← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بَين الصَّحِيح الْجَوَارِح وَبَين من لَا صِحَة بجوارحه فرقا لائحاً لجوارحه لِأَن الصَّحِيح الْجَوَارِح يفعل الْقيام وَالْقعُود وَسَائِر الحركات مُخْتَارًا لَهَا دون مَانع وَالَّذِي لَا صِحَة لجوارحه لَو رام ذَلِك جهده لم يَفْعَله أصلا وَلَا بَيَان أبين من هَذَا الْفرق والمجبر فِي اللُّغَة هُوَ الَّذِي يَقع الْفِعْل مِنْهُ بِخِلَاف اخْتِيَاره وقصده فَأَما من وَقع فعله بِاخْتِيَارِهِ وقصده فَلَا يُسمى فِي اللُّغَة مجبراً وَإِجْمَاع الْأمة كلهَا على لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه مُبْطل قَول الْمُجبرَة وَوَجَب أَن لنا حولا وَقُوَّة وَلَكِن لم يكن لنا ذَلِك إِلَّا بِاللَّه تَعَالَى وَلَو كَانَ مَا ذهب إِلَيْهِ الْجَهْمِية لَكَانَ القَوْل لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه لَا معنى لَهُ وَكَذَلِكَ قَول تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ فنص تَعَالَى على أَن لنا مَشِيئَة إِلَّا أَنَّهَا لَا تكون منا إِلَّا أَن يَشَاء الله كَونهَا وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن عرف عناصر الْأَشْيَاء من الْوَاجِب والممتنع والممكن أَيقَن بِالْفرقِ بَين صَحِيح الْجَوَارِح وَغير صَحِيحا لِأَن الْحَرَكَة الاختيارية بِأول الْحس هِيَ غير الاضطرارية وَإِن الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ من ذِي الْجَوَارِح المؤوفة مُمْتَنع وَهُوَ من ذِي الْجَوَارِح الصَّحِيحَة مُمكن وإننا بِالضَّرُورَةِ نعلم أَن المقعد لَو رام الْقيام جهده لما أمكنه ونقطع يَقِينا أَنه لَا يقوم وَأَن الصَّحِيح الْجَوَارِح لَا نَدْرِي إِذا رَأَيْنَاهُ قَاعِدا أيقوم أم يتكئ أم يتمادى على قعوده وكل ذَلِك مِنْهُ مُمكن وَإِمَّا من طَرِيق اللُّغَة فَإِن الْإِجْبَار وَالْإِكْرَاه والاضطرار وَالْغَلَبَة أَسمَاء مترادفة وَكلهَا وَاقع على معنى وَاحِد لَا يخْتَلف وُقُوع الْفِعْل مِمَّن لَا يؤثره وَلَا يختاره وَلَا يتَوَهَّم مِنْهُ خلَافَة الْبَتَّةَ وَأما من آثر مَا يظْهر مِنْهُ من الحركات والاعتقاد ويختاره ويميل إِلَيْهِ هَوَاهُ فَلَا يَقع عَلَيْهِ اسْم إِجْبَار وَلَا اضطرار لكنه مُخْتَار وَالْفِعْل مِنْهُ مُرَاد متعمد مَقْصُود وَنَحْو هَذِه الْعبارَات عَن هَذَا الْمَعْنى فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة الَّتِي نتفاهم بهَا فَإِن قَالَ قَائِل فَلم أَبَيْتُم هَا هُنَا من إِطْلَاق لَفْظَة الِاضْطِرَار وأطلقتموها فِي المعارف فقلتم أَنَّهَا باضطرار وكل ذَلِك عنْدكُمْ خلق الله تَعَالَى فِي الْإِنْسَان فَالْجَوَاب أَن بَين الْأَمريْنِ فرقا بَينا وَهُوَ أَن الْفَاعِل متوهم مِنْهُ ترك فعله وممكن ذَلِك مِنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِك مَا عرفه يَقِينا ببرهان لِأَنَّهُ لَا يتَوَهَّم الْبَتَّةَ انْصِرَافه عَنهُ وَلَا يُمكنهُ ذَلِك أصلا فصح أَنه مُضْطَر إِلَيْهَا وَأَيْضًا فقد أثنى الله على قوم دَعوه فَقَالُوا ﴿وَلَا تحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ﴾ وَقد علمنَا أَن الطَّاقَة والاستطاعة وَالْقُدْرَة وَالْقُوَّة فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة أَلْفَاظ مترادفة كلهَا وَاقع على معنى وَاحِد وَهَذِه صفة من يُمكن عَنهُ الْفِعْل بِاخْتِيَارِهِ أَو تَركه بِاخْتِيَارِهِ وَلَا شكّ فِي أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين دعوا هَذَا الدُّعَاء قد كلفوا شيا من الطَّاعَات والأعمال وَاجْتنَاب الْمعاصِي فلولا إِن هَا هُنَا أَشْيَاء لَهُم بهَا طَاقَة لَكَانَ هَذَا الدُّعَاء حمقاً لأَنهم كَانُوا يصيرون داعين الله فِي أَن لَا يكلفهم مَا لَا طَاقَة لَهُم بِهِ وهم لَا طَاقَة لَهُم بِشَيْء من الْأَشْيَاء فَيصير دعاؤهم فِي أَن لَا يكلفوا مَا قد كلفوه وَهَذَا محَال من الْكَلَام وَالله تَعَالَى لَا يثني على الْمحَال فصح بِهَذَا إِن هَا هُنَا طَاقَة مَوْجُودَة على الْأَفْعَال وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما احتجاجهم بِأَن الله تَعَالَى لما كَانَ فعالاً وَجب أَن لَا يكون فعال غَيره فخطأ من القَوْل لوجوه أَحدهَا أَن النَّص قد ورد بِأَن للْإنْسَان أفعالاً وأعمالاً قَالَ تَعَالَى ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فَأثْبت

стр. 317

الله لَهُم الْفِعْل وَكَذَلِكَ نقُول إِن الْإِنْسَان يصنع لِأَن النَّص قد جَاءَ بذلك وَلَوْلَا النَّص مَا أطلقنا شَيْئا من هَذَا وَكَذَلِكَ لما قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَفَاكِهَة مِمَّا يتخيرون﴾ علمنَا أَن للْإنْسَان اخْتِيَارا لِأَن أهل الدُّنْيَا وَأهل الْجنَّة سَوَاء فِي أَنه تَعَالَى خَالق أَعمال الْجَمِيع على أَن الله ﵎ قَالَ ﴿وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة﴾ فَعلمنَا أَن الِاخْتِيَار الَّذِي هُوَ فعل الله تَعَالَى وَهُوَ منفي عَن سواهُ هُوَ غير الِاخْتِيَار الَّذِي أَضَافَهُ إِلَى خلقه ووصفهم بِهِ وَوجدنَا هَذَا أَيْضا حسا لِأَن الاخنبار الَّذِي توَحد الله تَعَالَى بِهِ هُوَ أَن يفعل مَا يَشَاء كَيفَ شَاءَ وَإِذا شَاءَ وَلَيْسَت هَذِه صفة شَيْء من خلقه وَأما الِاخْتِيَار الَّذِي أَضَافَهُ الله تَعَالَى إِلَى خلقه فَهُوَ مَا خلق فيهم من الْميل إِلَى شَيْء مَا والإيثار لَهُ على غَيره فَقَط وَهنا غَايَة الْبَيَان وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَمِنْهَا أَن الِاشْتِرَاك فِي الْأَسْمَاء لَا يَقع من أَجله التشابه أَلا ترى انك تَقول الله الْحَيّ وَالْإِنْسَان حَيّ وَالْإِنْسَان حَلِيم كريم عليم وَالله تَعَالَى حَكِيم كريم عليم فَلَيْسَ هَذَا يُوجب اشتباهاً بِلَا خلاف وَإِنَّمَا يَقع الِاشْتِبَاه بِالصِّفَاتِ الْمَوْجُودَة فِي الموصوفين وَالْفرق بَين الْفِعْل الْوَاقِع من الله وَالْفِعْل الْوَاقِع منا هُوَ أَن الله تَعَالَى اخترعه وَجعله جسماً أَو عرضا أَو حَرَكَة أَو سكوناً أَو معرفَة أَو إِرَادَة أَو كَرَاهِيَة وَفعل كل ذَلِك فِينَا بِغَيْر معاناة مِنْهُ وَفعل تَعَالَى لغيره عِلّة وَأما نَحن فَإِنَّمَا كَانَ فعلا لنا لِأَنَّهُ خلقه فِينَا وَخلق اختيارنا لَهُ وأظهره فِينَا مَحْمُولا لِاكْتِسَابِ مَنْفَعَة أَو لدفع مضرَّة وَلم نخترعه نَحن وَأما من قَالَ بالاستطاعة قبل الْفِعْل فعمدة حجتهم أَن قَالُوا لَا يَخْلُو الْكَافِر من أحد أَمريْن إِمَّا أَن يكون مَأْمُورا بِالْإِيمَان أَو لَا يكون مَأْمُورا بِهِ فَإِن قُلْتُمْ أَنه غير مَأْمُور بِالْإِيمَان فَهَذَا كفر مُجَرّد وَخلاف لِلْقُرْآنِ وَالْإِجْمَاع وَإِن قُلْتُمْ هُوَ مَأْمُور بِإِيمَان وَهَكَذَا تَقولُونَ فَلَا يَخْلُو من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون أَمر وَهُوَ يَسْتَطِيع مَا أَمر بِهِ فَهَذَا قَوْلنَا لَا قَوْلكُم أَو يكون أَمر وَهُوَ لَا يَسْتَطِيع مَا أَمر بِهِ فقد نسبتم إِلَى الله تَكْلِيف مَا لَا يُسْتَطَاع ولزمكم أَن تجيزوا تَكْلِيف الْأَعْمَى أَن يرى والمقعد أَن يجْرِي أَو يطلع إِلَى السَّمَاء وَهَذَا كُله جور وظلم والجور وَالظُّلم منفيان عَن الله وَقَالُوا إِذْ لَا يفعل الْمَرْء فعلا إِلَّا بإستطاعة موهوبة من الله وَلَا تَخْلُو تِلْكَ الِاسْتِطَاعَة من أَن يكون الْمَرْء أعطيها وَالْفِعْل مَوْجُود أَو أعطيها وَالْفِعْل غير مَوْجُود فَإِن كَانَ أعطيها وَالْفِعْل مَوْجُود فَلَا حَاجَة بِهِ إِلَيْهَا إِذْ قد وجد الْفِعْل مِنْهُ الَّذِي يحْتَاج إِلَى الِاسْتِطَاعَة ليَكُون ذَلِك الْفِعْل بهَا وَإِن كَانَ أعطيها وَالْفِعْل غير مَوْجُود فَهَذَا قَوْلنَا إِن الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل قَالُوا وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ قَالُوا فَلَو لم تتقدم الِاسْتِطَاعَة الْفِعْل لَكَانَ الْحَج لَا يلْزم أحدا قبل ان يحجّ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ فَلَو كَانَت الِاسْتِطَاعَة للصَّوْم لَا تتقدم الصَّوْم مَا لَزِمت أحدا الْكَفَّارَة بِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وسيحلفون بِاللَّه لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ يهْلكُونَ أنفسهم وَالله يعلم أَنهم لَكَاذِبُونَ﴾ فصح أَن استطاعة الْخُرُوج مَوْجُودَة مَعَ عدم الْخُرُوج وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وَلَهُم أَيْضا فِي خلق الْأَفْعَال اعْتِرَاض نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين

стр. 318

بَاب مَا الِاسْتِطَاعَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِن الْكَلَام على حكم لَفْظَة قبل تَحْقِيق مَعْنَاهَا وَمَعْرِفَة المُرَاد بهَا وَعَن أَي شَيْء يعبر بذكرها طمس للوقوف على حَقِيقَتهَا فَيَنْبَغِي أَولا أَن نوقف على معنى الِاسْتِطَاعَة فَإِذا تكلمنا عَلَيْهِ وقررناه بحول الله تَعَالَى وقوته سهل الإشراف على صَوَاب هَذِه الْأَقْوَال من خطئها بعون الله تَعَالَى وتأييده فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد إِن من قَالَ أَن الِاسْتِطَاعَة هِيَ المستطيع قَول فِي غَايَة الْفساد وَلَو كَانَ لقائله أقل علم باللغة الْعَرَبيَّة ثمَّ بحقائق الْأَسْمَاء والمسميات ثمَّ بماهية الْجَوَاهِر والأعراض لم يقل هَذَا السخف أما اللُّغَة فَإِن الِاسْتِطَاعَة إِنَّمَا هِيَ مصدر اسْتَطَاعَ يَسْتَطِيع استطاعة والمصدر هُوَ فعل الْفَاعِل وَصفته كالضرب الَّذِي هُوَ فعل الضَّارِب والحمرة الَّتِي هِيَ صفة الْأَحْمَر والاحمرار الَّذِي هُوَ صفة المحمر وَمَا أشبه هَذَا وَالصّفة وَالْفِعْل عرضان بِلَا شكّ فِي الْفَاعِل منا وَفِي الْمَوْصُوف والمصادر هِيَ أَحْدَاث المسمين بالأسماء بِإِجْمَاع من أهل كل لِسَان فَإِذا كَانَت الِاسْتِطَاعَة فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نتكلم نَحن وهم إِنَّمَا هِيَ صفة فِي المستطيع فبالضرورة نعلم أَن الصّفة هِيَ غير الْمَوْصُوف لِأَن الصِّفَات تتعاقب عَلَيْهِ فتمضي صفة وَتَأْتِي أُخْرَى فَلَو كَانَت الصّفة هِيَ الْمَوْصُوف لَكَانَ الْمَاضِي من هَذِه الصِّفَات هُوَ الْمَوْصُوف الْبَاقِي وَلَا سَبِيل إِلَى غير هَذَا الْبَتَّةَ فَإذْ لَا شكّ فِي أَن الْمَاضِي هُوَ غير الْبَاقِي فالصفات هِيَ غير الْمَوْصُوف بهَا وَمَا عدا هَذَا فَهُوَ من الْمحَال والتخليط فَإِن قَالُوا أَن الِاسْتِطَاعَة لَيست مصدر إستطاعة وَلَا صفة المستطيع كابروا وَأتوا بلغَة جَدِيدَة غير اللُّغَة الَّذِي نزل بهَا الْقُرْآن وَالَّتِي لَفْظَة الِاسْتِطَاعَة الَّتِي فِيهَا نتنازع إِنَّمَا هِيَ كلمة من تِلْكَ اللُّغَة وَمن أحَال شَيْئا من الْأَلْفَاظ اللُّغَوِيَّة عَن وضوعها فِي اللُّغَة بِغَيْر نَص محيل لَهَا وَلَا بِإِجْمَاع من أهل الشَّرِيعَة فقد فَارق حكم أهل الْعُقُول وَالْحيَاء وَصَارَ فِي نِصَاب من لَا يتَكَلَّم مَعَه وَلَا يعجز أحد أَن يَقُول الصَّلَاة لَيست مَا تعنون بهَا وَإِنَّمَا هِيَ أَمر كَذَا وَالْمَاء هُوَ الْخمر وَفِي هَذَا بطلَان الْحَقَائِق كلهَا وَأَيْضًا فإننا نجد الْمَرْء مستطيعاً ثمَّ نرَاهُ غير مستطيع لخدر عرض فِي أَعْضَائِهِ أَو لتكتيف وَضبط أَو لإغماء وَهُوَ بِعَيْنِه قَائِم لم ينتقص مِنْهُ شَيْء فصح بِالضَّرُورَةِ أَن الَّذِي عدم من الِاسْتِطَاعَة هُوَ غير المستطيع الَّذِي كَانَ وَلم يعْدم هَذَا أَمر يعرف بِالْمُشَاهَدَةِ والحس وَبِهَذَا أيقنا أَن الِاسْتِطَاعَة عرض من الْأَعْرَاض تقبل الأشد والأضعف فَنَقُول استطاعة أَشد من استطاعة واستطاعة أَضْعَف من استطاعة وَأَيْضًا فَأن الِاسْتِطَاعَة لَهَا ضد وَهُوَ الْعَجز والأضداد لَا تكون إِلَّا أعراضاً تقتسم طرفِي الْبعد كالخضرة وَالْبَيَاض وَالْعلم وَالْجهل وَالذكر وَالنِّسْيَان وَمَا أشبه هَذَا وَهَذَا كُله أَمر يعرف بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا يُنكره إِلَّا أعمى الْقلب والحواس ومعاند مكابر للضَّرُورَة والمستطيع جَوْهَر والجوهر لَا ضد لَهُ فصح بِالضَّرُورَةِ إِن الِاسْتِطَاعَة هِيَ غير المستطيع بِلَا شكّ وَأَيْضًا فَلَو كَانَت الِاسْتِطَاعَة هِيَ المستطيع لَكَانَ الْعَجز أَيْضا هُوَ الْعَاجِز وَالْعَاجِز هُوَ المستطيع بالْأَمْس فعلى هَذَا يجب أَن الْعَجز هُوَ المستطيع فَإِن تَمَادَوْا على هَذَا لَزِمَهُم أَن الْعَجز عَن الْأَمر هُوَ الِاسْتِطَاعَة عَلَيْهِ وَهَذَا محَال ظَاهر فَإِن قَالُوا إِن الْعَجز غير المستطيع وَهُوَ آفَة دخلت على المستطيع سئلوا عَن الْفرق الَّذِي من أَجله

стр. 319

قَالُوا أَن الِاسْتِطَاعَة هِيَ المستطيع وَمنعُوا أَن يكون الْعَجز هُوَ الْعَاجِز وَلَا سَبِيل إِلَى وجود فرق فِي ذَلِك وَبِهَذَا نَفسه يبطل قَول من قَالَ أَن الِاسْتِطَاعَة هِيَ بعض المستطيع سَوَاء بِسَوَاء لِأَن الْعرض لَا يكون بَعْضًا للجسم وَأما من قَالَ أَن الِاسْتِطَاعَة كل مَا توصل بِهِ إِلَى الْفِعْل كالإبرة والدلو وَالْحَبل وَمَا أشبه ذَلِك فَقَوْل فَاسد تبطله الْمُشَاهدَة لِأَنَّهُ قد تُوجد هَذِه الْآلَات وتعدم صِحَة الْجَوَارِح لَا يُمكن الْفِعْل فَإِن قَالُوا قد تعدم هَذِه الْآلَات وتوجد صِحَة الْجَوَارِح وَلَا يُمكن الْفِعْل قُلْنَا صَدقْتُمْ وبوجود هَذِه الْآلَات تمّ الْفِعْل إِلَّا أَن لَفْظَة الِاسْتِطَاعَة الَّتِي فِي مَعْنَاهَا نتنازع هِيَ لَفْظَة قد وضعت فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نتفاهم ونعبر عَن مرادنا على عرض فِي المستطيع فَلَيْسَ لأحد أَن يصرف هَذِه اللَّفْظَة عَن موضوعها فِي اللُّغَة بِرَأْيهِ من غير نَص وَلَا إِجْمَاع وَلَو جَازَ هَذَا لبطلت الْحَقَائِق وَلم يَصح تفاهم أبدا وَقد علمنَا يَقِينا أَن لَفْظَة الِاسْتِطَاعَة لم تقع قطّ فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نتفاهم على حَبل وَلَا على مهماز وَلَا على إبرة فَإِن قَالُوا قد صَحَّ عَن أَئِمَّة اللِّسَان كَابْن عَبَّاس وَابْن عمر ﵄ إِن الِاسْتِطَاعَة زَاد وراحلة قيل لَهُم نعم وَقد صَحَّ هَذَا وَلَا خلاف بَين أحد لَهُ فهم باللغة أَنَّهُمَا عنيا بذلك الْقُوَّة على وجود زَاد وراحلة وبرهان ذَلِك أَن الزَّاد والرواحل كثير فِي الْعَالم وَلَيْسَ كَونهمَا عنيا فِي الْعَالم مُوجبا عِنْدهمَا فرض الْحَج على مَا لَا يجدهما فصح ضَرُورَة أَنَّهُمَا عنيا بذلك الْقُوَّة على إِحْضَار زَاد وراحلة وَالْقُوَّة على ذَلِك عرض كَمَا قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَكَذَا القَوْل أَيْضا أَن ذكرُوا قَول الله ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ﴾ لِأَن هَذَا هُوَ نَص قَوْلنَا أَن الْقُوَّة عرض ورباط الْخَيل عرض فَسقط هَذَا القَوْل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإذْ قد سَقَطت هَذِه الْأَقْوَال كلهَا وَصَحَّ أَن الِاسْتِطَاعَة عرض من الْأَعْرَاض فَوَاجِب علينا معرفَة مَا تِلْكَ الْأَعْرَاض فَنَظَرْنَا ذَلِك بعون الله وتأييده فَوَجَدنَا بِالضَّرُورَةِ الْفِعْل لَا يَقع بِاخْتِيَار إِلَّا من صَحِيح الْجَوَارِح الَّتِي يكون بهَا ذَلِك الْفِعْل فصح يَقِينا أَن سَلامَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع استطاعة ثمَّ نَظرنَا سَالم الْجَوَارِح لَا يفعل مُخْتَارًا إِلَّا حَتَّى يستضيف إِلَى ذَلِك إِرَادَة الْفِعْل فَعلمنَا أَن الْإِرَادَة أَيْضا محركة للاستطاعة وَلَا نقُول أَن الْإِرَادَة استطاعة لِأَن كل عَاجز عَن الْحَرَكَة فَهُوَ مُرِيد لَهَا وَهُوَ غير مستطيع وَقد علمنَا ضَرُورَة أَن الْعَاجِز عَن الْفِعْل فَلَيْسَ فِيهِ استطاعة للْفِعْل لِأَنَّهُمَا ضدان والضدان لَا يَجْتَمِعَانِ مَعًا وَلَا يُمكن أَيْضا أَن تكون الْإِرَادَة بعض الِاسْتِطَاعَة لِأَنَّهُ كَانَ يلْزم من ذَلِك أَن فِي تعاجز المريد استطاعة مَا لِأَن بعض الِاسْتِطَاعَة استطاعة وَبَعض الْعَجز عجز ومحال أَن يكون فِي الْعَاجِز عَن الْفِعْل استطاعة لَهُ الْبَتَّةَ فالاستطاعة لَيست عَجزا فَمن اسْتَطَاعَ على شَيْء وَعجز عَن أَكثر مِنْهُ فَفِيهِ استطاعة على مَا يَسْتَطِيع عَلَيْهِ هِيَ غير الِاسْتِطَاعَة الَّتِي فِيهِ على مَا اسْتَطَاعَ عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق ثمَّ نَظرنَا فَوَجَدنَا السَّالِم الْجَوَارِح المريد للْفِعْل قد يَعْتَرِضهُ دون الْفِعْل مَانع لَا يقدر مَعَه على الْفِعْل أصلا فَعلمنَا أَن هَاهُنَا شَيْئا آخر بِهِ تتمّ الإستطاعة وَلَا بُد وَبِه يُوجد الْفِعْل فَعلمنَا ضَرُورَة أَن هَذَا الشَّيْء إِذْ هُوَ تَمام الِاسْتِطَاعَة وَلَا تصح الِاسْتِطَاعَة إِلَّا بِهِ فَهُوَ بِالْيَقِينِ قُوَّة إِذْ الِاسْتِطَاعَة قُوَّة وَأَن ذَلِك الشَّيْء قُوَّة بِلَا شكّ فقد علمنَا أَنه مَا أَتَى بِهِ من عِنْد الله تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى مؤتي القوى إِذْ لَا يُمكن ذَلِك لأحد دونه فصح ضَرُورَة أَن الِاسْتِطَاعَة صِحَة الْجَوَارِح مَعَ ارْتِفَاع الْمَوَانِع

стр. 320

وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ قبل الْفِعْل وَقُوَّة أُخْرَى من عِنْد الله وَهَذَا الْوَجْه مَعَ الْفِعْل باجتماعهما يكون الْفِعْل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَمن الْبُرْهَان على صِحَة هَذَا القَوْل إِجْمَاع الْأمة كلهَا على سُؤال الله تَعَالَى التَّوْفِيق والاستعاذة بِهِ من الخذلان فالقوة الَّتِي ترد من الله تَعَالَى على العَبْد فيفعل بهَا الْخَيْر تسمى بِالْإِجْمَاع تَوْفِيقًا وعصمة وتأييداً وَالْقُوَّة الَّتِي ترد من الله تَعَالَى فيفعل العَبْد بهَا الشَّرّ تسمى بِالْإِجْمَاع خذلاناً وَالْقُوَّة الَّتِي ترد من الله تَعَالَى على العَبْد فيفعل بهَا مَا لَيْسَ طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة تسمى عوناً أَو قُوَّة أَو حولا وَتبين من صِحَة هَذَا صِحَة قَول الْمُسلمين لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالْقُوَّة لَا تكون لأحد الْبَتَّةَ فعل إِلَّا بهَا فصح أَنه لَا حول وَلَا قُوَّة لأحد إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَكَذَلِكَ يُسمى تيسيراً قَالَ رَسُول الله ﷺ كل ميسر لما خلق لَهُ وَقد وَافَقنَا جَمِيع الْمُعْتَزلَة على أَن الِاسْتِطَاعَة فعل الله وَأَنه لَا يفعل أحد خيرا وَلَا شرا إِلَّا بِقُوَّة أعطَاهُ الله تَعَالَى إِيَّاهَا إِلَّا أَنهم قَالُوا يصلح بهَا الْخَيْر وَالشَّر مَعًا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجملة القَوْل فِي هَذَا بِأَن عناصر الْأَخْبَار ثَلَاثَة وَهُوَ مُمْتَنع أَو وَاجِب أَو مُمكن بَينهمَا هَذَا أمرٌ بضرورة الْحس والتمييز فَإِذا الْأَمر كَذَلِك فَإِن عدمت صِحَة الْجَوَارِح كَانَ لَهُ مَانع إِلَى الْفِعْل وَأما الصَّحِيح الْجَوَارِح الْمُرْتَفع الْمَوَانِع فقد يكون مِنْهُ الْفِعْل وَقد لَا يكون فَهَذِهِ هِيَ الِاسْتِطَاعَة الْمَوْجُودَة قبل الْفِعْل برهَان ذَلِك قَول الله حِكَايَة عَن الْقَائِلين ﴿لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ يهْلكُونَ أنفسهم وَالله يعلم أَنهم لَكَاذِبُونَ﴾ فأكذبهم الله فِي إنكارهم استطاعة الْخُرُوج قبل الْخُرُوج وَقَوله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ فَلَو لم تكن هُنَا استطاعة قبل فعل الْمَرْء الْحَج لما لزم الْحَج إِلَّا من حج فَقَط وَلما كَانَ أحد عَاصِيا بترك الْحَج لِأَنَّهُ أَن لم يكن مستطيعاً لِلْحَجِّ حَتَّى يحجّ فَلَا حج عَلَيْهِ وَلَا هُوَ مُخَاطب بِالْحَجِّ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين من قبل أَن يتماسا فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ فَلَو لم يكن على الْمظَاهر الْعَائِد لقَوْله إستطاعة على الصّيام قبل أَن يَصُوم لما كَانَ مُخَاطبا بِوُجُوب الصَّوْم عَلَيْهِ إِذا لم يجد الرَّقَبَة أصلا ولكان حكمه مَعَ عدم الرَّقَبَة وجوب الْإِطْعَام فَقَط وَهَذَا بَاطِل وَقَول رَسُول الله ﷺ لمن بَايعه فَمن لم يسْتَطع فقاعداً فَمن لم يسْتَطع فعلى جنب وَهَذَا إِجْمَاع مُتَيَقن لَا شكّ فِيهِ فَلَو لم يكن النَّاس مستطعين للْقِيَام قبل الْقيام لما كَانَ أحد مَأْمُور بِالصَّلَاةِ قبل أَن يُصليهَا كَذَلِك ولكان مَعْذُورًا أَن صلى قَاعِدا وعَلى جنب بِكُل وَجه لِأَنَّهُ إِذا صلى كَذَلِك لم يكن مستطيعاً للْقِيَام وَهَذَا بَاطِل وَقَوله ﷺ إِذا أَمرتكُم بِشَيْء فأتو بِهِ مَا اسْتَطَعْتُم فَلَو لم يكن هَا هُنَا استطاعة لشَيْء مِمَّا أمرنَا بِهِ أَن نفعله لما لزمنا شَيْء مِمَّا أمرنَا بِهِ مِمَّا لم نفعله وَلَكنَّا غير عصاة بِالتّرْكِ لأننا لم نكلف بِالنَّصِّ إِلَّا مَا استطعنا وَقَوله ﷺ أتستطيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن قَالَ فَلَو لم يكن أحد مستطيعاً للصَّوْم إِلَّا حَتَّى يَصُوم لَكَانَ هَذَا السُّؤَال مِنْهُ ﵇ محالا وحاشا لَهُ من ذَلِك وَمِمَّا يتَبَيَّن صِحَة هَذَا وَأَن المُرَاد فِي كل مَا ذكرنَا صِحَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع قَول الله تَعَالَى ﴿وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خاشعة أَبْصَارهم ترهقهم ذلة وَقد كَانُوا يدعونَ إِلَى السُّجُود وهم سَالِمُونَ﴾ فنص تَعَالَى على أَن فِي عدم السَّلامَة بطلَان الِاسْتِطَاعَة وَأَن وجود السَّلامَة بِخِلَاف ذَلِك فصح ان سَلامَة الْجَوَارِح استطاعة وَإِذا صَحَّ هَذَا فبيقين نَدْرِي أَن سَلامَة الْجَوَارِح يكون بهَا الْفِعْل وضده وَالْعَمَل وَتَركه وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة لِأَن كل هَذَا يكون بِصِحَّة الْجَوَارِح فَإِن قَالَ قَائِل فَإِن

стр. 321

سَلامَة الْجَوَارِح عرض وَالْعرض لَا يبْقى وَقْتَيْنِ قيل لَهُ هَذِه دَعْوَى بِلَا برهَان والآيات الْمَذْكُورَات مبطلة لهَذِهِ الدَّعْوَى وموجبة أَن هَذِه الِاسْتِطَاعَة من سَلامَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع مَوْجُودَة قبل الْفِعْل ثمَّ لَو كَانَ مَا ذكرْتُمْ مَا كَانَ فِيهِ دفع لما قَالَه من ذَلِك ثمَّ وجدنَا الله تَعَالَى قد قَالَ ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا﴾ وَقَالَ تَعَالَى حاكيا قَول الْخضر لمُوسَى ﵇ ﴿إِنَّك لن تَسْتَطِيع معي صبرا﴾ وَقَالَ ﴿ذَلِك تَأْوِيل مَا لم تسطع عَلَيْهِ صبرا﴾ وَعلمنَا أَن كَلَام الله تَعَالَى لَا يتعارض وَلَا يخْتَلف قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فتيقنا أَن الِاسْتِطَاعَة الَّتِي أثبتها الله تَعَالَى قبل الْفِعْل هِيَ غير الِاسْتِطَاعَة الت نفاها مَعَ الْفِعْل وَلَا يجوز غير ذَلِك الْبَتَّةَ فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فالاستطاعة كَمَا قُلْنَا شَيْئَانِ أَحدهمَا قبل الْفِعْل وَهُوَ سَلامَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع وَالثَّانِي لَا يكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل وَهُوَ الْقُوَّة الْوَارِدَة من الله تَعَالَى بالعون والخذلان وَهُوَ خلق الله تَعَالَى للْفِعْل فِيمَن ظهر مِنْهُ وَسمي من أجل ذَلِك فَاعِلا لما ظهر مِنْهُ إِذْ لَا سَبِيل إِلَى وجود معنى غير هَذَا الْبَتَّةَ فَهَذَا هُوَ حَقِيقَة الْكَلَام فِي الِاسْتِطَاعَة بِمَا جَاءَت بِهِ نُصُوص الْقُرْآن وَالسّنَن وَالْإِجْمَاع وضرورة الْحس وبديهة الْعقل فعلى هَذَا التَّقْسِيم دينا الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فَإِذا نَفينَا وجود الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل فَإِنَّمَا نعني بذلك الِاسْتِطَاعَة الَّتِي بهَا يَقع الْفِعْل وَيُوجد وَاجِبا وَلَا بُد وَهِي خلق الله تَعَالَى للْفِعْل فِي فَاعله وَإِذا أثبتنا الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل فَإِنَّمَا نعني بهَا صِحَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع الَّتِي يكون الْفِعْل بهَا مُمكنا مُتَوَهمًا لَا وَاجِبا وَلَا مُمْتَنعا وَبهَا يكون الْمَرْء مُخَاطبا مُكَلّفا مَأْمُورا مَنْهِيّا وَبعد مهما يسْقط عَنهُ الْخطاب والتكليف وبصير الْفِعْل مِنْهُ مُمْتَنعا وَيكون عَاجِزا عَن الْفِعْل قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإذْ قد تبين مَا الِاسْتِطَاعَة فَنَقُول بعون الله فِيمَا اعترضت بِهِ الْمُعْتَزلَة الْمُوجبَة للاستطاعة جملَة قبل الْفِعْل وَلَا بُد فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَنهم قَالُوا أخبرونا عَن الْكَافِر الْمَأْمُور بِالْإِيمَان أهوَ مَأْمُور بِمَا لَا يَسْتَطِيع أم بِمَا يَسْتَطِيع فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد إننا قد بَينا آنِفا أَن صِحَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع استطاعة وحامل هَذِه الصّفة مستطيع بِظَاهِر حَاله من هَذَا الْوَجْه وَغير مستطيع مَا لم يفعل الله فِيهِ مَا بِهِ يكون تَمام استطاعته وَوُجُود الْفِعْل فَهُوَ مستطيع من وَجه غير مستطيع من وَجه آخر وَهَذَا مَعَ أَنه نَص الْقُرْآن كَمَا أوردنا فَهُوَ أَيْضا مشَاهد كالبناء الْمجِيد فَهُوَ مستطيع بِظَاهِر حَاله ومعرفته بِالْبِنَاءِ غير مستطيع للآلات الَّتِي لَا يُوجد الْبناء إِلَّا بهَا وَهَكَذَا فِي جَمِيع الْأَعْمَال وَأَيْضًا فقد يكون الْمَرْء عَاصِيا لله تَعَالَى فِي وَجه مُطيعًا لَهُ فِي آخر مُؤمنا بِاللَّه كَافِرًا بالطاغوت فَإِن قَالُوا فقد نسبتم لله تَكْلِيف مَا لَا يُسْتَطَاع قُلْنَا هَذَا بَاطِل مَا نسبنا إِلَيْهِ تَعَالَى إِلَّا مَا أخبر بِهِ عَن نَفسه أَنه لَا يُكَلف أحدا إِلَّا مَا يَسْتَطِيع بسلامة جوارحه وَقد يكلفه مَا لَا يَسْتَطِيع فِي علم الله تَعَالَى لَان الِاسْتِطَاعَة الَّتِي بهَا يكون الْفِعْل لَيست فِيهِ بعد وَلَا يجوز أَن يُطلق على الله تَعَالَى أحد الْقسمَيْنِ دون الآخر وَأما قَوْلهم أَن هَذَا كتكليف المقعد الجري أَو الْأَعْمَى النّظر وَإِدْرَاك الألوان والارتفاع إِلَى السَّمَاء فَإِن هَذَا بَاطِل لِأَن هَؤُلَاءِ لَيْسَ فيهم شَيْء من قسمى الِاسْتِطَاعَة فَلَا استطاعة لَهُم أصلا وَأما الصَّحِيح الْجَوَارِح فَفِيهِ أحد قسمى الِاسْتِطَاعَة وَهُوَ سَلامَة الْجَوَارِح وَلَوْلَا أَن الله آمننا بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾

стр. 322

لَكَانَ غير مُنكر أَن يُكَلف الله تَعَالَى الْأَعْمَى إِدْرَاك الألوان والمقعد الجري والطلوع إِلَى السَّمَاء ثمَّ يعذبهم عِنْد عدم ذَلِك مِنْهُم وَللَّه تَعَالَى أَن يعذب من شَاءَ دون ان يكلفه وَأَن ينعم من شَاءَ دون ان يكلفه كَمَا رزق من شَاءَ الْعقل وَحرمه الجماد وَالْحِجَارَة وَسَائِر الْحَيَوَان وَجعل عِيسَى بن مَرْيَم نَبيا فِي المهد حِين وِلَادَته وَشد على قلب فِرْعَوْن فَلم يُؤمن قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَلَيْسَ فِي بداية الْعُقُول حسن وَلَا قَبِيح لعَينه الْبَتَّةَ وَقَالَت الْمُعْتَزلَة مَتى أعطي الْإِنْسَان الِاسْتِطَاعَة أقبل وجود الْفِعْل فَإِن كَانَ قبل وجود الْفِعْل قَالُوا فَهَذَا قَوْلنَا وَإِن كَانَ حِين وجود الْفِعْل فَمَا حاجتنا إِلَيْهَا فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن الِاسْتِطَاعَة قِسْمَانِ كَمَا قُلْنَا فأحدهما قبل الْفِعْل وَهُوَ سَلامَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع وَالثَّانِي مَعَ الْفِعْل وَهُوَ خلق الله للْفِعْل فِي فَاعله ولولاهما لم يَقع الْفِعْل كَمَا قَالَ الله وَلَو كَانَت الِاسْتِطَاعَة لَا تكون إِلَّا قبل الْفِعْل وَلَا بُد وَلَا تكون مَعَ الْفِعْل أصلا كَمَا زعم أَبُو الهزيل لَكَانَ الْفَاعِل إِذا فعل عديم الِاسْتِطَاعَة وفاعلاً فعلا لَا استطاعة لَهُ على فعله حِين فعله وَإِذ لَا استطاعة لَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ عَاجز عَنهُ فَهُوَ فَاعل عَاجز عَمَّا يفعل مَعًا وَهَذَا تنَاقض ومحال ظَاهر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَهُم الزامات سخيفة هِيَ لَازِمَة لَهُم كَمَا تلْزم غَيرهم سَوَاء بِسَوَاء مِنْهَا قَوْلهم مَتى أحرقت النَّار الْعود أَفِي حَال سَلَامَته أم وَهُوَ غير محترق فَإِن كَانَت أحرقته فِي حَال سَلَامَته فَهُوَ إِذا محرق غير محرق وَإِن كَانَت أحرقته وَهُوَ محرق فَمَا الَّذِي فعلت فِيهِ وكسؤالهم مَتى كسر الْمَرْء الْعود أكسره وَهُوَ صَحِيح فَهُوَ إِذا مكسور صَحِيح أَو كَسره وَهُوَ مكسور فَمَا الَّذِي أحدث فِيهِ وكسؤالهم مَتى أعتق الْمَرْء عَبده فِي حَال رقّه فَهُوَ حر عبد مَعًا أَو فِي حَال عتقه فَأَي معنى لعتقه إِيَّاه وَمَتى طلق الْمَرْء زَوجته أطلقها وَهِي غير مُطلقَة فَهِيَ مُطلقَة لَا مُطلقَة مَعًا أم طَلقهَا وَهِي مُطلقَة فَمَا الَّذِي أثر فِيهَا طَلَاقه وَمَتى مَاتَ الْمَرْء فِي حَيَاته مَاتَ أم وَهُوَ ميت وَمثل هَذَا كثير قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هَذِه سفسطة وسؤالات سخيفة مموهة وَالْحق فيهاأن تَفْرِيق النَّار إزاء مَا عملت فِيهِ هُوَ الْمُسَمّى إحراقا وَلَيْسَ للإحراق شَيْء غير ذَلِك فَقَوْلهم هَل أحرقت وَهُوَ محرق تَخْلِيط لِأَن فِيهِ أَيهَا مَا أَن الإحراق غير الإحراق وَهَذِه سخافة وَكَذَلِكَ كسر الْعود إِنَّمَا هُوَ إِخْرَاجه عَن حَال الصِّحَّة وَالْكَسْر نَفسه هُوَ حَال الْعود حِينَئِذٍ وَكَذَلِكَ إِخْرَاج العَبْد من الرّقّ إِلَى عتقه هُوَ عتقه وَلَا مزِيد لَيست لَهُ حَال أُخْرَى وَكَذَلِكَ خُرُوج الْمَرْأَة من الزَّوْجِيَّة إِلَى الطَّلَاق هُوَ تطليقها نَفسه وَكَذَلِكَ فِرَاق الرّوح للجسد وَهُوَ الإماتة وَالْمَوْت نَفسه وَلَا مزِيد وَلَيْسَت هَا هُنَا حَال أُخْرَى وَقع الْفِعْل فِيهَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي أَن إتْمَام الِاسْتِطَاعَة لَا يكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل لَا قبله قَالَ أَبُو مُحَمَّد يُقَال لمن قَالَ أَن الِاسْتِطَاعَة كلهَا لَيست إِلَّا قبل الْفِعْل وَأَنَّهَا قبل الْفِعْل بِتَمَامِهَا وَتَكون أَيْضا مَعَ الْفِعْل أخبرونا عَن الْكَافِر هَل يقدر قبل أَن يُؤمن فِي حَال كفره على الْإِيمَان قدرَة تَامَّة أم لَا وَعَن تَارِك الصَّلَاة هَل يقدر قدرَة تَامَّة على الصَّلَاة فِي حَال تَركه وَعَن الزَّانِي هَل يقدر فِي حَال زِنَاهُ على ترك الزِّنَا بِأَن لَا يكون مِنْهُ زنا أصلا أم لَا وَبِالْجُمْلَةِ فإلا وَأمر كلهَا إِنَّمَا هِيَ امْرَهْ بحركة أوَامِر بِسُكُون أوَامِر باعتقاد إِثْبَات شَيْء مَا أَو

стр. 323

أَمر باعتقاد إبِْطَال شَيْء مَا وَهَذَا كُله يجمعه فعل أَو ترك فأخبرونا هَل يقدر السَّاكِن الْمَأْمُور بالحركة على الْحَرَكَة حَال السّكُون أَو يقدر المتحرك الْمَأْمُور بِالسُّكُونِ على السّكُون فِي حَال الْحَرَكَة وَعَن مُعْتَقد إبِْطَال شَيْء مَا وَهُوَ مَأْمُور باعتقاد إثْبَاته هَل يقدر فِي حَال اعْتِقَاده إِبْطَاله على اعْتِقَاد إثْبَاته أم لَا وَعَن مُعْتَقد إِثْبَات شَيْء مَا وَهُوَ مَأْمُور باعتقاد إِبْطَاله هَل يقدر فِي حَال اعْتِقَاده إثْبَاته على اعْتِقَاد إِبْطَاله أم لَا وَعَن الْمَأْمُور بِالتّرْكِ وَهُوَ فَاعل مَا أَمر يتْركهُ أيقدر على تَركه فِي حَال فعله فَيكون فَاعِلا لشَيْء تَارِكًا لذَلِك الشَّيْء مَعًا أم لَا فَإِن قَالُوا نعم هُوَ قَادر على ذَلِك كابروا العيان وخالفوا الْمَعْقُول والحس وأجازوا كل طَاعَة من كَون الْمَرْء قَاعِدا قَائِما مَعًا ومؤمناً بِاللَّه كَافِرًا بِهِ مَعًا وَهَذَا أعظم مَا يكون من الْمحَال الْمُمْتَنع وَإِن قَالُوا أَنه لَا يقدر قدرَة تَامَّة يكون بهَا الْفَاعِل لشَيْء هُوَ فَاعل لخلافه قَالُوا الْحق وَرَجَعُوا إِلَى أَنه لَا يَسْتَطِيع أحد استطاعة تَامَّة يَقع بهَا الْفِعْل إِلَّا حَتَّى يَفْعَله وكل جَوَاب أجابوا بِهِ هَا هُنَا فَإِنَّمَا هُوَ إِيهَام وَلَو أذو مدافعة بِالروحِ لِأَنَّهُ إِلْزَام ضَرُورِيّ حسي مُتَيَقن لَا محيد عَنهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالُوا لسنا نقُول أَنه يقدر على أَن يجمع بَين الْفِعْلَيْنِ المتضادين مَعًا ولكننا قُلْنَا أَنه قَادر على أَن يتْرك مَا هُوَ فِيهِ وَيفْعل مَا أَمر بِهِ قيل لَهُم هَذَا هُوَ نَفسه الَّذِي أردنَا مِنْكُم وَهُوَ أَنه لَا يقدر قدرَة تَامَّة وَلَا يَسْتَطِيع استطاعة تَامَّة على فعل مَا دَامَ فَاعِلا لما يمانعه فَإِذا ترك كل ذَلِك وَشرع فِيمَا أَمر بِهِ فَحِينَئِذٍ تمت قدرته واستطاعته لَا بُد من ذَلِك وَهَذَا هُوَ نفس مَا موهوا بِهِ فِي سُؤَالهمْ لنا هَل أَمر الله تَعَالَى العَبْد بِمَا يَسْتَطِيع قبل أَن يَفْعَله أم بِمَا لَا يَسْتَطِيع حَتَّى يَفْعَله وَهَذَا لَهُم لَازم لأَنهم شنعوه وعظموه وأنكروه وَنحن لَا ننكره وَلَا نرى ذَلِك إلزاماً صَحِيحا فقبحه عَائِد عَلَيْهِم وَإِنَّمَا يلزمم الشَّيْء من يُصَحِّحهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد أجَاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة عبد الله بن أَحْمد الكعبي الْبَلْخِي أحد رُؤَسَاء الْأَصْلَح من العتزلة بِأَن قَالَ إننا لَا نَخْتَلِف فِي أَن الله قَادر على تسكين المتحرك وتحريك السَّاكِن وَلَيْسَ يُوصف بِالْقُدْرَةِ على أَن يَجعله سَاكِنا متحركاً مَعًا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْجَاهِل الملحد فِيمَا وصف الله تَعَالَى بِهِ بل الله تَعَالَى قَادر على أَن يَجْعَل الشَّيْء سَاكِنا متحركاً مَعًا فِي وَقت وَاحِد من وَجه وَاحِد وَلَكِن كَلَام الْبَلْخِي هَذَا لَازم لمن الْتزم هَذِه الْكَفَرَة الصلعاء (١) من أَن الله تَعَالَى لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على الْمحَال وَيُقَال لَهُم لم لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على ذَلِك لِأَن لَهُ قدرَة على ذَلِك وَلَا يُوصف بهَا أم لِأَنَّهُ لَا قدرَة لَهُ على ذَلِك وَلَا محيد لَهُم عَن هَذَا وَهَذِه طَائِفَة جعلت قدرَة الله تَعَالَى متناهية بل قطعُوا قطعا بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يقدر على الشَّيْء حَتَّى يَفْعَله وَهَذَا كفر مُجَرّد لَا خَفَاء بِهِ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال للمعتزلة أَيْضا أَنْتُم مقرون أَيْضا مَعنا بِأَن الله تَعَالَى لم يزل عليماً بِأَن كل كَائِن فَإِنَّهُ سَيكون على مَا هُوَ عَلَيْهِ إِذا كَانَ وَلم يزل الله تَعَالَى يعلم أَن فلَانا سيطا فُلَانَة فِي وَقت كَذَا فَتحمل مِنْهُ بِولد يخلقه الله تَعَالَى من منيهما الْخَارِج مِنْهُمَا عِنْد جمَاعه إِيَّاهَا وَأَنه يعِيش

стр. 324

ثَمَانِينَ سنة وَيملك وَيفْعل ويصنع فَإِذا قُلْتُمْ أَن ذَلِك الفلان يقدر قدرَة تَامَّة على ترك ذَلِك الْوَطْء الَّذِي لم يزل الله تَعَالَى يعلم أَنه سَيكون وَأَنه يخلق ذَلِك الْوَلَد مِنْهُ فقد قطعْتُمْ بِأَنَّهُ قَادر على أَن يمْنَع الله من خلق مَا قد علم أَنه سيخلقه وَأَنه قَادر قدرَة تَامَّة على إبِْطَال علم الله وَهَذَا كفر مِمَّن أجَازه فَإِن قَالَ قَائِل فَإِنَّكُم أَنْتُم تطلقون أَن الْمَرْء مستطيع قبل الْفِعْل لصِحَّة جوارحه فَهَذَا يلزمكم قُلْنَا هَذَا لَا يلْزمنَا لأننا لم نطلق أَن لَهُ قدرَة تَامَّة على ذَلِك أصلا بل قُلْنَا أَنه لَا يقدر على ذَلِك قدرَة تَامَّة الْبَتَّةَ وَمعنى قَوْلنَا أَنه مستطيع بِصِحَّة جوارحه أَي أَنه متوهم مِنْهُ ذَلِك لَو كَانَ وَنحن لم نطلق الِاسْتِطَاعَة إِلَّا على هَذَا الْوَجْه حَيْثُ أطلقها الله فَإِن قَالُوا إِن الله تَعَالَى قَادر على كل ذَلِك وَلَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على فسخ علمه الَّذِي لم يزل قُلْنَا وَهَذَا أَيْضا مِمَّا تكلمنا فِيهِ آنِفا بل الله تَعَالَى قَادر على كل ذَلِك بِخِلَاف خلقه على مَا قد مضى كلامنا فِيهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد نَص الله تَعَالَى على مَا قُلْنَا بقوله ﴿وسيحلفون بِاللَّه لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ يهْلكُونَ أنفسهم وَالله يعلم أَنهم لَكَاذِبُونَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَلَو أَرَادوا الْخُرُوج لأعدوا لَهُ عدَّة وَلَكِن كره الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ وَقيل اقعدوا مَعَ القاعدين﴾ فأكذبهم الله تَعَالَى فِي نفيهم عَن أنفسهم الِاسْتِطَاعَة الَّتِي هِيَ صِحَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع ثمَّ نَص تَعَالَى على أَنه قَالَ اقعدوا مَعَ القاعدين وَهَذَا أَمر تكوين لَا أَمر بالقعود لِأَنَّهُ تَعَالَى ساخط عَلَيْهِم لقعودهم وَقد نَص تَعَالَى على أَنه ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ فقد ثَبت يَقِينا أَنهم مستطيعون بِظَاهِر الْأَمر بِالصِّحَّةِ فِي الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع وَإِن الله تَعَالَى كَون فيهم قعودهم فَبَطل أَن يتم استطاعتهم لخلاف فعلهم الَّذِي ظهر مِنْهُم وَقَالَ عزو جلّ ﴿من يهد الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشداً﴾ فَبين بَيَانا جلياً أَن من أعطَاهُ الْهدى اهْتَدَى وَمن أضلّهُ فَلَا يَهْتَدِي فصح يَقِينا أَن بِوُقُوع الْهدى لَهُ من الله تَعَالَى وَهُوَ التَّوْفِيق يفعل العَبْد مَا يكون بِهِ مهتدياً وَأَن بِوُقُوع الأضلال من الله تَعَالَى وَهُوَ الخذلان وَخلق ضلال العَبْد يفعل الْمَرْء مَا يكون بِهِ ضَالًّا فَإِن قَالَ قَائِل معنى هَذَا من سَمَّاهُ الله مهتدياً وَمن سَمَّاهُ ضَالًّا قيل لَهُ هَذَا بَاطِل لِأَن الله تَعَالَى نَص على أَن من أضلّهُ الله فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشداً فَلَو أَرَادَ الله تَسْمِيَته كَمَا زعمتم لَكَانَ هَذَا القَوْل مِنْهُ كذبا لِأَن كل ضال فَلهُ أَوْلِيَاء على ضلاله يسمونه مهتدياً وراشداً وحاشا الله من الْكَذِب فَبَطل تأويلهم الْفَاسِد وَصَحَّ قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ الله تَعَالَى مخبرا عَن الْخضر الَّذِي آتَاهُ الله تَعَالَى الْعلم وَالْحكمَة والنبوة حاكياً عَن مُوسَى ﵇ وفتاه ﴿فوجدا عبدا من عبادنَا آتيناه رَحمَه من عندنَا وعلمناه من لدنا علما﴾ وَقَالَ تَعَالَى مخبرا عَنهُ ومصدقاً عَنهُ ﴿وَمَا فعلته عَن أَمْرِي﴾ فصح أَن كل مَا قَالَ الْخضر ﵇ فَمن وَحي الله ثمَّ أخبر بِأَن الْخضر قَالَ لمُوسَى ﵇ ﴿إِنَّك لن تَسْتَطِيع معي صبرا﴾ فَلم يُنكر الله تَعَالَى كَلَامه ذَلِك وَلَا أنكرهُ مُوسَى ﵇ لَكِن أَجَابَهُ بقوله ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله صَابِرًا وَلَا أعصى لَك أمرا﴾ فَلم يقل لَهُ مُوسَى ﵇ إِنِّي مستطيع للصبر بل صدق قَوْله فِي ذَلِك إِذْ أقره وَلم يُنكره وَرَجا أَن يجد الله لَهُ استطاعه على الصَّبْر فيصبر وَلم يُوجِبهُ مُوسَى ﵇ أَيْضا لنَفسِهِ إِلَّا أَن يَشَاء الله تَعَالَى ثمَّ كرر عَلَيْهِ الْخضر بعد ذَلِك مَرَّات أَنه غير مستطيع للصبر إِذْ لم يصبر فَلم يُنكر ذَلِك مُوسَى ﵇ فَهَذِهِ شَهَادَة ثَلَاثَة أَنْبيَاء مُحَمَّد ومُوسَى وَالْخضر ﷺ وأكبر من شَهَادَتهم شَهَادَة الله عز وَجل

стр. 325

بتصديقهم فِي ذَلِك إِذْ قد نَصه الله تَعَالَى علينا غير مُنكر لَهُ بل مُصدقا لَهُم وَهَذَا لَا يردهُ إِلَّا مخذول وَقَالَ ﴿وعرضنا جَهَنَّم يَوْمئِذٍ للْكَافِرِينَ عرضا الَّذين كَانَت أَعينهم فِي غطاء عَن ذكري وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا﴾ فنص تَعَالَى نصا جلياً على أَنهم كَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ السّمع الَّذِي أمروا بِهِ وَأَنَّهُمْ مَعَ ذَلِك كَانَت أَعينهم فِي غطاء عَن ذكر الله عزو جلّ وَمَعَ ذَلِك استحقوا على ذَلِك جَهَنَّم وَكَانُوا فِي ظَاهر الْأَمر مستطيعون بِصِحَّة جوارحهم وَهَذَا نَص قَوْلنَا بِلَا تكلّف وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين على هداه لنا وتوفيقه إيانا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ يَقُول الظَّالِمُونَ إِن تتبعون إِلَّا رجلا مسحوراً انْظُر كَيفَ ضربوا لَك الْأَمْثَال فضلوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ فنفى الله عَنْهُم استطاعة شَيْء من السبل غير سَبِيل الضلال وَحده وَفِي هَذَا كِفَايَة لمن عقل وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله﴾ فنص تَعَالَى على أَن من لم يَأْذَن لَهُ فِي الْإِيمَان لم يُؤمن وَإِن من أذن لَهُ فِي الْإِيمَان آمن وَهَذَا الْأذن هُوَ التَّوْفِيق الَّذِي ذكرنَا فَيكون بِهِ الْإِيمَان وَلَا بُد وَعدم الْأذن هُوَ الخذلان الَّذِي ذكرنَا نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَقَالَ تَعَالَى حاكياً عَن يُوسُف ﵇ ومصدقاً لَهُ إِذْ يَقُول ﴿وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين فَاسْتَجَاب لَهُ ربه فصرف عَنهُ كيدهن﴾ فنص تَعَالَى على أَن رَسُوله ﷺ إِن لم يعنه بِصَرْف الكيد عَنهُ صبا وَجَهل وَأَنه تَعَالَى صرف الكيد عَنهُ فَسلم وَهَذَا نَص جلي على أَنه إِذا وَفقه اعْتصمَ واهتدى وَقَالَ تَعَالَى حاكياً عَن إِبْرَاهِيم خَلِيله وَرَسُوله ﷺ ومصدقاً لَهُ ﴿لَئِن لم يهدني رَبِّي لأكونن من الْقَوْم الضَّالّين﴾ فَهَذَا نَص على أَن من أعطَاهُ الله قُوَّة الْإِيمَان آمن واهتدى وَأَن من مَنعه تِلْكَ الْقُوَّة كَانَ من الضَّالّين وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالَ تَعَالَى ﴿واصبر وَمَا صبرك إِلَّا بِاللَّه﴾ فنص تَعَالَى على أَنه أمره بِالصبرِ ثمَّ اخبره أَنه لَا صَبر لَهُ إِلَّا بعون الله تَعَالَى فَإِذا أَعَانَهُ بِالصبرِ صَبر وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن تحرص على هدَاهُم فَإِن الله لَا يهدي من يضل﴾ وَهَذَا نَص جلي على أَن من أضلّهُ الله تَعَالَى بالخذلان لَهُ فَلَا يكون مهتدياً وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا قَرَأت الْقُرْآن جعلنَا بَيْنك وَبَين الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة حِجَابا مَسْتُورا وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوه وَفِي آذانهم وقرا﴾ فَهَذَا نَص لَا إِشْكَال فِيهِ على أَن الله مَنعهم أَن يفقهوه فَإِن قَالَ قَائِل إِنَّمَا قَالَ تَعَالَى أَنه يفعل ذَلِك بالذين لَا يُؤمنُونَ وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ ﴿كَذَلِك يطبع الله على قُلُوب الْكَافرين﴾ قيل لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَو صَحَّ لَك هَذَا التَّأْوِيل لَكَانَ حجَّة عَلَيْك لِأَنَّهُ تَعَالَى قد مَنعهم للتوفيق وسلط عَلَيْهِم الخذلان وأضلهم وطبع على قُلُوبهم فاجعله كَيفَ شِئْت فَكيف وَلَيْسَ ذَلِك على مَا تأولت وَلَكِن الْآيَات ظواهرها وعَلى مَا يَقْتَضِيهِ لَفظهَا دون تكلّف هُوَ أَن الله تَعَالَى لما أضلهم صَارُوا ضَالِّينَ فاسقين حِين أضلهم لَا قبل أَن يضلهم وَكَذَلِكَ إِنَّمَا صَارُوا لَا يُؤمنُونَ حِين جعل بَينهم وَبَينه حِجَابا وَحين جعل على قُلُوبهم أكنة وَفِي آذانهم الوقر لَا قبل ذَلِك وَإِنَّمَا صَارا كَافِرين حِين طبع على قُلُوبهم لَا قبل ذَلِك وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاك لقد كدت تركن إِلَيْهِم شَيْئا قَلِيلا﴾ فنص تَعَالَى على أَنه لَوْلَا أَن ثَبت نبيه ﷺ بالتوفيق لركن إِلَيْهِم فَإِنَّمَا يثبت رَسُول الله ﷺ حِين ثبته الله لَا قبل ذَلِك وَلَو لم يُعْطه التثبيت وخذله لركن إِلَيْهِم وضل وَاسْتحق الْعَذَاب على ذَلِك ضعف الْحَيَاة وَضعف الْمَمَات فتباً لكل مخذول يظنّ فِي نَفسه الخسيسة أَنه مستغن عَمَّا افْتقر إِلَيْهِ مُحَمَّد ﷺ من توفيق الله وتثبيته وَإنَّهُ قد استوفى من الْهدى مَالا مزِيد عَلَيْهِ وَإنَّهُ لَيْسَ عِنْد ربه أفضل مِمَّا أعطَاهُ بعد وَلَا أَكثر وَقد

стр. 326

أمرنَا أَن نقُول ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ فنص تَعَالَى على أمرنَا بِطَلَب العون مِنْهُ وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَلَو لم يكن هَا هُنَا عون خَاص من آتَاهُ الله إِيَّاه اهْتَدَى وَمن حرمه إِيَّاه اهْتَدَى وَمن حرمه إِيَّاه وخذله ضل لما كَانَ لهَذَا الدُّعَاء معنى لِأَن النَّاس كلهم كَانُوا يكونُونَ معانين منعماً عَلَيْهِم مهديين وَهَذَا بِخِلَاف النَّص الْمَذْكُور وَقَالَ تَعَالَى ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ فنص تَعَالَى على أَنه ختم على قُلُوب الْكَافرين وَإِن على سمعهم وأبصارهم غشاوة حائلة بَينهم وَبَين قَول الْحق فَمن هُوَ الْجَاعِل هَذِه الغشاوة على سمعهم وعَلى أَبْصَارهم إِلَّا الَّذِي ختم على قُلُوبهم وَهَذَا هُوَ الخذلان الَّذِي ذكرنَا ونعوذ بِاللَّه مِنْهُ وَهَذَا نَص على أَنهم لَا يَسْتَطِيعُونَ الْإِيمَان مَا دَامَ ذَلِك الْخَتْم على قُلُوبهم والغشاوة على أَبْصَارهم وأسماعهم فَلَو أزالها تَعَالَى لآمنوا أَلا أَن يعْجزُوا رَبهم عَن إِزَالَة ذَلِك فَهَذَا خُرُوج عَن الْإِسْلَام وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا﴾ فنص تَعَالَى كَمَا ترى على أَنه من لم يتفضل عَلَيْهِ وَلم يرحمه اتبع الشَّيْطَان ضَرُورَة فصح ان التَّوْفِيق بِهِ يكون الْإِيمَان وَإِن الخذلان بِهِ يكون الْكفْر والعصيان وَهُوَ اتِّبَاع الشَّيْطَان وَمعنى قَوْله تَعَالَى أَلا قَلِيلا على ظَاهره وَهُوَ اسْتثِْنَاء من الْمُنعم عَلَيْهِم المرحومين الَّذين لم يتبعوا الشَّيْطَان برحمة الله تَعَالَى لَهُم أَي لاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا لم يرحمهم الله فاتبعوا الشَّيْطَان إِذْ رحمكم أَنْتُم فَلم تَتبعُوهُ وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَللَّه تَعَالَى الْحَمد وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين وَالله أركسهم بِمَا كسبوا أتريدون أَن تهدوا من أضلّ الله وَمن يضلل الله فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلا﴾ وَهَذَا نَص مَا قُلْنَا أَن من أضلّهُ الله تَعَالَى لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الْهدى وَأَن الضلال وَقع مَعَ الإضلال من الله تَعَالَى للْكَافِرِ وَالْفَاسِق وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك هدى الله يهدي بِهِ من يَشَاء من عباده﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن عِنْده هدى يهدي بِهِ من يَشَاء من عباده فَيكون مهتدياً وَهَذَا تَخْصِيص ظَاهر كَمَا ترى وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجاً كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾ فَهَذَا نَص مَا قُلْنَا وَإِن الله تَعَالَى قد نَص قَائِلا لنا أَن من أَرَادَ هَذَا شرح صَدره لِلْإِسْلَامِ فَآمن بِلَا شكّ وَإِن من أَرَادَ ضلاله وَلم يرد هداه ضيق صَدره وأحرجه حَتَّى يكون كمريد الصعُود إِلَى السَّمَاء فَهَذَا لَا يُؤمن الْبَتَّةَ وَلَا يَسْتَطِيع وَهُوَ فِي ظَاهره مستطيع بِصِحَّة جوارحه قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِن الضال لمن ضل بعد مَا ذكرنَا من النُّصُوص الَّتِي لَا تحْتَمل تَأْوِيلا وَمن شَهَادَة خَمْسَة من الْأَنْبِيَاء إِبْرَاهِيم ومُوسَى ويوسف وَالْخضر وَمُحَمّد ﵈ بِأَنَّهُم لَا يَسْتَطِيعُونَ فعلا لشَيْء من الْخَيْر إِلَّا بِتَوْفِيق الله تَعَالَى لَهُم وَإِنَّهُم إِن لم يوفقهم ضلوا جَمِيعًا مَعَ مَا أوردنا من الْبَرَاهِين الضرورية الْمَعْرُوفَة بالحس وبديهة الْعقل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن عرف تراكيب الْأَخْلَاق المحمودة والمذمومة علم أَنه لَا يَسْتَطِيع أحد غير مَا يفعل مِمَّا خلقه الله فِيهِ فتجد الْحَافِظ لَا يقدر على تَأَخّر الْحِفْظ والبليد لَا يقدر على الْحِفْظ والفهيم لَا يقدر على الغباوة والغبي لَا يَسْتَطِيع ذكاء الْفَهم والحسود لَا يقدر على ترك الْحَسَد والنزيه النَّفس لَا يقدر على الْحَسَد والحريص لَا يقدر على ترك الْحِرْص والبخيل لَا يقدر على الْبَذْل والجبان لَا يقدر على الشجَاعَة والكذاب لَا يقدر على ضبط نَفسه عَن الْكَذِب

стр. 327

كَذَلِك يوجدون من طفوليتهم والسيء الْخلق لَا يقدر على الْحلم والحي لَا يقدر على القحة والوقح لَا يقدر على الْحيَاء والعي لَا يقدر على الْبَيَان والطيوش لَا يقدر على الصَّبْر والغضوب لَا يقدر على الْحلم والصبور لَا يقدر على الطيش والحليم لَا يقدر على الْغَضَب والعزيز النَّفس لَا يقدر على المهانة والمهين لَا يقدر على عزة النَّفس وَهَكَذَا فِي كل شَيْء فصح أَنه لَا يقدر أحد إِلَّا على مَا يفعل بِمَا يتم الله تَعَالَى فيهم الْقُوَّة على فعله وَإِن كَانَ خلاف ذَلِك مُتَوَهمًا مِنْهُم بِصِحَّة البنية وَعدم الْمَانِع قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْمَلَائِكَة والحور الْعين وَالْجِنّ وَجَمِيع الْحَيَوَان كُله فِي الِاسْتِطَاعَة سَوَاء كَمَا ذكرنَا وَلَا فرق بَين شَيْء فِي ذَلِك كُله وَكلهمْ قد خلق الله فيهم الِاسْتِطَاعَة الظَّاهِرَة بِصِحَّة الْجَوَارِح وَلَا يكون مِنْهُم فعل إِلَّا بعون وَارِد من الله تَعَالَى إِذا ورد كَانَ الْفِعْل مَعَه وَلَا بُد قد خلق الله فيهم اخْتِيَارا وَإِرَادَة وحركة وسكوناً هم أفعالهم على غَيرهَا وَالْمَلَائِكَة وحور الْعين معصومون لم يخلق الله تَعَالَى فيهم مَعْصِيّة أصلا لَا طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة وَأما الَّذِي يقدر على كل مَا يفعل ومالا يفعل وَلم يزل قَادِرًا على كل مَا يخْطر بِالْقَلْبِ فَهُوَ وَاحِد لَا شريك لَهُ وَهُوَ الله لَيْسَ كمثله شَيْء وَلم يكن لَهُ كفوا أحد وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي الْهدى والتوفيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد احتجت الْمُعْتَزلَة بقول الله ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان من نُطْفَة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بَصيرًا إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً إِنَّا اعتدنا للْكَافِرِينَ سلاسل وأغلالاً وسعيراً﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا حق وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت فَمنهمْ من هدى الله وَمِنْهُم من حقت عَلَيْهِ الضَّلَالَة﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن الَّذين هجى بعض النَّاس لَا كلهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن تحرص على هدَاهُم فَإِن الله لَا يهدي من يضل﴾ وَهِي قِرَاءَة مَشْهُورَة عَن عَاصِم بِفَتْح الْيَاء من يهدي وَكسر الدَّال فَأخْبر تَعَالَى أَن فِي النَّاس من لم يهده وَقَالَ تَعَالَى ﴿من يضلل الله فَلَا هادي لَهُ﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن الَّذين أضلّ فَلم يهدهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجاً كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن الَّذين هدى غير الَّذِي أضلّ وَمثل هَذَا كثير وكل ذَلِك كَلَام الله وَكله حق لَا يتعارض وَلَا يبطل بعضه بَعْضًا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فصح يَقِينا أَن كل مَا أوردنا من الْآيَات فَكلهَا مُتَّفق لَا مُخْتَلف فَنَظَرْنَا فِي الْآيَات الْمَذْكُورَة فَوَجَدْنَاهَا ظَاهِرَة لائحة وَهُوَ أَن الله تَعَالَى أخبر أَنه هدى ثَمُود فَلم يهتدوا وَهدى النَّاس كلهم السَّبِيل ثمَّ هم بعد إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً وَأخْبر تَعَالَى فِي الْآيَات الْأُخَر أَنه هدى قوما فاهتدوا وَلم يهد آخَرين فَلم يهتدوا فَعلمنَا ضَرُورَة أَن الْهدى الَّذِي أعطَاهُ الله جَمِيع النَّاس هُوَ غير الَّذِي أعطَاهُ بَعضهم وَمنعه بَعضهم فَلم يعطهم إِيَّاه هَذَا

стр. 328

أَمر مَعْلُوم بضرورة الْعقل وبديهته فَإذْ لَا شكّ فِي ذَلِك فقد لَاحَ الْأَمر وَهُوَ أَن الْهدى فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة من الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة وَهِي الَّتِي يَقع الِاسْم مِنْهَا على مسمين مُخْتَلفين بنوعهما فَصَاعِدا فالهدى يكون بِمَعْنى الدّلَالَة تَقول هديت فلَانا الطَّرِيق بِمَعْنى أربته إِيَّاه ووقفته عَلَيْهِ وأعلمته إِيَّاه سَوَاء سلكه أَو تَركه وَتقول فلَان هاد بِالطَّرِيقِ أَي دَلِيل فِيهِ فَهَذَا الْهدى الَّذِي هداه الله ثَمُود وَجَمِيع الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة وَجَمِيع الْأنس كافرهم ومؤمنهم لِأَنَّهُ تَعَالَى دلهم على الطَّاعَات والمعاصي وعرفهم مَا يسْخط مِمَّا يُرْضِي فَهَذَا معنى وَيكون الْهدى بِمَعْنى التَّوْفِيق والعون على الْخَيْر والتيسير لَهُ وخلقه لقبُول الْخَيْر فِي النُّفُوس فَهَذَا هُوَ الَّذِي أعطَاهُ الله الْمَلَائِكَة كلهم والمهتدين من الْإِنْس وَالْجِنّ وَمنعه الْكفَّار من الطَّائِفَتَيْنِ والفاسقين فِيمَا فسقوا فِيهِ وَلَو أَعْطَاهُم إِيَّاه تَعَالَى لما كفرُوا وَلَا فسقوا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَمِمَّا يبين هَذَا قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَات الْمَذْكُورَة ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل﴾ فَبين تَعَالَى أَن الَّذِي هدَاهُم لَهُ فَهُوَ الطَّرِيق فَقَط وَكَذَلِكَ أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿ألم نجْعَل لَهُ عينين وَلِسَانًا وشفتين وهديناه النجدين﴾ فَهَذَا نَص قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى﴾ وَهَذَا بِلَا شكّ غير مَا هدى جَمِيعهم عَلَيْهِ من الدّلَالَة والتبيين للحق من الْبَاطِل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَوله تَعَالَى ﴿أَن الَّذين كفرُوا وظلموا لم يكن الله ليغفر لَهُم وَلَا ليهديهم طَرِيقا إِلَّا طَرِيق جَهَنَّم﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذَا نَص جلي على مَا قُلْنَا وَبَيَان أَن الدّلَالَة لَهُم على طَرِيق جَهَنَّم يحملون فِيهِ إِلَيْهَا هدى لَهُم إِلَى تِلْكَ الطَّرِيق وَنفى عَنْهُم تَعَالَى فِي الْآخِرَة كل هدى إِلَى شَيْء من الطّرق إِلَّا طَرِيق جَهَنَّم ونعوذ بِاللَّه من الضلال قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ بعض من يتعسف القَوْل بِلَا علم أَن قَول الله ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وهديناه النجدين﴾ إِنَّمَا أَرَادَ تَعَالَى بِكُل ذَلِك الْمُؤمنِينَ خَاصَّة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا بَاطِل لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا تَخْصِيص الْآيَات بِلَا برهَان وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وَالثَّانِي أَن نَص الْآيَات يمْنَع من التَّخْصِيص وَلَا بُد وَهُوَ أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى﴾ فَرد تَعَالَى الضَّمِير فاستحبوا الْعَمى على الْهدى إِلَى المهديين أنفسهم فصح أَن الَّذين هُدُوا لم يهتدوا وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى قَالَ لرَسُوله ﷺ ﴿لَيْسَ عَلَيْك هدَاهُم وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ وَقَالَ لَهُ تَعَالَى ﴿وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ فصح يَقِينا أَن الْهدى الْوَاجِب على النَّبِي ﷺ هُوَ الدّلَالَة وَتَعْلِيم الدّين وَهُوَ غير الْهدى الَّذِي لَيْسَ هُوَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ لله تَعَالَى وَحده فَإِن ذكر ذَاكر قَول الله ﴿وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم وَلَو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ فَلَيْسَ هَذَا على مَا أَظُنهُ من لَا ينعم النّظر من أَن الله وَحده لَو أسمعهم لم يسمعوا بذلك بل ظَاهر الْآيَة مُبْطل لهَذَا الظَّن لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم فصح يَقِينا أَن من علم الله تَعَالَى فِيهِ خيرا أسمعهُ وَثَبت أَن فِيهِ خيرا ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾

стр. 329

فصح يَقِينا أَنه أَرَادَ بِلَا شكّ أَنه لَو أسمعهم لتولوا عَن الْكفْر وهم معرضون عَنهُ لَا يجوز غير هَذَا أصلا لِأَنَّهُ تَعَالَى قد نَص على أَن إسماعه لَا يكون إِلَّا لمن علم فِيهِ خيرا وَمن الْمحَال الْبَاطِل أَن يكون من علم الله تَعَالَى فِيهِ خيرا يتَوَلَّى عَن الْخَيْر ويعرض عَنهُ فَبَطل مَا حرفوه بظنونهم من كَلَام الله وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً﴾ فَإِنَّهُ تَعَالَى قسم من هدى السَّبِيل قسمَيْنِ كفوراً وشاكراً فصح ان الكفور أَيْضا هدى السَّبِيل فَبَطل مَا توهموه من الْبَاطِل وَللَّه تَعَالَى الْحَمد وَصَحَّ مَا قُلْنَا الْكَلَام فِي الإضلال قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد تلونا من كَلَام الله تَعَالَى فِي الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا وَالْبَاب الَّذِي فبله مُتَّصِلا بِهِ نصوصا كَثِيرَة بِأَن الله تَعَالَى أضلّ من شَاءَ من خلقه وَجعل صُدُورهمْ ضيقَة حرجة فَإِن اعْترضُوا بقول الله تَعَالَى عَن الْكفَّار أَنهم قَالُوا ﴿وَمَا أضلنا إِلَّا المجرمون﴾ فَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذِه الْوُجُوه أَحدهَا أَنه قَول كفار قد قَالُوا الْكَذِب وَحكى الله تَعَالَى حِينَئِذٍ ﴿وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين انْظُر كَيفَ كذبُوا على أنفسهم وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون﴾ فَإِن أَبَوا إِلَّا الِاحْتِجَاج بقول الْكفَّار فليجعلوه إِلَى جنب قَول إِبْلِيس ﴿رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض﴾ وَالْوَجْه الثَّانِي أننا لَا ننكر إضلال الْمُجْرمين وإضلال إِبْلِيس لَهُم وَلكنه إضلال آخر لَيْسَ إضلال الله تَعَالَى لَهُم وَالثَّالِث أَنه لَا عذر لأحد فِي أَن الله تَعَالَى أضلّهُ وَلَا لوم على الْخَالِق تَعَالَى فِي ذَلِك وَأما من أضلّ آخر من دون الله تَعَالَى فَهُوَ ملوم وَقد فسر الله تَعَالَى إضلاله لمن يضل كَيفَ هُوَ وَفسّر تَعَالَى ذَلِك الإضلال تَفْسِيرا أغنانا بِهِ عَن تَفْسِير الخلعاء العيارين كالنظام والعلاف وثمامة وَبشر بن الْمُعْتَمِر والجاحظ والناشي وَمَا هُنَالك من الْأَحْزَاب وَمن تَبِعَهُمْ من الْجُهَّال فَبين تَعَالَى فِي نَص الْقُرْآن أَن إضلاله لمن أضلّ من عباده إِنَّمَا هُوَ أَن يضيق صَدره عَن قبُول الْإِيمَان وَأَن يحرجه حَتَّى لَا يرغب فِي تفهمه والجنوح إِلَيْهِ وَلَا يصبر عَلَيْهِ ويوعر عَلَيْهِ الرُّجُوع إِلَى الْحق حَتَّى يكون كَأَنَّهُ يتَكَلَّف فِي ذَلِك الصعُود إِلَى السَّمَاء وَفسّر ذَلِك أَيْضا فِي آيه أُخْرَى قد تلوناها آنِفا بِأَنَّهُ يَجْعَل أكنه على قُلُوب الْكَافرين يحول بَين قُلُوبهم وَبَين تفهم الْقُرْآن والإصاغة لبيانه وهداه وَإِن يفقهوه وَإنَّهُ جعل تَعَالَى بَينهم وَبَين قَول الرَّسُول ﷺ حِجَابا مَانِعا لَهُم من الْهدى وَفَسرهُ أَيْضا تَعَالَى بِأَنَّهُ ختم على قُلُوبهم وطبع عَلَيْهَا فامتنعوا بذلك من وُصُول الْهدى إِلَيْهَا وَفسّر تَعَالَى إضلال من دونه فَقَالَ تَعَالَى أَنه جعلهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار وَفسّر تَعَالَى أَيْضا الْقُوَّة الَّتِي أَعْطَاهَا الْمُؤمنِينَ وحرمها الْكَافرين بِأَنَّهَا تثبيت على قبُول الْحق وَأَنه تَعَالَى يشْرَح صُدُورهمْ لفهم الْحق واعتقاده وَالْعَمَل بِهِ وَأَنه صرف لكيد الشَّيْطَان ولفتنته عَنْهُم نسْأَل الله أَن يمدنا بِهَذِهِ الْعَطِيَّة وَأَن يصرف عَنَّا الإضلال بمنه وَإِن لَا يكلنا إِلَى أَنْفُسنَا فقد خَابَ وخسر من ظن فِي نَفسه أَنه قد اسْتكْمل القوى حَتَّى اسْتغنى عَن أَن يزِيدهُ الله تَعَالَى تَوْفِيقًا وعصمة وَلم يحْتَج إِلَى خالقه فِي أَن يصرف عَنهُ فتنته وَلَا كَيده لَا سِيمَا من جعل نَفسه أقوى على ذَلِك من خالقه تَعَالَى وَلم يَجْعَل عِنْد خالقه قوه يصرف بهَا عَنهُ كيد الشَّيْطَان نَعُوذ بِاللَّه مِمَّا امتحنهم بِهِ ونبرأ إِلَى الله خالقنا تَعَالَى من الْحول وَالْقُوَّة كلهَا إِلَّا مَا أَتَانَا مِنْهَا متفضلاً علينا وَأما كل مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن من إضلال الشَّيَاطِين للنَّاس وإنسائهم إيَّاهُم ذكر الله تَعَالَى وتزينهم لَهُم

стр. 330

ووسوستهم وَفعل بعض النَّاس ذَلِك بِبَعْض فَصَحِيح كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن دون تكلّف وَهَذَا كُله إِلْقَاء لما ذكرنَا فِي قُلُوب النَّاس وَهُوَ من الله تَعَالَى خلق لكل ذَلِك فِي الْقُلُوب وخالق لأفعال هَؤُلَاءِ المضلين من الْجِنّ وَالْإِنْس وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿حسداً من عِنْد أنفسهم﴾ لِأَنَّهُ فعل أضيف إِلَى النَّفس لظُهُوره مِنْهَا وَهُوَ خلق الله تَعَالَى فِيهَا فَإِن ذكرُوا قَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ فَهُوَ كَمَا قَالَ الله وَهُوَ حجَّة على الْمُعْتَزلَة لِأَن الله تَعَالَى أخبر أَنه لَا يضل قوما حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ وَمَا يلْزمهُم وَصدق الله لِأَن الْمَرْء قبل أَن يَأْتِيهِ خبر الرَّسُول غير ضال بِشَيْء مِمَّا يفعل اصلاً فَإِنَّمَا سمي الله تَعَالَى فعله فِي العَبْد إضلالاً بعد بُلُوغ الْبَيَان إِلَيْهِ لَا قبل ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فصح بِهَذِهِ الْآيَة أَنه تَعَالَى يضلهم بعد ان يبين لَهُم وَقد فسر بَعضهم الإضلال بِأَنَّهُ منع اللطف الَّذِي يَقع بِهِ الْإِيمَان فَقَط قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونصوص الْقُرْآن تزيد على هَذَا الْمَعْنى زِيَادَة لَا شكّ فِيهَا وتوجب أَن الإضلال معنى زَائِد أعطَاهُ الله للْكفَّار والعصاة وَهُوَ مَا ذكرنَا من تضييق الصُّدُور وتحريجها والختم على الْقُلُوب والطبع عَلَيْهَا وأكنانها عَن أَن يفقهوا الْحق فَإِن قَالُوا إِن هَذَا فعل النُّفُوس كلهَا إِن لم يمدها الله تَعَالَى بِتَوْفِيق قُلْنَا لَهُم من خلقهَا هَذِه الْخلقَة الْمفْسدَة فَإِن لم يؤيدها بالتوفيق فَإِن قَالُوا الله تَعَالَى هُوَ خلقهَا كَذَلِك أقرُّوا بِأَن الله تَعَالَى أَعْطَاهَا هَذِه البلية وَركب فِيهَا هَذِه الصّفة الْمهْلكَة فَإِن فروا إِلَى قَول معمر والجاحظ أَن هَذَا كُله فعل الطبيعة لم يتخلصوا من سؤالنا وَقُلْنَا لَهُم فَمن خلق النَّفس وَخلق فِيهَا هَذِه الطبيعة الْمُوجبَة لهَذِهِ الأفاعيل فَإِن قَالُوا الله أقرُّوا بِأَن الله أَعْطَاهَا هَذِه الصّفة الْمهْلكَة لَهَا إِن لم يمدها بلطف وتوفيق وَكَذَلِكَ إِن قَالُوا إِن النَّفس هِيَ فعلت الطبيعة الْمُوجبَة لهَذِهِ المهالك كَانُوا مَعَ خُرُوجهمْ من الْإِسْلَام بِهَذَا القَوْل محيلين أَيْضا محالاً ظَاهرا لِأَن النَّفس لَو فعلت هِيَ طبيعتها لكَانَتْ إِمَّا مختارة لفعلها وَإِمَّا مضطرة إِلَى فعلهَا على مَا هِيَ عَلَيْهَا فَإِن كَانَت مختارة فقد يجب أَن تقع طبيعتها مرَارًا بِخِلَاف مَا لَا تُوجد إِلَّا عَلَيْهِ وَإِن كَانَت مضطرة فَمن خلقهَا مضطرة إِلَى هَذَا الْفِعْل فَلَا بُد من أَنه الله تَعَالَى فَرَجَعُوا ضَرُورَة إِلَى أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَعْطَاهَا هَذِه الصّفة الْمهْلكَة الَّتِي بهَا كَانَت الْمعْصِيَة مَعَ أَنه لم يقل أحد من الْمُسلمين أَن النَّفس أحدثت طبيعتها مَعَ أَنه أَيْضا قَول يُبطلهُ الْحس والمشاهدة وضرورة الْعقل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما القائلو بالأصلح من الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُم انْقَطَعُوا هَا هُنَا وَقَالُوا لَا نَدْرِي مَا معنى الإضلال وَلَا معنى الْخَتْم على قُلُوبهم وَلَا الطَّبْع عَلَيْهَا وَقَالَ بَعضهم معنى ذَلِك أَن الله تَعَالَى سماهم ضَالِّينَ وَحكم انهم ضالون وَقَالَ بَعضهم معنى أضلهم أتلفهم كَمَا تَقول ضللت بَعِيري وَهَذِه كلهَا دعاوي بِلَا برهَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد لم نجد لَهُم تَأْوِيلا أصلا فِي قَول الله حِكَايَة عَن مُوسَى ﵇ أَنه قَالَ ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا هُوَ الضلال حَقًا وَهُوَ أَن يحملهم اللجاج والعمى فِي لُزُوم أصل قد ظهر فَسَاده وتقليد من لَا خير فِيهِ من أسلافهم على أَن يدعوا أَنهم لَا يعْرفُونَ مَا معنى الإضلال والختم

стр. 331

والطبع والأكنة على الْقُلُوب وَقد فسر الله كل ذَلِك تَفْسِيرا جلياً وَأَيْضًا فَإِنَّهَا أَلْفَاظ عَرَبِيَّة مَعْرُوفَة الْمعَانِي فِي اللُّغَة الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن فَلَا يحل لأحد صرف لَفْظَة مَعْرُوفَة الْمَعْنى فِي اللُّغَة عَن مَعْنَاهَا الَّذِي وضعت لَهُ فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا خاطبنا الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن إِلَى معنى غير مَا وضعت لَهُ إِلَّا أَن يَأْتِي نَص قُرْآن أَو كَلَام عَن رَسُول الله ﷺ أَو إِجْمَاع من عُلَمَاء الْأمة كلهَا على أَنَّهَا مصروفة عَن ذَلِك الْمَعْنى إِلَى غَيره أَو يُوجب صرفهَا ضَرُورَة حس أَو بديهة عقل فَيُوقف حِينَئِذٍ عِنْدَمَا جَاءَ من ذَلِك وَلم يَأْتِ فِي هَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِي أضلهم الله تَعَالَى فِيهَا وَخَيرهمْ الشَّيْطَان عَن فهمها نَص وَلَا إِجْمَاع وَلَا ضَرُورَة بِأَنَّهَا مصروفة عَن موضعهَا فِي اللُّغَة بل قد قَالَ رَسُول الله ﷺ كل ميسر لما خلق لَهُ فَبين ﵇ أَن الْهدى والتوفيق هُوَ تيسير الله تَعَالَى للخير الَّذِي لَهُ خلقه وَأَن الخذلان تيسيره الْفَاسِق للشر الَّذِي لَهُ خلقه وَهَذَا مُوَافق للغة وَالْقُرْآن والبراهين الضرورية الْعَقْلِيَّة وَلما عَلَيْهِ الْفُقَهَاء وَالْأَئِمَّة المحدثون من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ وَعَامة الْمُسلمين حاشا من أضلّهُ الله على علم من أَتبَاع العيارين الْخُلَفَاء كالنظام وثمامة والعلاف والجاحظ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونبين هَذَا أَيْضا بَيَانا طبيعياً ضَرُورِيًّا لَا خَفَاء بِهِ بعون الله تَعَالَى وتأييده على من لَهُ أدنى بصر بِالنَّفسِ وأخلاقها وقدرة الله تَعَالَى فِي اختراعها فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الله خلق نفس الْإِنْسَان مُمَيزَة عَاقِلَة عارفة بالأشياء على مَا هِيَ عَلَيْهِ فهمه بِمَا تخاطب بِهِ وَجعلهَا مأمورة منهية فعالة منعمة معذبة ملتذة آلمة حساسة وَخلق فِيهَا قوتين متعاديتين متضادتين فِي التَّأْثِير وهما التَّمْيِيز والهوى كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تُرِيدُ الْغَلَبَة على آثَار النَّفس فالتمييز هُوَ الَّذِي خص نفس الْإِنْسَان وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة دون الْحَيَوَان الَّذِي لَا يُكَلف وَالَّذِي لَيْسَ ناطقاً والهوى هُوَ الَّذِي يشاركها فِيهِ نفوس الْجِنّ وَالْحَيَوَان الَّذِي لَيْسَ ناطقاً من حب اللَّذَّات وَالْغَلَبَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه الْقُوَّة فِي كل الْحَيَوَان حاشا الْمَلَائِكَة فَإِنَّمَا فِيهَا قُوَّة التَّمْيِيز فَقَط وَلذَلِك لم يَقع مِنْهَا مَعْصِيّة أصلا بِوَجْه من الْوُجُوه فَإِذا عصم الله النَّفس غلب التَّمْيِيز بِقُوَّة من عِنْده هِيَ لَهُ مدد وَعون فجرت أَفعَال النَّفس على مَا رتب الله فِي تمييزها من فعل الطَّاعَات وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُسمى الْعقل وَإِذا خذل جلّ وَعز النَّفس أمد الْهوى بِقُوَّة هِيَ الإضلال فجرت أَفعَال النَّفس على مَا رتب الله فِي هَواهَا من الشَّهَوَات وَحب الْغَلَبَة والحرص وَالْبَغي والحسد وَسَائِر الْأَخْلَاق الرذلة والمعاصي وَقد قَامَت الْبَرَاهِين على أَن النَّفس مخلوقة وَكَذَلِكَ جَمِيع قواها المنتجة عو قوتيها الأولتين التَّمْيِيز والهوى كل ذَلِك مَخْلُوق مركب فِي النَّفس مُرَتّب على مَا هُوَ عَلَيْهِ فِيهَا كل جَار على طَبِيعَته الْمَخْلُوق لجري كيفياته بهَا على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَإِذا قد صَحَّ أَن كل ذَلِك خلق الله تَعَالَى فَلَا مغلب لبَعض ذَلِك على بعض إِلَّا خَالق الْكل وَحده لَا شريك لَهُ وَقد نَص الله تَعَالَى على ذمّ النَّفس جملَة إِلَّا من رَحمهَا الله تَعَالَى وعصمها قَالَ جلّ وَعز ﴿أَن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي﴾ فَأخْبر بِنَصّ مَا قُلْنَا فصح أَن المرحومة المستثناة لَا تَأمر بِسوء وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى﴾ وذم الله تَعَالَى الْهوى فِي غير مَا مَوضِع من كِتَابه وَهَذَا نَص مَا قُلْنَا وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل

стр. 332

الْكَلَام فِي الْقَضَاء وَالْقدر قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب بعض النَّاس لِكَثْرَة اسْتِعْمَال الْمُسلمين هَاتين اللفظتين إِلَى أَن ظنُّوا أَن فيهمَا معنى الْإِكْرَاه والإجبار وَلَيْسَ كَمَا ظنُّوا وَإِنَّمَا معنى الْقَضَاء فِي لُغَة الْعَرَب الَّتِي بهَا خاطبنا الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَبهَا نتخاطب ونتفاهم مرادنا أَنه الحكم فَقَط وَلذَلِك يَقُولُونَ القَاضِي بِمَعْنى الْحَاكِم وَقضى الله بِكَذَا أَي حكم بِهِ وَيكون أَيْضا بِمَعْنى أَمر قَالَ تَعَالَى ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ إِنَّمَا مَعْنَاهُ بِلَا خلاف أَنه تَعَالَى أَمر أَن لَا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه وَيكون أَيْضا بِمَعْنى أخبر قَالَ الله تَعَالَى ﴿وقضينا إِلَيْهِ ذَلِك الْأَمر إِن دابر هَؤُلَاءِ مَقْطُوع مصبحين﴾ بِمَعْنى أخبرناه أَن دابرهم مَقْطُوع بالصباح وَقَالَ تَعَالَى ﴿وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ ولتعلن علوا كَبِيرا﴾ أَي أخبرناهم بذلك وَيكون أَيْضا بِمَعْنى أَرَادَ وَهُوَ قريب من معنى حكم قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ وَمعنى ذَلِك حكم بِكَوْنِهِ فكونه وَمعنى الْقدر فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة التَّرْتِيب وَالْحَد الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الشَّيْء تَقول قدرت الْبناء تَقْديرا إِذا رتبته وحددته قَالَ تَعَالَى ﴿وَقدر فِيهَا أقواتها﴾ بِمَعْنى رتب أقواتها وحددها وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ يُرِيد تَعَالَى برتية وحد فَمَعْنَى قضى وَقدر حكم ورتب وَمعنى الْقَضَاء وَالْقدر حكم الله تَعَالَى فِي شَيْء بِحَمْدِهِ أَو ذمه وبكونه وترتيبه على صفة كَذَا وَإِلَى وَقت كَذَا فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي الْبَدَل قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَالَ بعض الْقَائِلين بالاستطاعة مَعَ الْفِعْل إِذا سُئِلَ هَل يَسْتَطِيع الْكَافِر مَا أَمر بِهِ من الْإِيمَان أم لَا يستطيعه فَأجَاب أَن الْكَافِر مستطيع للْإيمَان على الْبَدَل بِمَعْنى أَن لَا يتمادى فِي الْكفْر لَكِن يقطعهُ ويبدل مِنْهُ الْإِيمَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالَّذِي يجب أَن يُجيب بِهِ هُوَ الْجَواب الَّذِي بَينا صِحَّته بحول الله تَعَالَى وقوته فِي كلامنا فِي الِاسْتِطَاعَة وَهُوَ ان تَقول هُوَ مستطيع فِي ظَاهر الْأَمر بسلامة جوارحه وارتفاع موانعه غير مستطيع للْجمع بَين الْإِيمَان وَالْكفْر مَا دَامَ كَافِرًا وَمَا دَامَ لَا يؤتيه الله جلّ وَعز العون فَإِذا آتَاهُ إِيَّاه تمت الإستطاعة وَفعل وَلَا بُد فَإِن قيل فَهُوَ مُكَلّف مَأْمُور قُلْنَا نعم فَإِن قيل أهوَ عَاجز عَمَّا هُوَ مَأْمُور بِهِ ومكلف أَن يَفْعَله قُلْنَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق هُوَ غير عَاجز بِظَاهِر بنيته لِسَلَامَةِ جوارحه وارتفاع الْمَوَانِع وَهُوَ عَاجز عَن الْجمع بَين الْفِعْل وضده مَا لم ينزل الله تَعَالَى لَهُ العون فَيتم ارْتِفَاع الْعَجز عَنهُ وَيُوجد الْفِعْل وَلَا بُد وَتقول أَن الْعَجز فِي اللُّغَة إِنَّمَا يَقع على الْمَمْنُوع بِآفَة على الْجَوَارِح أَو بمانع ظَاهر إِلَى الْحَواس والمأمور بِالْفِعْلِ لَيْسَ فِي ظَاهر أمره عَاجِزا إِذْ لَا آفَة فِي جوارحه وَلَا مَانع لَهُ ظَاهرا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة عَاجز عَن الْجمع بَين الْفِعْل وضده وَبَين الْفِعْل وَتَركه وَعَن فعل مَا لم يؤته الله عوناً عَلَيْهِ وَعَن تَكْذِيب علم الله تَعَالَى الَّذِي لم يزل بِأَنَّهُ لم يفعل إِلَّا مَا سبق علمه تَعَالَى فِيهِ هَذِه الْحَقِيقَة الْجَواب فِي هَذَا الْبَاب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِن قيل فَهُوَ ختار لما يفعل قُلْنَا نعم اخْتِيَارا صَحِيحا لَا مجَازًا لِأَنَّهُ مُرِيد لكَونه مِنْهُ محب لَهُ مُؤثر على تَركه وَهَذَا معنى لَفْظَة الِاخْتِيَار على الْحَقِيقَة وَلَيْسَ مُضْطَرّا وَلَا مجبراً وَلَا مكْرها لِأَن هَذِه أَلْفَاظ فِي اللُّغَة لَا تقع إِلَّا على الكاره لما يكون مِنْهُ فِي هَذِه الْحَال وَقد يكون الْمَرْء مُضْطَرّا مُخْتَارًا مكْرها فِي حَالَة وَاحِدَة كإنسان فِي رجله أَكلَة لَا دَوَاء لَهُ إِلَّا بقطعها

стр. 333

فيأمر أعوانه مُخْتَارًا لأَمره إيَّاهُم بقطعها وبحسمها بالنَّار بعد الْقطع وَيَأْمُرهُمْ بإمساكه وَضَبطه وَأَن لَا يلتفتوا إِلَى صياحه وَلَا إِلَى أمره لَهُم بِتَرْكِهِ إِذا أحس الْأَلَم ويتوعدهم على التَّقْصِير فِي ذَلِك بِالضَّرْبِ والنكال الشَّديد فيفعلون بِهِ ذَلِك فَهُوَ مُخْتَار لقطع رجله إِذْ لَو كره ذَلِك كَرَاهَة تَامَّة لم يكرههُ أحد على ذَلِك وَهُوَ بِلَا شكّ كَارِه لقطعها مُضْطَر إِلَيْهِ إِذْ لَو وجد سَبِيلا بِوَجْه من الْوُجُوه دون الْمَوْت إِلَى ترك قطعهَا وَلم يقطعهَا وَهُوَ مجبر مكره بالضبط من أعوانه حَتَّى يتم الْقطع والحسم إِذْ لَو لم يضبطوه ويعسروه ويقهروه ويكرهوه ويجبروه لم يُمكن من قطعهَا الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا أَتَيْنَا بِهَذَا لِئَلَّا يُنكر الجاهلون أَن يكون أحد يُوجد مُخْتَارًا من وَجه مكْرها من وَجه آخر عَاجِزا من وَجه مستطيعا من آخر قَادِرًا من وَجه مَمْنُوعًا من آخر وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد الْكَلَام فِي خلق الله لأفعال خلقه قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلفُوا فِي خلق الله تَعَالَى لأفعال عباده فَذهب أهل السّنة كلهم وكل من قَالَ بالاستطاعة مَعَ الْفِعْل كالمريسي وَابْن عون والنجارية والأشعرية والجهمية وَطَوَائِف من الْخَوَارِج والمرجئة والشيعة إِلَى ان جَمِيع أَفعَال الْعباد مخلوقة خلقهَا الله فِي الفاعلين لَهَا وَوَافَقَهُمْ على هَذَا مُوَافقَة صَحِيحَة من الْمُعْتَزلَة ضرار بن عَمْرو وَصَاحبه أَبُو يحيى حَفْص الْفَرد وَذهب سَائِر الْمُعْتَزلَة وَمن وافقهم على ذَلِك من المرجئة والخوارج والشيعة إِلَى أَن أَفعَال الْعباد محدثة فعلهَا فاعلوها وَلم يخلقها الله على تَخْلِيط مِنْهُم فِي مائية أَفعَال النَّفس إِلَّا بشر بن الْمُعْتَمِر عطف فَقَالَ إِلَّا أَنه لَيْسَ شَيْء من أَفعَال الْعباد إِلَّا وَللَّه تَعَالَى فِيهِ فعل من طَرِيق الِاسْم وَالْحكم يُرِيد بذلك أَنه لَيْسَ للنَّاس فعل إِلَّا وَللَّه تَعَالَى فِيهِ حكم بِأَنَّهُ صَوَاب أَو خطأ ونسميه بِأَنَّهُ حسن أَو قَبِيح طَاعَة أَو مَعْصِيّة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد أدّى هَذَا القَوْل الْفَاحِش الملعون رجلا من كبار الْمُعْتَزلَة وَهُوَ عباد بن سلمَان تلميذ هِشَام بن عَمْرو الفوطي إِلَى أَن قَالَ أَن الله تَعَالَى لم يخلق الْكفَّار لأَنهم نَاس وَكفر مَعًا لَكِن خلق أجسامهم دون كفرهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيلْزمهُ مثل هَذَا نَفسه فِي الْمُؤمنِينَ وَفِي جَمِيع الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ لِأَنَّهُ لَيْسَ إِلَّا مُؤمن وَكَافِر وَالْمُؤمن إِنْسَان وإيمانه أَو ملك وإيمانه أَو جني وإيمانه وكفره فعلى قَول هَذَا البائس السخيف لَا يجوز أَن يُقَال إِن لله تَعَالَى خلق من النَّاس وَلَا الْجِنّ وَلَا الْمَلَائِكَة سعيد بل يكون القَوْل بِهَذَا كذبا وحسبك بِهَذَا القَوْل خلافًا لِلْقُرْآنِ وللمسلمين وَقَالَ معمر والجاحظ أَن أَفعَال الْعباد كلهَا لَا فعل لَهُم فِيهَا وَإِنَّمَا نسب إِلَيْهِم مجَازًا لظهورها مِنْهُم وَإِنَّهَا فعل الطبيعة حاشا الْإِرَادَة فَقَط فَإِنَّهُ لَا فعل للْإنْسَان غَيرهَا الْبَتَّةَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن تدبر هَذَا القَوْل علم أَنه أقبح من قَول جهم وَجَمِيع الْمُجبرَة لأَنهم جعلُوا أَفعَال الْعباد طبيعة اضطرارية كَفعل النَّار للإحراق بطبعها وَفعل الثَّلج للتبريد بطبعه وَفعل السقمونيا فِي إحدارها الصَّفْرَاء بطبعها وَهَذِه صفة الْأَمْوَات لَا صفة الْأَحْيَاء المختارين وَإِذا لم يبْق على قَول هذَيْن الرجلَيْن للْإنْسَان فعل إِلَّا الْإِرَادَة فقد وجدنَا الْإِرَادَة لَا يقدر الْإِنْسَان على صرفهَا وَلَا إحالتها وَلَا على تبديلها بِوَجْه من الْوُجُوه وَإِنَّمَا يظْهر من الْمَرْء تَبْدِيل حركاته وسكونه وَأما إِرَادَته فَلَا حِيلَة لَهُ فِيهَا وَنحن نجد كل قوي الْآلَة من الرِّجَال

стр. 334

يحب وَطْء كل جميلَة يسْتَمْتع بهَا لَوْلَا التَّقْوَى وَيُحب النّوم عَن الصَّلَاة فِي اللَّيَالِي الْقَاهِرَة والهواجر الحارة وَيُحب الْأكل فِي أَيَّام الصَّوْم وَيُحب إمْسَاك مَاله عَن الزَّكَاة وَإِنَّمَا يَأْتِي خلاف مَا يُرِيد مغالبة لإرادته وقهراً لَهَا وَأما صرفا لَهَا فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهِ فقد تمّ الْإِخْبَار صَحِيحا على قَول هذَيْن الرجلَيْن وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل قَالَ أَبُو مُحَمَّد والبرهان على صِحَة قَول من قَالَ إِن الله تَعَالَى خلق أَعمال الْعباد كلهَا نُصُوص من الْقُرْآن وبراهين ضَرُورِيَّة منتجة من بديهة الْعقل والحس لَا يغيب عَنْهَا إِلَّا جَاهِل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَمن النُّصُوص قَول الله ﴿هَل من خَالق غير الله﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا كَاف لمن عقل وَاتَّقَى الله وَقد قَالَ لي بَعضهم إِنَّمَا أنكر الله تَعَالَى أَن يكون هَاهُنَا خَالق غَيره يرزقنا كَمَا فِي نَص الْآيَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَجَوَاب هَذَا أَنه لَيْسَ كَمَا ظن هَذَا الْقَائِل بل الْقَضِيَّة قد تمت فِي قَوْله غير الله ثمَّ ابْتَدَأَ بتعديد نعمه علينا فَأخْبرنَا أَنه يرزقنا من السَّمَاء وَالْأَرْض وَقَالَ تَعَالَى ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم﴾ وَهَذَا برهَان جلي على أَن الدّين مَخْلُوق لله وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّخذُوا من دونه آلِهَة لَا يخلقون شَيْئا وهم يخلقون وَلَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضراً وَلَا نفعا وَلَا يملكُونَ موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمِنْهُم من يعبد الْمَسِيح وَقَالَت الْمَلَائِكَة وَصَدقُوا بل كَانُوا يعْبدُونَ الْجِنّ فصح أَن كل مَا عبدوه وَمِنْهُم الْمَسِيح وَالْجِنّ لَا يخلقون شَيْئا وَلَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضراً وَلَا نفعا فَثَبت يَقِينا أَنهم مصرفون مدبرون وَأَن أفعالهم مخلوقة لغَيرهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَمَن يخلق كمن لَا يخلق أَفلا تذكرُونَ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا نَص جلي على إبِْطَال أَن يخلق أحد دون الله تَعَالَى شَيْئا لِأَنَّهُ لَو كَانَ هَاهُنَا أحد غَيره تَعَالَى يخلق لَكَانَ من يخلق مَوْجُودا جِنْسا فِي حيّز وَمن لَا يخلق جِنْسا آخر وَكَانَ الشّبَه بَين من يخلق مَوْجُودا وَكَانَ من لَا يخلق لَا يشبه من يخلق وَهَذَا إلحاد عَظِيم فصح بِنَصّ هَذِه الْآيَة أَن الله تَعَالَى هُوَ يخلق وَحده وكل من عداهُ لَا يخلق شَيْئا فَلَيْسَ أحد مثله تَعَالَى فَلَيْسَ من يخلق وَهُوَ الله تَعَالَى كمن لَا يخلق وَهُوَ كل من سواهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلكُل وجهة هُوَ موليها﴾ وَهَذَا نَص جلي من كذبه كفر وَقد علمنَا أَنه تَعَالَى لم يَأْمر بِتِلْكَ الوجهات كلهَا بل فِيهَا كفر قد نهى الله عَنهُ فَلم يبْق إِذْ هُوَ مولي كل وجهة إِلَّا أَنه خَالق كل وجهة لَا أحدا من النَّاس وَهَذَا كَاف لمن عقل ونصح نَفسه وَمِنْهَا قَول الله ﴿هَذَا خلق الله فأروني مَاذَا خلق الَّذين من دونه﴾ وَهَذَا إِيجَاب لِأَن الله تَعَالَى خلق كل مَا فِي الْعَالم وَإِن كل من دونه لَا يخلق شَيْئا أصلا وَلَو كَانَ هَهُنَا خَالق لشَيْء من الْأَشْيَاء غير الله تَعَالَى لَكَانَ جَوَاب هَؤُلَاءِ المقررين جَوَابا قَاطعا ولقالوا لَهُ نعم نريك أفعالنا خلقهَا من دُونك وَنعم هَاهُنَا خالقون كثير وهم نَحن لأفعالنا وَقَوله ﴿أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء﴾ وَهَذَا بَيَان وَاضح لَا خَفَاء بِهِ لِأَن الْخلق كُله جَوَاهِر وإعراض وَلَا شكّ فِي أَنه لَا يفعل الْجَوَاهِر أحد دون الله تَعَالَى وَإِنَّمَا يَفْعَله الله وَحده فَلم تبْق إِلَّا الْأَعْرَاض فَلَو كَانَ الله خَالِقًا لبَعض الْأَعْرَاض وَيكون النَّاس خالقين

стр. 335

لبعضها لكانوا شُرَكَاء فِي الْخلق ولكانوا قد خلقُوا كخلقة خلق إعْرَاضًا وخلقوا إعْرَاضًا وَهَذَا تَكْذِيب لله تَعَالَى ورد لِلْقُرْآنِ مُجَردا فصح أَنه لَا يخلق شَيْئا غير الله وَحده والخلق هُوَ الاختراع فَالله مخترع أفعالنا كَسَائِر الْأَعْرَاض وَلَا فرق فَإِن نفورا خلق الله تَعَالَى لجَمِيع الْأَعْرَاض لَزِمَهُم أَن يَقُولُوا أَنَّهَا أَفعَال لغير فَاعل أَو أَنَّهَا فعل لمن ظَهرت مِنْهُ من الأجرام الجمادية وَغَيرهَا فَإِن قَالُوا هِيَ أَفعَال لغير فَاعل فَهَذَا قَول أهل الدَّهْر نصا ويكلمون حِينَئِذٍ بِمَا يكلم بِهِ أهل الدَّهْر وَإِن قَالُوا إِنَّهَا أَفعَال الإجرام كَانُوا قد جعلُوا الجمادات فاعلة مخترعة وَهَذَا بَاطِل محَال وَهُوَ أَيْضا غير قَوْلهم فالطبيعة لَا تفعل شَيْئا مخترعة لَهُ وَإِنَّمَا الْفَاعِل لما ظهر مِنْهَا خَالق الطبيعة الْمظهر مِنْهَا مَا ظهر فَهُوَ خَالق الْكل وَلَا بُد وَللَّه الْحَمد وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿أتعبدون مَا تنحتون وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَنه خلقنَا وَخلق العيدان والمعادن الَّتِي تعْمل وَهَذَا نَص جلي على أَنه تَعَالَى خلق أَعمالنَا وَقد فسر بَعضهم قَوْله تَعَالَى وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ مِنْهَا الْأَوْثَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كَلَام سخيف دلّ على جهل قَائِله وعناده وانقطاعه لِأَنَّهُ لَا يَقُول أحد فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا خوطبنا فِي الْقُرْآن وَبهَا نتفاهم فِيمَا بَيْننَا أَن الْإِنْسَان يعْمل الْعود أَو الْحجر هَذَا مَا لَا يجوز فِي اللُّغَة أصلا وَلَا فِي الْمَعْقُول وَإِنَّمَا يسْتَعْمل ذَلِك مَوْصُولا فَنَقُول عملت هَذَا الْعود صنماً وَهَذَا الْحجر وثناً فَإِنَّمَا بَين تَعَالَى خلقه الصنمية الَّتِي هِيَ شكل الصَّنَم وَنَصّ تَعَالَى على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿أتعبدون مَا تنحتون وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فَإِنَّمَا عَملنَا النحت بِنَصّ الْآيَة وبضرورة الْمُشَاهدَة فَهِيَ الَّتِي عَملنَا وَهِي الَّتِي أخبرنَا تَعَالَى أَنه خلقهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد ذكر عَن كَبِير مِنْهُم وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله الإسكافي أَنه كَانَ يَقُول أَن الله تَعَالَى لم يخلق العيدان وَلَا الطنابير وَلَا المزامير وَلَقَد يلْزم الْمُعْتَزلَة أَن توافقه على هَذَا لِأَن الْخَشَبَة لَا تسمى عودا وَلَا طنبورا وَلَو حلف إِنْسَان لَا يَشْتَرِي طنبوراً فَاشْترى خشباً لم يَحْنَث وَكَذَلِكَ لَو حلف أَن لَا يَشْتَرِي خشباً فَاشْترى طنبوراً لم يَحْنَث وَلَا يَقع فِي اللُّغَة على الطنبور اسْم خَشَبَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فَهِيَ مخلوقة بِنَصّ الْقُرْآن وَقد قَالَ بَعضهم إِنَّمَا قَالَ تَعَالَى ﴿خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام﴾ فَكَانَت أَعمال النَّاس مخلوقة فِي تِلْكَ الْأَيَّام قَالَ أَبُو مُحَمَّد لم ينف الله ان يخلق شَيْئا بعد السِّتَّة أَيَّام بل قد قَالَ ﴿يخلقكم فِي بطُون أُمَّهَاتكُم خلقا من بعد خلق﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا الْعِظَام لَحْمًا ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ فَكَانَ هَذَا كُله فِي غير تِلْكَ السِّتَّة الْأَيَّام فَإذْ قد جَاءَ النَّص بِأَن الله تَعَالَى يخلق بعد تِلْكَ الْأَيَّام أبدا وَلَا يزَال يخلق بعد ناشئة الدُّنْيَا ثمَّ لَا يزَال يخلق نعيم أهل الْجنَّة وَعَذَاب أهل النَّار أبدا بِلَا نِهَايَة إِلَّا أَن عُمُوم خلقه تَعَالَى لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاقٍ على كل مَوْجُود وَقَالَ بَعضهم لَا نقُول أَن أَعمالنَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لِأَنَّهَا غير مماسة للسماء وَالْأَرْض قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا عين التَّخْلِيط لِأَن الله تَعَالَى لم يشْتَرط المماسة فِي ذَلِك وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿والسحاب المسخر بَين السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ فصح ان السَّحَاب لَيست مماسة للسماء

стр. 336

وَلَا للْأَرْض فَهِيَ إِذا على قَول هَذَا الْجَاهِل غير مخلوقة وَيلْزمهُ أَيْضا أَن يَقُول بقول معمر والجاحظ فِي أَن الله تَعَالَى لم يخلق الألوان وَلَا الطعوم وَلَا الروائح وَلَا الْمَوْت وَلَا الْحَيَاة لَان كل هَذَا غير مماس للسماء وَلَا للْأَرْض قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما قَول معمر والجاحظ أَن كل هَذَا فعل الطبيعة فغباوه شَدِيد وَجَهل بالطبيعة وَمعنى لفظ الطبيعة إِنَّمَا هِيَ قُوَّة الشَّيْء تجْرِي بهَا كيفياته على مَا هِيَ عَلَيْهِ وبالضرورة نعلم أَن تِلْكَ الْقُوَّة عرض لَا يعقل وكل مَا كَانَ مِمَّا لَا اخْتِيَار لَهُ من جسم أَو عرض كالحجارة وَسَائِر الجمادات فَمن نسب إِلَى مَا يظْهر مِنْهَا أَنَّهَا أفعالها مخترعه لَهَا فَهُوَ فِي غَايَة الْجَهْل وبالضرورة نعلم أَن تِلْكَ الْأَفْعَال خلق غَيرهَا فِيهَا وَلَا خَالق هَاهُنَا إِلَّا خَالق الْكل وَهُوَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن بلغ هَهُنَا فقد كفانا الله تَعَالَى شَأْنه لمجاهرته بِالْجَهْلِ الْعَظِيم وَالْكفْر الْمُجَرّد فِي مُوَافَقَته أهل الدَّهْر وتكذيبه الْقُرْآن إِذْ يَقُول الله ﵎ ﴿الَّذِي خلق الْمَوْت والحياة ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يسقى بِمَاء وَاحِد ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن تفاضلها فِي الطعوم من فعله نَعُوذ بِاللَّه مِمَّا ابْتَلَاهُم بِهِ وأقحمهم فِيهِ وَقَالَ معمر معنى قَوْله تَعَالَى ﴿خلق الْمَوْت والحياة﴾ إِنَّمَا مَعْنَاهُ الإماتة والإحياء قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَمَا زَاد على أَنه أبدى تَمام جَهله بِوَجْهَيْنِ بينين أَحدهمَا إحالته النَّص من كَلَام ربه تَعَالَى بِلَا دَلِيل وَالثَّانِي أَنه لم يزل عَمَّا لزمَه لِأَن الْمَوْت والحياة هما الأمانه والإحياء بِلَا شكّ لِأَن الْحَيَاة والإحياء هُوَ جمع النَّفس مَعَ الْجَسَد الْمركب الأرضي وَالْمَوْت والإماتة شَيْء وَاحِد وَهُوَ التَّفْرِيق بَين النَّفس والجسد الْمَذْكُور فَقَط فَإِذا كَانَ جمع النَّفس والجسد وتفريقهما مخلوقين لله تَعَالَى فقد صَحَّ أَن الْمَوْت والحياة مخلوقان لَهُ تَعَالَى يَقِينا وَبَطل تمويه هَذَا الْمَجْنُون قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن النُّصُوص القاطعة فِي هَذَا قَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ فلجأ بَعضهم إِلَى دَعْوَى الْخُصُوص وَذكروا قَول الله تَعَالَى ﴿تدمر كل شَيْء بِأَمْر رَبهَا فاصبحوا لَا يرى إِلَّا مساكنهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأُوتِيت من كل شَيْء﴾ وَقَوله ﴿فتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن قَوْله تَعَالَى ﴿تدمر كل شَيْء بِأَمْر رَبهَا﴾ بَيَان جلي على أَنَّهَا إِنَّمَا دمرت كل شَيْء أمرهَا الله تَعَالَى بتدميره لَا مَا لم يأمرها فَهُوَ عُمُوم لكل شَيْء أمرهَا بِهِ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأُوتِيت من كل شَيْء﴾ فَمن للتَّبْعِيض فَمن آتَاهُ الله شَيْئا من الْأَشْيَاء فقد آتَاهُ من كل شَيْء لِأَنَّهُ قد آتَاهُ بعض الْأَشْيَاء وَأما قَوْله تَعَالَى ففتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء فَحق وَنحن لاندري كَيْفيَّة ذَلِك الْفَتْح إِلَّا أننا نَدْرِي أَن الله تَعَالَى صدق فِيمَا قَالَ وَأَنه تَعَالَى إِنَّمَا آتَاهُم بعض الْأَشْيَاء الَّتِي فتح عَلَيْهِم أَبْوَابهَا ثمَّ لَو صَحَّ برهَان فِي بعض هَذَا الْعُمُوم أَنه لَيْسَ على ظَاهره وَإِنَّمَا أُرِيد بِهِ الْخُصُوص لما وَجب من ذَلِك أَن يحمل كل عُمُوم على خلاف ظَاهره بل كل عُمُوم فعلى ظَاهره حَتَّى يقوم برهَان بِأَنَّهُ مَخْصُوص أَو أَنه مَنْسُوخ فَيُوقف عِنْده وَلَا يتَعَدَّى بالتخصيص وبالنسخ إِلَى مَا لم يقم برهَان بِأَنَّهُ مَنْسُوخ أَو مَخْصُوص وَلَو كَانَ غير هَذَا لما صحت

стр. 337

حَقِيقَة فِي شَيْء من أَخْبَار الله تَعَالَى وَلَا صحت شَرِيعَة أبدا لِأَنَّهُ لَا يعجز أحد فِي أَمر من أوَامِر الله تَعَالَى وَفِي كل خبر من أخباره أَن يحملهُ على غير ظَاهره وعَلى بعض مَا يَقْتَضِيهِ عُمُومه وَهَذَا عين السفسطة وَالْكفْر والحماقة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَلم يقم برهَان على تَخْصِيص قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير لكَي لَا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فنص الله على أَنه برأَ المصائب كلهَا فَهُوَ باريء لَهَا والباريء هُوَ الْخَالِق نَفسه بِلَا شكّ فصح يَقِينا أَن الله تَعَالَى خَالق كل شَيْء إِذْ هُوَ خَالق كل مَا أصَاب فِي الأَرْض وَفِي النُّفُوس ثمَّ زَاد تَعَالَى بَيَانا بِرَفْع الأشكال جملَة بقوله تَعَالَى ﴿لكَي لَا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم﴾ فَبين تَعَالَى أَن مَا أصَاب الْأَمْوَال والنفوس من المصائب فَهُوَ خَالِقهَا وَقد تكون تِلْكَ المصائب أَفعَال الظَّالِمين بِإِتْلَاف الْأَمْوَال وأذى النُّفُوس فنص تَعَالَى على أَن كل ذَلِك خلق لَهُ تَعَالَى وَبِه التَّوْفِيق وَإِمَّا من طَرِيق النّظر فَإِن الْحَرَكَة نوع وَاحِد وَكلما يُقَال على جملَة النَّوْع فَهُوَ يُقَال مقول على أشخاص ذَلِك النَّوْع وَلَا بُد فَإِن كَانَ النَّوْع لمخلوقا فأشاصه مخلوقة وَأَيْضًا فَلَو كَانَ فِي الْعَالم شَيْء غير مَخْلُوق لله لَكَانَ من قَالَ الْعَالم مَخْلُوق والأشياء مخلوقة وَمَا دون الله تَعَالَى مَخْلُوق كَاذِب لِأَن فِي كل ذَلِك عِنْدهم مَا لَيْسَ بمخلوق ولكان من قَالَ الْعَالم غير مَخْلُوق وَلم يخلق الله تَعَالَى الْأَشْيَاء صَادِقا ونعوذ بِاللَّه تَعَالَى من كل قَول أدّى إِلَى هَذَا ونسألهم هَل لله تَعَالَى إِلَه الْعَالم وَرب كل شَيْء أم لَا فَإِن قَالُوا نعم سئلوا أعموماً أم خُصُوصا فَإِن قَالُوا بل عُمُوما صدقُوا ولزمهم ترك قَوْلهم إِذْ من الْمحَال أَن يكون تَعَالَى إِلَهًا لما لم يخلق وَإِن قَالُوا بل خُصُوصا قيل لَهُم فَفِي الْعَالم إِذا مَا لَيْسَ الله إِلَهًا لَهُ ومالا رب لَهُ وَإِن كَانَ هَذَا فَإِن من قَالَ أَن الله تَعَالَى رب الْعَالمين كَاذِب وَكَانَ من قَالَ لَيْسَ الله إِلَهًا للْعَالمين وَلَا بِرَبّ للْعَالمين صَادِقا وَهَذَا خُرُوج عَن الْإِسْلَام وَتَكْذيب لله تَعَالَى فِي قَوْله أَنه رب الْعَالمين وخالق كل شَيْء وَقد وافقونا على أَن الله تَعَالَى خَالق حركات المختارين من سَائِر الْحَيَوَان غير الْمَلَائِكَة وَالْإِنْس وَالْجِنّ وبالضرورة نَدْرِي الحركات الاختيارية كلهَا نوع وَاحِد فَمن الْمحَال الْبَاطِل أَن يكون بعض النَّوْع مخلوقاً وَبَعضه غير مَخْلُوق قَالَ أَبُو مُحَمَّد واعترضوا بأَشْيَاء من الْقُرْآن وَهِي أَنهم قَالُوا قَالَ الله ﴿فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لتحسبوه من الْكتاب وَمَا هُوَ من الْكتاب وَيَقُولُونَ هُوَ من عِنْد الله وَمَا هُوَ من عِنْد الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وتخلقون إفكاً﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء﴾ وَقَوله ﴿الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه﴾ وَقَوله ﴿مَا ترى فِي خلق الرَّحْمَن من تفَاوت﴾ واعترضوا بأَشْيَاء من طَرِيق النّظر وَهِي أَن قَالُوا إِن كَانَ الله تَعَالَى خلق أَعمال الْعباد فَهُوَ إِذا يغْضب مِمَّا خلق وَيكرهُ مَا فعل ويسخط فعله وَلَا يرضى مَا فعل وَلَا مَا دبر وَقَالُوا أَيْضا كل من فعل شَيْئا فَهُوَ مُسَمّى بِهِ ومنسوب إِلَيْهِ لَا يعقل غير ذَلِك فَلَو خلق الله الخطاء وَالْكذب وَالظُّلم وَالْكفْر لنسب كل ذَلِك إِلَيْهِ تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَقَالُوا أَيْضا لَا يعقل فعل وَاحِد من فاعلين

стр. 338

هَذَا فعله كُله أَو هَذَا فعله كُله وَقَالُوا أَيْضا أَنْتُم تَقولُونَ أَن الله تَعَالَى خلق الْفِعْل وَإِن العَبْد اكْتَسبهُ فأخبرونا عَن هَذَا الِاكْتِسَاب الَّذِي انْفَرد بِهِ العَبْد أهوَ خلق أم هُوَ غَيره فَإِن قُلْتُمْ هُوَ خلق الله لزمكم أَنه تَعَالَى اكْتَسبهُ وَأَنه مكتسب لَهُ إِذا لكسب هُوَ الْخلق وَإِن قُلْتُمْ أَن الْكسْب هُوَ غير الْخلق وَلَيْسَ خلقا لله تَعَالَى تركْتُم قَوْلكُم وَرَجَعْتُمْ إِلَى قَوْلنَا وَقَالُوا أَيْضا إِذا كَانَت أفعالكم مخلوقه لله تَعَالَى وَأَنْتُم تَقولُونَ أَنكُمْ مستطيعون على فعلهَا وعَلى تَركهَا فقد أوجبتم أَنكُمْ مستطيعون على أَن لَا يخلق الله تَعَالَى بعض خلقه وَقَالُوا أَيْضا إِذا كَانَ فعلكم خلقا لله تَعَالَى وعذبكم على فعلكم فقد عذبكم على مَا خلق وَقَالُوا أيضاَ قد فرض الله علينا الرِّضَا بِمَا خلق فَإِن كَانَ الظُّلم وَالْكفْر وَالْكذب مِمَّا خلق فَفرض علينا الرِّضَا بالْكفْر وَالظُّلم وَالْكذب قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه عُمْدَة اعتراضاتهم الَّتِي لَا يشذ عَنْهَا شَيْء من تفريعاتهم وكل مَا ذكرُوا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ على مَا نبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى بعونه وتأييده وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نستعين أما قَول الله تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ من عِنْد الله وَمَا هُوَ من عِنْد الله﴾ فَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذَا لِأَن أول الْآيَة فِي قوم كتبُوا كتابا وَقَالُوا هَذَا من عِنْد الله فأكذبهم الله تَعَالَى فِي ذَلِك وَاخْبَرْ أَنه لَيْسَ منزلا من عِنْده وَلَا مِمَّا أَمر بِهِ وَلم يقل هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِن هَذَا الْكتاب مَخْلُوق فأكذبهم الله تَعَالَى فِي ذَلِك وَقَالَ تَعَالَى إِن ذَلِك الْكتاب لَيْسَ مخلوقاً لله تَعَالَى فَبَطل تعلقهم بِهَذِهِ الْآيَة جملَة وَلَا شكّ عِنْد الْمُعْتَزلَة وَعِنْدنَا فِي أَن ذَلِك الْكتاب مَخْلُوق لله تَعَالَى لِأَنَّهُ قرطاس أَو أَدِيم ومداد وكل ذَلِك مَخْلُوق بِلَا شكّ وَأما قَوْله ﵎ الله أحسن الْخَالِقِينَ فقد علمنَا أَن كَلَام الله تَعَالَى لَا يتعارض وَلَا يتدانع وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فَإِذا لَا شكّ فِي هَذَا فقد وَجَدْنَاهُ تَعَالَى أنكر على الْكَافرين فَقَالَ تَعَالَى ﴿أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ الْوَاحِد القهار﴾ فَهَذِهِ الْآيَة بيّنت مَا تعلق بِهِ الْمُعْتَزلَة وَذَلِكَ أَن قوما جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فجعلوهم خالقين فَأنْكر الله تَعَالَى ذَلِك فعلى هَذَا خرج قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يكيدون كيداً وأكيد كيداً﴾ وَقَالَ ﴿ومكروا ومكر الله﴾ وَيبين بطلَان ظنون الْمُعْتَزلَة فِي هَذِه الْآيَة قَول الله تَعَالَى ﴿وَيَوْم يناديهم أَيْن شركائي قَالُوا آذناك مَا منا من شَهِيد﴾ أفيكون مُسلما من أوجب لله تَعَالَى شُرَكَاء من أجل قَول الله تَعَالَى للْكفَّار الَّذين جعلُوا لَهُ شُرَكَاء أَيْن شركائي وَلَا شكّ فِي أَن هَذَا الْخطاب إِنَّمَا خرج جَوَابا عَن إيجابهم لَهُ الشُّرَكَاء تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم﴾ وَقد علمنَا أَن كَلَام الله تَعَالَى كُله هُوَ على حكم ذَلِك المعذب لنَفسِهِ فِي الدُّنْيَا إِنَّه الْعَزِيز الْكَرِيم وَقد علمنَا بضرورة الْعقل وَالنَّص أَنه لَيْسَ لله تَعَالَى شُرَكَاء وَأَنه لَا خَالق غَيره وَأَنه خَالق كل شَيْء فِي الْعَالم من عرض أَو جَوْهَر وَبِهَذَا خرج قَوْله تَعَالَى ﴿أحسن الْخَالِقِينَ﴾ مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَمَن يخلق كمن لَا يخلق﴾ فَلَو أمكن أَن يكون فِي الْعَالم خَالق غير الله تَعَالَى يخلق شَيْئا لما أنكر ذَلِك إِذْ هُوَ لَا يُنكر وجود الموجودات وَإِنَّمَا يُنكر الْبَاطِل فصح ضَرُورَة لَا شكّ فِيهَا أَنه لَا خَالق غير الله تَعَالَى فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَلَيْسَ فِي قَول الله تَعَالَى ﴿أحسن الْخَالِقِينَ﴾ إِثْبَات لِأَن فِي الْعَالم خَالِقًا غير الله تَعَالَى يخلق شَيْئا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَوْله ﴿وتخلقون إفكاً﴾ وَقَوله تَعَالَى عَن الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 339

أَنه قَالَ ﴿إِنِّي أخلق لكم من الطين كَهَيئَةِ الطير﴾ وَقَول زُهَيْر بن أبي سلمى الْمُزنِيّ وأراك تخلق مَا فريت وَبَعض الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفري فقد قُلْنَا أَن كَلَام الله تَعَالَى لَا يخْتَلف وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿أَفَمَن يخلق كمن لَا يخلق﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّخذُوا من دونه آلِهَة لَا يخلقون شَيْئا وهم يخلقون﴾ وبيقين علم كل ذِي عقل أَن من جملَة أُولَئِكَ الْآلهَة الَّذين اتخذهم الْكفَّار الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ والمسيح ﵇ قَالَ تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى حاكياً عَن الْمَلَائِكَة أَنهم قَالُوا عَن الْكفَّار ﴿بل كَانُوا يعْبدُونَ الْجِنّ﴾ فقد صَحَّ يَقِينا بِنَصّ هَذِه الْآيَة أَن الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ والمسيح ﵇ لَا يخلقون شَيْئا أصلا وَلَا يخْتَلف اثْنَان فِي أَن جَمِيع الْإِنْس فِي فعلهم كمن ذكرنَا أَن كاوا هَؤُلَاءِ يخلفون أفعالهم فسائر النَّاس يخلقون أفعالهم وَإِن كَانَ هَؤُلَاءِ لَا يخلقون شَيْئا من أفعالهم فسائر النَّاس لَا يخلقون شَيْئا من أفعالهم فَإِن ذَلِك وَكَلَام الله عزوجل لَا يخْتَلف فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَإذْ الْخلق الَّذِي أثْبته الله للمسيح ﵇ فِي الطير وللكفار فِي الْإِفْك هُوَ غير الْخلق الَّذِي نَفَاهُ عَنْهُم وَعَن جَمِيع الْخلق لَا يجوز الْبَتَّةَ غير هَذَا فَإذْ هَذَا هُوَ الْحق بِيَقِين فالخلق الَّذِي أوجبه الله تَعَالَى لنَفسِهِ ونفاه عَن غَيره هُوَ الاختراع والإبداع وإحداث الشَّيْء من لَا شَيْء بِمَعْنى من عدم إِلَى وجود وَأما الْخلق الَّذِي أوجبه الله تَعَالَى فَإِنَّمَا هُوَ ظُهُور الْفِعْل مِنْهُم فَقَط وانفرادهم بِهِ وَالله تَعَالَى خالقه فيهم وبرهان ذَلِك أَن الْعَرَب تسمي الْكَذِب اختلاقاً وَالْقَوْل الْكَاذِب مُخْتَلفا وَذَلِكَ القَوْل بِلَا شكّ إِنَّمَا هُوَ لفظ وَمعنى وَاللَّفْظ مركب من حُرُوف الهجاء وَقد كَانَ كل ذَلِك مَوْجُود النَّوْع قبل وجود أشخاص هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفين وَهَذَا كَقَوْلِه ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تَحْرُثُونَ أأنتم تزرعونه أم نَحن الزارعون﴾ وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَلم تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِن الله قَتلهمْ وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ فبيقين يدْرِي كل ذِي حس يُؤمن بِاللَّه تَعَالَى وَبِالْقُرْآنِ إِن الزَّرْع وَالْقَتْل وَالرَّمْي الَّذِي نَفَاهُ عَن النَّاس وَعَن الْمُؤمنِينَ وَعَن رَسُول الله ﷺ هُوَ غير الزَّرْع وَالْقَتْل وَالرَّمْي الَّذِي أَضَافَهُ إِلَيْهِم لَا يُمكنهُ الْبَتَّةَ غير ذَلِك لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَقُول إِلَّا الْحق فَإذْ ذَلِك قَالَ الَّذِي نَفَاهُ عَمَّن ذكرنَا هُوَ خلق كل شَيْء واختراعه وإبداعه وتكوينه وإخراجه من عدم إِلَى وجود وَالَّذِي أوجب لَهُم مِنْهُ ظُهُوره فيهم وَنسبَة ذَلِك كُله إِلَيْهِم كَذَلِك فَقَط وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَقَول زُهَيْر وأراك تخلق مَا فريت لَا يشك من لَهُ أقل فهم بِالْعَرَبِيَّةِ أَنه لم يعن الإبداع وَلَا إِخْرَاج الْخلق من عدم إِلَى وجود وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّفاذ فِي الْأُمُور فَقَط فقد وضح أَن لَفْظَة الْخلق مُشْتَركَة تقع على مَعْنيين أَحدهمَا لله تَعَالَى لَا لأحد دونه وَهُوَ الإبداع من عدم إِلَى وجود وَالثَّانِي الْكَذِب فِيمَا لم يكن أَو ظُهُور فعل لم يتَقَدَّم لغيره أَو نَفاذ فِيمَا حاول وَهَذَا كُله مَوْجُود من الْحَيَوَان وَللَّه تَعَالَى خَالق كل ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَبِهَذَا تتألف النُّصُوص كلهَا وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء﴾ فَهُوَ عَلَيْهِم لَا لَهُم لِأَن الله تَعَالَى أخبر أَن بصنعه أتقن كل شَيْء وَهَذَا على عُمُومه وَظَاهره فَالله تَعَالَى صانع كل شَيْء وإتقانه لَهُ أَن خلقه جوهراً أَو عرضا جاريين على رُتْبَة وَاحِدَة أبدا وَهَذَا عين الإتقان وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿أحسن كل شَيْء خلقه﴾ فَإِنَّهُمَا قراءتان مشهورتان من قراآت الْمُسلمين إِحْدَاهمَا ﴿احسن كل شَيْء خلقه﴾ بِإِسْكَان اللَّام فَيكون

стр. 340

خلقه بَدَلا من كل شَيْء بدل الْبَيَان فَهَذِهِ الْقِرَاءَة حجَّة عَلَيْهِم لِأَن مَعْنَاهَا أَن الله تَعَالَى أحسن خلقه لكل شَيْء وَصدق الله عزو جلّ وَهَكَذَا نقُول أَن خلق الله تَعَالَى لكل شَيْء حسن وَالله تَعَالَى محسن فِي كل شَيْء وَالْقِرَاءَة الْأُخْرَى خلقه بفته اللَّام وَهَذَا أَيْضا لَا حجَّة لَهُم فِيهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِيجَاب لِأَن هَا هُنَا شَيْئا لم يخلق الله وَمن ادّعى أَن هَذَا فِي اقْتِضَاء الْآيَة فقد كذب وَإِنَّمَا يَقْتَضِي لَفْظَة الْآيَة أَن كل شَيْء فَالله خلقه كَمَا فِي سَائِر الْآيَات وَالله تَعَالَى أحْسنه إِذْ خلقه وَهَذَا قَوْلنَا وَكَذَا نقُول أَن لإِنْسَان لَا يفعل شَيْئا إِلَّا الْحَرَكَة أَو السّكُون والاعتقاد والإرادة والفكر وكل هَذِه كيفيات وأعراض حسن خلقهَا من الله قد حسن رتبتها وإيقاعها فِي النُّفُوس والأجساد وَإِنَّمَا قبح مَا قبح من ذَلِك من الْإِنْسَان لِأَن الله تَعَالَى سمى وُقُوع ذَلِك أَو بَعْضهَا مِمَّن وَقعت مِنْهُ قبيحاً وسمى بعض ذَلِك حسنا كَمَا كَانَت الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس حَرَكَة حَسَنَة إِيمَانًا ثمَّ سَمَّاهَا تَعَالَى قبيحة كفرا وَهَذِه تِلْكَ الْحَرَكَة نَفسهَا فصح أَنه لَيْسَ فِي الْعَالم شَيْء حسن لعَينه وَلَا شَيْء قَبِيح لعَينه لَكِن مَا سَمَّاهُ الله تَعَالَى حسنا فَهُوَ حسن وفاعله محسن قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَن أَحْسَنْتُم أَحْسَنْتُم لأنفسكم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان﴾ وَمَا سَمَّاهُ الله تَعَالَى قبيحاً فَهُوَ حَرَكَة قبيحة وَقد سمى الله تَعَالَى خلقه لكل شَيْء فِي الْعَالم حسنا فَهُوَ كُله من الله تَعَالَى حسن وسمى مَا وَقع من ذَلِك من عباده كَمَا شَاءَ فبعض ذَلِك قبحه فَهُوَ قَبِيح وَبَعض ذَلِك حسنه فَهُوَ حسن وَبعد ذَلِك قبحه ثمَّ حسنه فَكَانَ قبيحاً ثمَّ حسنا وَبَعض ذَلِك حسنه ثمَّ قبحه فَكَانَ حسنا ثمَّ قبح كَمَا صَارَت الصَّلَاة إِلَى الْكَعْبَة حَسَنَة بعد ان كَانَت قبيحة كَذَلِك جَمِيع أَفعَال النَّاس الَّتِي خلقهَا الله تَعَالَى فيهم كَالْوَطْءِ قبل النِّكَاح وَبعده وكسبي من نقض الذِّمَّة وَسَائِر الشَّرِيعَة كلهَا وَقد اتّفقت الْمُعْتَزلَة مَعنا على أَن خلق الله تَعَالَى للخمر والخنازير وَالْحِجَارَة المعبودة من دونه حسن بِلَا شكّ وَهُوَ سَمَّاهُ قبائح وأرجاساً وحراماً ونجساً وسيئاً وخبيثاً وَهَكَذَا القَوْل فِي خلقه للأعراض فِي عباده وَلَا فرق وَكَذَلِكَ وَافَقنَا أَكْثَرهم على أَنه تَعَالَى خلق فَسَاد الدِّمَاغ وَالْجُنُون الْمُتَوَلد مِنْهُ والجذام والعمى والصمم والفالج والحدبة والأدرة وكل هَذَا من خلق الله تَعَالَى لَهُ حسن وَكله فِيمَا بَيْننَا قَبِيح رَدِيء جدا يستعاذ بِاللَّه مِنْهُ وَقد نَص الله تَعَالَى على أَنه خلق المصائب كلهَا فَقَالَ عزو جلّ ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير﴾ فنص تَعَالَى على أَنه برأَ المصائب كلهَا وبرأ هُوَ خلق بِلَا خلاف من أحد وَلَا فرق بَين إلزامهم إيانا أَن الله تَعَالَى أحسن الْكفْر وَالظُّلم والجور وَالْكذب والقبائح إِذْ خلق كل ذَلِك وَبَين إقرارهم مَعنا أَن الله تَعَالَى قد أحسن الْخمر والخنازير وَالدَّم وَالْميتَة والعذرة وإبليس وكل مَا قَالَ إِنَّا إِلَه من دون الله تَعَالَى والأوثان المعبودة من دون الله تَعَالَى والمصايب كلهَا والأمراض والعاهات إِذْ خلق كل ذَلِك فَأَي شَيْء قَالُوهُ فِي هَذِه الْأَشْيَاء فَهُوَ قَوْلنَا فِي خلق الله تَعَالَى للكفر بِهِ ولشتمه وَالظُّلم وَالْكذب وَلَا فرق كل ذَلِك قد أحسن الله خلقه إِذْ حَرَكَة أَو سكوناً أَو ضميراً فِي النَّفس وسمى ظُهُوره من العَبْد قبيحاً مَوْصُوفا بِهِ الْإِنْسَان وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿مَا ترى فِي خلق الرَّحْمَن من تفَاوت﴾ فَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذَا أَيْضا لِأَن التَّفَاوُت الْمَعْهُود هُوَ مانافر النُّفُوس أَو خرج عَن الْمَعْهُود فَنحْن نسمي الصُّورَة المضطربة بِأَن فِيهَا تَفَاوتا فَلَيْسَ ذَا التَّفَاوُت الَّذِي نَفَاهُ الله تَعَالَى عَن خلقه فَإذْ لَيْسَ هُوَ هَذَا

стр. 341

الَّذِي يُسَمِّيه النَّاس تَفَاوتا فَلم يبْق إِلَّا أَن التَّفَاوُت الَّذِي نَفَاهُ الله تَعَالَى عَمَّا خلق هُوَ شَيْء غير مَوْجُود فِيهِ الْبَتَّةَ لِأَنَّهُ لَو وجد فِي خلق الله تَعَالَى تَفَاوتا لكذب قَول الله عزو جلّ ﴿مَا ترى فِي خلق الرَّحْمَن من تفَاوت﴾ وَلَا يكذب الله تَعَالَى إِلَّا كَافِر فَبَطل ظن الْمُعْتَزلَة إِن الْكفْر وَالظُّلم وَالْكذب والجور تفَاوت لِأَن كل ذَلِك مَوْجُود فِي خلق الله مرئي فِيهِ مشَاهد بالعيان فِيهِ فَبَطل احتجاجهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا هَذَا التَّفَاوُت الَّذِي أخبر الله أَنه لَا يرى فِي خلقه قيل لَهُم نعم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق هُوَ اسْم لَا يَقع على مُسَمّى مَوْجُود فِي الْعَالم أصلا بل هُوَ مَعْدُوم جملَة إِذْ لَو كَانَ شَيْئا مَوْجُودا فِي الْعَالم لوجد التَّفَاوُت فِي خلق الله تَعَالَى وَالله تَعَالَى قد أكذب هَذَا وَأخْبر أَنه لَا يرى فِي خلقه ثمَّ نقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الْعَالم كُله مَا دون الله تَعَالَى وَهُوَ كُله مَخْلُوق لله تَعَالَى أجسامه وأعراضه كلهَا لَا تحاشي شَيْئا مِنْهَا ثمَّ إِذا نظر النَّاظر فِي تَقْسِيم أَنْوَاع أعراضه وأنواع أجسامه جرت الْقِسْمَة جَريا مستوياً فِي تَفْصِيل أجناسه وأنواعه بحدودها المميزة لَهَا وفصولها المفرقة بَينهَا على رُتْبَة وَاحِدَة وهيئة وَاحِدَة إِلَى أَن يبلغ إِلَى الْأَشْخَاص الَّتِي تلِي أَنْوَاع الْأَنْوَاع لَا تفَاوت فِي شَيْء من ذَلِك الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا تخَالف فِي شَيْء مِنْهُ أصلا وَمن وقف على هَذَا علم أَن الصُّورَة المستقبحة عندنَا وَالصُّورَة المستحسنة عندنَا وَاقِعَتَانِ مَعًا تَحت نوع الشكل والتخطيط ثمَّ تَحت نوع الْكَيْفِيَّة ثمَّ تَحت اسْم الْعرض وقوعاً مستوياً لَا تفاضل فِيهِ وَلَا تفَاوت فِي هَذَا بِوَجْه من التَّقْسِيم وَكَذَلِكَ أَيْضا نعلم أَن الْكفْر وَالْإِيمَان بِالْقَلْبِ واقعان تَحت نوع الِاعْتِقَاد ثمَّ تَحت فعل النَّفس ثمَّ تَحت الْكَيْفِيَّة وَالْعرض وقوعاً مستوياً لَا تفاضل فِيهِ وَلَا تفَاوت من هَذَا الْوَجْه من التَّقْسِيم وَكَذَلِكَ أَيْضا نعلم أَن الْإِيمَان وَالْكفْر بِاللِّسَانِ واقعان تَحت نوع فرع الْهَوَاء بآلات الْكَلَام ثمَّ تَحت نوع الْحَرَكَة وَتَحْت نوع الْكَيْفِيَّة وَتَحْت اسْم الْعرض وقوعاً حَقًا مستوياً لَا تفَاوت فِيهِ وَلَا اخْتِلَاف وَهَكَذَا القَوْل فِي الظُّلم والإنصاف وَفِي الْعدْل والجور وَفِي الصدْق وَالْكذب وَفِي الزِّنَا وَالْوَطْء الْحَلَال وَكَذَلِكَ كل مَا فِي الْعَالم حَتَّى يرجع جَمِيع الموجودات إِلَى الرؤس الأول الَّتِي لَيْسَ فَوْقهَا رَأس يجمعها إِلَّا كَونهَا مخلوقة لله تَعَالَى وَهِي الْجَوْهَر والكم والكيف وَالْإِضَافَة على مَا بَينا فِي كتاب التَّقْرِيب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فانتقى التَّفَاوُت عَن كل مَا خلق الله تَعَالَى وعادت الْآيَة الْمَذْكُورَة حجَّة على الْمُعْتَزلَة ضَرُورَة لَا منفك لَهُم عَنْهَا وَهِي أَنه لَو كَانَ وجود الْكفْر وَالْكذب وَالظُّلم تَفَاوتا كَمَا زَعَمُوا لَكَانَ التَّفَاوُت مَوْجُودا فِي خلق الرَّحْمَن وَقد كذب الله تَعَالَى ذَلِك وَنفى أَن يرى فِي خلقه تفَاوت وَأما اعتراضهم من طَرِيق النّظر بِأَن قَالُوا أَنه تَعَالَى إِن كَانَ خلق الْكفْر والمعاصي فَهُوَ إِذا يغْضب مِمَّا فعل ويغضب مِمَّا خلق وَلَا يرضى مَا صنع ويسخط مَا فعل وَيكرهُ مَا يفعل وَإنَّهُ يغْضب ويسخط من تَدْبيره وَتَقْدِيره فَهَذَا تمويه ضَعِيف وَنحن لَا ننكر ذَلِك إِذْ أخبرنَا الله بذلك وَهُوَ تَعَالَى قد أخبرنَا أَنه يسْخط الْكفْر وَالظُّلم وَالْكذب وَلَا يرضاه وَأَنه يكره كل ذَلِك ويغضب مِنْهُ فَلَيْسَ إِلَّا التَّسْلِيم لقَوْل الله تَعَالَى نعم نعكس عَلَيْهِم هَذَا السُّؤَال نَفسه فَنَقُول لَهُم أَلَيْسَ الله خلق إِبْلِيس وَفرْعَوْن وَالْخمر وَالْكفَّار فَلَا بُد من نعم فَنَقُول لَهُم أيرضى عَن هَؤُلَاءِ كلهم أم ساخط لَهُم فَلَا بُد من نعم فَنَقُول لَهُم أيرضى عَن هَؤُلَاءِ كلهم أم هُوَ ساخط لَهُم فَلَا بُد من أَنه ساخط لَهُم كَارِه لَهُم غَضْبَان عَلَيْهِم غير رَاض

стр. 342

عَنْهُم فَنَقُول لَهُم هَذَا نفس ماأنكرتم من أَنه تَعَالَى سخط تَدْبيره وَغَضب من فعله وَكره مَا خلق ولعنه فَإِن قَالُوا لم يكره عين الْكَافِر وَلَا سخط شخص إِبْلِيس وَلَا كره عين الْخمر لم نسلم لَهُم ذَلِك لِأَنَّهُ تَعَالَى قد نَص على أَنه تَعَالَى لعن إِبْلِيس وَالْكفَّار وَإِنَّهُم مسخوطون ملعونون مكروهون من الله تَعَالَى مغضوب عَلَيْهِم وَكَذَا الْخمر والأوثان وَقَالَ ﴿إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو لحم خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْس﴾ وَقد سمى الله تَعَالَى كل ذَلِك رجسا ثمَّ أَمر بعد ذَلِك باجتنابه وأضاف كل ذَلِك إِلَى عمل الشَّيْطَان وَلَا خلاف فِي أَنه خَالق كل ذَلِك فَهُوَ خلق الرجس بِالنَّصِّ وَلَا فرق فِي الْمَعْقُول بَين خلق الرجس وَخلق الْكفْر وَالظُّلم وَالْكذب وَقَوله تَعَالَى ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ فعلى قَول هَؤُلَاءِ المخاذيل أَنه تَعَالَى يغْضب مِمَّا ألهم ويكرهه وإلهامه فعله بِلَا شكّ ضَرُورَة فقد صَحَّ عَلَيْهِم مَا شنعوا بِهِ من أَنه يغْضب من فعله أَيْضا فَيُقَال لَهُم هَل الله تَعَالَى قَادر على منع الظَّالِم من الْمَظْلُوم وعَلى منع الَّذين قتلوا رسل الله ﷺ وعَلى أَن يحول بَين الْكَافِر وكفره وَأَن يميته قبل أَن يبلغ وَبَين الزَّانِي وزناه بإضعاف جارحته أَو بِشَيْء يشْغلهُ بِهِ أَو تيسير إِنْسَان يطلّ عَلَيْهِمَا أم هُوَ عَاجز عَن ذَلِك كُله قَادر على شَيْء مِنْهُ وَلَا سَبِيل إِلَى قسم ثَالِث فَإِن قَالُوا هُوَ غير قَادر على شَيْء من ذَلِك عجزوا رَبهم وَكَفرُوا وَبَطلَت أداتهم على إِحْدَاث الْعَالم إِذا أضعفوا قدرته عَن هَذَا الْيَسِير السهل وَإِن قَالُوا بل هُوَ قَادر على ذَلِك كُله فقد أقرُّوا أَيْضا على أَنه تَعَالَى رأى الْمُنكر وَالْكفْر وَالزِّنَا وَالظُّلم فأقره وَلم يُغَيِّرهُ وَأطلق أَيدي الْكفَّار على قتل رسله وضربهم وَمَعَ إِقْرَاره لكل ذَلِك فَلم يَكْتَفِي بِكُل ذَلِك إِلَّا حَتَّى قواهم بجوارحهم وآلاتهم وكف كل مَانع وَهَذَا على قَوْلهم أَنه رضَا مِنْهُ تَعَالَى بالْكفْر واختياراً مِنْهُ تَعَالَى لكل ذَلِك وَهَذَا كفر مُجَرّد وَأما أَنه يغْضب مِمَّا أقرّ ويسخط مِمَّا أعَان عَلَيْهِ وَيكرهُ مَا فعل من إقرارهم على كل ذَلِك وَهَذَا هُوَ الَّذِي شنعوا بِهِ لَا بُد من أحد الْوَجْهَيْنِ ضَرُورَة وَكِلَاهُمَا خلاف قَوْلهم إِلَّا أَن هَذَا لَازم لَهُم على أصولهم وَلَا يلْزمنَا نَحن شَيْء مِنْهُ لأننا لَا نقبح إِلَّا مَا قبح الله تَعَالَى وَلَا نحسن إِلَّا مَا حسن الله تَعَالَى فَإِن قَالُوا إِنَّمَا أقره لينتقم مِنْهُ وَإِنَّمَا يكون سفهاً وعبثا لواقره أبدا قيل لَهُم أَي فرق بَين إِقْرَاره تَعَالَى الْكفْر وَالظُّلم وَالْكذب سَاعَة وَبَين إبقائه إِيَّاه سَاعَة بعد سَاعَة وَهَكَذَا أبدا بِلَا نِهَايَة أَو بنهاية فِي الْحسن والقبح وَإِلَّا فعرفونا الأمد الَّذِي يكون إِقْرَار الْكفْر وَالْكذب وَالظُّلم إِلَيْهِ حِكْمَة وحسناً وَإِذا تجاوزه صَار عَبَثا وعيباً وسفهاً فَإِن تكلفوا أَن يحدوا فِي ذَلِك حدا أَتَوا بالجنون والسخف وَالْكذب وَالدَّعْوَى الَّتِي لَا يعجز عَنْهَا أحد وَإِن قَالُوا لَا نَدْرِي وردوا الْأَمر فِي ذَلِك إِلَى الله عزو جلّ صدقُوا وَهَذَا هُوَ قَوْلنَا أَن كل مَا فعله الله تَعَالَى من تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وتعذيبه عَلَيْهَا وخلقه الْكفْر وَالظُّلم فِي الْكَافِر والظالم وَإِقْرَاره كل ذَلِك ثمَّ تعذيبهما عَلَيْهِ وخلقه الْكفْر وغضبه مِنْهُ وَسخطه إِيَّاه كل ذَلِك من الله تَعَالَى حِكْمَة وَعدل وَحقّ وَمِمَّنْ دونه تَعَالَى سفه وظلم وباطل لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون وَأما قَوْلهم أَن من فعل شَيْئا وَجب أَن ينْسب إِلَيْهِ ويسمي بِهِ نَفسه وَأَنه لَا يعقل وَلَا يُوجد غير هَذَا وإيجابهم بِهَذَا الِاسْتِدْلَال أَن يُسمى الله تَعَالَى ظَالِما لِأَنَّهُ خلق الظُّلم وَكَذَلِكَ من الْكفْر وَالْكذب فَهَذَا ينْتَقض عَلَيْهِم من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن هَذَا تَشْبِيه مَحْض لأَنهم يُرِيدُونَ أَن يحكموا على الْبَارِي تَعَالَى بالحكم الْمَوْجُود الْجَارِي على

стр. 343

خلقه وَيُقَال لَهُم إِذْ لم تَجدوا فَاعِلا فِي الشَّاهِد إِلَّا جسماً وَلَا عَالما إِلَّا بِعلم هُوَ غَيره وَلَا حَيا إِلَّا بحياة هِيَ عرض فِيهِ وَلَا مخبرا عَنهُ إِلَّا جسماً أَو عرضا وَمَا لم يكن كَذَلِك فَهُوَ مَعْدُوم وَلَا يتَوَهَّم وَلَا يعقل ثمَّ رَأَيْتُمْ الْبَارِي تَعَالَى بِخِلَاف ذَلِك كُله وَلم تحكموا عَلَيْهِ بالحكم فِيمَا وجدْتُم فقد وَجب ضَرُورَة أَن لَا يحكم عَلَيْهِ تَعَالَى بالحكم علينا فِي أَن يُسمى من أَفعاله وَلَا فِي أَن ينْسب إِلَيْهِ كَمَا ينْسب إِلَيْنَا بِلَا خلاف ذَلِك بالبرهان الضَّرُورِيّ وَهُوَ أَن الله خلق كل مَا خلق من ذَلِك مخترعاً لَهُ كَيْفيَّة مركبة فِي غَيره فَهَكَذَا هُوَ فعل الله تَعَالَى فِيمَا خلق وَأما فعل عباده لما فعلوا فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه ظهر ذَلِك الْفِعْل عرضا مَحْمُولا فِي فَاعله لِأَنَّهُ إِمَّا حَرَكَة فِي متحرك وَأما سُكُون فِي سَاكن أَو اعْتِقَاد فِي مُعْتَقد أَو فكر فِي متفكر أَو إِرَادَة فِي مُرِيد وَلَا مزِيد فَبين الْأَمريْنِ بون بَائِن لَا يخفى على من لَهُ أقل فهم وَأما الْمَدْح والذم واشتقاق اسْم الْفَاعِل من فعله فَلَيْسَ كَمَا ظنُّوا لَكِن الْحق هُوَ أَنه لَا يسْتَحق أحد مدحاً وَلَا ذماً إِلَّا من مدحه الله تَعَالَى أَو ذمه وَقد أمرنَا الله تَعَالَى بِحَمْدِهِ وَالثنَاء عَلَيْهِ فَهُوَ مَحْمُود على كل مَا فعله مَحْبُوب لذَلِك وَأما من دونه تَعَالَى فَمن حمد الله تَعَالَى فعله الَّذِي أظهره فِيهِ فَهُوَ ممدوح مَحْمُود وَمن ذمّ فعله الَّذِي أظهره فِيهِ فَهُوَ مَذْمُوم وَلَا مزِيد وبرهان هَذَا إِجْمَاع أهل الْإِسْلَام على أَنه لَا يسْتَحق الْحَمد والمدح إِلَّا من أطَاع الله وَلَا يسْتَحق الذَّم إِلَّا من عَصَاهُ وَقد يكون الْمَرْء مُطيعًا مَحْمُودًا الْيَوْم ممدوحاً بِفِعْلِهِ إِن فعله الْيَوْم وكافراً مذموماً بِهِ إِن فعله غَدا كَالْحَجِّ فِي أشهر الْحَج وَفِي غير أشهر الْحَج ولصوم يَوْم الْفطر والأضحى وَصَوْم رَمَضَان وكالصلاة فِي الْوَقْت وَقبل الْوَقْت وَبعد الْوَقْت وكسائر الشَّرَائِع كلهَا وَقد وجدنَا فَاعِلا للكذب قَائِلا لَهُ وفاعلاً للكفر قَائِلا بِهِ وهما غير مذمومين وَلَا يُسمى وَاحِد مِنْهُمَا كَاذِبًا وَلَا كَافِرًا وهما الحاكي وَالْمكْره فَبَطل مَا ظنت الْمُعْتَزلَة من انه كل من فعل الْكَذِب فَهُوَ كَاذِب وَمن فعل الْكفْر فَهُوَ كَافِر وَمن فعل الظُّلم فَهُوَ ظَالِم وَصَحَّ أَنه لَا يكون كَاذِبًا وَلَا كَافِرًا وَلَا ظَالِما إِلَّا من سَمَّاهُ الله تَعَالَى كَافِرًا وكاذباً وظالماً وَإنَّهُ لَا كفر وَلَا ظلم وَلَا كذب إِلَّا مَا سَمَّاهُ الله كفرا وكذباً وظلماً وَصَحَّ بِالضَّرُورَةِ الَّتِي لَا محيد عَنْهَا أَنه لَيْسَ فِي الْعَالم شَيْء مَحْمُود ممدوح لعَينه وَلَا مَذْمُوم لعَينه وَلَا كفر لعَينه وَلَا ظلم لعَينه وَأما مَا لَا يَقع عَلَيْهِ اسْم طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة وَلَا حكمهَا وَهُوَ الله تَعَالَى فَلَا يجوز أَن يُوقع عَلَيْهِ مدح وَلَا حمد وَلَا ذمّ إِلَّا بِنَصّ من قبله فنحمده كَمَا امرنا أَن نقُول الْحَمد لله رب الْعَالمين وَأما من دونه مِمَّن لَا طَاعَة تلْزمهُ وَلَا مَعْصِيّة كالحيوان من غير الْمَلَائِكَة وكالحور الْعين وَالْإِنْس وَالْجِنّ وكالجمادات فَلَا يسْتَحق حمداً وَلَا ذماً لِأَن الله لم يَأْمر بذلك فِيهَا فَإِن وجد لَهُ تَعَالَى أَمر بمدح شَيْء مِنْهَا أَو ذمه وَجب الْوُقُوف عِنْد أمره تَعَالَى كأمره تَعَالَى بمدح الْكَعْبَة وَالْمَدينَة وَالْحجر الْأسود وَشهر رَمَضَان وَالصَّلَاة وَغير ذَلِك وكأمره تَعَالَى بذم الْخمر وَالْخِنْزِير وَالْميتَة والكنيسة وَالْكفْر وَالْكذب وَمَا أشبه ذَلِك وَأما مَا عدا هذَيْن الْقسمَيْنِ فَلَا حمد وَلَا ذمّ واما اشتقاق اسْم الْفَاعِل من فعله فَكَذَلِك أَيْضا وَلَا فرق وَلَيْسَ لأحد أَن يُسَمِّي شَيْئا إِلَّا بِمَا أَبَاحَهُ الله تَعَالَى فِي الشَّرِيعَة أَو فِي اللُّغَة الَّتِي أمرنَا بالتخاطب بهَا وَقد وَجَدْنَاهُ تَعَالَى أخبرنَا بِأَن لَهُ كيداً ومكراً ويمكر ويكيد ويستهزئ وينسى من نَسيَه وَهَذَا لَا تَدْفَعهُ الْمُعْتَزلَة وَلَو دَفعته لكفرت لردها نَص الْقُرْآن وهم مجمعون مَعنا على أَنه لَا يُسمى باسم مُشْتَقّ

стр. 344

من ذَلِك فَلَا يُقَال ماكر من أجل أَن لَهُ مكرا ولاأنه كياد من أجل أَنه يكيد وَأَن لَهُ كيداً وَلَا يُسمى مستهزئاً من أجل أَنه يستهزئ بهم فقد أبطل مَا أصلوه من أَن كل فعل فَإِنَّهُ يُسمى مِنْهُ وينسب إِلَيْهِ وَلَا يشغب هَا هُنَا مشغب مَعَ من لَا يحسن المناظرة فَيَقُول إِنَّمَا قُلْنَا أَنه يكيد ويستهزئ ويمكر وينسى على الْمُعَارضَة بذلك فَإنَّا نقُول لَهُ صدقت وَلم نخالفك فِي هَذَا لَكِن ألزمناك أَن تسميه تَعَالَى كياداً وماكراً ومستهزئاً وناسياً على معنى الْمُعَارضَة كَمَا تَقول فَإِن أَبى من ذَلِك وَقَالَ أَن الله تَعَالَى لم يسم بِشَيْء من ذَلِك نَفسه فقد رَجَعَ إِلَى الْحق ووافقنا فِي أَن الله تَعَالَى لَا يُسمى ظَالِما وَلَا كَافِرًا وَلَا كَاذِبًا من أجل خلقه الظُّلم وَالْكفْر وَالْكذب لِأَنَّهُ تَعَالَى لم يسم بذلك نَفسه وَإِن أنكر ذَلِك تنَاقض وَظهر بطلَان مذْهبه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد وافقونا على أَن الله تَعَالَى خلق الْخمر وحبل النِّسَاء وَلَا يجوز أَن يُسمى خماراً وَلَا محبلاً وَأَنه تَعَالَى خلق أصباغ القمارى والهداهد والحجل وَسَائِر الألوان وَلَا يُسمى صباغاً وَأَنه تَعَالَى بنى السَّمَاء وَالْأَرْض وَلَا يُسمى بِنَاء وَأَنه تَعَالَى سقانا الْغَيْث ومياه الأَرْض وَلَا يُسمى سقاء وَلَا ساقياً وَأَنه تَعَالَى خلق الْخمر والخنازير وإبليس ومردة الشَّيَاطِين وَكَذَلِكَ كل سوء وسيء وخبيث ورجس وَشر وَلَا يُسمى من أجل ذَلِك مسيئاً وَلَا شريراً فَأَي فرق بَين هَذَا كُله وَبَين أَن يخلق الشَّرّ وَالظُّلم وَالْكفْر وَالْكذب ومعاصي عباده وَلَا يُسمى بذلك مسيئاً وَلَا ظَالِما ولاكافرا وَلَا كَاذِبًا وَلَا شريراً وَلَا فَاحِشا وَالْحَمْد لله على مَا من بِهِ من الْهدى والتوفيق وَهُوَ المستزاد من فَضله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَيُقَال لَهُم أَيْضا أَنْتُم تقرون بِأَنَّهُ خلق الْقُوَّة الَّتِي بهَا يكون الْكفْر وَالظُّلم وَالْكذب وهيأها لِعِبَادِهِ وَلَا يسمونه من أجل ذَلِك يغريا على الْكفْر وَلَا معينا للْكَافِرِ فِي كفره وَلَا مسبباً للكفر وَلَا واهباً للكفر وَهَذَا بِعَيْنِه هُوَ الَّذِي عبتم وأنكرتم يُقَال لَهُم أَيْضا أخبر عَن تعذيبه أهل جَهَنَّم فِي النيرَان أمحسن هُوَ بذلك إِلَيْهِم أم مسيء فَإِن قَالُوا بل محسن إِلَيْهِم قَالُوا الْبَاطِل وخالفوا أصلهم وسألناهم أَن يسْأَلُوا الله لأَنْفُسِهِمْ ذَلِك الْإِحْسَان نَفسه وَإِن قَالُوا أَنه مسيء إِلَيْهِم كفرُوا بِهِ وَإِن قَالُوا لَيْسَ مسيئا إِلَيْهِم قُلْنَا لَهُم فهم فِي إساءة أَو فِي إِحْسَان فَإِن قَالُوا لَيْسُوا فِي إساءة كابروا العيان وَإِن قَالُوا بل هم فِي إساءة قُلْنَا لَهُم هَذَا الَّذِي أنكرتم أَن يكون مِنْهُ تَعَالَى إِلَيْهِم حَال هِيَ غَايَة الْإِسَاءَة وَلَا يُسمى بذلك مسيئاً وَأما نَحن فَنَقُول لَهُم إِنَّهُم فِي غَايَة المساءة والإساءة والسخط إِلَيْهِم وَعَلَيْهِم وَلَيْسَ السخط إحساناً إِلَى المسخوط عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ اللَّعْنَة للملعون وَإنَّهُ تَعَالَى محسن على الْإِطْلَاق وَلَا نقُول أَنه مسيء أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا قُلْنَاهُ من انه لَا يجوز أَنه يُسمى الله تَعَالَى إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه وَلَا يخبر عَنهُ إِلَّا بِمَا أخبر بِهِ عَن نَفسه وَلَا مزِيد فَإِن قَالُوا إِذا جوزتم أَن يفعل الله تَعَالَى فعلا مَا هُوَ ظلم بَيْننَا وَلَا يكون بذلك ظَالِما فجوزنا أَن نخبر بالشَّيْء على خلاف مَا هُوَ وَلَا يكون بذلك كَاذِبًا وَإِن لَا يعلم مَا يكون وَلَا يكون بذلك جَاهِلا وَإِن لَا يقدر على الشَّيْء وَلَا يكون بذلك عَاجِزا قيل لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هَذَا محَال من وَجْهَيْن أَحدهمَا أننا قد أوصحنا أَنه لَيْسَ فِي الْعَالم ظلم لعَينه وَلَا بِذَاتِهِ الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا الظُّلم بِالْإِضَافَة فَيكون قتل زيد إِذا نهي الله عَنهُ ظلما وَقَتله إِذا أَمر الله بقتْله عدلا وَأما الْكَذِب فَهُوَ كذب لعَينه وبذاته فَكل من اخبر بِخَبَر بِخِلَاف مَا هُوَ فَهُوَ كَاذِب إِلَّا أَنه لَا يكون ذَلِك إِثْمًا وَلَا مذموماً إِلَّا حَيْثُ أوجب الله تَعَالَى فِيهِ الْإِثْم والذم فَقَط

стр. 345

وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْجَهْل وَالْعجز أَنَّهُمَا جعل لعَينه وَعجز لعَينه فَكل من لم يعلم شَيْئا فَهُوَ جَاهِل بِهِ وَلَا بُد وكل من لم يقدر على شَيْء فَهُوَ عَاجز عَنهُ وَلَا بُد وَالْوَجْه الثَّانِي ان بِالضَّرُورَةِ الَّتِي بهَا علمنَا من نواة التَّمْر لَا يخرج مِنْهَا زيتونة وَإِن الْفرس لَا ينْتج جملا بهَا عرفنَا ان الله تَعَالَى لَا يكذب وَلَا يعجز وَلَا يجهل لِأَن كل هَذِه من صِفَات المخلوقين عَنهُ تَعَالَى منفية إِلَّا مَا جَاءَ نَص بِأَن يُطلق الِاسْم خَاصَّة من أسمائها عَلَيْهِ تَعَالَى فيقف عِنْده وَأَيْضًا فَإِن أَكثر الْمُعْتَزلَة يُحَقّق قدرَة الْبَارِي تَعَالَى على الظُّلم وَالْكذب وَلَا يجيزون وقوعهما مِنْهُ تَعَالَى وَلَيْسَ وَصفهم إِيَّاه بِالْقُدْرَةِ على ذَلِك بِمُوجب إِمْكَان وُقُوعه مِنْهُ تَعَالَى فَلَا ينكروا علينا أَن نقُول إِن الله فعل أفعالاً هِيَ مِنْهُ تَعَالَى عدل وَحِكْمَة وَهِي منا ظلم وعبث وَلَيْسَ يلْزمنَا مَعَ ذَلِك أَن نقُول انه يَقُول الْكَذِب ويجهل فَبَطل هَذَا الْإِلْزَام وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأَيْضًا فإننا لم نقل أَنه تَعَالَى يظلم وَلَا يكون ظَالِما وَلَا قُلْنَا أَنه يكفر وَلَا يُسمى كَافِرًا وَلَا قُلْنَا أَنه يكذب وَيُسمى كَاذِبًا فيلزمنا مَا أَرَادوا وإلزامنا إِيَّاه وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه خلق الظُّلم وَالْكذب وَالْكفْر وَالشَّر وَالْحَرَكَة والطول وَالْعرض والسكون إعْرَاضًا فِي خلقه فَوَجَبَ أَن يُسمى خَالِقًا لكل ذَلِك كَمَا خلق الْجُوع والعطش والشبع والري وَالسمن والهزال واللغات وَلم يجر أَن يُسمى ظَالِما وَلَا كَاذِبًا وَلَا كَافِرًا وَلَا شريراً كَمَا لم يجز عندنَا وَعِنْدهم أَن يُسمى من أجل خلقه لكل مَا ذَكرْنَاهُ متحركاً وَلَا سَاكِنا وَلَا طَويلا وَلَا عريضاً وَلَا عطشان وَلَا رَيَّان وَلَا جائعاً وَلَا شابعاً وَلَا سميناً وَلَا هزيلاً وَلَا لغوياً وَهَكَذَا كل مَا خلق الله ﵎ فَإِنَّمَا يخبر عَنهُ بِأَنَّهُ تَعَالَى خَالق لَهُ فَقَط وَلَا يُوصف بِشَيْء مِمَّا ذكرنَا إِلَّا من خلقه الله تَعَالَى عرضا فِيهِ واما قَوْلهم لَا يفعل فعل من فاعلين هَذَا فعله كُله وَهَذَا فعله فَإِن هَذَا تحكم ونقصان من الْقِسْمَة أوقعهم فِيهَا جهلهم وتناقضهم وَقَوْلهمْ إِنَّمَا يسْتَدلّ بِالشَّاهِدِ على الغايب وَهَذَا قَول قد أفسدناه فِي كتَابنَا فِي الْأَحْكَام فِي أصُول الْأَحْكَام بِحَمْد الله تَعَالَى ونبين هَا هُنَا فَسَاده بإيجاز فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَنه لَيْسَ عَن الْعقل الَّذِي هُوَ التَّمْيِيز شَيْء غَائِب أصلا وَإِنَّمَا يغيب بعض الْأَشْيَاء من الْحَواس وكل مَا فِي الْعَالم فَهُوَ مشاهده فِي الْعقل الْمَذْكُور لِأَن الْعَالم كُله جَوْهَر حَامِل وَعرض مَحْمُول فِيهِ وَكِلَاهُمَا يَقْتَضِي خَالِقًا أَو لَا وَاحِدًا لَا يُشبههُ شَيْء من خلقه فِي وَجه من الْوُجُوه فَإِن كَانُوا يعنون بالغائب الْبَارِي فقد لزمَه تشبيهه بخلقه إِذْ حكمُوا بتشبيه الْغَائِب بالحاضر وَفِي هَذَا كِفَايَة بل مَا دلّ الشَّاهِد كُله إِلَّا أَن الله تَعَالَى بِخِلَاف كل من خلق من جَمِيع الْوُجُوه وحاشا الله أَن يكون جلّ وَعز غَائِبا بل هُوَ شَاهد بِالْعقلِ كَمَا نشاهد بالحواس كل حَاضر وَلَا فرق بَين صِحَة معرفتنا بِالْمُشَاهَدَةِ بضرورة الْعقل وَبَين صِحَة معرفتنا لسَائِر مَا نشاهده ثمَّ نرْجِع إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِلَى إنكارهم فعلا وَاحِدًا من فاعلين فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِنَّمَا امْتنع ذَلِك فِيمَا بَيْننَا فِي الْأَكْثَر لَا على الْعُمُوم لما شَاهَدْنَاهُ من أَنه لَا تكون حَرَكَة وَاحِدَة فِي الْأَغْلَب لمتحركين وَلَا اعْتِقَاد وَاحِد لمعتقدين وَلَا إِرَادَة وَاحِدَة لمريدين وَلَا فكرة وَاحِدَة لمفتكرين وَلَكِن لَو أَخذ اثْنَان سَيْفا وَاحِدًا أَو رمحاً وَاحِدًا فضربا بِهِ إنْسَانا فقطعاه أَو طعناه بِهِ لكَانَتْ حَرَكَة وَاحِدَة غير منقسمة لمتحركين بهَا وفعلاً وَاحِدًا غير منقسم لفاعلين هَذَا أَمر يُشَاهد بالحس والضرورة وَهَذَا مَنْصُوص فِي الْقُرْآن من أنكرهُ كفر وَهُوَ أَن الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة عِنْد الْمُسلمين ﴿إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا﴾ وليهب لَك غُلَاما زكيا كلا الْقِرَاءَتَيْن

стр. 346

بِنَقْل الكواف عَن رَسُول الله ﷺ عَن جِبْرِيل ﷺ فَإِذا قُرِئت بِالْهَمْز فَهُوَ إِخْبَار جِبْرِيل رَسُول الله ﷺ الرّوح الْأمين إِنَّه هُوَ الْوَاهِب لَهَا عِيسَى ﵇ وَإِذا قُرِئت بِالْيَاءِ فَهُوَ من إِخْبَار جِبْرِيل عَن الله بِأَن الله تَعَالَى هُوَ الْوَاهِب لَهَا عِيسَى ﵇ فَهَذَا فعل من فاعلين نسب إِلَى الله الْهِبَة لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْخَالِق لتِلْك الْهِبَة ونسبت الْهِبَة أَيْضا إِلَى جِبْرِيل لِأَنَّهُ مِنْهُ ظَهرت إِذْ أَتَى بهَا وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَنه رمى وَأَن نبيه رمى فَأثْبت تَعَالَى لنَبيه ﷺ الرَّمْي ونفاه عَنهُ مَعًا وبالضرورة نَدْرِي أَن كَلَام الله لَا يتناقض فَعلمنَا أَن الرَّمْي الَّذِي نَفَاهُ الله عَن نبيه ﷺ هُوَ غير الرَّمْي الَّذِي أثْبته لَهُ لَا يظنّ غير هَذَا مُسلم الْبَتَّةَ فصح ضَرُورَة أَن نِسْبَة الرَّمْي إِلَى الله لِأَنَّهُ خلقه وَهُوَ تَعَالَى خَالق الْحَرَكَة الَّتِي هِيَ الرَّمْي وممض الرَّمية وخالق مسير الرَّمْي وَهَذَا هُوَ الْمَنْفِيّ عَن الرَّامِي وَهُوَ النَّبِي ﷺ وَصَحَّ أَن الرَّمْي للَّذي أثْبته الله لنَبيه ﷺ هُوَ ظُهُور حَرَكَة الرَّمْي مِنْهُ فَقَط وَهَذَا هُوَ نَص قَوْلنَا دون تكلّف وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلم تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِن الله قَتلهمْ﴾ وَالْقَوْل فِي هَذَا كالقول فِي الرَّمْي وَلَا فرق وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿زينا لكل أمة عَمَلهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وزين لَهُم الشَّيْطَان مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ ضررة أَن تَزْيِين الله لكل أمة عَملهَا إِنَّمَا هُوَ خلقه لمحبة أَعْمَالهم فِي نُفُوسهم وَأَن تَزْيِين الشَّيْطَان لَهُم أَعْمَالهم إِنَّمَا هُوَ بِظُهُور الدُّعَاء إِلَيْهَا وبوسوسة وَقَالَ تَعَالَى حاكيا عَن عِيسَى ﵇ أَنه قَالَ ﴿إِنِّي أخلق لكم من الطين كَهَيئَةِ الطير فأنفخ فِيهِ فَيكون طيراً بِإِذن الله وأبرئ الأكمة والأبرص وأحيي الْمَوْتَى بِإِذن الله﴾ أفليس هَذَا فعلا من فاعلين من الله تَعَالَى وَمن الْمَسِيح ﵇ بِنَصّ الْآيَة وَهل خَالق الطير ومبرئ الأكمه والأبرص إِلَّا الله وَقد أخبر عِيسَى إِذْ يخلق وَيُبرئ فَهُوَ فعل من فاعلين بِلَا شكّ وَقَالَ مخبرا عَن نَفسه أَنه يحيي وَيُمِيت وَقَالَ عِيسَى ﵇ عَن نَفسه وأحي الْمَوْتَى بِإِذن الله فبالضرورة نعلم أَن الْمَيِّت الَّذِي أَحْيَاهُ ﵇ وَالطير الَّذِي خلق ينص الْقُرْآن فَإِن الله تَعَالَى أَحْيَاهُ وخلقه وَعِيسَى ﵊ أَحْيَاهُ وخلقه بِنَصّ الْقُرْآن فَهَذَا كُله فعل من فاعلين بِلَا شكّ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَكَذَا القَوْل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار جَهَنَّم﴾ وَقد علمنَا يَقِينا أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي أحلّهُم فِيهَا بِلَا شكّ لَكِن لما ظهر مِنْهُم السَّبَب الَّذِي حلوا بِهِ دَار الْبَوَار أضيف ذَلِك إِلَيْهِم كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن إِبْلِيس ﴿كَمَا أخرج أبويكم من الْجنَّة﴾ وَقد علمنَا أَن الله تَعَالَى هُوَ أخرجهُمَا وَأخرج إِبْلِيس مَعَهُمَا وَلَكِن لما ظهر من إِبْلِيس السَّبَب فِي خروجهما أضيف ذَلِك إِلَيْهِ وكما قَالَ تَعَالَى ﴿لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ فَنَقُول أَن مُحَمَّدًا ﷺ أخرجنَا من الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَقد علمنَا أَن الْمخْرج لَهُ ﵇ وَلنَا هُوَ الله تَعَالَى لَكِن لما ظهر السَّبَب فِي ذَلِك مِنْهُ ﵇ أضيف الْفِعْل إِلَيْهِ فَهَذَا كُله لَا يُوجب الشّركَة بَينهم وَبَين الله تَعَالَى كَمَا تموه الْمُعْتَزلَة وكل هَذَا فعل من فاعلين وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَفْعَال الظَّاهِرَة من النَّاس وَلَا فرق وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأملي لَهُم أَن كيدي متين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الشَّيْطَان سَوَّلَ لَهُم وأملى لَهُم﴾ فَعلمنَا ضَرُورَة أَن إملاء الله تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ تَركه إيَّاهُم دون تَعْجِيل عِقَاب بل بسط لَهُم من الدُّنْيَا وَمد لَهُم من الْعُمر

стр. 347

مَا كَانَ لَهُم عوناً على الْكفْر والمعاصي وَعلمنَا أَن إملاء الشَّيْطَان إِنَّمَا هُوَ بالوسوسة وإنساء الْعقَاب والحض لَهُم على الْمعاصِي وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تَحْرُثُونَ أأنتم تزرعونه أم نَحن الزارعون﴾ فَهَذَا فعل من فاعلين ضَرُورَة نسب إِلَى الله تَعَالَى لِأَنَّهُ اخترعه وخلقه وَإِنَّمَا نسب إِلَيْنَا لأننا تحركنا فِي زرعه فظهرت الْحَرَكَة المخلوقة فِينَا فَهَذِهِ كلهَا أَفعَال خلقهَا الله تَعَالَى وأظهرها فِي عباده فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَتَحْقِيق هَذَا القَوْل فِي الْأَفْعَال هُوَ أَن الله خلق كل مَا خلق قسمَيْنِ فَقَط جوهراً حَامِلا وعرضاً مَحْمُولا ناطقاً وَغير نَاطِق فَغير الْحَيّ هُوَ الجماد كُله والناطق هُوَ الْمَلَائِكَة وحور الْعين وَالْجِنّ وَالْإِنْس فَقَط غير النَّاطِق هُوَ كل مَا عدا ذَلِك من الْحَيَوَان ثمَّ خلق تَعَالَى فِي الجمادات وَفِي الْحَيّ غير النَّاطِق وَفِي الْحَيّ النَّاطِق حَرَكَة وسكوناً وتأثيراً قد ذَكرْنَاهُ آنِفا فالفلك يَتَحَرَّك والمطر ينزل والوادي يسيل والجبل يسكن وَالنَّار تحرق والثلج يبرد وَهَكَذَا فِي كل شَيْء بِهَذَا جَاءَ الْقُرْآن وَجَمِيع اللُّغَات قَالَ تَعَالَى ﴿تلفح وُجُوههم النَّار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبداً رابياً﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فإمَّا الزّبد فَيذْهب جفَاء وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿والفلك تجْرِي فِي الْبَحْر بأَمْره﴾ ﴿والفلك الَّتِي تجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا ينفع النَّاس﴾ وَمثل هَذَا كثير جدا وَبِهَذَا جَاءَت اللُّغَات فِي نِسْبَة الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فِي الجمادات إِلَيْهَا لظهورها فِيهَا فَقَط لَا يخْتَلف لُغَة فِي ذَلِك وَقَالَ تَعَالَى حاكياً عَن إِبْرَاهِيم ﵇ أَنه قَالَ ﴿واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام رب أَنَّهُنَّ أضللن كثيرا من النَّاس﴾ فَأخْبر أَن الْأَصْنَام تضل وَقَالَ تَعَالَى ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاح﴾ وَهَذَا أَكثر من أَن يُحْصى والأعراض أَيْضا تفعل كَمَا ذكرنَا قَالَ ﴿وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾ ﴿وذلكم ظنكم الَّذِي ظننتم بربكم أرداكم﴾ فالظن يردى وَالْعَمَل يرفع وَلم تخْتَلف أمة فِي صِحَة القَوْل أعجبني عمل فلَان وسرني خلق فلَان وَمثل هَذَا كثير جدا وَقد وجدنَا الْحر يحلل ويصعد وَالْبرد يجمد وَمثل هَذَا كثير جدا وَقد بَيناهُ وَالْكل خلق الله وَأما حَرَكَة الْحَيّ غير النَّاطِق والحي النَّاطِق وسكونهما وتأثيرهما فَظَاهر أَيْضا ثمَّ خلق الله فِي الْحَيّ غير النَّاطِق وَفِي الْحَيّ النَّاطِق قصدا ومشيئة لم يخلق ذَلِك فِي الجماد كإرادة الْحَيَوَان الرَّعْي وَتَركه وَالْمَشْي وَتَركه وَالْأكل وَتَركه وَمَا أشبه هَذَا ثمَّ خلق تَعَالَى فِي الْحَيّ النَّاطِق تمييزاً لم يخلقه فِي الْحَيّ غير النَّاطِق وَلَا فِي الجماد وَهُوَ التَّصَرُّف فِي الْعُلُوم والمعارف هَذَا كُله أَمر مشَاهد وكل ذَلِك خلق الله تَعَالَى فِيمَا خلقه فِيهِ وَنسب الْفِعْل فِي كل ذَلِك إِلَى من أظهره الله تَعَالَى مِنْهُ فَقَط فخلق تَعَالَى كَمَا ذكرنَا فِي الْحَيّ النَّاطِق الْفِعْل وَالِاخْتِيَار والتمييز وَخلق فِي الْحَيّ غيرالناطق الْفِعْل وَالِاخْتِيَار فَقَط وَخلق فِي الجماد الْفِعْل فَقَط وَهُوَ الْحَرَكَة والسكون والتأثير كَمَا ذكرنَا وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا فرق بَين من كَابر وجاهر فَأنْكر فعل المطبوع بطبعه وَقَالَ لَيْسَ هُوَ فعله بل هُوَ فعل الله تَعَالَى فِيهِ فَقَط وَبَين آخر جاهر وكابر فَأنْكر فعل الْمُخْتَار بِاخْتِيَارِهِ وَقَالَ لَيْسَ هُوَ فعله بل هُوَ فعل الله تَعَالَى فِيهِ فَقَط وكلا الْأَمريْنِ محسوس بالحس مَعْلُوم بِأول الْعقل وضرورته أَنه فعل لما ظهر مِنْهُ وَمَعْلُوم كل ذَلِك بالبرهان الضَّرُورِيّ أَنه خلق الله تَعَالَى فِي المطبوع وَفِي الْمُخْتَار فَإِن فروا إِلَى القَوْل بِأَن الله تَعَالَى لم يخلق فعل الْمُخْتَار وَأَنه فعل الْمُخْتَار فَقَط قُلْنَا قد بَينا بطلَان هَذَا قبل وَلَكِن نعارضكم هَا هُنَا بِأَن مِنْكُم من يَقُول بِأَن الله تَعَالَى أَيْضا لم يخلق فعل المطبوع وَأَنه فعل المطبوع

стр. 348

فَقَط كمعمر وَغَيره من كبار الْمُعْتَزلَة فَإِن قَالُوا أَخطَأ من قَالَ هَذَا وَكفر قُلْنَا لَهُم وَأَخْطَأ أَيْضا وَكفر من قَالَ أَن أَفعَال الْمُخْتَار لم يخلقها الله تَعَالَى وَلَا فرق فَإِن قَالُوا إِن الله تَعَالَى هُوَ خَالق الطبيعة والمطبوع الَّذين ينسبون الْفِعْل إِلَيْهِمَا فَهُوَ خَالق ذَلِك الْفِعْل قُلْنَا لَهُم وَالله أَيْضا هُوَ خَالق الْمُخْتَار وخالق اخْتِيَاره وخالق قوته وهم الَّذين ينسبون الْفِعْل إِلَيْهِم فَهُوَ خَالق ذَلِك الْفِعْل وَلَا فرق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا من إِضَافَة التَّأْثِير وَجَمِيع الْأَفْعَال إِلَى كل من ظَهرت مِنْهُ من جماد أَو عرض أَو حَيّ أَو نَاطِق أَو غير نَاطِق فَهُوَ الَّذِي تشهد بِهِ الشَّرِيعَة وَبِه جَاءَ الْقُرْآن وَالسّنَن كلهَا وَبِه تشهد الْبَيِّنَة لِأَنَّهُ أَمر محسوس مشَاهد وَبِه تشهد جَمِيع اللُّغَات من جَمِيع أهل الأَرْض قاطبة لَا نقُول لُغَة الْعَرَب فَقَط بل كل لُغَة لَا نحاشي شَيْئا مِنْهَا وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا شَيْء أصح مِنْهُ فَإِن قَالُوا تسمون الجماد وَالْعرض كسبا قُلْنَا لَا لأَنا لَا نتعدى مَا جَاءَت بِهِ اللُّغَة من أحَال اللُّغَة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن بِرَأْيهِ فقد دخل فِي جملَة من قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ ﴿يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه﴾ وَلحق بالسوفسطائية فِي أبطالهم التفاهم وَلَو جَاءَت اللُّغَة بذلك لقلناه كَمَا نقُول أَن الله فَاعل ذَلِك وَلَا نُسَمِّيه كاسباً فَإِن قيل أتقولون أَن الجمادات وَالْعرض عَامل قُلْنَا نعم لِأَن اللُّغَة جَاءَت بذلك وَبِه نقُول الْحَدِيد يعْمل وَالْحر يعْمل فِي الْأَجْسَام وَهَكَذَا فِي غير ذَلِك فَإِن قيل أتقولون للجماد وَالْعرض استطاعة وَقُوَّة وطاقة وقدرة قُلْنَا إِنَّمَا نتبع اللُّغَة فَقَط فَنَقُول إِن الجمادات والأعراض قوى يظْهر بهَا مَا خلق الله تَعَالَى فِيهَا من الْأَفْعَال وفيهَا طَاقَة لَهَا وَلَا نقُول فِيهَا قدرَة وَلَا نمْنَع من أَن نقُول فِيهَا طَاقَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأنزلنا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد﴾ فَنَقُول الْحَدِيد ذُو بَأْس شَدِيد وَذُو قُوَّة عَظِيمَة وَذُو طَاقَة وَقد قُلْنَا لكم لَا نتعدى فِي التَّسْمِيَة والعبارة جملَة مَا جَاءَت بِهِ اللُّغَة وَلَا نتعدى فِي تَسْمِيَة الله تَعَالَى وَالْخَبَر عَنهُ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَنَصّ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَحَّ بِهِ الْبُرْهَان وَمَا عداهُ فَبَاطِل وضلال وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما اعتراضهم بهل الْخلق هُوَ الْكسْب أَو غَيره فَنعم كسبنا لما ظهر منا وبطن وكل صنعنَا وَجَمِيع أَعمالنَا وأفعالنا لذَلِك هُوَ خلق الله فِينَا كَمَا ذكرنَا لِأَن كل ذَلِك شَيْء وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ ولكننا لَا نتعدى باسم الْكسْب حَيْثُ أوقعه الله تَعَالَى مخبرا لنا بأننا نجزي بِمَا كسبت أَيْدِينَا وَبِمَا كسبنا فِي غير مَوضِع من كِتَابه وَلَا يحل أَن يُقَال أَنه كسب لله تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى لم يقلهُ وَلَا أذن فِي قَوْله وَلَا يحل أَن يُقَال أَنَّهَا خلق لنا لِأَن الله تَعَالَى لم يقلهُ وَلَا أذن فِي قَوْله لَكِن نقُول هِيَ خلق لله كَمَا نَص على أَنه خَالق كل شَيْء ونقول هِيَ كسب لنا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ وَلَا نُسَمِّيه فِي الشَّرِيعَة وَلَا فِيمَا يخبر بِهِ عَن الله لِأَن الله خَالق الْأَلْسِنَة الناطقة بالأسماء وخالق الْأَسْمَاء وخالق المسميات حاشاه تَعَالَى وخالق الْهَوَاء الَّذِي يَنْقَسِم على حُرُوف الهجاء فتتركب مِنْهَا الْأَسْمَاء فَإِذا كَانَت الْأَسْمَاء مخلوقة لله والمسميات دونه تَعَالَى مخلوقة لله والمسمون الناطقون بآلاتهم مخلوقين لله فَلَيْسَ لأحد إِيقَاع اسْم على مُسَمّى لم يوقعه الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَة أَو أَبَاحَ إِيقَاعه عَلَيْهِ بإباحته الْكَلَام باللغة الَّتِي أمرنَا الله بالتفاهم بهَا وَبِأَن نتعلم بهَا ديننَا ونعلمه

стр. 349

بهَا وَقد نَص تَعَالَى على هَذَا القَوْل مُنْكرا على قوم أوقعوا اسْما على مسميات لم يَأْذَن الله تَعَالَى بهَا وَلَا بإيقاعها عَلَيْهِ ﴿إِن هِيَ إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى أم للْإنْسَان مَا تمنى﴾ فَأخْبر أَن من أوقع اسْما على مُسَمّى لم يَأْتِ بِهِ نَص بإيجابه أَو بِالْإِذْنِ فِيهِ بالشريعة أَو بجملة اللُّغَة فَإِنَّمَا يتبع الظَّن وَالظَّن أكذب الحَدِيث وَإِنَّمَا يتبع هَوَاهُ وَقد حرم الله تَعَالَى اتِّبَاع الْهوى وَأخْبر تَعَالَى أَن الْهدى قد جَاءَ من عِنْده وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة﴾ فَلَيْسَ لأحد أَن يتَعَدَّى الْقُرْآن وَالسّنة اللَّذين هما هدى الله وَبِه التَّوْفِيق فصح ضَرُورَة أَنه لَيْسَ لأحد أَن يَقُول أَن أفعالنا خلق لنا وَلَا أَنَّهَا كسب لله وَلَكِن الْحق الَّذِي لَا يجوز خِلَافه هُوَ أَنَّهَا خلق لله تَعَالَى كسب لنا كَمَا جَاءَ فِي هدى الله الَّذِي هُوَ الْقُرْآن وَقد بَينا أَيْضا أَن الْخلق هُوَ الإبداع والاختراع وَلَيْسَ هَذَا لنا أصلا فأفعالنا لَيست خلقا لنا وَالْكَسْب إِنَّمَا هُوَ استضافة الشَّيْء إِلَى جاعله أَو جَامعه بِمَشِيئَة لَهُ وَلَيْسَ يُوصف الله تَعَالَى بِهَذَا فِي أفعالنا فَلَا يجوز أَن يُقَال هِيَ كسب لَهُ تَعَالَى وَبِه نتأيد وَأَيْضًا فقد وافقونا كلهم على تَسْمِيَة الْبَارِي تَعَالَى بِأَنَّهُ خَالق للأجسام وَكلهمْ حاشا معمر أَو عَمْرو بن بَحر الجاحظ موافقون لنا على تَسْمِيَة البارئ تَعَالَى بِأَنَّهُ خَالق للأعراس كلهَا حاشا أَفعَال المختارين وَكلهمْ وَمعمر والجاحظ أَيْضا موافقون لنا على تَسْمِيَة الْبَارِي تَعَالَى بِأَنَّهُ خَالق الإماتة والأحياء وَكلهمْ موافقون لنا على أَنه تَعَالَى إِنَّمَا سمي خَالِقًا لكل مَا خلق لإبداعه إِيَّاه وَكم يكن قبل ذَلِك فَإِذا ثَبت بالبرهان اختراعه تَعَالَى لسَائِر الْأَعْرَاض الَّتِي خالفونا فِيهَا وَجب أَن يُسمى خلقا لَهُ وَيُسمى هُوَ تَعَالَى خَالِقًا لَهَا وَأما اعتراضهم بِأَنَّهُ إِذا كَانَت أفعالنا خلقا لله تَعَالَى وَكَانَ مُتَوَهمًا منا ومستطاعاً عَلَيْهِ فِي ظَاهر امرنا بسلامة جوارحنا أَن لَا تكون تِلْكَ الْأَفْعَال فقد ادعينا أننا مستطيعون فِي ظَاهر الْأَمر بسلامة الْجَوَارِح وَأَنه متوهم منا منع الله من أَن يخلقها وَهَذَا كفر مُجَرّد مِمَّن أجَازه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَازم للمعتزلة على الْحَقِيقَة لَا لنا لأَنهم الْقَائِلُونَ أَنهم يقدرُونَ ويستطيعون على الْحَقِيقَة على ترك أفعالهم وعَلى ترك الْوَطْء الَّذِي قد علم الله تَعَالَى أَنه لَا بُد أَن يكون وَأَن يخلق مِنْهُ الْوَلَد وعَلى ترك الضَّرْب الَّذِي قد علم الله أَنه لَا بُد أَن يكون وَأَنه يكون مِنْهُ الْمَوْت وانقضاء الْأَجَل الْمُسَمّى عِنْده وعَلى ترك الْحَرْث وَالزَّرْع الَّذِي قد علم الله تَعَالَى أَنه لَا بُد أَن يكون وَأَن يكون مِنْهُ النَّبَات الَّذِي تكون مِنْهُ الأقوات والمعاش فيلزمهم وَلَا بُد أَنهم قادرون على منع الله تَعَالَى مِمَّا قد علم وَقَالَ أَنه سيفعل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن بلغ هَهُنَا فَلَا بُد إِن يرجع إِمَّا تَائِبًا محسناً إِلَى نَفسه أَو خاسئاً غاوياً مُقَلدًا مُنْقَطِعًا أَو يتمادى على طرد قَوْله فيكفر وَلَا بُد مَعَ خِلَافه لضَرُورَة الْحس والمشاهدة وضرورة الْعقل وَالْقُرْآن وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما نَحن فجوابنا هَا هُنَا أننا لم نستطع قطّ على فعل مَا لم يعلم الله أننا سنفعله وَلَا على ترك مَا علم أننا نفعله وَلَا على فسخ علم الله تَعَالَى أصلا وَلَا على تَكْذِيبه فِي فعل مَا أَمر تَعَالَى بِهِ وَإِن كُنَّا فِي ظَاهر الْأَمر نطلق مَا أطلق الله تَعَالَى من الِاسْتِطَاعَة الَّتِي لَا يكون بهَا إِلَّا مَا علم الله تَعَالَى أَنه يكون وَلَا مزِيد وَهِي استطاعة بِإِضَافَة لَا استطاعة على الْإِطْلَاق لَكِن نقُول هُوَ مستطيع بِصِحَّة جوارحه أَي أَنه متوهم كَون الْفِعْل مِنْهُ فَقَط فَإِن قَالُوا أفأمركم الله تَعَالَى بِأَن تكذبوا قَوْله وتبطلوا علمه إِذْ أَمركُم بِفعل مَا علم أَنه لَا تفعلونه قُلْنَا عِنْد

стр. 350

تَحْقِيق الْأَمر فَإِن أمره لمن علم أَنه لَا يفعل مَا أَمر بِهِ أَمر تعجيز كَقَوْلِه ﴿قل كونُوا حِجَارَة أَو حديداً﴾ وَكَقَوْلِه ﴿من كَانَ يظنّ أَن لن ينصره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فليمدد بِسَبَب إِلَى السَّمَاء ثمَّ ليقطع فَلْينْظر هَل يذْهبن كَيده مَا يغِيظ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد تحيرت الْمُعْتَزلَة هَا هُنَا حَتَّى قَالَ بَعضهم لَو لم يقتل زيد لعاش وَقَالَ أَبُو الْهُذيْل لَو لم يقتل لمات وشغب الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَو لم يقتل لعاش بقول الله ﴿وَمَا يعمر من معمر وَلَا ينقص من عمره إِلَّا فِي كتاب﴾ وَبقول رَسُول الله ﷺ من سره أَن ينسأ فِي أَجله فَليصل رَحمَه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ بل هُوَ بِظَاهِرِهِ حجَّة عَلَيْهِم لِأَن النَّقْص فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن إِنَّمَا هُوَ من بَاب الْإِضَافَة وبالضرورة علمنَا أَن من عمر مائَة عَام وَعمر آخر ثَمَانِينَ سنة فَإِن الَّذِي عمر ثَمَانِينَ نقص من عدد عمر الآخر عشْرين عَاما فَهَذَا هُوَ ظَاهر الْآيَة ومقتضاها على الْحَقِيقَة لَا مَا يَظُنّهُ من لَا عقل لَهُ من أَن الله تَعَالَى جَار تَحت أَحْكَام عباده إِن ضربوا زيدا أَمَاتَهُ وَإِن لم يضربوه لم يمته وَمن أَن علمه غير مُحَقّق فَرُبمَا أعاش زيدا ماية سنة وَرُبمَا أعاشه أقل وَهَذَا هُوَ البداء بِعَيْنِه ومعاذ الله تَعَالَى من هَذَا القَوْل بل الْخلق كُله مصرف تَحت أَمر الله وَعلمه فَلَا يقدر أحد على تعدِي مَا علم الله تَعَالَى أَنه يكون وَلَا يكون الْبَتَّةَ إِلَّا مَا سبق فِي علمه أَن يكون وَالْقَتْل نوع من أَنْوَاع الْمَوْت فَمن سَأَلَ عَن الْمَقْتُول لَو لم يقتل لَكَانَ يَمُوت أَو يعِيش فسؤاله سخيف لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسْأَل لَو لم يمت هَذَا الْمَيِّت أَكَانَ يَمُوت أَو كَانَ لايموت وَهَذِه حَمَاقَة جدا لِأَن الْقَتْل عِلّة لمَوْت الْمَقْتُول كَمَا أَن الْحمى القاتلة والبطن الْقَاتِل وَسَائِر الْأَمْرَاض القاتلة علل للْمَوْت الْحَادِث عَنْهَا وَلَا فرق وَأما قَول رَسُول الله ﷺ من سره أَن ينسأ فِي أَجله فَليصل رَحمَه فَصَحِيح مُوَافق لِلْقُرْآنِ وَلما توجبه الْمُشَاهدَة وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَن الله لم يزل يعلم أَن زيدا سيصل رَحمَه وَأَن ذَلِك سَبَب إِلَى أَن يبلغ من الْعُمر كَذَا وَكَذَا وَكَذَا كل حَيّ فِي الدُّنْيَا لِأَن من علم الله تَعَالَى أَن سيعمره كَذَا وَكَذَا من الدَّهْر فَإِنَّهُ تَعَالَى قد علم وَقدر أَنه سيتغذى بِالطَّعَامِ وَالشرَاب ويتنفس بالهواء وَيسلم من الْآفَات القاتلة تِلْكَ الْمدَّة الَّتِي لَا بُد من استيفائها والمسبب وَالسَّبَب كل ذَلِك قد سبق فِي علم الله كَمَا هُوَ لَا يُبدل قَالَ تَعَالَى ﴿مَا يُبدل القَوْل لدي﴾ وَلَو كَانَ على غير هَذَا لوَجَبَ البداء ضَرُورَة ولكان غير عليم بِمَا يكون متشككاً فِيهِ لَا يكون أم لَا يكون جَاهِلا بِهِ جملَة وَهَذِه صفة المخلوقين لَا صفة الْخَالِق وَهَذَا كفر مِمَّن قَالَ بِهِ وهم لَا يَقُولُونَ بِهَذَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنَصّ الْقُرْآن يشْهد بِصِحَّة مَا قُلْنَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَو كُنْتُم فِي بُيُوتكُمْ لبرز الَّذين كتب عَلَيْهِم الْقَتْل إِلَى مضاجعهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل لن ينفعكم الْفِرَار أَن فررتم من الْمَوْت أَو الْقَتْل﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت وَلَو كُنْتُم فِي بروج مشيدة﴾ وَقَالَ تَعَالَى مُنكر القَوْل قوم جرت الْمُعْتَزلَة فِي ميدانهم ﴿الَّذين قَالُوا لإخوانهم وقعدوا لَو أطاعونا مَا قتلوا قل فادرؤوا عَن أَنفسكُم الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين كفرُوا وَقَالُوا لإخوانهم إِذا ضربوا فِي الأَرْض أَو كَانُوا غزى لَو كَانُوا عندنَا مَا مَاتُوا وَمَا قتلوا ليجعل الله ذَلِك حسرة فِي قُلُوبهم وَالله يحيي وَيُمِيت﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تَمُوت إِلَّا بِإِذن الله كتابا مُؤَجّلا﴾

стр. 351

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه نُصُوص لَا يبعد من ردهَا بعد ان سَمعهَا عَن الْكفْر نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وموه بَعضهم بِأَن ذكر قَول الله تَعَالَى ﴿ثمَّ قضى أَََجَلًا وَأجل مُسَمّى عِنْده﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه الْآيَة حجَّة عَلَيْهِم لِأَنَّهُ تَعَالَى نَص على أَنه قضى أَََجَلًا وَلم يقل لشَيْء دون شَيْء لَكِن على الْجُمْلَة ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأجل مُسَمّى عِنْده﴾ فَهَذَا الْأَجَل الْمُسَمّى عِنْده هُوَ الَّذِي قضى بِلَا شكّ إِذْ لَو كَانَ غَيره لَكَانَ أَحدهمَا لَيْسَ أَََجَلًا إِذا أمكن التَّقْصِير عَنهُ أَو مجاوزته وَلَكِن الْبَارِي تَعَالَى مُبْطلًا إِذْ سَمَّاهُ أَََجَلًا وَهَذَا كفر لَا يَقُوله مُسلم وَأجل الشَّيْء هُوَ معياده الَّذِي لَا يتعداه وَإِلَّا فَلَيْسَ يُسمى أَََجَلًا الْبَتَّةَ وَلم يقل تَعَالَى إِن الْأَجَل الْمُسَمّى عِنْده هُوَ غير الْأَجَل الَّذِي قضى فأجل كل شَيْء منقضى أمره بِالضَّرُورَةِ نعلم ذَلِك وَيبين ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قَالَ ﴿وَلنْ يُؤَخر الله نفسا إِذا جَاءَ أجلهَا﴾ وَقد أخبرنَا تَعَالَى بذلك أَيْضا فَقَالَ ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تَمُوت إِلَّا بِإِذن الله كتابا مُؤَجّلا﴾ فتظاهرت الْآيَات كلهَا بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ قَوْلنَا وبتكذيب من قَالَ غير ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما الأرزاق فَإِن الله تَعَالَى أخبرنَا فَقَالَ ﴿الله الَّذِي خَلقكُم ثمَّ رزقكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وخلقناكم أَزْوَاجًا﴾ فَكل مَال حَلَال فَإِنَّمَا نقُول أَنه تَعَالَى رزقنا إِيَّاه وكل امْرَأَة حَلَال فَإنَّا نقُول إِن الله تَعَالَى زَوجْنَا إِيَّاهَا أَو ملكنا إِيَّاهَا وَأما من أَخذ مَالا بِغَيْر حق أَو امْرَأَة بِغَيْر حق فَلَا يجوز أَن نقُول انه تَعَالَى رزقنا إِيَّاه وَلَا أَن الله تَعَالَى ملكنا إِيَّاه وَلَا أَن الله أَعْطَانَا إِيَّاه وَلَا أَن الله تَعَالَى زَوجْنَا إِيَّاهَا وَلَا أَن الله تَعَالَى ملكنا إِيَّاهَا وَلَا أَنْكَحنَا إِيَّاهَا لِأَن الله تَعَالَى لم يُطلق لنا أَن نقُول ذَلِك وَقد قُلْنَا إِن الله تَعَالَى لَهُ التَّسْمِيَة لَا لنا لَكِن نقُول إِن الله ابتلانا بِهَذَا المَال وبهذه الْمَرْأَة وامتحنا بهما وأضلنا بهما وَخلق تملكنا إيَّاهُمَا ونكاهما لنا واستعمالنا إيَّاهُمَا وَلَا نقُول أَنه أطعمنَا الْحَرَام وَلَا أَبَاحَ لنا الْحَرَام وَلَا وهب لنا الْحَرَام وَلَا آتَانَا الْحَرَام كَمَا ذكرنَا من التَّسْمِيَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما قَوْلهم أَلَيْسَ إِذا كَانَت أفعالكم لكم وَللَّه تَعَالَى فقد وَجب أَنكُمْ شركاؤه فِيهَا فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن هَذَا من أبرد ماموهوا بِهِ وَهُوَ عايد عَلَيْهِم لأَنهم يَقُولُونَ أَنهم يخترعون أفعالهم ويخلقونها وَهِي بعض الْأَعْرَاض وَأَن الله تَعَالَى يفعل سَائِر الْأَعْرَاض ويخلقها ويخترعها فَهَذَا هُوَ عين الْإِشْرَاك والتشبيه فِي حَقِيقَة الْمَعْنى وَهُوَ الاختراع تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَأما نَحن فَلَا يلْزمنَا إِيجَاب الشّركَة لله تَعَالَى فِيمَا قُلْنَا لِأَن الْإِشْرَاك لَا يجب بَين المستركين إِلَّا باتفاقهما فِيمَا اشْتَركَا فِيهِ وبرهان ذَلِك أَن أَمْوَالنَا ملك لنا وَملك لله بِإِجْمَاع منا وَمِنْهُم وَلَيْسَ ذَلِك بِمُوجب أَن تكون شركاؤه فِيهَا لاخْتِلَاف جِهَات الْملك لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ مَالك لَهَا لِأَنَّهَا مخلوقة لَهُ تَعَالَى وَهُوَ مصرفنا فِيهَا وناقلها عَنَّا وناقلنا عَنْهَا كَيفَ شَاءَ الله تَعَالَى وَهِي ملكنا لِأَنَّهَا كسب وملزمون إحكامها ومباح لنا التَّصَرُّف فِيهَا بالوجوه الَّتِي أَبَاحَهَا الله تَعَالَى لنا وَأَيْضًا فَنحْن عالمون بِأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَالله تَعَالَى عَالم بذلك وَلَيْسَ ذَلِك مُوجبا لِأَن نَكُون شركاءه فِي ذَلِك الْعلم لاخْتِلَاف الْأَمر فِي ذَلِك لِأَن علمنَا عرض مَحْمُول فِينَا وَهُوَ غَيرنَا وَعلم الله تَعَالَى لَيْسَ هُوَ غَيره وَمثل هَذَا كثير جدا لَا يُحْصى فِي دهر طَوِيل بل لَا يُحْصِيه مفصلا إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ

стр. 352

فَكيف لم يجب الِاشْتِرَاك الْبَتَّةَ بَين الله تَعَالَى وبيننا عِنْدهم فِي هَذِه الْوُجُوه كلهَا وَوَجَب أَن يكون شركاؤه فِي شَيْء لَيْسَ للاشتراك الْبَتَّةَ فِيهِ مدْخل وَهُوَ خلقه تَعَالَى لأفعال لنا هُوَ فَاعل لَهَا بِمَعْنى مخترع لَهَا وَنحن فاعلون لَهَا بِمَعْنى ظُهُورهَا مَحْمُولَة فِينَا وَهَذَا خلاف فعل الله تَعَالَى لَهَا وَقد قَالَ بعض أَصْحَابنَا بِأَن الْأَفْعَال لله تَعَالَى من جِهَة الْخلق وَهِي لنا من جِهَة الْكسْب قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد تذاكرت هَذَا مَعَ شيخ طرابلسي يكنى أَبَا الْحسن معتزلي فَقَالَ لي وللأفعال جِهَات وَزَاد بَعضهم فَقَالَ أَو لَيست أعراضاً وَالْعرض لَا يحمل الْعرض وَالصّفة لَا تحمل الصّفة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا جهل من قَائِله وَقَضِيَّة فَاسِدَة من أهذار الْمُتَكَلِّمين ومشاغبهم وَقَول يردهُ الْقُرْآن والمعقول وَالْإِجْمَاع من جَمِيع اللُّغَات والمشاهدة فَأَما الْقُرْآن فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿عَذَاب عَظِيم﴾ و ﴿عَذَاب أَلِيم﴾ ﴿ولنذيقنهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأنبتها نباتاً حسنا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن كيد الشَّيْطَان كَانَ ضَعِيفا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ومكروا مكراً كبارًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن كيدكن عَظِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وجاؤوا بِسحر عَظِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿صفراء فَاقِع لَوْنهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وذلكم ظنكم الَّذِي ظننتم بربكم أرداكم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿اتبعُوا مَا أَسخط الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا أَضَاءَت مَا حوله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿تلفح وُجُوههم النَّار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مِمَّا تنْبت الأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لما يتفجر مِنْهُ الْأَنْهَار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَيخرج مِنْهُ المَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبداً رابياً﴾ ﴿فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿والفلك الَّتِي تجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا ينفع النَّاس﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فوصف الله تَعَالَى الْعَذَاب بالعظم بالإيلام وَبِأَن فِيهِ أكبر وَأدنى وَوصف النَّبَات بالْحسنِ وَكيد الشَّيْطَان بالضعف وَكيد النِّسَاء بالعظم وَالْمَكْر بِالْكبرِ وَالسحر بالعظم واللون بالفقوع وَذكر أَن الْبغضَاء تبدو وَأَن الْكَلَام الطّيب يصعد إِلَيْهِ تَعَالَى وَأَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة ترفع الْكَلَام الطّيب وَأَن الظَّن يردي وَأَن الْعَمَل الرَّدِيء يسْخط الله تَعَالَى وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن وَسنَن رَسُول الله ﷺ أَكثر من أَن يجمع إِلَّا فِي جُزْء ضخم فَكيف يساعد امْرأ مُسلما لِسَانه على إِنْكَار شَيْء من هَذَا بعد شَهَادَة الله بِمَا ذكرنَا وَأما إِجْمَاع اللُّغَات فَكل لُغَة لَا يُنكر أحد فِيهَا القَوْل بِصُورَة حَسَنَة وَصُورَة قبيحة وَحُمرَة مشرقة وَحُمرَة مضيئة وَحُمرَة كدرة وَلَا يخْتَلف أحد من أهل الأَرْض فِي أَن يَقُول صف لي عمل فلَان وَهَذَا مَوْصُوف وَصفَة عمل كَذَا وَكَذَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَنْكَرُوا بِعَيْنِه وَهُوَ أَكثر من أَن يُحْصى وَأما الْحس وَالْعقل والمعقول فبيقين يدْرِي كل ذِي فهم أَن الكيفيات تقبل الأشد والأضعف هَذِه خَاصَّة الْكَيْفِيَّة الَّتِي تُوجد فِي غَيرهَا وكل هَذَا عرض يحمل عرضا وَصفَة تحمل صفة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد عارضني بَعضهم فِي هَذَا فَقَالَ لَو أَن الْعرض يحمل الْعرض لحمل ذَلِك الْعرض عرضا آخر وَهَكَذَا أبدا وَهَذَا يُوجب وجود أَعْرَاض لَا نِهَايَة لَهَا وَهَذَا بَاطِل قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَقلت أَن المشاهدات لَا تدفع بِهَذِهِ الدَّعْوَى الْفَاسِدَة وَهَذَا الَّذِي ذكرت

стр. 353

لَا يلْزم لأننا لم نقل كل عرض فَوَاجِب أَن يحمل أبدا لكننا نقُول أَن من الْأَعْرَاض مَا يحمل الْأَعْرَاض كَالَّذي ذكرنَا وَمِنْهَا مَا لايحمل الْأَعْرَاض وكل ذَلِك جَار على مَا رتبه الله وعَلى مَا خلقه وكل ذَلِك لَهُ نِهَايَة تقف عِنْدهَا وَلَا يزِيد وَنحن إِذا وجد فِيمَا بَيْننَا جسم يزِيد على جسم آخر زِيَادَة مَا فِي طوله أَو عرضه فَلَيْسَ يجب من ذَلِك أَن الزِّيَادَة مَوْجُودَة إِلَى مَالا نِهَايَة لَهُ لَكِن تَنْتَهِي الزِّيَادَة إِلَى حَيْثُ رتبها الله وتقف وَإِنَّمَا الْعلم كُله معرفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَقَط ونقول لَهُم أتخالف حمرَة التفاحة حمرَة الخوخة أم لَا فَلَا بُد لَهُم من أَن يَقُولُوا بِأَنَّهَا قد تخالفها فِي صفة مَا إِلَّا ان ينكروا العيان فَنَقُول لَهُم أتخالف الْحمرَة والصفرة أم لَا فَلَا بُد أَيْضا من نعم فَنَقُول لَهُم أخلاف الْحمرَة للحمرة هُوَ خلاف الْحمرَة للصفرة أم لَا فَلَا بُد من لَا وَلَو قَالُوا نعم للزمهم أَن الصُّفْرَة هِيَ الْحمرَة إِذْ كَانَت الصُّفْرَة لَا تخالفها الْحمرَة إِلَّا بِمَا تخَالف فِيهِ الْحمرَة الْحمرَة الْأُخْرَى والخضرة فَإِذا فِي الْحمرَة والصفرة صفتان بهما يَخْتَلِفَانِ غير الصّفة الَّتِي بهَا تخَالف الْحمرَة الْحمرَة الْأُخْرَى والخضرة فقد صَحَّ يَقِينا أَن الصّفة قد تحمل الصّفة وَأَن الْعرض قد يحمل الْعرض بضرورة الْمُشَاهدَة على حسب مَا رتبه الله تَعَالَى وكل ذَلِك ذُو نِهَايَة وَلَا بُد وَتَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذِه الْمعَانِي وتناهيها هُوَ أَن الْعَالم كُله جَوْهَر حَامِل وَعرض مَحْمُول وَلَا مزِيد والجوهر أَجنَاس وأنواع وَالْعرض أَجنَاس وأنواع والأجناس محصورة ببراهين قد ذَكرنَاهَا فِي كتاب التَّقْرِيب عمدتها أَن الْأَجْنَاس أقل عددا من الْأَنْوَاع المنقسمة تحتهَا بِلَا شكّ والأنواع أَكثر عددا من الْأَجْنَاس إِذْ لَا بُد من ان يكون تَحت كل جنس نَوْعَانِ أَو أَكثر من نَوْعَيْنِ وَالْكَثْرَة والقلة لَا يقعان ضَرُورَة إِلَّا فِي ذِي نِهَايَة من مبدئه ومنتهاه لِأَن مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا يُمكن أَن يكون شَيْء أَكثر مِنْهُ وَلَا أقل مِنْهُ وَلَا مُسَاوِيا لَهُ لِأَن هَذَا يُوجب النِّهَايَة وَلَا بُد فالعالم إِذا ذُو نِهَايَة لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْئا غير الْأَجْنَاس والأنواع الَّتِي للجواهر والأعراض فَقَط والمعاني إِنَّمَا هِيَ للأشياء الْمعبر عَنْهَا بالألفاظ فَقَط فَإذْ هَذَا كَمَا ذكرنَا فَإِنَّمَا نقيس الْأَشْيَاء بصفاتها الَّتِي تقوم مِنْهَا حُدُودهَا مثل أَن نقُول مَا الْإِنْسَان فَنَقُول جسم ملون وَنَفس فِيهِ تمكن أَن تكون متصرفة فِي الْعُلُوم والصناعات يقبل الْحَيَاة وَالْمَوْت فَيُقَال مَا الْجِسْم وَمَا النَّفس وَمَا اللَّوْن وَمَا الصناعات وَمَا الْعُلُوم وَمَا الْحَيَاة وَمَا الْمَوْت فَإِذا فسرت جَمِيع هَذِه الْأَلْفَاظ ورسمت كل مَا يَقع عَلَيْهِ وَفعلت كَذَلِك فِي جَمِيع الْأَجْنَاس والأنواع فقد انْتَهَت الْمعَانِي وانقطعت وَلَا سَبِيل إِلَى التَّمَادِي بِلَا نِهَايَة أصلا لِأَن كل مَا ينطبق بِهِ أَو يعقل فَإِنَّهُ لَا يعدو الْأَجْنَاس والأنواع الْبَتَّةَ والأنواع والأجناس محصورة كَمَا بَينا وكل مَا خرج من الْأَشْخَاص إِلَى حد الْفِعْل فقد حصره الْعدَد لِأَنَّهُ ذُو مبدأ وكل مَا حصره الْعدَد فمتناه ضَرُورَة فَجَمِيع الْمعَانِي من الْأَعْرَاض وَغَيرهَا محصورة بِمَا ذكرنَا من الْبُرْهَان الصَّحِيح الَّذِي ذكرنَا أَن كل مَا فِي الْعَالم مِمَّا خرج إِلَى الْوُجُود فِي الدَّهْر مذ كَانَ الْعَالم من جنس أَو عرض فَهُوَ كُله مَحْصُور عدده متناه أمده ذُو غَايَة فِي ذَاته فِي مبدئه ومنتهاه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقد نعجز نَحن عَن عد شُعُور أجسامنا ونوقن أَنَّهَا ذَات عدد متناه بِلَا شكّ فَلَيْسَ قُصُور قَوْلنَا عَن إحصاء عدد مَا فِي الْعَالم بمعترض على وجوب وجود النِّهَايَة فِي جَمِيع أشخاص جواهره وأعراضه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما قَوْلهم إِذا كَانَ فعلنَا خلقا لله ثمَّ عذبنا عَلَيْهِ فَإِنَّمَا عذبنا على خلقه فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن هَذَا لَا يلْزم وَلَو لزمنا للزمهم إِذا كَانَ تَعَالَى يعذبنا على إرادتنا

стр. 354

وحركتنا الواقعتين منا أَن يعذبنا على كل حَرَكَة لنا أَو على كل إِرَادَة لنا بل على كل حَرَكَة فِي الْعَالم وعَلى كل إِرَادَة فَإِن قَالُوا لَا يعذبنا إِلَّا على حركتنا وإرادتنا الواقعين منا بِخِلَاف أمره وَكَذَلِكَ نقُول نَحن أَنه لَا يعذبنا إِلَّا على خلقه فِينَا الَّذِي هُوَ ظَاهر منا بِخِلَاف أمره وَهُوَ مَنْسُوب إِلَيْنَا ومكتسب لنا لإيثارنا إِيَّاه الْمَخْلُوق فِينَا فَقَط لَا على كل مَا خلق فِينَا أَو فِي غَيرنَا وَلَا فرق وَلَو أخبرنَا تَعَالَى أَنه يعذبنا على مَا خلق فِي غَيرنَا لقلنا بِهِ ولصدقناه كَمَا نقر أَنه يعذب أَقْوَامًا على مَا لم يفعلوه قطّ وَلَا أمروا بِهِ لَكِن على مَا يَفْعَله غَيرهم مِمَّن جَاءَ بعدهمْ بِأَلف عَام لِأَن أُولَئِكَ كَانُوا أول من فعل مثل ذَلِك الْفِعْل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالاً مَعَ أثقالهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى حاكيا عَن أحد ابْني آدم ﵇ أَنه قَالَ ﴿إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك فَتكون من أَصْحَاب النَّار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ليحملوا أوزارهم كَامِلَة يَوْم الْقِيَامَة وَمن أوزار الَّذين يضلونهم بِغَيْر علم أَلا سَاءَ مَا يزرون﴾ وَلَيْسَ هَذَا مُعَارضا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا هم بحاملين من خطاياهم من شَيْء﴾ بل كلا الْآيَتَيْنِ متفقة مَعَ الْأُخْرَى لِأَن الْخَطَايَا الَّتِي نفى الله أَن يحملهَا أحد عَن أحد هِيَ بِمَعْنى أَن يحط حمل هَذَا لَهَا من عَذَاب الْعَامِل بهَا شَيْئا فَهَذَا لَا يكون لِأَن الله نَفَاهُ وَأما الْحمل لمثل عِقَاب الْعَامِل للخطيئة مضاعفاً زَائِدا إِلَى عِقَابه غير حاط من عِقَاب الآخر شَيْئا فَهُوَ وَاجِب مَوْجُود وَكَذَلِكَ أخبرنَا رَسُول الله ﷺ أَن من سنّ سنة فِي الْإِسْلَام سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ مثل وزر من عمل بهَا أبدا لَا يحط ذَلِك من أوزار العاملين لَهَا شَيْئا وَلَو أَن الله تَعَالَى أخبرنَا أَنه يعذبنا على فعل غَيرنَا دون أَن نسنه وَإنَّهُ يعذبنا على غير فعل فَعَلْنَاهُ أَو على الطَّاعَة لَكَانَ كل ذَلِك حَقًا وعدلاً ولوجب التَّسْلِيم لَهُ وَلَكِن الله تَعَالَى وَله الْحَمد قد أمننا من ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿لَا يضركم من ضل إِذا أهتديتم﴾ ولحكمه تَعَالَى أننا لَا نجزي إِلَّا بِمَا عَملنَا أَو كُنَّا مبتدئين لَهُ فَآمَنا ذَلِك وَللَّه تَعَالَى الْحَمد وَقد أيقنا أَيْضا أَنه تَعَالَى يأجرنا على مَا خلق فِينَا من الْمَرَض والمصائب وعَلى فعل غَيرنَا الَّذِي لَا أثر لنا فِيهِ كضرب غَيرنَا لنا ظلما وتعذيبهم لنا وعَلى قتل الْقَاتِل لمن قتل ظلما وَلَيْسَ هَا هُنَا من الْمَقْتُول صَبر وَلَا عمل أصلا فَإِنَّمَا أجر على فعل غَيره مُجَردا إِذا أحدثه فِيهِ وَكَذَلِكَ من أَخذ غَيره مَاله والمأخوذ مَاله لَا يعلم بذلك إِلَى أَن مَاتَ فَأَي فرق بَين أَن يأجرنا على فعل غَيرنَا وعَلى فعله تَعَالَى فِي إحراق مَال من لم يعْمل باحتراق مَاله وَبَين أَن يعذبنا على ذَلِك لَو شَاءَ وَأما قَوْلهم فرض الله الرِّضَا بِمَا قضى وَبِمَا خلق فَإِن كَانَ الْكفْر وَالزِّنَا وَالظُّلم مِمَّا خلق فَفرض علينا الرِّضَا بذلك فجوابنا إِن الله لم يلْزمنَا قطّ الرِّضَا بِمَا خلق وَقضى بِكُل مَا ذكر بل فرض الرِّضَا بِمَا قضى علينا من مُصِيبَة فِي نفس أَو فِي مَال مظهر تمويههم بِهَذِهِ الشُّبْهَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن احْتَجُّوا بقول الله ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ فَالْجَوَاب أَن يُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن هَذِه الْآيَة أعظم حجَّة على أَصْحَاب أَلا صلح وهم جُمْهُور الْمُعْتَزلَة فِي ثَلَاثَة أوجه وَهِي حجَّة على جَمِيع الْمُعْتَزلَة فِي وَجْهَيْن لِأَن فِي هَذِه الْآيَة أَن مَا أصَاب الْإِنْسَان من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَهُ من سَيِّئَة فَمن نَفسه وهم كلهم لَا يفرقون بَين الْأَمريْنِ بل الْحسن والقبيح من أَفعَال الْمَرْء كل ذَلِك عِنْدهم من نفس الْمَرْء لَا خلق الله تَعَالَى فِي شَيْء من فعله لَا حَسَنَة وَلَا قبيحة فَهَذِهِ الْآيَة مبطلة لقَوْل جَمِيعهم فِي هَذَا الْبَاب وَالْوَجْه الثَّانِي إِنَّهُم كلهم قَائِلُونَ أَنه لَا يفعل الْمَرْء حسنا وَلَا قبيحاً الْبَتَّةَ إِلَّا بِقُوَّة موهوبة

стр. 355

من الله تَعَالَى مكنة بهَا من فعل الْخَيْر وَالشَّر وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة تمكيناً مستوياً وَهِي الِاسْتِطَاعَة على اخْتلَافهمْ فِيهَا فهم متفقون على أَن الْبَارِي تَعَالَى خَالِقهَا وواهبها كَانَت نفس المستطيع أَو بَعْضهَا أوعر ضافية وَفِي هَذِه الْآيَة فرق بَين الْحسن والسيء كَمَا ترى وَأما الْوَجْه الثَّالِث الَّذِي خَالف فِيهِ الْقَائِلُونَ بالأصلح خَاصَّة هَذِه الْآيَة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ أَن الله تَعَالَى لم يُؤَيّد فَاعل الْحَسَنَة بِشَيْء من عِنْده تَعَالَى وَلم يُؤثر فَاعل السَّيئَة وَالْآيَة مخبرة بِخِلَاف ذَلِك فَصَارَت الْآيَة حجَّة عَلَيْهِم ظَاهِرَة مبطلة لقَولهم وَأما قَوْلنَا نَحن فِيهَا فَهُوَ مَا قَالَه الله إِذْ يَقُول مُتَّصِلا بِهَذِهِ الْآيَة دون فصل ﴿قل كل من عِنْد الله فَمَا لهَؤُلَاء الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى بأثر ذَلِك بعد كَلَام يسير ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فصح بِمَا ذكرنَا أَن كل هَذَا الْكَلَام مُتَّفق لَا مُخْتَلف فَقدم الله تَعَالَى إِن كل شَيْء من عِنْده فصح بِالنَّصِّ أَنه تَعَالَى خَالق الْخَيْر وَالشَّر وخالق كل مَا أصَاب الْإِنْسَان ثمَّ أخبر تَعَالَى أَن مَا أَصَابَنَا من حَسَنَة فَمن عِنْده وَهَذَا هُوَ الْحق لِأَنَّهُ لَا يجب لنا تَعَالَى عَلَيْهِ شَيْء فالحسنات الْوَاقِعَة منا فضل مُجَرّد مِنْهُ لَا شَيْء لنا فِيهِ وإحسان مِنْهُ إِلَيْنَا لن نستحقه قطّ عَلَيْهِ وَأخْبر أَن مَا أَصَابَنَا من مُصِيبَة فَمن أَنْفُسنَا بعد أَن قَالَ إِن الْكل من عِنْد الله تَعَالَى فصح أننا مستحقون بالنكال لظُهُور السَّيئَة منا وإننا عاصون بذلك كَمَا حكم علينا تَعَالَى فَحكمه الْحق وَالْعدْل وَلَا مزِيد وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالُوا فَإِذا كَانَ الله خالقكم وخالق أفعالكم فَأنْتم والجمادات سَوَاء قُلْنَا كلا لِأَن الله تَعَالَى خلق فِينَا علما نَعْرِف بِهِ أَنْفُسنَا الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَخلق فِينَا مَشِيئَة لكل مَا خلق فِينَا يُسمى فعلا لنا فخلق فِيهِ اسْتِحْسَان مَا يستحسنه واستقباح مَا يستقبحه وَخلق تَصرفا فِي الصناعات والعلوم وَلم يخلق فِي الجمادات شَيْئا من ذَلِك فَنحْن مختارون قاصدون مريدون مستحسنون أَو كَارِهُون متصرفون علما بِخِلَاف الجمادات فَإِن قيل فَأنْتم مالكون لأموركم مفوض إِلَيْكُم أَعمالكُم مخترعون لأفعالكم قُلْنَا لَا لِأَن الْملك والاختراع لَيْسَ هُوَ لأحد غير الله تَعَالَى إِذْ الْكل مِمَّا فِي الْعَالم مخترع لَهُ وَملك لَهُ والتفويض فِيهِ معنى من الِاسْتِغْنَاء وَلَا غَنِي بِأحد عَن الله وَبِه نتأيد قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإذْ قد أبطلنا بحول الله تَعَالَى وقوته كل مَا شغب بِهِ الْمُعْتَزلَة فِي أَن أَفعَال الْعباد غير مخلوقة لله تَعَالَى فلنأت ببرهان ضَرُورِيّ إِن شَاءَ الله تَعَالَى على صِحَة القَوْل بِأَنَّهَا مخلوقه لله تَعَالَى فَنَقُول وَبِه نتأيد أَن الْعَالم كُله مَا دون الله تَعَالَى يَنْقَسِم قسمَيْنِ جَوْهَر وَعرض لَا ثَالِث لَهما ثمَّ يَنْقَسِم الْجَوْهَر إِلَى أَجنَاس وأنواع وَلكُل نوع مِنْهَا فصل يتَمَيَّز بِهِ مِمَّا سواهُ من الْأَنْوَاع الَّتِي يجمعها وإياه جنس وَاحِد وبالضرورة نعلم أَن مَا لزم الْجِنْس الْأَعْلَى لزم كل مَا تَحْتَهُ إِذْ محَال أَن تكون نَار غير حارة أَو هَوَاء راسب بطبعه أَو إِنْسَان صهال بطبعه وَمَا أشبه هَذَا ثمَّ بِالضَّرُورَةِ نعلم أَن الْإِنْسَان لَا يفعل شَيْئا إِلَّا الْحَرَكَة والسكون والفكر والإرادة وَهَذِه كلهَا كيفيات يجمعها مَعَ اللَّوْن والطعم والمحبة والأشكال جنس الْكَيْفِيَّة فَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكون بعض مَا تَحت النَّوْع الْوَاحِد وَالْجِنْس الْوَاحِد مخلوقاً وَبَعضه غير مَخْلُوق وَهَذَا أَمر يُعلمهُ بَاطِلا من لَهُ أدنى علم بحدود الْعَالم وانقسامه وحركتنا وسكوننا يجمع كل ذَلِك مَعَ كل حَرَكَة فِي الْعَالم وكل سُكُون فِي الْعَالم نوع من الْحَرَكَة وَنَوع من السّكُون ثمَّ يَنْقَسِم كل ذَلِك قسمَيْنِ وَلَا مُرِيد حَرَكَة
следующие страницы →