Полный текст (708 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وبالضرورة يدْرِي كل مُسلم أَن من حَبط عمله وَبَطل فقد سقط حكمه وتأثيره وَلم يبْق لَهُ رسم وَكَذَلِكَ لم نقل أَن من أقرّ بِلِسَانِهِ وَحده بِاللَّه تَعَالَى وبرسوله ﷺ وَجحد بِقَلْبِه أَن إِقْرَاره بذلك بِلِسَانِهِ كفر وَلَا أَنه كَانَ بِهِ كَافِرًا لكنه كَانَ كَافِرًا بجحده بِقَلْبِه لما جحد من ذَلِك وجحده لذَلِك هُوَ الْكفْر وَكَانَ إِقْرَاره بِكُل ذَلِك بِلِسَانِهِ لَغوا محبطاً كَمَا ذكرنَا لَا إِيمَانًا وَلَا كفرا وَلَا طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَسقط هَذَا الْإِيهَام الْفَاسِد فَإِن قَالَ قَائِل مِنْهُم أَلَيْسَ بعض الْإِيمَان إِيمَانًا وَبَعض الْكفْر كفرا وَأَرَادَ أَن يلْزمنَا من هَذَا أَن العقد بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَالْعَمَل بالجوارح إِذا كَانَ ذَلِك إِيمَانًا فإبعاضه إِذا إنفردت إِيمَانًا أَو أَن نقُول أَن إبعاض الْإِيمَان لَيست إِيمَانًا فيموه بِهَذَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إننا نقُول ونصرح أَنه لَيْسَ بعض الْإِيمَان إِيمَانًا أصلا بل الْإِيمَان متركب من أَشْيَاء إِذا اجْتمعت صَارَت إِيمَان كالبلق لَيْسَ السوَاد وَحده بلقاً وَلَا الْبيَاض وَحده بلقاً فَإِذا اجْتمعَا صَارا بلقاً وكالباب لَيْسَ الْخشب وَحده بَابا وَلَا المسامير وَحدهَا بَابا فَإِذا اجْتمعَا على شكل سمي حِينَئِذٍ بَابا وكالصلاة فَإِن الْقيام وَحده لَيْسَ صَلَاة وَلَا الرُّكُوع وَحده صَلَاة وَلَا الْجُلُوس وَحده صَلَاة وَلَا الْقِرَاءَة وَحدهَا صَلَاة وَلَا الذّكر وَحده صَلَاة وَلَا اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَحده صَلَاة أصلا فَإِذا اجْتمع كل ذَلِك سمي الْمُجْتَمع حِينَئِذٍ صَلَاة وَكَذَلِكَ الصّيام المفترض وَالْمَنْدُوب إِلَيْهِ لَيْسَ صِيَام كل سَاعَة من النَّهَار على انفرادها صياما فَإِذا اجْتمع صيامها كلهَا يُسمى صياما وَقد يَقع فِي الْيَوْم الْأكل وَالْجِمَاع وَالشرَاب سَهوا فَلَا يمْنَع ذَلِك من أَن يكون صِيَامه صَحِيحا وَالتَّسْمِيَة لله كَمَا قدمنَا لَا لأحد دونه بل من الْإِيمَان شَيْء إِذا إنفردكان كفرا كمن قَالَ مُصدقا بِقَلْبِه لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فَهَذَا إِيمَان فَلَو أفرد لَا إِلَه وَسكت وسكوت قطع كفر بِلَا خلاف من أحد ثمَّ نسألهم فَنَقُول لَهُم فَإِذا انْفَرد صِيَامه أَو صلَاته دون إِيمَان أَهِي طَاعَة فَمن قَوْلهم لَا فقد صَارُوا فِيمَا أَرَادوا أَن يموهوا بِهِ علينا من أَن إبعاض الطَّاعَات إِذا انْفَرَدت لم تكن طَاعَة بل كَانَت مَعْصِيّة وَإِذا اجْتمعت كَانَت طَاعَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالُوا إِذا كَانَ النُّطْق بِاللِّسَانِ عنْدكُمْ إِيمَانًا فَيجب إِذا عدم النُّطْق بِأَن يسكت الْإِنْسَان بعد إِقْرَاره أَن يكون سُكُوته كفرا فَيكون بسكوته كَافِرًا قُلْنَا إِن هَذَا يلْزمنَا عنْدكُمْ فَمَا تَقولُونَ إِن سألكم أَصْحَاب مُحَمَّد بن كرام فَقَالُوا لكم إِذا كَانَ الِاعْتِقَاد بِالْقَلْبِ هُوَ الْإِيمَان عنْدكُمْ فَيجب إِذا سَهَا عَن الِاعْتِقَاد وإحضاره ذكره أما فِي حَال حَدِيثه مَعَ من يتحدث أَو فِي حَال فكره أَو نَومه أَن يكون كَافِرًا وَأَن يكون ذَلِك السَّهْو كفرا فجوابهم أَنه مَحْمُول على مَا صَحَّ مِنْهُ من الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونقول للجهمية والأشعرية فِي قَوْلهم إِن جحد الله تَعَالَى وَشَتمه وَجحد الرَّسُول ﷺ إِذا كَانَ كل ذَلِك بِاللِّسَانِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كفرا لكنه دَلِيل على أَن فِي الْقلب كفرا أخبرونا عَن هَذَا الدَّلِيل الَّذِي ذكرْتُمْ أتقطعون بِهِ فتثبتونه يَقِينا وَلَا تشكون فِي أَن فِي قلبه جحداً للربوبية وللنبوة أم هُوَ دَلِيل يجوز ويدخله الشَّك وَيُمكن أَن لَا يكون فِي قلبه كفر وَلَا بُد من أَحدهمَا فَإِن قَالُوا أَنه دَلِيل لَا نقطع بِهِ قطعا وَلَا نثبته يَقِينا قُلْنَا لَهُم فَمَا بالكم تحتجون بِالظَّنِّ الَّذِي قَالَ تَعَالَى فِيهِ ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾
стр. 422
وأعجب من هَذَا أَنكُمْ إِنَّمَا قُلْتُمْ أَن إعلان الْكفْر إِنَّمَا قُلْنَا أَنه دَلِيل على أَن فِي الْقلب كفرا لِأَن الله تَعَالَى سماهم كفَّارًا فَلَا يمكننا رد شَهَادَة الله تَعَالَى فَعَاد هَذَا الْبلَاء عَلَيْكُم لأنكم قطعْتُمْ أَنَّهَا شَهَادَة الله ثمَّ لم تصدقوا شَهَادَته وَلَا قطعْتُمْ بهَا بل شَكَكْتُمْ فِيهَا وَهَذَا تَكْذِيب من لإخفاء بِهِ وَأما نَحن فمعاذ الله من أَن نقُول أَو نعتقد أَن الله تَعَالَى شهد بِهَذَا قطّ بل من أدعى أَن الله شهد بِأَن من أعلن الْكفْر فَإِنَّهُ جَاحد بِقَلْبِه كذب على الله وافترى عَلَيْهِ بل هَذِه شَهَادَة الشَّيْطَان الَّتِي أضلّ بهَا أولياءه وَمَا شهد الله تَعَالَى إِلَّا بضد هَذَا وبأنهم يعْرفُونَ الْحق ويكتمونه ويعرفون أَن الله تَعَالَى حق وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ حَقًا ويظهرون بألسنتهم خلاف ذَلِك وَمَا سماهم الله قطّ كفَّارًا إِلَّا بِمَا ظهر مِنْهُم بألسنتهم وأفعالهم كَمَا فعل بإبليس وَأهل الْكتاب وَغَيرهم وَإِن قَالُوا بل يثبت بِهَذَا الدَّلِيل ونقطع بِهِ ونوقن أَن كل من أعلن بِمَا يُوجب إِطْلَاق اسْم الْكفْر عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَة فَإِنَّهُ جَاحد بِقَلْبِه قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هَذَا بَاطِل من وُجُوه أَولهَا أَنه دَعْوَى بِلَا برهَان وَثَانِيها أَنه علم غيب لَا يُعلمهُ إِلَّا الله وَالَّذِي يضمره وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنِّي لم أبْعث لأشق عَن قُلُوب النَّاس فمدعى هَذَا معدي علم غيب ومدعي علم الْغَيْب كَاذِب وَثَالِثهَا أَن الْقُرْآن وَالسّنَن كَمَا ذكرنَا قد جَاءَت النُّصُوص فيهمَا بِخِلَاف هَذَا كَمَا تلونا قبل وَرَابِعهَا إِن كَانَ الْأَمر كَمَا تَقولُونَ فَمن أَيْن اقتصرتم بِالْإِيمَان على عقد الْقلب فَقَط وَلم تراعوا إِقْرَار اللِّسَان وَكِلَاهُمَا عنْدكُمْ مُرْتَبِط بِالْآخرِ لَا يُمكن انفرادهما وَهَذَا يبطل قَوْلكُم أَنه إِذا اعْتقد الْإِيمَان بِقَلْبِه لم يكن كَافِرًا بإعلانه الْكفْر فجوزتم أَن يكون يعلن الْكفْر من يبطن الْإِيمَان فَظهر تنَاقض مَذْهَبهم وعظيم فَسَاده وخامسها أَنه كَانَ إعلان الْكفْر بِاللِّسَانِ دَلِيلا على الْجحْد بِالْقَلْبِ وَالْكفْر بِهِ وَلَا بُد فَإِن إعلان الْإِيمَان بِاللِّسَانِ يجب أَيْضا أَن يكون دَلِيلا قَاطعا باتاً وَلَا بُد على أَن فِي الْقلب إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا لَا شكّ فِيهِ لِأَن الله تَعَالَى سمى هَؤُلَاءِ مُؤمنين كَمَا سمى أؤلئك كفَّارًا وَلَا فرق بَين الشَّهَادَتَيْنِ فَإِن قَالُوا إِن الله تَعَالَى قد أخبر عَن الْمُنَافِقين المعلنين بِالْإِيمَان المبطنين للكفر والجحد قيل لَهُم وَكَذَلِكَ أعلمنَا الله تَعَالَى وَأخْبرنَا أَن إِبْلِيس وَأهل الْكتاب وَالْكفَّار بِالنُّبُوَّةِ إِنَّهُم يعلنون الْكفْر ويبطنون التَّصْدِيق ويؤمنون بِأَن الله تَعَالَى حق وَأَن رَسُوله حق يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أبنائهم وَلَا فرق وكل مَا موهتم بِهِ من الْبَاطِل وَالْكذب فِي هَؤُلَاءِ امكن للمرامية مثله سَوَاء بِسَوَاء فِي الْمُنَافِقين وَقَالُوا لم يكفروا قطّ بإبطانهم الْكفْر لَكِن لما سماهم الله بِأَنَّهُم آمنُوا ثمَّ كفرُوا علمنَا أَنهم نطقوا بعد ذَلِك بالْكفْر والجحد بِشَهَادَة الله تَعَالَى بذلك كَمَا أدعيتم أَنْتُم شَهَادَته تَعَالَى على مَا فِي نفوس الْكفَّار وَلَا فرق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكلتا الشَّهَادَتَيْنِ من هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ كذب على الله تَعَالَى وَمَا شهد الله قطّ على إِبْلِيس وَأولى الْكتاب بالْكفْر إِلَّا بِمَا أعلنوه من الاستخفاف بِالنُّبُوَّةِ وبآدم وبالنبي ﷺ فَقَط وَلَا شهد تَعَالَى قطّ على الْمُنَافِقين بالْكفْر إِلَّا بِمَا بطنوه من الْكفْر فَقَط وَأما هَذَا فتحريف للكلم عَن موَاضعه وأفك مفتري ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونظروا قَوْلهم قَالُوا مثل هَذَا أَن نقُول رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل
стр. 423
هَذِه الدَّار الْيَوْم إِلَّا كَافِر أَو يَقُول كل من دخل هَذِه الدَّار الْيَوْم فَهُوَ كَافِر قَالُوا فدخول تِلْكَ الدَّار دَلِيل على أَنه يعْتَقد الْكفْر لَا أَن دُخُول الدَّار كفر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كذب وتمويه ضَعِيف بِأَن دُخُول تِلْكَ الدَّار فِي ذَلِك الْيَوْم كفر مَحْض مُجَرّد وَقد يُمكن أَن يكون الدَّاخِل فِيهَا مُصدقا بِاللَّه تَعَالَى وبرسوله ﷺ إِلَّا أَن تَصْدِيقه ذَلِك قد حَبط بِدُخُولِهِ الدَّار وبرهان ذَلِك أَنه لَا يخْتَلف اثْنَان من أهل الْإِسْلَام فِي أَن دُخُول تِلْكَ الدَّار لَا يحل الْبَتَّةَ لعَائِشَة وَلَا لأبي بكر وَلَا لعَلي وَلَا لأحد من أَزوَاج النَّبِي ﷺ وَلَا لأحد من أَصْحَابه ﵃ كَمَا أَن الله تَعَالَى قد نَص على أَنه علم مَا فِي قُلُوبهم وَأنزل السكينَة عَلَيْهِم وَإِذ ذَلِك كَذَلِك فقد وَجب ضَرُورَة أَن هَؤُلَاءِ ﵃ لَو دخلُوا تِلْكَ الدَّار لكانوا كفَّارًا بِلَا شكّ بِنَفس دُخُولهمْ فِيهَا ولحبط إِيمَانهم فَإِن قَالُوا فَإِن قَالُوا لَو دَخلهَا هَؤُلَاءِ لم يكفروا كَانُوا هم قد كفرُوا لأَنهم بِهَذَا القَوْل قاطعون بِأَن كَلَامه ﷺ كذب فِي قَوْله لَا يدخلهَا إِلَّا كَافِرًا وَاحْتج بَعضهم فِي هَذَا الْمَكَان بقول الأخطل النَّصْرَانِي لَعنه الله إِذْ يَقُول ... إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَإِنَّمَا
جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا ...
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجوابنا على هَذَا الِاحْتِجَاج أَن نقُول مَلْعُون مَلْعُون قَائِل هَذَا الْبَيْت وملعون مَلْعُون من جعل قَول هَذَا النَّصْرَانِي حجَّة فِي دين الله وَلَيْسَ هَذَا من بَاب اللُّغَة الَّتِي يحْتَج فِيهَا بالعربي وَإِن كَانَ كَافِرًا وَإِنَّمَا هِيَ قَضِيَّة عقلية فالعقل والحس يكذب بِأَن هَذَا الْبَيْت وَقَضِيَّة شَرْعِيَّة فَالله أصدق من النَّصْرَانِي اللعين إِذْ يَقُول ﴿يَقُولُونَ بأفواههم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم﴾ فقد أخبر بِأَن من النَّاس من يَقُول بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي فُؤَاده بِخِلَاف قَول الأخطل لَعنه الله أَن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَاللِّسَان دَلِيل على الْفُؤَاد فَأَما نَحن فنصدق الله ونكذب الأخطل وَلعن الله من يَجْعَل الأخطل حجَّة فِي دينه الله وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل فَإِن قَالُوا أَن الله قَالَ ﴿ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل﴾ قُلْنَا لَوْلَا أَن الله عرفه بهم وَلَده عَلَيْهِم بلحن القَوْل مَا كَانَ لحن قَوْلهم دَلِيلا عَلَيْهِم وَلم يُطلق الله تَعَالَى على هَذَا على كل أحد بل على أُولَئِكَ خَاصَّة بل قد نَص تَعَالَى على آخَرين بِخِلَاف ذَلِك إِذْ يَقُول ﴿وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ﴾ فَهَؤُلَاءِ من أهل الْمَدِينَة مُنَافِقُونَ مَرَدُوا على النِّفَاق لم يعلمهُمْ رَسُول الله ﷺ بلحن قَوْلهم وَلَو أَن النَّاس لم يضْربُوا قطّ كَلَام رَبهم تَعَالَى بعضه بِبَعْض وأخذوه كُله على مُقْتَضَاهُ لاهتدوا وَلَكِن من يهده الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشداً وَقد قَالَ ﴿إِن الَّذين ارْتَدُّوا على أدبارهم من بعد مَا تبين لَهُم الْهدى الشَّيْطَان سَوَّلَ لَهُم وأملي لَهُم ذَلِك بِأَنَّهُم قَالُوا للَّذين كَرهُوا مَا نزل الله سنطيعكم فِي بعض الْأَمر وَالله يعلم أسرارهم فَكيف إِذا توفتهم الْمَلَائِكَة يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم﴾ فجعلهم تَعَالَى مرتدين كفرا بعد علمهمْ الْحق وَبعد أَن تبين لَهُم الْهدى بقوله للْكفَّار مَا قَالُوا فَقَط وَأخْبرنَا تَعَالَى أَنه يعرف أسرارهم وَلم يقل تَعَالَى أَنَّهَا جحد أَو تَصْدِيق بل قد صَحَّ أَن فِي سرهم التَّصْدِيق لِأَن الْهدى قد تبين لَهُم وَمن تبين لَهُ شَيْء فَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يجحده بِقَلْبِه أصلا وَأخْبرنَا تَعَالَى أَنه قد أحبط أَعْمَالهم باتبَاعهمْ مَا أسخطه وكراهيتهم رضوانه وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون﴾
стр. 424
فَهَذَا نَص جلي وخطاب للْمُؤْمِنين بِأَن إِيمَانهم يبطل جملَة وأعمالهم تحبط بِرَفْع أَصْوَاتهم فَوق صَوت النَّبِي ﷺ دون جحد كَانَ مِنْهُم أصلا وَلَو كَانَ مِنْهُم جحدا لشعروا لَهُ وَالله تَعَالَى أخبرنَا بِأَن ذَلِك يكون وهم لَا يَشْعُرُونَ فصح أَن من أَعمال الْجَسَد مَا يكون كفرا مُبْطلًا لإيمان فَاعله جملَة وَمِنْه مَا لَا يكون كفرا لَكِن على مَا حكم الله تَعَالَى بِهِ فِي كل ذَلِك وَلَا مزِيد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالَ قَائِل من أَيْن قُلْتُمْ أَن التَّصْدِيق لَا يتفاضل وَنحن نجد خضرَة أَشد خضرَة وشجاعة أَشد من شجاعة لَا سِيمَا والشجاعة والتصديق كيفيات من صِفَات النَّفس مَعًا فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن كل مَا قبل من الكيفيات الأشد والأضعف فَإِنَّمَا يقبلهَا بمزاج يدْخلهُ من كَيْفيَّة أُخْرَى وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا فِيمَا بَينه وَبَين ضِدّه مِنْهَا وسائط قد تمازج كل وَاحِد من الضدين أَو فِيمَا جَازَ امتزاج الضدين فِيهِ كَمَا نجد بَين الخضرة وَالْبَيَاض وسائط من حمرَة وصفرة تمازجهما فتولد حِينَئِذٍ بالممازجة الشدَّة والضعف وكالصحة الَّتِي هِيَ اعْتِدَال مزاج الْعَفو فَإِذا مازج ذَلِك الِاعْتِدَال فضل مَا كَانَ مَرضه بِحَسب مَا مَا زجه فِي الشدَّة والضعف والشجاعة إِنَّمَا هِيَ استسهال النَّفس للثبات والإقدام عِنْد الْمُعَارضَة فِي اللِّقَاء فَإِذا ثَبت الِاثْنَان فإثباتاً وَاحِدًا وأقداما إقداماً مستوياً فهما فِي الشجَاعَة سَوَاء وَإِذا ثَبت أَحدهمَا أَو أقدم فَوق ثبات الآخر وإقدامه كَانَ أَشْجَع مِنْهُ وَكَانَ الآخر قد مازج ثباته أَو إقدامه جبن وَأما مَا كَانَ من الكيفيات لَا يقبل المزاج أصلا فَلَا سَبِيل إِلَى وجود التَّفَاضُل فِيهِ وَكَانَ ذَلِك على حسن مَا خلقه الله من كل ذَلِك وَلَا مزِيد كاللون فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى أَن يكون لون أَشد دُخُولا فِي أَنه لون من لون آخر إِذْ لَو مازج التَّصْدِيق غَيره لصار كذبا فِي الْوَقْت وَلَو مازج التَّصْدِيق شَيْئا غَيره لصار شكا فِي الْوَقْت وَبَطل التَّصْدِيق جملَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَالْإِيمَان قد قُلْنَا أَنه لَيْسَ هُوَ التَّصْدِيق وَحده بل أَشْيَاء مَعَ التَّصْدِيق كَثِيرَة فَإِنَّمَا دخل التَّفَاضُل فِي كَثْرَة تِلْكَ الْأَشْيَاء وقلتها وَفِي كَيْفيَّة إيرادها وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَكَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنه يخرج من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال شعيرَة من إِيمَان ثمَّ من فِي قلبه مِثْقَال برة من إِيمَان ثمَّ من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان إِلَى أدنى أدنى من ذَلِك إِنَّمَا أَرَادَ ﵇ من قصد إِلَى عمل شَيْء من الْخَيْر أَو هم بِهِ وَلم يعمله بعد أَن يكون مُصدقا بِقَلْبِه بِالْإِسْلَامِ مقرا بِلِسَانِهِ كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي قلبه مِثْقَال كَذَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن النُّصُوص على أَن الْأَعْمَال إِيمَان قَول الله تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجاً مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ فنص تَعَالَى نصا جلياً لَا يحْتَمل تَأْوِيلا وَأقسم تَعَالَى بِنَفسِهِ أَنه لَا يُؤمن أحد إِلَّا من حكم رَسُول الله ﷺ فِيمَا شجر بَينه وَبَين غَيره ثمَّ يسلم لما حكم بِهِ ﵇ وَلَا يجد فِي نَفسه حرجاً مِمَّا قضى وَهَذِه كلهَا أَعمال بِاللِّسَانِ وبالجوارح غير التَّصْدِيق بِلَا شكّ وَفِي هَذِه كِفَايَة لمن عقل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن الْعجب قَوْلهم أَن الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالزَّكَاة لَيست إِيمَانًا لَكِنَّهَا شرائع الْإِيمَان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه تَسْمِيَة لم يَأْذَن الله تَعَالَى بهَا وَلَا رَسُوله ﷺ وَلَا أحدا من
стр. 425
الصَّحَابَة ﵃ بل الْإِسْلَام هُوَ الْإِيمَان وَهُوَ الشَّرَائِع الشَّرَائِع هِيَ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَاخْتلف النَّاس فِي الْكفْر والشرك فَقَالَت طَائِفَة هِيَ اسمان واقعان على مَعْنيين وَإِن كل شرك كفر وَلَيْسَ كل كفر شركا وَقَالَ هَؤُلَاءِ لَا شرك إِلَّا قَول من جعل لله شَرِيكا قَالَ هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى كفَّارًا لَا مشركون وَسَائِر الْملَل كفار مشركون وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَغَيره وَقَالَ آخَرُونَ الْكفْر والشرك سَوَاء وكل كَافِر فَهُوَ مُشْرك وكل مُشْرك فَهُوَ كَافِر وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَغَيره
قَالَ أَبُو مُحَمَّد واحتجت الطَّائِفَة الأولى بقول الله عزو جلّ ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين منفكين﴾ قَالُوا فَفرق الله تَعَالَى بَين الْكفَّار وَالْمُشْرِكين وَقَالُوا لَفْظَة الشّرك مَأْخُوذَة من الشَّرِيك فَمن لم يَجْعَل لله شَرِيكا فَلَيْسَ شركا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه عُمْدَة حجتهم مَا نعلم لَهُم حجَّة غير هَاتين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما احتجاجهم بقول الله ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين﴾ فَلَو لم يَأْتِ فِي هَذَا الْمَعْنى غير هَذَا الْمَعْنى غير هَذِه الْآيَة لكَانَتْ حجتهم ظَاهِرَة لَكِن الَّذِي أنزل هَذِه الْآيَة هُوَ الْقَائِل ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم أَنهم قَالُوا أَن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَهَذَا كُله تشريك ظَاهر لإخفائه فَإذْ قد صَحَّ الشّرك والتشريك فِي الْقُرْآن من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فقد صَحَّ أَنهم مشركون وَأَن الشّرك وَالْكفْر اسمان لِمَعْنى وَاحِد وَقد قُلْنَا أَن التَّسْمِيَة لله لَا لنا فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فقد صَحَّ أَن قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين﴾ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الله جَامع الْمُنَافِقين والكافرين فِي جَهَنَّم جَمِيعًا﴾ وَلَا خلاف بَين أحد من أهل الْإِسْلَام فِي أَن الْمُنَافِقين كفار وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال فَإِن الله عَدو للْكَافِرِينَ﴾ وَلَا خلاف فِي أَن جِبْرِيل وَمِيكَائِيل من جملَة الْمَلَائِكَة وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ وَالرُّمَّان الرُّمَّان من الْفَاكِهَة وَالْقُرْآن نزل بلغَة الْعَرَب وَالْعرب تعيد الشَّيْء باسمه وَإِن كَانَت قد أجملت ذكره تَأْكِيدًا لأَمره فَبَطل تعلق من تعلق بتفريق الله تَعَالَى بَين الْكفَّار وَالْمُشْرِكين فِي اللَّفْظ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما احتجاجهم بِأَن لفظ الشّرك مَأْخُوذ من الشَّرِيك فقد قُلْنَا ان التَّسْمِيَة لله لَا لأحد دونه وَله تَعَالَى أَن يُوقع أَي أسم شَاءَ على أَي مُسَمّى شَاءَ برهَان ذَلِك إِن من أشرك بَين عبيدين لَهُ فِي عمل مَا أَو بَين اثْنَيْنِ فِي هبة وَهبهَا لَهما فَإِنَّهُ لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم مُشْرك وَلَا يحل أَن يُقَال أَن فلَانا أشرك وَلَا أَن عمله شرك فصح أَنَّهَا لَفْظَة منقولة أَيْضا عَن موضوعها فِي اللُّغَة كَمَا أَن الْكفْر لَفْظَة منقولة أَيْضا عَن موضوعها إِلَى مَا أوقعهَا الله تَعَالَى عَلَيْهِ والتعجب من أهل هَذِه الْمقَالة وَقَوْلهمْ أَن النَّصَارَى لَيْسُوا مُشْرِكين وشركهم أظهر وَأشهر من أَن يجهله أحد لأَنهم يَقُولُونَ كلهم بِعبَادة الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس وَأَن الْمَسِيح إِلَه حق ثمَّ يجْعَلُونَ البراهمة مُشْرِكين وهم لَا يقرونَ إِلَّا بِاللَّه وَحده وَلَقَد كَانَ يلْزم أهل هَذِه الْمقَالة أَن لَا يجْعَلُوا كَافِرًا إِلَّا من جحد الله تَعَالَى فَقَط فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ اتخذ الْيَهُود وَالنَّصَارَى
стр. 426
أَرْبَابًا من دون الله وهم يُنكرُونَ هَذَا وَقُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن التَّسْمِيَة لله فَلَمَّا كَانَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى يحرمُونَ مَا حرم أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ وَيحلونَ مَا أحلُّوا كَانَت هَذِه ربوبية صَحِيحَة وَعبادَة صَحِيحَة قد دانوا بهَا وسمى الله تَعَالَى هَذَا الْعَمَل اتِّخَاذ أَرْبَابًا من دون الله وَعبادَة وَهَذَا هُوَ الشّرك بِلَا خلاف كَمَا سمي كفرهم بِأَن رَسُول الله ﷺ نَبِي نَاسخ لما هم عَلَيْهِ كفر بِاللَّه وَأَن كَانُوا مُصدقين بِهِ تَعَالَى لَكِن لما أحبط الله تَعَالَى تصديقهم سقط حكمه جملَة فَإِن قَالُوا كَيفَ تَقولُونَ أَن الْكفَّار مصدقون بِاللَّه تَعَالَى وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ وَيَقُول تَعَالَى ﴿وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين فَنزل من حميم وتصلية جحيم﴾ قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد إِن كل من خرج إِلَى الْكفْر بِوَجْه من الْوُجُوه فَلَا بُد لَهُ من أَن يكون مُكَذبا بِشَيْء مِمَّا لَا يَصح الْإِسْلَام إِلَّا بِهِ أَو رد أمرا من أمرو الله لَا يَصح الْإِسْلَام إِلَّا بِهِ فَهُوَ مكذب بذلك الشَّيْء الَّذِي رده أَو كذب بِهِ وَلم يقل الله تَعَالَى الَّذِي كذب بِاللَّه لَكِن قَالَ كذب وَتَوَلَّى وَلَا قَالَ تَعَالَى وَأما من كَانَ من المكذبين بِاللَّه وَإِنَّمَا قَالَ من المكذبين الضَّالّين فَقَط فَمن كذب بِأَمْر من أُمُور الله لَا يَصح الْإِسْلَام إِلَّا بِهِ فَهُوَ مكذب على الْإِطْلَاق كَمَا سَمَّاهُ الله تَعَالَى وَإِن كَانَ مُصدقا بِاللَّه تَعَالَى وَبِمَا صدق بِهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالُوا كَيفَ تَقولُونَ أَن الْيَهُود عارفون بِاللَّه تَعَالَى وَالنَّصَارَى وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يحرمُونَ مَا حرم الله وَرَسُوله وَلَا يدينون دين الْحق من الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قد قُلْنَا أَن التَّسْمِيَة إِلَى الله لَا لأحد دونه وَقُلْنَا أَن اسْم الْإِيمَان مَنْقُول عَن مَوْضُوعه فِي اللُّغَة عَن التَّصْدِيق الْمُجَرّد إِلَى معنى آخر زَائِد مَعَ التَّصْدِيق فَلَمَّا لم يستوفوا تِلْكَ الْمعَانِي بَطل تصديقهم جملَة واستحقوا بِبُطْلَانِهِ أَن يسموا غير مُؤمنين وَبِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر فَإِن قيل فَهَل هم مصدقون بِاللَّه وباليوم الآخر قُلْنَا نعم فَإِن قيل ففيهم موحدون لله تَعَالَى قُلْنَا نعم فَإِن قيل فيهم مُؤمنُونَ بِاللَّه وبالرسول وباليوم الآخر قُلْنَا لَا لِأَن الله تَعَالَى نَص على كل مَا قُلْنَا فَأخْبر تَعَالَى أَنهم يعرفونه ويقرون بِهِ ويعرفون نبيه ﷺ وَأَنه نَبِي فأقررنا بذلك وَأسْقط تَعَالَى عَنْهُم اسْم الْإِيمَان فأسقطناه عَنْهُم وَمن تعدى هَذِه الطَّرِيقَة فقد كذب ربه تَعَالَى وَخَالف الْقُرْآن وعاند الرَّسُول وخرق إِجْمَاع أهل الْإِسْلَام وكابر حسه وعقله مَعَ ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَكَذَا نقُول فِيمَن كَانَ مُسلما ثمَّ أطلق واعتقد مَا يُوجب الْخُرُوج عَن الْإِسْلَام كالقول بنبوة إِنْسَان بعد النَّبِي ﷺ أَو تَحْلِيل الْخمر أَو غير ذَلِك فَإِنَّهُ مُصدق بِاللَّه وبرسوله ﷺ موحد عَالم بِكُل ذَلِك وَلَيْسَ مُؤمنا مُطلقًا وَلَا مُؤمنا بِاللَّه تَعَالَى وَلَا بالرسول ﷺ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر لما ذكرنَا آنِفا وَلَا فرق لإِجْمَاع الْأمة كلهَا على اسْتِحْقَاق اسْم الْكفْر على من ذكرنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَصلى الله على مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
الْكَلَام فِي تَسْمِيَة الْمُؤمن بِالْمُسلمِ وَالْمُسلم بِالْمُؤمنِ وَهل الْإِيمَان وَالْإِسْلَام اسمان لمسمى وَاحِد وَمعنى وَاحِد أَو لمسميين ومعنيين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب قوم إِلَى أَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان اسمان واقعان على مَعْنيين وَأَنه قد يكون مُسلم غير مُؤمن وَاحْتَجُّوا بقول الله ﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا وَلما يدْخل الْإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ﴾
стр. 427
وَبِالْحَدِيثِ الْمَأْثُور عَن رَسُول الله ﷺ إِذْ قَالَ لَهُ سعد هَل لَك يَا رَسُول الله فِي فلَان فَإِنَّهُ مُؤمن فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ أَو مُسلم وَبِالْحَدِيثِ الْمَأْثُور عَن رَسُول الله ﷺ إِذْ أَتَاهُ جِبْرِيل ﷺ فِي صُورَة فَتى غير مَعْرُوف الْعين فَسَأَلَهُ عَن الْإِسْلَام فَأَجَابَهُ بأَشْيَاء فِي جُمْلَتهَا إقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وأعمال أخر مَذْكُورَة فِي ذَلِك الحَدِيث وَسَأَلَهُ عَن الْإِيمَان فَأَجَابَهُ بأَشْيَاء من جُمْلَتهَا أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَبِحَدِيث لَا يَصح من أَن الْمَرْء يخرج عَن الْإِيمَان إِلَى الْإِسْلَام وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام لفظان مُتَرَادِفَانِ على معنى وَاحِد وَاحْتَجُّوا بقول الله ﴿فأخرجنا من كَانَ فِيهَا من الْمُؤمنِينَ فَمَا وجدنَا فِيهَا غير بَيت من الْمُسلمين﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالَّذِي نقُول بِهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الْإِيمَان أَصله فِي اللُّغَة التَّصْدِيق على الصّفة الَّتِي ذكرنَا قبل ثمَّ أوقعه الله فِي الشَّرِيعَة على جَمِيع الطَّاعَات وَاجْتنَاب الْمعاصِي إِذا قصد بِكُل ذَلِك من عمل أَو ترك وَجه الله وَأَن الْإِسْلَام أَصله فِي اللُّغَة التبرؤ تَقول أسلمت أَمر كَذَا إِلَى فلَان إِذا تبرأت مِنْهُ إِلَيْهِ فَسُمي الْمُسلم مُسلما لِأَنَّهُ تَبرأ من كل شَيْء إِلَى الله ثمَّ نقل الله تَعَالَى اسْم الْإِسْلَام أَيْضا إِلَى جَمِيع الطَّاعَات وَأَيْضًا فَإِن التبرؤ إِلَى الله من كل شَيْء هُوَ معنى التَّصْدِيق لِأَنَّهُ لَا يبرأ إِلَى الله تَعَالَى من كل شَيْء حَتَّى يصدق بِهِ فَإِذا أُرِيد بِالْإِسْلَامِ الْمَعْنى الَّذِي هُوَ خلاف الْكفْر وَخلاف الْفسق فَهُوَ وَالْإِيمَان شَيْء وَاحِد كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان﴾ وَقد يكون الْإِسْلَام أَيْضا بِمَعْنى الاستسلام أَي أَنه استسلم للملة خوف الْقَتْل وَهُوَ غير مُعْتَقد لَهَا فَإِذا أُرِيد بِالْإِسْلَامِ هَذَا الْمَعْنى فَهُوَ غير الْإِيمَان وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ الله تَعَالَى بقوله ﴿لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا وَلما يدْخل الْإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ﴾ وَبِهَذَا تتألف النُّصُوص الْمَذْكُورَة من الْقُرْآن وَالسّنَن وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مسلمة فَهَذَا هُوَ الْإِسْلَام الَّذِي هُوَ الْإِيمَان فصح أَن الْإِسْلَام لَفْظَة مُشْتَركَة كَمَا ذكرنَا وَمن الْبُرْهَان على أَنَّهَا لَفْظَة منقولة عَن موضعهَا فِي اللُّغَة أَن الْإِسْلَام فِي اللُّغَة هُوَ التبرؤ فَأَي شَيْء تَبرأ مِنْهُ الْمَرْء فقد أسلم من ذَلِك الشَّيْء وَهُوَ مُسلم كَمَا أَن من صدق بِشَيْء فقد آمن بِهِ وَهُوَ مُؤمن بِهِ وبيقين لَا شكّ فِيهِ يدْرِي كل وَاحِد أَن كل كَافِر على وَجه الأَرْض فَإِنَّهُ مُصدق بأَشْيَاء كَثِيرَة من أُمُور دُنْيَاهُ ومتبرىء من أَشْيَاء كَثِيرَة وَلَا يخْتَلف اثْنَيْنِ من أهل الْإِسْلَام فِي أَنه لَا يحل لأحد أَن يُطلق على الْكَافِر من أجل ذَلِك أَنه مُؤمن وَلَا أَنه مُسلم فصح يَقِينا أَن لَفْظَة الْإِسْلَام وَالْإِيمَان منقولة عَن موضوعها فِي اللُّغَة إِلَى معَان محدودة مَعْرُوفَة لم تعرفها الْعَرَب قطّ حَتَّى أنزل الله بهَا الْوَحْي على رَسُول الله ﷺ أَنه من أَتَى بهَا اسْتحق اسْم الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَسمي مُؤمنا مُسلما وَمن يَأْتِ بهَا لم يسم مُؤمنا وَلَا مُسلما وَإِن صدق بِكُل شَيْء غَيرهَا أَو تَبرأ من كل شَيْء حاشى مَا أوجبت الشَّرِيعَة التبرأ مِنْهُ وَكَذَلِكَ الْكفْر والشرك لفظتان منقولتان عَن موضوعهما فِي اللُّغَة لِأَن الْكفْر فِي اللُّغَة التغطية والشرك أَن تشرك شَيْئا مَعَ آخر فِي أَي معنى
стр. 428
جمع بَينهمَا وَلَا خلاف بَين أحد من أهل التَّمْيِيز فِي أَن كل مُؤمن فِي الأَرْض فِي أَنه يُغطي أَشْيَاء كَثِيرَة وَلَا خلاف بَين أحد من أهل الْإِسْلَام فِي أَنه لَا يجوز أَن يُطلق عَلَيْهِ من أجل ذَلِك الْكفْر وَلَا الشّرك وَلَا أَن يُسمى كَافِرًا وَلَا مُشْركًا وَصَحَّ يَقِينا أَن الله تَعَالَى نقل اسْم الْكفْر والشرك إِلَى إِنْكَار أَشْيَاء لم تعرفها الْعَرَب وَإِلَى أَعمال لم تعرفها الْعَرَب قطّ كمن جحد الصَّلَاة أَو صَوْم رَمَضَان أَو غير ذَلِك من الشَّرَائِع الَّتِي لم تعرفها الْعَرَب قطّ حَتَّى أنزل الله تَعَالَى بهَا وحيه أَو كمن عبد وثناً فَمن أَتَى بِشَيْء من تِلْكَ الْأَشْيَاء سمي كَافِرًا أَو مُشْركًا وَمن لم يَأْتِ بِشَيْء من تِلْكَ الْأَشْيَاء لم يسم كَافِرًا وَلَا مُشْركًا وَمن خَالف هَذَا فقد كَابر الْحس وَجحد العيان وَخَالف الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَالْقُرْآن وَالسّنَن وَإِجْمَاع الْمُسلمين وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَاخْتلف النَّاس فِي قَول الْمُسلم أَنا مُؤمن فروينا عَن ابْن مَسْعُود وَجَمَاعَة من أَصْحَابه الأفاضل وَمن بعده من الْفُقَهَاء أَنه كره ذَلِك وَكَانَ يَقُول أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله وَقَالَ بَعضهم آمَنت بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَكَانُوا يَقُولُونَ من قَالَ أَنا مُؤمن فَلْيقل إِنَّه من أهل الْجنَّة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذَا ابْن مَسْعُود وَأَصْحَابه حجج فِي اللُّغَة فَأَيْنَ جهال المرجئة المموهون فِي نصر بدعتهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْقَوْل عندنَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِن هَذِه صفة يعلمهَا الْمَرْء من نَفسه فَإِن كَانَ يدْرِي أَنه مُصدق بِاللَّه وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ وَبِكُل مَا أَتَى بِهِ ﵇ وَأَنه يقر بِلِسَانِهِ بِكُل ذَلِك فَوَاجِب عَلَيْهِ أَن يعْتَرف بذلك كَمَا أَمر تَعَالَى إِذْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث﴾ وَلَا نعْمَة أوكد وَلَا أفضل وَلَا أولى بالشكر من نعْمَة الْإِسْلَام فَوَاجِب عَلَيْهِ أَن يَقُول أَنا مُؤمن مُسلم قطعا عِنْد الله تَعَالَى فِي وقتي هَذَا وَلَا فرق بَين قَوْله أَنا مُؤمن مُسلم وَبَين قَوْله أَنا أسود أَو أَنا أَبيض وَهَكَذَا سَائِر صِفَاته الَّتِي لَا يشك فِيهَا وَلَيْسَ هَذَا من بَاب الامتداح وَالْعجب فِي شَيْء لِأَنَّهُ فرض عَلَيْهِ أَن يحقن دَمه بِشَهَادَة التَّوْحِيد قَالَ تَعَالَى ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ من رَبهم لَا نفرق بَين أحد مِنْهُم وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ وَقَول ابْن مَسْعُود عندنَا صَحِيح لِأَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان اسمان منقولان عَن موضوعهما فِي اللُّغَة إِلَى جَمِيع الْبر والطاعات فَإِنَّمَا منع ابْن مَسْعُود من القَوْل بِأَنَّهُ مُسلم مُؤمن على معنى أَنه مستوف لجَمِيع الطَّاعَات وَهَذَا صَحِيح وَمن ادّعى لنَفسِهِ هَذَا فقد كذب بِلَا شكّ وَمَا منع ﵁ من أَن يَقُول الْمَرْء أَنِّي مُؤمن بِمَعْنى مُصدق كَيفَ وَهُوَ يَقُول قل آمَنت بِاللَّه وَرُسُله أَي صدقت وَأما من قَالَ فَقل أَنَّك فِي الْجنَّة فَالْجَوَاب أننا نقُول إِن متْنا على مَا نَحن عَلَيْهِ الْآن فَلَا بُد لنا من الْجنَّة بِلَا شكّ وبرهان ذَلِك أَنه قد صَحَّ من نُصُوص الْقُرْآن وَالسّنَن وَالْإِجْمَاع أَن من آمن بِاللَّه وَرَسُوله ﷺ وَبِكُل مَا جَاءَ بِهِ أَو لم يَأْتِ بِمَا هُوَ كفر فَإِنَّهُ فِي الْجنَّة إِلَّا أننا لَا نَدْرِي مَا يفعل بِنَا فِي الدُّنْيَا وَلَا نَأْمَن مكر الله تَعَالَى وَلَا إضلاله وَلَا كيد الشَّيْطَان وَلَا نَدْرِي مَاذَا نكسب غَدا ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلف النَّاس فِي تَسْمِيَة المذنب من أهل ملتنا فَقَالَت المرجئة هُوَ مُؤمن كَامِل الْإِيمَان وَإِن لم يعْمل خيرا قطّ وَلَا كف عَن شَرّ قطّ وَقَالَ بكر بن أُخْت
стр. 429
عبد الْوَاحِد بن زيد هُوَ كَافِر مُشْرك كعابد الوثن بِأَيّ ذَنْب كَانَ مِنْهُ صَغِيرا أَو كَبِيرا وَلَو فعله على سَبِيل المزاح وَقَالَت الصغرية إِن كَانَ الذَّنب من الْكَبَائِر فَهُوَ مُشْرك كعابد الوثن وَإِن كَانَ الذَّنب صَغِيرا فَلَيْسَ كَافِرًا وَقَالَت الأباضية إِن كَانَ الذَّنب من الْكَبَائِر فَهُوَ كَافِر نعْمَة تحل موارثته ومناكحته وَأكل ذَبِيحَته وَلَيْسَ مُؤمنا وَلَا كَافِرًا على الْإِطْلَاق وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة ﵄ أَن صَاحب الْكَبِير مُنَافِق وَقَالَت الْمُعْتَزلَة إِن كَانَ الذَّنب من الْكَبَائِر فَهُوَ فَاسق لَيْسَ مُؤمنا وَلَا كَافِرًا وَلَا منافقاً وأجازوا مناكحته وموارثته وَأكل ذَبِيحَته قَالُوا وَإِن كَانَ من الصَّغَائِر فَهُوَ مُؤمن لَا شَيْء عَلَيْهِ فِيهَا وهب أهل السّنة من أَصْحَاب الحَدِيث وَالْفُقَهَاء إِلَى أَنه مُؤمن فَاسق نَاقص الْإِيمَان وَقَالُوا الْإِيمَان اسْم معتقده وَإِقْرَاره وَعلمه الصَّالح وَالْفِسْق اسْم عمله السيء إِلَّا أَن بَين السّلف مِنْهُم وَالْخلف اخْتِلَافا فِي تَارِك الصَّلَاة عمدا حَتَّى يخرج وَقتهَا وتارك الصَّوْم لَو مضى كَذَلِك وتارك الزَّكَاة وتارك الْحَج كَذَلِك وَفِي قَاتل الْمُسلم عمدا وَفِي شَارِب الْخمر وفيمن سبّ نَبيا من الْأَنْبِيَاء ﵈ وفيمن رد حَدِيثا قد صَحَّ عِنْده عَن النَّبِي ﷺ فروينا عَن عمر بن الْخطاب ﵁ ومعاذ بن جبل وَابْن مَسْعُود وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃ وَعَن ابْن الْمُبَارك وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق ابْن رَاهْوَيْةِ رَحْمَة الله عَلَيْهِم وَعَن تَمام سَبْعَة عشر رجلا من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ أَن من ترك صَلَاة فرض عَامِدًا ذَاكِرًا حَتَّى يخرج وَقتهَا فَإِنَّهُ كَافِر مُرْتَد وَبِهَذَا يَقُول عبد الله بن الْمَاجشون صَاحب مَالك وَبِه يَقُول عبد الْملك بن حبيب الأندلسي وَغَيره وروينا عَن عمر ﵁ مثل ذَلِك فِي تَارِك الْحَج وَعَن ابْن عَبَّاس وَغير مثل ذَلِك فِي تَارِك الزَّكَاة وَالصِّيَام وَفِي قَاتل الْمُسلم عمدا وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فِي شَارِب الْخمر وَعَن اسحق بن رَاهْوَيْةِ أَن من رد صَحِيحا عِنْده عَن النَّبِي ﷺ فقد كفر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَاحْتج من كفر من المذنبين بقول الله ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فأنذرتكم نَارا تلظى لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ فصح أَن من لم يكذب وَلَا تولى أَلا يصلاها قَالُوا وَوجدنَا هَؤُلَاءِ كلهم لم يكذبوا وَلَا توَلّوا بل هم مصدقون معترفون بِالْإِيمَان فصح أَنهم لَا يصلونها وَأَن المُرَاد بالوعيد الْمَذْكُور فِي الْآيَات المنصوصة إِنَّمَا هُوَ فعل تِلْكَ الأفاعيل من الْكفَّار خَاصَّة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَاحْتج أَيْضا من كفر من ذكرنَا بِأَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر وَلَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن وَلَا ينهب نهبة ذَات شَرّ حِين ينهبها وَهُوَ مُؤمن وَترك الصَّلَاة شرك وَإِن كفرا بكم أَن ترغبوا عَن آبائكم وَمثل هَذَا كثير
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمَا نعلم لمن قَالَ وَهُوَ مُنَافِق حجَّة أصلا وَلَا لمن قَالَ أَنه كَافِر نعْمَة إِلَّا أَنهم نزعوا بقول الله ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين بدلُوا نعْمَة الله كفرا وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار جَهَنَّم يصلونها وَبئسَ الْقَرار﴾
стр. 430
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن كفر النِّعْمَة عمل يَقع من الْمُؤمن وَالْكَافِر وَلَيْسَ هُوَ مِلَّة وَلَا اسْم دين فَمن ادّعى اسْم دين وملة غير الْإِيمَان الْمُطلق وَالْكفْر الْمُطلق فقد أَتَى بِمَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَأما من قَالَ هُوَ فَاسق لَا مُؤمن وَلَا كَافِر فَمَا لَهُم حجَّة أصلا إِلَّا أَنهم قَالُوا قد صَحَّ الْإِجْمَاع على انه فَاسق لِأَن الْخَوَارِج قَالُوا هُوَ كَافِر فَاسق وَقَالَ غَيرهم هُوَ مُؤمن فَاسق فاتفقوا على الْفسق فَوَجَبَ القَوْل بذلك وَلم يتفقوا على إيمَانه وَلَا على كفره فَلم يجز القَوْل بذلك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا خلاف لإِجْمَاع من ذكر لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُم أحد جعل الْفسق اسْم دينه وَإِنَّمَا سموا بذلك عمله وَالْإِجْمَاع والنصوص قد صَحَّ كل ذَلِك على أَنه لَا دين إِلَّا الْإِسْلَام أَو الْكفْر من خرج من أَحدهمَا دخل فِي الآخر وَلَا بُد إِذْ لَيْسَ بَينهمَا وسيطة وَكَذَلِكَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر وَلَا الْكَافِر الْمُسلم وَهَذَا حَدِيث قد أطبق جَمِيع الْفرق المنتمية إِلَى الْإِسْلَام على صِحَّته وعَلى القَوْل بِهِ فَلم يَجْعَل ﵇ دينا غير الْكفْر وَالْإِسْلَام وَلم يَجْعَل هَاهُنَا دينا ثَالِثا اصلا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد واحتجت الْمُعْتَزلَة أَيْضا بِأَن قَالَت الله تَعَالَى ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤمنا كمن كَانَ فَاسِقًا لَا يستوون﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿أفنجعل الْمُسلمين كالمجرمين مَا لكم كَيفَ تحكمون﴾ فصح أَن هَؤُلَاءِ الَّذين سماهم الله تَعَالَى مجرمين وفساقاً وأخرجهم عَن الْمُؤمنِينَ نصا فَإِنَّهُم لَيْسُوا على دين الْإِسْلَام وَإِذا لم يَكُونُوا على دين الْإِسْلَام فهم كفار بِلَا شكّ إِذْ لَا دين هَا هُنَا غَيرهمَا أصلا برهَان هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿فأنذرتكم نَارا تلظى لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ وَقد علمنَا ضَرُورَة أَنه لَا دَار إِلَّا الْجنَّة أَو النَّار وَأَن الْجنَّة لَا يدخلهَا إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ الْمُسلمُونَ فَقَط وَنَصّ الله تَعَالَى على أَن النَّار لَا يدخلهَا إِلَّا المكذب الْمُتَوَلِي وَالْمُتوَلِّيّ المكذب كَافِر بِلَا خلاف فَلَا يخلد فِي النَّار إِلَّا كَافِر وَلَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن فصح أَنه لَا دين إِلَّا الْإِيمَان وَالْكفْر فَقَط وَإِذ ذَلِك كَذَلِك فَهَؤُلَاءِ الَّذين سماهم الله مجرمين وفاسقين وأخرجهم عَن الْمُؤمنِينَ فهم كفار مشركون لَا يجوز غير ذَلِك وَقَالَ الْمُؤمن مَحْمُود محسن ولي الله والمذنب مَذْمُوم مسيء عَدو لله قَالُوا وَمن الْمحَال أَن يكون إِنْسَان وَاحِد مَحْمُودًا مذموماً محسناً مسيئاً عدوا لله وليا لَهُ مَعًا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا الَّذِي أنكروه لَا نكرَة فِيهِ بل هُوَ أَمر مَوْجُود مشَاهد فَمن أحسن من وَجه وأساء من وَجه آخر كمن صلى ثمَّ زنى فَهُوَ محسن مَحْمُود ولي الله فِيمَا أحسن فِيهِ من صَلَاة وَهُوَ مسيء مَذْمُوم عَدو لله فِيمَا أَسَاءَ فِيهِ من الزِّنَا قَالَ ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا﴾ فبالضرورة نَدْرِي أَن الْعَمَل الَّذِي شهد الله أَنه سيء فَإِن عَامله فِيهِ مَذْمُوم مسيء عَاص لله تَعَالَى ثمَّ يُقَال لَهُم مَا تَقولُونَ إِن عارضتكم المرجئة بكلامكم نَفسه فَقَالُوا من الْمحَال أَن يكون إِنْسَان وَاحِد مَحْمُودًا مذموماً محسناً مسيئا عَدو لله وليا لَهُ مَعًا ثمَّ أَرَادوا تَغْلِيب الْحَمد وَالْإِحْسَان وَالْولَايَة وَإِسْقَاط الذَّم والإساءة والعداوة كَمَا أردتم أَنْتُم بِهَذِهِ الْقَضِيَّة نَفسهَا تَغْلِيب الذَّم والإساءة والعداوة وَإِسْقَاط الْحَمد وَالْإِحْسَان وَالْولَايَة بِمَا ينفصلون عَنْهُم فَإِن قَالَت الْمُعْتَزلَة أَن الشَّرْط فِي حَمده وإحسانه وولايته أَن تجتنب الْكَبَائِر قُلْنَا لَهُم فَإِن عارضتكم المرجئة فَقَالَت أَن الشَّرْط فِي ذمه وإساءته ولعنه وعداوته ترك شَهَادَة التَّوْحِيد فَإِن قَالَت الْمُعْتَزلَة
стр. 431
أَن الله قد ذمّ الْمعاصِي وتوعد عَلَيْهَا قيل لَهُم فَإِن المرجئة تَقول لكم أَن الله تَعَالَى قد حمد الْحَسَنَات ووعد عَلَيْهَا وَأَرَادَ بذلك تَغْلِيب الْحَمد كَمَا أردتم تَغْلِيب الذَّم فَإِن ذكرْتُمْ آيَات الْوَعيد ذكرُوا آيَات الرَّحْمَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا مَا لَا مخلص للمعتزلة مِنْهُ وَلَا للمرجئة أَيْضا فوضح بِهَذَا أَن كلا الطَّائِفَتَيْنِ مخطئة وَأَن الْحق هُوَ جمع كل مَا تعلّقت بِهِ كلتا الطَّائِفَتَيْنِ من النُّصُوص الَّتِي فِي الْقُرْآن وَالسّنَن وَيَكْفِي من هَذَا كُله قَول الله ﴿إِنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿الْيَوْم تجزى كل نفس بِمَا كسبت﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة فَلَا تظلم نفس شَيْئا وَإِن كَانَ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل أَتَيْنَا بهَا وَكفى بِنَا حاسبين﴾ فصح بِهَذَا كُله أَنه لَا يُخرجهُ عَن اسْم الْإِيمَان إِلَّا الْكفْر وَلَا يُخرجهُ عَن اسْم الْكفْر إِلَّا الْإِيمَان وَأَن الْأَعْمَال حسنها حسن إِيمَان وقبيحها قَبِيح لَيْسَ إِيمَانًا والموازنة تقضي على كل ذَلِك وَلَا يحبط الْأَعْمَال إِلَّا الشّرك قَالَ تَعَالَى ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ وَقَالُوا إِذا أقررتم أَن أَعمال الْبر كلهَا إِيمَانًا وَأَن الْمعاصِي لَيست أيماناً فَهُوَ عنْدكُمْ مُؤمن غير مُؤمن قُلْنَا نعم وَلَا نكرَة فِي ذَلِك وَهُوَ مُؤمن بِالْعَمَلِ الصَّالح غير مُؤمن بِالْعَمَلِ السيء كَمَا نقُول محسن بِمَا أحسن فِيهِ مسيء غير محسن مَعًا بِمَا أَسَاءَ فِيهِ وَلَيْسَ وَلَيْسَ الْإِيمَان عندنَا التَّصْدِيق وَحده فيلزمنا التَّنَاقُض وَهَذَا هُوَ معنى قَول النَّبِي ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن أَي لَيْسَ مُطيعًا فِي زِنَاهُ ذَلِك وَهُوَ مُؤمن بِسَائِر حَسَنَاته وَاحْتَجُّوا بقول الله تَعَالَى ﴿كَذَلِك حقت كلمة رَبك على الَّذين فسقوا أَنهم لَا يُؤمنُونَ﴾ فَفرق تَعَالَى بَين الْفسق وَالْإِيمَان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد نعم وَقد أوضحنا أَن الْإِيمَان هُوَ كل عمل صَالح فبيقين نَدْرِي أَن الْفسق لَيْسَ إِيمَانًا فَمن فسق فَلم يُؤمن بذلك الْعَمَل الَّذِي هُوَ الْفسق وَلم يقل إِنَّه لَا يُؤمن فِي شَيْء من سَائِر أَعماله وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم﴾ فهولاء قدشهد الله تَعَالَى لَهُم بِالْإِيمَان فَإِذا وَقع مِنْهُم فسق لَيْسَ إِيمَانًا فَمن الْمحَال أَن يبطل فسقه إيمَانه فِي سَائِر أَعماله وَأَن يبطل إيمَانه فِي سَائِر الْأَعْمَال فسقه بل شَهَادَة الله تَعَالَى لَهُ بِالْإِيمَان فِي جهاده حق وَبِأَنَّهُ لم يُؤمن فِي فسقه حق أَيْضا فَإِن الله قَالَ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ فَيلْزم الْمُعْتَزلَة أَن يصرحوا بِكفْر كل عَاص وظالم وفاسق لِأَن كل عَامل بالمعصية فَلم يحكم بِمَا أنزل الله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما نَحن فَنَقُول إِن كل من كفر فَهُوَ فَاسق ظَالِم عَاص وَلَيْسَ كل فَاسق ظَالِم عَاص كَافِرًا بل يكون مُؤمنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى الوفيق وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة للنَّاس على ظلمهم﴾ فبعض الظُّلم مغْفُور بِنَصّ الْقُرْآن
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالُوا قد وَجب لعن الْفُسَّاق والظالمين وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ وَالْمُؤمن يجب ولَايَته وَالدُّعَاء لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَقد لعن رَسُول الله ﷺ السَّارِق وَمن
стр. 432
لعن أَبَاهُ وَمن غير منار الأَرْض فيلزمكم أَن تدعوا على الْمَرْء الْوَاحِد باللعنة وَالْمَغْفِرَة مَعًا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَنَقُول أَن الْمُؤمن الْفَاسِق يتَوَلَّى دينه وملته وعقده وَإِقْرَاره ويتبرأ من عمله الَّذِي هُوَ الْفسق وَالْبَلَاء وَالْولَايَة لَيست من عين الْإِنْسَان مُجَرّدَة فَقَط وَإِنَّمَا هِيَ لَهُ أَو مِنْهُ بِعَمَلِهِ الصَّالح أَو الْفَاسِد فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فبيقين نَدْرِي أَن المحسن فِي بعض أَفعاله من الْمُؤمنِينَ نتولاه من أجل مَا أحسن فِيهِ ونبرأ من عمله السيء فَقَط وَأما الله تَعَالَى فَإِنَّهُ يتَوَلَّى عمله الصَّالح عِنْده ويعادي علمه الْفَاسِد وَأما الدُّعَاء باللعنة وَالرَّحْمَة مَعًا فلسنا ننكره بل هُوَ معنى صَحِيح وَمَا جَاءَ عَن الله تَعَالَى قطّ وَلَا عَن رَسُول الله ﷺ نهي أَن يلعن العَاصِي على مَعْصِيَته ويترحم عَلَيْهِ لإحسانه وَلَو أَن امْرأ زنى أَو سرق وَحَال الْحول على مَاله وجاهد لوَجَبَ أَن يحد للزِّنَا وَالسَّرِقَة وَلَو لعن لأحسن لَا عَنهُ وَيُعْطِي نصِيبه من الْمغنم ونقبض زَكَاة مَاله وَنُصَلِّي عَلَيْهِ عِنْد ذَلِك لقَوْل الله ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم﴾ وبيقين نَدْرِي أَنه قد كَانَ فِي أُولَئِكَ الَّذين كَانَ ﵇ يقبض صَدَقَاتهمْ وَيُصلي عَلَيْهِم مذنبون عصاة لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يَخْلُو جَمِيع جَزِيرَة الْعَرَب من عَاص وَكَذَلِكَ كل من مَاتَ فِي عصره ﵇ وَصلى عَلَيْهِ هُوَ ﵇ والمسلمون مَعَه وَبعده فبيقين نَدْرِي أَنه قد كَانَ فيهم مذنب بِلَا شكّ وَإِذا صلى عَلَيْهِ ودعا لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَإِن ذكر عمله الْقَبِيح وَلعن وذم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونعكس عَلَيْهِم هَذَا السُّؤَال نَفسه فِي أَصْحَاب الصَّغَائِر الَّذين يُوقع عَلَيْهِم الْمُعْتَزلَة اسْم الْإِيمَان فَهَذِهِ السؤالات كلهَا لَازِمَة لَهُم إِذْ الصَّغَائِر ذنُوب ومعاص بِلَا شكّ إِلَّا أننا لَا نوقع عَلَيْهَا اسْم فسق وَلَا ظلم إِذا انْفَرَدت عَن الْكَبَائِر لِأَن الله تَعَالَى ضمن غفرانها لمن اجْتنب الْكَبَائِر وَمن غفر لَهُ ذَنبه فَمن الْمحَال أَن يُوقع عَلَيْهِ اسْم فَاسق أَو اسْم ظَالِم لِأَن هذَيْن اسمان يسقطان قبُول الشَّهَادَة مجتنب الْكَبَائِر وَإِن تستر بالصغاير فشهادته مَقْبُولَة لِأَنَّهُ لَا ذَنْب لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلنَا على الْمُعْتَزلَة الزامات أَيْضا تعمهم والخوارج المكفرة ننبه عَلَيْهَا عِنْد نقضنا أَقْوَال المكفرة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبِه نتأيد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال لمن قَالَ إِن صَاحب الْكَبِيرَة كَافِر قَالَ الله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى الْحر بِالْحرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمن عُفيَ لَهُ من أَخِيه شَيْء فأتباع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان ذَلِك تَخْفيف من ربكُم وَرَحْمَة فَمن اعْتدى بعد ذَلِك فَلهُ عَذَاب أَلِيم﴾ فابتدأ الله بخطاب أهل الْإِيمَان من كَانَ فيهم من قَاتل أَو مقتول وَنَصّ تَعَالَى على أَن الْقَاتِل عمدا وَولي الْمَقْتُول أَخَوان وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أخوة﴾ فصح أَن الْقَاتِل عمدا مُؤمن بِنَصّ الْقُرْآن وَحكمه لَهُ بأخوة الْإِيمَان وَلَا يكون للْكَافِرِ مَعَ الْمُؤمن بِتِلْكَ الْأُخوة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله فَإِن فاءت فأصلحوا بَينهمَا بِالْعَدْلِ وأقسطوا إِن الله يحب المقسطين إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أخوة فأصلحوا بَين أخويكم وَاتَّقوا الله﴾ فَهَذِهِ الْآيَة رَافِعَة للشَّكّ جملَة فِي قَوْله تَعَالَى إِن الطَّائِفَة الباغية على الطَّائِفَة الْأُخْرَى من الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُور سَائِر الْمُؤمنِينَ بقتالها حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله تَعَالَى أخوة للْمُؤْمِنين المقاتلين
стр. 433
وَهَذَا أَمر لَا يضل عَنهُ إِلَّا ضال وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ حجَّة قَاطِعَة أَيْضا على الْمُعْتَزلَة أَيْضا المسقطة اسْم الْإِيمَان عَن الْقَاتِل وعَلى كل من أسقط عَن صَاحب الْكَبَائِر اسْم الْإِيمَان وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول أَنه تَعَالَى إِنَّمَا جعلهم إِخْوَاننَا إِذا تَابُوا لِأَن نَص الْآيَة أَنهم إخْوَان فِي حَال الْبَغي وَقبل الفئة إِلَى الْحق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ بَعضهم أَن هَذَا الاقتتال إِنَّمَا هُوَ التضارب
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا خطأ فَاحش لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه دَعْوَى بِلَا برهَان وَتَخْصِيص الْآيَة بِلَا دَلِيل وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل بِلَا شكّ وَالثَّانِي أَن ضرب الْمُسلم للْمُسلمِ ظلما وبغياً فسق ومعصية وَوجه ثَالِث وَهُوَ أَن الله تَعَالَى لَو لم يرد الْقِتَال الْمَعْهُود لما أمرنَا بِقِتَال من لَا يزِيد على الملاطمة وَقد عَم تَعَالَى فِيهَا باسم الْبَغي بِكُل بغي فَهُوَ دَاخل تَحت هَذَا الحكم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد ذكرُوا قَول الله ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا إِلَّا خطأ﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ الْآيَة بظاهرها دون تَأْوِيل حجَّة لنا عَلَيْهِم لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَن الْقَاتِل الْعَامِد لَيْسَ مُؤمنا وَإِنَّمَا فِيهَا نهي الْمُؤمن عَن قتل الْمُؤمن عمدا فَقَط لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا﴾ وَهَكَذَا نقُول لَيْسَ لِلْمُؤمنِ من قتل الْمُؤمن عمدا ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا خطأ﴾ فاستثنى الْخَطَأ فِي الْقَتْل من جملَة مَا حرم من قتل الْمُؤمن لِلْمُؤمنِ لِأَنَّهُ لَا يجوز النَّهْي عَمَّا لَا يُمكن الِانْتِهَاء عَنهُ وَلَا يقدر عَلَيْهِ لِأَن الله تَعَالَى أمننا من أَن يكلفنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ وكل فعل خطأ فَلم ننه عَنهُ بل قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ﴾ فَبَطل تعلقهم بِهَذِهِ الْآيَة وَكَذَلِكَ قَول رَسُول الله ﷺ لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض فَهُوَ أَيْضا على ظَاهره وَإِنَّمَا فِي هَذَا اللَّفْظ النَّهْي عَن أَن يرتدوا بعده إِلَى الْكفْر فيقتتلوا فِي ذَلِك فَقَط وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظ أَن الْقَاتِل كَافِر وَلَا فِيهِ أَيْضا النَّهْي عَن الْقَتْل الْمُجَرّد أصلا وَإِنَّمَا نهى عَنهُ فِي نُصُوص أخر من الْقُرْآن وَالسّنَن كَمَا لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظ أَيْضا نهي عَن الزِّنَا وَلَا عَن السّرقَة وَلَيْسَ فِي كل حَدِيث حكم كل شَرِيعَة فَبَطل تعلقهم بِهَذَا الْخَبَر وَكَذَلِكَ قَوْله ﵇ سباب الْمُؤمن فسوق وقتاله كفر فَهُوَ أَيْضا على عُمُومه لِأَن قَوْله ﵇ الْمُسلم هَاهُنَا عُمُوم للْجِنْس وَلَا خلاف فِي أَن من نابذ جَمِيع الْمُسلمين وَقَاتلهمْ لإسلامهم فَهُوَ كَافِر برهَان هَذَا هُوَ مَا ذكرنَا من قبل من نَص الْقُرْآن فِي أَن الْقَاتِل عمدا والمقاتل مُؤْمِنَانِ وَكَلَامه ﵇ لَا يتعارض وَلَا يخْتَلف وَكَذَلِكَ قَوْله ﵇ لَا ترغبوا عَن آبائكم فَإِنَّهُ كفر لكم أَن ترغبوا عَن آبائكم فَإِنَّهُ ﵇ لم يقل كفر مِنْكُم وَلم يقل أَنه كفر بِاللَّه تَعَالَى نعم وَنحن نقر أَن من رغب عَن أَبِيه فقد كفر بِأَبِيهِ وجحده وَيُقَال لمن قَالَ أَن صَاحب الْكَبِير لَيْسَ مُؤمنا وَلكنه كَافِر أَو فَاسق ألم يقل الله ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يؤمنَّ وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة وَلَو أَعجبتكُم وَلَا تنْكِحُوا الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك وَلَو أعجبكم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الْيَوْم أحل لكم الطَّيِّبَات وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم وطعامكم حل لَهُم وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ محصنين غير مسافحين﴾
стр. 434
وَفِي سُورَة النِّسَاء محصنات غير مصافحات فَهَذِهِ آيَات فِي غَايَة الْبَيَان فِي أَنه لَيْسَ فِي الأَرْض إِلَّا مُؤمن أَو كَافِر أَو مُؤمنَة أَو كَافِرَة وَلَا يُوجد دين ثَالِث وَأَن المؤمنة حَلَال نِكَاحهَا لِلْمُؤمنِ وَحرَام نِكَاحهَا على الْكَافِر وَأَن الْكِتَابِيَّة حَلَال لِلْمُؤمنِ بالزواج وللكافر فخبرونا إِذا زنت الْمَرْأَة وَهِي غير مُحصنَة أَو وَهِي مُحصنَة أَو إِذا سرقت أَو شربت الْخمر أَو قذفت أَو أكلت مَال يَتِيم أَو تَعَمّدت ترك الْغسْل حَتَّى خُرُوج وَقت الصَّلَاة وَهِي عَالِمَة بذلك أَو لم تخرج زَكَاة مَالهَا فَكَانَت عنْدكُمْ بذلك كَافِرَة أَو بريئة من الْإِسْلَام خَارِجَة عَن الْإِيمَان وخارجة من جملَة الْمُؤمنِينَ أَيحلُّ لِلْمُؤمنِ الْفَاضِل ابْتِدَاء نِكَاحهَا والبقاء مَعهَا على الزَّوْجِيَّة إِن كَانَ قد تزَوجهَا قبل ذَلِك أَو يحرم على أَبِيهَا الْفَاضِل أَو أَخِيهَا الْبر أَن يَكُونَا لَهَا وليين فِي تَزْوِيجهَا وأخبرونا إِذا زنى الرجل أَو سرق أَو قذف أَو أكل مَال يَتِيم أَو فر من الزَّحْف أَو سحر أَو ترك صَلَاة عمدا حَتَّى خرج وَقتهَا أَو لم يخرج زَكَاة مَاله فَصَارَ بذلك عنْدكُمْ كَافِرًا أَو بَرِيئًا من الْإِسْلَام وَخرج عَن الْإِيمَان وَعَن جملَة الْمُؤمنِينَ أيحرم عَلَيْهِ ابْتِدَاء نِكَاح امْرَأَة مُؤمنَة أَو وَطْؤُهَا بِملك الْيَمين أَو تحرم عَلَيْهِ امْرَأَته المؤمنة الَّتِي فِي عصمته فينفسخ نِكَاحهَا مِنْهُ أَو يحرم عَلَيْهِ أَن يكون وليا لابنته المؤمنة أَو أُخْته المؤمنة فِي تَزْوِيجهَا وَهل يحرم على الَّتِي ذكرنَا وَالرجل الَّذِي ذكرنَا مِيرَاث وليهما الْمُؤمن أَو يحرم على وليهما الْمُؤمن ميراثهما أَو يحرم أكل ذَبِيحَته لِأَنَّهُ قد فَارق الْإِسْلَام فِي زعمكم وَخرج عَن جملَة الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُم كلهم لَا يَقُولُونَ بِشَيْء من هَذَا فَمن الْخلاف الْمُجَرّد مِنْهُم لله تَعَالَى أَن يحرم الله تَعَالَى المؤمنة على من لَيْسَ بِمُؤْمِن فيحلونها هم وَيحرم الله تَعَالَى الَّتِي لَيست مُؤمنَة على الْمُؤمن أَلا أَن تكون كِتَابِيَّة فيحلونها هم وَيقطع الله تَعَالَى الْولَايَة بَين الْمُؤمن وَمن لَيْسَ مُؤمنا فيبقونها فِي الْإِنْكَاح وَيحرم تَعَالَى ذَبَائِح من لَيْسَ مُؤمنا إِلَّا أَن يكون كتابياً فيحلونها هم وَيقطع الموارثة بَين الْمُؤمن وَمن لَيْسَ مُؤمنا فيثبتونها هم وَمن خَالف الْقُرْآن وَثَبت على ذَلِك بعد قيام الْحجَّة عَلَيْهِ فَنحْن نبرأ إِلَى الله تَعَالَى مِنْهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأكْثر هَذِه الْأُمُور الَّتِي ذكرنَا فَإِنَّهُ لَا خلاف بَين أحد من أهل الْإِسْلَام فِيهَا وَلَا بَين فرقة من الْفرق المنتمية إِلَى الْإِسْلَام وَفِي بَعْضهَا خلاف نشِير إِلَيْهِ لِئَلَّا يظنّ ظان أننا أغفلناه فَمن ذَلِك الْخلاف فِي الزَّانِي والزانية فَإِن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ يفْسخ النِّكَاح قبل الدُّخُول بِوُقُوعِهِ من أَحدهمَا وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره من السّلف لَا يجيزون للزاني ابْتِدَاء نِكَاح مَعَ مسلمة الْبَتَّةَ وَلَا للزانية أَيْضا إِلَّا أَن يتوبا وَبِهَذَا نقُول نَحن لَيْسَ لِأَنَّهُمَا ليسَا مُسلمين بل هما مسلمان وَلكنهَا شَرِيعَة من الله تَعَالَى وَارِدَة فِي الْقُرْآن فِي ذَلِك كَمَا يحرم على الْمحرم النِّكَاح مَا دَامَ محرما وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة أَو مُشركَة والزانية لَا ينْكِحهَا إِلَّا زَان أَو مُشْرك وَحرم ذَلِك على الْمُؤمنِينَ﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَفِي هَذِه الْآيَة أَيْضا نَص جلي على أَن الزَّانِي والزانية ليسَا مُشْرِكين لِأَن الله تَعَالَى فرق بَينهمَا فرقا لَا يحْتَمل الْبَتَّةَ أَن يكون على سَبِيل التَّأْكِيد بل على أَنَّهُمَا صفتان مُخْتَلِفَتَانِ وَإِذا لم مُشْرِكين فهما ضَرُورَة مسلمان لما قد بَينا قبل من أَن كل كَافِر فَهُوَ مُشْرك وكل مُشْرك فَهُوَ كَافِر وكل من لم يكن كَافِرًا مُشْركًا فَهُوَ مُؤمن إِذْ لَا سَبِيل إِلَى دين ثَالِث وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَمن الْخلاف فِي بعض مَا ذكرنَا قَول عمر بن الْخطاب ﵁ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَن الْمُسلم إِذا ارْتَدَّ والمسلمة إِذا لم يسلم زَوجهَا فَهِيَ امْرَأَته كَمَا كَانَت إِلَّا أَنه لَا يَطَؤُهَا وَرُوِيَ عَن عمر أَيْضا أَنَّهَا تخير فِي الْبَقَاء مَعَه أَو فِرَاقه وكل هَذَا لَا حجَّة فِيهِ وَلَا حجَّة إِلَّا فِي نَص الْقُرْآن أَو سنة وَارِدَة عَن رَسُول الله
стр. 435
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأَيْضًا فَإِن الله قد أَمر بقتل الْمُشْركين جملَة وَلم يسْتَثْن مِنْهُم أحدا إِلَّا كتابياً يغرم الْجِزْيَة مَعَ الصغار أَو رَسُولا حَتَّى يُؤَدِّي رسَالَته وَيرجع لي مَاء مِنْهُ مستجيراً ليسمع كَلَام الله تَعَالَى ثمَّ يبلغ إِلَى مأمنه وَأمر رَسُول الله ﷺ بقتل من بدل دينه فنسأل كل من قَالَ بِأَن صَاحب الْكَبِيرَة قد خرج من الْإِيمَان وَبَطل إِسْلَامه وَصَارَ فِي دين آخر إِمَّا الْكفْر وَإِمَّا الْفسق إِذا كَانَ الزَّانِي وَالْقَاتِل السَّارِق والشارب للخمر والقاذف والفار من الزَّحْف وآكل مَال الْيَتِيم قد خرج عَن الْإِسْلَام وَترك دينه أيقتلونه كَمَا أَمر رَسُول الله ﷺ أم لَا يقتلونه ويخالفون الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَمن قَوْلهم كلهم خوارجهم ومعتزليهم أَنهم لَا يقتلونه وَأما فِي بعض ذَلِك حُدُود مَعْرُوفَة من قطع يدا وَجلد مائَة أَو ثَمَانِينَ وَفِي بعض ذَلِك أدب فَقَط وَأَنه لَا يحل الدَّم بِشَيْء من ذَلِك وَهَذَا انْقِطَاع ظَاهر وَبطلَان لقَولهم لَا خَفَاء بِهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَبَعض شَاذَّة الْخَوَارِج جسر فَقَالَ تُقَام الْحُدُود عَلَيْهِم ثمَّ يستتابون فيقتلون
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا خلاف الْإِجْمَاع الْمُتَيَقن وَخلاف لِلْقُرْآنِ مُجَرّد لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ فقد حرم الله تَعَالَى قَتلهمْ وافترض استبقاءهم مَعَ إصرارهم وَلم يَجْعَل فيهم إِلَّا رد شَهَادَتهم فَقَط وَلَو جَازَ قَتلهمْ فَكيف كَانُوا يؤدون شَهَادَة لَا تقبل بعد قَتلهمْ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ الله ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين قد تبين الرشد من الغي فَمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بِاللَّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لَا انفصام لَهَا﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد لَا خلاف بَيْننَا وَبينهمْ وَلَا بَين أحد من الْأمة فِي أَن من كفر بالطاغوت وآمن بِاللَّه واستمسك بالعروة الوثقى الَّتِي لَا انفصام لَهَا فَإِنَّهُ مُؤمن مُسلم فَلَو كَانَ الْفَاسِق غير مُؤمن لَكَانَ كَافِرًا وَلَا بُد وَلَو كَانَ كَافِرًا لَكَانَ مُرْتَدا يجب قَتله وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ الله ﴿مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد الله شَاهِدين على أنفسهم بالْكفْر أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَلم يخْش إِلَّا الله فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا من المهتدين﴾ فَوَجَبَ يَقِينا بِأَمْر الله أَن لَا يتْرك يعمر مَسَاجِد الله بِالصَّلَاةِ فِيهَا إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ وَكلهمْ مُتَّفق مَعنا على أَن الْفَاسِق صَاحب الْكَبَائِر مدعُو مُلْزم عمَارَة الْمَسَاجِد بِالصَّلَاةِ مجبر على ذَلِك وَفِي إِجْمَاع الْأمة كلهَا على ذَلِك وعَلى تَركهم يصلونَ مَعنا وإلزامهم أَدَاء الزَّكَاة وَأَخذهَا مِنْهُم وإلزامهم صِيَام رَمَضَان وَحج الْبَيْت برهَان وَاضح لَا إِشْكَال فِيهِ على أَنه لم يخرج عَن دين الْمُؤمنِينَ وَأَنه مُسلم مُؤمن وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحلوا شَعَائِر الله وَلَا الشَّهْر الْحَرَام وَلَا الْهدى﴾ إِلَى قَوْله تعال ﴿الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ﴾ فخاطب تَعَالَى الْمُؤمنِينَ باياس الْكَافرين عَن دينهم وَلَا سَبِيل إِلَى قسم ثَالِث وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ﴾ فصح أَن لَا دين إِلَّا دين الْإِسْلَام وَمَا عداهُ شَيْء غير مَقْبُول وَصَاحبه يَوْم الْقِيَامَة خاسر وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ ﴿والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين كفرُوا بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ فصح يَقِينا أَنه لَيْسَ فِي النَّاس وَلَا فِي الْجِنّ إِلَّا مُؤمن أَو كَافِر
стр. 436
فَمن خرج عَن أَحدهمَا دخل فِي الْآخِرَة فنسألهم عَن رجل من الْمُسلمين فسق وجاهر بالكبائر وَله أختَان إِحْدَاهمَا نَصْرَانِيَّة وَالثَّانيَِة مسلمة فاضلة لأيتهما يكون هَذَا الْفَاسِق وليا فِي النِّكَاح ووارثاً وَعَن امْرَأَة سرقت وزنت وَلها ابْنا عَم أَحدهمَا يَهُودِيّ وَالْآخر مُسلم فَاضل أَيهمَا يحل لَهُ نِكَاحهَا وَهَذَا مَا لَا خلاف فِيهِ وَلَا خَفَاء بِهِ فصح أَن صَاحب الْكَبَائِر مُؤمن وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ فأخبرونا أتأمرون الزَّانِي وَالسَّارِق والقاذف وَالْقَاتِل بِالصَّلَاةِ وتؤدبونه أَن لم يصل أم لَا فَمن قَوْلهم نعم وَلَو قَالُوا لخالفوا الْإِجْمَاع الْمُتَيَقن فَنَقُول لَهُم أفتأمرونه بِمَا هُوَ عَلَيْهِ أم بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَبِمَا يُمكن أَن يقبله الله تَعَالَى أم بِمَا يُوقن أَنه لَا يقبله فَإِن قَالُوا نأمره لَيْسَ عَلَيْهِ بِمَا ظهر تناقضهم إِذْ لَا يجوز أَن يلْزم أحد مَا لَا يلْزمه وَإِن قَالُوا بل بِمَا عَلَيْهِ قطعُوا بِأَنَّهُ مُؤمن لِأَن الله تَعَالَى أخبر أَن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا وَإِن قَالُوا نأمره بِمَا لَا يُمكن أَن يقبل مِنْهُ أحالوا إِذْ من الْمحَال أَن يُؤمر أحد بِعَمَل هُوَ على يَقِين من أَنه لَا يقبل مِنْهُ وَإِن قَالُوا بل نأمره بِمَا نرجو أَن يقبل مِنْهُ قُلْنَا صَدقْتُمْ وَقد صَحَّ بِهَذَا أَن الْفَاسِق من الْمُتَّقِينَ فِيمَا عمل من عمل صَالح فَقَط وَمن الْفَاسِقين فِيمَا عمل من الْمعاصِي ونسألهم أيأمرون صَاحب الْكَبِيرَة بتمتيع الْمُطلقَة إِن طَلقهَا أم لَا فَإِن قَالُوا نأمره بذلك لَزِمَهُم أَنه من الْمُحْسِنِينَ الْمُتَّقِينَ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول فِي الْمُتْعَة حَقًا على الْمُحْسِنِينَ وَحقا على الْمُتَّقِينَ فصح أَن الْفَاسِق محسن فِيمَا عمل من صَالح ومسيء فِيمَا عمل من سيئ فَإِن قَالُوا إِن الصَّلَاة عَلَيْهِ كَمَا هِيَ عنْدكُمْ على الْكفَّار أَجْمَعِينَ قُلْنَا لَا سَوَاء لِأَنَّهَا وَإِن كَانَ الْكَافِر وَغير الْمُتَوَضِّئ وَالْجنب مأمورين بِالصَّلَاةِ معذبين على تَركهَا فَإنَّا لَا نتركهم يقيمونها أصلا بل نمنعهم مِنْهَا حَتَّى يسلم الْكَافِر وَيتَوَضَّأ الْمُحدث ويغتسل الْجنب وَيتَوَضَّأ أَو يتَيَمَّم وَلَيْسَ كَذَلِك الْفَاسِق بل تجبره على إِقَامَتهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ من أحد إِلَّا أَن الجبائي المعتزلي وَمُحَمّد بن الطّيب الباقلاني ذَهَبا من بَين جَمِيع الْأمة إِلَى أَن من كَانَت لَهُ ذنُوب فَإِنَّهُ لَا تقبل لَهُ تَوْبَة من شَيْء مِنْهَا حَتَّى يَتُوب من الْجَمِيع واتبعهما على ذَلِك قوم وَقد ناظرنا بَعضهم فِي ذَلِك ولزمناهم أَن يوجبوا على كل من أذْنب ذَنبا وَاحِدًا أَن يتْرك الصَّلَاة الْفَرْض وَالزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَالْجُمُعَة وَالْحج وَالْجهَاد لِأَن إِقَامَة كل ذَلِك تَوْبَة إِلَى الله من تَركهَا فَإِذا كَانَت تَوْبَته لَا تقبل من شَيْء حَتَّى يَتُوب من كل ذَنْب لَهُ فَإِنَّهُ لَا يقبل لَهُ تَوْبَة من ترك صَلَاة وَلَا من ترك صَوْم وَلَا من ترك زَكَاة حَتَّى يَتُوب من كل ذَنْب لَهُ وَهَذَا خلاف لجَمِيع الْأمة إِن قَالُوهُ أَو تنَاقض إِن لم يقولوه مَعَ أَنه قَول لَا دَلِيل لَهُم على تَصْحِيحه أصلا وَمَا كَانَ هَذَا فَهُوَ بَاطِل قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَصَالح الْمُؤمنِينَ﴾ فصح يَقِينا بِهَذَا اللَّفْظ أَن فِينَا غير عدل وَغير صَالح وهما منا وَنحن مُؤمنُونَ فَهُوَ مُؤمن بِلَا شكّ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن تَابُوا﴾ يَعْنِي من الشّرك ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فإخوانكم فِي الدّين﴾ وَهَذَا نَص جلي على أَن من صلى من أهل شَهَادَة الْإِسْلَام وزكى فَهُوَ أخونا فِي الدّين وَلم يقل تَعَالَى مَا لم يَأْتِ بكبيرة فصح أَنه منا وَإِن أَتَى بالكبائر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن ذكرُوا قَول الله تَعَالَى ﴿مذبذبين بَين ذَلِك لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين توَلّوا قوما غضب الله عَلَيْهِم مَا هم مِنْكُم وَلَا مِنْهُم﴾ وراموا بذلك إِثْبَات أَنه لَا مُؤمن وَلَا كَافِر فَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا وصف بذلك الْمُنَافِقين المبطنين للكفر المظهرين
стр. 437
لِلْإِسْلَامِ فهم لَا مَعَ الْكفَّار وَلَا مِنْهُم وَلَا إِلَيْهِم لِأَن هَؤُلَاءِ يظهرون الْإِسْلَام وَأُولَئِكَ لَا يظهرونه وَلَا هم مَعَ الْمُسلمين وَلَا مِنْهُم وَلَا إِلَيْهِم لإبطانهم الْكفْر وَلَيْسَ فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ أَنهم لَيْسُوا كفَّارًا وَقد قَالَ ﴿وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾ فصح يَقِينا أَنهم كفار لَا مُؤمنُونَ أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَيُقَال لمن قَالَ أَن صَاحب الْكَبِيرَة مُنَافِق مَا معنى هَذِه الْكَلِمَة فجوابهم الَّذِي لَا جَوَاب لأحد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة غَيره هُوَ أَن الْمُنَافِق من كَانَ النِّفَاق صفته وَمعنى النِّفَاق فِي الشَّرِيعَة هُوَ إِظْهَار الْإِيمَان وإبطان الْكفْر فَيُقَال لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَا يعلم مَا فِي النَّفس إِلَّا الله تَعَالَى ثمَّ تِلْكَ النَّفس الَّتِي ذَلِك الشَّيْء فِيهَا فَقَط وَلَا يجوز أَن نقطع على اعْتِقَاد أحد الْكفْر إِلَّا بِإِقْرَارِهِ بِلِسَانِهِ بالْكفْر وبوحي من عِنْد الله تَعَالَى وَمن تعاطى علم مَا فِي النُّفُوس فقد تعاطى علم الْغَيْب وَهَذَا خطأ مُتَيَقن يعلم بِالضَّرُورَةِ وحسبك من القَوْل سقوطاً أَن يُؤَدِّي إِلَى الْمحَال الْمُتَيَقن وَقد قيل لرَسُول الله ﷺ رب مصل يَقُول بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قلبه فَقَالَ ﵇ إِنِّي لم أبْعث لأشق عَن قُلُوب النَّاس وَقد ذكر الله تَعَالَى الْمُنَافِقين فَقَالَ لرَسُول الله ﷺ ﴿وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ﴾ ﴿لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ﴾ فَإِذا كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يعرف الْمُنَافِقين وهم مَعَه وَهُوَ يراهم ويشاهد أفعالهم فَمن بعده أَحْرَى أَن لَا يعلمهُمْ وَلَقَد كَانَ الزناة على عَهده ﷺ وَالسَّرِقَة وشراب الْخمر ومضيعوا فرض الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة والقاتلون عمدا والقذفة فَمَا سمى ﵇ قطّ أحدا مِنْهُم منافقين بل أَقَامَ الْحُدُود فِي ذَلِك وتوعد بحرق الْمنَازل وَأمر لَدَيْهِ وَالْعَفو وأبقاهم فِي جملَة الْمُؤمنِينَ وَأبقى عَلَيْهِم حكم الْإِيمَان وَاسِعَة وَقد قُلْنَا إِن التَّسْمِيَة فِي الشَّرِيعَة لله لَا لأحد دونه وَلم يَأْتِ قطّ عَن الله تَسْمِيَة صَاحب الْكَبِيرَة منافقاً فَإِن قَالُوا قد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ وَقد ذكر خِصَالًا من كن فِيهِ كَانَ منافقاً خَالِصا وَإِن صَامَ وَصلى وَقَالَ إِنِّي مُسلم وَذكر ﵇ تِلْكَ الْخِصَال فَمِنْهَا إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان وَإِذا عَاهَدَ غدر وَإِذا خَاصم فجر وَذكر ﵇ أَن من كَانَت بِهِ خصْلَة مِنْهُنَّ كَانَت فِيهِ خصْلَة من النِّفَاق حَتَّى يَدعهَا قُلْنَا لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق صدق رَسُول الله ﷺ وَقد أخبرناك أَن الْمُنَافِق هُوَ من أظهر شَيْئا وأبطن خِلَافه مَأْخُوذ فِي أصل اللُّغَة من نافقاء اليربوع وَهُوَ بَاب فِي جَانب جُحْره مَفْتُوح قد غطاه بِشَيْء من تُرَاب وَهَذِه الْخلال كلهَا الَّتِي ذكرهَا رَسُول الله ﷺ كلهَا بَاطِن صَاحبهَا بِخِلَاف مَا يظْهر فَهُوَ مُنَافِق هَذَا النَّوْع من النِّفَاق وَلَيْسَ هُوَ النِّفَاق الَّذِي يظنّ صَاحبه الْكفْر بِاللَّه برهَان ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا من إِجْمَاع الْأمة على أَخذ زَكَاة مَال كل من وصف رَسُول الله ﷺ بالنفاق وعَلى إنكاحه ونكاحها إِن كَانَت امْرَأَة وموارثته وَأكل ذَبِيحَته وَتَركه يُصَلِّي مَعَ الْمُسلمين وعَلى تَحْرِيم دَمه وَمَاله وَلَو تَيَقنا أَنه يبطن الْكفْر لوَجَبَ قَتله وَحرم إنكاحه ونكاحها وموارثته وَأكل ذَبِيحَته وَلم نتركه يُصَلِّي مَعَ الْمُسلمين وَلَكِن تَسْمِيَة النَّبِي ﷺ من ذكر منافقاً كتسمية الله الذِّرَاع كفَّارًا إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿كَمثل غيث أعجب الْكفَّار نَبَاته﴾ لِأَن أصل الْكفْر فِي اللُّغَة التغطية فَمن ستر شَيْئا فَهُوَ كَافِر وأصل النِّفَاق فِي اللُّغَة سترشيء وَإِظْهَار خِلَافه فَمن ستر شَيْئا وَأظْهر خِلَافه فَهُوَ مُنَافِق فِيهِ وَلَيْسَ هَذَانِ من الْكفْر الديني وَلَا من النِّفَاق الشَّرْعِيّ فِي شَيْء وَبِهَذَا تتألف الْآيَات وَالْأَحَادِيث كلهَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق ثمَّ نقُول لمن قَالَ بِهَذَا القَوْل هَل أتيت بكبيرة قطّ فَإِن قَالَ لَا قيل لَهُ هَذَا القَوْل كَبِيرَة
стр. 438
لِأَنَّهُ تَزْكِيَة وَقد نهى الله عَن ذَلِك فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا تزكوا أَنفسكُم﴾ وَقد علمنَا أَنه لَا يعرى أحد من ذَنْب إِلَّا الْمَلَائِكَة والنبيين صلى الله عَلَيْهِم وَسلم وَأما من دونهم فَغير مَعْصُوم بل قد اخْتلف النَّاس فِي عصمَة الْمَلَائِكَة والنبيين عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَإِن كُنَّا قاطعين على خطأ من جوز على أحد من الْمَلَائِكَة ذَنبا صَغِيرا أَو كَبِيرا بعمد أَو خطأ من جوز على أحد من النَّبِيين ذَنبا بعمد صَغِيرا أَو كَبِيرا لَكنا أعلمنَا أَنه لم يتَّفق على ذَلِك قطّ وَإِن قَالَ بلَى قد كَانَ لي كَبِيرَة قيل لَهُ هَل كنت فِي حَال مواقفك الْكَبِيرَة شاكاً فِي الله أَو فِي رَسُوله ﷺ أَو كَافِرًا بهما أم كنت موقناً بِاللَّه تَعَالَى وبالرسول ﷺ وَبِمَا أَتَى بِهِ موقناً بأنك مسيء مُخطئ فِي ذَنْبك فَإِن قَالَ كنت كَافِرًا أَو شاكاً فَهُوَ أعلم بِنَفسِهِ وَيلْزمهُ أَن يُفَارق امْرَأَته وَأمته المسلمتين وَلَا يَرث من مَاتَ لَهُ من الْمُسلمين ثمَّ بعد ذَلِك لَا يجوز لَهُ أَن يقطع على غَيره من المذنبين بِمثل اعْتِقَاده فِي الْجحْد وَنحن نعلم بِالضَّرُورَةِ كذب دَعْوَاهُ وندري أننا فِي حِين مَا كَانَ منا ذَنْب مُؤمنُونَ بِاللَّه تَعَالَى وبرسوله ﷺ وَإِن قَالَ بل كنت مُؤمنا بِاللَّه تَعَالَى وبرسوله ﷺ فِي حَال ذَنبي قيل لَهُ هَذَا إبِْطَال مِنْك لِلْقَوْلِ بالنفاق وَالْقطع بِهِ على المذنبين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَفِي إِجْمَاع الْأمة كلهَا دون مُخْتَلف من أحد مِنْهُم على أَن صَاحب الْكَبِيرَة مَأْمُور بِالصَّلَاةِ مَعَ الْمُسلمين وبصوم شهر رَمَضَان وَالْحج وبأخذ زَكَاة مَاله وَإِبَاحَة مناكحته وموارثته وَأكل ذَبِيحَته وبتركه يتَزَوَّج الْمَرْأَة الْمسلمَة الفاضلة ويبتاع الْأمة الْمسلمَة الفاضلة ويطأها وَتَحْرِيم دَمه وَمَاله وَأَن لَا يُؤْخَذ مِنْهُ جِزْيَة وَلَا يصغر برهَان صَحِيح على أَنه مُسلم مُؤمن وَفِي إِجْمَاع الْأمة كلهَا دون مُخَالف على تَحْرِيم قبُول شَهَادَته وَخَبره برهَان على أَنه فَاسق فصح يَقِينا أَنه مُؤمن فَاسق نَاقص الْإِيمَان عَن الْمُؤمن الَّذِي لَيْسَ بفاسق قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾ فَأَما من قَالَ أَنه كَافِر نعْمَة فَمَا لَهُم حجَّة أصلا إِلَّا آن بَعضهم نزع بقول الله تَعَالَى ﴿الَّذين بدلُوا نعْمَة الله كفرا وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار جَهَنَّم يصلونها وَبئسَ الْقَرار﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن نَص الْآيَة مُبْطل لقَولهم لِأَن الله تَعَالَى يَقُول مُتَّصِلا بقوله ﴿وَبئسَ الْقَرار وَجعلُوا لله أنداداً ليضلوا عَن سَبيله﴾ فصح أَن الْآيَة فِي الْمُشْركين بِلَا شكّ وَأَيْضًا فقد يكفر الْمَرْء نعْمَة الله وَلَا يكون كَافِرًا بل مُؤمنا بِاللَّه تَعَالَى كَافِرًا لَا نعْمَة بمعاصيه لَا كَافِرًا على الْإِطْلَاق وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
الْكَلَام فِيمَن يكفر وَلَا يكفر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلف النَّاس فِي هَذَا الْبَاب فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن من خالفهم فِي شَيْء من مسَائِل الِاعْتِقَاد أَو فِي شَيْء من مسَائِل الْفتيا فَهُوَ كَافِر وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه كَافِر فِي بعض ذَلِك فَاسق غير كَافِر فِي بعضه على حسب مَا أدتهم إِلَيْهِ عُقُولهمْ وظنونهم وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن من خالفهم فِي مسَائِل الِاعْتِقَاد فَهُوَ كَافِر وَأَن من خالفهم فِي مسَائِل الْأَحْكَام والعبادات فَلَيْسَ كَافِرًا وَلَا فَاسِقًا وَلكنه مُجْتَهد مَعْذُور إِن أَخطَأ مأجور بنيته وَقَالَت طَائِفَة بِمثل هَذَا فِيمَن خالفهم فِي مسَائِل الْعِبَادَات وَقَالُوا فِيمَن خالفهم فِي مسَائِل الاعتقادات أَن كل الْخلاف
стр. 439
فِي صِفَات الله فَهُوَ كَافِر وَإِن كَانَ فِيمَا دون ذَلِك فَهُوَ فَاسق وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه لَا يكفر وَلَا يفسق مُسلم بقول قَالَه فِي اعْتِقَاد أَو فتيا وَإِن كل من اجْتهد فِي شَيْء من ذَلِك فدان بِمَا رأى أَنه الْحق فَإِنَّهُ مأجور على كل حَال أَن أصَاب الْحق فأجران وَإِن أَخطَأ فأجر وَاحِد وَهَذَا قَول ابْن أبي ليلِي وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَدَاوُد بن عَليّ رَضِي الله عَن جَمِيعهم وَهُوَ قَول كل من عرفنَا لَهُ قولا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من الصَّحَابَة ﵃ لَا نعلم مِنْهُم فِي ذَلِك خلافًا أصلا إِلَّا مَا ذكرنَا من اخْتلَافهمْ فِي تَكْفِير من ترك صَلَاة مُتَعَمدا حَتَّى خرج وَقتهَا أَو ترك أَدَاء الزَّكَاة أَو ترك الْحَج أَو ترك صِيَام رَمَضَان أَو شرب الْخمر وَاحْتج من كفر بِالْخِلَافِ فِي الاعتقادات بأَشْيَاء نوردها إِن شَاءَ الله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذكرُوا حَدِيثا عَن رَسُول الله ﷺ أَن الْقَدَرِيَّة والمرجئية مجوس بِهَذِهِ الْأمة وحديثاً آخر تفترق هَذِه الْأمة على بضع وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار حاشى وَاحِدَة فَهِيَ فِي الْجنَّة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَانِ حديثان لَا يصحان أصلا من طَرِيق الْإِسْنَاد وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَيْسَ حجَّة عِنْد من يَقُول بِخَبَر الْوَاحِد فَكيف من لَا يَقُول بِهِ وَاحْتَجُّوا بالْخبر الثَّابِت عَن رَسُول الله ﷺ من قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِر فقد بَاء بالْكفْر أَحدهمَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن لَفظه يَقْتَضِي أَنه يلثم برميه للكفر وَلم يقل ﵇ أَنه بذلك كَافِر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْجُمْهُور من المحتجين بِهَذَا الْخَبَر لَا يكفرون من قَالَ لمُسلم يَا كَافِر فِي مشاتمة تجْرِي بَينهمَا وَبِهَذَا خالفوا الْخَبَر الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْحق هُوَ أَن كل من ثَبت لَهُ عقد الْإِسْلَام فَإِنَّهُ لَا يَزُول عَنهُ إِلَّا بِنَصّ أَو إِجْمَاع وَأما بِالدَّعْوَى والافتراء فَلَا فَوَجَبَ أَن لَا يكفر أحد بقول قَالَه إِلَّا بِأَن يُخَالف مَا قد صَحَّ عِنْده أَن الله تَعَالَى قَالَه أَو أَن رَسُول الله ﷺ قَالَه فيستجيز خلاف الله تَعَالَى وَخلاف رَسُوله ﵊ وَسَوَاء كَانَ ذَلِك فِي عقد دين أَو فِي نحلة أَو فِي فتيا وَسَوَاء كَانَ مَا صَحَّ من ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ مَنْقُولًا نقل إِجْمَاع تواتروا أَو نقل آحَاد إِلَّا أَن من خَالف الْإِجْمَاع الْمُتَيَقن الْمَقْطُوع على صِحَّته فَهُوَ أظهر فِي قطع حجَّته وَوُجُوب تكفيره لِاتِّفَاق الْجَمِيع على معرفَة الْإِجْمَاع وعَلى تَكْفِير مُخَالفَته برهَان صِحَة قَوْلنَا قَول الله تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيراً﴾
قَالَت أَبُو مُحَمَّد هَذِه الْآيَة نَص بتكفير من فعل ذَلِك فَإِن قَالَ قَائِل أَن من اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَلَيْسَ من الْمُؤمنِينَ قُلْنَا لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَيْسَ كل من اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ كَافِرًا لِأَن الزِّنَا وَشرب الْخمر وَأكل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ لَيست من سَبِيل الْمُؤمنِينَ وَقد علمنَا أَن من اتبعها فقد اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ وَلَيْسَ مَعَ ذَلِك كَافِرًا وَلَكِن الْبُرْهَان فِي هَذَا قَول الله ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجاً مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذَا هُوَ النَّص الَّذِي لَا يحْتَمل تَأْوِيلا وَلَا جَاءَ نَص يُخرجهُ عَن ظَاهره أصلا
стр. 440
وَلَا جَاءَ برهَان بتخصيصه فِي بعض وُجُوه الْإِيمَان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وأماما لم تقم الْحجَّة على الْمُخَالف للحق فِي أَي شَيْء كَانَ فَلَا يكون كَافِرًا إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بتكفيره فَيُوقف عِنْده كمن بلغه وَهُوَ فِي أقاصي الزنج ذكر النَّبِي ﷺ فَقَط فَيمسك عَن الْبَحْث عَن خَبره فَإِنَّهُ كَافِر فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا تَقولُونَ فِيمَن قَالَ أَنا أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَلَا أَدْرِي أهوَ قرشي أم تميمي أم فَارسي وَلَا هَل كَانَ بالحجاز أَو بخراسان وَلَا أَدْرِي أَحَي هُوَ أَو ميت وَلَا أَدْرِي لَعَلَّه هَذَا الرجل الْحَاضِر أم غَيره قيل لَهُ إِن كَانَ جَاهِلا لَا علم عِنْده بِشَيْء من الْأَخْبَار وَالسير لم يضرّهُ ذَلِك شَيْئا وَوَجَب تَعْلِيمه فَإِذا علم وَصَحَّ عِنْده الْحق فَإِن عاند فَهُوَ كَافِر حَلَال دَمه وَمَاله مَحْكُوم عَلَيْهِ بِحكم الْمُرْتَد وَقد علمنَا أَن كثيرا مِمَّن يتعاطى الْفتيا فِي دين الله نعم وَكَثِيرًا من الصَّالِحين لَا يدْرِي كم لمَوْت النَّبِي ﷺ وَلَا أَيْن كَانَ وَلَا فِي أَي بلد كَانَ ويكفيه من كل ذَلِك إِقْرَاره بِقَلْبِه وَلسَانه أَن رجلا اسْمه مُحَمَّد أرْسلهُ الله تَعَالَى إِلَيْنَا بِهَذَا الدّين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَكَذَلِكَ من قَالَ أَن ربه جسم فَإِنَّهُ إِن كَانَ جَاهِلا أَو متا وَلَا فَهُوَ مَعْذُور لَا شَيْء عَلَيْهِ وَيجب تَعْلِيمه فَإِذا قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة من الْقُرْآن وَالسّنَن فَخَالف مَا فيهمَا عناداً فَهُوَ كَافِر يحكم عَلَيْهِ بِحكم الْمُرْتَد وَأما من قَالَ أَن الله هُوَ فلَان لإِنْسَان بِعَيْنِه أَو أَن الله تَعَالَى يحل فِي جسم من أجسام خلقه أَو أَن بعد مُحَمَّد ﷺ نَبيا غير عِيسَى بن مَرْيَم فَإِنَّهُ لَا يخْتَلف اثْنَان فِي تكفيره لصِحَّة قيام الْحجَّة بِكُل هَذَا على كل أحد وَلَو أمكن أَن يُوجد أحد يدين بِهَذَا لم يبلغهُ قطّ خِلَافه لما وَجب تكفيره حَتَّى تقوم الْحجَّة عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما من كفر النَّاس بِمَا تؤول إِلَيْهِ أَقْوَالهم فخطأ لِأَنَّهُ كذب على الْخصم وتقويل لَهُ مَا لم يقل بِهِ وَإِن لزمَه فَلم يحصل على غير التَّنَاقُض فَقَط والتناقض لَيْسَ كفرا بل قد أحسن إِذْ فر من الْكفْر وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ للنَّاس قَول إِلَّا ومخالف ذَلِك القَوْل يلْزم خَصمه الْكفْر فِي فَسَاد قَوْله وطرده فالمعتزلة تنْسب إِلَيْنَا تجوير الله وتشبيهه بخلقه وَنحن ننسب إِلَيْهِم مثل ذَلِك سَوَاء بِسَوَاء ونلزمهم أَيْضا تعجيز الله وَأَنَّهُمْ يَزْعمُونَ أَنهم يخلقون كخلقه وَأَن لَهُ شُرَكَاء فِي الْخلق وَأَنَّهُمْ مستغنون عَن الله وَمن أثبت الصِّفَات يُسَمِّي من نفاها بَاقِيَة لأَنهم قَالُوا تَعْبدُونَ غير الله تَعَالَى لِأَن الله تَعَالَى لَهُ صِفَات وَأَنْتُم تَعْبدُونَ من لَا صفة لَهُ وَلَا نفى الصِّفَات يَقُول لمن أثبتها أَنْتُم تَجْعَلُونَ مَعَ الله أَشْيَاء لم تزل وتشركون بِهِ غَيره وتعبدون غير الله لِأَن الله تَعَالَى لَا أحد مَعَه وَلَا شَيْء مَعَه فِي الْأَزَل وَأَنْتُم تَعْبدُونَ شيا من جملَة أَشْيَاء لم تزل وَهَكَذَا فِي كل مَا اخْتلف فِيهِ حَتَّى فِي الْكَوْن والجزء وَحَتَّى فِي مسَائِل الْأَحْكَام والعبادات فأصحاب الْقيَاس يدعونَ علينا خلاف الْإِجْمَاع وأصحابنا يثبتون عَلَيْهِم خلاف الْإِجْمَاع وإحداث شرائع لم يَأْذَن الله بهَا وكل فرقة فَهِيَ تنتقي بِمَا تسميها بِهِ الْأُخْرَى وتكفر من قَالَ شَيْئا من ذَلِك فصح أَنه لَا يكفر أحد إِلَّا بِنَفس قَوْله وَنَصّ معتقده وَلَا ينْتَفع أحد بِأَن يعبر عَن معتقده بِلَفْظ يحسن بِهِ قبحه لَكِن الْمَحْكُوم بِهِ هُوَ مُقْتَضى قَوْله فَقَط وَأما الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي أَن ترك الصَّلَاة شرك فَلَا تصح من طَرِيق الْإِسْنَاد وَأما الْأَخْبَار الَّتِي فِيهَا من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة فقد جَاءَت أَحَادِيث أخر بِزِيَادَة على هَذَا الْخَبَر لَا يجوز ترك تِلْكَ الزِّيَادَة وَهِي قَوْله ﵇ أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى
стр. 441
يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله ويؤمنوا بِمَا أرْسلت بِهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا إِيمَان لأحد بِدُونِهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَاحْتج بعض من يكفر من سبّ الصَّحَابَة ﵃ بقول الله ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ إِلَى قَوْله ﴿ليغيظ بهم الْكفَّار﴾ قَالَ فَكل من أغاظه أحد من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَهُوَ كَافِر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد أَخطَأ من حمل الْآيَة على هَذَا لِأَن الله لم يقل قطّ أَن كل من غاظه وَاحِد مِنْهُم فَهُوَ كَافِر وَإِنَّمَا أخبر تَعَالَى أَنه يغِيظ بهم الْكفَّار فَقَط وَنعم هَذَا حق لَا يُنكره مُسلم وكل مُسلم فَهُوَ يغِيظ الْكفَّار وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يشك أحد ذُو حس سليم فِي أَن عليا قد غاظ مُعَاوِيَة وَأَن مُعَاوِيَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ غاظا عليا وَأَن عمار أغاظ أَبَا العادية وَكلهمْ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فقد غاظ بَعضهم بَعْضًا فَيلْزم على هَذَا تَكْفِير من ذكرنَا وحاشى لله من هَذَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونقول لمن كفر إنْسَانا بِنَفس مقَالَته دون أَن تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة فيعاند رَسُول الله ﷺ ويجد فِي نَفسه الْحَرج مِمَّا أَتَى بِهِ أخبرنَا هَل ترك رَسُول الله ﷺ شَيْئا من الْإِسْلَام الَّذِي يكفر من لم يقل بِهِ إِلَّا وَقد بَينه ودعا إِلَيْهِ النَّاس كَافَّة فَلَا بُد من نعم وَمن أنكر هَذَا كَافِر بِلَا خلاف فَإِذا أقرّ بذلك سُئِلَ هَل جَاءَ قطّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه لم يقبل إِيمَان أهل قَرْيَة أوأهل محلّة أَو إِنْسَان أَتَاهُ من حر أَو عبدا لَو امْرَأَة إِلَّا حَتَّى يقر إِن الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل أَو مَعَ الْفِعْل أَو أَن الْقُرْآن مَخْلُوق أَو أَن الله تَعَالَى يرى أَو لَا يرى أَو أَن لَهُ سمعا أَو بصرا أَو حَيَاة أَو غير ذَلِك من فضول الْمُتَكَلِّمين الَّتِي أوقعهَا الشَّيْطَان بَينهم ليوقع بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء فَإِن ادّعى أَن النَّبِي ﷺ لم يدع أحدا يسلم إِلَّا حَتَّى يوقفه على هَذِه الْمعَانِي كَانَ قد كذب بِإِجْمَاع الْمُسلمين من أهل الأَرْض وَقَالَ مَا يدْرِي أَنه فِيهِ كَاذِب وَادّعى أَن جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ تواطؤا على كتمان ذَلِك من فعله ﵇ وَهَذَا الْمحَال مُمْتَنع فِي الطبيعة ثمَّ فِيهِ نِسْبَة الْكفْر إِلَيْهِم إِذْ كتموا مَا لَا يتم إِسْلَام أحد إِلَّا بِهِ وَإِن قَالُوا أَنه ﷺ لم يدع قطّ أحد إِلَى شَيْء من هَذَا وَلكنه مُودع فِي الْقُرْآن وَفِي كَلَامه ﷺ قيل لَهُ صدقت وَقد صَحَّ بِهَذَا أَنه لَو كَانَ جهل شَيْء من هَذَا كُله كفرا لما ضيع رَسُول الله ﷺ بَيَان ذَلِك للحره وَالْعَبْد وَالْحر وَالْأمة وَمن جوز هَذَا فقد قَالَ أَن رَسُول الله ﷺ لم يبلغ كَمَا أَمر وَهَذَا كفر مُجَرّد مِمَّن أجَازه فصح ضَرُورَة أَن الْجَهْل بِكُل ذَلِك لَا يضر شَيْئا وَإِنَّمَا يلْزم الْكَلَام مِنْهَا إِذا خَاضَ فِيهَا النَّاس فَيلْزم حِينَئِذٍ بَيَان الْحق من الْقُرْآن وَالسّنة لقَوْل الله ﴿كونُوا قوامين لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ﴾ وَلقَوْل الله عز جلّ ﴿لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ فَمن عِنْد حِينَئِذٍ بعد بَيَان الْحق فَهُوَ كَافِر لِأَنَّهُ لم يحكم رَسُول الله ﷺ وَلَا سلم لما قضى بِهِ وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَن رجلا لم يعْمل خيرا قطّ فَلَمَّا حَضَره الْمَوْت قَالَ لأَهله إِذا مت فأحرقوني ثمَّ ذَروا رمادي فِي يَوْم رَاح نصفه فِي الْبَحْر وَنصفه فِي الْبر فوَاللَّه لَئِن قدر الله تَعَالَى عَليّ ليعذبني عذَابا لم يعذبه أحدا من خلقه وَأَن الله عز جلّ جمع رماده فأحياه وَسَأَلَهُ مَا حملك على ذَلِك قَالَ خوفك يَا رب وَأَن الله تَعَالَى غفر لَهُ لهَذَا القَوْل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذَا إِنْسَان جهل إِلَى أَن مَاتَ أَن الله يقدر على جمع رماده وإحيائه وَقد غفر لَهُ لإِقْرَاره وخوفه وجهله وَقد قَالَ بعض من يحرف الْكَلم عَن موَاضعه أَن معنى لَئِن قدر الله عَليّ إِنَّمَا هُوَ لَئِن ضيق الله عَليّ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأما إِذا مَا ابتلاه فَقدر عَلَيْهِ رزقه﴾
стр. 442
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تَأْوِيل بَاطِل لَا يُمكن لِأَنَّهُ كَانَ يكون مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ لَئِن ضيق الله عَليّ ليضيقن عَليّ وَأَيْضًا فَلَو كَانَ هَذَا لما كَانَ لأَمره بِأَن يحرق ويذر رماده معنى وَلَا شكّ فِي أَنه إِنَّمَا أمره بذلك ليفلت من عَذَاب الله تَعَالَى
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأبين من شَيْء فِي هَذَا قَول الله تَعَالَى ﴿إِذْ قَالَ الحواريون يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء﴾ إِلَى قَوْله ﴿ونعلم إِن قد صدقتنا﴾ فَهَؤُلَاءِ الحواريون الَّذين أثنى الله عَلَيْهِم قد قَالُوا بِالْجَهْلِ لعيسى ﵇ هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء وَلم يبطل بذلك إِيمَانهم وَهَذَا مَا لَا مخلص مِنْهُ وَإِنَّمَا كَانُوا يكفرون لَو قَالُوا ذَلِك بعد قيام الْحجَّة وتبيينهم لَهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وبرهان ضَرُورِيّ لَا خلاف فِيهِ وَهُوَ أَن الْأمة مجمعة كلهَا بِلَا خلاف من أحد مِنْهُم وَهُوَ أَن كل من بدل آيَة من الْقُرْآن عَامِدًا وَهُوَ يدْرِي أَنَّهَا فِي الْمَصَاحِف بِخِلَاف ذَلِك وَأسْقط كلمة عمدا كَذَلِك أَو زَاد فِيهَا كلمة عَامِدًا فَإِنَّهُ كَافِر بِإِجْمَاع الْأمة كلهَا ثمَّ أَن الْمَرْء يُخطئ فِي التِّلَاوَة فيزيد كلمة وَينْقص أُخْرَى ويبدل كَلَامه جَاهِلا مُقَدرا أَنه مُصِيب ويكابر فِي ذَلِك ويناظر قبل أَن يتَبَيَّن لَهُ الْحق وَلَا يكون بذلك عِنْد أحد من الْأمة كَافِرًا وَلَا فَاسِقًا وَلَا آثِما فَإِذا وقف على الْمَصَاحِف أَو أخبرهُ بذلك من الْقُرَّاء من تقوم الْحجَّة بِخَبَرِهِ فَإِن تَمَادى على خطاه فَهُوَ عِنْد الْأمة كلهَا كَافِر بذلك لَا محَالة وَهَذَا هُوَ الحكم الْجَارِي فِي جَمِيع الدّيانَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَاحْتج بَعضهم بِأَن قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَآخر هَذِه الْآيَة مُبْطل لتأويلهم لِأَن الله وصل قَوْله يحسنون صنعا بقوله ﴿أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا بآيَات رَبهم ولقائه فحبطت أَعْمَالهم فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا ذَلِك جزاؤهم جَهَنَّم بِمَا كفرُوا وَاتَّخذُوا آياتي ورسلي هزوا﴾ فَهَذَا يبين أَن أول الْآيَة فِي الْكفَّار الْمُخَالفين لديانة الْإِسْلَام جملَة ثمَّ نقُول لَهُم لَو نزلت هَذِه الْآيَة فِي المتأولين من جملَة أهل الْإِسْلَام كَمَا تَزْعُمُونَ لدخل فِي جُمْلَتهَا كل متأول مُخطئ فِي تَأْوِيل فِي فتيا لزمَه تَكْفِير جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ لأَنهم قد اخْتلفُوا وبيقين نَدْرِي أَن كل امرء مِنْهُم فقد يُصِيب ويخطئ بل يلْزمه تَكْفِير جَمِيع الْأمة لأَنهم كلهم لَا بُد من ان يُصِيب كل امْرِئ مِنْهُم ويخطئ بل يلْزمه تَكْفِير نَفسه لِأَنَّهُ لَا بُد لكل من تكلم فِي شَيْء من الدّيانَة من أَن يرجع عَن قَول قَالَه إِلَى قَول آخر يتَبَيَّن أَنه أصح إِلَّا أَن يكون مُقَلدًا فَهَذِهِ أَسْوَأ لِأَن التَّقْلِيد خطأ كُله لَا يَصح وَمن بلغ إِلَى هَا هُنَا فقد لَاحَ غوامر قَوْله وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقد أقرّ عمر بن الْخطاب ﵁ لرَسُول الله ﷺ أَنه لم يفهم آيَة الْكَلَالَة فَمَا كفره بذلك وَلَا فسقه وَلَا أخبرهُ أَنه آثم بذلك لَكِن أغْلظ لَهُ فِي كَثْرَة تكراره السُّؤَال عَنْهَا فَقَط وَكَذَلِكَ أَخطَأ جمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃ فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ فِي الْفتيا فَبَلغهُ ﵇ ذَلِك فَمَا كفر بذلك أحد مِنْهُم وَلَا فسقه وَلَا جعله بذلك إِثْمًا لِأَنَّهُ لم يعانده ﵇ أحد مِنْهُم وَهَذَا كفتيا أبي السنابل بن بعكعك فِي آخر الْأَجَليْنِ وَالَّذين أفتوا على الزَّانِي غير الْمُحصن الرَّجْم وَقد تقصينا هَذَا فِي كتَابنَا المرسوم بِكِتَاب الْأَحْكَام فِي أصُول الْأَحْكَام هَذَا وَأَيْضًا فَإِن الْآيَة الْمَذْكُورَة
стр. 443
لَا تخرج على قَول أحد مِمَّن خَالَفنَا إِلَّا بِحَذْف وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ أَن الَّذين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ هُوَ خَبرا ابْتِدَاء مُضْمر وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بِحَذْف الِابْتِدَاء كَأَنَّهُ قَالَ هم الَّذين وَلَا يجوز لأحد أَن يَقُول فِي الْقُرْآن حذفا إِلَّا بِنَصّ أخر جلي يُوجب ذَلِك أَو إِجْمَاع على ذَلِك أَو ضَرُورَة حس فَبَطل قَوْلهم وَصَارَ دَعْوَى بِلَا دَلِيل وَأما نَحن فَإِن لَفْظَة الدّين عندنَا على موضوعها دون حذف وَهُوَ نعت للأخسرين وَيكون خَبرا لابتداء قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَحْسبُونَ أَنهم على شَيْء إِلَّا أَنهم هم الْكَاذِبُونَ﴾ فَنعم هَذِه صفة الْقَوْم الَّذين وَصفهم الله تَعَالَى بِهَذَا فِي أول الْآيَة ورد الضَّمِير إِلَيْهِم وهم الْكفَّار بِنَصّ أول الْآيَة وَقَالَ قَائِلهمْ فَإِذا عذرتم للمجتهدين إِذا أخطأوا فأعذروا الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَسَائِر الْملَل فَإِنَّهُم أَيْضا مجتهدون قاصدون الْخَيْر فجوابنا وَالله تَعَالَى التَّوْفِيق إننا لم نعذر من عذرنا بآرائنا وَلَا كفرنا من كفرنا بظننا وَهُوَ أَنا وَهَذِه خطة لم يؤتها الله أحد دونه وَلَا يدْخل الْجنَّة وَالنَّار أحدا بل الله تَعَالَى يدخلهَا من شَاءَ فَنحْن لَا نسمي بِالْإِيمَان إِلَّا من سَمَّاهُ الله تَعَالَى بِهِ كل ذَلِك على لِسَان رَسُوله ﷺ وَلَا يخْتَلف اثْنَان من أهل الأَرْض لَا نقُول من الْمُسلمين بل من كل مِلَّة فِي أَن رَسُول الله ﷺ قطع بالْكفْر على أهل كل مِلَّة غير الْإِسْلَام الَّذين تَبرأ أَهله من كل مِلَّة حاشى الَّتِي أَتَاهُم بهَا ﵇ فَقَط فوقفنا عِنْد ذَلِك وَلَا يخْتَلف أَيْضا اثْنَان فِي أَنه ﵇ قطع باسم الْإِيمَان على كل من اتبعهُ وَصدق بِكُل مَا جَاءَ بِهِ وتبرأ من كل دين سوى ذَلِك فوقفنا أَيْضا عِنْد ذَلِك وَلَا مزِيد فَمن جَاءَ نَص فِي إِخْرَاجه عَن الْإِسْلَام بعد حُصُول اسْم الْإِسْلَام لَهُ أخرجناه مِنْهُ سَوَاء أجمع على خُرُوجه مِنْهُ أَو لم يجمع وَكَذَلِكَ من أجمع أهل الْإِسْلَام على خُرُوجه عَن الْإِسْلَام فَوَاجِب اتِّبَاع الْإِجْمَاع فِي ذَلِك وَأما من لَا نَص فِي خُرُوجه عَن الْإِسْلَام بعد حُصُول الْإِسْلَام لَهُ وَلَا إِجْمَاع فِي خُرُوجه أَيْضا عَنهُ فَلَا يجوز إِخْرَاجه عَمَّا قد صَحَّ يَقِينا حُصُوله فِيهِ وَقد نَص الله تَعَالَى على مَا قُلْنَا فَقَالَ ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويريدون أَن يفرقُوا بَين الله وَرُسُله وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض ويريدون أَن يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزؤون لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ﴾ فَهَؤُلَاءِ كلهم كفار بِالنَّصِّ وَصَحَّ الْإِجْمَاع على أَن كل من جحد شَيْئا صَحَّ عندنَا بِالْإِجْمَاع أَن رَسُول الله ﷺ أَتَى بِهِ فقد كفر وَصَحَّ بِالنَّصِّ أَن كل من اسْتَهْزَأَ بِاللَّه تَعَالَى أَو بِملك من الْمَلَائِكَة أَو بِنَبِي من الْأَنْبِيَاء ﵈ أَو بِآيَة من الْقُرْآن أَو بفريضة من فَرَائض الدّين فَهِيَ كلهَا آيَات الله تَعَالَى بعد بُلُوغ الْحجَّة إِلَيْهِ فَهُوَ كَافِر وَمن قَالَ بِنَبِي بعد النَّبِي ﵊ أَو جحد شَيْئا صَحَّ عِنْده بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَه فَهُوَ كَافِر لِأَنَّهُ لم يحكم النَّبِي ﷺ فِيمَا شجر بَينه وَبَين خَصمه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد شقق أَصْحَاب الْكَلَام فَقَالُوا مَا تَقولُونَ فِيمَن قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ قُم صل فَقَالَ لَا أفعل أَو قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ ناولني ذَلِك السَّيْف أدفَع بِهِ عَن نَفسِي فَقَالَ لَهُ لَا أفعل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا أَمر قد كفوا وُقُوعه وَلَا فضول أعظم من فضول من اشْتغل بِشَيْء
стр. 444
قد أَيقَن أَنه لَا يكون أبدا وَلَكِن الَّذِي كَانَ وَوَقع فإننا نتكلم فِيهِ وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد قد أَمر زِيَادَة النَّبِي ﷺ أفضل أهل الأَرْض وهم أهل الْحُدَيْبِيَة بِأَن يحلقوا وينحروا فتوقفوا حَتَّى أَمرهم ثَلَاثًا وَغَضب ﵇ وشكا ذَلِك إِلَى أم سَلمَة فَمَا كفرُوا بذلك وَلَكِن كَانَت مَعْصِيّة تداركهم الله بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا وَمَا قَالَ مُسلم قطّ أَنهم كفرُوا بذلك لأَنهم لم يعاندوه وَلَا كذبوه وَقد قَالَ سعد بن عبَادَة وَالله يَا رَسُول الله لِأَن وجدت لكاع يتفخذها رجل ادعهما حَتَّى آتى بأَرْبعَة شُهَدَاء قَالَ نعم قَالَ إِذن وَالله يقْضِي إربه وَالله لَا تجللنهما للسيف فَلم يكن بذلك كَافِرًا إِذْ لم يكن عانداً وَلَا مُكَذبا بل أقرّ أَنه يدْرِي أَن الله تَعَالَى أَمر بِخِلَاف ذَلِك وسألوا أَيْضا عَمَّا قَالَ أَنا أَدْرِي أَن الْحَج إِلَى مَكَّة فرض وَلَكِن لَا أَدْرِي أَهِي بالحجاز أم بخراسان أم بالأندلس وَأَنا أَدْرِي أَن الْخِنْزِير حرَام وَلَكِن لَا أَدْرِي أهوَ هَذَا الْمَوْصُوف الأقرن أم الَّذِي يحرث بِهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وجوابنا هُوَ أَن من قَالَ هَذَا فَإِن كَانَ جَاهِلا علم وَلَا شَيْء عَلَيْهِ فَإِن المشببين لَا يعْرفُونَ هَذَا إِذا أَسْلمُوا حَتَّى يعلمُوا وَإِن كَانَ عَالما فَهُوَ عابث مستهزئ بآيَات الله تَعَالَى فَهُوَ كَافِر مُرْتَد حَلَال الدَّم وَالْمَال وَمن قذف عَائِشَة ﵂ فَهُوَ كَافِر لتكذيبه الْقُرْآن وَقد قَذفهَا مسطح وَحمْنَة فَلم يكفرا لِأَنَّهُمَا لم يَكُونَا حِينَئِذٍ مكذبين لله تَعَالَى وَلَو قذفاها بعد نزُول الْآيَة لكفر وَأما من سبّ أحدا من الصَّحَابَة ﵃ فَإِن كَانَ جَاهِلا فمعذور وَإِن قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة فتمادى غير معاند فَهُوَ فَاسق كمن زنى وسرق وَإِن عاند الله تَعَالَى فِي ذَلِك وَرَسُوله ﷺ فَهُوَ كَافِر وَقد قَالَ عمر ﵁ بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ عَن حَاطِب وحاطب مهَاجر يدْرِي دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق فَمَا كَانَ عمر بتكفيره حَاطِبًا كَافِرًا بل كَانَ مخطئاً متأولاً وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ آيَة النِّفَاق بغض الْأَنْصَار وَقَالَ لعَلي لَا يبغضك إِلَّا مُنَافِق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن أبْغض الْأَنْصَار لأجل نصرتهم للنَّبِي ﷺ فَهُوَ كَافِر لِأَنَّهُ وجد الْحَرج فِي نَفسه مِمَّا قد قضى الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ من إِظْهَار الْإِيمَان بِأَيْدِيهِم وَمن عادى عليا لمثل ذَلِك فَهُوَ أَيْضا كَافِر وَكَذَلِكَ من عادى من ينصر الْإِسْلَام لأجل نصْرَة الْإِسْلَام لَا لغير ذَلِك وَقد فرق بَعضهم بَين الِاخْتِلَاف فِي الْفتيا وَالِاخْتِلَاف فِي الِاعْتِقَاد بِأَن قَالَ قد اخْتلف أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي الْفتيا فَلم يكفر بَعضهم بَعْضًا وَلَا فسق بَعضهم بَعْضًا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء فقد حدث إِنْكَار الْقدر فِي أيامهم فَمَا كفرهم أَكثر الصَّحَابَة ﵃ وَقد اخْتلفُوا فِي الْفتيا على ذَلِك وسفكت الدِّمَاء كاختلافهم فِي تَقْدِيم بيعَة عَليّ على النّظر فِي قتلة عُثْمَان ﵃ وَقد قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ من شَاءَ بأهلته عِنْد الْحجر الْأسود أَن الَّذِي أحصى رمل عالج لم يَجْعَل فِي فَرِيضَة وَاحِدَة نصفا وَنصفا وَثلثا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهنا أَقْوَال غَرِيبَة جدا فَاسِدَة مِنْهَا أَن أَقْوَامًا من الْخَوَارِج قَالُوا كل مَعْصِيّة فِيهَا حد فَلَيْسَتْ كفرا وكل مَعْصِيّة لَاحَدَّ فِيهَا فَهِيَ كفر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تحكم بِلَا برهَان وَدَعوى بِلَا دَلِيل وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل قَالَ تَعَالَى ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾
стр. 445
فصح أَن من لَا برهَان لَهُ على قَوْله فَلَيْسَ صَادِقا فِيهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فصح بِمَا قُلْنَا أَن كل من كَانَ على غير الْإِسْلَام وَقد بلغه أَمر الْإِسْلَام فَهُوَ كَافِر وَمن تَأَول من أهل الْإِسْلَام فَأَخْطَأَ فَإِن كَانَ لم تقم عَلَيْهِ الْحجَّة وَلَا تبين لَهُ الْحق فَهُوَ مَعْذُور مأجور آجرا وَاحِدًا لطلبه الْحق وقصده إِلَيْهِ مغْفُور لَهُ خَطؤُهُ إِذْ لم يعتمده لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ﴾ وَإِن كَانَ مصيباً فَلهُ أَجْرَانِ أجر لإصابته وَأجر آخر لطلبه إِيَّاه وَإِن كَانَ قد قَامَت الْحجَّة عَلَيْهِ وَتبين لَهُ الْحق فَعِنْدَ عَن الْحق غير معَارض لَهُ تَعَالَى وَلَا لرَسُوله ﷺ فَهُوَ فَاسق لجراءته على الله تَعَالَى بإصراره على الْأَمر الْحَرَام فَإِن عِنْد عَن الْحق مُعَارضا لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ فَهُوَ كَافِر مُرْتَد حَلَال الدَّم وَالْمَال لَا فرق فِي هَذِه الْأَحْكَام بَين الْخَطَأ فِي الِاعْتِقَاد فِي أَي شَيْء كَانَ من الشَّرِيعَة وَبَين الْخَطَأ فِي الْفتيا فِي أَي شَيْء كَانَ على مَا بَينا قبل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنحن نختصر هَا هُنَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى ونوضح كل مَا أطلنا فِيهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لأنذركم بِهِ وَمن بلغ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجاً مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ فَهَذِهِ الْآيَات فِيهَا بَيَان جَمِيع هَذَا الْبَاب فصح أَنه لَا يكفر أحد حَتَّى يبلغهُ أَمر النَّبِي ﷺ فَإِن بلغه فَلم يُؤمن بِهِ فَهُوَ كَافِر فَإِن آمن بِهِ ثمَّ اعْتقد مَا شَاءَ الله أَن يَعْتَقِدهُ فِي نحلة أَو فتيا أَو عمل مَا شَاءَ الله تَعَالَى أَن يعمله دون أَن يبلغهُ فِي ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ حكم بِخِلَاف مَا اعتقدوا قَالَ أَو عمل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ أصلا حَتَّى يبلغهُ فَإِن بلغه وَصَحَّ عِنْده فَإِن خَالفه مُجْتَهدا فِيمَا لم يبين لَهُ وَجه الْحق فِي ذَلِك فَهُوَ مُخطئ مَعْذُور مأجور مرّة وَاحِدَة كَمَا قَالَ ﵇ إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن أَخطَأ فَلهُ أجر وكل مُعْتَقد أَو قَائِل أَو عَامل فَهُوَ حَاكم فِي ذَلِك الشَّيْء وَإِن خَالفه بِعَمَلِهِ معانداً للحق مُعْتَقدًا بِخِلَاف مَا عمل بِهِ فَهُوَ مُؤمن فَاسق وَإِن خَالفه معانداً بقوله أَو قلبه فَهُوَ كَافِر مُشْرك سَوَاء ذَلِك فِي المعتقدات والفتيا للنصوص الَّتِي أوردنا وَهُوَ قَول إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَغَيره وَبِه نقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
الْكَلَام فِي تعبد الْمَلَائِكَة
وَتعبد الْحور الْعين والخلق المستأنف وَهل يَعْصِي ملك أَو لَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد قد نَص الله على أَن الْمَلَائِكَة متعبدون قَالَ تَعَالَى ﴿ويفعلون مَا يؤمرون﴾ وَنَصّ تَعَالَى على أَنه أَمرهم بِالسُّجُود لآدَم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون لَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَمن يقل مِنْهُم أَنِّي إِلَه من دونه فَذَلِك نجزيه جَهَنَّم كَذَلِك نجزي الظَّالِمين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَللَّه يسْجد مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض من دَابَّة وَالْمَلَائِكَة وهم لَا يَسْتَكْبِرُونَ يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم ويفعلون مَا يؤمرون﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فنص الله تَعَالَى على أَنهم مأمورون منهيون متوعدون مكرمون موعودون بإيصال الْكَرَامَة أبدا مصرفون فِي كتاب الْأَعْمَال وَقبض الْأَرْوَاح وأدار الرسَالَة إِلَى الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام والتوكل بِمَا فِي الْعَالم الْأَعْلَى والأدنى وَغير ذَلِك كَمَا خالقهم بِهِ عليم وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم ذِي قُوَّة عِنْد ذِي الْعَرْش مكين مُطَاع ثمَّ أَمِين﴾ فَأخْبر أَن جِبْرِيل ﵇ مُطَاع فِي السَّمَاوَات وَأمين هُنَالك فصح أَن هُنَالك أوَامِر وتدبير
стр. 446
وأمانات وَطَاعَة ومراتب وَنَصّ تَعَالَى على أَنهم كلهم معصومون بقوله ﴿عباد مكرمون لَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا يستحسرون يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿فَالَّذِينَ عِنْد رَبك يسبحون لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وهم لَا يسأمون﴾ فنص تَعَالَى على أَنهم كلهم لَا يسأمون من الْعِبَادَة وَلَا يفترون من التَّسْبِيح وَالطَّاعَة لَا سَاعَة وَلَا وقتا وَلَا يستحسرون من ذَلِك وَهَذَا خبر عَن التأييد لَا يَسْتَحِيل أبدا وَوَجَب أَنهم متنعمون بذلك مكرمون بِهِ مفضلون بِتِلْكَ الْحَال وبالتذاذهم بذلك وَنَصّ تَعَالَى على أَنهم كلهم معصومون قد حقت لَهُم ولَايَة رَبهم ابدا إِلَّا بُد بِلَا نهابة فَقَالَ تَعَالَى ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال فَإِن الله عَدو للْكَافِرِينَ﴾ فَكفر تَعَالَى من عادى أحدا مِنْهُم فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ لَا يعصون وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَمن يقل مِنْهُم أَنِّي إِلَه من دونه فَذَلِك نجزيه جَهَنَّم﴾ قُلْنَا نعم هم متوعدون على الْمعاصِي لما توعد رَسُول الله ﷺ إِذْ يَقُول لَهُ ربه ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك ولتكونن من الخاسرين﴾ وَقد علم أَنه ﵇ لَا يُشْرك أبدا وَأَن الْمَلَائِكَة لَا يَقُول أحد مِنْهُم أبدا إِنِّي إِلَه من دون الله وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا نسَاء النَّبِي من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة مبينَة يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب ضعفين﴾ وَهُوَ تَعَالَى قد برأهن وَعلم أَنه لَا يَأْتِي أحد مِنْهُنَّ بِفَاحِشَة أبدا بقوله تَعَالَى ﴿والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أُولَئِكَ مبرؤون مِمَّا يَقُولُونَ﴾ لَكِن الله تَعَالَى يَقُول مَا شَاءَ ويشرع مَا شَاءَ وَيفْعل مَا يَشَاء وَلَا معقب لحكمه وَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون فَأخْبر بِحكم هَذِه الْأُمُور لَو كَانَت وَقد علم أَنَّهَا لَا تكون كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إِن كُنَّا فاعلين﴾ وكما قَالَ ﴿لَو أَرَادَ الله أَن يتَّخذ ولدا لاصطفى مِمَّا يخلق مَا يَشَاء﴾ وكما قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾ وكما قَالَ تَعَالَى ﴿قل لَو كَانَ فِي الأَرْض مَلَائِكَة يَمْشُونَ مُطْمَئِنين لنزلنا عَلَيْهِم من السَّمَاء ملكا رَسُولا﴾ وكل هَذَا قد علم الله تَعَالَى أَنه لَا يكون أبدا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل إِن الْمَلَائِكَة مأمورون لَا منهيون قُلْنَا هَذَا بَاطِل لِأَن كل مَأْمُور بِشَيْء فَهُوَ مَنْهِيّ عَن تَركه وَقَوله تَعَالَى ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ يدل على أَنهم منهيون عَن أَشْيَاء يخَافُونَ من فعلهَا وَقَالَ ﴿مَا ننزل الْمَلَائِكَة إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذا منظرين﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا مُبْطل ظن من ظن أَن هاروت وماروت كَانَا ملكَيْنِ فعصيا بِشرب الْخمر وَالزِّنَا وَالْقَتْل وَقد أعاذ الله الْمَلَائِكَة من مثل هَذِه الصّفة بِمَا ذكرنَا آنِفا أَنهم لَا يعصون الله ويفعلون مَا يؤمرون وبإخباره تَعَالَى أَنهم لَا يسأمون وَلَا يفترون وَلَا يستحسرون عَن طَاعَته فَوَجَبَ يَقِينا أَنه لَيْسَ فِي الْمَلَائِكَة الْبَتَّةَ عَاص لَا بعمد وَلَا بخطأ وَلَا بنسيان وَقَالَ ﴿جَاعل الْمَلَائِكَة رسلًا أولي أَجْنِحَة مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ فَكل الْمَلَائِكَة رسل الله بِنَصّ الْقُرْآن وَالرسل معصومون فصح أَن هاروت وماروت الْمَذْكُورين فِي الْقُرْآن لَا يَخْلُو أَمرهمَا من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما أما أَن يَكُونَا جَنِين من أَحيَاء الْجِنّ كَمَا روينَا عَن خَالِد بن أبي عمرَان وَغَيره وموضعهما حِينَئِذٍ فِي الجو بدل من الشَّيَاطِين كَأَنَّهُ قَالَ وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا هاروت وماروت وَيكون الْوُقُوف على قَوْله مَا أنزل على الْملكَيْنِ بِبَابِل وَيتم الْكَلَام هُنَا وَأما أَن يَكُونَا ملكَيْنِ أنزل الله عَلَيْهِمَا شَرِيعَة حق ثمَّ مسخها فَصَارَت كفرا كَمَا فعل بشريعة مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام فتمادى الشَّيَاطِين على تعليمهما
стр. 447
وَهِي بعد كفر كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا يعلمُونَ النَّاس السحر وَمَا أنزل على الْملكَيْنِ بِبَابِل هاروت وماروت﴾ ثمَّ ذكر مَا كَانَ يَفْعَله ذَلِك الْملكَانِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يعلمَانِ من أحد حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحن فتْنَة فَلَا تكفر فيتعلمون مِنْهُمَا مَا يفرقون بِهِ بَين الْمَرْء وزوجه وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله ويتعلمون مَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ وَلَقَد علمُوا لمن اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة من خلاق﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَقَوْل الْملكَيْنِ إِنَّمَا نَحن فتْنَة فَلَا تكفر قَول صَحِيح وَنهي عَن الْمُنكر وَأما الْفِتْنَة فقد تكون ضلالا وَتَكون هدى قَالَ الله حاكياً عَن مُوسَى ﵇ أَنه قَالَ لرَبه ﴿أتهلكنا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا أَن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء﴾ فَصدق الله قَوْله وَصَحَّ أَن يهدي بالفتنة من يَشَاء ويضل بهَا من يَشَاء وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة﴾ وَلَيْسَ كل أحد يضل بِمَالِه وَولده فقد كَانَ للنَّبِي ﷺ أَوْلَاد وَمَال وَكَذَلِكَ لكثير من الرُّسُل ﵈ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جعلنَا أَصْحَاب النَّار إِلَّا مَلَائِكَة وَمَا جعلنَا عدتهمْ إِلَّا فتْنَة للَّذين كفرُوا ليستيقن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ويزداد الَّذين آمنُوا إِيمَانًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن لَو استقاموا على الطَّرِيقَة لأسقيناهم مَاء غدقاً لنفتنهم فِيهِ﴾ فَهَذِهِ سقيا المَاء الَّتِي هِيَ جَزَاء على الاسْتقَامَة قد سَمَّاهَا تَعَالَى فتْنَة فصح أَن من الْفِتْنَة خير أَو هدى وَمنا إضلالا وَكفرا والملكان الْمَذْكُورَات كَذَلِك كَانَا فتْنَة يَهْتَدِي من اتبع أَمرهمَا فِي أَن لَا يكفر ويضل من عصاهما فِي ذَلِك وَقَوله تَعَالَى ﴿فيتعلمون مِنْهُمَا مَا يفرقون بِهِ بَين الْمَرْء وزوجه﴾ حق لِأَن اتِّبَاع رسل الله عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام هَذِه صفتهمْ يُؤمن الزَّوْج فَيُفَرق إيمَانه بَينه وين امْرَأَته الَّتِي لم تؤمن وتؤمن هِيَ فَيُفَرق إيمَانهَا بَينهَا وَبَين زَوجهَا الَّذِي لم يُؤمن فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَفِي الْولَايَة ثمَّ رَجَعَ تَعَالَى إِلَى الْخَبَر عَن الشَّيَاطِين فَقَالَ ﴿وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله﴾ وَهَذَا حق لِأَن الشَّيَاطِين فِي تعليمهم مَا قد نسخه الله وأبطله ضارون من إِذن الله تَعَالَى باستضراره بِهِ وَهَكَذَا إِلَى آخر الْآيَة وَمَا قَالَ قطّ أَن هاروت وماروت علما سحرًا وَلَا كفرا وَلَا أَنَّهُمَا عصيا وَإِنَّمَا ذكر ذَلِك فِي خرافة مَوْضُوعَة لَا نصح من طَرِيق الْإِسْنَاد أصلا وَلَا هِيَ أَيْضا مَعَ ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا هِيَ مَوْقُوفَة على من قَالَ من دونه ﵇ فَسقط التَّعَلُّق بهَا وَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَهَذَا التَّفْسِير الْأَخير هُوَ نَص الْآيَة دون تكلّف تَأْوِيل وَلَا تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير وَلَا زِيَادَة فِي الْآيَة وَلَا نقص مِنْهَا بل هُوَ ظَاهرهَا وَالْحق الْمَقْطُوع بِهِ عِنْد الله تَعَالَى يَقِينا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قيل كَيفَ تصح هَذِه التَّرْجَمَة أَو الْأُخْرَى وَأَنْتُم تَقولُونَ أَن الْمَلَائِكَة لَا يُمكن أَن يراهم إِلَّا نَبِي وَكَذَلِكَ الشَّيَاطِين وَلَا فرق فَكيف تعلم الْمَلَائِكَة النَّاس أَو كَيفَ تعلم الْجِنّ النَّاس قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أما الْمَلَائِكَة فيعلمون من أرْسلُوا إِلَيْهِ من الْأَنْبِيَاء خَاصَّة وينهونهم عَن الْكفْر كَمَا نهى النَّبِي ﵊ عَن الْكفْر فِي نَص الْقُرْآن وَأما الشَّيَاطِين فتعلم النَّاس بالوسوسة فِي الصُّدُور وتزيين الْبَاطِل أَو يتَمَثَّل فِي صُورَة إِنْسَان كَمَا تمثل يَوْم بدر فِي صُورَة سراقَة بن مَالك بن جعثم قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ زين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم وَقَالَ لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَأَنِّي جَار لكم فَلَمَّا تراءت الفئتان نكص على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْكُم إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ إِنِّي أَخَاف الله﴾ وَأما الْحور الْعين فنسو أَن مكرمات مخلوقات فِي الْجنَّة لأولياء الله عافلات مميزات مطيعات لله تَعَالَى فِي النَّعيم خُلِقْنَ فِيهِ ويخلدن بِلَا نِهَايَة لَا يعصين الْبَتَّةَ وَالْجنَّة إِذْ دَخلهَا أَهلهَا المخلدون فَلَيْسَتْ دَار
стр. 448
مَعْصِيّة وَكَذَلِكَ أهل الْجنَّة لَا يعصون فِيهَا أصلا بل هم فِي نعيم وَحمد لله تَعَالَى وَذكر لَهُ والتذاذ بِأَكْل وَشرب ولباس وَوَطْء لَا يخْتَلف فِي ذَلِك من أهل الْإِسْلَام اثْنَان وَبِذَلِك جَاءَ الْقُرْآن وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما الْولدَان المخلدون فهم أَوْلَاد النَّاس الَّذين مَاتُوا قبل الْبلُوغ كَمَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَن الله تَعَالَى يخلق خلقا يمْلَأ الْجنَّة بهم فَنحْن نقر بِهَذَا وَلَا نَدْرِي أمتعبدون مطيعون أم مبتدئون فِي الْجنَّة وَالله تَعَالَى يخلق مَا يَشَاء ويختار مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة وَأما الْجِنّ فَإِن رَسُول الله ﷺ بعث إِلَيْهِم بدين الْإِسْلَام هَذَا مَا لَا خلاف فِيهِ بَين أحد من الْأمة فكافرهم فِي النَّار مَعَ كافرنا وَأما مؤمنهم فقد اخْتلف النَّاس فيهم فَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا ثَوَاب لَهُم وَقَالَ ابْن أبي ليلى وَأَبُو يُوسُف وَجُمْهُور النَّاس إِنَّهُم وَالْجنَّة وَبِهَذَا نقُول لقَوْل الله ﴿أعدت لِلْمُتقين﴾ وَلقَوْله تَعَالَى حاكياً عَنْهُم ومصدقاً لمن قَالَ ذَلِك مِنْهُم ﴿وَإِنَّا لما سمعنَا الْهدى آمنا بِهِ﴾ وَقَوله تَعَالَى حاكياً عَنْهُم ﴿قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ فَقَالُوا إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا عجبا يهدي إِلَى الرشد فَآمَنا بِهِ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أَن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة جزاؤهم عِنْد رَبهم جنَّات عدن تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ ٦ إِلَى آخر السُّورَة وَهَذِه صفة تعم الْجِنّ وَالْإِنْس عُمُوما لَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يخص مِنْهَا أحد النَّوْعَيْنِ فَيكون فَاعل ذَلِك قَائِلا على الله مَا لَا يعلم وَهَذَا حرَام وَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكون الله تَعَالَى يخبرنا بِخَبَر عَام وَهُوَ لَا يُرِيد إِلَّا بعض مَا أخبرنَا بِهِ ثمَّ لَا يبين ذَلِك لنا هَذَا هُوَ ضد الْبَيَان الَّذِي ضمنه لنا فَكيف وَقد نَص على أَنهم آمنُوا فَوَجَبَ أَنهم من جملَة الْمُؤمنِينَ الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة وَلَا بُد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِذا الْجِنّ متعبدون فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ فضلت على الْأَنْبِيَاء بست فَذكر فِيهَا أَنه ﵇ بعث إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود وَكَانَ من قبله من الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا يبْعَث إِلَى قومه خَاصَّة وَقد نَص ﵇ على أَنه بعث إِلَى الْجِنّ وَقَالَ ﴿قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ فَقَالُوا إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا عجبا يهدي إِلَى الرشد فَآمَنا بِهِ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنا منا الْمُسلمُونَ وَمنا القاسطون فَمن أسلم فَأُولَئِك تحروا رشدا وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا﴾ وَإِذا الْأَمر كَمَا ذكرنَا فَلم يبْعَث إِلَى الْجِنّ نَبِي من الْإِنْس الْبَتَّةَ قبل مُحَمَّد ﷺ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْجِنّ من قوم أنسي وباليقين نَدْرِي أَنهم قد أنذروا فصح أَنهم جَاءَهُم أَنْبيَاء مِنْهُم قَالَ تَعَالَى ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم﴾ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
١ - تمّ الْجُزْء الثَّالِث ويليه الْجُزْء الرَّابِع أَوله هَل تعصى الْأَنْبِيَاء
стр. 449
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَل تعصى الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) اخْتلف النَّاس فِي هَل تعصى الْأَنْبِيَاء ﵈ أم لَا فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن رسل الله صلى الله عَلَيْهِم وَسلم يعصون الله فِي جَمِيع الْكَبَائِر والصغائر عمدا حاشى الْكَذِب فِي التَّبْلِيغ فَقَط وَهَذَا قَول الكرامية من المرجئة وَقَول ابْن الطّيب الباقلاني من الأشعرية وَمن اتبعهُ وَهُوَ قَول الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسمعت من يَحْكِي عَن بعض الكرامية أَنهم يجرزون على الرُّسُل ﵈ الْكَذِب فِي التَّبْلِيغ أَيْضا وَأما هَذَا الباقلاني فانا رَأينَا فِي كتاب صَاحبه أبي جَعْفَر السمناني قَاضِي الْموصل أَنه كَانَ يَقُول إِن كل ذَنْب دق أوجل فَإِنَّهُ جَائِز على الرُّسُل حاشى الْكَذِب فِي التَّبْلِيغ فَقَط قَالَ وَجَائِز عَلَيْهِم أَن يكفروا قَالَ وَإِذا نهى النَّبِي ﵇ عَن شَيْء ثمَّ فعله فَلَيْسَ ذَلِك دَلِيلا على أَن ذَلِك النَّهْي قد نسخ لِأَنَّهُ قد يَفْعَله عَاصِيا لله قَالَ وَلَيْسَ لأَصْحَابه أَن ينكروا ذَلِك عَلَيْهِ وَجوز أَن يكون فِي أمة مُحَمَّد ﵇ من هُوَ أفضل من مُحَمَّد ﵊ مذ بعث إِلَى أَن مَاتَ
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا كُله كفر مُجَرّد وسرك مَحْض وردة عَن الْإِسْلَام قَاطِعَة للولاية مبيحة دم من دَان بهَا وَمَاله مُوجبَة للبراءة مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الْإِشْهَاد وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يجوز عَلَيْهِم كَبِيرَة من الْكَبَائِر أصلا وجوزوا عَلَيْهِم الصَّغَائِر بالعمد وَهُوَ قَول ابْن فورك الْأَشْعَرِيّ وَذَهَبت جَمِيع أهل الْإِسْلَام من أهل السّنة والمعتزلة والنجارية والخوارج والشيعة إِلَى أَنه لَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يَقع من نَبِي أصلا مَعْصِيّة بعمد لَا صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَهُوَ قَول ابْن مُجَاهِد الْأَشْعَرِيّ شيخ ابْن فورك والباقلاني الْمَذْكُورين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا القَوْل الَّذِي ندين الله تَعَالَى بِهِ وَلَا يحل لأحد أَن يدين بسواه ونقول أَنه يَقع من الْأَنْبِيَاء السَّهْو عَن غير قصد وَيَقَع مِنْهُم أَيْضا قصد الشَّيْء يُرِيدُونَ بِهِ وَجه الله تَعَالَى والتقرب مِنْهُ فيوافق خلاف مُرَاد الله تَعَالَى إِلَّا أَنه تَعَالَى لَا يقرهم على شَيْء من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ أصلا بل ينبههم على ذَلِك وَلَا يداثر وُقُوعه مِنْهُم وَيظْهر ذَلِك لِعِبَادِهِ وَيبين لَهُم كَمَا فعل نبيه ﷺ فِي سَلامَة من إثنتين وقيامه من اثْنَتَيْنِ وَرُبمَا عَاتَبَهُمْ على ذَلِك بالْكلَام كَمَا فعل نبيه ﵇ فِي أَمر زَيْنَب أم الْمُؤمنِينَ وَطَلَاق زيد لَهَا رَضِي الله عَنْهُمَا
стр. 450
عَنْهُمَا وَفِي قصَّة إِبْنِ مكنوم ﵁ وَرُبمَا يبغض الْمَكْرُوه فِي الدُّنْيَا كَالَّذي أصَاب آدم وَيُونُس عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام والأنبياء ﵈ بخلافنا فِي هَذَا فإننا غير مؤآخذين بِمَا سهونا فِيهِ وَلَا بِمَا قصدنا بِهِ وَجه الله فَلم يُصَادف مُرَاده تَعَالَى بل نَحن مأجورون على هَذَا الْوَجْه أجرا وَاحِدًا وَقد أخبر رَسُول الله ﷺ أَن الله تَعَالَى قرن بِكُل أحد شَيْطَانا وَأَن الله تَعَالَى أَعَانَهُ على شَيْطَانه فَاسْلَمْ فَلَا يَأْمُرهُ إِلَّا بِخَير وَأما الْمَلَائِكَة فبرآء من كل هَذَا لأَنهم خلقُوا من نور مَحْض لَا شوب فِيهِ والنور خير كُله لَا كدر فِيهِ حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف حَدثنَا أَحْمد بن فتح حَدثنَا عبد الْوَهَّاب بن عِيسَى حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ حَدثنَا مُسلم بن الْحجَّاج عَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ خلقت الْمَلَائِكَة من نور وَخلق الجان من مارج من نَار وَخلق آدم مِمَّا وصف
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) واحتجت الطَّائِفَة الأولى بآيَات من الْقُرْآن وأخبار وَردت وَنحن إِن شَاءَ الله نذكرها ونبين غلطهم فِيهَا بالبراهين الْوَاضِحَة الضرورية وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
الْكَلَام فِي آدم ﵇
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فمما احْتَجُّوا بِهِ قَول الله ﴿وَعصى آدم ربه فغوى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين﴾ قَالُوا فقر بهَا آدم فَكَانَ من الظَّالِمين وَقد عصى وغوى وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ والمتاب لَا يكون إِلَّا من ذَنْب وَقَالَ تَعَالَى ﴿فازلهما الشَّيْطَان﴾ وإزلال الشَّيْطَان مَعْصِيّة وَذكروا قَول الله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا آتاهما صَالحا جعلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتاهما﴾ هَذَا كل مَا ذكرُوا فِي آدم ﵇
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا كُله بِخِلَاف مَا ظنُّوا أما قَوْله تَعَالَى وَعصى آدم ربه فغوى فقد علمنَا أَن كل خلاف لأمر آمُر فصورته صُورَة الْمعْصِيَة فيسمى مَعْصِيّة لذَلِك وغواية إِلَّا أَنه مِنْهُ مَا يكون عَن عَن عمد وَذكر فَهَذِهِ مَعْصِيّة على الْحَقِيقَة لِأَن فاعلها قَاصد إِلَى الْمعْصِيَة وَهُوَ يدْرِي أَنَّهَا مَعْصِيّة وَهَذَا هُوَ الَّذِي نزهها عَنهُ الْأَنْبِيَاء ﵈ وَمِنْه مَا يكون عَن قصد إِلَى خلاف ماأمر بِهِ وَهُوَ يتاول فِي ذَلِك الْخَيْر وَلَا يدْرِي أَنه عَاص بذلك بل يظنّ أَنه مُطِيع لله تَعَالَى أَو أَن ذَلِك مُبَاح لَهُ لِأَنَّهُ يتاول أَن الْأَمر الْوَارِد عَلَيْهِ لَيْسَ على معنى الْإِيجَاب وَلَا على التَّحْرِيم لَكِن أما على النّدب أَن كَانَ بِلَفْظ الْأَمر أَو الْكَرَاهِيَة إِن كَانَ بِلَفْظ النَّهْي وَهَذَا شَيْء يَقع فِيهِ الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء الأفاضل كثيرا وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقع من الْأَنْبِيَاء ﵈ ويؤاخذون بِهِ إِذا وَقع مِنْهُم وعَلى هَذَا السَّبِيل أكل آدم من الشَّجَرَة وَمعنى قَوْله تَعَالَى ﴿فتكونا من الظَّالِمين﴾ أَي ظالمين لأنفسكما وَالظُّلم فِي اللُّغَة وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه فَمن وضع الْأَمر أَو النَّهْي فِي مَوضِع النّدب أَو الْكَرَاهِيَة فقد وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَهَذَا الظُّلم من هَذَا النَّوْع من الظُّلم الَّذِي يَقع بِغَيْر قصد وَلَيْسَ مَعْصِيّة لَا الظُّلم الَّذِي هُوَ الْقَصْد إِلَى الْمعْصِيَة وَهُوَ يدْرِي أَنَّهَا مَعْصِيّة وبرهان هَذَا مَا قد نَصه الله تَعَالَى من أَن آدم ﵇ لم يَأْكُل من الشَّجَرَة إِلَّا بعد أَن أقسم لَهُ إِبْلِيس أَن نهى الله لَهما عَن أكل الشَّجَرَة لَيْسَ على التَّحْرِيم وإنهما لَا يستحقان بذلك عُقُوبَة أصلا بل يستحقان بذلك الْجَزَاء الْحسن وَفَوْز الْأَبَد قَالَ تَعَالَى حاكياً عَن إِبْلِيس أَنه
﴿وَقَالَ مَا نهاكما رَبكُمَا عَن هَذِه الشَّجَرَة إِلَّا أَن تَكُونَا ملكَيْنِ أَو تَكُونَا من الخالدين وقاسمهما أَنِّي لَكمَا لمن الناصحين فدلاهما بغرور﴾
стр. 451
وَقد قَالَ ﴿وَلَقَد عهدنا إِلَى آدم من قبل فنسي وَلم نجد لَهُ عزما﴾
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَمَا نسي آدم ﵇ عهد الله إِلَيْهِ فِي أَن إِبْلِيس عَدو لَهُ أحسن الظَّن بِيَمِينِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا سَلامَة وَلَا بَرَاءَة من الْقَصْد إِلَى الْمعْصِيَة وَلَا أبعد من الجراءة على الذُّنُوب أعظم من حَال من ظن أَن أحدا لَا يحلف حانثاً وَهَكَذَا فعل آدم عَلَيْهِ ﵇ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أكل من الشَّجَرَة الَّتِي نَهَاهُ الله عَنْهَا نَاسِيا بِنَصّ الْقُرْآن ومتأولا وقاصداً إِلَى الْخَيْر لِأَنَّهُ قدر أَنه يزْدَاد خظوة عِنْد الله تَعَالَى فَيكون ملكا مقرباً أَو خَالِدا فِيمَا هُوَ فِيهِ أبدا فأداه ذَلِك إِلَى خلاف مَا أمره الله بِهِ وَكَانَ الْوَاجِب أَن يحمل أَمر ربه على ظَاهره لَكِن تَأَول وَأَرَادَ الْخَيْر فَلم يصبهُ وَلَو فعل هَذَا عَالم من عُلَمَاء الْمُسلمين لَكَانَ مأجورا وَلَكِن آدم ﵇ لما فعله وَوجد بِهِ إِخْرَاجه عَن الْجنَّة إِلَى نكد الدُّنْيَا كَانَ بذلك ظَالِما لنَفسِهِ وَقد سمى الله قَاتل الْخَطَأ قَاتلا كَمَا سمى الْعَامِد والمخطئ لم يتَعَمَّد مَعْصِيّة وَجعل فِي الْخَطَأ فِي ذَلِك كَفَّارَة عتق رَقَبَة أَو صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين لمن عجز عَن الرَّقَبَة وَهُوَ لم يتَعَمَّد ذَنبا وَأما قَوْله ﴿لَئِن آتيتنا صَالحا لنكونن من الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتاهما صَالحا جعلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتاهما﴾ فَهَذَا تَكْفِير لآدَم ﵇ وَمن نسب لآدَم ﵇ الشّرك وَالْكفْر كفرا مُجَردا بِلَا خلاف من أحد من الْأمة وَنحن ننكر على من كفر الْمُسلمين العصاة العشارين القتالين وَالشّرط الْفَاسِقين فَكيف من كفر الْأَنْبِيَاء ﵈ وَهَذَا الَّذِي نسبوه إِلَى آدم ﵇ من أَنه سمى ابْنه عبد الْحَارِث خرافة مَوْضُوعَة مكذوبة من تأليف من لَا دين لَهُ وَلَا حَيَاء لم يَصح سندها قطّ وَإِنَّمَا نزلت فِي الْمُشْركين على ظَاهرهَا وَحَتَّى لَو صَحَّ أَنَّهَا نزلت فِي آدم وَهَذَا لَا يَصح أصلا لما كَانَت فِيهِ للمخالف حجَّة لِأَنَّهُ كَانَ يكون الشّرك أَو الشُّرَكَاء المذكورون فِي الْآيَة حِينَئِذٍ على غير الشّرك الَّذِي هُوَ الْكفْر لَكِن يمعنى أَنَّهُمَا جعلا مَعَ توكلهما شركَة من حفظه وَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ يَعْقُوب ﵇ ﴿يَا بني لَا تدْخلُوا من بَاب وَاحِد وادخلوا من أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة وَمَا أُغني عَنْكُم من الله من شَيْء إِن الحكم إِلَّا لله عَلَيْهِ توكلت وَعَلِيهِ فَليَتَوَكَّل المتوكلون وَلما دخلُوا من حَيْثُ أَمرهم أبوهم مَا كَانَ يُغني عَنْهُم من الله من شَيْء إِلَّا حَاجَة فِي نفس يَعْقُوب قَضَاهَا وَأَنه لذُو علم لما علمناه وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ فَأخْبرنَا أَن يَعْقُوب ﵇ أَمرهم أَن يدخلُوا من أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة إشفاقاً عَلَيْهِم أما من إِصَابَة الْعين وَإِمَّا من تعرض عَدو أَو مستريب باجماعهم أَو بِبَعْض مَا يخوفه عَلَيْهِم وَهُوَ ﵇ معترف أَن فعله ذَلِك وَأمره إيَّاهُم بِمَا أَمرهم بِهِ من ذَلِك لَا يُغني عَنْهُم من الله شَيْئا يُريدهُ بهم وَلَكِن لما كَانَت طبيعة الْبشر جَارِيَة فِي يَعْقُوب ﵇ وَفِي سَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ كَمَا قَالَ تَعَالَى حاكياً عَن الرُّسُل أَنهم قَالُوا ﴿إِن نَحن إِلَّا بشر مثلكُمْ﴾ حملهمْ ذَلِك على بعض النّظر المخفف لحَاجَة النَّفس ونزاعها وتوقها إِلَى سَلامَة من يجب وَإِن كَانَ ذَلِك لَا يُغني شَيْئا كَمَا كَانَ ﵇ يحب الفال الْحسن فَكَانَ يكون على هَذَا معنى الشّرك والشركاء أَن يكون عوذة أَو تَمِيمَة أَو نَحْو هَذَا فَكيف وَلم تنزل الْآيَة قطّ إِلَّا فِي الْكفَّار لَا فِي آدم ﵇
الْكَلَام فِي نوح ﵇
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ذكرُوا قَول الله لنوح ﴿فَلَا تسألن مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِنِّي أعظك أَن تكون من الْجَاهِلين﴾
стр. 452
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن نوحًا ﵇ تاول وعد الله تَعَالَى أَن يخلصه وَأَهله فَظن أَن ابْنه من أَهله على ظَاهر الْقَرَابَة وَهَذَا لَو فعله أحد لَكَانَ مأجوراً وَلم يسْأَل نوح تَخْلِيص من أَيقَن أَنه لَيْسَ من أَهله فتفرع على ذَلِك نهى عَن أَن يكون من الْجَاهِلين فتندم ﵇ من ذَلِك وَنزع وَلَيْسَ هَا هُنَا عمد للمعصية الْبَتَّةَ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
الْكَلَام فِي إِبْرَاهِيم ﵇
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذكرُوا مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ من أَن إِبْرَاهِيم ﵇ كذب ثَلَاث كذبات وَأَنه قَالَ إِذْ نظر فِي النُّجُوم أَنِّي سقيم وَبِقَوْلِهِ فِي الْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَهَذَا رَبِّي بقوله فِي سارة هَذِه أُخْتِي وَبِقَوْلِهِ فِي الْأَصْنَام إِذْ كسرهَا بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا وبطلبه إِذْ طلب رُؤْيَة إحْيَاء الْمَوْتَى قَالَ أولم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا كُله لَيْسَ على مَا ظنوه بل هوحجة لنا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين أما الحَدِيث أَنه ﵇ كذب ثَلَاث كذبات فَلَيْسَ كل كذب مَعْصِيّة بل مِنْهُ مَا يكون طَاعَة لله وفرضاً وَاجِبا يعْصى من تَركه صَحَّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَيْسَ الْكذَّاب الَّذِي يصلح بَين النَّاس فينمي خيرا وَقد أَبَاحَ ﵇ كذب الرجل لامْرَأَته فِيمَا يستجلب بِهِ مودتها وَكَذَلِكَ الْكَذِب فِي الْحَرْب وَقد أجمع أهل الْإِسْلَام على أَن إنْسَانا لَو سمع مَظْلُوما قد ظلمه سُلْطَان وَطَلَبه ليَقْتُلهُ بِغَيْر حق وَيَأْخُذ مَاله غصبا فاستتر عِنْده وسَمعه يَدْعُو على من ظلمه قَاصِدا بذلك السُّلْطَان بذلك السَّامع عَمَّا سَمعه مِنْهُ وَعَن مَوْضِعه فَإِنَّهُ إِن كتم مَا سمع وَأنكر أَن يكون سَمعه أَو أَنه يعرف مَوْضِعه أَو مَوضِع مَاله فَإِنَّهُ محسن مأجور مُطِيع لله وَأَنه أَن صدقه فَأخْبرهُ بِمَا سَمعه مِنْهُ وبموضعه وَمَوْضِع مَاله كَانَ فَاسِقًا عَاصِيا لله فَاعل كَبِيرَة مذموما تَمامًا وَقد ابيح الْكَذِب فِي إِظْهَار الْكفْر فِي التقية وكل مَا روى عَن إِبْرَاهِيم ﵇ فِي تِلْكَ الكذبات فَهُوَ دَاخل فِي الصّفة المحمودة لَا فِي الْكَذِب الَّذِي نهى عَنهُ وَأما عَن قَوْله عَن سارة هِيَ أُخْتِي فَصدق هِيَ أُخْته من وَجْهَيْن قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أخوة﴾ وَقَالَ ﵇ لَا يخْطب أحدكُم على خطْبَة أَخِيه وَالْوَجْه الثَّانِي الْقَرَابَة وَإِنَّهَا من قومه وَمن مستجيبيه قَالَ وَإِلَى مَدين أَخَاهُم شعيباً فَمن عد هَذَا كذبا مذموماً من إِبْرَاهِيم ﵇ فليسعده كذبا من ربه وَهَذَا كفر مُجَرّد فصح أَنه ﵇ صَادِق فِي قَوْله سارة أُخْته وَأما قَوْله فَنظر نظرة فِي النُّجُوم فَقَالَ إِنِّي سقيم فَلَيْسَ هَذَا كذبا ولسنا ننكر أَن تكون النُّجُوم دَلَائِل على الصِّحَّة وَالْمَرَض وَبَعض مَا يحدث فِي الْعَالم كدلالة الْبَرْق على نعول الْبَحْر وكدلالة الرَّعْد على تولد الكمأة وكتولد الْمَدّ والجزر على طُلُوع الْقَمَر وغروبه وأعذار وارتفاعه وامتلائه ونقصه وَإِنَّمَا الْمُنكر قَول من قَالَ أَن الْكَوَاكِب هِيَ الفاعلة الْمُدبرَة لذَلِك دون الله تَعَالَى أَو مُشْتَركَة مَعَه فَهَذَا كفر من قَائِله وَأما قَوْله ﵇ بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا فَإِنَّمَا هُوَ تقريع لَهُم وتوبيخ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم﴾ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مهان ذليل معذب فِي النَّار فكلا الْقَوْلَيْنِ توبيخ لمن قيلا لَهُ على ظنهم أَن الْأَصْنَام تفعل الْخَيْر وَالشَّر وعَلى ظن المعذب فِي نَفسه فِي الدُّنْيَا إِنَّه عَزِيز كريم وَلم يقل إِبْرَاهِيم هَذَا على أَنه مُحَقّق لِأَن كَبِيرهمْ فعله إِذا كذب إِنَّمَا هُوَ الْإِخْبَار عَن الشَّيْء بِخِلَاف مَا هُوَ عَلَيْهِ قصد إِلَى تَحْقِيق ذَلِك وَأما قَوْله ﵇ إِذْ رأى الشَّمْس وَالْقَمَر هَذَا رَبِّي فَقَالَ قوم إِن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 453
قَالَ ذَلِك محققاً أول خُرُوجه من الْغَار وَهَذَا خرافة مَوْضُوعَة مكذوبة ظَاهِرَة الافتعال وَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يبلغ أحد حد التميز وَالْكَلَام بِمثل هَذَا وَهُوَ لم ير قطّ شمساً وَلَا قمراً وَلَا كوكباً وَقد أكذب الله هَذَا الظَّن الْكَاذِب بقوله الصَّادِق وَلَقَد آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رشده من قبل وَكُنَّا بِهِ عَالمين فمحال أَن يكون من اتاه الله رشده من قبل يدْخل فِي عقله أَن الْكَوَاكِب ربه أَو أَن الشَّمْس ربه من أجل أَنَّهَا أكبر قرصاً من الْقَمَر هَذَا مَا لَا يَظُنّهُ إِلَّا مَجْنُون الْعقل وَالصَّحِيح من ذَلِك أَنه ﵇ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك موبخاً لِقَوْمِهِ كَمَا قَالَ لَهُم نَحْو ذَلِك فِي الْكَبِير من الْأَصْنَام وَلَا فرق لأَنهم كَانُوا على دبن الصابئين يعْبدُونَ الْكَوَاكِب ويصورون الْأَصْنَام على صورها وأسمائها فِي هياكلهم ويعيدون لَهَا الأعياد ويذبحون لعا الذَّبَائِح ويقربون لَهَا الْقرب والقرابين والدخن وَيَقُولُونَ أَنَّهَا تعقل وتدبر وتضر وَتَنْفَع ويقيمون لكل كَوْكَب مِنْهَا شَرِيعَة محدودة فوبخهم الْخَلِيل ﵇ على ذَلِك وسخر مِنْهُم وَجعل يُرِيهم تَعْظِيم الشَّمْس لكبر جرمها كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فاليوم الَّذين آمنُوا من الْكفَّار يَضْحَكُونَ﴾ فاراهم ضعف عُقُولهمْ فِي تعظيمهم لهَذِهِ الأجرام المسخرة الجمادية وَبَين لهمأنهم مخطئون وَأَنَّهَا مُدبرَة تنْتَقل فِي الْأَمَاكِن ومعاذ الله أَن يكون الْخَلِيل ﵇ أشرك قطّ بربه أَو شكّ فِي أَن الْفلك بِكُل مَا فِيهِ مَخْلُوق وبرهان قَوْلنَا هَذَا إِن الله تَعَالَى لم يعاتبه على شَيْء مِمَّا ذكر وَلَا عنفه على ذَلِك بل صدقه تَعَالَى بقوله ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه نرفع دَرَجَات من نشَاء﴾ فصح هَذَا بِخِلَاف مَا وَقع لآدَم وَغَيره بل وَافق مُرَاد الله بِمَا قَالَ من ذَلِك وَبِمَا فعل وَأما قَوْله ﵇ رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى قَالَ أولم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن ليطوئن قلبِي فَلم يقرره رَبنَا وَهُوَ يشك فِي إِيمَان إِبْرَاهِيم عَبده وخليله وَرَسُوله ﵇ تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَلَكِن تَقْرِير الْإِيمَان فِي قلبه وَإِن لم ير كَيْفيَّة إحْيَاء الْمَوْتَى فَأخْبر ﵇ عَن نَفسه أَنه مُؤمن مُصدق وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يرى الْكَيْفِيَّة فَقَط وَيعْتَبر بذلك وَمَا شكّ إِبْرَاهِيم ﵇ فِي أَن الله تَعَالَى يحيي الْمَوْتَى وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يرى الْهَيْئَة كَمَا أننا لَا نشك فِي صِحَة وجود الْفِيل والتمساح والكسوف وَزِيَادَة النَّهر والخليفة ثمَّ يرغب من لم ير لَك منافي أَن يرى كل ذَلِك وَلَا يشك فِي أَنه حق لَكِن ليرى الْعجب الَّذِي يتمثله وَلم تقع عَلَيْهِ حاسة بَصَره فَقَط وَأما مَا روى عَن النَّبِي ﷺ نَحن أَحَق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم فَمن ظن أَن النَّبِي ﷺ شكّ قطّ فِي قدرَة ربه على إحْيَاء الْمَوْتَى فقد كفر وَهَذَا الحَدِيث حجَّة لنا على نفي الشَّك عَن إِبْرَاهِيم أَي لَو كَانَ الْكَلَام من إِبْرَاهِيم ﵇ شكا لَكَانَ من لم يُشَاهد من الْقُدْرَة مَا شَاهد إِبْرَاهِيم ﵇ أَحَق بِالشَّكِّ فَإِذا كَانَ من لم يُشَاهد من الْقُدْرَة مَا شَاهد إِبْرَاهِيم غير شَاك فإبراهيم ﵇ أبعد من الشَّك
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمن نسب هَا هُنَا إِلَى الْخَلِيل ﵇ الشَّك فقد نسب إِلَيْهِ الْكفْر وَمن كفر نَبيا فقد كفر وَأَيْضًا فَإِن كَانَ ذَلِك شكا من إِبْرَاهِيم ﵇ وَكُنَّا نَحن أَحَق بِالشَّكِّ مِنْهُ فَنحْن إِذا شكاك جاحدون كفار وَهَذَا كَلَام نعلم وَالْحَمْد لله بُطْلَانه من أَنْفُسنَا بل نَحن وَللَّه الْحَمد مُؤمنُونَ مصدقون بِاللَّه تَعَالَى وَقدرته على كل شَيْء يسْأَل عَنهُ السَّائِل وَذكروا قَول إِبْرَاهِيم ﵇ لِأَبِيهِ واستغفاره لَهُ وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَنَّهُ لم يكن نهى عَن ذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله تَبرأ مِنْهُ﴾ فائنى الله تَعَالَى عَلَيْهِ بذلك فصح أَن اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِنَّمَا كَانَ مُدَّة حَيَاته راجياً إيمَانه فَلَمَّا مَاتَ كَافِرًا تَبرأ مِنْهُ وَلم يسْتَغْفر لَهُ بعْدهَا تمّ الْكَلَام فِي إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 454
الْكَلَام فِي لوط ﵇
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَذكروا قَول الله تَعَالَى فِي لوط ﵇ أَنه قَالَ
لَو أَن لي بكم قُوَّة أَو أرى إِلَى ركن شَدِيد
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ رحم الله لوطاً لقد كَانَ يأوي إِلَى ركن شَدِيد فظنوا أَن هَذَا القَوْل مِنْهُ ﵇ إِنْكَار على لوط ﵇ أَيْضا
هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هن أطهر لكم
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ أما قَوْله ﵇ لَو أَن لي بكم قُوَّة أَو آوى إِلَى ركن شَدِيد فَلَيْسَ مُخَالفا لقَوْل رَسُول الله ﷺ رحم الله لوطاً لقد كَانَ يأوي إِلَى ركن شَدِيد بل كلا الْقَوْلَيْنِ مِنْهُمَا ﵉ حق مُتَّفق عَلَيْهِ لِأَن لوطاً ﵇ إِنَّمَا أَرَادَ مَنْعَة عاجلة يمْنَع بهَا قومه مِمَّا هم عَلَيْهِ من الْفَوَاحِش من قرَابَة وأو عشيرة أَو اتِّبَاع مُؤمنين وَمَا جهل قطّ لوط ﵇ أَنه يأوي من ربه تَعَالَى إِلَى أمنع قُوَّة وَأَشد ركن وَلَا جنَاح على لوط ﵇ فِي طلب قُوَّة من النَّاس فقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض﴾ فَهَذَا الَّذِي طلب لوط ﵇ وَقد طلب رَسُول الله ﷺ من الْأَنْصَار والمهاجرين مَنْعَة حَتَّى يبلغ كَلَام ربه تَعَالَى فَكيف يُنكر على لوط أمرا هُوَ فعله ﵇ تالله مَا أنكر ذَلِك رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا أخبر ﵇ أَن لوطاً كَانَ يأوي إِلَى ركن شَدِيد يَعْنِي من نصر الله لَهُ بِالْمَلَائِكَةِ وَلم يكن لوط علم بذلك وَمن اعْتقد أَن لوطاً كَانَ يعْتَقد أَنه لَيْسَ لَهُ من الله ركن شَدِيد فقد كفر إِذْ نسب إِلَى نَبِي من الْأَنْبِيَاء هَذَا الْكفْر وَهَذَا أَيْضا ظن سيخف إِذْ من الْمُمْتَنع أَن يظنّ بِرَبّ أرَاهُ المعجزات وَهُوَ دائباً يَدْعُو إِلَيْهِ هَذَا الظَّن وَأما قَوْله ﵇ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هن فَإِنَّمَا أَرَادَ الترويج وَالْوَطْء فِي الْمَكَان الْمُبَاح فصح مَا قُلْنَا إِذْ من الْمحَال أَن يَدعُوهُم إِلَى مُنكر وَهُوَ ينهاهم عَن الْمُنكر انْقَضى الْكَلَام فِي لوط ﵇
الْكَلَام فِي أخوة يُوسُف ﵈
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَاحْتَجُّوا بِفعل أخوة يُوسُف وبيعهم أَخَاهُم وكذبهم لأبيهم وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن أخوة يُوسُف ﵇ لم يَكُونُوا أَنْبيَاء وَلَا جَاءَ قطّ فِي أَنهم أَنْبيَاء نَص لَا من قُرْآن وَلَا من سنة صَحِيحَة وَلَا من إِجْمَاع وَلَا من قَول أحد من الصَّحَابَة ﵃ وَإِمَّا يُوسُف ﷺ فَرَسُول الله بِنَصّ الْقُرْآن قَالَ ﴿وَلَقَد جَاءَكُم يُوسُف من قبل بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زلتم فِي شكّ مِمَّا جَاءَكُم بِهِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿من بعده رَسُولا﴾ وَأما أخوته فأفعالهم تشهد أَنهم لم يَكُونُوا متورعين عَن العظائم فَكيف أَن يَكُونُوا أَنْبيَاء وَلَكِن الرسولين أباهم وأخاهم قد استغفرا لَهُم وأسقطا التثريب عَنْهُم وبرهان مَا ذكرنَا من كذب من يزْعم أَنهم كَانُوا أَنْبيَاء قَول الله تَعَالَى حاكياً عَن الرَّسُول أخيهم ﵇ أَنه قَالَ لَهُم ﴿أَنْتُم شَرّ مَكَانا﴾ وَلَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يَقُوله نَبِي من الْأَنْبِيَاء نعم وَلَا لقوم صالحين إِذْ توقير الْأَنْبِيَاء فرض على جَمِيع النَّاس لِأَن الصَّالِحين لَيْسُوا شرا مَكَانا وَقد عق ابْن نوح أَبَاهُ أَكثر مِمَّا عق بِهِ أخوة يُوسُف أباهم إِلَّا أَن أخوة يُوسُف لم يكفروا وَلَا يحل لمُسلم أَن يدْخل فِي الْأَنْبِيَاء من لم يَأْتِ نَص وَلَا إِجْمَاع أَو نقل كَافَّة بِصِحَّة نبوته وَلَا فرق بَين التَّصْدِيق بنبوة من لَيْسَ نَبيا وَبَين التَّكْذِيب بنبوة من صحت نبوته مِنْهُم فَإِن ذكرُوا فِي ذَلِك ماروى عَن بعض الصَّحَابَة ﵃ وَهُوَ زيد بن أَرقم انمامات إِبْرَاهِيم بن رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ لَا نَبِي بعد رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَوْلَاد الْأَنْبِيَاء أَنْبيَاء فَهَذِهِ
стр. 455
غَفلَة شَدِيدَة وزلة عَالم من وُجُوه أَولهَا أَنه دَعْوَى لَا دَلِيل على صِحَّتهَا وَثَانِيها أَنه لَو كَانَ مَا ذكر لأمكن أَن ينبأ إِبْرَاهِيم فِي المهد كَمَا نبىء عِيسَى ﵇ وكما اوتي يحي الحكم صَبيا فعلى هَذَا القَوْل لَعَلَّ إِبْرَاهِيم كَانَ نبياوقد عَاشَ عَاميْنِ غير شَهْرَيْن وحاشا لله من هَذَا وَثَالِثهَا أَن ولد نوح كَانَ كافرابنص الْقُرْآن عمل عملا غير صَالح فَلَو كَانَ أَوْلَاد الْأَنْبِيَاء أَنْبيَاء لَكَانَ هَذَا الْكَافِر المسخوط عَلَيْهِ نَبيا وحاشا لله من هَذَا وَرَابِعهَا لَو كَانَ ذَلِك لوَجَبَ ولابد أَن تكون الْيَهُود كلهم أَنْبيَاء إِلَى الْيَوْم بل جَمِيع أهل الأَرْض أَنْبيَاء لِأَنَّهُ يلْزم أَن يكون الْكل من ولد آدم لصلبه انبياءلان اباهم نَبِي واولاده أَنْبيَاء أَيْضا لِأَن آبَاءَهُم أَنْبيَاء وهم أَوْلَاد أَنْبيَاء وَهَكَذَا أبدا حَتَّى يبلغ الْأَمر إِلَيْنَا وَفِي هَذَا من الْكفْر لمن قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة وَثَبت عَلَيْهِ مَالا خَفَاء بِهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلَعَلَّ من جهل مرَّتَيْنِ يَقُول عَنَّا هَذَا يُنكر نبوة أخوة يُوسُف وَيثبت نبوة نَبِي الْمَجُوس ونبوة أم مُوسَى وَأم عِيسَى وَأم إِسْحَاق ﵈ فَنحْن نقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَبِه نعتصم لسنا نقر بنبوة من لم يخبر الله بنبوته وَلم ينص رَسُول الله ﷺ على نبوته وَلَا نقلت الكواف عَن أَمْثَالهَا نقلا مُتَّصِلا مِنْهُ إِلَيْنَا معجزات النُّبُوَّة عَنهُ مِمَّن كَانَ قبل مبعث النَّبِي ﷺ بل ندفع نبوة من قَامَ الْبُرْهَان على بطلَان نبوته لِأَن تَصْدِيق نبوة من هَذِه صفته افتراء على الله تَعَالَى لَا يقدم عَلَيْهِ مُسلم وَلَا ندفع نبوة من جَاءَ الْقُرْآن بِأَن الله تَعَالَى نبأه فَأَما أم مُوسَى وَأم عِيسَى وَأم إِسْحَاق فالقرآن قد جَاءَ بمخاطبة الْمَلَائِكَة لبعضهن بِالْوَحْي وَإِلَى بعض مِنْهُنَّ عَن الله بالأنباء بِمَا يكون قبل أَن يكون وَهَذِه النُّبُوَّة نَفسهَا الَّتِي لَا نبوة غَيرهَا فَصحت نبوتهن بِنَصّ الْقُرْآن وَأما نَبِي الْمَجُوس فقد صَحَّ أَنهم أهل كتاب يَأْخُذ رَسُول الله ﷺ الْجِزْيَة مِنْهُم وَلم يبح الله تَعَالَى لَهُ أَخذ الْجِزْيَة إِلَّا من أهل الْكتاب فَقَط فَمن نسب إِلَى مُحَمَّد ﷺ أَنه أَخذ الْجِزْيَة من غير أهل الْكتاب فقد نسب إِلَيْهِ أَنه خَالف ربه تَعَالَى وأقدم على عَظِيمَة تقشعر مِنْهَا جُلُود الْمُؤمنِينَ فَإذْ نَحن على يَقِين من أَنهم أهل كتاب فَلَا سَبِيل الْبَتَّةَ إِلَى نزُول كتاب من عِنْد الله تَعَالَى على غير نَبِي مُرْسل بتبليغ ذَلِك الْكتاب فقد صَحَّ بالبرهان الضَّرُورِيّ أَنهم قد كَانَ لَهُم نَبِي مُرْسل يَقِينا بِلَا شكّ وَمَعَ هَذَا فقد نقلت عَنهُ كواف عَظِيمَة معجزات الْأَنْبِيَاء ﵈ وكل مَا نقلته كَافَّة على شَرط عدم التواطئ فَوَاجِب قبُوله وَلَا فرق بَين مَا نقلته كواف الْكَافرين أَو كواف الْمُسلمين فِيمَا شاهدته حواسهم وَمن قَالَ لَا أصدق إِلَّا مَا نقلته كواف الْمُسلمين فَإنَّا نَسْأَلهُ بِأَيّ شَيْء يَصح عِنْده موت مُلُوك الرّوم وَلم يحضرهم مُسلم أصلا وَإِنَّمَا نقلته إِلَيْنَا يهود عَن نَصَارَى وَمثل هَذَا كثير فَإِن كذب هَذَا غالط نَفسه وعقله وكابر حسه وَأَيْضًا فَإِن الْمُسلمين إِنَّمَا علمنَا أَنهم محقون لتحقيق نقل الكافة لصِحَّة مَا بِأَيْدِيهِم فبنقل الكافة علمنَا هدى الْمُسلمين وَلَا تعلم بِالْإِسْلَامِ صِحَة نقل الكافة بل هُوَ مَعْلُوم بِالْبَيِّنَةِ وضرورة الْعقل وَقد أخبر تَعَالَى أَن الْأَوَّلين زبر وَقَالَ تَعَالَى ﴿ورسلا قد قصصناهم عَلَيْك من قبل ورسلا لم نقصصهم عَلَيْك﴾ وَفِي هَذَا كِفَايَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
الْكَلَام فِي يُوسُف ﵇
وَذكروا أَيْضا أَخذ يُوسُف ﵇ أَخَاهُ وايحاشه أَبَاهُ عَلَيْهِ اسلام مِنْهُ وَأَنه أَقَامَ مُدَّة يقدر فِيهَا على أَن يعرف أَبَاهُ خَبره وَهُوَ يعلم مَا يقاسى بِهِ من الوجد عَلَيْهِ فَلم بِفعل وَلَيْسَ بَينه
стр. 456
بَينه وَبَينه إِلَّا عشر لَيَال وبإدخاله صواع الْملك فِي وعَاء أَخِيه وَلم يعلم بذلك سائراخوته ثمَّ أَمر من هتف أيتها العير أَنكُمْ لسارقون وهم لم يسرقوا شَيْئا وَبقول الله تَعَالَى وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه وبخدمته لفرعون وَبِقَوْلِهِ للَّذي كَانَ مَعَه فِي السجْن اذْكُرْنِي عِنْد رَبك
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وكل هَذَا لَا حجَّة لَهُم فِي شَيْء مِنْهُ وَنحن نبين ذَلِك بحول الله تَعَالَى وقوته فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أما أَخذه أَخَاهُ وايحاشه أَبَاهُ مِنْهُ فَلَا شكّ فِي أَن ذَلِك ليرفق بأَخيه وليعود أخوته إِلَيْهِ ولعلهم لَو مضوا بأَخيه لم يعودوا إِلَيْهِ وهم فِي مملكة أُخْرَى وَحَيْثُ لَا طَاعَة ليوسف ﵇ وَلَا لملك مصر هُنَالك وليكون ذَلِك سَببا لاجتماعه وَجمع شَمل جَمِيعهم وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يظنّ برَسُول الله ﷺ الَّذِي أُوتى الْعلم والمعرفة بالتأويل إِلَّا أحسن الْوُجُوه وَلَيْسَ مَعَ من خَالَفنَا نَص بِخِلَاف مَا ذكرنَا وَلَا يحل أَن يظنّ بِمُسلم فَاضل عقوق أَبِيه فَكيف برَسُول الله ﷺ وَأما ظنهم أَنه أَقَامَ مُدَّة يقدر فِيهَا عَليّ ويتعف أَبِيه خَبره وَلم يفعل فَهَذَا جهل شَدِيد مِمَّن ظن هَذَا لِأَن يَعْقُوب فِي أَرض كنعان من عمل فلسطين فِي قوم رحالين خصاصين فِي لِسَان آخر وَطَاعَة أُخْرَى وَدين آخر وَأمة أُخْرَى كَالَّذي بَيْننَا الْيَوْم وَبَين من يضافينا من بِلَاد النَّصَارَى كفاليش وَغَيرهَا أَو كصحراء البربر فَلم يكن عِنْد يُوسُف ﵇ علم بعد فِرَاقه أَبَاهُ بِمَا فعل وَلَا حَيّ هُوَ أَو ميت أَكثر من وعد الله تَعَالَى بِأَن ينبئهم بفعلهم بِهِ وَلَا وجد أحدا يَثِق بِهِ فَيُرْسل إِلَيْهِ للِاخْتِلَاف الَّذِي ذكرنَا وَإِنَّمَا يستسهل هَذَا الْيَوْم من يرى أَرض الشَّام ومصر لأمير وَاحِد وملة وَاحِدَة وَلِسَانًا وَاحِدًا وَأمة وَاحِدَة وَالطَّرِيق سابل والتجار ذاهبون وراجعون والرفاق سائرة ومقبلة وَالْبرد ناهضة وراجعة فَظن كل بَيْضَاء شحمة وَلم يكن الْأَمر حِينَئِذٍ كَذَلِك وَلَكِن كَمَا قدمنَا دَلِيل ذَلِك أَنه حِين أمكنه لم يُؤَخِّرهُ واستجلب أَبَاهُ وَأَهله أَجْمَعِينَ عِنْد ضَرُورَة النَّاس إِلَيْهِ انقيادهم لَهُ للجوع الَّذِي كَانَ عَم الأَرْض وامتيازهم من عِنْده فانتظر وعد ربه تَعَالَى الَّذِي وعده حِين ألقوه فِي الْجب فَأتوهُ ضارعين راغبين كَمَا وعده تَعَالَى فِي رُؤْيَاهُ قبل أَن يأتوه وَرب رَئِيس جليل شاهدنا من أَبنَاء البشاكس والافرنج لَو قدر على أَن يستجلب أَبَوَيْهِ لَكَانَ أَشد النَّاس بداراً إِلَى ذَلِك وَلَكِن الْأَمر تعذر عَلَيْهِم تعذراً أخرجه عَن الْإِمْكَان إِلَى الِامْتِنَاع فَهَذَا كَانَ أَمر يُوسُف ﵇ وَإِمَّا قَول يُوسُف لأخوته أَنكُمْ لسارقون وهم لم يسرقوا الصواع بل هُوَ الَّذِي كَانَ قد أدخلهُ فِي وعَاء أَخِيه دونهم فقد صدق ﵇ لأَنهم سَرقُوهُ من أَبِيه وباعوه وَلم يقل ﵇ أَنكُمْ سرقتم الصواع وَإِنَّمَا قَالَ تفقد صواع الْملك وَهُوَ فِي ذَلِك صَادِق لِأَنَّهُ كَانَ غير وَاجِد لَهُ فَكَانَ فَاقِد لَهُ بِلَا شكّ وَأما خدمته ﵇ لفرعون فَإِنَّمَا خدمه تقية وَفِي حق لاستنقاذ الله تَعَالَى بِحسن تَدْبيره وَلَعَلَّ الْملك أَو بعض خواصه قد آمن بِهِ إِلَّا أَن خدمته لَهُ على كل حَال حَسَنَة وَفعل خير وتوصل إِلَى الِاجْتِمَاع بِأَبِيهِ وَإِلَى الْعدْل وَإِلَى حَيَاة النُّفُوس إِذْ لم يقدر على المغالبة وَلَا أمكنه غير ذَلِك وَلَا مرية فِي أَن ذَلِك كَانَ مُبَاحا فِي شَرِيعَة يُوسُف ﵇ بِخِلَاف شريعتنا قَالَ الله تَعَالَى ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجاً﴾ وَأما سُجُود أَبَوَيْهِ فَلم يكن مَحْظُورًا فِي شريعتهما بل كَانَ فعلا حسنا وَتَحْقِيق رُؤْيَاهُ الصَّادِق من الله تَعَالَى وَلَعَلَّ ذَلِك السُّجُود كَانَ تَحِيَّة كسجود الْمَلَائِكَة لآدَم ﵇ إِلَّا أَن الَّذِي
стр. 457
لَا شكّ فِيهِ أَنه لم يكن سُجُود عبَادَة وَلَا تذلل وَإِنَّمَا كَانَ سُجُود كَرَامَة فَقَط بِلَا شكّ وَأما قَوْله ﵇ للَّذي كَانَ مَعَه فِي السجْن اذْكُرْنِي عِنْد رَبك فَمَا علمنَا الرَّغْبَة فِي الانطلاق من السجْن محظورة على أحد وَلَيْسَ فِي قَوْله ذَلِك دَلِيل على أَنه أغفل الدُّعَاء إِلَى الله لكنه رغب هَذَا الَّذِي كَانَ مَعَه فِي السجْن فِي فعل الْخَيْر وحضه عَلَيْهِ وَهَذَا فرض من وَجْهَيْن أَحدهمَا وجوب السَّعْي فِي كف الظُّلم عَنهُ وَالثَّانِي دعاؤه إِلَى الْخَيْر والحسنات وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿فأنساه الشَّيْطَان ذكر ربه﴾ فَالضَّمِير الَّذِي فِي أنساه وَهُوَ الْهَاء رَاجع إِلَى الْفَتى الَّذِي كَانَ مَعَه فِي السجْن أَي أَن الشَّيْطَان أنساه أَن يذكر ربه أَمر يُوسُف ﵇ وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون أنساه الشَّيْطَان ذكر الله تَعَالَى وَلَو ذكر الله لذكر حَاجَة يُوسُف ﵇ وبرهان ذَلِك قَول الله ﴿وادكر بعد أمة﴾ فصح يَقِينا أَن الْمَذْكُور بعد أمة هُوَ الَّذِي أنساه الشَّيْطَان ذكر ربه حَتَّى تذكر وَحَتَّى لَو صَحَّ أَن الضَّمِير من أنساه رَاجع إِلَى يُوسُف ﵇ لما كَانَ فِي ذَلِك نقص وَلَا ذَنْب إِذْ مَا كَانَ بِالنِّسْيَانِ فَلَا يبعد عَن الْأَنْبِيَاء وَأما قَوْله هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه فَلَيْسَ كَمَا ظن من لم يمعن النّظر حَتَّى قَالَ من الْمُتَأَخِّرين من قَالَ أَنه قعد مِنْهَا مقْعد الرجل من الْمَرْأَة ومعاذ الله من هَذَا أَن يظنّ بِرَجُل من صالحي الْمُسلمين أَو مستوريهم فَكيف برَسُول الله ﷺ فَقَط فَإِن قيل أَن هَذَا قد روى عَن ابْن عَبَّاس ﵁ من طَرِيق جَيِّدَة الْإِسْنَاد قُلْنَا نعم وَلَا حجَّة فِي قَول أحد إِلَّا فِيمَا صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ فَقَط وَالوهم فِي تِلْكَ الرِّوَايَة إِنَّمَا هِيَ بِلَا شكّ عَمَّن دون ابْن عَبَّاس أَو لَعَلَّ ابْن عَبَّاس لم يقطع بذلك إِذْ إِنَّمَا أَخذه عَمَّن لَا يدْرِي من هُوَ وَلَا شكّ فِي أَنه شَيْء سَمعه فَذكره لِأَنَّهُ ﵁ لم يحضر ذَلِك وَلَا ذكره عَن رَسُول الله ﷺ ومحال أَن يقطع ابْن عَبَّاس بِمَا لَا علم لَهُ بِهِ لَكِن معنى الْآيَة لَا يعدو أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَنه هم بالايقاع بهَا وضربها كَمَا قَالَ تَعَالَى وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وكما يَقُول الْقَائِل لقد هَمت بك لكنه ﵇ امْتنع من ذَلِك ببرهان أرَاهُ الله إِيَّاه اسْتغنى بِهِ عَن ضربهَا وَعلم أَن الْفِرَار أجدى عَلَيْهِ وَأظْهر لبراءته على مَا ظهر بعد ذَلِك من حكم الشَّاهِد بِأَمْر الْقد من الْقَمِيص وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْكَلَام تمّ عِنْد قَوْله وَلَقَد هَمت بِهِ ثمَّ ابْتَدَأَ تَعَالَى خَبرا آخر فَقَالَ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه وَهَذَا ظَاهر الْآيَة بِلَا تكلّف تَأْوِيل وَبِهَذَا نقُول حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله الطلمنكي حَدثنَا ابْن عون الله أَنبأَنَا إِبْرَاهِيم ابْن أَحْمد بن فراس حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَالم النَّيْسَابُورِي أَنا اسحق بن رَاهْوَيْةِ أَنا المؤمل ابْن إِسْمَاعِيل الْحِمْيَرِي حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس بن مَالك ﵁ إِن رَسُول الله ﷺ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ قَالَ رَسُول الله ﷺ لما قَالَهَا يُوسُف ﵇ قَالَ لَهُ جِبْرِيل يَا يُوسُف اذكر همك
стр. 458
فَقَالَ يُوسُف وَمَا ابرئ نَفسِي أَن النَّفس لأمارة بالسوء فَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث على معنى من الْمعَانِي تَحْقِيق الْهم بالفاحشة وَلكنه فِيهِ أَنه بأمرها وَهَذَا حق كَمَا قُلْنَا فَسقط هَذَا الِاعْتِرَاض وَصَحَّ الْوَجْه الأول وَالثَّانِي مَعًا إِلَّا أَن الْهم بالفاحشة بَاطِل مَقْطُوع على كل حَال وَصَحَّ أَن ذَلِك الْهم ضرب سيدته وَهِي خِيَانَة لسَيِّده إِذْ هم بِضَرْب امْرَأَته وبرهان ربه هَا هُنَا هُوَ النُّبُوَّة وعصمة الله إِيَّاه وَلَوْلَا الْبُرْهَان لَكَانَ يهم بالفاحشة وَهَذَا لَا شكّ فِيهِ وَلَعَلَّ من ينْسب هَذَا إِلَى النَّبِي الْمُقَدّس يُوسُف ينزه نَفسه الرذلة عَن مثل الْمقَام فَيهْلك وَقد خشى النَّبِي ﷺ الْهَلَاك على من ظن بِهِ ذَلِك الظَّن إِذْ قَالَ للأنصاريين حِين لقيهمَا هذذه صَفِيَّة
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمن الْبَاطِل الْمُمْتَنع أَن يظنّ ظان أَن يُوسُف ﵇ هم بِالزِّنَا وَهُوَ يسمع قَول الله تَعَالَى كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء فنسأل من خَالَفنَا عَن الْهم بِالزِّنَا بِسوء هُوَ أم غير سوء فَلَا بُد أَنه سوء وَلَو قَالَ إِنَّه لَيْسَ بِسوء لعاند الْإِجْمَاع فَإذْ هُوَ سوء وَقد صرف عَنهُ السوء فقد صرف عَنهُ الْهم بِيَقِين وَأَيْضًا فَإِنَّهَا قَالَت مَا جَزَاء من أَرَادَ بأهلك سوءا وَأنكر هُوَ ذَلِك فَشهد الصَّادِق الْمُصدق إِن كَانَ قمصه قد من دبر فَكَذبت وَهُوَ من الصَّادِقين فصح أَنَّهَا كذبت بِنَصّ الْقُرْآن وَإِذا كذبت بِنَصّ الْقُرْآن فَمَا أَرَادَ بهَا سوء فَمَا هم بِالزِّنَا قطّ وَلَو أَرَادَ بهَا الزِّنَا لكَانَتْ من الصَّادِقين وَهَذَا بَين جدا وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى عَنهُ انه قَالَ وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين فَاسْتَجَاب لَهُ ربه فصرف عَنهُ كيدهن فصح عَنهُ أَنه قطّ لم يصب إِلَيْهَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق تمّ الْكَلَام فِي يُوسُف ﵇
الْكَلَام فِي مُوسَى ﵇ وَأمه
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ذكرُوا قَول الله تَعَالَى ﴿وَأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا إِن كَادَت لتبدي بِهِ لَوْلَا أَن ربطنا على قَلبهَا﴾ فَمَعْنَاه فَارغًا من الْهم بمُوسَى جملَة لِأَن الله قد وعدها برده إِلَيْهَا إِذْ قَالَ لَهَا تَعَالَى ﴿إِنَّا رادوه إِلَيْك وجاعلوه من الْمُرْسلين﴾ فَمن الْبَاطِل الْمَحْض أَن يكون اله تَعَالَى ضمن لَهَا رده إِلَيْهَا ثمَّ يصبح قَلبهَا مَشْغُولًا بالهم بأَمْره هَذَا مَالا يظنّ بِذِي عقل أصلا وَإِنَّمَا معنى قَوْله تَعَالَى إِن كَادَت لتبدي بِهِ أَي سُرُورًا بِمَا أَتَاهُ الله من الْفضل وَقَوْلها لأخته قصيه إِنَّمَا هُوَ لترى أُخْته كَيْفيَّة قدرَة الله تَعَالَى فِي تخليصه من يَدي فِرْعَوْن عدوه بعد وُقُوعه فيهمَا وليتم بهَا مَا وعدها الله تَعَالَى من رده إِلَيْهَا فَبعثت أُخْته لترده بِالْوَحْي ذكرُوا قَول الله تَعَالَى عَن مُوسَى ﵇ فَأخذ بِرَأْس أَخِيه يجره إِلَيْهِ ﴿قَالَ يَا ابْن أم لَا تَأْخُذ بلحيتي وَلَا برأسي﴾ قَالُوا وَهَذِه مَعْصِيّة أَن يَأْخُذ بلحية أَخِيه وشعره
стр. 459
وَهُوَ نَبِي مثله وأسن مِنْهُ وَلَا ذَنْب لَهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَيْسَ كَمَا طنوا وَهُوَ خَارج على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن أَخذه بِرَأْس أَخِيه ليقبل بِوَجْهِهِ عَلَيْهِ وَيسمع عتابه لَهُ إِذْ تَأَخّر عَن اتِّبَاعه إِذْ رَآهُمْ ضلوا وَلم يَأْخُذ بِشعر أَخِيه قطّ إِذْ لَيْسَ ذَلِك فِي الْآيَة أصلا وَمن زَاد ذَلِك فِيهَا فقد كذب على الله تَعَالَى لَكِن هَارُون ﵇ خشيى بادرة من مُوسَى ﵇ وسطوة إِذْ رَآهُ قد اشْتَدَّ غَضَبه فَأَرَادَ توقيفه بِهَذَا الْكَلَام عَمَّا تخوفه مِنْهُ وَلَيْسَ فِي هَذِه الْآيَة مَا يُوجب غير مَا قُلْنَاهُ وَلَا أَنه مد يَده إِلَى أَخِيه أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَالثَّانِي أَن يكون هَارُون ﵇ قد يكون اسْتحق فِي نظر مُوسَى ﵇ النكير لتأخيره عَن لحاقه إِذْ رَآهُمْ ضلوا فَأخذ بِرَأْسِهِ مُنْكرا عَلَيْهِ وَلَو كَانَ هَذَا لَكَانَ إِنَّمَا فعله مُوسَى ﵇ غَضبا لرَبه وقاصداً بذلك رِضَاء الله تَعَالَى ولسنا نبعد هَذَا من الْأَنْبِيَاء ﵈ وَإِنَّمَا نبعد الْقَصْد إِلَى الْمعْصِيَة وهم يعلمُونَ أَنَّهَا مَعْصِيّة وَهَذَا هُوَ معنى مَا ذكره الله تَعَالَى عَن إِبْرَاهِيم خَلِيله ﷺ إِذْ قَالَ ﴿وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي خطيئتي يَوْم الدّين﴾ وَقَول الله تَعَالَى لمُحَمد ﷺ ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ إِنَّمَا الْخَطِيئَة الْمَذْكُورَة والذنُوب المغفورة مَا وَقع بنسيان أَو بِقصد إِلَى الله تَعَالَى إِرَادَة الْخَيْر فَلم يُوَافق رضَا الله بذلك فَقَط وَذكروا قَول مُوسَى ﵇ للخضر ﵇ أقتلت نفسا زكية بِغَيْر نفس فَأنْكر مُوسَى ﵇ الشَّيْء وَهُوَ لَا يُعلمهُ وَقد كَانَ أَخذ عَلَيْهِ الْعَهْد أَن لَا يسْأَله عَن شَيْء حَتَّى يحدث لَهُ مِنْهُ ذكرا فَهَذَا أَيْضا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن ذَلِك كَانَ على سَبِيل النسْيَان وَقد بَين مُوسَى ﵇ ذَلِك بقوله لَا تؤاخذني بِمَا نسيت وَلَا ترهقني من أَمْرِي عسراً فَرغب إِلَيْهِ أَنه لَا يؤاخذه بنسيانه ومؤاخذة الْخضر لَهُ بِالنِّسْيَانِ دَلِيل على صِحَة مَا قُلْنَا من أَنهم ﵈ مؤاخذون بِالنِّسْيَانِ وَبِمَا قصدُوا بِهِ الله فَلم يصادفوا بذلك مُرَاد الله وَتكلم مُوسَى ﵇ على ظَاهر الْأَمر وَقدر أَن الْغُلَام زكي إِذْ لم يعلم لَهُ ذَنبا وَكَانَ عِنْد الْخضر الْعلم الجلى بِكفْر ذَلِك الْغُلَام واستحقاقه الْقَتْل فقصد مُوسَى ﵇ بكلامة فِي ذَلِك وَجه الله تَعَالَى وَالرَّحْمَة وإنكار مَا لم يعلم وَجهه وَذكروا قَول مُوسَى ﵇ فعلتها إِذا وانا من الضَّالّين فَقَوْل صَحِيح وَهُوَ حَاله قبل النُّبُوَّة فَإِنَّهُ كَانَ ضَالًّا عَمَّا اهْتَدَى لَهُ بعد النُّبُوَّة وضلال الْغَيْب عَن الْعلم كَمَا تَقول أضللت بَعِيري لَا ضلال الْقَصْد إِلَى الْإِثْم وَهَكَذَا قَول الله تَعَالَى لنَبيه ﷺ ووجدك ضَالًّا فهدى أَي ضَالًّا عَن الْمعرفَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَذكروا قَول الله عَن بني إِسْرَائِيل فقد سَأَلُوا مُوسَى أكبر من ذَلِك فَقَالُوا ارنا الله جهرة فَأَخَذتهم الصاعقة بظلمهم قَالُوا ومُوسَى قد سَأَلَ ربه مثل ذَلِك فَقَالَ رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك قَالَ
стр. 460
لن تراني قَالُوا فقد سَأَلَ مُوسَى ﵇ أمرا عُوقِبَ سائلوه قبله.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَنَّهُ خَارج على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن مُوسَى ﵇ سَأَلَ ذَلِك قبل سُؤال بني إِسْرَائِيل رُؤْيَة الله تَعَالَى وَقبل أَن يعلم أَن سُؤال ذَلِك لَا يجوز فَهَذَا لَا مَكْرُوه فِيهِ لِأَنَّهُ سَأَلَ فَضِيلَة عَظِيمَة أَرَادَ بهَا علو الْمنزلَة عِنْد ربه تَعَالَى وَالثَّانِي أَن بني إِسْرَائِيل سَأَلُوا ذَلِك متعنتين وشكاكا فِي الله ومُوسَى سَأَلَ ذَلِك على الْوَجْه الْحسن الَّذِي ذكرنَا آنِفا.
الْكَلَام على يُونُس ﵇
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَذكروا أَمر يُونُس ﵇ وَقَول الله تَعَالَى عَنهُ ﴿وَذَا النُّون إِذْ ذهب مغاضباً فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَات أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ أَنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فلولا أَنه كَانَ من المسبحين للبث فِي بَطْنه إِلَى يَوْم يبعثون﴾ وَقَوله لنَبيه ﵇ ﴿فأصبر لحكم رَبك وَلَا تكن كصاحب الْحُوت إِذْ نَادَى وَهُوَ مكظوم لَوْلَا أَن تَدَارُكه نعْمَة من ربه لنبذ بالعراء وَهُوَ مَذْمُوم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فالتقمه الْحُوت وَهُوَ مليم﴾ قَالُوا وَلَا ذَنْب أعظم من المغاضبة لله وَمن أكبر ذَنبا مِمَّن ظن أَن الله لَا يقدر عَلَيْهِ وَقد أخبر الله تَعَالَى أَنه اسْتحق الذَّم لَوْلَا أَن تَدَارُكه نعْمَة الله وَأَنه اسْتحق الْمَلَامَة وَأَنه أقرّ على نَفسه أَنه كَانَ من الظَّالِمين وَنهى الله تَعَالَى نبيه أَن يكون مثله قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا كُله لَا حجَّة لَهُم فِيهِ بل هُوَ حجَّة لنا على صِحَة قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين أما أَخْبَار الله تَعَالَى أَن يُونُس ذهب مغاضباً فَلم يغاضب ربه قطّ وَلَا قَالَ الله تَعَالَى أَنه غاضب ربه فَمن زَاد هَذِه الزِّيَادَة كَانَ قَائِلا على الله الْكَذِب وزائداً فِي الْقُرْآن مَا لَيْسَ فِيهِ هَذَا لَا يحل وَلَا يجوز أَن يظنّ بِمن لَهُ أدنى مسكة من عقل أَنه يغاضب ربه تَعَالَى فَكيف أَن يفعل ذَلِك نَبِي من الْأَنْبِيَاء فَعلمنَا يَقِينا أَنه إِنَّمَا غاضب قومه وَلم يُوَافق ذَلِك مُرَاد الله فَعُوقِبَ بذلك وَأَن كَانَ يُونُس ﵇ لم يقْصد بذلك إِلَّا رضَا الله وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ فَلَيْسَ على مَا ظنوه من الظَّن السخيف الَّذِي لَا يجوز أَن يظنّ بضعيفة من النِّسَاء أَو بضعيف من الرِّجَال إِلَّا أَن يكون قد بلغ الْغَايَة من الْجَهْل فَكيف بِنَبِي مفصل على النَّاس فِي الْعلم وَمن الْمحَال الْمُتَيَقن أَن يكون نَبِي يظنّ أَن الله تَعَالَى الَّذِي أرْسلهُ بِدِينِهِ لَا يقدر عَلَيْهِ وَهُوَ يرى أَن آدَمِيًّا مثله يقدر عَلَيْهِ وَلَا شكّ فِي أَن من نسب هَذَا للنَّبِي ﷺ الْفَاضِل فَإِنَّهُ يشْتَد غَضَبه لَو نسب ذَلِك إِلَيْهِ أَو إِلَى ابْنه فَكيف إِلَى يُونُس ﵇ الَّذِي يَقُول فِيهِ رَسُول الله ﷺ لَا تفضلُونِي على يُونُس بن مَتى فقد بَطل ظنهم بِلَا شكّ وَصَحَّ أَن معنى قَوْله ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾
следующие страницы →