام لله تَعَالَى لَا لخلقه وَرَضوا بِالسُّجُود لَهُ فاستعظم ذَلِك وَأنْكرهُ إِلَّا لله وَحده وَلَا شكّ فِي أَن هَذِه لَيست صفة طَالب دنيا قطّ أصلا وَلَا صفة رَاغِب فِي غَلَبَة وَلَا بعد صَوت بل هَذِه حَقِيقَة النُّبُوَّة الْخَالِصَة لمن
стр. 228
كَانَ لَهُ أدنى فهم فَهَذَا هُوَ الْحق لَا مَا تدعيه النَّصَارَى من الْكَذِب البحت فِي أَن الْمُلُوك دخلُوا دينهم طَوْعًا وَقد كذبُوا فِي ذَلِك لِأَن أول ملك تنصر قسطنطين باني الْقُسْطَنْطِينِيَّة بعد نَحْو ثَلَاثمِائَة عَام من رفع الْمَسِيح ﵇ فَأَي معْجزَة صحت عِنْده بعد هَذِه الْمدَّة وَإِنَّمَا نصرته أمه لِأَنَّهَا كَانَت نَصْرَانِيَّة بنت نَصْرَانِيّ تعشقها أَبوهُ فَتَزَوجهَا هَذَا أَمر لَا تناكر بَين النَّصَارَى فِيهِ والنشأة لَا خَفَاء بِمَا تؤثره فِي الْإِنْسَان وَأما من اتبع النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُم اتَّبعُوهُ إِذْ بَلغهُمْ خَبره فِي حَيَاته ﵇ للآيات الَّتِي كَانَت لَهُ بِحَضْرَة جَمِيع أَصْحَابه كإعجاز الْقُرْآن وانشقاق الْقَمَر وَدُعَاء الْيَهُود إِلَى تمني الْمَوْت وإخبارهم بعجزهم عَن ذَلِك وَأَنَّهُمْ لَا يتمنونه أصلا والإنذار بالغيوب ونبعان عين تَبُوك فَهِيَ كَذَلِك إِلَى الْيَوْم ونبعان المَاء من بَين أَصَابِعه بِحَضْرَة الْعَسْكَر وإطعامه النَّفر الْكثير من طَعَام يسير مرَارًا جمة بِحَضْرَة الجموع وإخباره يَأْكُل الأرضة كل مَا فِي الصَّحِيفَة الْمَكْتُوبَة على بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب حاشى أَسمَاء الله تَعَالَى فَقَط وأنظاره بمصارع أهل بدر بِحَضْرَة الْجَيْش موضعا موضعا ولنور الْوَاقِع فِي سَوط الطُّفَيْل بن عَمْرو الدوسي وحنين الْجذع بِحَضْرَة جَمِيعهم وَدفع أَرْبَد عَنهُ قَضَاء غُرَمَاء جَابر من تمر يسير مَشى بجنبه وتزويد عمر وَأَرْبَعمِائَة رَاكب من تمر يسير بَقِي بجنبه ورميه هُوَ إِذن بِتُرَاب عَم عيونهم وَخُرُوجه بِحَضْرَة مائَة من قُرَيْش وهم لَا يرونه وَدخُول الْغَار وهم عَلَيْهِ لَا يرونه وَفتح الْبَاب فِي حجر صلد فِي جنب الْغَار لم يكن فِيهِ قطّ وَلَو كَانَ هُنَالك يَوْمئِذٍ لما أمكنه الاختفاء فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَين الْبَابَيْنِ إِلَّا أقل من ثَمَانِيَة أَذْرع وَهُوَ ظَاهر إِلَى الْيَوْم كل عَام وكل حِين يزوره أهل الأَرْض من الْمُسلمين وَلَو رام الْبَاب الثَّانِي فِي ذَلِك الْحجر أهل الأَرْض مَا قدرُوا على إزاحته سالما عَن مَكَانَهُ وَلَو كَانَ ذَلِك الْبَاب هُنَالك يَوْمئِذٍ لرآه الطالبون لَهُ بِلَا مؤونة لأَنهم لم يَكُونُوا إِلَّا جموع قُرَيْش لَعَلَّهُم ميثون كَثِيرَة وآثار رَأسه الْمُقَدّس فِي ذَلِك الْحجر وآثار كَتفيهِ ومعصمه وَظَاهر يَده بَاقٍ إِلَى الْيَوْم فعل الله تَعَالَى مَنْقُول نقل الكواف جيلاً عَن جيل وَرمي الْجمار الَّذِي ترميه مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله تَعَالَى كل عَام ثمَّ لَا يزِيد حجمه فِي ذَلِك الْموضع وَرمى الله تَعَالَى جَيش أَبْرَهَة صَاحب الْفِيل إِذْ غزا مَكَّة عَام مولده ﷺ بِالْحِجَارَةِ الْمُنكرَة بأيدي طير مُنكرَة وَنزلت فِي ذَلِك سُورَة من الْقُرْآن متلوة إِلَى الْيَوْم وَكَانَ ذَلِك ببركته ﵇ وإنذاراته وشكوى الْبَعِير إِلَيْهِ وإبراء عَيْني عَليّ من الرمد بِحَضْرَة الْجَمَاعَات فِي سَاعَة وسوخ قَوَائِم فرس سراقَة إِذْ تبعه ودور الشَّاة الَّتِي لَا لبن لَهَا مرَارًا وتسبيح الطَّعَام وَكَلَام الذِّئْب ومجيئه وَقَوله للْحكم إِذْ حُكيَ مشيته كن كَذَلِك فَلم يزل يرتعش إِلَى أَن مَاتَ وعائه للمطر قاتي للْوَقْت وَفِي الصحو فانجلى للْوَقْت وَظُهُور جِبْرِيل ﵇ مرَّتَيْنِ مرّة فِي صُورَة دحْيَة ثمَّ أَتَى دحْيَة بِحَضْرَة النَّاس وَأُخْرَى فِي صُورَة رجل لم يعرفهُ أحد وَلَا رُؤِيَ بعْدهَا وَقَوله إِذْ خطب بنت ابْن عَوْف بن الْحَارِث ابْن عَوْف بن أبي حارسة الْمُزنِيّ فَقَالَ لَهُ أَبوهَا أَن بهَا بَيَاضًا فَقَالَ لتكن كَذَلِك فبرصت فِي الْوَقْت وَهِي أم شبيب بن البرصاء الشَّاعِر الْمَشْهُور غير هَذَا كثير جدا مَعَ مَا ذكرنَا من أَن أول من تنصر
стр. 229
من الْمُلُوك قسطنطين بعد نَحْو ثَلَاثمِائَة سنة من رفع الْمَسِيح فو الله مَا قدر على إِظْهَار النصراينة حَتَّى رَحل عَن رُومِية مسيرَة شهر وَبني برنطية وَهِي قسطنطينية ثمَّ أجبر النَّاس على النصراينة بِالسَّيْفِ وَالعطَاء وَكَانَ من عهوده المحفوظة أَن لَا يولي ولَايَة إِلَّا من تنصر من النَّاس سراع إِلَى الدُّنْيَا نافرون عَن الْأَدْنَى وَكَانَ مَعَ هَذَا كُله على مَذْهَب أريوس لَا على التَّثْلِيث وَلَكِن هَذَا من دَعْوَى النَّصَارَى وكذبهم مُضَاف إِلَى مَا يَدعُونَهُ من أَنهم بعد هَذِه الْمدَّة الطَّوِيلَة وَبعد خراب بَيت الْمُقَدّس مرّة بعد أُخْرَى وبقائه خراباً لَا سَاكن فِيهِ نَحْو مِائَتي عَام وَسبعين عَاما وجدوا الشوك وضع الَّذِي على رَأس الْمَسِيح بزعمهم والمسامير الَّتِي ضربت فِي يَدَيْهِ وَالدَّم الَّذِي طَار من جنبه والخشبة الَّتِي صلب عَلَيْهَا فَلَا أَدْرِي مِمَّن الْعجب أممن اخترع مثل هَذِه الكذبة الغثة المفضوحة أم مِمَّن قبلهَا وَصدق بهَا ودان باعتقادها وصلب وَجهه للْحَدِيث بهَا لَيْت شعري أَيْن بَقِي ذَلِك الشوك وَذَلِكَ الدله سَالِمين وَتلك المسامير وَتلك الْخَشَبَة طول تِلْكَ الْمدَّة وَأهل ذَلِك مطرودون مقتولون كَقَتل من تستر بالزندقة الْيَوْم وَتلك الْمَدِينَة خراب الدهور الطوَال لَا يسكنهَا أحد إِلَّا السبَاع والوحش وَقد شاهدنا ملوكاً جلت لَهُم الأتباع ولأولاد الشيع والأقارب صلبوا فَمَا مَضَت مُدَّة يسيرَة حَتَّى لم يبْقى لتِلْك الْخشب أثر فَكيف أَمر لَا طَالب لَهُ وبدول قد انْقَطَعت وبلاد قد أقفرت وخلت ونسيت أَخْبَارهَا وَهَذِه الْبردَة الَّتِي كَانَت للنَّبِي ﷺ والقصعة وَالسيف على أَن الدولة مُتَّصِلَة لم تتخرم مُنْذُ حِينَئِذٍ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قد دخلت الدَّاخِلَة فِي الْقَصعَة وَالسيف حَتَّى لَا يَقِين عندنَا مِنْهُمَا الْيَوْم وَلَوْلَا تداول الْخُلَفَاء للباس الْبردَة أبدا الآبد فينقل أمرهَا جيلاً بعد جيل والمنبر كَذَلِك لما قَطعنَا عَلَيْهِمَا وَلَكِن التداول لَهما أمة بعد أمة وهما قائمان ظاهران للنَّاس هُوَ أوجب الْيَقِين بهما وَرفع الشَّك فيهمَا وَكَذَلِكَ كل مَا جرى هَذَا المجرى ثمَّ لم يلبث دين النَّصَارَى أَن مَاتَ قسطنطين أول من تنصر من مُلُوك الدُّنْيَا ثمَّ مَاتَ ابْنه قسطنطين وَولي ملك تِلْكَ النصراينة وَرجع إِلَى عبَادَة الْأَوْثَان إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ ولي رجل من أقَارِب قسطنطين فَرجع إِلَى النصراينة وَأما ديانَة الْيَهُود فَمَا صفت فِيهَا نَبَات بني إِسْرَائِيل ومُوسَى ﵇ حَيّ بَين أظهرهم وَمَا زَالُوا مائلين إِلَى إِظْهَار عبَادَة الْأَوْثَان ثمَّ تكذيبهم كلهم بالشريعة الَّتِي أَتَاهُم بهَا بعد مَوته ﵇ طبقَة بعد طبقَة إِلَى انْقِطَاع دولتهم فَكيف إِن يتبعهُ غَيرهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وبرهان ضَرُورِيّ لمن تدبره حسي لَا محيد عَنهُ وَهُوَ أَنه لَا خلاف بَين أحد من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْملَل فِي أَن بني إِسْرَائِيل كَانُوا بِمصْر فِي أَشد عَذَاب يُمكن أَن يكون من ذبح أَوْلَادهم تسخيرهم فِي عمل الطوب بِالضَّرْبِ الْعَظِيم والذل الَّذِي لَا يصبر عَلَيْهِ كلب مُطلق فَأَتَاهُم مُوسَى ﵇ يَدعُوهُم إِلَى فِرَاق هَذَا الْأسر الَّذِي قتل النَّفس أخف مِنْهُ وَإِلَى الْحُرِّيَّة وَالْملك وَالْغَلَبَة والأمن مَضْمُون مِمَّن هُوَ فِي أقل من تِلْكَ الْحَال أَن يُسَارع إِلَى كل من يطْمع على يَدَيْهِ بالفرج وَأَن يستجيب لَهُ إِلَى كل مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ وَإِن أَكثر من فِي هَذَا الْبلَاء يستخير عبَادَة
стр. 230
من أخرجه مِنْهُ لَا سِيمَا إِلَى الْعِزّ وَالْحُرْمَة وَكَانُوا أَيْضا أهل عَسْكَر مُجْتَمع وَبني عمر يُمكنهُم التواطؤ ثمَّ كَانُوا أهل بلد صَغِير جدا قد تكنفهم الْأَعْدَاء من كل جَانب وَأما عِيسَى ﵇ فَمَا اتبعهُ إِلَّا نَحْو اثْنَي عشر رجلا معروفين وَنسَاء قَلِيل وَعدد لَا يبلغ جَمِيعهم وَفِي جُمْلَتهمْ الاثنا عشر إِلَّا مائَة وَعشْرين فَقَط هَكَذَا فِي نَص إنجيلهم وَكَانُوا مشردين مطرودين غير ظَاهِرين وَلَا يقوم بِمثل هَؤُلَاءِ ضَرُورَة يَقِين الْعلم وَأما مُحَمَّد ﷺ فَلَا يخْتَلف أحد فِي مشرق الأَرْض وغربها أَنه ﵇ أَتَى إِلَى قوم لقاح لَا يقرونَ بِملك وَلَا يطيعون لأحد وَلَا ينقادون لرئيس نَشأ على هَذَا آباؤهم وأجدادهم وأسلافهم مُنْذُ أُلُوف من الأعوام قد سرى الْفَخر والعز والنخوة وَالْكبر وَالظُّلم والأنفة فِي طباعهم وهم أعداد عَظِيمَة قد ملؤا جَزِيرَة الْعَرَب وَهِي نَحْو شَهْرَيْن فِي شَهْرَيْن قد صَارَت طباعهم طباع السبَاع وهم أُلُوف الألوف قبائل وعشائر يتعصب بَعضهم لبَعض أبدا فَدَعَاهُمْ بِلَا مَال وَلَا اتِّبَاع بل خذله قومه إِلَى أَن ينحطوا من ذَلِك الْعِزّ إِلَى غرم الزَّكَاة وَمن الْحُرِّيَّة وَالظُّلم إِلَى جري الْأَحْكَام عَلَيْهِم وَمن طول الْأَيْدِي بقتل من أَحبُّوا وَأخذ مَال من أَحبُّوا إِلَى الْقصاص من النَّفس وَمن قطع الْأَعْضَاء وَمن اللَّطْمَة من أجل من فيهم لأَقل علج غَرِيب دخل فيهم وَإِلَى إِسْقَاط الأنفة وَالْفَخْر إِلَى ضرب الظُّهُور بالسياط أَو بالنعال إِن شربوا خمرًا أَو قذفوا إنْسَانا وَإِلَى الضَّرْب بِالسَّوْطِ وَالرَّجم بِالْحِجَارَةِ إِلَى أَن يموتوا إِن زنوا فانقاد أَكْثَرهم لكل ذَلِك طَوْعًا بِلَا طمع وَلَا غَلَبَة وَلَا خوف مَا مِنْهُم أحد أَخذ بِغَلَبَة إِلَّا مَكَّة وخيبر فَقَط وَمَا غزا قطّ غَزْوَة يُقَاتل فِيهَا إِلَّا تسع غزوات بَعْضهَا عَلَيْهِ وَبَعضهَا لَهُ فصح ضَرُورَة أَنهم إِنَّمَا آمنُوا بِهِ طَوْعًا لَا كرها وتبدلت طبعائهم بقدرة الله تَعَالَى من الظُّلم إِلَى الْعدْل وَمن الْجَهْل إِلَى الْعلم وَمن الْفسق وَالْقَسْوَة إِلَى الْعدْل الْعَظِيم الَّذِي لم يبلغهُ أكَابِر الفلاسفة وأسقطوا كلهم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم طلب الثأر وَصَحب الرجل مِنْهُم قَاتل ابْنه وَأَبِيهِ وأعدى النَّاس لَهُ صُحْبَة الْأُخوة المتحابين دون خوف يجمعهُمْ وَلَا رياسة ينفردون بهَا دون من أسلم من غَيرهم وَلَا مَال يتعجلونه فقد علم النَّاس كَيفَ كَانَت سيرة أبي بكر وَعمر ﵄ وَكَيف كَانَت طَاعَة الْعَرَب لَهما بِلَا رزق وَلَا عَطاء وَلَا غَلَبَة فَهَل هَذَا إِلَّا بِغَلَبَة من الله تَعَالَى على نُفُوسهم وقره لطباعهم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَو أنفقت مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مَا ألفت بَين قُلُوبهم وَلَكِن الله ألف بَينهم﴾ ثمَّ بَقِي ﵇ كَذَلِك بَين أظهرهم بِلَا حارس وَلَا ديوَان جند وَلَا بَيت مَال محروساً مَعْصُوما وَهَكَذَا نقلت آيَاته ومعجزاته فَإِنَّمَا يَصح من أَعْلَام الْأَنْبِيَاء الْمَذْكُورين مَا نقل عَنهُ ﵇ بِصِحَّة الطَّرِيق إِلَيْهِ وارتفاع دواعي الْكَذِب والعصبية جملَة عَن اتِّبَاعه فِيهِ فجمهورهم غرباء من غير قومه لم يمنهم بدنيا وَلَا وعدهم بِملك وَهَذَا لَا يُنكره أحد من النَّاس وَأَيْضًا فَإِن سيرة مُحَمَّد ﷺ لمن تدبرها تَقْتَضِي تَصْدِيقه ضَرُورَة وَتشهد لَهُ بِأَنَّهُ رَسُول الله ﷺ حَقًا فَلَو لم تكن لَهُ معْجزَة غير سيرته ﷺ لكفى وَذَلِكَ أَنه ﵇ نَشأ كَمَا قُلْنَا فِي بِلَاد الْجَهْل لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب وَلَا خرج عَن
стр. 231
تِلْكَ الْبِلَاد قطّ إِلَّا خرجتين أَحدهمَا إِلَى الشَّام وَهُوَ صبي مَعَ عَمه إِلَى أول أَرض الشَّام وَرجع وَالْأُخْرَى أَيْضا إِلَى أول الشَّام وَلم يطلّ بهَا الْبَقَاء وَلَا فَارق قومه قطّ ثمَّ أوطأ الله تَعَالَى رِقَاب الْعَرَب كلهَا فَلم تغير نَفسه وَلَا حَالَتْ سيرته إِلَى أَن مَاتَ وَدِرْعه مَرْهُونَة فِي شعير لقوت أَهله أصواع لَيست بالكثيرة وَلم يبت قطّ فِي ملكه دِينَار وَلَا دِرْهَم وَكَانَ يَأْكُل على الأَرْض مَا وجد ويخصف نَعله بِيَدِهِ ويرقع ثَوْبه ويؤثر على نَفسه وَقتل رجل من أفاضل أَصْحَابه مثل فَقده يهد عَسْكَر اقْتُل بَين أظهر أعدائه من الْيَهُود فَلم يتسبب إِلَى أَذَى أعدائه بذلك إِذْ لم يُوجب الله تَعَالَى لَهُ ذَلِك وَلَا توصل بذلك إِلَى دِمَائِهِمْ وَلَا إِلَى ذمّ وَاحِد مِنْهُم وَلَا إِلَى أَمْوَالهم بل فدَاه من عِنْد نَفسه بِمِائَة نَاقَة وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال مُحْتَاج إِلَى بعير وَاحِد يتقوى بِهِ وَهَذَا أَمر لَا تسمح بِهِ نفس ملك من مُلُوك الأَرْض وَأهل الدُّنْيَا من أَصْحَاب بيُوت الْأَمْوَال بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا يَقْتَضِي هَذَا أَيْضا ظَاهر السِّيرَة والسياسة فصح يَقِينا بِلَا شكّ أَنه إِنَّمَا كَانَ مُتبعا مَا أَمر بِهِ ربه كَانَ ذَلِك مضراً بِهِ فِي دُنْيَاهُ غَايَة الْإِضْرَار أَو كَانَ غير مُضر بِهِ وَهَذَا عجب لمن تدبره ثمَّ حَضرته الْمنية وأيقن بِالْمَوْتِ وَله عَم أَخُو أَبِيه هُوَ أحب النَّاس إِلَيْهِ وَابْن عَم هُوَ من أخص النَّاس بِهِ وَهُوَ أَيْضا زوج ابْنَته الَّتِي لَا ولد لَهُ غَيرهَا وَله مِنْهَا أبان ذكران وكلا الرجلَيْن الْمَذْكُورين عَمه وَابْن عَمه عِنْده من الْفضل وَالدّين والسياسة فِي الدُّنْيَا والبأس والحلم وخلال الْخَيْر مَا كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا حَقِيقا بسياسة الْعَالم كُله فَلم يحابهما وهما من أَشد النَّاس عناء عَنهُ ومحبة فِيهِ وَهُوَ من أحب النَّاس فيهمَا إِذْ كَانَ غَيرهمَا مُتَقَدما لَهما فِي الْفضل وَإِن كَانَا بعيد النّسَب مِنْهُ بل فوض الْأَمر إِلَيْهِ قَاصِدا إِلَى مر الْحق وَاتِّبَاع مَا أَمر بِهِ وَلم يُورث ورثته ابْنَته ونساءه وَعَمه فلسًا فَمَا فَوْقه وهم كلهم أحب النَّاس إِلَيْهِ وأطوعهم لَهُ وَهَذِه أُمُور لمن تأملها كَافِيَة مغنية فِي أَنه إِنَّمَا تصرف بِأَمْر الله تَعَالَى لَا بسياسة وَلَا بهوى فوضح بِمَا ذكرنَا وَالله الْحَمد كثيرا أَن نبوة مُحَمَّد ﷺ حق وَأَن شَرِيعَته الَّتِي أَتَى بهَا هِيَ الَّتِي وضحت براهينها واضطرت دلائلها إِلَى تصديقها وَالْقطع على أَنَّهَا الْحق الَّذِي لَا حق سواهُ وَأَنَّهَا دين الله تَعَالَى الَّذِي لَا دين لَهُ فِي الْعَالم غَيره وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين عدد خلقه ورضاء نَفسه وزنة عَرْشه ومداد كَلِمَاته على مَا وفقنا إِلَيْهِ من الْملَّة الإسلامية ثمَّ على مَا يسرنَا عَلَيْهِ من النحلة الجماعية السّنيَّة ثمَّ على مَا هدَانَا لَهُ من التدين وَالْعَمَل بِظَاهِر الْقُرْآن وبظاهر السّنَن الثَّابِتَة عَنهُ ﷺ عَن باعثه وَلم يجعلنا مِمَّن يُقَلّد أسلافه وأحباره دون برهَان قَاطع وَحجَّة قاهرة وَلَا مِمَّن يتبع الْأَهْوَاء المضلة الْمُخَالفَة لقَوْله وَقَول نبيه ﷺ لَا مِمَّن يحكم بِرَأْيهِ وظنه دون هدى من الله وَرَسُوله اللَّهُمَّ كَمَا ابتدأتنا بِهَذِهِ النِّعْمَة الجليلة فأتمها علينا وأصحابنا إِيَّاهَا وَلَا تخَالف بهَا عَنَّا حَتَّى تقبضنا إِلَيْك وَنحن متمسكون بهَا فنلقاك بهَا غير مبدلين وَلَا مغيرين اللَّهُمَّ آمين رب الْعَالمين وصل اللَّهُمَّ على مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك وخليلك وَخَاتم أنبيائك خَاصَّة وعَلى أنبيائك عَامَّة وعَلى ملائكتك كَافَّة وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
стр. 232
ذكر فُصُول يعْتَرض بهَا جهلة الْمُلْحِدِينَ على ضعفة الْمُسلمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِنَّا لما تدبرنا أَمر طائفتين مِمَّن شاهدنا فِي زَمَاننَا هَذَا ووجدناهما قد تفاقم الدَّاء بهما فَأَما إِحْدَاهمَا فقد جلت الْمُصِيبَة فِيهَا وَبهَا وهم قوم افتتحوا عنفوان فهمهم وابتدؤا دُخُولهمْ إِلَى المعارف بِطَلَب علم الْعدَد وابروته وطبائعه ثمَّ تدرجوا إِلَى تَعْدِيل الْكَوَاكِب وهيئة الأفلاك وَكَيْفِيَّة قطع الشَّمْس وَالْقَمَر والدراري الْخَمْسَة وتقاطع فلكي النيرين وَالْكَلَام فِي الأجرام العلوية وَفِي الْكَوَاكِب الثَّابِتَة وانتقالها وإبعاد كل ذَلِك وإعظامه وَفِيمَا دون ذَلِك من الطَّيِّبَات وعوارض الجو ومطالعة شَيْء من كتب الْأَوَائِل وحدودها الَّتِي نصبت فِي الْكَلَام وَمَا مازج بعض مَا ذكرنَا من آراء الفلاسفة فِي الْقَضَاء بالنجوم وَأَنَّهَا ناطقة مُدبرَة وَكَذَلِكَ الْفلك فَأَشْرَفت هَذِه الطَّائِفَة من أَكْثَرهَا مَا طالعت مِمَّا ذكرنَا على أَشْيَاء صِحَاح براهينها ضَرُورِيَّة لائحة وَلم يكن مَعهَا من قُوَّة الْمِنَّة وجودة القريحة وصفاء النّظر مَا تعلم بِهِ إِن من أصَاب فِي عشرَة آلَاف مَسْأَلَة مثلا فَجَائِز أَن يُخطئ فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة لَعَلَّهَا أسهل من الْمسَائِل الَّتِي أصَاب فِيهَا فَلم تفرق هَذِه الطَّائِفَة بَين مَا صَحَّ مِمَّا طلعوه بِحجَّة برهانية وَبَين مَا فِي أثْنَاء ذَلِك وتضاعيفه مِمَّا لم يَأْتِ عَلَيْهِ من ذكره من الْأَوَائِل إِلَّا بإقناع أَو بشغب وَرُبمَا بتقليد لَيْسَ مَعَه شَيْء مِمَّا ذكرنَا فحملوا كل مَا أشرفوا عَلَيْهِ محملًا وَاحِدًا وقبلوه قبولاً مستويا فسرى فيهم الْعجب وتداخلهم الزهو وظنوا أَنهم قد حصلوا على مباينة الْعَالم فِي ذَلِك وللشيطان موالج خُفْيَة ومداخل لَطِيفَة كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنه يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم فتوصل إِلَيْهِم من بَاب غامض نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَهُوَ أَنهم كَمَا ذكرنَا أصفار من كل شَيْء من عُلُوم الدّيانَة الَّتِي هِيَ الْغَرَض الْمَقْصُود من من كل ذِي لب بدوي وَالَّتِي هِيَ نتيجة الْعُلُوم الَّتِي طالعوا لَو عقلوا سبلها ومقاصدها فَلم يعبؤا بِآيَة من كتاب الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ جَامع علو الْأَوَّلين والآخرين وَالَّذِي لم يفرط فِيهِ من شَيْء وَالَّذِي من فهمه كَفاهُ وَلَا بِسنة من سنَن رَسُول الله ﷺ الَّتِي هِيَ بَيَان الْحق وَنور الْأَلْبَاب وَلم تلق هَذِه الطَّائِفَة الْمَذْكُورَة من حَملَة الدّين إِلَّا أَقْوَامًا لَا عناية عِنْدهم بِشَيْء مِمَّا قدمْنَاهُ وَإِنَّمَا عنيت من الشَّرِيعَة بِأحد ثَلَاثَة أوجه إِمَّا بِأَلْفَاظ ينقلون ظَاهرهَا وَلَا يعْرفُونَ مَعَانِيهَا وَلَا يهتمون بفهمها وَإِمَّا بمسائل من الْأَحْكَام لَا يشتغلون بديلها ومنبعثها وَإِنَّمَا حسبهم مِنْهَا مَا أَقَامُوا بِهِ جاههم وحالهم وَأما بخرافات منقولة عَن كل ضَعِيف وَكَذَّاب وساقط لم يهتموا قطّ بِمَعْرِِفَة صَحِيح مِنْهَا من سقيم وَلَا مُرْسل من مُسْند وَلَا مَا نقل عَن النَّبِي ﷺ مِمَّا نقل عَن كَعْب الْأَحْبَار أَو وهب بن مُنَبّه عَن أهل الْكتاب فَنَظَرت الطَّائِفَة الأولى من هَذِه الْآخِرَة بِعَين الاستهجان والاحتقار والاستهجان فَتمكن الشَّيْطَان مِنْهُم وَحل فيهم حَيْثُ أحب فهلكوا وَضَلُّوا واعتقدوا أَن دين الله تَعَالَى لَا يَصح مِنْهُ شَيْء وَلَا يقوم عَلَيْهِ دَلِيل فاعتقدوا أَكْثَرهم الْإِلْحَاد والتطعيل وسلك بَعضهم طَرِيق الاستخفاف والإهمال وإطراح ثقل الشَّرَائِع وَاسْتِعْمَال الْفَرَائِض والعبادات وآثروا الراحات وركوب
стр. 233
اللَّذَّات من أَنْوَاع الْفَوَاحِش الْمُحرمَات من الْخُمُور وَالزِّنَا واللواطة والبغاء وَترك الصَّلَوَات وَالصِّيَام وَالزَّكَاة وَالْحج وَالْغسْل وقصدوا كسب المَال كَيفَ تيَسّر وظلم الْعباد وَاسْتِعْمَال الأهزال وَترك الْجد وَالتَّحْقِيق وَتَدين الْأَقَل مِنْهُم بتعظيم الْكَوَاكِب فأسفت نفس الْمُسلم الناصح لهَذِهِ الْملَّة وَأَهْلهَا على هَلَاك هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين وخروجهم عَن جملَة الْمُؤمنِينَ بعد أَن غذوا بلبان الْإِسْلَام ونشؤا فِي حجور أَهله نسْأَل الله الْعِصْمَة من الضلال لنا ولأبنائنا وَلكُل إِخْوَاننَا من الْمُسلمين ونسأله تدارك من زلت قدمه وهوت نَقله أَنه على كل شَيْء قدير وَأما الطَّائِفَة الثَّانِيَة فهم قوم ابتدؤا الطّلب لحَدِيث النَّبِي ﷺ فَلم يزِيدُوا على طلب علو الْإِسْنَاد وَجمع الغرائب دون أَن يهتموا بِشَيْء مِمَّا كتبُوا أَو يعملوا بِهِ وَإِنَّمَا تَحملُوهُ حملا لَا يزِيدُونَ على قِرَاءَته دون تدبر مَعَانِيه وَدون أَن يعلمُوا أَنهم المخاطبون بِهِ وَأَنه لم يَأْتِ هملاً وَلَا قَالَه رَسُول الله ﷺ عَبَثا بل أمرنَا بالتفقه فِيهِ وَالْعَمَل بِهِ بل أَكثر هَذِه الطَّائِفَة لَا يعْمل عِنْدهم إِلَّا مَا جَاءَ من طَرِيق مقَاتل بن سُلَيْمَان وَالضَّحَّاك بن مُزَاحم وَتَفْسِير الْكَلْبِيّ وَتلك الطَّبَقَة وَكتب البذي الَّتِي إِنَّمَا هِيَ خرافات مَوْضُوعَات وأكذوبات مفتعلات وَلَدهَا الزَّنَادِقَة تدليساً على الْإِسْلَام وَأَهله فأطلقت هَذِه الطَّائِفَة كل اخْتِلَاط لَا يَصح من أَن الأَرْض على حوت والحوت على قرن ثَوْر والثور على صَخْرَة والصخرة على عاتق ملك وَالْملك على الظلمَة والظلمة على مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله وَهَذَا يُوجب أَن جرم الْعَالم غير متناه وَهَذَا هُوَ الْكفْر بِعَيْنِه فنافرت هَذِه الطَّبَقَة الَّتِي ذكرنَا كل برهَان وَلم يكن عِنْدهَا أَكثر من قَوْلهم نهينَا عَن الْجِدَال فليت شعري من نَهَاهُم عَنهُ وَالله يَقُول فِي كِتَابه الْمنزل على نبيه الْمُرْسل ﷺ ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ وَأخْبر تَعَالَى عَن قوم نوح أَنهم قَالُوا ﴿يَا نوح قد جادلتنا فَأَكْثَرت جدالنا﴾ وَقد نَص تَعَالَى فِي غير مَوضِع من كِتَابه على أصُول الْبَرَاهِين وَقد نبهنا عَلَيْهَا فِي غير مَا مَوضِع من كتَابنَا هَذَا وحض تَعَالَى على التفكير فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَا يَصح الِاعْتِبَار فِي خلقهما إِلَّا بِمَعْرِِفَة هيآتهما وانتقال الْكَوَاكِب فِي أفلاكهما وَاخْتِلَاف حركاتها فِي التَّغْرِيب والتشريق وأفلاك تداويرها وتعارض تِلْكَ الأدوار على رُتْبَة وَاحِدَة وَكَذَلِكَ معرفَة الدَّوَائِر والمنطقة والميل والاستواء وَكَذَلِكَ معرفَة الطبائع وامتزاج العناصر الْأَرْبَعَة وعوارضها وتركيب أَعْضَاء الْحَيَوَان من عصبه وعضله وعظامه وعروقه وشرايينه واتصال أَعْضَائِهِ بَعْضهَا بِبَعْض وَقواهُ المركبة فَمن أشرف على ذَلِك وَعلمه رَأْي عَظِيم الْقُدْرَة وتيقن أَن كل ذَلِك صَنْعَة ظَاهِرَة وَإِرَادَة خَالق مُخْتَار لِأَن اخْتِلَاف تِلْكَ الحركات يضْطَر إِلَى الْمعرفَة بِأَن شَيْئا مِنْهَا لَا يقوم بِنَفسِهِ دون مُمْسك مُدبر لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَلَا خَالق سواهُ وَلَا مُدبر حاشاه وَلَا فَاعل مخترع إِلَّا هُوَ ثمَّ زَاد قوم مِنْهُم فَأتوا بالأفيكة الَّتِي تقشعر مِنْهَا الذوائب وَهِي إِن أطْلقُوا أَن الدّين لَا يُؤْخَذ بِحجَّة فأقروا عُيُون الْمُلْحِدِينَ وشهدوا أَن الدّين لَا يثبت إِلَّا بالدعاوى وَالْغَلَبَة وَهَذَا خلاف قَوْله ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فانفذوا لَا تنفذون إِلَّا بسُلْطَان﴾ هَذَا قَول الله وَمَا جَاءَ بِهِ نبيه صلى الله عَلَيْهِ
стр. 234
وَسلم وَفِي ذَلِك الْكِفَايَة والغنا عَن قَول كل قَائِل بعده وَقد حَاج ابْن عَبَّاس الْخَوَارِج وَمَا علمنَا أحدا من الصَّحَابَة ﵃ نهى عَن الِاحْتِجَاج فَلَا معنى لرأي من جَاءَ بعدهمْ فَكَانَ كَلَام هَذِه الطَّائِفَة مغرياً للطائفة الأولى بكفرها ومغطا لَهُم لشركهم إِذْ لم يرَوا فِي خصومهم فِي الْأَغْلَب إِلَّا من هَذِه صفته ثمَّ زَادَت هَذِه الطَّائِفَة الثَّانِيَة غلواً فِي الْجُنُون فعابوا كتبنَا لَا علم لَهُم بهَا وَلَا طالعوها وَلَا رَأَوْا مِنْهَا كلمة وَلَا قراؤها وَلَا أخْبرهُم عَن مَا فِيهَا ثِقَة كالكتب الَّتِي فِيهَا هَيْئَة الأفلاك ومجاري النُّجُوم والكتب الَّتِي جمعهَا أرسطاطاليس فِي حُدُود الْكَلَام
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه الْكتب كلهَا كتب سَالِمَة مفيدة دَالَّة على تَوْحِيد الله وَقدرته عَظِيمَة الْمَنْفَعَة فِي انتقاد جَمِيع الْعُلُوم وَعظم مَنْفَعَة الْكتب الَّتِي ذكرنَا فِي الْحُدُود فَفِي مسَائِل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة بهَا يعْتَرف كَيفَ التَّوَصُّل إِلَى الاستنباط وَكَيف تُؤْخَذ الْأَلْفَاظ على مقتضاها وَكَيف يعرف الْخَاص من الْعَام والمجمل من الْمُفَسّر وَبِنَاء الْأَلْفَاظ بَعْضهَا على بعض وَكَيف تَقْدِيم الْمُقدمَات وإنتاج النتائج وَمَا يَصح من ذَلِك صِحَة ضَرُورِيَّة أبدا وَمَا يَصح مرّة وَمَا يبطل أُخْرَى وَمَا لَا يَصح الْبَتَّةَ وَضرب الْحُدُود الَّتِي من شَذَّ عَنْهَا كَانَ خَارِجا عَن أَصله وَدَلِيل الْخطاب وَدَلِيل الاستقراء وَغير ذَلِك مِمَّا لَا غناء بالفقيه الْمُجْتَهد لنَفسِهِ وَلأَهل مِلَّته عَنهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَلَمَّا رَأينَا عَظِيم المحنة فِيمَا تولد فِي الطَّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذكرنَا رَأينَا من عَظِيم الْأجر وَأفضل الْعَمَل بَيَان هَذَا الْبَاب الْمُشكل بحول الله تَعَالَى وَقدرته وتأييده فَنَقُول وَبِه نتأيد ونستعين إِن كل مَا صَحَّ ببرهان أَي شَيْء كَانَ فَهُوَ فِي الْقُرْآن وَكَلَام النَّبِي ﷺ مَنْصُوص مسطور يُعلمهُ كل من أحكم النّظر وأيده الله تَعَالَى بفهم وَأما كل مَا عدا ذَلِك مِمَّا لَا يَصح ببرهان وَإِنَّمَا هُوَ إقناع أَو شغب فالقرآن وَكَلَام النَّبِي ﷺ مِنْهُ خاليان وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ومعاذ الله أَن يَأْتِي كَلَام الله وَكَلَام نبيه ﷺ بِمَا يُبطلهُ عيان أَو برهَان إِنَّمَا ينْسب هَذَا إِلَى الْقُرْآن وَالسّنة من لَا يُؤمن بهما وَيسْعَى فِي إبطالهما ﴿ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ﴾ ولسنا من تَفْسِير الْكَلْبِيّ الْكذَّاب وَمن جرى مجْرَاه فِي شَيْء وَلَا نَحن من نقل المتهمين فِي شَأْن إِنَّمَا نحتج بِمَا نَقله الْأَئِمَّة الثقاة الْأَثْبَات من رُؤَسَاء الْمُحدثين مُسْندًا فَمن فتش الحَدِيث الصَّحِيح وجد فِيهِ كل مَا قُلْنَاهُ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَإِنَّمَا الْبَاطِل مَا ادَّعَتْهُ الطَّائِفَة الأولى من نطق الْكَوَاكِب وتدبيرها وَهَذَا كفر لَا حجَّة عِنْدهم على مَا قَالُوهُ مِنْهُ أَكثر من أَن المحتج لَهُم قَالَ لما كُنَّا نعقل وَكَانَت الْكَوَاكِب تدبرنا كَانَت أولى بِالْعقلِ منا وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ لَيْسَ بِشَيْء لِأَن الْكَوَاكِب وَإِن كَانَ لَهَا تَأْثِير فِي الْعَالم ظَاهر فَلَيْسَ تأثيرها تَأْثِير ملك وَاخْتِيَار يدل على ذَلِك مَا قد ذَكرْنَاهُ فِي كتَابنَا هَذَا من الدَّلَائِل على أَن الْكَوَاكِب مضطرة لَا مختارة وَإِنَّمَا تأثيرها كتأثير النَّار بالإحراق وَالْمَاء بالتبريد والسم بإفساد المزاج وَالطَّعَام بالتغذية
стр. 235
والفلفل بحذو الْإِنْسَان والإهليلج بِالْقَبْضِ للفم وَمَا جرى هَكَذَا من سَائِر مَا فِي الْعَالم وكل ذَلِك غير نَاطِق وَالْكَوَاكِب والأفلاك جَارِيَة هَذَا المجرى لِأَن تأثيرها وَاحِد لَا يخْتَلف وحركتها حَرَكَة وَاحِدَة لَا تخْتَلف وَلَيْسَ كَذَلِك المختارة وَلَقَد قَالَ لي بَعضهم وَقد عارضته بِهَذَا أَن الْمُخْتَار الْفَاضِل يلْزم أفضل الحركات فَلَا يتعداها وَتلك الْحَرَكَة الدورية هِيَ أفضل الحركات فَقلت لَهُ وَمَا دليلك على أَن تِلْكَ الْحَرَكَة أفضل الحركات وَمن أَيْن صَارَت الْحَرَكَة من شَرق إِلَى غرب أَو من غرب إِلَى شَرق أفضل من الْحَرَكَة من جنوب إِلَى شمال وَمن شمال إِلَى جنوب وَكَيف يكون عنْدكُمْ أفضل الحركات والأفلاك الثَّمَانِية تنْتَقل من غرب إِلَى شَرق وَالتَّاسِع من شَرق إِلَى غرب فَأَي هَاتين الحركتين قُلْتُمْ أَنَّهَا أفضل عنْدكُمْ وَقد اختا الآخر الْحَرَكَة الَّتِي لَيست أفضل فَظهر فَسَاد هَذَا القَوْل بِيَقِين وَهَذِه دعاوي مُجَرّدَة بِلَا برهَان وَمَا كَانَ هَكَذَا فقد سقط وَلَا فرق بَيْنك وَبَين من قَالَ بل الْحَرَكَة علو أفضل أَو على خطّ مُسْتَقِيم سائرة وراجعة وَنحن نجد تِلْكَ الأجرام تسفل فِي بعض ممراتها وتشرف فِي بعض وَتسقط فِي بعض على قَوْلكُم وتوافق بزعمكم بِروح نحس مظْلمَة وَأُخْرَى نيرة سعيدة وَبَعض الأفلاك يقطع من غرب إِلَى شَرق وَهُوَ حَرَكَة جَمِيعهَا إِلَّا الْأَعْلَى مِنْهَا فَإِنَّهُ يَتَحَرَّك من شَرق إِلَى غرب فَلَيْسَتْ هَذِه أفضل الحركات فَبَطل قَوْلهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَكَذَلِكَ مَا ذكره من ذكر ذَلِك مِنْهُم من الكرور عِنْد انْتِهَاء آلَاف من الأعوام ذكروها وانتصاب الْكَوَاكِب الثَّابِتَة على نصبٍ مَا من قطعهَا لفلكها فَهَذَا أَيْضا كذب مُجَرّد وَدَعوى سَاقِطَة لَا دَلِيل عَلَيْهَا وَلَا يعجز عَن مثلهَا أحد وَلم يَأْتُوا على شيءٍ من ذَلِك بشغب وَلَا بإقناع فَكيف ببرهان وَإِنَّمَا هُوَ تَقْلِيد لبَعض قدماء الصائبين فَمثل هَذِه الحماقات والخرافات هِيَ الَّذِي دَفعته الشَّرِيعَة الإسلامية وأبطلته وَأما مَا قَامَت عَلَيْهِ الْبَرَاهِين فَهُوَ فِي الْقُرْآن وَالسّنة مَوْجُود نَصه واستدلالاً ضَرُورِيًّا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
مطلب بَيَان كروية الأَرْض
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا حِين نَأْخُذ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي ذكر بعض مَا اعْترضُوا بِهِ وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا إِن الْبَرَاهِين قد صحت بِأَن الأَرْض كروية والعامة تَقول غير ذَلِك وجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين الْمُسْتَحقّين لاسم الْإِمَامَة بِالْعلمِ ﵃ لم ينكروا تكوير الأَرْض وَلَا يحفظ لأحد مِنْهُم فِي دَفعه كلمة بل الْبَرَاهِين من الْقُرْآن وَالسّنة قد جَاءَت بتكويرها قَالَ الله ﴿يكور اللَّيْل على النَّهَار ويكور النَّهَار على اللَّيْل﴾ وَهَذَا أوضح بَيَان فِي تكوير بَعْضهَا على بعض مَأْخُوذ من كور الْعِمَامَة وَهُوَ إدارتها وَهَذَا نَص على تكوير الأَرْض ودوران الشَّمْس كَذَلِك وَهِي الَّتِي مِنْهَا يكون ضوء النَّهَار بإشراقها وظلمة اللَّيْل بمغيبها وَهِي آيَة النَّهَار بِنَصّ الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا آيَة النَّهَار مبصرة﴾ فَيُقَال لمن أنكر مَا جهل من ذَلِك من الْعَامَّة ألبس إِنَّمَا افْترض الله علينا أَن نصلي الظّهْر إِذا زَالَت الشَّمْس فَلَا بُد من نعم فَيسْأَلُونَ عَن معنى زَوَال الشَّمْس
стр. 236
فَلَا بُد من أَنه إِنَّمَا هُوَ انْتِقَال الشَّمْس عَن مُقَابلَة من قَابل بِوَجْهِهِ القرص واستقبل بِوَجْهِهِ وَأَنْفه وسط الْمسَافَة الَّتِي بَين مَوضِع طُلُوع الشَّمْس وَبَين مَوضِع غُرُوبهَا فِي كل زمَان وكل مَكَان وَأَخذهَا إِلَى جِهَة حَاجِبه الَّذِي يَلِي مَوضِع غرُوب الشَّمْس وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي أول النّصْف الثَّانِي من النَّهَار وَقد علمنَا أَن المداين من معمور الأَرْض آخذة على أديمها من مشرق إِلَى مغرب وَمن جنوب إِلَى شمال فَيلْزم من قَالَ أَن الأَرْض منتصبة إِلَّا على غير مكورة أَن كل من كَانَ سَاكِنا فِي أول الْمشرق أَن يُصَلِّي الظّهْر فِي أول النَّهَار ضَرُورَة وَلَا بُد إِثْر صَلَاة الصُّبْح بِيَسِير لِأَن الشَّمْس بِلَا شكّ تَزُول عَن مُقَابلَة مَا بَين حاجبي كل وَاحِد مِنْهُم فِي أول النَّهَار ضَرُورَة وَلَا بُد أَن كَانَ الْأَمر على مَا تَقولُونَ وَلَا يحل لمُسلم أَن يَقُول إِن صَلَاة الظّهْر تجوز أَن تصلى قبل نصف النَّهَار ويلزمهم أَيْضا أَن من كَانَ سَاكِنا فِي آخر الْمغرب إِن الشَّمْس لَا تَزُول عَن مُقَابلَة مَا بَين حاجبي كل وَاحِد مِنْهُم إِلَّا فِي آخر النَّهَار فَلَا يصلونَ الظّهْر إِلَّا فِي وَقت لَا يَتَّسِع لصَلَاة الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس وَهَذَا خَارج عَن حكم دين الْإِسْلَام وَأما من قَالَ بتكويرها فَإِن كل من على ظهر الأَرْض لَا يُصَلِّي الظّهْر إِلَّا إِثْر انتصاف نَهَاره أبدا على كل حَال وَفِي كل زمَان وَفِي كل مَكَان وَهَذَا بَين لَا خَفَاء فِيهِ وَقَالَ ﴿سبع سماوات طباقاً﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد خلقنَا فَوْقكُم سبع طرائق﴾ وَهَكَذَا قَامَ الْبُرْهَان من قبل كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر بعض الدراري لبَعض على أَنَّهَا سبع سموات وعَلى أَنَّهَا طرائق وَقَوله تَعَالَى طرائق يَقْتَضِي متطرقاً فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَهَذَا نَص مَا قَامَ عَلَيْهِ الْبُرْهَان من انطباق بَعْضهَا على بعض وإحاطة الْكُرْسِيّ بالسموات السَّبع وبالأرض وَقَالَ رَسُول الله ﷺ فاسألوا الله الفردوس الْأَعْلَى فَإِنَّهُ وسط الْجنَّة وَأَعْلَى الْجنَّة وَفَوق ذَلِك عرش الرَّحْمَن وَقَالَ تَعَالَى الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى وَأخْبر هَذَانِ النصان بِأَن مَا على الْعَرْش هُوَ منتهي الْخلق وَنِهَايَة الْعلم وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا زينا السَّمَاء الدُّنْيَا بزينة الْكَوَاكِب وحفظاً من كل شَيْطَان مارد﴾ وَهَذَا هُوَ نَص مَا قَامَ الْبُرْهَان عَلَيْهِ من أَن الْكَوَاكِب المرمي بهَا هِيَ دون سَمَاء الدُّنْيَا لِأَنَّهَا لَو كَانَت فِي السَّمَاء لَكَانَ الشَّيَاطِين يصلونَ إِلَى السَّمَاء أَو كَانَت هِيَ تخرج عَن السَّمَاء وَإِلَّا فَكَانَت تِلْكَ الشهب لَا تصل إِلَيْهِم إِلَّا بذلك وَقد صَحَّ أَنهم ممنوعون من السَّمَاء بالرجوم فصح أَن الرجوم دون السَّمَاء وَأَيْضًا فَإِن تِلْكَ الرجوم لَيست نجوماً مَعْرُوفَة أصلا وَإِنَّمَا هِيَ شهب ونيازك من نَار تتكوكب وتشتعل وتطفأ وَلَا نَار فِي السَّمَوَات أصلا فَلم نجد الِاخْتِلَاف إِلَّا فِي الْأَسْمَاء لاخْتِلَاف اللُّغَات وَقد اعْترض القَاضِي مُنْذر بن سعيد فِي هَذَا فَجعل الأفلاك غير السَّمَوَات
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا برهَان على مَا ذكر إِلَّا أَنه قَالَ إِن السَّمَوَات هِيَ فَوق الأَرْض فَلَو كَانَت السَّمَوَات مُحِيطَة بِالْأَرْضِ لَكَانَ بعض السَّمَوَات تَحت الأَرْض وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَن التحت والفوق من بَاب الْإِضَافَة لَا يُقَال فِي شَيْء تَحت إِلَّا وَهُوَ فَوق لشَيْء آخر حاشى مَرْكَز الأَرْض فَإِنَّهُ تَحت مُطلق لَا تَحت لَهُ الْبَتَّةَ وَكَذَلِكَ كل مَا قيل فِيهِ أَنه فَوق فَهُوَ أَيْضا تَحت لشَيْء آخر حاشى الصفحة الْعليا من
стр. 237
الْفلك إِلَّا على الْمَقْسُوم بقسمة البروج فَهِيَ فَوق لَا فَوق لَهَا الْبَتَّةَ فالأرض على هَذَا الْبُرْهَان الشَّاهِد هِيَ مَكَان التحت فِي السَّمَوَات ضَرُورَة فَمن حَيْثُ كَانَت السَّمَاء فَهِيَ فَوق الأَرْض وَمن حَيْثُ قابلتها الأَرْض فَهِيَ تَحت السَّمَاء وَلَا بُد وَحَيْثُ مَا كَانَ ابْن آدم فرأسه إِلَى السَّمَاء وَرجلَاهُ إِلَى الأَرْض وَقد قَالَ الله ﴿ألم تروا كَيفَ خلق الله سبع سماوات طباقاً وَجعل الْقَمَر فِيهِنَّ نورا وَجعل الشَّمْس سِرَاجًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿جعل فِي السَّمَاء بروجاً وَجعل فِيهَا سِرَاجًا وقمراً منيراً﴾ فَأخْبر الله تَعَالَى أَخْبَار لَا يردهُ إِلَّا كَافِر بِأَن الْقَمَر فِي السَّمَاء وَأَن الشَّمْس أَيْضا فِي السَّمَاء ثمَّ قد قَامَ الْبُرْهَان الضَّرُورِيّ الْمشَاهد بالعيان على دورانها حول الأَرْض من مشرق إِلَى مغرب ثمَّ من مغرب إِلَى مشرق فَلَو كَانَ على مَا يظنّ أهل الْجَهْل لكَانَتْ الشَّمْس وَالْقَمَر إِذْ دَارا بِالْأَرْضِ وصارا فِيمَا يُقَابل صفحة الأَرْض الَّتِي لسنا عَلَيْهَا قد خرجا عَن السَّمَاء وَهَذَا تَكْذِيب لله تَعَالَى فصح بِهَذَا أَنه لَا يجوز أَن يقارق الشَّمْس وَالْقَمَر السَّمَوَات وَلَا أَن يخرجَا عَنْهَا لِأَنَّهُمَا كَيفَ دَارا فهما فِي السَّمَوَات فصح ضَرُورَة أَن السَّمَوَات مُطَابقَة طباقاً على الأَرْض وَأَيْضًا فقد نَص تَعَالَى كَمَا ذكرنَا على أَن الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم فِي السَّمَوَات ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وكلٌ فِي فلك يسبحون﴾ وبالضرورة علمنَا أَنه لَا يُمكن أَن يكون جرم فِي وَقت وَاحِد فِي مكانين فَلَو كَانَت السَّمَوَات غير الأفلاك وَكَانَت الشَّمْس وَالْقَمَر بِنَصّ الْقُرْآن فِي السَّمَوَات وَفِي الْفلك لكانا فِي مكانيين فِي وَقت غير متداخلين وَاحِد وَهَذَا محَال مُمْتَنع وَلَا ينْسب القَوْل بالمحال إِلَى الله إِلَّا أعمى الْقلب فصح أَن الشَّمْس فِي مَكَان وَاحِد وَهُوَ سَمَاء وَهُوَ فلك وَهَكَذَا القَوْل فِي الْقَمَر وَفِي النُّجُوم وَقَوله تَعَالَى وكلٌ فِي فلك يسبحون نَص جلي على الاستدارة لِأَنَّهُ أخبر تَعَالَى أَن الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم سابحة فِي الْفلك وَلم يخبر تَعَالَى أَن لَهَا سكوناً فَلَو لم تستدر لكَانَتْ على أباد الدهور بل فِي الْأَيَّام الْيَسِيرَة تغيب عَنَّا حَتَّى لَا نرَاهَا أبدا لَو مشت على طَرِيق وَاحِد وَخط وَاحِد مُسْتَقِيم أَو معوج غير مستدير لَكنا أمامها أبدا وَهَذَا بَاطِل فصح بِمَا نرَاهُ من كرورها من شَرق إِلَى عرب وَغرب إِلَى شَرق أَنَّهَا دَائِرَة ضَرُورَة وَكَذَلِكَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذْ سُئِلَ عَن قَول الله تَعَالَى ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقرٍ لَهَا﴾ فَقَالَ ﵇ مستقرها تَحت الْعَرْش وَصدق ﷺ لِأَنَّهَا أبدا تَحت الْعَرْش إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقد علمنَا أَن مُسْتَقر الشَّيْء هُوَ مَوْضِعه الَّذِي يلْزم فِيهِ وَلَا يخرج عَنهُ وَإِن مَشى فِيهِ من جَانب إِلَى جَانب حَدثنَا أَحْمد بن عمر بن أنس العذري ثَنَا عبد الله بن أَحْمد الْهَرَوِيّ حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن حمويه السَّرخسِيّ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن خُزَيْمٌ ثَنَا عبد بن حميد حَدثنِي سُلَيْمَان بن حَرْب الواسحي ثَنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن اياسي بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ قَالَ السَّمَاء مقببة هَكَذَا على الأَرْض وَبِه إِلَى عبد بن حميد ثَنَا يحيى بن عبد الحميد عَن يَعْقُوب عَن جَعْفَر هُوَ ابْن أبي وحشية عَن سعيد بن حبير قَالَ جَاءَ رجل إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ أَرَأَيْت قَول الله ﴿سبع سماوات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس هن ملتويات بَعضهنَّ على بعض
стр. 238
حَدثنَا عبد الله بن ربيع التَّمِيمِي ثَنَا مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة الْقرشِي حَدثنَا أَبُو يحيى زَكَرِيَّا بن يحيى السَّاجِي الْبَصْرِيّ قَالَ أَنبأَنَا عبد الْأَعْلَى وَمُحَمّد بن الْمثنى وَسَلَمَة بن صبيب قَالُوا كلهم ثَنَا وهب بن جرير بن حَازِم قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْحَاق يحدث عَن يَعْقُوب ين عتبَة وَجبير بن مُحَمَّد بن جنير بن مطعم عَن أَبِيه عَن جده قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله جهدت الْأَنْفس وَضاع الْعِيَال ونهكت الْأَمْوَال وَهَلَكت الْأَنْعَام فاستسق الله لنا فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ وَفِيه أَنه ﷺ قَالَ للأعرابي وَيحك تَدْرِي مَا الله إِن عَرْشه على سمواته وأرضه هَكَذَا وَقَالَ بأصابعه مثل الْقبَّة وَوصف لَهُم ابْن جرير بِيَدِهِ وأمال كَفه وأصابعه الْيُمْنَى وَقَالَ هَكَذَا حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد بن نَبَات ثَنَا أَحْمد بن عون الله وَأحمد بن عبد الْبَصِير قَالَا جَمِيعًا أَنبأَنَا قَاسم بن اصبع ثَنَا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الخثني ثَنَا مُحَمَّد بن بشار بنْدَار ثَنَا عبد الصَّمد الْوَارِث التنوري ثَنَا شُعْبَة عَن الْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان ابْن مُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كل فِي فلك يسبحون فلك كفلك المغزل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَذكروا أَيْضا قَول لله عَن ذِي القرنين وجدهَا تغرب فِي عين حمئة وقريء أَيْضا حامية قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا هُوَ الْحق بِلَا شكّ وَذُو القرنين هُوَ كَانَ فِي الْعين الحمئة الحامية حمئة من حماتها حامية من استحرارها كَمَا تَقول رَأَيْتُك فِي الْبَحْر تُرِيدُ أَنَّك إِذْ رَأَيْته كنت أَنْت فِي الْبَحْر وبرهان هَذَا أَن مغرب الشَّمْس لَا يجهل مِقْدَار عَظِيم مساحته إِلَّا جَاهِل وَمِقْدَار مَا بَين أول مغْرِبهَا الشتوي إِذا كَانَت من آخر رَأس الجدي إِلَى آخر مغْرِبهَا الصيفي إِذا كَانَت من رَأس السرطان مرئيٌّ مشَاهد ومقداره ثَمَان وَأَرْبَعُونَ دَرَجَة من الْفلك وَهُوَ يوازي من الأَرْض كلهَا بالبرهان الهندسي أقل من مِقْدَار السُّدس يكون من الأميال نَحْو ثَلَاثَة آلَاف ميل ونيف وَهَذِه المساحة لَا يَقع عَلَيْهَا فِي اللُّغَة اسْم عين الْبَتَّةَ لَا سِيمَا أَن تكون عينا حمئة حامية وباللغة الْعَرَبيَّة خوطبنا فَلَمَّا تَيَقنا أَنَّهَا عين بِإِخْبَار الله الصَّادِق الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه علمنَا يَقِينا أَن ذَا القرنين انْتهى بِهِ السّير فِي الْجِهَة الَّتِي مَشى فِيهَا من المغارب إِلَى الْعين الْمَذْكُورَة وَانْقطع لَهُ إِمْكَان الْمَشْي بعْدهَا لاعتراض الْبحار لَهُ هُنَالك وَقد علمنَا بِالضَّرُورَةِ أَن ذَا القرنين وَغَيره من النَّاس لَيْسَ يشغل من الأَرْض إِلَّا مِقْدَار مساحة جِسْمه فَقَط قَائِما أَو قَاعِدا أَو مُضْطَجعا وَمن هَذِه صفته فَلَا يجوز لَهُ أَن يُحِيط بَصَره من الأَرْض بِمِقْدَار مَكَان المغارب كلهَا لَو كَانَ مغيبها فِي عين من الأَرْض كَمَا يظنّ أهل الْجَهْل وَلَا بُد من أَن يلقى خطّ بَصَره من حدبة الأَرْض أَو من نثر من أنشازها مَا يمْنَع الْخط من التَّمَادِي إِلَى أَن يَقُول قَائِل إِن تِلْكَ الْعين هِيَ الْبَحْر فَلَا يجوز أَن يُسمى الْبَحْر فِي اللُّغَة عينا حمئة وَلَا حامية وَقد أخبر الله أَن الشَّمْس تسبح فِي الْفلك وَأَنَّهَا إِنَّمَا هِيَ من الْفلك سراج وَقَول الله تَعَالَى هُوَ الصدْق الَّذِي لَا يجوز أَن يخْتَلف وَلَا يتناقض فَلَو غَابَتْ فِي عين فِي الأَرْض كَمَا يظنّ
стр. 239
أهل الْجَهْل أَو فِي الْبَحْر لكَانَتْ الشَّمْس قد زَالَت عَن السَّمَاء وَخرجت عَن الْفلك وَهَذَا هُوَ الْبَاطِل الْمُخَالف لكَلَام الله حَقًا نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك فصح يَقِينا بِلَا شكّ أَن ذَا القرنين كَانَ هُوَ فِي الْعين الحمئة الحامية حِين انْتهى من آخر فِي الْبر وَفِي المغارب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق لَا سِيمَا مَعَ مَا قَامَ الْبُرْهَان عَلَيْهِ من أَن جرم الشَّمْس أكبر من جرم الأَرْض وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
وبرهان آخر قَاطع وَهُوَ قَول الله ﴿وجدهَا تغرب فِي عين حامية﴾ وقري ﴿حمئة﴾ وَوجد عِنْدهَا قوما فصح ضَرُورَة أَنه وجد الْقَوْم عِنْد الْعين لَا عِنْد الشَّمْس وَقَالَ الله ﴿وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقد صَحَّ الْإِجْمَاع وَالنَّص على أَن أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم فِي الْجنَّة إِلَّا فِي قَول من لَا يعد من جملَة أهل الْإِسْلَام مِمَّن يَقُول بِفنَاء الْأَرْوَاح وَأَنَّهَا أَعْرَاض وَكَذَلِكَ أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي الْجنَّة وَأخْبر رَسُول الله ﷺ أَنه رَآهُمْ لَيْلَة أسرِي بِهِ فِي السَّمَوَات سَمَاء سَمَاء آدم فِي سَمَاء الدُّنْيَا وَعِيسَى وَيحيى فِي الثَّانِيَة ويوسف فِي الثَّالِثَة وَإِدْرِيس فِي الرَّابِعَة وَهَارُون فِي الْخَامِسَة ومُوسَى وَإِبْرَاهِيم فِي السَّادِسَة وَالسَّابِعَة صلى الله على جَمِيعهم وَسلم فصح ضَرُورَة أَن السَّمَوَات هِيَ الجنات وَقد قَالَ ﵇ أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء طير أَخْضَر تعلق فِي ثمار الْجنَّة وَمن الْمحَال الْمُمْتَنع الَّذِي لَا يَظُنّهُ مُسلم أَن تكون أَرْوَاح الشُّهَدَاء طيور خضر فِي الْجنَّة وأرواح الْأَنْبِيَاء فِي غير الْجنَّة إِذْ هم أولى بِكُل فضل وَلَا مَكَان أفضل من الْجنَّة حَدثنَا أَحْمد ابْن عمر بن أنس العذري حَدثنَا أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ أَنا أَحْمد بن عَبْدَانِ الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي بالأهواز أَنا مُحَمَّد بن سهل الْمقري حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ مؤلف الصَّحِيح أَنا أَبُو عَاصِم النَّبِيل أَنا عبد الله بن أُميَّة بن عبد الله بن خَالِد بن أسيد أَنا مُحَمَّد بن جُبَير عَن صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْبَحْر من جَهَنَّم أحَاط بِهِ سرادقها حَدثنَا يُونُس بن عبد الله ابْن مغيث أَنا أَحْمد بن عبد الله بن عبد الرَّحِيم حَدثنَا أَحْمد بن خَالِد أَنا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الْخُشَنِي حَدثنَا مُحَمَّد ابْن بشار حَدثنَا يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن عُثْمَان بن غياث عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس عَن كَعْب قَالَ وَالْبَحْر الْمَسْجُور يسجر فَيكون جَهَنَّم حَدثنَا عبد الله بن ربيع التَّمِيمِي أَنا عبد الله بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الْأَسدي أَنا أَحْمد ابْن خَالِد حَدثنَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز أَنا الْحجَّاج بن الْمنْهَال السّلمِيّ أَنا مهْدي بن مَيْمُون عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن أبي يَعْقُوب الضَّبِّيّ عَن بشر هُوَ ابْن سعاف قَالَ كُنَّا مَعَ عبد الله بن سَلام يَوْم الْجُمُعَة فِي الْمَسْجِد فَقَالَ وَإِن الْجنَّة فِي السَّمَاء وَالنَّار فِي الأَرْض وَذكر كلَاما كثيرا وَبِه إِلَى الْحجَّاج بن الْمنْهَال حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن دَاوُد عَن سعيد بن الْمسيب أَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ ليهودي أَيْن جَهَنَّم قَالَ فِي الْبَحْر قَالَ عَليّ بن أبي طَالب مَا أَظُنهُ إِلَّا قد صدق حَدثنَا الْمُهلب الْأَسدي حَدثنَا ابْن عَبَّاس حَدثنَا بن مسرور حَدثنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى
стр. 240
حَدثنَا عبد الله ابْن وهب عَن شبيب بن سعيد عَن الْمنْهَال عَن شَقِيق بن سَلمَة عَن بن مَسْعُود قَالَ الأَرْض كلهَا يَوْمئِذٍ نَار وَالْجنَّة من وَرَائِهَا وأولياء الله فِي ظلّ عرش الله تَعَالَى
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار﴾ فَبين الله تَعَالَى أَن الشَّمْس أَبْطَأَ من الْقَمَر وَهَكَذَا قَامَ الْبُرْهَان بالرصد أَن الشَّمْس تقطع السَّمَاء فِي سنة وَالْقَمَر يقطعهَا فِي ثَمَانِيَة وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ نَص تَعَالَى على أَن اللَّيْل لَا يسْبق النَّهَار فَبين تَعَالَى بِهَذَا الحكم الْحَرَكَة الثَّانِيَة الَّتِي للفلك الْكُلِّي وَهِي الَّتِي تتمّ فِي كل يَوْم وَلَيْلَة دورة وتتساوى فِيهَا جَمِيع الدراري وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَضرب بَينهم بسور لَهُ بَاب بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب﴾ وَأخْبر تَعَالَى أَن أَرْوَاح الْكَافرين ﴿لَا تفتح لَهُم أَبْوَاب السَّمَاء وَلَا يدْخلُونَ الْجنَّة﴾ فصح أَن من فتحت لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء دخل الْجنَّة وَأخْبر رَسُول الله ﷺ أَن شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم وَأَن لَهَا نفسين نفسا فِي الشتَاء ونفساً فِي الصَّيف وَإِن ذَلِك أَشد مَا نجد من الْحر وَالْبرد وَإِن نارنا هَذِه أبرد من نَار جَهَنَّم بتسع وَسِتِّينَ دَرَجَة وَهَكَذَا نشاهد من فعل الصَّوَاعِق فَإِنَّهَا تبلغ من الإحراق والأذى فِي مِقْدَار اللمحة مَا لَا تبلغه نارنا فِي المدد الطوَال وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن آخر أهل الْجنَّة دُخُولا فِيهَا بعد خُرُوجه من النَّار يعْطى مثل الدُّنْيَا عشر مَرَّات روينَاهُ من طَرِيق أبي سعيد الْخُدْرِيّ مُسْندًا وَصَحَّ أَيْضا مُسْندًا عَن رَسُول الله ﷺ أَن الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة كاصبع فِي اليم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي نِسْبَة الْمسَافَة لَا فِي نِسْبَة الْمدَّة لِأَن مُدَّة الْآخِرَة لَا نِهَايَة لَهَا وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا ينْسب مِنْهُ شَيْء الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْأَوْجه وَلَا هُوَ أَيْضا نِسْبَة من السرُور واللذة وَلَا من الْحزن وَالْبَلَاء فَإِن سرُور الدُّنْيَا مشوب بألم ومتناه منقض وسرور الْآخِرَة وحزنها خالصان غير متناهيين وَهَكَذَا قَامَ الْبُرْهَان من قبل رويتنا لنصب السَّمَاء أبدا على أَنه لَا نِسْبَة للْأَرْض عِنْد السَّمَاء وَلَا قدر وَقَالَ ﴿وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وجنة عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وجني الجنتين دَان﴾ وَذكر رَسُول الله ﷺ أَن للجنة ثمانة أَبْوَاب وَقَالَ ﵇ فاسألوا الله الفردوس الْأَعْلَى فَإِنَّهُ وسط الْجنَّة وَأَعْلَى الْجنَّة وَفَوق ذَلِك عرش الرَّحْمَن فصح يَقِينا أَنَّهُمَا جنتان أَحدهمَا كعرض السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْأُخْرَى عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ إِنَّمَا هُوَ خبر عَن الْجَمِيع أَن لَهُم هَاتين الجنتين فالتي عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض هِيَ السَّمَوَات السَّبع لِأَن عرض الشَّيْء مِنْهُ بِلَا شكّ وكل جرم كرْسِي فَإِن جَمِيع إبعاده عرُوض فَقَط وَذكرت الأَرْض هُنَا لدخولها
стр. 241
فِي جملَة مساحة السَّمَوَات ولإحاطة السَّمَوَات بهَا وَالَّتِي عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض هِيَ الْكُرْسِيّ الْمُحِيط بالسموات وَالْأَرْض قَالَ الله تَعَالَى ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فصح ان عرضه كعرض السَّمَوَات وَالْأَرْض مُضَافا بعض ذَلِك إِلَى بعض فصح أَن لَهَا ثَمَانِيَة أَبْوَاب فِي كل سَمَاء بَاب وَفِي الْكُرْسِيّ بَاب وَصَحَّ أَن الْعَرْش فَوق أعلا الْجنَّة وَهُوَ مَحل الْمَلَائِكَة وموضعها لَيْسَ من الْجنَّة فِي شَيْء بل هُوَ فَوْقهَا وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله﴾ بَيَان جلي على أَن الْعَرْش جرما آخر فِيهِ الْمَلَائِكَة وَقد ذكر أَن الْبُرْهَان يقوم بذلك من أحكم النّظر فِي الْهَيْئَة وَهَذِه نُصُوص ظَاهِرَة جلية دون تكلّف تَأْوِيل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَوله تَعَالَى كعرض السَّمَاء ذكر لجنس السَّمَوَات لِأَن السَّمَوَات اسْم للْجِنْس يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمثل هَذَا كثير مِمَّا إِذا تدبره المتدبر دلّ على صِحَة مَا قُلْنَاهُ من أَن كل مَا ثَبت ببرهان فَهُوَ مَنْصُوص فِي الْقُرْآن وَكَلَام النَّبِي ﷺ
مطلب بَيَان كذب من ادّعى لمُدَّة الدُّنْيَا عددا مَعْلُوما
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما اخْتِلَاف النَّاس فِي التَّارِيخ فَإِن الْيَهُود يَقُولُونَ للدنيا أَرْبَعَة آلَاف سنة ونيف وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ للدنيا خَمْسَة آلَاف سنة وَأما نَحن فَلَا نقطع على عدد مَعْرُوف عندنَا وَأما من ادّعى فِي ذَلِك سَبْعَة آلَاف سنة أَو أَكثر أَو أقل فقد كذب وَقَالَ مَا لم يَأْتِ قطّ عَن رَسُول الله ﷺ فِيهِ لَفْظَة تصح بل صَحَّ عَنهُ ﵇ خِلَافه بل نقطع على أَن للدنيا أمرا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا أشهدتهم خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَا خلق أنفسهم﴾ وَقَول رَسُول الله ﷺ مَا أَنْتُم فِي الْأُمَم قبلكُمْ إِلَّا كالشعرة الْبَيْضَاء فِي الثور الْأسود أَو كالشعرة السَّوْدَاء فِي الثور الْأَبْيَض هَذَا عَنهُ ﵇ ثَابت وَهُوَ ﵇ لَا يَقُول إِلَّا عين الْحق وَلَا يسامح بِشَيْء من الْبَاطِل وَهَذِه نِسْبَة من تدبرها وَعرف مِقْدَار أعداد أهل الْإِسْلَام وَنسبَة مَا بِأَيْدِيهِم من معمور الأَرْض وَأَنه إِلَّا كثر علم أَن للدنيا عددا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله الْخَالِق تَعَالَى وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ يعثت أَنا والساعة كهاتين وَضم اصبعيه المقدستين السبابَة وَالْوُسْطَى وَقد جَاءَ النَّص بِأَن السَّاعَة لَا يعلم مَتى تكون إِلَّا الله لَا أحد سواهُ فصح أَنه ﵇ إِنَّمَا عني شدَّة الْقرب لَا فضل طول الْوُسْطَى على السبابَة إِذْ لَو أَرَادَ فضل ذَلِك لأخذت نِسْبَة مَا بَين الاصبعين وَنسب ذَلِك من طول الْوُسْطَى فَكَانَ يعلم بذلك مَتى تقوم السَّاعَة وَهَذَا بَاطِل وَأَيْضًا فَكَانَ تكون نسبته ﵇ إيانا إِلَى من قبلنَا بِأَنَّهُ كالشعرة فِي الثور كذبا ومعاذ الله من ذَلِك فصح أَنه ﵇ إِنَّمَا أَرَادَ شدَّة الْقرب وَله ﵇ مذ بعث أَرْبَعمِائَة عَام ونيف وَالله أعلم بِمِقْدَار مَا بَقِي من
стр. 242
عمر الدُّنْيَا فَإِذا كَانَ هَذَا الْعدَد الْعَظِيم لَا نِسْبَة لَهُ عِنْد مَا سلف لقلته وتفاهته بِالْإِضَافَة إِلَى مَا مضى فَهَذَا الَّذِي قَالَه ﵇ من أننا فِيمَن مضى كالشعرة فِي الثور أَو الرَّقْمَة فِي ذِرَاع الْحمار
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد رَأَيْت بِخَط الْأَمِير أبي مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن الناصري ﵀ قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة الْقرشِي أَنه رأى بِالْهِنْدِ بداله اثْنَان وَسَبْعُونَ ألف سنة وَقد وجد مَحْمُود بن سبكتكين بِالْهِنْدِ مَدِينَة يؤرخونها بأربعمائة ألف سنة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِلَّا أَن لكل لَك ذَلِك أَولا ومبدأ وَلَا بُد من نِهَايَة لم يكن شَيْء من الْعَالم مَوْجُودا قبلهَا وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد وَمِمَّا اعْترض بِهِ بَعضهم إِن قَالَ أَنْتُم تَقولُونَ أَن أهل الْجنَّة يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَيلبسُونَ ويطأون النِّسَاء وَأَن هُنَاكَ جرارى أَبْكَارًا خَلقهنَّ لَهُم وَذَلِكَ الْمَكَان لَا فَسَاد فِيهِ وَلَا اسْتِحَالَة وَلَا مزاج وَهَذِه أَشْيَاء كوائن فواسد فَكيف الْأَمر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد أَن هَاهُنَا ثَلَاثَة أجوبة أَحدهَا برهَان ضَرُورِيّ سَمْعِي وَالثَّانِي برهَان نَظَرِي مشَاهد وَالثَّالِث إقناعي خَارج على أصُول الْمعَارض لنا فَالْأول وَهُوَ الَّذِي يعْتَمد عَلَيْهِ وَهُوَ أَن الْبُرْهَان الضَّرُورِيّ قد قدمْنَاهُ على أَن الله خلق الْأَشْيَاء وابتدعها مخترعاً لَهَا لَا من شَيْء وَلَا على أصل مُتَقَدم وَإِذ لَا شكّ فِي هَذَا فَلَيْسَ شَيْء متوهم أَو مسئول يتَعَذَّر من قدرَة الْخَالِق إِذْ كل مَا شَاءَ تكوينه كَونه وَلَا فرق بَين خلقه كل ذَلِك فِي هَذِه الدَّار وَبَين خلقه كَذَلِك فِي الدَّار الْآخِرَة وَقد أخبرنَا رَسُول الله ﷺ الَّذِي قَامَت الْبَرَاهِين الضرورية على أَن الله بَعثه إِلَيْنَا ووسطه للتبليغ عَنهُ وعَلى صدقه فَمَا أخبر بِهِ أَن الْأكل وَالشرب واللباس والوطيء هُنَالك وَكَانَ هَذَا الْخَبَر الَّذِي اُخْبُرْنَا بِهِ الصَّادِق ﵇ دَاخِلا فِي حد الْمُمكن لَا فِي الْمُمْتَنع ثمَّ لما أخبرنَا الله تَعَالَى بِهِ على لِسَان رَسُوله ﷺ صَحَّ الْوَاجِب علمنَا بِهِ ضَرُورَة فَبَان أَنه فِي حد وَأما الْجَواب الثَّانِي فَهُوَ أَن الله خلق أَنْفُسنَا ورتب جواهرها وطباعها الذاتية رُتْبَة لَا تستحيل الْبَتَّةَ على التذاذ المطاعم والمشارب والروائح الطّيبَة والمناظر الْحَسَنَة والأصوات المطربة والملابس المعجبة على حسب مُوَافقَة كل ذَلِك لجوهر أَنْفُسنَا هَذَا مَالا مدفع فِيهِ وَلَا شكّ فِي أَن النُّفُوس هِيَ الملتذة بِكُل مَا ذكرنَا وَأَن الْحَواس الجسدية هِيَ المنافذ الموصلة لهَذِهِ الملاذ إِلَى النُّفُوس وَكَذَلِكَ المكاره كلهَا وَأما الْجَسَد فَلَا حس لَهُ الْبَتَّةَ فَهَذِهِ طبيعة جَوْهَر أَنْفُسنَا الَّتِي لَا سَبِيل إِلَى وجودهَا دونهَا إِذا جمع الله يَوْم الْقِيَامَة بَين أَنْفُسنَا وَبَين الأجساد المركبة لَهَا وعادت كَمَا كَانَت جوزيت هُنَالك ونعمت بملاذها وَبِمَا تستدعيه طباعها الَّتِي لم تُوجد قطّ إِلَّا كَذَلِك وَلَا لَهَا لَذَّة سواهَا إِلَّا أَن الطَّعَام الَّذِي هُنَالك غير مَعَاني ينار وَلَا ذُو آفَات وَلَا مُسْتَحِيل قذراً ودماً وَلَا ذبح هُنَالك وَلَا آلام وَلَا تغير وَلَا موت وَلَا فَسَاد وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا يصدعون عَنْهَا وَلَا ينزفون﴾
стр. 243
وَتلك الملابس غير محوكة بنسج وَلَا فانية وَلَا متغيرة وَلَا تقبل الْبلَاء وَتلك الأجساد لَا كدر فِيهَا وَلَا خلط وَلَا دم وَلَا أَذَى وَتلك النُّفُوس لَا رذيلة فِيهَا من غل وَلَا حسد وَلَا حرص قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل إخْوَانًا﴾ وَأخْبر رَسُول الله ﷺ عَن المخرجين من النَّار أَنهم يطرحون فِي نهر على بَاب الْجنَّة فَإِذا نقوا وهذبوا هَذَا نَص لفظ رَسُول الله ﷺ ثمَّ بعد التنقية أخبر رَسُول الله ﷺ أَنهم حِينَئِذٍ يصيرون إِلَى الْجنَّة فصح أَن الملاذ من هَذِه الْأَشْيَاء والمتناولات تصل إِلَى النُّفُوس هُنَالك على حسب اخْتِلَاف وجود النَّفس لَهَا وتغاير أَنْوَاع التذاذها بهَا وأوقعت عَلَيْهَا الْأَسْمَاء لإفهامها الْمَعْنى المُرَاد وَقد روينَا عَن ابْن عَبَّاس مَا حدّثنَاهُ يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن مَسْعُود حَدثنَا قَاسم بن أصْبع حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله الْعَبْسِي حَدثنَا وَكِيع بن الْجراح أَنبأَنَا الْأَعْمَش عَن أبي ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لَيْسَ فِي الْجنَّة مِمَّا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْأَسْمَاء وَهَذَا سَنَد فِي غَايَة الصِّحَّة وَهُوَ أول حَدِيث فِي قِطْعَة وَكِيع الْمَشْهُورَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما الوطىء فَهُوَ هُنَالك كَمَا هُوَ عندنَا هَهُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُؤنَة وَلَا اسْتِحَالَة وَإِنَّمَا هُوَ التذاذ النَّفس بمداخلة بعض الْجَسَد الْمُضَاف إِلَيْهَا لجسد آخر فَقَط وَأما الْجَواب الثَّالِث الإقناعي وَهُوَ مُوَافق لأصولهم ولسنا نعتمد عَلَيْهِ فَهُوَ قدماء الْهِنْد قد ذكرُوا فِي كَلَامهم فِي الأفلاك والبروج ووجوه الْمطَالع أَنه يطلع مَعَ كل وَجه من وُجُوه البروج صور وصفوها وَذكروا أَنه لَيْسَ فِي الْعَالم الْأَدْنَى صُورَة إِلَّا وَهِي فِي الْعَالم الأعلا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا إِيجَاب مِنْهُم أَن هُنَالك ملابس ومشارب ومطاعم ووطئا وأنهارا وأشجارا أَو غير ذَلِك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وعارضني يَوْمًا نَصْرَانِيّ كَانَ قَاضِيا على نَصَارَى قرطبة فِي هَذَا وَكَانَ يتَكَرَّر على مجلسي فَقلت لَهُ أَو لَيْسَ فِيمَا عنْدكُمْ فِي الْإِنْجِيل أَن الْمَسِيح ﵇ قَالَ لتلاميذه لَيْلَة أكل مَعَهم الفصح وفيهَا أَخذ بزعمهم وَقد سقاهم كأساً من خمر وَقَالَ إِنِّي لَا أشربها مَعكُمْ أبدا حَتَّى تشربوها معي فِي الملكوت عَن يَمِين الله تَعَالَى وَقَالَ فِي قصَّة الْفَقِير الْمُسَمّى العاذار الَّذِي كَانَ مطرحاً على بَاب الْغَنِيّ تلحس الْكلاب جراح قروحه وَأَن ذَلِك الْغَنِيّ نظر إِلَيْهِ فِي الْجنَّة مُتكئا فِي حجر إِبْرَاهِيم ﵇ فناداه وَهُوَ فِي النَّار يَا أبي يَا إِبْرَاهِيم ابْعَثْ إِلَى العاذار بِشَيْء من مَاء يبل بِهِ لساني وَهَذَا نَص على أَن فِي الْجنَّة شرابًا من مَاء وخمر فَسكت النَّصْرَانِي وَانْقطع والتوراة الَّتِي بأيدي الْيَهُود فَلَيْسَ ذكر مَا لنعيم الْآخِرَة أصلا وَلَا لجزاء بعد الْمَوْت الْبَتَّةَ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي أكل أهل النَّار وشربهم سَوَاء بِسَوَاء كَمَا ذكرنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
стр. 244
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْأَرْض أَيْضا سبع طباق منطبقة بَعْضهَا على بعض كإطباق السَّمَوَات لإخبار خالقنا بذلك وَلَيْسَ ذَلِك قبل الْخَبَر فِي حد الْمُمْتَنع بل فِي حد الْمُمكن وَذكر قوم قَول الله تَعَالَى ﴿يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَاوَات﴾ فَقُلْنَا قَول الله هَذَا حَقًا وَقد قَالَ ﴿وَفتحت السَّمَاء فَكَانَت أبوابا﴾ قَالَ ﴿يَوْم تكون السَّمَاء كَالْمهْلِ وَتَكون الْجبَال كالعهن﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وحملت الأَرْض وَالْجِبَال فدكتا دكةً وَاحِدَة فَيَوْمئِذٍ وَقعت الْوَاقِعَة وانشقت السَّمَاء فَهِيَ يَوْمئِذٍ واهية وَالْملك على أرجائها﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا الأَرْض مدت وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وتخلت وأذنت لِرَبِّهَا وحقت﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذا السَّمَاء انفطرت وَإِذا الْكَوَاكِب انتثرت وَإِذا الْبحار فجرت﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذا الشَّمْس كورت وَإِذا النُّجُوم انكدرت وَإِذا الْجبَال سيرت﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَن السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقاً ففتقناهما﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَمَا بدأنا أول خلق نعيده وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَذكر أهل الْجنَّة ﴿خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك عَطاء غير مجذوذ﴾ فَكل كَلَامه تَعَالَى حق لَا يجوز الِاقْتِصَار على بعضه دون بعض فصح يَقِينا أَن تَبْدِيل السَّمَوَات وَالْأَرْض إِنَّمَا هُوَ تَبْدِيل أحوالها لَا إعدامها لَكِن إخلاؤها من الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب والنجوم وتفتيحها أبواباً وَكَونهَا كَالْمهْلِ وتشققها ووهيها وانفطارها وتدكدك الأَرْض وَالْجِبَال وَكَونهَا كالعهن المنفوش وتسييرها وتسجير الْبحار فَقَط وَبِهَذَا تتألف الْآيَات كلهَا وَلَا يجوز عَن هَذَا أصلا وَمن اقْتصر على آيَة التبديل كذب كل مَا ذكرنَا وَهَذَا كفر مِمَّن فعله وَمن جمعهَا كلهَا فقد آمن بجميعها وَصدق الله تَعَالَى فِي كل مَا قَالَ وَهنا يُوجب مَا قُلْنَاهُ ضَرُورَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد قد أكملنا وَالْحَمْد لله كثير الْكَلَام على الْملَل الْمُخَالفَة لدين الْإِسْلَام الَّذِي هُوَ دين الله تَعَالَى على عباده الَّذِي لَا دين لَهُ فِي الأَرْض غَيره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وأوضحنا بعون الله تَعَالَى وتأييده الْبَرَاهِين الضرورية على إِثْبَات الْأَشْيَاء ووجودها ثمَّ على حدوثها كلهَا جواهرها وأعراضها بعد إِن لم تكن ثمَّ على أَن لَهَا مُحدثا وَاحِدًا مُخْتَارًا لم يزل وَحده لَا شَيْء مَعَه وَأَنه فعل لَا لعِلَّة وَترك لَا لعِلَّة بل كَمَا شَاءَ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ثمَّ على صِحَة النبوات ثمَّ على صِحَة نبوة مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب ﷺ وَأَن مِلَّته هِيَ الْحق وكل مِلَّة سواهَا بَاطِل وَأَنه آخر الْأَنْبِيَاء وملته آخر الْملَل فنبدأ الْآن بعون الله تَعَالَى وتأييده فِي ذكر نحل الْمُسلمين وافتراقهم فِيهَا وَبَيَان الْحق فِي كل وَبِاللَّهِ نستعين
стр. 245
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن حزم ﵁ إِذْ قد أكملنا بعون الله الْكَلَام فِي الْملَل فلنبدأ بحول الله فِي ذكر الله نحل أهل الْإِسْلَام وافتراقهم فِيهَا وإيراد مَا شغب بِهِ من شغب مِنْهُم فِيمَا غلط فِيهِ من نحلته وإيراد الْبَرَاهِين الضرورية على إِيضَاح نحلة الْحق من تِلْكَ النَّحْل كَمَا فعلنَا فِي الْملَل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين كثيرا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فرق المقرين بِملَّة الْإِسْلَام خَمْسَة وهم أهل السّنة والمعتزلة والمرجئة والشيعة والخوارج ثمَّ افْتَرَقت كل فرقة من هَذِه على فرق وَأكْثر افْتِرَاق أهل السّنة فِي الْفتيا ونبذ يسيرَة من الاعتقادات سننبه عَلَيْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ سَائِر الْفرق الْأَرْبَعَة الَّتِي ذكرنَا فَفِيهَا مَا يُخَالف أهل السّنة الْخلاف الْبعيد وَفِيهِمْ مَا يخالفهم الْخلاف الْقَرِيب فأقرب فرق المرجئة إِلَى أهل السّنة من ذهب مَذْهَب أبي حنيفَة الْفَقِيه إِلَى أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِاللِّسَانِ وَالْقلب مَعًا وَأَن الْأَعْمَال إِنَّمَا هِيَ شرائع الْإِيمَان وفرائضه فَقَط وأبعدهم أَصْحَاب جهم بن صَفْوَان والأشعري وَمُحَمّد بن كرام السجسْتانِي فَإِن جهماً والأشعري يَقُولُونَ أَن الْإِيمَان عقد بِالْقَلْبِ فَقَط وَإِن أظهر الْكفْر والتثليث بِلِسَانِهِ وَعبد
стр. 246
الصَّلِيب فِي دَار الْإِسْلَام بِلَا تقية وَمُحَمّد بن كرام يَقُول هُوَ القَوْل بِاللِّسَانِ وَإِن اعْتقد الْكفْر بِقَلْبِه وَأقرب فرق الْمُعْتَزلَة إِلَى أهل السّنة أَصْحَاب الْحُسَيْن بن مُحَمَّد النجار وَبشر ابْن غياث المريسي ثمَّ أَصْحَاب ضرار بن عَمْرو وأبعدهم أَصْحَاب أبي الهزيل وَأقرب مَذَاهِب الشِّيعَة إِلَى أهل السّنة المنتمون إِلَى أَصْحَاب الْحسن بن صَالح بن حَيّ الهمزاني الْفَقِيه الْقَائِلُونَ بِأَن الْإِمَامَة فِي ولد عَليّ ﵁ وَالثَّابِت عَن الْحسن بن صَالح ﵀ هُوَ قَوْلنَا أَن الْإِمَامَة فِي جَمِيع قُرَيْش وَتَوَلَّى جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ إِلَّا أَنه كَانَ يفضل عليا على جَمِيعهم وأبعدهم الإمامية وَأقرب فرق الْخَوَارِج إِلَى أهل السّنة أَصْحَاب عبد الله بن يزِيد الأباضي الفزازي الْكُوفِي وأبعدهم الْأزَارِقَة وَأما أَصْحَاب أَحْمد بن حابط وَأحمد بن مالوس وَالْفضل الْحَرَّانِي والغالية من الروافض والمتصوفة والبيطحية أَصْحَاب أبي إِسْمَاعِيل البطيحي وَمن فَارق الْإِجْمَاع من العجاردة وَغَيرهم فليسوا من أهل الْإِسْلَام بل كفار بِإِجْمَاع الْأمة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان ذكر مَا اعتمدت عَلَيْهِ كل فرقة من هَذِه الْفرق مِمَّا اخْتصّت بِهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما المرجئة فعمدتهم الَّتِي يتمسكون بهَا الْكَلَام فِي الْإِيمَان وَالْكفْر مَا هما وَالتَّسْمِيَة بهما والوعيد وَاخْتلفُوا فِيمَا عدا ذَلِك كَمَا اخْتلفت غَيرهم وَأما الْمُعْتَزلَة فعمدتهم الَّتِي يتمسكون بهَا الْكَلَام فِي التَّوْحِيد وَمَا يُوصف بِهِ الله تَعَالَى ثمَّ يزِيد بَعضهم الْكَلَام فِي الْقدر وَالتَّسْمِيَة بِالْفِسْقِ أَو الْإِيمَان والوعيد وَقد يُشَارك الْمُعْتَزلَة فِي الْكَلَام فِيمَا يُوصف الله تَعَالَى بِهِ جهم بن صَفْوَان وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان والأشعرية وَغَيرهم من المرجئية وَهِشَام بن الحكم وَشَيْطَان الطاق واسْمه مُحَمَّد بن جَعْفَر الْكُوفِي وَدَاوُد الْحوَاري وَهَؤُلَاء كلهم شيعَة إِلَّا أننا اختصصنا الْمُعْتَزلَة بِهَذَا الأَصْل لِأَن كل من تكلم فِي هَذَا الأَصْل فَهُوَ غير خَارج عَن قَول أهل السّنة أَو قَول الْمُعْتَزلَة حاشا هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين من المرجئة والشيعة فَإِنَّهُم انفردوا بأقوال خَارِجَة عَن قَول أهل السّنة والمعتزلة وَأما الشِّيعَة فعمدة كَلَامهم فِي الْإِمَامَة والمفاضلة بَين أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَاخْتلفُوا فِيمَا عدا ذَلِك كَمَا اخْتلف غَيرهم وَأما الْخَوَارِج فعمدة مَذْهَبهم الْكَلَام فِي الْإِيمَان وَالْكفْر مَا هما وَالتَّسْمِيَة بهما والوعد والإمامة وَاخْتلفُوا فِيمَا عدا ذَلِك كَمَا اخْتلف غَيرهم وَإِنَّمَا خصصنا هَذِه الطوائف بِهَذِهِ الْمعَانِي لِأَن من قَالَ إِن أَعمال الْجَسَد إِيمَان فَإِن الْإِيمَان يزِيد بِالطَّاعَةِ وَينْقص بالمعصية وَإِن مُؤمنا يكفر بِشَيْء من أَعمال الذُّنُوب وَإِن مُؤمنا بِقَلْبِه وبلسانه يخلد فِي النَّار فَلَيْسَ مرجئياً وَمن وافقهم على أَقْوَالهم هَا هُنَا وَخَالفهُم فِيمَا عدا ذَلِك من كل مَا اخْتلف الْمُسلمُونَ فِيهِ فَهُوَ مرجيء وَمن خَالف الْمُعْتَزلَة فِي خلق الْقُرْآن والرؤية والتشبيه وَالْقدر وَأَن صَاحب الْكَبِيرَة لَا مُؤمن وَلَا كَافِر لَكِن فَاسق فَلَيْسَ مِنْهُم وَمن وافقهم فِيمَا ذكرنَا فَهُوَ مِنْهُم وَإِن خالفهم فِيمَا سوى مَا ذكرنَا مِمَّا اخْتلف فِيهِ الْمُسلمُونَ وَمن وَافق
стр. 247
الشِّيعَة فِي أَن عليا ﵁ أفضل النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ وأحقهم بِالْإِمَامَةِ وَولده من بعده فَهُوَ شيعي وَإِن خالفهم فِيمَا عدا ذَلِك مِمَّا اخْتلف فِيهِ الْمُسلمُونَ فَإِن خالفهم فِيمَا ذكرنَا فَلَيْسَ شِيعِيًّا وَمن وَافق الْخَوَارِج من إِنْكَار التَّحْكِيم وتكفير أَصْحَاب الْكَبَائِر وَالْقَوْل بِالْخرُوجِ على أَئِمَّة الْجور وَإِن أَصْحَاب الْكَبَائِر مخلدون فِي النَّار وَأَن الْإِمَامَة جَائِزَة فِي غير قُرَيْش فَهُوَ خارجي وَإِن خالفهم فِيمَا عدا ذَلِك مِمَّا اخْتلف فِيهِ الْمُسلمُونَ خالفهم فِيمَا ذكرنَا فَلَيْسَ خارجياً
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأهل السّنة الَّذين نذكرهم أهل الْحق وَمن عداهم فَأهل الْبِدْعَة فَإِنَّهُم الصَّحَابَة ﵃ وكل من سلك نهجهم من خِيَار التَّابِعين رَحْمَة الله عَلَيْهِم ثمَّ أَصْحَاب الحَدِيث وَمن اتبعهم من الْفُقَهَاء جيلاً فجيلاً إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَو من اقْتدى بهم من الْعَوام فِي شَرق الأَرْض وغربها رَحْمَة الله عَلَيْهِم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد تسمى باسم الْإِسْلَام من أجمع جَمِيع فرق الْإِسْلَام على أَنه لَيْسَ مُسلما مثل طوائف من الْخَوَارِج غلوا فَقَالُوا إِن الصَّلَاة رَكْعَة بِالْغَدَاةِ وركعة بالْعَشي فَقَط وَآخَرُونَ استحلوا نِكَاح بَنَات الْبَنِينَ وَبَنَات الْبَنَات وَبَنَات بني الْإِخْوَة وَبَنَات بني الْأَخَوَات وَقَالُوا إِن سُورَة يُوسُف لَيست من الْقُرْآن وَآخَرُونَ مِنْهُم قَالُوا يحد الزَّانِي وَالسَّارِق ثمَّ يستتابون من الْكفْر فَإِن تَابُوا وَإِلَّا قتلوا وَطَوَائِف كَانُوا من الْمُعْتَزلَة ثمَّ غلوا فَقَالُوا بتناسم الْأَرْوَاح وَآخَرُونَ مِنْهُم قَالُوا إِن شَحم الْخِنْزِير ودماغه حَلَال وَطَوَائِف من المرجئية قَالُوا إِن إِبْلِيس لم يسْأَل الله قطّ النظرة وَلَا أقرّ بِأَن خلقه من نَار وَخلق آدم من تُرَاب وَآخَرُونَ قَالُوا إِن النُّبُوَّة تكتسب بِالْعَمَلِ الصَّالح وَآخَرُونَ كَانُوا من أهل السّنة فغلوا فَقَالُوا قد يكون فِي الصَّالِحين من هُوَ أفضل من الْأَنْبِيَاء وَمن الْمَلَائِكَة ﵈ وَأَن من عرف الله حق مَعْرفَته فقد سَقَطت عَنْهُم الْأَعْمَال والشرائع وَقَالَ بَعضهم بحلول الْبَارِي تَعَالَى فِي أجسام خلقه كالحلاج وَغَيره وَطَوَائِف كَانُوا من الشِّيعَة ثمَّ غلوا فَقَالَ بَعضهم بحلول الْبَارِي تَعَالَى فِي أجسام خلقه كالحلاج وَغَيره وَطَوَائِف كَانُوا من الشِّيعَة ثمَّ غلوا فَقَالَ بَعضهم بالآلهية عَليّ بن أبي طَالب ﵇ وَالْأَئِمَّة بعده وَمِنْهُم من قَالَ بنبوته وبتناسخ الْأَرْوَاح كالسيد الْحِمْيَرِي الشَّاعِر وَغَيره وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم بآلهية أبي الْخطاب مُحَمَّد بن أبي زَيْنَب مولى بني أَسد وَقَالَت طَائِفَة بنبوة الْمُغيرَة بن أبي سعيد مولي نَبِي بجلة وبنبوة أبي مَنْصُور الْعجلِيّ وبزيع الحايك وَبَيَان ابْن سمْعَان التَّمِيمِي وَغَيرهم وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم برجعة عَليّ إِلَى الدُّنْيَا وامتنعوا من القَوْل بِظَاهِر الْقُرْآن وَقَالُوا إِن لظاهره تأويلات فَمِنْهَا أَن قَالُوا السَّمَاء مُحَمَّد وَالْأَرْض أَصْحَابه وَأَن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة أَنَّهَا هِيَ فُلَانَة يَعْنِي أم الْمُؤمنِينَ ﵂ وَقَالُوا الْعدْل وَالْإِحْسَان هُوَ عَليّ والخبث والطاغوت فلَان وَفُلَان يعنون أَبَا بكر وَعمر ﵄ وَقَالُوا الصَّلَاة هِيَ دُعَاء الإِمَام وَالزَّكَاة هِيَ مَا يُعْطي الإِمَام وَالْحج الْقَصْد إِلَى الإِمَام وَفِيهِمْ خناقون ورضاخون وكل هَذِه الْفرق لَا تتَعَلَّق بِحجَّة أصلا وَلَيْسَ
стр. 248
بِأَيْدِيهِم إِلَّا دَعْوَى الإلهام والقحة والمجاهرة بِالْكَذِبِ وَلَا يلتفتون إِلَى مناظرة وَيَكْفِي من الرَّد عَلَيْهِم أَن يُقَال لَهُم مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من ادّعى أَنه ألهم بطلَان قَوْلكُم وَلَا سَبِيل إِلَى الانفكاك من هَذَا وَأَيْضًا فَإِن جَمِيع فرق الْإِسْلَام متبرئة مِنْهُم مكفرة لَهُم مجمعون على أَنهم على غير الْإِسْلَام نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْأَصْل فِي أَكثر خُرُوج هَذِه الطوائف عَن ديانَة الْإِسْلَام أَن الْفرس كَانُوا من سَعَة الْملك وعلو الْيَد على جَمِيع الْأُمَم وجلالة الخطير فِي أنفسهم حَتَّى أَنهم كَانُوا يسمون أنفسهم الْأَحْرَار وَالْأَبْنَاء وَكَانُوا يعدون سَائِر النَّاس عبيد لَهُم فَلَمَّا امتحنوا بِزَوَال الدولة عَنْهُم على أَيدي الْعَرَب وَكَانَت الْعَرَب أقل الْأُمَم عِنْد الْفرس خطراً تعاظمهم الْأَمر وتضاعفت لديهم الْمُصِيبَة وراموا كيد الْإِسْلَام بالمحاربة فِي أَوْقَات شَتَّى فَفِي كل ذَلِك يظْهر الله الْحق وَكَانَ من قائمتهم ستقادة واستاسيس وَالْمقنع وبابك وَغَيرهم وَقيل هَؤُلَاءِ رام ذَلِك عمار الملقب بخداش وابو سلم السراج فَرَأَوْا أَن كَيده على الْحِيلَة أنجع فأظهر قوم مِنْهُم الْإِسْلَام واستمالوا أهل النشيع بِإِظْهَار محبَّة أهل بَيت رَسُول الله ﷺ واسشناع ظلم عَليّ ﵁ ثمَّ سلكوا بهم مسالك شَتَّى حَتَّى أخرجوهم عَن الْإِسْلَام فقوم مِنْهُم أدخلوهم إِلَى القَوْل بِأَن رجلا ينْتَظر يدعى الْمهْدي عِنْده حَقِيقِيَّة الدّين إِذْ لَا يجوز أَن يُؤْخَذ الدّين من هَؤُلَاءِ الْكفَّار إِذْ نسبوا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِلَى الْكفْر وَقوم خَرجُوا إِلَى نبوة من ادعوا إِلَه النُّبُوَّة وَقوم سلكوا بهم المسلك الَّذِي ذكرنَا من القَوْل بالحلول وَسُقُوط الشَّرَائِع وَآخَرُونَ تلاعبوا فأوجبوا عَلَيْهِم خمسين صَلَاة فِي كل يَوْم وَلَيْلَة وَآخَرُونَ قَالُوا بل هِيَ سبع عشر صَلَاة فِي كل صَلَاة خَمْسَة عشر رَكْعَة وَهَذَا قَول عبد الله بن عَمْرو بن الْحَرْث الْكِنْدِيّ قبل أَن يصير خارجياً صغرياً وَقد سلك هَذَا المسلك أَيْضا عبد الله بن سبأ الْحِمْيَرِي الْيَهُودِيّ فَإِنَّهُ لَعنه الله أظهر الْإِسْلَام لكيد أَهله فَهُوَ كَانَ أصل إثارة النَّاس على عُثْمَان ﵁ وأحرق عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَمِنْهُم طوائف أعْلنُوا بالإلهية وَمن هَذِه الْأُصُول الملعونة حدثت الإسماعيلية والقرامطة وهما طَائِفَتَانِ مجاهرتان بترك الْإِسْلَام جملَة قائلتان بالمجوسية الْمَحْضَة ثمَّ مَذْهَب مردك الموبذ الَّذِي كَانَ على عهد أنوشروان بن قيمًا ملك الْفرس وَكَانَ يَقُول بِوُجُوب تأسي النَّاس فِي النِّسَاء وَالْأَمْوَال
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِذا بلغ النَّاس إِلَى هذَيْن الشعبين أَخْرجُوهُ عَن الْإِسْلَام كَيفَ شاؤا إِذْ هَذَا هُوَ غرضهم فَقَط فَالله الله عباد الله اتَّقوا الله فِي أَنفسكُم وَلَا يَغُرنكُمْ اهل الْكفْر والإلحاد من موه كَلَامه بِغَيْر برهَان لَكِن بتمويهات وَوعظ على خلاف مَا أَتَاكُم بِهِ كتاب ربكُم وَكَلَام نَبِيكُم ﷺ فَلَا خير فِيمَا سواهُمَا وَاعْلَمُوا أَن دين الله تَعَالَى ظَاهر لَا بَاطِن فِيهِ وجهر لَا سر تَحْتَهُ كُله برهَان لَا مُسَامَحَة فِيهِ واتهموا كل من يدعونَ أَن يتبع بِلَا برهَان وكل من ادّعى للديانة سرا وَبَاطنا فَهِيَ دعاوي ومخارق وَاعْلَمُوا أَن رَسُول الله ﷺ لم يكتم من الشَّرِيعَة كلمة فَمَا فَوْقهَا وَلَا
стр. 249
أطلع أخص النَّاس بِهِ من زَوْجَة أَو ابْنة أَو عَم أَو ابْن عَم أَو صَاحب على شَيْء من الشَّرِيعَة كتمه عَن الْأَحْمَر وَالْأسود ورعاة الْغنم وَلَا كَانَ عِنْده ﵇ السِّرّ وَلَا رمز وَلَا بَاطِن غير مَا دعِي النَّاس كلهم إِلَيْهِ وَلَو كتمهم شَيْئا لما بلغ كَمَا أَمر وَمن قَالَ هَذَا فَهُوَ كَافِر فإياكم وكل قَول لم يبين سَبيله وَلَا وضح دَلِيله وَلَا تعوجاً عَن مَا مضى عَلَيْهِ نَبِيكُم ﷺ وَأَصْحَابه ﵃
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد أوضحنا شنع جَمِيع هَذِه الْفرق فِي كتاب لنا لطيف اسْمه النصائح المنجية من الفضائح المخزية والقبائح المردية من أَقْوَال أهل الْبدع من الْفرق الْأَرْبَع الْمُعْتَزلَة والمرجئية والخوارج والشيع ثمَّ أضفناه إِلَى آخر كلامنا فِي النَّحْل من كتَابنَا هَذَا وَجُمْلَة الْخَيْر كُله أَن تلزموا مَا نَص عَلَيْهِ ربكُم تَعَالَى فِي الْقُرْآن بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين لم يفرط فِيهِ من شَيْء تبياناً لكل شَيْء وَمَا صَحَّ عَن نَبِيكُم ﷺ بِرِوَايَة الثقاة من أَئِمَّة أَصْحَاب الحَدِيث ﵃ مُسْند إِلَيْهِ ﵇ فهما طريقتان يوصلانكم إِلَى رضى ربكُم وَنحن نبتديء من هُنَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْمعَانِي الَّتِي هِيَ عُمْدَة مَا افترق الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ وَهِي التَّوْحِيد وَالْقدر وَالْإِيمَان والوعيد والإمامة والمفاضلة ثمَّ أَشْيَاء تسميها المتكلمون اللطائف ونورد كل مَا احْتَجُّوا بِهِ ونبين بالبراهين الضرورية أَن شَاءَ الله تَعَالَى وَجه الْحق من كل ذَلِك كَمَا فعلنَا فِيمَا خلا بعون الله تَعَالَى لنا وتأييده وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم فَأول ذَلِك
الْكَلَام فِي التَّوْحِيد وَنفي التَّشْبِيه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب طَائِفَة إِلَى القَوْل بِأَن الله تَعَالَى جسم وحجتهم فِي ذَلِك أَنه لَا يقوم فِي الْمَعْقُول إِلَّا جسم أَو عرض فَلَمَّا بَطل أَن يكون تَعَالَى عرضا ثَبت أَنه جسم وَقَالُوا إِن الْفِعْل لَا يَصح إِلَّا من جسم والباري تَعَالَى فَاعل فَوَجَبَ أَنه جسم وَاحْتَجُّوا بآيَات من الْقُرْآن فِيهَا ذكر الْيَد وَالْيَدَيْنِ وَالْأَيْدِي وَالْعين وَالْوَجْه وَالْجنب وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاء رَبك ويأتيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة وتجليه تَعَالَى وبأحاديث للجبل فِيهَا ذكر الْقدَم وَالْيَمِين وَالرجل والأصابع والتنزل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلِجَمِيعِ هَذِه النُّصُوص وُجُوه ظَاهِرَة بَيِّنَة خَارِجَة على خلاف مَا ظنوه وتأولوه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَانِ الاستدلالان فاسدان أما قَوْلهم أَنه لَا يقوم فِي الْمَعْقُول إِلَّا جسم أَو عرض فَإِنَّهَا قسْمَة نَاقِصَة وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَنه لَا يُوجد فِي الْعَالم إِلَّا جسم أَو عرض وَكِلَاهُمَا يَقْتَضِي بطبيعته وجود مُحدث لَهُ فالبضرورة لعلم أَنه لَو كَانَ محدثها جسماً أَو عرضا لَكَانَ يَقْتَضِي فَاعِلا فعله وَلَا بُد فَوَجَبَ بِالضَّرُورَةِ أَن فَاعل الْجِسْم وَالْعرض لَيْسَ جسماً وَلَا عرضا وَهَذَا برهَان يضْطَر إِلَيْهِ كل ذِي حس بضرورة الْعقل وَلَا بُد وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الْبَارِي تَعَالَى عَن إلحادهم جسماً لاقتضى ذَلِك ضَرُورَة أَن يكون لَهُ زمَان وَمَكَان هما غَيره وَهَذَا إبِْطَال التَّوْحِيد وَإِيجَاب الشّرك مَعَه تَعَالَى لشيئين سواهُ وَإِيجَاب أَشْيَاء مَعَه غير مخلوقة وَهَذَا كفر وَقد تقدم إفسادنا
стр. 250
لهَذَا القَوْل وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يعقل الْبَتَّةَ جسم إِلَّا مؤلف طَوِيل عريض عميق ونظارهم وَهُوَ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا فَإِن قَالُوهُ لَزِمَهُم أَن لَهُ مؤلفاً جَامعا مخترعاً فَاعِلا فَإِن منعُوا من ذَلِك لَزِمَهُم أَن لَا يوجبوا لما فِي الْعَالم من التَّأْلِيف لَا مؤلفاً وَلَا جَامعا إِذْ الْمُؤلف كُله كَيْفَمَا وجد يَقْتَضِي مؤلفاً ضَرُورَة فَإِن قَالُوا هُوَ جسم غير مؤلف قيل لَهُم هَذَا هُوَ الَّذِي لَا يعقل حَقًا وَلَا يتشكل فِي النَّفس الْبَتَّةَ فَإِن قَالُوا لَا فرق بَين فولنا شَيْء وَبَين قَوْلنَا جسم قيل لَهُم هَذِه دَعْوَى كَاذِبَة على اللُّغَة الَّتِي بهَا يَتَكَلَّمُونَ وَأَيْضًا فَهُوَ بَاطِل لِأَن الْحَقِيقَة أَنه لَو كَانَ الشَّيْء والجسم بِمَعْنى وَاحِد لَكَانَ الْعرض جسماً لِأَنَّهُ شَيْء وَهَذَا بَاطِل يتَعَيَّن والحقيقة هِيَ أَنه لَا فرق بَين قَوْلنَا شَيْء وَقَوْلنَا مَوْجُود وَحقّ وَحَقِيقَة ومثبت فَهَذِهِ كلهَا أَسمَاء مترادفة على معنى وَاحِد لَا يخْتَلف وَلَيْسَ مِنْهَا اسْم يَقْتَضِي صفة أَكثر من أَن الْمُسَمّى بذلك حق وَلَا مزِيد وَأما لَفْظَة جسم فَإِنَّهَا فِي اللُّغَة عبارَة عَن الطَّوِيل العريض العميق الْمُحْتَمل للْقِسْمَة ذِي الْجِهَات السِّت الَّتِي هِيَ فَوق وَتَحْت ووراء وأمام وَيَمِين وشمال وَرُبمَا عدم وَاحِدَة مِنْهَا وَهِي الفوق هذاحكم هَذِه الْأَسْمَاء فِي اللُّغَة الَّتِي هَذِه الْأَسْمَاء مِنْهَا فَمن أَرَادَ أَن يُوقع شَيْئا مِنْهَا على غير موضوعها فِي اللُّغَة فَهُوَ مَجْنُون وقاح وَهُوَ كمن أَرَادَ أَن يُسَمِّي الْحق بَاطِلا وَالْبَاطِل حَقًا وَأَرَادَ أَن يُسَمِّي الذَّهَب خشباً وَهَذَا غَايَة الْجَهْل والسخف إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بِنَقْل اسْم مِنْهَا عَن مَوْضُوعه إِلَى معنى آخر فَيُوقف عِنْده وَإِلَّا فَلَا وَإِنَّمَا يلْزم كل مناظر يُرِيد معرفَة الْحَقَائِق أَو التَّعْرِيف بهَا أَن يُحَقّق الْمعَانِي الَّتِي يَقع عَلَيْهَا الِاسْم ثمَّ يخبر بعد بهَا أرعنها بِالْوَاجِبِ وَأما مزج الْأَشْيَاء وقلبها عَن موضوعاتها فِي اللُّغَة فَهَذَا فعل السوفسطائية الوقحاء الْجُهَّال الغابنين لعقولهم وأنفسهم فَإِن قَالُوا لنا إِنَّكُم تَقولُونَ إِن الله حَيّ لَا كالأحياء وَعَلِيم لَا كالعلماء وقادر لَا كالقادرين وَشَيْء لَا كالأشياء فَلم منعتم القَوْل بِأَنَّهُ جسم لَا كالأجسام قيل لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَوْلَا النَّص الْوَارِد بتسميه تَعَالَى بِأَنَّهُ حَيّ وقدير وَعَلِيم مَا سميناه بِشَيْء من ذَلِك لَكِن الْوُقُوف عِنْد النَّص فرض وَلم يَأْتِ نَص بتسميته تَعَالَى جسماً وَلَا قَامَ الْبُرْهَان بتسميته جسماً بل الْبُرْهَان مَانع من تَسْمِيَته بذلك تَعَالَى وَلَو أَتَانَا نَص بتسميته تَعَالَى جسماً لوَجَبَ علينا القَوْل بذلك وَكُنَّا حِينَئِذٍ نقُول أَنه لَا كالأجسام كَمَا قُلْنَا فِي عليم وقدير وَحي وَلَا فرق وَأما لَفْظَة شَيْء فالنص أَيْضا جَاءَ بهَا والبرهان أوجبهَا على مَا نذْكر بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم أَنه تَعَالَى نورا وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا يَخْلُو النُّور من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون جسماً وَإِمَّا أَن يكون عرضا وَأيهمَا كَانَ فقد قَامَ الْبُرْهَان أَنه تَعَالَى لَيْسَ جسماً وَلَا عرضا وَأما قَوْله تَعَالَى الله نور السَّمَوَات وَالْأَرْض فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ هدى الله بتنوير النُّفُوس إِلَى نور الله تَعَالَى فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وبرهان ذَلِك أَن الله أَدخل الأَرْض فِي جملَة مَا أخبر أَنه نور لَهُ فَلَو كَانَ
следующие страницы →