← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

تَعَالَى فعل تَمْلِيكه وَملكه على أهل الْإِيمَان وَلَا خلاف بَين أحد من الْأمة فِي أَن ذَلِك يسْخط الله عزوجل ويغضبه وَلَا يرضاه وَهُوَ نفس الَّذِي أنكرته الْمُعْتَزلَة وشنعت بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونسألهم عَمَّا مَضَت الدُّنْيَا عَلَيْهِ مذ كَانَت من أَولهَا إِلَى يَوْمنَا هَذَا من النَّصْر النَّازِل على مُلُوك أهل الشّرك والملوك الجورة والظلمة وَالْغَلَبَة المعطاة لَهُم على من ناوأهم من أهل الْإِسْلَام وَأهل الْفضل واحترام من أَرَادَهُم بِالْمَوْتِ أَو باضطراب الْكَلِمَة ويانى النَّصْر لَهُم بِوُجُوه الظفر الَّذِي لَا شكّ فِي أَنه الله تَعَالَى فَاعله من أَمَاتَهُ أعدائهم من أهل الْفضل وتأييدهم عَلَيْهِم وَهَذَا مَا لَا مخلص لَهُم فِي أَن الله تَعَالَى أَرَادَ كَونه وَقَالَ عزوجل ﴿وَلَكِن كره الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ وَقيل اقعدوا مَعَ القاعدين﴾ فنص تَعَالَى نصاجليا لَا يحْتَمل تَأْوِيلا على أَنه كره أَن يخرجُوا فِي الْجِهَاد الَّذِي افْترض عَلَيْهِم الْخُرُوج فِيهِ مَعَ رَسُول الله ﷺ فقد كره تَعَالَى كَون مَا أَرَادَ وَنَصّ على أَنه ثبطهم عَن الْخُرُوج فِي الْجِهَاد ثمَّ عذبهم على التثبيط الَّذِي أخبر تَعَالَى أَنه فعله وَنَصّ تَعَالَى على أَنه قَالَ اقعدوا مَعَ القاعدين وَهَذَا يَقِين لَيْسَ بِأَمْر إِلْزَام لِأَن الله تَعَالَى لم يَأْمُرهُم بالقعود عَن الْجِهَاد مَعَ رَسُوله ﷺ بل لعنهم وَسخط عَلَيْهِم إِذْ قعدوا فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَهُوَ ضَرُورَة أَمر تكوين فصح ان الله تَعَالَى خلق قعودهم الْمُغْضب لَهُ الْمُوجب لسخطه وَإِذا نَص تَعَالَى على أَمر فَلَا اعْتِرَاض لأحد عَلَيْهِ وَقَالَ عزوجل ﴿فَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم إِنَّمَا يُرِيد الله ليعذبهم بهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ وَهَذَا نَص جلي على أَنه عزوجل أَرَادَ أَن يموتوا وَهُوَ كافرون وَأَنه تَعَالَى أَرَادَ كفرهم وَالْقَاف من تزهق مَفْتُوحَة بِلَا خلاف من أحد من الْقُرَّاء معطوفة على مَا اراد الله عزوجل من أَن يعذبهم بهَا فِي الدُّنْيَا وَالْوَاو تدخل الْمَعْطُوف فِي حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ بِلَا خلاف من أحد فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا خاطبنا الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالَ قَائِل فان الله عزوجل قَالَ فِي الَّذين قعدوا عَن الْخُرُوج مَعَ رَسُول الله ﷺ ﴿لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إِلَّا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الْفِتْنَة وَفِيكُمْ سماعون لَهُم﴾ فَلهَذَا ثبطهم قُلْنَا لَا عَلَيْكُم أكانوا مأمورين بِالْخرُوجِ مَعَه ﵇ متوعدين بالنَّار إِن قعدوا لغير عذرأم كانو غير مأمورين بذلك فَإذْ لَا شكّ فِي أَنهم كَانُوا مأمورين فقد ثبطهم الله عزوجل عَمَّا أَمرهم بِهِ وعذبهم على ذَلِك وَخلق قعودهم عَمَّا أَمرهم بِهِ ثمَّ نقُول لَهُم أَكَانَ تَعَالَى قَادِرًا على ان يكف عَن أهل الْإِسْلَام خبالهم وفتنتهم لَو خَرجُوا مَعَهم أم لَا فَإِن قَالُوا لم يكن قَادِرًا على ذَلِك عجزوا رَبهم تَعَالَى وَإِن قَالُوا أَنه تَعَالَى كَانَ قَادِرًا على ذَلِك رجعُوا إِلَى الْحق وأقروا أَن الله تَعَالَى ثبطهم وَكره كَون مَا افْترض عَلَيْهِم وَخلق قعودهم الَّذِي عذبهم عَلَيْهِ وَلَا مُهِمّ عَلَيْهِ كَمَا شَاءَ لَا معقب لحكمه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإذْ جَاءَت النُّصُوص كَمَا ذكرنَا متظاهرة لَا تحْتَمل تَأْوِيلا بِأَنَّهُ عزوجل أَرَادَ ضلال من ضل وَشاء كفر من كفر فقد علمنَا ضَرُورَة أَن كَلَام الله تَعَالَى لَا يتعارض فَلَمَّا اخبر عزوجل أَنه لَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر فبالضرورة علمنَا أَن الَّذِي نفى هُوَ غير الَّذِي اثْبتْ فَإذْ لَا شكّ فِي ذَلِك فَالَّذِي نفى تَعَالَى هُوَ الرضى بالْكفْر وَالَّذِي أثبت هُوَ الْإِرَادَة لكَونه والشيئة لوُجُوده وهما مَعْنيانِ متغايران بِنَصّ الْقُرْآن وَحكم اللُّغَة فَإِن أَبَت الْمُعْتَزلَة من قبُول كَلَام رَبهم وَكَلَام نَبِيّهم ﷺ وَكَلَام إِبْرَاهِيم ويوسف وَشُعَيْب وَسَائِر الْأَنْبِيَاء صلى الله عَلَيْهِم وَسلم وأبت

стр. 387

أَيْضا من قبُول اللُّغَة وَمَا أوجبته الْبَرَاهِين الضرورية مِمَّا شهِدت بِهِ الْحَواس والعقول من الله تَعَالَى لَو لم يرد كَون مَا هُوَ مَوْجُود كَائِن لمنع مِنْهُ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين كذبُوا شعيباً كَانُوا هم الخاسرين﴾ فَشهد الله تَعَالَى بتكذيبهم واستعاضته من ذَلِك بأصول المنانية أَن الْحَكِيم لَا يُرِيد كَون الظُّلم وَلَا يخلقه فلبئس مَا شروا بِهِ أنفسهم لَو كَانُوا يعلمُونَ وَلَقَد لَجأ بَعضهم إِلَى أَن قَالَ إِن لله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَات معنى وَمُرَاد لَا نعلمهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تجاهل ظَاهر وراجع لنا عَلَيْهِم سواهُ بِسَوَاء فِي خلق الله تَعَالَى أَفعَال عباده ثمَّ يعذبهم عَلَيْهَا وَلَا فرق فَكيف وَهَذَا كُله لَا معنى لَهُ بل الْآيَات كلهَا حق على ظَاهرهَا لَا يحل صرفهَا عَنهُ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن أم على قُلُوب أقفالها﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قُرْآنًا عَرَبيا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿تبياناً لكل شَيْء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو لم يَكفهمْ أَنا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن الْقُرْآن تبيان لكل شَيْء فَقَالَت الْمُعْتَزلَة أَنه لَا يفهمهُ أحد وَأَنه لَيْسَ بَيَانا نَعُوذ بِاللَّه من مُخَالفَة الله وَمُخَالفَة رَسُول الله ﷺ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا فرق بَين مَا تلونا من الْآيَات فِي أَن الله تَعَالَى شَاءَ كَون الْكفْر والضلال وَبَين قَوْله تَعَالَى ﴿قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك تؤتي الْملك من تشَاء وتنزع الْملك مِمَّن تشَاء وتعز من تشَاء وتذل من تشَاء بِيَدِك الْخَيْر﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الله يفعل مَا يَشَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يجتبي من رسله من يَشَاء﴾ وَقَوله ﴿يرْزق من يَشَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يخْتَص برحمته من يَشَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فعال لما يُرِيد﴾ فَهَذَا الْعُمُوم جَامع لمعاني هَذِه الْآيَات وَنَصّ الْقُرْآن وَإِجْمَاع لأمة على أَن الله حكم بِأَن من حلف فَقَالَ إِن شَاءَ الله أَو إِلَّا أَن يَشَاء الله على أَي شَيْء حلف فَإِنَّهُ إِن فعل مَا حلف عَلَيْهِ أَن لَا يَفْعَله فَلَا حنث عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة تلْزمهُ لِأَن الله تَعَالَى لَو شَاءَ لَا نفذه وَقَالَ ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن اعْترضُوا بقول الله وَقَالُوا ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم مَا لَهُم بذلك من علم إِن هم إِلَّا يخرصون﴾ فَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذِه الْآيَة لِأَن الله لَا يتناقض كَلَامه بل يصدق بعضه بَعْضًا وَقد أخبر تَعَالَى أَنه لَو شَاءَ أَن يُؤمنُوا لآمنوا وَأَنه لَو لم يَشَاء أَن يشركوا مَا أشركوا وَأَنه شَاءَ إضلالهم وَأَنه لَا يُرِيد أَن يطهر قُلُوبهم فَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكذب الله قَوْله الَّذِي أخبر بِهِ وَصدقه فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَإِن فِي الْآيَة الَّتِي ذكرُوا بَيَان نقض اعتراضهم بهَا بأوضح برهَان وَهُوَ أَنه لم يقل تَعَالَى أَنهم كذبُوا فِي قَوْلهم ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم﴾ فَكَانَ يكون لَهُم حِينَئِذٍ فِي الْآيَة مُتَعَلق وَإِنَّمَا أخبر تَعَالَى أَنهم قَالُوا ذَلِك بِغَيْر علم عِنْدهم لَكِن تخرصاً لَيْسَ فِي هَذِه الْآيَة معنى غير هَذَا أصلا وَهَذَا حق وَهُوَ قَوْلنَا أَن الله تَعَالَى لم يُنكر قطّ فِيهَا وَلَا فِي غَيرهَا معنى قَوْلهم لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم بل صدقه فِي الْآيَات الْأُخَر وَإِنَّمَا أنكر أَن قَالُوا ذَلِك بِغَيْر علم لَكِن بالتخرص وَقد أكذب الله من قَالَ الْحق الَّذِي لَا حق أَحَق مِنْهُ إِذْ قَالَه غير مُعْتَقد لَهُ قَالَ ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ قَالُوا نشْهد أَنَّك لرَسُول الله وَالله يعلم أَنَّك لرَسُوله وَالله يشْهد أَن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَلَمَّا قَالُوا أصدق الْكَلَام وَهُوَ الشَّهَادَة لمُحَمد ﷺ بِأَنَّهُ رَسُول غير معتقدين لذَلِك سماهم الله تَعَالَى كاذبين وَهَكَذَا فعل فِي قَوْلهم ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم مَا لَهُم بذلك من علم﴾

стр. 388

لما قَالُوا هَذَا الْكَلَام الَّذِي هُوَ الْحق غير عَالمين بِصِحَّتِهِ أنكر تَعَالَى عَلَيْهِم أَن يقولوه متخرصين وبرهان هَذَا قَول الله تَعَالَى أثر هَذِه الْآيَة نَفسهَا ﴿أم آتَيْنَاهُم كتابا من قبله فهم بِهِ مستمسكون بل قَالُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مهتدون﴾ فَبين تَعَالَى أَنهم قَالُوا ذَلِك بِغَيْر علم من كتاب أَتَاهُم وَأَن الَّذين قَالُوا معتقدين لَهُ إِنَّمَا هُوَ أَنهم اهتدوا بِاتِّبَاع آثَار آبَائِهِم فَهَذَا هُوَ الَّذِي عقدوا عَلَيْهِ وَهَذَا الَّذِي أنكر تَعَالَى عَلَيْهِم لَا قَوْلهم لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم فَبَطل أَن يكون لَهُم فِي الْآيَة مُتَعَلق أصلا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِن اعْترضُوا بقول الله ﴿وَقَالَ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا عَبدنَا من دونه من شَيْء نَحن وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من دونه من شَيْء كَذَلِك فعل الَّذين من قبلهم فَهَل على الرُّسُل إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن سكتوا هَا هُنَا لم يهنهم التمويه وَقُلْنَا لَهُم صلوا الْقِرَاءَة وَأَتمُّوا معنى الْآيَة فَإِن بعد قَوْله تَعَالَى ﴿فَهَل على الرُّسُل إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ مُتَّصِلا بِهِ ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت فَمنهمْ من هدى الله وَمِنْهُم من حقت عَلَيْهِ الضَّلَالَة﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فآخر الْآيَة يبين أَولهَا وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أَيْضا لم يكذبهم فِيمَا قَالُوهُ من ذَلِك بل حكى أَنهم قَالُوا ﴿لَو شَاءَ الله مَا عَبدنَا من دونه من شَيْء نَحن وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من دونه من شَيْء﴾ وَلم يكذبهم فِي ذَلِك أصلا بل حكى هَذَا القَوْل عَنْهُم كَمَا حكى تَعَالَى أَيْضا قَوْلهم ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله﴾ وَلَو أنكر عزو جلّ قَوْلهم ذَلِك لأكذبهم فَإذْ لم يكذبهم فَلَقَد صدقهم فِي ذَلِك وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن اعْترضُوا بقول الله ﴿سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم حَتَّى ذاقوا بأسنا قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن انتم إِلَّا تخرصون قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ قل هَلُمَّ شهداءكم الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا فَإِن شهدُوا فَلَا تشهد مَعَهم وَلَا تتبع أهواء الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة وهم برَبهمْ يعدلُونَ قل تَعَالَوْا اتل مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِنَّمَا تلونا جَمِيع الْآيَات على نسقها فِي الْقُرْآن واتصالها خوف أَن يعترضوا بِالْآيَةِ ويسكتوا عِنْد قَوْله يخرصون فكثيراً مَا احتجنا إِلَى بَيَان مثل هَذَا من الِاقْتِصَار على بعض الْآيَة دون بَعْضهَا من تمويه من لَا يَتَّقِي الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه الْآيَة من أعظم حجَّة على الْقَدَرِيَّة لِأَنَّهُ تَعَالَى لم يُنكر عَلَيْهِم قَوْلهم ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء﴾ وَلَو أنكرهُ لكذبهم فِيهِ وَإِنَّمَا أنكر تَعَالَى قَوْلهم ذَلِك بِغَيْر علم وَإِن وافقوا الصدْق وَالْحق كَمَا قدمنَا آنِفا وَقد بَين تَعَالَى أَنه إِنَّمَا أنكر عَلَيْهِم ذَلِك بقوله فِي الْآيَة نَفسهَا ﴿إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن انتم إِلَّا تخرصون﴾ ثمَّ لم يدعنا تَعَالَى فِي لبس من ذَلِك بل وَاتبع ذَلِك نسقاً وَاحِدًا بِأَن قَالَ ﴿فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ نصدقهم فِي قَوْلهم إِنَّه لَو شَاءَ مَا أشركوا وَلَا آباؤهم وَلَا حرمُوا مَا حرمُوا وَأخْبر تَعَالَى أَنه لَو شَاءَ لهداهم فاهتدوا وَبَين تَعَالَى أَن لَهُ الْحجَّة عَلَيْهِم فِي ذَلِك وَلَا حجَّة لأحد عَلَيْهِ تَعَالَى وَأنكر أَن اخْرُجُوا ذَلِك فَخرج الْعذر لأَنْفُسِهِمْ أَو فَخرج الِاحْتِجَاج على الرُّسُل ﵈ كَمَا تفعل الْمُعْتَزلَة ثمَّ بَين تَعَالَى أَنه إِنَّمَا أنكر أَيْضا تكذيبهم رسله

стр. 389

بقوله تَعَالَى ﴿كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم﴾ بِالذَّالِ الْمُشَدّدَة بِلَا خلاف من الْقُرَّاء ودعواهم أَن الله تَعَالَى حرم مَا ادعوا تَحْرِيمه وهم كاذبون بقوله تَعَالَى ﴿قل هَلُمَّ شهداءكم الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا﴾ فوضح بِكُل مَا ذكرنَا بطلَان قَول الْمُعْتَزلَة الْجُهَّال وَبِأَن صِحَة قَوْلنَا أَن الله تَعَالَى شَاءَ كَون كل مَا فِي الْعَالم من إِيمَان وشرك وَهدى وضلال وَإِن الله تَعَالَى أَرَادَ كَون ذَلِك كُله وَكَيف يُمكن أَن يُنكر تَعَالَى قَوْلهم لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَقد أخبرنَا بِهَذَا نصا فِي قَوْله فِي السُّورَة نَفسهَا ﴿اتبع مَا أُوحِي إِلَيْك من رَبك لَا إِلَه إِلَّا هُوَ واعرض عَن الْمُشْركين وَلَو شَاءَ الله مَا أشركوا﴾ فلاح يَقِينا صدق مَا قُلْنَا من انه تَعَالَى لم يكذبهم فِي قَوْلهم لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من دونه من شَيْء وَهَذَا مثل مَا ذكره الله تَعَالَى من قَوْلهم ﴿أنطعم من لَو يَشَاء الله أطْعمهُ﴾ فَلم يُورد الله قَوْلهم هَذَا تَكْذِيبًا بل صدقُوا فِي ذَلِك بِلَا شكّ وَلَو شَاءَ الله لأطعم الْفُقَرَاء والمجاويع وَمَا أرى الْمُعْتَزلَة تنكر هَذَا وَإِنَّمَا أورد الله تَعَالَى قَوْلهم هَذَا لاحتجاجهم بِهِ فِي الِامْتِنَاع من الصَّدَقَة وإطعام الجائع وَبِهَذَا نَفسه احتجت الْمُعْتَزلَة على رَبهَا إِذْ قَالَت يكلفنا مَالا يقدرنا عَلَيْهِ ثمَّ يعذبنا بعد ذَلِك على مَا أَرَادَ كَونه منا فسلكوا مَسْلَك الْقَائِلين لم كلفنا الله إطْعَام هَذَا الجائع وَلَو أَرَادَ إطعامه لأطعمه قَالَ أَبُو مُحَمَّد تَبًّا لمن عَارض أَمر ربه وَاحْتج عَلَيْهِ بل لله الْحجَّة الْبَالِغَة وَلَو شَاءَ لأطعم من ألزمنا إطعامه وَلَو شَاءَ لهدى الْكَافرين فآمنوا وَلكنه تَعَالَى لم يرد ذَلِك بل أَرَادَ أَن يعذب من لَا يطعم الْمِسْكِين وَمن أضلّهُ من الْكَافرين لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَقَالَت الْمُعْتَزلَة معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى﴾ ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض﴾ وَسَائِر الْآيَات الَّتِي تلوتهم إِنَّمَا هُوَ لَو شَاءَ لاضطرهم إِلَى الْإِيمَان فآمنوا مضطرين فَكَانُوا لَا يسْتَحقُّونَ الْجَزَاء بِالْجنَّةِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تَأْوِيل جمعُوا فِيهِ بلايا جمة أَولهَا أَنه قَول بِلَا برهَان وَدَعوى بِلَا دَلِيل وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ سَاقِط وَيُقَال لَهُم مَا صفة الْإِيمَان الضَّرُورِيّ الَّذِي لَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثَّوَاب عنْدكُمْ وَمَا صفة الْإِيمَان غير الضَّرُورِيّ الَّذِي يسْتَحق بِهِ الثَّوَاب عنْدكُمْ فَإِنَّهُم لَا يقدرُونَ على فرق أصلا إِلَّا أَن يَقُولُوا هُوَ مثل مَا قَالَ الله إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿يَوْم يَأْتِي بعض آيَات رَبك لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل أَو كسبت فِي إيمَانهَا خيرا﴾ وَمثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْفَتْح إِن كُنْتُم صَادِقين قل يَوْم الْفَتْح لَا ينفع الَّذين كفرُوا إِيمَانهم وَلَا هم ينظرُونَ﴾ وَمثل حَالَة المحتضر عِنْد المعاينة الَّتِي لَا يقبل فِيهَا إيمَانه وكما قيل لفرعون ﴿الْآن وَقد عصيت قبل﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَيُقَال لَهُم كل هَذِه الْآيَات حق وَقد شاهدت الْمَلَائِكَة تِلْكَ الْآيَات وَتلك الْأَحْوَال وَلم يبطل بذلك قبُول إِيمَانهم فَهَلا على أصولكم صَار إِيمَانهم إِيمَان اضطرار لَا يسْتَحقُّونَ عَلَيْهِ جَزَاء فِي الْجنَّة أم صَار جزاؤهم عَلَيْهِ أفضل من جَزَاء كل مُؤمن دونهم وَهَذَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ أصلا ثمَّ نقُول لَهُم أخبرونا عَن إِيمَان الْمُؤمنِينَ إِذْ صَحَّ عِنْدهم صدق النَّبِي بمشاهدة المعجزات من شقّ الْقَمَر وإطعام النَّفر الْكثير من الطَّعَام الْيَسِير ونبعان المَاء الغزير من بَين الْأَصَابِع وشق الْبَحْر وإحياء الْمَوْتَى وأوضح كل ذَلِك مِمَّا يصير فِيهِ من بلغه كمن شَاهده وَلَا

стр. 390

فرق فِي صِحَة الْيَقِين لكَونه هَل إِيمَانهم إِلَّا ايمان يَقِين قدصح عِنْدهم وَأَنه حق وَلم يتخالجهم فِيهِ شكّ فَإِن علمهمْ بِهِ كعلمهم أَن ثَلَاثَة أَكثر من اثْنَيْنِ وكعلمهم مَا شاهدوه بحواسهم فِي أَنه كُله حق وعلموه ضَرُورَة أم إِيمَانهم ذَلِك لَيْسَ يَقِينا مَقْطُوعًا بِصِحَّة مَا آمنُوا بِهِ عِنْده كقطعهم على صِحَة مَا علموه بحواسهم وَلَا سَبِيل إِلَى قسم ثَالِث فَإِن قَالُوا بل هُوَ الْآن يَقِين قد صَحَّ علمهمْ بِأَنَّهُ حق لَا مدْخل للشَّكّ فِيهِ عِنْدهم كتيقنهم صِحَة مَا علموه بمشاهدة حواسهم قُلْنَا لَهُم نعم هَذَا هُوَ الْإِيمَان الاضطراري بِعَيْنِه والاففرقوا وَهَذَا الَّذِي موهتم بِأَنَّهُ لَا يسْتَحق عَلَيْهِ من الْجَزَاء كَالَّذي يسْتَحق على غَيره وَبِكُل تمويهكم بِحَمْد الله تَعَالَى إِذْ قُلْتُمْ ان معنى قَوْله تَعَالَى ﴿لجمعهم على الْهدى﴾ ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض﴾ إِنَّه كَانَ يضطرهم إِلَى الْإِيمَان فَإِن قَالُوا بل لَيْسَ إِيمَان الْمُؤمنِينَ هَكَذَا وَلَا علمهمْ بِصِحَّة التَّوْحِيد والنبوة على يَقِين وضرورة قيل لَهُم قد أوجبتم أَن الْمُؤمنِينَ على شكّ فِي إِيمَانهم وعَلى عدم يَقِين فِي اعْتِقَادهم وَلَيْسَ هَذَا إِيمَانًا بل كفر مُجَرّد مِمَّن كَانَ دينه هَكَذَا فَإِن كَانَ هَذَا صفة إِيمَان الْمُعْتَزلَة فهم أعلم بِأَنْفسِهِم وَأما نَحن فايماننا وَللَّه الْحَمد إِيمَان ضَرُورِيّ لَا مدْخل للشَّكّ فِيهِ كعلمنا أَن ثَلَاثَة أكبر من اثْنَيْنِ وَأَن كل بِنَاء فمبني وكل من أَتَى بمعجزة فمحق فِي نبوته وَلَا نبالي إِن كَانَ ابْتِدَاء علمنَا اسْتِدْلَالا أم مدْركا بالحواس إِذْ كَانَت نتيجة كل ذَلِك سَوَاء فِي تَيَقّن صِحَة الشَّيْء المعتقدو بِاللَّه تَعَالَى التَّوْفِيق ثمَّ نسألهم عَن الَّذين يرَوْنَ بعض آيَات رَبنَا يَوْم لَا ينفع نفسا إيمَانهَا أَكَانَ الله تَعَالَى قادا على ان ينفهم بذلك الْإِيمَان ويجزيهم عَلَيْهِ جزاءه لسَائِر الْمُؤمنِينَ أم هُوَ تَعَالَى غير قَادر على ذَلِك فَإِن قَالُوا بل هُوَ قَادر على ذَلِك رجعُوا إِلَى الْحق وَالتَّسْلِيم لله وَإنَّهُ تَعَالَى منع من شَاءَ وَأعْطى من شَاءَ وَأَنه تَعَالَى أبطل إِيمَان بعض من آمن عِنْد رُؤْيَة آيَة من آيَاته وَلم يبطل إِيمَان من آمن عِنْد رُؤْيَة آيَة أُخْرَى وَكلهَا سَوَاء فِي بَاب الإعجاز وَهَذَا هُوَ الْمُحَابَاة والمحضة والجور الْبَين عِنْد الْمُعْتَزلَة فَإِن عجزوا رَبهم تَعَالَى عَن ذَلِك أحالوا وَكَفرُوا وجعلوه تَعَالَى مُضْطَرّا مطبوعاً مَحْكُومًا عَلَيْهِ تَعَالَى الله عَن ذَلِك (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقد قَالَ ﴿فلولا كَانَت قَرْيَة آمَنت فنفعها إيمَانهَا إِلَّا قوم يُونُس لما آمنُوا كشفنا عَنْهُم عَذَاب الخزي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ومتعناهم إِلَى حِين﴾ فَهَؤُلَاءِ قوم يُونُس لما رأواالعذاب آمنُوا فَقبل الله مِنْهُم إِيمَانهم وآمن فِرْعَوْن وَسَائِر الْأُمَم المعذبة لما رَأَوْا الْعَذَاب فَلم يقبل الله مِنْهُم فَفعل الله تَعَالَى مَا شَاءَ لَا معقب لحكمه فَظهر فَسَاد قَوْلهم فِي أَن الْإِيمَان الاضطراري لَا يسْتَحق عَلَيْهِ جَزَاء جملَة وَصَحَّ أَن الله تَعَالَى يقبل إِيمَان من شَاءَ وَلَا يقبل إِيمَان من شَاءَ وَلَا مزِيد ثمَّ يُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هبكم لَو صَحَّ لكم هَذَا الْبَاطِل الغث الَّذِي هديتم بِهِ من أَن معنى قَوْله تَعَالَى ﴿لجمعهم على الْهدى﴾ إِنَّمَا هُوَ لاضطرهم إِلَى الْإِيمَان فأخبرونا لَو كَانَ ذَلِك فَأَي ضَرَر كَانَ يكون فِي ذَلِك على النَّاس وَالْجِنّ بل كَانَ يكون فِي ذَلِك الْخَيْر كُله وماذا ضرّ الْأَطْفَال إِذْ لم يكن لَهُم إِيمَان اخْتِيَاري كَمَا تَزْعُمُونَ وَقد حصلوا على أفضل الْمَوَاهِب من السَّلامَة من النَّار بِالْجُمْلَةِ وَمن هول المطلع وصعوبة الْحساب وفظاعة تِلْكَ المواقف كلهَا وَدخل الْجنَّة جَمِيعهم بِسَلام آمِنين منعمين لم يرَوا فَزعًا رَآهُ غَيرهم وَأَيْضًا فَإِن دَعوَاهُم هَذِه الَّتِي كذبُوا فِيهَا على الله إِذْ وصفوا عَن مُرَاد الله تَعَالَى مَا لم يقلهُ تَعَالَى فقد خالفوا فِيهَا الْقُرْآن واللغة لِأَن اسْم الْهدى وَالْإِيمَان لَا يقعان الْبَتَّةَ على معنى غير الْمَعْنى الْمَعْهُود فِي الْقُرْآن واللغة وهما طاعات الله وَالْعَمَل بهَا وَالْقَوْل بهَا والتصديق بجميعها الْمُوجب كل ذَلِك بِنَصّ الْقُرْآن رَضِي الله وجنته وَلَا يُسمى الجماد وَالْحَيَوَان غيرالناطق وَلَا الْمَجْنُون وَلَا الطِّفْل

стр. 391

مُؤمنا وَلَا مهتدياً الاعلى معنى جرى أَحْكَام الْإِيمَان على الْمَجْنُون والطفل خَاصَّة وبرهان مَا قُلْنَا قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ فصح أَن الْهدى الَّذِي لَو أَرَادَ الله تَعَالَى جمع النَّاس عَلَيْهِ هُوَ المنقذ من النَّار وَالَّذِي لَا يمْلَأ جَهَنَّم من أَهله وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله﴾ فصح أَن الْإِيمَان جملَة شَيْء وَاحِد وَهُوَ المنقذ من النَّار الْمُوجب للجنة وَأَيْضًا فَإِن الله يَقُول ﴿من يهد الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشداً﴾ وَيَقُول ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ وَيَقُول تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْك هدَاهُم وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ فَهَذِهِ الْآيَات مَبْنِيَّة على أَن الْهدى الْمَذْكُور هُوَ الِاخْتِيَارِيّ عِنْد الْمُعْتَزلَة لِأَنَّهُ تَعَالَى يَقُول لنَبيه ﷺ ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا أفأنت تكره النَّاس حَتَّى يَكُونُوا مُؤمنين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين﴾ فصح يَقِينا أَن الله تَعَالَى لم يرد قطّ بقوله لجمعهم على الْهدى ولآمن من فِي الأَرْض إِيمَانًا فِيهِ إِكْرَاه فَبَطل هذرهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِن قَالُوا لنا فَإِذا أَرَادَ الله تَعَالَى كَون الْكفْر والضلال فأريدوا مَا أَرَادَ الله تَعَالَى من ذَلِك قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَيْسَ لنا أَن نَفْعل مَا لم نؤمر بِهِ أَولا يحل لنا أَن نُرِيد مَا لم يَأْمُرنَا الله تَعَالَى بإرادته وَإِنَّمَا علينا مَا أمرنَا بِهِ فنكره مَا أمرنَا بكراهيته ونحب مَا أمرنَا بمحبته ونريد مَا أمرنَا بإرادته ثمَّ نسألهم هَل أَرَادَ الله تَعَالَى إمراض النَّبِي ﷺ إِذْ أمرضه وَمَوته ﷺ إِذْ أَمَاتَهُ وَمَوْت إِبْرَاهِيم ابْنه إِذْ أَمَاتَهُ أَو لم يرد الله شَيْئا من ذَلِك فَلَا بُد من أَن الله تَعَالَى أَرَادَ كَون كل ذَلِك فَيلْزم أَن يُرِيدُوا موت النَّبِي ﷺ ومرضه وَمَوْت ابْنه إِبْرَاهِيم لِأَن الله تَعَالَى أَرَادَ كل ذَلِك فَإِن أجابوا إِلَى ذَلِك ألحدوا بِلَا خلاف وعصوا الله وَرَسُوله وَإِن أَبَوا من ذَلِك بَطل مَا أَرَادوا إلزامنا إِيَّاه إِلَّا أَنه لَازم الْهم على أصولهم الْفَاسِدَة لَا لنا لأَنهم صححوا هَذِه الْمَسْأَلَة وَنحن لم نصححها وَمن صحّح شَيْئا لزمَه ثمَّ نقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لسنا ننكر فِي حَال مَا يُبَاح لنا فِيهِ إِرَادَة الْكفْر من بعض النَّاس فقد أثنى الله على ابْن آدم فِي قَوْله لِأَخِيهِ ﴿إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك فَتكون من أَصْحَاب النَّار وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمين﴾ فَهَذَا ابْن آدم الْفَاضِل قد أَرَادَ أَن يكون أَخُوهُ من أَصْحَاب النَّار وَأَن يبوء بإثمه مَعَ إِثْم نَفسه وَقد صوب الله قَول مُوسَى وَهَارُون ﵉ ﴿رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم وَاشْدُدْ على قُلُوبهم فَلَا يُؤمنُوا حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم قَالَ قد أجيبت دعوتكما﴾ فَهَذَا مُوسَى وَهَارُون ﵉ قد أَرَادَا وأحبا أَن لَا يُؤمن فِرْعَوْن وَأَن يَمُوت كَافِرًا إِلَى النَّار وَقد جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ إِنَّه دَعَا على عتبَة بن أبي وَقاص أَن يَمُوت كَافِرًا إِلَى النَّار فَكَانَ كَذَلِك (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وأصدق الله أَنا عَن نَفسِي الَّتِي هُوَ أعلم بِمَا فِيهَا مني أَن الله تَعَالَى يعلم أَنِّي لأسر بِمَوْت عقبَة بن أبي معيط كَافِرًا وَكَذَلِكَ أَمر أبي لَهب لأذاهما رَسُول الله ﷺ ولتتم كلمة الْعَذَاب عَلَيْهِمَا وَأَن الْمَرْء ليسر بِمَوْت من استبلغ فِي أَذَاهُ ظلما بِأَن يَمُوت على أقبح طَريقَة وَقد روينَا هَذَا عَن بعض الصَّالِحين فِي بعض الظلمَة وَلَا حرج على من ائتسى بِمُحَمد وبموسى وبأفضل ابْني آدم ﷺ وليت شعري أَي فرق بَين لعن الْكَافِر والظالم وَالدُّعَاء عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ فِي النَّار وَبَين الدُّعَاء عَلَيْهِ بِأَن يَمُوت غير متوب عَلَيْهِ والمسرة بكلا الْأَمريْنِ وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَقَالَ ﴿وَلَو شَاءَ الله لسلطهم عَلَيْكُم﴾

стр. 392

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ هم قوم أَن يبسطوا إِلَيْكُم أَيْديهم فَكف أَيْديهم عَنْكُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي كف أَيْديهم عَنْكُم وَأَيْدِيكُمْ عَنْهُم بِبَطن مَكَّة﴾ فصح يَقِينا أَن الله تَعَالَى سلط الْكفَّار على من سلطهم من الْأَنْبِيَاء وعَلى أهل بِئْر مَعُونَة وَيَوْم أحد ونصرهم أملاه لَهُم وابتلاه للْمُؤْمِنين وَإِلَّا فَيُقَال لمن أنكر هَذَا أتراه تَعَالَى كَانَ عَاجِزا عَن مَنعهم فَإِن قَالُوا نعم كفرُوا وناقضوا لِأَن الله تَعَالَى قد نَص على أَنه كف أَيدي الْكفَّار عَن الْمُؤمنِينَ إذشاء وسلط أَيْديهم على الْمُؤمنِينَ وَلم يكفها إذشاء (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقَالَ بعض شُيُوخ الْمُعْتَزلَة أَن إِسْلَام الله تَعَالَى من أسلم من الْأَنْبِيَاء إِلَى أعدائه فَقَتَلُوهُمْ وجرحوهم وَإِسْلَام من أسلم من الصّبيان إِلَى أعدائه يحضونهم ويغلبونهم على أنفسهم بركوب الْفَاحِشَة إِذا كَانَ ليعوضهم أفضل الثَّوَاب فَلَيْسَ خذلاناً فَقُلْنَا دَعونَا من لَفْظَة الخذلان فلسنا نجيزها لِأَن الله تَعَالَى لم يذكرهَا فِي هَذَا الْبَاب لَكنا نقُول لكم إِذا كَانَ قتل الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أعظم مَا يكون من الْكفْر وَالظُّلم وَكَانَ الله بقولكم قد أسلم أنبياءه صلوَات الله عَلَيْهِم إِلَى أعدائهم ليعوضهم أجل عوض فقد أقررتم بزعمكم أَن الله أَرَادَ إسْلَامهمْ إِلَى أعدائهم وَإِذا أَرَادَ الله ذَلِك بإقراركم فقد أَرَادَ بإقراركم كَون أعظم مَا يكون من الْكفْر وَشاء وُقُوع أعظم الضلال وَرَضي ذَلِك لأنبيائه ﵈ على الْوَجْه الَّذِي تَقولُونَ كاينا مَا كَانَ وَهَذَا مَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ وَأَيْضًا فَنَقُول لهَذَا الْقَائِل إِذا كَانَ إِسْلَام الْأَنْبِيَاء إِلَى أَعدَاء الله يَقْتُلُونَهُمْ لَيْسَ ظلما وعبثا على توجيهكم المناقض لَا صولكم فِي أَنه أدّى إِلَى أجزل الْجَزَاء فَلَيْسَ خذلاناً وَكَذَلِكَ إِسْلَام الْمُسلم إِلَى عدوه يحضه ويرتكب فِيهِ الْفَاحِشَة فَهُوَ على أصولكم خير وَعدل فيلزمكم أَن تَتَمَنَّوْا ذَلِك وَأَن تسروا بِمَا نيل من الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي ذَلِك وَأَن تدعوا فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى وَهَذَا خلاف قَوْلكُم وَخلاف إِجْمَاع أهل الْإِسْلَام وَهَذَا مَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ وَلَا يلْزمنَا نَحن ذَلِك لأننا لَا نسر إِلَّا بِمَا أمرنَا الله تَعَالَى بالسرور بِهِ وَلَا نتمنى إِلَّا مَا قد أَبَاحَ لنا تَعَالَى أَن نَدْعُوهُ فِيهِ وكل فعله وَأَن كَانَ عدلا مِنْهُ وَخيرا فقد افْترض تَعَالَى علينا أَن ننكر من ذَلِك مَا سَمَّاهُ من غير ظلم وَأَن نبرأ مِنْهُ وَلَا نتمناه لمُسلم فَإِنَّمَا نتبع مَا جَاءَت بِهِ النُّصُوص فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ قَائِل من الْمُعْتَزلَة إِذا حملتم قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ فِي آذانهم وقر وَهُوَ عَلَيْهِم عمى﴾ فَمَا يدريكم لَعَلَّه عَلَيْكُم عمى قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الله تَعَالَى قد نَص على أَنه لَا يكون عمى إِلَّا على الَّذين لَا يُؤمنُونَ وَنحن مُؤمنُونَ وَللَّه تَعَالَى الْحَمد فقد أمنا ذَلِك وَقد ذمّ الله تَعَالَى قوما حملُوا الْقُرْآن على غير ظَاهره فَقَالَ تَعَالَى ﴿يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه﴾ فَهَذِهِ صفتكم على الْحَقِيقَة الْمَوْجُودَة فِيكُم حسا فَمن حمل الْقُرْآن على مَا خُوطِبَ بِهِ من اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَاتبع بَيَان الرَّسُول ﷺ فالقرآن لَهُ هدى وشفاء وَمن بدل كَلمه عَن موَاضعه وَادّعى فِيهِ دعاوى بِرَأْيهِ وكهانات بَطْنه وأسرار وَأعْرض عَن بَيَان الرَّسُول ﷺ الْمُبين عَن الله تَعَالَى بأَمْره وَمَال إِلَى قَول المنانية فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْقُرْآن عمى وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن نَوَادِر الْمُعْتَزلَة وعظيم جهلها وحماقتها وإقدامها أَنهم قَالُوا أَن الشَّهَادَة

стр. 393

الَّتِي غبط الله تَعَالَى بهَا الشُّهَدَاء وَأوجب لَهُم بهَا أفضل الْجَزَاء وتمناها رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه وفضلاء الْمُسلمين لَيْسَ هِيَ قتل الْكَافِر لِلْمُؤمنِ وَلَا قتل الظَّالِم للْمُسلمِ البريء قَالَ أَبُو مُحَمَّد وجنون الْمُعْتَزلَة وجهلهم وإهذارهم ووساوسهم لَا قِيَاس عَلَيْهَا وَحقّ لمن اسْتغنى عَن الله وَقَالَ أَنه يقدر على مَا لَا يقدر عَلَيْهِ ربه تَعَالَى وَقَالَ أَن عقله كعقول الْأَنْبِيَاء ﵈ سَوَاء بِسَوَاء إِن يَخْذُلهُ الله مثل هَذَا الخذلان نَعُوذ بِاللَّه من خذلانه ونسئله الْعِصْمَة فَلَا عَاصِم سواهُ أما سمعُوا قَول الله ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا لمن يقتل فِي سَبِيل الله أموات بل أَحيَاء﴾ ثمَّ إِنَّهُم فسروا الشَّهَادَة بعقولهم فَقَالُوا إِنَّمَا الشَّهَادَة الصَّبْر على الْجراح المؤدية إِلَى الْقَتْل والعزم على التَّقَدُّم إِلَى الْحَرْب قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَفِي هَذَا الْكَلَام من الْجُنُون ثَلَاثَة أضْرب أَحدهمَا أَنه كَلَام مُبْتَدع لم يقبله أحد قبل متأخريهم المنسلخين من الْخَيْر جملَة وَالثَّانِي أَنه لَو وضح مَا ذكرُوا لكَانَتْ الشَّهَادَة فِي الْحَيَاة لَا بِالْمَوْتِ لِأَن الصَّبْر على الْجراح والعزم على التَّقَدُّم لَا يكونَانِ إِلَّا فِي الْحَيَاة وَالشَّهَادَة فِي سَبِيل الله لَا تكون بِنَصّ الْقُرْآن وصحيح الْأَخْبَار وَإِجْمَاع الْأمة إِلَّا بِالْقَتْلِ وَالثَّالِث أَن الَّذِي مِنْهُ هربوا فِيهِ وَقَعُوا بِعَيْنِه وَهُوَ أَن الشَّهَادَة الَّتِي تمنى الْمُسلمُونَ بهَا أَن كَانَت الْعَزْم على التَّقَدُّم إِلَى الْحَرْب وَالصَّبْر على الْجراح المودية إِلَى الْقَتْل فقد حصل تمني قتل الْكفَّار للْمُسلمين وتمني أَن يجرحوا الْمُسلمين جراحاً تُؤدِّي إِلَى الْقَتْل وتمني ثبات الْكفَّار على الْكفْر حَتَّى يجرحوا أهل الْإِسْلَام جراحاً قاتلة وَحرب الْكفَّار للْمُسلمين وثباتهم لَهُم وجراحهم إيَّاهُم معاص وَكفر بِلَا شكّ فقد حصلوا على تمني الْمعاصِي وَهُوَ الَّذِي بِهِ شنعوا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَبَطل كل مَا شنعت بِهِ الْمُعْتَزلَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين الْكَلَام فِي اللطف والأصلح قَالَ أَبُو مُحَمَّد وضل جُمْهُور الْمُعْتَزلَة فِي فصل من الْقدر ضلالا بَعيدا فَقَالُوا بأجمعهم حاشا ضرار بن عَمْرو وحفصاً الْفَرد وَبشر بن الْمُعْتَمِر ويسيراً مِمَّن اتبعهم أَنه لَيْسَ عِنْد الله تَعَالَى شَيْء أصلح مِمَّا أعطَاهُ جَمِيع النَّاس كافرهم ومؤمنهم وَلَا عِنْده هدي أهْدى مِمَّا قد هدى بِهِ الْكَافِر وَالْمُؤمن هَذَا مستويا وَأَنه لَيْسَ يقدر على شَيْء هُوَ أصلح مِمَّا فعل بالكفار وَالْمُؤمنِينَ ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَقَالَ جمهورهم أَنه تَعَالَى قَادر على أَمْثَال مَا فعل من الصّلاح بِلَا نِهَايَة وَقَالَ الْأَقَل مِنْهُم وهم عباد وَمن وَافقه هَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتْرك الله تَعَالَى شَيْئا يقدر عَلَيْهِ من الصّلاح من أجل فعله لصلاح مَا وحجتهم فِي هَذَا الْكفْر الَّذِي أَتَوا بِهِ أَنه لَو كَانَ عِنْده أصلح أَو أفضل مِمَّا فعل بِالنَّاسِ ومنعهم إِيَّاه لَكَانَ بَخِيلًا ظَالِما لَهُم وَلَو أعْطى شَيْئا من فَضله بعض النَّاس دون بعض لَكَانَ محابياً ظَالِما والمحاباة جور وَلَو كَانَ عِنْده مَا يُؤمن بِهِ الْكفَّار إِذْ أَعْطَاهُم إِيَّاه ثمَّ مَنعهم إِيَّاه لَكَانَ ظَالِما لَهُم غَايَة الظُّلم قَالُوا وَقد علمنَا أَن إنْسَانا لَو ملك أَمْوَالًا عَظِيمَة تفضل عَنهُ وَلَا يحْتَاج إِلَيْهَا فقصده جَار فَقير لَهُ تحل لَهُ الصَّدَقَة فَسَأَلَهُ درهما يحي بِهِ نَفسه وَهُوَ يعلم فقره إِلَيْهِ وَيعلم أَنه يتدارك بِهِ رمقه فَمَنعه لَا لِمَعْنى فَإِنَّهُ بخيل قَالُوا فَلَو علم أَنه إِذْ أعطَاهُ الدِّرْهَم سهلت عَلَيْهِ أَفعَال كلفه إِيَّاهَا فَمَنعه من ذَلِك لَكَانَ بَخِيلًا ظَالِما فَلَو علم أَنه لَا يصل إِلَى

стр. 394

مَا كلفه إِلَّا بذلك الدِّرْهَم فَمَنعه لَكَانَ بَخِيلًا ظَالِما سَفِيها فَهَذَا كل مَا احْتَجُّوا بِهِ لَا حجَّة لَهُم غير هَذِه الْبَتَّةَ وَذهب ضرار بن عَمْرو وَحَفْص الْفَرد وَبشر بن الْمُعْتَمِر وَمن وافقهم وهم قَلِيل مِنْهُم إِلَى أَن عِنْد الله ألطافاً كَثِيرَة لَا نِهَايَة لَهَا لَو أَعْطَاهَا الْكفَّار لآمنوا إِيمَانًا اختياريا يسْتَحقُّونَ بِهِ الثَّوَاب بِالْجنَّةِ وَقد أَشَارَ إِلَى نَحْو هَذَا وَلم يحققه أَبُو عَليّ الجبائي وَابْنه أَبُو هَاشم وَكَانَ بشر بن الْمُعْتَمِر يكفر من قَالَ بالأصلح والمعتزلة الْيَوْم تَدعِي أَن بشرا تَابَ عَن القَوْل باللطف وَرجع إِلَى القَوْل بالأصلح قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَحجَّة هَؤُلَاءِ أَنه تَعَالَى قد فعل بهم مَا يُؤمنُونَ عِنْده وَلَو شاؤا فَلَيْسَ لَهُم عَلَيْهِ غير ذَلِك وَلَا يلْزمه أَكثر من ذَلِك فعارضهم أَصْحَاب الْأَصْلَح بِأَن قَالُوا أَن الِاخْتِيَار هُوَ مَا يُمكن فعله وَيُمكن تَركه فَلَو كَانَ الْكفَّار عِنْد إتْيَان الله تَعَالَى بِتِلْكَ الألطاف يختارون الْإِيمَان لأمكن أَن يفعلوه وَأَن لَا يفعلوه أَيْضا فَعَادَت الْحَال إِلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ إِلَّا أَن يَقُولُوا أَنهم كَانُوا يُؤمنُونَ وَلَا بُد فَهَذَا إِ ضطرار من الله تَعَالَى لَهُم إِلَى الْإِيمَان لَا اخْتِيَار قَالُوا وَنحن لَا ننكر هَذَا بل الله تَعَالَى قَادر على أَن يضطرهم إِلَى الْإِيمَان كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم يَأْتِي بعض آيَات رَبك لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل﴾ قَالُوا فَالَّذِي فعل تَعَالَى بهم أفضل وَأصْلح قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا لَازم لمن لم يقل أَن أَفعَال الْعباد مخلوقه لله تَعَالَى لُزُوما لَا ينفكون عَنهُ وَأما نَحن فَلَا يلْزمنَا وَإِنَّمَا سألناهم هَل الله تَعَالَى قَادر على أَن يَأْتِي الْكفَّار بألطاف يكون مِنْهُم الْإِيمَان عِنْدهَا بِاخْتِيَار وَلَا بُد ويثيبهم على ذَلِك أتم ثَوَاب يثيبه عبدا من عباده أم لَا فَقَالُوا لَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد كَأَن أَصْحَاب الْأَصْلَح غيب عَن الْعَالم أَو كَأَنَّهُمْ إِذا حَضَرُوا فِيهِ سلبت عُقُولهمْ وطمست حواسهم وَصدق الله فقد نبه على مثل هَذَا إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا﴾ أَتَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم مَا شاهدوا أَن الله منع الْأَمْوَال قوما وَأَعْطَاهَا آخَرين ونبأ قوما وأرسلهم إِلَى عباده وَخلق قوما آخَرين فِي أقاصي أَرض الزنج يعْبدُونَ الْأَوْثَان وأمات قوما من أوليائه وَمن أعدائه عطشاً وَعِنْده مجادح السَّمَوَات وَسَقَى آخَرين المَاء العذب أما هَذِه مُحَابَاة ظَاهِرَة فَإِن قَالُوا إِن كل مَا فعل من ذَلِك فَهُوَ أصلح بِمن فعله بِهِ سألناهم عَن إماتته تَعَالَى الْكفَّار وهم يصيرون إِلَى النَّار وإعطائه تَعَالَى قوما مَالا ورياسة فبطروا وأهلكوا وَكَانُوا مَعَ الْقلَّة والخمول صالحين وأفقر أَقْوَامًا فسرقوا وَقتلُوا كَانُوا فِي حَال الْغنى صالحين وَأَصَح أَقْوَامًا وجمل صورهم فَكَانَ ذَلِك سَببا لكَون الْمعاصِي مِنْهُم وتركوها إِذْ أسنوا وأمرض أَقْوَامًا فتركوا الصَّلَاة عمدا وضجروا وثربوا وَتَكَلَّمُوا بِمَا هُوَ الْكفْر أَو قريب مِنْهُ وَكَانُوا فِي صحتهم شاكرين لله يصلونَ وَيَصُومُونَ أَهَذا الَّذِي فعل الله بهم كَانَ أصلح لَهُم فَإِن قَالُوا نعم كابروا المحسوس وَإِن قَالُوا لَو عاشوا لزادوا قُلْنَا لَهُم فَإِنَّمَا كَانَ أصلح لَهُم أَن يخترمنهم الله قبل الْبلُوغ أَو أَن يُطِيل أعمارهم فِي الْكفْر ويملكهم الجيوش فيهلكوا بهَا أَرض الْإِسْلَام وَيُقَوِّي أَجْسَادهم وأذهانهم فيضل بهم جمَاعَة كَمَا فعل لسَعِيد الفيومي الْيَهُودِيّ وأباريطا اليعقوبي النَّصْرَانِي والمحققين بالْكلَام من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس والمنانية والدهرية أما كَانَ أصلح لَهُم وَلمن ضل مِنْهُم أَن يميتهم صغَارًا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فانقطعوا فلجأ بَعضهم إِلَى أَن قَالَ لَعَلَّه قد سبق فِي علم الله تَعَالَى أَنه لَو أماتهم صغَارًا لكفر خلق من الْمُؤمنِينَ

стр. 395

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَفِي هَذَا الْجَواب من السخافة وُجُوه جمة أَولهَا أَنه دَعْوَى بِالدَّلِيلِ وَالثَّانِي أَنهم لَا ينفكون بِهِ مِمَّا ألزمناهم ونقول لَهُم كَانَ الله قَادِرًا على أَن يميتهم وَلَا يُوجب مَوْتهمْ كفر أحد فَإِن قَالُوا لأعجزوا رَبهم تَعَالَى وَإِن قَالُوا بل كَانَ قَادِرًا على ذَلِك ألزموه الْجور وَالظُّلم على أصولهم وَلَا بُد من أحد الْأَمريْنِ وَالثَّالِث أَنه مَا يسمع فِي الْعَالم أسخف من قَول من قَالَ أَن إنْسَانا مُؤمنا يكفر من أجل صَغِير مَاتَ فَهَذَا أَمر مَا شوهد قطّ فِي الْعَالم وَلَا توهم وَلَا يدْخل فِي الْإِمْكَان وَلَا فِي الْعقل وَكم طِفْل يَمُوت كل يَوْم مذ خلق الله تَعَالَى الدُّنْيَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَهَل كفر أحد قطّ من أجل موت ذَلِك الطِّفْل وَإِنَّمَا عهدنا النَّاس يكفرون عِنْدَمَا يَقع لَهُم من الْغَضَب الَّذِي يخلقه الله فِي طبائعهم وبالعصبية الَّتِي آتَاهُم الله أَسبَابهَا وبالملك الَّذِي أَتَاهُم الله إِيَّاه إِذا عارضهم فِيهِ عَارض وَالرَّابِع أَنه لَيْسَ فِي الْجور وَلَا فِي الْعَبَث وَلَا فِي الظُّلم وَلَا فِي الْمُحَابَاة أعظم من أَن يبقي طفْلا حَتَّى يكفر فَيسْتَحق الخلود فِي النَّار وَلَا يميته طفْلا فينجوا من النَّار من أجل صَلَاح قوم لَوْلَا كفر هَذَا المنحوس لكفر أُولَئِكَ وَمَا فِي الظُّلم والمحاباة أقبح من هَذَا وَهل هَذَا إِلَّا كمن وقف إنْسَانا للْقَتْل فَأخذ هُوَ آخر من عرض الطَّرِيق فَقتله مَكَانَهُ كَأَنَّهُ يظْهر فَسَاد هَذَا القَوْل السخيف الملعون قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ بَعضهم قد يخرج من صلبه مُؤمن قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد يَمُوت الْكَافِر عَن غير عقب وَقد يلد الْكَافِر كفَّارًا أضرّ على الْإِسْلَام مِنْهُ وَمَعَ هَذَا فَكل مَا ذكرنَا يلْزم أَيْضا فِي هَذَا الْجَواب السخيف وَأَيْضًا فقد يخرج من صلب الْمُؤمن كَافِر طاغ وظالم بَاغ يفْسد الْحَرْث والنسل ويثير الظُّلم وَيُمِيت الْحق ويؤسس القتالات والمنكرات حَتَّى يضل بهَا خلق كثير حَتَّى يَظُنُّوا أَنَّهَا حق وَسنة فَأَي وَجه لخلق هَؤُلَاءِ على أصُول الْمُعْتَزلَة الضلال نعم وَأي معنى وَأي صَلَاح فِي خلق إِبْلِيس ومردة الشَّيَاطِين وإعطائهم الْقُوَّة على إضلال النَّاس من الْحِكْمَة الْمَعْهُودَة بَيْننَا وبالضرورة نعلم أَن من نصب المصايد للنَّاس فِي الطرقات وَطرح الشوك فِي ممشاهم فَإِنَّهُ عائب سَفِيه فِيمَا بَيْننَا وَالله تَعَالَى خلق كل مَا ذكرنَا بإقرارهم وَهُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم ثمَّ وَجَدْنَاهُ تَعَالَى قد شهد للَّذين بَايعُوا تَحت الشَّجَرَة بِأَنَّهُ علم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم ثمَّ أمات مِنْهُم من ولي مِنْهُم أُمُور الْمُسلمين سَرِيعا ووهن قوي بَعضهم وَملك عَلَيْهِم زياداً وَالْحجاج وبغاة الْخَوَارِج فَأَي مصلحَة فِي هَذَا للحجاج ولقطري أَو لسَائِر الْمُسلمين لَو عقلت الْمُعْتَزلَة وَلَكِن الْحق هُوَ قَوْلنَا وَهُوَ أَن كل ذَلِك عدل من الله وَحقّ وَحِكْمَة وهلاك ودمار وإضلال للحجاج الْمُسَلط ولقطري ونظايرهما أَرَادَ الله تَعَالَى بذلك هلاكهم فِي الْآخِرَة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان ثمَّ نسألهم مَاذَا تَقولُونَ إِذا أَمر الله بجلد الْحرَّة فِي الزناماية وبجلد الْأمة نصف ذَلِك أَلَيْسَ هَذَا مُحَابَاة للْأمة وَإِذ خول الله قوما مَا أَمْوَالًا جمة فعاثوا فِيهَا وَحرم آخَرين أما هَذَا عين الْمُحَابَاة والجور على أصلهم الْفَاسِد فِيمَن منع جَاره الْفَقِير إِلَّا أَن يطردوا قَوْلهم فيصيروا إِلَى قَول من ذكر أَن الْوَاجِب يواسي النَّاس فِي الْأَمْوَال وَالنِّسَاء على السوَاء وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الْقَوْم يدعونَ نفي التَّشْبِيه ويكفرن من شبه الله تَعَالَى بخلقه ثمَّ لَا نعلم أحد أَشد تَشْبِيها لله تَعَالَى بخلقه مِنْهُ قيلزمونه الحكم ويحرون عَلَيْهِ الْأَمر وَالنَّهْي ويشبهونه بخلقه تَعَالَى فِيمَا يحسن مِنْهُ ويقبح ثمَّ نقضوا أصولهم إِذْ من قَوْلهم أَن مَا صلح بَيْننَا بِوَجْه من الْوُجُوه فلسنا نعبده عَن الْبَارِي تَعَالَى وَنحن نجد فِيمَا بَيْننَا من يحابي

стр. 396

أحد عبيده على الآخر فَيجْعَل أحدهم مشرفاً على مَاله وَعِيَاله وحاضناً لوَلَده ويرتضيه لذَلِك من صغره بِأَن يُعلمهُ الْكتاب والحساب وَيجْعَل الآخر رائضاً لدابته وجامعاً للزبل لبستانه ومنقياً لحشه ويرتضيه لذَلِك من صغره وَكَذَلِكَ الْإِمَاء فَيجْعَل إِحْدَاهُنَّ مَحل إزَاره ومطلباً لوَلَده وَيجْعَل الثَّانِيَة خَادِمًا لهَذِهِ فِي الطَّبْخ وَالْغسْل وَهَذَا عدل بِإِجْمَاع الْمُسلمين كلهم فَلم أَنْكَرُوا أَن يحابى الْبَارِي من شَاءَ من عباده بِمَا أحب من التَّفْضِيل ووجدوا فِي الشَّاهِد من يُعْطي المحاويج من مَاله فيعطي أحدهم مَا يُغْنِيه ويخرجه من الْفقر وَذَلِكَ نَحْو ألف دِينَار ثمَّ يُعْطي آخر مثله ألف دِينَار ويزيده ألف دِينَار فَإِنَّهُ وَإِن حابى فمحسن غير ملوم فَلم منعُوا رَبهم من ذَلِك وجوره إِذا فعله وَهُوَ تَعَالَى بِلَا شكّ أتم ملكا لكل مَا فِي الْعَالم من أَحَدنَا لما خوله من الْأَمْلَاك وَنَقَضُوا أصلهم فِي أَن مَا حسن فِي الشَّاهِد بِوَجْه من الْوُجُوه لم يمنعوا وُقُوعه من الْبَارِي ووجدوا فِي الشَّاهِد من يدّخر أَمْوَالًا عَظِيمَة فَيُؤَدِّي جَمِيع الْحُقُوق اللَّازِمَة لَهُ حَتَّى لَا يبْقى بِحَضْرَتِهِ مُحْتَاج ثمَّ يمْنَع سَائِر ذَلِك فَلَا يُسمى بَخِيلًا فلأي شَيْء منعُوا رَبهم من مثل ذَلِك وجوروه وبخلوه إِذا لم يُعْط أفضل مَا عِنْده وَهَذَا كُله بَين لَا إِشْكَال فِيهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونسألهم عَن قَول لَهُم عَجِيب وَهُوَ أَنهم أَجَازُوا أَن يخلق الله أَضْعَف الْأَشْيَاء ثمَّ لَا يكون قَادر على أَضْعَف مِنْهُ فَهَكَذَا هُوَ قَادر فَاعل أصلح الْأَشْيَاء ثمَّ لَا يكون قَادر على أصلح مِنْهُ وعَلى أَصْغَر الْأَشْيَاء وَهُوَ الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ وَلَا يقدر على أَصْغَر مِنْهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا إِيجَاب مِنْهُم لتناهي قدرَة الله وتعجيز لَهُ تَعَالَى وَإِيجَاب لحدوثه وَإِبْطَال إلهيته إِذْ التناهي فِي الْقُوَّة صفة الْمُحدث الْمَخْلُوق لَا صفة الْخَالِق الَّذِي لم يزل وَهَذَا خلاف الْقُرْآن وَإِجْمَاع الْمُسلمين وتشبيه الله تَعَالَى بخله فِي تناهي قدرتهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلكنه لَازم لكل من قَالَ بالجزء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ وبالقياس لُزُوما صَحِيحا لَا انفكاك لَهُم مِنْهُ ونعوذ بِاللَّه من هَذِه المقالات الْمهْلكَة بل نقُول أَن الله تَعَالَى كل مَا خلق شَيْئا صَغِيرا أَو ضَعِيفا أَو كَبِيرا أَو قَوِيا أَو مصلحَة فَإِنَّهُ أبدا بِلَا نِهَايَة قَادر على خلق أَصْغَر مِنْهُ وأضعف وَأقوى وَأصْلح قَالَ أَبُو مجمد ونسألهم أيقدر الله تَعَالَى على مَا لَو فعله لكفر النَّاس كلهم فَإِن قَالُوا لَا لَحِقُوا بعلي الأسواري وهم لَا يَقُولُونَ بِهَذَا وَلَو قَالُوهُ لأكذبهم الله تَعَالَى إِذْ يَقُول ﴿وَلَو بسط الله الرزق لِعِبَادِهِ لبغوا فِي الأَرْض﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضَّة﴾ وَإِن قَالُوا نعم هُوَ قَادر على ذَلِك قُلْنَا لَهُم فقد قطعْتُمْ بِأَنَّهُ تَعَالَى يقدر على الشَّرّ وَلَا يقدر على الْخَيْر هَذِه مُصِيبَة على أصولهم ولزمهم أَيْضا فَسَاد أصلهم فِي قَوْلهم أَن من يقدر على شَيْء قدر على ضِدّه لأَنهم يَقُولُونَ أَن الله تَعَالَى يقدر على مَا يكفر النَّاس كلهم عِنْده وَلَا يقدر على مَا يُؤمن جَمِيعهم عِنْده قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونسأل من قَالَ مِنْهُم أَنه تَعَالَى يقدر على مثل مَا فعل من الصّلاح بِلَا نِهَايَة لَا على أَكثر من ذَلِك فَنَقُول لَهُم أَن على أصولكم لم تنفكوا من تجوير الْبَارِي لِأَن بضرورة الْحس نَدْرِي أَنه إِذا استضافت الْمصَالح بَعْضهَا إِلَى بعض كَانَت أصلح من انْفِرَاد كل مصلحَة عَن الْأُخْرَى فَإِذا هُوَ قَادر عنْدكُمْ على ذَلِك وَلم يَفْعَله بعباده فقد لزمَه مَا ألزمتموه لَو كَانَ قَادِرًا على أصلح مِمَّا فعل وَلم يَفْعَله فَقَالُوا هَذَا كالدواء وَالطَّعَام وَالشرَاب لكل

стр. 397

ذَلِك مِقْدَار يصلح بِهِ من أعْطِيه فَإِذا استضافت إِلَيْهِ أَمْثَاله كَانَ ضرورا قَالَ عَليّ ﵁ وَلم يقل قطّ ذُو عقل وَمَعْرِفَة بحقائق الْأُمُور إِن غفار كَذَا مصلحَة جملَة وعَلى كل حَال وَلَا أَن الْأكل مصلحَة أبدا وعَلى الْجُمْلَة وَلَا أَن الشَّرَاب مصلحَة بِكُل وَجه أبدا وَإِنَّمَا الْحق أَن مِقْدَارًا من الدَّوَاء مصلحَة لعِلَّة كَذَا فَقَط فَإِن زَاد أَو نقص أَو تعدى بِهِ تِلْكَ الْعلَّة كَانَ ضَرَرا وَكَذَلِكَ الطَّعَام وَالشرَاب هما مصلحَة فِي حَال مَا وبقدر مَا فَمَا راد أَو تعدى بِهِ وقته كَانَ ضَرَرا وَمَا نقص عَن الْكِفَايَة كَانَ ضَرَرا لَيْسَ إِطْلَاق اسْم الصّلاح فِي شَيْء من ذَلِك أولى من إِطْلَاق اسْم الضَّرَر لِأَن كلا الْأَمريْنِ مَوْجُود فِي ذَلِك كَمَا ذكرنَا وَلَيْسَ الصّلاح من الله للْعَبد وَالْهدى لَهُ وَالْخَيْر من قبله كَذَلِك بل على الْإِطْلَاق وَالْجُمْلَة وعَلى كل حَال بل كلما زَاد الصّلاح وكثروا زَاد الْهدى وَكبر وَزَاد الْخَيْر وَكبر فَهُوَ أفضل فَإِن قَالُوا نجد الصَّلَاة وَالصِّيَام إِثْمًا فِي وَقت مَا وَأَجرا فِي آخر قُلْنَا مَا كَانَ من هَذَا مَنْهِيّا عَنهُ فَلَيْسَ صلاحاً الْبَتَّةَ وَلَا هُوَ هدى وَلَا خير بل هُوَ إِثْم وخذلان وضلال وَلَيْسَ فِي هَذَا كلمناكم لَكِن فِيمَا هُوَ صَلَاح حَقِيقَة وَهدى حَقِيقَة وَخير حَقِيقَة وَهَذَا مَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ أَصْحَاب الْأَصْلَح مِنْهُم أَن من علم الله تَعَالَى أَنه يُؤمن من الْأَطْفَال إِن عَاشَ أَو يسلم من الْكفَّار إِن عَاشَ أَو يَتُوب من الْفُسَّاق إِن عَاشَ فَإِنَّهُ لَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يميته الله قبل ذَلِك قَالُوا وَكَذَلِكَ من علم الله تَعَالَى أَنه إِن عَاشَ فعل خيرا فَلَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يميته الله قبل فعله قَالُوا وَلَا يُمِيت الله تَعَالَى أحدا إِلَّا وَهُوَ يدْرِي أَنه إِن أبقاه طرفَة عين فَمَا زَاد فَإِنَّهُ لَا يفعل شَيْئا من الْخَيْر أصلا بل يكفر أَو يفسق وَلَا بُد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا من طوامهم الَّتِي جمعت الْكفْر والسحق وَلم ينفكوا بهَا فَمَا فروا عَنهُ من تجوير الْبَارِي تَعَالَى بزعمهم وَأما الْكفْر فَإِنَّهُ يلْزمهُم أَن إِبْرَاهِيم بن رَسُول الله ﷺ لَو بلغ لكفر أَو فسق وليت شعري إِذْ هَذَا عِنْدهم كَمَا زَعَمُوا فَلم أمات بَعضهم أثر وِلَادَته ثمَّ آخر بعد سَاعَة ثمَّ يَوْم ثمَّ يَوْمَيْنِ وَهَكَذَا شهرا بعد شهر وعاماً بعد عَام إِلَى أَن أمات بَعضهم قبل بُلُوغه بِيَسِير وَكلهمْ عِنْدهم سَوَاء فِي أَنهم لَو عاشوا لكفروا أَو فسقوا كلهم وَإِذ عَنى بهم هَذِه الْعِنَايَة فَلم أبقى من الْأَطْفَال من درى أَنه يكفر ويفسق وَنعم ويؤتيهم القوى والتدقيق فِي الْفَهم كالفيومي سعيد بن يُوسُف والمعمس دَاوُد بن قزوان وَإِبْرَاهِيم الْبَغْدَادِيّ وَأبي كثير الطَّبَرَانِيّ متكلمي الْيَهُود وَأبي ربطه اليعقوبي ومقرونيش الملكي من متكلمي النَّصَارَى وقردان بخت المثاني حَتَّى أَضَلُّوا كثيرا بشبههم وتمويهاتهم ومخارفتهم وَلَا سَبِيل إِلَى وجود فرق أصلا وَهَذَا مُحَابَاة وجور على أصولهم ثمَّ نجده تَعَالَى قد عذب بعض هَؤُلَاءِ الْأَطْفَال باليتم وَالْقمل والعرى وَالْبرد والجوع وَسُوء المرقد والعمى والبطلان والأوجاع حَتَّى يموتوا كَذَلِك وَبَعْضهمْ مرفه مخدوم منعم حَتَّى يَمُوت كَذَلِك وَلَعَلَّهُمَا الْأَب وَأم وَكَذَلِكَ يلْزمهُم أَن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وعلياً وَسَائِر الصَّحَابَة ﵃ نعم وَمُحَمّد ﷺ ومُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيم وَسَائِر الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أَن كل وَاحِد مِنْهُم لَو عَاشَ طرفَة عين على الْوَقْت الَّذِي مَاتَ فِيهِ لكفر أَو فسق ولزمهم مثل هَذَا فِي جِبْرِيل ومكائيل وَحَملَة الْعَرْش ﵈ إِن كَانُوا يَقُولُونَ بِأَنَّهُم يموتون فَإِن تَمَادَوْا على هَذَا كفرُوا وَقد صرح بَعضهم بذلك جهارا وَإِن أَبَوا تناقضوا ولزمهم أَن الله تَعَالَى يُمِيت من يدْرِي أَنه يزْدَاد خيرا ويبقي من يدْرِي أَنه يكفر وَهَذَا

стр. 398

عِنْدهم على أصولهم عين الظُّلم والعبث قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأجَاب بَعضهم فِي هَذَا السُّؤَال بِأَن قَالَ أَن النَّبِي ﷺ امتحنه الله قبل مَوته بِمَا بلغ ثَوَابه على طَاعَته فِيهِ مبلغ ثَوَابه على كل طَاعَة تكون منا لَو عَاشَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا جُنُون ناهيك بِهِ لوجوه أَولهَا أَنه مُحَابَاة مُجَرّدَة لَهُ ﵇ على غَيره وهلا فعل ذَلِك بِغَيْرِهِ وَعجل راحتهم من الدُّنْيَا ونكدها وَثَانِيها أَن هَذَا القَوْل كذب بحت وَذَلِكَ أَن المحن فِي الْعَالم مَعْرُوفَة وَهِي إِمَّا فِي الْجِسْم بالعلل وَأما فِي المَال بِالْإِتْلَافِ وَأما فِي النُّفُوس بالخوف والهوان والهم بالأهل والأحبة وَالْقطع دون الأمل لَا محنة فِي الْعَالم تخرج عَن هَذِه الْوُجُوه إِلَّا المحنة فِي الدّين فَقَط نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك فَأَما المحنة فِي الْجِسْم فكذبوا وَمَا مَاتَ ﵇ إِلَّا سليم الْأَعْضَاء سويها معافى من مثل محنة أَيُّوب ﵇ وَسَائِر أهل الْبلَاء نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَأما فِي المَال فَمَا شغله الله مِنْهُ بِمَا يَقْتَضِي محنته فِي فضوله وَلَا أحوجه إِلَى أحد بل أَقَامَهُ على حد الْغنى بالقوت ووفقه لتنفيذ الْفضل فِيمَا يقربهُ من ربه وَأما النَّفس فَأَي محنة لمن قَالَ الله لَهُ ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ وَلمن رفع ذكره وَضمن لَهُ إِظْهَار دينه على الدّين كُله وَلَو كره أعداؤه وَجعل شائنه الأبتر وأعزه بالنصر على كل عَدو فَأَي خوف وَأي هوان يتوقعه ﵇ وَأما أَهله وأحبته فاحترم بَعضهم فَأَجره فيهم كإبراهيم ابْنه وَخَدِيجَة وَحَمْزَة وجعفر وَزَيْنَب وَأم كُلْثُوم ورقية بَنَاته ﵃ وَأقر عينه بِبَقَاء بَعضهم وصلاحه كعائشة وَسَائِر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَفَاطِمَة ابْنَته وَعلي وَالْعَبَّاس وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَأَوْلَاد الْعَبَّاس وَعبد الله بن جَعْفَر وَأبي سُفْيَان بن الْحَارِث رَضِي الله عَن جَمِيعهم فَأَي محنة هَاهُنَا أَلَيْسَ قد أعاذ الله تَعَالَى من مثل محنة حبيب بن عدي سميَّة أم عمار ﵃ أَلَيْسَ من قتل من الْأَنْبِيَاء ﵈ وَمن أنشر بِالْمِنْشَارِ وأحرق بالنيران أعظم محنة وَمن خَالفه قومه فَلم يتبعهُ مِنْهُم إِلَّا الْيَسِير وعذب الْجُمْهُور كهود وَصَالح وَلُوط وَشُعَيْب وَغَيرهم اعظم محنة وَهل هَذِه إِلَّا مُكَابَرَة وحماقة وقحة وَأي محنة تكون لمن أوجب الله على الْجِنّ وَالْإِنْس طَاعَته وأكرمه برسالته وأمنه من كل النَّاس وأكب عدوه لوجهه وَغفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَهل هَذِه إِلَّا نعم وخصائص وفضائل وكرامات ومحاباة مُجَرّدَة لَهُ على جَمِيع الْإِنْس وَالْجِنّ وَهل اسْتحق ﵇ هَذَا قطّ على ربه تَعَالَى حَتَّى ابْتَدَأَ بِهَذِهِ النِّعْمَة الجليلة وَقد تَحنث قبله زيد بن عَمْرو بن نفَيْل بن عبد الْعزي الْعَدوي وَقيس بن سَاعِدَة الأبادي وَغَيرهمَا فَمَا أكْرمُوا بِشَيْء من هَذَا وَلَكِن نوك الْمُعْتَزلَة لَيْسَ عَلَيْهِ قِيَاس (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمِمَّا سئلوا عَنهُ أَن قيل لَهُم أَلَيْسَ قد علم الله أَن فِرْعَوْن وَالْكفَّار إِن أعاشهم كفرُوا فَمن قَوْلهم نعم فَيُقَال لَهُم أبقاهم حَتَّى كفرُوا واخترم على قَوْلهم من علم أَنه إِن عَاشَ كفر وَهَذَا تَخْلِيط لَا يعقل ونقول لَهُم أَيْضا أَيّمَا كَانَ أصلح للْجَمِيع لَا سِيمَا لأهل النَّار خَاصَّة أَن يخترعنا الله تَعَالَى كلنا فِي الْجنَّة كَمَا فعل بِالْمَلَائِكَةِ وحور الْعين أم مَا فعل بِنَا من خلقنَا فِي الدُّنْيَا والتعريض للبلاء فِيهَا وللخلود فِي النَّار (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فلحوا عِنْد هَذِه فَقَالَ بَعضهم لم يخلق الْجنَّة بعد فَقُلْنَا لَهُم هبكم أَن الْأَمر كَمَا قُلْتُمْ فَإِنَّمَا كَانَ أصلح للْجَمِيع أَن يعجل الله خلقهَا ثمَّ يخلقنا فِيهَا أَو يُؤَخر خلقنَا

стр. 399

حَتَّى يخلقها ثمَّ يخلقنا مِنْهَا أم خلقه لنا حَيْثُ خلقنَا فَإِن عجزوا رَبهم جَعَلُوهُ ذَا طبيعة متناهي الْقُدْرَة ومشبها لخلقه وأبطلوا إلاهيته وجعلوه محيزاً ضَعِيفا وَهَذَا كفر مُجَرّد وَنفي السُّؤَال أَيْضا مَعَ ذَلِك يحسبه فِي أَن يجعلنا كالملائكة وَأَن يجعلنا كلنا أَنْبيَاء كَمَا فعل بِعِيسَى وَيحيى ﵉ وَسَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ جهلنا بِوَجْه الْمصلحَة فِي ذَلِك مِمَّا يخرج هَذَا الْأَمر عَن الْحِكْمَة فَقُلْنَا لَهُم فاقنعوا بِمثل هَذَا بِعَيْنِه فَمن قَالَ لكم لَيْسَ جهلنا بِوَجْه الْمصلحَة وَالْحكمَة فِي خلق الله تَعَالَى لأفعال عباده وَفِي تَكْلِيفه الْكَافِر وَالْفَاسِق مَالا يُطيق ثمَّ يعذبهما على ذَلِك مِمَّا يُخرجهُ عَن الْحِكْمَة وَهَذَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأما نَحن فَلَا نرضى بِهَذَا بل مَا جهلنا ذَلِك لَكِن نقطع على أَن كل مَا فعله الله تَعَالَى فَهُوَ عين الْحِكْمَة وَالْعدْل وَإِن من أَرَادَ إِجْرَاء أَفعاله تَعَالَى على الْحِكْمَة الْمَعْهُودَة بَيْننَا وَالْعدْل الْمَعْهُود بَيْننَا فقد ألحدوا حظارضل وَشبه الله بخلقه لِأَن الْحِكْمَة وَالْعدْل بَيْننَا إِنَّمَا هما طَاعَة الله فَقَط لاحكمة وَلَا عدل غير ذَلِك إِلَّا مَا امرنا بِهِ أَي شَيْء كَانَ فَقَط وَأما الله تَعَالَى فَلَا طَاعَة لأحد عَلَيْهِ فَبَطل أَن تكون أَفعاله جَارِيَة على أَحْكَام العبيد المأمورين المربوبين المسؤلين عَمَّا يَفْعَلُونَ لَكِن أَفعاله تَعَالَى جَارِيَة على الْعِزَّة وَالْقُدْرَة والجبروت والكبرياء وَالتَّسْلِيم لَهُ وَأَن لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وَلَا مزِيد كَمَا قَالَ تَعَالَى وَقد خَابَ من خَالف مَا قَالَ الله وَمَعَ هَذَا كُله فَلم يتخلصوا من رُجُوع وجوب التجوير والعبث على أصولهم على رَبهم تَعَالَى عَن ذَلِك وَقَالَ متكلموهم لَو خلقنَا فِي الْجنَّة لم نعلم مِقْدَار النِّعْمَة علينا فِي ذَلِك وَكُنَّا أَيْضا نَكُون غير مستحقين لذَلِك النَّعيم بِعَمَل عَمِلْنَاهُ وإدخالنا الْجنَّة بعد استحقاقنا لَهُم أتم فِي النِّعْمَة وأبلغ فِي اللَّذَّة وَأَيْضًا فَلَو خلقنَا فِي الْجنَّة لم يكن بُد من التوعد على مَا حظر علينا وَلَيْسَت الْجنَّة دَار توعد وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى قد علم أَن بَعضهم كَانَ يكفر فَيجب عَلَيْهِ الْخُرُوج من الْجنَّة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا كل مَا قدرُوا عَلَيْهِ من السخف وَهَذَا كُله عَائِد عَلَيْهِم بحول الله تَعَالَى وقوته وعونه لنا فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أما قَوْلهم لَو خلقنَا فِي الْجنَّة لم نعلم مِقْدَار النِّعْمَة علينا فِي ذَلِك فإننا نقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أَكَانَ الله تَعَالَى قَادر على أَن يخلقنا فِيهَا ويخلق فِينَا قُوَّة وطبيعة نعلم بهَا قدر النِّعْمَة علينا فِي ذَلِك أَكثر من علمنَا بذلك بعد دخولنا فِيهَا يَوْم الْقِيَامَة أَو كعلمنا ذَلِك أم كَانَ غير قَادر على ذَلِك فَإِن قَالُوا كَانَ غير قَادر على ذَلِك عجزوا رَبهم تَعَالَى وَجعلُوا قوته متناهية يقدر على أمرنَا وَلَا يقدر على غَيره وَهَذَا لَا يكون إِلَّا لعرض دَاخل أَو لبنية متناهية الْقُوَّة وَهَذَا كفر مُجَرّد وَإِن قَالُوا كَانَ الله قَادِرًا على ذَلِك أقرُّوا بِأَنَّهُ لم يفعل بهم أصلح مَا عِنْده وَأَن عِنْده أصلح مِمَّا فعل بهم وَأَيْضًا فَإِن كَانُوا أَرَادوا بذلك أَن اللَّذَّة تعقب الْبلَاء والتعب أَشد سُرُورًا وأبلغ لَزِمَهُم أَن يبطلوا نعم الْجنَّة جملَة لِأَنَّهُ لَيْسَ نعيمها الْبَتَّةَ مشوباً بألم وَلَا تَعب وكل ألم بعد الْعَهْد بِهِ فَإِنَّهُ ينسى كَمَا قَالَ الْقَائِل ... كَانَ الْفَتى لم يعر يَوْمًا إِذا اكتسى وَلم يفْتَقر يَوْمًا إِذا مَا تمولا ... فَلَزِمَ على هَذَا الأَصْل أَن يحدد الله تَعَالَى لأهل الْجنَّة آلا مَا فِيهَا ليتجدد لَهُم بذلك وجود اللَّذَّة وَهَذَا خُرُوج عَن الْإِسْلَام ويلزمهم أَيْضا أَن يدْخل النَّبِيين وَالصَّالِحِينَ النَّار ثمَّ يخرجهم مِنْهَا إِلَى الْجنَّة فتضاعف اللَّذَّة وَالسُّرُور أضعافاً بذلك وَيُقَال لَهُم كُنَّا نَكُون

стр. 400

كالملائكة والحور الْعين فَإِن كَانُوا عَالمين بِمِقْدَار مَا هم فِيهِ من نعيم وَلَذَّة فَكُنَّا نَحن كَذَلِك وَإِن كَانُوا غير عَالمين بِمِقْدَار مَا هم فِيهِ من اللَّذَّة وَالنَّعِيم فَهَلا أَعْطَاهُم هَذِه الْمصلحَة ولأي شَيْء مَنعهم هَذِه الْفَضِيلَة الَّتِي أَعْطَاهَا لنا وهم أهل طَاعَته الَّتِي لم تشب بِمَعْصِيَة فَإِن قَالُوا إِن الْمَلَائِكَة وحور الْعين قد شاهدوا عَذَاب الْكفَّار فِي النَّار فَقَامَ لَهُم مقَام التَّرْهِيب قُلْنَا لَهُم وَهل الْمُحَابَاة والجور إِلَّا أَن يعرض قوما للمعاطب ويبقيهم حَتَّى يكفروا فيخلدوا فِي النَّار ليوعظ بهم قوم آخَرُونَ خلقُوا فِي الْجنَّة والرفاهية سرمداً أبدا لَا بُد وَهل عين الظُّلم إِلَّا هَذَا فِيمَا بَيْننَا على أصُول الْمُعْتَزلَة وَكَمن يَقُول من الطغاة قتل الثُّلُث فِي صَلَاح الثُّلثَيْنِ صَلَاح وَهل فِي الشَّاهِد عَبث وسفه أعظم من عَبث من يَقُول لآخر هَات أضربك بالسياط وأردك من جبل وأصفع فِي قفاك وأنتف سبالك وأمشيك فِي طَرِيق ذَات شوك دون رَاحَة فِي ذَلِك وَلَا مَنْفَعَة وَلَكِن لأعطيك بعد ذَلِك ملكا عَظِيما ولعلك فِي خلال ضربي إياك أَن تتضرر فَتَقَع فِي بِئْر مُنْتِنَة لَا يخرج مِنْهَا أبدا فَأَي مصلحَة عِنْد ذِي عقل فِي هَذَا الْحَال لَا سِيمَا وَهُوَ قَادر على أَن يُعْطِيهِ ذَلِك الْملك دون أَن يعرضه لشَيْء من هَذَا الْبلَاء فَهَذِهِ صفة الله عِنْد الْمُعْتَزلَة لَا يسْتَحقُّونَ من أَن يصفوا أنفسهم بِأَن يصفوا الله تَعَالَى بِالْعَدْلِ وَالْحكمَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأما نَحن فَنَقُول لَو أَن الله تَعَالَى أخبرنَا أَنه يفعل هَذَا كُله بِعَيْنِه مَا أنكرناه ولعلمنا أَنه مِنْهُ تَعَالَى حق وَعدل وَحِكْمَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمن الْعجب أَن يكون الله تَعَالَى يخلقنا يَوْم الْقِيَامَة خلقا لَا نجوع فِيهِ أبدا وَلَا نعطش وَلَا نبول وَلَا نمرض وَلَا نموت وَينْزع مَا فِي صدورنا من غل ثمَّ لَا يقدر على أَن يخلقنا فِيهَا وَلَا على أَن يخلقنا خلقا نلتذ مَعَه بأبتدائنا فِيهَا كالتذاذنا بِدُخُولِهَا بعد طول النكد فَهَل يفرق بَين شيءمن هَذَا إِلَّا من لَا عقل لَهُ أَو مستخف بالباري تَعَالَى وبالدي وَأما قَوْلهم لَو خلقنَا الله تَعَالَى فِي الْجنَّة لَكنا غير مستحقين لذَلِك النَّعيم فَإنَّا نقُول لَهُم أخبرونا عَن الْأَعْمَال الَّتِي استحققتم بهَا الْجنَّة عِنْد أَنفسكُم أفبضرورة الْعقل علمْتُم أَن من عَملهَا فقد اسْتحق الْجنَّة دينا وَاجِبا على ربه تَعَالَى أم لم تعلمُوا ذَلِك وَلَا وَجب ذَلِك إِلَّا حَتَّى أعلمنَا الله أَنه يفعل وَجعل الْجنَّة جَزَاء على هَذِه الْأَعْمَال فَإِن قَالُوا بِالْعقلِ عرفنَا اسْتِحْقَاق الْجنَّة على هَذِه الْأَعْمَال كابروا وكذبوا على الْعقل وَكَفرُوا لأَنهم بِهَذَا القَوْل يوجبون الِاسْتِغْنَاء عَن الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام ولزمهم أَن الله تَعَالَى لم يَجْعَل الْجنَّة جَزَاء على هَذِه الْأَعْمَال لَكِن وَجب ذَلِك عَلَيْهِ حتما لَا بِاخْتِيَارِهِ وَلَا بِأَنَّهُ لَو شَاءَ غير ذَلِك لَكَانَ لَهُ وَهَذَا كفر مُجَرّد وَأَيْضًا فَإِن شَرِيعَة مُوسَى ﵇ فِي السبت وَتَحْرِيم الشحوم وَغير ذَلِك قد كَانَ الْجنَّة جَزَاء على الْعَمَل بهَا ثمَّ صَارَت الْآن جَهَنَّم جَزَاء على الْعَمَل بهَا فَهَل هَا هُنَا إِلَّا أَن الله تَعَالَى أَرَادَ ذَلِك فَقَط وَلَو لم يرد ذَلِك لم يجب من ذَلِك شَيْء فَإِن قَالُوا بل مَا علمنَا اسْتِحْقَاق الْجنَّة بذلك إِلَّا بِخَبَر الله تَعَالَى أَنه حكم بذلك فَقَط قيل لَهُم فقد كَانَ الله تَعَالَى قَادِرًا على أَن يخبرنا أَنه جعل الْجنَّة حَقًا لنا يخْتَر عَنَّا فِيهَا كَمَا فعل بِالْمَلَائِكَةِ وحور الْعين وَأَيْضًا فقد كذبُوا فِي دَعوَاهُم اسْتِحْقَاق الْجنَّة بأعمالهم فَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من أحد ينجيه عمله أَو يدْخلهُ الْجنَّة عمله قيل لَا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَأَيْضًا فبضرورة الْعقل نَدْرِي أَن مَا زَاد على الْمُمَاثلَة فِي الْجَزَاء فِيمَا بَيْننَا فَإِنَّهُ تفضل مُجَرّد فِي الْإِحْسَان وجور فِي الْإِسَاءَة هَذَا حكم الْمَعْهُود

стр. 401

فِي الْعقل فعل أصُول الْمُعْتَزلَة يلْزمهُم أَن بَقَاء أَحَدنَا فِي الْجنَّة أَو فِي النَّار أَكثر من إحسانه أَو إساءته جَزَاء على مَا سلف مِنْهُ فضل مُجَرّد وعقاب زايد على مِقْدَار الجرم وَقد فعله الله بِلَا شكّ وَهُوَ عدل وَحِكْمَة وَحقّ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما قَوْلهم أَن دُخُول الْجنَّة على وَجه الْجَزَاء على الْعَمَل أَعلَى دَرَجَة أَسْنَى رُتْبَة من دُخُولهَا بالتفضل الْمُجَرّد فَنَقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هَذَا خطأ مَحْض لَا نناقد علمنَا أَن هَذَا الحكم إِنَّمَا يَقع بَين الْأَكفاء والمتماثلين وَأما الله تَعَالَى فَلَيْسَ لَهُ كفوا أحد وَمن كَانَ عبدا لآخر فَإِن إقبال السَّيِّد عَلَيْهِ بالتفضل عَلَيْهِ الْمُجَرّد والاختصاص والمحاباة أَسْنَى لَهُ وَأَعْلَى وأشرف لرتبته وَأَرْفَع لدرجته من أَن لَا يُعْطِيهِ شَيْئا بِمِقْدَار مَا يسْتَحقّهُ لخدمته ويستخبره إِيَّاه هَذَا مَا يُنكره إِلَّا معاند فَكيف وَلَيْسَ لأحد على الله حق وَحِينَئِذٍ كل مَا وهبه الله تَعَالَى لأحد بَين أنبيائه وَمَلَائِكَته ﵈ وكل مَا أخبر تَعَالَى أَنه أوجبه وَكتبه على نَفسه وَجعله حَقًا لِعِبَادِهِ فَكل ذَلِك تفضل مُجَرّد من الله واختصاص مبدأ لَو لم ينعم بِهِ لم يجب عَلَيْهِ شَيْء مِنْهُ لَا يَقُول غير هَذَا إِلَّا مَدْخُول الدّين فَاسد الْعقل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وهم يقرونَ أَن الْمَلَائِكَة أفضل من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم جَمِيعهم السَّلَام وَصَدقُوا فِي هَذَا ثمَّ نقضوا هَذَا الأَصْل بأصلهم هَذَا السخيف من قَوْلهم أَن من دخل الْجنَّة بعد التَّعْرِيض للبلاء فَهُوَ أفضل من ابْتِدَاء النِّعْمَة والتقريب فَنحْن على قَوْلهم أفضل من الْمَلَائِكَة على جَمِيعهم السَّلَام وَقد قَالُوا أَن الْمَلَائِكَة أفضل من الْأَنْبِيَاء فعلى هَذَا التَّقْرِيب أَن يكون نَحن أفضل من الْمَلَائِكَة بِدَرَجَة وَأفضل من النَّبِيين بدرجتين وَهَذَا كفر مُجَرّد وتناقض ظَاهر وَأما قَوْلهم أننا لَو خلقنَا فِي الْجنَّة لم يكن بُد من التوعد والتحذر فإننا نقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق حَتَّى لَو كَانَ مَا يَقُولُونَ لما منع من ذَلِك أَن يخلقوا فِي الْجنَّة ثمَّ يطلعوا مِنْهَا فيروا النَّار ويعاينوا وحشتها وَهُوَ لَهَا وقبحها ونفار النُّفُوس عَنْهَا كَالَّذي يعرض لنا عِنْد الِاطِّلَاع على الغيران العقيمة الْمظْلمَة وَإِن كُنَّا قطّ لم نقع فِيهَا وَلَا شاهدنا من وَقع فِيهَا أبل ذَلِك كَانَ يكون أبلغ فِي التحذير من وصفهَا دون رُؤْيَة لَكِن كَمَا فعل بِالْمَلَائِكَةِ وحور الْعين فَيكون ذَلِك أدعى لَهُم إِلَى الشُّكْر وَالْحَمْد والاغتباط بمكانهم وَاجْتنَاب مَا نهو عَنهُ خوف مُفَارقَة مَا قد حصلوا عَلَيْهِ ثمَّ نقُول لَهُم أَيْضا قُولُوا هَذَا فهم بعد دُخُولهمْ الْجنَّة أمباح لَهُم الْكفْر والشتم وَالضَّرْب فِيمَا بَينهم أم مَحْظُور عَلَيْهِم لَزِمَهُم تمادي التوعد والتحذير هُنَالك قُلْنَا نَكُون لَو اخترعنا فِيهَا على الْحَال الَّتِي تكون فِيهَا يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فرق وَكَانَ يكون أصلح لجميعنا بِلَا شكّ فَإِن قَالُوا قد سبقت الطَّاعَة فِي الدُّنْيَا قيل لَهُم وَكَذَلِكَ كَانَت تسبق مِنْهُم فِي الْجنَّة كالملائكة سَوَاء بِسَوَاء وهم لَا يَقُولُونَ أَن الْمعاصِي والتضارب والتلاطم والتراكض والتشاتم مُبَاح لَهُم فِي الْجنَّة وَلَا يَقُولُونَ هَذَا أحد فَيحْتَاج إِلَى كسر هَذَا القَوْل فَإِن لجؤا إِلَى قَول أبي الْهُذيْل أَن أهل الْجنَّة مضطرون لَا مختارون قيل لَهُم وَكُنَّا نَكُون فِيهَا كَذَلِك أَيْضا كَمَا نَكُون يَوْم الْقِيَامَة فِيهَا فَهَذَا أَكَانَ أصلح للْجَمِيع بِلَا شكّ وَهَذَا مَا لَا انفكاك لَهُم مِنْهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما قَوْلهم أَن الله علم أَن بَعضهم يكفر وَلَا بُد فَيجب عَلَيْهِ الْخُرُوج من الْجنَّة قُلْنَا لَهُم أيقدر الله على خلاف مَا علم أم لَا فَإِن قَالُوا نعم يقدر وَلَكِن لَا يفعل أقرُّوا أَنه فعل من ترك ابتدائنا فِي الْجنَّة إِمْضَاء لما سبق فِي علمه غير مَا كَانَ أصلح لنا بِلَا شكّ وَرَجَعُوا إِلَى الْحق الَّذِي هُوَ

стр. 402

قَوْلنَا أَنه تَعَالَى فعل مَا سبق فِي علمه من تَكْلِيف مَالا يُطَاق وَمن خلقه تَعَالَى الْكفْر وَالظُّلم وإنعامه على من شَاءَ وَحده لَا شريك لَهُ وَتركُوا قَوْلهم فِي الْأَصْلَح وَإِن قَالُوا لَا يقدر على غير مَا علم أَن يَفْعَله جَعَلُوهُ محيراً مُضْطَرّا عَاجِزا متناهي الْقُوَّة ضَعِيف الْقُدْرَة مُحدثا فِي أَسْوَأ حَالَة مِنْهُم وَهَكَذَا كفر وَخلاف لِلْقُرْآنِ ولإجماع الْمُسلمين نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونسألهم أَي مصلحَة للحشرات وَالْكلاب والبق والدود فِي خلقهَا حشرات وَلم يخلقها نَاسا مكلفين معرضين لدُخُول الْجنَّة فَإِن قَالُوا لَو جعلهَا نَاسا لكفروا قيل لَهُم فقد جعل الْكفَّار نَاسا فَكَفرُوا فَهَلا نظر لَهُم كَمَا نظر للدود والحشرات فجعلهم حشرات لِئَلَّا يكفروا فَكَانَ أصلح لَهُم على قَوْلكُم وَهَذَا مَا لَا مخلص مِنْهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونسألهم فَنَقُول لَهُم إِذا قُلْتُمْ أَن الله تَعَالَى لَا يقدر على لطف لَو أَتَى بِهِ الْكفَّار لآمنوا إِيمَانًا يسْتَحقُّونَ مَعَه الْجنَّة لكنه قَادر على أَن لَا يضطرهم إِلَى الْإِيمَان أخبرونا عَن إيمَانكُمْ الَّذِي تستحقون بِهِ الثَّوَاب هَل يشوبه عنْدكُمْ شكّ أم يُمكن بِوَجْه من الْوُجُوه أَن يكون عنْدكُمْ بَاطِلا فَإِن قَالُوا نعم يشوبه شكّ وَيُمكن أَن يكون بَاطِلا أقرُّوا على أنفسهم بالْكفْر وكفونا مؤنتهم وَإِن قَالُوا لَا يشوبه شكّ وَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون بَاطِلا قُلْنَا لَهُم هَذَا هُوَ الِاضْطِرَار بِعَيْنِه لَيست الضَّرُورَة فِي الْعلم شَيْئا غير هَذَا إِنَّمَا هُوَ معرفَة لَا يشوبها شكّ لَا يُمكن اخْتِلَاف مَا عرف بهَا فَهَذَا هُوَ علم الضَّرُورَة نَفسه وَمَا عدا هَذَا فَهُوَ ظن وَشك فَإِن قَالُوا إِن الِاضْطِرَار مَا علم بالحواس أَو بِأول الْعقل وَمَا عداهُ فَهُوَ مَا عرف بالاستدلال قُلْنَا هَذِه دَعْوَى فَاسِدَة لِأَنَّهَا بِلَا برهَان وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وتقسيمنا هُوَ الْحق الَّذِي يعرف ضَرُورَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونسألهم أَيّمَا كَانَ أصلح للْعَالم أَن يكون برياً من السبَاع والأفاعي وَالدَّوَاب العادية أَو أَن يكون فِيهِ كَمَا هِيَ مسلطة على النَّاس وعَلى سَائِر الْحَيَوَان وعَلى الْأَطْفَال فَإِن قَالُوا خلق الله الأفاعي وَالسِّبَاع كخلق الْحفر والحرث ومزجرة للْكفَّار قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا من ظريف الْجُنُون وَلَقَد ضل بخلقتها جمع من المخذولين مِمَّن جرى مجْرى الْمُعْتَزلَة فِي أَن يتعقبوا على الله فعله كالمنانية وَالْمَجُوس اللَّذين جعلُوا إِلَهًا خَالِقًا غير الْحَكِيم الْعدْل ثمَّ نقُول للمعتزلة إِن كَانَت كَمَا تَقولُونَ مصلحَة فَكَانَ الاستكثار من الْمصلحَة أصلح وأبلغ فِي الزّجر والتحريف وكل هَذِه الدعاوي مِنْهُم حماقات ومكابرات بِلَا برهَان لَيست أجوبتهم فِيهَا بأصلح من أجوبة المنانية وَالْمَجُوس وَأَصْحَاب التناسخ بل كلهَا جَارِيَة فِي ميدان وَاحِد من أَنَّهَا كلهَا دَعْوَى فَاسِدَة بِلَا برهَان بل الْبُرْهَان ينقضها وَكلهَا رَاجِعَة إِلَى أصل وَاحِد وَهُوَ تَعْلِيل أَفعَال الله الَّذِي لَا عِلّة لَهَا أصلا وَالْحكم عَلَيْهِ بِمثل الحكم على خلقه فيمَ يحسن مِنْهُ ويقبح تَعَالَى الله عَن ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال لأَصْحَاب الْأَصْلَح خَاصَّة مَا معنى دعائكم فِي الْعِصْمَة وَأَنْتُم تَقولُونَ أَن الله تَعَالَى قد عصم الْكفَّار كَمَا عصم الْمُؤمنِينَ فَلم يعتصموا وَمَا معنى دعائكم فِي الْإِعَادَة من الخذلان وَفِي الرَّغْبَة فِي التَّوْفِيق وَأَنْتُم تَقولُونَ أَنه لَيْسَ عِنْده أفضل مِمَّا قد أعطاكموه وَلَا فِي قدرته زِيَادَة على مَا قد فعله بكم وَأي معنى لدعائكم فِي التَّوْبَة وَأَنْتُم تقطعون على أَنه لَا يقدر على أَن يعينكم فِي ذَلِك بِمِقْدَار شَعْرَة زَائِدَة على مَا قد أعطاكموه فَهَل دعاؤكم فِي ذَلِك الإضلال وهزل وهزء كمن دَعَا إِلَى الله أَن يَجعله من بني آدم أَو أَن يَجْعَل النَّبِي

стр. 403

نَبيا وَالْحجر حجرا وَهل بَين الْأَمريْنِ فرق فَإِن الدُّعَاء عمل أمرنَا الله تَعَالَى بِهِ فَقيل لَهُم إِن أوامره تَعَالَى من جملَة أَفعاله بِلَا شكّ وأفعاله عنْدكُمْ تجْرِي على مَا يحسن فِي الْعقل ويقبح فِيهِ فِي الْمَعْهُود وَفِيمَا بَيْننَا وعَلى الْحِكْمَة عنْدكُمْ وَقد علمنَا أَنه لَا يحسن فِي الشَّاهِد بِوَجْه من الْوُجُوه أَن يَأْمر أحدا يرغب إِلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ بِيَدِهِ وَلَا فِيمَا قد أعطَاهُ إِيَّاه وكلا هذَيْن الْوَجْهَيْنِ عَبث وسفه وهم مقرون بأجمعهم أَن الله تَعَالَى حكم بِهَذَا وَفعله وَهُوَ أمره لَهُم بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ أما فِيمَا لَا تُوصَف عِنْدهم بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَأما فِيمَا قد أَعْطَاهُم إِيَّاه وَهُوَ عِنْدهم عدل وَحِكْمَة فنقضوا أصلهم الْفَاسِد بِلَا شكّ وَأما نَحن فإننا نقُول أَن الدُّعَاء عمل أمرنَا الله بِهِ فِيمَا يقدر عَلَيْهِ ثمَّ إِن شَاءَ أَعْطَانَا وَإِن شَاءَ منعنَا إِيَّاه لَا معقب لحكمه وَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِن فِي ابْتِدَاء الله كِتَابه الْمنزل إِلَيْنَا بقوله تَعَالَى آمراً لنا أَن نقُوله رَاضِيا منا أَن نقُوله ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ ثمَّ خَتمه تَعَالَى كِتَابه آمراً لنا أَن نقُوله رَاضِيا بقوله ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس ملك النَّاس إِلَه النَّاس من شَرّ الوسواس الخناس الَّذِي يوسوس فِي صُدُور النَّاس من الْجنَّة وَالنَّاس﴾ لَا بَين بَيَان فِي تَكْذِيب الْقَائِلين بِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْد الله تَعَالَى أصلح مِمَّا فعل وَإنَّهُ غير قَادر على كف وَسْوَسَة الشَّيْطَان وَلَا على هدي الْكفَّار هدى يسْتَحقُّونَ بِهِ الثَّوَاب كَمَا وعد المهتدين لِأَنَّهُ نَص على أَنه هُوَ الْمَطْلُوب مِنْهُ العون لنا وَالْهدى إِلَى صِرَاط من خصّه بِالنعْمَةِ عَلَيْهِ تَعَالَى وضل فولا أَنه تَعَالَى قَادِرًا على الْهدى الْمَذْكُور وَإِن عِنْده عونا على ذَلِك لَا يؤتيه إِلَّا من شَاءَ دون من لم يَشَأْ وَإنَّهُ تَعَالَى أنعم على قوم بِالْهدى وَلم ينعم بِهِ على آخَرين لما أمرنَا أَن نَسْأَلهُ من ذَلِك مَا لَيْسَ يقدر عَلَيْهِ أَو مَا قد أعطَاهُ إِيَّاه وَنَصّ تَعَالَى على أَنه قَادر على صرف وَسْوَسَة الشَّيْطَان فلولا أَنه تَعَالَى يصرفهَا عَمَّن يَشَاء لما أمرنَا أَن نستعيذ مِمَّا لَا يقدر على الإعاذة مِنْهُ أَو مِمَّا قد أعاذنا بعد مِنْهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا مخلص لَهُم من هَذَا أصلا ثمَّ نسألهم أَي مصلحَة للعصاة فِي أَن جعل بعض حركاتهم وسكونهم كَبَائِر يسْتَحقُّونَ عَلَيْهَا النَّار وَجعل بعض حركاتهم وسكونهم صغائر مغفورة وَلَقَد كَانَ أصلح أَن يَجْعَلهَا كلهَا صغائر مغفورة وَلَقَد أصلح أَن يَجْعَلهَا كلهَا صغائر مغفورة فَإِن قَالُوا هَذَا أزْجر عَن الْمعاصِي وَأصْلح قيل لَهُم فَهَلا إِذْ هُوَ كَمَا تَقولُونَ جعلهَا جَمِيعهَا كَبَائِر زاجرة فَهُوَ أبلغ فِي الزّجر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد نَص الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن آيَات كَثِيرَة لَا يحْتَمل تَأْوِيلا بتكذيب المعجزين لرَبهم تَعَالَى وَلَيْسَ يُمكنهُم وجود آيَة وَلَا سنة يتعلقون بهَا أصلا فَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء﴾ أفلم يكن عِنْده أصلح من فتْنَة يضل بهَا بعض خلقه حاشى لله من هَذَا الْكفْر والتعجيز وَقَالَ تَعَالَى حاكيا عَن الَّذين أثنى عَلَيْهِم من مؤمني الْجِنّ انهم قَالُوا ﴿وَأَنا لَا نَدْرِي أشر أُرِيد بِمن فِي الأَرْض أم أَرَادَ بهم رَبهم رشدا﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَصدقهمْ الله فِي ذَلِك إِذْ لَو أنكرهُ لما أوردهُ مثنياً عَلَيْهِم بذلك وَهَذَا فِي غَايَة الْبَيَان الَّذِي قد هلك من خَالفه وَبَطل بِهِ قَول الضلال الْمُلْحِدِينَ الْقَائِلين أَن الله تَعَالَى أَرَادَ رشد فِرْعَوْن وإبليس وَأَنه لَيْسَ عِنْده أصلح وَلَا يقدر لَهما على هدى

стр. 404

أصلا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ فليت شعري أَي مصلحَة لَهُم فِي أَن يذرأهم لِجَهَنَّم نَعُوذ بِاللَّه من هَذِه الْمصلحَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وقهم السَّيِّئَات وَمن تق السَّيِّئَات يَوْمئِذٍ فقد رَحمته﴾ فصح أَنه تَعَالَى هُوَ الَّذِي يقي السَّيِّئَات وَأَن الَّذِي رَحمَه هُوَ الَّذِي وَقَاه السَّيِّئَات لِأَن من لم يقه السَّيِّئَات فَلم يرحمه وَبلا شكّ أَن من وَقَاه السَّيِّئَات فقد فعل بِهِ أصلح مِمَّا فعل بِمن لم يقه إِيَّاهَا هَذَا مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ وَلَا يشك من لدماغه أقل سَلامَة أَو فِي وَجهه من برد الْحيَاء شَيْء فِي إِن هَذَا كَانَ أصلح بالكفار من إدخالهم النَّار بِأَن لَا يؤتهم ذَلِك الْهدى وَإِن كَانُوا كَمَا يَقُولُونَ من دُخُولهمْ الْجنَّة بِغَيْر اسْتِحْقَاق وَقَالَ تَعَالَى ﴿حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون فضلا من الله ونعمة وَالله عليم حَكِيم﴾ فليت شعري أَيْن فعله تَعَالَى بهؤلاء نسْأَل الله أَن يجعلنا مِنْهُم من فعله بالذين قَالَ فيهم أَنه ختم على قُلُوبهم وزين لَهُم سوء أَعْمَالهم وَجعل صُدُورهمْ ضيقَة حرجة إِن من سَاوَى بَين الْأَمريْنِ وَقَالَ أَن الله تَعَالَى لم يُعْط هَؤُلَاءِ إِلَّا مَا أعْطى هَؤُلَاءِ وَلَا أعْطى من الْهدى والاختصاص مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى وَيحيى وَالْمَلَائِكَة ﵈ إِلَّا مَا أعْطى إِبْلِيس وَفرْعَوْن وَأَبا جهل وَأَبا لَهب وَالَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس والمتقيلين وَالشّرط والبغائيين والعوهر وَثَمُود الَّذين جابوا الصخر بالواد وَفرْعَوْن ذِي الْأَوْتَاد الَّذين طغوا فِي الْبِلَاد فَأَكْثرُوا فِيهَا الْفساد بل سوى فِي التَّوْفِيق بَين جَمِيعهم وَلم يقدر لَهُم على مزِيد من الصّلاح لقَلِيل الْحيَاء عديم الدّين وَمَا جَوَابه إِلَّا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾ وَقَالَ ﴿كَانَ النَّاس أمة وَاحِدَة فَبعث الله النَّبِيين مبشرين ومنذرين﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فأيما كَانَ أصلح للْكفَّار المخلدين فِي النَّار أَن يَكُونُوا مَعَ الْمُؤمنِينَ أمة وَاحِدَة لَا عَذَاب عَلَيْهِم أم بعثة الرُّسُل إِلَيْهِم وَهُوَ يدْرِي أَنهم لَا يُؤمنُونَ فَيكون ذَلِك سَببا إِلَى تخليدهم فِي جَهَنَّم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأملي لَهُم أَن كيدي متين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا إِنَّمَا نملي لَهُم خير لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا وَلَهُم عَذَاب مهين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أيحسبون إِنَّمَا نمدهم بِهِ من مَال وبنين نسارع لَهُم فِي الْخيرَات بل لَا يَشْعُرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا غَايَة الْبَيَان فِي أَن الله أَرَادَ بهم وَفعل بهم مَا فِيهِ فَسَاد أديانهم وهلاكهم الَّذِي هُوَ ضد الصّلاح وَإِلَّا فَأَي مصلحَة لَهُم فِي أَن يستدرجوا إِلَى الْبِلَاد من حَيْثُ لَا يعلمُونَ وَفِي الْإِمْلَاء لَهُم ليزدادوا إِثْمًا وَنَصّ تَعَالَى إِن كل ذَلِك الَّذِي فعله لَيْسَ مسارعة لَهُم فِي الْخَيْر فَبَطل قَول هَؤُلَاءِ الهلكى جملَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا فَحق عَلَيْهَا القَوْل فدمرناها تدميراً﴾ فَهَل بعد هَذَا بَيَان فِي أَن الله أَرَادَ هلاكهم ودمارهم وَلم يرد صَلَاحهمْ فَأمر مُتْرَفِيهَا بأوامر خالفوها ففسقوا فدمروا تدميراً فأيما كَانَ أصلح لَهُم أَن لَا يؤمروا فيسلموا أَو أَن يؤمروا وَهُوَ تَعَالَى يدْرِي أَنهم لَا يأتمرون فَيدْخلُونَ النَّار فَإِن قَالُوا فاحملوا قَوْله تَعَالَى أمرنَا مُتْرَفِيهَا على ظَاهره قُلْنَا نعم هَكَذَا نقُول وَلم يقل تَعَالَى أَنه أَمرهم بِالْفِسْقِ وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى أمرناهم فَقَط وَقد نَص تَعَالَى

стр. 405

على أَنه لَا يَأْمر بالفحشاء فصح قَوْلنَا أَيْضا وَقَالَ ﴿وَأَن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ ثمَّ لَا يَكُونُوا أمثالكم﴾ فنص تَعَالَى على أَن أَصْحَاب النَّبِي ﷺ لَو توَلّوا لَا يدل قوما غَيرهم لَا يكونُونَ أمثالهم وبالضرورة نعلم انه إِنَّمَا أَرَادَ خيرا مِنْهُم فقد صَحَّ أَنه قَادر على أَن يخلق أصلح مِنْهُم وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا لقادرون على أَن نبدل خيرا مِنْهُم﴾ وَفِي هَذَا كِفَايَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن﴾ فَهَل فِي الْبَيَان أَن الله تَعَالَى قَادر على أَن يفعل أصلح مِمَّا فعل وَإِن عِنْده تَعَالَى أصلح مِمَّا أعْطى خلقه أبين أَو أوضح أَو أصح من إخْبَاره تَعَالَى أَنه قَادر على أَن يُبدل نبيه ﷺ الَّذِي هُوَ أحب النَّاس إِلَيْهِ خيرا من الْأزْوَاج اللواتي أعطَاهُ واللواتي هن خير النَّاس بعد الْأَنْبِيَاء ﵈ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَبَطل قَول الْبَقر الشاذة أَصْحَاب الْأَصْلَح فِي أَنه تَعَالَى لَا يقدر على أصلح مَا فعل بعباده قَالَ أَبُو مُحَمَّد نسْأَل الله الْعَافِيَة مِمَّا ابْتَلَاهُم بِهِ ونسأله الْهدى الَّذِي حرمهم إِيَّاه وَكَانَ قَادِرًا على أَن يتفضل عَلَيْهِم بِهِ فَلم يرد وَمَا توفيقنا إِلَّا بِاللَّه وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل قَالَ أَبُو مُحَمَّد كل من منع قدرَة الله عَن شَيْء مِمَّا ذكرنَا فَلَا شكّ فِي كفره لِأَنَّهُ عجز ربه تَعَالَى وَخَالف جَمِيع أهل الْإِسْلَام قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالُوا إِذا كَانَ عِنْده أصلح مِمَّا فعل بِنَا وَلم يؤتنا إِيَّاه وَلَيْسَ بَخِيلًا وَخلق أَفعَال عباده وعذبهم عَلَيْهَا وَلم يكن ظَالِما فَلَا تنكروا على من قَالَ أَنه جسم وَلَا يشبه خلقه وَأَنه يَقُول غير الْحق وَلَا يكون كَاذِبًا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِنَّه تَعَالَى لم يقل أَنه جسم وَلَو قَالَه لقلناه وَلم يكن ذَلِك تَشْبِيها لَهُ بخلقه وَلم يقل تَعَالَى أَن يَقُول غير الْحق بل قد أبطل ذَلِك وَقطع بِأَن قَوْله الْحق فَمن قَالَ على الله مَا لم يقلهُ فَهُوَ ملحد كَاذِب على الله وَقد قَالَ تَعَالَى أَنه خلق كل شَيْء وخلقنا وَمَا نعمل وَأَنه لَو شَاءَ لهدى كل كَافِر وَأَنه غير ظَالِم وَلَا بخيل وَلَا مُمْسك فَقُلْنَا مَا قَالَ من كل ذَلِك وَلم نقل مَا لم يقل وَقُلْنَا مَا قَامَ بِهِ الْبُرْهَان الْعقلِيّ من أَنه تَعَالَى خَالق كل مَوْجُود دونه وَأَنه تَعَالَى قَادر على كل من يسْأَل عَنهُ وَأَنه لَا يُوصف بِشَيْء من صِفَات الْعباد لَا ظلم وَلَا بخل وَلَا غير ذَلِك وَلم نقل مَا قد قَامَ الْبُرْهَان الْعقلِيّ على أَنه بَاطِل من أَنه جسم أَو أَنه يَقُول غير الْحق وَقَالَ بعض أَصْحَاب الْأَصْلَح وَهُوَ ابْن بدد الغزال تلميذ مُحَمَّد بن شبيب تلميذ النظام بلَى إِن عِنْد الله ألطافاً لَو أَتَى بهَا الْكفَّار لآمنوا إِيمَانًا يسْتَحقُّونَ مَعَه الثَّوَاب إِلَّا أَن الثَّوَاب الَّذِي يستحقونه على مَا فعل بهم أعظم وَأجل فَلهَذَا مَنعهم تِلْكَ الألطاف قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تمويه ضَعِيف لأننا إِنَّمَا سألناهم هَل يقدر الله تَعَالَى على ألطاف إِذا أَتَى بهَا أهل الْكفْر آمنُوا إِيمَانًا يسْتَحقُّونَ بِهِ مثل هَذَا الثَّوَاب الَّذِي يُؤْتِيهم على الْإِيمَان الْيَوْم أَو أَكثر من ذَلِك الثَّوَاب فَلَا بُد لَهُ من ترك قَوْله أَو يعجز ربه تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونسأل جَمِيع أَصْحَاب الْأَصْلَح فَنَقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أخبرونا عَن كل من شَاهد براهين الْأَنْبِيَاء ﵈ مِمَّن لم لَا يُؤمن بِهِ وَصحت عِنْده بِنَقْل التَّوَاتُر هَل صَحَّ ذَلِك عِنْدهم صِحَة لَا مجَال للشَّكّ فِيهَا أَنَّهَا شَوَاهِد مُوجبَة صدق نبوتهم أم لم يَصح ذَلِك عِنْدهم إِلَّا بغالب الظَّن وبصفة أَنَّهَا مِمَّا يُمكن أَن يكون تخييلاً أَو سحرًا أَو نفلا مَدْخُولا وَلَا بُد من أحد الْوَجْهَيْنِ فَإِن قَالُوا بل صَحَّ ذَلِك عِنْدهم صِحَة لَا مجَال للشَّكّ فِيهَا وَثَبت ذَلِك فِي عُقُولهمْ بِلَا شكّ

стр. 406

قُلْنَا لَهُم هَذَا هُوَ الِاضْطِرَار نَفسه الَّذِي لَا اضطرار فِي الْعَالم غَيره وَهَذِه صفة كل من ثَبت عِنْده شَيْء ثباتاً متيقناً كمن يتَيَقَّن بالْخبر الْمُوجب للْعلم موت فلَان وَكَون صفّين والجمل وكسائر مَا لم يُشَاهد الْمَرْء بحواسه فَالْكل على هَذَا مضطرون إِلَى الْإِيمَان لَا مختارون لَهُ وَإِن قَالُوا لم يَصح عِنْدهم شَيْء من ذَلِك هَذِه الصِّحَّة قُلْنَا لَهُم فَمَا قَامَت عَلَيْهِم حجَّة النُّبُوَّة قطّ وَلَا صحت لله تَعَالَى عَلَيْهِم حجَّة وَمن كَانَ هَكَذَا فاختياره للْإيمَان إِنَّمَا هُوَ اسْتِحْبَاب وتقليد وَاتِّبَاع لما مَالَتْ إِلَيْهِ نَفسه وَغلب ظَنّه فَقَط وَفِي هَذَا بطلَان جَمِيع الشَّرَائِع وَسُقُوط حجَّة الله تَعَالَى وَهَذَا كفر مُجَرّد الْكَلَام فِي هَل لله تَعَالَى نعْمَة على الْكفَّار أم لَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلف المتكلمون فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَت الْمُعْتَزلَة أَن نعم الله تَعَالَى على الْكفَّار فِي الدّين وَالدُّنْيَا كنعمه على الْمُؤمنِينَ وَلَا فرق وَهَذَا قَول فَاسد قد نقضناه آنِفا وَللَّه الْحَمد وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى إِن الله تَعَالَى لَا نعْمَة لَهُ على كَافِر أصلا لَا فِي دين وَلَا دنيا وَقَالَت طَائِفَة لَهُ تَعَالَى عَلَيْهِم نعم فِي الدُّنْيَا فَأَما فِي الدّين فَلَا نعْمَة لَهُ عَلَيْهِم فِيهِ أصلا قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَالَ الله ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَوَجَدنَا الله يَقُول ﴿الله الَّذِي جعل لكم اللَّيْل لتسكنوا فِيهِ وَالنَّهَار مبصراً إِن الله لذُو فضل على النَّاس وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الَّذِي جعل لكم الأَرْض قراراً وَالسَّمَاء بِنَاء وصوركم فَأحْسن صوركُمْ ورزقكم من الطَّيِّبَات ذَلِكُم الله ربكُم﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذَا عُمُوم بِالْخِطَابِ بإنعام الله تَعَالَى على كل من خلق الله تَعَالَى وَعُمُوم لمن يشْكر من النَّاس وَالْكفَّار من جملَة مَا خلق الله تَعَالَى بِلَا شكّ وَأما أهل الْإِسْلَام فكلهم شَاكر لله تَعَالَى بِالْإِقْرَارِ بِهِ ثمَّ يتفاضلون فِي الشُّكْر وَلَيْسَ أحد من الْخلق يبلغ كل مَا عَلَيْهِ من شكر الله تَعَالَى فصح أَن نعم الله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا على الْكفَّار كهي على الْمُؤمنِينَ وَرُبمَا أَكثر فِي بَعضهم فِي بعض الْأَوْقَات قَالَ تَعَالَى ﴿بدلُوا نعْمَة الله كفرا وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار جَهَنَّم يصلونها وَبئسَ الْقَرار﴾ وَهَذَا نَص جلي على نعم الله تَعَالَى على الْكفَّار وَأَنَّهُمْ بدلوها كفرا فَلَا يحل لأحد أَن يُعَارض كَلَام ربه تَعَالَى بِرَأْيهِ الْفَاسِد وَأما نعْمَة الله فِي الدّين فَإِن الله تَعَالَى أرسل إِلَيْهِم الرُّسُل هادين لَهُم إِلَى مَا يرضى الله تَعَالَى وَهَذِه نعْمَة عَامَّة بِلَا شكّ فَلَمَّا كفرُوا وجحدوا نعم الله تَعَالَى فِي ذَلِك أعقبهم الْبلَاء وَزَوَال النِّعْمَة كَمَا قَالَ ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل = كتاب الْإِيمَان وَالْكفْر والطاعات والمعاصي والوعد والوعيد قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلف النَّاس فِي مَاهِيَّة الْإِيمَان فَذهب قوم إِلَى أَن الْإِيمَان إِنَّمَا هُوَ معرفَة الله تَعَالَى بِالْقَلْبِ فَقَط وَإِن أظهر الْيَهُودِيَّة والنصرانية وَسَائِر أَنْوَاع الْكفْر بِلِسَانِهِ وعبادته فَإِذا عرف الله تَعَالَى بِقَلْبِه فَهُوَ مُسلم من أهل الْجنَّة وَهَذَا قَول أبي مُحرز الجهم بن صَفْوَان وَأبي

стр. 407

الْحسن الْأَشْعَرِيّ الْبَصْرِيّ وأصحابهما وَذهب قوم إِلَى أَن الْإِيمَان هُوَ إِقْرَار بِاللِّسَانِ بِاللَّه تَعَالَى وَأَن اعْتقد الْكفْر بِقَلْبِه فَإِذا فعل ذَلِك فَهُوَ مُؤمن من أهل الْجنَّة وَهَذَا قَول مُحَمَّد بن كرام السجسْتانِي وَأَصْحَابه ذهب قوم إِلَى أَن الْإِيمَان هُوَ الْمعرفَة بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ مَعًا فَإِذا عرف الْمَرْء الدّين بِقَلْبِه وَأقر بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُسلم كَامِل الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَإِن الْأَعْمَال لَا تسمى إِيمَانًا وَلكنهَا شرائع الْإِيمَان وَهَذَا قَول أبي حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت الْفَقِيه وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء ذهب سَائِر الْفُقَهَاء وَأَصْحَاب الحَدِيث والمعتزلة والشيعة وَجَمِيع الْخَوَارِج إِلَى أَن الْإِيمَان هُوَ الْمعرفَة بِالْقَلْبِ بِالدّينِ وَالْإِقْرَار بِهِ بِاللِّسَانِ وَالْعَمَل بالجوارح وَأَن كل طَاعَة وَعمل خير فرضا كَانَ أَو نَافِلَة فَهِيَ إِيمَان وكل مَا ازْدَادَ الْإِنْسَان خيرا ازْدَادَ إيمَانه وَكلما عصى نقص إيمَانه وَقَالَ مُحَمَّد بن زِيَاد الحريري الْكُوفِي من آمن بِاللَّه وَكذب برَسُول الله ﷺ فَلَيْسَ مُؤمنا على الْإِطْلَاق وَلَا كَافِرًا على الْإِطْلَاق وَلكنه مُؤمن كَافِر لِأَنَّهُ آمن بِاللَّه تَعَالَى فَهُوَ مُؤمن وَكَافِر بالرسول ﷺ فَهُوَ كَافِر قَالَ أَبُو مُحَمَّد فحجة الْجَهْمِية والكرامية والأشعرية وَمن ذهب مَذْهَب أبي حنيفَة حجَّة وَاحِدَة وَهِي أَنهم قَالُوا إِنَّمَا أنزل الْقُرْآن بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين وبلغة الْعَرَب خاطبنا الله تَعَالَى وَرَسُول الله ﷺ وَالْإِيمَان فِي اللُّغَة هُوَ التَّصْدِيق فَقَط وَالْعَمَل بالجوارح لَا يُسمى فِي اللُّغَة تَصْدِيقًا فَلَيْسَ إِيمَانًا قَالُوا وَالْإِيمَان هُوَ التَّوْحِيد والأعمال لَا تسمى توحيداً فَلَيْسَتْ إِيمَانًا قَالُوا وَلَو كَانَت الْأَعْمَال توحيداً وإيماناً لَكَانَ من ضيع شَيْئا منا قد ضيع الْإِيمَان وَفَارق الْإِيمَان فَوَجَبَ أَن لَا يكون مُؤمنا قَالُوا وَهَذِه الْحجَّة إِنَّمَا تلْزم أَصْحَاب الحَدِيث خَاصَّة لَا تلْزم الْخَوَارِج وَلَا الْمُعْتَزلَة لأَنهم يَقُولُونَ بذهاب الْإِيمَان جملَة بإضاعة الْأَعْمَال قَالَ أَبُو مُحَمَّد مَا لَهُم حجَّة غير مَا ذكرنَا وكل مَا ذكرُوا فَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ أصلا لما نذكرهُ إِن شَاءَ الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق فِي اللُّغَة فَهَذَا حجَّة على الأشعرية والجهمية والكرامية مبطلة لأقوالهم إبطالاً تَاما كَافِيا لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى غَيره وَذَلِكَ قَوْلهم أَن الْإِيمَان فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن هُوَ التَّصْدِيق فَلَيْسَ كَمَا قَالُوا على الْإِطْلَاق وَمَا سمي قطّ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ دون التَّصْدِيق بِاللِّسَانِ إِيمَانًا فِي لُغَة الْعَرَب وَمَا قَالَ قطّ عَرَبِيّ أَن من صدق شَيْئا بِقَلْبِه فأعلن التَّكْذِيب بِهِ بِقَلْبِه وبلسانه فَإِنَّهُ لَا يُسمى مُصدقا بِهِ أصلا وَلَا مُؤمنا بِهِ الْبَتَّةَ وَكَذَلِكَ مَا سمي قطّ التَّصْدِيق بِاللِّسَانِ دون التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ إِيمَانًا فِي لُغَة الْعَرَب أصلا على الْإِطْلَاق وَلَا يُسمى تَصْدِيقًا فِي لُغَة الْعَرَب وَلَا إِيمَانًا مُطلقًا إِلَّا من صدق بالشَّيْء بِقَلْبِه وَلسَانه مَعًا فَبَطل تعلق الْجَهْمِية والأشعرية باللغة جملَة ثمَّ نقُول لمن ذهب مَذْهَب أبي حنيفَة فِي أَن الْإِيمَان إِنَّمَا هُوَ التَّصْدِيق بِاللِّسَانِ وَالْقلب مَعًا وَتعلق فِي ذَلِك باللغة إِن تعلقكم باللغة لَا حجَّة لكم فِيهِ أصلا لِأَن اللُّغَة يجب فِيهَا ضَرُورَة أَن كل من صدق بِشَيْء فَإِنَّهُ مُؤمن بِهِ وَأَنْتُم والأشعرية والجهمية والكرامية كلكُمْ توقعون اسْم الْإِيمَان وَلَا تطلقونه على كل من صدق بِشَيْء مَا وَلَا تطلقونه إِلَّا على صفة محدودة دون سَائِر الصِّفَات وَهِي من صدق بِاللَّه وبرسوله ﷺ وَبِكُل مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن والبعث وَالْجنَّة وَالنَّار وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغير ذَلِك مِمَّا قد أَجمعت الْأمة على أَنه لَا يكون مُؤمنا من لم يصدق بِهِ وَهَذَا خلاف

стр. 408

اللُّغَة مُجَرّد فَإِن قَالُوا أَن الشَّرِيعَة أوجبت علينا هَذَا قُلْنَا صَدقْتُمْ فَلَا تتعلقوا باللغة حَيْثُ جَاءَت الشَّرِيعَة بِنَقْل اسْم مِنْهَا عَن مَوْضُوعه فِي اللُّغَة كَمَا فَعلْتُمْ آنِفا سَوَاء بِسَوَاء وَلَا فرق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَو كَانَ مَا قَالُوهُ صَحِيحا لوَجَبَ أَن يُطلق اسْم الْإِيمَان لكل من صدق بِشَيْء مَا ولكان من صدق بإلاهية الحلاج وبإلاهية الْمَسِيح وبإلاهية الْأَوْثَان مُؤمنين لأَنهم مصدقون بِمَا صدقُوا بِهِ وَهَذَا لَا يَقُوله أحد مِمَّن ينتمي إِلَى الْإِسْلَام بل قَالَه كَافِر عِنْد جَمِيعهم وَنَصّ الْقُرْآن يكفر من قَالَ بِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويريدون أَن يفرقُوا بَين الله وَرُسُله وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض ويريدون أَن يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا﴾ فَهَذَا الله شهد بِأَن قوما يُؤمنُونَ بِبَعْض الرُّسُل وَبِاللَّهِ تَعَالَى ويكفرون بِبَعْض فَلم يجز مَعَ ذَلِك أَن يُطلق عَلَيْهِم اسْم الْإِيمَان أصلا با أوجب لَهُم اسْم الْكفْر بِنَصّ الْقُرْآن قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَول مُحَمَّد بن زِيَاد الحريري لَازم لهَذِهِ الطوائف كلهَا لَا ينفكون عَنهُ على مُقْتَضى اللُّغَة وموجبها وَهُوَ قَول لم يخْتَلف مسلمان فِي أَنه كفر مُجَرّد وَأَنه خلاف لِلْقُرْآنِ كَمَا ذكرنَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَبَطل تعلق هَذِه الطوائف باللغة جملَة وَأما قَوْلهم أَنه لَو كَانَ الْعَمَل يُسمى إِيمَانًا لَكَانَ من ضيع مِنْهُ شَيْئا فقد أضاع الْإِيمَان وَوَجَب أَن لَا يكون مُؤمنا فَإِنِّي قلت لبَعْضهِم وَقد ألزمني هَذَا الْإِلْزَام كلَاما تَفْسِيره وَبسطه إننا لَا نسمي فِي الشَّرِيعَة اسْما إِلَّا بِأَن يَأْمُرنَا الله تَعَالَى أَن نُسَمِّيه أَو يُبِيح لنا الله بِالنَّصِّ أَن نُسَمِّيه لأننا لَا نَدْرِي من أَرَادَ الله منا إِلَّا بِوَحْي وَارِد من عِنْده علينا وَمَعَ هَذَا فَإِن الله يَقُول مُنْكرا لمن سمي فِي الشَّرِيعَة شَيْئا بِغَيْر إِذْنه ﴿إِن هِيَ إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى أم للْإنْسَان مَا تمنى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة فَقَالَ أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا﴾ فصح أَنه لَا تَسْمِيَة مُبَاحَة لملك وَلَا لأنسي دون الله تَعَالَى وَمن خَالف هَذَا فقد افترى على الله الْكَذِب وَخَالف الْقُرْآن فَنحْن لَا نسمي مُؤمنا إِلَّا من سَمَّاهُ الله مُؤمنا وَلَا نسقط الْإِيمَان بعد وُجُوبه إِلَّا عَمَّن أسْقطه الله عَنهُ وَوجدنَا بعض الْأَعْمَال الَّتِي سَمَّاهَا الله إِيمَانًا لم يسْقط الله اسْم الْإِيمَان عَن تاركها فَلم يجز لنا أَن نسقطه عَنهُ لذَلِك لَكِن نقُول انه ضيع بعض الْإِيمَان وَلم يضيع كُله كَمَا جَاءَ النَّص على مَا نبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِذا سقط كل مَا موهت بِهِ هَذِه الطوائف كلهَا وَلم يبْق لَهُم حجَّة أصلا فلنقل بعون الله وتأييده فِي بسط حجَّة القَوْل الصَّحِيح الَّذِي هُوَ قَول جُمْهُور أهل الْإِسْلَام وَمذهب الْجَمَاعَة وَأهل السّنة وَأَصْحَاب الْآثَار من أَن الْإِيمَان عقد وَقَول وَعمل وَفِي بسط مَا أجملناه مِمَّا نقدنا بِهِ قَول المرجئة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد أصل الْإِيمَان كَمَا قُلْنَا فِي اللُّغَة التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وباللسان مَعًا بِأَيّ شَيْء صدق الْمُصدق لَا شَيْء دون شَيْء الْبَتَّةَ إِلَّا أَن الله على لِسَان رَسُول الله ﷺ أوقع لَفْظَة الْإِيمَان على العقد بِالْقَلْبِ لِأَشْيَاء محدودة مَخْصُوصَة مَعْرُوفَة على على العقد لكل شَيْء وأوقعها أَيْضا تَعَالَى على الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ بِتِلْكَ الْأَشْيَاء خَاصَّة لَا بِمَا سواهَا وأوقعها أَيْضا على أَعمال الْجَوَارِح لكل مَا هُوَ طَاعَة لَهُ تَعَالَى فَقَط فَلَا يحل لأحد خلاف الله تَعَالَى فِيمَا أنزلهُ وَحكم بِهِ وَهُوَ تَعَالَى خَالق اللُّغَة وَأَهْلهَا فَهُوَ أملك بتصريفها وإيقاع أسمائها على مَا يَشَاء وَلَا عجب أعجب مِمَّن أوجد لأمريء الْقَيْس أَو لزهير أَو

стр. 409

لجرير أَو الحطيئة والطرماح أَو لأعرابي أسدي بن سلمي أَو تميمي أَو من سَائِر أَبنَاء الْعَرَب بوال على عَقِبَيْهِ لفظا فِي شعر أَو نثر جملَة فِي اللُّغَة وَقطع بِهِ وَلم يعْتَرض فِيهِ ثمَّ إِذا وجد لله تَعَالَى خَالق اللُّغَات وَأَهْلهَا كلَاما لم يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا جعله حجَّة وَجعل يصرفهُ عَن وَجهه ويحرفه عَن موَاضعه ويتحيل فِي إحالته عَمَّا أوقعه الله عَلَيْهِ وَإِذا وجد لرَسُول الله ﷺ كلَاما فعل بِهِ مثل ذَلِك وتالله لقد كَانَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم قبل أَن يُكرمهُ الله تَعَالَى بِالنُّبُوَّةِ وَأَيَّام كَونه فَتى بِمَكَّة بِلَا شكّ عِنْد كل ذِي مسكة من عقل أعلم بلغَة قومه وأفصح فِيهَا وَأولى بِأَن يكون مَا نطق بِهِ من ذَلِك حجَّة من كل خندفي وقيسي وربيعي وإيادي وتميمي وقضاعي وحميري فَكيف بعد أَن اختصه الله تَعَالَى للنذارة واجتباه للوساطة بَينه وَبَين خلقه وأجى على لِسَانه كَلَامه وَضمن حفظه وَحفظ مَا يَأْتِي بِهِ فَأَي ضلال أضلّ مِمَّن يسمع لبيد بن ربيعَة بن مَالك بن جَعْفَر بن كلاب يَقُول ... فعلت فروع إِلَّا يهقان وأطفلت ... لجلهتين ظباؤها ونعامها ... فَجعله حجَّة وَأَبُو زِيَاد الْكلابِي يَقُول مَا عرفت الْعَرَب قطّ إِلَّا يهقان وَإِنَّمَا هُوَ اللهق بَيت مَعْرُوف وَيسمع قَول ابْن أَحْمَر كناه نقلق عَن مأموسة الْحجر وعلماء اللُّغَة يَقُولُونَ أَنه لم يعرف قطّ لأحد من الْعَرَب أَنه سمى النَّار مأموسى إِلَّا ابْن أَحْمَر فَيَجْعَلهُ حجَّة ويجيز قَول من قَالَ من الْأَعْرَاب هَذَا حجر من خرب وَسَائِر الشواذ من مَعْهُود اللُّغَة مِمَّا يكثر لَو تكلفنا ذكره ونحتج بِكُل ذَلِك ثمَّ يمْتَنع من إِيقَاع اسْم الْإِيمَان على مَا أوقعه عَلَيْهِ الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ مُحَمَّد بن عبد الله الْقرشِي المسترضع فِي بني سعد بن بكر ويكابر فِي ذَلِك بِكُل بَاطِل وَبِكُل حَمَاقَة وَبِكُل دفع للمشاهدة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَمن الأيات الَّتِي أوقع الله تَعَالَى فِيهَا اسْم الْإِيمَان على أَعمال الدّيانَة قَوْله ﴿هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد والتصديق بالشَّيْء أَي شَيْء كَانَ لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يَقع فِيهِ زِيَادَة وَلَا نقص وَكَذَلِكَ التَّصْدِيق بِالتَّوْحِيدِ والنبوة لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون فِيهِ زِيَادَة وَلَا نقص لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو كل مُعْتَقد بِقَلْبِه أَو مقرّ بِلِسَانِهِ بِأَيّ شَيْء أقرّ أَو أَي شَيْء اعْتقد من أحد ثَلَاثَة أوجه لَا رَابِع لَهَا أما أَن يصدق بِمَا اعْتقد وَأقر وَأما أَن يكذب بِمَا اعْتقد وَأما منزلَة بَينهمَا وَهِي الشَّك فَمن الْمحَال أَن يكون إِنْسَان مُكَذبا بِمَا يصدق بِهِ وَمن الْمحَال أَن يشك أحد فِيمَا يصدق بِهِ فَلم يبْق إِلَّا أَنه مُصدق بِمَا اعْتقد بِلَا شكّ وَلَا يجوز أَن يكون تَصْدِيق وَاحِد أَكثر من تَصْدِيق آخر لِأَن أحد التصديقين إِذا دَخلته دَاخِلَة فبالضرورة يدْرِي كل ذِي حس سليم أَنه قد خرج عَن التَّصْدِيق وَلَا بُد وَحصل فِي الشَّك لِأَن معنى التَّصْدِيق إِنَّمَا هُوَ أَن يَقع ويوقن بِصِحَّة وجود مَا صدق بِهِ وَلَا سَبِيل إِلَى التَّفَاضُل فِي هَذِه الصّفة فَإِن لم يقطع وَلَا أَيقَن بِصِحَّتِهِ فقد شكّ فِيهِ فَلَيْسَ مُصدقا بِهِ وَإِذا لم يكن مُصدقا بِهِ فَلَيْسَ مُؤمنا بِهِ فصح أَن الزِّيَادَة الَّتِي ذكر الله فِي الْإِيمَان لَيست فِي التَّصْدِيق أصلا وَلَا فِي الِاعْتِقَاد الْبَتَّةَ فَهِيَ ضَرُورَة فِي غير التَّصْدِيق وَلَيْسَ هَاهُنَا إِلَّا الْأَعْمَال فَقَط فصح يَقِينا أَن أَعمال الْبر إِيمَان بِنَصّ الْقُرْآن وَكَذَلِكَ قَول الله ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا﴾ فَإِن قَالَ قَائِل معنى زِيَادَة الْإِيمَان هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ لما نزلت تِلْكَ الْآيَة صدقُوا بهَا فَزَادَهُم بنزولها إِيمَانًا تَصْدِيقًا بِشَيْء وَارِد لم يكن عِنْدهم قيل لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هَذَا محَال لِأَنَّهُ

стр. 410

قد اعْتقد الْمُسلمُونَ فِي أول إسْلَامهمْ أَنهم مصدقون بِكُل مَا يَأْتِيهم بِهِ نَبِيّهم ﵊ فِي المستأنف فَلم يزدهم نزُول الْآيَة تَصْدِيقًا لم يَكُونُوا اعتقدوه فصح أَن الْإِيمَان الَّذِي زادتهم الْآيَات إِنَّمَا هوألعمل بهَا الَّذِي لم يَكُونُوا عملوه وَلَا عرفوه وَلَا صدقُوا بِهِ قطّ وَلَا كَانَ جَائِزا لَهُم أَن يعتقدوه ويعملوا بِهِ بل كَانَ فرضا عَلَيْهِم تَركه والتكذيب بِوُجُوبِهِ وَالزِّيَادَة لَا تكون إِلَّا فِي كمية عدد لَا فِيمَا سواهُ وَلَا عدد للاعتقاد وَلَا كمية وَإِنَّمَا الكمية وَالْعدَد فِي الْأَعْمَال والأقوال فَقَط فَإِن قَالُوا أَن تلاوتهم لَهَا زِيَادَة إِيمَان قُلْنَا صَدقْتُمْ وَهَذَا هُوَ قَوْلنَا والتلاوة عمل بجارحة اللِّسَان لَيْسَ إِقْرَارا بالمعتقد وَلكنه من نوع الذّكر بالتسبيح والتهليل وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ وَلم يزل أهل الْإِسْلَام قبل الْجَهْمِية والأشعرية والكرامية وَسَائِر المرجئة مُجْمِعِينَ على أَنه تَعَالَى إِنَّمَا عَنى بذلك صلَاتهم إِلَى بَيت الْمُقَدّس قبل أَن ينْسَخ بِالصَّلَاةِ إِلَى الْكَعْبَة وَقَالَ ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين حنفَاء ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة وَذَلِكَ دين الْقيمَة﴾ فنص تَعَالَى على أَن عبَادَة الله تَعَالَى فِي حَال إخلاص الدّين لَهُ تَعَالَى وَأقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة الواردتين فِي الشَّرِيعَة كُله دين الْقيمَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ فنص تَعَالَى على أَن الدّين هُوَ الْإِسْلَام وَنَصّ قبل على أَن الْعِبَادَات كلهَا وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة هِيَ الدّين فأنتج ذَلِك يَقِينا أَن الْعِبَادَات هِيَ الدّين وَالدّين هُوَ الْإِسْلَام فالعبادات كلهَا هن الْإِسْلَام وَقَالَ ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فأخرجنا من كَانَ فِيهَا من الْمُؤمنِينَ فَمَا وجدنَا فِيهَا غير بَيت من الْمُسلمين﴾ فَهَذَا نَص جلي على أَن الْإِسْلَام هُوَ الْإِيمَان وَقد وَجب قبل بِمَا ذكرنَا أَن أَعمال الْبر كلهَا هِيَ الْإِسْلَام وَالْإِسْلَام هُوَ الْإِيمَان فأعمال الْبر كلهَا إِيمَان وَهَذَا برهَان ضَرُورِيّ لَا محيد عَنهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجاً مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ فنص تَعَالَى وَأقسم بفسه أَن لَا يكون مُؤمنا إِلَّا بتحكيم النَّبِي ﷺ فِي كل ماعن ثمَّ يسلم بِقَلْبِه وَلَا يجد فِي نَفسه حرجاً مِمَّا قضى فصح أَن التَّحْكِيم شَيْء غير التَّسْلِيم بِالْقَلْبِ وَأَنه هُوَ الْإِيمَان الَّذِي لَا إِيمَان لمن لم يَأْتِ بِهِ فصح يَقِينا أَن الْإِيمَان اسْم وَاقع على الْأَعْمَال فِي كل مَا فِي الشَّرِيعَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض ويريدون أَن يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا﴾ فصح أَن لَا يكون التَّصْدِيق مُطلقًا إِيمَانًا إِلَّا حَتَّى يستضيف إِلَيْهِ مَا نَص الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَمِمَّا يتَبَيَّن أَن الْكفْر يكون بالْكلَام قَول الله تَعَالَى ﴿وَدخل جنته وَهُوَ ظَالِم لنَفسِهِ قَالَ مَا أَظن أَن تبيد هَذِه أبدا وَمَا أَظن السَّاعَة قَائِمَة وَلَئِن رددت إِلَى رَبِّي لأجدن خيرا مِنْهَا منقلباً قَالَ لَهُ صَاحبه وَهُوَ يحاوره أكفرت بِالَّذِي خلقك من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ سواك رجلا﴾ إِلَى قَوْله ﴿يَا لَيْتَني لم أشرك بربي أحدا﴾ فَأثْبت الله لَهُ الشّرك وَالْكفْر مَعَ إِقْرَاره بربه تَعَالَى إِذْ شكّ فِي الْبَعْث وَقَالَ تَعَالَى ﴿أفتؤمنون بِبَعْض الْكتاب وتكفرون بِبَعْض﴾ فصح أَن من آمن بِبَعْض الدّين وَكفر بِشَيْء مِنْهُ فَهُوَ كَافِر مَعَ صِحَة تَصْدِيقه لما صدق من ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأكْثر الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهَا مَوْضُوعَة من عِنْد الله تَعَالَى على مسميات لم يعرفهَا الْعَرَب قطّ هَذَا أَمر لَا يجهله أحد من أهل الأَرْض فَمن يدْرِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة ويدري الْأَسْمَاء

стр. 411

الشَّرْعِيَّة كَالصَّلَاةِ فَإِن مَوْضُوع هَذِه اللَّفْظَة فِي لُغَة الْعَرَب الدُّعَاء فَقَط فأوقعها الله على حركات محدودة مَعْدُودَة من قيام مَوْصُوف إِلَى جِهَة مَوْصُوفَة لَا تتعدى وركوع كَذَلِك وَسُجُود كَذَلِك وقعود كَذَلِك وَذكر كَذَلِك وَقِرَاءَة كَذَلِك وَذكر كَذَلِك فِي أَوْقَات محدودة وبطهارة محدودة وبلباس مَحْدُود مَتى لم تكن على ذَلِك بطلت وَلم تكن صَلَاة وَمَا عرفت الْعَرَب قطّ شَيْئا من هَذَا كُله فضلا عَن أَن تسميه حَتَّى أَتَانَا بِهَذَا كُله رَسُول الله ﷺ وَقد قَالَ بَعضهم أَن فِي الصَّلَاة دُعَاء فَلم يخرج الِاسْم بذلك عَن مَوْضُوعه فِي اللُّغَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين أحد من الْأمة فِي أَن من أَتَى بِعَدَد الرَّكْعَات وَقَرَأَ أم الْقُرْآن وقرآناً مَعهَا فِي كل رَكْعَة وأتى بعد بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود وَالْجُلُوس وَالْقِيَام وَالتَّشَهُّد وَصلى على النَّبِي ﷺ وَسلم بتسليمتين فقد صلى كَمَا أَمر وَإِن لم يدع بِشَيْء أصلا وَفِي الْفُقَهَاء من يَقُول أَن من صلى خلف الإِمَام فَلم يقْرَأ أصلا وَلَا تشهد وَلَا دَعَا أصلا فقد صلى كَمَا أَمر وَأَيْضًا فَإِن ذَلِك الدُّعَاء فِي الصَّلَاة لَا يخْتَلف أحد من الْأمة فِي أَنه لَيْسَ شَيْئا وَلَا يُسمى صَلَاة أصلا عِنْد أحد من أهل الْإِسْلَام فعلى كل قد أوقع الله اسْم الصَّلَاة على أَعمال غير الدُّعَاء وَلَا بُد وعَلى دُعَاء مَحْدُود لم تعرفه الْعَرَب قطّ وَلَا عرفت إِيقَاع الصَّلَاة على دُعَاء بِعَيْنِه دون سَائِر الدُّعَاء وَمِنْهَا الزَّكَاة وَهِي مَوْضُوع فِي اللُّغَة للنماء وَالزِّيَادَة فأوقعها الله تَعَالَى على إِعْطَاء مَال مَحْدُود مَعْدُود من جملَة أَمْوَال مَا مَوْصُوفَة محدودة مَعْدُودَة مُعينَة دون سَائِر الْأَمْوَال لقوم محدودين فِي أَوْقَات محدودة فَإِن هُوَ تعدى شَيْئا من ذَلِك لم يَقع على فعله اسْم زَكَاة وَلم تعرف الْعَرَب قطّ هَذِه الصِّفَات وَالصِّيَام فِي لُغَة الْعَرَب الْوُقُوف تَقول صَامَ النَّهَار إِذا طَال حَتَّى صَار كَأَنَّهُ وَاقِف لطوله قَالَ امْرُؤ الْقَيْس إِذا صَامَ النَّهَار وهجرا وَقَالَ آخر وَهُوَ النَّابِغَة الذبياني ... خيل صِيَام وخيل غير صَائِمَة تَحت العجاج وخيل تعلك اللجما ... فأوقع الله تَعَالَى اسْم الصّيام على الِامْتِنَاع من الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع وتعمد الْقَيْء من وَقت مَحْدُود وَهُوَ تبين الْفجْر الثَّانِي إِلَى غرُوب الشَّمْس فِي أَوْقَات من السّنة محدودة فَإِن تعدى ذَلِك لم يسم صياما وَهَذَا أَمر لم تعرفه الْعَرَب قطّ فَظهر فَسَاد قَول من قَالَ أَن الْأَسْمَاء لَا تنْتَقل فِي الشَّرِيعَة عَن موضوعها فِي اللُّغَة وَصَحَّ أَن قَوْلهم هَذَا مجاهرة سمجة قبيحة قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِذا قد وضح وجود الزِّيَادَة فِي الْإِيمَان بِخِلَاف قَول من قَالَ أَنه التَّصْدِيق فبالضرورة نَدْرِي أَن الزِّيَادَة تَقْتَضِي النَّقْص ضَرُورَة وَلَا بُد لِأَن معنى الزِّيَادَة إِنَّمَا هِيَ عدد مُضَاف إِلَى عدد وَإِذا كَانَ ذَلِك فَذَلِك الْعدَد الْمُضَاف إِلَيْهِ هُوَ بِيَقِين نَاقص عِنْد عدم الزِّيَادَة فِيهِ وَقد جَاءَ النَّص بِذكر النَّقْص وَهُوَ قَول رَسُول الله ﷺ الْمَشْهُور الْمَنْقُول نقل الكواف أَنه قَالَ للنِّسَاء مَا رَأَيْت من ناقصات عقل وَدين أسلب للرجل الحازم مِنْكُن قُلْنَ يَا رَسُول الله وَمَا نُقْصَان ديننَا قَالَ ﵇ أَلَيْسَ تقيم الْمَرْأَة الْعدَد من الْأَيَّام والليالي لَا تَصُوم وَلَا تصلي فَهَذَا نُقْصَان دينهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَو نقص من التَّصْدِيق شَيْء لبطل عَن أَن يكون تَصْدِيقًا لِأَن التَّصْدِيق لَا يَتَبَعَّض أصلا ولصار شكا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وهم مقرون بِأَن امْرأ لَو لم يصدق بِآيَة من الْقُرْآن أَو بِسُورَة مِنْهُ وَصدق بسائره لبطل إيمَانه فصح أَن التَّصْدِيق لَا يَتَبَعَّض أصلا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد نَص الله على أَن الْيَهُود يعْرفُونَ النَّبِي ﷺ كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَأَنَّهُمْ يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾

стр. 412

وَأخْبر تَعَالَى عَن الْكفَّار فَقَالَ ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلقهمْ ليَقُولن الله﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَنهم يعْرفُونَ صدقه وَلَا يكذبونه وهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى وهم كفار بِلَا خلاف من أحد من الْأمة وَمن أنكر كفرهم فَلَا خلاف من أحد من الْأمة فِي كفره وَخُرُوجه عَن الْإِسْلَام وَنَصّ تَعَالَى عَن إِبْلِيس أَنه عَارِف بِاللَّه تَعَالَى وبملائكته وبرسله وبالبعث وَأَنه قَالَ ﴿رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ وَقَالَ ﴿لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون﴾ وَقَالَ ﴿خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾ وَكَيف لَا يكون مُصدقا بِكُل ذَلِك وَهُوَ قد شَاهد ابْتِدَاء خلق الله تَعَالَى لآدَم وخاطبه الله تَعَالَى خطابا كثيرا أَو سَأَلَهُ مَا مَنعك أَن تسْجد وَأمره بِالْخرُوجِ من الْجنَّة وَأخْبرهُ أَنه منظر إِلَى يَوْم الدّين وَأَنه مَمْنُوع من إغواء من سبقت لَهُ الْهِدَايَة وَهُوَ مَعَ ذَلِك كُله كَافِر بِلَا خلاف أما بقوله عَن آدم أَنا خير مِنْهُ وَأما بامتناعه للسُّجُود لَا يشك أحد فِي ذَلِك وَلَو كَانَ الْإِيمَان هُوَ بالتصديق وَالْإِقْرَار فَقَط لَكَانَ جَمِيع المخلدين فِي النَّار مَعَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْكفَّار مُؤمنين لأَنهم كلهم مصدقون بِكُل مَا كذبُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا مقرون بِكُل ذَلِك لَكَانَ إِبْلِيس وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي الدُّنْيَا مُؤمنين ضَرُورَة وَهَذَا كفر مُجَرّد مِمَّن أجَازه وَإِنَّمَا كفر أهل النَّار بمنعهم من الْأَعْمَال قَالَ تَعَالَى ﴿وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فلجأ هَؤُلَاءِ المخاذيل إِلَى أَن قَالُوا إِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى لم يعرفوا قطّ أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَمعنى قَول الله تَعَالَى ﴿يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ أَي أَنهم يميزون صورته ويعرفون أَن هَذَا الرجل هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي فَقَط وَأَن معنى قَوْله تَعَالَى ﴿يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل﴾ إِنَّمَا هُوَ أَنهم يَجدونَ سواداً فِي بَيَاض لَا يَدْرُونَ مَا هُوَ وَلَا يفهمون مَعْنَاهُ وَإِن إِبْلِيس لم يقل شَيْئا مِمَّا ذكر الله عَنهُ انه قَالَ مجداً بل قَالَه هازلا وَقَالَ هَؤُلَاءِ أَيْضا أَنه لَيْسَ على ظهر الأَرْض وَلَا كَانَ قطّ كَافِر يدْرِي أَن الله حق وَأَن فِرْعَوْن قطّ لم يتَبَيَّن لَهُ أَن مُوسَى نَبِي بِالْآيَاتِ الَّتِي عمل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالُوا إِذا كَانَ الْكَافِر يصدق أَن الله حق والتصديق إِيمَان فِي اللُّغَة فَهُوَ مُؤمن إِذا أوفيه إِيمَان لَيْسَ بِهِ مُؤمنا وكلا الْقَوْلَيْنِ محَال قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه نُصُوص أَقْوَالهم الَّتِي رأيناها فِي كتبهمْ وسمعناهم مِنْهُم وَكَانَ مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ لهَذَا الْكفْر الْمُجَرّد أَن قَالُوا أَن الله سمى كل من ذكرنَا كفَّارًا ومشركين فَدلَّ ذَلِك على أَنه علم أَن فِي قُلُوبهم كفرا وشركاً وجحداً وَقَالَ هَؤُلَاءِ أَن شِئْتُم الله وشئتم رَسُول الله ﷺ لَيْسَ كفرا لكنه دَلِيل على أَن فِي قلبه كفرا قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما قَوْلهم فِي أَخْبَار الله تَعَالَى عَن الْيَهُود أَنهم يعْرفُونَ رَسُول الله ﷺ كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَعَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَنهم يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَبَاطِل بحت ومجاهرة لَا حَيَاء مَعهَا لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَمَا ذكرُوا لما كَانَ فِي ذَلِك حجَّة لله تَعَالَى عَلَيْهِم وَأي معنى أَو أَي فَائِدَة فِي أَن يجيزوا صورته ويعرفوا انه مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب فَقَط أَو فِي أَن يَجدوا كتابا لَا يفقهُونَ مَعْنَاهُ فَكيف وَنَصّ الْآيَة نَفسهَا مكذبة لَهُم لِأَنَّهُ تَعَالَى يَقُول ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَأَن فريقاً مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ﴾ فنص تَعَالَى أَنهم يعلمُونَ الْحق فِي نبوته وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم﴾

стр. 413

وَإِنَّمَا أورد تَعَالَى معرفتهم لرَسُول الله ﷺ محتجاً عَلَيْهِم بذلك لَا أَنه أَتَى من ذَلِك بِكَلَام لَا فَائِدَة فِيهِ واما قَوْلهم فِي إِبْلِيس فَكَلَام دَاخل فِي الاستخفاف بِاللَّه وَبِالْقُرْآنِ لَا وَجه لَهُ غير هَذَا إِذْ من الْمحَال الْمُمْتَنع فِي الْعقل وَفِي الْإِمْكَان غَايَة الِامْتِنَاع أَن يكون إِبْلِيس يُوَافق فِي هزله عين الْحَقِيقَة فِي أَن الله تَعَالَى كرم آدم ﵇ وَأَنه تَعَالَى أمره بِالسُّجُود فَامْتنعَ وَفِي أَن الله تَعَالَى خلق آدم من طين وخلقه من نَار وَفِي أخباره آدم أَن الله تَعَالَى نَهَاهُ عَن الشَّجَرَة وَفِي دُخُوله الْجنَّة وَخُرُوجه عَنْهَا إِذا خرجه الله تَعَالَى وَفِي سُؤَاله الله تَعَالَى النظرة وَفِي ذكره يَوْم يبْعَث الْعباد وَفِي أخباره أَن الله تَعَالَى أغواه وَفِي تهديده ذُرِّيَّة آدم قبل أَن يَكُونُوا وَقد شَاهد الْمَلَائِكَة وَالْجنَّة وَابْتِدَاء خلق آدم وَلَا سَبِيل إِلَى مُوَافقَة هازل مَعْنيين صَحِيحَيْنِ لَا يعلمهَا فَكيف بِهَذِهِ الْأُمُور الْعَظِيمَة وَأُخْرَى أَن الله تَعَالَى حاشى لَهُ من أَن يُجيب هازلاً بِمَا يَقْتَضِيهِ معنى هزله فَإِنَّهُ تَعَالَى أمره بِالسُّجُود ثمَّ سَأَلَهُ عَمَّا مَنعه من السُّجُود ثمَّ أَجَابَهُ إِلَى النظرة الَّتِي سَأَلَ ثمَّ أخرجه عَن الْجنَّة وَأخْبرهُ أَنه يعْصم مِنْهُ من شَاءَ من ذُرِّيَّة آدم وَهَذِه كلهَا معَان من دافعها خرج عَن الْإِسْلَام لتكذيبه الْقُرْآن وَفَارق الْمَعْقُول لتجويزه هَذِه المحالات وَلحق بالمجانين الوقحاء وَأما قَوْلهم أَن أَخْبَار الله تَعَالَى بِأَن هَؤُلَاءِ كلهم كفار دَلِيلا على أَن فِي قُلُوبهم كفرا وَأَن شتم الله تَعَالَى لَيْسَ كفر وَلكنه دَلِيل على أَن فِي الْقلب كفرا وَإِن كَانَ كَافِرًا لم يعرف الله تَعَالَى قطّ فَهَذِهِ مِنْهُم دعاوي كَاذِبَة مفتراة لَا دَلِيل لَهُم عَلَيْهَا وَلَا برهَان لَا من نَص وَلَا من سنة صَحِيحَة وَلَا سقيمة وَلَا من حجَّة عقل أصلا وَلَا من إِجْمَاع وَلَا من قِيَاس وَلَا من قَول أحد من السّلف قبل اللعين جهم بن صَفْوَان وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وإفك وزور فَسقط قَوْلهم هَذَا من قرب وَللَّه الْحَمد رب الْعَالمين فَكيف والبرهان قَائِم بِإِبْطَال هَذِه الدَّعْوَى من الْقُرْآن وَالسّنَن وَالْإِجْمَاع والمعقول والحس والمشاهدة الضرورية فَأَما الْقُرْآن فَإِن الله يَقُول ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر ليَقُولن الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ فَأخْبر تَعَالَى بِأَنَّهُم يصدقون بِاللَّه تَعَالَى وهم مَعَ ذَلِك مشركون وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليعلمون أَنه الْحق من رَبهم﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه شَهَادَة من الله مكذبة لقَوْل هَؤُلَاءِ الضلال لَا يردهَا مُسلم أصلا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وبلغنا عَن بَعضهم أَنه قَالَ فِي قَول الله تَعَالَى ﴿يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ إِن هَذَا إِنْكَار من الله تَعَالَى لصِحَّة معرفتهم بنبوة رَسُول الله ﷺ قَالَ وَذَلِكَ لِأَن الرِّجَال لَا يعْرفُونَ صِحَة أبنائهم على الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ ظن مِنْهُم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كفر وتحريف للكلم عَن موَاضعه وَيرد مَا شِئْت مِنْهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَأول ذَلِك أَن هَذَا الْخطاب من الله تَعَالَى عُمُوم للرِّجَال وَالنِّسَاء من الَّذين أُوتُوا الْكتاب لَا يجوز أَن يخص بِهِ الرِّجَال دون النِّسَاء فَيكون من فعل ذَلِك مفترياً على الله تَعَالَى وبيقين يدْرِي كل مُسلم أَن رَسُول الله ﷺ بعث إِلَى النِّسَاء كَمَا بعث إِلَى الرِّجَال وَالْخطاب بِلَفْظ الْجمع الْمُذكر يدْخل فِيهِ بِلَا خلاف من أهل اللُّغَة النِّسَاء وَالرِّجَال وَقد علمنَا أَن النِّسَاء يعرفن أبناءهن على الْحَقِيقَة بِيَقِين وَالْوَجْه الثَّانِي هُوَ أَن الله تَعَالَى لم يقل كَمَا يعْرفُونَ من خلقنَا من نطفتهم فَكَانَ يسوغ لهَذَا الْجَاهِل حِينَئِذٍ هَذَا التمويه الْبَارِد باستكراه أَيْضا وَإِنَّمَا قَالَ

стр. 414

قَالَ تَعَالَى كَمَا يعْرفُونَ أبنائهم فأضاف تَعَالَى النُّبُوَّة إِلَيْهِم فَمن لم يقل أَنهم أَبْنَاءَهُم بعد أَن جعلهم الله أَبْنَاءَهُم فقد كذب الله تَعَالَى وَقد علمنَا أَنه لَيْسَ كل من خلق من نُطْفَة الرجل يكون ابْنه فولد الزِّنَا مَخْلُوق من نُطْفَة إِنْسَان لَيْسَ هُوَ أَبَاهُ فِي حكم الدّيانَة أصلا وَإِنَّمَا أَبْنَاؤُنَا من جعلهم الله أبناءنا فَقَط كَمَا أَن الله تَعَالَى جعل أَزوَاج رَسُول الله ﷺ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ مِنْهُنَّ أمهاتنا وَإِن لم يلدننا وَنحن أبناؤهن وَإِن لم نخرج من بطونهن فَمن أنكر هَذَا فَنحْن نصدقه لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مُؤمنا فلسن أمهاته وَلَا هُوَ ابْن لَهُنَّ وَالْوَجْه الثَّالِث هُوَ أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا أورد الْآيَة مبكتاً للَّذين أُوتُوا الْكتاب لَا معتذرا عَنْهُم لَكِن مخبرا بِأَنَّهُم يعْرفُونَ صِحَة نبوة النَّبِي ﷺ بآياته وَبِمَا وجدوا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل معرفَة قَاطِعَة لَا شكّ فِيهَا كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم ثمَّ أتبع ذَلِك تَعَالَى بِأَنَّهُم يكتمون الْحق وهم عالمون بِهِ فَبَطل هذر هَذَا الْجَاهِل المخذول وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالَ ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين قد تبين الرشد من الغي﴾ فنص تَعَالَى على أَن الرشد قد تبين من الغي عُمُوما وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله وشاقوا الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُم الْهدى لن يضروا الله شَيْئا﴾ وَهَذَا نَص جلي من خَالفه كفر فِي أَن الْكفَّار قد تبين لَهُم الْحق وَالْهدى فِي التَّوْحِيد والنبوة وَقد تبين لَهُ الْحق فبيقين يدْرِي كل ذِي حس سليم أَنه مُصدق بِلَا شكّ بِقَلْبِه وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُم آيَاتنَا مبصرة قَالُوا هَذَا سحر مُبين وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلواً﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا أَيْضا نَص جلي لَا يحْتَمل تَأْوِيلا على أَن الْكفَّار جَحَدُوا بألسنتهم الْآيَات الَّتِي أَتَى بهَا الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام واستيقنوا بقلوبهم أَنَّهَا حق وَلم يجحدوا قطّ أَنَّهَا كَانَت وَإِنَّمَا جَحَدُوا أَنَّهَا من عِنْد الله فصح أَن الَّذِي استيقنوا مِنْهَا هُوَ الَّذِي جَحَدُوا وَهَذَا يبطل قَول من قَالَ من هَذِه الطَّائِفَة أَنهم إِنَّمَا استيقنوا كَونهَا وَهِي عِنْدهم حيل لَا حقائق إِذْ لَو كَانَ ذَلِك لَكَانَ هَذَا القَوْل من الله تَعَالَى كذبا تَعَالَى الله عَن ذَلِك لأَنهم لم يجحدوا كَونهَا وَإِنَّمَا جَحَدُوا أَنَّهَا من عِنْد الله وَهَذَا الَّذِي جَحَدُوا هُوَ الَّذِي استيقنوا بِنَصّ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى حاكياً عَن مُوسَى ﵇ أَنه قَالَ لفرعون ﴿لقد علمت مَا أنزل هَؤُلَاءِ إِلَّا رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض بصائر﴾ فَمن قَالَ أَن فِرْعَوْن لم يعلم أَن الله تَعَالَى حق وَلَا علم أَن معجزات مُوسَى حق من عِنْد الله تَعَالَى فقد كذب ربه تَعَالَى وَهَذَا كفر مُجَرّد وَقد شغب بَعضهم بِأَن هَذِه الْآي قُرِئت لقد علمت بِضَم التَّاء قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكلا الْقِرَاءَتَيْن حق من عِنْد الله تَعَالَى لَا يجوز أَن يرد مِنْهُمَا شَيْء فَنعم مُوسَى ﵇ علم ذَلِك وَفرْعَوْن علم ذَلِك فَهَذِهِ نُصُوص الْقُرْآن وَأما من طَرِيق الْمَعْقُول والمشاهدة وَالنَّظَر فَإنَّا نقُول لَهُم هَل قَامَت حجَّة الله تَعَالَى على الْكفَّار كَمَا قَامَت على الْمُؤمنِينَ بتبين براهينه لَهُم أم لم تقم حجَّة الله تَعَالَى عَلَيْهِم قطّ إِذْ لم يتَبَيَّن الْحق قطّ لكَافِر فَإِن قَالُوا أَن حجَّة الله تَعَالَى لم تقم قطّ على كَافِر إِذْ لم يتَبَيَّن الْحق للْكفَّار كفرُوا بِلَا خلاف من أحد وعذروا الْكفَّار وخالفوا الْإِجْمَاع وَإِن أقرُّوا أَن حجَّة الله تَعَالَى قد قَامَت على الْكفَّار بِأَن الْحق تبين لَهُم صدقُوا وَرَجَعُوا إِلَى الْحق وَإِلَى قَول أهل الْإِسْلَام وبرهان آخر أَن كَانَ أحد منا مذ عقلنا لم نزل نشاهد الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَمَا سمعهم أحد إِلَّا مقرين

стр. 415

بِاللَّه تَعَالَى وبنبوة مُوسَى ﵇ وَأَن الله تَعَالَى حرم على الْيَهُود الْعَمَل فِي السبت والتحوم فَمن الْبَاطِل أَن يتواطؤا كلهم فِي شَرق الأَرْض وغربها على إعلان مَا يَعْتَقِدُونَ خِلَافه بِلَا سَبَب دَاع إِلَى ذَلِك وبرهان آخر وَهُوَ أَنا قد شاهدنا من النَّصَارَى وَالْيَهُود طوائف لَا يحصي عَددهمْ أَسْلمُوا وَحسن إسْلَامهمْ وَكلهمْ أَوَّلهمْ عَن آخِرهم يخبر من استخبره مَتى بقوا أَنهم فِي إسْلَامهمْ يعْرفُونَ أَن الله تَعَالَى حق وَأَن نبوة مُوسَى وَهَارُون حق كَمَا كَانُوا يعْرفُونَ ذَلِك فِي أَيَّام كفرهم وَلَا فرق وَمن أنكر هَذَا فقد كَابر عقله وحسه وَلحق بِمن لَا يسْتَحق أَن يكلم وبرهان آخر وَهُوَ انهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن نقل التَّوَاتُر يُوجب الْعلم الضَّرُورِيّ فَوَجَبَ من هذَيْن الْحكمَيْنِ أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذين نقل إِلَيْهِم مَا أَتَى بِهِ ﵇ من المعجزات نقل التَّوَاتُر قد وَقع لَهُم بِهِ الْعلم الضَّرُورِيّ بِصِحَّة نبوته من أجلهَا وَهَذَا لَا محيد لَهُم عَنهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَوْلهم إِن شِئْتُم الله تَعَالَى كفرا وَكَذَلِكَ شتم رَسُول الله ﷺ فَهُوَ دَعْوَى لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا وَلَقَد قَالُوا كلمة الْكفْر وَكَفرُوا بعد إسْلَامهمْ﴾ فنص تَعَالَى على أَن من الْكَلَام مَا هُوَ كفر وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذا سَمِعْتُمْ آيَات الله يكفر بهَا ويستهزأ بهَا فَلَا تقعدوا مَعَهم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره إِنَّكُم إِذا مثلهم﴾ فنص تَعَالَى أَن من الْكَلَام فِي آيَات الله تَعَالَى مَا هُوَ كفر بِعَيْنِه مسموع وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزؤون لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ أَن نعف عَن طَائِفَة مِنْكُم نعذب طَائِفَة﴾ فنص تَعَالَى على أَن الِاسْتِهْزَاء بِاللَّه تَعَالَى أَو بآياته أَو برَسُول من رسله كفر فَخرج عَن الْإِيمَان وَلم يقل تَعَالَى فِي ذَلِك أَنِّي علمت أَن فِي قُلُوبكُمْ كفرا بل جعلهم كفَّارًا بِنَفس الِاسْتِهْزَاء وَمن ادّعى غير هَذَا فقد قَول الله تَعَالَى مَا لم يقل وَكذب على الله تَعَالَى وَقَالَ ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر يضل بِهِ الَّذين كفرُوا يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما ليواطئوا عدَّة مَا حرم الله﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وبحكم اللُّغَة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن أَن الزِّيَادَة فِي الشَّيْء لَا تكون الْبَتَّةَ إِلَّا مِنْهُ لَا من غَيره فصح أَن النسيء كفر وَهُوَ عمل من الْأَعْمَال وَهُوَ تَحْلِيل مَا حرم الله تَعَالَى فَمن أحل مَا حرم الله تَعَالَى وَهُوَ عَالم بِأَن الله تَعَالَى حرمه فَهُوَ كَافِر بذلك الْفِعْل نَفسه وكل من حرم مَا أحل الله تَعَالَى فقد أحل مَا حرم الله لِأَن الله تَعَالَى حرم على النَّاس أَن يحرموا مَا أحل الله وَأما خلاف الْإِجْمَاع فَإِن جَمِيع أهل الْإِسْلَام لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَن أعلن جحد الله تَعَالَى أَو جحد رَسُوله ﷺ فَإِنَّهُ مَحْكُوم لَهُ بِحكم الْكفْر قطعا أما الْقَتْل واما أَخذ الْجِزْيَة وَسَائِر أَحْكَام الْكفْر وَمَا شكّ قطّ أحد فِي هَل هم فِي بَاطِن أَمرهم منؤمنين أم لَا وَلَا فَكروا فِي هَذَا وَلَا رَسُول الله ﷺ وَلَا أحد من أَصْحَابه وَلَا أحد مِمَّن بعدهمْ وَأما قَوْلهم أَن الْكفَّار إِذا كَانُوا مُصدقين بِاللَّه تَعَالَى وَنبيه بقلوبهم بقلوبهم والتصديق فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن هُوَ الْإِيمَان ففيهم بِلَا شكّ إِيمَان فَالْوَاجِب أَن يَكُونُوا بإيمَانهمْ ذَلِك مُؤمنين أَو أَن يكون فيهم إِيمَان لَيْسُوا بِكَوْنِهِ فيهم مُؤمنين ولابد من أحد الْأَمريْنِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تمويه فَاسد لِأَن التَّسْمِيَة كَمَا قد منا الله تَعَالَى لَا لأحد دونه وَقد أوضحنا الْبَرَاهِين على أَن الله تَعَالَى نقل اسْم الْإِيمَان فِي الشَّرِيعَة عَن مَوْضُوعه فِي اللُّغَة إِلَى معنى آخر وَحرم فِي الدّيانَة إِيقَاع اسْم الْإِيمَان على التَّصْدِيق الْمُطلق وَلَوْلَا نقل الله تَعَالَى للفظة الْإِيمَان كَمَا ذكرنَا

стр. 416

لوَجَبَ أَن يُسمى كل كَافِر على وَجه الأَرْض مُؤمنا وَأَن يخبر عَنْهُم بِأَن فيهم إِيمَانًا لأَنهم مُؤمنُونَ وَلَا بُد بأَشْيَاء كَثِيرَة مِمَّا فِي الْعَالم يصدقون بهَا هَذَا لَا يُنكره ذُو مسكة من عقل فَلَمَّا صَحَّ إجماعنا وإجماعهم وَإِجْمَاع كل من ينتمي إِلَى الْإِسْلَام على انهم وَإِن صدقُوا بأَشْيَاء كَثِيرَة فَإِنَّهُ لَا يحل لأحد أَن يسميهم مُؤمنين على الْإِطْلَاق وَلَا أَن يَقُول أَن لَهُم إِيمَانًا مُطلقًا أصلا لم يجز لأحد أَن يَقُول فِي الْكَافِر الْمُصدق بِقَلْبِه وَلسَانه بِأَن الله تَعَالَى حق والمصدق بِقَلْبِه أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله أَنه مُؤمن وَلَا أَن فِيهِ إِيمَانًا أصلا إِلَّا حَتَّى يَأْتِي بِمَا نقل الله تَعَالَى إِلَيْهِ اسْم الْإِيمَان من التَّصْدِيق بِقَلْبِه وَلسَانه بِأَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأَن كل مَا جَاءَ بِهِ حق وَأَنه بَرِيء من كل دين غير دينه ثمَّ يتمادى بِإِقْرَارِهِ على مَا لَا يتم إِيمَان إِلَّا بِالْإِقْرَارِ بِهِ حَتَّى يَمُوت لَكنا نقُول أَن فِي الْكَافِر تَصْدِيقًا بِاللَّه تَعَالَى هُوَ بِهِ مُصدق بِاللَّه تَعَالَى وَلَيْسَ بذلك مُؤمنا وَلَا فِيهِ إِيمَان كَمَا أمرنَا الله تَعَالَى لَا كَمَا أَمر جهم والأشعري قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَبَطل هَذَا القَوْل الْمُتَّفق على تَكْفِير قَائِله وَقد نَص على تكفيرهم أَبُو عبيد الْقَاسِم فِي كِتَابه الْمَعْرُوف برسالة الْإِيمَان وَغَيره وَلنَا كتاب كَبِير نقضنا فِيهِ شبه أهل هَذِه الْمقَالة الْفَاسِدَة كتبناه على رجل مِنْهُم يُسمى عطاف بن دوناس من أهل قيروان إفريقية وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما من قَالَ أَن الْإِيمَان إِنَّمَا هُوَ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ فَإِنَّهُم احْتَجُّوا بِأَن النَّبِي ﷺ وَجَمِيع أَصْحَابه ﵃ وكل من بعدهمْ قد صَحَّ إِجْمَاعهم على أَن من أعلن بِلِسَانِهِ بِشَهَادَة الْإِسْلَام فَإِنَّهُ عِنْدهم مُسلم مَحْكُوم لَهُ بِحكم الْإِسْلَام وَبقول رَسُول الله ﷺ فِي السَّوْدَاء أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة وَبِقَوْلِهِ ﷺ لِعَمِّهِ أَبُو طَالب قل كلمة أُحَاج لَك بهَا عِنْد الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ إِمَّا بِالْإِجْمَاع الْمَذْكُور فَصَحِيح وَإِنَّمَا حكمنَا لَهُم بِحكم الْإِيمَان فِي الظَّاهِر وَلم نقطع على أَنه عِنْد الله تَعَالَى مُؤمن وَهَكَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ويؤمنوا بِمَا أرْسلت بِهِ فَإِذا فعلوا عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابهم على الله وَقَالَ ﵇ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصاً من قلبه وَأما قَوْله ﵇ فِي السَّوْدَاء أَنَّهَا مُؤمنَة فَظَاهر الْأَمر كَمَا قَالَ ﵇ إِذْ قَالَ لَهُ خَالِد بن الْوَلِيد رب مصل يَقُول بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قلبه فَقَالَ ﵇ إِنِّي لم أبْعث لأشق عَن قُلُوب النَّاس وَأما قَوْله لِعَمِّهِ أُحَاج لَك بهَا عِنْد الله فَنعم يحاج بهَا على ظَاهر الْأَمر وحسابه على الله تَعَالَى فَبَطل كل مَا موهوا بِهِ ثمَّ نبين بطلَان قَوْلهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أَنه يبين بطلَان قَول هَؤُلَاءِ قَول الله ﴿وَمن النَّاس من يَقُول آمنا بِاللَّه وباليوم الآخر وَمَا هم بمؤمنين يخادعون الله وَالَّذين آمنُوا وَمَا يخدعون إِلَّا أنفسهم وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا وَلَهُم عَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يكذبُون﴾ وَقَوله ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول لَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم﴾ وَقَوله

стр. 417

﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا وَلما يدْخل الْإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالُوا إِنَّمَا هَذِه الْآيَة بِمَعْنى أَن هَذِه الْأَفْعَال تدل على أَن فِي الْقلب إِيمَانًا قُلْنَا لَهُم لَو كَانَ مَا قُلْتُمْ لوَجَبَ وَلَا بُد أَن يكون ترك من ترك شَيْئا من هَذِه الْأَفْعَال دَلِيلا على أَنه لَيْسَ فِي قلبه إِيمَان وَأَنْتُم لَا تَقولُونَ هَذَا أصلا مَعَ أَن هَذَا صرف لِلْآيَةِ عَن وَجههَا وَهَذَا لَا يجوز إِلَّا ببرهان وَقَوْلهمْ هَذَا دَعْوَى بِلَا برهَان وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا﴾ فَأثْبت لَهُم الْإِيمَان الَّذِي هُوَ التَّصْدِيق ثمَّ أسقط عَنَّا ولايتهم إِذْ لم يهاجروا فَأبْطل إِيمَانهم الْمُطلق ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا﴾ فصح يَقِينا أَن هَذِه الْأَعْمَال إِيمَان حق وَعدمهَا لَيْسَ إِيمَانًا وَهَذَا غَايَة الْبَيَان وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ قَالُوا نشْهد أَنَّك لرَسُول الله وَالله يعلم أَنَّك لرَسُوله وَالله يشْهد أَن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾ فنص فِي هَذِه الْآيَة على أَن من آمن بِلِسَانِهِ وَلم يعْتَقد الْإِيمَان بِقَلْبِه فَإِنَّهُ كَافِر ثمَّ أخبرنَا تَعَالَى بِالْمُؤْمِنِينَ من هم وَأَنَّهُمْ الَّذين آمنُوا وأيقنوا بألسنتهم وَقُلُوبهمْ مَعًا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم وَأخْبر تَعَالَى أَن هَؤُلَاءِ هم الصادقون قَالَ أَبُو مُحَمَّد ويلزمهم أَن الْمُنَافِقين مُؤمنُونَ لإقراهم بِالْإِيمَان بألسنتهم وَهَذَا قَول مخرج عَن الْإِسْلَام وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله جَامع الْمُنَافِقين والكافرين فِي جَهَنَّم جَمِيعًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ قَالُوا نشْهد أَنَّك لرَسُول الله وَالله يعلم أَنَّك لرَسُوله وَالله يشْهد أَن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ اتَّخذُوا إِيمَانهم جنَّة فصدوا عَن سَبِيل الله أَنهم سَاءَ مَا كَانُوا يعْملُونَ ذَلِك بِأَنَّهُم آمنُوا ثمَّ كفرُوا فطبع على قُلُوبهم﴾ فَقطع الله تَعَالَى عَلَيْهِم بالْكفْر كَمَا ترى لأَنهم أبطنوا الْكفْر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وبرهان آخر وَهُوَ أَن الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ دون عقد الْقلب لأحكم لَهُ عِنْد الله لِأَن أَحَدنَا يلفظ بالْكفْر حاكياً وقارئاً لَهُ فِي الْقُرْآن فَلَا يكون بذلك كَافِرًا حَتَّى يقر أَنه عقده قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن احْتج بِهَذَا أهل الْمقَالة الأولى وَقَالُوا هَذَا يشْهد بِأَن الإعلان بالْكفْر لَيْسَ كفرا قُلْنَا لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قد قُلْنَا أَن التَّسْمِيَة لَيست لنا وَإِنَّمَا هِيَ لله تَعَالَى فَلَمَّا أمرنَا تَعَالَى بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَقد حكى لنا فِيهِ قَول أهل الْكفْر وَأخْبرنَا تَعَالَى أَنه لَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر خرج القاريء لِلْقُرْآنِ بذلك عَن الْكفْر إِلَى رضى الله وَالْإِيمَان بحكايته مَا نَص الله تَعَالَى بأَدَاء الشَّهَادَة بِالْحَقِّ فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ﴾ خرج الشَّاهِد الْمخبر عَن الْكَافِر بِكُفْرِهِ عَن أَن يكون بذلك كَافِر إِلَى رضى الله وَالْإِيمَان وَلما قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا﴾ أخرج من ثَبت إكراهه عَن أَن يكون بِإِظْهَار الْكفْر كَافِر إِلَى رخصَة الله تَعَالَى والثبات على الْإِيمَان وَبَقِي من أظهر الْكفْر لَا قارياً وَلَا شَاهدا وَلَا حاكياً وَلَا مكْرها على وجوب الْكفْر لَهُ بِإِجْمَاع الْأمة على الحكم لَهُ بِحكم الْكفْر وبحكم رَسُول الله ﷺ بذلك وبنص الْقُرْآن

стр. 418

على من قَالَ كلمة الْكفْر أَنه كَافِر وَلَيْسَ قَول الله وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا على مَا ظنوه من اعْتِقَاد الْكفْر فَقَط بل كل من نطق بالْكلَام الَّذِي يحكم لقائله عِنْد أهل الْإِسْلَام بِحكم الْكفْر لَا قارياً وَلَا شَاهدا وَلَا حاكياً وَلَا مكْرها فقد شرح بالْكفْر صَدرا بِمَعْنى أَنه شرح صَدره لقبُول الْكفْر الْمحرم على أهل الْإِسْلَام وعَلى أهل الْكفْر أَن يقولوه وَسَوَاء اعتقده أَو لم يَعْتَقِدهُ لِأَن هَذَا الْعَمَل من إعلان الْكفْر على غير الْوُجُوه الْمُبَاحَة فِي إِيرَاده وَهُوَ شرح الصَّدْر بِهِ فَبَطل تمويههم بِهَذِهِ الْآيَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وبرهان آخر وَهُوَ قَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ فنص الله تَعَالَى على الْإِيمَان أَنه شَيْء قبل نفي الارتياب وَنفي الارتياب لَا يكون ضَرُورَة إِلَّا بِالْقَلْبِ وَحده فصح أَن الْإِيمَان إِذْ هُوَ قبل نفي الارتياب شَيْء آخر غير نفي الارتياب وَالَّذِي قبل نفي الارتياب هُوَ القَوْل بِاللِّسَانِ ثمَّ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَالْجهَاد مَعَ ذَلِك بِالْبدنِ وَالنَّفس وَالْمَال فَلَا يتم الْإِيمَان بِنَصّ كَلَام الله إِلَّا بِهَذِهِ الْأَقْسَام كلهَا فَبَطل بِهَذَا النَّص قَول من زعم أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَحده أَو القَوْل بِاللِّسَانِ وَحده أَو كِلَاهُمَا فَقَط دون الْعَمَل بِالْبدنِ وبرهان آخر وَهُوَ أَن نقُول لَهُم أخبرونا عَن أهل النَّار المخلدين فِيهَا الَّذين مَاتُوا على الْكفْر أهم حِين كَونهم فِي النَّار عارفون بقلوبهم صِحَة التَّوْحِيد والنبوة الَّذِي بجحدهم لكل ذَلِك ادخُلُوا النَّار وَهل هم حيئذ مقرون بذلك بألسنتهم أم لَا وَلَا بُد من أَحدهمَا فَإِن قَالُوا هم عارفون بِكُل ذَلِك مقرون بِهِ بألسنتهم وَقُلُوبهمْ قُلْنَا أهم مُؤمنُونَ أم غير مُؤمنين فَإِن قَالُوا هم غير مُؤمنين قُلْنَا قد تركْتُم قَوْلكُم أَن الْإِيمَان هُوَ الْمعرفَة بِالْقَلْبِ أَو الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ فَقَط أَو كِلَاهُمَا فَقَط فَإِن قَالُوا هَذَا حكم الْآخِرَة قُلْنَا لَهُم فَإِذا جوزتم نقل الْأَسْمَاء عَن موضوعها فِي اللُّغَة فِي الْآخِرَة فَمن أَيْن منعتم من ذَلِك فِي الدُّنْيَا وَلم تجوزوه لله فِيهَا وَلَيْسَ فِي الحماقة أَكثر من هَذَا وَإِن قَالُوا بل هم مُؤمنُونَ قُلْنَا لَهُم فَالنَّار إِذن أعدت للْمُؤْمِنين لَا للْكَافِرِينَ وَهِي دَار الْمُؤمنِينَ وَهَذَا خلاف الْقُرْآن وَالسّنَن وَإِجْمَاع أهل الْإِسْلَام الْمُتَّقِينَ وَإِن قَالُوا بل هم غير عارفين بِالتَّوْحِيدِ وَلَا بِصِحَّة النُّبُوَّة فِي حَال كَونهم فِي النَّار أكذبهم نُصُوص الْقُرْآن وكذبوا رَبهم فِي إخْبَاره أَنهم عارفون بِكُل ذَلِك هاتفون بِهِ بألسنتهم راغبون فِي الرّجْعَة وَإِلَّا قَالَه نادمون على مَا سلف مِنْهُم وكذبوا نُصُوص الْمَعْقُول وجاهروا بالمحال إِذْ جعلُوا من شَاهد الْقِيَامَة والحساب وَالْجَزَاء غير عَارِف بِصِحَّة ذَلِك فصح بِهَذَا أَن لَا إِيمَان وَلَا كفر إِلَّا مَا سَمَّاهُ الله تَعَالَى إِيمَانًا وَكفرا وشركاً فَقَط وَلَا مُؤمن وَلَا كَافِر وَلَا مُشْرك إِلَّا من سَمَّاهُ الله تَعَالَى بِشَيْء من ذَلِك أما فِي الْقُرْآن وَأما على لِسَان النَّبِي ﷺ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما من قَالَ أَن الْإِيمَان هُوَ العقد بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ دون الْعَمَل بالجوارح فَلَا نكفر من قَالَ بِهَذِهِ الْمقَالة وَإِن كَانَت خطأ وبدعة وَاحْتَجُّوا بِأَن قَالُوا أخبرونا عَمَّن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وبريء من كل دين حاشا الْإِسْلَام وَصدق بِكُل مَا جَاءَ بِهِ النَّبِي ﷺ واعتقد ذَلِك بِقَلْبِه وَمَات إِثْر ذَلِك أمؤمن هُوَ أم لَا فَإِن جَوَابنَا أَنه مُؤمن بِلَا شكّ عِنْد الله وَعِنْدنَا قَالُوا فأخبرونا أناقص الْإِيمَان هُوَ أم كَامِل الْإِيمَان قَالُوا فَإِن قُلْتُمْ أَنه كَامِل الْإِيمَان فَهَذَا قَوْلنَا وَإِن قُلْتُمْ أَنه نَاقص الْإِيمَان سألناكم مَاذَا نَقصه

стр. 419

من الْإِيمَان وماذا مَعَه مَعَ الْإِيمَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَنه مُؤمن نَاقص الْإِيمَان بِالْإِضَافَة إِلَى من لَهُ إِيمَان زَائِد بأعمال لم يعملها وَهَذَا وكل وَاحِد فَهُوَ نَاقص الْإِيمَان بِالْإِضَافَة إِلَى من هُوَ أفضل أعمالاً مِنْهُ حَتَّى يبلغ الْأَمر إِلَى رَسُول الله ﷺ الَّذِي لَا أحد أتم إِيمَانًا مِنْهُ بِمَعْنى أحسن أعمالاً مِنْهُ وَأما قَوْله مَا الَّذِي نَقصه من الْإِيمَان فَإِنَّهُ نَقصه الْأَعْمَال الَّتِي عَملهَا غَيره وَالَّتِي رَبنَا أعلم بمقاديرها قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمِمَّا يبين أَن اسْم الْإِيمَان فِي الشَّرِيعَة مَنْقُول عَن مَوْضُوعه فِي اللُّغَة وَإِن الْكفْر أَيْضا كَذَلِك فَإِن الْكفْر فِي اللُّغَة التغطية وَسمي الزراع كَافِرًا لتغطيته الْحبّ وَسمي اللَّيْل كَافِرًا لتغطيته كل شَيْء قَالَ الله ﴿فاستغلظ فَاسْتَوَى على سوقه يعجب الزراع﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَمثل غيث أعجب الْكفَّار نَبَاته﴾ يَعْنِي الزراع وَقَالَ لبيد بن ربيعَة يَمِينهَا أَلْقَت زَكَاة فِي كَافِر يَعْنِي اللَّيْل ثمَّ نقل الله تَعَالَى اسْم الْكفْر فِي الشَّرِيعَة إِلَى جحد الربوبية وَجحد نبوة نَبِي من الْأَنْبِيَاء صحت نبوته فِي الْقُرْآن أَو جحد شَيْء مِمَّا أَتَى بِهِ رَسُول الله ﷺ مِمَّا صَحَّ عِنْد جاحده بِنَقْل الكافة أَو عمل شَيْء قَامَ الْبُرْهَان بِأَن الْعَمَل بِهِ كفر مِمَّا قد بَيناهُ فِي كتاب الإيصال وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَلَو أَن إنْسَانا قَالَ أَن مُحَمَّدًا ﵊ كَافِر وكل من تبعه كَافِر وَسكت وَهُوَ يُرِيد كافرون بالطاغوت كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بِاللَّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لَا انفصام لَهَا﴾ وَلما اخْتلف أحد من أهل الْإِسْلَام فِي أَن قَائِل هَذَا مَحْكُوم لَهُ بالْكفْر وَكَذَلِكَ لَو قَالَ أَن إِبْلِيس وَفرْعَوْن وَأَبا جهل مُؤمنُونَ لما اخْتلف أحد من أهل الْإِسْلَام فِي أَن قَائِل هَذَا مَحْكُوم لَهُ بالْكفْر وَهُوَ يُرِيد مُؤمنُونَ بدين الْكفْر فصح عِنْد كل ذِي مسكة من يتحيز أَن اسْم الْإِيمَان وَالْكفْر منقولان فِي الشَّرِيعَة عَن موضوعهما فِي اللُّغَة بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ وَأَنه لَا يجوز إِيقَاع اسْم الْإِيمَان الْمُطلق على معنى التَّصْدِيق بِأَيّ شَيْء صدق بِهِ الْمَرْء وَلَا يجوز إِيقَاع اسْم الْكفْر على معنى التغطية لأي شَيْء غطاه الْمَرْء لَكِن على مَا أوقع الله تَعَالَى عَلَيْهِ اسْم الْإِيمَان وَاسم الْكفْر وَلَا مزِيد وَثَبت يَقِينا أَن مَا عدا هَذَا ضلال مُخَالف لِلْقُرْآنِ وللسنن ولإجماع أهل الْإِسْلَام أَوَّلهمْ عَن آخِرهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَبَقِي حكم التَّصْدِيق على حَاله فِي اللُّغَة لَا يخْتَلف فِي ذَلِك إنسي وَلَا جني وَلَا كَافِر وَلَا مُؤمن فَكل من صدق بِشَيْء فَهُوَ مُصدق بِهِ فَمن صدق بِاللَّه تَعَالَى وبرسوله ﷺ وَلم يصدق بِمَا لَا يتم الْإِيمَان إِلَّا بِهِ فَهُوَ مُصدق بِاللَّه تَعَالَى أَو بِرَسُولِهِ ﷺ وَلَيْسَ مُؤمنا وَلَا مُسلما لكنه كَافِر مُشْرك لما ذكرنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين اعترافات للمرجئية الطَّبَقَات الثَّلَاث الْمَذْكُورَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِن قَالَ قَائِل أَلَيْسَ الْكفْر ضد الْإِيمَان قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِطْلَاق هَذَا القَوْل خطأ لِأَن الْإِيمَان اسْم مُشْتَرك يَقع على معَان شَتَّى كَمَا ذكرنَا فَمن تِلْكَ الْمعَانِي شَيْء يكون الْكفْر ضداً لَهُ وَمِنْهَا مَا يكون الْفسق ضداً لَهُ لَا الْكفْر وَمِنْهَا مَا يكون التّرْك ضداً لَهُ لَا الْكفْر وَلَا الْفسق فَأَما الْإِيمَان الَّذِي يكون الْكفْر ضداً لَهُ فَهُوَ العقد بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ فَإِن الْكفْر ضد لهَذَا الْإِيمَان وَأما الْإِيمَان الَّذِي يكون الْفسق ضداً لَهُ لَا الْكفْر فَهُوَ مَا كَانَ من الْأَعْمَال فرضا فَإِن تَركه ضد للْعَمَل وَهُوَ فسق لَا كفر وَأما الْإِيمَان الَّذِي يكون التّرْك لَهُ

стр. 420

ضداً فَهُوَ كل مَا كَانَ من الْأَعْمَال تَطَوّعا فَإِن تَركه ضد الْعَمَل بِهِ وَلَيْسَ فسقاً وَلَا كفرا برهَان ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ من وُرُود النُّصُوص بِتَسْمِيَة الله أَعمال الْبر كلهَا إِيمَانًا وتسميته تَعَالَى مَا سمي كفرا وَمَا سمي فسقاً وَمَا سمي مَعْصِيّة وَمَا سمي إِبَاحَة لَا مَعْصِيّة وَلَا كفرا وَلَا إِيمَانًا وَقد قُلْنَا أَن التَّسْمِيَة لله لَا لأحد غَيره فَإِن قَالَ قَائِل مِنْهُم أَلَيْسَ جحد الله بِالْقَلْبِ فَقَط لَا بِاللِّسَانِ كفرا فَلَا بُد من نعم قَالَ فَيجب على هَذَا أَن يكون التَّصْدِيق بِاللِّسَانِ وَحده إِيمَانًا فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن هَذَا كَانَ يَصح لكم لَو كَانَ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَحده أَو بِاللِّسَانِ وَحده إِيمَانًا وَقد أوضحنا آنِفا أَنه لَيْسَ شَيْء من ذَلِك على انْفِرَاده إِيمَانًا وَأَنه لَيْسَ إِيمَانًا إِلَّا مَا سَمَّاهُ الله إِيمَانًا وَلَيْسَ الْكفْر إِلَّا مَا سَمَّاهُ الله كفرا فَقَط فَإِن قَالَ قَائِل من أهل الطَّائِفَة الثَّالِثَة أَلَيْسَ جحد الله تَعَالَى بِالْقَلْبِ وباللسان هُوَ الْكفْر كُله فَكَذَلِك يجب أَن يكون الْإِقْرَار بِاللَّه تَعَالَى بِاللِّسَانِ وَالْقلب هُوَ الْإِيمَان كُله وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد لَيْسَ شَيْء مِمَّا قُلْتُمْ بل الْجحْد لشَيْء مِمَّا صَحَّ الْبُرْهَان أَنه لَا إِيمَان إِلَّا بتصديقه كفر والنطق بِشَيْء من كل مَا قَامَ الْبُرْهَان أَن النُّطْق بِهِ كفر كفر وَالْعَمَل بِشَيْء مِمَّا قَامَ الْبُرْهَان بِأَنَّهُ كفر كفر فالكفر يزِيد وَكلما زَاد فِيهِ فَهُوَ كفر وَالْكفْر ينقص وَكله مَعَ ذَلِك مَا بَقِي مِنْهُ وَمَا نقص فكله كفر وَبَعض الْكفْر أعظم وَأَشد وأشنع من بعض وَكله كفر وَقد أخبر تَعَالَى عَن بعض الْكفْر أَنه تكَاد السَّمَوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هداً وَقَالَ ﴿هَل تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ادخُلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن قوما يُضَاعف لَهُم الْعَذَاب فَإذْ كل هَذَا قَول الله وَقَوله الْحق فالجزاء على قدر الْكفْر بِالنَّصِّ وَبَعض الْجَزَاء أَشد من بعض بالنصوص ضَرُورَة وَالْإِيمَان أَيْضا يتفاضل بنصوص صِحَاح وَردت عَن رَسُول الله ﷺ وَالْجَزَاء عَلَيْهِ فِي الْجنَّة بتفاضل بِلَا خلاف فَإِن قَالَ من الطبقتين الأوليتين أَلَيْسَ من قَوْلكُم من عرف الله وَالنَّبِيّ ﷺ وَأقر بهما بِقَلْبِه فَقَط إِلَّا أَنه مُنكر بِلِسَانِهِ لكل ذَلِك أَو لبعضه فَإِنَّهُ كَافِر وَكَذَلِكَ من قَوْلكُم أَن من أقرّ بِاللَّه وبرسوله ﷺ بِلِسَانِهِ فَقَط إِلَّا أَنه مُنكر بِقَلْبِه لكل ذَلِك أَو لبعضه فَإِنَّهُ كَافِر قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجوابنا نعم هَكَذَا نقُول قَالُوا فقد وَجب من قَوْلكُم إِذا كَانَ بِمَا ذكرنَا كَافِرًا أَن يكون فعله ذَلِك كفرا وَلَا بُد إِذْ لَا يكون كَافِرًا إِلَّا بِكُفْرِهِ فَيجب على قَوْلكُم أَن الْإِقْرَار بِاللَّه تَعَالَى وبرسوله ﷺ بِالْقَلْبِ كفر وَلَا بُد وَيكون الْإِقْرَار بِاللَّه تَعَالَى أَيْضا وبرسوله ﷺ بِاللِّسَانِ أَيْضا كفر وَلَا بُد وَأَنْتُم تَقولُونَ أَنَّهُمَا إيما فقد وَجب على قَوْلكُم أَن يَكُونَا كفرا إِيمَانًا وفاعلهما كَافِرًا مُؤمنا مَعًا وَهَذَا كَمَا ترَوْنَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن هَذَا شغب ضَعِيف وإلزام كَاذِب سموهُ لأننا لم نقل قطّ أَن من اعْتقد وَصدق بِقَلْبِه فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى وبرسوله ﷺ وَأنكر بِلِسَانِهِ ذَلِك أَو بعضه فَإِن اعْتِقَاده لتصديق ذَلِك كفر وَلَا أَنه كَانَ بذلك كَافِرًا وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه كفر بترك إِقْرَاره بذلك بِلِسَانِهِ فَهَذَا هُوَ الْكفْر وَبِه صَار كَافِرًا وَبِه أَبَاحَ الله تَعَالَى دَمه أَو أَخذ الْجِزْيَة مِنْهُ بإجماعكم مَعنا وَإِجْمَاع أهل الْإِسْلَام وَكَانَ تَصْدِيقه بِقَلْبِه فَقَط بِكُل ذَلِك لَغوا محبطا كَأَنَّهُ لم يكن لَيْسَ إِيمَانًا وَلَا كفرا وَلَا طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة قَالَ تَعَالَى ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون﴾

стр. 421

وبالضرورة يدْرِي كل مُسلم أَن من حَبط عمله وَبَطل فقد سقط حكمه وتأثيره وَلم يبْق لَهُ رسم وَكَذَلِكَ لم نقل أَن من أقرّ بِلِسَانِهِ وَحده بِاللَّه تَعَالَى وبرسوله ﷺ وَجحد بِقَلْبِه أَن إِقْرَاره بذلك بِلِسَانِهِ كفر وَلَا أَنه كَانَ بِهِ كَافِرًا لكنه كَانَ كَافِرًا بجحده بِقَلْبِه لما جحد من ذَلِك وجحده لذَلِك هُوَ الْكفْر وَكَانَ إِقْرَاره بِكُل ذَلِك بِلِسَانِهِ لَغوا محبطاً كَمَا ذكرنَا لَا إِيمَانًا وَلَا كفرا وَلَا طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَسقط هَذَا الْإِيهَام الْفَاسِد فَإِن قَالَ قَائِل مِنْهُم أَلَيْسَ بعض الْإِيمَان إِيمَانًا وَبَعض الْكفْر كفرا وَأَرَادَ أَن يلْزمنَا من هَذَا أَن العقد بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَالْعَمَل بالجوارح إِذا كَانَ ذَلِك إِيمَانًا فإبعاضه إِذا إنفردت إِيمَانًا أَو أَن نقُول أَن إبعاض الْإِيمَان لَيست إِيمَانًا فيموه بِهَذَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إننا نقُول ونصرح أَنه لَيْسَ بعض الْإِيمَان إِيمَانًا أصلا بل الْإِيمَان متركب من أَشْيَاء إِذا اجْتمعت صَارَت إِيمَان كالبلق لَيْسَ السوَاد وَحده بلقاً وَلَا الْبيَاض وَحده بلقاً فَإِذا اجْتمعَا صَارا بلقاً وكالباب لَيْسَ الْخشب وَحده بَابا وَلَا المسامير وَحدهَا بَابا فَإِذا اجْتمعَا على شكل سمي حِينَئِذٍ بَابا وكالصلاة فَإِن الْقيام وَحده لَيْسَ صَلَاة وَلَا الرُّكُوع وَحده صَلَاة وَلَا الْجُلُوس وَحده صَلَاة وَلَا الْقِرَاءَة وَحدهَا صَلَاة وَلَا الذّكر وَحده صَلَاة وَلَا اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَحده صَلَاة أصلا فَإِذا اجْتمع كل ذَلِك سمي الْمُجْتَمع حِينَئِذٍ صَلَاة وَكَذَلِكَ الصّيام المفترض وَالْمَنْدُوب إِلَيْهِ لَيْسَ صِيَام كل سَاعَة من النَّهَار على انفرادها صياما فَإِذا اجْتمع صيامها كلهَا يُسمى صياما وَقد يَقع فِي الْيَوْم الْأكل وَالْجِمَاع وَالشرَاب سَهوا فَلَا يمْنَع ذَلِك من أَن يكون صِيَامه صَحِيحا وَالتَّسْمِيَة لله كَمَا قدمنَا لَا لأحد دونه بل من الْإِيمَان شَيْء إِذا إنفردكان كفرا كمن قَالَ مُصدقا بِقَلْبِه لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فَهَذَا إِيمَان فَلَو أفرد لَا إِلَه وَسكت وسكوت قطع كفر بِلَا خلاف من أحد ثمَّ نسألهم فَنَقُول لَهُم فَإِذا انْفَرد صِيَامه أَو صلَاته دون إِيمَان أَهِي طَاعَة فَمن قَوْلهم لَا فقد صَارُوا فِيمَا أَرَادوا أَن يموهوا بِهِ علينا من أَن إبعاض الطَّاعَات إِذا انْفَرَدت لم تكن طَاعَة بل كَانَت مَعْصِيّة وَإِذا اجْتمعت كَانَت طَاعَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالُوا إِذا كَانَ النُّطْق بِاللِّسَانِ عنْدكُمْ إِيمَانًا فَيجب إِذا عدم النُّطْق بِأَن يسكت الْإِنْسَان بعد إِقْرَاره أَن يكون سُكُوته كفرا فَيكون بسكوته كَافِرًا قُلْنَا إِن هَذَا يلْزمنَا عنْدكُمْ فَمَا تَقولُونَ إِن سألكم أَصْحَاب مُحَمَّد بن كرام فَقَالُوا لكم إِذا كَانَ الِاعْتِقَاد بِالْقَلْبِ هُوَ الْإِيمَان عنْدكُمْ فَيجب إِذا سَهَا عَن الِاعْتِقَاد وإحضاره ذكره أما فِي حَال حَدِيثه مَعَ من يتحدث أَو فِي حَال فكره أَو نَومه أَن يكون كَافِرًا وَأَن يكون ذَلِك السَّهْو كفرا فجوابهم أَنه مَحْمُول على مَا صَحَّ مِنْهُ من الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونقول للجهمية والأشعرية فِي قَوْلهم إِن جحد الله تَعَالَى وَشَتمه وَجحد الرَّسُول ﷺ إِذا كَانَ كل ذَلِك بِاللِّسَانِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كفرا لكنه دَلِيل على أَن فِي الْقلب كفرا أخبرونا عَن هَذَا الدَّلِيل الَّذِي ذكرْتُمْ أتقطعون بِهِ فتثبتونه يَقِينا وَلَا تشكون فِي أَن فِي قلبه جحداً للربوبية وللنبوة أم هُوَ دَلِيل يجوز ويدخله الشَّك وَيُمكن أَن لَا يكون فِي قلبه كفر وَلَا بُد من أَحدهمَا فَإِن قَالُوا أَنه دَلِيل لَا نقطع بِهِ قطعا وَلَا نثبته يَقِينا قُلْنَا لَهُم فَمَا بالكم تحتجون بِالظَّنِّ الَّذِي قَالَ تَعَالَى فِيهِ ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾

стр. 422

وأعجب من هَذَا أَنكُمْ إِنَّمَا قُلْتُمْ أَن إعلان الْكفْر إِنَّمَا قُلْنَا أَنه دَلِيل على أَن فِي الْقلب كفرا لِأَن الله تَعَالَى سماهم كفَّارًا فَلَا يمكننا رد شَهَادَة الله تَعَالَى فَعَاد هَذَا الْبلَاء عَلَيْكُم لأنكم قطعْتُمْ أَنَّهَا شَهَادَة الله ثمَّ لم تصدقوا شَهَادَته وَلَا قطعْتُمْ بهَا بل شَكَكْتُمْ فِيهَا وَهَذَا تَكْذِيب من لإخفاء بِهِ وَأما نَحن فمعاذ الله من أَن نقُول أَو نعتقد أَن الله تَعَالَى شهد بِهَذَا قطّ بل من أدعى أَن الله شهد بِأَن من أعلن الْكفْر فَإِنَّهُ جَاحد بِقَلْبِه كذب على الله وافترى عَلَيْهِ بل هَذِه شَهَادَة الشَّيْطَان الَّتِي أضلّ بهَا أولياءه وَمَا شهد الله تَعَالَى إِلَّا بضد هَذَا وبأنهم يعْرفُونَ الْحق ويكتمونه ويعرفون أَن الله تَعَالَى حق وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ حَقًا ويظهرون بألسنتهم خلاف ذَلِك وَمَا سماهم الله قطّ كفَّارًا إِلَّا بِمَا ظهر مِنْهُم بألسنتهم وأفعالهم كَمَا فعل بإبليس وَأهل الْكتاب وَغَيرهم وَإِن قَالُوا بل يثبت بِهَذَا الدَّلِيل ونقطع بِهِ ونوقن أَن كل من أعلن بِمَا يُوجب إِطْلَاق اسْم الْكفْر عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَة فَإِنَّهُ جَاحد بِقَلْبِه قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هَذَا بَاطِل من وُجُوه أَولهَا أَنه دَعْوَى بِلَا برهَان وَثَانِيها أَنه علم غيب لَا يُعلمهُ إِلَّا الله وَالَّذِي يضمره وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنِّي لم أبْعث لأشق عَن قُلُوب النَّاس فمدعى هَذَا معدي علم غيب ومدعي علم الْغَيْب كَاذِب وَثَالِثهَا أَن الْقُرْآن وَالسّنَن كَمَا ذكرنَا قد جَاءَت النُّصُوص فيهمَا بِخِلَاف هَذَا كَمَا تلونا قبل وَرَابِعهَا إِن كَانَ الْأَمر كَمَا تَقولُونَ فَمن أَيْن اقتصرتم بِالْإِيمَان على عقد الْقلب فَقَط وَلم تراعوا إِقْرَار اللِّسَان وَكِلَاهُمَا عنْدكُمْ مُرْتَبِط بِالْآخرِ لَا يُمكن انفرادهما وَهَذَا يبطل قَوْلكُم أَنه إِذا اعْتقد الْإِيمَان بِقَلْبِه لم يكن كَافِرًا بإعلانه الْكفْر فجوزتم أَن يكون يعلن الْكفْر من يبطن الْإِيمَان فَظهر تنَاقض مَذْهَبهم وعظيم فَسَاده وخامسها أَنه كَانَ إعلان الْكفْر بِاللِّسَانِ دَلِيلا على الْجحْد بِالْقَلْبِ وَالْكفْر بِهِ وَلَا بُد فَإِن إعلان الْإِيمَان بِاللِّسَانِ يجب أَيْضا أَن يكون دَلِيلا قَاطعا باتاً وَلَا بُد على أَن فِي الْقلب إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا لَا شكّ فِيهِ لِأَن الله تَعَالَى سمى هَؤُلَاءِ مُؤمنين كَمَا سمى أؤلئك كفَّارًا وَلَا فرق بَين الشَّهَادَتَيْنِ فَإِن قَالُوا إِن الله تَعَالَى قد أخبر عَن الْمُنَافِقين المعلنين بِالْإِيمَان المبطنين للكفر والجحد قيل لَهُم وَكَذَلِكَ أعلمنَا الله تَعَالَى وَأخْبرنَا أَن إِبْلِيس وَأهل الْكتاب وَالْكفَّار بِالنُّبُوَّةِ إِنَّهُم يعلنون الْكفْر ويبطنون التَّصْدِيق ويؤمنون بِأَن الله تَعَالَى حق وَأَن رَسُوله حق يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أبنائهم وَلَا فرق وكل مَا موهتم بِهِ من الْبَاطِل وَالْكذب فِي هَؤُلَاءِ امكن للمرامية مثله سَوَاء بِسَوَاء فِي الْمُنَافِقين وَقَالُوا لم يكفروا قطّ بإبطانهم الْكفْر لَكِن لما سماهم الله بِأَنَّهُم آمنُوا ثمَّ كفرُوا علمنَا أَنهم نطقوا بعد ذَلِك بالْكفْر والجحد بِشَهَادَة الله تَعَالَى بذلك كَمَا أدعيتم أَنْتُم شَهَادَته تَعَالَى على مَا فِي نفوس الْكفَّار وَلَا فرق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكلتا الشَّهَادَتَيْنِ من هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ كذب على الله تَعَالَى وَمَا شهد الله قطّ على إِبْلِيس وَأولى الْكتاب بالْكفْر إِلَّا بِمَا أعلنوه من الاستخفاف بِالنُّبُوَّةِ وبآدم وبالنبي ﷺ فَقَط وَلَا شهد تَعَالَى قطّ على الْمُنَافِقين بالْكفْر إِلَّا بِمَا بطنوه من الْكفْر فَقَط وَأما هَذَا فتحريف للكلم عَن موَاضعه وأفك مفتري ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونظروا قَوْلهم قَالُوا مثل هَذَا أَن نقُول رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل

стр. 423

هَذِه الدَّار الْيَوْم إِلَّا كَافِر أَو يَقُول كل من دخل هَذِه الدَّار الْيَوْم فَهُوَ كَافِر قَالُوا فدخول تِلْكَ الدَّار دَلِيل على أَنه يعْتَقد الْكفْر لَا أَن دُخُول الدَّار كفر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كذب وتمويه ضَعِيف بِأَن دُخُول تِلْكَ الدَّار فِي ذَلِك الْيَوْم كفر مَحْض مُجَرّد وَقد يُمكن أَن يكون الدَّاخِل فِيهَا مُصدقا بِاللَّه تَعَالَى وبرسوله ﷺ إِلَّا أَن تَصْدِيقه ذَلِك قد حَبط بِدُخُولِهِ الدَّار وبرهان ذَلِك أَنه لَا يخْتَلف اثْنَان من أهل الْإِسْلَام فِي أَن دُخُول تِلْكَ الدَّار لَا يحل الْبَتَّةَ لعَائِشَة وَلَا لأبي بكر وَلَا لعَلي وَلَا لأحد من أَزوَاج النَّبِي ﷺ وَلَا لأحد من أَصْحَابه ﵃ كَمَا أَن الله تَعَالَى قد نَص على أَنه علم مَا فِي قُلُوبهم وَأنزل السكينَة عَلَيْهِم وَإِذ ذَلِك كَذَلِك فقد وَجب ضَرُورَة أَن هَؤُلَاءِ ﵃ لَو دخلُوا تِلْكَ الدَّار لكانوا كفَّارًا بِلَا شكّ بِنَفس دُخُولهمْ فِيهَا ولحبط إِيمَانهم فَإِن قَالُوا فَإِن قَالُوا لَو دَخلهَا هَؤُلَاءِ لم يكفروا كَانُوا هم قد كفرُوا لأَنهم بِهَذَا القَوْل قاطعون بِأَن كَلَامه ﷺ كذب فِي قَوْله لَا يدخلهَا إِلَّا كَافِرًا وَاحْتج بَعضهم فِي هَذَا الْمَكَان بقول الأخطل النَّصْرَانِي لَعنه الله إِذْ يَقُول ... إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَإِنَّمَا جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا ... قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجوابنا على هَذَا الِاحْتِجَاج أَن نقُول مَلْعُون مَلْعُون قَائِل هَذَا الْبَيْت وملعون مَلْعُون من جعل قَول هَذَا النَّصْرَانِي حجَّة فِي دين الله وَلَيْسَ هَذَا من بَاب اللُّغَة الَّتِي يحْتَج فِيهَا بالعربي وَإِن كَانَ كَافِرًا وَإِنَّمَا هِيَ قَضِيَّة عقلية فالعقل والحس يكذب بِأَن هَذَا الْبَيْت وَقَضِيَّة شَرْعِيَّة فَالله أصدق من النَّصْرَانِي اللعين إِذْ يَقُول ﴿يَقُولُونَ بأفواههم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم﴾ فقد أخبر بِأَن من النَّاس من يَقُول بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي فُؤَاده بِخِلَاف قَول الأخطل لَعنه الله أَن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَاللِّسَان دَلِيل على الْفُؤَاد فَأَما نَحن فنصدق الله ونكذب الأخطل وَلعن الله من يَجْعَل الأخطل حجَّة فِي دينه الله وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل فَإِن قَالُوا أَن الله قَالَ ﴿ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل﴾ قُلْنَا لَوْلَا أَن الله عرفه بهم وَلَده عَلَيْهِم بلحن القَوْل مَا كَانَ لحن قَوْلهم دَلِيلا عَلَيْهِم وَلم يُطلق الله تَعَالَى على هَذَا على كل أحد بل على أُولَئِكَ خَاصَّة بل قد نَص تَعَالَى على آخَرين بِخِلَاف ذَلِك إِذْ يَقُول ﴿وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ﴾ فَهَؤُلَاءِ من أهل الْمَدِينَة مُنَافِقُونَ مَرَدُوا على النِّفَاق لم يعلمهُمْ رَسُول الله ﷺ بلحن قَوْلهم وَلَو أَن النَّاس لم يضْربُوا قطّ كَلَام رَبهم تَعَالَى بعضه بِبَعْض وأخذوه كُله على مُقْتَضَاهُ لاهتدوا وَلَكِن من يهده الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشداً وَقد قَالَ ﴿إِن الَّذين ارْتَدُّوا على أدبارهم من بعد مَا تبين لَهُم الْهدى الشَّيْطَان سَوَّلَ لَهُم وأملي لَهُم ذَلِك بِأَنَّهُم قَالُوا للَّذين كَرهُوا مَا نزل الله سنطيعكم فِي بعض الْأَمر وَالله يعلم أسرارهم فَكيف إِذا توفتهم الْمَلَائِكَة يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم﴾ فجعلهم تَعَالَى مرتدين كفرا بعد علمهمْ الْحق وَبعد أَن تبين لَهُم الْهدى بقوله للْكفَّار مَا قَالُوا فَقَط وَأخْبرنَا تَعَالَى أَنه يعرف أسرارهم وَلم يقل تَعَالَى أَنَّهَا جحد أَو تَصْدِيق بل قد صَحَّ أَن فِي سرهم التَّصْدِيق لِأَن الْهدى قد تبين لَهُم وَمن تبين لَهُ شَيْء فَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يجحده بِقَلْبِه أصلا وَأخْبرنَا تَعَالَى أَنه قد أحبط أَعْمَالهم باتبَاعهمْ مَا أسخطه وكراهيتهم رضوانه وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون﴾

стр. 424

فَهَذَا نَص جلي وخطاب للْمُؤْمِنين بِأَن إِيمَانهم يبطل جملَة وأعمالهم تحبط بِرَفْع أَصْوَاتهم فَوق صَوت النَّبِي ﷺ دون جحد كَانَ مِنْهُم أصلا وَلَو كَانَ مِنْهُم جحدا لشعروا لَهُ وَالله تَعَالَى أخبرنَا بِأَن ذَلِك يكون وهم لَا يَشْعُرُونَ فصح أَن من أَعمال الْجَسَد مَا يكون كفرا مُبْطلًا لإيمان فَاعله جملَة وَمِنْه مَا لَا يكون كفرا لَكِن على مَا حكم الله تَعَالَى بِهِ فِي كل ذَلِك وَلَا مزِيد قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالَ قَائِل من أَيْن قُلْتُمْ أَن التَّصْدِيق لَا يتفاضل وَنحن نجد خضرَة أَشد خضرَة وشجاعة أَشد من شجاعة لَا سِيمَا والشجاعة والتصديق كيفيات من صِفَات النَّفس مَعًا فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن كل مَا قبل من الكيفيات الأشد والأضعف فَإِنَّمَا يقبلهَا بمزاج يدْخلهُ من كَيْفيَّة أُخْرَى وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا فِيمَا بَينه وَبَين ضِدّه مِنْهَا وسائط قد تمازج كل وَاحِد من الضدين أَو فِيمَا جَازَ امتزاج الضدين فِيهِ كَمَا نجد بَين الخضرة وَالْبَيَاض وسائط من حمرَة وصفرة تمازجهما فتولد حِينَئِذٍ بالممازجة الشدَّة والضعف وكالصحة الَّتِي هِيَ اعْتِدَال مزاج الْعَفو فَإِذا مازج ذَلِك الِاعْتِدَال فضل مَا كَانَ مَرضه بِحَسب مَا مَا زجه فِي الشدَّة والضعف والشجاعة إِنَّمَا هِيَ استسهال النَّفس للثبات والإقدام عِنْد الْمُعَارضَة فِي اللِّقَاء فَإِذا ثَبت الِاثْنَان فإثباتاً وَاحِدًا وأقداما إقداماً مستوياً فهما فِي الشجَاعَة سَوَاء وَإِذا ثَبت أَحدهمَا أَو أقدم فَوق ثبات الآخر وإقدامه كَانَ أَشْجَع مِنْهُ وَكَانَ الآخر قد مازج ثباته أَو إقدامه جبن وَأما مَا كَانَ من الكيفيات لَا يقبل المزاج أصلا فَلَا سَبِيل إِلَى وجود التَّفَاضُل فِيهِ وَكَانَ ذَلِك على حسن مَا خلقه الله من كل ذَلِك وَلَا مزِيد كاللون فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى أَن يكون لون أَشد دُخُولا فِي أَنه لون من لون آخر إِذْ لَو مازج التَّصْدِيق غَيره لصار كذبا فِي الْوَقْت وَلَو مازج التَّصْدِيق شَيْئا غَيره لصار شكا فِي الْوَقْت وَبَطل التَّصْدِيق جملَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَالْإِيمَان قد قُلْنَا أَنه لَيْسَ هُوَ التَّصْدِيق وَحده بل أَشْيَاء مَعَ التَّصْدِيق كَثِيرَة فَإِنَّمَا دخل التَّفَاضُل فِي كَثْرَة تِلْكَ الْأَشْيَاء وقلتها وَفِي كَيْفيَّة إيرادها وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَكَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنه يخرج من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال شعيرَة من إِيمَان ثمَّ من فِي قلبه مِثْقَال برة من إِيمَان ثمَّ من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان إِلَى أدنى أدنى من ذَلِك إِنَّمَا أَرَادَ ﵇ من قصد إِلَى عمل شَيْء من الْخَيْر أَو هم بِهِ وَلم يعمله بعد أَن يكون مُصدقا بِقَلْبِه بِالْإِسْلَامِ مقرا بِلِسَانِهِ كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي قلبه مِثْقَال كَذَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن النُّصُوص على أَن الْأَعْمَال إِيمَان قَول الله تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجاً مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ فنص تَعَالَى نصا جلياً لَا يحْتَمل تَأْوِيلا وَأقسم تَعَالَى بِنَفسِهِ أَنه لَا يُؤمن أحد إِلَّا من حكم رَسُول الله ﷺ فِيمَا شجر بَينه وَبَين غَيره ثمَّ يسلم لما حكم بِهِ ﵇ وَلَا يجد فِي نَفسه حرجاً مِمَّا قضى وَهَذِه كلهَا أَعمال بِاللِّسَانِ وبالجوارح غير التَّصْدِيق بِلَا شكّ وَفِي هَذِه كِفَايَة لمن عقل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن الْعجب قَوْلهم أَن الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالزَّكَاة لَيست إِيمَانًا لَكِنَّهَا شرائع الْإِيمَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه تَسْمِيَة لم يَأْذَن الله تَعَالَى بهَا وَلَا رَسُوله ﷺ وَلَا أحدا من

стр. 425

الصَّحَابَة ﵃ بل الْإِسْلَام هُوَ الْإِيمَان وَهُوَ الشَّرَائِع الشَّرَائِع هِيَ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَاخْتلف النَّاس فِي الْكفْر والشرك فَقَالَت طَائِفَة هِيَ اسمان واقعان على مَعْنيين وَإِن كل شرك كفر وَلَيْسَ كل كفر شركا وَقَالَ هَؤُلَاءِ لَا شرك إِلَّا قَول من جعل لله شَرِيكا قَالَ هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى كفَّارًا لَا مشركون وَسَائِر الْملَل كفار مشركون وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَغَيره وَقَالَ آخَرُونَ الْكفْر والشرك سَوَاء وكل كَافِر فَهُوَ مُشْرك وكل مُشْرك فَهُوَ كَافِر وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَغَيره قَالَ أَبُو مُحَمَّد واحتجت الطَّائِفَة الأولى بقول الله عزو جلّ ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين منفكين﴾ قَالُوا فَفرق الله تَعَالَى بَين الْكفَّار وَالْمُشْرِكين وَقَالُوا لَفْظَة الشّرك مَأْخُوذَة من الشَّرِيك فَمن لم يَجْعَل لله شَرِيكا فَلَيْسَ شركا قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه عُمْدَة حجتهم مَا نعلم لَهُم حجَّة غير هَاتين قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما احتجاجهم بقول الله ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين﴾ فَلَو لم يَأْتِ فِي هَذَا الْمَعْنى غير هَذَا الْمَعْنى غير هَذِه الْآيَة لكَانَتْ حجتهم ظَاهِرَة لَكِن الَّذِي أنزل هَذِه الْآيَة هُوَ الْقَائِل ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم أَنهم قَالُوا أَن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَهَذَا كُله تشريك ظَاهر لإخفائه فَإذْ قد صَحَّ الشّرك والتشريك فِي الْقُرْآن من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فقد صَحَّ أَنهم مشركون وَأَن الشّرك وَالْكفْر اسمان لِمَعْنى وَاحِد وَقد قُلْنَا أَن التَّسْمِيَة لله لَا لنا فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فقد صَحَّ أَن قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين﴾ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الله جَامع الْمُنَافِقين والكافرين فِي جَهَنَّم جَمِيعًا﴾ وَلَا خلاف بَين أحد من أهل الْإِسْلَام فِي أَن الْمُنَافِقين كفار وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال فَإِن الله عَدو للْكَافِرِينَ﴾ وَلَا خلاف فِي أَن جِبْرِيل وَمِيكَائِيل من جملَة الْمَلَائِكَة وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ وَالرُّمَّان الرُّمَّان من الْفَاكِهَة وَالْقُرْآن نزل بلغَة الْعَرَب وَالْعرب تعيد الشَّيْء باسمه وَإِن كَانَت قد أجملت ذكره تَأْكِيدًا لأَمره فَبَطل تعلق من تعلق بتفريق الله تَعَالَى بَين الْكفَّار وَالْمُشْرِكين فِي اللَّفْظ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما احتجاجهم بِأَن لفظ الشّرك مَأْخُوذ من الشَّرِيك فقد قُلْنَا ان التَّسْمِيَة لله لَا لأحد دونه وَله تَعَالَى أَن يُوقع أَي أسم شَاءَ على أَي مُسَمّى شَاءَ برهَان ذَلِك إِن من أشرك بَين عبيدين لَهُ فِي عمل مَا أَو بَين اثْنَيْنِ فِي هبة وَهبهَا لَهما فَإِنَّهُ لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم مُشْرك وَلَا يحل أَن يُقَال أَن فلَانا أشرك وَلَا أَن عمله شرك فصح أَنَّهَا لَفْظَة منقولة أَيْضا عَن موضوعها فِي اللُّغَة كَمَا أَن الْكفْر لَفْظَة منقولة أَيْضا عَن موضوعها إِلَى مَا أوقعهَا الله تَعَالَى عَلَيْهِ والتعجب من أهل هَذِه الْمقَالة وَقَوْلهمْ أَن النَّصَارَى لَيْسُوا مُشْرِكين وشركهم أظهر وَأشهر من أَن يجهله أحد لأَنهم يَقُولُونَ كلهم بِعبَادة الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس وَأَن الْمَسِيح إِلَه حق ثمَّ يجْعَلُونَ البراهمة مُشْرِكين وهم لَا يقرونَ إِلَّا بِاللَّه وَحده وَلَقَد كَانَ يلْزم أهل هَذِه الْمقَالة أَن لَا يجْعَلُوا كَافِرًا إِلَّا من جحد الله تَعَالَى فَقَط فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ اتخذ الْيَهُود وَالنَّصَارَى
следующие страницы →