← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بَين الطَّرفَيْنِ أَو أحد أذينك الطَّرفَيْنِ وَإِمَّا ذَات ضد فحاملها بِالضَّرُورَةِ قَابل للأضداد فَلَا عَالم فِي الْعَالم إِلَّا وَالْجهل مِنْهُ متوهم وَلَا قَادر فِي الْعَالم إِلَّا وَالْعجز مِنْهُ متوهم وَلَا حَيّ فِي الْعَالم إِلَّا والسكون وَالْحَرَكَة والحس والحذر متوهمات كلهَا مِنْهُ وَقد علمنَا أَن الله تَعَالَى أرْحم الرَّاحِمِينَ حَقًا لَا مجَاز من أنكر هَذَا فَهُوَ كَافِر حَلَال دَمه وَمَاله وَهُوَ تَعَالَى يَبْتَلِي الْأَطْفَال بالجدري واواكل وَالْجِنّ والذبحة والأوجاع حَتَّى يموتوا وبالجوع حَتَّى يموتوا كَذَلِك ويفجع الْآبَاء بالأبناء وَكَذَلِكَ الْأُمَّهَات والأحباء بَعضهم بِبَعْض حَتَّى يهْلكُوا ثكلاً ووجداً وَكَذَلِكَ الطير بألاودها وَلَيْسَت هَذِه صفة الرَّحْمَة بَيْننَا فصح يَقِينا أَنَّهَا أَسمَاء الله تَعَالَى سمى الله تَعَالَى بهَا نَفسه غير مُشْتَقَّة من صفة مَحْمُولَة فِيهِ تَعَالَى حاشا لَهُ من ذَلِك فَإِن قَالُوا إِن الْعَالم الْقَادِر الْحَيّ الأول الرَّحِيم بِخِلَاف هَذَا قيل لَهُم صَدقْتُمْ وَهَذَا إبِْطَال مِنْكُم لاستدلالكم بِالشَّاهِدِ بَيْنكُم على تَسْمِيَة الْبَارِي وَصِفَاته قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما وَصفنَا الْبَارِي تَعَالَى بِأَنَّهُ الْوَاحِد الأول الْحق الْخَالِق من طَرِيق الِاسْتِدْلَال فَإِنَّهُ لَا يلْزمنَا فِي ذَلِك شَيْء مِمَّا ألزمناه خصومنا لِأَنَّهُ قد قَامَ الْبُرْهَان بِأَنَّهُ خَالق مَا سواهُ وَلَيْسَ فِي الْعَالم خَالق الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه وَقد قَامَ الْبُرْهَان على أَنه تَعَالَى وَاحِد لَا وَاحِد فِي الْعَالم غَيره الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه وكل مَا فِي الْعَالم فمتكثر بِاحْتِمَال الْقِسْمَة والتحري وَقد قَامَ الْبُرْهَان على أَنه تَعَالَى الأول وَالْأول فِي الْعَالم الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه كل مَا فِي الْعَالم يُنَافِي الأمل وَقَامَ الْبُرْهَان بِأَنَّهُ تَعَالَى الْحق بِذَاتِهِ وَإِن كل مَا فِي الْعَالم فَإِنَّمَا هُوَ مُحَقّق لَهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا كَانَ حَقًا بالباري جلّ وَعز لولاه لم يكن حَقًا فَهَذَا هُوَ الْبُرْهَان الصَّحِيح الثَّابِت الَّذِي لَا يُعَارض ببرهان الْبَتَّةَ وَهَذَا هُوَ نفي التَّشْبِيه ثمَّ إننا ننفي عَن الْبَارِي تَعَالَى جَمِيع صِفَات الْعَالم فَنَقُول أَنه تَعَالَى لَا يجهل أصلا وَلَا يغْفل الْبَتَّةَ وَلَا يسهو وَلَا ينَام وَلَا يحس وَلَا يخفى عَلَيْهِ متوهم وَلَا يعجز عَن مسئول عَنهُ لأننا قد بَينا فِيمَا خلا من كتَابنَا هَذَا إِن الله تَعَالَى بِخِلَاف خلقه من كل وَجه فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَوَاجِب نفي كل مَا يُوصف بِهِ شَيْء مِمَّا فِي الْعَالم عَنهُ تَعَالَى على الْعُمُوم وَأما إِثْبَات الْوَصْف أَو التَّسْمِيَة لَهُ تَعَالَى فَلَا يجوز إِلَّا بِنَصّ ونخبر عَنهُ تَعَالَى بأفعاله فَنَقُول أَنه تَعَالَى مُحي الْمَوْتَى ومميت الْأَحْيَاء إِلَّا أَن لَا يثبت إِجْمَاع فِي إِبَاحَة شَيْء من ذَلِك وَلَوْلَا الْإِجْمَاع على إِبَاحَة إِطْلَاق بعض ذَلِك هَا هُنَا لما أجزناه ونقول أَنه تَعَالَى بِكُل شَيْء عليم لم يزل كَذَلِك وَالْمعْنَى فِي هَذَا أَنه لم يزل يعلم أَنه سيخلق الْأَشْيَاء على حسب هَيْئَة كل مَخْلُوق مِنْهَا لَا على أَن الْأَشْيَاء لم تزل مَوْجُودَة فِي علمه معَاذ الله من هَذَا وَلَكِن نقُول لم يزل تَعَالَى يعلم أَنه سيحدث كل مَا يكون شَيْئا إِذا أحدثه على مَا يكون عَلَيْهِ إِذا كَانَ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونجمع إِن شَاءَ الله تَعَالَى هَا هُنَا بَيَان الرَّد على من أقدم أَن يُسمى الله تَعَالَى

стр. 282

بِغَيْر نَص لَكِن بِمَا دله عَلَيْهِ عقله وظنه أَنه حسن ومدح أَو اسْتِدْلَالا بِمَا سمى بِهِ تَعَالَى نَفسه أَو تصريفاً من ذَلِك أَو قِيَاسا على مَا شَاهد من خلقه فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الله تَعَالَى سمى نَفسه الرَّحْمَن الرَّحِيم فسمه أَنْت الرَّقِيق من رقة النَّفس الَّتِي هِيَ الرَّحْمَة فَإِن قَالَ الرَّحِيم يُغني عَن ذَلِك قيل لَهُ نقصت أصلك لِأَن الْحَيّ يُغني عَن هَذَا عَن أَن يُقَال لَهُ حَيَاة وَأَيْضًا فَإِن الرَّحْمَن يُغني عَن الرَّحِيم فَإِن قَالَ قد ورد النَّص بِهِ قيل لَهُ صدقت وَلَا تتعد مَا جَاءَ بِهِ النَّص وامنع مَا سواهُ وسمى نَفسه الْعَلِيم فسمه الدَّارِيّ الحبر الْفَهم الذكي الْعَارِف النَّبِيل فَكل هَذَا مدح وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَة بِمَعْنى عليم وَلَا فرق وسمى نَفسه الْكَرِيم فسمه السخي والجواد وسمى نَفسه الْحَكِيم فسمه النَّاقِد الْعَاقِل وسمى نَفسه الْعَظِيم فسمه الفخم الضخم وسمى نَفسه الْحَلِيم فسمه الْمُحْتَمل الصابر الصبور الصبار وَأخْبر أَنه قريب فسمه الداني المجاور الْمُبَاشر وسمى نَفسه الْوَاسِع فسمه الرحب العريض وسمى نَفسه الْعَزِيز فسمه الرئيس وَأخْبر أَنه شَاكر وشكور فسمه الحامد الحماد وسمى نَفسه القهار فسمه الظافر وسمى نَفسه الآخر فسمه الثَّانِي والتالي والخاتم وسمى نَفسه الظَّاهِر فسمه الْعَارِف والداري وسمى نَفسه الْكَبِير فسمه الرئيس والمتقدم وسمى نَفسه الْقَدِير فسمه المطيق والمستطيع وسمى نَفسه الْعلي فسمه العالي والرفيع والسامي وسمى نَفسه الْبَصِير فسمه المعاين وسمى نَفسه الْجَبَّار فسمه المتجبر الزاهي التياه وسمى نَفسه المتكبر فسمه المستكبر المتعاظم المتنحي وسمى نَفسه الْبر الزاكي المتواصل وسمى نَفسه المتعالي فسمه المتعظم المترفع وسمى نَفسه الْغَنِيّ فسمه الْمُوسر الملي المكثر الوافر وسمى نَفسه الْوَلِيّ فسمه الصّديق المصادق الْوَالِي الحبيب وسمى نَفسه الْقوي فسمه الْجلد النجد الشجاع الجليد الشَّديد الباطش وسمى نَفسه الْحَيّ وَأخْبر أَن لَهُ نفسا فسمه المتحرك الحساس واقطع لَهُ روحاً بِمَعْنى النَّفس وسمى نَفسه السَّمِيع الْبَصِير فسمه الشمام الذواق وسمى نَفسه الْمجِيد فسمه الشريف الْمَاجِد وسمى نَفسه الحميد فسمه المحمد الْمَحْمُود والممدوح وسمى نَفسه الْوَدُود فسمه الواد الْمُحب الحبيب الوديد وسمى نَفسه الصَّمد فسمه المصمت وسمى نَفسه الْحق فسمه الصَّحِيح الثَّابِت وسمى نَفسه اللَّطِيف فسمه الْخَفِيف وَذكر تَعَالَى أَن لَهُ مكراً وكيداً فَقل إِن لَهُ دهاء ونكراً وحساً تحليلا وخدائع فَهَذَا كُله فِي اللُّغَة وَفِيمَا بَيْننَا سَوَاء وسمى نَفسه الْمُبين فسمه الْوَاضِح الْبَين اللائح البادي وسمى نَفسه الْمُؤمن فسمه الْمُسلم الْمُصدق وسمى نَفسه الْبَاطِن فسمه الْخَفي الْغَائِب المتغيب وسمى نَفسه الْملك والمليك فسمه السُّلْطَان وَصَحَّ بِالسنةِ أَنه يُسمى جميلاً فسمه الصبيح الْحسن قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن أَبى من كل هَذَا نقص أَصله وَكَذَلِكَ إِن قَالَ إِن بعض ذَلِك يُغني عَن بعض لزمَه إِسْقَاط الْحَيَاة لِأَن الْحَيّ يُغني عَن ذكر الْحَيَاة على هَذَا الأَصْل وَلَزِمَه أَن لَا يَقُول أَنه

стр. 283

مُتَكَلم لِأَن الْكَلَام مغن عَن ذَلِك وَلَزِمَه أَيْضا إِسْقَاط السّمع وَالْبَصَر لِأَنَّهُ اسْتغنى بالسميع والبصير وَلَزِمَه أَيْضا إِسْقَاط مَا جَاءَ بِهِ النَّص إِذا كَانَ بعضه يُغني عَن بعض وَالْملك يُغني عَن مليك أَو أحد يُغني عَن وَاحِد وجبار يُغني عَن متكبر وخالق يُغني عَن الْبَارِي وَهَكَذَا يُسمى الله الْقَدِيم وَلَا الحنان وَلَا المنان وَلَا الْفَرد وَلَا الدايم وَلَا الْبَاقِي وَلَا الخالد الْعَالم وَلَا الداني وَلَا الرَّائِي وَلَا السَّامع وَلَا المعتلي وَلَا العالي وَلَا المتبارك وَلَا الطَّالِب وَلَا الْغَالِب وَلَا الضار وَلَا النافع وَلَا الْمدْرك وَلَا المبدىء وَلَا المعيد وَلَا النَّاطِق وَلَا الْقَادِر وَلَا الْوَارِث وَلَا الْبَاعِث وَلَا القاهر وَلَا الْجَلِيل وَلَا الْمُعْطِي وَلَا الْمُنعم وَلَا المحسن وَلَا الحكم وَلَا الْحَاكِم وَلَا الْوَاهِب وَلَا الْغفار وَلَا المضل وَلَا الْهَادِي وَلَا الْعدْل وَلَا الرضي وَلَا الصَّادِق وَلَا المتطول وَلَا المتفضل وَلَا المنان وَلَا الْخَبِير وَلَا الْحَافِظ وَلَا البديع وَلَا إِلَّا لَهُ وَلَا الْمُجْمل وَلَا المحي وَلَا المميت وَلَا الْمنصف وَلَا بِشَيْء لم يسم بِهِ نَفسه أصلا وَإِن كَانَ فِي غَايَة الْمَدْح عندنَا أَو كَانَ متصرفاً من أَفعاله تَعَالَى إِلَى أَن نخبر عَنهُ بِكُل هَذَا الَّذِي ذكرنَا بِالْإِضَافَة إِلَى مَا نذْكر مَعَ الْوَصْف حِينَئِذٍ والإخبار عَن فعله تَعَالَى فَهَذَا جَائِز حِينَئِذٍ فَيجوز أَن يُقَال عَالم الخفيات عَالم بِكُل شَيْء عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة غَالب على امْرَهْ غَالب على كل من طَغى وَنَحْو هَذَا الْقَادِر على مَا يَشَاء القاهر للملوك وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا الْمُعْطِي لكل مَا بِأَيْدِينَا الْوَاهِب لنا كل مَا عندنَا الْمُنعم على خلقه المحسن إِلَى أوليائه الْحَاكِم بِالْحَقِّ المبدي لخلقه المعيد لَهُ المضل لأعدائه الْهَادِي لأوليائه الْعدْل فِي حكمه الصَّادِق فِي قَوْله الراضي عَمَّن أطاعه الغضبان على من عَصَاهُ الساخط على أعدائه الكاره لما نهى عَنهُ بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَه الْخلق مُحي الْأَحْيَاء والموتى مميت الْأَحْيَاء والموتى الْمنصف مِمَّن ظلم باني الدُّنْيَا وداحيها ومسويها وَنَحْو هَذَا لِأَن كل هَذَا إِخْبَار عَن فعله تَعَالَى وَهَذَا مُبَاح لنا بِالْإِجْمَاع وَهُوَ من تَعْظِيمه تَعَالَى وَمن دُعَائِهِ وَلَيْسَ لنا أَن نُسَمِّيه إِلَّا بِنَصّ وَكَذَلِكَ نقُول إِن لله تَعَالَى كيداً ومكراً وكبرياء وَلَيْسَ هَذَا من الْمَدْح فِيمَا بَيْننَا بل هُوَ فِيمَا بَيْننَا ذمّ وَلَا يحل أَن نقُول إِن لله تَعَالَى عقلا وشجاعا وعفة ودهاء وفهماً وذكاء وَهَذَا غَايَة الْمَدْح فِيمَا بَيْننَا فَبَطل أَن يُرَاعِي فِيمَا يخبر بِهِ عَن الله تَعَالَى مَا هُوَ مدح عندنَا أَو مَا هُوَ ذمّ عندنَا بل النَّص فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَمن الْبُرْهَان على هَذَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة غير وَاحِدَة من أحصاها دخل الْجنَّة فَلَو كَانَت هَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي منعنَا مِنْهَا جَائِزا أَن تطلق لكَانَتْ أَسمَاء الله تَعَالَى أَكثر من مائَة ونيف وَهَذَا بَاطِل لِأَن قَول رَسُول الله ﷺ مائَة غير وَاحِد مَانع من أَن يكون لَهُ أَكثر من ذَلِك وَلَو

стр. 284

جَازَ ذَلِك لَكَانَ قَوْله ﵇ كذبا وَهَذَا كفر مِمَّن أجَازه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ فأسماؤه بِلَا شكّ كَمَا هِيَ دَاخِلَة فِيمَا علمه آدم ﵇ وَتَخْصِيص كَلَامه ﵇ لَا يحل فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَمن هُوَ الَّذِي اشتقها من الصِّفَات فَإِن قَالُوا هُوَ اشتقها كذبُوا على الله تَعَالَى جهاراً إِذْ أخبروا عَنهُ بِمَا لم يخبر بِهِ تَعَالَى عَن نَفسه وَهَذَا عَظِيم نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَهَذِه كلهَا براهين كَافِيَة لمن عقل وَبِاللَّهِ تعال التَّوْفِيق وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين الْكَلَام فِي الْوَجْه وَالْيَد وَالْعين وَالْجنب والقدم والتنزل والعزة وَالرَّحْمَة وَالْأَمر وَالنَّفس والذات وَالْقُوَّة وَالْقُدْرَة والأصابع قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَالَ الله ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ فَذَهَبت المجسمة إِلَى الِاحْتِجَاج بِهَذَا فِي مَذْهَبهم وَقَالَ الْآخرُونَ وَجه الله تَعَالَى إِنَّمَا يُرَاد بِهِ الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي قَامَ الْبُرْهَان بِصِحَّتِهِ لما قدمنَا من إبِْطَال القَوْل بالتجسيم وَقَالَ أَبُو الْهُذيْل وَجه الله هُوَ الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يُطلق لِأَنَّهُ تَسْمِيَة وَتَسْمِيَة الله تَعَالَى لَا يجوز إِلَّا بِنَصّ وَلَكنَّا نقُول وَجه الله لَيْسَ هُوَ غير الله تَعَالَى وَلَا نرْجِع مِنْهُ إِلَى شَيْء سوى لله تَعَالَى برهَان ذَلِك قَول الله تَعَالَى حاكياً عَمَّن رَضِي قَوْله ﴿إِنَّمَا نطعمكم لوجه الله﴾ فصح يَقِينا أَنهم لم يقصدوا غير الله تَعَالَى وَقَوله ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ إِنَّمَا مَعْنَاهُ ثمَّ الله تَعَالَى بِعِلْمِهِ وقبوله لمن توجه إِلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لما خلقت بيَدي﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاماً﴾ وَقَالَ ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ قَالَ رَسُول الله ﷺ عَن يمبن الرَّحْمَن وكلتا يَدَيْهِ يَمِين فَذَهَبت المجسمة إِلَى مَا ذكرنَا مِمَّا قد سلف من بطلَان قَوْلهم فِيهِ وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن الْيَد النِّعْمَة وَهُوَ أَيْضا لَا معنى لَهُ لِأَنَّهَا دَعْوَى بِلَا برهَان وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ إِن المُرَاد بقول الله تَعَالَى أَيْدِينَا إِنَّمَا مَعْنَاهُ اليدان وَإِن ذكر الْأَعْين إِنَّمَا مَعْنَاهُ عينان وَهَذَا بَاطِل مدْخل فِي قَول المجسمة بل نقُول إِن هَذَا إِخْبَار عَن الله تَعَالَى لَا يرجع من ذكر الْيَد إِلَى شَيْء سواهُ تَعَالَى ونقر إِن لله تَعَالَى كَمَا قَالَ يدا ويدين وأيدي وَعين وَأَعْيُنًا كَمَا قَالَ ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإنَّك بأعيننا﴾ وَلَا يجوز لأحد أَن يصف الله بل لَهُ

стр. 285

عينين لِأَن النَّص لم يَأْتِ بذلك ونقول إِن المُرَاد بِكُل مَا ذكرنَا الله لَا شَيْء غَيره وَقَالَ تَعَالَى حاكيا عَن قَول قَائِل قَالَ يَا حسرنا على مَا فرطت فِي جنب الله وَهَذَا مَعْنَاهُ فِيمَا يقْصد بِهِ إِلَى الله عز وَفِي حنب عِبَادَته وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ وكلنَا يَدَيْهِ يَمِين وَعَن يَمِين الرَّحْمَن فَهُوَ مثل قَوْله ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ يُرِيد وَمَا ملكتم وَلما كَانَت الْيَمين فِي لُغَة الْعَرَب يُرَاد بهَا الْحَظ للأفضل كَمَا قَالَ الشماخ ... إِذا مَارِيَة رفعت لمحمدٍ تلقاها عرابه بِالْيَمِينِ ... يُرِيد أَن يتلقاها بالسعي إِلَّا على كَانَ قَوْله وكلتا يَدَيْهِ يَمِين أَي كل مَا يكون مِنْهُ تَعَالَى من الْفَصْل فَهُوَ إِلَّا عَليّ وَكَذَلِكَ صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن جَهَنَّم لَا تملأ حَتَّى يضع فِيهَا قدمه وَصَحَّ أَيْضا فِي الحَدِيث حَتَّى يضع فِيهَا رجله وَمعنى هَذَا مَا قد بَينه رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث آخر صَحِيح أخبر فِيهِ أَن الله تَعَالَى بعد يَوْم الْقِيَامَة يخلق خلقا يدخلهم الْجنَّة وَأَنه يَقُول للجنة وَالنَّار لكل وَاحِدَة مِنْكُمَا ملؤُهَا فَمَعْنَى الْقدَم فِي الحَدِيث الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ يُرِيد سالف صدق مَعْنَاهُ الْأمة الَّتِي تقدم فِي علمه تَعَالَى أَنه يمْلَأ بهَا جَهَنَّم وَمعنى رجله نَحْو ذَلِك لِأَن الرجل الْجَمَاعَة فِي اللُّغَة أَي يضع فِيهَا الْجَمَاعَة الَّتِي قد سبق فِي علمه تَعَالَى أَنه يمْلَأ جَهَنَّم بهَا وَكَذَلِكَ الحَدِيث الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن قلب الْمُؤمن بَين اصبعين من أَصَابِع الله أَي بَين تدبيرين ونعمتين من تَدْبِير الله ونعمه إِمَّا كِفَايَة تسرهُ وَإِمَّا بلَاء يأجره عَلَيْهِ وبالأصح فِي اللُّغَة النِّعْمَة وقلب كل أحد بَين توفيق الله وجلاله وَكِلَاهُمَا حكمه وَأخْبر ﵇ أَن الله يَبْدُو لَهُ مُؤمن يَوْم الْقِيَامَة فِي غير الصُّورَة الَّتِي عرفوها وَهَذَا ظَاهر بَين وَهُوَ أَنهم يرَوْنَ صُورَة الْحَال من الهول والمخافة غير الَّتِي يظنون فِي الدُّنْيَا وبرهان صِحَة هَذَا القَوْل قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور غير الَّذِي عرفتموه بهَا وبالضرورة نعلم أننا لم نعلم لله فِي الدُّنْيَا صُورَة أصلا فصح مَا ذَكرْنَاهُ يَقِينا وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الحَدِيث الثَّابِت خلق الله آدم على صورته فَهَذِهِ إِضَافَة ملكٍ يُرِيد الصُّورَة الَّتِي تخيره الله ليَكُون آدم مصورا عَلَيْهَا وكل فَاضل فِي طبقته فَإِنَّهُ ينْسب إِلَى الله كَمَا يَقُول بَيت الله تَعَالَى عَن الْكَعْبَة والبيوت كلهَا بيُوت الله تَعَالَى وَلَكِن لَا يُطلق على شَيْء مِنْهَا هَذَا الِاسْم كَمَا يطبق على الْمَسْجِد الْحَرَام وكما نقُول فِي جِبْرِيل وَعِيسَى ﵉ روح لله والأرواح كلهَا لله ملك لَهُ وكالقول فِي نَاقَة صَالح ﵇ بِأَنَّهُ لله والنوق كلهَا لله عزوجل فعلى هَذَا الْمَعْنى قيل على صُورَة الرَّحْمَن والصور كلهَا لله تَعَالَى هِيَ ملك لَهُ وَخلق لَهُ وَقد رَأَيْت لِابْنِ فورك وعيره من لَا أشعرية فِي الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث أَنهم قَالُوا فِي معنى قَوْله ﵇ أَن الله خلق

стр. 286

آدم على صورته إِنَّمَا هُوَ على صفة الرَّحْمَن من الْحَيَاة وَالْعلم والاقتدار واجتماع صِفَات الْكَمَال فِيهِ وأسجد لَهُ مَلَائكَته كَمَا أسجدهم لنَفسِهِ وَجعل لَهُ الْأَمر وَالنَّهْي على ذُريَّته كَمَا كَانَ لله كل ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا نَص كَلَام أبي جَعْفَر السَّمْعَانِيّ عَن شُيُوخه حرفا حرفا وَهَذَا كفر مُجَرّد لَا مرية فِيهِ لِأَنَّهُ سوى (١) بَين الله وآدَم فِي الْحَيَاة وَالْعلم والاقتدار واجتماع صِفَات الْكَمَال فيهمَا وَالله يَقُول لَيْسَ كمثله شَيْء ثمَّ لم يقنعوا بهَا حَتَّى جعلُوا سُجُود الْمَلَائِكَة لآدَم كسجودهم لله وَلَا خلاف بَين أحد من أهل الْإِسْلَام فِي أَن سجودهم لله تَعَالَى سُجُود عبَادَة ولآدم سُجُود تَحِيَّة وإكرام وَمن قَالَ إِن الْمَلَائِكَة عبدت آدم كَمَا عبدت الله فقد اشرك ثمَّ زَاد فِي الْأَمر وَالنَّهْي لآدَم على ذُريَّته كَمَا هُوَ الله تَعَالَى وَهَذَا شرك لَا خَفَاء بِهِ وَلَوَدِدْنَا أَن نَعْرِف مَا هِيَ صِفَات الْكَمَال الَّتِي ذكر هَذَا الْإِنْسَان أَنَّهَا اجْتمعت فِي آدم كَمَا اجْتمعت فِي الله أَن هَذَا الْإِلْحَاد وَالِاسْتِخْفَاف بِاللَّه تَعَالَى لَا نَدْرِي كَيفَ تكلم وأنطق لِسَانه من يعرف أَن الله تَعَالَى لم يكن لَهُ كفوا أحد وَوَاللَّه إِن صِفَات الْكَمَال فِي الْمَلَائِكَة لأكْثر مِنْهَا فِي آدم وَإِن صِفَات الِاثْنَيْنِ الَّتِي شاركوا فِيهَا آدم ﵇ كصفات الْجِنّ وَلَا فرق بَين الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُوَّة والتناسل وَغير ذَلِك فَالْكل على هَذَا على صُورَة الله تَعَالَى هَذَا القَوْل الملعون قائلة ونعوذ بِاللَّه من الضلال وَكَذَلِكَ مَا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ عَن يَوْم الْقِيَامَة أَن الله عز جلّ يكْشف عَن سَاق فَيَخِرُّونَ سجدا فَهَذَا كَمَا قَالَ الله فِي الْقُرْآن يَوْم يكْشف عَن سَاق وَيدعونَ إِلَى السُّجُود وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن شدَّة الْأَمر وَهُوَ الْمَوْقُوف كَمَا تَقول الْعَرَب قد شمرت الْحَرْب عَن سَاقهَا قَالَ جرير ... الْأَدَب سامي الطّرف من آل مَازِن ... إِذا شمرت عَن سَاقهَا الْحَرْب شمرا ... وَالْعجب مِمَّن يُنكر هَذِه الْأَخْبَار الصاح وَإِنَّمَا جات بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن نصا وَلَكِن من ضَاقَ علمه أنكر مَا لَا علم لَهُ بِهِ وَقد عَابَ الله هَذَا فَقَالَ بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ وَلما يَأْتهمْ تَأْوِيله وَاخْتلف النَّاس فِي الْأَمر وَالرَّحْمَة والعزة فَقَالَ قوم هِيَ صِفَات ذَات لم تزل وَقَالَ آخَرُونَ لم يزل الله تَعَالَى الله الْعَزِيز لرحمن الرَّحِيم بِذَاتِهِ وَأما الرَّحْمَة وَالْأَمر فمخلوقان

стр. 287

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالرُّجُوع عِنْد الِاخْتِلَاف إِنَّمَا هُوَ إِلَى الْقُرْآن وَكَلَام رَسُول الله ﷺ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ فَفَعَلْنَا فَوَجَدنَا الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾ وَالْمَفْعُول مَخْلُوق بِلَا خلاف وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالله غَالب على أمره﴾ وَبلا شكّ فِي أَن المغلوب عَلَيْهِ مَخْلُوق وَأَنه غير الْغَالِب عَلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا﴾ وَهَذَا بَيَان جلي لَا إِشْكَال فِيهِ على أَن الْأَمر مُحدث وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن الله يحدث من أمره مَا شَاءَ فصح بِيَقِين أَن أَمر الله تَعَالَى مُحدث مَخْلُوق وَقَالَ الأشعرية لم يزل الله تَعَالَى آمُر الْكل من أمره بِمَا يَأْمُرهُ بِهِ إِذا وجد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا بَاطِل مُتَيَقن لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الله تَعَالَى لم يزل آمراً لنا بِالصَّلَاةِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس لم يزل آمرنا بِأَن لَا نصلي إِلَى بَيت الْمُقَدّس لَكِن إِلَى الْكَعْبَة فَيكون آمُر بِالْفِعْلِ للشَّيْء وَالتّرْك لَهُ مَعًا وَهَذَا تَخْلِيط جلّ الله تَعَالَى عَنهُ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يلْزمهُم فِي نهي الله تَعَالَى عَمَّا نهى عَنهُ أَنه لم يزل لِأَنَّهُ لَا فرق بَين أمره تَعَالَى وَبَين نَهْيه فَإِن قَالُوا بل نَهْيه مُحدث وَأمره قديم قُلْنَا لَهُم مَا قَوْلكُم فِيمَن عكس عَلَيْكُم فَقَالَ بل نَهْيه لم يزل وَإِمَّا أمره فمحدث وكلا الْقَوْلَيْنِ تَخْلِيط وَأَيْضًا فَإِنَّهُم مقرون بِأَن الْقَدِيم لَا يتَغَيَّر وَلَا يبطل وَقد صَحَّ أمره تَعَالَى لنا بِالصَّلَاةِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ قد بَطل الْأَمر بذلك وَعدم وَانْقطع فَلَو كَانَ أمره تَعَالَى لم يزل لوَجَبَ أَن لَا يبطل وَلَا يعْدم وَهَذَا كفر مُجَرّد مِمَّن أجَازه وَإِن قَالُوا إِن أمره تَعَالَى لنا بِالصَّلَاةِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس بَاقٍ أبدا لم يسْقط وَلَا نسخ وَلَا بَطل وَلَا أَحَالهُ تَعَالَى بِأَمْر آخر كفرُوا بِلَا خلاف وَالَّذِي يدْخل على هَذَا القَوْل الْفَاسِد أَكثر من هَذَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ فَلَو كَانَ الْأَمر غير مَخْلُوق وَلم يزل لَكَانَ الرّوح كَذَلِك لِأَنَّهُ مِنْهُ ومعاذ الله من هَذَا وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي أَن أَرْوَاحهم مخلوقة وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَهِي معذبة فِي النَّار أَو منعمة فِي الْجنَّة وَقَالَ ﴿يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا من أذن لَهُ الرَّحْمَن وَقَالَ صَوَابا﴾ وَصَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عليهوسلم سبوح قدوس رب الْمَلَائِكَة وَالروح قَالَ أَبُو مُحَمَّد والمربوب مَخْلُوق بِلَا شكّ فَإِن اعْترض معترض بقول الله ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ ورام بِهَذَا إِثْبَات أَن الْخلق غير الْأَمر فَلَا حجَّة لَهُ فِي هَذَا لِأَن الله قَالَ ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم الَّذِي خلقك فسواك فعدلك فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ فقد فرق الله فِي هَذِه الْآيَة بَين الْخلق والتسوية وَالتَّعْدِيل والتصوير وَلَا خلاف فِي أَن كل هَذَا خلق مَخْلُوق وَقَالَ تَعَالَى ﴿خَلقكُم ثمَّ رزقكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فعطف تَعَالَى الرزق وَالْأَمَانَة والإحياء على الْخلق بِلَفْظَة ثمَّ فَلَو كل عطف الْأَمر على الْخلق دَلِيلا على أَن الْأَمر غير الْخلق لوَجَبَ وَلَا بُد أَن يكون الرزق وَالْأَمَانَة والإحياء والتصوير كلهَا غير الْخلق وَغير

стр. 288

مخلوقات وَهَذَا لَا يَقُوله مُسلم فَبَطل استدلالهم على أَن الْأَمر غير مَخْلُوق لعطفه على الْخلق وَقد عطف تَعَالَى جِبْرِيل على الْمَلَائِكَة فَلَيْسَ الْعَطف على الشَّيْء مخرجا لَهُ عَنهُ إِذا قَامَ برهَان على أَنه دَاخل فِيهِ وَقد قَامَ برهَان النَّص بِأَن أَمر لله تَعَالَى مَخْلُوق وَأَنه قدر مَقْدُور مفعول وَأما إِذا لم يَأْتِ برهَان يدْخل الْمَعْطُوف فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فَهُوَ غَيره بِلَا شكّ هَذَا حكم اللُّغَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما الْعِزَّة فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد والمربوب مَخْلُوق بِلَا شكّ وَلَيْسَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَللَّه الْعِزَّة جَمِيعًا﴾ بِمُوجب أَن الْعِزَّة لن تزل لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿فَللَّه الْمَكْر جَمِيعًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل لله الشَّفَاعَة جَمِيعًا﴾ وَلَيْسَ هَذَانِ النصان بِلَا خلاف موجبين أَن الشَّفَاعَة غير مَخْلُوق إِلَّا إِن هَا هُنَا عزة لَيست غير الله تَعَالَى فَهِيَ غير مخلوقة وَهِي الَّتِي صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَن جِبْرِيل ﵇ حلف بهَا فَقَالَ وَعزَّتك فِي حَدِيث خلق الْجنَّة وَالنَّار قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن الْبَاطِل أَن يحلف جِبْرِيل بِغَيْر الله وَأما الرَّحْمَة فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن الله خلق مائَة رَحْمَة فقسم فِي عباده رَحْمَة وَاحِدَة فِيهَا يتراحمون وَرفع التِّسْعَة وَتِسْعين ليَوْم الْقِيَامَة يرحم بهَا عباده أَو كَمَا قَالَ ﵇ وَهَذَا رفع للإشكال جملَة فِي أَن الرَّحْمَة مخلوقة وَلَا خلاف بَين أحد من الْأمة فِي أَن إِدْخَال الله الْجنَّة من أدخلهُ فِيهَا برحمته تَعَالَى وَأَن بعثته مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَة لمن آمن بِهِ وكل ذَلِك مَخْلُوق بِلَا شكّ وَأما الْقُدْرَة وَالْقُوَّة فقد قَالَ ﴿أولم يرَوا أَن الله الَّذِي خلقهمْ هُوَ أَشد مِنْهُم قُوَّة﴾ وَحدثنَا عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن خَالِد الهمذاني حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الْبَلْخِي حَدثنَا الْفربرِي حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر حَدثنَا معن بن عِيسَى حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن أبي الموال سَمِعت مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر يحدث عبد الله بن الْحسن قَالَ أَخْبرنِي جَابر بن عبد الله قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلم أَصْحَابه الاستخارة فَذكر الحَدِيث وَفِيه اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وَأَسْأَلك من فضلك قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْقَوْل فِي الْقُدْرَة وَالْقُوَّة كالقول فِي الْعلم سَوَاء بِسَوَاء فِي اخْتِلَاف النَّاس على تِلْكَ الْأَقْوَال وَتلك الْحجَّاج وَلَا فرق وَقَوْلنَا فِي هَذَا هُوَ مَا قُلْنَاهُ هُنَالك من أَن الْقُدْرَة وَالْقُوَّة لله تَعَالَى حَقًا وليستا غير الله تَعَالَى وَلَا يُقَال هما الله تَعَالَى وَقَالَ تَعَالَى ﴿كتب على نَفسه الرَّحْمَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ فَنَفْس الله تَعَالَى إِخْبَار عَنهُ لَا عَن شَيْء غَيره أصلا فَإِن ذكر ذَاكر قَول الله حِكَايَة عَن عِيسَى ﵇ أَنه يَقُول لرَبه تَعَالَى ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك إِنَّك أَنْت علام الغيوب﴾ قُلْنَا هَذَا على ظَاهره وعَلى الْحَقِيقَة لِأَن كل غيب فَهُوَ مَعْلُوم فِي علم الله الْعَلِيم بِكُل شَيْء فَجرى الْكَلَام على مَا يتخاطب بِهِ النَّاس مِمَّا لَا يتوصلون

стр. 289

إِلَى الْعبارَة عَمَّا يُرِيدُونَ إِلَّا بِهِ وَهَذَا مَعْهُود من القَوْل أَن يَقُول الْقَائِل نفس الشَّيْء وَحَقِيقَته يُرَاد بذلك الشَّيْء لَا مَا سواهُ وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الذَّات وَلَا فرق فَقَوله ﵇ وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك إِنَّمَا مَعْنَاهُ بِلَا شكّ وَلَا أعلم مَا عنْدك وَمَا فِي عَلَيْك وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه أخبر أَن الله تَعَالَى ينزل كل لَيْلَة إِذا بَقِي ثلث اللَّيْل إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فعل يَفْعَله الله تَعَالَى فِي سَمَاء الدُّنْيَا من الْفَتْح لقبُول الدُّعَاء وَإِن تِلْكَ السَّاعَة من مظان الْقبُول والإجابة وَالْمَغْفِرَة للمجتهدين والمستغفرين والتائبين وَهَذَا مَعْهُود فِي اللُّغَة تَقول نزل فلَان عَن حَقه بِمَعْنى وهبه لي وتطول بِهِ عَليّ وَمن الْبُرْهَان على أَنه صفة فعل لَا صفة ذَات أَن رَسُول الله ﷺ علق التنزل الْمَذْكُور بِوَقْت محدد فصح أَنه فعل مُحدث فِي ذَلِك مفعول حينئذٍ وَقد علمنَا أَن مَا لم يزل فَلَيْسَ مُتَعَلقا بِزَمَان الْبَتَّةَ وَقد بَين رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث الْمَذْكُور مَا ذَلِك الْفِعْل وَهُوَ أَنه ذكر ﵇ أَن الله يَأْمر مَالِكًا يُنَادي فِي ذَلِك الْوَقْت بذلك وَأَيْضًا فَإِن ثلث اللَّيْل مُخْتَلف فِي الْبِلَاد باخْتلَاف الْمطَالع والمغارب يعلم ذَلِك ضَرُورَة من بحث عَنهُ فصح ضَرُورَة أَنه فعل يَفْعَله رَبنَا تَعَالَى فِي ذَلِك الْوَقْت لأهل كل أفق وَأما من جعل ذَلِك نقلة فقد قدمنَا بطلَان قَوْله فِي إبِْطَال القَوْل بالجسم بعون الله وتأييده وَلَو انْتقل تَعَالَى لَكَانَ محدوداً مخلوقاً مؤلفاً شاغلاً لمَكَان وَهَذِه صفة المخلوقين تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَقد حمد الله إِبْرَاهِيم خَلِيله وَرَسُوله وَعَبده ﷺ إِذْ بَين لِقَوْمِهِ بنقلة الْقَمَر أَنه لَيْسَ رَبًّا فَقَالَ ﴿فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين﴾ وكل منتقل عَن مَكَان فَهُوَ آفل عَنهُ تَعَالَى الله عَن هَذَا وَكَذَلِكَ القَوْل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة وَقضي الْأَمر﴾ فَهَذَا كُله على مَا بَينا من أَن الْمَجِيء والإتيان يَوْم الْقِيَامَة فعل يَفْعَله الله تَعَالَى فِي ذَلِك الْيَوْم يُسمى ذَلِك الْفِعْل مجيئاً وإتياناً وَقد روينَا عَن أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ أَنه قَالَ وَجَاء رَبك إِنَّمَا مَعْنَاهُ وَجَاء أَمر رَبك قَالَ أَبُو مُحَمَّد لَا تعقل الصّفة وَالصِّفَات فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نزل بهَا الْقُرْآن وَفِي سَائِر اللُّغَات وَفِي وجود الْعقل وَفِي ضَرُورَة الْحس إِلَّا أعراضاً مَحْمُولَة فِي الموصوفين فَإِذا جوزوها غير أَعْرَاض بِخِلَاف الْمَعْهُود فقد تحكموا بِلَا دَلِيل إِذْ إِنَّمَا يُصَار إِلَى مثل هَذَا فِيمَا ورد بِهِ نَص وَلم يرد قطّ نَص بِلَفْظ الصِّفَات وَلَا بِلَفْظ الصّفة فَمن الْمحَال أَن يُؤْتى بِلَفْظ لَا نَص فِيهِ يعبر بِهِ عَن خلاف الْمَعْهُود وَقَالَ تَعَالَى ﴿للَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة مثل السوء وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال إِن الله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ فَلَو ذكرُوا الْأَمْثَال مَكَان الصِّفَات لذكر الله تَعَالَى لَفْظَة الْمثل لَكَانَ أولى ثمَّ قد بَين الله تَعَالَى غَايَة الْبَيَان فَقَالَ فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال وَقد أخبر الله تَعَالَى بِأَن لَهُ الْمثل الْأَعْلَى فصح ضَرُورَة أَنه لَا يضْرب لَهُ مثل إِلَّا مَا أخبر بِهِ تَعَالَى فَقَط وَلَا يحل أَن يُزَاد على ذَلِك سيء أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي المائية قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب طوائف من الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن الله تَعَالَى لَا مائية لَهُ وَذهب أهل السّنة وَضِرَار بن عَمْرو إِلَى إِن لله تَعَالَى مائية قَالَ ضرار لَا يعلمهَا غَيره

стр. 290

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالَّذِي نقُول بِهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن لَهُ مائية هِيَ أنيته نَفسهَا وَأَنه لَا جَوَاب لمن سَأَلَ مَا هُوَ الْبَارِي إِلَّا مَا أجَاب بِهِ مُوسَى ﵇ إِذْ سَأَلَهُ فرعونة وَمَا رب الْعَالمين ونقول أَنه لَا جَوَاب هَا هُنَا لَا فِي علم الله تَعَالَى وَلَا عندنَا إِلَّا مَا أجَاب بِهِ مُوسَى ﵇ لِأَن الله تَعَالَى حمد ذَلِك مِنْهُ وَصدق فِيهِ وَلَو لم يكن جَوَابا صَحِيحا تَاما لَا نقص فِيهِ لما حَمده الله وَاحْتج من أنكر المائية بِأَن قَالَ لَا تَخْلُو المائية من أَن تكون هِيَ الله أَو تكون غَيره فَإِن كَانَت غَيره والمائية لم يزل فَلم يزل مَعَ الله تَعَالَى غَيره وَهَذَا شرك وَكفر قَالُوا وَإِن كَانَت هُوَ هِيَ وَكُنَّا لَا نعلمها فقد صرنا لَا نعلم الله وَهَذَا إِقْرَار بأننا نجهله وَالْجهل بِاللَّه تَعَالَى كفر بِهِ وَقَالُوا لَو أمكن أَن تكون لَهُ مائية لكَانَتْ لَهُ كيفة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا من جهلهم بحدود الْكَلَام وبمواقع الْأَسْمَاء على المسميات إِذْ مائية الشَّيْء إِنَّمَا هِيَ الْجَواب فِي سُؤال السَّائِل بِمَا هُوَ وَهَذَا سُؤال عَن حَقِيقَة الشَّيْء وذاته فَمن أبطل المائية فقد أبطل حَقِيقَة الشَّيْء الْمَسْئُول عَنهُ بِمَا هُوَ لَكِن أول مَرَاتِب الْإِثْبَات فِيمَا بَيْننَا هِيَ الْآنِية وَهِي إِثْبَات وجود الشَّيْء فَقَط وَهَذَا أَمر قد علمناه وأحطنا بِهِ وَلَا يَتَبَعَّض الْعلم بذلك فَيعلم بعضه ويجهل بعضه ثمَّ يَتْلُو الْآنِية الَّتِي هِيَ جَوَاب السَّائِل فَهَل فِيمَا بَيْننَا السُّؤَال بِمَا هُوَ وَأما فِي الْبَارِي تَعَالَى فالسؤال بِمَا هُوَ هُوَ السُّؤَال بهل وَهُوَ وَالْجَوَاب فِي كليهمَا وَاحِد فَنَقُول هُوَ حق وَاحِد أول خَالق لَا يُشبههُ شَيْء من خلقه وَإِنَّمَا اخْتلفت الْآنِية والمائية فِي غير الله تَعَالَى لاخْتِلَاف الْأَعْرَاض فِي الْمَسْئُول عَنهُ وَلَيْسَ الله تَعَالَى كَذَلِك وَلَا هُوَ حَامِل أعراضاً أصلا هَاهُنَا نقف وَلَا نعلم أَكثر وَلَا هَاهُنَا أَيْضا شَيْء غير هَذَا إِلَّا مَا علمنَا رَبنَا تَعَالَى من سَائِر أَسْمَائِهِ كالعليم والقدير وَالْمُؤمن والمهيمن وَسَائِر أَسْمَائِهِ وَقد أخبر تَعَالَى على لِسَان نبيه ﷺ أَن لَهُ تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة غير وَاحِد قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كَلَام صَحِيح على ظَاهره إِذْ كل مَا أحَاط بِهِ الْعلم فَهُوَ متناه مَحْدُود وَهَذَا منفي عَن الله وواجب فِي غَيره لوُقُوع الْعدَد المحاط بِهِ فِي إِعْرَاض كل مَا دونه تَعَالَى وَلَا يحاط بِمَا لَا حُدُود لَهُ وَلَا عدد لَهُ فصح يَقِينا أننا نعلم الله حَقًا وَلَا نحيط بِهِ علما كَمَا قَالَ تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد فالآنية فِي الله تَعَالَى هِيَ المائية الَّتِي أنكرها أهل الْجَهْل بحقائق الْأُمُور وَبِالْقُرْآنِ وبالسنن نحمد الله على مَا من بِهِ علينا من تيسير الإتباع كِتَابه وتدبره وَطلب سنَن نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَالْوُقُوف عِنْدهمَا ومعرفتهما بِأَن الْعقل لَا يحكم بِهِ على خالقه لَكِن يفهم بِهِ أوامره تَعَالَى ويميز بِهِ حقائق مَا خلق فَقَط وَمَا توفيقنا إِلَّا بِاللَّه وَأما قَوْلهم لَو كَانَت لَهُ مائية لكَانَتْ لَهُ كَيْفيَّة فَكَلَام قوم جهال بالحقائق وَقد بَينا وَبَان لكل ذِي عقل أَن السُّؤَال بِمَا هُوَ الشَّيْء غير السُّؤَال يكيف هُوَ الشَّيْء وَأَن المسؤل عَنهُ بِإِحْدَى اللفظتين المذكورتين غير المسؤل عَنهُ بِالْأُخْرَى وَأَن الْجَواب عَن إِحْدَاهمَا غير الْجَواب عَن الْأُخْرَى وَبَيَان ذَلِك أَن السُّؤَال بِمَا هُوَ إِنَّمَا هُوَ سُؤال عَن ذَاته واسْمه وَأَن السُّؤَال بكيف هُوَ إِنَّمَا سُؤال عَن حَاله وأعراضه وَهَذَا لَا يجوز أَن يُوصف بِهِ الْبَارِي تَعَالَى فلاح الْفرق ظَاهرا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق

стр. 291

مسَائِل فِي السخط وَالرِّضَا وَالْعدْل والصدق وَالْملك والخلق والجود والإرادة والسخاء وَالْكَرم وَمَا يخبر عَنهُ تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَكَيف يَصح السُّؤَال فِي ذَلِك كُله قَالَ أَبُو مُحَمَّد نقُول لم يزل الله تَعَالَى عَالما بِأَنَّهُ سيسخط على الْكفَّار وسيرضى على الْمُؤمنِينَ وسيعذب بالنَّار من عَصَاهُ وسينعم بِالْجنَّةِ من أطاعه وسيعدل إِذا حكم وسيصدق إِذا أخبر وَلم يزل عَالما بِأَنَّهُ سيخلق مَا يخلق وَأَنه رب مَا يخلق من الْعَالمين وَمَالك كل شَيْء وَيَوْم الدّين وَأَن لَهُ ملك كل مَا يخلق لِأَن كل مَا ذكرنَا يَقْتَضِي وجود كل مَا علق بِهِ وكل مَا علق بِهِ مُحدث لم يكن ثمَّ كَانَ وَلم يزل تَعَالَى عليماً بِكُل ذَلِك وَأَنه سَيكون كل مَا يكون على مَا هُوَ كَائِن عَلَيْهِ إِذا كَونه وَأما الْإِرَادَة فقد أثبتها قوم من صِفَات الذَّات وَقَالُوا لم تزل الْإِرَادَة وَلم يزل الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا خطأ لبرهانين ضرورين أَحدهمَا أَن الله تَعَالَى لم ينص على أَنه مُرِيد وَلَا على أَن لَهُ إِرَادَة وَقد قدمنَا الْبُرْهَان فِيمَا سلف من كتَابنَا على أَنه لَا يجوز أَن يشتق لله أَسمَاء وَلَا صِفَات وأوردنا من ذَلِك أَنه لَا يُقَال أَنه تَعَالَى متبارك وَيُقَال تبَارك الله وَلَا يُقَال أَنه مستهزئ وَيُقَال الله يستهزئ بهم وَلَا أَنه عافل وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يُقَال أَنه تَعَالَى بَاقٍ وَلَا دَائِم وَلَا ثَابت وَلَا سخي وَلَا جواد لِأَنَّهُ تَعَالَى لم يسم بِهِ نَفسه لَكِن يُقَال المتعالي كَمَا قَالَ تَعَالَى وَيُقَال هُوَ الْكَرِيم الْغَنِيّ وَلَا يُقَال الْمُوسر وَيُقَال هُوَ الْقوي وَلَا يُقَال الْجلد وَيُقَال لم يزل وَلَا زَالَ هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن وَلَا يُقَال هُوَ الْخَفي وَلَا الْغَائِب وَلَا البارز وَلَا المشتهر وَيُقَال هُوَ الْغَالِب على أمره وَلَا يُقَال هُوَ الظافر والمعني فِي كل مَا ذكرنَا من اللُّغَة وَاحِد فَمن أطلق عَلَيْهِ تَعَالَى بعض هَذِه الصِّفَات والأسماء وَمنع من بَعْضهَا فقد ألحد فِي أَسْمَائِهِ وأقدم إقداماً عَظِيما نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك وَأَيْضًا فَإِن الْإِرَادَة من الله تَعَالَى (١) لَو كَانَت لم تزل لَكَانَ المُرَاد لم يزل بِنَصّ الْقُرْآن لأ الله قَالَ ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَنه إِذا أَرَادَ الشَّيْء كَانَ وَأجْمع الْمُسلمُونَ على تصويب قَول من قَالَ مَا شَاءَ الله كَانَ والمشيئة هِيَ الْإِرَادَة فصح بِمَا ذكرنَا صِحَة لَا شكّ فِيهَا أَن الْوَاجِب أَن يُقَال أَرَادَ الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِذا أَرَادَ شَيْئا﴾ ونقول أَنه تَعَالَى يُرِيد مَا أَرَادَ وَلَا يُرِيد مَا لم يرد كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم﴾ ﴿وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجاً﴾ فَنحْن نقُول كَمَا قَالَ الله تَعَالَى أَرَادَ وَيُرِيد وَلم يرد وَلَا يُرِيد وَلَا نقُول أَن لَهُ إِرَادَة وَلَا أَنه مُرِيد لِأَنَّهُ لم يَأْتِ نَص من الله تَعَالَى بذلك وَلَا من رَسُوله ﷺ وَلَا جَاءَ قطّ من أحد من السّلف ﵃ وَإِنَّمَا أطلق هَذَا الْإِطْلَاق الْفَاحِش قوم من الْخَوَالِف المسمين بالمتكلمين الْخَوْف عَلَيْهِم أقوى من رَجَاء

стр. 292

السَّلامَة لَهُم لَا قدم صدق لَهُم فِي الاسلام وَلَا فِي الْوَرع وَلَا فِي الِاجْتِهَاد فِي الْخَيْر وَلَا فِي الْعلم بِالْقُرْآنِ وَلَا بسنن رَسُول الله ﷺ وَلَا بِمَا أجمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ وَلَا بِمَا اخْتلفُوا فِيهِ وَلَا بأقوال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ وَلَا بحدود الْكَلَام وحقائق مائيات الْمَخْلُوقَات وكيفياتها فهم يتبعُون مَا ترآى لَهُم ويقتحمون المهالك بِلَا هدى من الله نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ فنص تَعَالَى على أَن من لم يرد مَا اخْتلف فِيهِ إِلَى كِتَابه وَإِلَى كَلَام رَسُوله ﷺ وَإِلَى إِجْمَاع الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ أجميعن وَلَا من سلك سبيلهم بعدهمْ فَلم يعلم مَا استنبطه بظنه ورأيه وَلَيْسَ ننكر الْحَاجة على الْقَصْد إِلَى تَبْيِين الْحق وتبيينه بل هَذَا هُوَ الْعَمَل الْفضل الْحسن وَإِنَّمَا ننكر الْإِقْدَام فِي الدّين بِغَيْر برهَان من قُرْآن أَو سنة أَو إِجْمَاع بعد أَن أوجبه برهَان الْحس وَأول بديهة الْعقل والنتائج الثَّابِتَة من مقدماته الصَّحِيحَة من صِحَة التَّوْحِيد والنبوة فَإِذا ثبتا بِمَا ذكرنَا فضرورة الْعقل توجب الْوُقُوف عِنْد جَمِيع مَا قَالَه الرَّسُول الَّذِي بَعثه الله تَعَالَى إِلَيْنَا وأمرنا بِطَاعَتِهِ وَأَن لَا يعْتَرض عَلَيْهِ بالظنون الكاذبة والآراء الْفَاسِدَة والقياسات السخيفة والتقليد المهلك فَإِن قَالَ قَائِل وَمَا الَّذِي يمْنَع من أَن نقُول لم يزل الله مرِيدا لما أَرَادَ كَونه إِذا كَونه قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق يمْنَع من ذَلِك أَن الله أخبر نصا بِأَنَّهُ إِذا أَرَادَ شَيْئا كَونه فَكَانَ فَلَو كَانَ تَعَالَى لم يزل مرِيدا لَكَانَ لم يزل مَا يُرِيد وَهَذَا إلحاد وَيُقَال لَهُم أَيْضا وَمَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من عكس قَوْلكُم فَقَالَ لم يزل الله تَعَالَى غير مُرِيد لِأَن يخلق حَتَّى خلق وَهَذَا لَا انفكاك مِنْهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَو أَن قَائِلا يَقُول أَن الْخلق هُوَ المُرَاد كَونه من الله تَعَالَى فَهُوَ مُرَاد الله تَعَالَى وَهُوَ الْإِرَادَة نَفسهَا وَأَنه لَا إِرَادَة لَهُ إِلَّا مَا خلق لما أَنْكَرْنَا ذَلِك وَإِنَّمَا ننكر قَول من يَجْعَل الْإِرَادَة صفة ذَات لم تزل لِأَنَّهُ يصف الله تَعَالَى بِمَا لم يصف الله تَعَالَى بِهِ نَفسه وَقَول من يَجْعَلهَا صفة فعل وَأَنَّهَا غير الْخلق لِأَنَّهُ يلْزمه أَن تِلْكَ الْإِرَادَة إِمَّا مُرَادة مخلوقة وَإِمَّا غير مُرَادة وَلَا مخلوقة فَإِن قَالَ هِيَ مُرَادة مخلوقة قيل لَهُ أَهِي مُرَادة بِإِرَادَة هِيَ غَيرهَا ومخلوقة بِخلق هُوَ غَيرهَا أم لَا بِإِرَادَة وَلَا بِخلق فَإِن قَالَ هِيَ مُرَادة بِلَا إِرَادَة أَتَى بالمحال الَّذِي يُبطلهُ الْعقل وَلم يَأْتِ بِهِ نَص فَيلْزمهُ الْوُقُوف عِنْده وَكَذَلِكَ قَوْله مخلوقة بِغَيْر خلق وَإِن قَالَ هِيَ مُرَادة بِإِرَادَة هِيَ غَيرهَا ومخلوقة بِخلق هُوَ غَيرهَا لزمَه فِي إِرَادَة الْإِرَادَة وَخلق خلقهَا مَا ألزمناه فِي الْإِرَادَة وَفِي خلقهَا وَهَكَذَا أبدا وَهَذَا يُوجب وجود محدثات لَا نِهَايَة لعددها وَهَذَا هُوَ قَول الدهرية الَّذِي أبْطلهُ الله تَعَالَى بضرورة الْعقل وَالنَّص على مَا بَينا فِي صدر كتَابنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ إِن الْإِرَادَة لَيست مُرَادة وَلَا مخلوقة أَتَى بقول يُبطلهُ ضَرُورَة الْعقل لِأَن القَوْل بِإِرَادَة غير مُرَادة محَال غير مَوْجُودَة لَا بحس فِيمَا بَيْننَا وَلَا بِدَلِيل فِيمَا غَابَ عَنَّا فَهُوَ قَول بِمُجَرَّد الدَّعْوَى فَهُوَ بَاطِل ضَرُورَة وَكَذَلِكَ يلْزمه إِن قَالَ أَنَّهَا محدثة غير مخلوقة مَا يلْزم من قَالَ إِن الْعَالم مُحدث لَا مُحدث لَهُ وَقد تقدم بطلَان هَذَا القَوْل بالبراهين الضرورية وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما تَسْمِيَة الله جواداً سخياً أَو صفته تَعَالَى بِأَن لَهُ تَعَالَى جوداً وسخاءً فَلَا يحل ذَلِك الْبَتَّةَ وَلَو أَن الْمُعْتَزلَة المقدمين على تَسْمِيَة رَبهم جواداً يكون لَهُم علم بلغَة الْعَرَب أَو يحقيقة الْأَسْمَاء ووقوعها على المسميات أَو بمعاني الْأَسْمَاء وَالصِّفَات مَا أقدموا على هَذِه الْعَظِيمَة وَلَا وَقَعُوا فِي الائتساء

стр. 293

بالكفار الْقَائِلين أَن عِلّة خلق الله تَعَالَى لما خلق إِنَّمَا هِيَ جودة حَتَّى أوقعهم ذَلِك فِي القَوْل بِأَن الْعَالم لم يزل وَلَكِن الْمُعْتَزلَة معذورون بِالْجَهْلِ عزرا يبعدهم عَن الْكفْر وَلَا يخرجهم عَن الْإِيمَان لَا عرزا يسْقط عَنْهُم الْمَلَامَة لِأَن التَّعَلُّم لَهُم معروض مُمكن وَلَكِن لَا هادي لمن أضلّ الله تَعَالَى ونعوذ الله من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْمَانِع من ذَلِك وَجْهَان أَحدهمَا أَنه تَعَالَى لم يسم بذلك وَلَا رصف بِهِ نَفسه وَلَا يحل لأحد أَن يتَعَدَّى حُدُود الله لَا سِيمَا فِيمَا لَا دَلِيل فِيهِ إِلَّا النَّص فَقَط وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْجُود والسخاء فِي لُغَة الْعَرَب الَّتِي بهَا خاطبنا الله تَعَالَى وَبهَا نتفاهم مرادنا إِنَّمَا هما لفظان واقعان على بذل الْفضل عَن الْحَاجة لَا يعبر بِلَفْظ الْجُود والسخاء إِلَّا عَن هَذَا الْمَعْنى وَهَذَا الْمَعْنى مبعد عَن الله لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء فَيكون لَهُ فضل يبذله فيسمى ببذله لَهُ سخيا وجودا ويوصف من أجل بذله بجود وسخاءٍ أَو يكون بِمَنْعه بَخِيلًا أَو شحيحاً أَو مَوْصُوفا ببخل أَو شح قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا يخْتَلف اثْنَان من كل من فِي الْعَالم فِي أَن أمره لَهُ مَاء عذب حَاضر لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَطَعَام عَظِيم فَاضل لَا حَاجَة بِهِ إِلَيْهِ وَرَأى رجلا من عرض النَّاس أَو عبدا من عبيده يَمُوت جوعا وعطشاً فَلم يسقه وَلَا أطْعمهُ فَإِنَّهُ فِي غَايَة الْبُخْل وَالشح وَالْقَسْوَة وَالظُّلم وَالله تَعَالَى يرى كثيرا من عباده وَأَطْفَالًا من أطفالهم لَا ذَنْب لَهُم وهم يموتون جوعا وعطشاً وَعِنْده مخادع السَّمَاوَات وخزائن الأَرْض وَلَا يرحمهم بِنُقْطَة مَاء وَلَا لقْمَة طَعَام حَتَّى يموتوا كَذَلِك وَلَا يُوصف من أجل ذَلِك بشح وَلَا بخل وَلَا ظلم وَلَا قسوة بل هُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ والرحيم الْكَرِيم وَالَّذِي لَا يظلم وَلَا يجور كَمَا سمى نَفسه فَبَطل قياسهم الْفَاسِد فِي الصِّفَات الْغَائِب عِنْدهم على الشَّاهِد وَبَطل أَن يُوصف الله بشيءٍ من ذَلِك وَلَيْسَ لأحد أَن يحِيل الْأَسْمَاء اللُّغَوِيَّة عَن موضعهَا فِي اللُّغَة إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بإحالة شيءٍ من ذَلِك فَيُوقف عِنْده وَمن تعدى هَذَا الحكم فَإِنَّهُ مُبْطل للتفاهم كُله نعم وللحقائق بأسرها إِلَّا أَنه لَا يعجز أحد عَن أَن يُسَمِّي الْبَاطِل حَقًا وَالْحق بَاطِلا وَأَن يحِيل الْأَسْمَاء كلهَا عَن موَاضعهَا وَهَذَا خُرُوج عَن الشَّرَائِع والمعقول ولكننا نقُول أَنه كريم كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَا يبعد عَنَّا أَن تسمى نعم الله على عباده كرماً وَأَن الله تَعَالَى كَرِيمًا نستحسن إِطْلَاق ذَلِك ونسميها أَيْضا فضلا قَالَ الله تَعَالَى ﴿ذَلِك فضل الله﴾ وَقد ثَبت النَّص بِأَن لَهُ تَعَالَى كرماً وَحدثنَا عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن خَالِد أَنا إِبْرَاهِيم بن أَحْمد أَنبأَنَا الْفربرِي أَنا البُخَارِيّ قَالَ لي خَليفَة بن خياط أَنا يزِيد بن زُرَيْع أَنا سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك وَعَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان سَمِعت أبي يحدث عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يزَال يلقى فِيهَا وَتقول هَل من مزِيد حَتَّى يضع فِيهَا رب الْعَالمين قدمه فيزوي بَعْضهَا إِلَى بعض وَتقول قد قد بعزتك وكرمك قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد اضْطربَ النَّاس فِي السؤل عَن أَشْيَاء ذكروها وسألوا هَل يقدر الله تَعَالَى عَلَيْهَا أم لَا واضطربوا أَيْضا فِي الْجَواب عَن ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنحن مينوم بحول الله وقوته وَجه تَحْقِيق السُّؤَال عَن ذَلِك وَتَحْقِيق الْجَواب فِيهِ دون تَخْلِيط وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن السُّؤَال إِذا حقق

стр. 294

بِلَفْظ يفهم السَّائِل مِنْهُ مُرَاد نَفسه وَيفهم المسؤل مُرَاد السَّائِل عَنهُ فَهُوَ سُؤال صَحِيح وَالْجَوَاب عَنهُ لَازم وَمن أجَاب عَنهُ بِأَن هَذَا سُؤال فَاسد وَأَنه محَال فَإِنَّمَا هُوَ جَاهِل بِالْجَوَابِ مُنْقَطع متسلل عَنهُ وَأما السُّؤَال الَّذِي يفْسد بعضه بَعْضًا وَينْقص آخِره أَوله فَهُوَ سُؤال فَاسد لم يُحَقّق بعد وَمَا لم يُحَقّق السُّؤَال عَنهُ فَلم يسائل عَنهُ وَمَا لم يسْأَل عَنهُ فَلَا يلْزم عَنهُ جَوَاب على مثله فهاتان قضيتان جامعتان وكافيتان فِي هَذَا الْمَعْنى لَا يشد عَنْهُمَا شَيْء مِنْهُ إِلَّا أَنه لَا بُد من جَوَاب بَيَان حوالته لَا على تَحْقِيقه وَلَا على تشكله وَلَا على توهمه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق ثمَّ نحد المسؤل عَنهُ فِي هَذَا الْبَاب بِحَدّ جامح بحول الله تَعَالَى وقوته فيرتفع الْإِشْكَال فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَبِه نتأيد أَن الشَّيْء الْمَسْئُول عَنهُ فِي هَذَا الْبَاب إِن كَانَ إِنَّمَا سَأَلَ السَّائِل عَن الْقُدْرَة على إِحْدَاث فعل مُبْتَدأ أَو على إعدام فعل مُبْتَدأ فالمسئول عَنهُ مَقْدُور عَلَيْهِ وَلَا تحاشى شَيْئا وَالسُّؤَال صَحِيح وَالْجَوَاب عَنهُ بنعم لَازم وَإِن كَانَ المسؤل عَنهُ مَا لَا ابْتِدَاء لَهُ فالسؤال عَن تَغْيِيره أَو إحداثه أَو عدامه سُؤال متفاسد لَا يُمكن السَّائِل عَنهُ فهم معنى سُؤَاله وَلَا تَحْقِيق سُؤَاله وَمَا كَانَ هَكَذَا لَا يلْزم الْجَواب عَنهُ على تَحْقِيقه وَلَا على تشكله لِأَن الْجَواب عَن التشكل لَا يكون إِلَّا عَن سُؤال وَلَيْسَ هَا هُنَا سُؤال أصلا ثمَّ نقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أَن من الْوَاجِب أَن نبين بحول الله تَعَالَى وقوته مَا الْمحَال وعَلى أَي معنى تقع هَذِه اللَّفْظَة وعماذا يعبر بهَا عَنهُ فَإِن من قَامَ بِشَيْء وَلم يعرف تَحْقِيق مَعْنَاهُ فَهُوَ فِي غَمَرَات من الْجَهْل فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد إِن الْمحَال يَنْقَسِم أَرْبَعَة أَقسَام لَا خَامِس لَهَا أَحدهَا محَال بِالْإِضَافَة وَالثَّانِي محَال فِي الْوُجُود وَالثَّالِث محَال فِيمَا بَيْننَا فِي بنية الْعقل عندنَا وَالرَّابِع محَال مُطلق فالمحال بِالْإِضَافَة مثل نَبَات اللِّحْيَة لِابْنِ ثَلَاث سِنِين وإحباله امْرَأَة وَكَلَام الأبله الغبي فِي دقائق الْمنطق وصوغه الشّعْر العجيب وَمَا أشبه هَذَا فَهَذِهِ الْمعَانِي مَوْجُودَة فِي الْعَالم مِمَّن هِيَ مُمكنَة مِنْهُ ممتنعة من غَيرهم وَأما الْمحَال فِي الْوُجُود فكا نقلاب الجماد حَيَوَانا وَالْحَيَوَان جماداً أَو حَيَوَانا آخر وكنطق الْحجر واختراع الْأَجْسَام وَمَا أشبه هَذَا فَإِن هَذَا كُله لَيْسَ مُمكنا عندنَا الْبَتَّةَ وَلَا مَوْجُودا وَلكنه متوهم فِي الْعقل متشكل فِي النَّفس كَيفَ كَانَ يكون لَو كَانَ وبهذين الْقسمَيْنِ تَأتي الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي معجزاتهم الدَّالَّة على صدقهم فِي النُّبُوَّة وَأما الْمحَال فِيمَا بَيْننَا فِي بنية الْعقل فكون الْمَرْء قَائِما قَاعِدا مَعًا فِي حِين وَاحِد وكسؤال السَّائِل هَل يقدر الله تَعَالَى على أَن يَجْعَل الْمَرْء قَاعِدا لَا قَاعِدا مَعًا وَسَائِر مَا لَا يتشكل فِي الْعقل فِيمَا يَقع فِيهِ التَّأْثِير لَو أمكن فِيمَا دون الْبَارِي فَهَذِهِ الْوُجُوه الثَّلَاثَة من سَأَلَ عَنْهَا أيقدر الله تَعَالَى عَلَيْهَا فَهُوَ سُؤال صَحِيح مَفْهُوم مَعْرُوف وَجهه يلْزم الْجَواب عَنهُ بنعم إِن الله قَادر على ذَلِك كُله إِلَّا أَن الْمحَال فِي بنية الْعقل فِيمَا بَيْننَا لَا يكون الْبَتَّةَ فِي هَذَا الْعَالم لَا معْجزَة لنَبِيّ وَلَا بِغَيْر ذَلِك الْبَتَّةَ هَذَا وَاقع فِي النَّفس بِالضَّرُورَةِ وَلَا يبعد أَن يكون الله تَعَالَى يفعل هَذَا فِي عَالم لَهُ آخر وَأما الْمحَال الْمُطلق فَهُوَ كل سُؤال أوجب على ذَات الْبَارِي تغييراً فَهَذَا هُوَ الْمحَال لعَينه الَّذِي ينْقض بعضه بَعْضًا وَيفْسد آخِره أَوله وَهَذَا النَّوْع لم يزل محالاً فِي علم الله تَعَالَى وَلَا هُوَ مُمكن فهمه لَا حد وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَيْسَ سؤالاً وَلَا سَأَلَ سائله عَن معنى أصلا وَإِذا لم يسْأَل فَلَا يَقْتَضِي جَوَابا على تَحْقِيقه أَو توهمه لَكِن يَقْتَضِي جَوَابا بنعم أَو لَا لِئَلَّا ينْسب بذلك إِلَى وصقه تَعَالَى بِعَدَمِ الْقُدْرَة الَّذِي هُوَ الْعَجز بِوَجْه أصلا وَإِن كُنَّا موقنين بضرورة الْعقل بِأَن الله تَعَالَى لم يَفْعَله

стр. 295

قطّ وَلَا يَفْعَله أبدا وَهَذَا مثل من سَأَلَ أيقدر الله تَعَالَى على نَفسه أَو على أَن يجهل أَو على أَن يعجز أَو على أَن يحدث مثله أَو على إِحْدَاث مَالا أول لَهُ فَهَذِهِ سُؤَالَات تفْسد بَعْضهَا بَعْضًا تشبه كَلَام الممرورين والمجانين وَكَلَام من لَا يفهم وَهَذَا النَّوْع لم يزل الله تَعَالَى يُعلمهُ محالاً مُمْتَنعا بَاطِلا قبل حُدُوث الْعقل وَبعد حُدُوثه أبدا وَأما الْمحَال فِي الْعقل وَهُوَ الْقسم الثَّالِث الَّذِي ذكرنَا قبل فَإِن الْعقل مَخْلُوق مُحدث خلقه الله تَعَالَى بعد أَن لم يكن وَإِنَّمَا هُوَ قُوَّة من قوى النَّفس عرض مَحْمُول فِيهَا أحدثه الله تَعَالَى وأحدث رتبه على مَا هِيَ عَلَيْهِ مُخْتَارًا لذَلِك تَعَالَى وبضرورة الْعقل نعلم أَن من اخترع شَيْئا لم يكن قطّ لَا على مِثَال سلف وَلَا عَن ضَرُورَة أوجبت عَلَيْهِ اختراعه لَكِن اخْتَار أَن يَفْعَله فَإِنَّهُ قَادر على ترك اختراعه قَادر على اختراع غَيره مثله أَو خِلَافه وَلَا فرق بَين قدرته على بعض ذَلِك وَبَين قدرته على سائره فَكل مَا خلقه الله تَعَالَى محالاً فِي الْعقل فَقَط فَإِنَّمَا كَانَ محالاً مذ جعله الله تَعَالَى محالاً وَحين أحدث صُورَة الْعقل لَا قبل ذَلِك فَلَو شَاءَ تَعَالَى أَن لَا يَجعله محالاً لما كَانَ محالاً وَكَذَلِكَ من سَأَلَ هَل يقدر الله تَعَالَى على أَن يَجْعَل شَيْئا مَوْجُودا مَعْدُوما مَعًا فِي وَقت وَاحِد أَو جسماً فِي مكانين أَو جسمين فِي مَكَان وكل مَا أشبه هَذَا فَهُوَ سُؤال صَحِيح وَالله تَعَالَى قَادر على كل ذَلِك لَو شَاءَ أَن يكونه لكَونه وَمن الْبُرْهَان على ذَلِك مَا نرَاهُ فِي منامنا مِمَّا لَا شكّ فِيهِ أَنه محَال فِي حل الْيَقَظَة مُمْتَنع يَقِينا ونراه فِي منامنا مُمكنا محسوساً مرئياً ببصر النَّفس مسموعاً بسمعها فبالضرورة يدْرِي كل ذِي حس أَن الَّذِي حعل الْمحَال مُمكنا فِي النّوم كَانَ قَادِرًا على أَن يوجده مُمكنا فِي الْيَقَظَة وَكَذَلِكَ من سَأَلَ هَل الله تَعَالَى قَادر على أَن يتَّخذ ولدا فَالْجَوَاب أَنه تَعَالَى قَادر على ذَلِك (١) وَقد نَص على ذَلِك فِي الْقُرْآن قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَو أَرَادَ الله أَن يتَّخذ ولدا لاصطفى مِمَّا يخلق مَا يَشَاء﴾ وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إِن كُنَّا فاعلين﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن لم يُطلق أَن الله يقدر على ذَلِك وَحسن قَوْله بِأَن قَالَ لَا يُوصف الله بِالْقُدْرَةِ على ذَلِك فقد قطع بِأَن الله لَا يقدر إِذْ لَا وَاسِطَة فِيمَن يُوصف بِالْقُدْرَةِ على شَيْء مَا ثمَّ وصف فِي شَيْء آخر بِأَنَّهُ لَا يقدر عَلَيْهِ فقد خرج من أَنه لَا يقدر عَلَيْهِ وَإِذا وَجب أَن لَا يقدر فقد ثَبت أَنه عَاجز ضَرُورَة عَمَّا لَا يقدر عَلَيْهِ وَلَا بُد وَمن وصف الله تَعَالَى بِالْعَجزِ فقد كفر وَأَيْضًا فَإِن من قَالَ لَا يُوصف الله تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ على الْمحَال فقد جعل قدرته متناهية وَجعل قوته مُنْقَطِعَة محدودة وملزومة بذلك ضَرُورَة أَن قوته تَعَالَى متناهية عرض وَأَنه تَعَالَى فَاعل بطبيعة فِيهِ متناهية وَهَذَا تَحْدِيد للباري وَكفر بِهِ مُجَرّد وادخال لَهُ فِي جملَة المخلوقين وَمعنى قَوْلنَا إِن لله تَعَالَى يقدر على الْمَعْدُوم وعَلى الْمحَال إِنَّمَا هُوَ مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهُوَ أَن سُؤال السَّائِل عَن الْمحَال وَعَن الْمَعْدُوم هُوَ بِلَا شكّ سُؤال مَوْجُود مسموع ملفوظ بِهِ فجوابنا

стр. 296

هُوَ أَنا حققنا أَن الله تَعَالَى قَادر على أَن يخلق لذَلِك اللَّفْظ معنى يوجده وَهَذَا جَوَاب صَحِيح مَعْقُول وَهَذَا قَوْلنَا وَلَيْسَ إِلَّا هَذَا القَوْل وَقَول على الأسواري الَّذِي يَقُول أَن الله تَعَالَى لَا يقدر على غير مَا علم أَنه يَفْعَله جمله وَأما من خَالَفنَا وَخَالف الأسواري فَلَا بُد لَهُ من الرُّجُوع إِلَى قَوْلنَا أَو الْوُقُوع فِي قَول الأسواري وَإِن زعم لِأَنَّهُ مَتى مَا وصف الله تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ على شَيْء لم يَفْعَله من إِبْرَاء مَرِيض أَو خلق شَيْء أَو تَحْرِيك شَيْء سَاكن فَإِنَّهُ قدر وَصفه بِالْقُدْرَةِ على إِحَالَة علمه وَتَكْذيب حكمه وَهَذَا هُوَ الْمحَال فقد قَالَ بقولنَا وَلَا بُد أَو يَقُول الأسواري وَلَا بُد وأمل كل سُؤال أدّى إِلَى القَوْل فِي ذَاته فإننا نقُول ن كل مَا سَأَلَ عَنهُ سَائل لَا نحاشي شَيْئا فَإِن الله تَعَالَى قَادر عَلَيْهِ غير عَاجز عَنهُ إِلَّا أَن من السؤالات سُؤَالَات لَا يسْتَحل سماعهَا وَلَا يسْتَحل النُّطْق بهَا وَلَا يحل الْجُلُوس حَيْثُ يلفظ بهَا وَهِي كل مَا فِيهَا كفر بالباري تَعَالَى واستخفاف بِهِ أَو بِنَبِي من أنبيائه أَو بِملك من مَلَائكَته أَو بِآيَة من آيَاته قَالَ ﴿إِذا سَمِعْتُمْ آيَات الله يكفر بهَا ويستهزأ بهَا فَلَا تقعدوا مَعَهم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره إِنَّكُم إِذا مثلهم﴾ وَقَالَ ﴿قل أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزؤون لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَو أَن سَائِلًا سالنا هَل الله قَادر على أَن يمسخ هَذَا الْكَافِر قردا وكلبا لقلنا نعم وَلَو أَنه أَرَادَ أَن يسألنا هَذَا السُّؤَال فِيمَن يلْزمنَا تعظيه من ملك أَو نَبِي أَو صَاحب نَبِي أَو مُسلم فَاضل لم يحل لنا الِاسْتِمَاع إِلَيْهِ وَلَكنَّا قد أجبناه جَوَابا كَافِيا لِأَن الله تَعَالَى قَادر على كل مَا يسْأَل عَنهُ لَا نحاشي شَيْئا فَمن تَمَادى بعد هَذَا الْجَواب الْكَافِي فَإِنَّمَا غَرَضه التشنيع فَقَط والتمويه وَهَذَانِ من دَلَائِل الْعَجز عَن المناظرة والانقطاع وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالنَّاس فِي هَذَا الْبَاب على أَقسَام فمبدؤها قَول من قَالَ لَا يُوصف الله تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ على غير مَا يفعل وَهُوَ قَول على الأسواري أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة وَاعْلَمُوا أَنه لَا بُد لكل من منع من أَن يقدر الله تَعَالَى على محَال أَو على شَيْء بِمَا يسال عَنهُ السَّائِل فَلَا بُد ضَرُورَة من الْمصير إِلَى هَذَا القَوْل أَو ظُهُور تناقضه وتفاسد قَوْله وَخُرُوجه إِلَى الْمحَال البحت الَّذِي فر عَنهُ بِزَعْمِهِ على مَا نبينه بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد قَالَت طَائِفَة بِمَعْنى هَذَا القَوْل إِلَّا أَنَّهَا استشنعت عبارَة الأسواري فَقَالَت إِن الله تَعَالَى قَادر على كل شَيْء وَلَكِن إِن سَأَلنَا سَائل فَقَالَ أيقدر الله تعاى على أَمر كَذَا مَعَ تقدم علمه بِأَنَّهُ لَا يكون قَالُوا فَالْجَوَاب أَنه تَعَالَى لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لإخفاء لأَنهم أوجبوا قدرته وأعدموها على شَيْء وَاحِد وَهُوَ الْبَاطِل بِلَا خَفَاء وَقَالَت طَائِفَة إِن الله تَعَالَى قَادر على غير مَا فعل إِلَّا أَنه لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على أصلح مِمَّا فعل بعباده وَهُوَ قَول جُمْهُور الْمُعْتَزلَة وَقَالَت طَائِفَة إِن الله تَعَالَى قَادر على غير مَا فعل إِلَّا أَنه لَا يقدر على الظُّلم وَلَا على الْجور وَلَا على اتِّخَاذ الْوَلَد وَلَا على إِظْهَار معْجزَة على يَد كَذَّاب وَلَا على شَيْء من الْمحَال وَلَا على نسخ التَّوْحِيد وَهَذَا قَول النظام وَأَصْحَابه والأشعرية وَإِن كَانُوا مُخْتَلفين فِي مائية الظُّلم وَقَالَت طَائِفَة أَن الله تَعَالَى قَادر على غير مَا فعل وعَلى الْجور وَالظُّلم وَالْكذب إِلَّا أَنه لَا يقدر على الْمحَال مثل أَن يَجْعَل الشَّيْء

стр. 297

مَعْدُوما مَوْجُودا مَعًا وَقَائِمًا قَاعِدا مَعًا أَو فِي مكانين مَعًا وَهَذَا قَول الْبَلْخِي وَطَوَائِف من الْمُعْتَزلَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالَّذِي عَلَيْهِ أهل الْإِسْلَام كلهم وَمن سلف من الصَّحَابَة ﵃ وَمن بعدهمْ قبل أَن تحدث هَذِه الضلالات وَهَذَا الْإِقْدَام الشنيع الَّذِي لَوْلَا ضلال من ضل بِهِ مَا انْطَلَقت ألسنتنا بِهِ وَلَا سمحت أَيْدِينَا بكتابته وَلَكنَّا نحكيه حِكَايَة الله ضلال من ضل فَقَالَ الْمَسِيح ابْن الله والعزيز إِبْنِ الْوَلِيد وَيَد الله مغلولة وَالله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء وَإِذ قَالَ للْإنْسَان اكفر وكما أنذر رَسُول الله ﷺ بِأَن النَّاس لَا يزالون يتساءلون فِيمَا بَينهم حَتَّى يَقُولُوا هَذَا الله خلق الْخلق فَمن خلق الله فَقَوْل أهل الْإِسْلَام عامتهم وخاصتهم قبل مَا ذكرنَا هُوَ أَن الله تَعَالَى فعال لما يَشَاء وعَلى كل شَيْء قدير وَبِهَذَا جَاءَ الْقُرْآن وكل مسئول عَنهُ وَإِن بلغ الْغَايَة من الْمحَال فهم أَو لم يفهم فَالله تَعَالَى قَادر عَلَيْهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ لي بَعضهم أَن الْقُرْآن نما جَاءَ بِأَن الله تَعَالَى يفعل مَا يَشَاء وَنحن لَا ننكر هَذَا وَإِنَّمَا نمْنَع من أَن يُوصف الله تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ على مَا لَا يَشَاء وبالقدرة على مَا لَيْسَ بِشَيْء فَقلت لَهُ قد قَالَ الله تَعَالَى يرْزق من يَشَاء وَيقدر فَعم وَلم يخص فَلَا يحل لأحد تَخْصِيص قدرته تَعَالَى أصلا وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل إِن الله قَادر على أَن ينزل آيَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو تَقول علينا بعض الْأَقَاوِيل لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثمَّ لقطعنا مِنْهُ الوتين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿نَحن بمسبوقين على أَن نبدل أمثالكم وننشئكم فِي مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو لَيْسَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِقَادِر على أَن يخلق مثلهم بلَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَن نوح النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ ﴿اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين وَيجْعَل لكم جناتٍ وَيجْعَل لكم أَنهَارًا﴾ مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿قل هُوَ الْقَادِر على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم أَو من تَحت أَرْجُلكُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن﴾ فَهَذَا نَص على أَن يفعل خلاف مَا سبق علمه من هدى من علم أَن لَا يهديه وَمن تَعْذِيب من علم أَنه لَا يعذب أبدا وتبديل أَزوَاج قد علم أَنه لَا يبدلهن أبدا وكل هَذَا نَص على قدرته على إبِْطَال علمه الَّذِي لم يزل وعَلى تَكْذِيب قَوْله الَّذِي لَا يكذب أبدا وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن كثير فَمن أعجب قولا وَأتم ضَلَالَة مِمَّن يُوجب بقوله إِن الله تَعَالَى كذب وَأَنه تَعَالَى مَعَ ذَلِك غير قَادر على الْكَذِب مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿عِنْد مليك مقتدر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْعَلِيم الْقَدِير﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّه كَانَ عليماً قَدِيرًا﴾ فَأطلق تَعَالَى لنَفسِهِ الْقُدْرَة وَعم وَلم يخص فَلَا يجوز تَخْصِيص قدرته بوحه من الْوُجُوه قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا يؤمنكم إِذْ هُوَ تَعَالَى قَادر على الظُّلم وَالْكذب والمحال من أَن يكون قد فعله أَو لَعَلَّه سيفعله فَتبْطل الْحَقَائِق كلهَا وَلَا تصح وَيكون كل مَا أخبرنَا بِهِ كذبا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وجوابنا فِي هَذَا هُوَ أَن الَّذِي أمننا من ذَلِك ضَرُورَة الْمعرفَة الَّتِي قد وصفهَا الله تَعَالَى فِي نفوسنا كمعرفتنا أَن ثَلَاثَة أَكثر من اثْنَيْنِ وَأم الْمُمَيز مُمَيّز والأحمق أَحمَق وَأَن النَّحْل لَا يحمل زيتوناً

стр. 298

وَأَن الْحمير لَا تحمل جمالاً وَأَن البغال لَا تَتَكَلَّم فِي النَّحْو وَالشعر والفلسفة وَسَائِر مَا اسْتَقر فِي النُّفُوس علمه ضَرُورَة وَإِلَّا فليخبرونا مَا الَّذِي أَمنهم مَا ذكرنَا وَلَعَلَّه قد كَانَ أَو سَيكون وَلَا فرق فَإذْ قد صَحَّ إطباق كل من يقر بِاللَّه من جَمِيع الْملَل أَن هَذَا الْعَالم لَيْسَ فِي بنيته كَون الْمحَال الْمَذْكُور فِيهِ مَعَ مُوَافَقَته أَكثر الْمُخَالفين لنا على أَن هَذَا كُله فَإِن الله تَعَالَى قَادر عَلَيْهِ وَلَكِن لَا يَفْعَله فَالَّذِي أَمنهم من أَنه تَعَالَى يَفْعَله هُوَ الَّذِي أمننا من أَن نَفْعل مَا قَالُوا لنا فِيهِ لَعَلَّه قد فعله أَو سيفعله وَلَا فرق وَإِن هَذَا الْعَالم لَيْسَ فِي بنيته كَون الْمحَال الْمَذْكُور فِيهِ وَأَنه تَعَالَى لَا يجور وَلَا يكذب وبالضرورة الْمُوجبَة علمنَا القَوْل بحدوث الْعَالم وَبِأَن لَهُ صانعاً لَا يُشبههُ لم يزل وَبَان مَا ظهر من الْأَنْبِيَاء ﵈ فَمن عِنْده تَعَالَى وَأَن تِلْكَ المعجزات مُوجبَة تصديقهم وهم أخبرونا أَن الله تَعَالَى لَا يكذب وَلَا يظلم وَأَنه تَعَالَى قد أخبرنَا بِأَنَّهُ قد تمت كَلِمَاته صدقا وعدلاً لَا مبدل لكلماته وَأَنه تَعَالَى قَادر وَلَيْسَ كل مَا يقدر عَلَيْهِ يَفْعَله فَإِن كَانَ السَّائِل من هَذَا متديناً بدين الْإِسْلَام أَو النَّصَارَى أَو الْيَهُود أَو الْمَجُوس أَو الصابئين أَو البراهمة أَو كل من يدين بِأَن الله حق فَإِنَّهُم مجمعون على أَنه تَعَالَى لَا يكذب وَلَا يظلم وكل من نفى الْخَالِق فَلَيْسَ فيهم أحد يَقُول أَنه يظلم أَو يكذب فقد صَحَّ إطباق جَمِيع سكان الأَرْض قَدِيما وحديثاً لَا نحاشي أحدا على أَن الله تَعَالَى لَا يظلم وَلَا يكذب فَلَو لم يَكُونُوا مضطرين إِلَى القَوْل بِهَذَا لوجد فيهم وَلَو وَاحِد يَقُول بِخِلَاف ذَلِك وَمن الْمحَال أَن تَجْتَمِع طبائعهم كلهم على هَذَا إِلَّا لضَرُورَة وَضعهَا الله فِي نُفُوسهم كضرورتهم إِلَى معرفَة مَا أدركوه بحواسهم وبداية عُقُولهمْ وَأَيْضًا فَنَقُول لمن سَأَلَ هَذَا السُّؤَال أيمكن أَن يكون إِنْسَان فِي النَّاس قد توسوس وأوهمته ظنونه الكاذبة وتخيله الْفَاسِد وهوسه أَن الْأَشْيَاء على خلاف مَا هِيَ عَلَيْهِ وَإِن النَّاس على خلاف مَا هم عَلَيْهِ وَيتَصَوَّر عِنْده هَذَا الظَّن الْفَاسِد أَنه حق لَا يشك فِيهِ أم لَيْسَ يُمكن أَن يكون هَذَا فِي الْعَالم فَإِن قَالُوا لَا يُمكن أَن يكون هَذَا الْعَالم أَتَوا بالمحال البحت وكابروا وَإِن قَالُوا بل هُوَ مُمكن مَوْجُود فِي النَّاس كثير من هَذِه صفته قيل لَهُم فَمَا يؤمنكم من أَن تَكُونُوا بِهَذِهِ الصّفة ونقول لمن يُؤمن بِاللَّه الْعَظِيم مِنْهُم أيقدر الله تَعَالَى على أَن يحِيل حواسك كَمَا فعل بِصَاحِب الصَّفْرَاء الَّذِي يجد الْعَسَل مرا كالعلقم وبصاحب ابْتِدَاء المَاء النَّازِل فِي عَيْنَيْهِ فَيرى خيالات لَا حَقِيقَة لما وَكَمن فِي سَمعه آفَة فَهُوَ يسمع طنيناً لَا حَقِيقَة لَهُ أم لَا يقدر فَإِن قَالُوا يقدر لَهُ فَمَا يُؤمنك من أَنَّك بِهَذِهِ الصّفة فَإِن قَالَ أَن كل من يحضرني يُخْبِرنِي بِأَن لست من أهل هَذِه الصّفة قيل لَهُ وَهَكَذَا يظنّ ذَلِك الموسوس وَلَا فرق فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يَقُول إِنِّي أرى أَنِّي بِخِلَاف هَذِه الصّفة ضَرُورَة علما يَقِينا قُلْنَا لَهُ بِمثل هَذَا سَوَاء بِسَوَاء أمنا أَن يكون الله يظلم أَو يكذب أَو يحِيل طبيعة لغير نَبِي يفعل الْمحَال مَعَ قدرته على ذَلِك وَلَا فرق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال لجَمِيع هَذِه الْفرق حاشا من قَالَ بقول عَليّ الأسواري هَل شنعتم عَليّ الأسواري لِأَنَّهُ إِذا وصف الله تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يقدر على غير مَا فعل فقد وَصفه تَعَالَى بِالْعَجزِ وَلَا بُد فَلَا بُد من نعم فَيُقَال لَهُم فَإِن هَذَا نَفسه لَازم لكم فِي قَوْلكُم بِأَنَّهُ لَا يقدر على الظُّلم وَالْكذب وَلَا على الْمحَال وَلَا على نَفسه أَولا أصلح مِمَّا فعل بعباده ضَرُورَة لَا ينفكون من ذَلِك فَإِن قُلْتُمْ إِن هَذَا لَا يلْزمنَا قيل لكم وَلَا يعجز عَليّ الأسواري عَن أَن يَقُول أَيْضا أَن هَذَا لَا يلْزَمنِي وَهَذَا لَا انفكاك مِنْهُ وَيُقَال لَهُم إِذا أخبر الله أَنه سيقيم السَّاعَة وسيميت زايدا يَوْم

стр. 299

كَذَا يقدر أَن لَا يميته فِي ذَلِك الْيَوْم وعَلى أَن يميته قبل ذَلِك الْيَوْم أم لَا فَإِن قَالُوا لَا لَحِقُوا بقول الأسواري وَإِن قَالُوا نعم أقرُّوا أَنه يقدر على تَكْذِيب قَوْله وَهَذَا هُوَ الْقُدْرَة على الْكَذِب الَّتِي أبطلوا وَنِسَائِهِمْ أَيْضا إِذْ أمرنَا الله تَعَالَى بِالدُّعَاءِ وَمِنْه مَا قد علم أَنه لَا يُجيب الدَّاعِي بِهِ هَل أمرنَا بِالدُّعَاءِ من ذَلِك فِيمَا لَا يَسْتَطِيع وَلَا يقدر عَلَيْهِ أم فِيمَا يقدر عَلَيْهِ فَإِن قَالُوا فِيمَا لَا يقدر عَلَيْهِ لَحِقُوا بالأسواري وأوجبوا على الله تَعَالَى القَوْل بالمحال إِذْ زَعَمُوا أَنه أمرنَا بِأَن نرغب إِلَيْهِ فِي أَن يفعل مَا لَا يقدر عَلَيْهِ تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَإِن قَالُوا بل فِيمَا يقدر عَلَيْهِ أقرُّوا أَنه يقدر على إبِْطَال علمه وَالَّذِي يدْخل هَذَا الَّذِي هُوَ الْكفْر الْمُجَرّد من إبِْطَال دَلَائِل التَّوْحِيد وَإِبْطَال حُدُوثه الْعَالم وَخلاف الْإِجْمَاع غير قَلِيل فَإِن قَالَ عَليّ الأسواري لَا يلْزَمنِي إِثْبَات الْعَجز بِنَفْي الْقُدْرَة بل أنفي عَنهُ الْأَمريْنِ جَمِيعًا كَمَا قُلْتُمْ أَنْتُم أَن نفيكم عَنهُ تَعَالَى الْحَرَكَة لَا يلْزمه السّكُون وَنفي السّكُون لَا يلْزمه الْحَرَكَة كَمَا تنفون عَنهُ الضدين جَمِيعًا من الشجَاعَة والجبن وَسَائِر الصِّفَات الَّتِي نفيتموها وأضدادها قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن هَذَا تمويه ضَعِيف لأننا نَحن فِي نفي هَذِه الصِّفَات عَنهُ تَعَالَى جارون على سنَن وَاحِد فِي نفي جَمِيع صِفَات المخلوقين عَنهُ كلهَا وَأَنْتُم قد أثبتم لَهُ قدرَة على أَشْيَاء ونفيتم عَنهُ قدرَة على غَيرهَا فَوَجَبَ ضَرُورَة إِثْبَات الْعَجز عَنهُ فِي الْأَشْيَاء الَّتِي وصفتموه بِعَدَمِ الْقُدْرَة عَلَيْهَا وَأما نَحن فَلَو وصفناه بالشجاعة فِي شَيْء أَو بالحركة فِي وَجه مَا أَو وصفناه بِالْعقلِ فِي شَيْء مَا ثمَّ نَفينَا عَنهُ الصِّفَات فِي وَجه آخر للزمنا حَيْثُ وصفناه بِشَيْء مِنْهَا نفي ضدها وللزمنا حَيْثُ نَفينَا عَنهُ ضدها أَن نثبتها لَهُ وَلَا بُد كَمَا فعلنَا فِي الرَّحْمَة والسخط فإننا إِذا وصفناه بِالرَّحْمَةِ لأبي بكر الصّديق فقد نَفينَا عَنهُ السخط عَلَيْهِ وَإِذا نَفينَا عَنهُ الرَّحْمَة لأبي جهل فقد أثبتنا لَهُ بذلك السخط عَلَيْهِ وَهَذَا برهَان ضَرُورِيّ فَإِن موه مموه فَقَالَ ألستم تَقولُونَ أَن الله تَعَالَى لَا يعلم الْحَيّ مَيتا فَهَل تثبتون لَهُ بِنَفْي الْعلم هَا هُنَا الْجَهْل قُلْنَا لَهُ وَهَذَا أَيْضا تمويه آخر بل أَوجَبْنَا لَهُ بذلك الْعلم حَقًا لأننا إِذا نَفينَا عَنهُ الْعلم مَا الْأَشْيَاء فقد أثبتنا لَهُ تَعَالَى الْعلم بِحَقِيقَة مَا الْأَشْيَاء وَهل هَا هُنَا شَيْء يجهل أصلا وَإِنَّمَا الْجَهْل بِشَيْء حق الْجَاهِل بِهِ فَقَط قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد قُلْنَا لمن ناظرنا مِنْهُم أَنكُمْ تنسبون لله تَعَالَى علما لم يزل فأخبرونا هَل يقدر الله تَعَالَى على أَن يُمِيت الْيَوْم من علم أَنه لَا يميته إِلَّا غَدا وَهل يقدر ربكُم على أَن يزِيل الْآن بنية عَن مَكَان قد علم أَنَّهَا لَا تَزُول عَنهُ إِلَّا غَدا وعَلى رَحْمَة من مَاتَ مُشْركًا مَعَ قَوْله تَعَالَى إِنَّه لَا يرحمه أصلا أم لَا يقدر على ذَلِك فَقَالَ لنا مِنْهُم قَائِل أَن الله تَعَالَى قَادر على ذَلِك فَقُلْنَا لَهُ قد أقررتم أَنه يقدر على إحاطة علمه الَّذِي لم يزل وعَلى تَكْذِيب كَلَامه وَهَذَا إبِْطَال قَوْلكُم صراحاً وَقَالَ مِنْهُم قَائِلُونَ أَنه تَعَالَى قَادر على ذَلِك وَلَو فعله لَكَانَ قد سبق فِي علمه أَنه سَيكون كَمَا فعل فَقُلْنَا لَهُم لم نسألكم إِلَّا هَل يقدر على ذَلِك مَعَ تقدم علمه أَنه لَا يكون فضجروا هَا هُنَا وانقطعوا ولجأ بَعضهم إِلَى الْقطع بقول على الأسواري فِي أَنه لَا يقدر على ذَلِك فَقُلْنَا لَهُم إِذا كَانَ تَعَالَى لَا يقدر على شَيْء غير مَا فعل وَلَا على نقل بنية عَن موضعهَا فَهُوَ إِذا مُضْطَر مجبر أَو ذُو طبيعة جَارِيَة على سنَن وَاحِد نعم وَيلْزم الأسواري وَمن قَالَ بقوله إِن استطاعة الله لَيست قبل فعله الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا هِيَ مَعَ فعله وَلَا بُد لِأَنَّهُ لَو كَانَ مستطيعاً قبل الْفِعْل لَكَانَ قَادِرًا على أَن يفعل فِي الْوَقْت الَّذِي علم أَنه لَا يفعل فِيهِ وَهَذَا خلاف قَوْله نصا وَهُوَ يَقُول إِن الْإِنْسَان

стр. 300

مستطيع قبل الْفِعْل فَهُوَ أتم طَاقَة وقدرة من الله تَعَالَى وَيلْزمهُ أَيْضا القَوْل بحدوث قدرَة الله تَعَالَى وَلَا بُد إِذْ لَو كَانَت قدرته لم تزل لَكَانَ قَادِرًا على الْفِعْل قبل أَن يفعل وَلَا بُد وَهَذَا خلاف قَوْله وَهَذَا كفر مُجَرّد إِذْ يَقُول إِن الْإِنْسَان قَادر على غير مَا علم الله تَعَالَى أَن يَفْعَله وَالله تَعَالَى لَا يقدر على ذَلِك فَإِن هَؤُلَاءِ جمعُوا إِلَى تعجيز رَبهم القَوْل بِأَنَّهُم أقوى مِنْهُ وَهَذَا على أَشد مَا يكون من الْكفْر والشرك والحماقة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَكلهمْ يَقُول بِهَذَا الْمَعْنى لِأَن جَمِيعهم يَقُول إِن كل مَخْلُوق فَهُوَ قَادر على كل مَا يَفْعَله من اتِّخَاذ ولد وحركة وَسُكُون وَغير ذَلِك وَأَن الْبَارِي لَا يقدر على شَيْء من ذَلِك وَهَذَا كفر وَحش جدا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وسألناهم أَيْضا فَقُلْنَا لَهُم أتقرون أَن الله تَعَالَى لم يزل قَادِرًا على أَن يخلق أم تَقولُونَ أَنه لم يزل غير قَادر على أَن يخلق ثمَّ قدر فَقَوْل كل من لَقينَا مِنْهُم وَقَول جَمِيع أهل الْإِسْلَام أَن الله لم يزل قَادِرًا على أَن يخلق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وهم وَجَمِيع أهل الْإِسْلَام منكرون على من قَالَ من أهل الْإِلْحَاد أَن الله تَعَالَى لم يزل خَالِقًا قاطعون بِأَن لم يزل يخلق محَال متفاسد قَالَ أَبُو مُحَمَّد صدقُوا فِي ذَلِك إِلَّا أَنهم إِذْ أقرُّوا أَن قَول من قَالَ أَنه لم يزل يخلق محَال وأقروا أَنه لم يزل قَادِرًا على ذَلِك فقد أفروا بِصِحَّة قَوْلنَا وَأَنه تَعَالَى قَادر على الْمحَال وَلَا بُد من هَذَا وَالْكفْر وَالْقَوْل بِأَنَّهُ تَعَالَى لم يزل غير قَادر وَالْحَمْد لله على هداه لنا إِلَى الْحق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وسألناهم أَيْضا فَقُلْنَا لَهُم هَل يجوز عنْدكُمْ أَن يَدعِي الله تَعَالَى فِي أَن يفعل مَا لَا يقدر على سواهُ أَو فِي أَن لَا يفعل مَا لَا يقدر على فعله فَإِن قَالُوا نعم أَتَوا بالمحال وَإِن قَالُوا لَا يجوز ذَلِك قيل لَهُم فقد أمرنَا الله تَعَالَى أَن نَدْعُوهُ فَنَقُول رب احكم بِالْحَقِّ وَلَا تحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ وَهُوَ عنْدكُمْ لَا يقدر على الحكم بِغَيْر الْحق وَلَا أَن يحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن عجائب الدُّنْيَا أَنهم يسمعُونَ الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله﴾ و ﴿أَن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ و ﴿إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ و ﴿إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء﴾ و ﴿يَد الله مغلولة﴾ و ﴿كَمثل الشَّيْطَان إِذْ قَالَ للْإنْسَان اكفر﴾ وَلَا يشك مُسلم فِي أَن هَذَا كُله كذب فَأَي حَمَاقَة أشنع من قَول من قَالَ إِن الله قَادر على أَن يَقُول كل ذَلِك حاكياً وَلَا يقدر أَن يَقُوله من غير أَن يَقُول مَا قيل هَذِه الْأَقْوَال من إضافتها إِلَى غَيره وَهَذَا قَول يَعْنِي ذكره وسخافته عَن تكلّف الرَّد عَلَيْهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ثمَّ سألناهم فَقُلْنَا لَهُم من أَيْن علمْتُم أَن الله تَعَالَى لَا يقدر على الْكَذِب أَو الْمحَال أَو الظُّلم أَو غير مَا فعل فَلم تكن لَهُم حجَّة أصلا إِلَى أَن قَالُوا لَو قدر على شَيْء من ذَلِك لما أمنا أَن يكون فعله أَو لَعَلَّه سيفعله فَقُلْنَا لَهُم وَمن أَيْن أمنتم أَن يكون قد فعله أَو لَعَلَّه سيفعله فَلم تكن لَهُم حجَّة أصلا إِلَّا أَن قَالُوا لِأَنَّهُ لَا يقدر على فعله قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَحصل من هَذَا أَن حجتهم أَنه تَعَالَى لَا يقدر على الظُّلم وَالْكذب والمحال وَغير مَا فعل أَنه لَا يقدر على شَيْء من ذَلِك فاستدلوا على قَوْلهم بذلك القَوْل نَفسه وَهَذِه سفسطة تَامَّة وحماقة ظَاهِرَة وَجَهل قوي لَا يرضى بِهِ لنَفسِهِ إِلَّا سخيف الْعقل ضَعِيف الدّين فَلَا ضَرُورَة من أَن يرجِعوا إِلَى قَوْلنَا فِي أَنه بِالضَّرُورَةِ علمنَا أَنه تَعَالَى لَا يفعل شَيْئا من ذَلِك كَمَا

стр. 301

علمناأن زريعة الْعِنَب لَا يخرج مِنْهَا الْجَوْز وَأَن مَاء الْفرس لَا يتَوَلَّد مِنْهَا جمل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما نَحن فَإِن برهاننا على صِحَة قَوْلنَا أَن الْبُرْهَان قد قَامَ على أَنه تَعَالَى لَا يُشبههُ شَيْء من خلقه فِي شَيْء من الْأَشْيَاء والخلق عاجزون عَن شَيْء كثير من الْأُمُور وَالْعجز من صفة المخلوقين فَهُوَ منفي عَن الله حَملَة وَلَيْسَ فِي الْخلق قَادر بِذَاتِهِ على كل مسئول عَنهُ فَوَجَبَ أَن الْبَارِي تَعَالَى هُوَ الَّذِي يقدر على كل مسئول عَنهُ وَكَذَلِكَ الْكَذِب وَالظُّلم من صِفَات المخلوقين فَوَجَبَ يَقِينا أَنَّهُمَا منفيان عَن الْبَارِي تَعَالَى فَهَذَا هُوَ الَّذِي أمننا من أَن يظلم أَو يكذب أَو يفعل غير مَا علم أَنه يَفْعَله وَإِن كَانَ تَعَالَى قَادِرًا على ذَلِك وَقُلْنَا لَهُم أَيْضا إِذا كَانَ لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على إبِْطَال علمه فَكَانَ لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على إماتته الْيَوْم من علم أَنه لَا يميته إِلَّا غَدا لِأَنَّهُ لَا قدرَة لَهُ على ذَلِك وَلَو كَانَ لَهُ على ذَلِك قدرَة لوصف بهَا فَإِذا جَاءَ غَد فأماته فَلهُ قدرَة على إماتته حينئذٍ فقد حدثت لَهُ قدرَة بعد إِن لم تكن وَهَذَا يُوجب أَن قدرته تَعَالَى حَادِثَة (١) وَهَذَا خلاف قَوْلهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَفِي هَذَا أَيْضا محَال آخر وَهُوَ أَنه إِذا حدثت لَهُ قدرَة بعد إِن لم تكن فَمن أحدثها لَهُ أهوَ أحدثها لنَفسِهِ أم غَيره أحدثها لَهُ أم حدثت بِلَا مُحدث فَإِن قَالُوا هوأحدثها لنَفسِهِ سئلوا بِلَا قدرَة وأحدث لنَفسِهِ الْقُدْرَة أم بقدرة أُخْرَى فَإِن قَالُوا أحدث لنَفسِهِ قدرَة بِلَا قدرَة أَتَوْ بالمحال وَإِن قَالُوا بل بقدرة اثبتوا قدرَة لم تزل بِخِلَاف قَوْلهم وَإِن قَالُوا غَيره أحدثها لَهُ أَو حدثت بِلَا مُحدث لَحِقُوا بقول الدهرية وَكَفرُوا وَفِي قَوْلهم هَذَا من خلاف الْمَعْقُول وَخلاف الْقُرْآن وَخلاف الْبُرْهَان مَا يضيق بِهِ نفوس الْمُؤمنِينَ وَالْحَمْد لله على معافاته لنا مِمَّا ابْتَلَاهُم بِهِ وَقَالُوا لَو فعل تَعَالَى كل ذَلِك كَيفَ كَانَ يُسمى فَقُلْنَا هَذَا سُؤال سخيف عَمَّا لَا يكون أبدا وَهُوَ كمن سَأَلَ لَو طَار الْإِنْسَان كم ريشة كَانَت تكون لَهُ وماأشبه هَذَا من الحماقة الْمَأْمُون كَونهَا ونسمية الْبَارِي تَعَالَى إِلَيْهِ لَا إِلَيْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ أَبُو الْهُذيْل العلاف إِن لما يقدر الله تَعَالَى عَلَيْهِ كلا وآخرا كَمَا لَهُ أول فَلَو خرج آخِره إِلَى الْفِعْل وَلَا يخرج لم يكن الله تَعَالَى قَادِرًا على شَيْء أصلا وَلَا على فعل شيءٍ بِوَجْه من الْوُجُوه وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن مَحْمُود الكعبي مَا نعلم أحدا يعْتَقد هَذَا الْيَوْم إِلَّا يحي بن بشر الأرجاني وَادّعى أَن أَبَا الْهُذيْل تَابَ عَن هَذَا القَوْل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كفر مُجَرّد لَا خَفَاء بِهِ لِأَنَّهُ يجوز على ربه تَعَالَى الْكَوْن فِي صفة الجماد أَو الْمَحْذُور المفلوج مَعَ صِحَة الْإِجْمَاع

стр. 302

على خلاف هَذَا القَوْل الْفَاسِد مَعَ خِلَافه لِلْقُرْآنِ ولموجب الْعقل وبديهته كَذَا عِنْده وَأَظنهُ لقد شبهه تَعَالَى بالمخلوقين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما الأسواري فَجعل ربه تَعَالَى مُضْطَرّا بِمَنْزِلَة الجماد وَلَا فرق لَا قدرَة لَهُ على غير مَا فعل وَهَذِه حَال دون حَال البق والبراغيث وَأما أَبُو الْهُذيْل فَجعل قدرَة ربه تَعَالَى متناهية بِمَنْزِلَة المختارين من خلقه وَهَذَا من التَّشْبِيه حَقًا وَأما النظام والأشعرية فَكَذَلِك أَيْضا وَجعلُوا قدرَة رَبهم تَعَالَى متناهية يقدر على شَيْء وَلَا يقدر على آخر وَهَذِه صفة أهل النَّقْص وَأما سَائِر الْمُعْتَزلَة فوصفوه تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا نِهَايَة لما يقدر عَلَيْهِ من الشَّرّ وَأَن قدرته على الْخَيْر متانهية وَهَذِه صفة شَرّ وطبيعة خبيثة جدا نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا إِلَّا بشر بن الْمُعْتَمِر فَقَوله فِي هَذَا كَقَوْل أهل الْحق وَهُوَ أَن لَا تتناهى قدرته أصلا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين

стр. 303

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْكَلَام فِي الرُّؤْيَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهبت الْمُعْتَزلَة وجهم بن صَفْوَان إِلَى أَن الله تَعَالَى لَا يرى فِي الْآخِرَة وَقد روينَا هَذَا القَوْل عَن مُجَاهِد وعذره فِي ذَلِك أَن الْخَبَر لم يبلغ إِلَيْهِ وروينا هَذَا القَوْل أَيْضا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَعِكْرِمَة وَقد رُوِيَ عَن عِكْرِمَة وَالْحسن إِيجَاب الرُّؤْيَة لَهُ تَعَالَى وَذَهَبت المجسمة إِلَى أَن الله تَعَالَى يرى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَذهب جُمْهُور أهل السّنة والمرجئة وَضِرَار بن عَمْرو من الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن الله تَعَالَى يرى فِي الْآخِرَة وَلَا يرى فِي الدُّنْيَا أصلا وَقَالَ الْحسن بن مُحَمَّد النجار هُوَ جَائِز وَلم يقطع بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما قَول المجسمة ففاسد بِمَا تقدم من كلامنا فِي هَذَا الْكتاب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وعمدة من أنكر أَن الرُّؤْيَا الْمَعْهُودَة عندنَا لَا تقع إِلَّا على الألوان لَا على مَا عَداهَا الْبَتَّةَ وَهَذَا مبعد عَن الْبَارِي وَقد احْتج من أنكر الرُّؤْيَة علينا بِهَذِهِ الْحجَّة بِعَينهَا وَهَذَا سوء وضع مِنْهُم لأننا لم نقل قطّ يتجويز هَذِه الرُّؤْيَة على الْبَارِي وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه تَعَالَى يرى فِي الْآخِرَة بِقُوَّة غير هَذِه الْقُوَّة الْمَوْضُوعَة فِي الْعين الْآن لَكِن بِقُوَّة موهوبة من الله تَعَالَى وَقد سَمَّاهَا بعض الْقَائِلين بِهَذَا القَوْل الحاسة السَّادِسَة وَبَيَان ذَلِك أننا نعلم الله بقلوبنا علما صَحِيحا هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ فَيَضَع الله تَعَالَى فِي الْأَبْصَار قُوَّة تشاهد بهَا الله وَترى بهَا كَالَّتِي وضع فِي الدُّنْيَا فِي الْقلب وكالتي وَضعهَا الله فِي أذن مُوسَى ﷺ حَتَّى شَاهد الله وسَمعه مكلماً لَهُ واحتجت الْمُعْتَزلَة بقول الله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا نفى الْإِدْرَاك والإدراك عندنَا فِي اللُّغَة معنى زَائِد على النّظر والرؤية وَهُوَ معنى الْإِحَاطَة وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنى فِي النّظر والرؤية فالإدراك منفي عَن الله تَعَالَى على كل حَال فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة برهَان ذَلِك قَول الله ﴿فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَاب مُوسَى إِنَّا لمدركون قَالَ كلا إِن معي رَبِّي سيهدين﴾ فَفرق الله بَين الْإِدْرَاك والرؤية فرقا جلياً لِأَنَّهُ تَعَالَى أثبت الرُّؤْيَة بقوله ﴿فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ﴾ وَأخْبر تَعَالَى أَنه رأى بَعضهم بَعْضًا فَصحت مِنْهُم الرُّؤْيَا لبني إِسْرَائِيل وَنفى الله الْإِدْرَاك بقول مُوسَى ﵇ لَهُم ﴿كلا إِن معي رَبِّي سيهدين﴾ فَأخْبر الله تَعَالَى أَنه رأى أَصْحَاب

стр. 304

فِرْعَوْن بني إِسْرَائِيل وَلم يدركوهم وَلَا شكّ فِي أَن مَا نَفَاهُ الله تَعَالَى فَهُوَ غير الَّذِي أثْبته فالإدراك غير الرُّؤْيَة وَالْحجّة لقولنا هُوَ قَول الله تَعَالَى ﴿وُجُوه يومئذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ وَاعْترض بعض الْمُعْتَزلَة وَهُوَ أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الجبائي فَقَالَ إِن إِلَى هَا هُنَا لَيست حرف جر لَكِنَّهَا اسْم وَهِي وَاحِدَة الآلاء وَهِي النعم فَهِيَ فِي مَوضِع مفعول وَمَعْنَاهُ نعم رَبهَا منتظرة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا بعيد لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن الله تَعَالَى أخبر أَن تِلْكَ الْوُجُوه قد حصلت لَهَا النضرة وَهِي النِّعْمَة وَالنعْمَة نعْمَة فَإِذا حصلت لَهَا النِّعْمَة فبعيد أَن ينْتَظر مَا قد حصل لَهَا وَإِنَّمَا ينْتَظر مَا لم يَقع بعد وَالثَّانِي تَوَاتر الْأَخْبَار عَن النَّبِي ﷺ بِبَيَان أَن المُرَاد بِالنّظرِ هُوَ الرُّؤْيَة لَا مَا تَأَوَّلَه المتأولون وَقَالَ بَعضهم إِن مَعْنَاهَا إِلَى ثَوَاب رَبهَا ناظرة أَي منتظرة قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا فَاسد جدا لِأَنَّهُ لَا يُقَال فِي اللُّغَة نظرت إِلَى فلَان بِمَعْنى انتظرته قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَحمل الْكَلَام على ظَاهره الَّذِي وضع لَهُ فِي اللُّغَة فرض لَا يجوز تعديه إِلَّا بِنَصّ أَو إِجْمَاع لِأَن من فعل غير ذَلِك أفسد الْحَقَائِق كلهَا والشرائع كلهَا والمعقول كُله فَإِن قَالَ قَائِل إِن حمل اللَّفْظ على الْمَعْهُود أولى من حمله على غير الْمَعْهُود قيل لَهُ الأولى فِي ذَلِك حمل الْأُمُور على معهودها فِي اللُّغَة مَا لم يمْنَع من ذَلِك نَص أَو إِجْمَاع أَو ضَرُورَة لم يَأْتِ نَص وَلَا إِجْمَاع وَلَا ضَرُورَة تمنع مَا ذكرنَا فِي معنى النّظر وَقد وافقتنا الْمُعْتَزلَة على أَنه لَا عَالم عندنَا إِلَّا بضمير وَأَنه لَا فعال إِلَّا بمعاناة وَلَا رَحِيم إِلَّا برقة قلب ثمَّ أَجمعُوا على أَن الله تَعَالَى عَالم بِكُل مَا يكون بِلَا ضمير وَأَنه فعال بِلَا معاناة وَرَحِيم بِلَا رقة فَأَي فرق بَين تجويزهم مَا ذكرنَا وَبَين تجويزهم رُؤْيَة ونظراً بِقُوَّة غير الْقُوَّة الْمَعْهُودَة لَوْلَا الخذلان وَمُخَالفَة الْقُرْآن وَالسّنَن نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك وَقد قَالَ بعض الْمُعْتَزلَة أخبرونا إِذا رُؤِيَ الْبَارِي أكله يرى أم بعضه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا سُؤال تعلموه من الْمُلْحِدِينَ إِذْ سألونا نَحن والمعتزلة فَقَالُوا إِذا علمْتُم الْبَارِي تَعَالَى أكله تعلمونه أم بعضه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا سُؤال فَاسد مغالط بِهِ لأَنهم أثبتوا كلا وبعضاً حَيْثُ لَا كل وَلَا بعض وَالْكل وَالْبَعْض لَا يقعان إِلَّا فِي ذِي نِهَايَة والباري تَعَالَى خَالق النِّهَايَة والمتناهى فَهُوَ لَا متناه وَلَا نِهَايَة فَلَا كل لَهُ وَلَا بعض قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْآيَة الْمَذْكُورَة وَالْأَحَادِيث الصِّحَاح مأثورة فِي رُؤْيَة الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة مُوجبَة الْقبُول لتظاهرها وتباع ديا الناقلين لَهَا ورؤية الله يَوْم الْقِيَامَة كَرَامَة للْمُؤْمِنين لَا أحرمنا الله ذَلِك بفضله ومحال أَن تكون هَذِه الرُّؤْيَة رُؤْيَة الْقلب لِأَن جَمِيع العارفين بِهِ تَعَالَى يرونه فِي الدُّنْيَا بقلوبهم وَكَذَلِكَ الْكفَّار فِي الْآخِرَة بِلَا شكّ فَإِن قَالَ قَائِل إِنَّمَا أخبر تَعَالَى بِالرُّؤْيَةِ عَن الْوَجْه قيل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق مَعْرُوف فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا خوطبنا أَن تنْسب الرُّؤْيَة إِلَى الْوَجْه وَالْمرَاد بهَا الْعين قَالَ بعض الْأَعْرَاب ... أنافس من ناجاك مِقْدَار لَفْظَة ... وتعتاد نَفسِي أَن نأت عَنْك معينها وَإِن وُجُوهًا يصطحبن بنظرة ... إِلَيْك لمحسود عَلَيْك عيونها ... الْكَلَام فِي الْقُرْآن وَهُوَ القَوْل فِي كَلَام الله تَعَالَى

стр. 305

قَالَ أَبُو مُحَمَّد واختلفو فِي كَلَام الله بعد أَن أجمع أهل الْإِسْلَام كلهم أَن لله تَعَالَى كلَاما وعَلى أَن الله تَعَالَى كلم مُوسَى ﵇ وَكَذَلِكَ سَائِر الْكتب الْمنزلَة كالتوراة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور والصحف فَكل هَذَا لَا اخْتِلَاف فِيهِ بَين أحد من أهل الْإِسْلَام ثمَّ قَالَت الْمُعْتَزلَة إِن كَلَام الله تَعَالَى صفة فعل مَخْلُوق وَقَالُوا أَن الله كلم مُوسَى بِكَلَام أحدثه فِي الشَّجَرَة وَقَالَ أهل السّنة أَن كَلَام الله هُوَ علمه لم يزل وَأَنه غير مَخْلُوق وَهُوَ قَول الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره ﵏ وَقَالَت الأشعرية كَلَام الله تَعَالَى صفة ذَات لم تزل غير مخلوقة وَهُوَ غير الله تَعَالَى وَخلاف الله تَعَالَى وَهُوَ غير علم الله تَعَالَى وَأَنه لَيْسَ لله تَعَالَى إِلَّا كَلَام وَاحِد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَاحْتج أهل السّنة بحجج مِنْهَا أَن قَالُوا أَن كَلَام الله تَعَالَى لَو كَانَ غير الله لَكَانَ لَا يخلوا من أَن يكون جسماً أَو عرضا فَلَو كَانَ جسماً لَكَانَ فِي مَكَان وَاحِد وَلَو كَانَ ذَلِك لَكنا لم يبلغ إِلَيْنَا كَلَام الله وَلَا كَانَ يكون مجموعاً عندنَا فِي كل بلد كَذَلِك وَهَذَا كفر وَلَو كَانَ عرضا لاقتضى حَامِلا ولكان كَلَام الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ عندنَا هُوَ غير كَلَامه الَّذِي عِنْد غَيرنَا وَهَذَا محَال ولكان أَيْضا يغنى بغناء حامله وَهَذَا لَا يَقُولُونَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالُوا وَلَو سمع مُوسَى ﵇ كَلَام الله تَعَالَى من غير الله تَعَالَى لما كَانَ لَهُ ﵇ فِي ذَلِك فضل علينا لأننا نسْمع كَلَام الله من غَيره فصح أَن لمُوسَى ﵇ مزية على من سواهُ وهوأنه ﵇ سمع كَلَام الله بِخِلَاف من سواهُ وَأَيْضًا فقد قَامَت الدَّلَائِل على أَن الله تَعَالَى لَا يُشبههُ شَيْء فِي خلقه بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا بِمَعْنى من الْمعَانِي فَلَمَّا كَانَ كلامنا غَيرنَا وَكَانَ مخلوقاً وَجب ضَرُورَة أَن يكون كَلَام الله تَعَالَى لَيْسَ مخلوقاً وَلَيْسَ غير الله تَعَالَى كَمَا قُلْنَا فِي الْعلم سَوَاء بِسَوَاء قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما الأشعرية فيلزمهم فِي قَوْلهم إِن كَلَام الله غير الله مَا ألزمناهم فِي الْعلم وَفِي الْقُدْرَة سواهُ سَوَاء مِمَّا قد تقصيناه قبل هَذَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما قَوْلهم لَيْسَ لله تَعَالَى إِلَّا كَلَام وَاحِد فخلاف مُجَرّد لله تَعَالَى وَلِجَمِيعِ أهل الْإِسْلَام لِأَن الله يَقُول ﴿قل لَو كَانَ الْبَحْر مداداً لكلمات رَبِّي لنفد الْبَحْر قبل أَن تنفد كَلِمَات رَبِّي﴾ ﴿وَلَو أَنما فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يمده من بعده سَبْعَة أبحر مَا نفدت كَلِمَات الله﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا ضلال أضلّ وَلَا حَيَاء أعدم وَلَا مجاهرة أَطَم وَلَا تَكْذِيب لله أعظم مِمَّن سمع هَذَا الْكَلَام الَّذِي لَا يشك مُسلم أَنه خبر الله تَعَالَى الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه بِأَن لله كَلِمَات لَا تنفد ثمَّ يَقُول هُوَ من رَأْيه الخسيس أَنه لَيْسَ لله تَعَالَى إِلَّا كَلَام وَاحِد (١) فَإِن ادعوا أَنهم فروا من أَن يكثروا مَعَ الله أكذبهم قَوْلهم إِن هَا هُنَا خَمْسَة عشر شَيْئا كلهَا مُتَغَايِرَة وَكلهَا غير الله وَخلاف الله وَكلهَا لم تزل مَعَ الله تَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علو كَبِيرا

стр. 306

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَت أَيْضا هَذِه الطَّائِفَة المنتمية إِلَى الأشعرية أَن كَلَام الله تَعَالَى لم ينزل بِهِ جِبْرِيل ﵇ على قلب مُحَمَّد ﷺ وَإِنَّمَا نزل عَلَيْهِ بِشَيْء آخر هُوَ عبارَة عَن كَلَام الله تَعَالَى وَأَن الَّذِي نَقْرَأ فِي الْمَصَاحِف وَيكْتب فِيهَا لَيْسَ شَيْء مِنْهَا كَلَام الله وَأَن كَلَام الله تَعَالَى الَّذِي لم يكن ثمَّ كَانَ وَلَا يحل لأحد أَن يَقُول إِنَّمَا قُلْنَا إِن الله تَعَالَى لَا يزايل الْبَارِي وَلَا يقوم بِغَيْرِهِ وَلَا يحل فِي الْأَمَاكِن وَلَا ينْتَقل وَلَا هُوَ حُرُوف موصلة وَلَا بعضه خير من بعض وَلَا أفضل وَلَا أعظم من بعض وَقَالُوا لم يزل الله تَعَالَى قَائِلا لِجَهَنَّم ﴿هَل امْتَلَأت﴾ وقائلاً للْكفَّار ﴿اخسؤوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون﴾ وَلم يزل تَعَالَى قَائِلا لكل مَا أَرَادَ تكوينه كن قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كفر مُجَرّد بِلَا تَأْوِيل وَذَلِكَ أننا نسألهم عَن الْقُرْآن أهوَ كَلَام الله أم لَا فَإِن قَالَ لَيْسَ هُوَ كَلَام الله كفرُوا بِإِجْمَاع الْأمة وَإِن قَالُوا بل هُوَ كَلَام الله سألناهم عَن الْقُرْآن أهوَ الَّذِي يُتْلَى فِي الْمَسَاجِد وَيكْتب فِي الْمَصَاحِف ويحفظ فِي الصُّدُور أم لَا فَإِن قَالُوا لَا كفرُوا بِإِجْمَاع الْأمة وَإِن قَالُوا نعم تركُوا قَوْلهم الْفَاسِد وقروا أَن كَلَام الله تَعَالَى فِي الْمَصَاحِف ومسموع من الْقُرَّاء ومحفوظ فِي الصُّدُور كَمَا يَقُول جَمِيع أهل الْإِسْلَام قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ قوم فِي اللَّفْظ بِالْقُرْآنِ ونسبوا إِلَى أهل السّنة أَنهم يَقُولُونَ أَن الصَّوْت غير مَخْلُوق والخط غير مَخْلُوق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا بَاطِل وَمَا قَالَ قطّ مُسلم أَن الصَّوْت الَّذِي هُوَ الْهَوَاء غير مَخْلُوق وَأَن الْخط غير مَخْلُوق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالَّذِي نقُول بِهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هُوَ مَا قَالَه الله وَنَبِينَا مُحَمَّد ﷺ لَا نزيد على ذَلِك شَيْئا وَهُوَ أَن قَول الْقَائِل الْقُرْآن وَقَوله كَلَام الله كِلَاهُمَا معنى وَاحِد واللفظان مُخْتَلِفَانِ وَالْقُرْآن هُوَ كَلَام الله على الْحَقِيقَة بِلَا مجَاز ونكفر من لم يقل ذَلِك ونقول أَن جِبْرِيل ﵇ نزل بِالْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ كَلَام الله تَعَالَى على الْحَقِيقَة على قلب مُحَمَّد ﷺ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك لتَكون من الْمُنْذرين﴾ ثمَّ نقُول أَن قَوْلنَا الْقُرْآن وَقَوْلنَا كَلَام الله لفظ مُشْتَرك يعبر بِهِ عَن خَمْسَة أَشْيَاء فنسمي الصَّوْت المسموع الملفوظ بِهِ قُرْآنًا ونقول أَنه كَلَام الله تَعَالَى على الْحَقِيقَة وبرهان ذَلِك هُوَ قَول الله ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَقد كَانَ فريق مِنْهُم يسمعُونَ كَلَام الله ثمَّ يحرفونه من بعد مَا عقلوه﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فاقرؤوا مَا تيَسّر من الْقُرْآن﴾ وَأنكر على الْكفَّار وَصدق مؤمني الْجِنّ فِي قَوْلهم ﴿إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا عجبا يهدي إِلَى الرشد﴾ فصح أَن المسموع وَهُوَ الصَّوْت الملفوظ بِهِ هُوَ الْقُرْآن حَقِيقَة وَهُوَ كَلَام الله تَعَالَى حَقِيقَة من خَالف هَذَا فقد عاند الْقُرْآن وَيُسمى الْمَفْهُوم من ذَلِك الصَّوْت قُرْآنًا وَكَلَام الله على الْحَقِيقَة فَإِذا فسرنا الزَّكَاة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن وَالصَّلَاة وَالْحج وَغير ذَلِك قُلْنَا فِي كل هَذَا كَلَام الله هُوَ الْقُرْآن ونسمي الْمُصحف كُله قُرْآنًا وَكَلَام الله وبرهاننا على ذَلِك قَول الله ﴿إِنَّه لقرآن كريم فِي كتابٍ مَكْنُون﴾ وَقَول رَسُول الله ﷺ إِذْ نهى أَن يُسَافر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْحَرْب لِئَلَّا يَنَالهُ الْعَدو وَقَوله تَعَالَى ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين منفكين حَتَّى تأتيهم الْبَيِّنَة رَسُول من الله يَتْلُو صحفاً مطهرة فِيهَا كتب قيمَة﴾ وَكتاب الله تَعَالَى هُوَ الْقُرْآن بِإِجْمَاع الْأمة فقد سمى

стр. 307

رَسُول الله ﷺ الْمُصحف قُرْآنًا وَالْقُرْآن كَلَام الله تَعَالَى بِإِجْمَاع الْأمة فالمصحف كَلَام الله تَعَالَى برهاننا على ذَلِك قَول رَسُول الله ﷺ إِذا أَمر بتعاهد الْقُرْآن وَقَالَ ﵇ إِنَّه أَشد تفصياً من صُدُور الرِّجَال من النعم من عقلهَا وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿بل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ فَالَّذِي فِي الصُّدُور هُوَ الْقُرْآن وَهُوَ كَلَام الله على الْحَقِيقَة لَا مجَازًا ونقول كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن آيَة الْكُرْسِيّ أعظم آيَة فِي الْقُرْآن وَأَن أم الْقُرْآن فَاتِحَة الْكتاب لم ينزل فِي الْقُرْآن وَلَا فِي التَّوْرَاة وَلَا فِي الْإِنْجِيل مثلهَا وَأَن ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ تعدل ثلث الْقُرْآن وَقَالَ الله ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ فَإِن قَالُوا إِنَّمَا يتفاضل الْأجر على قِرَاءَة ذَلِك قُلْنَا لَهُم نعم وَلَا شكّ فِي ذَلِك وَلَا يكون التَّفَاضُل فِي شَيْء مِمَّا يكون فِيهِ التَّفَاضُل إِلَّا فِي الصِّفَات الَّتِي هِيَ أَعْرَاض فِي الْمَوْصُوف بهَا وَأما فِي الذوات فَلَا ونقول أَيْضا أَن الْقُرْآن هُوَ كَلَام الله تَعَالَى وَهُوَ علمه وَلَيْسَ شَيْئا غير الْبَارِي تَعَالَى برهَان ذَلِك قَول الله ﴿وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك إِلَى أجل مُسَمّى لقضي بَينهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وتمت كلمة رَبك صدقا وعدلاً لَا مبدل لكلماته﴾ وباليقين يدْرِي كل ذِي فهم أَنه تَعَالَى إِنَّمَا عني سَابق علمه الَّذِي سلف بِمَا ينفذهُ ويقضيه قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ خَمْسَة معَان يعبر عَن كل معنى مِنْهَا بِأَنَّهُ قُرْآن وَأَنه كَلَام الله ويخبر عَن كل وَاحِد مِنْهَا إِخْبَارًا صَحِيحا بِأَنَّهُ الْقُرْآن وَأَنه كَلَام الله تَعَالَى بِنَصّ الْقُرْآن وَالسّنة للَّذين أجمع عَلَيْهِمَا جَمِيع الْأمة وَأما الصَّوْت فَهُوَ هَوَاء مندفع من الْحلق والصدر والحك وَاللِّسَان والأسنان والشفتين إِلَى آذان السامعين وَهُوَ حُرُوف الهجاء والهواء وحروف الهجاء والهواء كل ذَلِك مَخْلُوق بِلَا خلاف قَالَ الله ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ وَاللِّسَان الْعَرَبِيّ ولسان كل قوم هِيَ لغتهم وَاللِّسَان واللغات كل ذَلِك مَخْلُوق بِلَا شكّ والمعاني الْمعبر عَنْهَا بالْكلَام الْمُؤلف من الْحُرُوف الْمُؤَلّفَة إِنَّمَا هِيَ الله تَعَالَى وَالْمَلَائِكَة والنبيون وسموات وأرضون وَمَا فيهمَا من الْأَشْيَاء وَصَلَاة وَزَكَاة وَذكر أُمَم خَالِيَة وَالْجنَّة وَالنَّار وَسَائِر الطَّاعَات وَسَائِر أَعمال الدّين وكل ذَلِك مَخْلُوق حاشا لله وَحده لَا شريك لَهُ خَالق كل مَا دونه وَأما الْمُصحف فَإِنَّمَا هُوَ ورق من جُلُود الْحَيَوَان ومركب مِنْهَا من مداد مؤلف من صمغ وزاج وعفص وَمَاء وكل ذَلِك مَخْلُوق وَكَذَلِكَ حَرَكَة الْيَد فِي حطه وحركة اللِّسَان فِي قِرَاءَته واستقرار كل ذَلِك فِي النُّفُوس هَذِه كلهَا أَعْرَاض مخلوقة وَكَذَلِكَ عِيسَى ﵇ هُوَ كلمة لله وَهُوَ مَخْلُوق بِلَا شكّ قَالَ الله تَعَالَى ﴿بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمه الْمَسِيح﴾ وَأما علم الله تَعَالَى فَلم يزل وَهُوَ كَلَام الله تَعَالَى وَهُوَ الْقُرْآن وَهُوَ غير مَخْلُوق لَيْسَ هُوَ غير الله تَعَالَى أصلا وَمن قَالَ أَن شَيْئا غير الله تَعَالَى لم يزل مَعَ الله فقد جعل لله شَرِيكا ونقول أَن لله كلَاما حَقِيقَة وَأَنه تَعَالَى كلم مُوسَى وَمن كلم من الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة ﵈ تكليماً حَقِيقَة لَا مجَازًا وَلَا يجوز أَن يُقَال الْبَتَّةَ أَن الله تَعَالَى مُتَكَلم لِأَنَّهُ لم يسم بذلك نَفسه وَمن قَالَ أَن الله تَعَالَى مُكَلم مُوسَى لم يُنكره لِأَنَّهُ يخبر عَن فعله تَعَالَى الَّذِي لم يكن ثمَّ كَانَ وَلَا يحل لأحد أَن يَقُول إِنَّمَا قُلْنَا إِن لله تَعَالَى كلَاما لنفي الخرس عَنهُ لما ذكرنَا قبل من أَنه إِن كَانَ يَعْنِي الخرس الْمَعْهُود فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِي إِلَّا بالْكلَام الْمَعْهُود الَّذِي هُوَ حَرَكَة اللِّسَان والشفتين وَإِن كَانَ إِنَّمَا يَنْفِي خرساً غير مَعْهُود فَهَذَا لَا يعقل أصلا وَلَا يفهم

стр. 308

وَأَيْضًا فَيلْزمهُ أَن يُسَمِّيه تَعَالَى شماماً لنفي الخشم عَنهُ ومتحركاً لنفي الخدر وَهَذَا كُله إلحاد فِي أَسْمَائِهِ لَكِن لما قَالَ الله تَعَالَى أَن لَهُ كلا مَا قُلْنَاهُ وأقررنا بِهِ وَلَو لم يقلهُ لم يحل لأحد أَن بقوله وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلما كَانَ اسْم الْقُرْآن يَقع على خَمْسَة أَشْيَاء وقوعاً مستوياً صَحِيحا مِنْهَا أَرْبَعَة مخلوقة وَوَاحِد غير مَخْلُوق لم يجز الْبَتَّةَ لأحد أَن يَقُول إِن الْقُرْآن مَخْلُوق وَلَا أَن يُقَال إِن كَلَام الله مَخْلُوق لِأَن قَائِل هَذَا كَاذِب إِذْ أوقع صفة الْخلق على مَا لَا يَقع عَلَيْهِ مِمَّا يَقع عَلَيْهِ اسْم قُرْآن وَاسم كَلَام الله وَوَجَب ضَرُورَة أَن يُقَال أَن الْقُرْآن لَا خَالق لَهُ وَلَا مَخْلُوق وَأَن كَلَام الله تَعَالَى لَا خَالق وَلَا مَخْلُوق لِأَن الْأَرْبَعَة المسميات مِنْهُ لَيست خالقة وَلَا يجوز أَن نطلق على الْقُرْآن وَلَا على كَلَام الله تَعَالَى اسْم خَالق وَلِأَن الْمَعْنى الْخَامِس غير مَخْلُوق وَلَا يجوز أَن تُوضَع صفة الْبَعْض على الْكل الَّذِي لَا تعمه تِلْكَ الصّفة بل وَاجِب أَن يُطلق نفي تِلْكَ الصّفة الَّتِي للْبَعْض على الْكل وكذاك لَو قَالَ قَائِل أَن الْأَشْيَاء كلهَا مخلوقة أَو قَالَ للحق مَخْلُوق أَو قَالَ كل مَوْجُود مَخْلُوق لقَالَ الْبَاطِل لِأَن الله تَعَالَى شَيْء مَوْجُود حق لَيْسَ مخلوقاً لَكِن إِذا قَالَ الله تَعَالَى خَالق كل شَيْء جَازَ ذَلِك لِأَنَّهُ قد أخرج بِذكر الله تَعَالَى أَن الْمَخْلُوق فِي كَلَامه الأشكال وَمِثَال ذَلِك فِيمَا بَيْننَا أَن ثيابًا خَمْسَة الْأَرْبَعَة مِنْهَا حمر وَالْخَامِس غير أَحْمَر لَكَانَ من قَالَ هَذِه الثِّيَاب حمر كَاذِبًا ولكان من قَالَ هَذِه الثِّيَاب لَيست حمراً صَادِقا وَكَذَلِكَ من قَالَ الْإِنْسَان طَبِيب يَعْنِي كل إِنْسَان لَكَانَ كَاذِبًا وَلَو قَالَ لَيْسَ الْإِنْسَان طَبِيبا يَعْنِي كل إِنْسَان لَكَانَ صَادِقا وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يُطلق أَن الْحق مَخْلُوق وَلَا أَن الْعلم مَخْلُوق لِأَن اسْم الْحق يَقع على الله تَعَالَى وعَلى كل مَوْجُود وَاسم الْعلم يَقع على كل علم وعَلى علم الله وَهُوَ غير مَخْلُوق لَكِن يُقَال الْحق غير مَخْلُوق وَالْعلم غير مَخْلُوق هَكَذَا جملَة وَإِذا بَين فَقيل كل حق دون الله تَعَالَى فَهُوَ مَخْلُوق وكل علم دون الله تَعَالَى فَهُوَ مَخْلُوق فَهُوَ كَلَام صَحِيح وَهَكَذَا أَلا يجوز أَن يُقَال أَن كَلَام الله مَخْلُوق وَلَا أَن الْقُرْآن مَخْلُوق وَلَكِن يُقَال علم الله غير مَخْلُوق وَكَلَام الله غير مَخْلُوق وَالْقُرْآن غير مَخْلُوق وَلَو أَن قَائِلا قَالَ إِن الله مَخْلُوق وَهُوَ يَعْنِي صَوته المسموع أَو الْألف وَاللَّام وَالْهَاء أَو الحبر الَّذِي كتبت هَذِه الْكَلِمَة بِهِ لَكَانَ فِي ظَاهر قَوْله عِنْد جَمِيع الْأمة كَافِرًا مَا لم يبين فَيَقُول صوتي أَو هَذَا الْخط مَخْلُوق قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ حَقِيقَة الْبَيَان فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الَّذِي لم نتعهد فِيهِ مَا قَالَه الله وَرَسُوله ﷺ وأجمعت الْأمة كلهَا على جملَته وأوجبته الضَّرُورَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِن سَأَلَ سَائل عَن اللَّفْظ بِالْقُرْآنِ قُلْنَا لَهُ سؤالك هَذَا يَقْتَضِي أَن اللَّفْظ المسموع هُوَ غير الْقُرْآن وَهَذَا بَاطِل بل اللَّفْظ المسموع هُوَ الْقُرْآن نَفسه وَهُوَ كَلَام الله نَفسه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ وَكَلَام الله تَعَالَى غير مَخْلُوق لما ذكرنَا وَأما من أفرد السُّؤَال عَن الصَّوْت وحروف الهجا والحبر فَكل ذَلِك مَخْلُوق بِلَا شكّ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونقول أَن الله تَعَالَى قد قَالَ مَا أخبرنَا أَنه قَالَه وَأَنه تَعَالَى لم يقل بعد مَا أخبرنَا أَنه سَيَقُولُ فِي المستأنف وَلَكِن سيقوله وَمن تعدى هَذَا فقد كذب الله جهلا وَأما من قَالَ أَن الله تَعَالَى لم يزل قَائِلا كن لكل مَا كَونه أَو يُرِيد تكوينه فَإِن هَذَا قَول فَاحش مُوجب أَن الْعَالم لم يزل لِأَن الله تَعَالَى أخبرنَا أَنه تَعَالَى ﴿إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾

стр. 309

فصح أَن كل مكون فَهُوَ كَائِن إِثْر قَول الله تَعَالَى لَهُ كن بِلَا مهلة فَلَو كَانَ الله تَعَالَى لم يزل قَائِلا كن لَكَانَ كل مكون لم يزل وَهَذَا قَول من قَالَ إِن الْعَالم لم يزل وَله مُدبر خَالق لم يزل وَهَكَذَا كفر مُجَرّد نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَقَول الله تَعَالَى هُوَ غير تكليمه لِأَن تكليم الله تَعَالَى من كلم فَضِيلَة عَظِيمَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَالَ الله تَعَالَى ﴿مِنْهُم من كلم الله﴾ وَأما قَوْله فقد يكون سخطاً قَالَ تَعَالَى أَنه قَالَ لأهل النَّار ﴿اخسؤوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون﴾ وَقَالَ لإبليس ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ قَالَ اخْرُج مِنْهَا وَلَا يجوز أَن يُقَال إِبْلِيس كليم الله وَلَا أَن أهل النَّار كلماء الله فَقَوْل الله مُحدث بِالنَّصِّ وبرهان ذَلِك أَيْضا قَول الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَإِيمَانهمْ ثمنا قَلِيلا أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم فِي الْآخِرَة وَلَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى أَنه قَالَ لَهُم ﴿اخسؤوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون﴾ وَقَالَ تَعَالَى أَنهم قَالُوا ﴿رَبنَا هَؤُلَاءِ أضلونا فآتهم عذَابا ضعفا من النَّار قَالَ لكل ضعف وَلَكِن لَا تعلمُونَ﴾ فنص تَعَالَى على أَنه لَا يكلمهم وَأَنه يَقُول لَهُم فَثَبت يَقِينا أَن قَول الله تَعَالَى هُوَ غير كَلَامه وَغير تكليمه لَكِن يَقُول كل كَلَام وتكليم فهما قَول وَلَيْسَ كل قَول مِنْهُ تَعَالَى كلَاما وَلَا تكليماً بِنَصّ الْقُرْآن ثمَّ نقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الله تَعَالَى أخبرنَا أَنه كلم مُوسَى وكلم الْمَلَائِكَة ﵈ وَثَبت يَقِينا أَنه كلم مُحَمَّد ﷺ لَيْلَة الْإِسْرَاء وَقَالَ تَعَالَى ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض مِنْهُم من كلم الله﴾ فَخص تَعَالَى بتكليمه بَعضهم دون بعض كَمَا ترى وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا فيوحى بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ فَفِي هَذِه الْآيَات وَالْحَمْد لله أكبر نَص على تَصْحِيح كل مَا قُلْنَاهُ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَمَا توفيقنا إِلَّا بِاللَّه وَأخْبرنَا تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة أَنه لَا يتَكَلَّم بشر إِلَّا بِأحد هَذِه الْوُجُوه الثَّلَاثَة فَقَط فَنَظَرْنَا فِيهَا فوجدناه تَعَالَى قد سمى مَا تَأْتِينَا بِهِ الرُّسُل ﵈ تكليماً انْتقل مِنْهُ للبشر فصح بذلك أَن الَّذِي أتتنا بِهِ رسله ﵈ هُوَ كَلَام الله وَأَنه تَعَالَى قد كلمنا بوحيه الَّذِي أتتنا بِهِ رسله ﵈ وأننا قد سمعنَا كَلَام الله الَّذِي هُوَ الْقُرْآن الموحى إِلَى النَّبِي بِلَا شكّ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ووجدناه تَعَالَى قد سمى وحيه إِلَى أنبيائه ﵈ تكليماً لَهُم ووجدناه قد ذكر وَجها ثَالِثا وَهُوَ التكليم الَّذِي يكون من وَرَاء حجاب وَهُوَ الَّذِي فضل بِهِ بعض النَّبِيين على بعض وَهُوَ الَّذِي يُطلق عَلَيْهِ تكليم الله دون صلَة كَمَا كلم مُوسَى ﵇ ﴿من شاطئ الْوَادي الْأَيْمن فِي الْبقْعَة الْمُبَارَكَة من الشَّجَرَة﴾ وَأما القسمان الْأَوَّلَانِ فَإِنَّمَا يُطلق عَلَيْهِمَا تكليم الله بصلَة لَا مُجَردا فَنَقُول كلم الله جَمِيع الْأَنْبِيَاء بِالْوَحْي إِلَيْهِم ونقول فِي الْقسم الثَّانِي كلمنا الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن على لِسَان نبيه ﵇ بوحيه إِلَيْهِ ونقول قَالَ لنا الله ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ ونقول أخبرنَا الله تَعَالَى عَن مُوسَى وَعَن الْجنَّة وَالنَّار فِي الْقُرْآن وَفِيمَا أوحى الله إِلَى رَسُوله ﷺ وَلَو قَالَ قَائِل حَدثنَا الله تَعَالَى عَن الْأُمَم السالفة وَعَن الْجنَّة وَالنَّار فِي الْقُرْآن على لِسَان رَسُوله ﷺ لَكَانَ قولا صَحِيحا لَا مدفع لَهُ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَمن أصدق من الله حَدِيثا﴾ وَكَذَلِكَ

стр. 310

يَقُول قصّ الله علينا أَخْبَار الْأُمَم فِي الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى ﴿نَحن نقص عَلَيْك أحسن الْقَصَص بِمَا أَوْحَينَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن﴾ ونقول سمعنَا كَلَام الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن على التَّحْقِيق لَا مجَازًا وَفضل علينا الْمَلَائِكَة والأنبياء ﵈ فِي هَذَا بِالْوَجْهِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ تكليمهم بِالْوَحْي إِلَيْهِم فِي النّوم واليقظة دون وسيطة وبتوسط الْملك أَيْضا وَفضل جَمِيع الْمَلَائِكَة وَبَعض الرُّسُل على جَمِيعهم ﵈ بِالْوَجْهِ الثَّالِث الَّذِي هُوَ تكليم فِي الْيَقَظَة من وَرَاء حجاب دون وسيطة ملك لَكِن بِكَلَام مسموع بالآذان مَعْلُوم بِالْقَلْبِ زَائِد على الْوَحْي الَّذِي هُوَ مَعْلُوم بِالْقَلْبِ فَقَط أَو مسموع من الْملك عَن الله تَعَالَى وَهَذَا هُوَ الْوَجْه الَّذِي خص بِهِ مُوسَى ﵇ من الشَّجَرَة وَمُحَمّد ﷺ لَيْلَة الْإِسْرَاء من المستوى الَّذِي سمع فِيهِ صريف الإفلام وَسَائِر من كلم الله تَعَالَى كَذَلِك من النَّبِيين وَالْمَلَائِكَة ﵈ قَالَ تَعَالَى ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض مِنْهُم من كلم الله وَرفع بَعضهم دَرَجَات﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل﴾ وَلَا يجوز أَن يكون شَيْء من هَذَا بِصَوْت أصلا لِأَنَّهُ كَانَ يكون حِينَئِذٍ يُفِيد بوسيطة مُكَلم غير الله تَعَالَى وَكَانَ ذَلِك الصَّوْت بِمَنْزِلَة الرَّعْد الْحَادِث فِي الجو والقرع الْحَادِث فِي الْأَجْسَام وَالْوَحي أَعلَى من هَذِه منزلَة والتكليم من وَرَاء حجاب أَعلَى من سَائِر الْوَحْي بِنَصّ الْقُرْآن لِأَن الله تَعَالَى سمى ذَلِك تَفْضِيلًا كَمَا تلونا وكل مَا ذكرنَا وَأَن كَانَ يُسمى تكليماً فالتكليم الْمُطلق أَعلَى فِي الْفَضِيلَة من التكليم الْموصل كَمَا أَن كل روح فَهُوَ روح الله تَعَالَى على الْملك لَكِن إِذا قُلْنَا روح الله على الْإِطْلَاق يَعْنِي بذلك جِبْرِيل أَو عِيسَى ﵈ كَانَ ذَلِك فَضِيلَة عَظِيمَة لَهما قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِذا قَرَأنَا الْقُرْآن قُلْنَا كلامنا هَذَا هُوَ كَلَام الله تَعَالَى حَقِيقَة لَا مجَازًا وَلَا يحل حِينَئِذٍ لأحد أَن يَقُول لَيْسَ كَلَامي هَذَا كَلَام الله تَعَالَى وَقد أنكر الله هَذَا على من قَالَه إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿سَأُرْهِقُهُ صعُودًا أَنه فكر وَقدر فَقتل كَيفَ قدر﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَالَ إِن هَذَا إِلَّا سحر يُؤثر أَن هَذَا إِلَّا قَول الْبشر سأصليه سقر﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَكَذَلِكَ يَقُول أَحَدنَا ديني دين مُحَمَّد ﷺ وَإِذا عمل عملا أوجبته سنة قَالَ عَمَلي هَذَا عمل رَسُول الله ﷺ وَلَا يحل لأحد من الْمُسلمين أَن يَقُول ديني غير دين رَسُول الله ﷺ وَلَو قَالَ ذَلِك لوَجَبَ قَتله بِالرّدَّةِ وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَن يَقُول إِذا عمل عملا جَاءَت بِهِ السّنة عَن رَسُول الله ﷺ هَذَا غير عمل رَسُول الله ﷺ وَلَو قَالَه لأدب ولكان كَاذِبًا وَكَذَلِكَ يَقُول أَحَدنَا ديني هُوَ دين الله يُرِيد الَّذِي أَمر بِهِ وَلَو قَالَ ديني غير دين الله لوَجَبَ قَتله بِالرّدَّةِ وَكَذَلِكَ يَقُول إِذا حدث أَحَدنَا حَدِيثا عَن رَسُول الله ﷺ صَحِيحا كَلَام هَذَا هُوَ نفس كَلَام رَسُول الله ﷺ وَلَو قَالَ إِن كَلَامي هَذَا هُوَ غير كَلَام رَسُول الله ﷺ لَكَانَ كَاذِبًا وَهَذِه أَسمَاء وأوجبتها مِلَّة الله وَأجْمع عَلَيْهَا أهل الْإِسْلَام وَلم يخف علينا وَلَا على من سلف من الْمُسلمين أَن حَرَكَة لِسَان رَسُول الله ﷺ غير حَرَكَة ألسنتنا وَكَذَلِكَ حَرَكَة أجسامنا فِي الْعَمَل وَكَذَلِكَ مَا تُوصَف بِهِ النُّفُوس من الْعلم وَلَكِن التَّسْمِيَة فِي الشَّرِيعَة لَيست إِلَيْنَا إِنَّمَا هِيَ لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ فَمن خَالف هَذَا كَانَ كمن قَالَ فِرْعَوْن وَأَبُو جهل

стр. 311

مُؤْمِنَانِ ومُوسَى وَمُحَمّد كَافِرَانِ فَإِذا قيل لَهُ فِي ذَلِك قَالَ أَو لَيْسَ أَبُو جهل وَفرْعَوْن مُؤمنين بالْكفْر وَمُحَمّد ومُوسَى كَافِرَانِ بالطاغوت فَهَذَا وَإِن كَانَ لكَلَامه مخرج فَهُوَ عِنْد أهل الْإِسْلَام كَافِر لتعديه مَا أوجبته الشَّرِيعَة من التَّسْمِيَة وَقد شهِدت الْعُقُول بِوُجُوب الْوُقُوف عِنْد مَا أوجبه الله تَعَالَى فِي دينه فَمن عد عَن ذَلِك وَزعم أَنه اتبع دَلِيل عقله فِي خلاف ذَلِك فَليعلم أَنه فَارق قَضِيَّة الْعقل الصادقة الْمُوجبَة للوقوف عِنْد حكم الشَّرِيعَة وَخَالف الْمُؤمنِينَ وَاتبع غير سبيلهم قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيراً﴾ نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَالَ بَعضهم فَإِذا سمعنَا نَحن كَلَام الله تَعَالَى وسَمعه مُوسَى ﵇ فَأَي فرق بَينه وبيننا قُلْنَا أعظم الْفرق وَهُوَ أَن مُوسَى وَالْمَلَائِكَة ﵈ سمعُوا الله تَعَالَى يكلمهم وَنحن سمعنَا كَلَام الله تَعَالَى من غَيره وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ لإبن مَسْعُود إِذْ أمره أَن يقْرَأ عَلَيْهِ الْقُرْآن فَقَالَ لَهُ ابْن مَسْعُود يَا رَسُول الله اقْرَأ عَلَيْك وَعَلَيْك أنزل قَالَ إِنِّي أحب أَن أسمعهُ من غَيْرِي فصح يَقِينا أَن الْقُرْآن الَّذِي أنزلهُ الله تَعَالَى نَفسه فَسَمعهُ من غَيره وَقَالُوا فَكَلَام الله تَعَالَى إِذا يحل فِينَا قُلْنَا هَذَا تهويل بَارِد وَنعم إِذا سمى الله تَعَالَى كلامنا إِذا قَرَأنَا كلَاما لَهُ تَعَالَى فَنحْن نقُول بذلك ونقول أَن كَلَام الله فِي صدورنا وجار على ألسنتنا ومستقر فِي مَصَاحِفنَا ونبرأ مِمَّن أنكر ذَلِك بقوله الْفَاسِد الْمخْرج لَهُ عَن الْإِسْلَام ونعوذ بِاللَّه من الخذلان الْكَلَام فِي إعجاز الْقُرْآن قَالَ أَبُو مُحَمَّد قد ذكرنَا قيام الْبُرْهَان عَن أَن الْقُرْآن معجز قد أعجز الله عَن مثله نظمه جَمِيع الْعَرَب وَغَيرهم من الْإِنْس وَالْجِنّ بتعجيز رَسُول الله ﷺ كل من ذكرنَا عَن أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ وتبكيتهم بذلك فِي محافلهم وَهَذَا أَمر لَا يُنكره أحد مُؤمن وَلَا كَافِر وَأجْمع الْمُسلمُونَ على ذَلِك ثمَّ اخْتلف أهل الْكَلَام فِي خَمْسَة أنحاء من هَذِه المسالة فالنحو الأول قَول رُوِيَ عَن الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ أَن المعجز الَّذِي تحدى النَّاس بالمجيء بِمثلِهِ هُوَ الَّذِي لم يزل مَعَ الله تَعَالَى وَلم يُفَارِقهُ قطّ وَلَا نزل إِلَيْنَا وَلَا سمعناه وَهَذَا كَلَام فِي غَايَة النُّقْصَان والبطلان إِذا من الْمحَال أَن يُكَلف أحد أَن يَجِيء بِمثل لما لم يعرفهُ قطّ وَلَا سَمعه وَأَيْضًا فَيلْزمهُ وَلَا بديل هُوَ نفس قَوْله أَنه إِذا لم يكن المعجز إِلَّا ذَلِك فَإِن المسموع المتلو عندنَا لَيْسَ معجزاً بل مَقْدُورًا على مثله وَهَذَا كفر مُجَرّد لَا خلاف فِيهِ لأحد فَإِنَّهُ خلاف لِلْقُرْآنِ لِأَن الله تَعَالَى ألزمهم بِسُورَة أَو عشر سور مِنْهُ وَذَلِكَ الْكَلَام الَّذِي هُوَ عِنْد الْأَشْعَرِيّ هُوَ المعجز لَيْسَ لَهُ سوراً وَلَا كثيرا بل هُوَ وَاحِد فَسقط هَذَا القَوْل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَله قَول كَقَوْل جَمِيع الْمُسلمين إِن هَذَا المتلو هُوَ المعجز والنحو الثَّانِي هَل الإعجاز متماد أم قد ارْتَفع بِتمَام قيام الْحجَّة بِهِ فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ فَقَالَ بعض أهل الْكَلَام أَن الْحجَّة قد قَامَت بعجز جَمِيع الْعَرَب عَن معارضته وَلَو عورض الْآن لم تبطل بذلك الْحجَّة الَّتِي قد صحت كَمَا أَن عصى مُوسَى إِذْ قَامَت حجَّته بانقلابها حَيَّة لم يضرّهُ وَلَا أسقط حجَّته عودهَا عَصا كَمَا كَانَت وَكَذَلِكَ خُرُوج يَده بَيْضَاء من جيبه ثمَّ عودهَا كَمَا كَانَت وَكَذَلِكَ سَائِر الْآيَات وَقَالَ جُمْهُور أهل الْإِسْلَام أَن الإعجاز بَاقٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالْآيَة بذلك بَاقِيَة أبدا كَمَا كَانَت قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي لَا يحل القَوْل بِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ نَص قَول الله تَعَالَى إِذْ

стр. 312

يَقُول ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيراً﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذَا نَص جرى على أَنه لَا يأْتونَ بِمثلِهِ بِلَفْظ الِاسْتِقْبَال فصح يَقِينا أَن ذَلِك على التأييد وَفِي المستأنف أبدا وَمن ادّعى أَن المُرَاد بذلك الْمَاضِي فقد كذب لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن تحال اللُّغَة فينقل لفظ الْمُسْتَقْبل إِلَى معنى الْمَاضِي إِلَّا بِنَصّ أخر جلي وَارِد بذلك أَو بِإِجْمَاع مُتَيَقن أَن المُرَاد بِهِ غير ظَاهره أَو ضَرُورَة وَلَا سَبِيل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى شَيْء من هَذِه الْوُجُوه وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا﴾ عُمُوم لكل إنس وجن أبدا لَا يجوز تَخْصِيص شَيْء من ذَلِك أصلا بِغَيْر ضَرُورَة وَلَا إِجْمَاع قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن قَالَ بِالْوَقْفِ وَأَنه لَيْسَ للْعُمُوم صِيغَة وَلَا للظَّاهِر فَلَا حجَّة هَا هُنَا تقوم لَهُ على الطَّائِفَة الْمَذْكُورَة فصح أَن إعجاز الْقُرْآن بَاقٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين والنحو الثَّالِث مَا المعجز مِنْهُ أنظمه أم مَا فِي نَصه من الْإِنْذَار بالغيوب فَقَالَ بعض أهل الْكَلَام أَن نظمه لَيْسَ معجزاً وَإِنَّمَا إعجازه مَا فِيهِ من الْأَخْبَار بالغيوب وَقَالَ سَائِر أهل الْإِسْلَام بل كلا الْأَمريْنِ معجزاً وَإِنَّمَا إعجازه مَا فِيهِ من الْأَخْبَار بالغيوب وَقَالَ سَائِر أهل الْإِسْلَام بل كلا الْأَمريْنِ معجز نظمه وَمَا فِيهِ من الْأَخْبَار بالغيوب وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي مَا خَالفه فَهُوَ ضلال وبرهان ذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ فنص تَعَالَى على أَنهم لَا يأْتونَ بِمثل سُورَة من سوره واكثر سوره لَيْسَ فِيهَا أَخْبَار بِغَيْب فَكَأَن من جعل المعجز الْأَخْبَار الَّذِي فِيهِ بالغيوب مُخَالفا لما نَص الله تَعَالَى على أَنه معجز من الْقُرْآن فَسَقَطت هَذِه الْأَقَاوِيل الْفَاسِدَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين والنحو الرَّابِع مَا وَجه إعجازه فَقَالَت طَائِفَة وَجه إعجازه كَونه فِي أَعلَى مَرَاتِب البلاغة وَقَالَت طوائف إِنَّمَا وَجه إعجازه أَن الله منع الْخلق من الْقُدْرَة على معارضته فَقَط فَأَما الطَّائِفَة الَّتِي قَالَت إِنَّمَا إعجازه لِأَنَّهُ فِي أَعلَى درج البلاغة فَإِنَّهُم شغبوا فِي ذَلِك بِأَن ذكرُوا آيَات مِنْهُ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ وَنَحْو هَذَا وموه بَعضهم بِأَن قَالَ لَو كَانَ كَمَا تَقولُونَ من أَن الله تَعَالَى منع من معارضته فَقَط لوَجَبَ أَن يكون أغث مَا يُمكن أَن يكون من الْكَلَام فَكَانَت تكون الْحجَّة بذلك أبلغ قَالَ أَبُو مُحَمَّد مَا نعلم لَهُم شغباً غير هذَيْن وَكِلَاهُمَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ أما قَوْلهم لَو كَانَ كَمَا قُلْنَا لوَجَبَ أَن يكون أغث مَا يُمكن أَن يكون من الْكَلَام فَكَانَت تكون الْحجَّة أبلغ فَهَذَا هُوَ الْكَلَام الغث حَقًا لوجوه أَحدهَا أَنه قَول بِلَا برهَان لِأَنَّهُ يعكس عَلَيْهِ قَوْله بِنَفسِهِ فَيُقَال لَهُ بل لَو كَانَ إعجازه لكَونه فِي أَعلَى درج البلاغة لَكَانَ لَا حجَّة فِيهِ لِأَن هَذَا يكون فِي كل من كَانَ فِي أَعلَى طبقَة وَأما آيَات الْأَنْبِيَاء فخارجة عَن الْمَعْهُود فَهَذَا أقوى من شغبهم وَثَانِيها أَنه لَا يسْأَل الله تَعَالَى عَمَّا يفعل وَلَا يُقَال لَهُ لم عجزت بِهَذَا النّظم دون غَيره وَلم أرْسلت هَذَا الرَّسُول دون غَيره وَلم قبت عَصا مُوسَى حَيَّة دون أَن تقلبها أسداً وَهَذَا كُله حمق مِمَّن جَاءَ بِهِ لم يُوجِبهُ قطّ عقل وَحسب الْآيَة أَن تكون خَارِجَة عَن الْمَعْهُود فَقَط وَثَالِثهَا أَنهم حِين طردوا سُؤَالهمْ رَبهم بِهَذَا السُّؤَال الْفَاسِد لَزِمَهُم أَن يَقُولُوا هلا كَانَ هَذَا الإعجاز فِي كَلَام بِجمع اللُّغَات فيستوي فِي معرفَة إعجازه الْعَرَب والعجم لِأَن الْعَجم لَا يعْرفُونَ إعجاز الْقُرْآن إِلَّا بأخبار

стр. 313

الْعَرَب فَقَط فَبَطل هَذَا الشغب الغث وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما ذكرهم ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ وَمَا كَانَ نَحْوهَا من الْآيَات فَلَا حجَّة لَهُم فِيهَا وَيُقَال لَهُم إِن كَانَ كَمَا تَقولُونَ ومعاذ الله من ذَلِك فَإِنَّمَا المعجز مِنْهُ على قَوْلكُم هَذِه الْآيَات خَاصَّة وَأما سائره فَلَا وَهَذَا كفر لَا يَقُوله مُسلم فَإِن قَالُوا جَمِيع الْقُرْآن مثل هَذَا الْآيَات فِي الإعجاز قيل لَهُم فَلم خصصتم بِالذكر هَذِه الْآيَات دون غَيرهَا إِذا وَهل هَذَا مِنْكُم إِلَّا إِيهَام لأهل الْجَهْل أَن من الْقُرْآن معجزاً وَغير معجز ثمَّ نقُول لَهُم قَول الله تَعَالَى ﴿وأوحينا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَعِيسَى وَأَيوب وَيُونُس وَهَارُون وَسليمَان وآتينا دَاوُد زبورا﴾ أمعجزا هُوَ على شروطكم فِي كَونه فِي أَعلَى درج البلاغة أم لَيْسَ معجزاً فَإِن قَالُوا لَيْسَ معجزاً كفرُوا وَإِن قَالُوا أَنه معجز صدقُوا وسئلوا هَل على شروطكم فِي أَعلَى درج البلاغة فَإِن قَالُوا نعم كابروا وَكفوا مؤنتهم لِأَنَّهَا أَسمَاء رجال فَقَط لَيْسَ على شروطهم فِي البلاغة وَأَيْضًا فَلَو كَانَ إعجاز الْقُرْآن لِأَنَّهُ فِي أَعلَى درج البلاغة لَكَانَ بِمَنْزِلَة كَلَام الْحسن وَسَهل بن هَارُون والجاحظ وَشعر أمرئ الْقَيْس ومعاذ الله من هَذَا لِأَن كل مَا يسْبق فِي طبقته لم يُؤمن أَن يَأْتِي من يماثله ضَرُورَة فَلَا بُد لَهُم من هَذِه الخطة أَو من الْمصير إِلَى قَوْلنَا أَن الله تَعَالَى منع من معارضته فَقَط وَأَيْضًا فَلَو كَانَ إعجازه من أَنه فِي أَعلَى درج البلاغة الْمَعْهُودَة لوَجَبَ أَن يكون ذَلِك الْآيَة وَلما هُوَ أقل من آيَة وَهَذَا ينْقض قَوْلهم أَن المعجز مِنْهُ ثَلَاث آيَات لَا أقل فَإِن قَالُوا فَقولُوا أَنْتُم هَل الْقُرْآن مَوْصُوف بِأَنَّهُ فِي أَعلَى درج البلاغة أم لَا قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن كُنْتُم تُرِيدُونَ أَن الله قد بلغ بِهِ مَا أَرَادَ فَنعم هُوَ فِي هَذَا الْمَعْنى فِي الْغَايَة الَّتِي لَا شَيْء أبلغ مِنْهَا وَإِن كُنْتُم تُرِيدُونَ هَل هُوَ فِي أَعلَى درج البلاغة فِي كَلَام المخلوقين فَلَا لِأَنَّهُ لَيْسَ من نوع كَلَام المخلوقين لَا من أَعْلَاهُ وَلَا من أدناه وَلَا من أوسطه وبرهان هَذَا أَن إنْسَانا لَو أَدخل فِي رِسَالَة لَهُ أَو خطْبَة أَو تأليف أَو موعظة حُرُوف الهجاء الْمُقطعَة لَكَانَ خَارِجا عَن البلاغة الْمَعْهُودَة جملَة بِلَا شكّ فصح أَنه لَيْسَ من نوع بلاغة النَّاس أصلا وَأَن الله تَعَالَى منع الْخلق من مثله وكساه الإعجاز وسلبه جَمِيع كَلَام الْخلق برهَان ذَلِك أَن الله حكى عَن قوم من أهل النَّار أَنهم يَقُولُونَ إِذا سئلوا عَن سَبَب دُخُولهمْ النَّار ﴿لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدّين حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين﴾ وَحكى تَعَالَى عَن كَافِر قَالَ ﴿إِن هَذَا إِلَّا سحر يُؤثر أَن هَذَا إِلَّا قَول الْبشر﴾ وَحكى عَن آخَرين أَنهم قَالُوا ﴿لن نؤمن لَك حَتَّى تفجر لنا من الأَرْض ينبوعاً أَو تكون لَك جنَّة من نخيل وعنب فتفجر الْأَنْهَار خلالها تفجيراً أَو تسْقط السَّمَاء كَمَا زعمت علينا كسفاً أَو تَأتي بِاللَّه وَالْمَلَائِكَة قبيلاًً أَو يكون لَك بَيت من زخرف أَو ترقي فِي السَّمَاء وَلنْ نؤمن لرقيك حَتَّى تنزل علينا كتابا نقرؤه﴾ فَكَانَ هَذَا كُله إِذْ قَالَه غير الله غير معجز بِلَا خلاف إِذْ لم يقل أحد من أهل الْإِسْلَام أَن كَلَام غير الله تَعَالَى معجز لَكِن لما قَالَه الله تَعَالَى وَجعله كلَاما لَهُ أصاره معجزاً وَمنع من مماثلته وَهَذَا برهَان كافٍ لَا يحْتَاج إِلَى غَيره وَالْحَمْد لله والنحو الْخَامِس مَا مِقْدَار المعجز مِنْهُ فَقَالَت الأشعرية وَمن وافقهم أَن المعجز إِنَّمَا هُوَ مِقْدَار أقل سُورَة مِنْهُ وَهُوَ إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر فَصَاعِدا وَإِن مَا دون ذَلِك لَيْسَ معجزاً وَاحْتَجُّوا فِي

стр. 314

ذَلِك بقول الله تَعَالَى ﴿قل فَأتوا بِسُورَة مثله﴾ قَالُوا وَلم يتحد تَعَالَى بِأَقَلّ من ذَلِك وَذهب سَائِر أهل الْإِسْلَام إِلَى أَن الْقُرْآن كُله قَلِيله وَكَثِيره معجز وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي لَا يجوز خِلَافه وَلَا حجَّة لَهُم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ لِأَنَّهُ تَعَالَى لم يقل إِن مَا دون السُّورَة لَيْسَ معجزاً بل قد قَالَ تَعَالَى على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن وَلَا يخْتَلف اثْنَان فِي أَن كل شَيْء من الْقُرْآن قُرْآن فَكل شَيْء من الْقُرْآن معجز ثمَّ تعارضهم فِي تحديدهم المعجز بِسُورَة فَصَاعِدا فَنَقُول أخبرونا مَاذَا تعنون بقولكم أَن المعجز مِقْدَار سُورَة أسورة كَامِلَة لَا أقل أم مِقْدَار الْكَوْثَر فِي الْآيَات أم مقدارها فِي الْكَلِمَات أم مقدارها فِي الْحُرُوف وَلَا سَبِيل إِلَى وَجه خَامِس فَإِن قَالُوا المعجز سُورَة تَامَّة لَا أقل لَزِمَهُم أَن سُورَة الْبَقَرَة حاشا آيَة وَاحِدَة أَو كلمة وَاحِدَة من آخرهَا أَو من أَولهَا لَيست معْجزَة وَهَكَذَا كل سُورَة وَهَذَا كفر مُجَرّد لَا خَفَاء بِهِ إِذْ جعلُوا كل سُورَة فِي الْقُرْآن سوى كلمة من أَولهَا أَو من وَسطهَا أَو من آخرهَا لمقدور على مثلهَا وَإِن قَالُوا بل مقدارها من الْآيَات لَزِمَهُم أَن آيَة الدّين لَيست معْجزَة لِأَنَّهَا لَيست ثَلَاث آيَات ولزمهم مَعَ ذَلِك أَن وَالْفَجْر وليال عشر وَالشَّفْع وَالْوتر معجز كآية الْكُرْسِيّ وآيتان إِلَيْهَا لِأَنَّهَا ثَلَاث آيَات وَهَذَا غير قَوْلهم ومكابرة أَيْضا أَن تكون هَذِه الْكَلِمَات معْجزَة حاشا كلمة غير معْجزَة ولزمهم أَيْضا أَن وَالضُّحَى وَالْفَجْر وَالْعصر هَذِه الْكَلِمَات الثَّلَاث فَقَط معجزات لِأَنَّهُنَّ ثَلَاث آيَات فَإِن قَالُوا هن متفرقات غير متصلات لَزِمَهُم إِسْقَاط الإعجاز عَن ألف آيَة مُتَفَرِّقَة وَإِمْكَان الْمَجِيء بِمِثْلِهَا وَمن جعل هَذَا مُمكنا فقد كَابر العيان وَخرج عَن الْإِسْلَام وأبطل الإعجاز عَن الْقُرْآن وَفِي هَذَا كِفَايَة لمن نصح نَفسه ولزمهم أَيْضا أَن ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ لَيْسَ معجزاً وَهَذَا نقض لقَولهم فِي أَنه فِي أَعلَى درج البلاغة وَكَذَلِكَ كل ثَلَاث آيَات غير كلمة وَهَذَا خُرُوج عَن الْإِسْلَام وَعَن الْمَعْقُول وَإِن قَالُوا بل فِي عدد الْكَلِمَات أَو قَالُوا عدد الْحُرُوف لَزِمَهُم شَيْئَانِ مسقطان لقَولهم أَحدهمَا إبِْطَال احتجاجهم بقوله تَعَالَى ﴿بِسُورَة من مثله﴾ لأَنهم جعلُوا معجزاً مَا لَيْسَ سُورَة وَلم يقل تَعَالَى بِمِقْدَار فلاح تمويههم وَالثَّانِي أَن سُورَة الْكَوْثَر عشر كَلِمَات اثْنَان وَأَرْبَعُونَ حرفا وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأوحينا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَعِيسَى وَأَيوب وَيُونُس وَهَارُون وَسليمَان﴾ اثْنَتَا عشرَة كلمة اثْنَان وَسَبْعُونَ حرفا وَإِن اقتصرنا على الْأَسْمَاء فَقَط كَانَت عشرَة كَلِمَات اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ حرفا فَهَذَا أَكثر كَلِمَات وحروفاً من سُورَة الْكَوْثَر فَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا معجزاً عنْدكُمْ وَيكون ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ غير معجز فَإِن قَالُوا إِن هَذَا غير معجز تركُوا قَوْلهم فِي إعجاز مِقْدَار أقل سُورَة فِي عدد الْكَلِمَات وَعدد الْحُرُوف وَإِن قَالُوا بل هُوَ معجز تركُوا قَوْلهم فِي أَنه فِي أَعلَى درج البلاغة ويلزمهم أَيْضا أننا إِن أسقطنا من هَذِه الْأَسْمَاء اسْمَيْنِ وَمن سُورَة الْكَوْثَر كَلِمَات أَن لَا يكون شَيْء من ذَلِك معجزا فَظهر سُقُوط كَلَامهم وتخليطه وفساده وَأَيْضًا فَإِذا كَانَت الْآيَة مِنْهُ أَو الْآيَتَانِ غير معْجزَة وَكَانَت مَقْدُورًا على مثلهَا وَإِذا كَانَ ذَلِك فكله مَقْدُور على مثله وَهَذَا كفر فَإِن قَالُوا إِذا اجْتمعت ثَلَاث آيَات صَارَت غير مَقْدُور عَلَيْهَا قيل لَهُم هَذَا غير قَوْلكُم إِن إعجازه إِنَّمَا هُوَ من طَرِيق البلاغة لِأَن طَرِيق البلاغة فِي الْآيَة كَهُوَ فِي الثَّلَاث وَلَا فرق وَالْحق من هَذَا هُوَ مَا قَالَه الله تَعَالَى

стр. 315

﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ﴾ وَإِن كل كلمة قَائِمَة الْمَعْنى يعلم إِذا تليت أَنَّهَا من الْقُرْآن فَإِنَّهَا معْجزَة لَا يقدر أحد على الْمَجِيء بِمِثْلِهَا أبدا لِأَن الله تَعَالَى حَال بَين النَّاس وَبَين ذَلِك كمن قَالَ إِن آيَة النُّبُوَّة أَن الله تَعَالَى يُطلقنِي على الْمَشْي فِي هَذِه الطَّرِيق الْوَاضِحَة ثمَّ لَا يمشي فِيهَا أحد غَيْرِي أبدا أَو مُدَّة يسميها فَهَذَا أعظم مَا يكون من الْآيَات وَإِن الْكَلِمَة الْمَذْكُورَة أَنَّهَا مَتى ذكرت فِي خبر على أَنَّهَا لَيست قُرْآنًا فَهِيَ غير معْجزَة وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّص وَالَّذِي عجز عَنهُ أهل الأَرْض مذ أربعماية عَام وَأَرْبَعين عَاما وَنحن نجد فِي الْقُرْآن إِدْخَال معنى بَين مَعْنيين لَيْسَ بَينهمَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك لَهُ مَا بَين أَيْدِينَا وَمَا خلفنا وَمَا بَين ذَلِك﴾ وَلَيْسَ هَذَا من بلاغة النَّاس فِي ورد وَلَا فِي صدر وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن كثير وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين الْكَلَام فِي الْقُدْرَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلف النَّاس فِي هَذَا الْبَاب فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن الْإِنْسَان مجبر على أَفعاله وَأَنه لَا استطاعة لَهُ أصلا وَهُوَ قَول جهم بن صَفْوَان وَطَائِفَة من الْأزَارِقَة وَذَهَبت طَائِفَة أُخْرَى إِلَى أَن الْإِنْسَان لَيْسَ مجبراً وأثبتوا لَهُ قُوَّة واستطاعة بهَا يفعل مَا اخْتَار فعله ثمَّ افْتَرَقت هَذِه الطَّائِفَة على فرْقَتَيْن فَقَالَت إِحْدَاهمَا الِاسْتِطَاعَة الَّتِي يكون بهَا الْفِعْل لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل وَلَا يتقدمه الْبَتَّةَ وَهَذَا قَول طوائف من أهل الْكَلَام وَمن وافقهم كالنجار والأشعري وَمُحَمّد بن عِيسَى برعوت الْكَاتِب وَبشر بن غياث المريسي وَأبي عبد الرَّحْمَن العطوي وَجَمَاعَة من المرجئة والخوارج وَهِشَام بن الحكم وَسليمَان بن جرير وأصحابهما وَقَالَت الْأُخْرَى أَن الِاسْتِطَاعَة الَّتِي يكون بهَا الْفِعْل هِيَ قبل الْفِعْل مَوْجُودَة فِي الْإِنْسَان وَهُوَ قَول الْمُعْتَزلَة وَطَوَائِف من المرجئة كمحمد بن شيد ومؤنس بن عمرَان وَصَالح فِيهِ وَالنَّاسِي وَجَمَاعَة من الْخَوَارِج والشيعة ثمَّ افترق هَؤُلَاءِ على فرق فَقَالَت طَائِفَة إِن الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل وَمَعَ الْفِعْل أَيْضا للْفِعْل ولتركه وَهُوَ قَول بشر بن الْمُعْتَمِر الْبَغْدَادِيّ وَضِرَار بن عَمْرو والكوفي وَعبد الله بن غطفان وَمعمر بن عمر والعطار الْبَصْرِيّ وَغَيرهم من الْمُعْتَزلَة وَقَالَ أَبُو الهزيل مُحَمَّد بن الهزيل الْعَبْدي الْبَصْرِيّ العلاف لَا تكون الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل الْبَتَّةَ وَلَا تكون إِلَّا قبله وَلَا بُد وتفنى مَعَ أول وجود الْفِعْل وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن سيار النظام وَعلي الإسواري وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن كيسَان الْأَصَم لَيست الِاسْتِطَاعَة شَيْئا غير نفس المستطيع وَكَذَلِكَ أَيْضا قَالُوا فِي الْعَجز أَنه لَيْسَ شَيْئا غير الْعَاجِز إِلَّا النظام فَإِنَّهُ قَالَ هُوَ آفَة دخلت على المستطيع قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَأَما من قَالَ بالإجبار فَإِنَّهُم احْتَجُّوا فَقَالُوا لما كَانَ الله تَعَالَى فعالاً وَكَانَ لَا يُشبههُ شَيْء من خلقه وَجب أَن لَا يكون أحد فعالاً غَيره وَقَالُوا أَيْضا معى إِضَافَة الْفِعْل إِلَى الْإِنْسَان إِنَّمَا هُوَ كَمَا تَقول مَاتَ زيد وَإِنَّمَا أَمَاتَهُ الله تَعَالَى وَقَامَ الْبناء وَإِنَّمَا أَقَامَهُ الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَخطأ هَذِه الْمقَالة ظَاهر بالحس وَالنَّص وباللغة الَّتِي بهَا خاطبنا الله تَعَالَى وَبهَا نتفاهم فَأَما النَّص فَإِن الله قَالَ فِي غير مَوضِع من الْقُرْآن ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ ﴿لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وهملوا الصَّالِحَات فنص تَعَالَى على أننا نعمل ونفعل ونصنع وَأما الْحس فَإِن بالحواس وبضرورة الْعقل وببديهة علمنَا يَقِينا علما لَا يخالج فِيهِ الشَّك أَن

стр. 316

بَين الصَّحِيح الْجَوَارِح وَبَين من لَا صِحَة بجوارحه فرقا لائحاً لجوارحه لِأَن الصَّحِيح الْجَوَارِح يفعل الْقيام وَالْقعُود وَسَائِر الحركات مُخْتَارًا لَهَا دون مَانع وَالَّذِي لَا صِحَة لجوارحه لَو رام ذَلِك جهده لم يَفْعَله أصلا وَلَا بَيَان أبين من هَذَا الْفرق والمجبر فِي اللُّغَة هُوَ الَّذِي يَقع الْفِعْل مِنْهُ بِخِلَاف اخْتِيَاره وقصده فَأَما من وَقع فعله بِاخْتِيَارِهِ وقصده فَلَا يُسمى فِي اللُّغَة مجبراً وَإِجْمَاع الْأمة كلهَا على لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه مُبْطل قَول الْمُجبرَة وَوَجَب أَن لنا حولا وَقُوَّة وَلَكِن لم يكن لنا ذَلِك إِلَّا بِاللَّه تَعَالَى وَلَو كَانَ مَا ذهب إِلَيْهِ الْجَهْمِية لَكَانَ القَوْل لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه لَا معنى لَهُ وَكَذَلِكَ قَول تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ فنص تَعَالَى على أَن لنا مَشِيئَة إِلَّا أَنَّهَا لَا تكون منا إِلَّا أَن يَشَاء الله كَونهَا وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن عرف عناصر الْأَشْيَاء من الْوَاجِب والممتنع والممكن أَيقَن بِالْفرقِ بَين صَحِيح الْجَوَارِح وَغير صَحِيحا لِأَن الْحَرَكَة الاختيارية بِأول الْحس هِيَ غير الاضطرارية وَإِن الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ من ذِي الْجَوَارِح المؤوفة مُمْتَنع وَهُوَ من ذِي الْجَوَارِح الصَّحِيحَة مُمكن وإننا بِالضَّرُورَةِ نعلم أَن المقعد لَو رام الْقيام جهده لما أمكنه ونقطع يَقِينا أَنه لَا يقوم وَأَن الصَّحِيح الْجَوَارِح لَا نَدْرِي إِذا رَأَيْنَاهُ قَاعِدا أيقوم أم يتكئ أم يتمادى على قعوده وكل ذَلِك مِنْهُ مُمكن وَإِمَّا من طَرِيق اللُّغَة فَإِن الْإِجْبَار وَالْإِكْرَاه والاضطرار وَالْغَلَبَة أَسمَاء مترادفة وَكلهَا وَاقع على معنى وَاحِد لَا يخْتَلف وُقُوع الْفِعْل مِمَّن لَا يؤثره وَلَا يختاره وَلَا يتَوَهَّم مِنْهُ خلَافَة الْبَتَّةَ وَأما من آثر مَا يظْهر مِنْهُ من الحركات والاعتقاد ويختاره ويميل إِلَيْهِ هَوَاهُ فَلَا يَقع عَلَيْهِ اسْم إِجْبَار وَلَا اضطرار لكنه مُخْتَار وَالْفِعْل مِنْهُ مُرَاد متعمد مَقْصُود وَنَحْو هَذِه الْعبارَات عَن هَذَا الْمَعْنى فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة الَّتِي نتفاهم بهَا فَإِن قَالَ قَائِل فَلم أَبَيْتُم هَا هُنَا من إِطْلَاق لَفْظَة الِاضْطِرَار وأطلقتموها فِي المعارف فقلتم أَنَّهَا باضطرار وكل ذَلِك عنْدكُمْ خلق الله تَعَالَى فِي الْإِنْسَان فَالْجَوَاب أَن بَين الْأَمريْنِ فرقا بَينا وَهُوَ أَن الْفَاعِل متوهم مِنْهُ ترك فعله وممكن ذَلِك مِنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِك مَا عرفه يَقِينا ببرهان لِأَنَّهُ لَا يتَوَهَّم الْبَتَّةَ انْصِرَافه عَنهُ وَلَا يُمكنهُ ذَلِك أصلا فصح أَنه مُضْطَر إِلَيْهَا وَأَيْضًا فقد أثنى الله على قوم دَعوه فَقَالُوا ﴿وَلَا تحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ﴾ وَقد علمنَا أَن الطَّاقَة والاستطاعة وَالْقُدْرَة وَالْقُوَّة فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة أَلْفَاظ مترادفة كلهَا وَاقع على معنى وَاحِد وَهَذِه صفة من يُمكن عَنهُ الْفِعْل بِاخْتِيَارِهِ أَو تَركه بِاخْتِيَارِهِ وَلَا شكّ فِي أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين دعوا هَذَا الدُّعَاء قد كلفوا شيا من الطَّاعَات والأعمال وَاجْتنَاب الْمعاصِي فلولا إِن هَا هُنَا أَشْيَاء لَهُم بهَا طَاقَة لَكَانَ هَذَا الدُّعَاء حمقاً لأَنهم كَانُوا يصيرون داعين الله فِي أَن لَا يكلفهم مَا لَا طَاقَة لَهُم بِهِ وهم لَا طَاقَة لَهُم بِشَيْء من الْأَشْيَاء فَيصير دعاؤهم فِي أَن لَا يكلفوا مَا قد كلفوه وَهَذَا محَال من الْكَلَام وَالله تَعَالَى لَا يثني على الْمحَال فصح بِهَذَا إِن هَا هُنَا طَاقَة مَوْجُودَة على الْأَفْعَال وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما احتجاجهم بِأَن الله تَعَالَى لما كَانَ فعالاً وَجب أَن لَا يكون فعال غَيره فخطأ من القَوْل لوجوه أَحدهَا أَن النَّص قد ورد بِأَن للْإنْسَان أفعالاً وأعمالاً قَالَ تَعَالَى ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فَأثْبت

стр. 317

الله لَهُم الْفِعْل وَكَذَلِكَ نقُول إِن الْإِنْسَان يصنع لِأَن النَّص قد جَاءَ بذلك وَلَوْلَا النَّص مَا أطلقنا شَيْئا من هَذَا وَكَذَلِكَ لما قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَفَاكِهَة مِمَّا يتخيرون﴾ علمنَا أَن للْإنْسَان اخْتِيَارا لِأَن أهل الدُّنْيَا وَأهل الْجنَّة سَوَاء فِي أَنه تَعَالَى خَالق أَعمال الْجَمِيع على أَن الله ﵎ قَالَ ﴿وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة﴾ فَعلمنَا أَن الِاخْتِيَار الَّذِي هُوَ فعل الله تَعَالَى وَهُوَ منفي عَن سواهُ هُوَ غير الِاخْتِيَار الَّذِي أَضَافَهُ إِلَى خلقه ووصفهم بِهِ وَوجدنَا هَذَا أَيْضا حسا لِأَن الاخنبار الَّذِي توَحد الله تَعَالَى بِهِ هُوَ أَن يفعل مَا يَشَاء كَيفَ شَاءَ وَإِذا شَاءَ وَلَيْسَت هَذِه صفة شَيْء من خلقه وَأما الِاخْتِيَار الَّذِي أَضَافَهُ الله تَعَالَى إِلَى خلقه فَهُوَ مَا خلق فيهم من الْميل إِلَى شَيْء مَا والإيثار لَهُ على غَيره فَقَط وَهنا غَايَة الْبَيَان وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَمِنْهَا أَن الِاشْتِرَاك فِي الْأَسْمَاء لَا يَقع من أَجله التشابه أَلا ترى انك تَقول الله الْحَيّ وَالْإِنْسَان حَيّ وَالْإِنْسَان حَلِيم كريم عليم وَالله تَعَالَى حَكِيم كريم عليم فَلَيْسَ هَذَا يُوجب اشتباهاً بِلَا خلاف وَإِنَّمَا يَقع الِاشْتِبَاه بِالصِّفَاتِ الْمَوْجُودَة فِي الموصوفين وَالْفرق بَين الْفِعْل الْوَاقِع من الله وَالْفِعْل الْوَاقِع منا هُوَ أَن الله تَعَالَى اخترعه وَجعله جسماً أَو عرضا أَو حَرَكَة أَو سكوناً أَو معرفَة أَو إِرَادَة أَو كَرَاهِيَة وَفعل كل ذَلِك فِينَا بِغَيْر معاناة مِنْهُ وَفعل تَعَالَى لغيره عِلّة وَأما نَحن فَإِنَّمَا كَانَ فعلا لنا لِأَنَّهُ خلقه فِينَا وَخلق اختيارنا لَهُ وأظهره فِينَا مَحْمُولا لِاكْتِسَابِ مَنْفَعَة أَو لدفع مضرَّة وَلم نخترعه نَحن وَأما من قَالَ بالاستطاعة قبل الْفِعْل فعمدة حجتهم أَن قَالُوا لَا يَخْلُو الْكَافِر من أحد أَمريْن إِمَّا أَن يكون مَأْمُورا بِالْإِيمَان أَو لَا يكون مَأْمُورا بِهِ فَإِن قُلْتُمْ أَنه غير مَأْمُور بِالْإِيمَان فَهَذَا كفر مُجَرّد وَخلاف لِلْقُرْآنِ وَالْإِجْمَاع وَإِن قُلْتُمْ هُوَ مَأْمُور بِإِيمَان وَهَكَذَا تَقولُونَ فَلَا يَخْلُو من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون أَمر وَهُوَ يَسْتَطِيع مَا أَمر بِهِ فَهَذَا قَوْلنَا لَا قَوْلكُم أَو يكون أَمر وَهُوَ لَا يَسْتَطِيع مَا أَمر بِهِ فقد نسبتم إِلَى الله تَكْلِيف مَا لَا يُسْتَطَاع ولزمكم أَن تجيزوا تَكْلِيف الْأَعْمَى أَن يرى والمقعد أَن يجْرِي أَو يطلع إِلَى السَّمَاء وَهَذَا كُله جور وظلم والجور وَالظُّلم منفيان عَن الله وَقَالُوا إِذْ لَا يفعل الْمَرْء فعلا إِلَّا بإستطاعة موهوبة من الله وَلَا تَخْلُو تِلْكَ الِاسْتِطَاعَة من أَن يكون الْمَرْء أعطيها وَالْفِعْل مَوْجُود أَو أعطيها وَالْفِعْل غير مَوْجُود فَإِن كَانَ أعطيها وَالْفِعْل مَوْجُود فَلَا حَاجَة بِهِ إِلَيْهَا إِذْ قد وجد الْفِعْل مِنْهُ الَّذِي يحْتَاج إِلَى الِاسْتِطَاعَة ليَكُون ذَلِك الْفِعْل بهَا وَإِن كَانَ أعطيها وَالْفِعْل غير مَوْجُود فَهَذَا قَوْلنَا إِن الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل قَالُوا وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ قَالُوا فَلَو لم تتقدم الِاسْتِطَاعَة الْفِعْل لَكَانَ الْحَج لَا يلْزم أحدا قبل ان يحجّ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ فَلَو كَانَت الِاسْتِطَاعَة للصَّوْم لَا تتقدم الصَّوْم مَا لَزِمت أحدا الْكَفَّارَة بِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وسيحلفون بِاللَّه لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ يهْلكُونَ أنفسهم وَالله يعلم أَنهم لَكَاذِبُونَ﴾ فصح أَن استطاعة الْخُرُوج مَوْجُودَة مَعَ عدم الْخُرُوج وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وَلَهُم أَيْضا فِي خلق الْأَفْعَال اعْتِرَاض نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين

стр. 318

بَاب مَا الِاسْتِطَاعَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِن الْكَلَام على حكم لَفْظَة قبل تَحْقِيق مَعْنَاهَا وَمَعْرِفَة المُرَاد بهَا وَعَن أَي شَيْء يعبر بذكرها طمس للوقوف على حَقِيقَتهَا فَيَنْبَغِي أَولا أَن نوقف على معنى الِاسْتِطَاعَة فَإِذا تكلمنا عَلَيْهِ وقررناه بحول الله تَعَالَى وقوته سهل الإشراف على صَوَاب هَذِه الْأَقْوَال من خطئها بعون الله تَعَالَى وتأييده فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد إِن من قَالَ أَن الِاسْتِطَاعَة هِيَ المستطيع قَول فِي غَايَة الْفساد وَلَو كَانَ لقائله أقل علم باللغة الْعَرَبيَّة ثمَّ بحقائق الْأَسْمَاء والمسميات ثمَّ بماهية الْجَوَاهِر والأعراض لم يقل هَذَا السخف أما اللُّغَة فَإِن الِاسْتِطَاعَة إِنَّمَا هِيَ مصدر اسْتَطَاعَ يَسْتَطِيع استطاعة والمصدر هُوَ فعل الْفَاعِل وَصفته كالضرب الَّذِي هُوَ فعل الضَّارِب والحمرة الَّتِي هِيَ صفة الْأَحْمَر والاحمرار الَّذِي هُوَ صفة المحمر وَمَا أشبه هَذَا وَالصّفة وَالْفِعْل عرضان بِلَا شكّ فِي الْفَاعِل منا وَفِي الْمَوْصُوف والمصادر هِيَ أَحْدَاث المسمين بالأسماء بِإِجْمَاع من أهل كل لِسَان فَإِذا كَانَت الِاسْتِطَاعَة فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نتكلم نَحن وهم إِنَّمَا هِيَ صفة فِي المستطيع فبالضرورة نعلم أَن الصّفة هِيَ غير الْمَوْصُوف لِأَن الصِّفَات تتعاقب عَلَيْهِ فتمضي صفة وَتَأْتِي أُخْرَى فَلَو كَانَت الصّفة هِيَ الْمَوْصُوف لَكَانَ الْمَاضِي من هَذِه الصِّفَات هُوَ الْمَوْصُوف الْبَاقِي وَلَا سَبِيل إِلَى غير هَذَا الْبَتَّةَ فَإذْ لَا شكّ فِي أَن الْمَاضِي هُوَ غير الْبَاقِي فالصفات هِيَ غير الْمَوْصُوف بهَا وَمَا عدا هَذَا فَهُوَ من الْمحَال والتخليط فَإِن قَالُوا أَن الِاسْتِطَاعَة لَيست مصدر إستطاعة وَلَا صفة المستطيع كابروا وَأتوا بلغَة جَدِيدَة غير اللُّغَة الَّذِي نزل بهَا الْقُرْآن وَالَّتِي لَفْظَة الِاسْتِطَاعَة الَّتِي فِيهَا نتنازع إِنَّمَا هِيَ كلمة من تِلْكَ اللُّغَة وَمن أحَال شَيْئا من الْأَلْفَاظ اللُّغَوِيَّة عَن وضوعها فِي اللُّغَة بِغَيْر نَص محيل لَهَا وَلَا بِإِجْمَاع من أهل الشَّرِيعَة فقد فَارق حكم أهل الْعُقُول وَالْحيَاء وَصَارَ فِي نِصَاب من لَا يتَكَلَّم مَعَه وَلَا يعجز أحد أَن يَقُول الصَّلَاة لَيست مَا تعنون بهَا وَإِنَّمَا هِيَ أَمر كَذَا وَالْمَاء هُوَ الْخمر وَفِي هَذَا بطلَان الْحَقَائِق كلهَا وَأَيْضًا فإننا نجد الْمَرْء مستطيعاً ثمَّ نرَاهُ غير مستطيع لخدر عرض فِي أَعْضَائِهِ أَو لتكتيف وَضبط أَو لإغماء وَهُوَ بِعَيْنِه قَائِم لم ينتقص مِنْهُ شَيْء فصح بِالضَّرُورَةِ أَن الَّذِي عدم من الِاسْتِطَاعَة هُوَ غير المستطيع الَّذِي كَانَ وَلم يعْدم هَذَا أَمر يعرف بِالْمُشَاهَدَةِ والحس وَبِهَذَا أيقنا أَن الِاسْتِطَاعَة عرض من الْأَعْرَاض تقبل الأشد والأضعف فَنَقُول استطاعة أَشد من استطاعة واستطاعة أَضْعَف من استطاعة وَأَيْضًا فَأن الِاسْتِطَاعَة لَهَا ضد وَهُوَ الْعَجز والأضداد لَا تكون إِلَّا أعراضاً تقتسم طرفِي الْبعد كالخضرة وَالْبَيَاض وَالْعلم وَالْجهل وَالذكر وَالنِّسْيَان وَمَا أشبه هَذَا وَهَذَا كُله أَمر يعرف بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا يُنكره إِلَّا أعمى الْقلب والحواس ومعاند مكابر للضَّرُورَة والمستطيع جَوْهَر والجوهر لَا ضد لَهُ فصح بِالضَّرُورَةِ إِن الِاسْتِطَاعَة هِيَ غير المستطيع بِلَا شكّ وَأَيْضًا فَلَو كَانَت الِاسْتِطَاعَة هِيَ المستطيع لَكَانَ الْعَجز أَيْضا هُوَ الْعَاجِز وَالْعَاجِز هُوَ المستطيع بالْأَمْس فعلى هَذَا يجب أَن الْعَجز هُوَ المستطيع فَإِن تَمَادَوْا على هَذَا لَزِمَهُم أَن الْعَجز عَن الْأَمر هُوَ الِاسْتِطَاعَة عَلَيْهِ وَهَذَا محَال ظَاهر فَإِن قَالُوا إِن الْعَجز غير المستطيع وَهُوَ آفَة دخلت على المستطيع سئلوا عَن الْفرق الَّذِي من أَجله

стр. 319

قَالُوا أَن الِاسْتِطَاعَة هِيَ المستطيع وَمنعُوا أَن يكون الْعَجز هُوَ الْعَاجِز وَلَا سَبِيل إِلَى وجود فرق فِي ذَلِك وَبِهَذَا نَفسه يبطل قَول من قَالَ أَن الِاسْتِطَاعَة هِيَ بعض المستطيع سَوَاء بِسَوَاء لِأَن الْعرض لَا يكون بَعْضًا للجسم وَأما من قَالَ أَن الِاسْتِطَاعَة كل مَا توصل بِهِ إِلَى الْفِعْل كالإبرة والدلو وَالْحَبل وَمَا أشبه ذَلِك فَقَوْل فَاسد تبطله الْمُشَاهدَة لِأَنَّهُ قد تُوجد هَذِه الْآلَات وتعدم صِحَة الْجَوَارِح لَا يُمكن الْفِعْل فَإِن قَالُوا قد تعدم هَذِه الْآلَات وتوجد صِحَة الْجَوَارِح وَلَا يُمكن الْفِعْل قُلْنَا صَدقْتُمْ وبوجود هَذِه الْآلَات تمّ الْفِعْل إِلَّا أَن لَفْظَة الِاسْتِطَاعَة الَّتِي فِي مَعْنَاهَا نتنازع هِيَ لَفْظَة قد وضعت فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نتفاهم ونعبر عَن مرادنا على عرض فِي المستطيع فَلَيْسَ لأحد أَن يصرف هَذِه اللَّفْظَة عَن موضوعها فِي اللُّغَة بِرَأْيهِ من غير نَص وَلَا إِجْمَاع وَلَو جَازَ هَذَا لبطلت الْحَقَائِق وَلم يَصح تفاهم أبدا وَقد علمنَا يَقِينا أَن لَفْظَة الِاسْتِطَاعَة لم تقع قطّ فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نتفاهم على حَبل وَلَا على مهماز وَلَا على إبرة فَإِن قَالُوا قد صَحَّ عَن أَئِمَّة اللِّسَان كَابْن عَبَّاس وَابْن عمر ﵄ إِن الِاسْتِطَاعَة زَاد وراحلة قيل لَهُم نعم وَقد صَحَّ هَذَا وَلَا خلاف بَين أحد لَهُ فهم باللغة أَنَّهُمَا عنيا بذلك الْقُوَّة على وجود زَاد وراحلة وبرهان ذَلِك أَن الزَّاد والرواحل كثير فِي الْعَالم وَلَيْسَ كَونهمَا عنيا فِي الْعَالم مُوجبا عِنْدهمَا فرض الْحَج على مَا لَا يجدهما فصح ضَرُورَة أَنَّهُمَا عنيا بذلك الْقُوَّة على إِحْضَار زَاد وراحلة وَالْقُوَّة على ذَلِك عرض كَمَا قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَكَذَا القَوْل أَيْضا أَن ذكرُوا قَول الله ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ﴾ لِأَن هَذَا هُوَ نَص قَوْلنَا أَن الْقُوَّة عرض ورباط الْخَيل عرض فَسقط هَذَا القَوْل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإذْ قد سَقَطت هَذِه الْأَقْوَال كلهَا وَصَحَّ أَن الِاسْتِطَاعَة عرض من الْأَعْرَاض فَوَاجِب علينا معرفَة مَا تِلْكَ الْأَعْرَاض فَنَظَرْنَا ذَلِك بعون الله وتأييده فَوَجَدنَا بِالضَّرُورَةِ الْفِعْل لَا يَقع بِاخْتِيَار إِلَّا من صَحِيح الْجَوَارِح الَّتِي يكون بهَا ذَلِك الْفِعْل فصح يَقِينا أَن سَلامَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع استطاعة ثمَّ نَظرنَا سَالم الْجَوَارِح لَا يفعل مُخْتَارًا إِلَّا حَتَّى يستضيف إِلَى ذَلِك إِرَادَة الْفِعْل فَعلمنَا أَن الْإِرَادَة أَيْضا محركة للاستطاعة وَلَا نقُول أَن الْإِرَادَة استطاعة لِأَن كل عَاجز عَن الْحَرَكَة فَهُوَ مُرِيد لَهَا وَهُوَ غير مستطيع وَقد علمنَا ضَرُورَة أَن الْعَاجِز عَن الْفِعْل فَلَيْسَ فِيهِ استطاعة للْفِعْل لِأَنَّهُمَا ضدان والضدان لَا يَجْتَمِعَانِ مَعًا وَلَا يُمكن أَيْضا أَن تكون الْإِرَادَة بعض الِاسْتِطَاعَة لِأَنَّهُ كَانَ يلْزم من ذَلِك أَن فِي تعاجز المريد استطاعة مَا لِأَن بعض الِاسْتِطَاعَة استطاعة وَبَعض الْعَجز عجز ومحال أَن يكون فِي الْعَاجِز عَن الْفِعْل استطاعة لَهُ الْبَتَّةَ فالاستطاعة لَيست عَجزا فَمن اسْتَطَاعَ على شَيْء وَعجز عَن أَكثر مِنْهُ فَفِيهِ استطاعة على مَا يَسْتَطِيع عَلَيْهِ هِيَ غير الِاسْتِطَاعَة الَّتِي فِيهِ على مَا اسْتَطَاعَ عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق ثمَّ نَظرنَا فَوَجَدنَا السَّالِم الْجَوَارِح المريد للْفِعْل قد يَعْتَرِضهُ دون الْفِعْل مَانع لَا يقدر مَعَه على الْفِعْل أصلا فَعلمنَا أَن هَاهُنَا شَيْئا آخر بِهِ تتمّ الإستطاعة وَلَا بُد وَبِه يُوجد الْفِعْل فَعلمنَا ضَرُورَة أَن هَذَا الشَّيْء إِذْ هُوَ تَمام الِاسْتِطَاعَة وَلَا تصح الِاسْتِطَاعَة إِلَّا بِهِ فَهُوَ بِالْيَقِينِ قُوَّة إِذْ الِاسْتِطَاعَة قُوَّة وَأَن ذَلِك الشَّيْء قُوَّة بِلَا شكّ فقد علمنَا أَنه مَا أَتَى بِهِ من عِنْد الله تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى مؤتي القوى إِذْ لَا يُمكن ذَلِك لأحد دونه فصح ضَرُورَة أَن الِاسْتِطَاعَة صِحَة الْجَوَارِح مَعَ ارْتِفَاع الْمَوَانِع

стр. 320

وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ قبل الْفِعْل وَقُوَّة أُخْرَى من عِنْد الله وَهَذَا الْوَجْه مَعَ الْفِعْل باجتماعهما يكون الْفِعْل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَمن الْبُرْهَان على صِحَة هَذَا القَوْل إِجْمَاع الْأمة كلهَا على سُؤال الله تَعَالَى التَّوْفِيق والاستعاذة بِهِ من الخذلان فالقوة الَّتِي ترد من الله تَعَالَى على العَبْد فيفعل بهَا الْخَيْر تسمى بِالْإِجْمَاع تَوْفِيقًا وعصمة وتأييداً وَالْقُوَّة الَّتِي ترد من الله تَعَالَى فيفعل العَبْد بهَا الشَّرّ تسمى بِالْإِجْمَاع خذلاناً وَالْقُوَّة الَّتِي ترد من الله تَعَالَى على العَبْد فيفعل بهَا مَا لَيْسَ طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة تسمى عوناً أَو قُوَّة أَو حولا وَتبين من صِحَة هَذَا صِحَة قَول الْمُسلمين لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالْقُوَّة لَا تكون لأحد الْبَتَّةَ فعل إِلَّا بهَا فصح أَنه لَا حول وَلَا قُوَّة لأحد إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَكَذَلِكَ يُسمى تيسيراً قَالَ رَسُول الله ﷺ كل ميسر لما خلق لَهُ وَقد وَافَقنَا جَمِيع الْمُعْتَزلَة على أَن الِاسْتِطَاعَة فعل الله وَأَنه لَا يفعل أحد خيرا وَلَا شرا إِلَّا بِقُوَّة أعطَاهُ الله تَعَالَى إِيَّاهَا إِلَّا أَنهم قَالُوا يصلح بهَا الْخَيْر وَالشَّر مَعًا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجملة القَوْل فِي هَذَا بِأَن عناصر الْأَخْبَار ثَلَاثَة وَهُوَ مُمْتَنع أَو وَاجِب أَو مُمكن بَينهمَا هَذَا أمرٌ بضرورة الْحس والتمييز فَإِذا الْأَمر كَذَلِك فَإِن عدمت صِحَة الْجَوَارِح كَانَ لَهُ مَانع إِلَى الْفِعْل وَأما الصَّحِيح الْجَوَارِح الْمُرْتَفع الْمَوَانِع فقد يكون مِنْهُ الْفِعْل وَقد لَا يكون فَهَذِهِ هِيَ الِاسْتِطَاعَة الْمَوْجُودَة قبل الْفِعْل برهَان ذَلِك قَول الله حِكَايَة عَن الْقَائِلين ﴿لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ يهْلكُونَ أنفسهم وَالله يعلم أَنهم لَكَاذِبُونَ﴾ فأكذبهم الله فِي إنكارهم استطاعة الْخُرُوج قبل الْخُرُوج وَقَوله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ فَلَو لم تكن هُنَا استطاعة قبل فعل الْمَرْء الْحَج لما لزم الْحَج إِلَّا من حج فَقَط وَلما كَانَ أحد عَاصِيا بترك الْحَج لِأَنَّهُ أَن لم يكن مستطيعاً لِلْحَجِّ حَتَّى يحجّ فَلَا حج عَلَيْهِ وَلَا هُوَ مُخَاطب بِالْحَجِّ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين من قبل أَن يتماسا فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ فَلَو لم يكن على الْمظَاهر الْعَائِد لقَوْله إستطاعة على الصّيام قبل أَن يَصُوم لما كَانَ مُخَاطبا بِوُجُوب الصَّوْم عَلَيْهِ إِذا لم يجد الرَّقَبَة أصلا ولكان حكمه مَعَ عدم الرَّقَبَة وجوب الْإِطْعَام فَقَط وَهَذَا بَاطِل وَقَول رَسُول الله ﷺ لمن بَايعه فَمن لم يسْتَطع فقاعداً فَمن لم يسْتَطع فعلى جنب وَهَذَا إِجْمَاع مُتَيَقن لَا شكّ فِيهِ فَلَو لم يكن النَّاس مستطعين للْقِيَام قبل الْقيام لما كَانَ أحد مَأْمُور بِالصَّلَاةِ قبل أَن يُصليهَا كَذَلِك ولكان مَعْذُورًا أَن صلى قَاعِدا وعَلى جنب بِكُل وَجه لِأَنَّهُ إِذا صلى كَذَلِك لم يكن مستطيعاً للْقِيَام وَهَذَا بَاطِل وَقَوله ﷺ إِذا أَمرتكُم بِشَيْء فأتو بِهِ مَا اسْتَطَعْتُم فَلَو لم يكن هَا هُنَا استطاعة لشَيْء مِمَّا أمرنَا بِهِ أَن نفعله لما لزمنا شَيْء مِمَّا أمرنَا بِهِ مِمَّا لم نفعله وَلَكنَّا غير عصاة بِالتّرْكِ لأننا لم نكلف بِالنَّصِّ إِلَّا مَا استطعنا وَقَوله ﷺ أتستطيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن قَالَ فَلَو لم يكن أحد مستطيعاً للصَّوْم إِلَّا حَتَّى يَصُوم لَكَانَ هَذَا السُّؤَال مِنْهُ ﵇ محالا وحاشا لَهُ من ذَلِك وَمِمَّا يتَبَيَّن صِحَة هَذَا وَأَن المُرَاد فِي كل مَا ذكرنَا صِحَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع قَول الله تَعَالَى ﴿وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خاشعة أَبْصَارهم ترهقهم ذلة وَقد كَانُوا يدعونَ إِلَى السُّجُود وهم سَالِمُونَ﴾ فنص تَعَالَى على أَن فِي عدم السَّلامَة بطلَان الِاسْتِطَاعَة وَأَن وجود السَّلامَة بِخِلَاف ذَلِك فصح ان سَلامَة الْجَوَارِح استطاعة وَإِذا صَحَّ هَذَا فبيقين نَدْرِي أَن سَلامَة الْجَوَارِح يكون بهَا الْفِعْل وضده وَالْعَمَل وَتَركه وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة لِأَن كل هَذَا يكون بِصِحَّة الْجَوَارِح فَإِن قَالَ قَائِل فَإِن
следующие страницы →