← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه نُصُوص لَا يبعد من ردهَا بعد ان سَمعهَا عَن الْكفْر نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وموه بَعضهم بِأَن ذكر قَول الله تَعَالَى ﴿ثمَّ قضى أَََجَلًا وَأجل مُسَمّى عِنْده﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه الْآيَة حجَّة عَلَيْهِم لِأَنَّهُ تَعَالَى نَص على أَنه قضى أَََجَلًا وَلم يقل لشَيْء دون شَيْء لَكِن على الْجُمْلَة ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأجل مُسَمّى عِنْده﴾ فَهَذَا الْأَجَل الْمُسَمّى عِنْده هُوَ الَّذِي قضى بِلَا شكّ إِذْ لَو كَانَ غَيره لَكَانَ أَحدهمَا لَيْسَ أَََجَلًا إِذا أمكن التَّقْصِير عَنهُ أَو مجاوزته وَلَكِن الْبَارِي تَعَالَى مُبْطلًا إِذْ سَمَّاهُ أَََجَلًا وَهَذَا كفر لَا يَقُوله مُسلم وَأجل الشَّيْء هُوَ معياده الَّذِي لَا يتعداه وَإِلَّا فَلَيْسَ يُسمى أَََجَلًا الْبَتَّةَ وَلم يقل تَعَالَى إِن الْأَجَل الْمُسَمّى عِنْده هُوَ غير الْأَجَل الَّذِي قضى فأجل كل شَيْء منقضى أمره بِالضَّرُورَةِ نعلم ذَلِك وَيبين ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قَالَ ﴿وَلنْ يُؤَخر الله نفسا إِذا جَاءَ أجلهَا﴾ وَقد أخبرنَا تَعَالَى بذلك أَيْضا فَقَالَ ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تَمُوت إِلَّا بِإِذن الله كتابا مُؤَجّلا﴾ فتظاهرت الْآيَات كلهَا بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ قَوْلنَا وبتكذيب من قَالَ غير ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما الأرزاق فَإِن الله تَعَالَى أخبرنَا فَقَالَ ﴿الله الَّذِي خَلقكُم ثمَّ رزقكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وخلقناكم أَزْوَاجًا﴾ فَكل مَال حَلَال فَإِنَّمَا نقُول أَنه تَعَالَى رزقنا إِيَّاه وكل امْرَأَة حَلَال فَإنَّا نقُول إِن الله تَعَالَى زَوجْنَا إِيَّاهَا أَو ملكنا إِيَّاهَا وَأما من أَخذ مَالا بِغَيْر حق أَو امْرَأَة بِغَيْر حق فَلَا يجوز أَن نقُول انه تَعَالَى رزقنا إِيَّاه وَلَا أَن الله تَعَالَى ملكنا إِيَّاه وَلَا أَن الله أَعْطَانَا إِيَّاه وَلَا أَن الله تَعَالَى زَوجْنَا إِيَّاهَا وَلَا أَن الله تَعَالَى ملكنا إِيَّاهَا وَلَا أَنْكَحنَا إِيَّاهَا لِأَن الله تَعَالَى لم يُطلق لنا أَن نقُول ذَلِك وَقد قُلْنَا إِن الله تَعَالَى لَهُ التَّسْمِيَة لَا لنا لَكِن نقُول إِن الله ابتلانا بِهَذَا المَال وبهذه الْمَرْأَة وامتحنا بهما وأضلنا بهما وَخلق تملكنا إيَّاهُمَا ونكاهما لنا واستعمالنا إيَّاهُمَا وَلَا نقُول أَنه أطعمنَا الْحَرَام وَلَا أَبَاحَ لنا الْحَرَام وَلَا وهب لنا الْحَرَام وَلَا آتَانَا الْحَرَام كَمَا ذكرنَا من التَّسْمِيَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما قَوْلهم أَلَيْسَ إِذا كَانَت أفعالكم لكم وَللَّه تَعَالَى فقد وَجب أَنكُمْ شركاؤه فِيهَا فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن هَذَا من أبرد ماموهوا بِهِ وَهُوَ عايد عَلَيْهِم لأَنهم يَقُولُونَ أَنهم يخترعون أفعالهم ويخلقونها وَهِي بعض الْأَعْرَاض وَأَن الله تَعَالَى يفعل سَائِر الْأَعْرَاض ويخلقها ويخترعها فَهَذَا هُوَ عين الْإِشْرَاك والتشبيه فِي حَقِيقَة الْمَعْنى وَهُوَ الاختراع تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَأما نَحن فَلَا يلْزمنَا إِيجَاب الشّركَة لله تَعَالَى فِيمَا قُلْنَا لِأَن الْإِشْرَاك لَا يجب بَين المستركين إِلَّا باتفاقهما فِيمَا اشْتَركَا فِيهِ وبرهان ذَلِك أَن أَمْوَالنَا ملك لنا وَملك لله بِإِجْمَاع منا وَمِنْهُم وَلَيْسَ ذَلِك بِمُوجب أَن تكون شركاؤه فِيهَا لاخْتِلَاف جِهَات الْملك لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ مَالك لَهَا لِأَنَّهَا مخلوقة لَهُ تَعَالَى وَهُوَ مصرفنا فِيهَا وناقلها عَنَّا وناقلنا عَنْهَا كَيفَ شَاءَ الله تَعَالَى وَهِي ملكنا لِأَنَّهَا كسب وملزمون إحكامها ومباح لنا التَّصَرُّف فِيهَا بالوجوه الَّتِي أَبَاحَهَا الله تَعَالَى لنا وَأَيْضًا فَنحْن عالمون بِأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَالله تَعَالَى عَالم بذلك وَلَيْسَ ذَلِك مُوجبا لِأَن نَكُون شركاءه فِي ذَلِك الْعلم لاخْتِلَاف الْأَمر فِي ذَلِك لِأَن علمنَا عرض مَحْمُول فِينَا وَهُوَ غَيرنَا وَعلم الله تَعَالَى لَيْسَ هُوَ غَيره وَمثل هَذَا كثير جدا لَا يُحْصى فِي دهر طَوِيل بل لَا يُحْصِيه مفصلا إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ

стр. 352

فَكيف لم يجب الِاشْتِرَاك الْبَتَّةَ بَين الله تَعَالَى وبيننا عِنْدهم فِي هَذِه الْوُجُوه كلهَا وَوَجَب أَن يكون شركاؤه فِي شَيْء لَيْسَ للاشتراك الْبَتَّةَ فِيهِ مدْخل وَهُوَ خلقه تَعَالَى لأفعال لنا هُوَ فَاعل لَهَا بِمَعْنى مخترع لَهَا وَنحن فاعلون لَهَا بِمَعْنى ظُهُورهَا مَحْمُولَة فِينَا وَهَذَا خلاف فعل الله تَعَالَى لَهَا وَقد قَالَ بعض أَصْحَابنَا بِأَن الْأَفْعَال لله تَعَالَى من جِهَة الْخلق وَهِي لنا من جِهَة الْكسْب قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد تذاكرت هَذَا مَعَ شيخ طرابلسي يكنى أَبَا الْحسن معتزلي فَقَالَ لي وللأفعال جِهَات وَزَاد بَعضهم فَقَالَ أَو لَيست أعراضاً وَالْعرض لَا يحمل الْعرض وَالصّفة لَا تحمل الصّفة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا جهل من قَائِله وَقَضِيَّة فَاسِدَة من أهذار الْمُتَكَلِّمين ومشاغبهم وَقَول يردهُ الْقُرْآن والمعقول وَالْإِجْمَاع من جَمِيع اللُّغَات والمشاهدة فَأَما الْقُرْآن فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿عَذَاب عَظِيم﴾ و ﴿عَذَاب أَلِيم﴾ ﴿ولنذيقنهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأنبتها نباتاً حسنا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن كيد الشَّيْطَان كَانَ ضَعِيفا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ومكروا مكراً كبارًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن كيدكن عَظِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وجاؤوا بِسحر عَظِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿صفراء فَاقِع لَوْنهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وذلكم ظنكم الَّذِي ظننتم بربكم أرداكم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿اتبعُوا مَا أَسخط الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا أَضَاءَت مَا حوله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿تلفح وُجُوههم النَّار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مِمَّا تنْبت الأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لما يتفجر مِنْهُ الْأَنْهَار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَيخرج مِنْهُ المَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبداً رابياً﴾ ﴿فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿والفلك الَّتِي تجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا ينفع النَّاس﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فوصف الله تَعَالَى الْعَذَاب بالعظم بالإيلام وَبِأَن فِيهِ أكبر وَأدنى وَوصف النَّبَات بالْحسنِ وَكيد الشَّيْطَان بالضعف وَكيد النِّسَاء بالعظم وَالْمَكْر بِالْكبرِ وَالسحر بالعظم واللون بالفقوع وَذكر أَن الْبغضَاء تبدو وَأَن الْكَلَام الطّيب يصعد إِلَيْهِ تَعَالَى وَأَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة ترفع الْكَلَام الطّيب وَأَن الظَّن يردي وَأَن الْعَمَل الرَّدِيء يسْخط الله تَعَالَى وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن وَسنَن رَسُول الله ﷺ أَكثر من أَن يجمع إِلَّا فِي جُزْء ضخم فَكيف يساعد امْرأ مُسلما لِسَانه على إِنْكَار شَيْء من هَذَا بعد شَهَادَة الله بِمَا ذكرنَا وَأما إِجْمَاع اللُّغَات فَكل لُغَة لَا يُنكر أحد فِيهَا القَوْل بِصُورَة حَسَنَة وَصُورَة قبيحة وَحُمرَة مشرقة وَحُمرَة مضيئة وَحُمرَة كدرة وَلَا يخْتَلف أحد من أهل الأَرْض فِي أَن يَقُول صف لي عمل فلَان وَهَذَا مَوْصُوف وَصفَة عمل كَذَا وَكَذَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَنْكَرُوا بِعَيْنِه وَهُوَ أَكثر من أَن يُحْصى وَأما الْحس وَالْعقل والمعقول فبيقين يدْرِي كل ذِي فهم أَن الكيفيات تقبل الأشد والأضعف هَذِه خَاصَّة الْكَيْفِيَّة الَّتِي تُوجد فِي غَيرهَا وكل هَذَا عرض يحمل عرضا وَصفَة تحمل صفة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد عارضني بَعضهم فِي هَذَا فَقَالَ لَو أَن الْعرض يحمل الْعرض لحمل ذَلِك الْعرض عرضا آخر وَهَكَذَا أبدا وَهَذَا يُوجب وجود أَعْرَاض لَا نِهَايَة لَهَا وَهَذَا بَاطِل قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَقلت أَن المشاهدات لَا تدفع بِهَذِهِ الدَّعْوَى الْفَاسِدَة وَهَذَا الَّذِي ذكرت

стр. 353

لَا يلْزم لأننا لم نقل كل عرض فَوَاجِب أَن يحمل أبدا لكننا نقُول أَن من الْأَعْرَاض مَا يحمل الْأَعْرَاض كَالَّذي ذكرنَا وَمِنْهَا مَا لايحمل الْأَعْرَاض وكل ذَلِك جَار على مَا رتبه الله وعَلى مَا خلقه وكل ذَلِك لَهُ نِهَايَة تقف عِنْدهَا وَلَا يزِيد وَنحن إِذا وجد فِيمَا بَيْننَا جسم يزِيد على جسم آخر زِيَادَة مَا فِي طوله أَو عرضه فَلَيْسَ يجب من ذَلِك أَن الزِّيَادَة مَوْجُودَة إِلَى مَالا نِهَايَة لَهُ لَكِن تَنْتَهِي الزِّيَادَة إِلَى حَيْثُ رتبها الله وتقف وَإِنَّمَا الْعلم كُله معرفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَقَط ونقول لَهُم أتخالف حمرَة التفاحة حمرَة الخوخة أم لَا فَلَا بُد لَهُم من أَن يَقُولُوا بِأَنَّهَا قد تخالفها فِي صفة مَا إِلَّا ان ينكروا العيان فَنَقُول لَهُم أتخالف الْحمرَة والصفرة أم لَا فَلَا بُد أَيْضا من نعم فَنَقُول لَهُم أخلاف الْحمرَة للحمرة هُوَ خلاف الْحمرَة للصفرة أم لَا فَلَا بُد من لَا وَلَو قَالُوا نعم للزمهم أَن الصُّفْرَة هِيَ الْحمرَة إِذْ كَانَت الصُّفْرَة لَا تخالفها الْحمرَة إِلَّا بِمَا تخَالف فِيهِ الْحمرَة الْحمرَة الْأُخْرَى والخضرة فَإِذا فِي الْحمرَة والصفرة صفتان بهما يَخْتَلِفَانِ غير الصّفة الَّتِي بهَا تخَالف الْحمرَة الْحمرَة الْأُخْرَى والخضرة فقد صَحَّ يَقِينا أَن الصّفة قد تحمل الصّفة وَأَن الْعرض قد يحمل الْعرض بضرورة الْمُشَاهدَة على حسب مَا رتبه الله تَعَالَى وكل ذَلِك ذُو نِهَايَة وَلَا بُد وَتَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذِه الْمعَانِي وتناهيها هُوَ أَن الْعَالم كُله جَوْهَر حَامِل وَعرض مَحْمُول وَلَا مزِيد والجوهر أَجنَاس وأنواع وَالْعرض أَجنَاس وأنواع والأجناس محصورة ببراهين قد ذَكرنَاهَا فِي كتاب التَّقْرِيب عمدتها أَن الْأَجْنَاس أقل عددا من الْأَنْوَاع المنقسمة تحتهَا بِلَا شكّ والأنواع أَكثر عددا من الْأَجْنَاس إِذْ لَا بُد من ان يكون تَحت كل جنس نَوْعَانِ أَو أَكثر من نَوْعَيْنِ وَالْكَثْرَة والقلة لَا يقعان ضَرُورَة إِلَّا فِي ذِي نِهَايَة من مبدئه ومنتهاه لِأَن مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا يُمكن أَن يكون شَيْء أَكثر مِنْهُ وَلَا أقل مِنْهُ وَلَا مُسَاوِيا لَهُ لِأَن هَذَا يُوجب النِّهَايَة وَلَا بُد فالعالم إِذا ذُو نِهَايَة لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْئا غير الْأَجْنَاس والأنواع الَّتِي للجواهر والأعراض فَقَط والمعاني إِنَّمَا هِيَ للأشياء الْمعبر عَنْهَا بالألفاظ فَقَط فَإذْ هَذَا كَمَا ذكرنَا فَإِنَّمَا نقيس الْأَشْيَاء بصفاتها الَّتِي تقوم مِنْهَا حُدُودهَا مثل أَن نقُول مَا الْإِنْسَان فَنَقُول جسم ملون وَنَفس فِيهِ تمكن أَن تكون متصرفة فِي الْعُلُوم والصناعات يقبل الْحَيَاة وَالْمَوْت فَيُقَال مَا الْجِسْم وَمَا النَّفس وَمَا اللَّوْن وَمَا الصناعات وَمَا الْعُلُوم وَمَا الْحَيَاة وَمَا الْمَوْت فَإِذا فسرت جَمِيع هَذِه الْأَلْفَاظ ورسمت كل مَا يَقع عَلَيْهِ وَفعلت كَذَلِك فِي جَمِيع الْأَجْنَاس والأنواع فقد انْتَهَت الْمعَانِي وانقطعت وَلَا سَبِيل إِلَى التَّمَادِي بِلَا نِهَايَة أصلا لِأَن كل مَا ينطبق بِهِ أَو يعقل فَإِنَّهُ لَا يعدو الْأَجْنَاس والأنواع الْبَتَّةَ والأنواع والأجناس محصورة كَمَا بَينا وكل مَا خرج من الْأَشْخَاص إِلَى حد الْفِعْل فقد حصره الْعدَد لِأَنَّهُ ذُو مبدأ وكل مَا حصره الْعدَد فمتناه ضَرُورَة فَجَمِيع الْمعَانِي من الْأَعْرَاض وَغَيرهَا محصورة بِمَا ذكرنَا من الْبُرْهَان الصَّحِيح الَّذِي ذكرنَا أَن كل مَا فِي الْعَالم مِمَّا خرج إِلَى الْوُجُود فِي الدَّهْر مذ كَانَ الْعَالم من جنس أَو عرض فَهُوَ كُله مَحْصُور عدده متناه أمده ذُو غَايَة فِي ذَاته فِي مبدئه ومنتهاه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقد نعجز نَحن عَن عد شُعُور أجسامنا ونوقن أَنَّهَا ذَات عدد متناه بِلَا شكّ فَلَيْسَ قُصُور قَوْلنَا عَن إحصاء عدد مَا فِي الْعَالم بمعترض على وجوب وجود النِّهَايَة فِي جَمِيع أشخاص جواهره وأعراضه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما قَوْلهم إِذا كَانَ فعلنَا خلقا لله ثمَّ عذبنا عَلَيْهِ فَإِنَّمَا عذبنا على خلقه فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن هَذَا لَا يلْزم وَلَو لزمنا للزمهم إِذا كَانَ تَعَالَى يعذبنا على إرادتنا

стр. 354

وحركتنا الواقعتين منا أَن يعذبنا على كل حَرَكَة لنا أَو على كل إِرَادَة لنا بل على كل حَرَكَة فِي الْعَالم وعَلى كل إِرَادَة فَإِن قَالُوا لَا يعذبنا إِلَّا على حركتنا وإرادتنا الواقعين منا بِخِلَاف أمره وَكَذَلِكَ نقُول نَحن أَنه لَا يعذبنا إِلَّا على خلقه فِينَا الَّذِي هُوَ ظَاهر منا بِخِلَاف أمره وَهُوَ مَنْسُوب إِلَيْنَا ومكتسب لنا لإيثارنا إِيَّاه الْمَخْلُوق فِينَا فَقَط لَا على كل مَا خلق فِينَا أَو فِي غَيرنَا وَلَا فرق وَلَو أخبرنَا تَعَالَى أَنه يعذبنا على مَا خلق فِي غَيرنَا لقلنا بِهِ ولصدقناه كَمَا نقر أَنه يعذب أَقْوَامًا على مَا لم يفعلوه قطّ وَلَا أمروا بِهِ لَكِن على مَا يَفْعَله غَيرهم مِمَّن جَاءَ بعدهمْ بِأَلف عَام لِأَن أُولَئِكَ كَانُوا أول من فعل مثل ذَلِك الْفِعْل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالاً مَعَ أثقالهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى حاكيا عَن أحد ابْني آدم ﵇ أَنه قَالَ ﴿إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك فَتكون من أَصْحَاب النَّار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ليحملوا أوزارهم كَامِلَة يَوْم الْقِيَامَة وَمن أوزار الَّذين يضلونهم بِغَيْر علم أَلا سَاءَ مَا يزرون﴾ وَلَيْسَ هَذَا مُعَارضا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا هم بحاملين من خطاياهم من شَيْء﴾ بل كلا الْآيَتَيْنِ متفقة مَعَ الْأُخْرَى لِأَن الْخَطَايَا الَّتِي نفى الله أَن يحملهَا أحد عَن أحد هِيَ بِمَعْنى أَن يحط حمل هَذَا لَهَا من عَذَاب الْعَامِل بهَا شَيْئا فَهَذَا لَا يكون لِأَن الله نَفَاهُ وَأما الْحمل لمثل عِقَاب الْعَامِل للخطيئة مضاعفاً زَائِدا إِلَى عِقَابه غير حاط من عِقَاب الآخر شَيْئا فَهُوَ وَاجِب مَوْجُود وَكَذَلِكَ أخبرنَا رَسُول الله ﷺ أَن من سنّ سنة فِي الْإِسْلَام سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ مثل وزر من عمل بهَا أبدا لَا يحط ذَلِك من أوزار العاملين لَهَا شَيْئا وَلَو أَن الله تَعَالَى أخبرنَا أَنه يعذبنا على فعل غَيرنَا دون أَن نسنه وَإنَّهُ يعذبنا على غير فعل فَعَلْنَاهُ أَو على الطَّاعَة لَكَانَ كل ذَلِك حَقًا وعدلاً ولوجب التَّسْلِيم لَهُ وَلَكِن الله تَعَالَى وَله الْحَمد قد أمننا من ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿لَا يضركم من ضل إِذا أهتديتم﴾ ولحكمه تَعَالَى أننا لَا نجزي إِلَّا بِمَا عَملنَا أَو كُنَّا مبتدئين لَهُ فَآمَنا ذَلِك وَللَّه تَعَالَى الْحَمد وَقد أيقنا أَيْضا أَنه تَعَالَى يأجرنا على مَا خلق فِينَا من الْمَرَض والمصائب وعَلى فعل غَيرنَا الَّذِي لَا أثر لنا فِيهِ كضرب غَيرنَا لنا ظلما وتعذيبهم لنا وعَلى قتل الْقَاتِل لمن قتل ظلما وَلَيْسَ هَا هُنَا من الْمَقْتُول صَبر وَلَا عمل أصلا فَإِنَّمَا أجر على فعل غَيره مُجَردا إِذا أحدثه فِيهِ وَكَذَلِكَ من أَخذ غَيره مَاله والمأخوذ مَاله لَا يعلم بذلك إِلَى أَن مَاتَ فَأَي فرق بَين أَن يأجرنا على فعل غَيرنَا وعَلى فعله تَعَالَى فِي إحراق مَال من لم يعْمل باحتراق مَاله وَبَين أَن يعذبنا على ذَلِك لَو شَاءَ وَأما قَوْلهم فرض الله الرِّضَا بِمَا قضى وَبِمَا خلق فَإِن كَانَ الْكفْر وَالزِّنَا وَالظُّلم مِمَّا خلق فَفرض علينا الرِّضَا بذلك فجوابنا إِن الله لم يلْزمنَا قطّ الرِّضَا بِمَا خلق وَقضى بِكُل مَا ذكر بل فرض الرِّضَا بِمَا قضى علينا من مُصِيبَة فِي نفس أَو فِي مَال مظهر تمويههم بِهَذِهِ الشُّبْهَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن احْتَجُّوا بقول الله ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ فَالْجَوَاب أَن يُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن هَذِه الْآيَة أعظم حجَّة على أَصْحَاب أَلا صلح وهم جُمْهُور الْمُعْتَزلَة فِي ثَلَاثَة أوجه وَهِي حجَّة على جَمِيع الْمُعْتَزلَة فِي وَجْهَيْن لِأَن فِي هَذِه الْآيَة أَن مَا أصَاب الْإِنْسَان من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَهُ من سَيِّئَة فَمن نَفسه وهم كلهم لَا يفرقون بَين الْأَمريْنِ بل الْحسن والقبيح من أَفعَال الْمَرْء كل ذَلِك عِنْدهم من نفس الْمَرْء لَا خلق الله تَعَالَى فِي شَيْء من فعله لَا حَسَنَة وَلَا قبيحة فَهَذِهِ الْآيَة مبطلة لقَوْل جَمِيعهم فِي هَذَا الْبَاب وَالْوَجْه الثَّانِي إِنَّهُم كلهم قَائِلُونَ أَنه لَا يفعل الْمَرْء حسنا وَلَا قبيحاً الْبَتَّةَ إِلَّا بِقُوَّة موهوبة

стр. 355

من الله تَعَالَى مكنة بهَا من فعل الْخَيْر وَالشَّر وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة تمكيناً مستوياً وَهِي الِاسْتِطَاعَة على اخْتلَافهمْ فِيهَا فهم متفقون على أَن الْبَارِي تَعَالَى خَالِقهَا وواهبها كَانَت نفس المستطيع أَو بَعْضهَا أوعر ضافية وَفِي هَذِه الْآيَة فرق بَين الْحسن والسيء كَمَا ترى وَأما الْوَجْه الثَّالِث الَّذِي خَالف فِيهِ الْقَائِلُونَ بالأصلح خَاصَّة هَذِه الْآيَة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ أَن الله تَعَالَى لم يُؤَيّد فَاعل الْحَسَنَة بِشَيْء من عِنْده تَعَالَى وَلم يُؤثر فَاعل السَّيئَة وَالْآيَة مخبرة بِخِلَاف ذَلِك فَصَارَت الْآيَة حجَّة عَلَيْهِم ظَاهِرَة مبطلة لقَولهم وَأما قَوْلنَا نَحن فِيهَا فَهُوَ مَا قَالَه الله إِذْ يَقُول مُتَّصِلا بِهَذِهِ الْآيَة دون فصل ﴿قل كل من عِنْد الله فَمَا لهَؤُلَاء الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى بأثر ذَلِك بعد كَلَام يسير ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فصح بِمَا ذكرنَا أَن كل هَذَا الْكَلَام مُتَّفق لَا مُخْتَلف فَقدم الله تَعَالَى إِن كل شَيْء من عِنْده فصح بِالنَّصِّ أَنه تَعَالَى خَالق الْخَيْر وَالشَّر وخالق كل مَا أصَاب الْإِنْسَان ثمَّ أخبر تَعَالَى أَن مَا أَصَابَنَا من حَسَنَة فَمن عِنْده وَهَذَا هُوَ الْحق لِأَنَّهُ لَا يجب لنا تَعَالَى عَلَيْهِ شَيْء فالحسنات الْوَاقِعَة منا فضل مُجَرّد مِنْهُ لَا شَيْء لنا فِيهِ وإحسان مِنْهُ إِلَيْنَا لن نستحقه قطّ عَلَيْهِ وَأخْبر أَن مَا أَصَابَنَا من مُصِيبَة فَمن أَنْفُسنَا بعد أَن قَالَ إِن الْكل من عِنْد الله تَعَالَى فصح أننا مستحقون بالنكال لظُهُور السَّيئَة منا وإننا عاصون بذلك كَمَا حكم علينا تَعَالَى فَحكمه الْحق وَالْعدْل وَلَا مزِيد وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالُوا فَإِذا كَانَ الله خالقكم وخالق أفعالكم فَأنْتم والجمادات سَوَاء قُلْنَا كلا لِأَن الله تَعَالَى خلق فِينَا علما نَعْرِف بِهِ أَنْفُسنَا الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَخلق فِينَا مَشِيئَة لكل مَا خلق فِينَا يُسمى فعلا لنا فخلق فِيهِ اسْتِحْسَان مَا يستحسنه واستقباح مَا يستقبحه وَخلق تَصرفا فِي الصناعات والعلوم وَلم يخلق فِي الجمادات شَيْئا من ذَلِك فَنحْن مختارون قاصدون مريدون مستحسنون أَو كَارِهُون متصرفون علما بِخِلَاف الجمادات فَإِن قيل فَأنْتم مالكون لأموركم مفوض إِلَيْكُم أَعمالكُم مخترعون لأفعالكم قُلْنَا لَا لِأَن الْملك والاختراع لَيْسَ هُوَ لأحد غير الله تَعَالَى إِذْ الْكل مِمَّا فِي الْعَالم مخترع لَهُ وَملك لَهُ والتفويض فِيهِ معنى من الِاسْتِغْنَاء وَلَا غَنِي بِأحد عَن الله وَبِه نتأيد قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإذْ قد أبطلنا بحول الله تَعَالَى وقوته كل مَا شغب بِهِ الْمُعْتَزلَة فِي أَن أَفعَال الْعباد غير مخلوقة لله تَعَالَى فلنأت ببرهان ضَرُورِيّ إِن شَاءَ الله تَعَالَى على صِحَة القَوْل بِأَنَّهَا مخلوقه لله تَعَالَى فَنَقُول وَبِه نتأيد أَن الْعَالم كُله مَا دون الله تَعَالَى يَنْقَسِم قسمَيْنِ جَوْهَر وَعرض لَا ثَالِث لَهما ثمَّ يَنْقَسِم الْجَوْهَر إِلَى أَجنَاس وأنواع وَلكُل نوع مِنْهَا فصل يتَمَيَّز بِهِ مِمَّا سواهُ من الْأَنْوَاع الَّتِي يجمعها وإياه جنس وَاحِد وبالضرورة نعلم أَن مَا لزم الْجِنْس الْأَعْلَى لزم كل مَا تَحْتَهُ إِذْ محَال أَن تكون نَار غير حارة أَو هَوَاء راسب بطبعه أَو إِنْسَان صهال بطبعه وَمَا أشبه هَذَا ثمَّ بِالضَّرُورَةِ نعلم أَن الْإِنْسَان لَا يفعل شَيْئا إِلَّا الْحَرَكَة والسكون والفكر والإرادة وَهَذِه كلهَا كيفيات يجمعها مَعَ اللَّوْن والطعم والمحبة والأشكال جنس الْكَيْفِيَّة فَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكون بعض مَا تَحت النَّوْع الْوَاحِد وَالْجِنْس الْوَاحِد مخلوقاً وَبَعضه غير مَخْلُوق وَهَذَا أَمر يُعلمهُ بَاطِلا من لَهُ أدنى علم بحدود الْعَالم وانقسامه وحركتنا وسكوننا يجمع كل ذَلِك مَعَ كل حَرَكَة فِي الْعَالم وكل سُكُون فِي الْعَالم نوع من الْحَرَكَة وَنَوع من السّكُون ثمَّ يَنْقَسِم كل ذَلِك قسمَيْنِ وَلَا مُرِيد حَرَكَة

стр. 356

اضطرارية وحركة اختيارية وسكوناً اختيارياً وسكوناً اضطرارياً وكل ذَلِك حَرَكَة تحد بِحَدّ الْحَرَكَة وَسُكُون يحد بِحَدّ السّكُون وَمن الْمحَال أَن يكون بعض الحركات مخلوقاً لله تَعَالَى وَبَعضهَا غير مَخْلُوق وَكَذَلِكَ السّكُون أَيْضا فَإِن لجؤا إِلَى قَول معمر فِي أَن هَذِه الْأَعْرَاض كلهَا فعل مَا ظَهرت فِيهِ بطباع ذَلِك الشَّيْء سهل أَمرهم بعون الله تَعَالَى وَذَلِكَ أَنهم إِذا أقرُّوا أَن الله تَعَالَى خَالق المطبوعات ومرتب الطبيعة على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ تَعَالَى خَالق مَا ظهر مِنْهَا لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ رتب كَونه وظهوره على مَا هُوَ عَلَيْهِ رُتْبَة لَا يُوجد بِخِلَافِهَا وَهَذَا هُوَ الْخلق بِعَيْنِه وَلَكنهُمْ قوم لَا يعلمُونَ كالمتكسع فِي الظُّلُمَات وكما قَالَ تَعَالَى ﴿كلما أَضَاء لَهُم مَشوا فِيهِ وَإِذا أظلم عَلَيْهِم قَامُوا﴾ نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان وَأَيْضًا فَإِن نوع الحركات مَوْجُود قبل خلق النَّاس فَمن الْمحَال الْبَين أَن يخلق الْمَرْء مَا قد كَانَ نَوعه مَوْجُودا قبله وَأَيْضًا فَإِن عمدتهم فِي الِاحْتِجَاج على الْقَائِلين بِأَن الْعَالم لم يزل إِنَّمَا هِيَ مُقَارنَة الْأَعْرَاض للجواهر وَظُهُور الحركات مُلَازمَة للمتحرك بهَا فَإِذا كَانَ ذَلِك دَلِيلا باهراً على حُدُوث الْجَوَاهِر وَأَن الله تَعَالَى خلقهَا فَمَا الْمَانِع من أَن يكون ذَلِك دَلِيلا باهراً أَيْضا على حُدُوث الْأَعْرَاض وَأَن الله تَعَالَى خلقهَا لَوْلَا ضعف عقول الْقَدَرِيَّة وَقلة علمهمْ نَعُوذ بِاللَّه مِمَّا امتحنهم بِهِ ونسأله التَّوْفِيق لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق﴾ فَأثْبت تَعَالَى أَن من خلق شَيْئا فَهُوَ لَهُ إِلَه فيلزمهم بِالضَّرُورَةِ إِنَّهُم آلِهَة لأفعالهم الَّتِي خلقوها وَهَذَا كفر مُجَرّد إِن طردوه وَإِلَّا لَزِمَهُم الِانْقِطَاع وَترك قَوْلهم الْفَاسِد وَأَيْضًا فَإِن من خلق شَيْئا لم يعنه غَيره عَلَيْهِ لَكِن انْفَرد بخلقه فبالضرورة يعلم أَنه يصرف مَا خلق كَمَا يَفْعَله إِذا شَاءَ ويتركه إِذا شَاءَ ويفعله حسنا إِذا شَاءَ وقبيحاً إِذا شَاءَ فَإذْ هم خلقُوا حركاتهم وإرادتهم منفردين بخلقها فليظهروها إِلَى أبصارنا حَتَّى نرَاهَا أَو نلمسها أَو ليزيدوا فِي قدرهَا وليخالفوها عَن رتبتها فَإِن قَالُوا لَا نقدر على ذَلِك فليعلموا انهم كاذبون فِي دعاويهم خلقهَا لأَنْفُسِهِمْ فَإِن قَالُوا إِنَّمَا نفعلها كَمَا قوانا الله على فعلهَا فليعلمون أَن الله تَعَالَى إِذا هُوَ المقوي على فعل الْخَيْر وَالشَّر فَإِن بِهِ كَانَ الْخَيْر وَالشَّر وَإِذ لَوْلَا هُوَ لم يكن خير وَلَا شَرّ وَبِه كَانَا فَهُوَ كَونهمَا وأعان عَلَيْهِمَا وأظهرهما واخترعهما وَهَذَا معنى خلقه تَعَالَى لَهما وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَمن الْبُرْهَان أَن الله تَعَالَى خَالق أَفعَال خلقه قَوْله تَعَالَى حاكياً عَن سحرة فِرْعَوْن مُصدقا لَهُم ومثنيا عَلَيْهِم فِي قَوْلهم ﴿رَبنَا أفرغ علينا صبرا﴾ فصح أَنه خَالق مَا يفرغه من الصَّبْر الَّذِي لَو لم يفرغه على الصابر لم يكن لَهُ صَبر وَأَيْضًا فَإِن جنس الحركات كلهَا والسكون كُله والمعارف كلهَا جنس وَاحِد وكل مَا قيل على الْكل قيل على جَمِيع أَجْزَائِهِ وعَلى كل بعض من أَبْعَاضه فنسألهم عَن حركات الْحَيَوَان غير النَّاطِق وسكونه ومعرفته بِمَا يعرف من مضاره ومنافعه فِي أكله وشربه وَغير ذَلِك أكل ذَلِك مَخْلُوق لله تَعَالَى أم هُوَ غير مَخْلُوق فَإِن قَالُوا كل ذَلِك مَخْلُوق كَانُوا قد نقضوا هَذِه الْمُقدمَات الَّتِي يشْهد الْعقل والحس بتصديقها وَظهر فَسَاد قَوْلهم فِي التَّفْرِيق بَين معرفتنا وَمَعْرِفَة سَائِر الْحَيَوَان بِمَا عرفه وَبَين حركاتنا وَبَين حركات سَائِر الْحَيَوَان وَبَين سكوننا وسكونه وَهَذِه مُكَابَرَة ظَاهِرَة وَدَعوى بِلَا برهَان وَإِن قَالُوا بل كل ذَلِك غير مَخْلُوق ألزمناهم مثل ذَلِك فِي سَائِر الْأَعْضَاء كلهَا فَإِن تناقضوا كفونا أنفسهم وَإِن تَمَادَوْا لَزِمَهُم أَنه تَعَالَى لم يخلق شَيْئا من الْأَعْرَاض وَهَذَا إلحاد ظَاهر وَإِبْطَال لِلْخلقِ وَكفى بِهَذَا إضلالاً ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَيَكْفِي من هَذَا أَن

стр. 357

الْأَعْرَاض تجْرِي على صِفَات الْفَاعِل وَنحن نجد الْحَكِيم لَا يقدر على الطيش وَالْبذَاء وَإِن الطياش البذي لَا يقدر على الْحيَاء وَالصَّبْر والسيء الْخلق لَا يقدر على الْحلم والحليم لَا يقدر على النرق والسخي لَا يقدر على الْمَنْع والشحيح لَا يقدر على الْجُود وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ فصح أَن من النَّاس موقى شح نَفسه مفلحاً وَغير موقي وَلَا مُفْلِح وَكَذَلِكَ الزكي لَا يقدر على البلادة والبليد لَا يقدر على الزكا والحافظ لَا يقدر على النسْيَان وَالنَّاسِي لَا يقدر على ثبات الْحِفْظ والشجاع لَا يقدر على الْجُبْن والجبان لَا يقدر على الشجَاعَة هَكَذَا فِي جَمِيع الْأَخْلَاق الَّتِي عَنْهَا تكون الْأَفْعَال فصح ان ذَلِك خلق لله تَعَالَى لَا يقدر الْمَرْء على إحاطة شَيْء من ذَلِك أصلا حَتَّى أَن مخرج صَوت أَحَدنَا وَصفَة كَلَامه لَا يقدر الْبَتَّةَ على صرفه كَمَا خلق عَلَيْهِ من الجهارة والخفاء أَو الطّيب والسماحة وَكَذَلِكَ خطه لَا يُمكنهُ صرفه عَمَّا رتبه الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَلَو جهد وَهَكَذَا جَمِيع حركات الْمَرْء حَتَّى وَقع قَدَمَيْهِ ومشيه فَلَو كَانَ هُوَ خَالق كل ذَلِك لصرفه كَمَا يَشَاء فَإِذا لَيْسَ فِيهِ قُوَّة على صرف شَيْء من ذَلِك عَن هَيئته فقد ثَبت ضَرُورَة أَنه خلق الله تَعَالَى فِيمَن نسب فِي اللُّغَة إِلَى أَنه فَاعله وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأَكْثَرت الْمُعْتَزلَة فِي التولد وتحيرت فِيهِ حيرة شَدِيدَة فَقَالَت طَائِفَة مَا يتَوَلَّد عَن فعل الْمَرْء مثل الْقَتْل والألم الْمُتَوَلد عَن رمي السهْم وَمَا أشبه ذَلِك فَإِنَّهُ فعل الله وَقَالَ بَعضهم بل هُوَ فعل الطبيعة وَقَالَ بَعضهم بل هُوَ فعل الَّذِي فعل الْفِعْل الَّذِي عَنهُ تولد وَقَالَ بَعضهم هُوَ فعل لَا فَاعل لَهُ وَقَالَ جَمِيع أهل الْحق أَنه فعل الله وخلقه فالبرهان فِي ذَلِك هُوَ الْبُرْهَان الَّذِي ذكرنَا فِي خلق الْأَفْعَال من أَن الله تَعَالَى خَالق كل شَيْء وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي التَّعْدِيل والتجوير قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵀ هَذَا الْبَاب هُوَ أصل ضَلَالَة الْمُعْتَزلَة نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك على أننا رَأينَا مِنْهُم من لَا يرضى عَن قَوْلهم فِيهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَذَلِكَ أَن جمهورهم قَالُوا وجدنَا من فعل الْجور فِي الشَّاهِد كَانَ جائراً وَمن فعل الظُّلم كَانَ ظَالِما وَمن أعَان فَاعِلا على فعله ثمَّ عاقبه عَلَيْهِ كَانَ جائراً عابثاً قَالُوا وَالْعدْل من صِفَات الله تَعَالَى وَالظُّلم والجور منفيان عَنهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا ظلمونا وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَا كَانَ الله ليظلمهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا ظلم الْيَوْم﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد علم الْمُسلمُونَ أَن الله تَعَالَى عدل لَا يجور وَلَا يظلم وَمن وَصفه بالظلم والجور فَهُوَ كَافِر وَلَكِن لَيْسَ هَذَا على مَا ظَنّه الْجُهَّال من أَن عُقُولهمْ حاكمة على الله تَعَالَى فِي أَن لَا يحسن مِنْهُ إِلَّا مَا حسنت عُقُولهمْ وَأَنه يقبح مِنْهُ تَعَالَى مَا قبحت عُقُولهمْ وَهَذَا هُوَ تَشْبِيه مُجَرّد لله تَعَالَى بخلقه إِذْ حكمُوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ تَعَالَى يحسن مِنْهُ مَا حسن منا ويقبح مِنْهُ مَا قبح منا وَيحكم عَلَيْهِ فِي الْعقل بِمَا يحكم علينا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا مَذْهَب يلْزم كل من قَالَ لما كَانَ الْحَيّ فِي الشَّاهِد لَا يكون إِلَّا بحياة وَجب أَن يكون الْبَارِي تَعَالَى حَيا بحياة وَلَيْسَ بَين الْقَوْلَيْنِ فرق وَكِلَاهُمَا لَازم لمن الْتزم

стр. 358

أَحدهمَا وَكِلَاهُمَا إضلال وَخطأ وَإِنَّمَا الْحق هُوَ أَن كل مَا فعله الله أَي شَيْء كَانَ فَهُوَ مِنْهُ حق وَعدل وَحِكْمَة وَإِن كَانَ بعض ذَلِك منا جوراً وسفهاً وكل مَا لم يَفْعَله الله فَهُوَ الظُّلم وَالْبَاطِل والعبث والتفاوت وَأما أجراؤهم الحكم على الْبَارِي تَعَالَى بِمثل مَا يحكم بِهِ بَعْضنَا على بعض فضلال بَين وَقَول سبق لَهُ أصل عِنْد الدهرية وَعند المنانية وَعند البراهمة وَهُوَ أَن الدهرية قَالَت لما وجدنَا الْحَلِيم فِيمَا بَيْننَا لَا يفعل إِلَّا لاجتلاب مَنْفَعَة أَو لدفع مضرَّة وَوجدنَا من فعله مَا لَا فَائِدَة فِيهِ فَهُوَ عابث هَذَا الَّذِي لَا يعقل غَيره قَالُوا وَلما وجدنَا فِي الْعَالم ضراً وشراً وعبثاً وأقذاراً ودوداً وذباباً ومفسدين انْتَفَى بذلك أَن يكون لَهُ فَاعل حَكِيم وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم مثل هَذَا سَوَاء بِسَوَاء إِلَّا أَنهم زادوا فَقَالُوا علمنَا بذلك أَن للْعَالم فَاعِلا سَفِيها غير الْبَارِي تَعَالَى وَهُوَ النَّفس وَأَن الْبَارِي الْحَكِيم خَلاهَا تفعل ذَلِك ليريها فَسَاد مَا تخيلته فَإِذا استبان ذَلِك لَهَا أفْسدهُ الْبَارِي الْحَكِيم تَعَالَى حِينَئِذٍ وأبطله وَلم تعد النَّفس إِلَى فعل شَيْء بعْدهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وأبطال هَذَا القَوْل يثبت بِمَا يبطل بِهِ قَول الْمُعْتَزلَة سَوَاء بِسَوَاء وَلَا فرق وَقَالَت المنانية بِمثل مَا قَالَت بِهِ الدهرية سَوَاء بِسَوَاء إِلَّا أَنَّهَا قَالَت وَمن خلق خلقا ثمَّ خلق من يضل ذَلِك الْخلق فَهُوَ ظَالِم عابث وَمن خلق خلقا ثمَّ سلط بَعضهم على بعض وأغرى بَين طالع خلقه فَهُوَ ظَالِم عابث قَالُوا فَعلمنَا أَن خَالق الشَّرّ وفاعله هُوَ غير خَالق الْخَيْر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا نَص قَول الْمُعْتَزلَة إِلَّا أَنَّهَا زَادَت قبحاً بِأَن قَالَت أَن الله تَعَالَى لم يخلق من أَفعَال الْعباد لَا خيرا وَلَا شرا وَأَن خَالق الْأَفْعَال الْحَسَنَة والقبيحة هُوَ غير الله تَعَالَى لَكِن كل وَاحِد يخلق فعل نَفسه ثمَّ زَادَت تناقضاً فَقَالَت أَن خَالق عنصر الشَّرّ هُوَ إِبْلِيس ومردة الشَّيَاطِين وَفعله كل شَرّ وخالق طباعهم على تضادها هُوَ الله تَعَالَى وَقَالَت البراهمة أَن من الْعَبَث وَخلاف الْحِكْمَة وَمن الْجور الْبَين أَن يعرض الله تَعَالَى عباده لما يعلم انهم يعطبون عِنْده ويستحقون الْعَذَاب أَن وَقَعُوا فِيهِ يُرِيدُونَ بذلك إبِْطَال الرسَالَة والنبوات كلهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وبالضرورة نعلم انه لَا فرق بَين خلق الشَّرّ وَبَين خلق الْقُوَّة الَّتِي لَا يكون الشَّرّ إِلَّا بهَا وَلَا بَين ذَلِك وَبَين خلق من علم الله أَنه لَا يفعل إِلَّا الشَّرّ وَبَين خلق إِبْلِيس وأنظاره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وتسليطه على إغواء الْعباد وإضلالهم وتقويته على ذَلِك وَتَركه يضلهم إِلَّا من عصم الله مِنْهُم فَإِن قَالُوا إِن خلق الله تَعَالَى إِبْلِيس وقوى الشَّرّ وفاعل الشَّرّ خير وَعدل وَحسن صدقُوا وَتركُوا أصلهم الْفَاسِد ولزمهم الرُّجُوع إِلَى الْحق فِي أَن خلقه تَعَالَى للشر وَالْخَيْر وَلِجَمِيعِ أَفعَال عباده وتعذيبه من شَاءَ مِنْهُم مِمَّن لم يهده وإضلاله من أضلّ وهداه من هدى كل ذَلِك حق وَعدل وَحسن وَإِن أحكامنا غير جَارِيَة عَلَيْهِ لَكِن أَحْكَامه جَارِيَة علينا وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي لَا يخفى إِلَّا على من أضلّهُ الله تَعَالَى نَعُوذ بِاللَّه من إضلاله لنا وَلَا فرق بَين شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ فِي الْعقل الْبَتَّةَ وبرهان ضَرُورِيّ قَالَ أَبُو مُحَمَّد يُقَال لمن قَالَ لَا يجوز أَن يفعل الله تَعَالَى إِلَّا مَا هُوَ حسن فِي الْعقل منا وَلَا أَن يخلق وَيفْعل مَا هُوَ قَبِيح فِي الْعقل فِيمَا بَينا منا يَا هَؤُلَاءِ إِنَّكُم أَخَذْتُم الْأَمر من عِنْد أَنفسكُم ثمَّ عكستموه فَعظم غلطكم وَإِنَّمَا الْوَاجِب أَنْتُم مقرون بِأَن الله تَعَالَى لم يزل وَاحِدًا وَحده لَيْسَ مَعَه خلق أصلا وَلَا شَيْء مَوْجُود لَا جسم وَلَا عرض وَلَا جَوْهَر وَلَا عقل وَلَا مَعْقُول وَلَا سفه وَلَا غير

стр. 359

ذَلِك ثمَّ أقررتم بِلَا خلاف مِنْكُم انه خلق النُّفُوس وأحدثها بعد ان لم تكن وَخلق لَهَا الْعُقُول وركبها فِي النُّفُوس بعد إِن لم تكن الْعُقُول الْبَتَّةَ أَن لَا تحدثُوا على الْبَارِي تَعَالَى حكما لَازِما لَهُ من قبل بعض خلقه فَلَيْسَ فِي الْجُنُون أفحش من هَذَا الْبَتَّةَ ثمَّ أخبرونا إِذا كَانَ الله وَحده لَا شَيْء مَوْجُود مَعَه فَفِي أَي شَيْء كَانَت صُورَة الْحسن حَسَنَة وَصُورَة الْقَبِيح قبيحة وَلَيْسَ هُنَالك عقل أصلا يكون فِيهِ الْحسن حسنا والقبيح قبيحاً وَلَا كَانَت هُنَالك نفس عَاقِلَة أَو غير عَاقِلَة فيقبح عِنْدهَا الْقَبِيح وَيحسن الْحسن فَأَي شَيْء قَالَ تَحْسِين الْحسن وتقبيح الْقَبِيح وهما عرضان لَا بُد لَهما من حَامِل وَلَا حَامِل أصلا وَلَا مَحْمُول وَلَا شَيْء حسن وَلَا شَيْء قَبِيح حَتَّى أحدث الله تَعَالَى النُّفُوس وَركب فِيهَا الْعُقُول المخلوقة وقبح فِيهَا على قَوْلكُم مَا قبح وَحسن فِيهَا على قَوْلكُم مَا حسن فَإذْ لَا سَبِيل إِلَى أَن يكون مَعَ الْبَارِي تَعَالَى فِي الْأَزَل شَيْء مَوْجُود أصلا قَبِيح وَلَا حسن وَلَا عقل يقبح فِيهِ شَيْء أَو يحسن فقد وَجب يَقِينا أَن لَا يمْتَنع من قدرَة الله تَعَالَى وَفعله شَيْء يحدثه لقبح فِيهِ وَوَجَب أَن لَا يلْزمه تَعَالَى شَيْء لحسنه إِذْ لَا قبح وَلَا حسن الْبَتَّةَ فِيمَا لم يزل فبالضرورة وَجب أَن مَا هُوَ الْآن عندنَا قَبِيح فَإِنَّهُ لم يقبح بِلَا أول بل كَانَ لقبحه أول لم يكن مَوْجُودا قبله فَكيف أَن يكون قبيحاً قبله وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْحسن وَلَا فرق وَمن الْمحَال الْمُمْتَنع جملَة أَن يكون مُمكنا أَن يفعل الْبَارِي تَعَالَى حِينَئِذٍ شَيْئا ثمَّ يمْتَنع مِنْهُ فعله بعد ذَلِك لِأَن هَذَا يُوجب إِمَّا تبدل طبيعة وَالله تَعَالَى منزه عَن ذَلِك وَأما حُدُوث حكم عَلَيْهِ فَيكون تَعَالَى متعبداً وَهَذَا هُوَ الْكفْر السخيف نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ فَإِن قَالُوا لم يزل الْقَبِيح قبيحاً فِي علم الله وَلم يزل الْحسن حسنا فِي علمه تَعَالَى قُلْنَا لَهُم هبكم أَن هَذَا كَمَا قُلْتُمْ فَعَلَيْكُم فِي هَذَا حكمان مبطلان لقولكم الْفَاسِد أَحدهمَا أَنكُمْ جعلتم الحكم فِي ذَلِك لما فِي الْمَعْقُول لَا لما سبق فِي علم الله فَلم تجْعَلُوا الْمَنْع من فعل مَا هوقبيح عنْدكُمْ أَلا لِأَن الْعُقُول قبحته فأحطتم فِي هَذَا وَالثَّانِي أَنه تَعَالَى أَيْضا لم يزل يعلم أَن الَّذِي يَمُوت مُؤمنا فَإِنَّهُ لَا يكفر وَلم يزل تَعَالَى يعلم أَن الَّذِي يَمُوت كَافِرًا لَا يُؤمن فَلم جوزتم قدرته على إِحَالَة مَا علم من ذَلِك وتبديله وَلم تجوزوا قدرته تَعَالَى على إِحَالَة مَا علم حسنا إِلَى الْقبْح وإحالة مَا علم قبيحاً إِلَى الْحسن وَلَا فرق بَين الْأَمريْنِ أصلا فَإِذا ثَبت ضَرُورَة أَنه لَا قَبِيح لعَينه وَلَا حسن لعَينه الْبَتَّةَ وانه لَا قَبِيح إِلَّا مَا حكم الله تَعَالَى بِأَنَّهُ قَبِيح وَلَا حسن إِلَّا مَا حكم بِأَنَّهُ حسن وَلَا مزِيد وَأَيْضًا فَإِن دعواكم أَن الْقَبِيح لم يزل قبيحاً فِي علم الله تَعَالَى مَا دليلكم على هَذَا بل لَعَلَّه تَعَالَى لم يزل عليماً بِأَن أَمر كَذَا يكون حسنا بُرْهَة من الدَّهْر ثمَّ يقبحه قيصير قبيحاً إِذا قبحه لَا قبل ذَلِك كَمَا فعل تَعَالَى بِجَمِيعِ الْملَل المنسوخة وَهَذَا أصح من قَوْلكُم لظُهُور براهين هَذَا القَوْل وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَلم يزل عليماً أَن عقد الْكفْر وَالْقَوْل بِهِ قَبِيح من العَبْد إِذا فعلهمَا مُعْتَقدًا لَهما لِأَن الله قبحهما لَا لِأَنَّهُمَا حَرَكَة أَو عرض فِي النَّفس وَهَذَا هُوَ الْحق لظُهُور براهين هَذَا أَيْضا لَا لِأَن ذَلِك قَبِيح لعَينه وَيُقَال لَهُم أَيْضا أخبرونا من حسن الْحسن فِي الْعُقُول وَمن قبح الْقبْح فِي الْعُقُول فَإِن قَالُوا الله قُلْنَا لَهُم أَفَكَانَ الله تَعَالَى قَادر على عكس تِلْكَ الرُّتْبَة إِذْ رتبها على أَن يرتبها بِخِلَاف مَا رتبها عَلَيْهِ فَيحسن فِيهَا الْقَبِيح ويقبح فِيهَا الْحسن فَإِن قَالُوا نعم أوجبوا أَنه لم يقبح شَيْء إِلَّا بعد ان حكم الله تَعَالَى بقبحه وَلم يحسن شَيْء إِلَّا بعد ان حكم الله تَعَالَى بحسنه وَأَنه كَانَ لَهُ تَعَالَى أَن يفعل بِخِلَاف مَا فعل وَله

стр. 360

ذَلِك الْآن وأبداً وَبَطل أَن يكون تَعَالَى متعبداً لنَفسِهِ وموجباً عَلَيْهِ مَا يكون ظَالِما مذموماً إِن خَالفه وَإِن قَالُوا لَا يُوصف تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ على ذَلِك عجزوا رَبهم تَعَالَى ولزمهم القَوْل بِمثل قَول عَليّ الأسواري من أَنه تَعَالَى لَا يقدر على غير مَا فعل فَحكم هَذَا الردي الدّين وَالْعقل بِأَنَّهُ أقدر من ربه تَعَالَى وَأقوى لانه عد نَفسه الخسيسة يقدر على مَا فعل وعَلى مَا لم يفعل وربه تَعَالَى لَا يقدر الاعلى مَا فعل وَلَو علم الْمَجْنُون أَنه جعل ربه من الجمادات المضطرة إِلَى مَا يَبْدُو مِنْهَا وَلَا يُمكن أَن يظْهر مِنْهَا غير مَا يظْهر لسخنت عينه ولطال عويله على عَظِيم مصيبته نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان وَمن عظم مَا حل بالقدرية المتنطعين بِالْجَهْلِ والعمى وَالْحَمْد لله على توفيقه إيانا حمداً كثيرا كَمَا هُوَ أَهله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال لَهُم هكم شنعتم فِي قَبِيح انه قَبِيح فَلم نفيتم عَن الله خلق الْخَيْر كُله وَخلق الْحسن كُله فقلتم لم يخلق الله تَعَالَى الْإِيمَان وَلَا الْإِسْلَام وَلَا الصَّلَاة وَلَا الزَّكَاة وَلَا النِّيَّة الْحَسَنَة وَلَا اعْتِقَاد الْخَيْر وَلَا إيتَاء الزَّكَاة وَلَا الصَّدَقَة ولاالبر لِأَن خلق هَذَا قَبِيح أم كَيفَ الْأَمر فبأن تمويهكم بِذكر خلق الشَّرّ وَأَنْتُم قد اسْتَوَى عنْدكُمْ الْخَيْر وَالشَّر فِي أَن الله تَعَالَى لم يخلق شَيْئا من ذَلِك كُله فدعو التمويه الضَّعِيف قَالَ أَبُو مُحَمَّد وقرأت فِي مسَائِل لأبي هَاشم عبد السَّلَام ابْن أبي عَليّ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الجائي رَئِيس الْمُعْتَزلَة وَابْن رئيسهم كلَاما لم يردد فِيهِ كثيرا دون حَيَاء وَلَا رَقَبَة يجب على الله أَن بِفعل كَذَا كَأَنَّهُ الْمَجْنُون يخبر عَن نَفسه أَو عَن رجل من عرض النَّاس فليت شعري أما كَانَ لَهُ عقل أَو حس يسائل بِهِ نَفسه فَيَقُول لَيْت شعري من أوجب على الله تَعَالَى هَذَا الَّذِي قضى بووجوبه عَلَيْهِ وَلَا بُد لكل وجوب وَإِيجَاب من مُوجب ضَرُورَة وَإِلَّا كَانَ يكون فعلا لَا فَاعل لَهُ وَهَذَا كفر مِمَّا أجَازه فَمن هَذَا الْمُوجب على الله تَعَالَى حكما مَا وَهَذَا لَا يَخْلُو ضَرُورَة من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن يكون أوجبه تَعَالَى عَلَيْهِ بعض خلقه أما الْعقل وَأما الْعَاقِل فَإِن كَانَ هَذَا فقد رفع الْقَلَم عَنهُ وأف لكل عقل يقوم فِيهِ أَنه حَاكم على خالقه ومحدثه بعد أَن لم يكن ومرتبه على مَا هُوَ عَلَيْهِ ومصرفه على مَا يَشَاء وَإِمَّا أَن يكون تَعَالَى أوجب ذَلِك على نَفسه بعد أَن لم يزل غير مُوجب لَهُ على نَفسه فَإِن قَالَ بِهَذَا قيل لَهُ فقد كَانَ غير وَاجِب عَلَيْهِ حَتَّى أوجبه فَإذْ هُوَ كَذَلِك فقد كَانَ مُبَاحا لَهُ أَن يعذب من لم يقدره على ترك مَا عذبه عَلَيْهِ وعَلى خلاف سَائِر مَا ذكرت أَنه أوجبه على نَفسه وَإِذا وَجب ذَلِك على نَفسه بعد أَن لم يكن وَاجِبا عَلَيْهِ فممكن لَهُ أَن يسْقط ذَلِك الْوُجُوب عَن نَفسه وَإِمَّا أَن يكون تَعَالَى لم يزل مُوجبا ذَلِك على نَفسه فَإِن قَالَ بِهَذَا لَزِمته عظيمتان مخرجتان لَهُ عَن الْإِسْلَام وَعَن جَمِيع الشَّرَائِع وهما أَن الْبَارِي تَعَالَى لم يزل فَاعِلا وَلم يزل فعله مَعَه لِأَن الْإِيجَاب فعل وَمن لم يزل مُوجبا فَلم يزل فَاعِلا وَهَذَا قَول أهل الدَّهْر نَفسه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا يمانع بَين جَمِيع الْمُعْتَزلَة فِي إِطْلَاق هَذَا الْجُنُون من أَنه يجب على الله أَن يفعل كَذَا وَيلْزمهُ ان يفعل كَذَا فَأُعْجِبُوا لهَذَا الْكفْر الْمَحْض وَبِهَذَا يلوح بطلَان مَا يتأولونه فِي قَول الله تَعَالَى ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كتب على نَفسه الرَّحْمَة﴾ وَقَوله ﵇ حق الْعباد على الله أَن لَا يعذبهم يَعْنِي إِذا قَالُوا لَا إِلَه إِلَّا الله وَحقّ على الله أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال يَعْنِي عَن شَارِب الْخمر وَإِن كل هَذَا إِنَّمَا هُوَ أَن الله تَعَالَى قضى بذلك وَجعله حتما وَاجِبا وَكَونه حَقًا فَوَجَبَ ذَلِك مِنْهُ

стр. 361

تَعَالَى لَا عَلَيْهِ فأبدلت من منَ على وحروف الْجَرّ يُبدل بَعْضهَا من بعض ثمَّ نقُول لَهُم من خلق إِبْلِيس ومردة الشَّيَاطِين وَالْخمر والخنازير وَالْحِجَارَة المعبودة وَالْميسر والأصنام والأزلام وَمَا أهل لغير الله بِهِ وَمَا ذبح على النصب فَمن قَوْلهم وَقَول كل مُسلم أَن الله تَعَالَى خَالق هَذَا كُله فلنسألهم أَشَيْء حسن هُوَ كل ذَلِك أم رِجْس وقبيح وَشر فَإِن قَالُوا بل رِجْس وقبيح ونجس وَشر وَفسق صدقُوا وأقروا أَنه تَعَالَى خلق الأنجاس والرجس وَالشَّر وَالْفِسْق وَمَا لَيْسَ حسنا فَإِن قَالُوا بل هِيَ حسان فِي إِضَافَة خلقهَا إِلَى الله تَعَالَى وَهِي رِجْس ونجس وَشر وَفسق تَسْمِيَة الله تَعَالَى لَهَا بذلك قُلْنَا صَدقْتُمْ وَهَكَذَا نقُول أَن الْكفْر والمعاصي هِيَ فِي أَنَّهَا أَعْرَاض وحركات خلق لله تَعَالَى حسن من خلق الله تَعَالَى كل ذَلِك وَهِي من العصاة بإضافتها إِلَيْهِم قبايح ورجس وَقَالَ ﴿إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو لحم خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْس﴾ فليخبرونا بِأَيّ ذَنْب كَانَ من هَذِه الْأَشْيَاء وَجب أَن يسخطها الله تَعَالَى وَأَن يرجسها وَيجْعَل غَيرهَا طَيّبَات هَل هَا هُنَا إِلَّا أَنه تَعَالَى فعل مَا يَشَاء وَأي فرق بَين أَن يسْخط مَا شَاءَ فيلعنه مِمَّا لَا يعقل ويرضى عَمَّا شَاءَ من ذَلِك فيعلي قدره وَيَأْمُر بتعظيمه كناقة صَالح وَالْبَيْت الْحَرَام وَبَين أَن يفعل ذَلِك أَيْضا فِيمَن يعقل فَيقرب بَعْضًا كَمَا شَاءَ وَيبعد بَعْضًا كَمَا شَاءَ وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى وجود الْفرق فِيهِ أبدا ثمَّ نسألهم هَل حابى الله تَعَالَى من خلقه فِي أَرض الْإِسْلَام بِحَيْثُ لَا يلقى إِلَّا دَاعيا إِلَى الدّين ومحسنا لَهُ على من خلقه فِي أَرض الزنج والصين وَالروم بِحَيْثُ لَا يسمع إِلَّا ذاماً لدين الْمُسلمين مُبْطلًا لَهُ وصاداً عَنهُ وَهل رَأَوْا فظا وسمعوا بِمن خرج من هَذِه الْبِلَاد طَالبا لصِحَّة الْبُرْهَان على الدّين فَمن أنكر هَذَا كَابر العيان والحس وَمن أذعن لَهَا ترك قَول الْمُعْتَزلَة الْفَاسِد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْقَوْل الصَّحِيح هُوَ أَن الْعقل الصَّحِيح يعرف بِصِحَّتِهِ ضَرُورَة أَن الله تَعَالَى حَاكم على كل مَا دونه وَأَنه تَعَالَى غير مَحْكُوم عَلَيْهِ وَأَن كل مَا سواهُ تَعَالَى فمخلوق لَهُ سوآء كَانَ جوهراً حَامِلا أَو عرضا مَحْمُولا لَا خَالق سواهُ وَأَنه يعذب من يَشَاء أَن يعذبه وَيرْحَم من يَشَاء أَن يرحمه وَأَنه لَا يلْزم أحدا إِلَّا مَا ألزمهُ الله وَلَا قَبِيح إِلَّا مَا قبح الله وَلَا حسن إِلَّا مَا حسن الله وَأَنه لَا يلْزم لأحد على الله تَعَالَى حق وَلَا حجَّة وَللَّه تَعَالَى على كل من دونه وَمَا دونه الْحق الْوَاجِب وَالْحجّة الْبَالِغَة لَو عذب المطيعين وَالْمَلَائِكَة والأنبياء فِي النَّار مخلدين لَكَانَ ذَلِك لَهُ ولكان عدلا وَحقا مِنْهُ وَلَو نعم إِبْلِيس وَالْكفَّار فِي الْجنَّة مخلدين كَانَ ذَلِك لَهُ وَكَانَ حَقًا وعدلاً مِنْهُ وَإِن كل ذَلِك إِذْ أَبَاهُ الله تَعَالَى وَأخْبر أَنه لَا يَفْعَله صَار بَاطِلا وجوراً وظلماً وَأَنه لَا يَهْتَدِي أحد إِلَّا من هداه الله وَلَا يضل أحد إِلَّا أضلّهُ الله وَلَا يكون فِي الْعَالم إِلَّا مَا أَرَادَ الله كَونه من خيرا أَو شَرّ وَغير ذَلِك وَمَا لم يرد كَونه فَلَا يكون الْبَتَّةَ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَنحن نجد الْحَيَوَان لَا يُسمى عدوان بَعْضهَا على بعض قبيحاً وَلَا ظلما وَلَا يلام على ذَلِك وَلَا يلام على من ربى شَيْئا مِنْهَا على الْعدوان عَلَيْهَا فَلَو كَانَ هَذَا النَّوْع قبيحاً لعَينه وظلماً لعَينه لقبح مَتى وجد فَلَمَّا لم يكن كَذَلِك صَحَّ أَنه لَا يقبح شَيْء لعَينه الْبَتَّةَ لَكِن إِذا قبحه الله فَقَط فَإذْ قد بَطل قَوْلهم بالبرهان الْكُلِّي الْجَامِع لأصلهم الْفَاسِد فلنقل بحول الله تَعَالَى وقوته إبِْطَال أَجزَاء مسائلهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى نستعين فَأول ذَلِك أَن نسألهم فَنَقُول عرفونا

стр. 362

مَا هَذَا الْقَبِيح فِي الْعقل أَعلَى الْإِطْلَاق فَقَالَ قَائِلُونَ من زعمائهم مِنْهُم الْحَارِث بن عَليّ الْوراق الْبَغْدَادِيّ وَعبد الله بن أَحْمد بن مَحْمُود الكعبي الْبَلْخِي وَغَيرهمَا أَن كل شَيْء حسن بِوَجْه مَا قلت يمْتَنع وُقُوع مثله من الله تَعَالَى لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون حسنا إِذْ لَيْسَ قبيحاً الْبَتَّةَ على كل حَال وَأما مَا كَانَ قبيحاً على كل حَال فَلَا يحسن الْبَتَّةَ فَهَذَا منفي عَن الله أبدا قَالُوا وَمن الْقَبِيح على كل حَال أَن تفعل بغيرك مَا لَا تُرِيدُ أَن يفعل بك وتكليف مَا لَا يُطَاق ثمَّ التعذيب عَلَيْهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَظن هَؤُلَاءِ المبطلون إِذْ أَتَوا بِهَذِهِ الحماقة أَنهم أغربوا وقرطسوا وهم بِالْحَقِيقَةِ قد هذوا وهدروا وَهَذَا عين الخطاء وَإِنَّمَا قبح بعض هَذَا النَّوْع إِذْ قبحه الله وَحسن بعضه إِذْ حسنه الله وَالْعجب من مباهتتهم فِي دَعوَاهُم أَن الْمُحَابَاة فِيمَا بَيْننَا ظلم وَلَا نَدْرِي فِي أَي شَرِيعَة أم فِي أَي عقل وجدوا أَن الْمُحَابَاة ظلم وَأَن الله تَعَالَى قد أَبَاحَهَا إِلَّا حَيْثُ شَاءَ وَذَلِكَ أَن للرِّجَال أَن ينْكح امْرَأتَيْنِ وَثَلَاثًا وأربعاً من الزَّوْجَات وَذَلِكَ لَهُ مُبَاح حسن وَأَن يطَأ من إمائه أَي عدد أحب وَذَلِكَ لَهُ مُبَاح حسن وَلَا يحل للْمَرْأَة أَن تنْكح غير وَاحِد وَلَا يكون عَبدهَا وَهَذَا مِنْهُ حسن وبالضرورة نَدْرِي أَن فِي قلوبهن من الْغيرَة كَمَا فِي قُلُوبنَا وَهَذَا مَحْظُور فِي شَرِيعَة غَيرنَا والنفار مِنْهُ مَوْجُود فِي بعض الْحَيَوَان بالطبع وَالْحر الْمُسلم ملكه أَن يستعبد أَخَاهُ الْمُسلم وَلَعَلَّه عِنْد الله تَعَالَى خير من سَيّده فِي دينه وَفِي أخلاقه وقنوته ويبيعه ويهبه ويستخدمه وَلَا يجوز أَن يستعبده هوأحد لَا عَبده ذَلِك وَلَا غَيره وَهَذَا مِنْهُ حسن وَقد أحب رَسُول الله ﷺ لنَفسِهِ المقدسة ماأكرمه الله تَعَالَى بِهِ من أَن لاينكح أحد من بعده من نِسَائِهِ أمهاتنا رضوَان الله عَلَيْهِنَّ وَأحب هُوَ ﵇ نِكَاح من نكح من النِّسَاء بعد أَزوَاجهنَّ وكل ذَلِك حسن جميل صَوَاب وَلَو أحب ذَلِك غَيره كَانَ مُخطئ الْإِرَادَة قبيحاً ظَالِما وَمثل هَذَا أَن تتبع كثير جدا إِذْ هُوَ فَاش فِي الْعَالم وَفِي أَكثر الشَّرِيعَة فَبَطل هَذَا القَوْل الْفَاسِد مِنْهُم وَقد نَص الله تَعَالَى على إِبَاحَة مَا لَيْسَ عدلا عِنْد الْمُعْتَزلَة بل على الْإِطْلَاق وعَلى الْمُحَابَاة حَيْثُ شَاءَ وكل ذَلِك عدل مِنْهُ قَالَ ﴿وَلنْ تستطيعوا أَن تعدلوا بَين النِّسَاء وَلَو حرصتم فَلَا تميلوا كل الْميل﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن خِفْتُمْ أَلا تعدلوا فَوَاحِدَة أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ فأباح تَعَالَى لنا أَن لَا نعدل بَين مَا ملكت أَيْمَاننَا وأباح لنا مُحَابَاة من شِئْنَا مِنْهُنَّ فصح أَن لَا عدل إِلَّا مَا سَمَّاهُ الله عدلا فَقَط وَإِن كل شَيْء فعله الله فَهُوَ الْعدْل فَقَط لَا عدل سوى ذَلِك وَكَذَلِكَ وجدنَا الله تَعَالَى قد أعْطى الابْن الذّكر من الْمِيرَاث حظين وَإِن كَانَ غَنِيا مكتسباً وَأعْطى الْبِنْت حظاً وَاحِدًا وَإِن كَانَت صَغِيرَة فقيرة فَبَطل قَول الْمُعْتَزلَة وَصَحَّ أَن الله تَعَالَى يحابي من يَشَاء وَيمْنَع من يَشَاء وَإِن هَذَا هُوَ الْعدْل لَا مَا تظنه الْمُعْتَزلَة عدلا بجهلها وَضعف عقولها وَأما تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق والتعذيب عَلَيْهِ فَإِنَّمَا قبح ذَلِك فِيمَا بَيْننَا لِأَن الله تَعَالَى حرم ذَلِك علينا فَقَط وَقد علمت الْمُعْتَزلَة كَثْرَة عدد من يخالفهم فِي أَن هَذَا لَا يقبح من الله تَعَالَى الَّذِي لَا آمُر فَوْقه وَلَا يلْزمه حكم عقولنا وَمَا دَعوَاهُم على مخالفيهم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَنهم خالفوا قَضِيَّة الْعقل ببديهته إِلَّا كدعوى المجسم عَلَيْهِم أَنهم خالفوا قَضِيَّة الْعقل ببديهته إِذْ أَجَازُوا وجود الْفِعْل مِمَّا لَيْسَ جسماً وَإِذ أجَاز واحيا بِلَا حَيَاة وعالماً لَا بِعلم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكلتا الدعويين على الْعُقُول كَاذِبَة وَقد بَينا فِيمَا سلف من كتَابنَا هَذَا غلط من ادّعى فِي الْعقل مَا لَيْسَ فِيهِ وَبينا أَن الْعقل لَا يحكم بِهِ على الله الَّذِي خلق الْعقل ورتبه على ماهو

стр. 363

بِهِ وَلَا مزِيد وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ بعض الْمُعْتَزلَة أَن من الْقَبِيح بِكُل حَال والمحظور فِي الْعقل بِكُل وَجه كفر نعْمَة الْمُنعم وعقوق الْأَب قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا غَايَة الْخَطَأ لِأَن الْعَاقِل الْمُمَيز بالأمور إِذا تدبرها علم يَقِينا أَنه لَا منعم على أحد إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الَّذِي أوجده من عدم ثمَّ جعل لَهُ الْحَواس والتمييز وسخر لَهُ مَا فِي الأَرْض وَكَثِيرًا مِمَّا فِي السَّمَاء وخوله المَال وَإِن كل منعم دون الله فَإِن كَانَ منعماً بِمَال فَإِنَّمَا أعْطى من مَال الله فالنعمة لله دونه وَإِن كَانَ ممرضاً أَو معتقاً أَو خَائفًا من مَكْرُوه فَإِنَّمَا صرف فِي ذَلِك كلما وهبه الله من الْكَلَام وَالْقُوَّة والحواس والأعضاء وَإِنَّمَا تصرف بِكُل ذَلِك فِي ملك الله وَفِيمَا هُوَ تَعَالَى أولى بِهِ مِنْهُ فالنعمة لله دونه فَالله تَعَالَى هُوَ ولي كل نعْمَة فَإذْ لَا شكّ فِي ذَلِك فَلَا منعم إِلَّا من سَمَّاهُ الله تَعَالَى منعماً وَلَا يجب شكر منعم إِلَّا بعد أَن يُوجب الله تَعَالَى شكره فَحِينَئِذٍ يجب وَإِلَّا فَلَا وَيكون حِينَئِذٍ من لم يشكره عَاصِيا فَاسِقًا أَتَى كَبِيرَة لخلاف أمرالله تَعَالَى بذلك فَقَط وَلَا فرق بَين تولدنا من مني أبوينا وَبَين تولدنا من التُّرَاب وَالْأَرْض وَلَا خلاف فِي أَنه لَا يلْزمنَا بر التُّرَاب وَلَا لَهُ علينا حق لَيْسَ ذَلِك إِلَّا لِأَن الله تَعَالَى لم يَجْعَل لَهُ علينا حَقًا وَقد يرضع الصَّغِير شَاة فَلَا يجب لَهَا عَلَيْهِ حق لِأَن الله تَعَالَى لم يَجعله لَهَا وَجعله لِلْأَبَوَيْنِ وَإِن كَانَا كَافِرين مجنونين وَلم يتوليا تربيتنا بل اشتغلا عَنَّا بلذاتهما لَيْسَ هَهُنَا إِلَّا أَمر الله تَعَالَى فَقَط وبرهان آخر أَن امْرأ لَو زنى بِامْرَأَة عَالما بِتَحْرِيم ذَلِك أَو غير ذَلِك عَالم إِلَّا أَنه مِمَّن لَا يلْحق بِهِ الْوَلَد الْمَخْلُوق من نطفته النَّازِلَة من ذَلِك الْوَطْء فَإِن بره لَا يلْزم ذَلِك الْوَلَد أصلا وَيلْزمهُ بر أمه لَان الله تَعَالَى أمره بذلك لَهَا وَلم يَأْمُرهُ بذلك فِي الَّذِي تولد من نطفته فَقَط وَلَا فرق فِي الْعقل بَين الرجل وَالْمَرْأَة فِي ذَلِك وَلَا فرق فِي الْمَعْقُول وَفِي الْولادَة تولد الْجَنِين من نُطْفَة الْوَاطِئ لأمه بَين أَوْلَاد الزِّنَا وَأَوْلَاد الرشدة لَكِن لما ألزم الله تَعَالَى أَوْلَاد الرشدة المتولدين عَن عقد نِكَاح أَو ملك يَمِين فاسدين أَو صَحِيحَيْنِ برآماتهم وشكرهم وَجعل عقوقهم من الْكَبَائِر لزمنا ذَلِك وَلما لم يلْزم ذَلِك أَوْلَاد الزَّانِيَة لم يلْزمهُم وَقد علمنَا نَحن وهم يَقِينا أَن رجلَيْنِ مُسلمين لَو خرجا فِي سفر فَأَغَارَ أَحدهمَا على قَرْيَة من قرى دَار الْحَرْب فَقتل كل رجل بَالغ فِيهَا وَأخذ جَمِيع أَمْوَالهم وسبى ذَرَارِيهمْ ثمَّ خمس ذَلِك بِحكم الإِمَام الْعدْل وَوَقع فِي حَظه أَطْفَال قد تولى هُوَ قتل آبَائِهِم وسبى أمهاتهم ووقعن أَيْضا بِالْقِسْمَةِ الصَّحِيحَة فِي حِصَّته فنكحهن وَصرف أَوْلَادهنَّ فِي كنس حشوشه وخدمة دوابه وحرثه وحصاده وَلم يكلفهم من ذَلِك إِلَّا مَا يُطِيقُونَ وكساهم وَأنْفق عَلَيْهِم بِالْمَعْرُوفِ كَمَا أَمر الله تَعَالَى فَإِن حَقه وَاجِب عَلَيْهِم بِلَا خلاف وَلَو أعتقهم فَإِنَّهُ منعم عَلَيْهِم وشكره فرض عَلَيْهِم وَكَذَلِكَ لَو فعل ذَلِك بِمن اشْتَرَاهُ وهومسلم بعد وأغار الثَّانِي على قَرْيَة للْمُسلمين فَأخذ صبياناً من صبيانهم فاسترقهم فَقَط وَلم يقتل أحدا وَلَا سبى لَهُم حُرْمَة فربى الصّبيان أحسن تربية وَكَانُوا فِي قَرْيَة شقاء وَجهد وتعب وشظف عَيْش وَسُوء حَال فرفه مَعَايشهمْ وعلمهم الْعلم وَالْإِسْلَام وخولهم المَال ثمَّ أعتقهم فَلَا خلاف فِي أَنه لَا حق لَهُ عَلَيْهِم وَإِن ذمه وعداوته فرض عَلَيْهِم وَإنَّهُ لَو وطئ امْرَأَة مِنْهُنَّ وَهُوَ مُحصن وَكَانَ أحدهم قد ولي حكما للزمه شدخ رَأسه بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوت أَفلا يتَبَيَّن لكل ذِي عقل من أهل الْإِسْلَام إِنَّه لَا محسن وَلَا منعم إِلَّا الله تَعَالَى وَحده لَا شريك لَهُ إِلَّا من سَمَّاهُ الله تَعَالَى محسناً أَو منعماً وَلَا شكر لَازِما لأحد على

стр. 364

أحد إِلَّا من ألزمهُ الله تَعَالَى شكره وَلَا حق لأحد على أحد إِلَّا من جعل الله تَعَالَى لَهُ حَقًا فَيجب كل ذَلِك إِذْ أوجبه الله تَعَالَى وَإِلَّا فَلَا وَقد أَجمعُوا مَعنا على أَن من أَفَاضَ إِحْسَان الدُّنْيَا على إِنْسَان أفاضه بِوَجْه حرمه الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يلْزمه شكره وَإِن من أحسن إِلَى آخر غَايَة الْإِحْسَان فشكره بِأَن اعانه فِي دُنْيَاهُ بِمَا لَا يجوز فِي الدّين فَإِنَّهُ مسيء إِلَيْهِ ظَالِم فصح يَقِينا أَنه لَا يجب شَيْء وَلَا يحسن شَيْء وَلَا يقبح شَيْء إِلَّا مَا أوجبه الله تَعَالَى فِي الدّين أَو حسنه الله فِي الدّين أَو قبحه الله فِي الدّين فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد وَقَالَ بَعضهم الْكَذِب قَبِيح على كل حَال قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كَالْأولِ وَقد أَجمعُوا مَعنا على بطلَان هَذَا القَوْل وعَلى تَحْسِين الْكَذِب فِي مَوَاضِع خَمْسَة إِذْ حسنه الله تَعَالَى وَذَلِكَ نَحْو إِنْسَان مُسلم مستتر من أَمَام ظَالِم يَظْلمه ويطلبه فَسَأَلَ ذَلِك الظَّالِم هَذَا الَّذِي استتر عِنْده الْمَطْلُوب وَسَأَلَ أَيْضا كل من عِنْده خَبره وَعَن مَاله فَلَا خلاف بَين أحد من الْمُسلمين فِي أَنه أَن صدقه ودله على مَوْضِعه وعَلى مَا لَهُ فَإِنَّهُ عَاص لله فَاسق ظَالِم فَاعل فعلا قبيحاً وَإنَّهُ لَو كذبه وَقَالَ لَهُ لَا أَدْرِي مَكَانَهُ وَلَا مَكَان مَاله فَإِنَّهُ مأجور محسن فَاعله فعلا حسنا وَكَذَلِكَ كذب الرجل لامْرَأَته فِيمَا يستجر بِهِ مودتها وَحسن صحبتهَا وَالْكذب فِي حَرْب الْمُشْركين فِيمَا يُوجد بِهِ السَّبِيل إِلَى إهلاكهم وتخليص الْمُسلمين مِنْهُم فصح أَنه إِنَّمَا قبح الْكَذِب حَيْثُ قبحه الله وَلَوْلَا ذَلِك مَا كَانَ قبيحاً بِالْعقلِ أصلا إِذْ مَا وَجب بضرورة الْعقل فمحال أَن يَسْتَحِيل فِي هَذَا الْعَالم الْبَتَّةَ عَمَّا رتبه الله فِي وجود الْعقل إِيَّاه كَذَلِك فصح كذبهمْ على الْعُقُول وَقَالَ بَعضهم الظُّلم قَبِيح قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كَالْأولِ ونسألهم مَا معنى الظُّلم فَلَا يَجدونَ إِلَّا أَن يَقُولُوا أَنه قتل النَّاس وَأخذ أَمْوَالهم وآذاهم وَقتل الْمَرْء نَفسه أَو التشويه بهَا أَو إِبَاحَة حرمه للنَّاس ينكحونهن وكل هَذَا فَلَيْسَ شَيْء مِنْهُ قبيحاً لعَينه وَقد أَبَاحَ الله أَخذ أَمْوَال قوم بخراسان من أجل ابْن عمهم قتل بالأندلس رجلا خطأ لم يرد قَتله لَكِن رمى صيدا مُبَاحا لَهُ أَو رمى كَافِرًا فِي الْحَرْب فصادف الْمُسلم السهْم وَهُوَ خَارج من خلف جبل فَمَاتَ ووجدناه تَعَالَى قد أَبَاحَ دم من زنى وَهُوَ مُحصن وَلم يطَأ امْرَأَة قطّ إِلَّا زَوْجَة لَهُ عجوزاً شعرهَا سَوْدَاء وَطئهَا مرّة ثمَّ مَاتَت وَلَا يجد من أَن ينْكح وَلَا من أَن يتسرى وَهُوَ شَاب مُحْتَاج إِلَى النِّسَاء وَحرم دم شيخ زنى وَله ماية جَارِيَة كَالنُّجُومِ حسنا إِلَّا أَنه لم يكن لَهُ قطّ زَوْجَة وَأما قتل الْمَرْء نَفسه فقد حسن الله تَعَالَى تَعْرِيض الْمَرْء نَفسه للْقَتْل فِي سَبِيل الله وصدمة الجموع الَّتِي يُوقن أَنه مقتول فِي فعله ذَلِك وَقد أَمر من قبلنَا بقتل نَفسه قَالَ تَعَالَى ﴿فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم ذَلِكُم خير لكم عِنْد بارئكم فَتَابَ عَلَيْكُم﴾ وَلَو أمرنَا بِمثل ذَلِك لَكَانَ حسنا كَمَا كَانَ حسنا أمره بذلك بني إِسْرَائِيل وَأما التشويه بِالنَّفسِ فَإِن الْخِتَان وَالْإِحْرَام وَالرُّكُوع وَالسُّجُود لَوْلَا أَمر الله تَعَالَى بذلك وتحسينه إِيَّاه لَكَانَ لَا معنى لَهُ ولكان على أصولهم تشويهاً وَدَلِيل ذَلِك أَن أَمر أَمن النَّاس لَو قَامَ ثمَّ وضع رَأسه فِي الأَرْض فِي غير صَلَاة بِحَضْرَة النَّاس لَكَانَ عابثاً بِلَا شكّ مَقْطُوعًا عَلَيْهِ بالهوس وَكَذَلِكَ لَو تجرد الْمَرْء من ثِيَابه أَمَام الجموع فِي غير حج وَلَا عمْرَة وكشف رَأسه وَرمى بالحصى وَطَاف بِبَيْت مهر وَلَا مستديراً بِهِ لَكَانَ مَجْنُونا بِلَا شكّ لَا سِيمَا أَن امْتنع من قبل قملة وَمن فلى رَأسه وَمن قصّ أَظْفَاره وشاربه لَكِن لما أَمر الله بِمَا أَمر بِهِ من ذَلِك كَانَ فرضا وَاجِبا

стр. 365

وحسناً وَكَانَ تَركه قبيحا وإنكاره كفرا وَأما إِبَاحَة الْمَرْء حرمه للنِّكَاح فَهَذَا أعجب مَا أَتَوا بِهِ أما علمُوا أَن الله تَعَالَى خلى بَين عَبده وإمائه يفجر بَعضهم بِبَعْض وَهُوَ قَادر على مَنعهم من ذَلِك فَلم بِفعل بل قوى آلاتهم وقوى شهواتهم على ذَلِك بِإِقْرَار الْمُعْتَزلَة فَهَذَا من الله حسن وَمن عباده قَبِيح لِأَن الله قبحه وَلَا مزِيد وَلَو حسنه تَعَالَى لحسن أما شاهدوا انكاح الرِّجَال بناتهممن رجال ثمَّ يُطلق الرجل مِنْهُم الْمَرْأَة فَمن آخر ثمَّ آخر وَهَكَذَا مَا أمكنهم وَكَذَلِكَ إِن مَاتَ عَنْهَا فَأَي فرق فِي الْعُقُول بَين إِبَاحَة وَطئهَا بِلَفْظ زَوجتك أَو أنكحتك وَبَين حظر وَطئهَا بِالْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ بِلَفْظَة قُم فطاها فَهَل هَا هُنَا قَبِيح إِلَّا مَا قبحه الله أَو حسن إِلَّا مَا حسن الله وَقَالَ بَعضهم الْكفْر قَبِيح على كل حَال قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كَالْأولِ وَمَا قبح الْكفْر إِلَّا لِأَن الله قبحه وَنهى عَنهُ وَلَوْلَا ذَلِك مَا قبح وَقد أَبَاحَ الله كلمة الْكفْر عِنْد التقية وأباح بهَا الدَّم فِي غير التقية وَلَو أَن امْرأ اعْتقد أَن الْخمر حرَام قبل أَن ينزل تَحْرِيمهَا لَكَانَ كَافِرًا أَو لَكَانَ ذَلِك مِنْهُ كفرا إِن كَانَ عَالما بِإِبَاحَة الرَّسُول ﷺ ثمَّ صَار ذَلِك الْكفْر إِيمَانًا وَصَارَ الْآن من اعْتقد تحليلها كَافِرًا وَصَارَ اعْتِقَاد تحليلها كفر أفْصح أَن لَا كفر إِلَّا مَا سَمَّاهُ الله كفرا وَلَا إِيمَانًا إِلَّا مَا سَمَّاهُ إِيمَانًا وَأَن الْكفْر لَا يقبح إِلَّا بعد أَن قبحه الله وَلَا يحسن الْإِيمَان إِلَّا بعد ان حسنه الله فَبَطل كل مَا قَالُوهُ فِي الْجور وَالْكفْر وَالظُّلم وَصَحَّ أَنه لَا ظلم إِلَّا مَا نهى الله عَنهُ وَلَا جور إِلَّا مَا كَانَ كَذَلِك وَلَا عدل إِلَّا مَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ أَو إِبَاحَة أَي شَيْء كَانَ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِذا هَذَا كَمَا ذكرنَا فقد صَحَّ أَنه لَا ظلم فِي شَيْء من فعل الْبَارِي تَعَالَى وَلَو أَنه تَعَالَى عذب من لم يقدره على مَا أَمر بِهِ من طَاعَته لما كَانَ ذَلِك ظلما إِذْ لم يسمه تَعَالَى ظلما وَكَذَلِكَ لَيْسَ ظلماٍ خلقه تَعَالَى للأفعال الَّتِي هِيَ من عباده كفر وظلم وجور لِأَنَّهُ لَا آمُر عَلَيْهِ تَعَالَى وَلَا ناهياً بل الْأَمر أمره وَالْملك ملكه وَقَالُوا تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق ثمَّ التعذيب عَلَيْهِ قَبِيح فِي الْعُقُول جملَة لَا يحسن بِوَجْه من الْوُجُوه فِيمَا بَيْننَا فَلَا يحسن من الْبَارِي تَعَالَى أصلا قَالَ أَبُو مُحَمَّد نسي هَؤُلَاءِ الْقَوْم مَا لَا يجب أَن ينسى وَيُقَال لَهُم أَلَيْسَ قَول الْقَائِل فِيمَا بَيْننَا اعبدوني أسجدوا إِلَى قبحاً لَا يحسن بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا على حَال من الْأَحْوَال فَلَا بُد من نعم فَيُقَال لَهُم أَو لَيْسَ هَذَا القَوْل من الله تَعَالَى حسنا وَحقا فَلَا بُد من نعم فَإِن قَالُوا إِنَّمَا قبح ذَلِك منا لأننا لَا نستحقه قيل لَهُم وَكَذَلِكَ إِنَّمَا قبح منا تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق والتعذيب عَلَيْهِ لأننا لَا نستحق هَذِه الصّفة وَأي شَيْء أَتَوا بِهِ من الْفرق فَهُوَ رَاجع عَلَيْهِم فِي تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَلَا فرق وَكَذَلِكَ الممتن بإحسانه الْجَبَّار المتكبر ذُو الْكِبْرِيَاء قَبِيح فِيمَا بَيْننَا على كل حَال وَهُوَ من الله تَعَالَى حسن وَحقّ وَقد سمى نَفسه الْجَبَّار النتكبر وَأخْبر أَن لَهُ كبرياء وَهُوَ تَعَالَى يمن بإحسانه فَإِن قَالُوا حسن ذَلِك مِنْهُ لِأَن الْكل خلقه قيل لَهُم وَكَذَلِكَ حسن مِنْهُ تَكْلِيف من لَا يَسْتَطِيع ثمَّ تعذيبه لِأَن الْكل خلقه وَكَذَلِكَ فِيمَا بَيْننَا من عذب حَيَوَانا بالتف وَالضَّرْب ثمَّ أحسن علفه ورفهه فَهُوَ قَبِيح على كل وَجه وفاعله عابث وهم يَقُولُونَ أَن الْبَارِي تَعَالَى أَبَاحَ ذَلِك فِي الْحَيَوَان من أكلهَا وذبحها ثمَّ يعوضها على ذَلِك وَهَذَا مِنْهُ حسن أَلا أَن يلجؤا إِلَى أَنه تَعَالَى لَا يقدر على تعويض الْحَيَوَان إِلَّا بعد إيلامها وتعذيبها فَهَذَا أقبح قَول وأبينه كذبا وأوضحه نخبة وأتمة كفر أَو ذمه للباري تَعَالَى وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل فَإِن قَالُوا إِن إيلام الْحَيَوَان قد يحسن فِيمَا

стр. 366

بَيْننَا مثل أَن يسْقِي الْإِنْسَان من يحب مَاء الْأَدْوِيَة الكريهة ويحجمه ويكويه ليوصله بذلك إِلَى مَنَافِع لَوْلَا هَذَا الْمَكْرُوه لم يكن ليصل إِلَيْهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تمويه لم ينفكوا بِهِ مِمَّا سَأَلَهُمْ عَنهُ أَصْحَابنَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَنحن لم نسألهم عَمَّن لَا يقدر على نَفعه إِلَّا بعد الْأَذَى الَّذِي هُوَ أقل من النَّفْع الَّذِي يصل إِلَيْهِ بعد ذَلِك الْأَذَى إِنَّمَا سألناهم عَمَّن يقدر على نَفعه دون أَن يبتديه بالأذى ثمَّ لَا يَنْفَعهُ إِلَّا حَتَّى يُؤْذِيه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَكَذَلِكَ تَكْلِيف من يدْرِي الْمَرْء أَنه لَا يطيقه وَأَنه إِذا لم يطقه عذبه قَبِيح فِيمَا بَيْننَا فَقَالَ قَائِل مِنْهُم إِن هَذَا قد يحسن فِيمَا بَيْننَا وَذَلِكَ أَن يكون الْمَرْء يُرِيد أَن يُقرر عِنْد صديقه مَعْصِيّة عَبده لَهُ فيأمره وَهُوَ يدْرِي أَنه لَا يطيعه فَإِن نَهْيه لَهُ حسن قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كَالْأولِ وَلَا فرق وَلم نسألهم عَمَّن لم يقدر على تَعْرِيف صديقه مَعْصِيّة غُلَامه لَهُ إِلَّا بتكليفه أَمَامه مَا لَا يطيعه فِيهِ وَلَا عَمَّن لَا يقدر على منع العَاصِي لَهُ بِأَكْثَرَ من النَّهْي وَإِنَّمَا نسألهم عَمَّن لَا مَنْفَعَة لَهُ فِي أَن يعلم زيدا مَعْصِيّة غُلَامه لَهُ وَعَمن يقدر على أَن يعرف زيدا بذلك ويقرره عِنْده بِغَيْر أَن يَأْمر من لَا يطيعه وَعَمن يقدر على مَنعه من الْمعْصِيَة فَلَا يفعل ذَلِك أَلا أَن يعْجزُوا رَبهم كَمَا ذكرنَا فَهَذَا مَعَ أَنه كفر فَهُوَ أَيْضا كذب ظَاهر لِأَنَّهُ تَعَالَى قد أخبر عَن أهل النَّار أَنهم لَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ فتقرر هَذَا عندنَا تقرراً لَو رَأينَا ذَلِك عيَانًا مَا زادنا علما بِصِحَّتِهِ وَكَذَلِكَ قد شاهدنا قوما آخَرين أَرَادوا ضروباً من الْمعاصِي فحال الله تَعَالَى بَينهم وَبَينهَا بضروب من ألحوايل وَأطلق آخَرين وَلم يحل بَينهم وَبَينهَا بل قوي الدَّوَاعِي لَهَا وَرفع الْمَوَانِع عَنْهَا جملَة حَتَّى ارتكبوها فلاح كذب الْمُعْتَزلَة وعظيم إقدامهم على الافتراء على الله تَعَالَى وَشدَّة مكابرتهم العيان ومخالفتهم للمعقول وَقُوَّة جهلهم وتناقضهم نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان ثمَّ بعد هَذَا كُله فَأَي مَنْفَعَة لنا فِي تعريفنا أَن فِرْعَوْن يَعْصِي وَلَا يُؤمن وَمَا الَّذِي ضرّ الْأَطْفَال إِذا مَاتُوا قبل أَن يعرفوا من أطَاع وَمن عصى ونسألهم أَيْضا عَمَّن أعْطى آخر سيوفاً وخناجر وعتلاً للنقب وكل ذَلِك يصلح للْجِهَاد ولقطع الطَّرِيق والتلصص وَهُوَ يدْرِي أَنه لَا يسْتَعْمل شَيْئا من ذَلِك فِي الْجِهَاد إِلَّا فِي قطع الطَّرِيق والتلصص وَعَمن مكن آخر من خمر وَامْرَأَة عاهرة وبغاء وأخلى لَهُ منزلا مَعَ كل ذَلِك أَلَيْسَ عابثاً ظَالِما بِلَا خلاف فَلَا بُد من نعم وَنحن وهم نعلم أَن الله وهب لجَمِيع النَّاس القوى الَّتِي بهَا عصوا وَهُوَ يدْرِي أَنهم يعصونه بهَا وَخلق الْخمر وبثها بَين أَيْديهم وَلم يحل بَينهم وَبَينهَا وَلَيْسَ ظَالِما وَلَا عابثاً فَإِن عجزوه تَعَالَى إِلَى عَن الْمَنْع من ذَلِك بلغو العاية من الْكفْر فَإِن عجز نَفسه منا عَن منع الْخمر من شاربها وَهُوَ يقدر على ذَلِك لفي غَايَة الضعْف والمهانة أَو مُرِيد لكَون ذَلِك كَمَا شَاءَ لَا معقب لحكمه وَهَذَا قَوْلنَا لَا قَوْلهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد فانقطعوا عِنْد هَذِه وَلم يكن لَهُم جَوَاب إِلَّا أَن بَعضهم قَالَ إِنَّمَا قبح ذَلِك منا لجهلنا بالمصالح ولعجزنا عَن التعويض وَلِأَن ذَلِك مَحْظُور وَهَذَا مَحْظُور علينا وَلَو أَن امْرأ لَهُ منا عبيد وَقد صَحَّ عِنْده بأخبار النَّبِي ﷺ أَنهم لَا يُؤمنُونَ أبدا فَإِن كسوتهم وإطعامهم مُبَاح لَهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا عَلَيْهِم لَا لَهُم وَإِقْرَار مِنْهُم بِأَنَّهُ إِنَّمَا قبح ذَلِك منا لِأَنَّهُ محرم علينا وَكَذَلِكَ كسْوَة العبيد الَّذين يُوقن أَنهم لَا يُؤمنُونَ وَإِنَّمَا حسن ذَلِك لأننا مأمورون بِالْإِحْسَانِ إِلَى العبيد وَإِن كَانُوا كفَّارًا وَلَو فعلنَا ذَلِك بِأَهْل دَار الْحَرْب لَكنا عصاة لأننا نهينَا عَن ذَلِك لَيْسَ هَا هُنَا شَيْء يقبح وَلَا يحسن إِلَّا مَا أَمر الله تَعَالَى فَقَط وَأما قَوْلهم أَن ذَلِك قبح منا لجهلنا بالمصالح

стр. 367

فليقنعوا بهذافمن أجابهم بِهَذَا بِعَيْنِه فِي الْفرق بَين حسن تَكْلِيف الله تَعَالَى مَا لَا يُطَاق وتعذيبه عَلَيْهِ مِنْهُ وقبح ذَلِك منا وَإنَّهُ إِنَّمَا قبح منا لجهلنا بالمصالح قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما نَحن فكلا الجوابين عندنَا فَاسد وَلَا مصلحَة فِيمَا أدّى إِلَى النَّار وَالْخُلُود فِيهَا بِلَا نِهَايَة وَلَكنَّا نقُول قبح منا مَا نَهَانَا الله عَنهُ وَحسن منا ماأمرنا بِهِ وكل مَا فعله رَبنَا تَعَالَى الَّذِي لَا آمُر فَوْقه فَهُوَ عدل وَحسن وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وسألهم أَصْحَابنَا فَقَالُوا إِن الْمَعْهُود بَيْننَا أَن الْحَكِيم لَا يفعل إِلَّا لاجتلاب مَنْفَعَة أَو دفع مضرَّة وَمن فعل لغير ذَلِك فَهُوَ سَفِيه والباري تَعَالَى يفعل لغير اجتلاب مَنْفَعَة وَلَا لدفع مضرَّة وَهُوَ حَكِيم فَقَالَت طَائِفَة من الْمُعْتَزلَة أَن الْبَارِي تَعَالَى يفعل لاجتلاب الْمَنَافِع إِلَى عباده وَدفع المضار عَنْهُم وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم لم يكن الْحَكِيم فِيمَا بَيْننَا حكيماً لِأَنَّهُ يفعل لاجتلاب الْمَنَافِع وَدفع المضار لِأَنَّهُ قد يفعل ذَلِك كل ملتذ وكل متشف وَإِن لم يكن حكيما وَإِنَّمَا سمي الْحَكِيم حكيما لإحكامه عمله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَن الْحَيَوَان مَا يحكم عمله مثل الخطاف وَالْعَنْكَبُوت والنحل ودود القز وَلَا يُسمى بِشَيْء من ذَلِك حكيما وَلَكِن إِنَّمَا سمي الْحَكِيم حكيما على الْحَقِيقَة لالتزامه الْفَضَائِل واجتنابه الرزائل فَهَذَا هُوَ الْعقل وَالْحكمَة الْمُسَمّى فَاعله حكيماً عَاقِلا وَهَكَذَا هُوَ فِي الشَّرِيعَة لِأَن جَمِيع الْفَضَائِل إِنَّمَا هِيَ طاعات الله والرذائل إِنَّمَا هِيَ مَعَاصيه فَلَا حَكِيم إلامن أطَاع لله واجتنب مَعَاصيه وَعمل مَا أمره ربه وَلَيْسَ من أجل هَذَا يُسمى الْبَارِي حكيماً إِنَّمَا سمي حكيماً لِأَنَّهُ سمى نَفسه حكيماً فَقَط وَلَو لم يسم نَفسه حكيماً مَا سميناه حكيماً كَمَا لم نسمه عَاقِلا إِذْ لم يسم بذلك ثمَّ نقُول لَهُم وَأما قَوْلكُم إِنَّمَا سمي الله حكيماً لفعله الْحِكْمَة فَأنْتم مقرون أَنه أعْطى الْكفَّار قُوَّة الْكفْر وَلَا يُسمى مَعَ ذَلِك مقوياً على الْكفْر وَأما من قَالَ مِنْهُم أَنه تَعَالَى يفعل لاجتلاب الْمَنَافِع إِلَى عباده وَدفع المضار عَنْهُم فَكَلَام فَاسد إِذا قيل على عُمُومه لِأَن كل مستضر يَفْعَله فِي دُنْيَاهُ وأخراه لم يصرف الله تَعَالَى عَنهُ تِلْكَ الْمضرَّة وَقد كَانَ قَادِرًا على صرفهَا عَنهُ إِلَّا أَن يعجزوه عَن ذَلِك فيكفروا وسألهم أَصْحَابنَا فَقَالُوا إِذا كَانَ الله لَا يفعل إِلَّا مَا هُوَ عدل بَيْننَا فَلم حلق من يدْرِي أَنه يكفر بِهِ وَأَنه سيخلده بَين أطباق النيرَان أبدا فَأَجَابُوا عَن هَذَا بأجوبة فَمن أظرفها أَن كثيرا مِنْهُم قَالُوا لَو لم يخلق من يكفر بِهِ ويخلده فِي نَار جَهَنَّم لما اسْتحق الْعَذَاب أحد وَلَا دخل النَّار أحدا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وتكفي من الدّلَالَة على ضعف عقل هَذَا الْجَاهِل هَذَا الْجَواب ونقول لَهُ ذَلِك مَا كُنَّا نبغي وَهل الْخَيْر كُله على مَا بَيْننَا إِلَّا أَن لَا يعذب أحد بالنَّار وَهل الْحِكْمَة الْمَعْهُودَة بَيْننَا وَالْعدْل الَّذِي لَا عدل عندنَا سواهُ إِلَّا نجاة النَّاس كلهم من الْأَذَى واجتماعهم فِي النَّعيم الدَّائِم وَلَكِن الْمُعْتَزلَة قوم لَا يعْقلُونَ وَأجَاب بَعضهم فِي هَذَا بِأَن قَالَ لَو كَانَ هَذَا السّلم الْجَمِيع من اللوم ولكان لَا شَيْء أوضع وَلَا أخس من الْعقل لِأَن الَّذِي لَا عقل لَهُ سَالم من الْعَذَاب واللوم والأمم كلهَا مجمعة على فضل الْعقل قَالَ أَبُو مُحَمَّد لَو عرف هَذَا الْجَاهِل معنى الْعقل لم يجب بهذاا لسخف لِأَن الْعقل على الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَال الطَّاعَات وَاجْتنَاب الْمعاصِي وَمَا عدا هَذَا فَلَيْسَ عقلا بل هُوَ سخيف وحمق قَالَ الله حِكَايَة عَن الْكفَّار أَنهم قَالُوا ﴿لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾ ثمَّ صدقهم الله فِي هَذَا فَقَالَ ﴿فَاعْتَرفُوا بذنبهم فسحقاً لأَصْحَاب السعير﴾ فَصدق الله من عَصَاهُ أَنه لَا يعقل ثمَّ نقُول لَهُم نعم لَا منزلَة أخس وَلَا أوضع وَلَا أسقط من منزلَة وموهبة أدَّت إِلَى الخلود

стр. 368

فِي النيرَان عقلا كَانَت أَو غير عقل قَوْلكُم فِي الْعقل لَو كَانَ كَون الْإِنْسَان حشرة أَو دودة أَو كَلْبا كَانَ أحظى لَهُ وَأسلم وَأفضل عَاجلا وآجلاً وَأحب إِلَى كل ذِي عقل صَحِيح وتمييز غير مَدْخُول وَإِذا كَانَ عِنْد هَؤُلَاءِ الْقَوْم الْعقل الْمَوْهُوب وبالأعلى صَاحبه وسبباً إِلَى تَكْلِيفه أموراً لم يَأْتِ بهَا فَاسْتحقَّ النَّار فَلَا شكّ عِنْد كل ذِي حس سليم فِي أَن عَدمه خير من وجوده فَإِن قَالُوا أَن التَّكْلِيف لم يُوجب عَلَيْهِ دُخُول النَّار قُلْنَا نعم وَلكنه كَانَ سَببا إِلَى ذَلِك وَلَوْلَا التَّكْلِيف لم يدْخل النَّار أصلا وَقد شهد الله بِصِحَّة هَذَا القَوْل شَهَادَة وَلَا تخفى على مُسلم وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوماً جهولا﴾ فَحَمدَ الله تَعَالَى أباءة الْجَمَاعَات من قبُول التَّمْيِيز الَّذِي بِهِ وَقع التَّكْلِيف وَتحمل أَمَانَة الشَّرَائِع وذم اخْتِيَار الْإِنْسَان لتحملها وَسمي ذَلِك مِنْهُ ظلما وجهلاً وجوراً وَهَذَا مَعْرُوف فِي بنية الْعقل وَالتَّمَيُّز أَن السَّلامَة الْمَضْمُونَة لَا يعدل بهَا التَّغْرِير الْمُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاك أَو إِلَى النَّعيم وَقَالَ بَعضهم خلق الله من يكفر وَمن يعلم أَنه يخلد فِي النَّار ليعظ بذلك الْمَلَائِكَة وحو رالعين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا خبط لَا عهد لنا بِمثلِهِ وَهَذَا غَايَة السخف والعبث وَالظُّلم فَأَما الْعَبَث فَإِن فِي الْعُقُول منا أَن من عذب وَاحِدًا ليعظ بِهِ آخر فغاية الْعَبَث والسخف وَأما الْجور فَأَي جور أعظم فِيمَا بَيْننَا من أَن يخلق قوما قد علم أَنه يعذبهم ليعظ بهم آخَرين من خلقه مخلدين فِي النَّعيم فَهَلا عذب الْمَلَائِكَة وحور الْعين ليعظ بهم الْجِنّ وَالْإِنْس وَهل هَذَا على أصولهم إِلَّا غَايَة الْمُحَابَاة وَالظُّلم والعبث تَعَالَى الله عَن ذَلِك يفعل مَا يَشَاء لَا معقب لحكمه وسألهم أَصْحَابنَا عَن إيلام الله الصغار وَالْحَيَوَان وإباحته تَعَالَى ذَبحهَا فوجموا عِنْد هَذِه وَقَالَ بَعضهم لِأَن الله تَعَالَى يعوضهم على ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا غَايَة الْعَبَث فِيمَا بَيْننَا وَلَا شَيْء أتم فِي الْعَبَث وَالظُّلم مِمَّن يعذب صَغِيرا ليحسن بعد ذَلِك إِلَيْهِ فَقَالُوا أَن تعويضه بعد الْعَذَاب بالجدري والأمراض أتم وألذ من تنعيمه دون تَعْذِيب قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَفِي هَذَا عَلَيْهِم جوابان أَحدهمَا أَن يَقُول لَهُم أَكَانَ الله تَعَالَى قَادِرًا على أَن يُوفي الْأَطْفَال وَالْحَيَوَان ذَلِك النَّعيم دون إيلام أَو كَانَ غير قَادر على ذَلِك فَإِن قَالُوا كَانَ غير قَادر جمعُوا مَعَ الْكفْر الْجُنُون لَان ضَرُورَة الْعقل يعلم بهَا انه إِذا قدر على أَن يعطيهم مِقْدَارًا مَا من النَّعيم بعد الإيلام فَلَا شكّ فِي أَنه قَادر على ذَلِك الْمِقْدَار نَفسه دون إيلام يتقدمه لَيْسَ فِي الْعقل غير هَذَا أصلا إِذْ لَيْسَ هَا هُنَا منزلَة زَائِدَة فِي الْقُدْرَة وَلَا فعلان مُخْتَلِفَانِ وَإِنَّمَا هُوَ عَطاء وَاحِد فِي كلا الْوَجْهَيْنِ وَإِن قَالُوا أَنه قَادر على ذَلِك فقد وَجب الْعَبَث على أصولهم إِذْ كَانَ قَادِرًا على أَن يعطيهم دون إيلام مَا لم يعطهم إِلَّا بعد غَايَة الإيلام وَالْجَوَاب الثَّانِي أَن نريهم صبياناً وحيواناً أماتهم فِي خير دون إيلام وَهَذِه مُحَابَاة وظلم للمؤلم مِنْهُم فَقَالُوا إِن المؤلم لم يَزْدَدْ فِي نعيمه لأجل إيلامه فَقُلْنَا لَهُم فَهَذِهِ مُحَابَاة بِزِيَادَة النَّعيم للمؤلم فَهَلا آلم الْجَمِيع ليسوى بَينهم فِي النَّعيم أَو هلا يُسَوِّي بَينهم فِي النَّعيم بِأَن لَا يؤلم مِنْهُم أحدا وَهَذَا مَا لَا انفكاك مِنْهُ الْبَتَّةَ وَقَالَ بَعضهم فعل ذَلِك ليعظ بهم غَيرهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا غَايَة الْجور بَيْننَا وَلَا عَبث أعظم من أَن يعذب إنْسَانا لَا ذَنْب لَهُ ليوعظ بذلك آخَرُونَ مذنبون وَغير مذنبين وَالله تَعَالَى قد أنكر هَذَا بقوله تَعَالَى

стр. 369

وَلَا تكسب كل نفس إِلَّا عَلَيْهَا ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ فقد انْتَفَى عَن الله هَذَا الظُّلم حَقًا وَلَقَد كَانَ على أصولهم الْفَاسِدَة تعذيبه الطغاة وإيلامه الْبُغَاة ليعظ بذلك غَيرهم أَدخل فِي الْعدْل وَالْحكمَة من أَن يؤلم طفْلا أَو حَيَوَانا لَا ذَنْب لَهما ليعظ بذلك آخَرين بل لَعَلَّ هَذَا الْوَجْه قد صَار سَبِيلا إِلَى كفر كثير من النَّاس وَأجَاب بَعضهم فِي ذَلِك بِأَن قَالَ إِنَّمَا فعل ذَلِك بالأطفال ليؤجر آبَاءَهُم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كَالَّذي قبله فِي الْجور سَوَاء بِسَوَاء إِن يُؤْذى من لَا ذَنْب لَهُ ليأجر بذلك مذنباً أَو غير مذنب حاشا لله من هَذَا إِلَّا أَن فِي هَذَا مزية من التَّنَاقُض لِأَن هَذَا التَّعْلِيل ينْقض عَلَيْهِم فِي أَوْلَاد الْكفَّار وَأَوْلَاد الزِّنَا مِمَّن قد مَاتَت أمه وَفِي الْيَتَامَى من آبَائِهِم وأمهاتهم وَرب طِفْل قد قتل الْكفَّار أَو الْفُسَّاق أَبَاهُ وَأمه وَترك هُوَ بدار مضيعة حَتَّى مَاتَ هزلا أَو أَكلته السبَاع فليت شعري من وعظ بِهَذَا أَو من أوجز بِهِ مَعَ أَن هَذَا مِمَّا لم يجدوه يحسن بَيْننَا الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه يَعْنِي أَن نؤذي إِنْسَان لَا نب لَهُ لينْتَفع بذلك آخَرُونَ وهم يَقُولُونَ أَن الله تَعَالَى فعل هَذَا فَكَانَ حسنا وَحِكْمَة ولجأ بَعضهم إِلَى أَن قَالَ إِن الله فِي هَذَا سرا من الْحِكْمَة وَالْعدْل يُوقن بِهِ وَإِن كُنَّا لَا نعلم لما هُوَ وَلَا كَيفَ هُوَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِذ قد بلغُوا هَا هُنَا فقد قرب أَمرهم بعون الله تَعَالَى وَهُوَ أَنه يلْزمهُم تَصْدِيق من يَقُول لَهُم وَللَّه تَعَالَى فِي تَكْلِيف من لَا يَسْتَطِيع ثمَّ تعذيبه عَلَيْهِ سر من الْحِكْمَة يُوقن بِهِ وَلَا نعلمهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما نَحن فَلَا نقُول بِهَذَا بل نقُول إِنَّه لَا سر هَاهُنَا أصلا بل كل ذَلِك كَمَا هُوَ عدل من الله لَا من غَيره وَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون قَالَ أَبُو مُحَمَّد ولجأت طَائِفَتَانِ مِنْهُم إِلَى أَمريْن أَحدهمَا قَول بكر بن أُخْت عبد الْوَاحِد بن يزِيد فَإِنَّهُ قَالَ أَن الْأَطْفَال لَا يألمون أَلْبَتَّة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا نَدْرِي لَعَلَّه يَقُول مثل ذَلِك فِي الْحَيَوَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا انْقِطَاع سمج ولجاج فِي الْبَاطِل قَبِيح وَدفع للعيان والحس وكل أحد منا قد كَانَ صَغِيرا ويوقن أننا كُنَّا نألم الْأَلَم الشَّديد الَّذِي لَا طَاقَة لنا بِالصبرِ عَلَيْهِ وَالثَّانيَِة أَحْمد بن حابظ الْبَصْرِيّ وَالْفضل الْحَرْبِيّ وَكِلَاهُمَا من تلاميذ النظام فَإِنَّهُمَا قَالَا أَن أَرْوَاح الْأَطْفَال وأرواح الْحَيَوَان كَانَت فِي أجساد قوم عصاة فعوقبت بِأَن ركبت فِي أجساد الْأَطْفَال وَالْحَيَوَان لتؤلم عُقُوبَة لَهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن هرب عَن الإذعان للحق أَو عَن الْإِقْرَار بالانقطاع إِلَى الْكفْر وَالْخُرُوج عَن الْإِسْلَام فقد بلغ إِلَى حَالَة مَا كُنَّا نُرِيد ان يبلغهَا لَكِن إِذا آثر الْكفْر فَإلَى لعنة الله وحر سعيره ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَإِنَّمَا كلامنا هَذَا مَعَ من يَتَّقِي مُخَالفَة الْإِسْلَام فَأَما أهل الْكفْر فقد تمّ وَالله الْحَمد إبطالنا لقَولهم وَقد أبطلنا قَول أَصْحَاب التناسخ فِي صدر كتَابنَا هَذَا وَالْحَمْد لله فأغنى عَن إِعَادَته وَإِذا بلغ خصمنا إِلَى مُكَابَرَة الْحس أَو إِلَى مُفَارقَة الْإِسْلَام فقد انْقَطع وَظهر بَاطِل قَوْله وَللَّه تَعَالَى الْحَمد قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن لجؤا إِلَى قَول معمر والجاحظ وَقَالُوا أَن آلام الْأَطْفَال هِيَ فعل الطبيعة لَا فعل الله تَعَالَى لم يتخلصوا بذلك من الِانْقِطَاع بل نقُول لَهُم هَل الله قَادر على مُعَارضَة

стр. 370

هَذِه الطبيعة الْمُقطعَة لحم هَذَا الصَّبِي بالجدري والآكلة والخنازير المعدية لَهُ ووجع الْحَصَاة واحتباس الْبَوْل أَو الْغَائِط أَو انطلاق الْبَطن حَتَّى يَمُوت والعدو القاسي الْقلب يرحمه ويتقطع لَهُ لعَظيم مَا يرى بِهِ من التضرر والأوجاع بِقُوَّة من عِنْده تَعَالَى يفرج بهَا عَن هَذَا الطِّفْل الْمِسْكِين المعذب أم هُوَ تَعَالَى غير قَادر على ذَلِك فَإِن قَالُوا هُوَ غير قَادر على ذَلِك فَمَا فِي الْعَالم أعجز مِمَّن تغلبه طبيعة هُوَ خلقهَا وطبعها ووضعها فِيمَن هِيَ فِيهِ وَرُبمَا غلها طَبِيب ضَعِيف من خلقه بعقار ضَعِيف من خلقه فَهَل فِي الْجُنُون وَالْكفْر أَكثر من هَذَا القَوْل أَن يكون هُوَ خلق الطبيعة ووضعها فِيمَن هِيَ فِيهِ ثمَّ لَا يقدر على كف عَملهَا الَّذِي هُوَ وَضعه فِيهَا وَإِن قَالُوا بل هُوَ قَادر على صرف الطبيعة وكفها وَلم يفعل دخل فِي نفس مَا أنكر وَأقر على ربه على أَصله الْفَاسِد بالظلم والعبث وبالضرورة نَدْرِي أَن من رأى طفْلا فِي نَار أَو مَاء وَهُوَ قَادر على استنقاذة بِلَا مُؤنَة وَلم يفعل فَهُوَ عابث ظَالِم وَلَكِن الله تَعَالَى يفعل ذَلِك وَهُوَ الحكم الْعدْل فِي حكمه لَا العابث وَلَا الظَّالِم وَهَذَا هُوَ الَّذِي أعظموا من أَن يكون قَادر على هدي الْكفَّار وَلَا يفعل ولجأ بَعضهم إِلَى أَن قَالَ لَو عَاشَ هَذَا الطِّفْل لَكَانَ طاغياً قُلْنَا لَهُم لم نسئلكم بعد عَمَّن مَاتَ طفْلا إِنَّمَا سألناكم عَن إيلامه قبل بُلُوغه ثمَّ نجيبهم عَن قَوْلهم فِيمَن مَاتَ من الْأَطْفَال أَنه لَو عَاشَ لَكَانَ طاغياً فَنَقُول لَهُم هَذَا أَشد فِي الظُّلم أَن يعذبه على مَا لم يفعل بعد قَالَ أَبُو مُحَمَّد قد وجدنَا الله قد حرم ذبح بعض الْحَيَوَان وَأكله وأباح ذبح بعضه وَأوجب ذبح بعضه إِذا نذر النَّاذِر بذَبْحه قرباناً فَنَقُول للمعتزلة اخبرونا مَا كَانَ ذَنْب الَّذِي أُبِيح ذبحه وسلخه وطبخه بالنَّار وَأكله وَمَا كَانَ ذَنْب الَّذِي حرم كل ذَلِك فِيهِ حَتَّى حرم الْعِوَض الَّذِي تَدعُونَهُ وَمَا كَانَ بخت الَّذِي حرم إيلامه ووجدناه قد أَبَاحَ ذبح صغَار الْحَيَوَان مَعَ مَا يحدث لأمهاتها من الحنين والوله كَالْإِبِلِ وَالْبَقر فَأَي فرق بَين ذبحنا لمصالحنا أَو لتعوض هِيَ وَبَين مَا حرم من ذبح أطفالنا وصغار أَوْلَاد أَعْدَائِنَا لمصالحنا أَو ليعوضوا فَإِن طردوا دَعوَاهُم فِي الْمصلحَة لرَبهم أَن كل من لَهُ مصلحَة فِي قتل غَيره كَانَ لَهُ قَتله فَإِن قَالُوا لَا يجوز ذَلِك الاحيث أَبَاحَهُ الله تركُوا قَوْلهم ووفقوا للحق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَجَدْنَاهُ تَعَالَى قد حرم قتل قوم مُشْرِكين يجْعَلُونَ لَهُ الصاحبة وَالْولد ويهود ومجوس إِذا أعطونا دِينَارا أَو أَرْبَعَة دَنَانِير فِي الْعَام وهم يكفرون بِاللَّه تَعَالَى وأباح قتل مُسلم فَاضل قد تَابَ وَأصْلح لزنا سلف مِنْهُ وَهُوَ مُحصن وَلم يبح لنا اسْتِبْقَاء مُشْركي الْعَرَب من عباد الْأَوْثَان إِلَّا بِأَن يسلمُوا وَلَا بُد فَأَي فرق بَين هَؤُلَاءِ الْكفَّار وَبَين الْكفَّار الَّذين افْترض علينا إبقاؤهم لذهب نَأْخُذهُ مِنْهُم فِي الْعَام قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالُوا لنا هَل فِي أَفعَال الله تَعَالَى عَبث وضلال وَنقص ومذموم فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِمَّا أَن يكون فِي أَفعاله تَعَالَى عَبث يُوصف بِهِ أَو عيب مُضَاف إِلَيْهِ أَو ضلال يُوصف بِهِ أَو نقص ينْسب إِلَيْهِ أَو جور مِنْهُ أَو ظلم مِنْهُ أَو مَذْمُوم مِنْهُ فَلَا يكون ذَلِك أصلا بل كل أَفعاله عدل وَحِكْمَة وَخير وصواب وَكلهَا حسن مِنْهُ تَعَالَى ومحمود مِنْهُ وَلَكِن فِيهَا عيب على من ظهر مِنْهُ ذَلِك الْفِعْل وعبث مِنْهُ وضلال مِنْهُ وظلم مِنْهُ ومذموم مِنْهُ ثمَّ نسألهم فَنَقُول لَهُم هَل فِي أَفعاله تَعَالَى سخف وجنون وحمق وفضائح ومصائب وقبح وسخام وأقذار وإنتان ونجس وسخنه للعين وَسَوَاد الْوَجْه فَإِن قَالُوا لَا أكذبهم الله بقوله تَعَالَى ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها﴾

стр. 371

وَمَوْت الْأَنْبِيَاء وَفرْعَوْن وإبليس وكل ذَلِك مَخْلُوق وَإِن قَالُوا أَن الله تَعَالَى خَالق كل ذَلِك وَلَكِن لَا يُضَاف شئ مِنْهُ إِلَى الله على الْوَجْه المذموم وَلَكِن على الْوَجْه الْمَحْمُود قُلْنَا هَذَا قَوْلنَا فِيمَا سألتمونا عَنهُ وَلَا فرق فَإِن قَالُوا أَتَرْضَوْنَ بِأَفْعَال الله وقضائه قُلْنَا نعم بِمَعْنى أننا مُسلمُونَ لفعله وقضائه وَمن الرضى بِفِعْلِهِ وقضائه أَن نكره مَا كره إِلَيْنَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان﴾ ثمَّ نسألهم عَن هَذَا بِعَيْنِه فَنَقُول لَهُم أَتَرْضَوْنَ بِفعل الله تَعَالَى وقضائه فَإِن قَالُوا نعم لَزِمَهُم الرضى بقتل من قتل من الْأَنْبِيَاء وَالْخُمُور والأنصاب والأزلام وبإبليس ويلزمهم أَن يرضى مِنْهُم بالخلود فِي النَّار من خلد فِيهَا وَفِي هَذَا مَا فِيهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَسَأَلَ بعض أَصْحَابنَا بعض العتزلة فَقَالَ إِذا كَانَ عنْدكُمْ إِنَّمَا خلق الله تَعَالَى الْكفَّار وَهُوَ يعلم انهم لَا يُؤمنُونَ وَأَنه سيعذبهم بَين أطباق النيرَان أبدا ليعط بهم الْمَلَائِكَة وحور الْعين فقد كَانَ يَكْفِي من ذَلِك خلق وَاحِد مِنْهُم فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَزلَة ان الْمُؤمنِينَ الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة وَالْمَلَائِكَة وحور الْعين وَجَمِيع من لاعذاب عَلَيْهِ وَمن الْأَطْفَال أَكثر من الْكفَّار بِكَثِير جدا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلم يخرج بِهَذَا الْمَوْت مِمَّا ألزمهُ السَّائِل لِأَن الموعظة كَانَت تتمّ بِخلق وَاحِد هَذَا لَو كَانَ يخلق من يعذب ليوعظ بِهِ آخر وَجه فِي الْحِكْمَة بَيْننَا وَأَيْضًا فلولا ذكره الْمَلَائِكَة لَكَانَ كَاذِبًا فِي ظَنّه إِن عدد الداخلين فِي الْجنَّة من النَّاس أَكثر من الداخلين النَّار لِأَن الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك لِأَن الله يَقُول ﴿فَأبى أَكثر النَّاس إِلَّا كفورا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَكثر النَّاس وَلَو حرصت بمؤمنين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن تُطِع أَكثر من فِي الأَرْض يضلوك عَن سَبِيل الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَقَلِيل مَا هم﴾ فليت شعري فِي أَي حِكْمَة وجدوا فِيمَا بَينهم أَو بَيْننَا أَو فِي أَي عدل خلق من يكون أَكْثَرهم مخلدين فِي جَهَنَّم على أصُول هَؤُلَاءِ الْجُهَّال وَأما نَحن فَإِنَّهُ لَو عذب أهل السَّمَوَات كلهم وَجَمِيع من عمر الأَرْض لَكَانَ عدلا مِنْهُ وَحقا مِنْهُ وَحِكْمَة مِنْهُ وَلَو لم يخلق النَّار وَأدْخل كل من خلق الْجنَّة لَكَانَ حَقًا مِنْهُ وعدلاً وَحِكْمَة مِنْهُ لَا عدل وَلَا حِكْمَة وَلَا حق إِلَّا مَا فعل وَمَا أَمر بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ولجأ قوم مِنْهُم إِلَى أَن قَالُوا إِن الله تَعَالَى لم يعلم من يكفر وَمن يُؤمن وأقروا أَنه لَو علم من يَمُوت كَافِرًا لَكَانَ خلقه لَهُ جوراً وظلماً قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَؤُلَاء أَيْضا مَعَ عَظِيم مَا أَتَوا بِهِ من الْكفْر فِي تجهيل رَبهم تَعَالَى فَلم يتخلصوا مِمَّا ألزمهم أَصْحَابنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْحِكْمَة خلق من لَا يدْرِي أيموت كَافِر أفيعذبه أم لَا وَهَذَا هُوَ التَّغْرِير بِمن خلق وتعريضهم للهلكة على جَهله وَهَذَا لَيْسَ من الْحِكْمَة وَلَا من الْعدْل فِيمَا بَيْننَا لمن يُمكنهُ أَن لَا يغرر وَقد كَانَ الْبَارِي تَعَالَى قَادِرًا على أَن لَا يخلق كَمَا قد كَانَ لم يزل لَا يخلق ثمَّ خلق إِلَّا أَن يلجأ إِلَى أَنه تَعَالَى لَا يقدر على أَن لَا يخلق فيجعلوه مُضْطَرّا ذَا طبيعة غالبة وَهَذَا كفر مُجَرّد مَحْض ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِذا قَرَأت الْمُعْتَزلَة أَن أَطْفَال بني آدم كلهم أَوْلَاد الْمُشْركين وَأَوْلَاد الْمُسلمين فِي الْجنَّة دون عَذَاب وَلَا تَقْرِير تَكْلِيف فقد نسوا قَوْلهم الْفَاسِد أَن الْعقل أفضل من عَدمه بل مَا نرى السَّلامَة على قَوْلهم وضمانها والحصول على النَّعيم الدَّائِم فِي الْآخِرَة بِلَا تَقْرِير إِلَّا فِي عدم الْعقل فَكيف فارقوا هَذَا الِاسْتِدْلَال وَأما نَحن فَنَقُول

стр. 372

إِن من أسعده الله تَعَالَى من الْمَلَائِكَة فَلم يعرضهم لشئ من الْفِتَن أَعلَى حَالا من كل خلق غَيرهم ثمَّ بعدهمْ الَّذين عصم الله تَعَالَى من النَّبِيين عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وأمنهم من الْمعاصِي ثمَّ من سبقت لَهُم من الله تَعَالَى الْحسنى من مؤمني الْجِنّ وَالْإِنْس الَّذين لَا يدْخلُونَ النَّار والحور الْعين اللَّاتِي خُلِقْنَ لأهل الْجنَّة على أَن لهَؤُلَاء الْمَذْكُورين حاشا الْحور الْعين حَالَة من الْخَوْف طول بقائهم فِي الدُّنْيَا يَوْم الْحَشْر فِي هول المطلع وشنعة ذَلِك الْموقف الَّذِي لَا يقي بِهِ شئ إِلَّا السَّلامَة مِنْهُ وَلَا يهنأ مَعَه عَيْش حَتَّى يخلص مِنْهُ وَقد تمنى كثير من الصَّالِحين الْعُقَلَاء الْفُضَلَاء أَن لَو كَانُوا نسياً منسياً فِي الدُّنْيَا وَلَا يعرضُوا لما عرضوا لَهُ على أَنهم قد آمنُوا بِالضَّمَانِ التَّام الَّذِي لَا ينجس وَلَقَد أَصَابُوا فِي ذَلِك إِذْ السَّلامَة لَا يعد لَهَا شئ الا عِنْد الْمُعْتَزلَة الْقَائِلين بِأَن الثَّوَاب وَالنَّعِيم بعد الضَّرْب بالسياط والضغط بأنواع الْعَذَاب والتعريض لكل بلية أطيب وألذ وَأفضل من النَّعيم السَّالِم من أَن يتقدمه بلَاء ثمَّ الْأَطْفَال الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة دون تَكْلِيف وَلَا عَذَاب وَمن بلغ وَلَا تَمْيِيز لَهُ ثمَّ منزلَة من دخل النَّار ثمَّ أخرج مِنْهَا بعد أَن دخل فِيهَا على مَا فيهامن الْبلَاء نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَأما من يخلد فِي النَّار فَكل ذِي حس سليم توقن نَفسه يَقِين ضَرُورَة أَن الْكَلْب والدود والقرد وَجَمِيع الحشرات أحسن حَالا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مِنْهُ وَأَعْلَى مرتبَة وَأتم سَعْدا وَأفضل صفة وَأكْرم عناية من عِنْد البارى تَعَالَى وَيَكْفِي من هَذَا أَخْبَار الله تَعَالَى إِذْ يَقُول ﴿وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَني كنت تُرَابا﴾ فنص تَعَالَى على أَن حَال الجمادية أحسن مِنْهُ حَالَة فاعجبوا للمعتزلة الْقَائِلين أَن الله تَعَالَى أعْطى من يتَمَنَّى يَوْم الْقِيَامَة أَن يكون تُرَابا أفضل عَطِيَّة عِنْده وَلم يتْرك فِي قدرته أصلح مِمَّا عمل بِهِ وَأَن خلقه لَهُ كَانَ خيرا لَهُ من أَن لَا يخلقه وَنحن نَعُوذ بِاللَّه لأنفسنا من أَن يعْمل بِنَا مَا عمل بهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن عجائبهم قَوْلهم أَن الله تَعَالَى لم يخلق شَيْئا لَا يعْتَبر بِهِ أحد من الْمُكَلّفين قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَنَقُول لَهُم مَا دليلكم على هَذَا وَقد علمنَا بضرورة الْحس أَن لله تَعَالَى فِي قعور الْبحار وأعماق الأَرْض أَشْيَاء كَثِيرَة لم يرهَا إِنْسَان قطّ فَلم يبْق إِلَّا أَن يَدْعُو عوض الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ فِي عمق الْجبَال وقعور البحور فَهَذِهِ دَعْوَى مفتقرة إِلَى دَلِيل وَإِلَّا فَهِيَ بَاطِلَة قَالَ ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَأَيْضًا فمما تبطل بِهِ دَعْوَى هَؤُلَاءِ الْقَائِلين بِغَيْر علم على الله أَن الله تَعَالَى إِذا خلق زيدا لَهُ من الطول كَذَا وَكَذَا فَإِنَّهُ لَو خلقه على أقل من ذَلِك الطول بإصبع لَكَانَ الِاعْتِبَار بخلقه سَوَاء كَمَا هُوَ الْآن وَلَا مزِيد وَهَكَذَا كل مِقْدَار من الْمَقَادِير فَإِن ادعوا أَن الزِّيَادَة فِي الْعدَد زِيَادَة فِي الْعبْرَة لَزِمَهُم أَن يلزموا رَبهم تَعَالَى أَن يزِيد فِي مِقْدَار طول كل مَا خلق لِأَنَّهُ كَانَ زِيَادَة فِي الِاعْتِبَار وَإِلَّا فقد قصر وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ سهم لَا يُحْصِيه إِلَّا الَّذِي خلقهمْ نَعُوذ بِاللَّه مِمَّا ابْتَلَاهُم بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وهم مقرون أَن الْعُقُول معطاة من عِنْد الله فنسألهم أفاضل بَين عباده فِيمَا أَعْطَاهُم من الْعُقُول أم لَا فَإِن قَالُوا الأكابر والحس ولزمهم مَعَ ذَلِك أَن عقل النَّبِي ﷺ وتميزه وعقل عِيسَى وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَأَيوب وَسَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وتميزهم وعقل مَرْيَم بنت عمرَان وتمييزها بل تَمْيِيز جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَسَائِر الْمَلَائِكَة ثمَّ تَمْيِيز أبي بكر الصّديق وَعمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وعقولهم وتمييز أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَبَنَات النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 373

ورضوان الله على جَمِيع من ذكرنَا وعقولهن ثمَّ تميز سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس وعقولهم لَيْسَ شئ من ذَلِك أفضل من الْعقل والتمييز المعطيين لهَذَا المخنث اللغاء الرقان ولهذه الزَّانِيَة الخليقة المتبرجة السحاقة وَلِهَذَا الشَّيْخ الَّذِي يلْعَب مَعَ الصّبيان بالكعاب فِي الخابات ويعجفهم إِذا قدر وَمن بلغ هَذَا الْمبلغ وساوى بَين من أعْطى الله كل من ذكرنَا من الْعقل والتمييز فقد كفى خَصمه مُؤْنَته وَإِن قَالُوا بل الله تَعَالَى فَاضل بَين عباده فِيمَا أَعْطَاهُم من الْعقل والتمييز قيل لَهُم صَدقْتُمْ وَهَذَا هُوَ المحباة والجور على أصولكم وَلَا مُحَابَاة على الْحَقِيقَة أَكثر من هَذَا وَهِي عندنَا حق وَعدل مِنْهُ تَعَالَى لَا يسْأَل عَمَّا يفعل ولعمري أَن فيهم لعجبا إِذْ يَقُولُونَ أَن الله تَعَالَى لم يُعْط أحدا من خلقه إِلَّا مَا أعْطى سَائِرهمْ فَهَلا إِن كَانُوا صَادِقين سَاوَى جَمِيعهم إِبْرَاهِيم النظام وَأَبا لهذيل العلاف وَبشر بن الْمُعْتَمِر والجبائي فِي دقة نظرهم وقوتهم على الْجِدَال إِذْ كلهم فِيمَا منحهم الله من ذَلِك سَوَاء فَإذْ لَا شكّ فِي عجزهم عَن بُلُوغ ذَلِك فَلَا شكّ فِي أَن كل أحد لَا يقدر أَن يزِيد فِيمَا منحه الله تَعَالَى بِهِ وَلَيْسَ يُمكنهُم أصلا أَن يدعواها هُنَا أَنهم كلهم قادرن على ذكاء الدّهن وحدة النّظر وَقُوَّة الفطنة وجودة الْحِفْظ والبتة لدقيق الْحجَّة وَإِن لم يظْهر وكما ادعوا ذَلِك فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة فَصحت الْمُحَابَاة من الله تَعَالَى يَقِينا عيَانًا لَا محيد عَنهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قروا أَن الْعُقُول والذكاء وَقبُول الْعلم ذكاء الخاطر ودقة الْفَهم غير موهوبة من الله تَعَالَى قُلْنَا لَهُم فَمن خلقهَا فَإِن قَالُوا هِيَ فعل الطبيعة قُلْنَا لَهُم وَمن خلق الطبيعة الَّتِي فعلت الْعُقُول وكل ذَلِك بذلتها متفاضلة فَمن قَوْلهم أَن الله تَعَالَى خلقهَا فَيُقَال لَهُم فَهُوَ مُوجب الْمُحَابَاة إِذْ رتب الطبيعة رُتْبَة الْمُحَابَاة وَلَا بُد وَإِن قَالُوا لم تخلق الطبيعة وَلَا الْعُقُول لَحِقُوا بالدهرية وصاروا إِلَى مَا لم يرد لَهُم الْمصير إِلَيْهِ وَهَذَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وبالضرورة نَدْرِي أَن من كَانَ تميزه أتم كَانَ اهتداؤه واعتصامه أتم على أصولهم وَهَذَا هُوَ الْمُحَابَاة الَّتِي أنكروها وسموها ظلما وجوراً قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمهما أمكنهم من الدفاع والقحة فِي شَيْء فَإِنَّهُ لَا يُمكنهُم اعْتِرَاض أصلا فِي أَن فضل الله تَعَالَى على الْمَسِيح ابْن مَرْيَم ﵊ وعَلى يحيى بن زَكَرِيَّا إِذْ جعل عِيسَى نَبيا ناطقاً عَاقِلا فِي المهد رَسُولا حِين سُقُوطه من بطن أمه وَإِذ أَتَى يحيالحكم صَبيا أتم وأعلا وَأكْثر من فَضله على من ولد فِي أقاصي بِلَاد الْخَزّ والزنج حَيْثُ لم يستمع قطّ ذكر مُحَمَّد ﷺ إِلَّا مُتبعا أقبح الذّكر من التَّكْذِيب وانه كَانَ متخيلاً وَأكْثر من فَضله بِلَا شكّ على فِرْعَوْن إِذْ دَعَا مُوسَى ﵊ فَقَالَ ﴿رَبنَا إِنَّك آتيت فِرْعَوْن وملأه زِينَة وأموالاً فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا رَبنَا ليضلوا عَن سَبِيلك رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم وَاشْدُدْ على قُلُوبهم فَلَا يُؤمنُوا حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم قَالَ قد أجيبت دعوتكما﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِن من ضل بعد هَذَا لضال وَإِن من قَالَ أَن فضل الله وعطاءه لمُوسَى وَعِيسَى وَيحيى وَمُحَمّد ﷺ وعصمته لَهُم كفضله وعطائه على فِرْعَوْن وملئه وعصمته لَهُم الَّذين نَص على أَنه شدّ على قُلُوبهم شداً مَنعهم الْإِيمَان حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم فَلَا يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم حِينَئِذٍ لضعيف الْعقل قَلِيل الْعلم مهلهل الْيَقِين وَلَا أبين من هَذِه الْآيَة فِي تَفْضِيل الله بعض خلقه على بعض خلقه واختصاص بَعضهم بِالْهدى وَالرَّحْمَة دون بعض ومحاباته من شَاءَ مِنْهُم واضلالهم من ضل مِنْهُم وَأَيْضًا فَإِنَّهُم لَا

стр. 374

يَسْتَطِيعُونَ ان الله فضل بني آدم على كثير مِمَّن خلق قَالَ تَعَالَى ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض مِنْهُم من كلم الله وَرفع بَعضهم دَرَجَات﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد فضلنَا بعض النَّبِيين على بعض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد كرمنا بني آدم وحملناهم فِي الْبر وَالْبَحْر ورزقناهم من الطَّيِّبَات وفضلناهم على كثير مِمَّن خلقنَا تَفْضِيلًا﴾ وَهُوَ الْمُحَابَاة بِعَينهَا الَّتِي هِيَ عِنْد الْمُعْتَزلَة جور وظلم فَيُقَال لَهُم على أصلكم الْفَاسِد هلا رزق الله الْعقل سَائِر الْحَيَوَان فيعرضهم بذلك للمراتب السّنيَّة الَّتِي عرض لَهَا بني آدم وهلا سَاوَى بَين الْحَيَوَان وبيننا فِي أَن لَا يعرضنا كلنا للمهالك والفتن فَهَل هَذَا إِلَّا مُحَابَاة مُجَرّدَة وَفعل لما يَشَاء لَا معقب لحكمه لَا يسْأَل عَمَّا يفعل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد ذكر بَعضهم أَن الله تَعَالَى قبح فِي عقول بني آدم أكل مَا يعطيهم وَأكل أَمْوَال غَيرهم وَلم يقبح ذَلِك فِي عقول الْحَيَوَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَأقر هَذَا الْجَاهِل لِأَن الله تَعَالَى هُوَ المقبح والمحسن فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَلَا قَبِيح إِلَّا مَا قبح الله وَلَا محسن إِلَّا مَا حسن وَهَذَا قَوْلنَا وَلم يقبح الله تَعَالَى قطّ خلقه لما خلق وَإِنَّمَا قبح منا كَون ذَلِك الَّذِي خلق من الْمعاصِي فِينَا فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَإِن الْأَمر لَا بَين من ذَلِك ألم تروا أَن الله خلق الْحَيَوَان فَجعل بعضه أفضل من بعض بِلَا عمل أصلا ففضل نَاقَة صَالح ﵇ على سَائِر النوق نعم وعَلى نُوق الْأَنْبِيَاء الَّذين هم أفضل من صَالح وَإِنَّمَا أَتَيْنَا بِهَذَا لِئَلَّا يَقُولُوا أَنه تَعَالَى إِنَّمَا فَضلهَا تَفْضِيلًا لصالح ﵇ وَجعل تَعَالَى الْكَلْب مَضْرُوبا بِهِ الْمثل فِي الخساسة والرزالة وَجعل القردة والخنازير معذبا بعض من عَصَاهُ بتصويره فِي صورتهَا فلولا أَن صورتهَا عَذَاب ونكال مَا جعل الْقلب فِي صورتهَا أَشد مَا يكون من عَذَاب الدُّنْيَا ونكالها وَجعل بعض الْحَيَوَان متقرباً إِلَى الله بذَبْحه وَبَعضه محرما ذبحه وَبَعضه مَأْوَاه الرياض وَالْأَشْجَار وَالْخضر وَبَعضه مَأْوَاه الحشوش والرداع والدبر وَبَعضه قَوِيا وَبَعضه ضَعِيفا مُنْتَفعا بِهِ فِي الأودية وَبَعضه سما قَاتلا وَبَعضه قَوِيا على الْخَلَاص مِمَّن أَرَادَ بطير انه وعدوه أَو قوته وَبَعضه مهينا لَا مخلص عِنْده وَبَعضه خيلاً فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر يُجَاهد عَلَيْهَا الْعَدو وَبَعضه سباعاً ضارية مسلطة فِي سَائِر الْحَيَوَان ذاعرة لَهَا قاتلة لَهَا آكِلَة لَهَا وَجعل سَائِر الْحَيَوَان لَا ينقصر مِنْهَا وَبَعضهَا حَيَاة عَادِية مهلكة وَبَعضه مَأْكُولا على كل حَال فَأَي ذَنْب كَانَ لبعضه حَتَّى سلط عَلَيْهِ غَيره فَأَكله وَقَتله وأبيح ذبحه وَقَتله وَإِن لم يُؤْكَل كالقمل والبراغيث والبق والوزغ وَسَائِر الْهَوَام وَنهى عَن قتل النَّحْل وَعَن قتل الصَّيْد فِي الْحَرَمَيْنِ والأحرام وأباحه فِي غير الْحَرَمَيْنِ والأحرام فَإِن قَالُوا إِن الله تَعَالَى يعوض مَا أَبَاحَ ذبحه وَقَتله مِنْهَا قيل لَهُ فَهَلا أَبَاحَ ذَلِك فِيمَا حرم قَتله ليعوضه أَيْضا وَهَذِه مُحَابَاة لَا شكّ فِيهَا مَعَ أَنه فِي الْمَعْهُود من الْمَعْقُول عين الْعَبَث إِلَّا أَن يَقُولُوا أَنه تَعَالَى لَا يقدر على نعيمها إِلَّا بِتَقْدِيم الْأَذَى فَإِنَّهُم لَا ينفكون بِهَذَا من الْمُحَابَاة لَهَا على من لم يبح ذَلِك فِيهَا من سَائِر الْحَيَوَان مَعَ أَنه تعجيز لله وَيُقَال لَهُم مالذي عَجزه عَن ذَلِك وأقدره على تنعيم من تقدم لَهُ الْأَذَى فِي الدُّنْيَا أطبيعة فِيهِ جَارِيَة على بنيتها أم فَوْقه وَأهب لَهُ تِلْكَ الْقُدْرَة وَلَا بُد من أحد هذَيْن الْقَوْلَيْنِ كِلَاهُمَا كفر مُجَرّد وَأَيْضًا فَإِن قَوْلهم يبطل بتنعيم الله الْأَطْفَال الَّذين ولدُوا أَحيَاء وماتوا من وقتهم دون ألم سلف لَهُم وَلَا تَعْذِيب فَهَلا فعل بِجَمِيعِ الْحَيَوَان كَذَلِك على أصولكم

стр. 375

وَأَيْضًا فقد كَانَ قَادِرًا على ان يَجْعَل غذاءنا فِي غير الْحَيَوَان لَكِن فِي النَّبَات وَالثِّمَار كعيش كثير من النَّاس فِي الدُّنْيَا لَا يَأْكُلُون لَحْمًا فَمَا ضرهم ذَلِك فِي عيشهم شَيْئا فَهَل هَاهُنَا إِلَّا ان الله تَعَالَى لَا يجوز الحكم على أَفعاله بِمَا يحكم بِهِ على أفعالنا لأننا مأمورون منهيون وَهُوَ تَعَالَى آمرنا لَا مَأْمُور وَلَا مَنْهِيّ فَكل مَا فعل فَهُوَ عدل وَحِكْمَة وَحقّ وكل مَا فَعَلْنَاهُ فَإِنَّهُ وَافق أمره كَانَ عدلا وَحقا وَإِن خَالف أمره كَانَ جوراً وظلماً قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما الْحَيَوَان فَإِن قَوْلنَا فِيهِ هُوَ نَص مَا قَالَه الله وَرَسُوله ﷺ إِذْ يَقُول ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء ثمَّ إِلَى رَبهم يحشرون﴾ وَقَالَ ﴿وَإِذا الوحوش حشرت﴾ فَنحْن موقنون أَن الوحوش كلهَا وَجَمِيع الدَّوَابّ وَالطير تحْشر كلهَا يَوْم الْقِيَامَة كَمَا شَاءَ الله تَعَالَى وَلما شَاءَ وَأما نَحن فَلَا نَدْرِي لماذا وَالله أعلم بِكُل شَيْء وَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَنه يقْتَصّ يَوْمئِذٍ للشاه الْجَمَّاء من الشَّاة القرناء فَنحْن نقر بِهَذَا وَبِأَنَّهُ يقْتَصّ يَوْمئِذٍ للشاة الْجَمَّاء من الشَّاة القرناء وَلَا نَدْرِي مَا يفعل الله بهما بعد ذَلِك إِلَّا أَنا نَدْرِي يَقِينا أَنَّهَا لَا تعذب بالنَّار لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ وبيقين نَدْرِي أَن هَذِه الصّفة لَيست إِلَّا فِي الْجِنّ وَالْإِنْس خَاصَّة وَلَا علم لنا إِلَّا مَا علمنَا الله تَعَالَى وَقد أيقنا ان سَائِر الْحَيَوَان الَّذِي فِي هَذَا الْعَالم مَا عدا الْمَلَائِكَة والحور وَالْإِنْس وَالْجِنّ فَإِنَّهُ غير متعبد بِشَرِيعَتِهِ وَأما الْجنَّة فَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مسلمة وَالْحَيَوَان حاشى من ذكرنَا لَا يَقع عَلَيْهِم اسْم مُسلمين لِأَن الْمُسلم هُوَ المتعبد بِالْإِسْلَامِ وَالْحَيَوَان الْمَذْكُور غير متعبد بشرع فَإِن قَالَ قَائِل أَنكُمْ تَقولُونَ أَن أَطْفَال الْمُسلمين وَأَطْفَال الْمُشْركين كلهم فِي الْجنَّة فَهَل يَقع على هَؤُلَاءِ اسْم مُسلمين فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن نقُول نعم كلهم مُسلمُونَ بلاشك لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ وَلقَوْل رَسُول الله ﷺ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَرُوِيَ على الْملَّة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ أَو يُمَجِّسَانِهِ أَو يشركانه وَلقَوْله ﷺ عَن الله إِنِّي خلقت عبَادي حنفَاء كلهم فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِين عَن دينهم فصح لَهُم كلهم اسْم الْإِسْلَام وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقد نَص ﵇ على أَنه رأى كل من مَاتَ طفْلا من أَوْلَاد الْمُشْركين وَغَيرهم فِي رَوْضَة مَعَ إِبْرَاهِيم خَلِيل الله ﷺ وَأما المجانين وَمن مَاتَ فِي الفترة وَلم تبلغه دَعْوَة نَبِي وَمن إدركه الاسلام وَقد هرم أَو أَصمّ لَا يسمع فقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه تبْعَث لَهُم يَوْم الْقِيَامَة نَار موقدة ويؤمرون بِدُخُولِهَا فَمن دَخلهَا كَانَت عَلَيْهِ برد أَو دخل الْجنَّة أَو كلا مَا هَذَا مَعْنَاهُ فَنحْن نؤمن بِهَذَا ونقر بِهِ وَلَا علم لنا إِلَّا مَا علمنَا الله تَعَالَى على لِسَان رَسُوله ﷺ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِذ بلغ الْكَلَام هَا هُنَا فلنصله إِن شَاءَ الله تَعَالَى راغبين فِي الْأجر من الله على بَيَان الْحق فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أَن الله تَعَالَى قد نَص كَمَا ذكرنَا أَنه آخذ من بني آدم من ظُهُورهمْ ذرياتهم وَهَذَا نَص جلي على أَنه خلق أَنْفُسنَا كلهَا من عهد آدم ﵇ لِأَن الأجساد حِينَئِذٍ بِلَا شكّ كَانَت تُرَابا وَمَاء وَأَيْضًا فَإِن الْمُكَلف الْمُخَاطب إِنَّمَا هُوَ النَّفس لَا الْجَسَد فصح يَقِينا أَن نفوس كل من يكون من بني آدم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَانَت مَوْجُودَة مخلوقة حِين خلق آدم بِلَا شكّ وَلم

стр. 376

يقل الله أَنه أفنانا بعد ذَلِك وَنَصّ تَعَالَى على أَنه خلق الأَرْض وَالْمَاء حِينَئِذٍ بقوله تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ وَأخْبر إِنَّه خلقنَا من طين والطين هُوَ التُّرَاب وَإِنَّمَا خلق تَعَالَى من ذَلِك أجسامنا فصح أَن عنصر أجسامنا مَخْلُوق مُنْذُ أول خلقه تَعَالَى السَّمَوَات وَأَن أَرْوَاحنَا وَهِي أَنْفُسنَا مخلوقة مُنْذُ أَخذ الله تَعَالَى عَلَيْهَا الْعَهْد وَهَكَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم ثمَّ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم﴾ وَثمّ توجب فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن التعقيب بمهلة ثمَّ يصور الله تَعَالَى من الطين أجسامنا من اللَّحْم وَالدَّم وَالْعِظَام بِأَن يحِيل أَعْرَاض التُّرَاب وَالْمَاء وصفاتهما فَتَصِير نباتاً وحباً وثماراً يتغذى بهَا فتستحيل فِينَا لَحْمًا وعظماً ودماً وعصباً وجلداً وغضاريف وشعراً ودماغاً ونخاعاً وعروقاً وعضلاً وشحماً ومنياً ولبناً فَقَط وَكَذَلِكَ تعود أجسامنا بعد الْمَوْت تُرَابا وَلَا بُد وتصعد رطوباتها المائية وَأما جمع الله تَعَالَى الْأَنْفس إِلَى الأجساد فَهِيَ الْحَيَاة الأولى بعد افتراقها الَّذِي هُوَ الْمَوْت الأول فَتبقى كَذَلِك فِي عَالم الدُّنْيَا الَّذِي هُوَ عَالم الِابْتِلَاء مَا شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ ينقلنا بِالْمَوْتِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ فِرَاق الْأَنْفس للأجساد ثَانِيَة إِلَى البرزخ الَّذِي تقيم فِيهِ الْأَنْفس إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وتعود أجسامنا تُرَابا كَمَا قُلْنَا ثمَّ يجمع الله يَوْم الْقِيَامَة بَين أنفسناوأجسادنا الَّتِي كَانَت بعد أَن يُعِيدهَا وينشرها من الْقُبُور وَهِي الْمَوَاضِع الَّتِي اسْتَقَرَّتْ أجزاؤها فِيهَا لَا يعلمهَا غَيره وَلَا يحصيها سواهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَهَذِهِ الْحَيَاة الثَّانِيَة الَّتِي لَا تبيد أبدا ويخلد الْإِنْس وَالْجِنّ مؤمنهم فِي الْجنَّة بِلَا نِهَايَة وكافرهم فِي النَّار بِلَا نِهَايَة وَأما الْمَلَائِكَة وحور الْعين فكلهم فِي الْجنَّة خلقُوا من النُّور وفيهَا يبقون أبدا بِلَا نِهَايَة وَلم ينقلوا عَنْهَا قطولا ينقلون هَذَا كُله نَص قَول الله إِذْ يَقُول ﴿كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ وَإِذ يَقُول الله تَعَالَى مُصدقا لِلْقَائِلين ﴿رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحييتنا اثْنَتَيْنِ﴾ فَلَا يشذ عَن هَذَا أحد إِلَّا من أبانه الله تَعَالَى بمعجزة ظَهرت فِيهِ كمن أَحْيَاهُ الله آيَة لنَبِيّ كالمسيح ﵇ وكالذين خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف حذر الْمَوْت فَقَالَ لَهُم الله موتوا ثمَّ أحياهم فَهَؤُلَاءِ وَالَّذِي أَمَاتَهُ الله مائَة عَام ثمَّ أَحْيَاهُ كلهم مَاتُوا ثَلَاث موتات وحيوا ثَلَاث مَرَّات وَأما من ظن أَن الصعقة الَّتِي تكون يَوْم الْقِيَامَة موت فقد أَخطَأ بعض الْقُرْآن الَّذِي ذكرنَا لِأَنَّهَا كَانَت تكون حِينَئِذٍ لكل أحد ثَلَاث موتات وَثَلَاث إحياآت وَهَذَا كذب وباطل وَخلاف لِلْقُرْآنِ وَقد بَين هَذَا نصا فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَوْم ينْفخ فِي الصُّور فَفَزعَ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله﴾ فَبين تَعَالَى أَن تِلْكَ الصعقة إِنَّمَا هِيَ فزع لَا موت وَبَين ذَلِك بقوله تَعَالَى فِي سُورَة الزمر ﴿وَنفخ فِي الصُّور فَصعِقَ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله ثمَّ نفخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذا هم قيام ينظرُونَ وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا وَوضع الْكتاب وَجِيء بالنبيين وَالشُّهَدَاء﴾ الْآيَة فَبين تَعَالَى أَن تِلْكَ الصعقة مُسْتَثْنى مِنْهَا من شَاءَ الله وَفسّر بهَا الْآيَة الَّتِي ذكرنَا قبل وبينت أَنَّهَا فزعة لَا موتَة وَكَذَلِكَ فَسرهَا النَّبِي ﵊ بِأَنَّهُ أول من يقوم فَيرى مُوسَى ﵇ قَائِما فَلَا يدْرِي أَكَانَ مِمَّن صعق فأفاق أم جوزي بصعقة الطّور فسماها إفاقة وَلَو كَانَت موتَة مَا سَمَّاهَا إفاقة بل إحْيَاء فَكَذَلِك كَانَت صعقة مُوسَى ﵊ يَوْم الطّور فزعة لَا موتا قَالَ تَعَالَى ﴿وخر مُوسَى صعقاً فَلَمَّا أَفَاق قَالَ سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك﴾

стр. 377

هَذَا مَا لَا خلاف فِيهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فصح بِمَا ذكرنَا أَن الدّور سبع وَهِي عالمون كل عَالم مِنْهَا قَائِم بِذَاتِهِ فأولها دَار الِابْتِدَاء وعالمه وَهُوَ الَّذِي خلق فِيهِ الْأَنْفس جملَة وَاحِدَة وَأخذ عَلَيْهَا الْعَهْد هَكَذَا نَص تَعَالَى على أَنَّهَا الْأَنْفس بقوله ﴿وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم﴾ وَهِي دَار وَاحِدَة لأَنهم كلهم فِيهَا مُسلمُونَ وَهِي دَار طَوِيلَة على آخر النُّفُوس جدا إِلَّا على أول المخلوقين فَهِيَ قَصِيرَة عَلَيْهِم جدا وَثَانِيها وَهِي دَار الِابْتِلَاء وعالمه وَهِي الَّتِي نَحن فِيهَا وَهِي الَّتِي يُرْسل الله تَعَالَى النُّفُوس إِلَيْهَا من عَالم الِابْتِدَاء فتقيم فِيهِ فِي أجسادها متعبدة مَا أَقَامَت حَتَّى تُفَارِقهُ جيلاً بعد جيل حَتَّى تستوفي جَمِيع الْأَنْفس المخلوقة بسكناها الْمُوفق لَهَا فِيهِ ثمَّ ينقضى هَذَا الْعلم وَهِي دَار قَصِيرَة جدا على كل نفس فِي ذَاتهَا لِأَن مُدَّة عمر الْإِنْسَان فِيهَا قَلِيل وَلَو عمر ألف عَام فَكيف بأعمار جُمْهُور النَّاس الَّتِي هِيَ من سَاعَة إِلَى حُدُود الْمِائَة عَام ثمَّ داران اثْنَتَانِ للبرزخ وهما اللَّتَان ترجع إِلَيْهِمَا النُّفُوس عِنْد خُرُوجهَا من هَذَا الْعَالم وفراقها أجسادها وهما عِنْد سَمَاء الدُّنْيَا نَص على ذَلِك رَسُول الله ﷺ وَذكر أَنه رأى لَيْلَة أسر بِهِ ﵊ آدم فِي سَمَّاهُ الدُّنْيَا وَعَن يَمِينه أسوده وَعَن يسَاره أسوده فَسَأَلَ عَنْهَا فَأخْبر أَنَّهَا نسم بنيه وَأَن الَّذين عَن يَمِينه أَرْوَاح أهل السَّعَادَة وَالَّذين عَن يسَاره أَرْوَاح أهل الشَّقَاء وَقد نَص الله تَعَالَى على هَذَا أَيْضا فَقَالَ تَعَالَى ﴿وكنتم أَزْوَاجًا ثَلَاثَة فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشأمة مَا أَصْحَاب المشأمة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون فِي جنَّات النَّعيم ثلة من الْأَوَّلين وَقَلِيل من الآخرين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين فَنزل من حميم وتصلية جحيم إِن هَذَا لَهو حق الْيَقِين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ كَانَ من الَّذين آمنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ وَتَوَاصَوْا بالمرحمة أُولَئِكَ أَصْحَاب الميمنة وَالَّذين كفرُوا بِآيَاتِنَا هم أَصْحَاب المشأمة عَلَيْهِم نَار مؤصدة﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَكَذَا نَص رَسُول الله ﷺ على أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي الْجنَّة وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاء بِلَا شكّ فَمن الْبَاطِل أَن يفوز الشُّهَدَاء بِفضل يحرمه الْأَنْبِيَاء وهم المقربون الَّذين ذكر الله تَعَالَى أَنهم فِي الْجنَّة إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم﴾ فهاتان داران قائمان لم يدْخل أهلهما بعد لَا جنَّة وَلَا نَارا بِنَصّ الْقُرْآن وَالسّنة وَقَالَ تَعَالَى ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدواً وعشياً وَيَوْم تقوم السَّاعَة ادخُلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ وَقَالَ تَعَالَى حاكياً عَن الْكفَّار أَنهم يَقُولُونَ يَوْم الْبَعْث ﴿يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا﴾ فصح أَنهم لم يعذبوا فِي النَّار بعد وَهَكَذَا جَاءَت الْأَخْبَار كلهَا بِأَن الْجَمِيع يَوْم الْقِيَامَة يصيرون إِلَى الْجنَّة وَإِلَى النَّار لَا قبل ذَلِك حاشى الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء فَقَط وَلَا يُنكر خُرُوجهمْ من الْجنَّة لحضور الْحساب فقد دخل رَسُول الله ﷺ الْجنَّة ثمَّ خرج عَنْهَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى عِنْدهَا جنَّة المأوى﴾ وهما داران طويلتان على أول النُّفُوس جدا حاشى آخر المخلوقين فَهِيَ قَصِيرَة عَلَيْهِم جدا وَإِنَّمَا استقصرها الْكفَّار كَمَا قَالَ فِي الْقُرْآن لأَنهم انتقلوا عَنْهَا إِلَى عَذَاب النَّار نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا فاستقلوا تِلْكَ الْمدَّة وَإِن كَانَت طَوِيلَة حَتَّى ظَنّهَا بَعضهم لشدَّة مَا صَارُوا إِلَيْهِ يَوْمًا أَو بعض

стр. 378

يَوْم وَقَالَ بَعضهم إِن لبثتم إِلَّا عشرا ثمَّ الدَّار الْخَامِسَة هِيَ عَالم الْبَعْث وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ عَالم الْحساب ومقداره خَمْسُونَ ألف سنة قَالَ تَعَالَى ﴿فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة فاصبر صبرا جميلاً أَنهم يرونه بَعيدا ونراه قَرِيبا يَوْم تكون السَّمَاء كَالْمهْلِ وَتَكون الْجبَال كالعهن وَلَا يسْأَل حميم حميماً يبصرونهم يود المجرم لَو يفتدي من عَذَاب يَوْمئِذٍ ببنيه﴾ فصح أَنه يَوْم الْقِيَامَة وَبِهَذَا أَيْضا جَاءَت الْأَخْبَار الثَّابِتَة عَن رَسُول الله ﷺ وَأما الْأَيَّام الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى فِيهَا أَن الْيَوْم مِنْهَا ألف سنة فَهِيَ آخر قَالَ تَعَالَى ﴿يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره ألف سنة مِمَّا تَعدونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن يَوْمًا عِنْد رَبك كألف سنة مِمَّا تَعدونَ﴾ فَهِيَ أَيَّام أخر بِنَصّ الْقُرْآن وَلَا يحل إِحَالَة نَص عَن ظَاهره بِغَيْر نَص آخر أَو إِجْمَاع بِيَقِين أَو ضَرُورَة حس ثمَّ الدَّار السَّادِسَة وَالسَّابِعَة داران للجزاء وهما الْجنَّة وَالنَّار وهما داران لَا آخر لَهما وَلَا فنَاء لَهما وَلَا لمن فيهمَا نَعُوذ بِاللَّه من سخطه الْمُوجب للنار ونسأله الرضى مِنْهُ الْمُوجب للجنة وَمَا تَوْفِيقًا إِلَّا بِاللَّه الرَّحِيم الْكَرِيم وَأما من قَالَ أَن قَوْله تَعَالَى فِي يَوْم الْقِيَامَة إِنَّمَا هُوَ مِقْدَار خمسين ألف سنة لَو تولى ذَلِك الْحساب غَيره فَهُوَ مكذب لرَبه تَعَالَى مُخَالف لِلْقُرْآنِ وَلقَوْل رَسُول الله ﷺ فِي طول ذَلِك الْيَوْم وبضرورة الْعقل نَدْرِي أَنه لَو كلف جَمِيع أهل الأَرْض محاسبة أهل حصروا وَاحِد فِيمَا أضمروه وفعلوه وموازنة كل ذَلِك مَا قَامُوا بِهِ فِي ألف ألف عَام فَبَطل هَذَا القَوْل الْكَاذِب بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِذ قد بَينا بطلَان قَول الْمُعْتَزلَة فِي تحكمهم على رَبهم وإيجابهم عَلَيْهِ مَا أوجبوا بآرائهم السخيفة وتشبيههم إِيَّاه بِأَنْفسِهِم فِيمَا يحسن مِنْهُم ويقبح وتجويزهم إِيَّاه فِيمَا فعل وَقضى وَقدر فلنبين بحول الله وقوته أَنهم المجورون لَهُ على الْحَقِيقَة لَا نَحن ثمَّ نذْكر مَا نَص الله تَعَالَى عَلَيْهِ مُصدقا لقولنا ومكذباً لقَولهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَنَقُول وَبِاللَّهِ نتأيد أَن من الْمحَال الْبَين أَن يَقُول الْمُعْتَزلَة أننا نجور الله تَعَالَى وَنحن نقُول أَنه لَا يجور الْبَتَّةَ وَلَا جَار قطّ وَإِن كل مَا فعل أَو يفعل أَي شئ كَانَ فَهُوَ الْعدْل وَالْحق وَالْحكمَة على الْحَقِيقَة لَا شكّ فِي ذَلِك وَأَنه لَا جور إِلَّا مَا سَمَّاهُ الله جوراً وَهُوَ مَا ظهر فِي عصاة عباده من الْجِنّ وَالْإِنْس مِمَّا خَالف أمره تَعَالَى وَهُوَ خالقه فيهم كَمَا شَاءَ فَكيف يكون مجور إِلَيْهِ من هَذِه هِيَ مقَالَته وَإِنَّمَا المجور لرَبه تَعَالَى من يَقُول فِيمَا أخبر الله أَنه خلقه هَذَا جور وظلم فَإِن قَابل هَذَا القَوْل لَا يَخْلُو ضَرُورَة من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَنه مكذب لرَبه فِي إخْبَاره فِي الْقُرْآن أَنه برأَ المصائب كلهَا وخلقها وَأَنه تَعَالَى خلقنَا وَمَا نعمل وَأَنه خلق كل شئ بِقدر محرف لكَلَام ربه تَعَالَى الَّذِي هُوَ غَايَة الْبَيَان عَن موَاضعه مبدل لَهُ بَعْدَمَا سَمعه وَقد نَص الله تَعَالَى فِيمَن يحرف الْكَلم عَن موَاضعه ويبدله بعد مَا سَمعه مَا نَص فَهَذَا خطه كفران التزامها وَالثَّانيَِة وَهِي تَصْدِيق الله فِي إخْبَاره بذلك وتجويزه فِي فعله لَا بُد لَهُ من ذَلِك وَهَذِه أَيْضا خطة كفران التزامها أَو الِانْقِطَاع والتناقض والثبات على اعْتِقَاد الْبَاطِل بِلَا حجَّة تقليداً للعيارين الشطار الْفُسَّاق كالنظام والعلاف وَبشر نخاس الرَّقِيق وَمعمر الْمُتَّهم عِنْدهم فِي دينه وثمامة الخليع الْمَشْهُور بالقبايح والجاحظ وَهُوَ من عرف هزلا وعيارة وإنهما لَا وَهَذِه أسلم الْوُجُوه لَهُم ونعوذ بِاللَّه من مثلهَا ثمَّ هم بعد هَذَا صنفان أَصْحَاب الْأَصْلَح وَأَصْحَاب اللطف فَأَما أَصْحَاب اللطف فَإِن أَصْحَاب الْأَصْلَح يصفونهم بِأَنَّهُم مجورون

стр. 379

لله مجهلون لَهُ وَأَصْحَاب الْأَصْلَح يصفهم أَصْحَاب اللطف بِأَنَّهُم معجزون لله تَعَالَى مشبهون لَهُ بخلقه فَأقبل بَعضهم على بعض يتلاومون وَقد نَص الله تَعَالَى على أَنه يفعل مَا يَشَاء بِخِلَاف مَا قَالَت الْمُعْتَزلَة فَقَالَ ﴿كَذَلِك يضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء﴾ وأمرنا أَن نَدْعُوهُ فَنَقُول ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا رَبنَا وَلَا تحمل علينا إصراً كَمَا حَملته على الَّذين من قبلنَا رَبنَا وَلَا تحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه غَايَة الْبَيَان فِي أَنه لَهُ أَن يكلفنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ وَأَنه لَو شَاءَ ذَلِك لَكَانَ من حَقه وَلَو لم يكن لَهُ ذَلِك لما أمرنَا بِالدُّعَاءِ فِي أَن لَا يحملنا ذَلِك ولكان الدُّعَاء بذلك كالدعاء فِي أَن يكون إِلَهًا خَالِقًا على أصولهم وَنَصّ تَعَالَى كَمَا تلونا على أَنه قد حمل من كَانَ قبلنَا الإصر وَهُوَ الثّقل الَّذِي لَا يُطَاق وأمرنا أَن نَدْعُوهُ بِأَن لَا يحمل ذَلِك علينا وَأَيْضًا فقد أمرنَا تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة أَن نَدْعُوهُ فِي أَن لَا يؤاخذنا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا وَهَذَا هُوَ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق نَفسه لِأَن النسْيَان لَا يقدر أحد على الْخَلَاص مِنْهُ وَلَا يتَوَهَّم التحفظ مِنْهُ وَلَا يُمكن أحدا دَفعه عَن نَفسه فلولا أَن لَهُ تَعَالَى أَن يُؤَاخذ بِالنِّسْيَانِ من شَاءَ من عباده لما أمرنَا بِالدُّعَاءِ فِي النجَاة مِنْهُ وَقد وجدنَا الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام مؤاخذين بِالنِّسْيَانِ مِنْهُم أَبونَا آدم ﷺ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد عهدنا إِلَى آدم من قبل فنسي﴾ يُرِيد نسيانه عَدَاوَة إِبْلِيس لَهُ الَّذِي حذره الله تَعَالَى مِنْهَا ثمَّ آخذه على ذَلِك وَأخرجه من الْجنَّة ثمَّ تَابَ عَلَيْهِ وَهَذَا كُله على أصُول الْمُعْتَزلَة جور وظلم تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَقَالَ وَلَو شَاءَ الله مَا أشركوا وَلَو فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن حرف يدل على امْتنَاع الشَّيْء لِامْتِنَاع غَيره فصح يَقِينا أَن ترك الشّرك من الْمُشْركين مُمْتَنع لِامْتِنَاع مَشِيئَة الله تَعَالَى لتَركه وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله﴾ ومشيئة الله هِيَ تَفْسِير إِذن الله وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا مَا كَانُوا ليؤمنوا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فَهَذَا نَص جلي على أَنه لَا يُمكن أحد أَن يُؤمن إِلَّا بِإِذن الله لَهُ فِي الْإِيمَان فصح يَقِينا أَن كل من آمن فَلم يُؤمن إِلَّا بِإِذن الله وَأَنه تَعَالَى شَاءَ أَن يُؤمن وَإِن كل من لم يُؤمن فَلم يَأْذَن الله تَعَالَى لَهُ فِي الْإِيمَان وَلَا شَاءَ أَن يكون مِنْهُ الْإِيمَان هَذَا نَص هَاتين الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَا يحتملان تَأْوِيلا غَيره أصلا وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول أَنه تَعَالَى عَنى الْإِكْرَاه على الْإِيمَان لِأَن نَص الْآيَتَيْنِ مَانع من هَذَا التَّأْوِيل الْفَاسِد لِأَنَّهُ تَعَالَى أخبر أَن كل من آمن فَإِنَّمَا آمن بِإِذن الله وَإِن من لم يُؤمن فَإِن الله تَعَالَى لم يَشَاء أَن يُؤمن فيلزمهم على هَذَا أَن كل مُؤمن فِي الْعَالم فمكره على الْإِيمَان وَهَذَا شَرّ من قَول الْجَهْمِية وَأَشد فَإِن قَالُوا أَن إِذن الله تَعَالَى هَا هُنَا إِنَّمَا هُوَ أمره لَزِمَهُم ضَرُورَة أحد وَجْهَيْن لَا بُد مِنْهُمَا إماأن يَقُولُوا أَن الله تَعَالَى لم يَأْمر الْكفَّار بِالْإِيمَان لِأَن النَّص قد جَاءَ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَو أذن لَهُم لآمنوا وَإِمَّا أَن يَقُولُوا أَن كل من فِي الْعَالم فهم مُؤمنُونَ لأَنهم عِنْدهم مَأْذُون لَهُم فِي الْإِيمَان إِذا كَانَ الْإِذْن هُوَ الْأَمر وكلا الْقَوْلَيْنِ كفر مُجَرّد ومكابرة للعيان ونعوذ بِاللَّه من الضلال قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْإِذْن هَا هُنَا ومشيئته تَعَالَى هُوَ خلق الله تَعَالَى للْإيمَان فِيمَن آمن وَقَوله لإيمانه كن فَيكون وَعدم إِذْنه تَعَالَى وَعدم مَشِيئَته للْإيمَان هُوَ أَن لَا يخلق فِي الْمَرْء الْإِيمَان فَلَا يُؤمن لَا يجوز غير هَذَا الْبَتَّةَ إِذْ قد صَحَّ أَن الْإِذْن هَا هُنَا لَيْسَ هُوَ الْأَمر وَقَالَ ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت فَمنهمْ من هدى الله وَمِنْهُم من حقت عَلَيْهِ الضَّلَالَة﴾

стр. 380

فَأخْبر تَعَالَى أَنه هدى بَعضهم دون بعض وَهَذَا عِنْد الْمُعْتَزلَة جور وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ فنص على انه خلقهمْ ليدخلهم النَّار نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء﴾ وَأمر تَعَالَى أَن نَدْعُوهُ فَنَقُول ﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا﴾ فنص تَعَالَى على زيغ قُلُوب من لم يهدهم من الَّذين زاغوا إِذْ أزاغ الله قُلُوبهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَذَلِك حقت كلمة رَبك على الَّذين فسقوا أَنهم لَا يُؤمنُونَ﴾ فَقطع تَعَالَى على أَن كَلِمَاته قد حقت على الْفَاسِقين انهم لَا يُؤمنُونَ فَمن الَّذِي حقق عَلَيْهِم أَن لايؤمنوا إِلَّا هُوَ وَهَذَا جور عِنْد الْمُعْتَزلَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل آيَة ذَكرنَاهَا فِي بَاب الِاسْتِطَاعَة مِنْهُنَّ حجَّة عَلَيْهِم فِي هَذَا الْبَاب وكل آيَة نتلوها إِن شَاءَ الله فِي بَاب إِثْبَات أَن الله أَرَادَ كَون الْكفْر وَالْفِسْق بعد هَذَا الْبَاب مَنْهِيّ أَيْضا حجَّة عَلَيْهِم فِي هَذَا الْبَاب وَكَذَلِكَ كل آيَة نتلوها إِن شَاءَ الله فِي إبِْطَال قَول من قَالَ لَيْسَ عِنْد الله تَعَالَى شَيْء أصلح مِمَّا أعطَاهُ الله أَبَا جهل وَفرْعَوْن وَأَبا لَهب مِمَّا يَسْتَدْعِي إِلَى الْإِيمَان فَإِنَّهَا حجَّة عَلَيْهِم فِي هَذَا الْبَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد واحتجت الْمُعْتَزلَة بقول الله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين مَا خلقناهما إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا ظلمناهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا رَبك بلام للعبيد وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الصم الْبكم الَّذين لَا يعْقلُونَ وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم وَلَو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه حجَّة لنا عَلَيْهِم لِأَنَّهُ تَعَالَى أخبر أَنه قَادر على أَن يسمعهم والإسماع هَاهُنَا الْهدى بِلَا شكّ لِأَن آذانهم كَانَت صحاحاً وَمعنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ إِنَّمَا مَعْنَاهُ بِلَا شكّ لتولوا عَن الْكفْر وهم معرضون عَنهُ لَا يجوز غير هَذَا لِأَنَّهُ محَال أَن يهْدِيهم الله وَقد علم من قُلُوبهم خيرا فَلَا يهتدوا وَهَذَا تنَاقض قد تنزه كَلَامه عَنهُ فصح أَنه كَمَا ذكرنَا يَقِينا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وسائرها حجَّة لَهُم فِي شَيْء مِنْهُ بل هُوَ حجَّة لنا عَلَيْهِم وَهُوَ نَص قَوْلنَا أَنه خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بِالْحَقِّ وأفعال الْعباد بَين السَّمَاء وَالْأَرْض بِلَا شكّ فَالله تَعَالَى خلقهَا بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ اختراعه لَهَا وكل مَا فعل تَعَالَى حق وإضلاله من أضلّ حق لَهُ وَمِنْه تَعَالَى وهداه من هدى حق مِنْهُ تَعَالَى ومحاباته من حابى بِالنُّبُوَّةِ وبالطاعة حق مِنْهُ وَنحن نبرأ إِلَى الله تَعَالَى من كل من قَالَ أَن الله تَعَالَى خلق شَيْئا بِغَيْر الْحق أَو أَنه تَعَالَى خلق شَيْئا لاعباً أَو أَنه تَعَالَى ظلم أحدا بل فعله عدل وَصَلَاح وَلَقَد ظهر لكل ذِي فهم أننا قَائِلُونَ بِهَذِهِ الْآيَات على نَصهَا وظاهرها فَأَي حجَّة لَهُم علينا فِي هَذِه النُّصُوص لَو عقلوا وَأما الْمُعْتَزلَة فَيَقُولُونَ أَنه تَعَالَى لم يخلق كثيرا مِمَّا بَين السَّمَوَات وَالْأَرْض لَا سِيمَا عباد بن سُلَيْمَان مِنْهُم تلميذ هِشَام بن عَمْرو الفوطي الْقَائِل أَن الله تَعَالَى لم يخلق الجدب وَلَا الْجُوع وَلَا الْأَمْرَاض وَلَا الْكفَّار وَلَا الْفُسَّاق وَمُحَمّد بن عبد الله الإسكافي تلميذ جَعْفَر بن حَرْب الْقَائِل أَن الله تَعَالَى لم يخلق العيدان وَلَا المزامير وَلَا الطنابير وكل ذَلِك لَيْسَ يخلق من خلق الله تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا وهم يَقُولُونَ أَن الله لَو حابى أحدا لَكَانَ ظَالِما لغيره وَقد صَحَّ أَن الله تَعَالَى حابى مُوسَى وَإِبْرَاهِيم

стр. 381

وَيحيى ومحمداً صلوَات الله عَلَيْهِم دون غَيرهم وَدون أبي لَهب وَأبي جهل وَفرْعَوْن وَالَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه فعلى قَول الْمُعْتَزلَة يجب أَن الله تَعَالَى ظلم هَؤُلَاءِ الَّذين حابى غَيرهم عَلَيْهِم وَهَذَا مَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ إِلَّا بترك قَوْلهم الْفَاسِد وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ فَهَكَذَا نقُول مَا خلقهمْ الله تَعَالَى إِلَّا ليكونوا لَهُ عباداً مصرفين بِحكمِهِ فيهم منقادين لتدبيره إيَّاهُم وَهَذِه حَقِيقَة الْعِبَادَة وَالطَّاعَة أَيْضا عبَادَة وَقَالَ تَعَالَى حاكيا عَن الْقَائِلين ﴿أنؤمن لبشرين مثلنَا وقومهما لنا عَابِدُونَ﴾ وَقد علم كل أحد ان قوم مُوسَى ﵇ لم يعبدوا قطّ فِرْعَوْن عبَادَة تدين لَكِن عبدوه عبَادَة تذلل فَكَانُوا لَهُ عبيدا فهم لَهُ عَابِدُونَ وَكَذَلِكَ قَول الْمَلَائِكَة ﵈ ﴿بل كَانُوا يعْبدُونَ الْجِنّ﴾ وَقد علم كل أحد أَنهم لم يعبدوا الْجِنّ عبَادَة تدين لَكِن عبدوهم عبَادَة تصرف لأمرهم وإغوائهم فَكَانُوا لَهُم بذلك عبيدا فصح القَوْل بِأَنَّهُم يَعْبُدُونَهُمْ وَهَذَا بَين وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا معنى هَذِه الْآيَة أَنه تَعَالَى خلقهمْ ليأمرهم بِعِبَادَتِهِ ولسنا نقُول بِهَذَا لِأَن فيهم من لم يَأْمُرهُ الله تَعَالَى قطّ بِعِبَادَتِهِ كالأطفال والمجانين فَصَارَ تَخْصِيصًا لِلْآيَةِ بِلَا برهَان وَالَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ الْحق الَّذِي لَا شكّ فِيهِ لِأَنَّهُ الْمشَاهد الْمُتَيَقن الْعَام لكل وَاحِد مِنْهُم واما ظن الْمُعْتَزلَة فِي هَذِه الْآيَة فَبَاطِل يكذبهُ إِجْمَاعهم مَعنا أَن الله تَعَالَى لم يزل يعلم أَن كثيرا مِنْهُم لَا يعبدونه فَكيف يجوز أَن يخبر أَنه خلقهمْ لأمر قد علم أَنه لَا يكون مِنْهُم إِلَّا أَن يصيروا إِلَى قَول من يَقُول انه تَعَالَى لَا يعلم الشَّيْء حَتَّى يكون فَيتم كفر من لَجأ إِلَى هَذَا وَلَا يخلصون مَعَ ذَلِك من نِسْبَة الْعَبَث إِلَى الْخَالِق تَعَالَى إِذْ غرر من خلق فِيمَا لَا يدْرِي أيعطبون فِيهِ أم يفوزون وتحيرت الْمُعْتَزلَة الْقَائِلُونَ بالأصلح وبإبطال الْمُحَابَاة فِي وَجه الْعدْل فِي سِتَّة عشر بَابا وَهِي الْعدْل فِي إدامة الْعَذَاب الْعدْل فِي إيلام الْحَيَوَان الْعدْل فِي تَبْلِيغ من فِي الْمَعْلُوم أَنه يكفر الْعدْل فِي الْمَخْلُوق الْعدْل فِي الْمَخْلُوق الْعدْل فِي إِعْطَاء الِاسْتِطَاعَة الْعدْل فِي الْإِرَادَة الْعدْل فِي الْبَدَل الْعدْل فِي الْأَمر الْعدْل فِي عَذَاب الْأَطْفَال الْعدْل فِي اسْتِحْقَاق الْعَذَاب الْعدْل فِي الْمعرفَة الْعدْل فِي اخْتِلَاف أَحْوَال المخلوقين الْعدْل فِي اللطف الْعدْل فِي الْأَصْلَح الْعدْل فِي نسخ الشَّرَائِع الْعدْل فِي النُّبُوَّة الْكَلَام فِي هَل شَاءَ الله كَون الْكفْر وَالْفِسْق وإراده تَعَالَى من الْكَافِر وَالْفَاسِق أم لم يَشَاء ذَلِك وَلَا أَرَادَ كَونه قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَالَت الْمُعْتَزلَة أَن الله تَعَالَى لم يَشَاء أَن يكفر الْكَافِر وَلَا أَن يفسق الْفَاسِق وَلَا ان يشْتم تَعَالَى وَلَا أَن يقتل الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَاحْتَجُّوا بقول الله ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم﴾ وَقَالُوا من فعل مَا أَرَادَ الله فَهُوَ مأجور محسن فَإِن كَانَ الله تَعَالَى أَرَادَ ان يكفر الْكَافِر وَأَن يفسق الْفَاسِق فقد فعلا جَمِيعًا مَا أَرَادَ الله تَعَالَى مِنْهُمَا فهما محسنان مأجوران وَذهب أهل السّنة أَن لَفْظَة شَاءَ وَأَرَادَ لَفْظَة مُشْتَركَة تقع على مَعْنيين أَحدهمَا الرضى وَالِاسْتِحْسَان فَهَذَا مَنْهِيّ عَن الله تَعَالَى انه أَرَادَهُ أَو شاءه فِي كل مَا نهى عَنهُ وَالثَّانِي أَن يُقَال أَرَادَ وَشاء بِمَعْنى أَرَادَ كَونه وَشاء وجوده فَهَذَا هُوَ الَّذِي نخبر بِهِ عَنهُ الله فِي كل مَوْجُود فِي الْعَالم من خير أَو شَرّ فسلكت الْمُعْتَزلَة سَبِيل السفسطة فِي التَّعَلُّق بالألفاظ الْمُشْتَركَة الْوَاقِعَة على مَعْنيين فَصَاعِدا والتمويه الَّذِي يضمحل إِذا فتش ويفتضح إِذا بحث

стр. 382

عَنهُ وَهَذِه سَبِيل الْجُهَّال الَّذين لَا حِيلَة بأيدهم إِلَّا المخرفة وَقَالَ أهل السّنة لَيْسَ من فعل مَا أَرَادَ الله تَعَالَى وَمَا شَاءَ الله كَانَ محسناً وَإِنَّمَا المحسن من فعل بِمَا أمره الله تَعَالَى بِهِ ورضيه مِنْهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونسألهم فَنَقُول لَهُم أخبرونا أَكَانَ الله تَعَالَى قَادِرًا على منع الْكفَّار من الْكفْر وَالْفَاسِق من الْفسق وعَلى منع من شَتمه من النُّطْق بِهِ وَمن إمراره على خاطره وعَلى الْمَنْع من قتل من قتل من أنبيائه عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أم كَانَ عَاجِزا عَن الْمَنْع من ذَلِك فَإِن قَالُوا لم يكن قَادِرًا على الْمَنْع من شَيْء من ذَلِك فقد أثبتوا لَهُ معنى الْعَجز ضَرُورَة وَهَذَا كفر مُجَرّد وَإِبْطَال لإلهيته تَعَالَى وَقطع عَلَيْهِ بالضعف وَالنَّقْص وتناهي الْقُوَّة وَانْقِطَاع الْقُدْرَة مَعَ التَّنَاقُض الْفَاحِش لأَنهم مقرون أَنه تَعَالَى هُوَ أَعْطَاهُم الْقُوَّة الَّتِي بهَا كَانَ الْكفْر وَالْفِسْق وَشَتمه تَعَالَى وَقتل الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فَمن الْمحَال الْمَحْض أَن يكون تَعَالَى لَا يقدر على أَن لَا يعطيهم الَّذِي أَعْطَاهُم وَهَذِه صفة الْمُضْطَر الْمُجبر وَإِن قَالُوا بل هُوَ قَادر على مَنعهم من كل ذَلِك أفروا ضَرُورَة أَنه مُرِيد لبقائهم على الْكفْر وَأَنه المبقي للْكَافِرِ وللكفر وحالف الزَّمَان الَّذِي امْتَدَّ فِيهِ الْكَافِر على كفره وَالْفَاسِق على فسقه وَهَذَا نَفسه هُوَ قَوْلنَا أَنه أَرَادَ كَون الْكفْر وَالْفِسْق والشتم لَهُ وَقتل الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلم يرض عَن شَيْء من ذَلِك بل سخطه تَعَالَى وَغَضب على فَاعله وَقَالَت الْمُعْتَزلَة إِن كَانَ الله تَعَالَى أَرَادَ كَون كل ذَلِك فَهُوَ إِذن يغْضب مِمَّا أَرَادَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنحن نقر أَنه تَعَالَى يغْضب على فَاعل مَا أَرَادَ كَونه مِنْهُ ثمَّ نعكس عَلَيْهِم هَذَا السُّؤَال بِعَيْنِه فَنَقُول لَهُم فاذ هَذَا عنْدكُمْ مُنكر وَأَنْتُم مقرون بِأَنَّهُ قَادر على الْمَنْع مِنْهُ فَهُوَ عنْدكُمْ يغْضب مِمَّا أقرّ ويسخط مَا يقره وَلَا يُغَيِّرهُ وَيثبت مَا لَا يرضى وَهَذَا هُوَ الَّذِي شنعوا فِيهِ وَلَا يقدرُونَ على دَفعه والشاعة عَلَيْهِم رَاجِعَة لأَنهم أَنْكَرُوا مَا لَزِمَهُم وبالضرورة نَدْرِي أَن من قدر على الْمَنْع من شَيْء فَلم يفعل وَلَا منع مِنْهُ فقد أَرَادَ وجود كَونه وَلَو لم يرد كَونه لغيره ولمنع مِنْهُ وَلما تَركه يفعل فَإِن قَالُوا أَنه حَكِيم وخلاهم دون منع لسر من الْحِكْمَة لَهُ فِي ذَلِك قيل لَهُم فاقنعوا بِمثل هَذَا الْجَواب مِمَّن قَالَ لكم أَنه أَرَادَ كَونه لِأَنَّهُ حَكِيم كريم عَزِيز وَله فِي ذَلِك سر من الْحِكْمَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما نَحن فَنَقُول أَنه تَعَالَى أَرَادَ كَون كل ذَلِك وَلَا سر هَاهُنَا وَإِن كل مَا فعل فَهُوَ حِكْمَة وَحقّ وَأَن قَوْلهم هَذَا هَادِم لمقدمتهم الْفَاسِدَة أَنه يقبح من الْبَارِي تَعَالَى مَا يقبح منا وَفِيمَا بَيْننَا وَمَا علم قطّ ذُو عقل أَن من خلى من عدوه منطلق الْيَد على وليه وَأحب النَّاس إِلَيْهِ يقْتله ويعذبه ويلطمه ويهينه ويتركه ينْطَلق على عبيده وإمائه يفجر بهم وبهن طَوْعًا وَكرها وَالسَّيِّد حَاضر يرى وَيسمع وَهُوَ قَادر على الْمَنْع من ذَلِك فَلَا يفعل بل لَا يقنع بتركهم إِلَّا حَتَّى يُعْطي عدوه الْقُوَّة على كل ذَلِك والآلات الْمعينَة لَهُ ويمده بالقوى شَيْئا بعد شَيْء فَلَيْسَ حكيماً وَلَا حَلِيمًا وَلكنه عابث ظَالِم جَائِر فيلزمهم على أصلهم الْفَاسِد أَن يحكموا على الله تَعَالَى بِكُل هَذَا لأَنهم معترفون بِأَنَّهُ تَعَالَى فعل كل هَذَا وَهَذَا لَا يلْزمنَا لأننا نقُول إِن الله تَعَالَى يفعل مَا يَشَاء وَأَن كل مَا فعل مِمَّا ذكرنَا وَغَيره فَهُوَ كُله مِنْهُ تَعَالَى حِكْمَة وَحقّ وَعدل لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون فَبَطل بضرورة الْمُشَاهدَة قَوْلهم إِن الله تَعَالَى لم يرد كَون الْكفْر أَو كَون الْفسق أَو كَون شَتمه تَعَالَى وَقتل أنبيائه عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلَو

стр. 383

لم يرد كَونه لمنع من ذَلِك كَمَا منع من كَون كل مَا لم يرد أَن يكون قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيَكْفِي من هَذَا كُله اجْتِمَاع الْأمة على قَول مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن فَهَذَا على عُمُومه مُوجب أَن كل مَا فِي الْعَالم كَانَ أَو يكون أَي شَيْء كَانَ فقد شاءه الله تَعَالَى وكل مَا لم يكن وَلَا يكون فَلم يشأه الله تَعَالَى نصا لَا يحْتَمل تَأْوِيلا على أَنه أَرَادَ كَون كل ذَلِك فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ فنص تَعَالَى نصا جلياً على أَنه لَا يَشَاء أحد استقامة على طَاعَته تَعَالَى إِلَّا أَن شَاءَ الله تَعَالَى أَن يَسْتَقِيم فَلَو صَحَّ قَول الْمُعْتَزلَة أَن الله تَعَالَى شَاءَ أَن يَسْتَقِيم كل ملكف لَكَانَ بِنَصّ الْقُرْآن كل مُكَلّف مُسْتَقِيم لِأَن الله تَعَالَى عِنْدهم قد شَاءَ ذَلِك وَهَذَا تَكْذِيب مُجَرّد لله تَعَالَى نَعُوذ بِاللَّه من مثله فصح يَقِينا لَا مدْخل للشَّكّ فِي صِحَّته أَنه تَعَالَى شَاءَ خلاف الاسْتقَامَة مِنْهُم وَلم يَشَأْ أَن يستقيموا بِنَصّ الْقُرْآن وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جعلنَا أَصْحَاب النَّار إِلَّا مَلَائِكَة وَمَا جعلنَا عدتهمْ إِلَّا فتْنَة للَّذين كفرُوا ليستيقن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ويزداد الَّذين آمنُوا إِيمَانًا وَلَا يرتاب الَّذين أُوتُوا الْكتاب والمؤمنون وليقول الَّذين فِي قُلُوبهم مرض والكافرون مَاذَا أَرَادَ الله بِهَذَا مثلا كَذَلِك يضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه الْآيَة غَايَة فِي الْبَيَان فِي أَن الله تَعَالَى جعل عدَّة مَلَائِكَة النَّار فتْنَة للَّذين كفرُوا وليقولوا مَاذَا أَرَادَ الله بِهَذَا مثلا فَأخْبر تَعَالَى أَنه أَرَادَ أَن يفتن الَّذين كفرُوا وَأَن يضلهم فيضلوا وَأَنه تَعَالَى قصد إضلالهم وَحكم بذلك كَمَا قصد هدى الْمُؤمنِينَ وأراده وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعجمياً لقالوا لَوْلَا فصلت آيَاته أأعجمي وعربي قل هُوَ للَّذين آمنُوا هدى وشفاء وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ فِي آذانهم وقر وَهُوَ عَلَيْهِم عمي﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فنص تَعَالَى على أَنه أنزل الْقُرْآن هدى للْمُؤْمِنين وَعمي للْكفَّار وبيقين نَدْرِي أَنه تَعَالَى إِذا نزل الْقُرْآن أَرَادَ أَن يَقُول كَمَا قَالَ تَعَالَى عمي للْكفَّار وَهدى للْمُؤْمِنين وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا أفأنت تكره النَّاس حَتَّى يَكُونُوا مُؤمنين وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله وَيجْعَل الرجس على الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ هَكَذَا هِيَ الْآيَة كلهَا مَوْصُولَة بَعْضهَا بِبَعْض فنص تَعَالَى على أَنه لَو شَاءَ لأمن النَّاس وَالْجِنّ وهم أهل الأَرْض كلهم وَلَو فِي لُغَة الْعَرَب الَّتِي بهَا خاطبنا الله ليفهمنا حرف يدل على امْتنَاع الشَّيْء لِامْتِنَاع غَيره فصح يَقِينا أَن الله تَعَالَى لم يَشَأْ أَن يُؤمن كل من فِي الأَرْض وَإِذ لَا شكّ فِي ذَلِك فباليقين نَدْرِي أَنه شَاءَ مِنْهُم خلاف الْإِيمَان وَهُوَ الْكفْر وَالْفِسْق لَا بُد وَلَو كَانَ الله تَعَالَى أذن للْكَافِرِينَ فِي الْإِيمَان على قَول الْمُعْتَزلَة لَكَانَ كل من فِي الأَرْض قد آمن لِأَنَّهُ تَعَالَى قد نَص على أَنه لَا يُؤمن أحد إِلَّا بِإِذْنِهِ وَهَذَا أَمر من الْمُعْتَزلَة يكذبهُ العيان فصح أَن الْمُعْتَزلَة كذبت وَأَن الله تَعَالَى صدق وَأَنه لم يَأْذَن قطّ لمن مَاتَ كَافِرًا فِي الْإِيمَان وَأَن من عمي عَن هَذِه لأعمى الْقلب وَكَيف لَا يكون أعمى الْقلب من أعمى الله قلبه عَن الْهدى وبالضرورة نَدْرِي أَن قَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله﴾ حق وَإِن من لم يَأْذَن الله تَعَالَى لَهُ فِي الْإِيمَان فَإِنَّهُ تَعَالَى لم يَشَأْ أَن يُؤمن وَإِذا لم يَشَأْ أَن يُؤمن فبلا شكّ أَنه تَعَالَى شَاءَ أَن يكفر هَذَا مَا لَا انفكاك مِنْهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ونذرهم فِي طغيانهم يعمهون وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا مَا كَانُوا ليؤمنوا إِلَّا إِن يَشَاء الله﴾ فَبين تَعَالَى أتم بَيَان على أَن الْآيَات لَا تغني شَيْئا وَلَا النّذر وهم الرُّسُل وَإنَّهُ لَا يُؤمن شَيْء

стр. 384

من ذَلِك إِلَّا من شَاءَ الله أَن يُؤمن فصح يَقِينا أَنه لَا يُؤمن إِلَّا من شَاءَ الله إيمَانه وَلَا يكفر إِلَّا من شَاءَ الله كفره فَقَالَ تَعَالَى حاكياً عَن يُوسُف ﵇ أَنه قَالَ ﴿وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين فَاسْتَجَاب لَهُ ربه فصرف عَنهُ كيدهن﴾ فبالضرورة نعلم أَن من صبا وَجَهل فَإِن الله تَعَالَى لم يصرف عَنهُ الكيد الَّذِي صرفه برحمته عَمَّن لم يصب وَلم يجهل وَإِذ صرفه تَعَالَى عَن بعض وَلم يصرفهُ عَن بعض فقد أَرَادَ تَعَالَى إضلال من حبا وَجَهل وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوه وَفِي آذانهم وقرا﴾ فليت شعري إِذْ قَالَ تَعَالَى أَنه جعل قُلُوب الْكَافرين فِي أكنة ان يفقهوا الْقُرْآن وَجعل الوقر فِي آذانهم أتراه أَرَادَ أَن يفقهوه أَو أَرَادَ أَن لَا يفقهوه وَكَيف يسوغ فِي عقل أحد أَن يخبر تَعَالَى أَنه فعل شَيْئا لم يرد أَن يَفْعَله وَلَا أَرَادَ كَونه وَلَا شَاءَ إيجاده وَهَذَا تَخْلِيط لَا يتشكل فِي عقل كل ذِي مسكة من عقل فصح يَقِينا أَن الله تَعَالَى أَرَادَ كَون الوقر فِي آذانهم وَكَون الأكنة على قُلُوبهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء﴾ فنص تَعَالَى على أَنه لم يرد أَن يجعلنا أمة وَاحِدَة وَلَكِن شَاءَ أَن يضل قوما وَيهْدِي قوما فصح يَقِينا أَنه تَعَالَى شَاءَ إضلال من ضل وَقَالَ تَعَالَى مثنياً على قوم ومصدقاً لَهُم فِي قَوْلهم ﴿قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا﴾ فَقَالَ النَّبِيُّونَ عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام واتباعهم قَول الْحق الَّذِي شهد الله بتصديقه أَنهم إِنَّمَا خلصوا من الْكفْر بِأَن الله تَعَالَى نجاهم مِنْهُ وَلم ينج الْكَافرين مِنْهُ وَأَن الله تَعَالَى إِن شَاءَ ان يعودوا فِي الْكفْر عَادوا فِيهِ فصح يَقِينا أَنه تَعَالَى شَاءَ ذَلِك مِمَّن عَاد فِي الْكفْر وَقد قَالَت الْمُعْتَزلَة فِي هَذِه الْآيَة معنى هَذَا إِلَّا ان يَأْمُرنَا الله بتعظيم الْأَصْنَام كَمَا أمرنَا بتعظيم الْحجر الْأسود والكعبة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا فِي غَايَة الْفساد لِأَن الله تَعَالَى لَو أمرنَا بذلك لم يكن عوداً فِي مِلَّة الْكفْر بل كَانَ يكون ثَابتا على الْإِيمَان وتزايداً فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا﴾ فليت شعري إِذْ زادهم الله مَرضا أتراه لم يَشَاء وَلَا أَرَادَ مَا فعل من زِيَادَة الْمَرَض فِي قُلُوبهم وَهُوَ الشَّك وَالْكفْر وَكَيف يفعل الله مَالا يُرِيد أَن يفعل وَهل هَذَا إِلَّا إلحاد مُجَرّد مِمَّن قَالَه وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا اقتتل الَّذين من بعدهمْ من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات وَلَكِن اخْتلفُوا فَمنهمْ من آمن وَمِنْهُم من كفر وَلَو شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِن الله يفعل مَا يُرِيد﴾ فنص تَعَالَى على أَنه لَو شَاءَ لم يقتتلوا فَوَجَبَ ضَرُورَة أَنه شَاءَ وَأَرَادَ أَن يقتتلوا وَفِي اقتتال المقتتلين ضلال بِلَا شكّ فقد شَاءَ الله تَعَالَى كَون الضلال ووجوده بِنَصّ كَلَامه تَعَالَى وَقَالَ ﴿وَمن يرد الله فتنته فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا﴾ فنص تَعَالَى على انه أَرَادَ فتْنَة المفتتنين وهم الْكفَّار وكفرهم الَّذين لم يملك لَهُم رَسُول الله ﷺ من الله شَيْئا فَهَذَا نَص على أَن الله تَعَالَى أَرَادَ كَون الْكفْر من الْكفَّار وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا غَايَة الْبَيَان فِي أَنه تَعَالَى لم يرد أَن يطهر قُلُوبهم وبالضرورة نَدْرِي أَن من لم يرد الله أَن يطهر قلبه فقد أَرَادَ فَسَاد دينه الَّذِي هُوَ ضد طَهَارَة الْقلب وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى﴾ وَهَذَا غَايَة الْبَيَان فِي أَن الله تَعَالَى لم يرد هدى الْجَمِيع وَإِذا لم يرد هدَاهُم فقد

стр. 385

أَرَادَ كَون كفرهم الَّذِي هُوَ ضد الْهدى وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا غَايَة الْبَيَان فِي أَنه تَعَالَى لم يَشَأْ هدى الْكفَّار لَكِن حق قَوْله بِأَنَّهُم لَا بُد من أَن يكفروا فَيَكُونُوا من أهل جَهَنَّم وَقَالَ تَعَالَى ﴿من يَشَأْ الله يضلله وَمن يَشَأْ يَجعله على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَنه شَاءَ أَن يضل من أضلّهُ وَشاء ان يهدي من جعله على صِرَاط مُسْتَقِيم وهم بِلَا شكّ غير الَّذين لم يجعلهم على صِرَاط مُسْتَقِيم وَأَرَادَ فتنتهم وَأَن لَا يطهر قُلُوبهم وَأَن يَكُونُوا من أَصْحَاب النَّار نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك وَقَالَ تَعَالَى حاكياً عَن إِبْرَاهِيم ﵊ أَنه قَالَ ﴿لَئِن لم يهدني رَبِّي لأكونن من الْقَوْم الضَّالّين﴾ فَشهد الْخَلِيل ﵇ أَن من لم يهده الله تَعَالَى ضل وَصَحَّ أَن من ضل فَلم يهده الله وَمن لم يهده الله وَهُوَ قَادر على هداه فقد أَرَادَ ضلاله وإضلاله وَلم يرد هداه وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا أشركوا﴾ فصح يقينالا إِشْكَال فِيهِ أَن الله تَعَالَى شَاءَ ان يشركوا اذنص على أَنه لَو شَاءَ أَن لَا يشركوا مَا أشركوا أَو قَالَ تَعَالَى ﴿يوحي بَعضهم إِلَى بعض زخرف القَوْل غرُورًا وَلَو شَاءَ رَبك مَا فَعَلُوهُ﴾ وَهَذَا نَص على أَنه تَعَالَى شَاءَ أَن يفعلوه إِذْ أخبر أَنه لَو شَاءَ أَن لَا يفعلوه مَا فَعَلُوهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ زين لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عَلَيْهِم دينهم وَلَو شَاءَ الله مَا فَعَلُوهُ﴾ فنص تَعَالَى على أَنه لَو لم يَشَأْ أَن يوحي بَعضهم إِلَى بعض زخرف القَوْل غرُورًا مَا أوحوه وَلَو شَاءَ أَن لَا يلبس بَعضهم دين بعض وَأَن لَا يقتلُوا اولادهم مَا لبس عَلَيْهِم دينهم وَلَا قتلوا اولادهم فصح ضَرُورَة أَنه تَعَالَى شَاءَ أَن يلبس دين من الْتبس دينه وَأَرَادَ كَون قَتلهمْ أَوْلَادهم وَأَن يوحي بَعضهم إِلَى بعض زخرف القَوْل غرُورًا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لسلطهم عَلَيْكُم﴾ فصح يَقِينا أَنه تَعَالَى سلط أَيدي الْكفَّار على من قَتَلُوهُ من الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجاً كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾ فنص على أَنه يُرِيد هدى قوم فيهديهم ويشرح صُدُورهمْ للْإيمَان وَيُرِيد ضلال آخَرين فيضلهم بِأَن يضيق صُدُورهمْ ويحرجها فكأنهم كلفوا الصعُود إِلَى السَّمَاء فيكفروا وَقَالَ تَعَالَى ﴿واصبر وَمَا صبرك إِلَّا بِاللَّه﴾ فنص تَعَالَى على أَن من صَبر فصبره لَيْسَ إِلَّا بِاللَّه فصح أَن من صَبر فَإِن الله أَتَاهُ الصَّبْر وَمن لم يصبر فان الله عزوجل لم يؤته الصَّبْر وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تنازعوا﴾ فنهانا عَن الِاخْتِلَاف وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لجعل النَّاس أمة وَاحِدَة وَلَا يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم رَبك وَلذَلِك خلقهمْ﴾ فنص تَعَالَى أَنه خلقهمْ للِاخْتِلَاف إِلَّا من رحم الله مِنْهُم وَلَو شَاءَ لم يَخْتَلِفُوا فصح يَقِينا أَن الله خلقهمْ لما نَهَاهُم عَنهُ من الِاخْتِلَاف وَأَرَادَ كَون الِاخْتِلَاف مِنْهُم وَقَالَ عزوجل ﴿تؤتي الْملك من تشَاء وتنزع الْملك مِمَّن تشَاء وتعز من تشَاء وتذل من تشَاء بِيَدِك الْخَيْر إِنَّك على كل شَيْء قدير﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿بعثنَا عَلَيْكُم عباداً لنا أولي بَأْس شَدِيد فجاسوا خلال الديار وَكَانَ وَعدا مَفْعُولا﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وليدخلوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أول مرّة﴾ فنص تَعَالَى على أَنه أغرى الْكفَّار وسلب الْمُؤمنِينَ فِي الْملك وَأَنه بعث أُولَئِكَ الَّذين دخلُوا الْمَسْجِد ودخوله مسخط لله تَعَالَى بلاشك فصح يَقِينا أَنه تَعَالَى خلق كل ذَلِك وَأَرَادَ كَونه وَقَالَ عزوجل ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه أَن أَتَاهُ الله الْملك﴾ فَهَذَا نَص جلي على أَن الله اتي ذَلِك الْكَافِر فصح يَقِينا أَن الله

стр. 386

تَعَالَى فعل تَمْلِيكه وَملكه على أهل الْإِيمَان وَلَا خلاف بَين أحد من الْأمة فِي أَن ذَلِك يسْخط الله عزوجل ويغضبه وَلَا يرضاه وَهُوَ نفس الَّذِي أنكرته الْمُعْتَزلَة وشنعت بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونسألهم عَمَّا مَضَت الدُّنْيَا عَلَيْهِ مذ كَانَت من أَولهَا إِلَى يَوْمنَا هَذَا من النَّصْر النَّازِل على مُلُوك أهل الشّرك والملوك الجورة والظلمة وَالْغَلَبَة المعطاة لَهُم على من ناوأهم من أهل الْإِسْلَام وَأهل الْفضل واحترام من أَرَادَهُم بِالْمَوْتِ أَو باضطراب الْكَلِمَة ويانى النَّصْر لَهُم بِوُجُوه الظفر الَّذِي لَا شكّ فِي أَنه الله تَعَالَى فَاعله من أَمَاتَهُ أعدائهم من أهل الْفضل وتأييدهم عَلَيْهِم وَهَذَا مَا لَا مخلص لَهُم فِي أَن الله تَعَالَى أَرَادَ كَونه وَقَالَ عزوجل ﴿وَلَكِن كره الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ وَقيل اقعدوا مَعَ القاعدين﴾ فنص تَعَالَى نصاجليا لَا يحْتَمل تَأْوِيلا على أَنه كره أَن يخرجُوا فِي الْجِهَاد الَّذِي افْترض عَلَيْهِم الْخُرُوج فِيهِ مَعَ رَسُول الله ﷺ فقد كره تَعَالَى كَون مَا أَرَادَ وَنَصّ على أَنه ثبطهم عَن الْخُرُوج فِي الْجِهَاد ثمَّ عذبهم على التثبيط الَّذِي أخبر تَعَالَى أَنه فعله وَنَصّ تَعَالَى على أَنه قَالَ اقعدوا مَعَ القاعدين وَهَذَا يَقِين لَيْسَ بِأَمْر إِلْزَام لِأَن الله تَعَالَى لم يَأْمُرهُم بالقعود عَن الْجِهَاد مَعَ رَسُوله ﷺ بل لعنهم وَسخط عَلَيْهِم إِذْ قعدوا فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَهُوَ ضَرُورَة أَمر تكوين فصح ان الله تَعَالَى خلق قعودهم الْمُغْضب لَهُ الْمُوجب لسخطه وَإِذا نَص تَعَالَى على أَمر فَلَا اعْتِرَاض لأحد عَلَيْهِ وَقَالَ عزوجل ﴿فَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم إِنَّمَا يُرِيد الله ليعذبهم بهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ وَهَذَا نَص جلي على أَنه عزوجل أَرَادَ أَن يموتوا وَهُوَ كافرون وَأَنه تَعَالَى أَرَادَ كفرهم وَالْقَاف من تزهق مَفْتُوحَة بِلَا خلاف من أحد من الْقُرَّاء معطوفة على مَا اراد الله عزوجل من أَن يعذبهم بهَا فِي الدُّنْيَا وَالْوَاو تدخل الْمَعْطُوف فِي حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ بِلَا خلاف من أحد فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا خاطبنا الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالَ قَائِل فان الله عزوجل قَالَ فِي الَّذين قعدوا عَن الْخُرُوج مَعَ رَسُول الله ﷺ ﴿لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إِلَّا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الْفِتْنَة وَفِيكُمْ سماعون لَهُم﴾ فَلهَذَا ثبطهم قُلْنَا لَا عَلَيْكُم أكانوا مأمورين بِالْخرُوجِ مَعَه ﵇ متوعدين بالنَّار إِن قعدوا لغير عذرأم كانو غير مأمورين بذلك فَإذْ لَا شكّ فِي أَنهم كَانُوا مأمورين فقد ثبطهم الله عزوجل عَمَّا أَمرهم بِهِ وعذبهم على ذَلِك وَخلق قعودهم عَمَّا أَمرهم بِهِ ثمَّ نقُول لَهُم أَكَانَ تَعَالَى قَادِرًا على ان يكف عَن أهل الْإِسْلَام خبالهم وفتنتهم لَو خَرجُوا مَعَهم أم لَا فَإِن قَالُوا لم يكن قَادِرًا على ذَلِك عجزوا رَبهم تَعَالَى وَإِن قَالُوا أَنه تَعَالَى كَانَ قَادِرًا على ذَلِك رجعُوا إِلَى الْحق وأقروا أَن الله تَعَالَى ثبطهم وَكره كَون مَا افْترض عَلَيْهِم وَخلق قعودهم الَّذِي عذبهم عَلَيْهِ وَلَا مُهِمّ عَلَيْهِ كَمَا شَاءَ لَا معقب لحكمه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإذْ جَاءَت النُّصُوص كَمَا ذكرنَا متظاهرة لَا تحْتَمل تَأْوِيلا بِأَنَّهُ عزوجل أَرَادَ ضلال من ضل وَشاء كفر من كفر فقد علمنَا ضَرُورَة أَن كَلَام الله تَعَالَى لَا يتعارض فَلَمَّا اخبر عزوجل أَنه لَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر فبالضرورة علمنَا أَن الَّذِي نفى هُوَ غير الَّذِي اثْبتْ فَإذْ لَا شكّ فِي ذَلِك فَالَّذِي نفى تَعَالَى هُوَ الرضى بالْكفْر وَالَّذِي أثبت هُوَ الْإِرَادَة لكَونه والشيئة لوُجُوده وهما مَعْنيانِ متغايران بِنَصّ الْقُرْآن وَحكم اللُّغَة فَإِن أَبَت الْمُعْتَزلَة من قبُول كَلَام رَبهم وَكَلَام نَبِيّهم ﷺ وَكَلَام إِبْرَاهِيم ويوسف وَشُعَيْب وَسَائِر الْأَنْبِيَاء صلى الله عَلَيْهِم وَسلم وأبت

стр. 387

أَيْضا من قبُول اللُّغَة وَمَا أوجبته الْبَرَاهِين الضرورية مِمَّا شهِدت بِهِ الْحَواس والعقول من الله تَعَالَى لَو لم يرد كَون مَا هُوَ مَوْجُود كَائِن لمنع مِنْهُ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين كذبُوا شعيباً كَانُوا هم الخاسرين﴾ فَشهد الله تَعَالَى بتكذيبهم واستعاضته من ذَلِك بأصول المنانية أَن الْحَكِيم لَا يُرِيد كَون الظُّلم وَلَا يخلقه فلبئس مَا شروا بِهِ أنفسهم لَو كَانُوا يعلمُونَ وَلَقَد لَجأ بَعضهم إِلَى أَن قَالَ إِن لله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَات معنى وَمُرَاد لَا نعلمهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تجاهل ظَاهر وراجع لنا عَلَيْهِم سواهُ بِسَوَاء فِي خلق الله تَعَالَى أَفعَال عباده ثمَّ يعذبهم عَلَيْهَا وَلَا فرق فَكيف وَهَذَا كُله لَا معنى لَهُ بل الْآيَات كلهَا حق على ظَاهرهَا لَا يحل صرفهَا عَنهُ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن أم على قُلُوب أقفالها﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قُرْآنًا عَرَبيا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿تبياناً لكل شَيْء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو لم يَكفهمْ أَنا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن الْقُرْآن تبيان لكل شَيْء فَقَالَت الْمُعْتَزلَة أَنه لَا يفهمهُ أحد وَأَنه لَيْسَ بَيَانا نَعُوذ بِاللَّه من مُخَالفَة الله وَمُخَالفَة رَسُول الله ﷺ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا فرق بَين مَا تلونا من الْآيَات فِي أَن الله تَعَالَى شَاءَ كَون الْكفْر والضلال وَبَين قَوْله تَعَالَى ﴿قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك تؤتي الْملك من تشَاء وتنزع الْملك مِمَّن تشَاء وتعز من تشَاء وتذل من تشَاء بِيَدِك الْخَيْر﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الله يفعل مَا يَشَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يجتبي من رسله من يَشَاء﴾ وَقَوله ﴿يرْزق من يَشَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يخْتَص برحمته من يَشَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فعال لما يُرِيد﴾ فَهَذَا الْعُمُوم جَامع لمعاني هَذِه الْآيَات وَنَصّ الْقُرْآن وَإِجْمَاع لأمة على أَن الله حكم بِأَن من حلف فَقَالَ إِن شَاءَ الله أَو إِلَّا أَن يَشَاء الله على أَي شَيْء حلف فَإِنَّهُ إِن فعل مَا حلف عَلَيْهِ أَن لَا يَفْعَله فَلَا حنث عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة تلْزمهُ لِأَن الله تَعَالَى لَو شَاءَ لَا نفذه وَقَالَ ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن اعْترضُوا بقول الله وَقَالُوا ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم مَا لَهُم بذلك من علم إِن هم إِلَّا يخرصون﴾ فَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذِه الْآيَة لِأَن الله لَا يتناقض كَلَامه بل يصدق بعضه بَعْضًا وَقد أخبر تَعَالَى أَنه لَو شَاءَ أَن يُؤمنُوا لآمنوا وَأَنه لَو لم يَشَاء أَن يشركوا مَا أشركوا وَأَنه شَاءَ إضلالهم وَأَنه لَا يُرِيد أَن يطهر قُلُوبهم فَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكذب الله قَوْله الَّذِي أخبر بِهِ وَصدقه فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَإِن فِي الْآيَة الَّتِي ذكرُوا بَيَان نقض اعتراضهم بهَا بأوضح برهَان وَهُوَ أَنه لم يقل تَعَالَى أَنهم كذبُوا فِي قَوْلهم ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم﴾ فَكَانَ يكون لَهُم حِينَئِذٍ فِي الْآيَة مُتَعَلق وَإِنَّمَا أخبر تَعَالَى أَنهم قَالُوا ذَلِك بِغَيْر علم عِنْدهم لَكِن تخرصاً لَيْسَ فِي هَذِه الْآيَة معنى غير هَذَا أصلا وَهَذَا حق وَهُوَ قَوْلنَا أَن الله تَعَالَى لم يُنكر قطّ فِيهَا وَلَا فِي غَيرهَا معنى قَوْلهم لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم بل صدقه فِي الْآيَات الْأُخَر وَإِنَّمَا أنكر أَن قَالُوا ذَلِك بِغَيْر علم لَكِن بالتخرص وَقد أكذب الله من قَالَ الْحق الَّذِي لَا حق أَحَق مِنْهُ إِذْ قَالَه غير مُعْتَقد لَهُ قَالَ ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ قَالُوا نشْهد أَنَّك لرَسُول الله وَالله يعلم أَنَّك لرَسُوله وَالله يشْهد أَن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَلَمَّا قَالُوا أصدق الْكَلَام وَهُوَ الشَّهَادَة لمُحَمد ﷺ بِأَنَّهُ رَسُول غير معتقدين لذَلِك سماهم الله تَعَالَى كاذبين وَهَكَذَا فعل فِي قَوْلهم ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم مَا لَهُم بذلك من علم﴾

стр. 388

لما قَالُوا هَذَا الْكَلَام الَّذِي هُوَ الْحق غير عَالمين بِصِحَّتِهِ أنكر تَعَالَى عَلَيْهِم أَن يقولوه متخرصين وبرهان هَذَا قَول الله تَعَالَى أثر هَذِه الْآيَة نَفسهَا ﴿أم آتَيْنَاهُم كتابا من قبله فهم بِهِ مستمسكون بل قَالُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مهتدون﴾ فَبين تَعَالَى أَنهم قَالُوا ذَلِك بِغَيْر علم من كتاب أَتَاهُم وَأَن الَّذين قَالُوا معتقدين لَهُ إِنَّمَا هُوَ أَنهم اهتدوا بِاتِّبَاع آثَار آبَائِهِم فَهَذَا هُوَ الَّذِي عقدوا عَلَيْهِ وَهَذَا الَّذِي أنكر تَعَالَى عَلَيْهِم لَا قَوْلهم لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم فَبَطل أَن يكون لَهُم فِي الْآيَة مُتَعَلق أصلا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِن اعْترضُوا بقول الله ﴿وَقَالَ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا عَبدنَا من دونه من شَيْء نَحن وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من دونه من شَيْء كَذَلِك فعل الَّذين من قبلهم فَهَل على الرُّسُل إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن سكتوا هَا هُنَا لم يهنهم التمويه وَقُلْنَا لَهُم صلوا الْقِرَاءَة وَأَتمُّوا معنى الْآيَة فَإِن بعد قَوْله تَعَالَى ﴿فَهَل على الرُّسُل إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ مُتَّصِلا بِهِ ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت فَمنهمْ من هدى الله وَمِنْهُم من حقت عَلَيْهِ الضَّلَالَة﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فآخر الْآيَة يبين أَولهَا وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أَيْضا لم يكذبهم فِيمَا قَالُوهُ من ذَلِك بل حكى أَنهم قَالُوا ﴿لَو شَاءَ الله مَا عَبدنَا من دونه من شَيْء نَحن وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من دونه من شَيْء﴾ وَلم يكذبهم فِي ذَلِك أصلا بل حكى هَذَا القَوْل عَنْهُم كَمَا حكى تَعَالَى أَيْضا قَوْلهم ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله﴾ وَلَو أنكر عزو جلّ قَوْلهم ذَلِك لأكذبهم فَإذْ لم يكذبهم فَلَقَد صدقهم فِي ذَلِك وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن اعْترضُوا بقول الله ﴿سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم حَتَّى ذاقوا بأسنا قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن انتم إِلَّا تخرصون قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ قل هَلُمَّ شهداءكم الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا فَإِن شهدُوا فَلَا تشهد مَعَهم وَلَا تتبع أهواء الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة وهم برَبهمْ يعدلُونَ قل تَعَالَوْا اتل مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِنَّمَا تلونا جَمِيع الْآيَات على نسقها فِي الْقُرْآن واتصالها خوف أَن يعترضوا بِالْآيَةِ ويسكتوا عِنْد قَوْله يخرصون فكثيراً مَا احتجنا إِلَى بَيَان مثل هَذَا من الِاقْتِصَار على بعض الْآيَة دون بَعْضهَا من تمويه من لَا يَتَّقِي الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه الْآيَة من أعظم حجَّة على الْقَدَرِيَّة لِأَنَّهُ تَعَالَى لم يُنكر عَلَيْهِم قَوْلهم ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء﴾ وَلَو أنكرهُ لكذبهم فِيهِ وَإِنَّمَا أنكر تَعَالَى قَوْلهم ذَلِك بِغَيْر علم وَإِن وافقوا الصدْق وَالْحق كَمَا قدمنَا آنِفا وَقد بَين تَعَالَى أَنه إِنَّمَا أنكر عَلَيْهِم ذَلِك بقوله فِي الْآيَة نَفسهَا ﴿إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن انتم إِلَّا تخرصون﴾ ثمَّ لم يدعنا تَعَالَى فِي لبس من ذَلِك بل وَاتبع ذَلِك نسقاً وَاحِدًا بِأَن قَالَ ﴿فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ نصدقهم فِي قَوْلهم إِنَّه لَو شَاءَ مَا أشركوا وَلَا آباؤهم وَلَا حرمُوا مَا حرمُوا وَأخْبر تَعَالَى أَنه لَو شَاءَ لهداهم فاهتدوا وَبَين تَعَالَى أَن لَهُ الْحجَّة عَلَيْهِم فِي ذَلِك وَلَا حجَّة لأحد عَلَيْهِ تَعَالَى وَأنكر أَن اخْرُجُوا ذَلِك فَخرج الْعذر لأَنْفُسِهِمْ أَو فَخرج الِاحْتِجَاج على الرُّسُل ﵈ كَمَا تفعل الْمُعْتَزلَة ثمَّ بَين تَعَالَى أَنه إِنَّمَا أنكر أَيْضا تكذيبهم رسله

стр. 389

بقوله تَعَالَى ﴿كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم﴾ بِالذَّالِ الْمُشَدّدَة بِلَا خلاف من الْقُرَّاء ودعواهم أَن الله تَعَالَى حرم مَا ادعوا تَحْرِيمه وهم كاذبون بقوله تَعَالَى ﴿قل هَلُمَّ شهداءكم الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا﴾ فوضح بِكُل مَا ذكرنَا بطلَان قَول الْمُعْتَزلَة الْجُهَّال وَبِأَن صِحَة قَوْلنَا أَن الله تَعَالَى شَاءَ كَون كل مَا فِي الْعَالم من إِيمَان وشرك وَهدى وضلال وَإِن الله تَعَالَى أَرَادَ كَون ذَلِك كُله وَكَيف يُمكن أَن يُنكر تَعَالَى قَوْلهم لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَقد أخبرنَا بِهَذَا نصا فِي قَوْله فِي السُّورَة نَفسهَا ﴿اتبع مَا أُوحِي إِلَيْك من رَبك لَا إِلَه إِلَّا هُوَ واعرض عَن الْمُشْركين وَلَو شَاءَ الله مَا أشركوا﴾ فلاح يَقِينا صدق مَا قُلْنَا من انه تَعَالَى لم يكذبهم فِي قَوْلهم لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من دونه من شَيْء وَهَذَا مثل مَا ذكره الله تَعَالَى من قَوْلهم ﴿أنطعم من لَو يَشَاء الله أطْعمهُ﴾ فَلم يُورد الله قَوْلهم هَذَا تَكْذِيبًا بل صدقُوا فِي ذَلِك بِلَا شكّ وَلَو شَاءَ الله لأطعم الْفُقَرَاء والمجاويع وَمَا أرى الْمُعْتَزلَة تنكر هَذَا وَإِنَّمَا أورد الله تَعَالَى قَوْلهم هَذَا لاحتجاجهم بِهِ فِي الِامْتِنَاع من الصَّدَقَة وإطعام الجائع وَبِهَذَا نَفسه احتجت الْمُعْتَزلَة على رَبهَا إِذْ قَالَت يكلفنا مَالا يقدرنا عَلَيْهِ ثمَّ يعذبنا بعد ذَلِك على مَا أَرَادَ كَونه منا فسلكوا مَسْلَك الْقَائِلين لم كلفنا الله إطْعَام هَذَا الجائع وَلَو أَرَادَ إطعامه لأطعمه قَالَ أَبُو مُحَمَّد تَبًّا لمن عَارض أَمر ربه وَاحْتج عَلَيْهِ بل لله الْحجَّة الْبَالِغَة وَلَو شَاءَ لأطعم من ألزمنا إطعامه وَلَو شَاءَ لهدى الْكَافرين فآمنوا وَلكنه تَعَالَى لم يرد ذَلِك بل أَرَادَ أَن يعذب من لَا يطعم الْمِسْكِين وَمن أضلّهُ من الْكَافرين لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَقَالَت الْمُعْتَزلَة معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى﴾ ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض﴾ وَسَائِر الْآيَات الَّتِي تلوتهم إِنَّمَا هُوَ لَو شَاءَ لاضطرهم إِلَى الْإِيمَان فآمنوا مضطرين فَكَانُوا لَا يسْتَحقُّونَ الْجَزَاء بِالْجنَّةِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تَأْوِيل جمعُوا فِيهِ بلايا جمة أَولهَا أَنه قَول بِلَا برهَان وَدَعوى بِلَا دَلِيل وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ سَاقِط وَيُقَال لَهُم مَا صفة الْإِيمَان الضَّرُورِيّ الَّذِي لَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثَّوَاب عنْدكُمْ وَمَا صفة الْإِيمَان غير الضَّرُورِيّ الَّذِي يسْتَحق بِهِ الثَّوَاب عنْدكُمْ فَإِنَّهُم لَا يقدرُونَ على فرق أصلا إِلَّا أَن يَقُولُوا هُوَ مثل مَا قَالَ الله إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿يَوْم يَأْتِي بعض آيَات رَبك لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل أَو كسبت فِي إيمَانهَا خيرا﴾ وَمثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْفَتْح إِن كُنْتُم صَادِقين قل يَوْم الْفَتْح لَا ينفع الَّذين كفرُوا إِيمَانهم وَلَا هم ينظرُونَ﴾ وَمثل حَالَة المحتضر عِنْد المعاينة الَّتِي لَا يقبل فِيهَا إيمَانه وكما قيل لفرعون ﴿الْآن وَقد عصيت قبل﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَيُقَال لَهُم كل هَذِه الْآيَات حق وَقد شاهدت الْمَلَائِكَة تِلْكَ الْآيَات وَتلك الْأَحْوَال وَلم يبطل بذلك قبُول إِيمَانهم فَهَلا على أصولكم صَار إِيمَانهم إِيمَان اضطرار لَا يسْتَحقُّونَ عَلَيْهِ جَزَاء فِي الْجنَّة أم صَار جزاؤهم عَلَيْهِ أفضل من جَزَاء كل مُؤمن دونهم وَهَذَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ أصلا ثمَّ نقُول لَهُم أخبرونا عَن إِيمَان الْمُؤمنِينَ إِذْ صَحَّ عِنْدهم صدق النَّبِي بمشاهدة المعجزات من شقّ الْقَمَر وإطعام النَّفر الْكثير من الطَّعَام الْيَسِير ونبعان المَاء الغزير من بَين الْأَصَابِع وشق الْبَحْر وإحياء الْمَوْتَى وأوضح كل ذَلِك مِمَّا يصير فِيهِ من بلغه كمن شَاهده وَلَا

стр. 390

فرق فِي صِحَة الْيَقِين لكَونه هَل إِيمَانهم إِلَّا ايمان يَقِين قدصح عِنْدهم وَأَنه حق وَلم يتخالجهم فِيهِ شكّ فَإِن علمهمْ بِهِ كعلمهم أَن ثَلَاثَة أَكثر من اثْنَيْنِ وكعلمهم مَا شاهدوه بحواسهم فِي أَنه كُله حق وعلموه ضَرُورَة أم إِيمَانهم ذَلِك لَيْسَ يَقِينا مَقْطُوعًا بِصِحَّة مَا آمنُوا بِهِ عِنْده كقطعهم على صِحَة مَا علموه بحواسهم وَلَا سَبِيل إِلَى قسم ثَالِث فَإِن قَالُوا بل هُوَ الْآن يَقِين قد صَحَّ علمهمْ بِأَنَّهُ حق لَا مدْخل للشَّكّ فِيهِ عِنْدهم كتيقنهم صِحَة مَا علموه بمشاهدة حواسهم قُلْنَا لَهُم نعم هَذَا هُوَ الْإِيمَان الاضطراري بِعَيْنِه والاففرقوا وَهَذَا الَّذِي موهتم بِأَنَّهُ لَا يسْتَحق عَلَيْهِ من الْجَزَاء كَالَّذي يسْتَحق على غَيره وَبِكُل تمويهكم بِحَمْد الله تَعَالَى إِذْ قُلْتُمْ ان معنى قَوْله تَعَالَى ﴿لجمعهم على الْهدى﴾ ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض﴾ إِنَّه كَانَ يضطرهم إِلَى الْإِيمَان فَإِن قَالُوا بل لَيْسَ إِيمَان الْمُؤمنِينَ هَكَذَا وَلَا علمهمْ بِصِحَّة التَّوْحِيد والنبوة على يَقِين وضرورة قيل لَهُم قد أوجبتم أَن الْمُؤمنِينَ على شكّ فِي إِيمَانهم وعَلى عدم يَقِين فِي اعْتِقَادهم وَلَيْسَ هَذَا إِيمَانًا بل كفر مُجَرّد مِمَّن كَانَ دينه هَكَذَا فَإِن كَانَ هَذَا صفة إِيمَان الْمُعْتَزلَة فهم أعلم بِأَنْفسِهِم وَأما نَحن فايماننا وَللَّه الْحَمد إِيمَان ضَرُورِيّ لَا مدْخل للشَّكّ فِيهِ كعلمنا أَن ثَلَاثَة أكبر من اثْنَيْنِ وَأَن كل بِنَاء فمبني وكل من أَتَى بمعجزة فمحق فِي نبوته وَلَا نبالي إِن كَانَ ابْتِدَاء علمنَا اسْتِدْلَالا أم مدْركا بالحواس إِذْ كَانَت نتيجة كل ذَلِك سَوَاء فِي تَيَقّن صِحَة الشَّيْء المعتقدو بِاللَّه تَعَالَى التَّوْفِيق ثمَّ نسألهم عَن الَّذين يرَوْنَ بعض آيَات رَبنَا يَوْم لَا ينفع نفسا إيمَانهَا أَكَانَ الله تَعَالَى قادا على ان ينفهم بذلك الْإِيمَان ويجزيهم عَلَيْهِ جزاءه لسَائِر الْمُؤمنِينَ أم هُوَ تَعَالَى غير قَادر على ذَلِك فَإِن قَالُوا بل هُوَ قَادر على ذَلِك رجعُوا إِلَى الْحق وَالتَّسْلِيم لله وَإنَّهُ تَعَالَى منع من شَاءَ وَأعْطى من شَاءَ وَأَنه تَعَالَى أبطل إِيمَان بعض من آمن عِنْد رُؤْيَة آيَة من آيَاته وَلم يبطل إِيمَان من آمن عِنْد رُؤْيَة آيَة أُخْرَى وَكلهَا سَوَاء فِي بَاب الإعجاز وَهَذَا هُوَ الْمُحَابَاة والمحضة والجور الْبَين عِنْد الْمُعْتَزلَة فَإِن عجزوا رَبهم تَعَالَى عَن ذَلِك أحالوا وَكَفرُوا وجعلوه تَعَالَى مُضْطَرّا مطبوعاً مَحْكُومًا عَلَيْهِ تَعَالَى الله عَن ذَلِك (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقد قَالَ ﴿فلولا كَانَت قَرْيَة آمَنت فنفعها إيمَانهَا إِلَّا قوم يُونُس لما آمنُوا كشفنا عَنْهُم عَذَاب الخزي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ومتعناهم إِلَى حِين﴾ فَهَؤُلَاءِ قوم يُونُس لما رأواالعذاب آمنُوا فَقبل الله مِنْهُم إِيمَانهم وآمن فِرْعَوْن وَسَائِر الْأُمَم المعذبة لما رَأَوْا الْعَذَاب فَلم يقبل الله مِنْهُم فَفعل الله تَعَالَى مَا شَاءَ لَا معقب لحكمه فَظهر فَسَاد قَوْلهم فِي أَن الْإِيمَان الاضطراري لَا يسْتَحق عَلَيْهِ جَزَاء جملَة وَصَحَّ أَن الله تَعَالَى يقبل إِيمَان من شَاءَ وَلَا يقبل إِيمَان من شَاءَ وَلَا مزِيد ثمَّ يُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هبكم لَو صَحَّ لكم هَذَا الْبَاطِل الغث الَّذِي هديتم بِهِ من أَن معنى قَوْله تَعَالَى ﴿لجمعهم على الْهدى﴾ إِنَّمَا هُوَ لاضطرهم إِلَى الْإِيمَان فأخبرونا لَو كَانَ ذَلِك فَأَي ضَرَر كَانَ يكون فِي ذَلِك على النَّاس وَالْجِنّ بل كَانَ يكون فِي ذَلِك الْخَيْر كُله وماذا ضرّ الْأَطْفَال إِذْ لم يكن لَهُم إِيمَان اخْتِيَاري كَمَا تَزْعُمُونَ وَقد حصلوا على أفضل الْمَوَاهِب من السَّلامَة من النَّار بِالْجُمْلَةِ وَمن هول المطلع وصعوبة الْحساب وفظاعة تِلْكَ المواقف كلهَا وَدخل الْجنَّة جَمِيعهم بِسَلام آمِنين منعمين لم يرَوا فَزعًا رَآهُ غَيرهم وَأَيْضًا فَإِن دَعوَاهُم هَذِه الَّتِي كذبُوا فِيهَا على الله إِذْ وصفوا عَن مُرَاد الله تَعَالَى مَا لم يقلهُ تَعَالَى فقد خالفوا فِيهَا الْقُرْآن واللغة لِأَن اسْم الْهدى وَالْإِيمَان لَا يقعان الْبَتَّةَ على معنى غير الْمَعْنى الْمَعْهُود فِي الْقُرْآن واللغة وهما طاعات الله وَالْعَمَل بهَا وَالْقَوْل بهَا والتصديق بجميعها الْمُوجب كل ذَلِك بِنَصّ الْقُرْآن رَضِي الله وجنته وَلَا يُسمى الجماد وَالْحَيَوَان غيرالناطق وَلَا الْمَجْنُون وَلَا الطِّفْل
следующие страницы →