← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الصَّلِيب فِي دَار الْإِسْلَام بِلَا تقية وَمُحَمّد بن كرام يَقُول هُوَ القَوْل بِاللِّسَانِ وَإِن اعْتقد الْكفْر بِقَلْبِه وَأقرب فرق الْمُعْتَزلَة إِلَى أهل السّنة أَصْحَاب الْحُسَيْن بن مُحَمَّد النجار وَبشر ابْن غياث المريسي ثمَّ أَصْحَاب ضرار بن عَمْرو وأبعدهم أَصْحَاب أبي الهزيل وَأقرب مَذَاهِب الشِّيعَة إِلَى أهل السّنة المنتمون إِلَى أَصْحَاب الْحسن بن صَالح بن حَيّ الهمزاني الْفَقِيه الْقَائِلُونَ بِأَن الْإِمَامَة فِي ولد عَليّ ﵁ وَالثَّابِت عَن الْحسن بن صَالح ﵀ هُوَ قَوْلنَا أَن الْإِمَامَة فِي جَمِيع قُرَيْش وَتَوَلَّى جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ إِلَّا أَنه كَانَ يفضل عليا على جَمِيعهم وأبعدهم الإمامية وَأقرب فرق الْخَوَارِج إِلَى أهل السّنة أَصْحَاب عبد الله بن يزِيد الأباضي الفزازي الْكُوفِي وأبعدهم الْأزَارِقَة وَأما أَصْحَاب أَحْمد بن حابط وَأحمد بن مالوس وَالْفضل الْحَرَّانِي والغالية من الروافض والمتصوفة والبيطحية أَصْحَاب أبي إِسْمَاعِيل البطيحي وَمن فَارق الْإِجْمَاع من العجاردة وَغَيرهم فليسوا من أهل الْإِسْلَام بل كفار بِإِجْمَاع الْأمة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان ذكر مَا اعتمدت عَلَيْهِ كل فرقة من هَذِه الْفرق مِمَّا اخْتصّت بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما المرجئة فعمدتهم الَّتِي يتمسكون بهَا الْكَلَام فِي الْإِيمَان وَالْكفْر مَا هما وَالتَّسْمِيَة بهما والوعيد وَاخْتلفُوا فِيمَا عدا ذَلِك كَمَا اخْتلفت غَيرهم وَأما الْمُعْتَزلَة فعمدتهم الَّتِي يتمسكون بهَا الْكَلَام فِي التَّوْحِيد وَمَا يُوصف بِهِ الله تَعَالَى ثمَّ يزِيد بَعضهم الْكَلَام فِي الْقدر وَالتَّسْمِيَة بِالْفِسْقِ أَو الْإِيمَان والوعيد وَقد يُشَارك الْمُعْتَزلَة فِي الْكَلَام فِيمَا يُوصف الله تَعَالَى بِهِ جهم بن صَفْوَان وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان والأشعرية وَغَيرهم من المرجئية وَهِشَام بن الحكم وَشَيْطَان الطاق واسْمه مُحَمَّد بن جَعْفَر الْكُوفِي وَدَاوُد الْحوَاري وَهَؤُلَاء كلهم شيعَة إِلَّا أننا اختصصنا الْمُعْتَزلَة بِهَذَا الأَصْل لِأَن كل من تكلم فِي هَذَا الأَصْل فَهُوَ غير خَارج عَن قَول أهل السّنة أَو قَول الْمُعْتَزلَة حاشا هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين من المرجئة والشيعة فَإِنَّهُم انفردوا بأقوال خَارِجَة عَن قَول أهل السّنة والمعتزلة وَأما الشِّيعَة فعمدة كَلَامهم فِي الْإِمَامَة والمفاضلة بَين أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَاخْتلفُوا فِيمَا عدا ذَلِك كَمَا اخْتلف غَيرهم وَأما الْخَوَارِج فعمدة مَذْهَبهم الْكَلَام فِي الْإِيمَان وَالْكفْر مَا هما وَالتَّسْمِيَة بهما والوعد والإمامة وَاخْتلفُوا فِيمَا عدا ذَلِك كَمَا اخْتلف غَيرهم وَإِنَّمَا خصصنا هَذِه الطوائف بِهَذِهِ الْمعَانِي لِأَن من قَالَ إِن أَعمال الْجَسَد إِيمَان فَإِن الْإِيمَان يزِيد بِالطَّاعَةِ وَينْقص بالمعصية وَإِن مُؤمنا يكفر بِشَيْء من أَعمال الذُّنُوب وَإِن مُؤمنا بِقَلْبِه وبلسانه يخلد فِي النَّار فَلَيْسَ مرجئياً وَمن وافقهم على أَقْوَالهم هَا هُنَا وَخَالفهُم فِيمَا عدا ذَلِك من كل مَا اخْتلف الْمُسلمُونَ فِيهِ فَهُوَ مرجيء وَمن خَالف الْمُعْتَزلَة فِي خلق الْقُرْآن والرؤية والتشبيه وَالْقدر وَأَن صَاحب الْكَبِيرَة لَا مُؤمن وَلَا كَافِر لَكِن فَاسق فَلَيْسَ مِنْهُم وَمن وافقهم فِيمَا ذكرنَا فَهُوَ مِنْهُم وَإِن خالفهم فِيمَا سوى مَا ذكرنَا مِمَّا اخْتلف فِيهِ الْمُسلمُونَ وَمن وَافق

стр. 247

الشِّيعَة فِي أَن عليا ﵁ أفضل النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ وأحقهم بِالْإِمَامَةِ وَولده من بعده فَهُوَ شيعي وَإِن خالفهم فِيمَا عدا ذَلِك مِمَّا اخْتلف فِيهِ الْمُسلمُونَ فَإِن خالفهم فِيمَا ذكرنَا فَلَيْسَ شِيعِيًّا وَمن وَافق الْخَوَارِج من إِنْكَار التَّحْكِيم وتكفير أَصْحَاب الْكَبَائِر وَالْقَوْل بِالْخرُوجِ على أَئِمَّة الْجور وَإِن أَصْحَاب الْكَبَائِر مخلدون فِي النَّار وَأَن الْإِمَامَة جَائِزَة فِي غير قُرَيْش فَهُوَ خارجي وَإِن خالفهم فِيمَا عدا ذَلِك مِمَّا اخْتلف فِيهِ الْمُسلمُونَ خالفهم فِيمَا ذكرنَا فَلَيْسَ خارجياً قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأهل السّنة الَّذين نذكرهم أهل الْحق وَمن عداهم فَأهل الْبِدْعَة فَإِنَّهُم الصَّحَابَة ﵃ وكل من سلك نهجهم من خِيَار التَّابِعين رَحْمَة الله عَلَيْهِم ثمَّ أَصْحَاب الحَدِيث وَمن اتبعهم من الْفُقَهَاء جيلاً فجيلاً إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَو من اقْتدى بهم من الْعَوام فِي شَرق الأَرْض وغربها رَحْمَة الله عَلَيْهِم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد تسمى باسم الْإِسْلَام من أجمع جَمِيع فرق الْإِسْلَام على أَنه لَيْسَ مُسلما مثل طوائف من الْخَوَارِج غلوا فَقَالُوا إِن الصَّلَاة رَكْعَة بِالْغَدَاةِ وركعة بالْعَشي فَقَط وَآخَرُونَ استحلوا نِكَاح بَنَات الْبَنِينَ وَبَنَات الْبَنَات وَبَنَات بني الْإِخْوَة وَبَنَات بني الْأَخَوَات وَقَالُوا إِن سُورَة يُوسُف لَيست من الْقُرْآن وَآخَرُونَ مِنْهُم قَالُوا يحد الزَّانِي وَالسَّارِق ثمَّ يستتابون من الْكفْر فَإِن تَابُوا وَإِلَّا قتلوا وَطَوَائِف كَانُوا من الْمُعْتَزلَة ثمَّ غلوا فَقَالُوا بتناسم الْأَرْوَاح وَآخَرُونَ مِنْهُم قَالُوا إِن شَحم الْخِنْزِير ودماغه حَلَال وَطَوَائِف من المرجئية قَالُوا إِن إِبْلِيس لم يسْأَل الله قطّ النظرة وَلَا أقرّ بِأَن خلقه من نَار وَخلق آدم من تُرَاب وَآخَرُونَ قَالُوا إِن النُّبُوَّة تكتسب بِالْعَمَلِ الصَّالح وَآخَرُونَ كَانُوا من أهل السّنة فغلوا فَقَالُوا قد يكون فِي الصَّالِحين من هُوَ أفضل من الْأَنْبِيَاء وَمن الْمَلَائِكَة ﵈ وَأَن من عرف الله حق مَعْرفَته فقد سَقَطت عَنْهُم الْأَعْمَال والشرائع وَقَالَ بَعضهم بحلول الْبَارِي تَعَالَى فِي أجسام خلقه كالحلاج وَغَيره وَطَوَائِف كَانُوا من الشِّيعَة ثمَّ غلوا فَقَالَ بَعضهم بحلول الْبَارِي تَعَالَى فِي أجسام خلقه كالحلاج وَغَيره وَطَوَائِف كَانُوا من الشِّيعَة ثمَّ غلوا فَقَالَ بَعضهم بالآلهية عَليّ بن أبي طَالب ﵇ وَالْأَئِمَّة بعده وَمِنْهُم من قَالَ بنبوته وبتناسخ الْأَرْوَاح كالسيد الْحِمْيَرِي الشَّاعِر وَغَيره وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم بآلهية أبي الْخطاب مُحَمَّد بن أبي زَيْنَب مولى بني أَسد وَقَالَت طَائِفَة بنبوة الْمُغيرَة بن أبي سعيد مولي نَبِي بجلة وبنبوة أبي مَنْصُور الْعجلِيّ وبزيع الحايك وَبَيَان ابْن سمْعَان التَّمِيمِي وَغَيرهم وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم برجعة عَليّ إِلَى الدُّنْيَا وامتنعوا من القَوْل بِظَاهِر الْقُرْآن وَقَالُوا إِن لظاهره تأويلات فَمِنْهَا أَن قَالُوا السَّمَاء مُحَمَّد وَالْأَرْض أَصْحَابه وَأَن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة أَنَّهَا هِيَ فُلَانَة يَعْنِي أم الْمُؤمنِينَ ﵂ وَقَالُوا الْعدْل وَالْإِحْسَان هُوَ عَليّ والخبث والطاغوت فلَان وَفُلَان يعنون أَبَا بكر وَعمر ﵄ وَقَالُوا الصَّلَاة هِيَ دُعَاء الإِمَام وَالزَّكَاة هِيَ مَا يُعْطي الإِمَام وَالْحج الْقَصْد إِلَى الإِمَام وَفِيهِمْ خناقون ورضاخون وكل هَذِه الْفرق لَا تتَعَلَّق بِحجَّة أصلا وَلَيْسَ

стр. 248

بِأَيْدِيهِم إِلَّا دَعْوَى الإلهام والقحة والمجاهرة بِالْكَذِبِ وَلَا يلتفتون إِلَى مناظرة وَيَكْفِي من الرَّد عَلَيْهِم أَن يُقَال لَهُم مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من ادّعى أَنه ألهم بطلَان قَوْلكُم وَلَا سَبِيل إِلَى الانفكاك من هَذَا وَأَيْضًا فَإِن جَمِيع فرق الْإِسْلَام متبرئة مِنْهُم مكفرة لَهُم مجمعون على أَنهم على غير الْإِسْلَام نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْأَصْل فِي أَكثر خُرُوج هَذِه الطوائف عَن ديانَة الْإِسْلَام أَن الْفرس كَانُوا من سَعَة الْملك وعلو الْيَد على جَمِيع الْأُمَم وجلالة الخطير فِي أنفسهم حَتَّى أَنهم كَانُوا يسمون أنفسهم الْأَحْرَار وَالْأَبْنَاء وَكَانُوا يعدون سَائِر النَّاس عبيد لَهُم فَلَمَّا امتحنوا بِزَوَال الدولة عَنْهُم على أَيدي الْعَرَب وَكَانَت الْعَرَب أقل الْأُمَم عِنْد الْفرس خطراً تعاظمهم الْأَمر وتضاعفت لديهم الْمُصِيبَة وراموا كيد الْإِسْلَام بالمحاربة فِي أَوْقَات شَتَّى فَفِي كل ذَلِك يظْهر الله الْحق وَكَانَ من قائمتهم ستقادة واستاسيس وَالْمقنع وبابك وَغَيرهم وَقيل هَؤُلَاءِ رام ذَلِك عمار الملقب بخداش وابو سلم السراج فَرَأَوْا أَن كَيده على الْحِيلَة أنجع فأظهر قوم مِنْهُم الْإِسْلَام واستمالوا أهل النشيع بِإِظْهَار محبَّة أهل بَيت رَسُول الله ﷺ واسشناع ظلم عَليّ ﵁ ثمَّ سلكوا بهم مسالك شَتَّى حَتَّى أخرجوهم عَن الْإِسْلَام فقوم مِنْهُم أدخلوهم إِلَى القَوْل بِأَن رجلا ينْتَظر يدعى الْمهْدي عِنْده حَقِيقِيَّة الدّين إِذْ لَا يجوز أَن يُؤْخَذ الدّين من هَؤُلَاءِ الْكفَّار إِذْ نسبوا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِلَى الْكفْر وَقوم خَرجُوا إِلَى نبوة من ادعوا إِلَه النُّبُوَّة وَقوم سلكوا بهم المسلك الَّذِي ذكرنَا من القَوْل بالحلول وَسُقُوط الشَّرَائِع وَآخَرُونَ تلاعبوا فأوجبوا عَلَيْهِم خمسين صَلَاة فِي كل يَوْم وَلَيْلَة وَآخَرُونَ قَالُوا بل هِيَ سبع عشر صَلَاة فِي كل صَلَاة خَمْسَة عشر رَكْعَة وَهَذَا قَول عبد الله بن عَمْرو بن الْحَرْث الْكِنْدِيّ قبل أَن يصير خارجياً صغرياً وَقد سلك هَذَا المسلك أَيْضا عبد الله بن سبأ الْحِمْيَرِي الْيَهُودِيّ فَإِنَّهُ لَعنه الله أظهر الْإِسْلَام لكيد أَهله فَهُوَ كَانَ أصل إثارة النَّاس على عُثْمَان ﵁ وأحرق عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَمِنْهُم طوائف أعْلنُوا بالإلهية وَمن هَذِه الْأُصُول الملعونة حدثت الإسماعيلية والقرامطة وهما طَائِفَتَانِ مجاهرتان بترك الْإِسْلَام جملَة قائلتان بالمجوسية الْمَحْضَة ثمَّ مَذْهَب مردك الموبذ الَّذِي كَانَ على عهد أنوشروان بن قيمًا ملك الْفرس وَكَانَ يَقُول بِوُجُوب تأسي النَّاس فِي النِّسَاء وَالْأَمْوَال قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِذا بلغ النَّاس إِلَى هذَيْن الشعبين أَخْرجُوهُ عَن الْإِسْلَام كَيفَ شاؤا إِذْ هَذَا هُوَ غرضهم فَقَط فَالله الله عباد الله اتَّقوا الله فِي أَنفسكُم وَلَا يَغُرنكُمْ اهل الْكفْر والإلحاد من موه كَلَامه بِغَيْر برهَان لَكِن بتمويهات وَوعظ على خلاف مَا أَتَاكُم بِهِ كتاب ربكُم وَكَلَام نَبِيكُم ﷺ فَلَا خير فِيمَا سواهُمَا وَاعْلَمُوا أَن دين الله تَعَالَى ظَاهر لَا بَاطِن فِيهِ وجهر لَا سر تَحْتَهُ كُله برهَان لَا مُسَامَحَة فِيهِ واتهموا كل من يدعونَ أَن يتبع بِلَا برهَان وكل من ادّعى للديانة سرا وَبَاطنا فَهِيَ دعاوي ومخارق وَاعْلَمُوا أَن رَسُول الله ﷺ لم يكتم من الشَّرِيعَة كلمة فَمَا فَوْقهَا وَلَا

стр. 249

أطلع أخص النَّاس بِهِ من زَوْجَة أَو ابْنة أَو عَم أَو ابْن عَم أَو صَاحب على شَيْء من الشَّرِيعَة كتمه عَن الْأَحْمَر وَالْأسود ورعاة الْغنم وَلَا كَانَ عِنْده ﵇ السِّرّ وَلَا رمز وَلَا بَاطِن غير مَا دعِي النَّاس كلهم إِلَيْهِ وَلَو كتمهم شَيْئا لما بلغ كَمَا أَمر وَمن قَالَ هَذَا فَهُوَ كَافِر فإياكم وكل قَول لم يبين سَبيله وَلَا وضح دَلِيله وَلَا تعوجاً عَن مَا مضى عَلَيْهِ نَبِيكُم ﷺ وَأَصْحَابه ﵃ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد أوضحنا شنع جَمِيع هَذِه الْفرق فِي كتاب لنا لطيف اسْمه النصائح المنجية من الفضائح المخزية والقبائح المردية من أَقْوَال أهل الْبدع من الْفرق الْأَرْبَع الْمُعْتَزلَة والمرجئية والخوارج والشيع ثمَّ أضفناه إِلَى آخر كلامنا فِي النَّحْل من كتَابنَا هَذَا وَجُمْلَة الْخَيْر كُله أَن تلزموا مَا نَص عَلَيْهِ ربكُم تَعَالَى فِي الْقُرْآن بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين لم يفرط فِيهِ من شَيْء تبياناً لكل شَيْء وَمَا صَحَّ عَن نَبِيكُم ﷺ بِرِوَايَة الثقاة من أَئِمَّة أَصْحَاب الحَدِيث ﵃ مُسْند إِلَيْهِ ﵇ فهما طريقتان يوصلانكم إِلَى رضى ربكُم وَنحن نبتديء من هُنَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْمعَانِي الَّتِي هِيَ عُمْدَة مَا افترق الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ وَهِي التَّوْحِيد وَالْقدر وَالْإِيمَان والوعيد والإمامة والمفاضلة ثمَّ أَشْيَاء تسميها المتكلمون اللطائف ونورد كل مَا احْتَجُّوا بِهِ ونبين بالبراهين الضرورية أَن شَاءَ الله تَعَالَى وَجه الْحق من كل ذَلِك كَمَا فعلنَا فِيمَا خلا بعون الله تَعَالَى لنا وتأييده وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم فَأول ذَلِك الْكَلَام فِي التَّوْحِيد وَنفي التَّشْبِيه قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب طَائِفَة إِلَى القَوْل بِأَن الله تَعَالَى جسم وحجتهم فِي ذَلِك أَنه لَا يقوم فِي الْمَعْقُول إِلَّا جسم أَو عرض فَلَمَّا بَطل أَن يكون تَعَالَى عرضا ثَبت أَنه جسم وَقَالُوا إِن الْفِعْل لَا يَصح إِلَّا من جسم والباري تَعَالَى فَاعل فَوَجَبَ أَنه جسم وَاحْتَجُّوا بآيَات من الْقُرْآن فِيهَا ذكر الْيَد وَالْيَدَيْنِ وَالْأَيْدِي وَالْعين وَالْوَجْه وَالْجنب وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاء رَبك ويأتيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة وتجليه تَعَالَى وبأحاديث للجبل فِيهَا ذكر الْقدَم وَالْيَمِين وَالرجل والأصابع والتنزل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلِجَمِيعِ هَذِه النُّصُوص وُجُوه ظَاهِرَة بَيِّنَة خَارِجَة على خلاف مَا ظنوه وتأولوه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَانِ الاستدلالان فاسدان أما قَوْلهم أَنه لَا يقوم فِي الْمَعْقُول إِلَّا جسم أَو عرض فَإِنَّهَا قسْمَة نَاقِصَة وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَنه لَا يُوجد فِي الْعَالم إِلَّا جسم أَو عرض وَكِلَاهُمَا يَقْتَضِي بطبيعته وجود مُحدث لَهُ فالبضرورة لعلم أَنه لَو كَانَ محدثها جسماً أَو عرضا لَكَانَ يَقْتَضِي فَاعِلا فعله وَلَا بُد فَوَجَبَ بِالضَّرُورَةِ أَن فَاعل الْجِسْم وَالْعرض لَيْسَ جسماً وَلَا عرضا وَهَذَا برهَان يضْطَر إِلَيْهِ كل ذِي حس بضرورة الْعقل وَلَا بُد وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الْبَارِي تَعَالَى عَن إلحادهم جسماً لاقتضى ذَلِك ضَرُورَة أَن يكون لَهُ زمَان وَمَكَان هما غَيره وَهَذَا إبِْطَال التَّوْحِيد وَإِيجَاب الشّرك مَعَه تَعَالَى لشيئين سواهُ وَإِيجَاب أَشْيَاء مَعَه غير مخلوقة وَهَذَا كفر وَقد تقدم إفسادنا

стр. 250

لهَذَا القَوْل وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يعقل الْبَتَّةَ جسم إِلَّا مؤلف طَوِيل عريض عميق ونظارهم وَهُوَ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا فَإِن قَالُوهُ لَزِمَهُم أَن لَهُ مؤلفاً جَامعا مخترعاً فَاعِلا فَإِن منعُوا من ذَلِك لَزِمَهُم أَن لَا يوجبوا لما فِي الْعَالم من التَّأْلِيف لَا مؤلفاً وَلَا جَامعا إِذْ الْمُؤلف كُله كَيْفَمَا وجد يَقْتَضِي مؤلفاً ضَرُورَة فَإِن قَالُوا هُوَ جسم غير مؤلف قيل لَهُم هَذَا هُوَ الَّذِي لَا يعقل حَقًا وَلَا يتشكل فِي النَّفس الْبَتَّةَ فَإِن قَالُوا لَا فرق بَين فولنا شَيْء وَبَين قَوْلنَا جسم قيل لَهُم هَذِه دَعْوَى كَاذِبَة على اللُّغَة الَّتِي بهَا يَتَكَلَّمُونَ وَأَيْضًا فَهُوَ بَاطِل لِأَن الْحَقِيقَة أَنه لَو كَانَ الشَّيْء والجسم بِمَعْنى وَاحِد لَكَانَ الْعرض جسماً لِأَنَّهُ شَيْء وَهَذَا بَاطِل يتَعَيَّن والحقيقة هِيَ أَنه لَا فرق بَين قَوْلنَا شَيْء وَقَوْلنَا مَوْجُود وَحقّ وَحَقِيقَة ومثبت فَهَذِهِ كلهَا أَسمَاء مترادفة على معنى وَاحِد لَا يخْتَلف وَلَيْسَ مِنْهَا اسْم يَقْتَضِي صفة أَكثر من أَن الْمُسَمّى بذلك حق وَلَا مزِيد وَأما لَفْظَة جسم فَإِنَّهَا فِي اللُّغَة عبارَة عَن الطَّوِيل العريض العميق الْمُحْتَمل للْقِسْمَة ذِي الْجِهَات السِّت الَّتِي هِيَ فَوق وَتَحْت ووراء وأمام وَيَمِين وشمال وَرُبمَا عدم وَاحِدَة مِنْهَا وَهِي الفوق هذاحكم هَذِه الْأَسْمَاء فِي اللُّغَة الَّتِي هَذِه الْأَسْمَاء مِنْهَا فَمن أَرَادَ أَن يُوقع شَيْئا مِنْهَا على غير موضوعها فِي اللُّغَة فَهُوَ مَجْنُون وقاح وَهُوَ كمن أَرَادَ أَن يُسَمِّي الْحق بَاطِلا وَالْبَاطِل حَقًا وَأَرَادَ أَن يُسَمِّي الذَّهَب خشباً وَهَذَا غَايَة الْجَهْل والسخف إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بِنَقْل اسْم مِنْهَا عَن مَوْضُوعه إِلَى معنى آخر فَيُوقف عِنْده وَإِلَّا فَلَا وَإِنَّمَا يلْزم كل مناظر يُرِيد معرفَة الْحَقَائِق أَو التَّعْرِيف بهَا أَن يُحَقّق الْمعَانِي الَّتِي يَقع عَلَيْهَا الِاسْم ثمَّ يخبر بعد بهَا أرعنها بِالْوَاجِبِ وَأما مزج الْأَشْيَاء وقلبها عَن موضوعاتها فِي اللُّغَة فَهَذَا فعل السوفسطائية الوقحاء الْجُهَّال الغابنين لعقولهم وأنفسهم فَإِن قَالُوا لنا إِنَّكُم تَقولُونَ إِن الله حَيّ لَا كالأحياء وَعَلِيم لَا كالعلماء وقادر لَا كالقادرين وَشَيْء لَا كالأشياء فَلم منعتم القَوْل بِأَنَّهُ جسم لَا كالأجسام قيل لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَوْلَا النَّص الْوَارِد بتسميه تَعَالَى بِأَنَّهُ حَيّ وقدير وَعَلِيم مَا سميناه بِشَيْء من ذَلِك لَكِن الْوُقُوف عِنْد النَّص فرض وَلم يَأْتِ نَص بتسميته تَعَالَى جسماً وَلَا قَامَ الْبُرْهَان بتسميته جسماً بل الْبُرْهَان مَانع من تَسْمِيَته بذلك تَعَالَى وَلَو أَتَانَا نَص بتسميته تَعَالَى جسماً لوَجَبَ علينا القَوْل بذلك وَكُنَّا حِينَئِذٍ نقُول أَنه لَا كالأجسام كَمَا قُلْنَا فِي عليم وقدير وَحي وَلَا فرق وَأما لَفْظَة شَيْء فالنص أَيْضا جَاءَ بهَا والبرهان أوجبهَا على مَا نذْكر بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم أَنه تَعَالَى نورا وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا يَخْلُو النُّور من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون جسماً وَإِمَّا أَن يكون عرضا وَأيهمَا كَانَ فقد قَامَ الْبُرْهَان أَنه تَعَالَى لَيْسَ جسماً وَلَا عرضا وَأما قَوْله تَعَالَى الله نور السَّمَوَات وَالْأَرْض فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ هدى الله بتنوير النُّفُوس إِلَى نور الله تَعَالَى فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وبرهان ذَلِك أَن الله أَدخل الأَرْض فِي جملَة مَا أخبر أَنه نور لَهُ فَلَو كَانَ

стр. 251

الْأَمر على أَنه النُّور المضيء الْمَعْهُود لما خبأ الضياء سَاعَة من ليل أَو نَهَار الْبَتَّةَ فَلَمَّا رَأينَا الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك علمنَا أَنه بِخِلَاف مَا ظنوه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيبْطل قَول من وصف الله تَعَالَى بِأَنَّهُ جسم وَقَول من وَصفه بحركة تَعَالَى الله عَن ذَلِك إِن الضَّرُورَة توجب أَن كل متحرك فذو حَرَكَة وَأَن الْحَرَكَة لمتحرك بهَا وَهَذَا من بَاب الْإِضَافَة وَالصُّورَة فِي المتصور لمتصور وَهَذَا أَيْضا من بَاب الْإِضَافَة فَلَو كَانَ كل مُصَور متصوراً وكل محرك متحركا كالوجب وجوب أَفعَال لأوائل لَهَا وَهَذَا قد أبطلناه فِيمَا خلا من كتَابنَا بعون الله تَعَالَى لنا وتأييده إيانا فَوَجَبَ ضَرُورَة وجود محرك لَيْسَ متحركاً ومصور لَيْسَ متصوراً ضَرُورَة وَلَا بُد وَهُوَ الْبَارِي تَعَالَى محرك المتحركات ومصور المصورات لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وكل جسم فَهُوَ ذُو صُورَة وكل ذِي حَرَكَة فَهُوَ ذُو عرض مَحْمُول فِيهِ فصح أَنه تَعَالَى لَيْسَ جسماً وَلَا متحركاً وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فقد قدمنَا أَن الْحَرَكَة والسكون مُدَّة والمدة زمَان وَقد بَينا فِيمَا خلا من كتَابنَا أَن الزَّمَان مُحدث فالحركة محدثة وَكَذَلِكَ السّكُون والباري تَعَالَى لَا يلْحقهُ الْحَدث إِذْ لَو لحقه مُحدثا لحقه مُحدثا فالباري تَعَالَى غير متحرك وَلَا سَاكن ولفضا فَإِن الْجِسْم إِنَّمَا يفعل آثاراً فِي الْجِسْم فَقَط وَلَا يفعل الْأَجْسَام فالباري إِذن تَعَالَى على قَول المجسمة إِنَّمَا هُوَ فَاعل آثَار فِي الْأَجْسَام فَقَط لَا فَاعل أجسام الْعَالم تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا فَإِن قَالُوا فَإِنَّكُم تسمونه فَاعِلا وتسمون أَنفسكُم فاعلين وَهَذَا تَشْبِيه قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَا يُوجب لَك تَشْبِيها لِأَن التَّشْبِيه إِنَّمَا يكون بِالْمَعْنَى الْمَوْجُود فِي كلا المشتبهين لَا بالأسماء وَهَذِه التَّسْمِيَة إِنَّمَا هِيَ اشْتِرَاك فِي الْعبارَة فَقَط لِأَن الْفَاعِل من متحرك بِاخْتِيَار أَو باضطرار أَو عَارِف أَو شَاك أَو مُرِيد أَو كَانَ بِاخْتِيَار أَو ضمير أَو اضطرار كَذَلِك فَكل فَاعل منا فمتحرك وَذُو ضمير وكل متحرك فذو حَرَكَة تحركه وأعراض الضمائر انفعالات فَكل متحرك فَهُوَ منفعل وكل منفعل فلفاعل ضَرُورَة وَأما الْبَارِي تَعَالَى ففاعل بِاخْتِيَار واختراع لَا بحركة وَلَا بضمير فَهَذَا اخْتِلَاف لَا اشْتِبَاه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَكَذَلِكَ الْعرض لَيْسَ جسماً والجسم لَيْسَ عرضا والباري تَعَالَى لَيْسَ جسماً وَلَا عرضا فهذان الحكمان لَا يوجبان اشتباهاً أصلا بل هَذَا عين الِاخْتِلَاف لَكِن الِاشْتِبَاه إِنَّمَا يكون بِإِثْبَات معنى فِي المشتبهين بِهِ اشتبها وَلَو أوجب مَا ذكرنَا اشتباهاً لوَجَبَ أَن يكون لشبه الْجِسْم فِي الجسمية لِأَنَّهُ لَيْسَ عرضا وَإِن يكون لشبه الْعرض فِي العرضية لِأَنَّهُ لَيْسَ جسماً فَكَانَ يكون جسماً فَكَانَ يكون جسماً لَا جسماً عرضا لَا عرضا مَعًا وَهَذَا محَال فصح أَن بِالنَّفْيِ لَا يجب الِاشْتِبَاه أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن قَالَ أَن الله تَعَالَى جسم لَا كالأجسام فَلَيْسَ مشتبهاً لكنه الْحَد فِي أَسمَاء الله تَعَالَى إِذْ سَمَّاهُ بِمَا لم يسم بِهِ نَفسه وَأما من قَالَ أَنه تَعَالَى كالأجسام فَهُوَ ملحد

стр. 252

فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى ومشبه مَعَ ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما إِطْلَاق لفظ الصِّفَات لله تَعَالَى فمحال لَا يجوز لِأَن الله تَعَالَى لم ينص قطّ فِي كَلَامه الْمنزل على لَفْظَة الصِّفَات وَلَا على لفظ الصّفة وَلَا حفظ عَن النَّبِي ﷺ بِأَن لله تَعَالَى صفة أَو صِفَات نعم وَلَا جَاءَ قطّ ذَلِك عَن أحد من الصَّحَابَة ﵃ وَلَا عَن أحد من خِيَار التَّابِعين وَلَا عَن أحد من خِيَار تَابِعِيّ التَّابِعين وَمن كَانَ هَكَذَا فَلَا يحل لأحد أَن ينْطق بِهِ وَلَو قُلْنَا أَن الْإِجْمَاع قد تَيَقّن على ترك هَذِه اللَّفْظَة لصدقنا فَلَا يجوز القَوْل بِلَفْظ الصِّفَات وَلَا اعْتِقَاده بل هِيَ بِدعَة مُنكرَة فال الله تَعَالَى أَن هِيَ الْأَسْمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِنَّمَا اخترع لفظ الصِّفَات الْمُعْتَزلَة وَهِشَام ونظراؤه من رُؤَسَاء الرافضة وسلك سبيلهم قوم من أَصْحَاب الْكَلَام سلكوا غير مَسْلَك السّلف الصَّالح لَيْسَ فيهم أُسْوَة وَلَا قدرَة وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه وَرُبمَا أطلق هَذِه اللَّفْظَة من متأخري الْأَئِمَّة من القهاء من لم يُحَقّق النّظر فِيهَا فَهِيَ وهلة من فَاضل وذلة عَالم وَإِنَّمَا الْحق فِي الدّين مَا جَاءَ عَن الله تَعَالَى نصا أَو عَن رَسُوله ﷺ كَذَلِك أَو صَحَّ إِجْمَاع الْأمة كلهَا عَلَيْهِ وَمَا عدا هَذَا فضلال وكل محدثة بِدعَة فَإِن اعْترضُوا بِالْحَدِيثِ الَّذِي روينَاهُ من طَرِيق عبد الله بن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن سعيد بن أبي هِلَال عَن أبي الرَّجَاء مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن أمه عمْرَة عَن عَائِشَة ﵂ فِي الرجل الَّذِي كَانَ يقْرَأ قل هُوَ الله أحد فِي كل رَكْعَة مَعَ سُورَة أُخْرَى وَأَن رَسُول الله ﷺ أَمر أَن يسْأَل عَن ذَلِك فَقَالَ هِيَ صفة الرَّحْمَن فَأَنا أحبها فَأخْبرهُ ﵇ أَن الله يُحِبهُ فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن هَذِه اللَّفْظَة انْفَرد بهَا سعيد بن أبي هِلَال وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ قد ذكره بالتخطيط يحيى وَأحمد بن حَنْبَل وَأَيْضًا فَإِن احتجاج خصومنا بِهَذَا لَا يصوغ على أصولهم لِأَنَّهُ خبر وَاحِد لَا يُوجب عِنْدهم الْعلم وَأَيْضًا فَلَو صَحَّ لما كَانَ مُخَالفا لقولنا لأننا إِنَّمَا أَنْكَرْنَا قَول من قَالَ إِن أَسمَاء الله تَعَالَى مُشْتَقَّة من صِفَات ذَاته فَأطلق لذَلِك على الْعلم وَالْقُدْرَة وَالْقُوَّة وَالْكَلَام أَنَّهَا صِفَات وعَلى من أطلق إِرَادَة وسمعاً وبصراً وحياة وَأطلق أَنَّهَا صِفَات فَهَذَا الَّذِي أنكرناه غَايَة الْإِنْكَار وَلَيْسَ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور وَلَا فِي غَيره شَيْء من هَذَا أصلا وَإِنَّمَا فِيهِ أَن قل هُوَ الله أحد خَاصَّة صفة الرَّحْمَن وَلم ننكر هَذَا نَحن بل هُوَ خلاف لقَولهم وَحجَّة عَلَيْهِم لأَنهم لَا يخصون قل هُوَ الله أحد بذلك دون سَائِر الْقُرْآن وَدون الْكَلَام وَالْعلم وَغير ذَلِك وَفِي هَذَا الْخَبَر تَخْصِيص لقَوْله قل هُوَ الله أحد وَحدهَا بذلك وَقل هُوَ الله أحد خبر عَن الله تَعَالَى بِمَا هُوَ الْحق فَنحْن نقُول فِيهَا هِيَ صفة الرَّحْمَن لِمَعْنى أَنَّهَا خبر عَنهُ تَعَالَى حق فَظهر أَن هَذَا الْخَبَر حجَّة عَلَيْهِم لنا وَأَيْضًا فَمن أعجب الْبَاطِل أَن يحْتَج بِهَذَا الْخَبَر فِيمَا لَيْسَ

стр. 253

فِيهِ مِنْهُ شيءٌ من يُخَالِفهُ ويعصيه فِي الحكم الَّذِي ورد فِيهِ من اسْتِحْسَان قِرَاءَة قل هُوَ الله أحد فِي كل رَكْعَة مَعَ سُورَة أُخْرَى فلهذه الفضائح فلتعجب أهل الْعُقُول وَأما الصّفة الَّتِي يطلقونهم فَإِنَّمَا هِيَ فِي اللُّغَة وَاقعَة على عرض فِي جَوْهَر لَا على غير ذَلِك أصلا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ﴾ فَأنْكر تَعَالَى إِطْلَاق الصِّفَات جملَة فَبَطل تمويه من موه بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور ليستحل بذلك مَا لَا يحل من إِطْلَاق لَفْظَة الصِّفَات حَيْثُ لم يَأْتِ بإطلاقها فِيهِ نَص وَلَا إِجْمَاع أصلا وَلَا أثر عَن السّلف وَالْعجب من اقتصارهم على لَفْظَة الصِّفَات ومنعهم من القَوْل بِأَنَّهَا نعوت وسمات وَلَا فرق بَين هَذِه الْأَلْفَاظ لَا فِي لُغَة وَلَا فِي معنى وَلَا فِي نَص وَلَا فِي إِجْمَاع القَوْل فِي الْمَكَان والاستواء قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهبت الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن الله فِي كل مَكَان وَاحْتَجُّوا بقول الله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَول الله تَعَالَى يجب حمله على ظَاهره مَا لم يمْنَع من حمله على ظَاهره نَص آخر أَو إِجْمَاع أَو ضَرُورَة حس وَقد علمنَا أَن كل مَا كَانَ فِي مَكَان فَإِنَّهُ شاغل لذَلِك الْمَكَان وَمَالِي لَهُ ومتشكل بشكل الْمَكَان وَالْمَكَان متشكل بشكله وَلَا بُد من أحد الْأَمريْنِ ضَرُورَة وَعلمنَا أَن مَا كَانَ فِي مَكَان فَإِنَّهُ متناه بتناهي مَكَانَهُ وَهُوَ ذُو جِهَات سِتّ أَو خمس متناهية فِي مَكَانَهُ وَهَذِه كلهَا صِفَات الْجِسْم فَلَمَّا صَحَّ مَا ذكرنَا علمنَا أَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ إِنَّمَا هُوَ التَّدْبِير لذَلِك والإحاطة بِهِ فَقَط ضَرُورَة لانْتِفَاء مَا عدا ذَلِك وَأَيْضًا فَإِن قَوْلهم فِي كل مَكَان خطأ لِأَنَّهُ يلْزم بِمُوجب هَذَا القَوْل أَنه يمْلَأ الْأَمَاكِن كلهَا وَأَن يكون مَا فِي الْأَمَاكِن فِيهِ الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَهَذَا محَال فَإِن قَالُوا هُوَ فِيهَا بِخِلَاف كَون المتمكن فِي الْمَكَان قيل لَهُم هَذَا لَا يعقل وَلَا يقوم عَلَيْهِ دَلِيل وَقد قُلْنَا أَنه لَا يجوز إِطْلَاق اسْم على غير مَوْضُوعه فِي اللُّغَة إِلَّا أَن يَأْتِي بِهِ نَص فيقف عِنْده وندري حِينَئِذٍ أَنه مَنْقُول إِلَى ذَلِك الْمَعْنى الآخر وَإِلَّا فَلَا فَإذْ قد صَحَّ مَا قد ذكرنَا فَلَا يجوز أَن يُطلق القَوْل بِأَن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان لَا على تَأْوِيل وَلَا غَيره لِأَنَّهُ حكم بِأَنَّهُ تَعَالَى فِي الْأَمْكِنَة لَكِن يُطلق القَوْل بِأَنَّهُ تَعَالَى مَعنا فِي كل مَكَان وَيكون قَوْلنَا حينئذٍ فِي كل مَكَان إِنَّمَا هُوَ من صلَة الضَّمِير الَّذِي هُوَ النُّون وَالْألف اللَّذَان فِي مَعنا لَا مِمَّا يخبر بِهِ عَن الله تَعَالَى وَهَذَا هُوَ معنى قَوْله ﴿هُوَ مَعَهم أَيْن مَا كَانُوا﴾ وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم وَذهب قوم إِلَى أَن الله تَعَالَى فِي مَكَان دون مَكَان وَقَوْلهمْ هَذَا يفْسد بِمَا ذكرنَا آنِفا وَلَا فرق وَاحْتج هَؤُلَاءِ بقوله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد تَأَول الْمُسلمُونَ فِي هَذِه الْآيَة تأويلات أَرْبَعَة أَحدهَا قَول المجسمة وَقد

стр. 254

أبنا بحول الله فَسَاده وَالْآخر قالته الْمُعْتَزلَة وَهُوَ أَن مَعْنَاهُ استولى وأنشدوا قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا فَاسد لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك لما كَانَ الْعَرْش أولى بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ من سَائِر الْمَخْلُوقَات ولجاز لنا أَن نقُول الرَّحْمَن على الأَرْض اسْتَوَى لِأَنَّهُ تَعَالَى مستولٍ عَلَيْهَا وعَلى كل مَا خلق وَهَذَا لَا يَقُوله أحد فَصَارَ هَذَا القَوْل دَعْوَى مُجَرّدَة بِلَا دَلِيل فَسقط وَقَالَ بعض أَصْحَاب بن كلاب أَن الاسْتوَاء صفة ذَات وَمَعْنَاهُ نفي الاعوجاج قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا القَوْل فِي غَايَة الْفساد لوجوه أَحدهَا أَنه تَعَالَى لم يسم نَفسه مستوياً وَلَا يحل لأحد أَن يسم الله تَعَالَى بِمَا لم يسم بِهِ نَفسه لِأَن من فعل ذَلِك فقد ألحد فِي أَسْمَائِهِ حُدُود الله أَي مَال عَن الْحق وَقد حد الله تَعَالَى فِي تَسْمِيَته حدوداً فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ وَثَانِيها أَن الْأمة مجمعة على أَنه لَا يَدْعُو أحد فَيَقُول يَا مستوي ارْحَمْنِي وَلَا يُسَمِّي ابْنه عبد المستوي وَثَالِثهَا أَنه لَيْسَ كل مَا نفي عَن الله وَجب أَن يُوقع عَلَيْهِ ضِدّه لأننا ننفي عَن الله تَعَالَى السّكُون وَلَا يحل أَن يُسمى الله متحركاً وننفي عَنهُ الْحَرَكَة وَلَا يجوز أَن يُسمى سَاكِنا وننفي عَنهُ الْجِسْم وَلَا يجوز أَن يُسمى سَاكِنا وَنفي عَنهُ النّوم وَلَا يجوز أَن يُسمى يقظاناً وَلَا منتبهاً وَلَا أَن يُسمى لنفي الانحناء عَنهُ مُسْتَقِيمًا وَكَذَلِكَ كل صفة لم يَأْتِ بهَا النَّص فَكَذَلِك الاسْتوَاء والاعوجاج منفيان عَنهُ مَعًا وَتَعَالَى الله عَن ذَلِك لِأَن كل ذَلِك من صِفَات الْأَجْسَام وَمن جملَة الْإِعْرَاض وَالله قد تَعَالَى عَن الْأَعْرَاض وَرَابِعهَا أَنه يلْزم من قَالَ بِهَذَا القَوْل الْفَاسِد أَن يكون الْعَرْش لم يزل تَعَالَى الله عَن ذَلِك لِأَنَّهُ تَعَالَى علق الاسْتوَاء بالعرش فَلَو كَانَ الاسْتوَاء لم يزل لَكَانَ الْعَرْش لم يزل وَهَذَا كفر وخامسها أَنه لَو كَانَ الاسْتوَاء هَهُنَا نفي الاعوجاج لم يكن لإضافة ذَلِك إِلَى الْعَرْش معنى ولكان كلَاما فَاسِدا لاوجه لَهُ فَإِن اعْترضُوا فَقَالُوا إِنَّكُم تسمونه سميعاً بَصيرًا وَأَنه لم يزل كَذَلِك فيلزمكم على هَذَا أَن المسموعات والمبصرات لم تزل قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد هَذَا لَا يلْزمنَا لأننا لَا نسمي الله إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه فَنَقُول قَالَ الله تَعَالَى السَّمِيع الْبَصِير فَقُلْنَا بذلك أَنه لم يزل وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير بِذَاتِهِ كَمَا هُوَ وَلَا نقُول لَا يسمع وَلَا يبصر فنزيد على مَا أَتَى بِهِ النَّص شَيْئا وَنحن نقُول أَنه تَعَالَى لم يزل سمعيا للمسموعات بَصيرًا بالمبصرات يرى المرئيات وَيسمع المسموعات وَمعنى هَذَا كُله أَنه عَالم بِكُل ذَلِك كَمَا قَالَ الله تَعَالَى إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى وَهَذَا كُله معنى الْعلم الَّذِي لَا يَقْتَضِي وجود المعلومات لم تزل لَكِن يعلم مَا يكون أَنه سَيكون على حَقِيقَته وَيعلم مَا هُوَ كَمَا هُوَ وَيعلم مَا قد كَانَ كَمَا قد كَانَ وَهَذَا نجده حسا ومشاهدة وضرورة لأننا فِيمَا بَيْننَا قد نعلم أَن زيدا سيموت وَمَوته لم يَقع وَلَيْسَ هَكَذَا قَوْلهم فِي الاسْتوَاء لِأَنَّهُ مُرْتَبِط بالعرش فَإِن قَالُوا لنا فَإِذن معنى سميع بَصِير هُوَ بعد

стр. 255

معنى عليم فَقولُوا أَنه تَعَالَى يبصر المسموعات وَيسمع المرئيات قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق مَا يمْنَع من هَذَا وَلَا ننكره بل هُوَ صَحِيح لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا قَالَ أسمع وَأرى فَهَذَا إِطْلَاق لَهُ على كل شَيْء على عُمُومه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَالْقَوْل الرَّابِع فِي معنى الاسْتوَاء هُوَ أَن معنى قَوْله تَعَالَى على الْعَرْش اسْتَوَى أَنه فعل فعله فِي الْعَرْش وَهُوَ انْتِهَاء خلقه إِلَيْهِ فَلَيْسَ بعد الْعَرْش شَيْء وَيبين ذَلِك أَن رَسُول الله ﷺ ذكر الجنات وَقَالَ فسألوا الله الفردوس الْأَعْلَى فَإِنَّهُ وسط الْجنَّة وَأَعْلَى الْجنَّة وَفَوق ذَلِك عرش الرَّحْمَن فصح أَنه لَيْسَ وَرَاء الْعَرْش خلق وَأَنه نِهَايَة جرم الْمَخْلُوقَات الَّذِي لَيْسَ خَلفه خلاء وَلَا ملاء وَمن أنكر أَن يكون للْعَالم نِهَايَة من المساحة وَالزَّمَان وَالْمَكَان فقد لحق بقول الدهرية وَفَارق الْإِسْلَام والاستواء فِي اللُّغَة يَقع على الِانْتِهَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلماً﴾ أَي فَمَا انْتهى إِلَى الْقُوَّة وَالْخَيْر وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان﴾ أَي أَن خلقه وَفعله انْتهى إِلَى السَّمَاء بعد أَن رتب الأَرْض على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَذَا هُوَ الْحق وَبِه نقُول لصِحَّة الْبُرْهَان بِهِ وَبطلَان مَا عداهُ فَأَما القَوْل الثَّالِث فِي الْمَكَان فَهُوَ أَن الله تَعَالَى لَا فِي مَكَان وَلَا فِي زمَان أصلا وَهُوَ قَول الْجُمْهُور من أهل السّنة وَبِه نقُول وَهُوَ الَّذِي لَا يجوز غَيره لبُطْلَان كل مَا عداهُ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿أَلا إِنَّه بِكُل شَيْء مُحِيط﴾ فَهَذَا يُوجب ضَرُورَة أَنه تَعَالَى لَا فِي مَكَان إِذْ لَو كَانَ فِي الْمَكَان لَكَانَ الْمَكَان محيطاً بِهِ من جِهَة مَا أَو من جِهَات وَهَذَا مُنْتَفٍ عَن الْبَارِي تَعَالَى بِنَصّ الْآيَة المذكروة وَالْمَكَان شَيْء بِلَا شكّ فَلَا يجوز أَن يكون شَيْء فِي مَكَان وَيكون هُوَ محيطاً بمكانه هَذَا محَال فِي الْعقل يعلم امْتِنَاعه ضَرُورَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَإِنَّهُ فِي مَكَان إِلَّا مَا كَانَ جسماً أَو عرضا فِي جسم هَذَا الَّذِي لَا يجوز سواهُ وَلَا يتنكل فِي الْعقل وَالوهم غَيره الْبَتَّةَ وَإِذا انْتَفَى أَن يكون الله جسما أَو عرضا فقد انْتَفَى أَن يكون فِي مَكَان أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ فَقَوله الْحق نؤمن بِهِ يَقِينا وَالله أعلم بمراده فِي هَذَا القَوْل وَلَعَلَّه عَنى السَّمَوَات السَّبع والكرسي فَهَذِهِ ثَمَانِيَة أجرام هِيَ يَوْمئِذٍ والآن بَيْننَا وَبَين الْعَرْش ولعلهم أَيْضا ثَمَانِيَة مَلَائِكَة وَالله أعلم نقُول مَا قَالَ رَبنَا تَعَالَى ونقطع أَنه حق يَقِين على ظَاهره وَهُوَ أعلم بِمَعْنَاهُ وَمرَاده وَأما الخرافات فلسنا مِنْهَا فِي شَيْء وَلَا يَصح فِي هَذَا خبر عَن رَسُول الله ﷺ وَلَكنَّا نقُول هَذِه غيوب لَا دَلِيل لنا على المُرَاد بهَا لَكنا نقُول ﴿آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾ وكل مَا قَالَه الله تَعَالَى فَحق لَيْسَ مِنْهُ شَيْء منافياً للمعقول بل هُوَ كُله قبل أَن يخبرنا الله تَعَالَى فِي حد الْإِمْكَان عندنَا ثمَّ إِذا أخبر بِهِ صَار وَاجِبا حَقًا يَقِينا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله﴾ فصح يَقِينا أَن للعرش حَملَة وهم الْمَلَائِكَة المنقادون لأَمره تَعَالَى كَمَا نقُول أَنا أحمل هَذَا الْأَمر أَي أقوم بِهِ وأتولاه وَقد قَالَ تَعَالَى أَنهم يَفْعَلُونَ مَا يؤمرون

стр. 256

وَأَنَّهُمْ يتنزلون بِالْأَمر وَأما الْحَامِل للْكُلّ والممسك للْكُلّ فَهُوَ الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله يمسك السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا وَلَئِن زالتا إِن أمسكهما من أحد من بعده﴾ الْكَلَام فِي الْعلم قَالَ الله ﴿أنزلهُ بِعِلْمِهِ﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَنه لَهُ علما ثمَّ اخْتلف النَّاس فِي علم الله تَعَالَى فَقَالَ جُمْهُور الْمُعْتَزلَة إِطْلَاق الْعلم لله إِنَّمَا هُوَ مجَاز لَا حَقِيقَة وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه تَعَالَى لَا يجهل وَقَالَ سَائِر النَّاس أَن الله تَعَالَى علما حَقِيقَة لَا مجَاز ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَقَالَ جهم بن صَفْوَان وَهِشَام بن الحكم وَمُحَمّد بن عبد الله ابْن سيرة وأصحابهم أَن علم الله تَعَالَى هُوَ غير الله تَعَالَى وَهُوَ مُحدث مَخْلُوق سمعنَا ذَلِك مِمَّن جالسنا مِنْهُم وناظرناهم عَلَيْهِ وَقَالَت طوائف من أهل السّنة علم الله تَعَالَى غير مَخْلُوق لم يزل وَلَيْسَ هُوَ الله وَلَا هُوَ غير الله وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ فِي أحد قوليه لَا يُقَال هُوَ الله وَلَا هُوَ غير الله وَقَالَ فِي قَول لَهُ آخر وَافقه عَلَيْهِ الباقلاني وَجُمْهُور أَصْحَابه أَن علم الله تَعَالَى هُوَ غير الله وَخلاف الله وَأَنه مَعَ ذَلِك غير مَخْلُوق لم يزل وَقَالَ أَبُو الْهُذيْل العلاف وَأَصْحَابه علم الله لم يزل وَهُوَ الله وَقَالَت طوائف من أهل السّنة علم الله لم يزل وَهُوَ غير مَخْلُوق وَلَيْسَ هُوَ غير الله تَعَالَى وَلَا نقُول هُوَ الله وَكَانَ هِشَام ابْن عمر القوطي أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة لَا يُطلق القَوْل بِأَن الله لم يزل عَالما بالأشياء قبل كَونهَا لَيْسَ لِأَنَّهُ لَا يعلم مَا يكون قبل أَن يكون بل كَانَ يَقُول إِن الله تَعَالَى لم يزل عَالما بِأَنَّهُ سَتَكُون الْأَشْيَاء إِذا كَانَت قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَأَما من أنكر أَن يكون لله تَعَالَى علم فَإِنَّهُم قَالُوا لَا يَخْلُو لَو كَانَ الله تَعَالَى علم من أَن يكون غَيره أَو يكون هُوَ هُوَ فَإِن كَانَ غَيره فَلَا يَخْلُو من أَن يكون مخلوقا أَو لم يزل وَأي الْأَمريْنِ كَانَ فَهُوَ فَاسد فَإِن كَانَ هُوَ الله فَالله علم وَهَذَا فَاسد قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما نفس قَوْلهم فِي أَن لَيْسَ لله تَعَالَى علم فمخالف لِلْقُرْآنِ وَمَا خَالف الْقُرْآن فَبَاطِل وَلَا يحل لأحد أَن يُنكر مَا نَص الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَقد نَص الله تَعَالَى على أَنه لَهُ علما فَمن أنكرهُ فقد اعْترض على الله تَعَالَى وَأما اعتراضاتهم الَّتِي ذكرنَا ففاسدة كلهَا وسنوضح فَسَادهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي إفسادنا لقَوْل الْجَهْمِية والأشعرية لِأَن هَذِه الاعتراضات هِيَ اعتراضات هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد احْتج جهم بن صَفْوَان بِأَن قَالَ لَو كَانَ علم الله تَعَالَى لم يزل لَكَانَ لَا يَخْلُو من أَن لَا يكون هُوَ الله وَهُوَ غَيره فَإِن كَانَ علم الله غير الله وَهُوَ لم يزل فَهَذَا تشريك لله تَعَالَى وايجاب الأزلية لغيره تَعَالَى مَعَه وَهَذَا كفر وَإِن كَانَ هُوَ الله فَالله علم وَهَذَا إلحاد وَقَالَ نسْأَل من أنكر أَن يكون علم الله تَعَالَى هُوَ غَيره فَنَقُول أخبرونا إِذا قُلْنَا الله ثمَّ قُلْنَا إِنَّه عليم فَهَل فهمتم من قَوْلنَا عليم شَيْئا زايداً غير مَا فهمتم من قَوْلنَا الله أم لَا فَإِن قُلْتُمْ لَا أحلتم وَإِن قُلْتُمْ نعم أثبتم معنى آخر هُوَ غير الله وَهُوَ علمه وَهَكَذَا قَالُوا فِي قدير وَقَوي وَفِي سَائِر مَا دعوا فِيهِ الصِّفَات وَقَالَ أَيْضا إننا نقُول أَن الله تَعَالَى عَالم بِنَفسِهِ وَلَا نقُول أَنه قَادر على نَفسه فصح أَن علمه

стр. 257

تَعَالَى هُوَ غير قدرته وَإِذا هُوَ غَيرهَا فهما غير الله تَعَالَى وَقد يعلم الله تَعَالَى قَادِرًا من لَا يُعلمهُ عَالما ويعلمه عَالما من لَا يُعلمهُ قَادِرًا فصح أَن كل ذَلِك معَان مُتَغَايِرَة وَاحْتج بِهَذَا كُله أَيْضا من رأى أَنه علم الله تَعَالَى لم يزل وَأَنه مَعَ ذَلِك غير الله تَعَالَى وَأَنه غير قدرته أَيْضا وَاحْتج بآيَات من الْقُرْآن مثل قَوْله تَعَالَى ﴿ولنبلونكم حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ﴾ وَمثل هَذِه قَالَ أَبُو مُحَمَّد من قَالَ بحدوث الْعلم فَإِنَّهُ قَول عَظِيم جدا لِأَنَّهُ نَص بِأَن الله تَعَالَى لم يعلم شَيْئا حَتَّى أحدث لنَفسِهِ علما وَإِذا ثَبت أَن الله تَعَالَى يعلم الْآن الْأَشْيَاء فقد انْتَفَى عَنهُ الْجَهْل بهَا يَقِينا فَلَو كَانَ يَوْمًا من الدَّهْر لَا يعلم شَيْئا مِمَّا سَيكون فقد ثَبت لَهُ الْجَهْل بِهِ وَلَا بُد من هَذَا ضَرُورَة وَإِثْبَات الْجَهْل لله تَعَالَى كفر بِلَا خلاف لِأَنَّهُ وَصفه تَعَالَى بِالنَّقْصِ وَوَصفه يَقْتَضِي لَهُ الْحُدُوث وَلَا بُد وَهَذَا بَاطِل مِمَّا قدمنَا من انْتِفَاء جَمِيع صِفَات الْحُدُوث عَن الْفَاعِل تَعَالَى وَلَيْسَ هَذَا من بَاب نفي الضدين عَنهُ كنفينا عَنهُ تَعَالَى الْحَرَكَة والسكون لِأَن نفي جَمِيع الضدين مَوْجُود عَمَّا لَيْسَ فِيهِ أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا وَأما إِذا ثَبت للموصوف بعض نوع من الصِّفَات وانتفى عَنهُ بعض ذَلِك النَّوْع فَلَا بُد هَهُنَا ضَرُورَة من إِثْبَات ضِدّه مِثَال ذَلِك الْحجر انْتَفَى عَنهُ الْعلم وَالْجهل وَأما الْإِنْسَان إِذا ثَبت لَهُ الْعلم بِشَيْء وانتفى عَنهُ الْعلم بِشَيْء آخر فقد وَجب ضَرُورَة إِثْبَات الْجَهْل لَهُ بِمَا لم يُعلمهُ وَهَكَذَا فِي كل شَيْء فَإِذا قد صَحَّ هَذَا فَالْوَاجِب النّظر فِي إِفْسَاد احتجاجهم فَأَما قَوْلهم لَو كَانَ علم الله لم يزل وَهُوَ غير الله تَعَالَى لَكَانَ ذَلِك شركا فَهُوَ قَول صَحِيح وَاعْتِرَاض لَا يرد وَأما قَوْلهم لَو كَانَ هُوَ الله لَكَانَ الله علما فَهَذَا لَا يلْزم على مَا نبين بعد هَذَا إِن شَاءَ الله وَجُمْلَة ذَلِك أننا لَا نسمي الله إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه وَلم يسم نَفسه علما وَلَا قدرَة فَلَا يحل لأحد أَن يسمه بذلك وَأما قَوْله هَل يفهم من قَول الْقَائِل الله كَالَّذي يفهم من قَوْله عَالم فَقَط أَو يفهم من قَوْله عَالم معنى غير مَا يفهم من قَوْله الله فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أننا لَا نفهم من قَوْلنَا قدير وعالم إِذا أردنَا بذلك الله تَعَالَى إِلَّا مَا نفهم من قَوْلنَا الله فَقَط لِأَن كل ذَلِك أَسمَاء أَعْلَام لَا مُشْتَقَّة من صفة أصلا لَكِن إِذا قُلْنَا هُوَ الله تَعَالَى بِكُل شَيْء عليم وَيعلم

стр. 258

الْغَيْب فَإِنَّمَا يفهم من كل ذَلِك أَن هَهُنَا لَهُ تَعَالَى مَعْلُومَات وَأَنه لايخفى عَلَيْهِ شَيْء وَلَا يفهم مِنْهُ الْبَتَّةَ أَن لَهُ علما هُوَ غَيره وَهَكَذَا نقُول فِي يقدر وَفِي غير ذَلِك كُله وَأما قَوْلهم أننا نقُول أَنه تَعَالَى عَالم بِنَفسِهِ وَلَا نقُول أَنه قَادر على نَفسه فقد كذب من قَالَ ذَلِك وإفك بل كل ذَلِك سَوَاء وَهُوَ تَعَالَى قَادر على نَفسه كَمَا هُوَ عَالم بهَا وَلَا فرق بَين ذَلِك وَقد سقط عَن هَذَا السُّؤَال جملَة وَقد تكلمنا على تَفْصِيل هَذَا السُّؤَال بعد هَذَا ويلزمهم ضَرُورَة إِذْ قَالُوا أَنه تَعَالَى غير قَادر على نَفسه أَنه عَاجز عَن نَفسه وَإِطْلَاق هَذَا كفر صَرِيح وَأما قَوْلهم أَنه قد يعلم الله تَعَالَى قَادِرًا من لَا يُعلمهُ عَالما ويعلمه عَالما من لَا يُعلمهُ قَادِرًا فَلَا حجَّة فِي ذَلِك لِأَن جهل من جهل الْحق لَيْسَ بِحجَّة على الْحق وَقد نجد من يعلم الله ويعتقد فِيهِ أَنه جسم فَلَيْسَتْ الظنون حجَّة فِي إبِْطَال حق وَلَا فِي تَحْقِيق بَاطِل فصح أَن علم الله تَعَالَى حق وَقدرته حق وقوته حق وكل ذَلِك لَيْسَ هُوَ غير الله تَعَالَى وَلَا الْعلم غير الْقُدْرَة وَلَا الْقُدْرَة غير الْعلم إِذْ لم يَأْتِ دَلِيل بِغَيْر هَذَا لَا من عقل وَلَا من سمع وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وحهم بن صَفْوَان سمرقندي يكنى أَبَا مُحرز مولى لبني راسب من الأزد وَكَانَ كالبا لِلْحَارِثِ ابْن شُرَيْح التَّمِيمِي أَيَّام قِيَامه بخراسان وظفر مُسلم بن أحوز التَّمِيمِي بجهم فِي تِلْكَ الْأَيَّام فَضرب عُنُقه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمعنى كل مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن من الْآيَات الَّتِي ذكرُوا هُوَ مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى بحوله هُوَ أَنه لما أخبرنَا الله بِأَن أهل النَّار لَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ وَأخْبرنَا بِأَنَّهُ يعلم مَتى تقوم السَّاعَة وَأخْبرنَا مَا تَقول أهل الْجنَّة وَأهل النَّار قبل أَن يَقُولُوا أَو سَائِر مَا فِي الْقُرْآن وَالْأَخْبَار الصادقة عَمَّا لم يكن بعد علمنَا بذلك إِن علمه تَعَالَى بالأشياء كلهَا مقدم لوجودها ولكونها ضَرُورَة وَعلمنَا أَن كَلَامه لَا يتناقض وَلَا يتدافع وَأَن المُرَاد بقوله تَعَالَى حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم وَسَائِر مَا فِي الْقُرْآن من مثل هَذَا إِنَّمَا هُوَ على ظَاهره دون تكلّف تَأْوِيل بل على الْمَعْهُود بَيْننَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ فَمَا هُوَ كُله على حسب إِدْرَاك لمخاطب وَمعنى ذَلِك أَي حَتَّى نعلم من يُجَاهد مِنْكُم مُجَاهدًا ونعلم من يصير مِنْكُم صَابِرًا وَهَذَا لَا يكون إِلَّا فِي حِين جهادهم وَحين صبرهم وَأما قبل أَن يجاهدوا ويصبروا فَإِنَّمَا علمهمْ غير مجاهدين وَغير صابرين وَأَنَّهُمْ سيجاهدون ويصبرون فَإِذا جاهدوا علمهمْ حينئذٍ مجاهدين وَإِنَّمَا الزَّمَان فِي كل هَذَا للعلوم وَأما علمه تَعَالَى فَفِي غير زمَان وَلَيْسَ هَهُنَا تبدل علم وَإِنَّمَا يتبدل الْمَعْلُوم فَقَط وَالْعلم بِكُل ذَلِك لم يزل غير متبدل فَإِن قَالُوا مَتى علم الله زيدا مَيتا

стр. 259

فَإِن قُلْتُمْ لم يزل يُعلمهُ مَيتا وَجب أَن زيدا لم يزل مَيتا وَهَذَا محَال وَإِن قُلْتُمْ لم يُعلمهُ مَيتا حَتَّى مَاتَ فَهَذَا قَوْلنَا لَا قَوْلكُم فَالْجَوَاب عَن هَذَا أننا لَا نقُول شَيْئا مِمَّا ذكر ولكننا نقُول أَن الله عز حجل لم يزل يعلم أَنه سيخلف زيدا وَأَنه سيعيش كَذَا وَكَذَا وَأَنه سيموت فِي وَقت كَذَا فَعلم الله تَعَالَى بِكُل ذَلِك وَاحِد لَا يتبدل وَلَا يَسْتَحِيل وَلَا زَاد فِيهِ تبدل الْأَحْوَال الَّتِي للمعلوم شَيْئا وَلَا نقص مِنْهُ عدمهَا شَيْئا وَلَا أحدث لَهُ حُدُوث ذَلِك علما لم يكن وَإِنَّمَا تغاير المعلومات لَا الْعلم وَلَا الْعَلِيم وَلَا الْقُدْرَة وَلَا الْقَدِير وَالْفرق بَين القَوْل مَتى علم الله زيدا مَيتا وَبَين القَوْل مَتى علمت زيدا مَيتا فرق بَين وَهُوَ أَن علمي بِأَن زيدا مَاتَ هُوَ عرض حدث فِي النَّفس بحدوث موت زيد وَهُوَ غير علمي بِأَن زيدا حَيّ وَأَنه سيموت لِأَن علمي بِأَن زيدا سيموت إِنَّمَا هُوَ علم بِأَنَّهُ ستحدث حَال مقتضية لمَوْته يَوْمًا مَا لَا علمنَا بِوُجُود الْمَوْت وَعلمِي بِأَن زيدا ميت علم بِوُجُود الْمَوْت فَهُوَ غير الْعلم الأول وَكِلَاهُمَا عرض مَخْلُوق فِي النَّفس وَعلم الله تَعَالَى لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ شَيْئا غير الله وَلَو كَانَ علم الله مُحدثا لوَجَبَ ضَرُورَة أَن يكون على حكم سَائِر المحدثات وبضرورة الْعقل نعلم أَن الْعلم كَيْفيَّة عرض وَالْعرض لَا يقوم الْبَتَّةَ إِلَّا فِي جسم ومحال أَن يكون الْعلم مَحْمُولا فِي غير الْعَالم بِهِ فَكَانَ يجب من هَذَا القَوْل بالتجسيم وَهَذَا قَول قد بَطل بِمَا قدمنَا من الْبَرَاهِين على وجوب حُدُوث كل جسم وَعرض فَإِن قَالَ قَائِل علم الله تَعَالَى عرض حَادث فِي الْمَعْلُوم قَائِم بِهِ لَا بالباري وَلَا بِنَفسِهِ قُلْنَا لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق بِنَصّ الْقُرْآن علمنَا أَن الله عِنْده علم السَّاعَة وَعلم مَا لَا يكون أبدا إِن لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾ وَلقَوْله تَعَالَى لنوح ﵇ ﴿أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن﴾ وَأخْبر تَعَالَى أَنهم مغرقون فَلَو كَانَ علم الله تَعَالَى عرضا قَائِما فِي الْمَعْلُوم والمعلوم الَّذِي هُوَ السَّاعَة غير مَوْجُود بعد وَالْعلم مَوْجُود بِيَقِين فَلَا بُد ضَرُورَة من أحد أَمريْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن يكون الْمَعْلُوم مَوْجُودا لوُجُود الْعلم بِهِ وَهَذَا بَاطِل بضرورة الْحس لِأَن الْمَعْلُوم الَّذِي ذكرنَا مَعْدُوم فَيكون مَعْدُوما مَوْجُودا فِي حِين وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة أَو يكون الْعلم الْمَوْجُود قَائِما بِمَعْلُوم مَعْدُوم فَيكون عرض مَوْجُود مَحْمُولا فِي حَامِل مَعْدُوما وَهَذَا تَخْلِيط ومحال فَاسد الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا كلامنا هَذَا مَعَ أهل ملتنا المقرين بِالْقُرْآنِ وَأما سَائِر الْملَل فَلَيْسَ نكلمهم فِي هَذَا لِأَنَّهَا نتيجة مُقَدمَات سوالف وَلَا يجوز الْكَلَام فِي النتيجة إِلَّا بعد إِثْبَات الْمُقدمَات فَإِن ثَبت الْمُقدمَات ثبتَتْ النتيجة والبرهان لَا يُعَارضهُ برهَان فَكل مَا ثَبت ببرهان فعورض بِشَيْء فَإِنَّمَا هُوَ شغب بِلَا شكّ وَإِن لم تصح الْمُقدمَات فالنتيجة بَاطِلَة دون تكلّف دَلِيل ومقدمات مَا ذكرنَا هِيَ إِثْبَات التَّوْحِيد وحدوث الْعَالم وَنقل الكواف لنبوة مُحَمَّد صلى

стр. 260

الله عَلَيْهِ وَسلم وللقرآن فَإِن ذكرُوا الْآيَات الَّتِي فِي الْقُرْآن مثل ﴿لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ لَعَلَّكُمْ تؤمنون ﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّمَا هِيَ كلهَا بِمَعْنى لَام الْعَاقِبَة أَي ليتذكر ولتؤمنوا وليشكروا وليتذكروا وليخشى على ظَاهر الْأَمر عندنَا من إِمْكَان كل ذَلِك منا كَمَا قَالَ ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ وَقَالَ ﴿ثمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ فَهَذَا أَيْضا على الْإِمْكَان مِمَّن عَاشَ وَالْأول على الْمُمكن من النَّاس عِنْد الْخطاب وَالدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ كل مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن بِلَفْظَة أَو فَإِنَّمَا هُوَ على أحد وَجْهَيْن أما على الشَّك من المخاطبين لَا من الله تَعَالَى وَأما بِمَعْنى التَّخْيِير فِي الْكل كَقَوْل الْقَائِل جَالس الْحسن أَو ابْن سِرين برهَان ذَلِك وُرُود النَّص بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يضل وَلَا ينسى وَأَنه قد علم أَن فِرْعَوْن لَا يُؤمن حَتَّى يرى الْعَذَاب وكما قَالَ تَعَالَى أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن وَبِهَذَا تتألف النُّصُوص كلهَا فَلم يبْق لأهل القَوْل بحدوث الْعلم إِلَّا أَن يَقُولُوا أَنه تَعَالَى خلق شَيْئا مَا كَانَ حَامِلا لعلمه بالساعة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا من السخف مَا هُوَ من الْعلم لِأَن علم الْعَالم لَا يقوم بِغَيْرِهِ وَلَا يحملهُ سواهُ هَذَا أَمر يعلم بِالضَّرُورَةِ والحس فَمن ادّعى دَعْوَى لَا يَأْتِي عَلَيْهَا بِدَلِيل فَهِيَ بَاطِلَة فَكيف إِذا أبطلها الْحس وضرورة الْعقل وَيبين مَا قُلْنَا نصا قَوْله تَعَالَى حاكياً عَن نبيه مُوسَى ﵇ أَنه قَالَ لبني إِسْرَائِيل ﴿عَسى ربكُم أَن يهْلك عَدوكُمْ ويستخلفكم فِي الأَرْض فَينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ هَذَا مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ ولتعلن علوا كَبِيرا فَإِذا جَاءَ وعد أولاهما بعثنَا عَلَيْكُم عباداً لنا أولي بَأْس شَدِيد فجاسوا خلال الديار وَكَانَ وَعدا مَفْعُولا ثمَّ رددنا لكم الكرة عَلَيْهِم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أَكثر نفيراً إِن أَحْسَنْتُم أَحْسَنْتُم لأنفسكم وَإِن أسأتم فلهَا فَإِذا جَاءَ وعد الْآخِرَة ليسوؤوا وُجُوهكُم وليدخلوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أول مرّة وليتبروا مَا علوا تتبيراً عَسى ربكُم أَن يَرْحَمكُمْ وَإِن عدتم عدنا﴾ فَهَذَا نَص قَوْلنَا أَنه قد علم تَعَالَى مَا يَفْعَلُونَ وَأخْبر بذلك ثمَّ مَعَ هَذَا أخرج الْخطاب بالمعهود عندنَا بِلَفْظ عِيسَى وفينظر قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِذا قد صَحَّ مَا كرنا فقد ثَبت ضَرُورَة إِن قَول الْقَائِل مَتى علم الله زيدا مَيتا سُؤال فَاسد بِالضَّرُورَةِ لِأَن مَتى سُؤال عَن زمَان وَعلم الله تَعَالَى لَيْسَ فِي زمَان أصلا لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ غير الله تَعَالَى وَقد مضى الْبُرْهَان على أَن الله تَعَالَى لَيْسَ فِي زمَان وَلَا فِي مَكَان وَإِنَّمَا الزَّمَان وَالْمَكَان للمعلوم فَقَط بِمَا بَينا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن اعْترض معترض بقول الله ﴿وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ فَقَالَ إِن من للتَّبْعِيض وَلَا يَتَبَعَّض إِلَّا مُحدث مَخْلُوق وَلَا يحاط إِلَّا بمخلوق مُحدث وَقد نَص الله تَعَالَى أَنه يحاط بِمَا شَاءَ من علمه فَوَجَبَ أَن علمه مَخْلُوق لِأَنَّهُ محاط بِبَعْضِه وَهُوَ متبعض فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى

стр. 261

التَّوْفِيق أَن كَلَام الله تَعَالَى وَاجِب أَن يحمل على ظَاهره وَلَا يُحَال عَن ظَاهره الْبَتَّةَ إِلَّا أَن يَأْتِي نَص أَو إِجْمَاع أَو ضَرُورَة حس على أَن شَيْئا مِنْهُ لَيْسَ على ظَاهره وَأَنه قد نقل عَن ظَاهره إِلَى معنى آخر فالانقياد وَاجِب علينا لما أوجبه ذَلِك النَّص وَالْإِجْمَاع أَو الضَّرُورَة لِأَن كَلَام الله تَعَالَى وإخباره وأوامره لَا تخْتَلف وَالْإِجْمَاع لَا يَأْتِي إِلَّا بِحَق وَالله تَعَالَى لَا يَقُول إِلَّا الْحق وكل مَا أبْطلهُ برهَان ضَرُورِيّ فَلَيْسَ بِحَق فَإِن هَذَا كَمَا قُلْنَا وَقد ثَبت ضَرُورَة أَن علم الله تَعَالَى لَيْسَ عرضا وَلَا جسماً أصلا لَا مَحْمُولا فِيهِ وَلَا فِي غَيره وَلَا هُوَ شَيْء غير الْبَارِي فبالضرورة نعلم أَن معنى قَوْله وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِنَّمَا المُرَاد الْعلم الْمَخْلُوق الَّذِي أعطَاهُ عباده وَهُوَ عرض فِي الْعَالمين مَحْمُول فيهم وَهُوَ مُضَاف إِلَى الله بِمَعْنى الْملك وَهَذَا لَا شكّ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمنَا قَالَ الله ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ يُرِيد تَعَالَى مَا خلق من الْعُلُوم وبثها فِي عباده كَمَا قَالَ الْخضر لمُوسَى ﵉ أَنِّي على علم من علم الله لَا تعلمه أَنْت وَأَنت على علم من علم الله لَا أعلمهُ أَنا وَمَا نقص علمي وعلمك من علم الله إِلَّا كَمَا نقص هَذَا العصفور من الْبَحْر قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ إِضَافَة الْملك وكما قَالَ تَعَالَى فِي عِيسَى أَنه روح الله وَهَذَا كُله إِضَافَة الْملك فها معنى قَوْله تَعَالَى وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ وَقد نفى الله تَعَالَى الْإِحَاطَة من الْخلق بِهِ فَقَالَ وَلَا يحيطون بِهِ علما قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيخرج أَيْضا على ظَاهره أحسن خُرُوج دون تَأْوِيل ولاتكلف فَيكون معنى قَوْله تَعَالَى وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ أَي من الْعلم بِاللَّه تَعَالَى وَهَذَا حق لَا شكّ فِيهِ لأننا لَا نحيط من الْعلم بِهِ تَعَالَى إِلَّا بِمَا علمنَا فَقَط قَالَ تَعَالَى وَلَا يحيطون بِهِ علما فَيكون معنى من علمه أَي من مَعْرفَته فَإِن قَالُوا فَمَا معنى دعائكم الله فِي الرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة وَهل يَخْلُو أَن يكون سبق علمه بِالرَّحْمَةِ فَأَي معنى للدُّعَاء فيمالا بُد مِنْهُ وَهل هُوَ إِلَّا كمن دعِي فِي طُلُوع الشَّمْس غَدا أَو فِي أَن يَجْعَل إنْسَانا إنْسَانا أَو فِي أَن تكون الأَرْض أَرضًا وَإِن كَانَ سبق فِي علمه تَعَالَى حلاف ذَلِك فَأَي معنى فِي الدُّعَاء فِيمَا لَا يكون وَهل هُوَ إِلَّا كمن دعى فِي أَن لَا تقوم السَّاعَة أَو فِي أَن لَا يكون النَّاس نَاسا فَيُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الدُّعَاء عمل أمرنَا الله تَعَالَى بِهِ لَا على أَنه يرد قدرا وَلَا أَنه يكون من أَجله مَالا يكون لَكِن الله تَعَالَى قد جعل فِي سَابق علمه الدُّعَاء الَّذِي سبق فِي علمه قبُوله يكون سَببا لما سبق فِي علمه كَونه كَمَا جعل فِي سَابق علمه الغذا بِالطَّعَامِ وَالشرَاب سَببا لبلوغ الْأَجَل الَّذِي سبق فِي علمه الْبلُوغ إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَعْمَال وَقد نَص تَعَالَى على أَنه تَعَالَى يعلم آجال الْعباد قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَمَعَ ذَلِك فقد جعل تَعَالَى الْأكل وَالشرب سَببا إِلَى اسْتِيفَاء ذَلِك الْمِقْدَار وكل ذَلِك سَابق فِي علمه وَالدُّعَاء

стр. 262

هَكَذَا وَكَذَلِكَ التَّدَاوِي على سَبِيل الطِّبّ وَلَا فرق وَقد أخبرنَا تَعَالَى أَنه يُصَلِّي على نبيه ﷺ وأمرنا مَعَ ذَلِك بِالدُّعَاءِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى قل رب احكم بِالْحَقِّ فَأمرنَا بِالدُّعَاءِ بذلك وَقد علمنَا أَنه تَعَالَى لَا يحكم إِلَّا بِالْحَقِّ فصح مَا قُلْنَا من أَن الدُّعَاء عمل أمرنَا بِهِ فَنحْن نعمله حَيْثُ أمرنَا بِهِ وَلَا نعمله حَيْثُ لم نؤمر بِهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِذا قد بَطل بعون الله تَعَالَى وتأييده قَول من قَالَ أَن علم الله تَعَالَى هُوَ غير الله تَعَالَى وَهُوَ مَخْلُوق فلنتكلم بعون الله تَعَالَى وتأييده قَول من قَالَ أَن علم الله تَعَالَى هُوَ غير الله وَهُوَ مَخْلُوق فلنتكلم بعون الله تَعَالَى وتأييده على قَوْله من قَالَ أَن علم الله تَعَالَى هُوَ غير الله تَعَالَى وخلافه وَأَنه لم يزل مَعَ الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا قَول لَا يحْتَاج فِي رده إِلَى أَكثر من أَنه شرك مُجَرّد وَإِبْطَال للتوحيد لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مَعَ الله تَعَالَى شَيْء غَيره لم يزل مَعَه فقد بَطل أَن يكون الله تَعَالَى كَانَ وَحده بل قد صَار لَهُ شريك فِي أَنه لم يزل وَهَذَا كفر مُجَرّد ونصرانية مَحْضَة مَعَ أَنَّهَا دَعْوَى سَاقِطَة بِلَا دَلِيل أصلا وَمَا قَالَ بِهَذَا أحد قطّ من أهل الْإِسْلَام قبل هَذِه الْفرْقَة المحدثة بعد الثلاثمائة عَام فَهُوَ خُرُوج عَن الْإِسْلَام وَترك للْإِجْمَاع الْمُتَيَقن وَقد قلت لبَعْضهِم إِذْ قُلْتُمْ أَنه لم يزل مَعَ الله تَعَالَى شَيْء آخر هُوَ غَيره وخلافه وَلم يزل مَعَه فلماذا أنكرتم على النَّصَارَى فِي قَوْلهَا أَن الله ثَالِث ثَلَاثَة فَقَالَ لي مُصَرحًا مَا أَنْكَرْنَا على النَّصَارَى إِلَّا اقتصارهم على الثَّلَاثَة فَقَط وَلم يجْعَلُوا مَعَه تَعَالَى أَكثر من ذَلِك فَأَمْسَكت عَنهُ إِن صرح بِأَن قَوْلهم أَدخل فِي الشّرك من قَول النَّصَارَى وَقَوْلهمْ هَذَا رد لقَوْل الله قل هُوَ الله أحد فَلَو كَانَ مَعَ الله غير الله لم يكن الله أحد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمَا كُنَّا نصدق من أَن ينتمي إِلَى الْإِسْلَام يَأْتِي بِهَذَا أَنا شاهدناهم وناظرناهم ورأينا ذَلِك صراخا فِي كتبهمْ ككتاب السمناني قَاضِي الْموصل فِي عصرنا هَذَا وَهُوَ من أكابرهم وَفِي كتاب الْمجَالِس للأشعري وَفِي كتب لَهُم أخر

стр. 263

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْعجب مَعَ هَذَا كُله تَصْرِيح الباقلاني وَابْن فورك فِي كتبهما فِي الْأُصُول وَغَيرهَا بِأَن علم الله تَعَالَى وَاقع مَعَ علمنَا تَحت حد وَاحِد وَهَذِه حَمَاقَة ممزوجة بهوس إِذْ جعلُوا مَا لم يزل محدوداً بِمَنْزِلَة المحدثات وكل مَا أدخلْنَاهُ على المنانية وَالنَّصَارَى وَمن يبطل التَّوْحِيد فَهُوَ دَاخل على هَذِه الْفرْقَة حرفا بِحرف فأغنانا أَن نحيل على ذَلِك عَن تكراره ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا مَعَ قَوْلهم إِن التغاير لَا يكون إِلَّا فِيمَا جَازَ أَن يُوجد أَحدهمَا دون الآخر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه غَايَة السخافة لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا برهَان عَلَيْهَا لَا من قُرْآن وَلَا سنة وَلَا مَعْقُول وَلَا لُغَة أصلا وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل ويلزمهم على هَذَا أَن الْخلق لَيْسُوا غير الْخَالِق تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُوجد الْخلق دون الْخَالِق فَإِن قَالُوا جَائِز أَن يُوجد الْخَالِق دون الْخلق قُلْنَا نعم فَمن أَيْن لكم أَن أحد التغاير هُوَ أَنه لَا يجوز أَن يُوجد أَحدهمَا أَيهمَا كَانَ دون الآخر وَهَذَا مَا لَا سَبِيل لَهُم إِلَيْهِ ويلزمهم لُزُوما لَا ينفكون عَنهُ إِن الْإِعْرَاض لَيست غير الْجَوَاهِر لِأَنَّهُ لَا يجوز الْبَتَّةَ وَلَا يُمكن وَلَا يتَوَهَّم وجود أَحدهمَا دون الآخر جملَة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وحد التغاير الصَّحِيح هُوَ مَا شهِدت لَهُ اللُّغَة وضرورة الْحس وَالْعقل وَهُوَ أَن كل مسميين جَازَ أَن يخبر عَن أَحدهمَا بِخَبَر من لَا يخبر بِهِ عَن الآخر فهما غير أَن لَا بُد من هَذَا وَبِالْجُمْلَةِ مَا لم يكن غير الشَّيْء نَفسه فَهُوَ غَيره وَمَا لم يكن غير الشَّيْء فَهُوَ نَفسه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِذا قد بَطل بعون الله تَعَالَى وتأييده قَول من قَالَ أَن علم الله تَعَالَى هُوَ غير الله ثمَّ جعله مخلوقا أَو جعله لم يزل فلنقل سَائِر الْأَقْوَال فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِن شَاءَ الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم قَالَ أَبُو مُحَمَّد من قَالَ أَن علم الله تَعَالَى لَيْسَ هُوَ الله تَعَالَى وَلَا هُوَ غَيره لكنه صفة ذَات لم يزل فَكَلَام فَاسد محَال متناقض يبطل بعضه بَعْضًا لأَنهم إِذْ قَالُوا علم الله تَعَالَى لَيْسَ هُوَ لله فقد أوجبوا بِهَذَا القَوْل ضَرُورَة أَنه غَيره ثمَّ إِذْ قَالُوا وَلَا هُوَ غَيره فقد أبطلوا الغيرية وأوجبوا بِهَذَا القَوْل ضَرُورَة أَنه هُوَ فصح أَنه سَوَاء قَول الْقَائِل هُوَ هُوَ ولاغيره وَقَول الْقَائِل هُوَ هُوَ وَهُوَ غَيره

стр. 264

فَإِن معنى هَاتين القضيتين وَاحِد لايختلف وكلا العبارتين بَاطِل مُنَاقض لَا يعقل نفي وَإِثْبَات مَعًا وَهَذَا تَخْلِيط الممرورين نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان وَالْعجب من احتجاج بَعضهم فِي هَذَا الْبَاطِل بِأَن قَالَ إِن الطول لَيْسَ هُوَ الطَّوِيل وَلَا هُوَ غَيره قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا من أَطَم مَا يكون من الْجَهْل والمكابرة إِذْ لَا يدْرِي هَذَا الْقَائِل أَن الطَّوِيل جَوْهَر جسم قَائِم بِنَفسِهِ حَامِل لطوله ولسائر أعراضه وَإِن الطَّوِيل عرض من الْأَعْرَاض مَحْمُول فِي الطَّوِيل غير قَائِم بِنَفسِهِ فَمن جهل أَن الْمَحْمُول غير الْحَامِل وَأَن الْقَائِم بِنَفسِهِ هُوَ غير مَا لَا يقوم بِنَفسِهِ فَهُوَ عديم حس وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يعلم قبل أَن يهدر وَنحن نريه الطين الطَّوِيل يَدُور فَيذْهب الطول والتربيع وَيَأْتِي التدوير وَالَّذِي كَانَ طَويلا بَاقٍ بحسه فَهَل يخفى على سَالم التَّمْيِيز أَن الذَّاهِب غير الْآتِي وَأَن الفاني غير الْبَاقِي فبالضرورة نعلم أَن الطول غير الطَّوِيل ثمَّ نقُول لمن تعلق بِهَذِهِ الْعبارَة الْفَاسِدَة أخبرونا هَل يَخْلُو كل اسْمَيْنِ متغايرين من أحد وَجْهَيْن ضَرُورَة لَا ثَالِث لَهَا الْبَتَّةَ أما أَن يكون الاسمان واقعين مَعًا على شَيْء وَاحِد يعبر بذينك الاسمين على ذَلِك الشَّيْء الَّذِي علق عَلَيْهِ وَأما أَن يكون الاسمان واقعين مَعًا على شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ يعبر بِكُل اسْم مِنْهُمَا على حِدته عَن الشَّيْء الَّذِي علق عَلَيْهِ ذَلِك الِاسْم هَذَانِ وَجْهَان لَا بُد من أَحدهمَا ضَرُورَة لكل اسْمَيْنِ وَأي هذَيْن كَانَ فَهُوَ مُبْطل لتخليط من قَالَ لَا هُوَ هُوَ وَلَا غَيره وَقد زَاد بَعضهم فِي الشعوذة والسفسطة وإفساد الْحَقَائِق فَأتى بِدَعْوَى فَاسِدَة وَذَلِكَ أَن قَالَ لَا يكون الشَّيْء غير الشَّيْء إِلَّا إِذا أمكن أَن ينْفَرد أَحدهمَا عَن الآخر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه دَعْوَى مُجَرّدَة بِلَا دَلِيل فَلَو لم يكن إِلَّا هَذَا لسقط هَذَا التمويه فَكيف وَهِي قَضِيَّة فَاسِدَة لِأَنَّهَا توجب أَن كُلية الْإِعْرَاض لَيست غير كُلية الْجَوَاهِر لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى انْفِرَاد الْجَوَاهِر عَن الْإِعْرَاض وَلَا انْفِرَاد الْإِعْرَاض عَن الْجَوَاهِر فَكفى فَسَادًا بِكُل هذيان أدّى إِلَى مثل هَذَا التَّخْلِيط قَالَ أَبُو مُحَمَّد حد التغاير فِي الغيرين هُوَ أَن كل شَيْء أخبر عَنهُ بِخَبَر مَا لَا يكون ذَلِك الْوَقْت خَبرا عَن الشَّيْء الآخر فَهُوَ بِالضَّرُورَةِ غير مَا لَا يُشَارِكهُ فِي ذَلِك الْخَبَر وَلَيْسَ فِي كل مَا يعلم وَيُوجد شَيْئَانِ يخلوان من هَذَا الْوَصْف بِوَجْه من الْوُجُوه وَهَذَا مُقْتَضى لَفْظَة الْغَيْر فِي اللُّغَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق مَعَ أَن هَذَا أَمر يعلم بضرورة الْحس وَالْعقل وحد الهوية هُوَ أَن كل مَا لم يكن غير الشَّيْء فَهُوَ هُوَ بِعَيْنِه إِذْ لَيْسَ بَين الهوية والغيرية وسيطة يَعْقِلهَا أحد الْبَتَّةَ فَمَا خرج عَن أَحدهمَا دخل فِي الآخر وَلَا بُد وَأَيْضًا فَكل اسْمَيْنِ مُخْتَلفين

стр. 265

لَا يخبر عَن مُسَمّى أَحدهمَا بِشَيْء إِلَّا كَانَ ذَلِك الْخَبَر خَبرا عَن مُسَمّى الِاسْم الآخر وَلَا بُد أبدا فمسماهما وَاحِد بِلَا شكّ فَإِذا قد صَحَّ فَسَاد هَذَا القَوْل فلنقل بعون الله تَعَالَى أَنه لم يزدْ فِي هَذِه الْعبارَة على أَن قَالَ لَا يُقَال فِي هَذَا شَيْء قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا خطأ لِأَنَّهُ لَا بُد ضَرُورَة من أحد هذَيْن الْقَوْلَيْنِ فَسقط هَذَا القَوْل أَيْضا إِذْ لَيْسَ فِيهِ بَيَان الْحَقِيقَة وَأما قَول أبي الْهُذيْل أَن علم الله هُوَ الله فَإِنَّهُ تَسْمِيَة مِنْهُ للباري تَعَالَى باستدلال وَلَا يجوز أَن يخبر عَن الله تَعَالَى وَلَا أَن يُسمى باستدلال الْبَتَّةَ لِأَنَّهُ بِخِلَاف كل مَا خلق فَلَا دَلِيل يُوجب تَسْمِيَته بِشَيْء من الْأَسْمَاء الَّتِي يُسمى بهَا شَيْء من خلقه وَلَا أَن يُوصف بِصفة يُوصف بهَا شَيْء من خلقه وَلَا أَن يخبر عَنهُ بِمَا يخبر بِهِ عَن شَيْء من خلقه إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بِشَيْء من ذَلِك فَيُوقف عِنْده فَمن وَصفه تَعَالَى بِصفة يُوصف بهَا شَيْء من خلقه أَو سَمَّاهُ باسم يُسَمِّي بِهِ شَيْء من خلقه اسْتِدْلَال لَا على ذَلِك بِمَا وجد فِي خلقه فقد شبهه تَعَالَى بخلقه وألحد فِي أَسْمَائِهِ وافترى الْكَذِب وَلَا يجوز أَن يُسمى الله تَعَالَى وَلَا أَن يخبر عَنهُ إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه أَو أخبر بِهِ عَن نَفسه فِي كِتَابه أَو على لِسَان رَسُوله ﷺ أَو صَحَّ بِهِ إِجْمَاع جَمِيع أهل الْإِسْلَام الْمُتَيَقن وَلَا مزِيد وَحَتَّى وَإِن كَانَ الْمَعْنى صَحِيحا فَلَا يجوز أَن يُطلق عَلَيْهِ تَعَالَى اللَّفْظ وَقد علمنَا يَقِينا أَن الله بني السَّمَاء قَالَ تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاء بنيناها بأيد﴾ وَلَا يجوز أَن يُسمى بِنَاء وَأَنه تَعَالَى خلق أصباغ النَّبَات وَالْحَيَوَان وَأَنه تَعَالَى قَالَ ﴿صبغة الله﴾ وَلَا يجوز أَن يُسمى صباغاً وَهَكَذَا كل شَيْء لم يسم بِهِ نَفسه وَلَيْسَ يجب أَن يُسمى الله تَعَالَى بِأَنَّهُ هُوَ علمه وَإِن صَحَّ يَقِينا أَن لَهُ علما لَيْسَ هُوَ غَيره لما ذكرنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقد صَحَّ أَن ذَات الله تَعَالَى لَيست غَيره وَأَن وَجهه لَيْسَ غَيره وَأَن نَفسه لَيست غَيره وَأَن هَذِه الْأَسْمَاء لَا يعبر بهَا إِلَّا عَنهُ تَعَالَى لَا عَن شَيْء غَيره تَعَالَى الْبَتَّةَ وَلَا يجوز أَن يُقَال أَنه تَعَالَى ذَات وَلَا أَنه وَجه وَلَا أَنه نفس وَلَا أَنه علم وَلَا أَنه قدرَة وَلَا أَنه قُوَّة لما ذكرنَا من امْتنَاع أَن يُسمى عَالم بِهِ نَفسه عَن رجل وَأما علم لمخلوقين فَهُوَ شَيْء غَيرهم بِلَا شكّ لِأَنَّهُ يذهب ويعاقبه جهل والباري تَعَالَى لَا يُشبههُ غَيره فِي شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء الْبَتَّةَ بل هُوَ تَعَالَى خلاف خلقه فِي كل وَجه فَوَجَبَ أَن علمه تَعَالَى لَيْسَ غَيره وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالَ لنا قَائِل إِذْ الْعلم عنْدكُمْ لَيْسَ هُوَ غير الله تَعَالَى وَأَن قدرته لَيست غَيره وَأَن قوته لَيست غَيره تَعَالَى فَأنْتم إِذا تَعْبدُونَ الْعلم وَالْقُدْرَة وَالْقُوَّة فجوابنا فِي ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إننا إِنَّمَا نعْبد الله تَعَالَى بِالْعَمَلِ الَّذِي أمرنَا بِهِ لَا بِمَا سواهُ وَلَا نَدْعُوهُ إِلَّا كَمَا أمرنَا تَعَالَى قَالَ ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ فَنحْن لَا نعْبد إِلَّا الله كَمَا أمرنَا وَلَا نقُول أننا نعْبد الْعلم لِأَن الله تَعَالَى لم يُطلق لنا أَن نطلق هَذَا اللَّفْظ وَلَا أَن نعتقده

стр. 266

ثمَّ نسألهم عَمَّا سألونا عَنهُ بِعَيْنِه فَنَقُول لَهُم أَنْتُم تقرون أَن وَجه الله وَعين الله وَيَد الله وَنَفس الله لَيْسَ شَيْء من ذَلِك غير الله تَعَالَى بل ذَلِك عنْدكُمْ هُوَ الله فَأنْتم إِذا تَعْبدُونَ الْوَجْه وَالْيَد وَالْعين والذات فَإِن قَالُوا نعم قُلْنَا لَهُم فَقولُوا فِي دعائكم يَا يَد الله ارحمينا وَيَا عين الله ارضي عَنَّا وَيَا ذَات الله اغفري لنا إياك نعْبد وَقُولُوا نَحن خلق وَجه الله وَعبيد عين الله فَإِن جسروا على ذَلِك فَنحْن لَا نجيز الْإِقْدَام على مَا لم يَأْذَن بِهِ الله وَلَا نتعدى حُدُوده فَإِن شهدُوا فَلَا نشْهد مَعَهم ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ وَالَّذِي ألزمونا من هَذَا فَهُوَ لَازم لَهُم لِأَنَّهُ سُؤال رضوه وصححوه وَمن رَضِي شَيْئا لزمَه وَنحن لم نرض هَذَا السُّؤَال وَلَا صححناه فَلَا يلْزمنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي سميع بَصِير وَفِي قديم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأجْمع الْمُسلمُونَ على القَوْل بِمَا جَاءَ بِهِ نَص الْقُرْآن من أَن الله تَعَالَى سميع بَصِير ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَت طَائِفَة من أهل السّنة والأشعرية وجعفر بن حَرْب من الْمُعْتَزلَة وَهِشَام ابْن الحكم وَجَمِيع المجسمة نقطع أَن الله سميع بسمع بَصِير ببصر وَذَهَبت طوائف من أهل السّنة مِنْهُم الشَّافِعِي وَدَاوُد بن عَليّ وَعبد الْعَزِيز بن مُسلم الْكِنَانِي ﵃ وَغَيرهم إِلَى أَن الله تَعَالَى سميع بَصِير وَلَا نقُول بسمع وَلَا يبصر لِأَن الله تَعَالَى لم يقلهُ وَلَكِن سميع بِذَاتِهِ وبصير بِذَاتِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَبِهَذَا نقُول وَلَا يجوز إِطْلَاق سمع وَلَا بصر حَيْثُ لم يَأْتِ بِهِ نَص لما ذكرنَا آنِفا من أَنه لَا يجوز أَن يخبر عَنهُ تَعَالَى مَا لم يخبر عَن نَفسه وَاحْتج من أطلق على الله تَعَالَى السّمع وَالْبَصَر بِأَن قَالَ لَا يعقل السَّمِيع إِلَّا بسمع وَلَا يعقل الْبَصِير إِلَّا ببصر وَلَا يجوز أَن يُسمى بَصِير إِلَّا من لَهُ بصر وَلَا يُسمى سميعاً إِلَّا من لَهُ سمع وَاحْتَجُّوا أَيْضا فِي هَذَا وَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من أَن الصِّفَات مُتَغَايِرَة بِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُقَال أَنه تَعَالَى يسمع المبصرات وَلَا أَنه يبصر المسموعات من الْأَصْوَات وَقَالُوا هَذَا لَا يعقل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هذَيْن الدَّلِيلَيْنِ شغبي فاسدٌ أما قَوْلهم لَا يعقل السَّمِيع إِلَّا بسمع وَلَا يعقل الْبَصِير إِلَّا ببصر فَيُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أما فِيمَا بَيْننَا فَنعم وَكَذَلِكَ أصلا لم نجد قطّ فِي شَيْء من الْعَالم الَّذِي نَحن فِيهِ سميعاً إِلَّا بسمع وَلَا وجد فِيهِ بَصيرًا إِلَّا ببصر فَإِنَّهُ لم يُوجد قطّ أَيْضا فِيهِ سميع إِلَّا بجارحة يسمع بهَا وَلَا وجد قطّ فِيهِ عَالم إِلَّا بضمير فلزمهم أَن يجرو على الله تَعَالَى هَذِه الْأَوْصَاف وَتَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وهم لَا يَقُولَن هَذَا وَلَا يستجيزونه وَأما المجسمة فَإِنَّهُم أطْلقُوا هَذِه وجوزوه وَقد مضى نقض قَوْلهم بعون الله وتأييده وَيلْزم الطَّائِفَتَيْنِ كلتيهما إِذا قطعُوا بِاللَّه تَعَالَى سمعا وبصراً لِأَنَّهُ سميع بَصِير وَلَا يُمكن أَن يكون سميع بَصِير إِلَّا إِذا سمع وبصر لَا سِيمَا وَقد صَحَّ النَّص بِأَن لَهُ تَعَالَى عينا وَأَعْيُنًا أَن يَقُولُوا أَنه ذُو حدقة وناظر وطباق فِي الْعين وَذُو أشفار وأهداب لأننا نشاهد

стр. 267

فِي الْعَالم وَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن تكون عين الَّذِي عين يرى بهَا ويبصر إِلَّا هَكَذَا وَإِلَّا فَهِيَ عين ذَات عاهة أَو كعيون بعض الْحَيَوَان الَّتِي لَا يطبقها وَكَذَلِكَ لَا يكون فِي الْمَعْهُود وَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون سميع فِي الْعَالم إِلَّا بِإِذن ذَات صماخ فيلزمهم أَن يثبتوا هَذَا كُله وَإِلَّا فقد أبطلوا استدلالهم وزودوا استشهادهم بالمعهود والمعقول فَإِن أطْلقُوا هَذَا كُله تركُوا مَذْهَبهم وَخَرجُوا إِلَى أقبح قَول المجسمة وَقد ذكرنَا فَسَاد قَوْلهم قبل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِذا جوزوا أَن يكون الْبَارِي تَعَالَى سميعاً بَصيرًا بِغَيْر جارحة وَهَذَا خلاف مَا عهدوا فِي الْعَالم وجوزا أَن يكون لَهُ تَعَالَى عين بِلَا حدقة وَلَا نَاظر وَلَا إطباق وَلَا أهداب وَلَا أشفار وَهَذَا أَيْضا خلاف مَا عهدوا فِي الْعَالم فَلَا ينكروا قَول من قَالَ إِنَّه سميع لَا بسمع بَصِير لَا ببصر وَإِن كَانَ ذَلِك خلاف مَا عهدوا واما عهدوا فِي الْعَالم على أَن بَين الْقَوْلَيْنِ فرقا حرَام وَاضحا وَهُوَ أننا نَحن لم نلتزم أَن نحل تَسْمِيَته قِيَاسا على مَا عهدنا بل ذَلِك حرامٌ لَا يجوز وَلَا يحل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَالم شَيْء يُشبههُ فيقاس عَلَيْهِ قَالَ الله ﵎ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ فَقُلْنَا نعم إِنَّه سميع بَصِير لَا كشيء من البصراء وَلَا السامعين مِمَّا فِي الْعَالم وكل سميع وبصير فِي الْعَالم فَهُوَ ذُو سمع وبصر فَالله تَعَالَى بِخِلَاف ذَلِك بِنَصّ الْقُرْآن فَهُوَ سميع كَمَا قَالَ لَا يسمع كالسامعين وبصير كَمَا قَالَ لَا يبصر كالمبصرين لَا يُسَمِّي رَبنَا تَعَالَى إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه وَلَا يخبر عَنهُ إِلَّا بِمَا أخبر بِهِ عَن نَفسه فَقَط كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿هُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ فَقُلْنَا نعم هُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَلم يقل تَعَالَى إِن لَهُ سمعا وبصرا فَلَا يحل لأحد أَن يَقُول إِن لَهُ سمعا وبصراً فَيكون قَائِلا على الله تَعَالَى بِلَا علم وَهَذَا لَا يحل وَبِاللَّهِ تَعَالَى نعتصم وَأما خصومنا فَإِنَّهُم أطْلقُوا أَنه لَا يكون إِلَّا كَمَا عهدوا من كل سميع وبصير فِي أَنه ذُو سمع وبصر فيلزمهم ضَرُورَة أَن لَا يكون إِلَّا كَمَا عهدوا من كل سميع وبصير فِي أَنه ذُو جارحة يسمع بهَا ويبصر بهَا وَلَا بُد وَلَوْلَا تِلْكَ الْجَارِحَة مَا سمي أحد من الْعَالم سميعاً وَلَا بَصيرًا وَلَا أبْصر أحد شَيْئا فَإِن ذكرُوا قَول الله تَعَالَى ﴿لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ أُولَئِكَ هم الغافلون﴾ قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق هَذِه الْآيَة أعظم حجَّة عَلَيْكُم لِأَن الله تَعَالَى نَص فِيهَا على أَنهم لم يرَوا بعيونهم مَا يتعظون بِهِ وَلَا سمعُوا بآذانهم مَا يقبلونه من الْهدى فَلَمَّا كَانَت الْعُيُون والآذان لَا ينْتَفع بهَا اسْتحق الذَّم والنكال فلولا أَن الْعين وَالْأُذن بهما يكون السّمع وَالْبَصَر ضَرُورَة وَلَا بُد لَا بِشَيْء دونهمَا مَا اسْتحق الذَّم من رزق أذنا وعيناً سالمتين فَلم يسمع بهما ويبصر مَا يَهْتَدِي بِهِ بعون الله لَهُ وَمَا كَانَ يكون معنى لذكر الله الْعين وَالْأُذن فِي السّمع وَالْبَصَر بهَا لَو جَازَ أَن يكون سمع وبصر دونهمَا فَبَطل قَوْلهم بِالْقُرْآنِ ضَرُورَة وبالحس وبديهة الْعقل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين

стр. 268

أما مان وموهوا بِهِ من قَوْلهم أَنه لَوْلَا أَنه لَهُ سمعا وبصرا لجَاز أَن يُقَال أَنه تَعَالَى يسمع الألوان وَيرى الْأَصْوَات فَهَذَا كَلَام لَا يُطلق فِي كل شَيْء على عُمُومه لأننا إِنَّمَا خوطبنا بلغَة الْعَرَب فَلَا يجوز أَن نستعمل غَيرهَا فِيمَا خوطبنا بِهِ وَالَّذِي ذكرْتُمْ من رِوَايَة الْأَصْوَات وَسَمَاع الألوان لَا يُطلق فِي اللُّغَة الَّتِي خوطبنا فِيمَا بَيْننَا فَلَيْسَ لنا أَن ندخل فِي اللُّغَة مَا لَيْسَ فِيهَا إِلَّا أَن يَأْتِي بذلك نَص فنقلبه على اللُّغَة ثمَّ نقُول أَنه لَو قَالَ قَائِل أَنه تَعَالَى سميع للألوان بَصِير بالأصوات بِمَعْنى عَالم بهَا لَكَانَ ذَلِك جَائِزا وَلما منع من ذَلِك برهَان فَنحْن نقُول سَمِعت الله يَقُول كَذَا وَكَذَا ورأينا الله تَعَالَى يَقُول كَذَا وَكَذَا وَيَأْمُر بِكَذَا وَيفْعل كَذَا بِمَعْنى علمنَا فَهَذَا لَا يُنكره أحد وَلَا فرق بَين هَذَا وَبَين مَا سَأَلُوا عَنهُ وَأَيْضًا فَإِن الله يَقُول ﴿أولم يرَوا إِلَى الطير فَوْقهم صافات ويقبضن مَا يمسكهن إِلَّا الرَّحْمَن إِنَّه بِكُل شيءٍ بَصِير﴾ وَهَذَا عُمُوم لكل شَيْء كَمَا قُلْنَا فَلَا يجوز أَن يخص بِهِ شَيْء دون شَيْء إِلَّا بِنَصّ آخر أَو إِجْمَاع أَو ضَرُورَة وَلَا سَبِيل إِلَى شَيْء من هَذَا فصح مَا قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ تَعَالَى ﴿يعلم السِّرّ وأخفى﴾ فصح أَنِّي بَصيرًا وسميعاً وعليماً بِمَعْنى وَاحِد ثمَّ نقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِنَّه تَعَالَى بِإِجْمَاع منا ومنكم هُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَهُوَ أحد غير متكئن وَلَا نقُول أَنه السَّمِيع للألوان الْبَصِير بالأصوات إِلَّا على الْوَجْه الَّذِي قُلْنَا وَلَيْسَ ذَلِك يُوجب أَن السَّمِيع غير الْبَصِير فَالَّذِي أردتم إِلْزَامه ساقطه وَإِنَّمَا اخْتلفت معلوماته وَإِنَّمَا هُوَ تَعَالَى وَاحِد وَعلمه بهَا كلهَا وَاحِد يعلمهَا كلهَا بِذَاتِهِ لَا يعلم هُوَ غَيره الْبَتَّةَ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل أتقولون أَن الله لم يزل سميعاً بَصيرًا قُلْنَا نعم لم يزل الله تَعَالَى سميعاً بَصيرًا عفوا غَفُورًا عَزِيزًا قَدِيرًا رحِيما وَهَذَا كُله مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن لَكَانَ الله كَمَا جَاءَ كَانَ الله سميعاً بَصيرًا وَنَحْو ذَلِك لِأَن قَوْله كَانَ إِخْبَار عَمَّا لم يزل إِذا أخبر بذلك عَن نَفسه لَا عَمَّن سواهُ فَإِن قَالُوا أتقولون لم يزل الله خَالِقًا خلاقاً رازقاً قُلْنَا لَا نقُول هَذَا لِأَن الله تَعَالَى لم ينص على أَنه كَانَ خَالِقًا خلاقاً رازقاً لَكنا نقُول لم يزل الخلاق الرَّزَّاق وَلم يزل الله تَعَالَى لَا يخلق وَلَا يرْزق ثمَّ خلق ورزق من خلق وَهَذَا يُوجب ضَرُورَة أَنَّهَا أَسمَاء أَعْلَام لَا مشتقه لِأَنَّهُ لَو كَانَ خَالق ورازق مشتقين من خلق ورزق لَكَانَ لم يزل ذَا خلق يخلقه وَيَرْزقهُ فَإِن قيل فَإِن السَّمِيع والبصير والرحمن والرحيم وَالْعَفو وَالْملك كل ذَلِك يَقْتَضِي مسموعاً ومبصراً ومرحوماً ومغفوراً لَهُ وعفوا عَنهُ عَدو مَمْلُوكا قُلْنَا الْمَعْنى فِي سميع وبصير عَن الله تَعَالَى هُوَ الْمَعْنى فِي عليم وَلَا فرق وَلَيْسَ مَا يظنّ أهل الْعلم من أَن لَهُ تَعَالَى

стр. 269

سمعا وبصراً مختصين بالمسموع والمبصر تَشْبِيها بخلقه سوى عَمه لِأَن الله تَعَالَى لم ينص على ذَلِك فلزمنا أَن نقُوله وَلَا يجوز أَن يخبر عَن الله بِغَيْر مَا أخبر عَن نَفسه لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ فصح أَنه تَعَالَى سميع لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير فصح أَنه تَعَالَى سميع لَيْسَ كمثله من السامعين بَصِير فصح أَنه تَعَالَى سميع لَيْسَ كمثله من السامعين بَصِير لَا كمثله شَيْء من البصراء فَإِن قَالَ قَائِل أتقولون أَن الله لم يزل يسمع وَيرى ويدر قُلْنَا نعم لِأَن الله قَالَ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالله يسمع تحاوركما﴾ وَصَحَّ الْإِجْمَاع بقول سمع الله لمن حَمده وَصَحَّ النَّص فَمَا أذن الله لشَيْء اذنه لنَبِيّ حسن الصَّوْت يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ فَنَقُول إِن يسمع وَيرى وأسمع وَأرى وَيدْرك كل ذَلِك بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ معنى يعلم وَلَا فرق وَأما الاذن لنَبِيّ حسن الصَّوْت فَهِيَ من الاذن بِمَعْنى الْقبُول كَمَا يَأْذَن الْحَاجِب لمأذون لَهُ فِي الدُّخُول وَلَيْسَ من الْأذن الَّتِي هِيَ الْجَارِحَة وَلَو كَانَ كَمَا تظنون لَكَانَ يبصره للمبصرات وسَمعه للمسموعات مُحدثا ولكان غير سميع حَتَّى سمع وَغير بَصِير حَتَّى أبْصر وَلم يدْرك وحاشا لَهُ تَعَالَى من هَذَا فَكل هَذَا بِمَعْنى الْعلم وَلَا مزِيد فَإِن قيل فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار﴾ قُلْنَا نعم وَخلق الله تَعَالَى فعل لَهُ مُحدث واختياره تَعَالَى هُوَ خلقه لَا غَيره وَلَيْسَ هَذَا من يسمع ويبصر وَيرى وَيدْرك فِي شَيْء لِأَن معنى كل هَذَا وَمعنى الْعلم سَوَاء وَلَا يجوز أَن يكون معنى يخلق ويختار معنى الْعلم وَأما الْعَفو والغفور والرحيم والحليم وَالْملك فَلَا يَقْتَضِي شَيْء من هَذَا وجود مَرْحُوم مَعَه وَلَا مَعْفُو عَنهُ مغْفُور لَهُ مَعَه وَلَا مَمْلُوك محلوم عَنهُ مَعَه بل هُوَ تَعَالَى رَحِيم بِذَاتِهِ عَفْو بِذَاتِهِ غَفُور بِذَاتِهِ ملك بِذَاتِهِ مَعَ النَّص الْوَارِد بِأَنَّهُ تَعَالَى كَانَ كَذَلِك وَهِي أَسمَاء أَعْلَام لَهُ فَإِن ذكرُوا الحَدِيث الصَّحِيح عَن رَسُول الله ﷺ مَا بَينهم وَبَين أَن يروه الاداء الْكِبْرِيَاء على وَجهه لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا انْتهى إِلَيْهِ بَصَره فَفِي هَذَا الْخَبَر إبِْطَال لقَولهم لِأَن فِيهِ أَن الْبَصَر مِنْهُ ذُو نِهَايَة وكل ذِي نِهَايَة مَحْدُود مُحدث وهم لَا يَقُولُونَ هَذَا لَكِن مَعْنَاهُ أَن الْبَصَر قد يسْتَعْمل فِي اللُّغَة بِمَعْنى الْحِفْظ قَالَ النَّابِغَة ... رَأَيْتُك ترعاني بِعَين بَصِيرَة وتبعث حراساً عَليّ وناظرا ... فَمَعْنَى هَذَا الْخَبَر لَو كشف تَعَالَى السّتْر الَّذِي جعل دون سطوته لأحرقت عَظمته مَا انْتهى إِلَيْهِ حفظه ورعايته من خلقه وَكَذَلِكَ قَول عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ الْحَمد لله الَّذِي وسع سَمعه الْأَصْوَات إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى أَن علمه وسع كل ذَلِك يعلم السِّرّ وأخفى ثمَّ نزيد بَيَانا بعون الله تَعَالَى فَنَقُول إِن قَوْلكُم لَا يعقل سميع إِلَّا بسمع وَلَا بَصِير إِلَّا ببصر فَإِن كل هَذَا صَحِيحا يُوجب أَن يُقَال إِن لله سمعا وبصراً فَإِنَّهُ لَا يعقل من لَهُ مكر إِلَّا وَهُوَ ماكر وَلَا من كَانَ

стр. 270

من الماكرين إِلَّا وَهُوَ ماكر وَلَا يعقل أحد مِمَّن يستهزئ إِلَّا وَهُوَ مستهزئ وَلَا يعقل أحد مِمَّن يكيد إِلَّا وَهُوَ كياد وَلَا يعقل من لَهُ كيد ومكر إِلَّا وَهُوَ كياد ومكار وَلَا يكون خَادع إِلَّا يُسمى الخادع الخداع وَذُو خدائع وَلَا يعقل من نسي إِلَّا وَهُوَ ناسٍ وَذُو نِسْيَان هَذَا هُوَ الَّذِي لَا سَبِيل إِلَى أَن يُوجد فِي الْعَالم خِلَافه وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وأكيد كيداً﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الله يستهزئ بهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ خادعهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أفأمنوا مكر الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ومكروا ومكر الله وَالله خير الماكرين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قبلهم فَللَّه الْمَكْر جَمِيعًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿سخر الله مِنْهُم﴾ فيلزمهم إِذا سمعُوا رَبهم تَعَالَى ووصفوا من طَرِيق استدلالهم قياسهم وَمَا شاهدوه فِي الْحَاضِر عِنْدهم أَن يسموه مَاكِرًا فيقولوا يَا ماكر ارحمنا ويسموا بَينهم عبد الماكر وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الكياد والمستهزئ وَالْخداع وَالنَّاسِي والساخر وَإِلَّا فقد تناقضوا وتلاعبوا بِصِفَات رَبهم تَعَالَى وبدينهم فَإِن قَالُوا إِن هَذِه الصِّفَات ذمٌ وعيب وَإِنَّمَا نصفه تَعَالَى بِصِفَات الْمَدْح لَزِمَهُم مصيبتان عظيمتان أَحدهمَا إِطْلَاقهم أَن الله أخبر عَن نَفسه فِي هَذِه الْآيَات بِصِفَات الذَّم وَالْعَيْب وَهَذَا كفر وَالثَّانيَِة أَن يصفوا رَبهم بِكُل صفة مدح وَحمد فِيمَا بَينهم وَإِن لم يَأْتِ بهَا نَص وَإِلَّا فقد تناقضوا وَقصرُوا فيصفوه بِأَنَّهُ عَاقل وَأَنه شُجَاع جلد سخي حسن الْأَخْلَاق نزيه النَّفس تَامّ الْمُرُوءَة كَامِل الْفَضَائِل ذُو هَيْئَة نبيل نعم الْمَرْء ويقولوا أَنه تياه قِيَاسا على أَنه تَعَالَى جَبَّار متكبر ويقولوا أَنه مستكبر فَهُوَ والمتكبر فِي اللُّغَة سَوَاء وَذُو تيه وَعجب وَذي هُوَ وَلَا فرق بَين هَذَا وَبَين الْمَكْر والكبرياء فِيمَا بَيْننَا فَإِن فعلوا هَذَا خَرجُوا عَن الْإِسْلَام بِالْإِجْمَاع إِلَّا أَن يعذروا بِشدَّة الْجَهْل وظلمته وعماه وَأَن يَفروا عَن ذَلِك تركُوا مَا قد دانوا بِهِ من تَسْمِيَة الله تَعَالَى وَوَصفه بِأَن لَهُ سمعا وبصراً وَسَائِر مَا وصفوه تَعَالَى بِهِ بآرائهم الْفَاسِدَة مِمَّا لم يَأْتِ بِهِ نصٌ كَقَوْلِهِم قديم ومتكلم ومريد وَأَن لَهُ إِرَادَة لم تزل وَسَائِر مَا اجترؤا عَلَيْهِ بِغَيْر برهَان من الله وَأَيْضًا فَإِن هَذِه الصِّفَات الَّتِي منعُوا مِنْهَا لِأَنَّهَا بزعمهم صِفَات ذمّ فَإِن السّمع وَالْبَصَر والحياة أَيْضا صِفَات نقص لِأَنَّهَا أَعْرَاض دَالَّة على الْحُدُوث فِيمَن هِيَ فِيهِ فَإِن قَالُوا لَيست لله تَعَالَى كَذَلِك قيل لَهُم وَلَا تِلْكَ الصِّفَات أَيْضا إِذا أطلقتموها عَلَيْهِ أَيْضا صِفَات ذمّ وَلَا فرق وَلَقَد قَالَ لي بَعضهم إِنَّمَا قُلْنَا أَن الله تَعَالَى يكيد ويستهزئ ويمكر وينسى وَهُوَ خادعهم على معنى أَنه تَعَالَى يقارضهم على هَذِه الْأَفْعَال مِنْهُم بجزاء يُسمى بأسمائها فَقلت لَهُم نعم هَكَذَا نقُول وَلم ننازعك فِي هَذَا فتستريح إِلَيْهِ بل قُلْنَا لكم سموهُ تَعَالَى مستهزئاً وكياداً وخداعاً وماكراً وناسياً وساخراً على معنى أَنه مقارض لَهُم على هَذِه الْأَفْعَال مِنْهُم بجزاء يُسمى بأسمائها كَمَا قُلْتُمْ فِي يكيد ويستهزئ وينسى وَهُوَ خادعهم سَوَاء بِسَوَاء وَلَا فرق وَقد قُلْتُمْ إِن الْأَفْعَال توجب لفاعلها أَسمَاء فعلهَا فَسكت خاسئاً وَهَذَا مَا لَا انفكاك مِنْهُ وَبِهَذَا وَبِمَا ذكرنَا يُعَارض كل من قَالَ إننا سمينا الله تَعَالَى عَالما لنفي الْجَهْل وقادراً لنفي الْعَجز ومتكلماً لنفي الخرس وَحيا

стр. 271

لنفي الْمَوْت فَإِنَّهُم لَا ينفكون من هَذَا الْبَتَّةَ وَأما نَحن فلولا النَّص الْوَارِد بعليم وقدير وعالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة وقادر على أَن يخلق مثلهم والحي لما جَازَ أَن يُسمى الله تَعَالَى بِشَيْء من هَذَا أصلا وَلَا يجوز أَن يُقَال حَيّ بحياة الْبَتَّةَ فَإِن قَالُوا كَيفَ يكون حَيّ بِلَا حَيَاة قُلْنَا لَهُم وَكَيف يكون حَيّ غير حساس وَلَا متحرك بِإِرَادَة وَلَا سَاكن بِإِرَادَة هَذَا مَالا يعقل الْبَتَّةَ وَلَا يعرف وَلَا يتَوَهَّم وهم يجرونَ عَلَيْهِ تَعَالَى الْحس وَلَا الْحَرَكَة وَلَا السّكُون فَإِن قَالُوا إِن تسميتنا إِيَّاه حكيماً يُغني عَن عَاقل وكريماً يُغني عَن سخي وجباراً متكبراً يُغني عَن متجبر ومستكبر وتياه وزاه وقوياً يُغني عَن شُجَاع وَجلد قُلْنَا هَذَا ترك مِنْكُم لما أصلتموه من إِطْلَاق السّمع وَالْبَصَر والحياة والإرادة وَأَنه مُتَكَلم واحتجاجكم بِأَن من كَانَ سميعا فَلَا بُد لَهُ من سمع وَمن كَانَ بَصيرًا فَلَا بُد لَهُ من بصر وَمن كَانَ حَيا فَلَا بُد لَهُ من حَيَاة وَمن كَانَ مرِيدا فَلَا بُد لَهُ من إِرَادَة وَمن كَانَ لَهُ كَلَام فَهُوَ مُتَكَلم فأطلقتم كل هَذَا على الله بِلَا برهَان فَإِن نَاب عنْدكُمْ مَا ورد بِهِ النَّص من حَكِيم وَقَوي وكريم ومتكبر وجبار عَن عَاقل وشجاع وسخي ومتجبر ومستكبر وتياه وزاه فَلم تجيزوا أَن تسموا الْبَارِي بشيءٍ من هَذَا فَكَذَلِك فَقولُوا كَمَا قُلْنَا نَحن أَن سمعيا وبصيراً وَحيا وَله كَلَام وَيُرِيد يُغني عَن تَجْوِيز ذكر السّمع وَالْبَصَر والإرادة ومتكلم وَلَا فرق هَذَا على أَن قَوْلكُم إِن قَوِيا يُغني عَن شُجَاع خطأ فَرب قويٌّ غير شُجَاع وشجاع غير قوي وَكَذَلِكَ أَيْضا كَانَ الرَّحْمَن يُغني عَن رَحِيم والخالق يُغني عَن الْبَارِي وَعَن المصور فَإِن قَالُوا لَا يجوز الِاقْتِصَار على بعض مَا أُتِي بِهِ النَّص وَلَا يجوز التَّعَدِّي إِلَى مَا لم يَأْتِ بِهِ النَّص قُلْنَا لَهُم قد اهْتَدَيْتُمْ ووفقتم لرشدكم ولقيتم ربكُم تَعَالَى بِحجَّة ظَاهِرَة فِي أَنكُمْ لم تتعدوا حُدُوده وَلَا ألحدتم فِي أَسْمَائِهِ وَلَا حالفتم مَا أَمركُم بِهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق مَعَ أَن الَّذِي ألزمناهم هُوَ ألزم لَهُم مِمَّا التزموه لِأَن بِالضَّرُورَةِ نعلم نَحن وهم أَن الْفِعْل لَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَا بُد لَهُ ضَرُورَة من أَن يُضَاف إِلَى فَاعله فَلَا بُد أَيْضا من إِضَافَة الْفَاعِل إِلَيْهِ على معنى وَصفَة بِأَن فعله هَذَا مَا لَا يقوم فِي الْعقل وجود شئ فِي الْعَالم بِخِلَاف هَذِه الرُّتْبَة وَقد وجدنَا فِي الْعَالم أَشْيَاء كَثِيرَة لَا تحْتَاج إِلَى وصفهَا بِصفة لتنفي عَنْهَا ضد تِلْكَ الصّفة كالسماء وَالْأَرْض لَا يجوز أَن يُوصف مِنْهَا شئ بالبصر لنفي الْعمي وَلَا بالعمي لنفي الْبَصَر فَإِذا لم نضطر إِلَى ذَلِك فِي وصف الْأَشْيَاء فِيمَا بَيْننَا بَطل قياسهم الْبَارِي تَعَالَى على بعض مَا فِي الْعَالم وَكَانَ إِطْلَاق شئ من جَمِيع الصِّفَات على خَالق الصِّفَات والموصوفين أبعد وَأَشد امتناعاً إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه فَنقرَ بذلك وندري أَنه حق وَلَا نتعداه إِلَى مَا سواهُ فَلَا يستحي من الْتزم إِذا وجد أَشْيَاء من الْعَالم تُوصَف بِالْحَيَاةِ لنفي الْمَوْت وبالبصر لنفي الْعمي وَلم يجر على قِيَاسه هَذَا الْفَاسِد من أَن يَأْتِي بتسميته مستهزئاً وكياداً وَقد قَالَ تَعَالَى أَنه يستهزئ ويكيد فَهَلا إِذْ وَفقه الله تَعَالَى للإمساك عَن تصريف الْفِعْل هَاهُنَا جري على ذَلِك التَّوْفِيق فَلم يزدْ على نَص الله تَعَالَى من سميع وبصير وَحي شَيْئا أصلا وَلَكِن التَّنَاقُض سهل من لم يعتصم

стр. 272

بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَاسْتعْمل رَأْيه وَقِيَاسه فِي دينه وَفِيمَا يجريه على الله تَعَالَى نَعُوذ بِاللَّه من الضلال والخذلان وَبِهَذَا يبطل إِلْزَام من أَرَادَ من الْمُعْتَزلَة إلزامنا أَن نسمي الله تَعَالَى مسياه لخلقه السَّيِّئَات وشرير الشرور لخلقه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد شغب بَعضهم فِيمَا ادعوهُ من أَن كل صفة أضافوها إِلَى الله تَعَالَى فَهُوَ غير سَائِر صِفَاته بِأَن الله تَعَالَى مَوْصُوف بِأَنَّهُ يعلم نَفسه وَلَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على نَفسه قَالُوا فَلَو كَانَ الْعلم وَالْقُدْرَة وَاحِدًا لجريا فِي الأطلاق وَاحِدًا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد بَينا بطلَان هَذَا فِي كلامنا قبل بعون الله ونزيد بعون الله بَيَانا فَنَقُول وَبِه نتأيد التغاير إِنَّمَا يَقع فِي المعلومات والمقدورات لَا فِي الْقَادِر وَلَا فِي الْعَالم وَلَا شكّ عندنَا وَعِنْدهم فِي أَن الْعلم والقدير وَاحِد وَهُوَ تَعَالَى عليم بِنَفسِهِ وَلَا يُقَال عِنْدهم قدير على نَفسه فَإِذا لم يُوجب هَذَا الحكم أَن يكون الْقَدِير غير الْعَلِيم فَهُوَ غير مُوجب أَن يكون الْعلم غير الْقُدْرَة بِلَا شكّ ثمَّ نقُول لَهُم أخبرونا عَن علم الله تَعَالَى بحياة زيد قبل مَوته وبإيمانه قبل كفره هَل هُوَ الْعلم بِكُفْرِهِ وَمَوته أَو هُوَ غير الْعلم بذلك فَإِن قَالُوا إِن الْعلم بِمَوْت زيد هُوَ غير الْعلم بحياته وَعلمه بإيمانه هُوَ غير علمه بِكُفْرِهِ لَزِمَهُم تغاير الْعلم وَالْقَوْل بحدوثه وهم لَا يَقُولُونَ هَذَا وَإِن قَالُوا علمه تَعَالَى بِإِيمَان زيد هُوَ علمه بِكُفْرِهِ وَعلمه بحياة زيد هُوَ علمه بِمَوْتِهِ قيل فَإِذا تغاير الْمَعْلُوم تَحت الْعلم لَا يُوجب تغاير الْعلم فِي ذَاته عنْدكُمْ فَمن أَيْن أوحيتم أَن تغاير الْمَعْلُوم والمقدور مُوجب لتغاير الْعلم وَالْقُدْرَة والحقيقة من كل ذَلِك أَنه لَا حَقِيقَة أصلا إِلَّا الْخَالِق تَعَالَى وخلقه وَأَن كل مَا لم ينص الله تَعَالَى عَلَيْهِ من وَصفه لنَفسِهِ وَمن أَسْمَائِهِ فَلَا يحل لأحد أَن يخبر عَنهُ تَعَالَى وَإِن كل مَا نَص الله عَلَيْهِ من أَسْمَائِهِ وَمَا أخبر بِهِ تَعَالَى عَن نَفسه فَهُوَ حق ندين الله تَعَالَى بِالْإِقْرَارِ بِهِ ونعلم أَن المُرَاد بِكُل ذَلِك هُوَ الله لَا شريك لَهُ وَأَنَّهَا كلهَا أَسمَاء يعبر بهَا عَنهُ تَعَالَى وَلَا يرجع مِنْهَا شئ إِلَى غير الله تَعَالَى الْبَتَّةَ تَعَالَى الله أَن يكون مَعَه شئ آخر غَيره وَأقر بَعضهم بحضرتي أَن مَعَ الله تَعَالَى سَبْعَة عشر شَيْئا مُتَغَايِرَة كلهَا قديم لم تزل وَكلهَا غير الله تَعَالَى وَرَأَيْت فِي كتاب لبَعْضهِم أَنَّهَا خَمْسَة عشر تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَذكروا أَن تِلْكَ الْأَشْيَاء هِيَ السّمع وَالْبَصَر وَالْعين وَالْيَد وَالْوَجْه وَالْكَلَام وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والعزة وَالرَّحْمَة وَالْأَمر وَالْعدْل والحياة والصدق قَالَ أَبُو مُحَمَّد لقد قصروا من طَرِيق النَّص وَمن طَرِيق الْعقل أَيْضا عَن أصولهم فَأَيْنَ هم عَن النَّفس والجلال وَالْإِكْرَام والجبروت والكبرياء وَالْيَدَيْنِ والأعين وَالْأَيْدِي والقدم وَالْحَمْد وَالْقُوَّة فَهَذِهِ كلهَا مَنْصُوص عَلَيْهَا كَالْعلمِ والقدوة وَأَيْنَ هم عَن الْحلم من حَلِيم وَالْكَرم من كريم وَالْعَظَمَة من عَظِيم وَالتَّوْبَة من تواب وَالْهِبَة من وهاب والقرب من قريب

стр. 273

واللطف من لطيف وَالسعَة من وَاسع وَالشُّكْر من شَاكر وَالْمجد من مجيد والود من ودود وَالْقِيَام من قيوم وَهَذَا كثير جدا ويتجاوز أَضْعَاف الْأَعْدَاد الَّتِي اقتصروا عَلَيْهَا بتحكيمهم بالضلال والإلحاد فِي أَسْمَائِهِ وَقد زَاد بَعضهم فِيمَا ادعوهُ من صِفَات الذَّات الأستوى والتكليم والقدم والبقاء وَرَأَيْت للأشعري فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالموجز أَن الله تَعَالَى إِذْ قَالَ إِنَّك بأعيننا إِنَّمَا أَرَادَ عينين وَبِالْجُمْلَةِ فَكل من لم يخف الله فِيمَا يَقُول وَلم يستحي من الْبَاطِل لم يبال بِمَا يَقُول وَقد قُلْنَا أَنه لم يَأْتِ نَص بِلَفْظ الصّفة قطّ بِوَجْه من الْوُجُوه لَكِن الله تَعَالَى أخبرنَا بِأَن لَهُ علما وَقُوَّة وكلاماً وقدرة فَقُلْنَا هَذَا كُله حق لَا يرجع مِنْهُ شَيْء إِلَى غير الله تَعَالَى أصلا وَبِه تَعَالَى نتأيد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال لمن قَالَ إِنَّمَا سمي الله تَعَالَى عليماً لِأَنَّهُ لَهُ علما وحكيماً لِأَن لَهُ حِكْمَة وَهَكَذَا فِي سَائِر أَسْمَائِهِ وَادّعى أَن الضَّرُورَة توجب أَنه لَا يُسمى عَالما إِلَّا من لَهُ علم وَهَكَذَا فِي سَائِر الصِّفَات إِذا قسم الْغَائِب بزعمكم تُرِيدُونَ الله على الْحَاضِر مِنْكُم فبالضرورة نَدْرِي أَنه لَا علم عندنَا إِلَّا مَا كَانَ فِي ضمير ذِي خواطر وفكر تعرف بِهِ الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَإِن وصفتم ربكُم تَعَالَى بذلك الْحَد تمّ وَلَا خلاف فِي هَذَا من أحد وتركتم أقوالكم وَإِن منعتم من ذَلِك تركْتُم أصلكم فِي اشتقاق أَسْمَائِهِ تَعَالَى من صِفَات فِيهِ وَأَيْضًا فَإِن عليماً وحكيماً ورحيماً وقديراً وَسَائِر مَا جرى هَذَا المجرى لَا يُسمى فِي اللُّغَة إِلَّا نعوتاً وأوصافاً وَلَا تسمى أَسمَاء الْبَتَّةَ وَأما إِذا سمي الْإِنْسَان حَلِيمًا أَو حكيماً أَو رحِيما أَو حَيا وَكَانَ ذَلِك اسْما لَهُ فَهُوَ حِينَئِذٍ أَسمَاء أَعْلَام غير مُشْتَقَّة بِلَا خلاف من أحد وكل هَذِه فَإِنَّمَا هِيَ لله أَسمَاء بِنَصّ الْقُرْآن وَنَصّ السّنة وَالْإِجْمَاع من جَمِيع أهل الْإِسْلَام قَالَ الله تَعَالَى وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ سيجزون مَا كَانُوا يعْملُونَ وَقَالَ ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن أياً مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر سُبْحَانَ الله عَمَّا يشركُونَ هُوَ الله الْخَالِق البارئ المصور لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة إِلَّا وَاحِدًا من أحصاها دخل الْجنَّة إِنَّه وتر يحب الْوتر وَلم يخْتَلف أحد من أهل الْإِسْلَام فِي أَنَّهَا أَسمَاء لله تَعَالَى وَلَا فِي أَنَّهَا لَا يُقَال أَنَّهَا نعوت لَهُ وَلَا أَوْصَاف الله وَلَو وجد فِي الْمُتَأَخِّرين من يَقُول ذَلِك لَكَانَ قولا بَاطِلا وَمُخَالفَة لقَوْل الله تَعَالَى وَلَا حجَّة لأحد فِي الدّين دون رَسُول الله ﷺ فَإِذا لَا شكّ فِيمَا قُلْنَا فَلَيْسَتْ مُشْتَقَّة من صفة أصلا وَيُقَال لَهُم إِذا قُلْتُمْ إِنَّهَا مُشْتَقَّة فَقولُوا لنا من اشتقها فَإِن قَالُوا أَن الله تَعَالَى اشتقها لنَفسِهِ قُلْنَا لَهُم هَذَا هُوَ القَوْل على الله تَعَالَى بِالْكَذِبِ الَّذِي لم يخبر بِهِ عَن نَفسه وقفوتم فِي ذَلِك مَا لم يأتكم بِهِ علم وَإِن قَالُوا أَن رَسُول الله ﷺ اشتقها قُلْنَا كَذبْتُمْ على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 274

وَلَقَد سمى الله بهَا نَفسه قبل أَن يخلق رَسُوله ﷺ أُوحِي بهَا إِلَيْهِ فَقَط فصح يَقِينا أَن القَوْل بِأَنَّهَا مُشْتَقَّة فِرْيَة على الله تَعَالَى وَكذب عَلَيْهِ ونعوذ بِاللَّه من ذَلِك وَصَحَّ بِهَذَا الْبُرْهَان الْوَاضِح أَنه لَا يدل حِينَئِذٍ عليم على علم وَلَا قدير على قدرَة وَلَا حَيّ على حَيَاة وَهَكَذَا فِي سَائِر ذَلِك وَإِنَّمَا قُلْنَا بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَالْقُوَّة والعزة بنصوص أخر يجب الطَّاعَة لَهَا وَالْقَوْل بهَا وَوجدنَا الْمُتَأَخِّرين من الأشعرية كالباقلاني وَابْن فورك وَغَيرهمَا قَالُوا إِن هَذِه الْأَسْمَاء لَيست لله تَعَالَى وَلكنهَا تسميات لَهُ وَأَنه لَيْسَ لله إِلَّا اسْم وَاحِد لكنه قَول إلحاد ومعارضة لله بالتكذيب بِالْآيَاتِ الَّتِي تلونا وَمُخَالفَة لرَسُول الله ﷺ فِيمَا نَص عَلَيْهِ من عدد الْأَسْمَاء وهتك لإِجْمَاع أهل الْإِسْلَام عَامهمْ وخاصهم قبل أَن تحدث هَذِه الْفرْقَة وَمِمَّا حَدثهُ أهل الْإِسْلَام فِي أَسمَاء الله الْقَدِيم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا يجوز الْبَتَّةَ لِأَنَّهُ لم يَصح بِهِ نَص الْبَتَّةَ وَلَا يجوز أَن يُسمى الله تَعَالَى بِمَا لم يسم بِهِ نَفسه وَقد قَالَ تَعَالَى وَالْقَمَر قدرناه منَازِل حَتَّى عَاد كالعرجون الْقَدِيم فصح أَن الْقَدِيم من صِفَات المخلوقين فَلَا يجوز أَن يُسمى الله تَعَالَى بذلك وَإِنَّمَا يعرف الْقَدِيم فِي اللُّغَة من القدمية الزمانية أَي إِن هَذَا الشَّيْء أقدم من هَذَا بِمدَّة محصورة وَهَذَا منفي عَن الله وَقد أغْنى الله عَن هَذِه التَّسْمِيَة بِلَفْظَة أول فَهَذَا هُوَ الِاسْم الَّذِي لَا يُشَارِكهُ تَعَالَى فِيهِ غَيره وَهُوَ معنى أَنه لم يزل وَقد قُلْنَا بالبرهان أَن الله تَعَالَى لَا يجوز أَن يُسمى بالاستدلال وَلَا فرق بَين من قَالَ أَنه يُسَمِّي ربه جسماً إِثْبَاتًا للوجود ونفياً للعدم وَبَين من سَمَّاهُ قَدِيما إِثْبَاتًا لِأَنَّهُ لم يزل ونفياً للحدوث لِأَن كلا اللفظتين لم يَأْتِ بِهِ نَص فَإِن قَالَ من سَمَّاهُ جسماً ألحد لِأَنَّهُ جعله كالأجسام قيل لَهُ وَمن سَمَّاهُ قَدِيما قد ألحد فِي أَسْمَائِهِ لِأَنَّهُ جعله كالقدماء فَإِن قَالَ لَيْسَ فِي الْعَالم قدماء أكذبه الْقُرْآن بِمَا ذكرنَا وأكذبته اللُّغَة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن إِذْ يَقُول كل قَائِل فِي اللُّغَة هَذَا الشَّيْء أقدم من هَذَا وَهَذَا أَمر قديم وزمان قديم وَشَيخ قديم وَبِنَاء قديم وَهَكَذَا فِي كل شَيْء وَأما نفي خلق الْإِيمَان فَهَذَا أعجب مَا أَتَوا بِهِ وَهل الْإِيمَان إِلَّا فعل الْمُؤمن الظَّاهِر مِنْهُ يزِيد وَينْقص وَيذْهب الْبَتَّةَ وَهُوَ خلق الله تَعَالَى وَهَذِه صِفَات الْحُدُوث نَفسهَا فَإِن قَالُوا إِن الله هُوَ الْمُؤمن قُلْنَا لَهُم نعم هُوَ الْمُؤمن الْمُهَيْمِن المصور فأسماؤه بذلك أَعْلَام لَا مُشْتَقَّة من صِفَات مَحْمُولَة فِيهِ تَعَالَى الله عَن ذَلِك إِلَّا مَا كَانَ مُسَمّى لَهُ لفعل فعله فَهَذَا ظَاهر كالخالق والمصور فَإِن قُلْتُمْ فِي هَذَا أَيْضا أَنَّهَا صِفَات لم تزل لزمكم أَنه تَعَالَى المصور بتصوير لم يزل وَهَذَا قَول أهل الدَّهْر الْمُجَرّد وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ بَعضهم إِن قَوْلنَا سميع بَصِير يسمع بَصِير ببصر حَيّ بحياة لَا يُوجب تشابهاً وَلَا

стр. 275

يكون الشئ شبها للشيئ إِلَّا إِذا نَاب منا بِهِ وسد مسده قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كَلَام فِي غَايَة السخافة لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا برهَان لَا من شَرِيعَة وَلَا من طبيعة وَمَا اخْتلفت قطّ اللُّغَات والطبائع والأمم فِي أَن النِّسْبَة بَين المشبهات إِنَّمَا هُوَ بصفاتها فِي الْأَجْسَام وبذوابها فِي الْإِعْرَاض وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم﴾ فليت شعري هَل قَالَ ذُو مسكة من عقل أَن الْحمير وَالْكلاب والخنافس تنوب منابنا أَو تسدنا وَقَالَ تَعَالَى حاكياً عَن الْأَنْبِيَاء ﵈ أَنهم قَالُوا إِن نَحن إِلَّا بشر مثلكُمْ فَهَل قَالَ قطّ مُسلم أَن الْكفَّار ينوبنا عَن الْأَنْبِيَاء ويسدون مسدهم وَقَالَ تَعَالَى كأنهن الْيَاقُوت والمرجان فَهَل قَالَ ذُو مسكة من عقل إِن الْيَاقُوت يَنُوب مناب الْحور الْعين ويسد مسدهن وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن كثير جدا وَفِي كَلَام كل أمة وَالْعجب أَنهم بعد أَن أَتَوا بِهَذِهِ الْعَظِيمَة نسوا نفسهم فَجعلُوا التشابه فِي بعض الْأَحْوَال يُوجب شرع الشَّرَائِع قِيَاسا وَهَذَا دين لم يَأْذَن بِهِ الله تَعَالَى فهم أبدا فِي الشَّيْء وضده وَالْبناء وَالْهدم ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَحَقِيقَة التَّمَاثُل والتشابه هُوَ أَن كل جسمين اشتبها فَإِنَّمَا يشتبهان بِصفة مَحْمُولَة فيهمَا وكل عرضين فَإِنَّمَا يشتبهان بوقوعهما تَحت نوع وَاحِد كالحمرة والحمرة أَو الْحمرَة والخضرة وَهَذَا أَمر يدْرك بالعيان وَأول الْحس وَالْعقل وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْكَلَام فِي الْحَيَاة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالُوا أَن الدَّلِيل أوجب أَن الْبَارِي تَعَالَى حَيّ لِأَن أَفعَال الْحِكْمَة لَا تقع إِلَّا من الْحَيّ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يعقل إِلَّا حَيّ أَو ميت قُلْنَا إِمْكَان وُقُوع الْفِعْل من الْمَيِّت صَحَّ وُقُوعه من الْحَيّ وَلَا بُد ثمَّ انقسم هَؤُلَاءِ قسمَيْنِ فطائفة قَالَت هُوَ تَعَالَى حَيّ لَا بحياة وَطَائِفَة قَالَت بل هُوَ تَعَالَى حَيّ بحياة واحتجت أَنه لَا يعقل أحد حَيا إِلَّا بحياة وَلم يكن الْحَيّ حَيا إِلَّا لِأَن لَهُ حَيَاة وَلَوْلَا ذَلِك لم يكن حَيا قَالُوا وَلَو جَازَ أَن يكون حَيّ لَا بحياة لجَاز أَن يكون حَيَاة لَا بحي وَقَالَت الطَّائِفَة الأولى لم يكن الْحَيّ حَيا لِأَن لَهُ حَيَاة لَكِن لِأَنَّهُ فَاعل فَقَط عَالم قَادر وَلَا يكون الْعَالم الْقَادِر الْفَاعِل إِلَّا حَيا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكلا الْقَوْلَيْنِ فِي غَايَة الْفساد لِاتِّفَاق الطَّائِفَتَيْنِ على أَن سموا رَبهم تَعَالَى حَيا من طَرِيق الِاسْتِدْلَال إِمَّا لنفي الْمَوْت والجمادية عَنهُ وَإِمَّا لِأَنَّهُ فَاعل قَادر عَالم وَلَا يكون الْفَاعِل الْقَادِر الْعَالم إِلَّا حَيا يلْزمهُم أَن يطردوا استدلالهم هَذَا وَإِلَّا فهم متناقضون وَإِذا طردوا استدلالهم هَذَا لَزِمَهُم وَلَا بُد أَن يَقُولُوا أَنه تَعَالَى جسم لأَنهم لم يعقلوا قطّ فَاعِلا وَلَا حكيماً وَلَا عَالما وَلَا قَادِرًا إِلَّا جسماً فَإِذا لم يكن هَذَا دَلِيلا على أَنه جسم فَلَيْسَ دَلِيلا على أَنه حَيّ وَأَيْضًا فَإِن اتِّفَاقهم على مَا ذكرنَا مُوجب على الطَّائِفَة الأولى أَن يطردوا أَيْضا استدلالهم وَإِلَّا فَهُوَ فَاسد فَنَقُول أَنه لَا يكون الْقَادِر الْعَالم

стр. 276

فِيمَا بَيْننَا إِلَّا ذَا حَيَاة وَلَا يكون حَيا إِلَّا بحياة لَا يعقل غير هَذَا أصلا وَيُقَال لَهُم مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من عكس قَوْلكُم فَقَالَ إِذا كَانَ الْحَيّ لَا يجب أَن يُقَال إِن لَهُ حَيَاة من أجل أَنه حَيّ وَلَا أَنه إِذا كَانَ حَيا وَجب أَن يكون لَهُ حَيَاة وَلَا أَنه سمى الْحَيّ حَيا لِأَن لَهُ حَيَاة فَكَذَلِك لم يجب أَن يكون الْفَاعِل فَاعِلا لِأَنَّهُ حَيّ لَكِن لِأَن لَهُ فعلا فَقَط وَلَا وَجب أَن يكون الْفِعْل فَاعِلا لِأَنَّهُ عَالم قَادر لَكِن لِأَن لَهُ فعلا وَكَذَلِكَ الْمُؤلف لم يسم مؤلفاً لِأَن فِيهِ تأليفاً وَلَا سمي الْحَكِيم حكيما لإحكامه الْفِعْل وَلَا وَجب الْمُؤلف أَن يكون مُحدثا للتأليف الَّذِي فِيهِ على أَن من قَالَ بعض هَذِه القضايا فَهُوَ أصح قولا مِمَّن قَالَ أَن يكون الْحَيّ حَيا لَا يَقْتَضِي بذلك الِاسْتِدْلَال أَن يكون لَهُ حَيَاة لأننا لم نجد قطّ حَيا إِلَّا بحياة وَلَا توهمنا ذَلِك إِلَّا بِالْعقلِ وَلَا يتشكل فِي الْعقل الْبَتَّةَ وَلَا يدْخل فِي الْمُمكن بِدَلِيل وَقد وجدنَا العنكبوت والنحل والخطاف تحكم أفعالها وبنائها بالطين وبالشمع مسدساً على رُتْبَة وَاحِدَة وبالنسج ثمَّ لَا يجوز أَن يُسمى شئ مِنْهَا حكيماً فَإِن قَالَ إِنَّمَا أَقُول أَنه حَيّ اسْتِدْلَالا بِأَنَّهُ لَا يَمُوت فَقَط كَانَ قد أَتَى بأسخف قَول وَذَلِكَ يلْزمه أَن يَقُول أننا لسنا أَحيَاء لأننا نموت وَأَنه لَا حَيّ فِي الْعَالم لِأَن من قَول هَذَا الْقَائِل أَن الْمَلَائِكَة تَمُوت فَلَيْسَ فِي الْعَالم حَيّ على قَوْله وَقد أَتَى بَعضهم بهذيان ظريف فَقَالَ قد وجدنَا شَيْئا فِيهِ حَيَاة وَلَيْسَ حَيا هُوَ يَد الْإِنْسَان وَرجله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَقَد كَانَ يَنْبَغِي لمن هَذَا مِقْدَاره من الْجَهْل أَن يتَعَلَّم قبل أَن يتَكَلَّم أما علم لجَاهِل أَن الْحَيَاة إِنَّمَا هِيَ للنَّفس لَا للجسد وَأَن الْحَيّ إِنَّمَا هِيَ النَّفس لَا الْجَسَد أما سمع قَول الله ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ وليت شعري لَو عكس عَلَيْهِ هَذَا السخف فَقيل لَهُ بل يَد الْإِنْسَان حَيَّة وَلَا حَيَاة فِيهَا بِمَاذَا كَانَ ينْفَصل من هَذَا الْجُنُون المطابق لجنونه ثمَّ إِذْ قد بَطل قَول هَؤُلَاءِ فَنَقُول بحول الله تَعَالَى وقوته للطائفة الْأُخْرَى الَّتِي قَالَت أَنه تَعَالَى حَيّ بحياة اسْتِدْلَالا بِالشَّاهِدِ مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من قَالَ هُوَ تَعَالَى جسم لِأَن الْأَفْعَال لَا تقع إِلَّا من جسم وَعرض فَلَمَّا بَطل إِمْكَان الْفِعْل من الْعرض صَحَّ وُقُوعه من الْجِسْم فَقَط وَلَا بُد وَلما صَحَّ أَن الْعَالم لَا يكون إِلَّا جسماً ذَا ضمير صَحَّ أَنه تَعَالَى جسم ذُو ضمير وَلما صَحَّ أَنه قَادر والقادر لَا يكون إِلَّا جسماً صَحَّ أَنه جسم فَبِأَي شَيْء راموا الِانْفِصَال بِهِ عكس عَلَيْهِم مثله سَوَاء بِسَوَاء فِي استدلالهم وَمَا التزموه لَزِمَهُم فَإِن قَالُوا أَنه تَعَالَى أخبر أَنه حَيّ وَلم يخبر أَنه جسم قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَإِن الله تَعَالَى لم يخبر بِأَن لَهُ حَيَاة فَإِن قَالُوا إِن الْحَيّ يَقْتَضِي أَن لَهُ حَيَاة قُلْنَا لَهُم والحي يَقْتَضِي أَنه جسم وَهَكَذَا أبدا فَإِن قَالُوا أَنه تَعَالَى قَالَ ﴿وتوكل على الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت﴾ فَوَجَبَ أَن يكون حَيا بحياة قيل لَهُم وَإِن وَجب هَذَا فَقَالَ تَعَالَى لَا نَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم فَقولُوا أَنه تَعَالَى يقظان فَإِن قَالُوا لم ينص تَعَالَى على أَنه يقظان قيل لَهُم وَلَا نَص تَعَالَى على

стр. 277

أَن لَهُ حَيَاة فَإِن قَالُوا الْحَيّ يَقْتَضِي حَيَاة قيل لَهُم وَمن لَيْسَ نَائِما وَلَا وَسنَان فَهُوَ يقظان وَلَا فرق وَيُقَال لَهُم أخبرونا مَاذَا نفيتم عَنهُ تَعَالَى بِإِيجَاب الْحَيَاة لَهُ أنفيتم عَنهُ بذلك الْمَوْت الْمَعْهُود والمواتية الْمَعْهُودَة أم موتا غير مَعْهُود ومواتية غير معهودة وَلَا سَبِيل إِلَى قسم ثَالِث فَإِن قَالُوا نَفينَا عَنهُ الْمَوْت الْمَعْهُود والمواتية الْمَعْهُودَة قُلْنَا لَهُم إِن الْمَوْت الْمَعْهُود والمواتية الْمَعْهُودَة لَا ينتفيان الْبَتَّةَ إِلَّا لحياة الْمَعْهُودَة الَّتِي هِيَ الْحس وَالْحَرَكَة والسكون الإراديان وَهَذَا خلاف قَوْلكُم وَلَو قلتموه لأبطلنا قَوْلكُم بِمَا أبطلنا بِهِ قَول المجسمة وَإِن قَالُوا مَا نَفينَا عَنهُ تَعَالَى إِلَّا موتا غير مَعْهُود ومواتية غير معهودة قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هَذَا لَا يعقل وَلَا يتَوَهَّم وَلَا قَامَ بِهِ دَلِيل وَلَا يجوز أَن يَنْتَفِي مَا ذكرْتُمْ بحياة يقتضيها اسْم الْحَيّ الْمَعْقُول وَهَكَذَا نقُول فِي قَوْلهم سميناه تَعَالَى سميعاً لنفي الصمم وبصيراً لنفي الْعَمى ومتكلماً لنفي الخرس فنسألهم هَل نفيتم بذلك كُله الخرس الْمَعْهُود والصمم الْمَعْهُود والعمى الْمَعْهُود أم صمماً لَا يعْهَد وعمى غير الْمَعْهُود وخرساً غير الْمَعْهُود فَإِن قَالُوا نَفينَا الْمَعْهُود من كل ذَلِك قُلْنَا إِن الصمم الْمَعْهُود لَا يَنْفِي إِلَّا بِالسَّمْعِ الْمَعْهُود الَّذِي هُوَ بِإِذن سَالِمَة والعمى الْمَعْهُود لَا يَنْتَفِي إِلَّا بالبصر الْمَعْهُود الَّذِي هُوَ حدقة سَالِمَة والخرس الْمَعْهُود لَا يَنْتَفِي إِلَّا بالْكلَام الْمَعْهُود الَّذِي هُوَ صَوت من لِسَان وحنك وشفتين فَإِن قَالُوا بل نَفينَا من كل ذَلِك غير الْمَعْهُود قُلْنَا هَذَا لَا يعقل وَلَا يتَوَهَّم وَلَا يَصح بِهِ دَلِيل وَلَا يَنْتَفِي بِمَا أردتم نَفْيه بِهِ وَأَيْضًا فَإِن الْبَارِي تَعَالَى لَو كَانَ حَيا بحياة لم يزل وَهِي غَيره لوَجَبَ ضَرُورَة أَن يكون تَعَالَى مؤلفاً مركبا من ذَاته وحياته وَسَائِر صِفَاته ولكان كثير إِلَّا وَاحِدًا وَهَذَا إبِْطَال الْإِسْلَام ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما قَوْلهم إِنَّمَا خاطبنا الله بِمَا نعقل ودعواهم أَن فِي بديهة الْعُقُول أَن الْفَاعِل لَا يكون إِلَّا عَالما بِعلم هُوَ غَيره حَيا بحياة هِيَ غَيره قَادِرًا بقدرة هِيَ غَيره متكلماً بِكَلَام هُوَ غَيره سميعاً بسمع هُوَ غَيره بَصيرًا ببصر هُوَ غَيره فَإنَّا نقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتايدان هَذِه الْقَضِيَّة كَمَا ذكرُوا مَا لم برهَان على خلاف ذَلِك ثمَّ نسألهم هَل عقلتم قسط أَو توهمتم نَارا محرقة تنْبت فِي الشّجر المثمر وَهَذِه صفة جَهَنَّم الَّتِي إِن أنكرتموها كَفرْتُمْ وَهل عقلتم قطّ طيراً حَيا يُؤْكَل دون أَن يَمُوت أَو يعاني بِنَار وَهَذِه صفة الْجنَّة الَّتِي إِن أنكرتموها كَفرْتُمْ وَمثل هَذَا كثير وَإِنَّمَا الْحق أَن لَا نخرج عَمَّا عهدناه وَمَا عَقَلْنَاهُ إِلَّا أَن يَأْتِي برهَان فَإِن قنعوا بِهَذَا الْقدر من الدَّعْوَى فليقنعوا بِمثل هَذَا من المجسمة إِذْ قَالُوا إِنَّمَا خاطبنا الله تَعَالَى بِمَا نفهم ونعقل لَا بِمَا لَا يعقل وَقد أخبرنَا الله تَعَالَى أَن لَهُ عينا ويداً ووجهاً وَأَنه ينزل وَيَجِيء فِي ظلل من الْغَمَام قَالُوا فَكل هَذَا مَحْمُول على مَا عقلنا من أَنَّهَا جوارح وحركات وَأَنَّهَا جسم وأقنعوا بِهِ مِنْهُم أَيْضا إِذْ قَالُوا ببديهة الْعقل وأوله عرفنَا وَوَجَب أَنه لَا يكون الْفَاعِل إِلَّا جسماً فِي مَكَان وبضرورة الْعقل علمنَا أَنه لَا شَيْء إِلَّا بجسم أَو عرض وَمَا لم يكن كَذَلِك فَهُوَ عدم وَإِن مَا لم يكن

стр. 278

عرضا فَهُوَ جسم والباري تَعَالَى لَيْسَ عرضا فَهُوَ جسم وَلَا بُد وأقنعوا بِمثل هَذَا من الْمُعْتَزلَة إِذْ قَالُوا فِي إبِْطَال الرُّؤْيَة بضرورة الْعقل عرفنَا أَنه لَا يرى إِلَّا جسم ملون وَمَا كَانَ فِي حيّز وَإِذ قَالُوا بضرورته وبديهته علمنَا أَن كل من فعل شَيْئا فَإِنَّمَا يُوصف بِهِ وينسب إِلَيْهِ فَلَو أَنه تَعَالَى خلق الشَّرّ وَالظُّلم المنسب إِلَيْهِ وَوصف بهما واقنعوا بِهَذَا من الدهرية إِذْ قَالُوا بضرورة الْعقل علمنَا أَنه لَا يكون شَيْئا إِلَّا من شَيْء أَو فِي شَيْء قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَكل طَائِفَة من هَذِه الطوائف تَدعِي الْبَاطِل على الْعُقُول والحقيقة فِي هَذَا هُوَ أَن كل من ادّعى فِي شَيْء مَا أَنه يعرف ببديهة الْعقل وضرورته وأوله أَن ينظر فِي تِلْكَ الدَّعْوَى فَإِن كَانَت مِمَّا ترجع إِلَى الْحَواس الْمُشَاهدَة فَهِيَ دَعْوَى كَاذِبَة فَاسِدَة لِأَن الْعُقُول توجب أَشْيَاء لَا تشكل فِي الْحَواس كالألوان الَّتِي لَا يتوهمها الْأَعْمَى وَلَا يتشكلها بحاسة وَهُوَ موقن بهَا بضرورة عقله لصِحَّة الْخَبَر وتواتره عَلَيْهِ بوجودها وكالصوت الَّذِي لَا يتوهمه الْبَتَّةَ وَلَا يشكله من ولد أَصمّ أصلع وَهُوَ موقن بعقله بِصِحَّة الْأَصْوَات لتواتر الْخَبَر عَلَيْهِ بِصِحَّتِهَا وَإِن كَانَت تِلْكَ الدَّعْوَى ترجع إِلَى مُجَرّد الْعقل دون توَسط لحواس فَهِيَ دَعْوَى صَادِقَة وَهَذِه الدعاوي الَّتِي ذكرنَا عَن الأشعرية والمجسمة والمعتزلة والدهرية فَإِنَّمَا غلطوا فِيهَا لأَنهم نسبوا إِلَى أول الْعقل مَا أدركوه بحواسهم وَقد قُلْنَا أَن الْعقل يُوجب وَلَا بُد معرفَة أَشْيَاء لَا تدْرك بالحواس وَلَا سِيمَا دَعْوَى الدهرية فَإِنَّهَا تعَارض ممثلها من أَن بضرورة الْعقل وأوله علمنَا أَنه لَا يُمكن وجود جسم وَعرض فِي زمَان لَا أول لَهُ وَهَذَا هُوَ الْحق لَا دَعوَاهُم الَّتِي عولوا فِيهَا على مَا شاهدوا بحواسهم فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَيُقَال لَهُم إِذا سميتموه حَيا لنفي الْمَوْت والمواتية عَنهُ تَعَالَى وقادراً لنفي الْعَجز وعالماً لنفي الْجَهْل فيلزمكم وَلَا بُد أَن تسموه حساساً لنفي الخدر عَنهُ وسماماً لنفي الْجِسْم عَنهُ ومتحركاً لنفي السّكُون والجمادية عَنهُ وعاقلاً لنفي ضد الْعقل عَنهُ وشجاعاً لنفي الْجُبْن عَنهُ فَإِن امْتَنعُوا من ذَلِك كَانُوا قد ناقضوا فِي استدلالهم فِي تسميتهم إِيَّاه حَيا عَالما قَادِرًا جواداً فَإِن قَالُوا أَنه لَا يجوز أَن يُسَمِّي بشئ مِمَّا ذكرنَا لِأَنَّهُ لم يَأْتِ بِهِ نَص قيل لَهُم وَكَذَلِكَ لم يَأْتِ نَص بِأَن لَهُ تَعَالَى حِين وَلَا بِأَنَّهُ إِنَّمَا سمي حَيا عَالما قَادِرًا لنفي أضداد هَذِه الصِّفَات عَنهُ لَكِن لما جَاءَ النَّص بِأَنَّهُ تَعَالَى يُسَمِّي الْحَيّ الْعَالم الْقَدِير سميناه بذلك وَلَوْلَا النَّص مَا جَازَ لأحد أَن يُسمى الله تَعَالَى بشئ من ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ يكون مشبهاً لَهُ بخلقه لَا سِيمَا وَلَفْظَة الْحَيّ تقع فِي اللُّغَة على الْعَالم الْمُمَيز بالحقائق قَالَ تَعَالَى ﴿لينذر من كَانَ حَيا ويحق القَوْل على الْكَافرين﴾ فَأَرَادَ بالحي هَاهُنَا الْعلم الْمُمَيز بِالْإِيمَان الْمقر بِهِ وَأَيْضًا مِنْهُم يدعونَ أَنهم يُنكرُونَ التَّشْبِيه ثمَّ يركبونه أتم ركُوب فَيَقُولُونَ لما لم يكن الفعال عندنَا إِلَّا حَيا عَالما قَادِرًا وَجب أَن يكون الْبَارِي الْفَاعِل للأشياء حَيا عَالما وَهَذَا نَص قياسهم لَهُ على الْمَخْلُوقَات وتشبيهه تَعَالَى بهم وَلَا يجوز عِنْد الْقَائِلين

стр. 279

بِالْقِيَاسِ أَن يُقَاس الشَّيْء إِلَّا على نَظِيره وَأما أَن يُقَاس الشَّيْء على خِلَافه من كل جِهَة وعَلى مَا لَا يُشبههُ فِي شَيْء الْبَتَّةَ فَهَذَا مَا لَا يجوز أصلا عِنْد أحد فَكيف وَالْقِيَاس كُله بَاطِل لَا يجوز وَأَيْضًا فَإِن الْحَيَاة الَّتِي لَا يعرف أحد بِالْعقلِ حَيَاة غَيرهَا إِنَّمَا هِيَ الْحس وَالْبركَة الإرادية وَلَا يعرف أحد الْحَيّ إِلَّا بالإحساس المتحرك بِإِرَادَة وَهَذَا أَمر يعرف بِالضَّرُورَةِ فَمن أنكر ذَلِك فقد أنكر الْحس والمشاهدة والضرورة وَخرج عَن أَن يكلم فَإِن قَالَ قَائِل مِنْهُم إِن الْموَات قد يَتَحَرَّك فَلم يزدْ على أَن أبان عَن قُوَّة جَهله لِأَنَّهُ إِنَّمَا قُلْنَا الْحَرَكَة الإرادية فَإِذا لم يفرق هَذَا الْجَاهِل بَين الْحَرَكَة الإرادية والاضطرارية فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يتَعَلَّم قبل أَن يتَكَلَّم وكل حَرَكَة ظَهرت من غير حَيّ فَلَيْسَتْ حَرَكَة إرادية لَهُ لَكِنَّهَا تَحْرِيك المحرك لَهُ إِمَّا الْبَارِي تَعَالَى وَإِمَّا من دونه وَمِمَّا يبطل قَوْلهم ضَرُورَة أَنه إِنَّمَا سمي تَعَالَى حَيا لِأَنَّهُ عَالم فَأَرَادَ وجودنا أَحيَاء كَثِيرَة لَيْسُوا عُلَمَاء وَلَا قَادِرين كالأطفال حِين ولادتهم وكالنائم المستقل وكالمخدور من المجانين وكضعاف الدُّود والصوداب وَمَا لَا ينْتَقل عَن مَحَله كالوصل وَغَيره وكالمريض من سَائِر الْحَيَوَان فَهَذِهِ كلهَا أَحيَاء لَيْسَ شَيْء مِنْهَا عَالما وَلَا قَادِرًا فصح ضَرُورَة أَنه لَا معنى للحياة يرتبط بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة لمن الْحق فِي ذَلِك أَن بعض الْأَحْيَاء عَالم قَادر وَلَيْسَ كل حَيّ عَالما قَادِرًا وَلَا سَبِيل إِلَى وجود حَيّ غير حساس وَلَا متحرك بِإِرَادَة فَإِن ذكرُوا الْمَعْنى عَلَيْهِ فَذَلِك عَائِد عَلَيْهِم لِأَنَّهُ لَيْسَ عَالما وَلَا قَادِرًا وَأما الْحس فَفِيهِ بِالضَّرُورَةِ وَلَو جش جشاً قَوِيا لتألم ولأخبر بذلك عِنْد انتباهه وَكَذَلِكَ الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية باقيان لَا بُد فِي بعض أَعْضَاء المخدور والمغمى عَلَيْهِ وَلَا بُد وَقد بَينا الْوَاجِب فِي هَذَا وَهُوَ أَنه لَا يُسمى الله وَلَا نخبر عَنهُ من طَرِيق الِاسْتِدْلَال باسم يُشَارِكهُ فِيهِ شَيْء من خلقه وَلَا بِخَبَر يُشَارِكهُ فِيهِ شَيْء من خلقه وَلَكنَّا نقُول أَنه تَعَالَى لَا يجهل شَيْئا أصلا وَهَذِه صفة لَا يَسْتَحِقهَا أحد دونه تَعَالَى ونقول لَا يغْفل الْبَتَّةَ وَلَا يضل وَلَا يسهو وَلَا ينَام وَلَا يتحير وَلَا ينْحل وَلَا يخفى عَلَيْهِ متوهم وَلَا يعجز عَن مسئول عَنهُ وَلَا ينسى وكل هَذَا فَلَا يسْتَحقّهُ مَخْلُوق دونه تَعَالَى أصلا ثمَّ نفر بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَالسّنَن كَمَا جَاءَ لَا نزيد وَلَا ننقص مِنْهُ وَلَا نحيله فنؤمن بِأَنَّهُ بِخِلَاف الْمَعْهُود فِيمَا يَقع عَلَيْهِ ذَلِك اللَّفْظ من خلقه وَأما لفظ الصّفة فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَفِي جَمِيع اللُّغَات فَإِنَّمَا هُوَ عبارَة عَن معنى مَحْمُول فِي الْمَوْصُوف بهَا لَا معنى للصفة غير هَذَا الْبَتَّةَ وَهَذَا أَمر لَا يجوز إِضَافَته إِلَى الله تَعَالَى الْبَتَّةَ إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بِشَيْء أخبر الله تَعَالَى بِهِ عَن نَفسه فَيُؤمن بِهِ وندري حِينَئِذٍ أَنه اسْم علم لَا مُشْتَقّ من صفة أصلا وَأَنه خبر عَنهُ تَعَالَى لَا يُرَاد بِهِ غَيره وَلَا يرجع مِنْهُ إِلَى سواهُ الْبَتَّةَ وَالْعجب كل الْعجب لَهُم يسمون الله حَيا لأَنهم لم يَجدوا الْفِعْل يَقع إِلَّا من حَيّ ثمَّ يَقُولُونَ أَنه لَا كالأحياء فعادوا إِلَى دليلهم فأفسدوه لأَنهم إِذا أوجبوا وُقُوع الْفِعْل من حَيّ لَيْسَ كالأحياء الَّذين لَا تقع الْأَفْعَال إِلَّا مِنْهُم فقد أبطلوا أَن يكون ظُهُور الْأَفْعَال دَلِيلا على أَنَّهَا من حَيّ كَمَا عهدوه

стр. 280

وَقد علمنَا يَقِينا أَن الْقُدْرَة من كل قَادر فِي الْعَالم فَإِنَّمَا هِيَ عرض فِيهِ وَأَن الْحَيَاة فِي الْحَيّ الْمَعْهُود بضرورة الْعقل عرض فِيهِ أَيْضا وَإِن الْعلم فِي كل عَالم فِي الْعَالم كَذَلِك وَقد وافقونا على أَن الْبَارِي تَعَالَى بِخِلَاف ذَلِك فَإذْ قد بَطل أَن يكون هَذَا مَوْصُوفا بِصفة الْقَادِر فِيمَا بَيْننَا والعالم منا الَّتِي لولاها لم يكن الْعَالم عَالما والقادر قَادِرًا فَإِن الْفِعْل فِيمَا بَيْننَا لَا يَقع إِلَّا من أهل تِلْكَ الصّفة فقد بَطل ضَرُورَة أَن يُسمى الْبَارِي تَعَالَى بإسم قَادِرًا وعالم أَو حَيّ اسْتِدْلَالا بِأَن الْفِعْل فِيمَا بَيْننَا لَا يَقع إِلَّا من عَالم قَادر وَإِذ قد جوزوا وجود علم لَيْسَ عرضا وحياة لَيست عرضا وَهَذَا أَمر غير مَعْقُول أصلا فَلَا ينكروا وجود حَيّ لَا بحياة وَسميع لَا بسمع وبصير لَا ببصر وكل هَذَا خُرُوج عَن الْمَعْهُود وَلَا فرق وَإِنَّمَا يستجاز الْخُرُوج عَن الْمَعْهُود إِذا جَاءَ بِهِ نَص من الْخَالِق أَو قَامَ بِهِ برهَان ضَرُورِيّ وَإِلَّا فَلَا وَلم يَأْتِ نَص قطّ بِلَفْظ الْحَيَاة وَلَا الْإِرَادَة وَلَا السّمع وَلَا الْبَصَر وَاحْتج بَعضهم فِي مُعَارضَة من قَالَ إِن الْحَيّ لَا يكون إِلَّا حساساً متحركاً بِإِرَادَة لأننا لم نشاهد قطّ حَيا إِلَّا حساساً متحركاً بِإِرَادَة فَقَالَ هَذَا الْمُعْتَرض إِن من اتّفق لَهُ أَن لَا يرى نباتاً إِلَّا أَخْضَر وَلَا أَخْضَر إِلَّا نباتاً فَقطع بِأَن كل أَخْضَر فَهُوَ نَبَات فقد أَخطَأ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَأول مَا يُقَال لَهُ قل هَذَا لنَفسك فِي استدلالك بأنك لم تَرَ قطّ فعالاً إِلَّا حَيا عَالما قَادِرًا وَلَا فرق ثمَّ نعود بعون الله تَعَالَى إِلَى بَيَان مَا شغبوا بِهِ مِمَّا لَا يعْرفُونَ الْفرق بَينه وَبَين مَا يَقع عَلَيْهِ فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الْأَعْرَاض تَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ أَحدهمَا ذاتي لَا يتَوَهَّم بُطْلَانه بِبُطْلَان حامله كالحس وَالْحَرَكَة الإرادية للحي وَكَذَلِكَ احْتِمَال الْمَوْت للْإنْسَان مَعَ امكانية التَّمْيِيز للعلوم وَالتَّصَرُّف فِي الصناعات وَمَا أشبه هَذَا وَمن هَذِه الْأَعْرَاض تقوم فُصُول الْأَشْيَاء وحدودها الَّتِي تفرق بَينهَا وَبَين غَيرهَا من الْأَنْوَاع الَّتِي تقع مَعهَا تَحت جنس وَاحِد فَهَذَا الْقسم مَقْطُوع على وجوده فِي كل مَا وَقع اسْم حامله عَلَيْهِ وَالْقسم الثَّانِي غَيْرِي وَهُوَ مَا يتَوَهَّم بُطْلَانه وَلَا يبطل بذلك مَا هُوَ فِيهِ كاجترار الْبَعِير وحلاوة الْعَسَل وَسَوَاد الْغُرَاب فَإِن وجد عسل مر وَقد وَجَدْنَاهُ لم يبطل بذلك أَن يكون عسلاً وَكَذَلِكَ لَو وجد غراب أَبيض وَقد وجد لم يبطل بذلك أَن يكون غراباً فَمثل هَذَا الْقسم لَا يقطع على أَنه مَوْجُود وَلَا بُد أبدا فَهَذَا الْفرق بَين مَا شغب بِهِ من النَّبَات لِأَنَّهُ إِن توهم النَّبَات أَحْمَر أَو أصفر لم يبطل أَن يُسمى نباتاً وَلكنه إِن توهم أَن يكون النَّبَات غير نَام من الأَرْض وَلَا متغذ برطوباتها منجذباً بَحر الْهَوَاء ورطوبته فَإِنَّهُ لَا يكون نباتاً أصلا وَأَيْضًا فقد قَالَ بَعضهم أَنه قد يعرفهُ الْبَارِي حَيا من لَا يعرفهُ حساساً متحركاً بِإِرَادَة قيل لَهُ وَقد يعرفهُ حَيا من لَا يعرف أَن لَهُ حَيَاة وَقد يعرفهُ جسماً من لَا يعرفهُ مؤلفاً وَلَا مُحدثا وَلَيْسَ توهم الْجُهَّال لما توهموه من الحماقات حجَّة على أهل الْعُقُول والعلوم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وبرهان ضَرُورِيّ وَهُوَ أَن كل صفة فِي الْعَالم فَهِيَ ضَرُورَة وَلَا بُد عرض

стр. 281

بَين الطَّرفَيْنِ أَو أحد أذينك الطَّرفَيْنِ وَإِمَّا ذَات ضد فحاملها بِالضَّرُورَةِ قَابل للأضداد فَلَا عَالم فِي الْعَالم إِلَّا وَالْجهل مِنْهُ متوهم وَلَا قَادر فِي الْعَالم إِلَّا وَالْعجز مِنْهُ متوهم وَلَا حَيّ فِي الْعَالم إِلَّا والسكون وَالْحَرَكَة والحس والحذر متوهمات كلهَا مِنْهُ وَقد علمنَا أَن الله تَعَالَى أرْحم الرَّاحِمِينَ حَقًا لَا مجَاز من أنكر هَذَا فَهُوَ كَافِر حَلَال دَمه وَمَاله وَهُوَ تَعَالَى يَبْتَلِي الْأَطْفَال بالجدري واواكل وَالْجِنّ والذبحة والأوجاع حَتَّى يموتوا وبالجوع حَتَّى يموتوا كَذَلِك ويفجع الْآبَاء بالأبناء وَكَذَلِكَ الْأُمَّهَات والأحباء بَعضهم بِبَعْض حَتَّى يهْلكُوا ثكلاً ووجداً وَكَذَلِكَ الطير بألاودها وَلَيْسَت هَذِه صفة الرَّحْمَة بَيْننَا فصح يَقِينا أَنَّهَا أَسمَاء الله تَعَالَى سمى الله تَعَالَى بهَا نَفسه غير مُشْتَقَّة من صفة مَحْمُولَة فِيهِ تَعَالَى حاشا لَهُ من ذَلِك فَإِن قَالُوا إِن الْعَالم الْقَادِر الْحَيّ الأول الرَّحِيم بِخِلَاف هَذَا قيل لَهُم صَدقْتُمْ وَهَذَا إبِْطَال مِنْكُم لاستدلالكم بِالشَّاهِدِ بَيْنكُم على تَسْمِيَة الْبَارِي وَصِفَاته قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما وَصفنَا الْبَارِي تَعَالَى بِأَنَّهُ الْوَاحِد الأول الْحق الْخَالِق من طَرِيق الِاسْتِدْلَال فَإِنَّهُ لَا يلْزمنَا فِي ذَلِك شَيْء مِمَّا ألزمناه خصومنا لِأَنَّهُ قد قَامَ الْبُرْهَان بِأَنَّهُ خَالق مَا سواهُ وَلَيْسَ فِي الْعَالم خَالق الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه وَقد قَامَ الْبُرْهَان على أَنه تَعَالَى وَاحِد لَا وَاحِد فِي الْعَالم غَيره الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه وكل مَا فِي الْعَالم فمتكثر بِاحْتِمَال الْقِسْمَة والتحري وَقد قَامَ الْبُرْهَان على أَنه تَعَالَى الأول وَالْأول فِي الْعَالم الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه كل مَا فِي الْعَالم يُنَافِي الأمل وَقَامَ الْبُرْهَان بِأَنَّهُ تَعَالَى الْحق بِذَاتِهِ وَإِن كل مَا فِي الْعَالم فَإِنَّمَا هُوَ مُحَقّق لَهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا كَانَ حَقًا بالباري جلّ وَعز لولاه لم يكن حَقًا فَهَذَا هُوَ الْبُرْهَان الصَّحِيح الثَّابِت الَّذِي لَا يُعَارض ببرهان الْبَتَّةَ وَهَذَا هُوَ نفي التَّشْبِيه ثمَّ إننا ننفي عَن الْبَارِي تَعَالَى جَمِيع صِفَات الْعَالم فَنَقُول أَنه تَعَالَى لَا يجهل أصلا وَلَا يغْفل الْبَتَّةَ وَلَا يسهو وَلَا ينَام وَلَا يحس وَلَا يخفى عَلَيْهِ متوهم وَلَا يعجز عَن مسئول عَنهُ لأننا قد بَينا فِيمَا خلا من كتَابنَا هَذَا إِن الله تَعَالَى بِخِلَاف خلقه من كل وَجه فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَوَاجِب نفي كل مَا يُوصف بِهِ شَيْء مِمَّا فِي الْعَالم عَنهُ تَعَالَى على الْعُمُوم وَأما إِثْبَات الْوَصْف أَو التَّسْمِيَة لَهُ تَعَالَى فَلَا يجوز إِلَّا بِنَصّ ونخبر عَنهُ تَعَالَى بأفعاله فَنَقُول أَنه تَعَالَى مُحي الْمَوْتَى ومميت الْأَحْيَاء إِلَّا أَن لَا يثبت إِجْمَاع فِي إِبَاحَة شَيْء من ذَلِك وَلَوْلَا الْإِجْمَاع على إِبَاحَة إِطْلَاق بعض ذَلِك هَا هُنَا لما أجزناه ونقول أَنه تَعَالَى بِكُل شَيْء عليم لم يزل كَذَلِك وَالْمعْنَى فِي هَذَا أَنه لم يزل يعلم أَنه سيخلق الْأَشْيَاء على حسب هَيْئَة كل مَخْلُوق مِنْهَا لَا على أَن الْأَشْيَاء لم تزل مَوْجُودَة فِي علمه معَاذ الله من هَذَا وَلَكِن نقُول لم يزل تَعَالَى يعلم أَنه سيحدث كل مَا يكون شَيْئا إِذا أحدثه على مَا يكون عَلَيْهِ إِذا كَانَ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونجمع إِن شَاءَ الله تَعَالَى هَا هُنَا بَيَان الرَّد على من أقدم أَن يُسمى الله تَعَالَى

стр. 282

بِغَيْر نَص لَكِن بِمَا دله عَلَيْهِ عقله وظنه أَنه حسن ومدح أَو اسْتِدْلَالا بِمَا سمى بِهِ تَعَالَى نَفسه أَو تصريفاً من ذَلِك أَو قِيَاسا على مَا شَاهد من خلقه فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الله تَعَالَى سمى نَفسه الرَّحْمَن الرَّحِيم فسمه أَنْت الرَّقِيق من رقة النَّفس الَّتِي هِيَ الرَّحْمَة فَإِن قَالَ الرَّحِيم يُغني عَن ذَلِك قيل لَهُ نقصت أصلك لِأَن الْحَيّ يُغني عَن هَذَا عَن أَن يُقَال لَهُ حَيَاة وَأَيْضًا فَإِن الرَّحْمَن يُغني عَن الرَّحِيم فَإِن قَالَ قد ورد النَّص بِهِ قيل لَهُ صدقت وَلَا تتعد مَا جَاءَ بِهِ النَّص وامنع مَا سواهُ وسمى نَفسه الْعَلِيم فسمه الدَّارِيّ الحبر الْفَهم الذكي الْعَارِف النَّبِيل فَكل هَذَا مدح وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَة بِمَعْنى عليم وَلَا فرق وسمى نَفسه الْكَرِيم فسمه السخي والجواد وسمى نَفسه الْحَكِيم فسمه النَّاقِد الْعَاقِل وسمى نَفسه الْعَظِيم فسمه الفخم الضخم وسمى نَفسه الْحَلِيم فسمه الْمُحْتَمل الصابر الصبور الصبار وَأخْبر أَنه قريب فسمه الداني المجاور الْمُبَاشر وسمى نَفسه الْوَاسِع فسمه الرحب العريض وسمى نَفسه الْعَزِيز فسمه الرئيس وَأخْبر أَنه شَاكر وشكور فسمه الحامد الحماد وسمى نَفسه القهار فسمه الظافر وسمى نَفسه الآخر فسمه الثَّانِي والتالي والخاتم وسمى نَفسه الظَّاهِر فسمه الْعَارِف والداري وسمى نَفسه الْكَبِير فسمه الرئيس والمتقدم وسمى نَفسه الْقَدِير فسمه المطيق والمستطيع وسمى نَفسه الْعلي فسمه العالي والرفيع والسامي وسمى نَفسه الْبَصِير فسمه المعاين وسمى نَفسه الْجَبَّار فسمه المتجبر الزاهي التياه وسمى نَفسه المتكبر فسمه المستكبر المتعاظم المتنحي وسمى نَفسه الْبر الزاكي المتواصل وسمى نَفسه المتعالي فسمه المتعظم المترفع وسمى نَفسه الْغَنِيّ فسمه الْمُوسر الملي المكثر الوافر وسمى نَفسه الْوَلِيّ فسمه الصّديق المصادق الْوَالِي الحبيب وسمى نَفسه الْقوي فسمه الْجلد النجد الشجاع الجليد الشَّديد الباطش وسمى نَفسه الْحَيّ وَأخْبر أَن لَهُ نفسا فسمه المتحرك الحساس واقطع لَهُ روحاً بِمَعْنى النَّفس وسمى نَفسه السَّمِيع الْبَصِير فسمه الشمام الذواق وسمى نَفسه الْمجِيد فسمه الشريف الْمَاجِد وسمى نَفسه الحميد فسمه المحمد الْمَحْمُود والممدوح وسمى نَفسه الْوَدُود فسمه الواد الْمُحب الحبيب الوديد وسمى نَفسه الصَّمد فسمه المصمت وسمى نَفسه الْحق فسمه الصَّحِيح الثَّابِت وسمى نَفسه اللَّطِيف فسمه الْخَفِيف وَذكر تَعَالَى أَن لَهُ مكراً وكيداً فَقل إِن لَهُ دهاء ونكراً وحساً تحليلا وخدائع فَهَذَا كُله فِي اللُّغَة وَفِيمَا بَيْننَا سَوَاء وسمى نَفسه الْمُبين فسمه الْوَاضِح الْبَين اللائح البادي وسمى نَفسه الْمُؤمن فسمه الْمُسلم الْمُصدق وسمى نَفسه الْبَاطِن فسمه الْخَفي الْغَائِب المتغيب وسمى نَفسه الْملك والمليك فسمه السُّلْطَان وَصَحَّ بِالسنةِ أَنه يُسمى جميلاً فسمه الصبيح الْحسن قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن أَبى من كل هَذَا نقص أَصله وَكَذَلِكَ إِن قَالَ إِن بعض ذَلِك يُغني عَن بعض لزمَه إِسْقَاط الْحَيَاة لِأَن الْحَيّ يُغني عَن ذكر الْحَيَاة على هَذَا الأَصْل وَلَزِمَه أَن لَا يَقُول أَنه

стр. 283

مُتَكَلم لِأَن الْكَلَام مغن عَن ذَلِك وَلَزِمَه أَيْضا إِسْقَاط السّمع وَالْبَصَر لِأَنَّهُ اسْتغنى بالسميع والبصير وَلَزِمَه أَيْضا إِسْقَاط مَا جَاءَ بِهِ النَّص إِذا كَانَ بعضه يُغني عَن بعض وَالْملك يُغني عَن مليك أَو أحد يُغني عَن وَاحِد وجبار يُغني عَن متكبر وخالق يُغني عَن الْبَارِي وَهَكَذَا يُسمى الله الْقَدِيم وَلَا الحنان وَلَا المنان وَلَا الْفَرد وَلَا الدايم وَلَا الْبَاقِي وَلَا الخالد الْعَالم وَلَا الداني وَلَا الرَّائِي وَلَا السَّامع وَلَا المعتلي وَلَا العالي وَلَا المتبارك وَلَا الطَّالِب وَلَا الْغَالِب وَلَا الضار وَلَا النافع وَلَا الْمدْرك وَلَا المبدىء وَلَا المعيد وَلَا النَّاطِق وَلَا الْقَادِر وَلَا الْوَارِث وَلَا الْبَاعِث وَلَا القاهر وَلَا الْجَلِيل وَلَا الْمُعْطِي وَلَا الْمُنعم وَلَا المحسن وَلَا الحكم وَلَا الْحَاكِم وَلَا الْوَاهِب وَلَا الْغفار وَلَا المضل وَلَا الْهَادِي وَلَا الْعدْل وَلَا الرضي وَلَا الصَّادِق وَلَا المتطول وَلَا المتفضل وَلَا المنان وَلَا الْخَبِير وَلَا الْحَافِظ وَلَا البديع وَلَا إِلَّا لَهُ وَلَا الْمُجْمل وَلَا المحي وَلَا المميت وَلَا الْمنصف وَلَا بِشَيْء لم يسم بِهِ نَفسه أصلا وَإِن كَانَ فِي غَايَة الْمَدْح عندنَا أَو كَانَ متصرفاً من أَفعاله تَعَالَى إِلَى أَن نخبر عَنهُ بِكُل هَذَا الَّذِي ذكرنَا بِالْإِضَافَة إِلَى مَا نذْكر مَعَ الْوَصْف حِينَئِذٍ والإخبار عَن فعله تَعَالَى فَهَذَا جَائِز حِينَئِذٍ فَيجوز أَن يُقَال عَالم الخفيات عَالم بِكُل شَيْء عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة غَالب على امْرَهْ غَالب على كل من طَغى وَنَحْو هَذَا الْقَادِر على مَا يَشَاء القاهر للملوك وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا الْمُعْطِي لكل مَا بِأَيْدِينَا الْوَاهِب لنا كل مَا عندنَا الْمُنعم على خلقه المحسن إِلَى أوليائه الْحَاكِم بِالْحَقِّ المبدي لخلقه المعيد لَهُ المضل لأعدائه الْهَادِي لأوليائه الْعدْل فِي حكمه الصَّادِق فِي قَوْله الراضي عَمَّن أطاعه الغضبان على من عَصَاهُ الساخط على أعدائه الكاره لما نهى عَنهُ بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَه الْخلق مُحي الْأَحْيَاء والموتى مميت الْأَحْيَاء والموتى الْمنصف مِمَّن ظلم باني الدُّنْيَا وداحيها ومسويها وَنَحْو هَذَا لِأَن كل هَذَا إِخْبَار عَن فعله تَعَالَى وَهَذَا مُبَاح لنا بِالْإِجْمَاع وَهُوَ من تَعْظِيمه تَعَالَى وَمن دُعَائِهِ وَلَيْسَ لنا أَن نُسَمِّيه إِلَّا بِنَصّ وَكَذَلِكَ نقُول إِن لله تَعَالَى كيداً ومكراً وكبرياء وَلَيْسَ هَذَا من الْمَدْح فِيمَا بَيْننَا بل هُوَ فِيمَا بَيْننَا ذمّ وَلَا يحل أَن نقُول إِن لله تَعَالَى عقلا وشجاعا وعفة ودهاء وفهماً وذكاء وَهَذَا غَايَة الْمَدْح فِيمَا بَيْننَا فَبَطل أَن يُرَاعِي فِيمَا يخبر بِهِ عَن الله تَعَالَى مَا هُوَ مدح عندنَا أَو مَا هُوَ ذمّ عندنَا بل النَّص فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَمن الْبُرْهَان على هَذَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة غير وَاحِدَة من أحصاها دخل الْجنَّة فَلَو كَانَت هَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي منعنَا مِنْهَا جَائِزا أَن تطلق لكَانَتْ أَسمَاء الله تَعَالَى أَكثر من مائَة ونيف وَهَذَا بَاطِل لِأَن قَول رَسُول الله ﷺ مائَة غير وَاحِد مَانع من أَن يكون لَهُ أَكثر من ذَلِك وَلَو

стр. 284

جَازَ ذَلِك لَكَانَ قَوْله ﵇ كذبا وَهَذَا كفر مِمَّن أجَازه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ فأسماؤه بِلَا شكّ كَمَا هِيَ دَاخِلَة فِيمَا علمه آدم ﵇ وَتَخْصِيص كَلَامه ﵇ لَا يحل فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَمن هُوَ الَّذِي اشتقها من الصِّفَات فَإِن قَالُوا هُوَ اشتقها كذبُوا على الله تَعَالَى جهاراً إِذْ أخبروا عَنهُ بِمَا لم يخبر بِهِ تَعَالَى عَن نَفسه وَهَذَا عَظِيم نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَهَذِه كلهَا براهين كَافِيَة لمن عقل وَبِاللَّهِ تعال التَّوْفِيق وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين الْكَلَام فِي الْوَجْه وَالْيَد وَالْعين وَالْجنب والقدم والتنزل والعزة وَالرَّحْمَة وَالْأَمر وَالنَّفس والذات وَالْقُوَّة وَالْقُدْرَة والأصابع قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَالَ الله ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ فَذَهَبت المجسمة إِلَى الِاحْتِجَاج بِهَذَا فِي مَذْهَبهم وَقَالَ الْآخرُونَ وَجه الله تَعَالَى إِنَّمَا يُرَاد بِهِ الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي قَامَ الْبُرْهَان بِصِحَّتِهِ لما قدمنَا من إبِْطَال القَوْل بالتجسيم وَقَالَ أَبُو الْهُذيْل وَجه الله هُوَ الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يُطلق لِأَنَّهُ تَسْمِيَة وَتَسْمِيَة الله تَعَالَى لَا يجوز إِلَّا بِنَصّ وَلَكنَّا نقُول وَجه الله لَيْسَ هُوَ غير الله تَعَالَى وَلَا نرْجِع مِنْهُ إِلَى شَيْء سوى لله تَعَالَى برهَان ذَلِك قَول الله تَعَالَى حاكياً عَمَّن رَضِي قَوْله ﴿إِنَّمَا نطعمكم لوجه الله﴾ فصح يَقِينا أَنهم لم يقصدوا غير الله تَعَالَى وَقَوله ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ إِنَّمَا مَعْنَاهُ ثمَّ الله تَعَالَى بِعِلْمِهِ وقبوله لمن توجه إِلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لما خلقت بيَدي﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاماً﴾ وَقَالَ ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ قَالَ رَسُول الله ﷺ عَن يمبن الرَّحْمَن وكلتا يَدَيْهِ يَمِين فَذَهَبت المجسمة إِلَى مَا ذكرنَا مِمَّا قد سلف من بطلَان قَوْلهم فِيهِ وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن الْيَد النِّعْمَة وَهُوَ أَيْضا لَا معنى لَهُ لِأَنَّهَا دَعْوَى بِلَا برهَان وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ إِن المُرَاد بقول الله تَعَالَى أَيْدِينَا إِنَّمَا مَعْنَاهُ اليدان وَإِن ذكر الْأَعْين إِنَّمَا مَعْنَاهُ عينان وَهَذَا بَاطِل مدْخل فِي قَول المجسمة بل نقُول إِن هَذَا إِخْبَار عَن الله تَعَالَى لَا يرجع من ذكر الْيَد إِلَى شَيْء سواهُ تَعَالَى ونقر إِن لله تَعَالَى كَمَا قَالَ يدا ويدين وأيدي وَعين وَأَعْيُنًا كَمَا قَالَ ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإنَّك بأعيننا﴾ وَلَا يجوز لأحد أَن يصف الله بل لَهُ

стр. 285

عينين لِأَن النَّص لم يَأْتِ بذلك ونقول إِن المُرَاد بِكُل مَا ذكرنَا الله لَا شَيْء غَيره وَقَالَ تَعَالَى حاكيا عَن قَول قَائِل قَالَ يَا حسرنا على مَا فرطت فِي جنب الله وَهَذَا مَعْنَاهُ فِيمَا يقْصد بِهِ إِلَى الله عز وَفِي حنب عِبَادَته وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ وكلنَا يَدَيْهِ يَمِين وَعَن يَمِين الرَّحْمَن فَهُوَ مثل قَوْله ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ يُرِيد وَمَا ملكتم وَلما كَانَت الْيَمين فِي لُغَة الْعَرَب يُرَاد بهَا الْحَظ للأفضل كَمَا قَالَ الشماخ ... إِذا مَارِيَة رفعت لمحمدٍ تلقاها عرابه بِالْيَمِينِ ... يُرِيد أَن يتلقاها بالسعي إِلَّا على كَانَ قَوْله وكلتا يَدَيْهِ يَمِين أَي كل مَا يكون مِنْهُ تَعَالَى من الْفَصْل فَهُوَ إِلَّا عَليّ وَكَذَلِكَ صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن جَهَنَّم لَا تملأ حَتَّى يضع فِيهَا قدمه وَصَحَّ أَيْضا فِي الحَدِيث حَتَّى يضع فِيهَا رجله وَمعنى هَذَا مَا قد بَينه رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث آخر صَحِيح أخبر فِيهِ أَن الله تَعَالَى بعد يَوْم الْقِيَامَة يخلق خلقا يدخلهم الْجنَّة وَأَنه يَقُول للجنة وَالنَّار لكل وَاحِدَة مِنْكُمَا ملؤُهَا فَمَعْنَى الْقدَم فِي الحَدِيث الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ يُرِيد سالف صدق مَعْنَاهُ الْأمة الَّتِي تقدم فِي علمه تَعَالَى أَنه يمْلَأ بهَا جَهَنَّم وَمعنى رجله نَحْو ذَلِك لِأَن الرجل الْجَمَاعَة فِي اللُّغَة أَي يضع فِيهَا الْجَمَاعَة الَّتِي قد سبق فِي علمه تَعَالَى أَنه يمْلَأ جَهَنَّم بهَا وَكَذَلِكَ الحَدِيث الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن قلب الْمُؤمن بَين اصبعين من أَصَابِع الله أَي بَين تدبيرين ونعمتين من تَدْبِير الله ونعمه إِمَّا كِفَايَة تسرهُ وَإِمَّا بلَاء يأجره عَلَيْهِ وبالأصح فِي اللُّغَة النِّعْمَة وقلب كل أحد بَين توفيق الله وجلاله وَكِلَاهُمَا حكمه وَأخْبر ﵇ أَن الله يَبْدُو لَهُ مُؤمن يَوْم الْقِيَامَة فِي غير الصُّورَة الَّتِي عرفوها وَهَذَا ظَاهر بَين وَهُوَ أَنهم يرَوْنَ صُورَة الْحَال من الهول والمخافة غير الَّتِي يظنون فِي الدُّنْيَا وبرهان صِحَة هَذَا القَوْل قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور غير الَّذِي عرفتموه بهَا وبالضرورة نعلم أننا لم نعلم لله فِي الدُّنْيَا صُورَة أصلا فصح مَا ذَكرْنَاهُ يَقِينا وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الحَدِيث الثَّابِت خلق الله آدم على صورته فَهَذِهِ إِضَافَة ملكٍ يُرِيد الصُّورَة الَّتِي تخيره الله ليَكُون آدم مصورا عَلَيْهَا وكل فَاضل فِي طبقته فَإِنَّهُ ينْسب إِلَى الله كَمَا يَقُول بَيت الله تَعَالَى عَن الْكَعْبَة والبيوت كلهَا بيُوت الله تَعَالَى وَلَكِن لَا يُطلق على شَيْء مِنْهَا هَذَا الِاسْم كَمَا يطبق على الْمَسْجِد الْحَرَام وكما نقُول فِي جِبْرِيل وَعِيسَى ﵉ روح لله والأرواح كلهَا لله ملك لَهُ وكالقول فِي نَاقَة صَالح ﵇ بِأَنَّهُ لله والنوق كلهَا لله عزوجل فعلى هَذَا الْمَعْنى قيل على صُورَة الرَّحْمَن والصور كلهَا لله تَعَالَى هِيَ ملك لَهُ وَخلق لَهُ وَقد رَأَيْت لِابْنِ فورك وعيره من لَا أشعرية فِي الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث أَنهم قَالُوا فِي معنى قَوْله ﵇ أَن الله خلق
следующие страницы →