← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بَينه وَبَينه إِلَّا عشر لَيَال وبإدخاله صواع الْملك فِي وعَاء أَخِيه وَلم يعلم بذلك سائراخوته ثمَّ أَمر من هتف أيتها العير أَنكُمْ لسارقون وهم لم يسرقوا شَيْئا وَبقول الله تَعَالَى وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه وبخدمته لفرعون وَبِقَوْلِهِ للَّذي كَانَ مَعَه فِي السجْن اذْكُرْنِي عِنْد رَبك (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وكل هَذَا لَا حجَّة لَهُم فِي شَيْء مِنْهُ وَنحن نبين ذَلِك بحول الله تَعَالَى وقوته فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أما أَخذه أَخَاهُ وايحاشه أَبَاهُ مِنْهُ فَلَا شكّ فِي أَن ذَلِك ليرفق بأَخيه وليعود أخوته إِلَيْهِ ولعلهم لَو مضوا بأَخيه لم يعودوا إِلَيْهِ وهم فِي مملكة أُخْرَى وَحَيْثُ لَا طَاعَة ليوسف ﵇ وَلَا لملك مصر هُنَالك وليكون ذَلِك سَببا لاجتماعه وَجمع شَمل جَمِيعهم وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يظنّ برَسُول الله ﷺ الَّذِي أُوتى الْعلم والمعرفة بالتأويل إِلَّا أحسن الْوُجُوه وَلَيْسَ مَعَ من خَالَفنَا نَص بِخِلَاف مَا ذكرنَا وَلَا يحل أَن يظنّ بِمُسلم فَاضل عقوق أَبِيه فَكيف برَسُول الله ﷺ وَأما ظنهم أَنه أَقَامَ مُدَّة يقدر فِيهَا عَليّ ويتعف أَبِيه خَبره وَلم يفعل فَهَذَا جهل شَدِيد مِمَّن ظن هَذَا لِأَن يَعْقُوب فِي أَرض كنعان من عمل فلسطين فِي قوم رحالين خصاصين فِي لِسَان آخر وَطَاعَة أُخْرَى وَدين آخر وَأمة أُخْرَى كَالَّذي بَيْننَا الْيَوْم وَبَين من يضافينا من بِلَاد النَّصَارَى كفاليش وَغَيرهَا أَو كصحراء البربر فَلم يكن عِنْد يُوسُف ﵇ علم بعد فِرَاقه أَبَاهُ بِمَا فعل وَلَا حَيّ هُوَ أَو ميت أَكثر من وعد الله تَعَالَى بِأَن ينبئهم بفعلهم بِهِ وَلَا وجد أحدا يَثِق بِهِ فَيُرْسل إِلَيْهِ للِاخْتِلَاف الَّذِي ذكرنَا وَإِنَّمَا يستسهل هَذَا الْيَوْم من يرى أَرض الشَّام ومصر لأمير وَاحِد وملة وَاحِدَة وَلِسَانًا وَاحِدًا وَأمة وَاحِدَة وَالطَّرِيق سابل والتجار ذاهبون وراجعون والرفاق سائرة ومقبلة وَالْبرد ناهضة وراجعة فَظن كل بَيْضَاء شحمة وَلم يكن الْأَمر حِينَئِذٍ كَذَلِك وَلَكِن كَمَا قدمنَا دَلِيل ذَلِك أَنه حِين أمكنه لم يُؤَخِّرهُ واستجلب أَبَاهُ وَأَهله أَجْمَعِينَ عِنْد ضَرُورَة النَّاس إِلَيْهِ انقيادهم لَهُ للجوع الَّذِي كَانَ عَم الأَرْض وامتيازهم من عِنْده فانتظر وعد ربه تَعَالَى الَّذِي وعده حِين ألقوه فِي الْجب فَأتوهُ ضارعين راغبين كَمَا وعده تَعَالَى فِي رُؤْيَاهُ قبل أَن يأتوه وَرب رَئِيس جليل شاهدنا من أَبنَاء البشاكس والافرنج لَو قدر على أَن يستجلب أَبَوَيْهِ لَكَانَ أَشد النَّاس بداراً إِلَى ذَلِك وَلَكِن الْأَمر تعذر عَلَيْهِم تعذراً أخرجه عَن الْإِمْكَان إِلَى الِامْتِنَاع فَهَذَا كَانَ أَمر يُوسُف ﵇ وَإِمَّا قَول يُوسُف لأخوته أَنكُمْ لسارقون وهم لم يسرقوا الصواع بل هُوَ الَّذِي كَانَ قد أدخلهُ فِي وعَاء أَخِيه دونهم فقد صدق ﵇ لأَنهم سَرقُوهُ من أَبِيه وباعوه وَلم يقل ﵇ أَنكُمْ سرقتم الصواع وَإِنَّمَا قَالَ تفقد صواع الْملك وَهُوَ فِي ذَلِك صَادِق لِأَنَّهُ كَانَ غير وَاجِد لَهُ فَكَانَ فَاقِد لَهُ بِلَا شكّ وَأما خدمته ﵇ لفرعون فَإِنَّمَا خدمه تقية وَفِي حق لاستنقاذ الله تَعَالَى بِحسن تَدْبيره وَلَعَلَّ الْملك أَو بعض خواصه قد آمن بِهِ إِلَّا أَن خدمته لَهُ على كل حَال حَسَنَة وَفعل خير وتوصل إِلَى الِاجْتِمَاع بِأَبِيهِ وَإِلَى الْعدْل وَإِلَى حَيَاة النُّفُوس إِذْ لم يقدر على المغالبة وَلَا أمكنه غير ذَلِك وَلَا مرية فِي أَن ذَلِك كَانَ مُبَاحا فِي شَرِيعَة يُوسُف ﵇ بِخِلَاف شريعتنا قَالَ الله تَعَالَى ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجاً﴾ وَأما سُجُود أَبَوَيْهِ فَلم يكن مَحْظُورًا فِي شريعتهما بل كَانَ فعلا حسنا وَتَحْقِيق رُؤْيَاهُ الصَّادِق من الله تَعَالَى وَلَعَلَّ ذَلِك السُّجُود كَانَ تَحِيَّة كسجود الْمَلَائِكَة لآدَم ﵇ إِلَّا أَن الَّذِي

стр. 457

لَا شكّ فِيهِ أَنه لم يكن سُجُود عبَادَة وَلَا تذلل وَإِنَّمَا كَانَ سُجُود كَرَامَة فَقَط بِلَا شكّ وَأما قَوْله ﵇ للَّذي كَانَ مَعَه فِي السجْن اذْكُرْنِي عِنْد رَبك فَمَا علمنَا الرَّغْبَة فِي الانطلاق من السجْن محظورة على أحد وَلَيْسَ فِي قَوْله ذَلِك دَلِيل على أَنه أغفل الدُّعَاء إِلَى الله لكنه رغب هَذَا الَّذِي كَانَ مَعَه فِي السجْن فِي فعل الْخَيْر وحضه عَلَيْهِ وَهَذَا فرض من وَجْهَيْن أَحدهمَا وجوب السَّعْي فِي كف الظُّلم عَنهُ وَالثَّانِي دعاؤه إِلَى الْخَيْر والحسنات وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿فأنساه الشَّيْطَان ذكر ربه﴾ فَالضَّمِير الَّذِي فِي أنساه وَهُوَ الْهَاء رَاجع إِلَى الْفَتى الَّذِي كَانَ مَعَه فِي السجْن أَي أَن الشَّيْطَان أنساه أَن يذكر ربه أَمر يُوسُف ﵇ وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون أنساه الشَّيْطَان ذكر الله تَعَالَى وَلَو ذكر الله لذكر حَاجَة يُوسُف ﵇ وبرهان ذَلِك قَول الله ﴿وادكر بعد أمة﴾ فصح يَقِينا أَن الْمَذْكُور بعد أمة هُوَ الَّذِي أنساه الشَّيْطَان ذكر ربه حَتَّى تذكر وَحَتَّى لَو صَحَّ أَن الضَّمِير من أنساه رَاجع إِلَى يُوسُف ﵇ لما كَانَ فِي ذَلِك نقص وَلَا ذَنْب إِذْ مَا كَانَ بِالنِّسْيَانِ فَلَا يبعد عَن الْأَنْبِيَاء وَأما قَوْله هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه فَلَيْسَ كَمَا ظن من لم يمعن النّظر حَتَّى قَالَ من الْمُتَأَخِّرين من قَالَ أَنه قعد مِنْهَا مقْعد الرجل من الْمَرْأَة ومعاذ الله من هَذَا أَن يظنّ بِرَجُل من صالحي الْمُسلمين أَو مستوريهم فَكيف برَسُول الله ﷺ فَقَط فَإِن قيل أَن هَذَا قد روى عَن ابْن عَبَّاس ﵁ من طَرِيق جَيِّدَة الْإِسْنَاد قُلْنَا نعم وَلَا حجَّة فِي قَول أحد إِلَّا فِيمَا صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ فَقَط وَالوهم فِي تِلْكَ الرِّوَايَة إِنَّمَا هِيَ بِلَا شكّ عَمَّن دون ابْن عَبَّاس أَو لَعَلَّ ابْن عَبَّاس لم يقطع بذلك إِذْ إِنَّمَا أَخذه عَمَّن لَا يدْرِي من هُوَ وَلَا شكّ فِي أَنه شَيْء سَمعه فَذكره لِأَنَّهُ ﵁ لم يحضر ذَلِك وَلَا ذكره عَن رَسُول الله ﷺ ومحال أَن يقطع ابْن عَبَّاس بِمَا لَا علم لَهُ بِهِ لَكِن معنى الْآيَة لَا يعدو أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَنه هم بالايقاع بهَا وضربها كَمَا قَالَ تَعَالَى وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وكما يَقُول الْقَائِل لقد هَمت بك لكنه ﵇ امْتنع من ذَلِك ببرهان أرَاهُ الله إِيَّاه اسْتغنى بِهِ عَن ضربهَا وَعلم أَن الْفِرَار أجدى عَلَيْهِ وَأظْهر لبراءته على مَا ظهر بعد ذَلِك من حكم الشَّاهِد بِأَمْر الْقد من الْقَمِيص وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْكَلَام تمّ عِنْد قَوْله وَلَقَد هَمت بِهِ ثمَّ ابْتَدَأَ تَعَالَى خَبرا آخر فَقَالَ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه وَهَذَا ظَاهر الْآيَة بِلَا تكلّف تَأْوِيل وَبِهَذَا نقُول حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله الطلمنكي حَدثنَا ابْن عون الله أَنبأَنَا إِبْرَاهِيم ابْن أَحْمد بن فراس حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَالم النَّيْسَابُورِي أَنا اسحق بن رَاهْوَيْةِ أَنا المؤمل ابْن إِسْمَاعِيل الْحِمْيَرِي حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس بن مَالك ﵁ إِن رَسُول الله ﷺ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ قَالَ رَسُول الله ﷺ لما قَالَهَا يُوسُف ﵇ قَالَ لَهُ جِبْرِيل يَا يُوسُف اذكر همك

стр. 458

فَقَالَ يُوسُف وَمَا ابرئ نَفسِي أَن النَّفس لأمارة بالسوء فَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث على معنى من الْمعَانِي تَحْقِيق الْهم بالفاحشة وَلكنه فِيهِ أَنه بأمرها وَهَذَا حق كَمَا قُلْنَا فَسقط هَذَا الِاعْتِرَاض وَصَحَّ الْوَجْه الأول وَالثَّانِي مَعًا إِلَّا أَن الْهم بالفاحشة بَاطِل مَقْطُوع على كل حَال وَصَحَّ أَن ذَلِك الْهم ضرب سيدته وَهِي خِيَانَة لسَيِّده إِذْ هم بِضَرْب امْرَأَته وبرهان ربه هَا هُنَا هُوَ النُّبُوَّة وعصمة الله إِيَّاه وَلَوْلَا الْبُرْهَان لَكَانَ يهم بالفاحشة وَهَذَا لَا شكّ فِيهِ وَلَعَلَّ من ينْسب هَذَا إِلَى النَّبِي الْمُقَدّس يُوسُف ينزه نَفسه الرذلة عَن مثل الْمقَام فَيهْلك وَقد خشى النَّبِي ﷺ الْهَلَاك على من ظن بِهِ ذَلِك الظَّن إِذْ قَالَ للأنصاريين حِين لقيهمَا هذذه صَفِيَّة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمن الْبَاطِل الْمُمْتَنع أَن يظنّ ظان أَن يُوسُف ﵇ هم بِالزِّنَا وَهُوَ يسمع قَول الله تَعَالَى كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء فنسأل من خَالَفنَا عَن الْهم بِالزِّنَا بِسوء هُوَ أم غير سوء فَلَا بُد أَنه سوء وَلَو قَالَ إِنَّه لَيْسَ بِسوء لعاند الْإِجْمَاع فَإذْ هُوَ سوء وَقد صرف عَنهُ السوء فقد صرف عَنهُ الْهم بِيَقِين وَأَيْضًا فَإِنَّهَا قَالَت مَا جَزَاء من أَرَادَ بأهلك سوءا وَأنكر هُوَ ذَلِك فَشهد الصَّادِق الْمُصدق إِن كَانَ قمصه قد من دبر فَكَذبت وَهُوَ من الصَّادِقين فصح أَنَّهَا كذبت بِنَصّ الْقُرْآن وَإِذا كذبت بِنَصّ الْقُرْآن فَمَا أَرَادَ بهَا سوء فَمَا هم بِالزِّنَا قطّ وَلَو أَرَادَ بهَا الزِّنَا لكَانَتْ من الصَّادِقين وَهَذَا بَين جدا وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى عَنهُ انه قَالَ وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين فَاسْتَجَاب لَهُ ربه فصرف عَنهُ كيدهن فصح عَنهُ أَنه قطّ لم يصب إِلَيْهَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق تمّ الْكَلَام فِي يُوسُف ﵇ الْكَلَام فِي مُوسَى ﵇ وَأمه (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ذكرُوا قَول الله تَعَالَى ﴿وَأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا إِن كَادَت لتبدي بِهِ لَوْلَا أَن ربطنا على قَلبهَا﴾ فَمَعْنَاه فَارغًا من الْهم بمُوسَى جملَة لِأَن الله قد وعدها برده إِلَيْهَا إِذْ قَالَ لَهَا تَعَالَى ﴿إِنَّا رادوه إِلَيْك وجاعلوه من الْمُرْسلين﴾ فَمن الْبَاطِل الْمَحْض أَن يكون اله تَعَالَى ضمن لَهَا رده إِلَيْهَا ثمَّ يصبح قَلبهَا مَشْغُولًا بالهم بأَمْره هَذَا مَالا يظنّ بِذِي عقل أصلا وَإِنَّمَا معنى قَوْله تَعَالَى إِن كَادَت لتبدي بِهِ أَي سُرُورًا بِمَا أَتَاهُ الله من الْفضل وَقَوْلها لأخته قصيه إِنَّمَا هُوَ لترى أُخْته كَيْفيَّة قدرَة الله تَعَالَى فِي تخليصه من يَدي فِرْعَوْن عدوه بعد وُقُوعه فيهمَا وليتم بهَا مَا وعدها الله تَعَالَى من رده إِلَيْهَا فَبعثت أُخْته لترده بِالْوَحْي ذكرُوا قَول الله تَعَالَى عَن مُوسَى ﵇ فَأخذ بِرَأْس أَخِيه يجره إِلَيْهِ ﴿قَالَ يَا ابْن أم لَا تَأْخُذ بلحيتي وَلَا برأسي﴾ قَالُوا وَهَذِه مَعْصِيّة أَن يَأْخُذ بلحية أَخِيه وشعره

стр. 459

وَهُوَ نَبِي مثله وأسن مِنْهُ وَلَا ذَنْب لَهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَيْسَ كَمَا طنوا وَهُوَ خَارج على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن أَخذه بِرَأْس أَخِيه ليقبل بِوَجْهِهِ عَلَيْهِ وَيسمع عتابه لَهُ إِذْ تَأَخّر عَن اتِّبَاعه إِذْ رَآهُمْ ضلوا وَلم يَأْخُذ بِشعر أَخِيه قطّ إِذْ لَيْسَ ذَلِك فِي الْآيَة أصلا وَمن زَاد ذَلِك فِيهَا فقد كذب على الله تَعَالَى لَكِن هَارُون ﵇ خشيى بادرة من مُوسَى ﵇ وسطوة إِذْ رَآهُ قد اشْتَدَّ غَضَبه فَأَرَادَ توقيفه بِهَذَا الْكَلَام عَمَّا تخوفه مِنْهُ وَلَيْسَ فِي هَذِه الْآيَة مَا يُوجب غير مَا قُلْنَاهُ وَلَا أَنه مد يَده إِلَى أَخِيه أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَالثَّانِي أَن يكون هَارُون ﵇ قد يكون اسْتحق فِي نظر مُوسَى ﵇ النكير لتأخيره عَن لحاقه إِذْ رَآهُمْ ضلوا فَأخذ بِرَأْسِهِ مُنْكرا عَلَيْهِ وَلَو كَانَ هَذَا لَكَانَ إِنَّمَا فعله مُوسَى ﵇ غَضبا لرَبه وقاصداً بذلك رِضَاء الله تَعَالَى ولسنا نبعد هَذَا من الْأَنْبِيَاء ﵈ وَإِنَّمَا نبعد الْقَصْد إِلَى الْمعْصِيَة وهم يعلمُونَ أَنَّهَا مَعْصِيّة وَهَذَا هُوَ معنى مَا ذكره الله تَعَالَى عَن إِبْرَاهِيم خَلِيله ﷺ إِذْ قَالَ ﴿وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي خطيئتي يَوْم الدّين﴾ وَقَول الله تَعَالَى لمُحَمد ﷺ ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ إِنَّمَا الْخَطِيئَة الْمَذْكُورَة والذنُوب المغفورة مَا وَقع بنسيان أَو بِقصد إِلَى الله تَعَالَى إِرَادَة الْخَيْر فَلم يُوَافق رضَا الله بذلك فَقَط وَذكروا قَول مُوسَى ﵇ للخضر ﵇ أقتلت نفسا زكية بِغَيْر نفس فَأنْكر مُوسَى ﵇ الشَّيْء وَهُوَ لَا يُعلمهُ وَقد كَانَ أَخذ عَلَيْهِ الْعَهْد أَن لَا يسْأَله عَن شَيْء حَتَّى يحدث لَهُ مِنْهُ ذكرا فَهَذَا أَيْضا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن ذَلِك كَانَ على سَبِيل النسْيَان وَقد بَين مُوسَى ﵇ ذَلِك بقوله لَا تؤاخذني بِمَا نسيت وَلَا ترهقني من أَمْرِي عسراً فَرغب إِلَيْهِ أَنه لَا يؤاخذه بنسيانه ومؤاخذة الْخضر لَهُ بِالنِّسْيَانِ دَلِيل على صِحَة مَا قُلْنَا من أَنهم ﵈ مؤاخذون بِالنِّسْيَانِ وَبِمَا قصدُوا بِهِ الله فَلم يصادفوا بذلك مُرَاد الله وَتكلم مُوسَى ﵇ على ظَاهر الْأَمر وَقدر أَن الْغُلَام زكي إِذْ لم يعلم لَهُ ذَنبا وَكَانَ عِنْد الْخضر الْعلم الجلى بِكفْر ذَلِك الْغُلَام واستحقاقه الْقَتْل فقصد مُوسَى ﵇ بكلامة فِي ذَلِك وَجه الله تَعَالَى وَالرَّحْمَة وإنكار مَا لم يعلم وَجهه وَذكروا قَول مُوسَى ﵇ فعلتها إِذا وانا من الضَّالّين فَقَوْل صَحِيح وَهُوَ حَاله قبل النُّبُوَّة فَإِنَّهُ كَانَ ضَالًّا عَمَّا اهْتَدَى لَهُ بعد النُّبُوَّة وضلال الْغَيْب عَن الْعلم كَمَا تَقول أضللت بَعِيري لَا ضلال الْقَصْد إِلَى الْإِثْم وَهَكَذَا قَول الله تَعَالَى لنَبيه ﷺ ووجدك ضَالًّا فهدى أَي ضَالًّا عَن الْمعرفَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَذكروا قَول الله عَن بني إِسْرَائِيل فقد سَأَلُوا مُوسَى أكبر من ذَلِك فَقَالُوا ارنا الله جهرة فَأَخَذتهم الصاعقة بظلمهم قَالُوا ومُوسَى قد سَأَلَ ربه مثل ذَلِك فَقَالَ رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك قَالَ

стр. 460

لن تراني قَالُوا فقد سَأَلَ مُوسَى ﵇ أمرا عُوقِبَ سائلوه قبله. قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَنَّهُ خَارج على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن مُوسَى ﵇ سَأَلَ ذَلِك قبل سُؤال بني إِسْرَائِيل رُؤْيَة الله تَعَالَى وَقبل أَن يعلم أَن سُؤال ذَلِك لَا يجوز فَهَذَا لَا مَكْرُوه فِيهِ لِأَنَّهُ سَأَلَ فَضِيلَة عَظِيمَة أَرَادَ بهَا علو الْمنزلَة عِنْد ربه تَعَالَى وَالثَّانِي أَن بني إِسْرَائِيل سَأَلُوا ذَلِك متعنتين وشكاكا فِي الله ومُوسَى سَأَلَ ذَلِك على الْوَجْه الْحسن الَّذِي ذكرنَا آنِفا. الْكَلَام على يُونُس ﵇ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَذكروا أَمر يُونُس ﵇ وَقَول الله تَعَالَى عَنهُ ﴿وَذَا النُّون إِذْ ذهب مغاضباً فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَات أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ أَنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فلولا أَنه كَانَ من المسبحين للبث فِي بَطْنه إِلَى يَوْم يبعثون﴾ وَقَوله لنَبيه ﵇ ﴿فأصبر لحكم رَبك وَلَا تكن كصاحب الْحُوت إِذْ نَادَى وَهُوَ مكظوم لَوْلَا أَن تَدَارُكه نعْمَة من ربه لنبذ بالعراء وَهُوَ مَذْمُوم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فالتقمه الْحُوت وَهُوَ مليم﴾ قَالُوا وَلَا ذَنْب أعظم من المغاضبة لله وَمن أكبر ذَنبا مِمَّن ظن أَن الله لَا يقدر عَلَيْهِ وَقد أخبر الله تَعَالَى أَنه اسْتحق الذَّم لَوْلَا أَن تَدَارُكه نعْمَة الله وَأَنه اسْتحق الْمَلَامَة وَأَنه أقرّ على نَفسه أَنه كَانَ من الظَّالِمين وَنهى الله تَعَالَى نبيه أَن يكون مثله قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا كُله لَا حجَّة لَهُم فِيهِ بل هُوَ حجَّة لنا على صِحَة قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين أما أَخْبَار الله تَعَالَى أَن يُونُس ذهب مغاضباً فَلم يغاضب ربه قطّ وَلَا قَالَ الله تَعَالَى أَنه غاضب ربه فَمن زَاد هَذِه الزِّيَادَة كَانَ قَائِلا على الله الْكَذِب وزائداً فِي الْقُرْآن مَا لَيْسَ فِيهِ هَذَا لَا يحل وَلَا يجوز أَن يظنّ بِمن لَهُ أدنى مسكة من عقل أَنه يغاضب ربه تَعَالَى فَكيف أَن يفعل ذَلِك نَبِي من الْأَنْبِيَاء فَعلمنَا يَقِينا أَنه إِنَّمَا غاضب قومه وَلم يُوَافق ذَلِك مُرَاد الله فَعُوقِبَ بذلك وَأَن كَانَ يُونُس ﵇ لم يقْصد بذلك إِلَّا رضَا الله وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ فَلَيْسَ على مَا ظنوه من الظَّن السخيف الَّذِي لَا يجوز أَن يظنّ بضعيفة من النِّسَاء أَو بضعيف من الرِّجَال إِلَّا أَن يكون قد بلغ الْغَايَة من الْجَهْل فَكيف بِنَبِي مفصل على النَّاس فِي الْعلم وَمن الْمحَال الْمُتَيَقن أَن يكون نَبِي يظنّ أَن الله تَعَالَى الَّذِي أرْسلهُ بِدِينِهِ لَا يقدر عَلَيْهِ وَهُوَ يرى أَن آدَمِيًّا مثله يقدر عَلَيْهِ وَلَا شكّ فِي أَن من نسب هَذَا للنَّبِي ﷺ الْفَاضِل فَإِنَّهُ يشْتَد غَضَبه لَو نسب ذَلِك إِلَيْهِ أَو إِلَى ابْنه فَكيف إِلَى يُونُس ﵇ الَّذِي يَقُول فِيهِ رَسُول الله ﷺ لَا تفضلُونِي على يُونُس بن مَتى فقد بَطل ظنهم بِلَا شكّ وَصَحَّ أَن معنى قَوْله ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾

стр. 461

أَي لن نضيق عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأما إِذا مَا ابتلاه فَقدر عَلَيْهِ رزقه﴾ أَي ضيق عَلَيْهِ فَظن يُونُس ﵇ أَن الله تَعَالَى لَا يضيق عَلَيْهِ فِي مغاضبته لِقَوْمِهِ إِذْ ظن أَنه محسن فِي فعله ذَلِك وَإِنَّمَا نهى الله لمُحَمد ﷺ عَن أَن يكون كصاحب الْحُوت فَنعم نَهَاهُ الله عَن مغاضبته قومه وَأمره بِالصبرِ على أذاهم وبالمطاولة لَهُم وَأما قَول الله تَعَالَى أَنه اسْتحق الذَّم والملامة لَوْلَا النِّعْمَة الَّتِي تَدَارُكه بهَا للبث معاقباً فِي بطن الْحُوت فَهَذَا نفس مَا قُلْنَاهُ من ان الْأَنْبِيَاء ﵈ يؤاخذون فِي الدُّنْيَا على مَا فَعَلُوهُ مِمَّا يَظُنُّونَهُ خيرا وقربة إِلَى الله إِذا لم يُوَافق مُرَاد رَبهم وعَلى هَذَا الْوَجْه أقرّ على نَفسه بِأَنَّهُ كَانَ من الظَّالِمين وَالظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه فَلَمَّا وضع النَّبِي ﷺ المغاضبة فِي غير موضعهَا اعْترف فِي ذَلِك بالظلم لَا على أَنه قَصده وَهُوَ يدْرِي أَنه ظلم انْقَضى الْكَلَام فِي يُونُس ﵇ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق. الْكَلَام فِي دَاوُد ﵇ وَذكروا أَيْضا قَول الله تَعَالَى حاكياً عَن دَاوُد ﵇ ﴿وَهل أَتَاك نبأ الْخصم إِذْ تسوروا الْمِحْرَاب إِذْ دخلُوا على دَاوُد فَفَزعَ مِنْهُم قَالُوا لَا تخف خصمان﴾ إِلَى قَوْله ﴿فغفرنا لَهُ ذَلِك﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا قَول صَادِق صَحِيح لَا يدل على شَيْء مِمَّا قَالَه المستهزئون الْكَاذِبُونَ المتعلقون بخرافات وَلَدهَا الْيَهُود وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك الْخصم قوما من بني آدم بِلَا شكّ مختصمين فِي نعاج من الْغنم على الْحَقِيقَة بَينهم بغى أَحدهمَا على الآخر على نَص الْآيَة وَمن قَالَ أَنهم كَانُوا مَلَائِكَة معرضين بِأَمْر النِّسَاء فقد كذب على الله وَقَوله مَا لم يقل وَزَاد فِي الْقُرْآن مَا لَيْسَ فِيهِ وَكذب الله وَأقر على نَفسه الخبيثة أَنه كذب الْمَلَائِكَة لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَهل أَتَاك نبأ الْخصم﴾ فَقَالَ هُوَ لم يَكُونُوا قطّ خصمين وَلَا بغي بَعضهم على بعض وَلَا كَانَ قطّ لأَحَدهمَا تسع وَتسْعُونَ نعجة وَلَا كَانَ للْآخر نعجة وَاحِدَة وَلَا قَالَ لَهُ أكفلنيها فاعجبوا لم يقحمون فِيهِ أهل الْبَاطِل أنفسهم ونعوذ بِاللَّه من الخذلان ثمَّ كل ذَلِك بِلَا دَلِيل بل الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَة وتالله أَن كل أمرئ منا ليصون نَفسه وجاره المستور عَن أَن يتعشق امْرَأَة جَاره ثمَّ يعرض زَوجهَا للْقَتْل عمدا ليتزوجها وَعَن أَن يتْرك صلَاته لطائر يرَاهُ هَذِه أَفعَال السُّفَهَاء المتهوكين الْفُسَّاق المتمردين لَا أَفعَال أهل الْبر وَالتَّقوى فَكيف برَسُول الله دَاوُد ﷺ الَّذِي أُوحِي إِلَيْهِ كِتَابه وأجرى على لِسَانه كَلَامه لقد نزهه الله عَن أَن يمر مثل هَذَا الْفُحْش بِبَالِهِ فَكيف أَن يستضيف إِلَى أَفعاله وَأما استغفاره وخروره سَاجِدا ومغفرة الله تَعَالَى لَهُ فالأنبياء ﵈ أولى النَّاس بِهَذِهِ الْأَفْعَال الْكَرِيمَة وَالِاسْتِغْفَار فعل خير لَا يُنكر من ملك وَلَا من

стр. 462

نَبِي وَلَا من مذنب وَلَا من غير مذنب فالنبي يسْتَغْفر الله لمذنبي أهل الأَرْض وَالْمَلَائِكَة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذين آمنُوا رَبنَا وسعت كل شَيْء رَحْمَة وعلما فَأغْفِر للَّذين تَابُوا وَاتبعُوا سَبِيلك وقهم عَذَاب الْجَحِيم﴾ وَأما قَوْله تَعَالَى عَن دَاوُد ﵇ ﴿وَظن دَاوُد إِنَّمَا فتناه﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فغفرنا لَهُ ذَلِك﴾ فقد ظن دَاوُد ﵇ أَن يكون مَا أَتَاهُ الله من سَعَة الْملك الْعَظِيم فتْنَة فقد كَانَ رَسُول الله ﷺ يَدْعُو فِي أَن يثبت الله قلبه على دينه فأستغفر الله تَعَالَى من هَذَا الظَّن فغفر الله تَعَالَى لَهُ هَذَا الظَّن إِذْ لم يكن مَا أَتَاهُ الله تَعَالَى من ذَلِك فتْنَة. الْكَلَام فِي سُلَيْمَان ﵇ وَذكروا قَول الله عَن سُلَيْمَان ﵇ ﴿وَلَقَد فتنا سُلَيْمَان وألقينا على كرسيه جسداً ثمَّ أناب﴾ . قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذَا إِذْ معنى قَوْله تَعَالَى فتنا سُلَيْمَان أَي أتيناه من الْملك مَا أختبرنا بِهِ طَاعَته كَمَا قَالَ تَعَالَى مُصدقا لمُوسَى ﵇ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء﴾ إِن من الْفِتْنَة من يهدي الله من يَشَاء وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألم أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا أَن يَقُولُوا آمنا وهم لَا يفتنون وَلَقَد فتنا الَّذين من قبلهم فليعلمن الله الَّذين صدقُوا وليعلمن الْكَاذِبين﴾ فَهَذِهِ الْفِتْنَة هِيَ الاختبار حَتَّى يظْهر الْمُهْتَدي من الضال فَهَذِهِ فتْنَة الله تَعَالَى لِسُلَيْمَان إِنَّمَا هِيَ اختباره حَتَّى ظهر فَضله فَقَط وَمَا عدا هَذَا فخرافات وَلَدهَا زنادقة الْيَهُود وأشباههم وَأما الْجَسَد الْملقى على كرسيه فقد أصَاب الله تَعَالَى بِهِ مَا أَرَادَ نؤمن بِهَذَا كَمَا هُوَ ونقول صدق الله كل من عِنْد الله رَبنَا وَلَو جَاءَ نَص صَحِيح فِي الْقُرْآن أَو عَن رَسُول الله ﷺ بتفسير هَذَا الْجَسَد مَا هُوَ لقلنا بِهِ فَإِذا لم يَأْتِ بتفسيره مَا هُوَ نَص وَلَا خبر صَحِيح فَلَا يحل لأحد القَوْل بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ أكذب الحَدِيث فِي ذَلِك فَيكون كَاذِبًا على الله إِلَّا أننا لَا نشك الْبَتَّةَ فِي بطلَان قَول من قَالَ أَنه كَانَ جنيا تصور بصورته بل نقطع على أَنه كذب وَالله تَعَالَى لَا يهتك ستر رَسُوله ﷺ هَذَا الهتك وَكَذَلِكَ نبعد قَول من قَالَ أَنه كَانَ ولدا لَهُ أرْسلهُ إِلَى السَّحَاب ليربيه فسليمان ﵇ كَانَ أعلم من أَن يُربي ابْنه بِغَيْر مَا طبع الله بنية الْبشر عَلَيْهِ من اللَّبن وَالطَّعَام وَهَذِه كلهَا خرافات مَوْضُوعَة مكذوبة لم يَصح اسنادها قطّ وَذكروا أَيْضا قَول الله عَن سُلَيْمَان ﵇ ﴿إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر عَن ذكر رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب ردوهَا على فَطَفِقَ مسحا بِالسوقِ والأعناق﴾ وتأولوا ذَلِك على مَا قد نزه الله عَنهُ من لَهُ أدنى مسكة من عقل

стр. 463

من أهل زَمَاننَا وَغَيره فَكيف بِنَبِي مَعْصُوم مفضل فِي أَنه قتل الْخَيل اذا اشْتغل بهَا عَن الصَّلَاة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه خرافة مَوْضُوعَة مكذوبة سخيفة بَارِدَة قد جمعت أفانين من القَوْل وَالظَّاهِر أَنَّهَا من اختراع زنديق بِلَا شكّ لِأَن فِيهَا معاقبة خيل لَا ذَنْب لَهَا والتمثيل بهَا واتلاف مَال منتفع بِهِ بِلَا معنى وَنسبَة تَضْييع الصَّلَاة إِلَى نَبِي مُرْسل ثمَّ يُعَاقب الْخَيل على ذَنبه لَا على ذنبها وَهَذَا أَمر لَا يستجيزه صبي ابْن سبع سِنِين فَكيف بِنَبِي مُرْسل وَمعنى هَذِه الْآيَة ظَاهر بَين وَهُوَ أَنه ﵇ أخبر أَنه أحب حب الْخَيْر من أجل ذكر ربه حَتَّى تَوَارَتْ الشَّمْس بالحجاب أَو حَتَّى تَوَارَتْ تِلْكَ الصافنات الْجِيَاد بحجابها ثمَّ أَمر بردهَا فَطَفِقَ مسحا بسوقها وأعناقها بِيَدِهِ برا بهَا وإكراماً لَهَا هَذَا هُوَ ظَاهر الْآيَة الَّذِي لَا يحْتَمل غَيره وَلَيْسَ فِيهَا إِشَارَة أصلا إِلَى مَا ذَكرُوهُ من قتل الْخَيل وتعطيل الصَّلَاة وكل هَذَا قد قَالَه ثِقَات الْمُسلمين فَكيف وَلَا حجَّة فِي قَول أحد دون رَسُول الله ﷺ وَذكروا أَيْضا الحَدِيث الثَّابِت من قَول رَسُول الله ﷺ أَن سُلَيْمَان ﵇ قَالَ لاطوفن اللَّيْلَة على كَذَا وَكَذَا امْرَأَة كل امْرَأَة مِنْهُنَّ تَلد فَارِسًا يُقَاتل فِي سَبِيل الله وَلم يقل إِن شَاءَ الله. قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا مَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ فَإِن من قصد تَكْثِير الْمُؤمنِينَ الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله فقد أحسن وَلَا يجوز أَن يظنّ بِهِ أَنه يجهل أَن ذَلِك لَا يكون إِلَّا أَن يَشَاء الله وَقد جَاءَ فِي نَص الحَدِيث الْمَذْكُور أَنه إِنَّمَا ترك إِن شَاءَ الله نِسْيَانا فأوخذ بِالنِّسْيَانِ فِي ذَلِك وَقد قصد الْخَيْر وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين تمّ الْكَلَام فِي سُلَيْمَان ﵊. فصل وَذكروا قَوْله تَعَالَى ﴿واتل عَلَيْهِم نبأ الَّذِي أتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا فَأتبعهُ الشَّيْطَان فَكَانَ من الغاوين﴾ . قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا مَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نَص الْآيَة وَلَا عَن رَسُول الله ﷺ أَن هَذَا الْمَذْكُور كَانَ نَبيا وَقد يكون أنباء الله تَعَالَى لهَذَا الْمَذْكُور آيَاته أَنه أرسل إِلَيْهِ رَسُولا بآياته كَمَا فعل بفرعون وَغَيره فأنسلخ مِنْهَا بالتكذيب فَكَانَ من الغاوين وَإِذا صَحَّ أَن نَبيا لَا يعْصى الله تعمداً فَمن الْمحَال أَن يُعَاقِبهُ الله تَعَالَى على مَا لَا يفعل وَلَا عُقُوبَة أعظم من الْحَط عَن النُّبُوَّة وَلَا يجوز أَن يُعَاقب بذلك نَبِي الْبَتَّةَ لِأَنَّهُ لَا يكون مِنْهُ مَا يسْتَحق بِهِ هَذَا الْعقَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فصح يَقِينا أَن هَذَا المنسلخ لم يكن قطّ نَبيا وَذكروا قَول رَسُول الله ﷺ أَن مَا من أحد إِلَّا من ألم بذنب أَو كَاد إِلَّا يحيى بن زَكَرِيَّا أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا صَحِيح وَلَيْسَ خلافًا لقولنا إِذْ قد بَينا ان الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام

стр. 464

يَقع مِنْهُم النسْيَان وَقصد الشَّيْء يَظُنُّونَهُ قربَة إِلَى الله تَعَالَى فَأخْبر ﵇ أَنه لم ينج من هَذَا أحد إِلَّا يحيى بن زَكَرِيَّا ﵉ فَيَقُول من هَذَا أَن يحيى لم ينس شَيْئا وَاجِبا عَلَيْهِ قطّ وَلَا فعل إِلَّا مَا وَافق فِيهِ مُرَاد ربه (الْكَلَام فِي مُحَمَّد ﷺ . قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَذكروا قَول الله تَعَالَى لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم وَقَوله تَعَالَى ﴿عبس وَتَوَلَّى إِن جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يدْريك لَعَلَّه يزكّى أَو يذكر فتنفعه الذكرى أما من اسْتغنى فَأَنت لَهُ تصدى وَمَا عَلَيْك إِلَّا يزكّى وَأما من جَاءَك يسْعَى وَهُوَ يخْشَى فَأَنت عَنهُ تلهى﴾ وَبِالْحَدِيثِ الْكَاذِب الَّذِي لم يَصح قطّ فِي قِرَاءَته ﵇ فِي ﴿والنجم إِذا هوى﴾ وَذكروا تِلْكَ الزِّيَادَة المفتراة الَّتِي تشبه من وَضعهَا من قَوْلهم وَإِنَّهَا لهي الغرانيق العلى وَإِن شَفَاعَتهَا لترتجي وَذكروا قَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى﴾ ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته فَينْسَخ الله مَا يلقى الشَّيْطَان ثمَّ يحكم الله آيَاته وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَإِن الْوَحْي امتسك عَنهُ ﵇ لتَركه الِاسْتِثْنَاء إِذْ سَأَلَهُ الْيَهُود عَن الرّوح وَعَن ذِي القرنين وَأَصْحَاب الْكَهْف وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وتخفى فِي نَفسك مَا الله مبديه وتخشى النَّاس وَالله أَحَق أَن تخشاه﴾ وَبِمَا روى من قَوْله ﵇ لقد عرض على عذابكم أدنى من هَذِه الشَّجَرَة إِذْ قبل الْفِدَاء وَترك قتل الأسرى ببدر وَبِمَا روى من قَوْله ﵇ لَو نزل عَذَاب مَا نجى مِنْهُ إِلَّا عمر لِأَن عمر أَشَارَ بِقَتْلِهِم وَذكروا أَنه ﵇ مَال إِلَى رَأْي أبي بكر فِي الفدا والاستبقاء وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ قَالُوا فَإِن لم يكن لَهُ ذَنْب فَمَاذَا غفر لَهُ وَبِأَيِّ شَيْء أمتن الله عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَبِقَوْلِهِ ﷺ لَو دعيت إِلَى مَا دعِي إِلَيْهِ يُوسُف لَأَجَبْت فَإِنَّمَا هَذَا إِذْ دعِي إِلَى الْخُرُوج من السجْن فَلم يجب إِلَى الْخُرُوج حَتَّى قَالَ للرسول ارْجع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ مَا بَال النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْديهم إِن رَبِّي بكيدهن عليم فَأمْسك عَن الْخُرُوج من السجْن وَقد دعِي إِلَى الْخُرُوج عَنهُ حَتَّى اعْترف النسْوَة بذنبهن وبراءته وتيقن بذلك مَا كَانَ شكّ فِيهِ فَأخْبر مُحَمَّد ﷺ أَنه لَو دعِي إِلَى الْخُرُوج من السجْن لأجاب وَهَذَا التَّفْسِير مَنْصُوص فِي الحَدِيث نَفسه كَمَا ذكرنَا من كَلَامه ﵇ لَو لَبِثت فِي السجْن مَا لبث يُوسُف ﵇ ثمَّ دعيت لَأَجَبْت الدَّاعِي أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَأما قَول الله ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ فقد بَينا أَن ذنُوب الْأَنْبِيَاء ﵈ لَيست إِلَّا مَا وَقع بنسيان أَو بِقصد إِلَى مَا يظنون خيرا مِمَّا لَا يوافقون مُرَاد الله تَعَالَى مِنْهُم فهذان لوجهان هما اللَّذَان غفر الله لَهُ وَأما قَوْله ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم﴾ فَإِنَّمَا الْخطاب فِي ذَلِك للْمُسلمين لَا لرَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك إِذْ تنازعوا فِي غَنَائِم بدر فَكَانُوا هم المذنبين المتشتنين عَلَيْهِ يبين ذَلِك

стр. 465

قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول فَاتَّقُوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى فِي هَذِه السُّورَة نَفسهَا النَّازِلَة فِي هَذَا الْمَعْنى ﴿يجادلونك فِي الْحق بعد مَا تبين كَأَنَّمَا يساقون إِلَى الْمَوْت وهم ينظرُونَ﴾ وَقَوله تَعَالَى قبل ذكره الْوَعيد بِالْعَذَابِ الَّذِي احْتج بِهِ من خَالَفنَا ﴿تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة﴾ فَهَذَا نَص الْقُرْآن وَقد رد الله الْأَمر فِي الْأَنْفَال الْمَأْخُوذَة يَوْمئِذٍ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَأما الْخَبَر الْمَذْكُور الَّذِي فِيهِ لقد عرض على عذابكم أدنى من هَذِه الشَّجَرَة وَلَو نزل عَذَاب مَا نجى مِنْهُ إِلَّا عمر فَهَذَا خبر لَا يَصح لِأَن الْمُنْفَرد بروايته عِكْرِمَة بن عمار اليمامي وَهُوَ مِمَّن قد صَحَّ عَلَيْهِ وضع الحَدِيث أَو سوء الْحِفْظ أَو الْخَطَأ الَّذِي لَا يجوز مَعَهُمَا الرِّوَايَة عَنهُ ثمَّ لَو صَحَّ لَكَانَ القَوْل فِيهِ كَمَا قُلْنَا من انه قصد الْخَيْر بذلك وَأما قَوْله ﴿عبس وَتَوَلَّى﴾ الْآيَات فَإِنَّهُ كَانَ ﵇ قد جلس إِلَيْهِ عَظِيم من عُظَمَاء قُرَيْش وَرَجا إِسْلَامه وَعلم ﵇ أَنه لَو أسلم لأسلم بِإِسْلَامِهِ نَاس كثير وَأظْهر الدّين وَعلم أَن هَذَا الْأَعْمَى الَّذِي يسْأَله عَن أَشْيَاء من أُمُور الدّين لَا يفوتهُ وَهُوَ حَاضر مَعَه فاشتغل عَنهُ ﵇ بِمَا خَافَ فَوته من عَظِيم الْخَيْر عَمَّا لَا يخَاف فَوته وَهَذَا غَايَة النّظر للدّين وَالِاجْتِهَاد فِي نصْرَة الْقُرْآن فِي ظَاهر الْأَمر وَنِهَايَة التَّقَرُّب إِلَى الله الَّذِي لَو فعله الْيَوْم منا فَاعل لأجر فَعَاتَبَهُ الله على ذَلِك إِذْ كَانَ الأولى عِنْد الله تَعَالَى أَن يقبل على ذَلِك الْأَعْمَى الْفَاضِل الْبر التقي وَهَذَا نفس مَا قُلْنَاهُ وكما سهى ﵇ من اثْنَتَيْنِ وَمن ثَلَاث وَقَامَ من اثْنَتَيْنِ وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يفعل من ذَلِك شَيْئا تعمداً أصلا نعم وَلَا يفعل ذَلِك تعمدا إِنْسَان منا فِيهِ خير وَأما الحَدِيث الَّذِي فِيهِ وأنهن الغرانيق العلى وَإِن شَفَاعَتهَا لترتجى فكذب بحت مَوْضُوع لِأَنَّهُ لم يَصح قطّ من طَرِيق النَّقْل وَلَا معنى للاشتغال بِهِ إِذْ وضع الْكَذِب لَا يعجز عَنهُ أحد وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى﴾ ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته فَينْسَخ الله مَا يلقى الشَّيْطَان الْآيَة فَلَا حجَّة لَهُم فِيهَا لِأَن الْأَمَانِي الْوَاقِعَة فِي النَّفس لَا معنى لَهَا وَقد تمنى النَّبِي ﷺ إِسْلَام عَمه أبي طَالب وَلم يرد الله كَون ذَلِك فَهَذِهِ الْأَمَانِي الَّتِي ذكرهَا الله لَا سواهَا وحاشا لله أَن يتَمَنَّى نَبِي مَعْصِيّة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا هُوَ ظَاهر الْآيَة دون مزِيد تكلّف وَلَا يحل خلاف الظَّاهِر إِلَّا بِظَاهِر آخر وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَوْله ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله وَاذْكُر رَبك إِذا نسيت﴾ فقد كفى الله الْكَلَام فِي ذَلِك ببيانه فِي أخر الْآيَة أَن ذَلِك كَانَ نِسْيَانا فعوتب ﵇ فِي ذَلِك وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وتخفى فِي نَفسك مَا الله مبديه وتخشى النَّاس وَالله أَحَق أَن تخشاه﴾ فقد انفنا من ذَلِك إِذْ لم يكن فِيهِ مَعْصِيّة أصلا وَلَا خلاف فِيمَا أمره الله تَعَالَى بِهِ وَإِنَّمَا كَانَ اراد زواج مُبَاح لَهُ فعله ومباح لَهُ تَركه ومباح لَهُ طيه ومباح لَهُ إِظْهَاره وَإِنَّمَا

стр. 466

خشى النَّبِي ﷺ النَّاس فِي ذَلِك خوف أَن يَقُولُوا قولا ويظنوا ظنا فيهلكوا كَمَا قَالَ ﵇ لِلَانْصَارِ بَين إِنَّهَا صَفِيَّة فاستعظما ذَلِك فَأَخْبرهُمَا النَّبِي ﷺ أَنه إِنَّمَا أخْشَى أَن يلقِي الشَّيْطَان فِي قلوبهما شَيْئا وَهَذَا الَّذِي خشيه ﵇ على النَّاس من هَلَاك أديانهم بِظَنّ يَظُنُّونَهُ بِهِ ﵇ هُوَ الَّذِي يحققه هَؤُلَاءِ المخذولون المخالفون لنا فِي هَذَا الْبَاب من نسبتهم إِلَى النَّبِي ﷺ تعمد الْمعاصِي فَهَلَكت أديانهم وَضَلُّوا ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَكَانَ مُرَاد الله أَن يُبْدِي مَا فِي نَفسه لما كَانَ سلف فِي علمه من السَّعَادَة لأمنا زَيْنَب ﵂. قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالَ قَائِل أَنكُمْ تحتجون كثيرا بقول الله ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى أَن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجاً مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر وَذكر الله كثيرا﴾ وَبِقَوْلِهِ ﵇ إِنِّي لأتقاكم لله وَأعْلمكُمْ بِمَا آتِي وآذر وتقولن من أجل هَذِه النُّصُوص إِن كل قَول قَالَه ﵇ فبوحي من الله قَالَه وكل عمل عمله فبإذن من الله تَعَالَى وَرَضي مِنْهُ عمله فأخبرونا عَن سَلَامه ﷺ من رَكْعَتَيْنِ وَمن ثَلَاث وقيامه من اثْنَتَيْنِ وَصلَاته الظّهْر خمْسا وإخباره بِأَنَّهُ يحكم بِالْحَقِّ فِي الظَّاهِر لمن لَا يحل لَهُ أَخذه مِمَّن يعلم أَنه فِي بَاطِن الْأَمر بِخِلَاف مَا حكم لَهُ بِهِ من ذَلِك أبوحي من الله تَعَالَى وبرضاه فعل كل ذَلِك أم كَيفَ تَقولُونَ وَهل يلْزم الْمَحْكُوم عَلَيْهِ والمحكوم لَهُ الرِّضَا بِحكمِهِ ذَلِك وهما يعلمَانِ أَن الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك أم لَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن كل مَا ذكر هَا هُنَا فبوحي من الله تَعَالَى فعله وكل من قدر وَلم يشك فِي أَنه قد أتم صلَاته فَالله تَعَالَى أمره بِأَن يسلم فَإِذا علم بعد ذَلِك أَنه سهى فقد لَزِمته شَرِيعَة الاتمام وَسُجُود السَّهْو برهَان ذَلِك أَنه لَو تَمَادى وَلم يسلم قَاصِدا إِلَى الزِّيَادَة فِي صلَاته على تَقْدِير أَنه قد أتمهَا لبطلت صلَاته كلهَا بِلَا شكّ بَاطِنا وظاهراً ولاستحق اسْم الْفسق وَالْمَعْصِيَة وَكَذَلِكَ من قدر أَنه لم يصل إِلَّا رَكْعَة وَاحِدَة وَأَنه لم يتم صلَاته فَإِن الله أمره بِالزِّيَادَةِ فِي صلَاته يَقِينا حَتَّى لَا يشك فِي الْإِتْمَام وَبِأَن يقوم إِلَى ثَانِيَة عِنْده فَمَتَى علم بِأَن الْأَمر كَانَ بِخِلَاف ذَلِك فَصلَاته تَامَّة وَلَزِمتهُ حِينَئِذٍ شَرِيعَة سُجُود السَّهْو وبرهان ذَلِك أَنه لَو قعد من وَاحِدَة عِنْده مُتَعَمدا مستهزئاً أَو سلم من ثَلَاث عِنْده مُعْتَمدًا لبطلت صلَاته جملَة ولاستحق اسْم الْفسق وَالْمَعْصِيَة لِأَنَّهُ فعل خلاف مَا أمره الله تَعَالَى بِهِ وَكَذَلِكَ أمره الله وأمرنا بالحكم بِالْبَيِّنَةِ العدلة عندنَا وباليمين من الْمُنكر وباقرار الْمقر وَإِن كَانَت الْبَيِّنَة عامدة للكذب فِي غير علمنَا وَكَانَت الْيَمين وَالْإِقْرَار كاذبين فِي الْبَاطِن وافترض الله علينا بذلك سفك الدِّمَاء الَّتِي لَو علمنَا الْبَاطِن لحرمت علينا وَهَكَذَا

стр. 467

فِي الْفروج وَالْأَمْوَال برهَان ذَلِك إِن حَاكما لَو شهد عِنْده بَيِّنَة عدل عِنْده فَلم يقْض بهَا وَقضى بِالْيَمِينِ على الْمُنكر الَّذِي لَا بَيِّنَة عَلَيْهِ فَحلف ثمَّ قضى عَلَيْهِ لَكَانَ القَاضِي فَاسِقًا بِلَا خلاف عَاصِيا لله لخلافه مَا أمره الله بِهِ وَإِن وَافق حَقًا لم يكن علم بِهِ وَفرض على الْمَحْكُوم عَلَيْهِ والمحكوم لَهُ أَن يرضيا بالحكم بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَمِين وَأَن يصيرا فِي أَنفسهمَا إِلَى حَقِيقَة علمهما فِي أَخذ الْحق وإعطائه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق. قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَذكروا قَول الله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل وظنوا أَنهم قد كذبُوا جَاءَهُم نصرنَا﴾ بتَخْفِيف الذَّال وَلَيْسَ هَذَا على مَا ظَنّه الْجُهَّال وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَن الرُّسُل ﵈ ظنُّوا بِمن وعدهم النَّصْر من قَومهمْ أَنهم كذبُوا فِيمَا وعدوهم من نَصرهم وَمن الْمحَال الْبَين أَن يدْخل فِي عقل من لَهُ أدنى رَمق أَن الله تَعَالَى يكذب فَكيف بصفوة الله تَعَالَى من خلقه وأتمهم علما وأعرفهم بِاللَّه وَمن نسب هَذَا إِلَى نَبِي فقد نسب إِلَيْهِ الْكفْر وَمن أجَاز إِلَى نَبِي الْكفْر فَهُوَ الْكَافِر الْمُرْتَد بِلَا شكّ وَالَّذِي قُلْنَا هُوَ ظَاهر الْآيَة وَلَيْسَ فِيهَا أَن الله تَعَالَى كذبهمْ حاشا لله من هَذَا وَذكروا أَيْضا قَول الله تَعَالَى ﴿فَإِن كنت فِي شكّ مِمَّا أنزلنَا إِلَيْك فاسأل الَّذين يقرؤون الْكتاب من قبلك لقد جآءك الْحق من رَبك﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِنَّمَا عهدنا هَذَا الِاعْتِرَاض من أهل الْكتاب وَغَيرهم وَأما من يدعى أَنه مُسلم فَلَا وَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون مُسلم يظنّ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ شاكا فِي صِحَة الْوَحْي إِلَيْهِ وَلنَا فِي هَذِه الْآيَة رِسَالَة مَشْهُورَة وَجُمْلَة حل هَذَا الشَّك أَن أَن فِي هَذِه الْآيَة الْمَذْكُورَة بِمَعْنى مَا الَّتِي للجحد بِمَعْنى وَمَا كنت فِي شكّ مِمَّا أنزلنَا إِلَيْك ثمَّ أمره أَن يسْأَل أهل الْكتاب تقريراً لَهُم على أَنهم يعلمُونَ أَنه نَبِي مُرْسل مَذْكُور عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق. قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا كل مَا هُوَ بِهِ قد تقصيناه وبيناه وأرينا أَنه مُوَافق لقولنا وَلَا يشْهد شَيْء مِنْهُ لقَوْل مخالفنا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَنحن الْآن نَأْخُذ بحول الله وقوته فِي الْإِتْيَان بالبراهين الضرورية الْوَاضِحَة على صِحَة قَوْلنَا وَبطلَان قَول مخالفنا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل وَمن يغلل يَأْتِ بِمَا غل يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لبشر أَن يؤتيه الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة ثمَّ يَقُول للنَّاس كونُوا عباداً لي من دون الله﴾ فَوَجَدنَا الله تَعَالَى وَهُوَ أصدق الْقَائِلين قد نفى عَن الْأَنْبِيَاء ﵈ الْغلُول وَالْكفْر والتجبر وَلَا خلاف بَين أحد من الْأمة فِي أَن حكم الْغلُول كَحكم سَائِر الذُّنُوب قد صَحَّ الْإِجْمَاع بذلك وَأَن من جوز على الْأَنْبِيَاء ﵈ شَيْئا من تعمدا لذنوب جوز عَلَيْهِم الْغلُول وَمن نفى عَنْهُم الْغلُول نفى عَنْهُم سَائِر الذُّنُوب وَقد صَحَّ نفي الْغلُول عَنْهُم بِكَلَام الله تَعَالَى فَوَجَبَ انْتِفَاء تعمد الذُّنُوب عَنْهُم بِصِحَّة الْإِجْمَاع على أَنَّهَا سَوَاء الْغلُول وَقَالَ عز وَجل

стр. 468

﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السيئآت أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سآء مَا يحكمون﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَلَا يخلوا مخالفنا الَّذِي يُجِيز أَن يكون الْأَنْبِيَاء ﵈ قد اجترحوا السيئآت من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن يَقُول إِن فِي سَائِر النَّاس من لم يعْص وَلَا اجترح سَيِّئَة قيل لَهُ فَمن هَؤُلَاءِ الَّذين نفي الله عَنْهُم أَن يكون الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات مثلهم إِذا كَانُوا غير موجودين فِي الْعَالم فَلَا بُد من ان يَجْعَل كَلَام الله هَذَا فَارغًا لَا معنى لَهُ وَهَذَا كفر من قَائِله أَو يَقُول هم الْمَلَائِكَة فَإِن قَالَ ذَلِك رد قَوْله هَذَا قَول الله تَعَالَى فِي الْآيَة نَفسهَا ﴿سَوَاء محياهم ومماتهم سآء مَا يحكمون﴾ وَلَا نَص وَلَا إِجْمَاع على أَن الْمَلَائِكَة تَمُوت وَلَو جَاءَ بذلك نَص لقلنا بِهِ بل الْبُرْهَان مُوجب أَن لَا يموتوا لِأَن الْجنَّة دَار لَا موت فِيهَا وَالْمَلَائِكَة سكان الْجنان فِيهَا خلقُوا وفيهَا يخلدُونَ أبدا وَكَذَلِكَ الْحور الْعين وَأَيْضًا فَإِن الْمَوْت إِنَّمَا هُوَ فِرَاق النَّفس للجسد الْمركب وَقد نَص رَسُول الله ﷺ على أَن الْمَلَائِكَة خلقُوا من نور فَلَيْسَ فيهم شَيْء يُفَارق شَيْئا فيسمى موتا فَإِن اعْترض معترض بقوله ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ لزمَه أَن حمل هَذِه الْآيَة على عمومها أَن الْحور الْعين يمتن فَيجْعَل الْجنَّة دَار موت وَقد أبعدها الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن الدَّار الْآخِرَة لهي الْحَيَوَان لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ فَعلمنَا بِهَذَا النَّص أَن قَوْله تَعَالَى ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ إِنَّمَا عَنى بِهِ من كَانَ فِي غير الْجنَّة من الْجِنّ وَالْإِنْس وَسَائِر الْحَيَوَان الْمركب الَّذِي يُفَارق روحه جسده وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَيرد أَيْضا قَوْله أَن قَالَ بِهَذَا قَول رَسُول الله ﷺ مَا من أحد إِلَّا وَقد ألم أَو كَاد إِلَّا يحيى بن زَكَرِيَّا أَو يَقُول أَن فِي النَّاس من لم يجترح سَيِّئَة قطّ وَإِن من اجترح السَّيِّئَات لَا يساويهم كَمَا قَالَ فَإِن قَالَ ذَلِك فَإِن الْأَنْبِيَاء ﵈ عِنْده يجترجون السَّيِّئَات وَفِي سَائِر النَّاس من لَا يجترحها فَوَجَبَ أَن يكون فِي النَّاس من هُوَ أفضل من الْأَنْبِيَاء ﵈ وَهَذَا كفر وَمَا قَدرنَا أَن أحدا مِمَّن ينتمي إِلَى أهل الْإِسْلَام وَلَا إِلَى أهل الْكتاب ينْطَلق لِسَانه بِهَذَا حَتَّى رَأينَا الْمَعْرُوف بِابْن الباقلاني فِيمَا ذكر عَنهُ صَاحبه أَبُو جَعْفَر السمناني قَاضِي الْموصل أَنه قد يكون فِي النَّاس بعد النَّبِي ﷺ من هُوَ أفضل من النَّبِي ﷺ من حَيْثُ يبْعَث إِلَى حِين يَمُوت فاستعظمنا ذَلِك وَهَذَا شرك مُجَرّد وقدح فِي النُّبُوَّة لاخفاء بِهِ وَقد كُنَّا نسْمع عَن قوم من الصُّوفِيَّة أَنهم يَقُولُونَ أَن الْوَلِيّ أفضل من النَّبِي وَكُنَّا لَا نحقق هَذَا على أحد يدين بدين الْإِسْلَام إِلَى أَن وجدنَا هَذَا الْكَلَام كَمَا أوردنا فنعوذ بِاللَّه من الارتداد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَو أَن هَذَا الضال المضل يدْرِي مَا معنى لَفْظَة أفضل ويدري فَضِيلَة النُّبُوَّة لما انْطلق لِسَانه بِهَذَا الْكفْر وَهَذَا التَّكْذِيب للنَّبِي ﷺ إِذْ يَقُول أَنِّي لأتقاكم

стр. 469

لله وَإِنِّي لست كهيئتكم وَإِنِّي لست مثلكُمْ فَإذْ قد صَحَّ بِالنَّصِّ أَن فِي النَّاس من لم يجترح السَّيئَة وَإِن من اجترح السيآت لَا يساويهم عِنْد الله فالأنبياء ﵈ أَحَق بِهَذِهِ الدرجَة وَبِكُل فَضِيلَة بِلَا خلاف من أحد من أهل الْإِسْلَام بقول الله ﴿الله يصطفي من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن الرُّسُل صفوته من خلقه وَقد اعْترض علينا بعض الْمُخَالفين بِأَن قَالَ فَمَا تَقول فِيمَن بلغ فَآمن وَذكر الله مَرَّات وَمَات إِثْر ذَلِك أَو فِي كَافِر أسلم وَقَاتل مُجَاهدًا وَقتل فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن نقُول أما من كَانَ كَافِرًا ثمَّ أسلم فقد اجترح من السيئآت بِكُفْرِهِ مَا هُوَ أعظم من السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَإِن كَانَ قد غفر لَهُ بإيمانه وَلَكِن قد حصل بِلَا شكّ من جملَة من قد اجترح السيئآت وَأما من بلغ فَآمن وَذكر الله تَعَالَى ثمَّ مَاتَ فقد كَانَ هَذَا مُمكنا فِي طبيعة الْعَالم وَفِي بنيته لَوْلَا قَول الله ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السيئآت أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سآء مَا يحكمون﴾ فَإِن الله تَعَالَى قطع قطعا لَا يردهُ إِلَّا كَافِر بِأَنَّهُ لَا يَجْعَل من اجترح السَّيِّئَات كمن لم يجترحها وَنحن نوقن أَن الصَّحَابَة ﵃ وهم أفضل النَّاس بعد الْأَنْبِيَاء ﵈ لَيْسَ مِنْهُم أحد إِلَّا وَقد اجترح سَيِّئَة فَكَانَ يلْزم على هَذَا أَن يكون من أسلم أثر بُلُوغه وَمَات أفضل من الصَّحَابَة ﵃ وَهَذَا خلاف قَول النَّبِي ﷺ أَنه لَو كَانَ لِأَحَدِنَا مثل أحد ذَهَبا فأنفقه لم يبلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه فَإِذا هَذَا كَمَا قُلْنَا فَقَوْل الله وَقَول رَسُوله ﷺ أَحَق بالتصديق لَا سِيمَا مَعَ قَوْله ﵇ مَا من أحد إِلَّا ألم بذنب أَو كَاد إِلَّا يحيى بن زَكَرِيَّا فَنحْن نقطع قطعا بِمَا ذكرنَا أَنه لَا سَبِيل إِلَى أَن يبلغ أحد حد التَّكْلِيف إِلَّا وَلَا بُد لَهُ من أَن يجترح سيئآت الله أعلم بهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن الْبُرْهَان على أَنه لم يكن الْبَتَّةَ أَن يَعْصِي نَبِي قَوْله ﷺ مَا كَانَ لنَبِيّ أَن تكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين لما قَالَ لَهُ الْأنْصَارِيّ هلا أَوْمَأت إِلَى فِي قصَّة عبد الله بن سعد بن أبي سرح فنفي ﵇ عَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء ﵈ أَن تكون لَهُم خَائِنَة الْأَعْين وَهُوَ أخف مَا يكون من الذُّنُوب وَمن خلاف الْبَاطِن للظَّاهِر فَدخل فِي هَذَا جَمِيع الْمعاصِي صغيرها أَو كبيرها سرها وجهرها. قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأَيْضًا فإننا مندوبون إِلَى الإقتداء بالأنبياء ﵈ وَإِلَى الإيتساء بهم فِي أفعالهم كلهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ فصح يَقِينا أَنه لَو جَازَ أَن يَقع من أحد من الْأَنْبِيَاء ﵈ ذَنْب تعمدا صَغِيرا وكبيراً كَانَ الله قد حضنا على الْمعاصِي وندبنا إِلَى الذُّنُوب وَهَذَا كفر مُجَرّد مِمَّن أجَازه فقد صَحَّ يَقِينا ان جَمِيع أَفعَال الْأَنْبِيَاء الَّتِي يقصدونها خير وَحقّ.

стр. 470

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأَيْضًا فقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ عَظِيم إِنْكَاره على ذِي الْخوَيْصِرَة لَعنه الله وَلعن أَمْثَاله إِذْ قَالَ الْكَافِر اعْدِلْ يَا مُحَمَّد ان هَذَا لقسمة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله تَعَالَى فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ وَيحك من يعدل إِذا أَنا لم أعدل يأمنني الله وَلَا تأمنوني وَقَوله ﵇ لأم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ إِذْ سَأَلته عَن الَّذِي قبل امْرَأَته فِي رَمَضَان إِلَّا أخْبرتهَا أَنِّي فعلت ذَلِك وَغَضب ﵇ إِذْ قَالَ لَهُ لست مثلنَا قد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر فَأنْكر ﵇ إِذْ جعل لَهُ ذَنبا بعمد وَإِن صغر وَقَالَ ﵇ إِنِّي وَالله لأعلمكم بِاللَّه واتقاكم الله أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ فَإِن قَالَ قَائِل فَهَلا نفيتم عَنْهُم ﵈ السَّهْو بِدَلِيل النّدب إِلَى الايتساء بهم ﵈ قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِنْكَار مَا ثَبت كإجازة مَا لم يثبت سَوَاء وَلَا فرق والسهو مِنْهُم قد ثَبت بِيَقِين وَأَيْضًا فَإِن ندب الله تَعَالَى لنا إِلَى الايتساء بهم ﵈ لَا يمْنَع من وُقُوع السَّهْو مِنْهُم لِأَن الايتساء بالسهو لَا يُمكن إِلَّا بسهو منا وَمن الْمحَال أَن نندب إِلَى السَّهْو أَو نكلف لسهو لأننا لَو قصدنا إِلَيْهِ لم يكن حِينَئِذٍ سَهوا وَلَا يجوز أَيْضا أَن ننهي عَن السَّهْو لِأَن الِانْتِهَاء عَن السَّهْو لَيْسَ فِي بنيتنا وَلَا فِي وسعنا وَقد قَالَ تَعَالَى لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا ونقول أَيْضا إننا مأمورون إِذا سهونا أَن نَفْعل كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ إِذْ سَهَا وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى لَا يقر الْأَنْبِيَاء ﵈ على السَّهْو بل ينبههم فِي الْوَقْت وَلم يفعل ذَلِك تَعَالَى لَكَانَ لم يبين لنا مُرَاده منا فِي الدّين وَهَذَا تَكْذِيب لله إِذْ يَقُول تَعَالَى تبياناً لكل شَيْء وَإِذ يَقُول الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَقَوله تَعَالَى وَقد فصل لكم مَا حرم عَلَيْكُم. قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَسقط قَول من نسب إِلَى الْأَنْبِيَاء ﵈ شَيْئا من الذُّنُوب بالعمد صغيرها وكبيرها إِذا لم يبْق لَهُم شُبْهَة يموهون بهَا أصلا وَإِذ قد قَامَت الْبَرَاهِين على بُطْلَانهَا وَلَحِقُوا بِذِي الْخوَيْصِرَة. قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَو كَانَ من الْأَنْبِيَاء ﵈ شَيْء من الْمعاصِي وَقد ندبنا إِلَى الايتساء بهم وبأفعالهم لَكنا قد أبيحت لنا الْمعاصِي وَكُنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّ جَمِيع ديننَا ضلال وَكفر وَلَعَلَّ كل مَا عمله ﵇ معاص وَلَقَد قلت يَوْمًا لبَعْضهِم مِمَّن كَانَ يُجِيز عَلَيْهِم الصَّغَائِر بالعمد أَلَيْسَ من الصَّغَائِر تَقْبِيل الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة وقرصها فَقَالَ نعم قلت تجوز أَنه يظنّ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَنه يقبل امْرَأَة غَيره مُتَعَمدا فَقَالَ معَاذ الله من هَذَا وَرجع إِلَى الْحق من حِينه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين. قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر وَيتم نعْمَته عَلَيْك ويهديك صراطاً مُسْتَقِيمًا﴾

стр. 471

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن الْبَاطِل الْمحَال أَن يتم الله نعْمَته على عبد ويعصى الله بِمَا كبر وَمَا صغر إِذْ لَو كَانَ ذَلِك لما كَانَت نعْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ تَامَّة بل نَاقِصَة إِذْ خذله فِيمَا عصى فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا لتؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله وتعزروه وتوقروه﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿قل أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزؤون لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ﴾ . قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمَا وقر رَسُول الله ﷺ وَلَقَد بلغ الْغَايَة القصوى فِي الِاسْتِهْزَاء برسل الله صلى الله عَلَيْهِم وَسلم من جوز أَن يَكُونُوا سراقا زناة ولاطة وبغائين وَوَاللَّه مَا نعلم كفرا أعظم من هَذَا وَلَا استهزاء بِاللَّه تَعَالَى وبرسله وبالدين أعظم من كفر أهل هَذِه الْمقَالة وليت شعري مَا الَّذِي أَمنهم من كذبهمْ فِي التَّبْلِيغ لأَنا لَا نَدْرِي لَعَلَّهُم بلغُوا إِلَيْنَا الْكَذِب عَن الله تَعَالَى. قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَنَقُول لَهُم وَلَعَلَّ أَفعاله الَّتِي نأتسي بهَا تَبْدِيل للدّين ومعاص لله وَلَا فرق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمَا نعلم أهل قَرْيَة أَشد سعياً فِي إِفْسَاد الْإِسْلَام وكيده من الرافضة وَأهل هَذِه الْمقَالة فَإِن كلتا الطَّائِفَتَيْنِ الملعونتين أجازتا تَبْدِيل الدّين وتحريفه وصرحت هَذِه الفئة مَعَ مَا أطلقت على الْأَنْبِيَاء من الْمعاصِي بِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا تعبدنا فِي دينه بغالب ظنوننا وَأَنه لَا حكم لله إِلَّا مَا غلب عَلَيْهِ ظن الْمَرْء منا وَإِن كَانَ مُخْتَلفا متناقضاً وَمَا نمتري فِي أَنهم ساعون فِي إِفْسَاد أغمار الْمُسلمين الْمُحْسِنِينَ بهم الظَّن نَعُوذ بِاللَّه من الضلال. قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالَ قَائِل أَنكُمْ تَقولُونَ أَن الْأَنْبِيَاء ﵈ مؤاخذون بِمَا أَتَوا على سَبِيل السَّهْو وَالْقَصْد إِلَى الْخَيْر إِذا لم يُوَافق مُرَاد الله تَعَالَى فَهَلا أَخذ رَسُول الله ﷺ سَهْوه فِي الصَّلَاة قُلْنَا لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قد غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَهَذِه فَضِيلَة مِمَّا فضل بِهِ على جَمِيع النَّبِيين ﵈ وَهَكَذَا نَص ﵇ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة ومصير النَّاس من نَبِي إِلَى نَبِي فَكل ذكر خَطِيئَة أَو سكت فَلَمَّا ذكرُوا النَّبِي ﷺ قَالَ قَائِلهمْ عبد غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر فَبَطل أَن يُؤَاخذ بِمَا غفره الله وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق. قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالَ قَائِل أَيجوزُ أَن يكون نَبِي من الْأَنْبِيَاء ﵈ يَأْتِي مَعْصِيّة قبل أَن يتنبأ قُلْنَا لَا يَخْلُو من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن يكون متعبداً بشريعة نَبِي أَتَى قبله كَمَا كَانَ عِيسَى ﵇ وَإِمَّا أَن يكون قد نَشأ فِي قوم قد درست شريعتهم ودثرت ونسيت كَمَا فِي بعثة مُحَمَّد ﷺ فِي قوم قد نسوا شَرِيعَة إِسْمَاعِيل وَإِبْرَاهِيم ﵉ قَالَ تَعَالَى ﴿ووجدك ضَالًّا فهدى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لتنذر قوما مَا أنذر آباؤهم﴾ فَإِن

стр. 472

كَانَ النَّبِي متعبداً بشريعة مَا فقد أبطلنا آنِفا أَن يكون نَبِي يعْصى ربه أصلا وَإِن كَانَ نَشأ فِي قوم دثرت شريعتهم فَهُوَ غير متعبد وَلَا ماءمور بِمَا لم يَأْته أَمر الله تَعَالَى بِهِ بعد فَلَيْسَ عَاصِيا لله تَعَالَى فِي شئ يَفْعَله أَو يتْركهُ إِلَّا أننا نَدْرِي أَن الله قد طهر أَنْبيَاء وصانهم من كل مَا يعابون بِهِ لِأَن الْعَيْب أَذَى وَقد حرم الله أَن يُؤْذى رَسُوله قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فبيقين نَدْرِي أَن الله تَعَالَى صان أنبياءه عَن أَن يَكُونُوا لبغية أَو من أَوْلَاد بغى أَو من بَغَايَا بل بَعثهمْ الله تَعَالَى فِي حسب قَومهمْ فَإِذا لَا شكّ فِي هَذَا فبيقين نَدْرِي أَن اله تَعَالَى عصمهم قبل النُّبُوَّة من كل مَا يُؤْذونَ بِهِ بعد النُّبُوَّة فَدخل فِي ذَلِك السّرقَة والعدوان وَالْقَسْوَة وَالزِّنَا واللياطة وَالْبَغي وأذى النَّاس فِي حريمهم وَأَمْوَالهمْ وأنفسهم وكل مَا يعاب بِهِ الْمَرْء ويتشكى مِنْهُ ويؤذى بِذكرِهِ وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ فِي هَذَا مَا حدّثنَاهُ أَحْمد بن مُحَمَّد الطلمنكي أَنا ابْن فرج أَنا إِبْرَاهِيم بن أَحْمد فراس أَنبأَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَالم النَّيْسَابُورِي أَنا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه انا وهب بن جرير بن حَازِم انا أبي أَنبأَنَا محمدبن إِسْحَاق حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن قيس بن مخرمَة عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا هَمَمْت بقبيح مِمَّا كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يهمون بِهِ إِلَّا مرَّتَيْنِ من الدَّهْر كلتاهما يعصمني الله مِنْهَا قلت لفتى كَانَ معي من قُرَيْش بِأَعْلَى مَكَّة فِي أَغْنَام لَهَا ترعى أبْصر لي غنمي حَتَّى أسمر هَذِه اللَّيْلَة بِمَكَّة كَمَا يسمر الفتيان قَالَ نعم فَلَمَّا خرجت فَجئْت أدني دَار من دور مَكَّة سَمِعت غناء وَصَوت دفوف وزمير فَقلت مَا هَذَا قَالُوا فلَان تزوج فُلَانَة لرجل من قُرَيْش فلهوث بذلك الْغناء وَبِذَلِك الصَّوْت حَتَّى غلبتني عَيْني فَمَا أيقظني ألامس الشَّمْس فَرَجَعت إِلَى صاحبى فَقَالَ لي مَا فعلت فَأَخْبَرته ثمَّ قلت لَهُ لَيْلَة أُخْرَى مثل ذَلِك فَفعل فَخرجت فَسمِعت مثل ذَلِك فَقيل لي مثل مَا قيل لي فلهوت بِمَا سَمِعت حَتَّى غلبتني عَيْني فَمَا أيقظني إِلَّا مس الشَّمْس فَرَجَعت إِلَى صَاحِبي فَقَالَ لي مَا فعلت قلت مَا فعلت شَيْئا فوَاللَّه مَا هَمَمْت بعْدهَا بِسوء مِمَّا يعْمل أهل الْجَاهِلِيَّة حَتَّى أكرمني الله بنبوته (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فصح أَنه ﵇ لم يعْص قطّ بكبيرة وَلَا بصغيرة لَا قبل النُّبُوَّة وَلَا بعْدهَا وَلَا هم قطّ بِمَعْصِيَة صغرت أَو كَبرت لَا قبل النُّبُوَّة وَلَا بعْدهَا إِلَّا مرَّتَيْنِ بالسمر حَيْثُ رُبمَا كَانَ بعض مَا لم يكن نهى عَنهُ بعد والهم حِينَئِذٍ بالسمر لَيْسَ هما بزنا وَلكنه بِمَا يحذو إِلَيْهِ طبع الْبَريَّة من اسْتِحْسَان منظر حسن فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق تمّ الْكَلَام فِي الْأَنْبِيَاء ﵈ الْكَلَام فِي الْمَلَائِكَة ﵈ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) قد ذكرنَا قبل أَمر هاروت وماروت ونزيدها هُنَا بَيَانا فِي ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن قوما نسبوا إِلَى الله تَعَالَى مَا لم يَأْتِ بِهِ قطّ أثر يجب أَن يشْتَغل بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ

стр. 473

كذب مفترى من أَنه تَعَالَى أنزل إِلَى الأَرْض ملكَيْنِ وهما هاروت وماروت وأنهما عصيا الله تَعَالَى وشربا الْخمر وَحكما بالزور وقتلا النَّفس وزنيا وعلما زَانِيَة اسْم الله الْأَعْظَم فطارت بِهِ إِلَى السَّمَاء فمسخت كوكباً وَهِي الزهرة وأنهما عذبا فِي غَار بِبَابِل وأنهما يعلمَانِ النَّاس السحر وحجتهم على مَا فِي هَذَا الْبَاب خبر روينَاهُ من طَرِيق عُمَيْر بن سعيد وَهُوَ مَجْهُول مرّة يُقَال لَهُ النخعى وَمرَّة يُقَال لَهُ الْحَنَفِيّ مَا نعلم لَهُ رِوَايَة إِلَّا هَذِه الكذبة وَلَيْسَ أَيْضا عَن رَسُول الله ﷺ وَلكنه أوقفها عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وكذبة أُخْرَى فِي أَن حد الْخمر لَيْسَ سنة رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء فَعَلُوهُ وحاشا لَهُم ﵃ من هَذَا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمن الْبُرْهَان على بطلَان هَذَا كُله قَول الله تَعَالَى الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد ﴿مَا ننزل الْمَلَائِكَة إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذا منظرين﴾ فَقطع الله أَن الْمَلَائِكَة لَا تنزل إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَيْسَ شرب الْخمر وَلَا الزِّنَا وَلَا قتل النَّفس الْمُحرمَة وَلَا تَعْلِيم العواهر أسماءه الَّتِي يرْتَفع بهَا إِلَى السَّمَاء وَلَا السحر من الْحق بل كل ذَلِك من الْبَاطِل وَنحن نشْهد أَن الْمَلَائِكَة مَا نزلت قطّ بِشَيْء من هَذِه الْفَوَاحِش وَالْبَاطِل وَإِذا لم تنزل بِهِ فقد بَطل أَن تَفْعَلهُ لِأَنَّهَا لَو فعلته فِي الأَرْض لنزلت بِهِ وَهَذَا بَاطِل وَشهد أَنه لَو أنزل علينا الْمَلَائِكَة لما نَظرنَا فصح أَنه لم ينزل قطّ ملك ظَاهر إِلَّا للنَّبِي بِالْوَحْي فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو جَعَلْنَاهُ ملكا لجعلناه رجلا﴾ فَأبْطل أَنه يُمكن ظُهُور ملك إِلَى النَّاس وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو أنزلنَا ملكا لقضي الْأَمر ثمَّ لَا ينظرُونَ﴾ فكذب الله كل من قَالَ أَن ملكا نزل قطّ من السَّمَاء ظَاهرا إِلَّا إِلَى الْأَنْبِيَاء بِالْحَقِّ من عِنْد الله فَقَط وَقَالَ ﴿وَقَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا لَوْلَا أنزل علينا الْمَلَائِكَة أَو نرى رَبنَا لقد استكبروا فِي أنفسهم وعتوا عتواً كَبِيرا يَوْم يرَوْنَ الْمَلَائِكَة لَا بشرى يَوْمئِذٍ للمجرمين﴾ الْآيَة فَرفع الله تَعَالَى الأشكال بِهَذَا النَّص فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقرن نزُول الْمَلَائِكَة فِي الدُّنْيَا بِرُؤْيَتِهِ فِيهَا فصح ضَرُورَة أَن نزولهم فِي الدُّنْيَا إِلَى غير الْأَنْبِيَاء مُمْتَنع الْبَتَّةَ لَا يجوز وَأَن من قَالَ ذَلِك فقد قَالَ حجرا مَحْجُورا أَي مُمْتَنعا وَظهر بهَا كذب من ادّعى أَن ملكَيْنِ نزلا إِلَى النَّاس فعلماهم السحر وَقد استعظم الله ذَلِك من رَغْبَة من رغب نزُول الْمَلَائِكَة إِلَى النَّاس وسمى هَذَا الْفِعْل استكباراً وعتواً وَأخْبر أننا لَا نرى الْمَلَائِكَة أبدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَقَط وَأَنه لَا بشرى يَوْمئِذٍ للمجرمين فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا كُله فقد علمنَا ضَرُورَة أَنه لَا يَخْلُو من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما كَمَا قدمنَا قبل إِمَّا أَن هاروت وماروت لم يَكُونَا ملكَيْنِ وَأَن مَا فِي قَوْله وَمَا أنزل على الْملكَيْنِ نفى لِأَن

стр. 474

ينزل على الْملكَيْنِ وَيكون هاروت وماروت حيئذ بَدَلا من الشَّيَاطِين كَأَنَّهُ قَالَ وَلَكِن الشَّيَاطِين هاروت وماروت وَيكون هاروت وماروت قبيلتان من قبائل الْجِنّ كَانَتَا يعلمَانِ النَّاس السحر وَقد روينَا هَذَا القَوْل عَن خَالِد ابْن أبي عمرَان وَغَيره وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه كَانَ يقْرَأ على الْملكَيْنِ بِكَسْر اللَّام وَكَانَ يَقُول أَن هاروت وماروت علجان من أهل بابل إِلَّا أَن الَّذِي لَا شكّ فِيهِ على هَذَا القَوْل أَنَّهُمَا لم يَكُونَا ملكَيْنِ وَقد اعْترض بعض الْجُهَّال فَقَالَ لي أبلغ من رفق الشَّيْطَان أَن يَقُول للَّذي يتَعَلَّم السحر لَا تكفر فَقلت لَهُ هَذَا الِاعْتِرَاض يبطل من ثَلَاث جِهَات أَحدهمَا أَن نقُول لَك وَمَا الْمَانِع من أَن يَقُول الشَّيْطَان ذَلِك أما سخرياً وَأما لما شَاءَ الله فَلَا سَبِيل لَك إِلَى دَلِيل مَانع من هَذَا وَالثَّانِي أَنه قد نَص الله على أَن الشَّيْطَان قَالَ أَنِّي أَخَاف الله فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ زين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم وَقَالَ لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَإِنِّي جَار لكم﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿أَنِّي أَخَاف الله وَالله شَدِيد الْعقَاب﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَمثل الشَّيْطَان إِذْ قَالَ للْإنْسَان اكفر فَلَمَّا كفر قَالَ أَنِّي بَرِيء مِنْك إِنِّي أَخَاف الله رب الْعَالمين﴾ فقد أَمر الشَّيْطَان الْإِنْسَان بالْكفْر ثمَّ تَبرأ مِنْهُ وَأخْبرهُ أَنه يخلف الله وغر الْكفَّار ثمَّ تَبرأ مِنْهُم وَقَالَ أَنِّي أَخَاف الله بَين أَن يَقُول الشَّيْطَان للْإنْسَان اكفر ويغره ثمَّ يتبرأ مِنْهُ وَيَقُول أَنِّي أَخَاف اله وَبَين أَن يُعلمهُ السحر وَيَقُول لَهُ لَا تكفر وَالثَّالِث أَن معلم السحر بِنَصّ الْآيَة قد قَالَ للَّذي يتَعَلَّم مِنْهُ لَا تكفر فَسَوَاء كَانَ ملكا أَو شَيْطَانا قد علمه على قَوْلك مَا لَا يحل وَقَالَ لَهُ لَا تكفر فَلم تنكر هَذَا من الشَّيْطَان وَلَا تنكره بزعمك من الْملك وَأَنت تنْسب إِلَيْهِ أَن يعلم السحر الَّذِي عنْدك ضلال وَكفر وَإِمَّا أَن يكون هاروت وماروت ملكَيْنِ نزلا بشريعة حق بِعلم مَا على أَنْبيَاء فعلماهم الدّين وَقَالا لَهُم لَا تكفرُوا نهيا عَن الْكفْر بِحَق وأخبراهم أَنهم فتْنَة يضل الله تَعَالَى بهما وَبِمَا أَتَيَا بِهِ من كفر بِهِ وَيهْدِي بهما من آمن بِهِ قَالَ تَعَالَى عَن مُوسَى أَنه قَالَ لَهُ ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء﴾ وكما قَالَ تَعَالَى ﴿الم أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا أَن يَقُولُوا آمنا وهم لَا يفتنون﴾ ثمَّ نسخ ذَلِك الَّذِي أنزل على الْملكَيْنِ فَصَارَ كفرا بعد أَن كَانَ إِيمَانًا كَمَا نسخ تَعَالَى شرائع التَّوْرَاة والانجيل فتمادت الْجِنّ على تعلم ذَلِك الْمَنْسُوخ وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا فِي الْآيَة من نَص وَلَا دَلِيل على أَن الْملكَيْنِ علما السحر وَإِنَّمَا هُوَ إقحام أقحم بِالْآيَةِ بِالْكَذِبِ والافك بل وفيهَا بَيَان أَنه لم يكن سحرًا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا يعلمُونَ النَّاس السحر وَمَا أنزل على الْملكَيْنِ بِبَابِل﴾ وَلَا يجوز أَن يَجْعَل الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ شَيْئا وَاحِدًا إِلَّا ببرهان من نَص أَو إِجْمَاع أَو ضَرُورَة وَإِلَّا فَلَا أصلا وَأَيْضًا فَإِن بابل هِيَ الْكُوفَة وَهِي بلد مَعْرُوف بقربها محدودة مَعْلُومَة لَيْسَ فِيهَا غَار فِيهِ ملك فصح أَنه خرافة مَوْضُوعَة إِذْ لَو كَانَ لَك لما خفى مكانهما على أهل الْكُوفَة فَبَطل التَّعَلُّق بهاروت وماروت وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين

стр. 475

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقد ادّعى قوم أَن إِبْلِيس كَانَ ملكا فعصى وحاشا لله من هَذَا لِأَن الله تَعَالَى قد كذب هَذَا القَوْل بقوله تَعَالَى ﴿إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿افتتخذونه وَذريته أَوْلِيَاء من دوني﴾ وَلَا ذُرِّيَّة للْمَلَائكَة وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم﴾ وبإخباره أَنه خلق إِبْلِيس من نَار السمُوم وَصَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ خلقت الْمَلَائِكَة من نور والنور غير النَّار بِلَا شكّ فصح أَن الْجِنّ غير الْمَلَائِكَة وَالْمَلَائِكَة كلهم خِيَار مكرمون بِنَصّ الْقُرْآن وَالْجِنّ والأنس فيهمَا مَذْمُوم ومحمود فَإِن قَالَ قَائِل إِن الله ذكر أَنهم قَالُوا ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك﴾ وَهَذَا تَزْكِيَة لأَنْفُسِهِمْ وَقد قَالَ تَعَالَى وَلَا تزكوا أَنفسكُم قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق مدح الْمَرْء نَفسه يَنْقَسِم قسمَيْنِ أَحدهمَا مَا قصد بِهِ الْمَرْء افتخاراً بغياً وانتقاصاً لغيره فَهَذِهِ هِيَ التَّزْكِيَة وَهُوَ مَذْمُوم جدا وَالْآخر مَا خرج مخرج الْإِخْبَار بِالْحَقِّ كَقَوْل رَسُول الله صلى اله عَلَيْهِ وَسلم أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وفضلت على الْأَنْبِيَاء وكقول يُوسُف ﵇ اجْعَلنِي على خَزَائِن الأَرْض إِنِّي حفيظ عليم وَلَا يُسمى هَذَا تَزْكِيَة وَمن هَذَا الْبَاب قَول الْمَلَائِكَة هَهُنَا برهَان هَذَا أَنه لَو كَانَ قَوْلهم مذموماً لأنكره الله عَلَيْهِم فَإِذا لم يُنكره الله تَعَالَى فَهُوَ صدق وَمن هَذَا الْبَاب قَوْلنَا نَحن السلمون وَنحن خير أمة أخرجت للنَّاس وكقول الحواريين نَحن أنصار الله فَكل هَذَا إِذا قصد بِهِ الحض على الْخَيْر لَا الْفَخر فَهُوَ خير فَإِن قَالَ قَائِل إِن الله تَعَالَى قَالَ لَهُم ﴿إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ﴾ قُلْنَا نعم وَمَا شكّ الْمَلَائِكَة قطّ أَن الله تَعَالَى يعلم مَا لَا يعلمُونَ وَلَيْسَ هَذَا إنكاراً وَأما الْجِنّ فقد قُلْنَا أَنهم متعبدون بِملَّة الْإِسْلَام وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَن الروث وَالْعِظَام طَعَام إِخْوَاننَا من الْجِنّ وَهَذَا بِخِلَاف حكمنَا فقد يخصهم الله بأوامر خلاف أوامرنا كَمَا للنِّسَاء شرائع لَيست للرِّجَال من الْحيض وَقطع الصَّلَاة وَغير ذَلِك وكما لقريش الْإِمَامَة وَلَيْسَت لغَيرهم وكل ذَلِك دين الْإِسْلَام وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل هَل يكون مُؤمنا من اعْتقد الْإِسْلَام دون اسْتِدْلَال أم لَا يكون مُؤمنا مُسلما الإمن اسْتدلَّ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ذهب مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ والأشعرية كلهَا حاشا السمناني إِلَى أَنه لَا يكون مُسلما إِلَّا من اسْتدلَّ وَإِلَّا فَلَيْسَ مُسلما وَقَالَ الطَّبَرِيّ من بلغ الِاحْتِلَام أَو الاشعار من الرِّجَال وَالنِّسَاء أَو بلغ الْمَحِيض من النِّسَاء وَلم يعرف الله بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاته من الطَّرِيق الِاسْتِدْلَال فَهُوَ كَافِر حَلَال الدَّم وَالْمَال وَقَالَ أَنه بلغ الْغُلَام أَو الْجَارِيَة سبع سِنِين وَجب تعليمها وتدريبهما على الِاسْتِدْلَال على ذَلِك وَقَالَت الأشعرية لَا يلْزمهَا الِاسْتِدْلَال على ذَلِك إِلَّا بعد الْبلُوغ

стр. 476

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقَالَ سَائِر أهل الْإِسْلَام كل من اعْتقد بِقَلْبِه إعتقاد الا يشك فِيهِ وَقَالَ بِلِسَانِهِ لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد رَسُول الله وَإِن كل مَا جَاءَ بِهِ حق وَبرئ من كل دين سوى دين مُحَمَّد ﷺ فَإِنَّهُ مُسلم مُؤمن لَيْسَ عَلَيْهِ غير ذَلِك (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَاحْتَجت الطَّائِفَة الأولى بِأَن قَالَت قد اتّفق الْجَمِيع على أَن التَّقْلِيد مَذْمُوم وَمَا لم يكن يعرف باستدلال فَإِنَّمَا هُوَ تَقْلِيد لَا وَاسِطَة بَينهمَا وَذكروا قَول الله ﴿أَنا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قَالَ أولو جِئتُكُمْ بأهدى مِمَّا وجدْتُم عَلَيْهِ آبَاءَكُم﴾ ﴿يود أحدهم لَو يعمر ألف سنة وَمَا هُوَ بمزحزحه﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو لَو كَانَ أباؤهم لَا يعلمُونَ شَيْئا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا رَبنَا انا أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا﴾ وَقَالُوا فذم الله تَعَالَى اتِّبَاع الْآبَاء والرؤساء قَالُوا وبيقين نَدْرِي أَنه لَا يعلم أحد أَي الْأَمريْنِ أهْدى وَلَا هَل يعلم الْآبَاء شيأ أَو لايعلمون الإ بِالدَّلِيلِ وَقَالُوا كل مَا لم يكن يَصح بِدَلِيل فَهُوَ دعوي وَلَا فرق بَين الصَّادِق والكاذب بِنَفس قَوْلهمَا لَكِن بِالدَّلِيلِ قَالَ الله ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ قَالُوا فَمن لَا برهَان لَهُ فَلَيْسَ صَادِقا فِي قَوْله وَقَالُوا مَا لم يكن علما فَهُوَ شكّ وَظن وَالْعلم هُوَ إعتقاد الشئ على مَا هُوَ بِهِ عَن ضَرُورَة أَو إستدلال قَالُوا والديانات لَا يعرف صِحَة الصَّحِيح مِنْهَا من بطلَان الْبَاطِل مِنْهَا بالحواس أصلا فصح أَنه لَا يعلم ذَلِك إِلَّا من طَرِيق الِاسْتِدْلَال فَإِذا لم يكن الِاسْتِدْلَال فَلَيْسَ الْمَرْء عَالما بِمَا لم يسْتَدلّ عَلَيْهِ وَإِذا لم يكن عَالما فَهُوَ شَاك ضال وَذكروا قَول رَسُول الله ﷺ فِي مَسْأَلَة الْملك فِي الْقَبْر مَا تَقول فِي هَا الرجل فَأَما الْمُؤمن أَو الموقن فَإِنَّهُ يَقُول هُوَ مُحَمَّد رَسُول الله قَالَ وَأما الْمُنَافِق أَو المرتاب فَإِنَّهُ يَقُول لَا أَدْرِي سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته قَالُوا وَقد ذكر الله الِاسْتِدْلَال على الربوبية والنبوة فِي غير مَوضِع من كثابه وَأمر بِهِ وَأوجب الْعلم بِهِ وَالْعلم لَا يكون إِلَّا عَن دَلِيل كَمَا قُلْنَا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا كلما موهوا بِهِ قد تقصيناه لَهُم غَايَة التَّقَصِّي وكل هَذَا لَا حجَّة لَهُم فِي شئ مِنْهُ على مَا نبين بحول الله وقوته إِن شَاءَ الله تَعَالَى لَا إِلَه إِلَّا هُوَ بعد أَن نقُول قولا تصححه الْمُشَاهدَة إِن جُمْهُور هَذِه الْفرْقَة أبعد من كل من يتَمَنَّى إِلَى الْبَحْث وَالِاسْتِدْلَال عَن الْمعرفَة بِصِحَّة الدَّلَائِل فَأُعْجِبُوا لهَذَا وشهدوا على أنفسهم أَنهم كَانُوا كَافِرين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) أما قَوْلهم قد أجمع الْجَمِيع على أَن التَّقْلِيد مَذْمُوم وَأَن مَا لَا يعرف باستدلال فَإِنَّمَا هُوَ أَخذ تَقْلِيد إِذْ لَا وَاسِطَة بَينهمَا فَإِنَّهُم شغبوا فِي هَذَا الْإِمْكَان وولبوا فتركوا التَّقْسِيم الصَّحِيح وَنعم أَن التَّقْلِيد لَا يحل الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا التَّقْلِيد أَخذ الْمَرْء قَول من دون رَسُول الله ﷺ مِمَّن لم يَأْمُرنَا الله باتباعه قطّ وَلَا يَأْخُذ قَوْله بل حرم علينا ذَلِك ونهانا عَنهُ وَأما أَخذ الْمَرْء قَول رَسُول الله ﷺ الَّذِي افْترض علينا طَاعَته وألزمنا اتِّبَاعه وتصديقه وحذرنا عَن مُخَالفَة أمره وتوعدنا على ذَلِك أَشد الْوَعيد فَلَيْسَ تقليداً بل هُوَ إِيمَان

стр. 477

وتصديق وَاتِّبَاع للحق وَطَاعَة لله وَأَدَاء للمفترض فموه هَؤُلَاءِ الْقَوْم بِأَن أطْلقُوا على الْحق الَّذِي هُوَ اتِّبَاع الْحق اسْم التَّقْلِيد الَّذِي هُوَ بَاطِل وبرهان مَا ذكرنَا أَن أمرءا لَو اتبع أحدا دون رَسُول الله ﷺ فِي قَول قَالَه لِأَن فلَانا قَالَه فَقَط واعتقد أَنه لَو لم يقل ذَلِك الفلان ذَلِك القَوْل لم يقل بِهِ هُوَ أَيْضا فَإِن فَاعل هَذَا القَوْل مقلد مخطى عَاص لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ظَالِم آثم سَوَاء كَانَ قد وَافق قَوْله ذَلِك الْحق الذى قَالَه الله وَرَسُوله أَو خَالفه وَإِنَّمَا فسق لِأَنَّهُ اتبع من لم يُؤمر باتباعه وَفعل غير مَا أمره الله أَن يَفْعَله وَلَو أَن امْرَءًا اتبع قَول الله عزوجل وَقَول رَسُول الله ﷺ لَكَانَ مُطيعًا محسنا مأجوراً غير مقلد وَسَوَاء وَافق الْحق أَو وهم فَأَخْطَأَ وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا لنبين أَن الَّذِي أمرنَا بِهِ وافترض علينا هُوَ اتِّبَاع مَا جَاءَ بِهِ رَسُول الله ﷺ فَقَط وَأَن الَّذِي حرم علينا هُوَ اتِّبَاع من دونه أَو اختراع قَول لم يَأْذَن بِهِ الله تَعَالَى فَقَط وَقد صَحَّ أَن التَّقْلِيد بَاطِل لَا يحل فَمن الْبَاطِل الْمُمْتَنع أَن يكون الْحق بَاطِلا مَعًا والمحسن مسيئاً من وَجه وَاحِد مَعًا فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فمتبع من أَمر الله تَعَالَى باتباعه لَيْسَ مُقَلدًا وَلَا فعله تقليداً وَإِنَّمَا الْمُقَلّد من اتبع من لم يَأْمُرهُ الله تَعَالَى فَسقط تمويههم بذم التَّقْلِيد وَصَحَّ أَنهم وضعوه فِي غير مَوْضِعه وأوقعوا اسْم التَّقْلِيد على مَا لَيْسَ تقليداً وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما احتجاجهم بذم الله إتباع الأباء ة الكبراء فَهُوَ مِمَّا قُلْنَا آنِفا سَوَاء بِسوء لِأَن اتِّبَاع الأباء والكبراء وكل من دون رَسُول الله ﷺ فَهُوَ من التَّقْلِيد الْمحرم المذموم فَاعله فَقَط قَالَ الله ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ فَهَذَا نَص مَا قُلْنَا وَللَّه الْحَمد (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأما احتجاجهم أَنه لَا يعرف أَي الْأَمريْنِ أهْدى وَلَا هَل يعلم الأباء شَيْئا أم لَا إِلَّا بالدلايل وَإِن كل مَا لم يَصح بِهِ دَلِيل فَهُوَ دعوي وَلَا فرق بَين الصَّادِق والكاذب بِنَفس قَوْلهمَا وَذكرهمْ قَول الله تَعَالَى ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فَإِن هَذَا يَنْقَسِم قسمَيْنِ فَمن كَانَ من النَّاس تنازعه نَفسه إِلَى الْبُرْهَان وَلَا تَسْتَقِر نَفسه إِلَى تَصْدِيق مَا جَاءَ بِهِ رَسُول الله ﷺ حَتَّى يسمع الدلايل فَهَذَا فرض عَلَيْهِ طلب الدلايل لِأَنَّهُ إِن مَاتَ شاكا أَو جاحداً قبل أَن يسمع من الْبُرْهَان مَا يثلج صَدره فقد مَاتَ كَافِرًا وَهُوَ مخلد فِي النَّار وَهُوَ بِمَنْزِلَة من لم يُؤمن مِمَّن شَاهد رَسُول الله ﷺ حَتَّى رأى المعجزات فَهَذَا أَيْضا لَو مَاتَ مَاتَ كَافِرًا بِلَا خلاف من أحد من أهل الْإِسْلَام وَإِنَّمَا أَوجَبْنَا على من هَذِه صفته طلب الْبُرْهَان لِأَن فرضا عَلَيْهِ طلب مَا فِيهِ نجاته من الْكفْر قَالَ الله ﴿قوا أَنفسكُم وأهليكم نَارا وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ فقد افْترض الله على كل أحد أَن يقي نَفسه النَّار فَهَؤُلَاءِ قسم وهم الْأَقَل من النَّاس وَالْقسم الثَّانِي من اسْتَقَرَّتْ نَفسه إِلَى تَصْدِيق مَا جَاءَ بِهِ رَسُول الله ﷺ وَسكن قلبه إِلَى الْإِيمَان وَلم تنازعه نَفسه إِلَى طلب

стр. 478

دَلِيل تَوْفِيقًا من الله لَهُ وتيسيراً لما خلق لَهُ من الْخَيْر وَالْحُسْنَى فَهَؤُلَاءِ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى برهَان وَلَا تَكْلِيف اسْتِدْلَال وَهَؤُلَاء هم جُمْهُور النَّاس من الْعَامَّة وَالنِّسَاء والتجار والصناع والاكرة والعباد وَأَصْحَاب الحَدِيث الأيمة الَّذين يذمون الْكَلَام والجدل والمرآء فِي الدّين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هم الَّذين قَالَ لَهُم الله فيهم ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون فضلا من الله ونعمة وَالله عليم حَكِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجاً كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) قد سمى الله راشدين الْقَوْم الَّذين زين الْإِيمَان فِي قُلُوبهم وحببه إِلَيْهِم وَكره إِلَيْهِم الْكفْر والمعاصي فضلا مِنْهُ ونعمة وَهَذَا هُوَ خلق الله تَعَالَى للْإيمَان فِي قُلُوبهم إبتداه وعَلى ألسنتهم وَلم يذكر الله تَعَالَى فِي ذَلِك اسْتِدْلَالا أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مقلدين لابائهم ولالكبرائهم لِأَن هَؤُلَاءِ مقرون بألسنتهم محققون فِي قُلُوبهم إِن أباءهم ورؤساءهم لَو كفرُوا لما كفرُوا هم بل كَانُوا يسْتَحلُّونَ قتل أبائهم وَرُؤَسَائِهِمْ والبرأة مِنْهُم ويحسون من أنفسهم النفار الْعَظِيم عَن كل مَا سمعُوا مِنْهُ مَا يُخَالف الشَّرِيعَة ويرون أَن حرقهم بالنَّار أخف عَلَيْهِم من مُخَالفَة الْإِسْلَام وَهَذَا أَمر قد عَرفْنَاهُ من أَنْفُسنَا حسا وشاهدناه فِي ذواتنا يَقِينا فَلَقَد بَقينَا سِنِين كَثِيرَة وَلَا نَعْرِف الِاسْتِدْلَال وَلَا وجوهه وَنحن وَللَّه الْحَمد فِي غَايَة الْيَقِين بدين الْإِسْلَام وكل مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ نجد أَنْفُسنَا فِي غَايَة السّكُون إِلَيْهِ وَفِي غَايَة النفار عَن كل مَا يعْتَرض فِيهِ بشك وَلَقَد كَانَت تخطر فِي قُلُوبنَا خطرات سوء فِي خلال ذَلِك ينبذها الشَّيْطَان فنكاد لشدَّة نفارنا عَنْهَا أَن نسْمع خفقان قُلُوبنَا استبشاعاً لَهما كَمَا أخبر رَسُول الله ﷺ إِذْ سُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالُوا لَهُ أَن أَحَدنَا ليحدث نَفسه بالشئ مَا أَنه يقدم فَتضْرب عُنُقه أحب إِلَيْهِ أَن يتَكَلَّم بِهِ فَأخْبر رَسُول الله ﷺ بِأَن ذَلِك مَحْض الْإِيمَان وَأخْبر أَنه من وَسْوَسَة الشَّيْطَان وَأمر ﷺ فِي ذَلِك بِمَا أَمر بِهِ من التَّعَوُّذ وَالْقِرَاءَة والتفل عَن الْيَسَار ثمَّ تعلمنا طرق الِاسْتِدْلَال وأحكمناها وَللَّه تَعَالَى الْحَمد فَمَا زادنا يَقِينا على مَا كُنَّا بل عرفنَا أننا كُنَّا ميسرين للحق وصرنا كمن عرف وَقد أَيقَن بِأَن الْفِيل مَوْجُود سماعهَا وَلم يره ثمَّ رَآهُ فَلم يَزْدَدْ يَقِينا بِصِحَّة نِيَّته أصلا لَكِن أرانا صَحِيح الِاسْتِدْلَال رفض بعض الآراء الْفَاسِدَة الَّتِي نشأنا عَلَيْهَا فَقَط كالقول فِي الدّين بِالْقِيَاسِ وَعلمنَا أَنا كُنَّا مقتدين بالْخَطَأ فِي ذَلِك وَللَّه تَعَالَى الْحَمد وَأَن الْمُخَالفين لنا ليعرفون من أنفسهم مَا ذكرنَا إِلَّا أَنهم يلْزمهُم أَن يشْهدُوا على أنفسهم بالْكفْر قبل استدلالهم وَلَا بُد فصح بِمَا قُلْنَا إِن كل من امحض اعْتِقَاد الْحق بِقَلْبِه وَقَالَهُ بِلِسَانِهِ فهم مُؤمنُونَ محققون وَلَيْسوا مقلدين أصلا وَإِنَّمَا كَانُوا مقلدين لَو أَنهم قَالُوا وإعتقدوا أننا إِنَّمَا نتبع فِي الدّين آبَاءَنَا وكبرآءنا فَقَط وَلَو أَن

стр. 479

اباءنا وكبرآءنا تركُوا دين مُحَمَّد ﷺ لتركناه فَلَو قَالُوا هَذَا واعتقدوه لكانوا مقلدين كفَّارًا غير مُؤمنين لأَنهم إِنَّمَا إتبعوا آبَائِهِم وكبراءهم الذذين نهوا عَن اتباعهم وَلم يتبعوا النَّبِي ﷺ الَّذين أمروا باتباعه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَإِنَّمَا كلف الله تَعَالَى الاتيان بالبرهان إِن كَانُوا صَادِقين يَعْنِي الْكفَّار الْمُخَالفين لما جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ هَذَا نَص لآيَة وَلم يُكَلف قطّ الْمُسلمين الاتيان بالبراهين والأسقط اتباعهم حَتَّى يَأْتُوا بالبرهان أَو الْفرق بَين الْأَمريْنِ وَاضح وَهُوَ أَن كل من خَالف النَّبِي ﷺ فَلَا برهَان لَهُ أصلا فكلف المجئ بالبرهان تبكيتاً وتعجيزاً إِن كَانُوا صَادِقين وَلَيْسوا صَادِقين بِلَا برهَان لَهُم وَأما من اتبع مَا جَاءَهُم بِهِ رَسُول الله ﷺ فقد اتبع الْحق الَّذِي قَامَت الْبَرَاهِين بِصِحَّتِهِ ودان بِالصّدقِ الَّذِي قَامَت الْحجَّة الْبَالِغَة بِوُجُوبِهِ فَسَوَاء علم هُوَ بذلك الْبُرْهَان أَو لم يعلم حَسبه أَنه على الْحق الَّذِي صَحَّ بالبرهان وَلَا برهَان على مَا سواهُ فَهُوَ محق وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما قَوْلهم مَا لم يكن علما فَهُوَ شكّ وَظن وَالْعلم هُوَ اعْتِقَاد الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ عَن ضَرُورَة أَو اسْتِدْلَال قَالُوا والديانات لَا تعرف صِحَّتهَا إِلَّا بالاستدلال فَإِن لم يسْتَدلّ الْمَرْء فَلَيْسَ عَالما وَإِذا لم يكن عَالما فَهُوَ جَاهِل شَاك أَو ظان وَإِذا كَانَ لَا يعلم الدّين فَهُوَ كَافِر (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَهَذَا لَيْسَ كَمَا قَالُوا لأَنهم قضوا قَضِيَّة بَاطِلَة فَاسِدَة بنوا عَلَيْهَا هَذَا الِاسْتِدْلَال وَهِي إقحامهم فِي حد الْعلم قَوْلهم عَن ضَرُورَة أَو اسْتِدْلَال فَهَذِهِ زِيَادَة فَاسِدَة لَا نوافقهم هعليها وَلَا جَاءَ بِصِحَّتِهَا قُرْآن وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع وَلَا لُغَة وَلَا طبيعة وَلَا قَول صَاحب وحد الْعلم على الْحَقِيقَة أَنه اعْتِقَاد الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ فَقَط وكل من اعْتقد شَيْئا على مَا هُوَ بِهِ وَلم يتخالجه شكّ فِيهِ فَهُوَ عَالم بِهِ وَسَوَاء كَانَ عَن ضَرُورَة حس أَو عَن بديهة عقل أَو عَن برهَان اسْتِدْلَال أَو عَن تيسير الله لَهُ وخلقه لذَلِك المعتقد فِي قلبه وَلَا مزِيد وَلَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يكون مُحَقّق فِي اعْتِقَاد شَيْء كَمَا هُوَ ذَلِك الشَّيْء وَهُوَ غير عَالم بِهِ وَهَذَا تنَاقض وَفَسَاد وتعارض وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَوْلهم فِي حَدِيث رَسُول الله ﷺ فِي مَسْأَلَة الْملك فَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ بل هُوَ حجَّة عَلَيْهِم كَمَا هُوَ لمجرده لِأَن رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا قَالَ فِيهِ فَأَما الْمُؤمن أَو الموقن فَيَقُول هُوَ رَسُول الله وَلم يقل ﵊ فَأَما الْمُسْتَدلّ فحسبنا فوز الْمُؤمن المؤقن الموقن كَيفَ كَانَ أبمانه ويقينه وَقَالَ ﵊ وَأما الْمُنَافِق أَو المرتاب وَلم يقل غير الْمُسْتَدلّ فَيَقُول سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته فَنعم هَذَا قَوْلنَا لِأَن الْمُنَافِق والمرتاب ليسَا موقنين وَلَا مُؤمنين وَهَذَا صفة مِنْهُ مقلد للنَّاس لَا مُحَقّق فَظهر أَن هَذَا الْخَبَر حجَّة عَلَيْهِم كَافِيَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَوْلهم إِن الله قد ذكر الِاسْتِدْلَال فِي غير مَوضِع من كِتَابه وَأمر بِهِ وواجب الْعلم بِهِ وَالْعلم لَا يكون إِلَّا عَن اسْتِدْلَال فهذذه أَيْضا زِيَادَة أقحموها وَهِي قَوْلهم وَأمر بِهِ فَهَذَا لَا يجدونه أبدا وَلَكِن الله تَعَالَى ذكر

стр. 480

الِاسْتِدْلَال وحض عَلَيْهِ وَنحن لَا ننكر الِاسْتِدْلَال بل هُوَ فعل حسن مَنْدُوب إِلَيْهِ محضوض عَلَيْهِ كل من اطاقه لِأَنَّهُ تزَود من الْخَيْر وَهُوَ فرض على كل من لم تسكن نَفسه إِلَى التَّصْدِيق نَعُوذ بِاللَّه من البلا وَإِنَّمَا ننكر كَونه فرضا على كل أحد لَا يَصح إِسْلَام أحد دونه هَذَا هُوَ الْبَاطِل الْمَحْض وَأما قَوْلهم أَن الله تَعَالَى أوجب الْعلم بِهِ فَنعم وَأما قَوْلهم وَالْعلم لَا يكون إِلَّا عَن اسْتِدْلَال فَهَذَا هِيَ الدَّعْوَى الكاذبة الَّتِي أبطلناها آنِفا وَأول بُطْلَانهَا أَنَّهَا دَعْوَى بِلَا برهَان وَبِاللَّهِ تَعَالَى الْعَزِيز الحكيو نتأيد (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا كلما شنعوا بِهِ قد نقضناه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَسقط قَوْلهم إِذْ تعرى من الْبُرْهَان وَكَانَ دَعْوَى مِنْهُم مفتراة لم يَأْتِ بهَا نَص قطّ وَلَا إِجْمَاع وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَنحن الْآن ذاكرون بعون الله وتوفيقه وتأييده الْبَرَاهِين على بطلَان قَوْلهم وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) يُقَال لمن قَالَ لَا يكون مُسلما إِلَّا من اسْتدلَّ أخبرنَا مَتى يجب عَلَيْهِ فرض الِاسْتِدْلَال أقبل الْبلُوغ أم بعده وَلَا بُد من أحد الْأَمريْنِ فإمَّا الطَّبَرِيّ فَإِنَّهُ أجَاب بِأَن ذَلِك وَاجِب قبل الْبلُوغ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا خطأ لِأَن من لم يبلغ لَيْسَ مُكَلّفا وَلَا مُخَاطبا وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة فَذكر الصَّغِير حَتَّى يَحْتَلِم فَبَطل جَوَاب الطَّبَرِيّ ﵀ وَأما الأشعرية فَإِنَّهُم أَتَوا بِمَا يمْلَأ الْفَم وتقشعر مِنْهَا جُلُود أهل الْإِسْلَام وتصطك مِنْهَا المسامع وَيقطع مَا بَين قَائِلهَا وَمَا بَين الله وَهِي انهم قَالُوا لَا يلْزم طلب الْأَدِلَّة إِلَّا بعد الْبلُوغ وَلم يقنعوا بِهَذِهِ الْجُمْلَة حَتَّى كفونا الْمُؤْنَة وصرحوا بِمَا كُنَّا نُرِيد أَن نلزمهم فَقَالُوا غير مساترين لَا يَصح إِسْلَام أحد حَتَّى يكون بعد بُلُوغه شاكما غير مُصدق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) مَا سمعنَا قطّ فِي الْكفْر والانسلاخ من الْإِسْلَام بأشنع من قَول هَؤُلَاءِ

стр. 481

الْقَوْم أَنه لَا يكون أحد مُسلما حَتَّى يشك فِي الله وَفِي صِحَة النُّبُوَّة وَفِي هَل رَسُول الله صلى اله عَلَيْهِ وَسلم صَادِق أم كَاذِب وَلَا سمع قطّ سامع فِي الهوس والمناقضة وَالِاسْتِخْفَاف بالحقائق فاقبح من قَول هَؤُلَاءِ أَنه لَا يَصح الْإِيمَان إِلَّا بالْكفْر وَلَا يَصح التَّصْدِيق إِلَّا بالجحد وَلَا يُوصل إِلَى رِضَاء الله إِلَّا بِالشَّكِّ فِيهِ وَأَن من اعْتقد موقناً بِقَلْبِه وَلسَانه أَن الله تَعَالَى ربه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأَن دين الْإِسْلَام دين إِلَى الَّذِي لَا دين غَيره فَإِنَّهُ كَافِر مُشْرك اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك من الخذلان فو الله لَوْلَا خذلان الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ غَالب على امْرَهْ مَا انْطلق لِسَان ذِي مسكة بِهَذِهِ الْعَظِيمَة وَهَذَا يَكْفِي من تكلّف النَّقْص لهَذِهِ الْمقَالة الملعونة وَمن بلغ هَذَا الْمبلغ حسن السُّكُوت عَنهُ ونعوذ بِاللَّه من الضلال ثمَّ نقُول لَهُم أخبرونا عَن هَذَا الَّذِي أوجبتم عَلَيْهِ الشَّك فِي فرض أَو الشَّك فِي صِحَة النُّبُوَّة والرسالة كم تكون هَذِه الْمدَّة الَّتِي أوجبتم عَلَيْهِ فِيهِ الْبَقَاء شاكا مستدلا طَالبا للدلائل وَكَيف أَن لم يجد فِي قريته أَو مدينته وَلَا فِي اقليمه محسناً للدلائل فَرَحل طَالبا للدلائل فَاعْتَرَضتهُ أهوال ومخاوف وَتعذر من بَحر أَو مرض فاتصل لَهُ ذَلِك سَاعَات وأياماً وجمعاً وشهوراً وسنين مَا قَوْلكُم فِي ذَلِك فَإِن حدوا فِي الْمدَّة يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة أَو أَكثر من ذَلِك كَانُوا متحكمين بِلَا دَلِيل وقائلين بِلَا هدى من الله تَعَالَى وَلم يعجز أحد عَن أَن يَقُول فِي تَحْدِيد تِلْكَ الْمدَّة بِزِيَادَة أَو نُقْصَان وَمن بلغ هَا هُنَا فقد ظهر فَسَاد قَوْله وَأَن قَالُوا لَا نحد فِي ذَلِك حدا قُلْنَا لَهُم فَإِن امْتَدَّ كَذَلِك حَتَّى فنى عمره وَمَات فِي مُدَّة استدلاله الَّتِي حددتم لَهُ وَهُوَ شَاك فِي الله تَعَالَى وَفِي النُّبُوَّة أيموت مُؤمنا وَيُحب لَهُ الْجنَّة أم يَمُوت كَافِرًا وَتجب لَهُ النَّار فَإِن قَالُوا يَمُوت مُؤمنا تجب لَهُ الْجنَّة أَتَوْ بأعظم الطو أم وَجعلُوا الشكاك فِي الله الَّذين هم عِنْدهم شكاك مُؤمنين من أهل الْجنَّة وَهَذَا كفر مَحْض وتناقض لاخفاء بِهِ وَكَانُوا مَعَ ذَلِك قد سمعُوا فِي أَن يبْقى الْمَرْء دهره كُله شاكا فِي الله وَفِي النُّبُوَّة والرسالة فَإِن قَالُوا بل يَمُوت كَافِرًا تجب لَهُ النَّار قُلْنَا لَهُم لقد أَمر تموه بِمَا فِيهِ هَلَاكه وأوجبتم عَلَيْهِ مَا فِيهِ دماره وَمَا يفعل الشَّيْطَان الإهذا فِي أمره بِمَا يُؤَدِّي إِلَى الخلود فِي النَّار بل هُوَ فِي حكم أهل الفترة قُلْنَا لَهُم هَذَا بَاطِل لِأَن أهل الفترة لم تأتهم النذارة وَلَا بَلغهُمْ خبر النُّبُوَّة وَالنَّص إِنَّمَا جَاءَ فِي أهل الفترة وَمن زَاد فِي الْخَبَر مَا لَيْسَ فِيهِ فقد كذب على الله ثمَّ نقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق مَا حد الِاسْتِدْلَال الْمُوجب لاسم الْإِيمَان عنْدكُمْ وَقد يسمع دَلِيلا عَلَيْهِ اعْتِرَاض أيجزيه ذَلِك لدَلِيل أم لَا فَإِن قَالُوا يجْزِيه قلنالهم وَمن أَيْن وَجب أَن يجْزِيه وَهُوَ دَلِيل معترض فِيهِ وَلَيْسَ هَذِه الصّفة من الدَّلَائِل المخرجة عَن الْجَهْل إِلَى الْعلم بل هِيَ مؤدية إِلَى الْجَهْل الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ

стр. 482

قبل الِاسْتِدْلَال فَإِن قَالُوا بل لَا يجْزِيه إِلَّا حَتَّى يُوقن أَنه قد وَقع على دَلِيل لَا يُمكن الِاعْتِرَاض فِيهِ تكلفوا مَا لَيْسَ فِي وسع أَكْثَرهم وَمَا لَا يبلغهُ إِلَّا قَلِيل من النَّاس فِي طَوِيل من الدَّهْر وَكثير من الْبَحْث وَلَقَد درى الله تَعَالَى أَنهم أصفار من الْعلم بذلك يَعْنِي أهل هَذِه الْمقَالة الملعونة الخبيثة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمن الْبُرْهَان الموضح لبُطْلَان هَذِه الْمقَالة الخبيثة أَنه لَا يشك أحد مِمَّن يدْرِي شَيْئا من السّير من الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس والمانية والدهرية فِي أَن رَسُول الله ﷺ مذ بعث لم يزل يَدْعُو النَّاس الْجَمَّاء الْغَفِير إِلَى الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى وَبِمَا أَنِّي بِهِ وَيُقَاتل من أهل الأَرْض من يقاتله مِمَّن عِنْد ويستحل سفك دِمَائِهِمْ وَسبي نِسَائِهِم وَأَوْلَادهمْ وَأخذ أَمْوَالهم متقرباً إِلَى الله تَعَالَى بذلك وَأخذ الْجِزْيَة وأصغاره وَيقبل مِمَّن آمن بِهِ وَيحرم مَاله وَدَمه وَأَهله وَولده وَيحكم لَهُ بِحكم الْإِسْلَام وَفِيهِمْ الْمَرْأَة البدوية والراعي الراعية والغلام الصحراوي والوحشي والزنجي والمسبيء والزمجية المجلوبة والرومي والرومية والأغثر الْجَاهِل والضعيف فِي فهمه فَمَا مِنْهُم أحد وَلَا من غَيرهم قَالَ ﵇ إِنِّي لَا أقبل إسلامك وَلَا يَصح لَك دين إِلَّا حَتَّى تستدل على صِحَة مَا أَدْعُوك إِلَيْهِ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) لسنا نقُول أَنه لم يبلغنَا أَنه ﵇ قَالَ ذَلِك لأحد بل نقطع نَحن وَجَمِيع أهل الأَرْض قطعا كقطعنا على مَا شهدناه أَنه ﵇ لم يقل قطّ هَذَا لأحد وَلَا رد إِسْلَام أحد حَتَّى يسْتَدلّ ثمَّ جرى على هَذِه الطَّرِيقَة جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ أَوَّلهمْ عَن آخِرهم وَلَا يخْتَلف أحد فِي هَذَا الْأَمر ثمَّ جَمِيع أهل الأَرْض إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَمن الْمحَال الْمُمْتَنع عِنْد أهل الْإِسْلَام أَن يكون ﵇ يغْفل أَن يبين النَّاس مَا لَا يَصح لأحد الْإِسْلَام إِلَّا بِهِ ثمَّ يتَّفق على إغفال ذَلِك أَو تعمد عدم ذكره جَمِيع أهل الأسلام ويبينه لَهُم هَؤُلَاءِ الأشقياء وَمن ظن أَنه وَقع من الدّين على مَا لَا يَقع عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَهُوَ كَافِر بِلَا خلاف فصح أَن هَذِه الْمقَالة خلاف للاجماع وَخلاف لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَجَمِيع أهل الْإِسْلَام قاطبة فَإِن قَالُوا فَمَا كَانَت حَاجَة النَّاس إِلَى الْآيَات المعجزات وَإِلَى احتجاج الله عَلَيْهِم بِالْقُرْآنِ واعجازه بِهِ وبدعاء الْيَهُود إِلَى تمني الْمَوْت وَدُعَاء النَّصَارَى إِلَى المباهلة وشق الْقَمَر قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن النَّاس قِسْمَانِ قسم لم تسكن قُلُوبهم إِلَى الْإِسْلَام وَلَا دَخلهَا التَّصْدِيق فطلبوا مِنْهُ ﵇ الْبَرَاهِين فَأَرَاهُم المعجزات فانقسموا قسمَيْنِ طَائِفَة آمَنت وَطَائِفَة عندت وجاهرت فكفرت وَأهل هَذِه الصّفة الْيَوْم هم الَّذين يلْزمهُم طلب الِاسْتِدْلَال فرضا وَلَا بُد كَمَا قُلْنَا وَقسم آخر وفقهم الله تَعَالَى لتصديقه ﵇ وَخلق

стр. 483

عز وَجل فِي نُفُوسهم الْإِيمَان كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فَهَؤُلَاءِ آمنُوا بِهِ ﵇ بِلَا تَكْلِيف (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَيلْزم أهل هَذِه الْمقَالة أَن جَمِيع أهل الأَرْض كفار لَا ألأقل وَقد قَالَ بَعضهم أَنهم مستدلون (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذِه مجاهرة هُوَ يدْرِي أَنه فِيهَا كَاذِب وكل من سَمعه يدْرِي أَنه فِيهَا كَاذِب لِأَن أَكثر الْعَامَّة من حَاضِرَة وبادية لَا يدْرِي مَا معنى الِاسْتِدْلَال فَكيف أَن يَسْتَعْمِلهُ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَيلْزم من قَالَ بِهَذِهِ الْمقَالة أَن لَا يَأْكُل من اللَّحْم إِلَّا مَا ذبحه هُوَ أَو من يدْرِي أَنه مستدل وَأَن لَا يطَأ إِلَّا زَوْجَة يدْرِي أَنَّهَا مستدلة وَيلْزم أَن يشْهد على نَفسه بالْكفْر ضَرُورَة قبل استدلاله وَمُدَّة استدلاله وَأَن يُفَارق امْرَأَته الَّتِي تزوج فِي تِلْكَ الْمدَّة وَأَن لَا يَرث أَخَاهُ وَلَا أَبَاهُ وَلَا أمه إِلَّا أَن يَكُونُوا مستدلين وَأَن يعْمل عمل الْخَوَارِج الَّذين يقتلُون غيلَة وَعمل المغيرية المنصورة فِي ذبح كل من أمكنهم وَقَتله وَأَن يستحلوا أَمْوَال أهل الأَرْض بل لَا يحل لَهُم الْكَفّ عَن شَيْء من هَذَا كُله لِأَن جِهَاد الْكفَّار فرض وَهَذَا كُله أَن التزموا طرد أصولهم وَكَفرُوا أنفسهم وَأَن لم يَقُولُوا بذلك تناقضوا وفصح أَن كل من اعْتقد الْإِسْلَام بِقَلْبِه ونطق بِهِ لِسَانه فَهُوَ مُؤمن عِنْد الله وَمن أهل الْجنَّة سَوَاء كَانَ ذَلِك عَن قبُول أَو نشأة أَو عَن اسْتِدْلَال وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَنَقُول لَهُم هَل اسْتدلَّ من مخالفيكم فِي أقوالكم الَّتِي تدينون بهَا أحد أم لم يسْتَدلّ قطّ أحد غَيْركُمْ فَلَا بُد من إقرارهم بِأَن مخالفيهم أَيْضا قد استدلوا وهم عنْدكُمْ مخطئون كمن لم يسْتَدلّ وَأَنْتُم عِنْدهم أَيْضا مخطئون فَإِن قَالُوا إِن الْأَدِلَّة امنتنا من أَن نَكُون مخطئين قُلْنَا لَهُم وَهَذَا نَفسه هُوَ قَول خصومكم فَإِنَّهُم يدعونَ أَن أدلتهم على صَوَاب قَوْلهم وَخطأ قَوْلكُم وَلَا فرق مَا زَالُوا على هَذِه الدَّعْوَى مذ كَانُوا إِلَى يَوْمنَا هَذَا فَمَا نَرَاكُمْ حصلتم من استدلا لكم إِلَّا على مَا حصل عَلَيْهِ من لم يسْتَدلّ سَوَاء بِسَوَاء وَلَا فرق فَإِن قَالُوا لنا فعلى قَوْلكُم هَذَا يبطل الِاسْتِدْلَال جملَة وَيبْطل الدَّلِيل كَافَّة قُلْنَا معَاذ الله من هَذَا لَكِن أريناك أَنه قد يسْتَدلّ من يُخطئ وَقد يسْتَدلّ من يُصِيب بِتَوْفِيق الله تَعَالَى فَقَط وَقد لَا يسْتَدلّ من يُخطئ وَقد لَا يسْتَدلّ من يُصِيب بِتَوْفِيق الله تَعَالَى وكل ميسر لما خلق لَهُ والبرهان والدلائل الصِّحَاح غير المموهة فَمن وَافق الْحق الَّذِي قَامَت عِنْد غَيره الْبَرَاهِين الصِّحَاح بِصِحَّتِهِ فَهُوَ مُصِيب محق مُؤمن اسْتدلَّ أَو لم يسْتَدلّ وَمن يسر للباطن الَّذِي قَامَ الْبُرْهَان عِنْد غَيره بِبُطْلَانِهِ فَهُوَ مُبْطل مُخطئ أَو كَافِر سَوَاء اسْتدلَّ أَو لم يسْتَدلّ وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَامَ الْبُرْهَان بِصِحَّتِهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي الْوَعْد والوعيد (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) اخْتلف النَّاس فِي الْوَعْد والوعيد فَذَهَبت كل طَائِفَة لقَوْل مِنْهُم من قَالَ

стр. 484

أَن صَاحب الْكَبِيرَة لَيْسَ مُؤمنا وَلَا كَافِرًا وَلكنه فَاسق (١) وَإِن كل من مَاتَ مصرا على كَبِيرَة من الْكَبَائِر فَلم يمت مُسلما وَإِذا لم يمت مُسلما فَهُوَ مخلد فِي النَّار أبدا وَإِن من مَاتَ وَلَا كَبِيرَة لَهُ أَو تَابَ عَن كبائره قبل مَوته فَإِنَّهُ مُؤمن من أهل الْجنَّة لَا يدْخل النَّار أصلا وَمِنْهُم من قَالَ بِأَن كل ذَنْب صَغِير أَو كَبِير فَهُوَ مخرج عَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فَإِن مَاتَ عَلَيْهِ فَهُوَ غير مُسلم وَغير الْمُسلم مخلد فِي النَّار وَهَذِه مقالات الْخَوَارِج والمعتزلة إِلَّا أَن ابْن بكر أُخْت عبد الْوَاحِد بن زيد قَالَ فِي طَلْحَة وَالزُّبَيْر ﵄ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ من أهل الْجنَّة لِأَنَّهُمَا من أهل بدر وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن الله تَعَالَى قَالَ لأهل بدر اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم قَالَ فَأهل بدران كفرُوا فمغفور لَهُم لأَنهم بِخِلَاف غَيرهم وَقَالَ بعض المرجئة (٢) لَا تضر مَعَ الْإِسْلَام سَيِّئَة كَمَا لَا ينفع مَعَ الْكفْر حَسَنَة قَالُوا فَكل مُسلم وَلَو بلغ على مَعْصِيّة فَهُوَ من أهل الْجنَّة لَا يرى نَارا وَإِنَّمَا النَّار للْكفَّار وكلتا هَاتين الطائفيتين تقربان أحد أَلا يدْخل النَّار ثمَّ يخرج عَنْهَا بل من دخل النَّار فَهُوَ مخلد فِيهَا أبدا وَمن كَانَ من أهل الْجنَّة فَهُوَ لَا يدْخل النَّار

стр. 485

وَقَالَ أهل السّنة وَالْحُسَيْن النجار وَأَصْحَابه وَبشر ابْن غياث المريسي وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن ابْن كيسَان الْأَصَم الْبَصْرِيّ وغيلان ابْن مَرْوَان الدِّمَشْقِي القدري وَمُحَمّد بن شبيب وَيُونُس بن عمرَان وَأَبُو الْعَبَّاس الناشي والأشعري وَأَصْحَابه وَمُحَمّد بن كرام وَأَصْحَابه أَن الْكفَّار مخلدون فِي النَّار وَأَن الْمُؤمنِينَ كلهم فِي الْجنَّة وَإِن كَانُوا أَصْحَاب كَبَائِر مَاتُوا مصرين عَلَيْهَا وَأَنَّهُمْ طَائِفَتَانِ طَائِفَة يدْخلُونَ النَّار ثمَّ يخرجُون مِنْهَا أَي من النَّار إِلَى الْجنَّة وَطَائِفَة لَا تدخل النَّار إِلَّا أَن كل من ذكرنَا قَالُوا لله أَن يعذب من شَاءَ من الْمُؤمنِينَ أَصْحَاب الْكَبَائِر بالنَّار ثمَّ يدخلهم الْجنَّة وَله أَن يغْفر لَهُم ويدخلهم الْجنَّة بِدُونِ أَن يعذبهم ثمَّ افْتَرَقُوا فَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم وَهُوَ مُحَمَّد بن شبيب وَيُونُس والناشي إِن عذب الله تَعَالَى وَاحِدًا من أَصْحَاب الْكَبَائِر عذب جَمِيعهم وَلَا بُد ثمَّ أدخلهم الْجنَّة وَإِن عفر لوَاحِد مِنْهُم غفر لجميعهم وَلَا بُد وَقَالَت طَائِفَة بل يعذب من يَشَاء وَيغْفر لمن يَشَاء وَإِن كَانَت ذنوبهم كَثِيرَة مستوية وَقد يغْفر لمن هُوَ أعظم جرما ويعذب من هُوَ أقل جرما وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَابْن عمر ﵃ يغْفر لمن يَشَاء من أَصْحَاب الْكَبَائِر ويعذب من يَشَاء مِنْهُم إِلَّا الْقَاتِل عندا فَإِنَّهُ مخلد فِي النَّار أبدا وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم من لقى الله مُسلما نَائِبا من كل كَبِيرَة أَو لم يكن عمل كَبِيرَة قطّ فسيئآته كلهَا مغفورة وَهُوَ من أهل الْجنَّة لَا يدْخل النَّار وَلَو بلغت سيئآته مَا شَاءَ الله أَن تبلغ وَمن لقى الله وَله كَبِيرَة لم يتب مِنْهَا فَأكْثر فَالْحكم فِي ذَلِك الموازنة فَمن فَمن رجحت حَسَنَاته على كبائره وسيئآته فَإِن كبائره كلهَا تسْقط وَهُوَ من أهل الْجنَّة لَا يدْخل النَّار وَإِن اسْتَوَت حَسَنَاته مَعَ كبائره وسيئآته فَهَؤُلَاءِ أهل الْأَعْرَاف وَلَهُم وَقْفَة وَلَا يدْخلُونَ النَّار ثمَّ يدْخلُونَ الْجنَّة وَمن رجحت كبائره وسيئآته بحسناته فَهَؤُلَاءِ مجازون بِقدر مَا رجح لَهُم من الذُّنُوب فَمن لفحة وَاحِدَة إِلَى بَقَاء خمسين ألف سنة فِي النَّار ثمَّ يخرجُون مِنْهَا إِلَى الْجنَّة بشفاعة رَسُول الله ﷺ وبرحمة الله تَعَالَى وكل من ذكرنَا يجازون فِي الْجنَّة بعد بِمَا فضل لَهُم من الْحَسَنَات وَأما من يفضل لَهُ حَسَنَة من أهل الْأَعْرَاف فَمن دونهم وكل من خرج النَّار بالشفاعة وبرحمة الله تَعَالَى فهم كلهم سَوَاء فِي الْجنَّة مِمَّن رجحت لَهُ حَسَنَة فَصَاعِدا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَأَما من قَالَ صَاحب الْكَبِيرَة يخلد وَصَاحب الذَّنب كَذَلِك فَإِن حجتهم قَول الله ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا وهم من فزع يَوْمئِذٍ آمنون وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فكبت وُجُوههم فِي النَّار﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين كسبوا السَّيِّئَات جَزَاء سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وترهقهم ذلة مَا لَهُم من الله من عَاصِم كَأَنَّمَا أغشيت وُجُوههم قطعا من اللَّيْل مظلماً أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما﴾

стр. 486

وَقَوله ﴿وَلَا يزنون وَمن يفعل ذَلِك يلق اثاماً يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة ويخلد فِيهِ مهاناً إِلَّا من تَابَ وآمن﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا وسيصلون سعيراً﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره إِلَّا متحرفاً لقِتَال أَو متحيزاً إِلَى فِئَة فقد بَاء بغضب من الله ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾ وَقَوله ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا أَن يقتلُوا أَو يصلبوا﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿الَّذين يَأْكُلُون الرِّبَا﴾ الْآيَة وَذكروا أَحَادِيث صحت عَن النَّبِي ﷺ فِي وَعِيد شَارِب الْخمر وَقَاتل الْهِرَّة وَمن قتل نَفسه بِسم أَو حَدِيد أَو تردى من جبل فَإِنَّهُ يفعل ذَلِك بِهِ فِي جَهَنَّم خَالِدا وَمن قتل نَفسه حرَام الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَأوجب لَهُ النَّار وَذكروا أَن الْكَبِيرَة تزيل اسْم الْإِيمَان فبعضهم قَالَ إِلَى شرك وَبَعْضهمْ قَالَ إِلَى كفر نعْمَة وَبَعْضهمْ قَالَ إِلَى نفاق وَبَعْضهمْ قَالَ إِلَى فسق قَالُوا فَإِذا لَيْسَ مُؤمنا فَلَا يدْخل الْجنَّة لِأَنَّهُ لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا الْمُؤمنِينَ هَذَا كل مَا احْتَجُّوا بِهِ مَا نعلم لَهُم حجَّة أصلا غير مَا ذكرنَا وَأما من خص الْقَاتِل بالتخليد فَإِنَّهُم احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ فَقَط وَأما من قطع باسقاط الْوَعيد عَن كل مُسلم فاحتجوا بقول الله تَعَالَى ﴿لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ قَالُوا وَهَذِه الْآيَة مثبتة أَن كل من توعده الله على قتل أوزنا أَو رَبًّا أَو غير ذَلِك فَإِنَّمَا هم: الْكفَّار خَاصَّة لَا غَيرهم وَاحْتَجُّوا بقول رَسُول الله ﷺ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصاً من قلبه دخل الْجنَّة وَإِن سرق وَإِن شرب الْخمر على رغم أَنفه أبي ذَر وَقَول الله ﴿إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالُوا وَمن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فقد أحسن فَهُوَ محسن فرحمة الله قريب مِنْهُ وَمن ﵀ فَلَا يعذب وَقَالُوا كَمَا أَن الْكفْر محبط لكل حَسَنَة فَإِن الْإِيمَان يكفر كل سَيِّئَة وَالرَّحْمَة وَالْعَفو أولى بِاللَّه (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا كل مَا احْتَجُّوا بِهِ مَا نعلم لَهُم حجَّة غير هَذَا أصلا أَو يدْخل فِيمَا ذكرنَا وَلَا يخرج عَنهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما من قَالَ أَن الله تَعَالَى يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَقد يعذب من هُوَ أقل ذنوباً مِمَّن يغْفر لَهُ فَإِنَّهُم احْتَجُّوا بقول الله ﴿إِن الله لَا يغْفر إِن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وبعموم قَوْله تَعَالَى ﴿يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء﴾ وَبقول رَسُول الله ﷺ خمس صلوَات كتبهن الله على العَبْد من جَاءَ بِهن لم ينقص من حدودهن شَيْئا كَانَ لَهُ عِنْد الله عهد أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَمن لم يَأْتِ بِهن لم يكن لَهُ عِنْد الله عهد إِن شَاءَ عذبه وَإِن شَاءَ غفر لَهُ وَجعلُوا الآيتيتن اللَّتَيْنِ ذكرنَا

стр. 487

قاضيتين على جَمِيع الْآيَات الَّتِي تعلّقت بهَا سَائِر الطوائف وَقَالُوا لله الْأَمر كُله لَا معقب لحكمه فَهُوَ يفعل مَا يَشَاء مَا نعلم لَهُم حجَّة غير مَا ذكرنَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما من قَالَ بِمثل هَذَا إِلَّا أَنه قَالَ الله تَعَالَى إِن عذب وَاحِدًا مِنْهُم عذب الْجَمِيع وَإِن عفر لوَاحِد مِنْهُم غفر للْجَمِيع فَإِنَّهُم قدرية جنحوا بِهَذَا القَوْل نَحْو الْعدْل وَرَأَوا أَن الْمَغْفِرَة لوَاحِد وتعذيب من لَهُ ذنُوبه جور ومحاباة وَلَا يُوصف الله بذلك وَأما من قَالَ بالموازنة فَإِنَّهُم احْتَجُّوا فَقَالُوا إِن آيَات الْوَعيد وأخبار الْوَعيد الَّتِي احْتج بهَا من ذهب مَذْهَب الْمُعْتَزلَة والخوارج فَإِنَّهَا لَا يجوزان أَن تخص بِالتَّعْلِيقِ بهَا دون آيَات الْعَفو وَأَحَادِيث الْعَفو الَّتِي احْتج بهَا من أسقط فِي الْوَعيد وَهِي لَا يجوز التَّعَلُّق بهَا دون الْآيَات الَّتِي حتج بهَا من أثبت الْوَعيد بل الْوَاجِب جمع جَمِيع تِلْكَ الْآيَات وَتلك الْأَخْبَار وَكلهَا حق وَكلهَا من عِنْد الله وَكلهَا مُجمل تَفْسِيرهَا بآيَات الموازنة وَأَحَادِيث الشَّفَاعَة الَّتِي هِيَ بَيَان لعُمُوم تِلْكَ إِلَّا آيَات وَتلك الْأَخْبَار وَكلهَا من عِنْد الله قَالُوا وَوجدنَا الله قد قَالَ ﴿يَا ويلتنا مَا لهَذَا الْكتاب لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أحصاها ووجدوا مَا عمِلُوا حَاضرا وَلَا يظلم رَبك أحدا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة فَلَا تظلم نفس شَيْئا وَإِن كَانَ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا هم جَمِيع لدينا محضرون فاليوم لَا تظلم نفس شَيْئا﴾ الْآيَة أَو قَالَ تَعَالَى ﴿ليجزي الله كل نفس مَا كسبت إِن الله سريع الْحساب﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ توفى كل نفس مَا كسبت وهم لَا يظْلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لتجزى كل نفس بِمَا تسعي﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ إِلَى قَوْله ﴿الْجَزَاء الأوفى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن للَّذين ظلمُوا عذَابا دون ذَلِك﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ليجزي الَّذين أساؤوا بِمَا عمِلُوا﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُنَالك تبلو كل نفس مَا أسلفت﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن كلا لما ليوفينهم رَبك أَعْمَالهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تقدمُوا لأنفسكم من خير تَجِدُوهُ عِنْد الله﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ بأمانيكم وَلَا أماني أهل الْكتاب من يعْمل سوءا يجز بِهِ وَلَا يجد لَهُ﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يَفْعَلُوا من خير فَلَنْ يكفروه﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْت من لَدنه أجرا عَظِيما﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَاءَت كل نفس مَعهَا سائق وشهيد﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ قرينه رَبنَا مَا أطغيته وَلَكِن كَانَ فِي ضلال بعيد﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنا بظلام للعبيد﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فإمَّا من ثقلت مَوَازِينه فَهُوَ فِي عيشة راضية وَأما من خفت مَوَازِينه﴾ إِلَى آخر السُّورَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السيئآت﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر فَأُولَئِك حبطت أَعْمَالهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا﴾

стр. 488

وَقَالَ تَعَالَى ﴿الْيَوْم تجزى كل نفس بِمَا كسبت لَا ظلم الْيَوْم﴾ هَذَا نَص كَلَامه يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ القَاضِي على كل مُجمل قَالُوا فنص الله أَنه يضع الموازين الْقسْط وَأَنه لَا يظلم أحدا شَيْئا ولامثقال حَبَّة خَرْدَل وَلَا مِثْقَال ذرة من خير وَمن شَرّ فصح أَن السَّيئَة لَا تحبط الْحَسَنَة وَأَن الْإِيمَان لَا يسْقط الْكَبَائِر وَنَصّ الله تَعَالَى أَنه تجزى كل نفس بِمَا كسبت وَمَا عملت وَمَا سعت وَأَنه لَيْسَ لأحد الاما سعى وَأَنه سيجري بذلك من أَسَاءَ بِمَا عمل وَمن أحسن بِالْحُسْنَى وَأَنه تَعَالَى يُوفي النَّاس أَعْمَالهم فَدخل فِي ذَلِك الْخَيْر وَالشَّر وَأَنه تَعَالَى يجازي بِكُل خير وَبِكُل سوء وَعمل وَهَذَا كُله يبطل قَول من قَالَ بالتخليد ضَرُورَة وَقَول من قَالَ باسقاط الْوَعيد جملَة لِأَن الْمُعْتَزلَة تَقول أَن الْإِيمَان يضيع ويحبط وَهَذَا خلاف قَول الله تَعَالَى أَنه لَا يضيع ليماتناولا عمل عَامل منا وَقَالُوا هم أَن الْخَيْر سَاقِط بسيئة وَاحِدَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السيئآت﴾ فَقَالُوا هم ان السيآت يذهن الْحَسَنَات وَقد نَص تَعَالَى أَن الْأَعْمَال لَا يحبطها إِلَّا الشّرك وَالْمَوْت عَلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا﴾ فَلَو كَانَت كل سَيِّئَة أَو كَبِيرَة توجب الخلود فِي جَهَنَّم ويحبط الْأَعْمَال الْحَسَنَة لكَانَتْ كل سَيِّئَة أَو كل كَبِيرَة كفرا ولتساوت السيئآت كلهَا وَهَذَا خلاف النُّصُوص وَعلمنَا بِمَا ذكرنَا أَن الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ هم الَّذين رجحت حسناتهم على سيئآتهم فَسقط كل سَيِّئَة قدموها وَصَحَّ أَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فكبت وُجُوههم فِي النَّار﴾ هُوَ فِيمَن رجحت كبائرهم حسناتهم وَإِن السَّيئَة الْمُوجبَة هى للخلود وهى الْكفْر لِأَن النُّصُوص جَاءَت بتقسيم السيئآت فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ فَهَذِهِ سيئآت مغفورة باجتناب الْكَبَائِر وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن من السَّيِّئَات المجازى لَهَا مَا هُوَ مقدارذرة وَمِنْهَا مَا هُوَ أكبر وَلَا شكّ أَن الْكفْر أكبر السيئآت فَلَو كَانَت كل كَبِيرَة جزاءها الخلود لكَانَتْ كلهَا ولكانت كلهَا سَوَاء وَلَيْسَت كَذَلِك بِالنَّصِّ وَأما وَعِيد الله بالخلود فِي الْقَاتِل وَغَيره فَلَو لم يَأْتِ إِلَّا هَذِه النُّصُوص لوَجَبَ الْوُقُوف عِنْدهَا لكنه قد قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ وَكَلَامه تَعَالَى لَا يخْتَلف وَلَا يتناقض وَقد صَحَّ أَن الْقَاتِل لَيْسَ كَافِرًا وَإِن الزَّانِي لَيْسَ كَافِرًا وَأَن أَصْحَاب تِلْكَ الذُّنُوب المتوعد عَلَيْهَا لَيْسُوا كفَّارًا بِمَا ذكرنَا قبل من أَنهم مُبَاح لَهُم نِكَاح المسلمات إِنَّهُم مأمورون بالصلات وَأَن زَكَاة أَمْوَالهم مَقْبُوضَة وَأَنَّهُمْ لَا يقتلُون وَأَنه إِن عفى عَن الْقَاتِل فَقتله مُسلم فَإِنَّهُ يقتل بِهِ وَأَنه يَرث وَيُورث وتؤكل ذَبِيحَته فَإذْ لَيْسَ كَافِرًا فبيقين يدرى أَن خلوده إِنَّمَا هُوَ مقَام مُدَّة مَا وَإِن الصلا (١) الى نَمَاء الله تَعَالَى عَن كل من لم يكذب وَلَا تولى إِنَّمَا هُوَ صلى الخلود لَا يجوز البته غير هذذا وَبِهَذَا تتألف

стр. 489

النُّصُوص وتتفق وَمن الْمَعْهُود فِي المخاطبة أَن وَفد من بلد إِلَى بلد محبس فِيهِ لأمر أوجب احتباسه فِيهِ مُدَّة مَا فَإِنَّهُ لَيْسَ من أهل ذَلِك الْبَلَد الَّذِي حبس فِيهِ فَمن دخل فِي النَّار ثمَّ أخرج مِنْهَا فقد انْقَطع عَنهُ صليها فَلَيْسَ من أَهلهَا وَأهل صليها على الْإِطْلَاق وَالْجُمْلَة هم الْكفَّار المخلدون فِيهَا أبدا فَهَكَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح فقد ذكر ﵇ فِيهِ من يدْخل النَّار بذنوبه ثمَّ يخرج مِنْهَا ثمَّ قَالَ ﷺ وَأما أهل النَّار الَّذين هم أَهلهَا يَعْنِي الْكفَّار المخلدين فِيهَا وَقد قَالَ ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها كَانَ على رَبك حتما مقضيا ثمَّ ننجي الَّذين اتَّقوا وَنذر الظَّالِمين فِيهَا جثياً﴾ فقد بَين ﵇ ذَلِك بقوله فِي الْخَبَر الصَّحِيح ثمَّ يضْرب الصِّرَاط بَين ظهراني جَهَنَّم فبالقرآن وَكَلَام رَسُول الله ﷺ صَحَّ أَن ممر النَّاس من مَحْشَرهمْ إِلَى الْجنَّة إِنَّمَا هُوَ بخوضهم وسط جَهَنَّم وينجي الله أَوْلِيَاء من حرهَا وهم الَّذين لَا كَبَائِر لَهُم أَو لَهُم كَبَائِر تَابُوا عَنْهَا ورجحب حسناوتهم بكبائرهم أَو تَسَاوَت كبائرهم وسيئاتهم بحسناتهم وَأَنه تَعَالَى يمحص من رجحت كبائره وسيئاته ثمَّ يخرجهم عَنْهَا إِلَى الْجنَّة بإيمَانهمْ ويمحق الْكفَّار بتخليدهم فِي النَّار كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وليمحص الله الَّذين آمنُوا ويمحق الْكَافرين﴾ وَأَيْضًا فَإِن كل آيَة وَعِيد وَخبر وَعِيد تعلق بِهِ من قَالَ بتخليد المذذنبين فَإِن المحتجين بِتِلْكَ النُّصُوص هم أول مُخَالف لَهَا لأَنهم يَقُولُونَ أَن من يأتى بِتِلْكَ الْكَبَائِر ثمَّ تَابَ سقط عَنهُ الْوَعيد فقد تركُوا ظَاهر تِلْكَ النُّصُوص فَإِن قَالُوا إِنَّمَا قُلْنَا بنصوص أخر أَو جبت ذَلِك قيل لَهُم نعم وَكَذَلِكَ فعلنَا بنصوص أخر وَهِي آيَات الموازنة وَأَنه تَعَالَى لَا يضيع عمل عَامل من خير أَو شَرّ وَلَا فرق وَيُقَال لمن أسقط آيَات الْوَعيد جملَة وَقَالَ أَنَّهَا كلهَا إِنَّمَا جَاءَت فِي الْكفَّار أَن هَذَا بَاطِل لِأَن نَص الْقُرْآن بالوعيد على الفار من الزَّحْف لَيْسَ إِلَّا على الْمُؤمن بِيَقِين بِنَصّ الْآيَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره﴾ وَلَا يُمكن أَن يكون هَذَا فِي كَافِر أصلا فَسقط قَول من قَالَ بالتخليد وَقَول من قَالَ باسقاط الْوَعيد وَلم يبْق الإ فول من أجمل جَوَاز الْمَغْفِرَة وَجوز الْعقَاب (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَوَجَدنَا هَذَا القَوْل مُجملا قد فسرته آيَات الموازنة وَقَوله تَعَالَى الَّذِي تعلقوا بِهِ ﴿أَن الله لَا يغْفر إِن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ حق على ظَاهرهَا وعَلى عمومها وَقد فسرتها بإقرارهم آيَات أخر لِأَنَّهُ لَا يخْتَلف فِي أَن الله تَعَالَى يغْفر أَن يُشْرك بِهِ لمن تَابَ من الشّرك بِلَا شكّ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء فهذاكله حق إِلَّا أَنه قد بَين من هم الَّذين شَاءَ أَن يغْفر لَهُم فَإِن صرتم إِلَى بَيَان الله تَعَالَى فَهُوَ الْحق وَأَن أَبَيْتُم إِلَّا الثَّبَات على الأجمال فأخبرونا عَن قَول الله تَعَالَى ﴿يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿بل أَنْتُم بشر مِمَّن خلق يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء﴾ أَتَرَوْنَ أَن هَذَا الْعُمُوم تَقولُونَ بِهِ فتجيزون أَنه يغْفر الْكفْر لِأَنَّهُ

стр. 490

ذَنْب من الذُّنُوب أم لَا وأخبرونا عَن قَول الله حاكياً عَن عِيسَى ﵇ أَنه يَقُول لَهُ تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة ﴿يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يكون لي أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِحَق إِن كنت قلته فقد عَلمته تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد﴾ إِلَى قَوْله ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ أَيَدْخُلُ النَّصَارَى الَّذين اتَّخذُوا عِيسَى وَأمه إِلَهَيْنِ من دون الله تَعَالَى فِي جَوَاز الْمَغْفِرَة لَهُم لصدق قَول الله تَعَالَى فِي هَذَا القَوْل من التَّخْيِير بَين الْمَغْفِرَة لَهُم أَو تعذينهم وأخبرونا عَن قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ عَذَابي أُصِيب بِهِ من أَشَاء ورحمتي وسعت كل شَيْء فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزَّكَاة﴾ فَمن قَوْلهم أَن الْمَغْفِرَة لَا تكون الْبَتَّةَ لمن كفر وَمَات كَافِرًا وَأَنَّهُمْ خارجون من هَذَا الْعُمُوم وَمن هَذِه الْجُمْلَة بقوله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر إِن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ قيل لَهُم وَلم خصصتم هَذِه الْجُمْلَة بِهَذَا النَّص وَلم تخصوا قَوْله تَعَالَى ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ بقوله ﴿فَأَما من ثقلت مَوَازِينه فَهُوَ فِي عيشة راضية وَأما من خفت مَوَازِينه فأمه هاوية﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَل تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْيَوْم تجزى كل نفس بِمَا كسبت﴾ وَهَذَا خبر لَا نسخ فِيهِ فَإِن قَالُوا نعم إِلَّا أَن يَشَاء أَن يغْفر لَهُم قيل لَهُم قد أخبر الله تَعَالَى أَنه لَا يَشَاء ذَلِك بإخباره تَعَالَى أَنه فِي ذَلِك الْيَوْم يَجْزِي كل نفس مَا كسبت وَلَا فرق (قَالَ أَبُو) مُحَمَّد وَقد أخبر النَّبِي ﷺ أَن الرجل يأتى يَوْم الْقِيَامَة وَله صَدَقَة وَصِيَام وَصَلَاة فيوجد قد سفك دم هَذَا وَشتم هَذَا فتؤخذ حَسَنَاته كلهَا فيقتص لَهُم مِنْهَا فَإِذا لم يبْق لَهُ حَسَنَة قذف من سيآتهم عَلَيْهِ وَرمى فِي النَّار وَهَكَذَا أخبر ﵇ فِي قوم يخرجُون من النَّار حَتَّى إِذا نقوا وهذبوا أدخلُوا الْجنَّة وَقد بَين ﵇ ذَلِك بِأَنَّهُ يخرج من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من شعير من خير ثمَّ من فِي قلبه مِثْقَال برة من خير ثمَّ من فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل ثمَّ من فِي قلبه مِثْقَال ذرة إِلَى أدنى أدنى أدنى من ذَلِك ثمَّ من لم يعْمل خيرا قطّ لال شَهَادَة السَّلَام فَوَجَبَ الْوُقُوف عِنْد هَذِه النُّصُوص كلهَا المفسرة للنَّص الْمُجْمل ثمَّ يُقَال أخبرونا عَمَّن لم يعْمل شرا قطّ إِلَّا اللمم وَمن هم بِالشَّرِّ فَلم يَفْعَله فَمن قَول أهل الْحق أَنه مغْفُور لَهُ جملَة بقوله تَعَالَى ﴿إِلَّا اللمم﴾ وَبقول رَسُول الله ﷺ أَن الله تجَاوز لَا مَتى عَمَّا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم تخرجه بقول أَو عمل (قَالَ أبومحمد) وَهَذَا يَنْقَسِم أقساماً أَحدهَا من هم بسيئة اى شئ كَانَت من السيئآت ثمَّ تَركهَا مُخْتَار الله تَعَالَى فَهَذَا تكْتب لَهُ حَسَنَة فَإِن تَركهَا مَغْلُوبًا لَا مُخْتَارًا لم تكْتب لَهُ حَسَنَة وَلَا سَيِّئَة تفضلاً من الله وَلَو عَملهَا كتبت لَهُ سَيِّئَة وَاحِدَة وَلَو هم بحسنة وَلَو يعملها كتبت لَهُ حَسَنَة وَاحِدَة وَإِن عَملهَا كتبت لَهُ عشر حَسَنَات وَهَذَا كُله نَص رَسُول الله ﷺ وَقد ناظرت بعض المنكرين لهَذَا فَذهب إِلَى أَن الْهم بِالسَّيِّئَةِ إِصْرَار عَلَيْهَا فَقلت لَهُ

стр. 491

هَذَا خطأ لِأَن الْإِصْرَار لَا يكون إِلَّا على مَا قد فعله الْمَرْء بعد تماد عَلَيْهِ أَن يَفْعَله وَأما من هم بِمَا لم يفعل بعد فَلَيْسَ إصراراً قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ﴾ ثمَّ نسألهم عَمَّن عمل بالسيئات حاشا الْكَبَائِر عددا عَظِيما وَلم يَأْتِ كَبِيرَة قطّ وَمَات على ذَلِك أيجزون أَن يعذبه الله تَعَالَى على مَا عمل من السَّيِّئَات أم يَقُولُونَ أَنَّهَا مغفورة لَهُ وَلَا بُد فَإِن قَالُوا أَنَّهَا مغفورة ولابد صدقُوا وَكَانُوا قد خصوا قَوْله تَعَالَى وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء وَتركُوا حمل هَذِه الْآيَة على عمومها فَلَا ينكروا ذَلِك على من خصها أَيْضا بِنَصّ آخر وَإِن قَالُوا بل جَائِز أَن يعبهم الله تَعَالَى على ذَلِك أكذبهم الله تَعَالَى بقوله ﴿أَن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مدخلًا كَرِيمًا﴾ ونعوذ بِاللَّه من تَكْذِيب اله ثمَّ نسألهم عَمَّن عمل من الْكَبَائِر وَمَات عَلَيْهَا وَعمل حَسَنَات رجحت بكبائره عِنْد الموازنة أَيجوزُ أَن يعذبه الله تَعَالَى بِمَا عمل من تِلْكَ الْكَبَائِر أم مغفورة لَهُ سَاقِطَة عَنهُ فَإِن قَالُوا بل هِيَ مغفورة وساقطة عَنهُ صدقُوا أَو كَانُوا قد خصوا عُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَجعلُوا هَؤُلَاءِ مِمَّن شَاءَ وَلَا بُد أَن يغْفر لَهُم وَإِن قَالُوا بل جايز أَن يعذبهم أكذبهم الله تَعَالَى بقوله ﴿فَأَما من ثقلت مَوَازِينه فَهُوَ فِي عيشة راضية﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السيئآت﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَكَذَلِكَ القَوْل فِيمَن تَسَاوَت حَسَنَاته وكبائره وهم أهل الْأَعْرَاف فَلَا يُعَذبُونَ أصلا فقد صَحَّ يَقِينا أَن هَؤُلَاءِ الطَّبَقَات الْأَرْبَع هم الَّذين شَاءَ الله تَعَالَى أَن يغْفر لَهُم بِلَا شكّ فَبَقيَ الَّذين لم يَشَاء الله تَعَالَى أَن يغْفر لَهُم وَلم يبْق من الطَّبَقَات أحد إِلَّا من رجحت كبائره فِي الموازنة على حَسَنَاته فهم الَّذين يجاوزون بِقدر ذنوبهم ثمَّ يخرجُون من النَّار بالشفاعة وبرحمة الله فَقَالُوا من هَؤُلَاءِ من يغْفر الله تَعَالَى وَمِنْهُم من يعذبه قُلْنَا لَهُم أعندكم بِهَذَا الْبَيَان نَص وهم لَا يجدونه أبدا فَظهر تحكمهم بِلَا برهَان وخلافهم لجَمِيع الْآيَات الَّتِي تعلقوا بهَا فَإِنَّهُم مقرون على أَنَّهَا لَيست على عمومها بل هِيَ مَخْصُوصَة لِأَن الله تَعَالَى قَالَ إِن الله لَا يغْفر إِن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء وَلَا خلاف فِي أَنه تَعَالَى يغْفر الشّرك لمن آمن فصح أَنَّهَا مجملة تفسرها سَائِر الْآيَات وَالْأَخْبَار وَكَذَلِكَ حَدِيث عبَادَة خمس صلوَات كتبهن الله تَعَالَى على الْعباد من جَاءَ بِهن لم ينقص من حدودهن شَيْئا كَانَ لَهُ الله عهد أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَمن لم يَأْتِ بِهن فَلَيْسَ لَهُ عِنْد الله عهد أَن شَاءَ غفر لَهُ وَإِن شَاءَ عذبه فَإِنَّهُم متفقون على أَن من جَاءَ بِهن لم ينتقص من حدودهن شَيْئا إِلَّا أَنه قتل وزنى وسرق فَإِنَّهُ قد يعذب وَيَقُولُونَ إِن لم يَأْتِ بِهن فَإِنَّهُ لَا يعذب على التَّأْبِيد بل يعذب ثمَّ يخرج عَن النَّار (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا ترك مِنْهُم أَيْضا لظَاهِر هَذَا الْخَبَر (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلَا فرق بَين قَول الله تَعَالَى ﴿فَأَما من ثقلت مَوَازِينه فَهُوَ فِي عيشة راضية﴾ وَبَين قَوْله ﴿وَأما من خفت مَوَازِينه فأمه هاوية﴾ كِلَاهُمَا خبر أَن جازإبطال أَحدهمَا جَازَ إبِْطَال ت الْأَرْبَع هم الَّذين شَاءَ الله تَعَالَى أَن يغْفر لَهُم بِلَا شكّ فَبَقيَ الَّذين لم يَشَاء الله تَعَالَى أَن يغْفر لَهُم

стр. 492

الآخر ومعاذ الله من هَذَا القَوْل وكذذلك قد منع الله تَعَالَى من هَذَا القَوْل بقوله تَعَالَى ﴿لَا تختصموا لدي وَقد قدمت إِلَيْكُم بالوعيد مَا يُبدل القَوْل لدي وَمَا أَنا بظلام للعبيد﴾ وَنحن نقُول أَن الله تَعَالَى يعذب من يَشَاء وَيرْحَم من يَشَاء وَأَنه تَعَالَى يغْفر مَا دون الشّرك لمن يَشَاء وَأَن كل أحد فَهُوَ فِي مَشِيئَة الله تَعَالَى إِلَّا أننا نقُول أَنه تَعَالَى قد بَين من يغْفر لَهُ وَمن يعذب وَإِن الموازين حق الموازنة حق الشَّفَاعَة حق وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد بن بَيَان حَدثنَا أَحْمد بن عيد النصير حَدثنَا قَاسم بن أصبغ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الختنى حَدثنَا كحمد بن الْمثنى حَدثنَا وَكِيع بن الْجراح حَدثنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن خَالِد الْحذاء عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَول الله تَعَالَى ﴿وَإِنَّا لموفوهم نصِيبهم غير مَنْقُوص﴾ قَالَ مَا وعدوا فِيهِ من خير وَشر وَهَذَا هُوَ نَص قَوْلنَا وَقد ادّعى قوم أَن خلاف الْوَعيد حسن عِنْد الْعَرَب وأنشدوا ... وَإِنِّي وَإِن واعدته وأوعدته لمخلف ميعادي ومنجزه موعدي ... قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا شَيْء قد جعل فَخر صبي أَحمَق كَافِر حجَّة على الله تَعَالَى وَالْعرب تَفْخَر بالظلم قَالَ الراجز ... أَحْيَا أَبَاهُ هَاشم بن حر مله ... ترى الْمُلُوك حوله مغر لَهُ ... يقتل ذَا الذَّنب وَمن لَا ذَنْب لَهُ وَقد جعلت الْعَرَب مخلف الْوَعْد كَاذِبًا قَالَ الشَّاعِر أنْشدهُ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى ... أتوعدني وَرَاء بني رَبَاح ... كذبت لتقصرن يداك دوني ... فَإِن قَالُوا خصوا وَعِيد الشّرك بالموازنة قُلْنَا لَا يجوز لِأَن الله تَعَالَى منع ذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر فَأُولَئِك حبطت أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأهل النَّار متناضلون فِي عَذَاب النَّار فأقلهم عذَابا أبوطالب فَإِنَّهُ تُوضَع جمرتان من نَار فِي أخمصيه إِلَى أَن يبلغ الْأَمر إللى قَوْله تَعَالَى ﴿ادخُلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ وَلَا يكون الأشد إِلَّا إِلَى جنب إِلَّا دون وَقَالَ تَعَالَى ﴿ولنذيقنهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَالْكفَّار معذذبون على الْمعاصِي الَّتِي عمِلُوا من غير الْكفْر برهَان ذَلِك قَول الله ﴿مَا سلككم فِي سقر قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدّين حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين﴾ فنص تَعَالَى على أَن الْكفَّار يُعَذبُونَ على ترك الصَّلَاة وعَلى ترك الطَّعَام للمسكين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأما من عمل مِنْهُم الْعتْق وَالصَّدَََقَة أَو نَحْو ذَلِك من أَعمال الْبر فحابط كل ذَلِك لِأَن الله قَالَ أَنه من مَاتَ وَهُوَ كَافِر حَبط عمله لَكِن لَا يعذب الله أحدا إِلَّا على مَا عمل لَا على مَا لم يعْمل قَالَ الله تَعَالَى ﴿هَل تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمَّا كَانَ من لَا يطعم الْمِسْكِين من الْكفَّار يعذب على ذَلِك عذَابا زَائِدا فَالَّذِي أطْعم الْمِسْكِين مَعَ كفره لَا

стр. 493

يعذب ذَلِك الْعَذَاب الزَّائِد فَهُوَ أقل عذَابا لِأَنَّهُ لم يعْمل من الشَّرّ مَا عمل من هُوَ أَشد عذَابا أَنه عمل خيرا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وكل كَافِر عمل خيرا وشراً ثمَّ أسلم فَإِن كل مَا عمل من خير مَكْتُوب مجازى بِهِ فِي الْجنَّة وَأما مَا عمل من شَرّ فَإِن تَابَ عَنهُ مَعَ تَوْبَته من الْكفْر سقط عَنهُ وَإِن تَمَادى عَلَيْهِ أَخذ بِمَا عمل فِي كفره وَبِمَا عمل فِي إِسْلَامه برهَان ذَلِك حَدِيث حكم بن حزَام عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يَا رَسُول الله أَشْيَاء كنت أتحنث بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة من عتق وَصدقَة وصلَة رحم فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ أسلمت على مَا سلف لَك من خير فَأخْبر أَنه خير وَأَنه لَهُ إِذا أسلم وَقَالَت لَهُ عَائِشَة ﵂ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت ابْن جدعَان فَإِنَّهُ كَانَ يصل الرَّحِم ويقرى الضَّيْف أينفع ذَلِك قَالَ لَا لِأَنَّهُ لم يقل يَوْمًا رب اغْفِر لي خطيئتي يَوْم الدّين فَأخْبر ﵇ أَنه لم ينْتَفع بذلك لِأَنَّهُ لم يسلم فاتفقت الْأَخْبَار كلهَا على أَنه لَو أسلم لنفعه ذَلِك وَأما مؤاخذته بِمَا عمل فَحَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ بِنَصّ مَا قُلْنَا عَن رَسُول الله ﷺ كَمَا قُلْنَاهُ فَإِن اعْترض معترض بقول الله تَعَالَى ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ قُلْنَا إِنَّمَا هَذَا لمن مَاتَ مشر كافقط برهَان ذَلِك إِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ وَمن أسلم فَلَيْسَ من الخاسرين وَقد بَين ذَلِك بقوله ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر فَأُولَئِك حبطت أَعْمَالهم﴾ وَإِن اعْترضُوا فِيمَا قُلْنَا من الْمُؤَاخَذَة بِمَا عمل فِي الْكفْر بقوله تَعَالَى ﴿قل للَّذين كفرُوا أَن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾ قُلْنَا لَهُم هَذَا حجَّة لنا لِأَن من انْتهى عَن الْكفْر غفر لَهُ وَإِن انْتهى عَن الزِّنَا غفر لَهُ وَإِن لم ينْتَه عَن الزِّنَا لم يغْفر لَهُ فَإِنَّمَا يغْفر لَهُ عَمَّا انْتهى عَنهُ وَلم يغْفر لَهُ مَا لم ينْتَه عَنهُ وَلم يقل تَعَالَى أَن ينْتَهوا عَن الْكفْر يغْفر لَهُم سَائِر ذنوبهم وَالزِّيَادَة على الْآيَة كذب الله تَعَالَى وَهِي أَعمال مُتَغَايِرَة كَمَا ترى لَيست التَّوْبَة عَن بَعْضهَا تَوْبَة عَن سائرها فَلِكُل وَاحِد مِنْهَا حكم فَإِن ذكرُوا حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي ﷺ الْإِسْلَام يجب مَا قبله فقد قُلْنَا أَن الْإِسْلَام اسْم لجَمِيع الطَّاعَات فَمن أصر على الْمعْصِيَة فَلَيْسَ فعله فِي الْمعْصِيَة الَّتِي يتمادى عَلَيْهَا إسلاماً وَلَا إِيمَانًا كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن فصح أَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان هُوَ جَمِيع الطَّاعَات فَإِذا أسلم من الْكفْر وَتَابَ من جَمِيع مَعَاصيه فَهُوَ الْإِسْلَام الَّذِي يجب مَا قبله وَإِذا لم يتب من مَعَاصيه فَلم يحسن فِي الْإِسْلَام فَهُوَ مَأْخُوذ بألاول والاآخر كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ وَبِهَذَا تتفق الْأَحَادِيث وَكَذَلِكَ قَوْله ﵇ وَالْهجْرَة تجب مَا قبلهَا فقد صَحَّ عَنهُ ﵇ أَن المُهَاجر من هجر مَا نَهَاهُ الله عَنهُ فَمن تَابَ من جَمِيع الْمعاصِي الَّتِي سلفت مِنْهُ فقد هجر مَا نَهَاهُ الله عَنهُ فَهَذِهِ هِيَ الْحُجْرَة الَّتِي تجب مَا قبلهَا وَأما قَوْله ﵇ وَالْحج يجب مَا قبله فقد جَاءَ أَن الْعمرَة إِلَى الْعمرَة كَفَّارَة لما بَينهمَا وَالْحج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا

стр. 494

الْجنَّة فَهَذَا على الموازنة الَّتِي رَبنَا عَالم بمراتبها ومقاديرها وَإِنَّمَا تقف حَيْثُ وقفنا الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) واستدركنا قَول رَسُول الله ﷺ فِي قَاتل نَفسه حرم عَلَيْهِ الْجنَّة وَأوجب لَهُ النَّار مَعَ قَوْله من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصاً من قلبه حرم عَلَيْهِ النَّار وَأوجب لَهُ الْجنَّة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى أَن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ فصح أَن كَلَامه ﷺ كُله وَحي من عِنْد الله تَعَالَى وَقَالَ ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فصح أَن مَا قَالَه رَسُول ﷺ فَمن عِنْد الله تَعَالَى وَأَنه لَا اخْتِلَاف فِي شئ مِنْهُ وَأَنه كُله مُتَّفق عَلَيْهِ فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَوَاجِب ضم هَذِه الْأَخْبَار بَعْضهَا إِلَى بعض فيلوح الْحق حِينَئِذٍ بحول الله وقوته فَمَعْنَى قَوْله ﷺ فِي الْقَاتِل حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَأوجب لَهُ النَّار مَبْنِيّ على الموازنة فَإِن رجحت كَبِيرَة قَتله نَفسه على حَسَنَاته حرم الله عيله الْجنَّة حَتَّى يقْتَصّ مِنْهُ بالنَّار الَّتِي أوجبهَا الله تَعَالَى جَزَاء على فعله وبرهان هَذَا الحَدِيث الَّذِي أسلم وَهَاجَر مَعَ عَمْرو بن الحممة الدوسي ثمَّ قتل نَفسه لجراح جرح بِهِ فتألم بِهِ فَقطع عروق يَده فنزف حَتَّى مَاتَ فَرَآهُ بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فِي حَال حَسَنَة الا يَده وذكرا قيل لَهُ لن يصلح مِنْك مَا افسدت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ وليديه فَاغْفِر وَمعنى قَول رَسُول الله ﷺ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصاً من قلبه حرم الله عَلَيْهِ النَّار وَأوجب لَهُ الْجنَّة فَهَذَا لَا يخْتَلف فِيهِ مسلمان أَنه لَيْسَ على ظَاهره مُنْفَردا لَكِن يضمه إِلَى غَيره من الْإِيمَان لمُحَمد ﷺ والبراءة من كل دين حاشا دين الْإِسْلَام وَمَعْنَاهُ حِينَئِذٍ أَن الله أوجب لَهُ الْجنَّة وَلَا بُد إِمَّا بعد الاقتصاص وَإِمَّا دون الاقتصاص على مَا توجبه الموازنة وَحرم الله عَلَيْهِ أَن يخلد فِيهَا وَيكون من أَهلهَا القاطنين فِيهَا على مَا بَيْننَا قبل من قَوْله تَعَالَى ﴿لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ ﴿وَمَا تَفعلُوا من خير فَلَنْ تكفرُوا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يُرِيدُونَ أَن يخرجُوا من النَّار وَمَا هم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ فنص الْآيَة أَنَّهَا فِي الْكفَّار هَكَذَا فِي نَص الْآيَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما الْكَفَّارَة فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿أَن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مدخلًا كَرِيمًا﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن الْمحَال أَن يحرم الله تَعَالَى علينا أمرا وَيفرق بَين أَحْكَامه وَيجْعَل بعضه مغفوراً باجتناب بعض ومؤاخذاً بِهِ إِن لم يجْتَنب الْبَعْض الآخر ثمَّ لَا يبين لنا المهلكات من غيرعا فَنَظَرْنَا فِي ذَلِك فَوَجَدنَا قوما يَقُولُونَ أَن كل ذَنْب فَهُوَ كَبِيرَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا خطأ لِأَن نَص الْقُرْآن مفرق كَمَا قُلْنَا بَين الْكَبَائِر وَغَيرهَا وبالضرورة

стр. 495

نَدْرِي أَنه لَا يُقَال كَبِيرَة إِلَّا بِالْإِضَافَة إِلَى مَا هُوَ أَصْغَر مِنْهَا والكبائر أَيْضا تتفاضل فالشرك أكبر مِمَّا دونه وَالْقَتْل أكبر من غَيره وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنَّهُمَا لَا يعذبان وَمَا يعذبان فِي كَبِير وَأَنه لكبير أما أَحدهمَا فَكَانَ لَا يستبرئ من بَوْله وَأما الآخر فَكَانَ يمشي بالنميمة فَأخْبر ﵇ أَنَّهُمَا كَبِير وَمَا هما بكبير وَهَذَا بَين لِأَنَّهُمَا كبيران بِالْإِضَافَة إِلَى الصفائر المغفورة باجتناب الْكَبَائِر ولبسا بكبيرين بِالْإِضَافَة إِلَى الْكفْر وَالْقَتْل (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَبَطل القَوْل الْمَذْكُور فَنَظَرْنَا فِي ذَلِك فَوَجَدنَا معرفَة الْكَبِير من الذُّنُوب مِمَّا لَيْسَ بكبير مِنْهَا لَا يعلم الْبَتَّةَ إِلَّا بِنَصّ وَأَرَادَ فِيهَا إِذْ هَذَا من أَحْكَام الله تَعَالَى الَّتِي لَا تعرف إِلَّا من عِنْده تَعَالَى فبحثنا عَن ذَلِك فَوَجَدنَا الله تَعَالَى قد نَص بالوعيد على ذنُوب فِي الْقُرْآن وعَلى لِسَان رَسُول الله ﷺ وَوجدنَا ذنوباً أخر لم ينص عَلَيْهَا بوعيد فَعلمنَا يَقِينا أَن كل مَا توعد الله تَعَالَى عَلَيْهِ بالنَّار أَو توعد عَلَيْهِ رَسُوله ﷺ بالنَّار فَهُوَ كَبِير وكل مَا نَص عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ باستعظامه فَهُوَ كَبِير كَقَوْلِه ﵇ اتَّقوا السَّبع الموبقات الشّرك وَالسحر وَالْقَتْل وَالزِّنَا وَذكر الحَدِيث وَكَقَوْلِه ﵇ عقوق الْوَالِدين من الْكَبَائِر وكل مَا لم يَأْتِ نَص باستعظامه وَلَا جَاءَ فِيهِ وَعِيد بالنَّار فَلَيْسَ بكبير وَلَا يُمكن أَن يكون الْوَعيد بالنَّار على الصَّغَائِر على انفرادها لِأَنَّهَا مغمورة باجتناب الْكَبَائِر فصح مَا قُلْنَاهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الموافاة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) اخْتلف المتكلمون فِي معنى عبروا عَنهُ بِلَفْظ الموافاة وهم أَنهم قَالُوا فِي إِنْسَان مُؤمن صَالح مُجْتَهد فِي الْعِبَادَة ثمَّ مَاتَ مُرْتَدا كَافِرًا وَآخر كَافِر متمردا وفاسق ثمَّ مَاتَ مُسلما نَائِبا كَيفَ كَانَ حكم كل وَاحِد مِنْهُمَا قبل أَن ينْتَقل إِلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ عِنْد الله تَعَالَى فَذهب هِشَام ابْن عَمْرو والفوطي وَجَمِيع الأشعرية إِلَى أَن الله لم يزل رَاضِيا عَن الَّذِي مَاتَ مُسلما تَائِبًا وَلم يزل ساخط على الَّذِي مَاتَ كَافِرًا أَو فَاسِقًا وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَن الله لَا يتَغَيَّر علمه وَلَا يرضى مَا سخط وَلَا يسْخط مَا رَضِي وَقَالَت الأشعرية الرِّضَا من الله لَا يتَغَيَّر مِنْهُ تَعَالَى صِفَات الذَّات لَا يزولان وَلَا يتغيران وَذهب سَائِر الْمُسلمين إِلَى أَن الله كَانَ ساخطاً على الْكَافِر وَالْفَاسِق ثمَّ ﵄ إِذا أسلم الْكَافِر وَتَابَ الْفَاسِق وَأَنه كَانَ تَعَالَى رَاضِيا عَن الْمُسلم وَعَن الصَّالح ثمَّ سخط عَلَيْهِمَا إِذا كفر الْمُسلم وَفسق الصَّالح (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) احتجاج الْأَشْعر بِهِ هَاهُنَا هُوَ احتجاج الْيَهُود فِي إبِْطَال النّسخ وَلَا فرق وَنحن نبين بطلَان احتجاجهم وَبطلَان قَوْلهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَنَقُول وَبِاللَّهِ نتأيد أما قَوْلهم عَن علم الله لَا يتَغَيَّر فَصَحِيح وَلَكِن معلوماته تَتَغَيَّر وَلم نقل أَن علمه يتَغَيَّر ومعاذ الله من هَذَا وَلم يزل علمه تَعَالَى وَاحِدًا يعلم كل شَيْء على تصرفه فِي جَمِيع حالاته فَلم
следующие страницы →