← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

هَذَا خطأ لِأَن الْإِصْرَار لَا يكون إِلَّا على مَا قد فعله الْمَرْء بعد تماد عَلَيْهِ أَن يَفْعَله وَأما من هم بِمَا لم يفعل بعد فَلَيْسَ إصراراً قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ﴾ ثمَّ نسألهم عَمَّن عمل بالسيئات حاشا الْكَبَائِر عددا عَظِيما وَلم يَأْتِ كَبِيرَة قطّ وَمَات على ذَلِك أيجزون أَن يعذبه الله تَعَالَى على مَا عمل من السَّيِّئَات أم يَقُولُونَ أَنَّهَا مغفورة لَهُ وَلَا بُد فَإِن قَالُوا أَنَّهَا مغفورة ولابد صدقُوا وَكَانُوا قد خصوا قَوْله تَعَالَى وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء وَتركُوا حمل هَذِه الْآيَة على عمومها فَلَا ينكروا ذَلِك على من خصها أَيْضا بِنَصّ آخر وَإِن قَالُوا بل جَائِز أَن يعبهم الله تَعَالَى على ذَلِك أكذبهم الله تَعَالَى بقوله ﴿أَن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مدخلًا كَرِيمًا﴾ ونعوذ بِاللَّه من تَكْذِيب اله ثمَّ نسألهم عَمَّن عمل من الْكَبَائِر وَمَات عَلَيْهَا وَعمل حَسَنَات رجحت بكبائره عِنْد الموازنة أَيجوزُ أَن يعذبه الله تَعَالَى بِمَا عمل من تِلْكَ الْكَبَائِر أم مغفورة لَهُ سَاقِطَة عَنهُ فَإِن قَالُوا بل هِيَ مغفورة وساقطة عَنهُ صدقُوا أَو كَانُوا قد خصوا عُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَجعلُوا هَؤُلَاءِ مِمَّن شَاءَ وَلَا بُد أَن يغْفر لَهُم وَإِن قَالُوا بل جايز أَن يعذبهم أكذبهم الله تَعَالَى بقوله ﴿فَأَما من ثقلت مَوَازِينه فَهُوَ فِي عيشة راضية﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السيئآت﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَكَذَلِكَ القَوْل فِيمَن تَسَاوَت حَسَنَاته وكبائره وهم أهل الْأَعْرَاف فَلَا يُعَذبُونَ أصلا فقد صَحَّ يَقِينا أَن هَؤُلَاءِ الطَّبَقَات الْأَرْبَع هم الَّذين شَاءَ الله تَعَالَى أَن يغْفر لَهُم بِلَا شكّ فَبَقيَ الَّذين لم يَشَاء الله تَعَالَى أَن يغْفر لَهُم وَلم يبْق من الطَّبَقَات أحد إِلَّا من رجحت كبائره فِي الموازنة على حَسَنَاته فهم الَّذين يجاوزون بِقدر ذنوبهم ثمَّ يخرجُون من النَّار بالشفاعة وبرحمة الله فَقَالُوا من هَؤُلَاءِ من يغْفر الله تَعَالَى وَمِنْهُم من يعذبه قُلْنَا لَهُم أعندكم بِهَذَا الْبَيَان نَص وهم لَا يجدونه أبدا فَظهر تحكمهم بِلَا برهَان وخلافهم لجَمِيع الْآيَات الَّتِي تعلقوا بهَا فَإِنَّهُم مقرون على أَنَّهَا لَيست على عمومها بل هِيَ مَخْصُوصَة لِأَن الله تَعَالَى قَالَ إِن الله لَا يغْفر إِن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء وَلَا خلاف فِي أَنه تَعَالَى يغْفر الشّرك لمن آمن فصح أَنَّهَا مجملة تفسرها سَائِر الْآيَات وَالْأَخْبَار وَكَذَلِكَ حَدِيث عبَادَة خمس صلوَات كتبهن الله تَعَالَى على الْعباد من جَاءَ بِهن لم ينقص من حدودهن شَيْئا كَانَ لَهُ الله عهد أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَمن لم يَأْتِ بِهن فَلَيْسَ لَهُ عِنْد الله عهد أَن شَاءَ غفر لَهُ وَإِن شَاءَ عذبه فَإِنَّهُم متفقون على أَن من جَاءَ بِهن لم ينتقص من حدودهن شَيْئا إِلَّا أَنه قتل وزنى وسرق فَإِنَّهُ قد يعذب وَيَقُولُونَ إِن لم يَأْتِ بِهن فَإِنَّهُ لَا يعذب على التَّأْبِيد بل يعذب ثمَّ يخرج عَن النَّار (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا ترك مِنْهُم أَيْضا لظَاهِر هَذَا الْخَبَر (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلَا فرق بَين قَول الله تَعَالَى ﴿فَأَما من ثقلت مَوَازِينه فَهُوَ فِي عيشة راضية﴾ وَبَين قَوْله ﴿وَأما من خفت مَوَازِينه فأمه هاوية﴾ كِلَاهُمَا خبر أَن جازإبطال أَحدهمَا جَازَ إبِْطَال ت الْأَرْبَع هم الَّذين شَاءَ الله تَعَالَى أَن يغْفر لَهُم بِلَا شكّ فَبَقيَ الَّذين لم يَشَاء الله تَعَالَى أَن يغْفر لَهُم

стр. 492

الآخر ومعاذ الله من هَذَا القَوْل وكذذلك قد منع الله تَعَالَى من هَذَا القَوْل بقوله تَعَالَى ﴿لَا تختصموا لدي وَقد قدمت إِلَيْكُم بالوعيد مَا يُبدل القَوْل لدي وَمَا أَنا بظلام للعبيد﴾ وَنحن نقُول أَن الله تَعَالَى يعذب من يَشَاء وَيرْحَم من يَشَاء وَأَنه تَعَالَى يغْفر مَا دون الشّرك لمن يَشَاء وَأَن كل أحد فَهُوَ فِي مَشِيئَة الله تَعَالَى إِلَّا أننا نقُول أَنه تَعَالَى قد بَين من يغْفر لَهُ وَمن يعذب وَإِن الموازين حق الموازنة حق الشَّفَاعَة حق وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد بن بَيَان حَدثنَا أَحْمد بن عيد النصير حَدثنَا قَاسم بن أصبغ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الختنى حَدثنَا كحمد بن الْمثنى حَدثنَا وَكِيع بن الْجراح حَدثنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن خَالِد الْحذاء عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَول الله تَعَالَى ﴿وَإِنَّا لموفوهم نصِيبهم غير مَنْقُوص﴾ قَالَ مَا وعدوا فِيهِ من خير وَشر وَهَذَا هُوَ نَص قَوْلنَا وَقد ادّعى قوم أَن خلاف الْوَعيد حسن عِنْد الْعَرَب وأنشدوا ... وَإِنِّي وَإِن واعدته وأوعدته لمخلف ميعادي ومنجزه موعدي ... قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا شَيْء قد جعل فَخر صبي أَحمَق كَافِر حجَّة على الله تَعَالَى وَالْعرب تَفْخَر بالظلم قَالَ الراجز ... أَحْيَا أَبَاهُ هَاشم بن حر مله ... ترى الْمُلُوك حوله مغر لَهُ ... يقتل ذَا الذَّنب وَمن لَا ذَنْب لَهُ وَقد جعلت الْعَرَب مخلف الْوَعْد كَاذِبًا قَالَ الشَّاعِر أنْشدهُ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى ... أتوعدني وَرَاء بني رَبَاح ... كذبت لتقصرن يداك دوني ... فَإِن قَالُوا خصوا وَعِيد الشّرك بالموازنة قُلْنَا لَا يجوز لِأَن الله تَعَالَى منع ذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر فَأُولَئِك حبطت أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأهل النَّار متناضلون فِي عَذَاب النَّار فأقلهم عذَابا أبوطالب فَإِنَّهُ تُوضَع جمرتان من نَار فِي أخمصيه إِلَى أَن يبلغ الْأَمر إللى قَوْله تَعَالَى ﴿ادخُلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ وَلَا يكون الأشد إِلَّا إِلَى جنب إِلَّا دون وَقَالَ تَعَالَى ﴿ولنذيقنهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَالْكفَّار معذذبون على الْمعاصِي الَّتِي عمِلُوا من غير الْكفْر برهَان ذَلِك قَول الله ﴿مَا سلككم فِي سقر قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدّين حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين﴾ فنص تَعَالَى على أَن الْكفَّار يُعَذبُونَ على ترك الصَّلَاة وعَلى ترك الطَّعَام للمسكين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأما من عمل مِنْهُم الْعتْق وَالصَّدَََقَة أَو نَحْو ذَلِك من أَعمال الْبر فحابط كل ذَلِك لِأَن الله قَالَ أَنه من مَاتَ وَهُوَ كَافِر حَبط عمله لَكِن لَا يعذب الله أحدا إِلَّا على مَا عمل لَا على مَا لم يعْمل قَالَ الله تَعَالَى ﴿هَل تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمَّا كَانَ من لَا يطعم الْمِسْكِين من الْكفَّار يعذب على ذَلِك عذَابا زَائِدا فَالَّذِي أطْعم الْمِسْكِين مَعَ كفره لَا

стр. 493

يعذب ذَلِك الْعَذَاب الزَّائِد فَهُوَ أقل عذَابا لِأَنَّهُ لم يعْمل من الشَّرّ مَا عمل من هُوَ أَشد عذَابا أَنه عمل خيرا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وكل كَافِر عمل خيرا وشراً ثمَّ أسلم فَإِن كل مَا عمل من خير مَكْتُوب مجازى بِهِ فِي الْجنَّة وَأما مَا عمل من شَرّ فَإِن تَابَ عَنهُ مَعَ تَوْبَته من الْكفْر سقط عَنهُ وَإِن تَمَادى عَلَيْهِ أَخذ بِمَا عمل فِي كفره وَبِمَا عمل فِي إِسْلَامه برهَان ذَلِك حَدِيث حكم بن حزَام عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يَا رَسُول الله أَشْيَاء كنت أتحنث بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة من عتق وَصدقَة وصلَة رحم فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ أسلمت على مَا سلف لَك من خير فَأخْبر أَنه خير وَأَنه لَهُ إِذا أسلم وَقَالَت لَهُ عَائِشَة ﵂ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت ابْن جدعَان فَإِنَّهُ كَانَ يصل الرَّحِم ويقرى الضَّيْف أينفع ذَلِك قَالَ لَا لِأَنَّهُ لم يقل يَوْمًا رب اغْفِر لي خطيئتي يَوْم الدّين فَأخْبر ﵇ أَنه لم ينْتَفع بذلك لِأَنَّهُ لم يسلم فاتفقت الْأَخْبَار كلهَا على أَنه لَو أسلم لنفعه ذَلِك وَأما مؤاخذته بِمَا عمل فَحَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ بِنَصّ مَا قُلْنَا عَن رَسُول الله ﷺ كَمَا قُلْنَاهُ فَإِن اعْترض معترض بقول الله تَعَالَى ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ قُلْنَا إِنَّمَا هَذَا لمن مَاتَ مشر كافقط برهَان ذَلِك إِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ وَمن أسلم فَلَيْسَ من الخاسرين وَقد بَين ذَلِك بقوله ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر فَأُولَئِك حبطت أَعْمَالهم﴾ وَإِن اعْترضُوا فِيمَا قُلْنَا من الْمُؤَاخَذَة بِمَا عمل فِي الْكفْر بقوله تَعَالَى ﴿قل للَّذين كفرُوا أَن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾ قُلْنَا لَهُم هَذَا حجَّة لنا لِأَن من انْتهى عَن الْكفْر غفر لَهُ وَإِن انْتهى عَن الزِّنَا غفر لَهُ وَإِن لم ينْتَه عَن الزِّنَا لم يغْفر لَهُ فَإِنَّمَا يغْفر لَهُ عَمَّا انْتهى عَنهُ وَلم يغْفر لَهُ مَا لم ينْتَه عَنهُ وَلم يقل تَعَالَى أَن ينْتَهوا عَن الْكفْر يغْفر لَهُم سَائِر ذنوبهم وَالزِّيَادَة على الْآيَة كذب الله تَعَالَى وَهِي أَعمال مُتَغَايِرَة كَمَا ترى لَيست التَّوْبَة عَن بَعْضهَا تَوْبَة عَن سائرها فَلِكُل وَاحِد مِنْهَا حكم فَإِن ذكرُوا حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي ﷺ الْإِسْلَام يجب مَا قبله فقد قُلْنَا أَن الْإِسْلَام اسْم لجَمِيع الطَّاعَات فَمن أصر على الْمعْصِيَة فَلَيْسَ فعله فِي الْمعْصِيَة الَّتِي يتمادى عَلَيْهَا إسلاماً وَلَا إِيمَانًا كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن فصح أَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان هُوَ جَمِيع الطَّاعَات فَإِذا أسلم من الْكفْر وَتَابَ من جَمِيع مَعَاصيه فَهُوَ الْإِسْلَام الَّذِي يجب مَا قبله وَإِذا لم يتب من مَعَاصيه فَلم يحسن فِي الْإِسْلَام فَهُوَ مَأْخُوذ بألاول والاآخر كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ وَبِهَذَا تتفق الْأَحَادِيث وَكَذَلِكَ قَوْله ﵇ وَالْهجْرَة تجب مَا قبلهَا فقد صَحَّ عَنهُ ﵇ أَن المُهَاجر من هجر مَا نَهَاهُ الله عَنهُ فَمن تَابَ من جَمِيع الْمعاصِي الَّتِي سلفت مِنْهُ فقد هجر مَا نَهَاهُ الله عَنهُ فَهَذِهِ هِيَ الْحُجْرَة الَّتِي تجب مَا قبلهَا وَأما قَوْله ﵇ وَالْحج يجب مَا قبله فقد جَاءَ أَن الْعمرَة إِلَى الْعمرَة كَفَّارَة لما بَينهمَا وَالْحج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا

стр. 494

الْجنَّة فَهَذَا على الموازنة الَّتِي رَبنَا عَالم بمراتبها ومقاديرها وَإِنَّمَا تقف حَيْثُ وقفنا الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) واستدركنا قَول رَسُول الله ﷺ فِي قَاتل نَفسه حرم عَلَيْهِ الْجنَّة وَأوجب لَهُ النَّار مَعَ قَوْله من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصاً من قلبه حرم عَلَيْهِ النَّار وَأوجب لَهُ الْجنَّة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى أَن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ فصح أَن كَلَامه ﷺ كُله وَحي من عِنْد الله تَعَالَى وَقَالَ ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فصح أَن مَا قَالَه رَسُول ﷺ فَمن عِنْد الله تَعَالَى وَأَنه لَا اخْتِلَاف فِي شئ مِنْهُ وَأَنه كُله مُتَّفق عَلَيْهِ فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَوَاجِب ضم هَذِه الْأَخْبَار بَعْضهَا إِلَى بعض فيلوح الْحق حِينَئِذٍ بحول الله وقوته فَمَعْنَى قَوْله ﷺ فِي الْقَاتِل حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَأوجب لَهُ النَّار مَبْنِيّ على الموازنة فَإِن رجحت كَبِيرَة قَتله نَفسه على حَسَنَاته حرم الله عيله الْجنَّة حَتَّى يقْتَصّ مِنْهُ بالنَّار الَّتِي أوجبهَا الله تَعَالَى جَزَاء على فعله وبرهان هَذَا الحَدِيث الَّذِي أسلم وَهَاجَر مَعَ عَمْرو بن الحممة الدوسي ثمَّ قتل نَفسه لجراح جرح بِهِ فتألم بِهِ فَقطع عروق يَده فنزف حَتَّى مَاتَ فَرَآهُ بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فِي حَال حَسَنَة الا يَده وذكرا قيل لَهُ لن يصلح مِنْك مَا افسدت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ وليديه فَاغْفِر وَمعنى قَول رَسُول الله ﷺ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصاً من قلبه حرم الله عَلَيْهِ النَّار وَأوجب لَهُ الْجنَّة فَهَذَا لَا يخْتَلف فِيهِ مسلمان أَنه لَيْسَ على ظَاهره مُنْفَردا لَكِن يضمه إِلَى غَيره من الْإِيمَان لمُحَمد ﷺ والبراءة من كل دين حاشا دين الْإِسْلَام وَمَعْنَاهُ حِينَئِذٍ أَن الله أوجب لَهُ الْجنَّة وَلَا بُد إِمَّا بعد الاقتصاص وَإِمَّا دون الاقتصاص على مَا توجبه الموازنة وَحرم الله عَلَيْهِ أَن يخلد فِيهَا وَيكون من أَهلهَا القاطنين فِيهَا على مَا بَيْننَا قبل من قَوْله تَعَالَى ﴿لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ ﴿وَمَا تَفعلُوا من خير فَلَنْ تكفرُوا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يُرِيدُونَ أَن يخرجُوا من النَّار وَمَا هم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ فنص الْآيَة أَنَّهَا فِي الْكفَّار هَكَذَا فِي نَص الْآيَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما الْكَفَّارَة فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿أَن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مدخلًا كَرِيمًا﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن الْمحَال أَن يحرم الله تَعَالَى علينا أمرا وَيفرق بَين أَحْكَامه وَيجْعَل بعضه مغفوراً باجتناب بعض ومؤاخذاً بِهِ إِن لم يجْتَنب الْبَعْض الآخر ثمَّ لَا يبين لنا المهلكات من غيرعا فَنَظَرْنَا فِي ذَلِك فَوَجَدنَا قوما يَقُولُونَ أَن كل ذَنْب فَهُوَ كَبِيرَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا خطأ لِأَن نَص الْقُرْآن مفرق كَمَا قُلْنَا بَين الْكَبَائِر وَغَيرهَا وبالضرورة

стр. 495

نَدْرِي أَنه لَا يُقَال كَبِيرَة إِلَّا بِالْإِضَافَة إِلَى مَا هُوَ أَصْغَر مِنْهَا والكبائر أَيْضا تتفاضل فالشرك أكبر مِمَّا دونه وَالْقَتْل أكبر من غَيره وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنَّهُمَا لَا يعذبان وَمَا يعذبان فِي كَبِير وَأَنه لكبير أما أَحدهمَا فَكَانَ لَا يستبرئ من بَوْله وَأما الآخر فَكَانَ يمشي بالنميمة فَأخْبر ﵇ أَنَّهُمَا كَبِير وَمَا هما بكبير وَهَذَا بَين لِأَنَّهُمَا كبيران بِالْإِضَافَة إِلَى الصفائر المغفورة باجتناب الْكَبَائِر ولبسا بكبيرين بِالْإِضَافَة إِلَى الْكفْر وَالْقَتْل (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَبَطل القَوْل الْمَذْكُور فَنَظَرْنَا فِي ذَلِك فَوَجَدنَا معرفَة الْكَبِير من الذُّنُوب مِمَّا لَيْسَ بكبير مِنْهَا لَا يعلم الْبَتَّةَ إِلَّا بِنَصّ وَأَرَادَ فِيهَا إِذْ هَذَا من أَحْكَام الله تَعَالَى الَّتِي لَا تعرف إِلَّا من عِنْده تَعَالَى فبحثنا عَن ذَلِك فَوَجَدنَا الله تَعَالَى قد نَص بالوعيد على ذنُوب فِي الْقُرْآن وعَلى لِسَان رَسُول الله ﷺ وَوجدنَا ذنوباً أخر لم ينص عَلَيْهَا بوعيد فَعلمنَا يَقِينا أَن كل مَا توعد الله تَعَالَى عَلَيْهِ بالنَّار أَو توعد عَلَيْهِ رَسُوله ﷺ بالنَّار فَهُوَ كَبِير وكل مَا نَص عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ باستعظامه فَهُوَ كَبِير كَقَوْلِه ﵇ اتَّقوا السَّبع الموبقات الشّرك وَالسحر وَالْقَتْل وَالزِّنَا وَذكر الحَدِيث وَكَقَوْلِه ﵇ عقوق الْوَالِدين من الْكَبَائِر وكل مَا لم يَأْتِ نَص باستعظامه وَلَا جَاءَ فِيهِ وَعِيد بالنَّار فَلَيْسَ بكبير وَلَا يُمكن أَن يكون الْوَعيد بالنَّار على الصَّغَائِر على انفرادها لِأَنَّهَا مغمورة باجتناب الْكَبَائِر فصح مَا قُلْنَاهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الموافاة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) اخْتلف المتكلمون فِي معنى عبروا عَنهُ بِلَفْظ الموافاة وهم أَنهم قَالُوا فِي إِنْسَان مُؤمن صَالح مُجْتَهد فِي الْعِبَادَة ثمَّ مَاتَ مُرْتَدا كَافِرًا وَآخر كَافِر متمردا وفاسق ثمَّ مَاتَ مُسلما نَائِبا كَيفَ كَانَ حكم كل وَاحِد مِنْهُمَا قبل أَن ينْتَقل إِلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ عِنْد الله تَعَالَى فَذهب هِشَام ابْن عَمْرو والفوطي وَجَمِيع الأشعرية إِلَى أَن الله لم يزل رَاضِيا عَن الَّذِي مَاتَ مُسلما تَائِبًا وَلم يزل ساخط على الَّذِي مَاتَ كَافِرًا أَو فَاسِقًا وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَن الله لَا يتَغَيَّر علمه وَلَا يرضى مَا سخط وَلَا يسْخط مَا رَضِي وَقَالَت الأشعرية الرِّضَا من الله لَا يتَغَيَّر مِنْهُ تَعَالَى صِفَات الذَّات لَا يزولان وَلَا يتغيران وَذهب سَائِر الْمُسلمين إِلَى أَن الله كَانَ ساخطاً على الْكَافِر وَالْفَاسِق ثمَّ ﵄ إِذا أسلم الْكَافِر وَتَابَ الْفَاسِق وَأَنه كَانَ تَعَالَى رَاضِيا عَن الْمُسلم وَعَن الصَّالح ثمَّ سخط عَلَيْهِمَا إِذا كفر الْمُسلم وَفسق الصَّالح (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) احتجاج الْأَشْعر بِهِ هَاهُنَا هُوَ احتجاج الْيَهُود فِي إبِْطَال النّسخ وَلَا فرق وَنحن نبين بطلَان احتجاجهم وَبطلَان قَوْلهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَنَقُول وَبِاللَّهِ نتأيد أما قَوْلهم عَن علم الله لَا يتَغَيَّر فَصَحِيح وَلَكِن معلوماته تَتَغَيَّر وَلم نقل أَن علمه يتَغَيَّر ومعاذ الله من هَذَا وَلم يزل علمه تَعَالَى وَاحِدًا يعلم كل شَيْء على تصرفه فِي جَمِيع حالاته فَلم

стр. 496

يزل يعلم أَن زيدا سَيكون صَغِيرا ثمَّ شَابًّا ثمَّ كهلاً ثمَّ شَيخا ثمَّ مَيتا ثمَّ مَبْعُوثًا ثمَّ فِي الْجنَّة أَو فِي النَّار وَلم يزل يعلم أَنه سيؤمن ثمَّ يكفر أَو أَنه يكفر ثمَّ يُؤمن أَو أَنه يكفر وَلَا يُؤمن أَو أَنه يُؤمن وَلَا يكفر وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْفسق وَالصَّلَاح ومعلوماته تَعَالَى فِي ذَلِك متغيرة مُخْتَلفَة وَمن كَابر هَذَا فقد كَابر العيان والمشاهدات وَأما قَوْلهم أَن الله تَعَالَى لَا يسْخط مَا رَضِي وَلَا يرضى مَا سخط فَبَاطِل وَكذب بل قد أَمر الله تَعَالَى الْيَهُود بصيانة السبت وَتَحْرِيم الشحوم وَرَضي لَهُم ذَلِك وَسخط مِنْهُم خِلَافه وَكَذَلِكَ أحل لنا الْخمر وَلم يلْزمنَا الصَّلَاة وَلَا الصَّوْم بُرْهَة من زمن الْإِسْلَام وَرَضي لنا شرب الْخمر وَأكل رَمَضَان والبقاء بِلَا صَلَاة وَسخط تَعَالَى بِلَا شكّ الْمُبَادرَة بِتَحْرِيم ذَلِك كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تعجل بِالْقُرْآنِ من قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه﴾ ثمَّ فرض علينا الصَّلَاة وَالصَّوْم وَحرم علينا الْخمر فسخط لنا ترك الصَّلَاة وَأكل رَمَضَان وَشرب الْخمر وَرَضي لنا خلاف ذَلِك وَهَذَا لَا يُنكره مُسلم وَلم يزل الله تَعَالَى عليماً أَنه سيحل مَا كَانَ أحل من ذَلِك مُدَّة كَذَا وَأَنه سيرضى مِنْهُ ثمَّ أَنه سيحرمه ويسخطه وَأَنه سيحرم مَا حرم من ذَلِك ويسخطه مُدَّة ثمَّ أَنه يحله ويرضاه كَمَا علم أَنه سيحي من أَحْيَاهُ مُدَّة كَذَا وَأَنه يعز من أعزه مُدَّة ثمَّ يذله وَهَكَذَا جَمِيع مَا فِي الْعَالم من آثَار صَنعته لَا يخفى ذَلِك على من لَهُ أدنى حس وَهَكَذَا الْمُؤمن يَمُوت مُرْتَدا وَالْكَافِر يَمُوت مُسلما فَإِن الله تَعَالَى لم يزل يعلم أَنه سيسخطه فعل الْكَافِر مَا دَامَ كَافِرًا ثمَّ أَنه يرضى عَنهُ إِذا أسلم وَأَن الله تَعَالَى لم يزل يعلم أَنه يرضى عَن أَفعَال الْمُسلم وأفعال الْبر ثمَّ أَنه يسْخط أَفعاله إِذا ارْتَدَّ أَو فسق وَنَصّ الْقُرْآن يشْهد بذلك قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَأَن تشكروا يرضه لكم﴾ فصح يَقِينا أَن الله تَعَالَى يرضى الشُّكْر مِمَّن شكره فِيمَا شكره وَلَا يرضى الْكفْر مِمَّن كفر إِذا كفر مَتى كفر كَيفَ كَانَ انْتِقَال هَذِه الْأَحْوَال من الْإِنْسَان الْوَاحِد وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر فَأُولَئِك حبطت أَعْمَالهم﴾ فالبضرورة يدْرِي كل ذِي حس سليم أَن لَا يُمكن أَن يحبط عمل إِلَّا وَقد كَانَ غير حابط وَمن الْمحَال أَن يحبط عمل لم يكن محسوباً قطّ فصح أَن عمل الْمُؤمن الَّذِي ارْتَدَّ ثمَّ مَاتَ كَافِر أَنه كَانَ محسوباً ثمَّ حَبط إِذا ارْتَدَّ وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب﴾ فصح أَنه لَا يمحو إِلَّا مَا كَانَ قد كتبه وَمن الْمحَال أَن يمحى مَا لم يكن مَكْتُوبًا وَهَذَا بطلَان قَوْلهم يَقِينا وَللَّه الْحَمد وَكَذَلِكَ نَص قَوْله تَعَالَى ﴿فَأُولَئِك يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات﴾ فَهَذَا نَص قَوْلنَا وَبطلَان قَوْلهم لِأَن الله تَعَالَى سمى أفعالهم الْمَاضِيَة سيئات والسيئات مذمومة عِنْده تَعَالَى بِلَا شكّ ثمَّ أخبر تَعَالَى أَنه أحالها وبدلها حَسَنَات مرضية فَمن أنكر هَذَا فَهُوَ مكذب لله تَعَالَى وَالله تَعَالَى مكذب لَهُ وَكَذَلِكَ قَالَ الله تَعَالَى أَنه سخط أكل آدم من الشَّجَرَة وَذَهَاب يُونُس مغاضباً ثمَّ أخبر أَنه تَابَ عَلَيْهِمَا واجتبى يُونُس بعد أَن لامه وَلَا يشك كل ذِي عقل أَن اللائمة غير الاجتباء

стр. 497

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ثمَّ نقُول لَهُم أَفِي الْكَافِر كفر إِذا كَانَ كَافِر قبل أَن يُؤمن وَفِي الْفَاسِق فسق قبل أَن يَتُوب وَفِي الْمُؤمن إِيمَان قبل أَن يرْتَد أم لَا فَإِن قَالُوا لَا كابروا وأحالوا وَإِن قَالُوا نعم قُلْنَا لَهُم فَهَل يسْخط الله الْكفْر وَالْفِسْق أَو يرضى عَنْهُمَا فَإِن قَالُوا بل يسخطهما تركُوا قَوْلهم وَإِن قَالُوا بل يرضى عَن الْكفْر وَالْفِسْق كفرُوا ونسألهم عَن قتل وحشى حَمْزَة ﵁ إرضاء كَانَ لله تَعَالَى فَإِن قَالُوا نعم كفرُوا وَإِن قَالُوا بل مَا كَانَ إِلَّا سخطا سألناهم يؤاخذه الله تَعَالَى بِهِ إِذا أسلم فَمن قَوْلهم لَا وَهَكَذَا فِي كل حَسَنَة وسيئة فَظهر فَسَاد قَوْلهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَصلى الله على مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم الْكَلَام فِي من لم تبلغه الدعْوَة وَمن تَابَ عَن ذَنْب أَو كفر ثمَّ رَجَعَ فِيمَا تَابَ عَنهُ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) قَالَ الله ﴿لأنذركم بِهِ وَمن بلغ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ فنص تَعَالَى ذَلِك على أَن النذارة لَا تلْزم إِلَّا من بلغته لَا من تبلغه وَأَنه تَعَالَى لَا يعذب أحدا حَتَّى يَأْتِيهِ رَسُول من عِنْد الله فصح بذلك أَن من يبلغهُ الْإِسْلَام أصلا فَإِنَّهُ لَا عَذَاب عَلَيْهِ وَهَكَذَا جَاءَ النَّص عَن رَسُول الله ﷺ أَنه يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بالشيخ الخرف والأصلح الْأَصَم وَمن كَانَ فِي الفترة وَالْمَجْنُون فَيَقُول الْمَجْنُون يَا رب أَتَانِي الْإِسْلَام وَأَنا لَا أَعقل وَيَقُول الخرف والأصم وَالَّذِي فِي الفترة أَشْيَاء ذكرهَا فيوقد لَهُم نَارا وَيُقَال لَهُم ادخلوها فَمن دَخلهَا وجدهَا بردا وَسلَامًا وَكَذَلِكَ من لم يبلغهُ الْبَاب من وَاجِبَات الدّين فَإِنَّهُ مَعْذُور لَا ملامة عَلَيْهِ وَقد كَانَ جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَصْحَابه ﵃ بِأَرْض الْحَبَشَة وَرَسُول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَالْقُرْآن ينزل والشرائع تشرع فَلَا يبلغ إِلَى جَعْفَر وَأَصْحَابه أصلا لإنقطاع الطَّرِيق جملَة من الْمَدِينَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَبِقَوْلِهِ كَذَلِك سِتّ سِنِين فَمَا ضرهم ذَلِك فِي ديتهم شَيْئا إِذْ عمِلُوا بالمحرم وَتركُوا الْمَفْرُوض (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَرَأَيْت قوما يذهبون إِلَى أَن الشَّرَائِع لَا تلْزم من كَانَ جَاهِلا بهَا وَلَا من لم تبلغه (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا بَاطِل بل هِيَ لَازِمَة لَهُ لِأَن رَسُول الله ﷺ بعث إِلَى الْإِنْس كلهم وَإِلَى الْجِنّ كلهم وَإِلَى كل من يُولد إِذْ بلغ بعد الْولادَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) قَالَ تَعَالَى آمرا نبيه أَن يَقُول ﴿إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا﴾ وَهَذَا عُمُوم لَا يجوز أَن يخص مِنْهُ أحد وَقَالَ تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ فَأبْطل سُبْحَانَهُ أَن يكون أحد سدى والسدى هُوَ المهمل الَّذِي لَا يُؤمر وَلَا يُنْهِي فَأبْطل هَذَا الْأَمر وَلكنه مَعْذُور بجهله ومغيبه عَن الْمعرفَة فَقَط وَأَن من بلغه ذكر النَّبِي ﷺ حَيْثُ مَا كَانَ من أقاصي الأَرْض فَفرض عَلَيْهِ الْبَحْث عَنهُ فَإِذا بلغته عَنهُ نذارته فَفرض عَلَيْهِ التَّصْدِيق بِهِ وَأَتْبَاعه وَطلب الدّين اللَّازِم لَهُ وَالْخُرُوج عَن وَطنه لذَلِك وَإِلَّا فقد اسْتحق الْكفْر وَالْخُلُود فِي النَّار وَالْعَذَاب بِنَصّ وَالْقُرْآن وكل مَا ذكرنَا يبطل قَول من قَالَ من الْخَوَارِج أَن فِي حِين بعث النَّبِي

стр. 498

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يلْزم من فِي أقاصي الأَرْض الْإِيمَان بِهِ وَمَعْرِفَة شرائعه فَإِن مَاتُوا فِي ذَلِك الْحَال مَاتُوا كفَّارًا إِلَى النَّار وَيبْطل هَذَا قَول الله ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ وَلَيْسَ فِي وسع أحد علم الْغَيْب فَإِن قَالُوا فَهَذِهِ حجَّة الطَّائِفَة القائلة أَنه لَا يلْزم أحد شَيْء من الشَّرَائِع حَتَّى تبلغه قُلْنَا لَا حجَّة لَهُم فِيهَا لِأَن كل مَا كلف النَّاس فَهُوَ فِي وسعهم وَاحْتِمَال بنيتهم إِلَّا أَنهم معذورون بمغيب ذَلِك عَنْهُم وَلم يكلفوا ذَلِك تكليفاً يُعَذبُونَ بِهِ إِن لم يفعلوه وَإِنَّمَا كلفوه تَكْلِيف من لَا يُعَذبُونَ حَتَّى يبلغهم وَمن بلغه عَن رَسُول الله ﷺ أَن لَهُ أمرا من الحكم مُجملا وَلم يبلغهُ نَصه فَفرض عَلَيْهِ اجْتِهَاد نَفسه فِي طلب ذَلِك الْأَمر وَإِلَّا فَهُوَ عَاص لله قَالَ الله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ وَأما من تَابَ عَن ذَنْب أَو كفر ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَا تَابَ عَنهُ فَإِنَّهُ إِن كَانَ تَوْبَته تِلْكَ وَهُوَ مُعْتَقد للعودة فَهُوَ عابث مستهزئ مخادع لله تَعَالَى قَالَ الله تَعَالَى ﴿يخادعون الله وَالَّذين آمنُوا وَمَا يخدعون إِلَّا أنفسهم﴾ إِلَى قَوْله ﴿عَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يكذبُون﴾ وَأما من كَانَت تَوْبَته نصُوحًا ثَابت الْعَزِيمَة فِي أَن لَا يعود فَهِيَ تَوْبَة صَحِيحَة مَقْبُولَة بِلَا شكّ مسقطة لكل من تَابَ عَنهُ بِالنَّصِّ قَالَ ﴿وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن وَعمل صَالحا﴾ فَإِن عَاد بعد ذَلِك إِلَى الذَّنب الَّذِي تَابَ مِنْهُ فَلَا يعود عَلَيْهِ ذَنْب قد عفره الله أبدا فَإِن ارْتَدَّ وَمَات كَافِرًا فقد سقط عمله وَالتَّوْبَة عمل فقد حبطت فَهَذَا يعود عَلَيْهِ مَا عمل خَاصَّة وَأما من رَاجع الْإِسْلَام وَمَات عَلَيْهِ فقد سقط عَنهُ الْكفْر وَغَيره (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلَا تكون التَّوْبَة إِلَّا بالندم وَالِاسْتِغْفَار وَترك المعاودة والعزيمة على ذَلِك وَالْخُرُوج من مظْلمَة إِن تَابَ عَنْهَا إِلَى صَاحبهَا بتحلل أَو إنصاف وَرَأَيْت لأبي بكر أَحْمد بن عَليّ بن يفجور الْمَعْرُوف بِابْن الأخشيد وَهُوَ أحد أَرْكَان الْمُعْتَزلَة وَكَانَ أَبوهُ من أَبنَاء مُلُوك فرغانة من الأتراك وَولى أَبوهُ الثغور وَكَانَ هَذَا أَبُو بكر ابْنه يتفقه للشَّافِعِيّ فَرَأَيْت لَهُ فِي بعض كتبه بقول أَن التَّوْبَة هِيَ النَّدَم فَقَط وَإِن لم ينْو مَعَ ذَلِك ترك الْمُرَاجَعَة لتِلْك الْكَبِيرَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا أشنع مَا يكون من قَول الْمُرَاجَعَة لِأَن كل مُعْتَقد لِلْإِسْلَامِ فبلا شكّ نَدْرِي أَنه نادم على كل ذَنْب يعمله عَالما بِأَنَّهُ مسيء فِيهِ مستفر مِنْهُ وَمن كَانَ بِخِلَاف هَذِه الصّفة وَكَانَ مستحسناً لما فعل غير نادم عَلَيْهِ فَلَيْسَ مُسلما فَكل صَاحب كَبِيرَة فَهُوَ على قَول ابْن الأخشيد غير مؤاخذ بهَا لِأَنَّهُ تائب مِنْهَا وَهَذَا خلاف الْوَعيد فَإِن قَالَ قَائِل فَإِنَّكُم تقطعون على قبُول إِيمَان الْمُؤمن أفتقطعون على قبُول تَوْبَة التائب وَعمل الْعَامِل للخير أَن كل ذَلِك مَقْبُول وَهل تقطعون على المكثر من السَّيِّئَات أَنه فِي النَّار قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن الْأَعْمَال لَهَا شُرُوط من تَوْفِيَة النِّيَّة حَقّهَا وتوفية الْعَمَل حَقه فَلَو أيقنا أَن الْعَمَل وَقع كَامِلا كَمَا أَمر الله

стр. 499

تَعَالَى لقطعنا قبُول الله لَهُ وَأما التَّوْبَة فَإِذا وَقعت نصُوحًا فَنحْن نقطع بقبولها وَأما الْقطع على مظهر الْخَيْر بِأَنَّهُ فِي الْجنَّة وعَلى مظهر الشَّرّ والمعاصي بِأَنَّهُ فِي النَّار فَهَذَا خطأ لأننا لَا نعلم مَا فِي التفوس وَلَعَلَّ الْمظهر لخير مبطن للكفر أَو مبطن على كَبَائِر لَا نعلمها فَوَاجِب أَن لَا نقطع من أجل ذَلِك عَلَيْهِ بِشَيْء وَكَذَلِكَ الْمُعْلن بالكبائر فَإِنَّهُ يُمكن أَن يبطن الْكفْر فِي بَاطِن أمره فَإِذا قرب من الْمَوْت آمن فَاسْتحقَّ الْجنَّة أَو لَعَلَّ لَهُ حَسَنَات فِي بَاطِن أمره تفيء على سيئاته فَيكون من أهل الْجنَّة فَلهَذَا وَجب أَن لَا نقطع على أحد بِعَيْنِه بجنة وَلَا نَار حاشا من جَاءَ النَّص فِيهِ من الصَّحَابَة ﵃ بِأَنَّهُم فِي الْجنَّة وَبِأَن الله علم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم وَأهل بدر وَأهل السوابق فَإنَّا نقطع على هَؤُلَاءِ بِالْجنَّةِ لِأَن الله تَعَالَى أخبرنَا بذلك على لِسَان رَسُوله ﷺ حاشا من مَاتَ مُعْلنا للكفر فَإنَّا نقطع عَلَيْهِ بالنَّار ونقف فِيمَن عدا هَؤُلَاءِ إِلَّا أننا نقطع على الصِّفَات فَنَقُول من مَاتَ مُعْلنا الْكفْر أَو مبطناً لَهُ فَهُوَ فِي النَّار خادلا فِيهَا وَمن لَقِي الله تَعَالَى رَاجِح الْحَسَنَات على السَّيِّئَات والكبائر أَو متساويهما فَهُوَ فِي الْجنَّة لَا يعذب بالنَّار وَمن لقى الله تَعَالَى رَاجِح الْكَبَائِر على الْحَسَنَات فَفِي النَّار وَيخرج مِنْهَا بالشفاعة إِلَى الْجنَّة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَرَأَيْت بعض أَصْحَابنَا يذهب إِلَى شَيْء يُسَمِّيه شَاهد الْحَال وَهُوَ أَن من كَانَ مظهر الشَّيْء من الديانَات متحملاً للأذى فِيهِ غير مستجلب بِمَا يلقِي من ذَلِك حَالا فَإِنَّهُ مَقْطُوع على بَاطِنه وَظَاهره قطعا لَا شكّ فِيهِ كعمر بن عبد الْعَزِيز وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن سِيرِين وَمن جرى مجراهم مِمَّن قبلهم أَو مَعَهم أَو بعدهمْ فَإِن هَؤُلَاءِ ﵃ رفضوا من الدُّنْيَا مَا لَو استعملوه لما حط من وجاهتهم شَيْئا وَاحْتَملُوا من المضض مَا لَو خففوه عَن أنفسهم لم يقْدَح ذَلِك فيهم عِنْد أحد فَهَؤُلَاءِ مَقْطُوع على إسْلَامهمْ عِنْد الله وعَلى خَيرهمْ وفضلهم وَكَذَلِكَ نقطع على أَن عمر بن عبيد كَانَ يدين بأبطال الْقدر بِلَا شكّ فِي بَاطِن أمره وَأَن أَبَا حنيفَة وَالشَّافِعِيّ ﵄ كَانَا فِي بَاطِن أَمرهمَا يدينان لله تَعَالَى بِالْقِيَاسِ وَأَن دَاوُد بن عَليّ كَانَ فِي بَاطِن الْأَمر يدين الله تَعَالَى بِإِبْطَال الْقيَاس بِلَا شكّ وَإِن أَحْمد بن حَنْبَل رَضِي اله عَنهُ كَانَ يدين الله تَعَالَى بالتدين بِالْحَدِيثِ فِي بَاطِن أمره بِلَا شكّ بِأَن الْقُرْآن غير مَخْلُوق بِلَا شكّ وَهَكَذَا كل من تناصرت أَحْوَاله وَظهر جده فِي مُعْتَقد وَترك الْمُسَامحَة فِيهِ وَاحْتمل الْأَذَى والمضض من أَجله (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا قَول صَحِيح لَا شكّ فِيهِ إِذْ لَا يُمكن الْبَتَّةَ فِي بنية الطبائع أَن يحْتَمل أحد أَذَى ومشقة لغير فَائِدَة يتعجلها أَو يتأجلها وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَلَا بُد لكل ذِي عقد من أَن يتَبَيَّن عَلَيْهِ شَاهد عقده بِمَا يَبْدُو مِنْهُ من مُسَامَحَة فِيهِ أَو صَبر عَلَيْهِ وَأما من كَانَ بِغَيْر الصّفة فَلَا نقطع عقده وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق

стр. 500

الْكَلَام فِي الشَّفَاعَة وَالْمِيزَان والحوض وَعَذَاب الْقَبْر والكتبة قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلف النَّاس فِي الشَّفَاعَة فأنكرها قوم وَهُوَ الْمُعْتَزلَة والخوارج وكل من تبع أَن لَا يخرج أحد من النَّار بعد دُخُوله فِيهَا وَذهب أهل السّنة والأشعرية والكرامية وَبَعض الرافضة إِلَى القَوْل بالشفاعة وَاحْتج المانعون بقول الله ﴿فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿يَوْم لَا تملك نفس لنَفس شَيْئا وَالْأَمر يَوْمئِذٍ لله﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قل إِنِّي لَا أملك لكم ضراً وَلَا رشدا﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزى نفس عَن نفس شَيْئا وَلَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلة وَلَا شَفَاعَة﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَا لنا من شافعين وَلَا صديق حميم﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا يقبل مِنْهَا عدل وَلَا تنفعها شَفَاعَة وَلَا هم ينْصرُونَ﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) قَول من يُؤمن بالشفاعة أَنه لَا يجوز الِاقْتِصَار على بعض الْقُرْآن دون بعض وَلَا على بعض السّنَن دون بعض وَلَا على الْقُرْآن دون بَيَان رَسُول الله ﷺ الَّذِي قَالَ لَهُ ربه ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَقد نَص الله تَعَالَى على صِحَة الشَّفَاعَة فِي الْقُرْآن فَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا يملكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا من اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا﴾ فَأوجب الشَّفَاعَة إِلَّا من اتخذ عِنْده عهدا بالشفاعة وَصحت بذلك الْأَخْبَار المتواترة المتناصرة بِنَقْل الكواف لَهَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَوْمئِذٍ لَا تَنْفَع الشَّفَاعَة إِلَّا من أذن لَهُ الرَّحْمَن وَرَضي لَهُ قولا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تَنْفَع الشَّفَاعَة إِلَّا من أذن لَهُ الرَّحْمَن وَرَضي لَهُ قولا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إِلَّا لمن أذن لَهُ﴾ فنص تَعَالَى على أَن الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة تَنْفَع عِنْده مِمَّن أذن لَهُ فِيهَا وَرَضي قَوْله وَلَا أحد من النَّاس أولى بذلك من مُحَمَّد ﷺ لِأَنَّهُ أفضل ولد آدم ﵇ وَقَالَ تَعَالَى ﴿من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿وَكم من ملك فِي السَّمَاوَات لَا تغنى شفاعتهم شَيْئا إِلَّا من بعد أَن يَأْذَن الله لمن يَشَاء ويرضى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يملك الَّذين يدعونَ من دونه الشَّفَاعَة إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا من شَفِيع إِلَّا من بعد إِذْنه﴾ فقد صحت الشَّفَاعَة بِنَصّ الْقُرْآن الَّذِي يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه فصح يَقِينا أَن الشَّفَاعَة الَّتِي أبطلها الله هِيَ غير الشَّفَاعَة الَّتِي أثبتها وَإِذ لَا شكّ فِي ذَلِك فالشفاعة الَّتِي أبطل هِيَ الشَّفَاعَة للْكفَّار الَّذين هم مخلدون فِي النَّار قَالَ تَعَالَى لَا يُخَفف عَنْهُم من عَذَابهَا وَلَا يقْضِي عَلَيْهِم فيموتوا نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا فَإذْ لَا شكّ فِيهِ فقد صَحَّ يَقِينا أَن الشَّفَاعَة الَّتِي أوجب الله لمن أذن لَهُ واتخذه عِنْده عهدا وَرَضي قَوْله فَإِنَّمَا هِيَ لمذنبي أهل الْإِسْلَام وَهَكَذَا جَاءَ الْخَبَر الثَّابِت (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وهما شفاعتان أَحدهمَا الْموقف وَهُوَ الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي جَاءَ النَّص فِي الْقُرْآن بِهِ فِي قَوْله ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ وَهَكَذَا جَاءَ الْخَبَر الثَّابِت نصا

стр. 501

والشفاعة الثَّانِيَة فِي إِخْرَاج أهل الْكَبَائِر من النَّار طبقَة طبقية على مَا صَحَّ فِي ذَلِك الْخَبَر وَأما قَول الله تَعَالَى ﴿قل إِنِّي لَا أملك لكم ضراً وَلَا رشدا﴾ ﴿لَا تملك نفس لنَفس شَيْئا﴾ فَمَا خالفناهم فِي هَذَا أصلا وَلَيْسَ هَذَا من الشَّفَاعَة فِي شَيْء فَنعم لَا يملك لأحد نفعا وَلَا ضراً وَلَا رشدا وَلَا هدى وَإِنَّمَا الشَّفَاعَة رَغْبَة إِلَى الله تَعَالَى وضراعة وَدُعَاء وَقَالَ بعض منكري الشَّفَاعَة أَن الشَّفَاعَة لَيْسَ إِلَّا فِي الْمُحْسِنِينَ فَقَط وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن من أذن الله فِي إِخْرَاجه من النَّار وَأدْخلهُ الْجنَّة وَأذن للشافع فِي الشَّفَاعَة لَهُ فِي ذَلِك فقد ارْتَضَاهُ وَهَذَا حق وَفضل لله تَعَالَى على من قد غفر لَهُ ذنُوبه بِأَن رجحت حَسَنَاته على كبائره أَو بِأَن لم تكن لَهُ كَبِيرَة أَو بِأَن تَابَ عَنْهَا فَهُوَ مغن لَهُ عَن شَفَاعَة كل شَافِع فقد حصلت لَهُ الرَّحْمَة والفوز من الله تَعَالَى وَأمر بِهِ إِلَى الْجنَّة ففيماذا يشفع لَهُ وَإِنَّمَا الْفَقِير إِلَى الشَّفَاعَة من غلبت كبائره حَسَنَاته فَأدْخل النَّار وَلم يَأْذَن تَعَالَى بِإِخْرَاجِهِ مِنْهَا إِلَّا بالشفاعة وَكَذَلِكَ الْخلق فِي كَونهم فِي الْموقف هم أَيْضا فِي مقَام شنيع فهم أَيْضا محتاجون إِلَى الشَّفَاعَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَبِمَا صحت الْأَخْبَار من ذَلِك نقُول وَأما الْمِيزَان فقد أنكروه قوم فخالفوا كَلَام الله تَعَالَى جرْأَة وإقداماً وتنطع آخَرُونَ فَقَالُوا هُوَ ميزَان بكفتين من ذهب وَهَذَا إقدام آخر لَا يحل قَالَ الله ﴿وتقولون بأفواهكم مَا لَيْسَ لكم بِهِ علم وتحسبونه هيناً وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأُمُور الْآخِرَة لَا تعلم إِلَّا بِمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن أَو بِمَا جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ وَلم يَأْتِ عَنهُ عَلَيْهِ وَالسَّلَام شَيْء يَصح فِي صفة الْمِيزَان وَلَو صَحَّ عَنهُ ﵇ فِي ذَلِك شَيْء لقلناه بِهِ فَإذْ لَا يَصح ﵇ فِي ذَلِك شَيْء فَلَا يحل لأحد أَن يَقُول على الله مَا لم يخبرنا بِهِ لَكِن نقُول كَمَا قَالَ الله ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَكفى بِنَا حاسبين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحق﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَما من ثقلت مَوَازِينه فَهُوَ فِي عيشة راضية وَأما من خفت مَوَازِينه فأمه هاوية﴾ فنقطع على الموازين أَن تُوضَع يَوْم الْقِيَامَة لوزن أَعمال الْعباد قَالَ تَعَالَى عَن الْكفَّار ﴿فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا﴾ وَلَيْسَ هَذَا على أَن لَا توزن أَعْمَالهم بل توزن لَكِن أَعْمَالهم شَائِلَة وموازينهم خفاف قد نَص الله تَعَالَى على ذَلِك إِ يَقُول ﴿وَمن خفت مَوَازِينه فَأُولَئِك الَّذين خسروا أنفسهم فِي جَهَنَّم خَالدُونَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿فكنتم بهَا تكذبون﴾ فَأخْبر أَن هَؤُلَاءِ المكذبين بآياته خفت موازينهم والمكذبون بآيَات الله كفار بِلَا شكّ ونقطع على أَن تِلْكَ الموازين أَشْيَاء يبين الله بهَا لِعِبَادِهِ مقادير أَعْمَالهم من خير أَو شَرّ من مِقْدَار الذّرة الَّتِي لَا تحس وَزنهَا فِي موازيننا أصلا فَمَا زَاد وَلَا نَدْرِي كَيفَ تِلْكَ الموازين إِلَّا أننا نَدْرِي أَنَّهَا بِخِلَاف مَوَازِين الدُّنْيَا وَأَن ميزَان من تصدق بِدِينَار أَو بلؤلؤة أثقل مِمَّن تصدق بكذآنة

стр. 502

وَلَيْسَ هَذَا وزنا وندري أَن إِثْم الْقَاتِل أعظم من إِثْم اللاطم وَأَن ميزَان مصلي الْفَرِيضَة أعظم من ميزَان مصلي التَّطَوُّع بل بعض الْفَرَائِض أعظم من بعض فقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَن من صلى الصُّبْح فِي جمَاعَة كمن قَامَ لَيْلَة وَمن صلى الْعَتَمَة فِي جمَاعَة فَكَأَنَّمَا قَامَ نصف لَيْلَة وَكِلَاهُمَا فرض وَهَكَذَا جَمِيع الْأَعْمَال فَإِنَّمَا يُوزن عمل العَبْد خَيره مَعَ شَره وَلَو نصح الْمُعْتَزلَة أنفسهم لعلموا أَن هَذَا عين الْعدْل وَأما من قَالَ بِمَا لَا يدْرِي أَن ذَلِك الْمِيزَان ذُو كفتين فَإِنَّمَا قَالَه قِيَاسا على مَوَازِين الدُّنْيَا وَقد أَخطَأ فِي قِيَاسه إِذْ فِي مَوَازِين الدُّنْيَا مَالا كفة لَهُ كالقرسطون وَأما نَحن فَإِنَّمَا اتَّبعنَا النُّصُوص الْوَارِدَة فِي ذَلِك فَقَط وَلَا نقُول إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ قُرْآن أَو سنة صَحِيحَة عَن النَّبِي ﷺ وَلَا ننكر إِلَّا مَا لم يَأْتِ فيهمَا وَلَا نكذب إِلَّا بِمَا فيهمَا إِبْطَاله وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما الْحَوْض فقد صحت الْآثَار فِيهِ وَهُوَ كَرَامَة للنَّبِي ﷺ وَلمن ورد عَلَيْهِ من أمته وَلَا نَدْرِي لمن أنكرهُ مُتَعَلقا وَلَا يجوز مُخَالفَة مَا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ فِي هَذَا وَغَيره وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما الصِّرَاط فقد ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب الأول الَّذِي قبل هَذَا وَأَنه كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ يوضع الصِّرَاط بَين ظهراني جَهَنَّم ويمر عَلَيْهِ النَّاس فمخدوش وناج ومكردس فِي نَار جَهَنَّم وَأَن النَّاس يَمرونَ عَلَيْهِ على قدر أَعْمَالهم كمر الطّرف فَمَا دون لَك إِلَى من يَقع فِي النَّار وَهُوَ طَرِيق أهل الْجنَّة إِلَيْهَا من الْمَحْشَر فِي الأَرْض إِلَى السَّمَاء وَهُوَ معنى قَول الله تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها كَانَ على رَبك حتما مقضيا ثمَّ ننجي الَّذين اتَّقوا وَنذر الظَّالِمين فِيهَا جثياً﴾ وَأما كتاب الْمَلَائِكَة لأعمالنا فَحق قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَن عَلَيْكُم لحافظين كراماً كاتبين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه وَنخرج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كتابا يلقاه منشوراً اقْرَأ كتابك﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ يتلَقَّى المتلقيان عَن الْيَمين وَعَن الشمَال قعيد مَا يلفظ من قَول إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيب عتيد﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هَذَا مَا لَا خلاف فِيهِ بَين أحد مِمَّن ينتمي إِلَى الْإِسْلَام إِلَّا أَنه لَا يعلم أحد من النَّاس كَيْفيَّة ذَلِك الْكتاب عَذَاب الْقَبْر قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب ضرار بن عَمْرو الْغَطَفَانِي أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة إِلَى إِنْكَار

стр. 503

عَذَاب الْقَبْر وَهُوَ قَول من لَقينَا من الْخَوَارِج وَذهب أهل السّنة وَبشر بن الْمُعْتَمِر والجبائي وَسَائِر الْمُعْتَزلَة إِلَى القَوْل بِهِ وَبِه نقُول لصِحَّة الْآثَار عَن رَسُول الله ﷺ بِهِ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقد احْتج من أنكرهُ بقول الله تَعَالَى ﴿رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحييتنا اثْنَتَيْنِ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم﴾ الْآيَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا حق لَا يدْفع عَذَاب الْقَبْر لِأَن فتْنَة الْقَبْر وعذابه وَالْمَسْأَلَة إِنَّمَا هِيَ للروح فَقَط بعد فِرَاقه للجسد إِثْر ذَلِك قبر أَو لم يقبر برهَان ذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم الْيَوْم﴾ الْآيَة وَهَذَا قبل الْقِيَامَة بِلَا شكّ وَأثر الْمَوْت وَهَذَا عَذَاب الْقَبْر وَقَالَ ﴿وَإِنَّمَا توفون أجوركم يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى فِي آل فِرْعَوْن ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدواً وعشياً وَيَوْم تقوم السَّاعَة ادخُلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ فَهَذَا الْعرض المكور هُوَ عَذَاب الْقَبْر وَإِنَّمَا قيل عَذَاب الْقَبْر فأضيف إِلَى الْقَبْر لِأَن الْمَعْهُود فِي أَكثر الْمَوْتَى أَنهم يقبرون وَقد علمنَا أَن فيهم أكيل السَّبع والغريق تَأْكُله دَوَاب الْبَحْر والمحرق والمصلوب وَالْمُعَلّق فَلَو كَانَ على مَا يقدر من يظنّ أَنه لاعذاب إِلَّا فِي الْقَبْر الْمَعْهُود لما كَانَ هَؤُلَاءِ فتْنَة وَلَا عَذَاب قبر وَلَا مَسْأَلَة ونعوذ بِاللَّه من هَذَا بل كل ميت فَلَا بُد من فتْنَة وسؤال وَبعد ذَلِك سرُور أَو نكد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَيُوَفَّوْنَ حِينَئِذٍ أُجُورهم وينقلبون إِلَى الْجنَّة أَو النَّار وَأَيْضًا فَإِن جَسَد كل إِنْسَان فَلَا بُد من الْعود إِلَى التُّرَاب يَوْمًا مَا كَمَا قَالَ اله تَعَالَى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم وَمِنْهَا نخرجكم تَارَة أُخْرَى﴾ فَكل من ذكرنَا من مصلوب أَو مُعَلّق أَو محرق أَو أكيل سبع أَو دَابَّة فَإِنَّهُ يعود رَمَادا أَو رجيعا أَو يتقطع فَيَعُود إِلَى الأَرْض وَلَا بُد وكل مَكَان اسْتَقَرَّتْ فِيهِ النَّفس أثر خُرُوجهَا من الْجَسَد فَهُوَ قبر لَهَا إِلَى يَوْم اليقيامة وَأما من ظن أَن الْمَيِّت يحيى فِي قَبره فخطأ لِأَن الْآيَات الَّتِي ذكرنَا تمنع من ذَلِك وَلَو كَانَ ذَلِك لَكَانَ تَعَالَى قد أماتنا ثَلَاثًا وَأَحْيَانا ثَلَاثًا وَهَذَا بَاطِل وَخلاف الْقُرْآن إِلَّا من أَحْيَاهُ الله تَعَالَى آيَة لنَبِيّ من الْأَنْبِيَاء ﴿الَّذين خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف حذر الْمَوْت فَقَالَ لَهُم الله موتوا ثمَّ أحياهم﴾ ﴿كَالَّذي مر على قَرْيَة وَهِي خاوية على عروشها قَالَ إِنِّي يحيى هَذِه الله بعد مَوتهَا فأماته الله مائَة عَام ثمَّ بَعثه﴾ وَكَذَلِكَ الله قَوْله تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِلَى أجل مُسَمّى﴾ فصح بِنَصّ الْقُرْآن أَن روح من مَاتَ لَا يرجع إِلَى جسده إِلَّا إِلَى أجل مُسَمّى وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة وَكَذَلِكَ أخبر رَسُول الله ﷺ أَنه رأى الْأَرْوَاح لَيْلَة أسرى بِهِ عِنْد سَمَاء الدُّنْيَا عَن يَمِين آدم ﵇ أَرْوَاح أهل السَّعَادَة وَعَن شِمَاله أَرْوَاح أهل الشَّقَاء وَأخْبر ﵇ يَوْم بدر إِذْ خَاطب الْقَتْلَى وَأخْبر أَنهم وجدوا مَا توعدهم بِهِ حَقًا قبل أَن يكون لَهُم قُبُور فَقَالَ الْمُسلمُونَ يَا رَسُول الله أتخاطب قوما قد جيفوا فَقَالَ ﵇ مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم فَلم يُنكر ﵇ على الْمُسلمين قَوْلهم أَنهم قد جيفوا وأعلمهم أَنهم سامعون فصح أَن ذَلِك لأرواحهم فَقَط بِلَا شكّ وَأما الْجَسَد فَلَا حس لَهُ

стр. 504

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلم يَأْتِ قطّ عَن رَسُول الله ﷺ فِي خبر يَصح أَن أَرْوَاح الْمَوْتَى ترد إِلَى أَجْسَادهم عِنْد الْمَسْأَلَة وَلَو صَحَّ ذَلِك عَنهُ ﵇ لقلنا بِهِ فَإذْ لَا يَصح فَلَا يحل لأحد أَن يَقُوله وَإِنَّمَا انْفَرد بِهَذِهِ الزِّيَادَة من رد الْأَرْوَاح الْمنْهَال بن عَمْرو وَحده وَلَيْسَ بالقوى تَركه شُعْبَة وَغَيره وَسَائِر الْأَخْبَار الثَّابِتَة على خلاف ذَلِك وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا هُوَ الَّذِي صَحَّ أَيْضا عَن الصَّحَابَة ﵃ لم يَصح عَن أحد مِنْهُم غير مَا قُلْنَا كَمَا حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد بن بَيَان حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق حَدثنَا عِيسَى بن حبيب حَدثنَا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد عبد الله بن يزِيد الْمقري عَن جده مُحَمَّد بن عبد الله عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن صَفِيَّة عَن أمه صَفِيَّة بنت شيبَة قَالَت دخل ابْن عمر الْمَسْجِد فأبصر ابْن الزبير مرطوحا قبل أَن يصلب فَقيل لَهُ هَذِه أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق فَمَال إِلَيْهَا فعزاها وَقَالَ أَن هَذِه الجثث لَيست بِشَيْء وَأَن الْأَرْوَاح عِنْد الله فَقَالَت أَسمَاء وَمَا يَمْنعنِي وَقد أهْدى رَأس يحيى بن زَكَرِيَّا إِلَى بغي من بَغَايَا بني إِسْرَائِيل وَحدثنَا مُحَمَّد بن بَيَان ثَنَا أَحْمد بن عون الله حَدثنَا قَاسم بن أصبغ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الْحُسَيْنِي ثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّد بن المثني الزَّمن ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي ثَنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن أبي الْأَحْوَص عَن ابْن مَسْعُود فِي قَول الله ﴿رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحييتنا اثْنَتَيْنِ﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود هِيَ الَّتِي فِي الْبَقَرَة ﴿وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فَهَذَا ابْن مَسْعُود وَأَسْمَاء بنت أبي بكر الصّديق وَابْن عمر ﵃ وَلَا مُخَالف من الصَّحَابَة ﵃ تقطع أَسمَاء وَابْن عمر على أَن الْأَرْوَاح بَاقِيَة عِنْد الله وَأَن الجثث لَيست بِشَيْء وَيقطع ابْن مَسْعُود بِأَن الْحَيَاة مَرَّتَانِ والوفاة كَذَلِك وَهَذَا قَوْلنَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه رأى مُوسَى ﵇ قَائِما فِي قَبره يُصَلِّي لَيْلَة الْإِسْرَاء وَأخْبر أَنه رَآهُ فِي السَّمَاء السَّادِسَة أَو السَّابِعَة وَبلا شكّ إِنَّمَا رأى روحه وَأما جسده فتوارى بِالتُّرَابِ بِلَا شكّ فعلى هَذَا أَن مَوضِع كل روح يُسمى قبراً فتعذب الْأَرْوَاح حِينَئِذٍ وَلَا تسْأَل حَيْثُ كَانَت وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق مُسْتَقر الْأَرْوَاح (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) اخْتلف النَّاس فِي مُسْتَقر الْأَرْوَاح وَقد ذكرنَا بطلَان قَول أَصْحَاب التناسخ فِي صدر كتَابنَا هَذَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَذهب قوم من الروافض إِلَى أَن أَرْوَاح الْكفَّار ببرهوت وَهُوَ بِئْر بحضرموت وَأَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ بِموضع آخر أَظُنهُ الْجَابِيَة وَهَذَا قَول فَاسد لِأَنَّهُ لَا دَلِيل عَلَيْهِ أصلا وَمَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ فَهُوَ سَاقِط وَلَا يعجز أحد عَن أَن يَدعِي للأرواح مَكَانا آخر غير مَا ادَّعَاهُ هَؤُلَاءِ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا يدين بِهِ إِلَّا مخذول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَذهب عوام أَصْحَاب الحَدِيث إِلَى أَن الْأَرْوَاح على أفنية قبورها وَهَذَا قَول لَا حجَّة لَهُ أصلا تصححه إِلَّا خبر ضَعِيف لَا يحْتَج بِمثلِهِ لِأَنَّهُ فِي غَايَة السُّقُوط لَا يشْتَغل بِهِ أحد من عُلَمَاء الحَدِيث وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ سَاقِط أَيْضا وَذهب أَبُو الْهُذيْل العلاف والأشعرية

стр. 505

إِلَى أَن الْأَرْوَاح أَعْرَاض تفنى وَلَا تبقى وَقْتَيْنِ فَإِذا مَاتَ الْمَيِّت فَلَا روح هُنَالك أصلا وَمن عجائب أَصْحَاب هَذِه الْمقَالة الْفَاسِدَة قَوْلهم أَن روح الْإِنْسَان الْآن غير روحه قبل ذَلِك وَأَنه لَا يَنْفَكّ تحدث لَهُ روح ثمَّ تفنى ثمَّ روح ثمَّ تفني وَهَكَذَا أبدا وَإِن الْإِنْسَان يُبدل ألف ألف روح وَأكْثر فِي مِقْدَار أقل من سَاعَة زمانية وَهَذَا يشبه تَخْلِيط من هاج بِهِ البرسام وَزَاد بَعضهم فَقَالَ إِن صحت الْآثَار فِي عَذَاب الْأَرْوَاح فَإِن الْحَيَاة ترد إِلَى أقل جُزْء لَا يتَجَزَّأ من الْجِسْم فَهُوَ يعذب وَهَذَا أَيْضا حمق آخر ودعاوي فِي غَايَة الْفساد وَبَلغنِي عَن بَعضهم انه يزْعم أَن الْحَيَاة ترد إِلَى عجب الذَّنب فَهُوَ يعذب أَو ينعم وَتعلق بِالْحَدِيثِ الثَّابِت عَن رَسُول الله ﷺ كل ابْن آدم يَأْكُلهُ التُّرَاب إِلَّا عجب الذَّنب مِنْهُ خلق وَفِيه يركب (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا الْخَبَر صَحِيح إِلَّا أَنه لَا حجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَن عجب الذَّنب يحيا وَلَا أَنه يركب فِيهِ حَيَاة وَلَا أَنه يعذب وَلَا ينْتَقم وَهَذَا كُله مفحم فِي كَلَام النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا فِي الحَدِيث أَن عجب الذَّنب خَاصَّة لَا يَأْكُلهُ التُّرَاب فَلَا يحول تُرَابا وَأَنه مِنْهُ ابْتِدَاء خلق الْمَرْء وَمِنْه يبتدأ إنشاؤه ثَانِيَة فَقَط وَهَذَا خَارج أحسن خُرُوج على ظَاهره وَأَن عجب الذَّنب خَاصَّة تتبدد أجزاؤه وَهِي عِظَام تحسها لَا تحول تُرَابا وَأَن الله تَعَالَى بيتدىء الْإِنْشَاء الثَّانِي يجمعها ثمَّ يركب تَمام الْخلق للْإنْسَان عَلَيْهِ وَأَنه أول مَا خلق من جسم الْإِنْسَان ثمَّ ركب عَلَيْهِ سائره وَإِذ هَذَا مُمكن لَو لم يَأْتِ بِهِ نَص فخبر رَسُول الله ﷺ أَحَق بالتصديق من كل خبر لِأَنَّهُ عَن الله قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ أعلم بكم إِذْ أنشأكم من الأَرْض وَإِذ أَنْتُم أجنة فِي بطُون أُمَّهَاتكُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا أشهدتهم خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَا خلق أنفسهم﴾ وَقَالَ أَبُو بكر بن كيسَان الْأَصَم لَا أَدْرِي مَا الرّوح وَلم يثبت شَيْء غير الْجَسَد (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وسنبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَسَاد هَاتين المقالتين فِي بَاب الْكَلَام فِي الرّوح وَالنَّفس من كتَابنَا هَذَا بحول الله وقوته وَالَّذِي نقُول بِهِ فِي مُسْتَقر الْأَرْوَاح هُوَ مَا قَالَه تَعَالَى وَنبيه ﷺ لَا يتعداه فَهُوَ الْبُرْهَان الْوَاضِح وَهُوَ أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم ثمَّ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا﴾ فصح أَن الله خلق الْأَرْوَاح جملَة وَهِي الْأَنْفس وَكَذَلِكَ أخبر ﵇ أَن الْأَرْوَاح جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهِي الْعَاقِلَة الحساسة وَأخذ عهدها وشهادتها وَهِي مخلوقة مصورة عَاقِلَة قبل أَن يَأْمر الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود لآدَم على جَمِيعهم السَّلَام وَقبل أَن يدخلهَا فِي الأجساد والأجساد يَوْمئِذٍ تُرَاب وَمَاء ثمَّ أقرها تَعَالَى حَيْثُ شَاءَ لِأَن الله تَعَالَى ذكر ذَلِك بِلَفْظَة ثمَّ الَّتِي توجب التعقيب والمهلة ثمَّ أقرها حَيْثُ شَاءَ وَهُوَ البرزخ الَّذِي ترجع إِلَيْهِ عِنْد

стр. 506

الْمَوْت لَا تزَال يبْعَث منهاجملة بعد الْجُمْلَة فينفخها فِي الأجساد المتولدة من الْمَنِيّ المتحدر من أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿الم يَك نُطْفَة من مني يمنى ثمَّ كَانَ علقَة فخلق فسوى﴾ وَقَالَ ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة فخلقنا المضغة عظاماً﴾ الْآيَة وَكَذَلِكَ أخبر رَسُول الله ﷺ أَنه يجمع خلق ابْن آدم فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُرْسل الْملك فينفخ فِيهِ الرّوح وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَالْحَمْد لله فيبلوهم الله فِي الدُّنْيَا كَمَا شَاءَ ثمَّ يتوفاها فترجع إِلَى البرزخ الَّذِي رَآهَا فِيهِ رَسُول الله ﷺ لَيْلَة أسرى بِهِ عِنْد سَمَاء الدُّنْيَا أَرْوَاح أهل السَّعَادَة عَن يَمِين آدم ﵊ وأرواح أهل الشقاوة وَعَن يسَاره ﵇ وَذَلِكَ عِنْد مُنْقَطع العناصر وتعجل أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء ﵈ وأرواح الشُّهَدَاء إِلَى الْجنَّة وَقد ذكر مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أَنه ذكر هَذَا القَوْل الَّذِي قُلْنَاهُ بِعَيْنِه وَقَالَ على هَذَا أجمع أهل الْعلم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهُوَ قَول جَمِيع أهل الْإِسْلَام حَتَّى خَالف من ذكرنَا وَهَذَا هُوَ قَول الله ﴿فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشأمة مَا أَصْحَاب المشأمة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون فِي جنَّات النَّعيم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين فَنزل من حميم وتصلية جحيم إِن هَذَا لَهو حق الْيَقِين﴾ وَلَا تزَال الْأَرْوَاح هُنَالك حَتَّى يتم عدد الْأَرْوَاح كلهَا بنفخها فِي أجسادها ثمَّ برجوعها إِلَى البرزخ الْمَذْكُور فتقوم السَّاعَة وَيُعِيد الْأَرْوَاح ثَانِيَة إِلَى الأجساد وَهِي الْحَيَاة الثَّانِيَة وَيُحَاسب الْخلق فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير مخلدين أبدا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) قَول بعض الأشعرية معنى قَول النَّبِي ﷺ فِي الْعَهْد الْمَأْخُوذ فِي قَول الله ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم﴾ إِن إِذْ هَاهُنَا بِمَعْنى إِذا فَقَوْل فِي غَايَة السُّقُوط لوُجُوده خَمْسَة أَولهَا أَنه دَعْوَى بِلَا دَلِيل وَالثَّانيَِة أَن إِذا بِمَعْنى إِذا لَا يعرف فِي اللُّغَة وَثَالِثهَا أَنه لَو صَحَّ لَهُ تَأْوِيله هَذَا الْفَاسِد وَهُوَ لَا يَصح لَكَانَ كلَاما لَا يعقل وَلَا يفهم وَإِنَّمَا أوردهُ حجَّة علينا وَلَا يحْتَج الله إِلَّا بِمَا يفهم لَا بِمَا لَا يفهم لِأَن الله تَعَالَى قد تطول علينا بِإِسْقَاط الأصر عَنَّا وَلَا إصر أعظم من تكليفنا فهم مَا لَيْسَ فِي بنيتنا فهمه وَرَابِعهَا أَنه لَو كَانَ كَمَا ادّعى لما كَانَ على ظهر الأَرْض إِلَّا مُؤمن والعيان يبطل هَذَا لأننا نشاهد كثيرا من النَّاس لم يَقُولُوا قطّ رَبنَا الله مِمَّن نَشأ على الْكفْر وَولدت عَلَيْهِ إِلَى أَن مَاتَ وَمِمَّنْ يَقُول بِأَن الْعَالم لم يزل وَلَا مُحدث لَهُ من الْأَوَائِل والمتأخرين وخامسها أَن الله إِنَّمَا أخبر بِهَذِهِ الْآيَة عَمَّا فعل ودلنا على أَن الذّكر يعود بعد فِرَاق الرّوح للجسد كَمَا كَانَ قبل حُلُوله فِيهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى أخبرنَا أَنه أَقَامَ علينا الْحجَّة بذلك الْإِشْهَاد

стр. 507

دَلِيلا كَرَاهِيَة أَن نقُول يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين أَي عَن ذَلِك الْإِشْهَاد الْمَذْكُور فصح أَن ذَلِك الْإِشْهَاد قبل هَذِه الدَّار الَّتِي نَحن فِيهَا الَّتِي أخبرنَا الله فِيهَا بذلك الْخَبَر وَقبل يَوْم الْقِيَامَة أَيْضا فَبَطل بذلك قَول بعض الأشعرية وَغَيرهَا وَصَحَّ أَن قَوْلنَا هُوَ نَص الْآيَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَإِنَّمَا أَتَى المخالفون مِنْهُم أَنهم عقدوا على أَقْوَال ثمَّ راموا رد كَلَام الله تَعَالَى وَكَلَام رَسُول الله ﷺ إِلَيْهَا وَهَذَا هُوَ الْبَاطِل الَّذِي لَا يحل وَنحن وَللَّه الْحَمد إِنَّمَا أَتَيْنَا إِلَى مَا قَالَه الله وَمَا صَحَّ عَن رَسُوله ﷺ فَقُلْنَا بِهِ وَلم نحكم فِي ذَلِك بطراً وَلَا هوى وَلَا رددنا هما إِلَى قَول أحد بل رددنا جَمِيع الْأَقْوَال إِلَى نُصُوص الْقُرْآن وَالسّنَن وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين كثيرا وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي لَا يحل تعديه (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأما أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء ﵈ فهم الَّذين ذكر الله تَعَالَى أَنهم المقربون فِي جنَّات النَّعيم وَأَنَّهُمْ غير أَصْحَاب الْيَمين وَكَذَلِكَ أخبر ﵈ أَنه رَآهُمْ فِي السَّمَوَات لَيْلَة أسرى بِهِ فِي سَمَاء سَمَاء وَكَذَلِكَ الشُّهَدَاء أَيْضا هم فِي الْجنَّة لقَوْل الله ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ وَهَذَا الرزق للأرواح بِلَا شكّ وَلَا يكون إِلَّا فِي الْجنَّة وَقد بَين رَسُول الله ﷺ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق من ثمار الْجنَّة ثمَّ تأوى إِلَى قناديل تَحت الْعَرْش وروينا هَذَا الحَدِيث مُبينًا من طَرِيق ابْن مَسْعُود ﵁ وَأَنَّهُمْ الشُّهَدَاء وَبِهَذَا تتألف الْأَحَادِيث والآيات وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ تخرج الْأَنْبِيَاء ﵈ وَالشُّهَدَاء من الْجنَّة إِلَى حُضُور الْموقف يَوْم الْقِيَامَة قيل لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لسنا ننكر شَهَادَة الْقُرْآن والْحَدِيث الصَّحِيح بِدُخُول الْجنَّة وَالْخُرُوج عَنْهَا قبل يَوْم الْقِيَامَة فقد خلق الله فِيهَا آدم ﵇ وحواء ثمَّ أخرجهُمَا مِنْهَا إِلَى الدُّنْيَا وَالْمَلَائِكَة فِي الْجنَّة وَيخرجُونَ مِنْهَا برسالات رب الْعَالمين إِلَى الرُّسُل والأنبياء إِلَى الدُّنْيَا وكل مَا جَاءَ بِهِ نَص قُرْآن أَو سنة فَلَا يُنكره الأجاهل أَو مُغفل أَو رَدِيء الدّين وَأما الَّذِي يُنكر وَلَا يجوز أَن يكون الْبَتَّةَ فخروج روح من دخل الْجنَّة إِلَى النَّار فالمنع من هَذَا إِجْمَاع من جَمِيع الْأمة من مَقْطُوع بِهِ وَكَذَلِكَ من دَخلهَا يَوْم الْقِيَامَة جَزَاء وتفضلا من الله فَلَا سَبِيل إِلَى خُرُوجه مِنْهَا أبدا بِالنَّصِّ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام على من مَاتَ من أَطْفَال الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين قبل الْبلُوغ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) اخْتلف النَّاس فِي حكم من مَاتَ من أَطْفَال الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين ذكورهم وإناثهم فَقَالَت الْأزَارِقَة من الخووارج أما أَطْفَال الْمُشْركين فَفِي النَّار وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه يُوقد لَهُم يَوْم الْقِيَامَة نَار ويؤمرون باقتحامها فَمن دَخلهَا مِنْهُم دخل الْجنَّة وَمن لم يدخلهَا مِنْهُم أَدخل النَّار وَذهب آخَرُونَ إِلَى الْوُقُوف فيهم وَذهب النَّاس إِلَى أَنهم فِي الْجنَّة وَبِه نقُول

стр. 508

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَأَما الْأزَارِقَة فاحتجوا بقول الله تَعَالَى حاكياً عَن نوع نوح ﵇ أَنه قَالَ ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا أَنَّك إِن تذرهم يضلوا عِبَادك وَلَا يلدوا إِلَّا فَاجِرًا كفَّارًا﴾ وَيَقُول رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَن خَدِيجَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ قَالَت يَا رَسُول الله أَيْن أطفالي مِنْك قَالَ فِي الْجنَّة قَالَت فأطفالي من غَيْرك قَالَ فِي النَّار فأعادت عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا إِن شِئْت أسمعتك تضاغيهم وَبِحَدِيث آخر فِيهِ الوائدة والموؤدة فِي النَّار وَقَالُوا إِن كَانُوا عنْدكُمْ فِي الْجنَّة فهم مُؤمنين لِأَنَّهُ لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مسلمة فَإِن كَانُوا مُؤمنين فيلزمكم أَن تدفنوا أَطْفَال الْمُشْركين مَعَ الْمُسلمين وَأَن لَا تتركوه يلْتَزم إِذا بلغ دين أَبِيه فَتكون ردة وخروجاً عَن الْإِسْلَام وَالْكفْر وَيَنْبَغِي لكم أَن ترثوه وتورثوه من أَقَاربه من الْمُسلمين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا كل مَا احتجرا بِهِ مَا يعلم لَهُم حجَّة غير هَذَا أصلا وَكله لَا حجَّة لَهُم فِيهِ الْبَتَّةَ أما قَول نوح ﵇ فَلم يقل ذَلِك على كفار قومه خَاصَّة لِأَن الله تَعَالَى قَالَ لَهُ ﴿إِنَّه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن﴾ فأيقن نوح ﵇ بِهَذَا الْوَحْي أَنه لَا يحدث فيهم مُؤمن أبدا وَإِن كل من ولدوه إِن ولدوه لم يكن إِلَّا كَافِرًا وَلَا بُد وَهَذَا هُوَ نَص الْآيَة لِأَنَّهُ تَعَالَى حُكيَ أَنه قَالَ ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ وَإِنَّمَا أَرَادَ كفار وقته الَّذين كَانُوا على الأَرْض حِينَئِذٍ فَقَط وَلَو كَانَ للأزارقة أدنى علم وَفقه لعلموا أَن هَذَا من كَلَام نوح ﵇ لَيْسَ على كل كَافِر لَكِن على قوم نوح خَاصَّة لِأَن إِبْرَاهِيم ومحمداً صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم كَانَ أبواهما كَافِرين مُشْرِكين وَقد ولدا خير الْإِنْس وَالْجِنّ قد من الْمُؤمنِينَ وأكمل النَّاس إِيمَانًا وَلَكِن الْأزَارِقَة كَانُوا أعراباً جُهَّالًا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا وَهَكَذَا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ من طَرِيق الْأسود بن سريع التَّمِيمِي أَنه ﵇ قَالَ أَو لَيْسَ خياركم أَوْلَاد الْمُشْركين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهل كَانَ أفاضل الصَّحَابَة ﵃ الَّذين يتولاهم الْأزَارِقَة كَابْن أبي قُحَافَة وَعمر بن الْخطاب وَخَدِيجَة أم الْمُؤمنِينَ وَغَيرهم ﵃ إِلَّا أَوْلَاد الْكفَّار فَهَل ولد آباؤهم كفَّارًا أَو هَل ولدُوا إِلَّا أهل الْإِيمَان الصَّرِيح ثمَّ آبَاء الْأزَارِقَة أنفسهم كوالد نَافِع ابْن الْأَزْرَق وَغَيرهم من شيوخهم هَل كَانُوا إِلَّا أَوْلَاد الْمُشْركين وَلَكِن من يضل الله فَلَا هادي لَهُ وَأما حَدِيث خَدِيجَة ﵂ فساقط مطرح لم يروه قطّ من فِيهِ خير وَأما حَدِيث الوائدة فَإِنَّهُ جَاءَ كَمَا نذكرهُ حَدثنَا يُوسُف بن عبد الْبر أَنا عبد الْوَارِث بن سُفْيَان حَدثنَا قَاسم بن اصبغ حَدثنَا بكر بن حَمَّاد حَدثنَا مُسَدّد عَن الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان التَّمِيمِي قَالَ سَمِعت دَاوُد بن أبي هِنْد يحدث عَن عَامر الشّعبِيّ عَن عَلْقَمَة ابْن قيس عَن سَلمَة بن يزِيد الْجعْفِيّ قَالَ

стр. 509

أتيت أَنا وَأخي قَالَ رَسُول الله ﷺ فَقُلْنَا لَهُ أَن أمنا مَاتَت فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَت تقرى الضَّيْف وَتصل الرَّحِم فَهَل ينفعها من عَملهَا ذَلِك شَيْء قَالَ لَا قُلْنَا فَإِن أمنا وَأَدت أُخْتا لنا فِي الْجَاهِلِيَّة لم تبلغ الْحِنْث فَقَالَ رَسُول الله ﷺ المؤودة والوائدة فِي النَّار إِلَّا أَن تدْرك الوائدة الْإِسْلَام فتسلم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذِه اللَّفْظَة يَعْنِي لم تبلغ الْحِنْث لَيْسَ بِلَا شكّ من كَلَام رَسُول الله ﷺ وَلكنهَا من كَلَام سَلمَة بن يزِيد الْجعْفِيّ وأخيه فَلَمَّا أخبر ﵇ بِأَن تِلْكَ المؤودة فِي النَّار كَانَ ذَلِك إنكاراً وإبطالاً لقولهما أَنَّهَا تبلغ الْحِنْث وتصحيحها لِأَنَّهَا قد كَانَت بلغت الْحِنْث بِخِلَاف ظَنّهَا لَا يجوز إِلَّا هَذَا القَوْل لِأَن كَلَامه ﵇ لَا يتناقض وَلَا يتكاذب وَلَا يُخَالف كَلَام ربه بل كَلَامه ﵇ يصدق بعضه بَعْضًا ويوافق لما أخبر بِهِ ومعاذ الله من غير ذَلِك وَقد صَحَّ أَخْبَار النَّبِي ﷺ بِأَن أَطْفَال الْمُشْركين فِي الْجنَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا الموؤودة سُئِلت بِأَيّ ذَنْب قتلت﴾ فنص تَعَالَى على أَنه لَا ذَنْب للموؤدة فَكَانَ هَذَا مُبين لِأَن أَخْبَار النَّبِي ﷺ بِأَن تِلْكَ المؤودة فِي النَّار أَخْبَار عَن أَنَّهَا قد كَانَت بلغت الْحِنْث بِخِلَاف ظن أخويها وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن دَاوُد بن أبي هِنْد مُحَمَّد بن عدي وَلَيْسَ هُوَ دون الْمُعْتَمِر وَلم يذكر فِيهِ لم تبلغ الْحِنْث وَرَوَاهُ أَيْضا عَن دَاوُد بن أبي عُبَيْدَة بن حميد فَلم يذكر هَذِه اللَّفْظَة الَّتِي ذكرهَا الْمُعْتَمِر فَأَما حَدِيث عُبَيْدَة فَحَدَّثنَاهُ أَحْمد بن مُحَمَّد بن الجسور قَالَ أَنا وهب بن ميسرَة قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن وضاح حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا عُبَيْدَة ابْن حميد عَن دَاوُد بن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ عَن عَلْقَمَة بن قيس عَن سَلمَة بن يزِيد قَالَ أتيت النَّبِي ﷺ أَنا وَأخي فَقُلْنَا يَا رَسُول الله إِن أمنا كَانَت تقرى الضَّيْف وَتصل الرَّحِم فِي الْجَاهِلِيَّة فَهَل ينفعها ذَلِك الشَّيْء قَالَ لَا قَالَ فَإِنَّهَا وَأَدت أُخْتا لنا فِي الْجَاهِلِيَّة فَهَل ينفع ذَلِك أُخْتنَا شَيْئا قَالَ لَا الوائدة والموؤدة فِي النَّار إِلَّا أَن تدْرك الْإِسْلَام فيعفوا الله عَنْهَا وَأما حَدِيث بن أبي عدي فَحَدَّثنَاهُ أَحْمد ابْن عمر بن أنس العذري حَدثنَا أَبُو بدر عبد بن أَحْمد الْهَرَوِيّ الْأنْصَارِيّ حَدثنَا أَبُو سعيد الْخَلِيل بن أَحْمد السجسْتانِي حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي عدي عَن دَاوُد بن أبي هِنْد عَن العشبي عَن عَلْقَمَة عَن سَلمَة بن يزِيد الْجعْفِيّ قَالَ انْطَلَقت أَنا وَأخي إِلَى النَّبِي ﷺ فَقُلْنَا يَا رَسُول الله إِن مليكَة كَانَت تصل الرَّحِم وتقرى الضَّيْف وَتفعل وَتفعل هَلَكت فِي الْجَاهِلِيَّة فَهَل ذَلِك نافعها شَيْئا قَالَ لَا قَالَ فَإِنَّهَا وَأَدت أُخْتا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّة فَهَل ذَلِك ينفع أُخْتهَا قَالَ لَا الوائدة والموؤدة فِي النَّار إِلَّا أَن تدْرك الوائدة الْإِسْلَام فيعفوا الله عَنْهَا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَكَذَا روينَاهُ لَهَا بِالْهَاءِ على أَنَّهَا أُخْت الوائد

стр. 510

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا حَدِيث قد روينَاهُ مُخْتَصرا كَمَا حَدَّثَاهُ عبد الله بن ربيع التَّمِيمِي حَدثنَا عمر ابْن عبد الْملك الْخَولَانِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن بكر الْوراق الْبَصْرِيّ حَدثنَا أَبُو دَاوُد السجسْتانِي حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى حَدثنَا يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة حَدثنِي أبي عَن عَامر الشّعبِيّ قَالَ رَسُول الله ﷺ الوائدة والمؤودة فِي النَّار قَالَ بن زَكَرِيَّا ياابن أبي زَائِدَة قَالَ أبي فَحَدثني أَبُو إِسْحَاق بن عَامر حَدثهُ بذلك عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا مُخْتَصر وَهُوَ على مَا ذكرنَا أَنه ﵇ إِنَّمَا عني بذلك الَّتِي بلغت لَا يجوز غير هَذَا لما ذكرنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما احتجاجهم بقول رَسُول الله ﷺ هم من آبَائِهِم فَإِنَّمَا قَالَه ﵇ فِي الحكم لَا فِي الدّين وَللَّه تَعَالَى أَن يفرق بَين أَحْكَام عباده وَيفْعل مَا يَشَاء لَا معقب لحكمه وَأَيْضًا فَلَا مُتَعَلق لَهُم بِهَذَا اللَّفْظ أصلا لِأَنَّهُ إِنَّمَا فِيهِ أَنهم من آبَائِهِم وَهَذَا لَا شكّ فِيهِ أَنهم تَوَالَدُوا من آبَائِهِم وَلم يقل ﵇ أَنهم على دين آبَائِهِم وَأما قَوْلهم يَنْبَغِي أَن تصلوا على أَطْفَال الْمُشْركين وتورثوهم وترثوهم وَأَن لَا تتركوهم يلتزموا دين آبَائِهِم إِذا بلغُوا فَإِنَّهَا ردة فَلَيْسَ لَهُم أَن يعترضوا على الله تَعَالَى فَلَيْسَ تركنَا لصَلَاة عَلَيْهِم يُوجب أَنهم لَيْسُوا مُؤمنين فَهَؤُلَاءِ الشُّهَدَاء وهم أفاضل الْمُؤمنِينَ لَا يصلى عَلَيْهِم وَأما انْقِطَاع الْمَوَارِيث بَيْننَا وَبينهمْ فَلَا حجَّة فِي ذَلِك على أَنهم لَيْسُوا مُؤمنين فَإِن العَبْد مُؤمن فَاضل وَلَا يُورث وَقد يَأْخُذ الْمُسلم مَال عَبده الْكَافِر إِذا مَاتَ وَكثير من الْفُقَهَاء يورثون الْكَافِر مَال العَبْد من عبيده يسلم ثمَّ يَمُوت قبل أَن يُبَاع عَلَيْهِ وَكثير من الْفُقَهَاء يورثون الْمُسلمين مَال الْمُرْتَد إِذا مَاتَ كَافِرًا مُرْتَدا أَو قتل على الرِّدَّة وَهَذَا معَاذ بن جبل وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ومسرق بن الأجدع وَغَيرهم من الْأَئِمَّة ﵃ يورثون الْمُسلمين من أقاربهم الْكفَّار إِذا مَاتُوا وَللَّه تَعَالَى أَن يفرق بَين أَحْكَام من شَاءَ من عباده وَإِنَّمَا نقف حَيْثُ أوقفنا النَّص وَلَا مزِيد وَكَذَلِكَ دفنهم فِي مَقَابِر آبَائِهِم أَيْضا وَكَذَلِكَ تَركهم يخرجُون إِلَى أَدْيَان آبَائِهِم إِذا بلغُوا فَإِن الله تَعَالَى أوجب علينا أَن نتركهم وَذَلِكَ وَلَا نعترض على أَحْكَام الله وَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ كل مَوْلُود يُولد على الْملَّة حَتَّى يكون أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه ويشركانه (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَبَطل أَن يكون لَهُم فِي شَيْء مِمَّا ذكرنَا مُتَعَلق وَإِنَّمَا هُوَ تشغيب موهوا بِهِ لِأَن كل مَا ذكرنَا فَإِنَّمَا هِيَ أَحْكَام مُجَرّدَة فَقَط وَلَيْسَ فِي شَيْء من هَذِه الاستدلالات تنص على أَن أَطْفَال الْمُشْركين كفار وَلَا على أَنهم غير كفار وَهَذِه النكتتان هما اللَّتَان قصدنا بالْكلَام فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما من قَالَ فيهم بِالْوَقْفِ فَإِنَّهُم احْتَجُّوا بقول رَسُول الله ﷺ إِذْ سُئِلَ عَن الْأَطْفَال يموتون فَقَالَ ﵇ أعلم بِمَا كَانُوا عاملين وَبِقَوْلِهِ ﷺ لعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ إِذا مَاتَ صبي من أَبنَاء الْأَنْصَار فَقَالَت

стр. 511

عُصْفُور من عصافير الْجنَّة فَقَالَ لَهَا ﵇ وَمَا يدْريك يَا عَائِشَة أَن الله خلق خلقا للنار وهم فِي أصلاب آبَائِهِم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَانِ الخبران لَا حجَّة لَهُم فِي شَيْء مِنْهُمَا إِلَّا أَنَّهُمَا إِنَّمَا قالهما رَسُول الله ﷺ قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ أَنهم فِي الْجنَّة وَقد قَالَ تَعَالَى آمراً لرَسُوله ﷺ أَن يَقُول وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم قبل أَن يُخبرهُ الله بِأَنَّهُ قد غفر لَهُ الله مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وكما قَالَ رَسُول الله ﷺ عَن عُثْمَان بن مَظْعُون ﵁ وَمَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَا يفعل بِي وَكَانَ هَذَا قبل أَن يُخبرهُ الله بِأَنَّهُ لَا يدْخل النَّار من شهد بَدْرًا وَهُوَ ﵇ لَا يَقُول إِلَّا مَا جَاءَ بِهِ الْوَحْي كَمَا أَمر الله أَن يَقُول ﴿إِن اتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ﴾ فَحكم كل شَيْء من الدّين لم يَأْتِ بِهِ الْوَحْي أَن يتَوَقَّف فِيهِ الْمَرْء فَإِذا جَاءَ للْبَيَان فَلَا يحل التَّوَقُّف عَن القَوْل بِمَا جَاءَ بِهِ النَّص وَقد صَحَّ الْإِجْمَاع على أَن مَا عملت الْأَطْفَال قبل بُلُوغهَا من قتل أَو وطئ أَجْنَبِيَّة أَو شرب خمر أَو قذف أَو تَعْطِيل صَلَاة أَو صَوْم فَإِنَّهُم غير مؤاخذين فِي الْآخِرَة بِشَيْء من ذَلِك مَا لم يبلغُوا وَكَذَلِكَ لَا خلاف فِي أَنه لَا يُؤَاخذ الله أخذا بِمَا لم يَفْعَله بل قد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَن من هم بسيئة فَلم يعملها لم تكْتب عَلَيْهِ فَمن الْمحَال الْمَنْفِيّ أَن يكون الله يُؤَاخذ الْأَطْفَال بِمَا لم يعملوا مِمَّا لَو عاشوا بعده لعملوه وهم لَا يؤاخذهم بِمَا عمِلُوا وَلَا يخْتَلف اثْنَان فِي أَن إنْسَانا بالغامات وَلَو عَاشَ لزنا أَنه لَا يُؤَاخذ بِالزِّنَا الَّذِي لم يعمله وَقد كذب الله من ظن هَذَا بقوله الصَّادِق ﴿الْيَوْم تجزى كل نفس بِمَا كسبت﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَل تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فصح أَنه لَا يَجْزِي أحد بِمَا لم يعْمل وَلَا مِمَّا لم يسن فصح أَن قَول رَسُول الله ﷺ أعلم بِمَا كَانُوا عاملين لَيْسَ فِيهِ أَنهم كفار وَلَا أَنهم فِي النَّار وَلَا أَنهم مؤاخذين بِمَا لَو عاشوا لكانوا عاملين بِهِ مِمَّا لم يعملوه بعد وَفِي هَذَا اخْتَلَفْنَا لَا فِيمَا عداهُ وَإِنَّمَا فِيهِ أَن الله تَعَالَى يعلم مَا لم يكن وَمَا لَا يكون لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون فَقَط وَنعم هَذَا حق لَا يشك فِيهِ مُسلم فَبَطل أَن يكون لأهل التَّوَقُّف حجَّة فِي شَيْء من هذَيْن الْخَبَرَيْنِ إِذْ لم يَصح عَن رَسُول الله ﷺ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بَيَان وَأما من قَالَ أَنهم يُعَذبُونَ بِعَذَاب آبَائِهِم فَبَاطِل لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَلَا تكسب كل نفس إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ وَأما من قَالَ أَنهم توقد لَهُم نَار فَبَاطِل لِأَن الْأَثر الَّذِي فِيهِ هَذِه الْقِصَّة إِنَّمَا جَاءَ فِي المجانين وفيمن لَا يبلغهُ ذكر الْإِسْلَام من الْبَالِغين على مَا نذْكر بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَلَمَّا بطلت هَذِه الْأَقَاوِيل كلهَا أوجب النّظر فِيمَا صَحَّ من النُّصُوص من حكم هَذِه الْمَسْأَلَة فَفَعَلْنَا فَوَجَدنَا الله تَعَالَى قد قَالَ ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم﴾ وَقَالَ ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط﴾

стр. 512

إِلَى قَوْله ﴿لَا نفرق بَين أحد مِنْهُم وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿صبغة الله وَمن أحسن من الله صبغة وَنحن لَهُ عَابِدُونَ﴾ فنص على أَن فطر النَّاس على الْإِيمَان وَأَن الْإِيمَان هُوَ صبغة الله تَعَالَى وَقَالَ ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ فصح يَقِينا أَن كل نفس خلقهَا الله تَعَالَى من بني آدم وَمن الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة فمؤمنون كلهم عقلا مميزون فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فقد استحقوا كلهم الْجنَّة بإيمَانهمْ حاشا من بدل هَذَا الْعَهْد وَهَذِه الْفطْرَة وَهَذِه الصبغة وَخرج عَنْهَا إِلَى غَيرهَا وَمَات على التبديل وبيقين نَدْرِي أَن الْأَطْفَال لم يُغيرُوا شَيْئا من ذَلِك فهم من أهل الْجنَّة وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَرُوِيَ عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ على الْملَّة فأباه يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه ويشركانه كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة يهيمه جمعا وَهل يجدونفيها من جَدْعَاء حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُم الَّذِي تجدعونها وَهَذَا تَفْسِير الْآيَات الْمَذْكُورَات حَدثنَا عبد الله بن ربيع حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق السكن حَدثنَا أَبُو سعيد بن الْأَعرَابِي حَدثنَا أَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث حَدثنَا الْحسن بن عَليّ حَدثنَا الْحجَّاج بن الْمنْهَال قَالَ سَمِعت حَمَّاد بن سَلمَة يُفَسر حَدِيث كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَقَالَ هَذَا عندنَا حَيْثُ أَخذ الله الْعَهْد عَلَيْهِم فِي أصلاب آبَائِهِم حَيْثُ قَالَ ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ وَقد صَحَّ أَيْضا عَن رَسُول الله ﷺ من طَرِيق عِيَاض بن حمَار الْمُجَاشِعِي قَالَ عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ خلقت عبَادي حنفَاء كلهم فاجتالهم الشَّيَاطِين عَن دينهم فصح يَقِينا انه كل من مَاتَ قبل أَن تجتاله الشَّيَاطِين عَن دينه فقد مَاتَ حَنِيفا وَهَذَا حَدِيث تدخل فِيهِ الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالْإِنْس عباد لَهُ مخلوقين وَأَيْضًا فَإِن الله أخبر بقول إِبْلِيس لَهُ تَعَالَى أَن يغوي النَّاس فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ فصح يَقِينا أَن الغواية دَاخِلَة على الْإِيمَان وَأَن الأَصْل من كل وَاحِد فَهُوَ الْإِيمَان وكل مُؤمن فَفِي الْجنَّة وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فأنذرتكم نَارا تلظى لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ وَلَيْسَت هَذِه صفة الصّبيان فصح أَنهم لَا يدْخلُونَ النَّار وَلَا دَار إِلَّا الْجنَّة أَو النَّار فَإِذا لم يدخلُوا النَّار فهم بِلَا شكّ فِي الْجنَّة وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ فِي الرُّؤْيَا الْكَبِيرَة الَّتِي رَآهَا أَنه رأى إِبْرَاهِيم ﵇ فِي رَوْضَة خضراء مفتخر وفيهَا من كل نور ونعيم وحواليه من أحسن صبيان وَأَكْثَرهم فَسَأَلَ ﵇ عَنْهُم فَأخْبر أَنهم من مَاتَ من أَوْلَاد النَّاس قبل أَن يبلغُوا فَقيل لَهُ يَا رَسُول الله وَأَوْلَاد الْمُشْركين قَالَ وَأَوْلَاد الْمُشْركين فارتفع الْإِشْكَال وَصَحَّ بالثابت من السّنَن وصحيحها أَن جَمِيع من لم يبلغ من أَطْفَال الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين فَفِي الْجنَّة وَلَا يحل لأحد تعدى مَا صَحَّ بِالْقُرْآنِ وَالسّنَن وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل إِذا قُلْتُمْ أَن النَّار دَار جَزَاء فالجنة كَذَلِك وَلَا جَزَاء للصبيان قُلْنَا

стр. 513

وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِنَّمَا نقف عِنْدَمَا جَاءَت بِهِ النُّصُوص فِي الشَّرِيعَة قد جَاءَ النَّص بِأَن النَّار دَار جَزَاء فَقَط وَأَن الْجنَّة دَار جَزَاء وتفضل فَهِيَ لأَصْحَاب الْأَعْمَال دَار جَزَاء بِقدر أَعْمَالهم وَلمن لَا عمل لَهُ دَار تفضل من الله تَعَالَى مُجَرّد وَقد قَالَ قوم إِن الصّبيان هم خدم أهل الْجنَّة وَقد ذكر الله تَعَالَى الْوَالِدَان المخلدين فِي غير مَوضِع من كِتَابه وَأَنَّهُمْ خدم أهل الْجنَّة فلعلهم هَؤُلَاءِ وَالله أعلم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأما المجانين الَّذين لَا يعْقلُونَ حَتَّى يموتوا فَإِنَّهُم كَمَا ذكرنَا يولدون على الْملَّة حنفَاء مُؤمنين وَلم يُغيرُوا وَلَا بدلُوا فماتوا مُؤمنين فهم فِي الْجنَّة حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الطلمنكي بالثغري قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن المفرج القَاضِي حَدثنَا مُحَمَّد بن أَيُّوب السموط البرقي أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عمر بن عبد الْخَالِق الْبَزَّاز حَدثنَا مُحَمَّد بن المئني أَبُو مُوسَى الزَّمن حَدثنَا معَاذ بن هِشَام الدستواي حَدثنَا أبي عَن قَتَادَة عَن الْأسود بن سريع التَّيْمِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يعرض على الله الْأَصَم الَّذِي لَا يسمع شَيْئا والأحمق والهرم وَرجل مَاتَ فِي الفترة فَيَقُول الْأَصَم رب جَاءَ الْإِسْلَام وَمَا أسمع شَيْئا وَيَقُول الأحمق والهرم وَرجل مَاتَ فِي الفترة فَيَقُول الْأَصَم رب جَاءَ الْإِسْلَام وَمَا أسمع شَيْئا وَيَقُول الأحمق جَاءَ الْإِسْلَام وَمَا أَعقل شَيْئا وَيَقُول الَّذِي مَاتَ فِي الفترة مَا أَتَانَا لَك من رَسُول قَالَ الْبَزَّاز وَذهب عني مَا قَالَ الرَّابِع قَالَ فَيَأْخُذ مواثيقهم ليطعنه فَيُرْسل الله إِلَيْهِم ادخُلُوا النَّار فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو دخلوها لكَانَتْ عَلَيْهِم بردا وَسلَامًا الْكَلَام فِي الْقِيَامَة وتغيير الأجساد اتّفق جَمِيع أهل الْقبْلَة على تنابذ فرقهم على القَوْل بِالْبَعْثِ فِي الْقيمَة وعَلى تَكْفِير من أنكر ذَلِك وَمعنى هَذَا القَوْل أَن لمكث النَّاس فِي دَار الإبتلاء الَّتِي هِيَ الدُّنْيَا أمداً يُعلمهُ الله تَعَالَى فَإِذا انْتهى ذَلِك الأمد مَاتَ كل من فِي الأَرْض ثمَّ يحيى الله كل من مَاتَ مذ خلق الله الْحَيَوَان إِلَى انْقِضَاء الْأَجَل الْمَذْكُور ورد أَرْوَاحهم الَّتِي كَانَت بِأَعْيَانِهَا وجمعهم فِي موقف وَاحِد وحاسبهم عَن جَمِيع أَعْمَالهم ووفاهم جزاءهم ففريق من الْجِنّ وَالْإِنْس فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير وَبِهَذَا جَاءَ الْقُرْآن وَالسّنَن قَالَ تَعَالَى ﴿من يحيي الْعِظَام وَهِي رَمِيم قل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أول مرّة وَهُوَ بِكُل خلق عليم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَن إِبْرَاهِيم ﵇ أَنه قَالَ ﴿رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى قَالَ أَو لم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ إِلَى آخر الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف حذر الْمَوْت فَقَالَ لَهُم الله موتوا ثمَّ أحياهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فأماته الله مائَة عَام ثمَّ بَعثه قَالَ كم لَبِثت قَالَ لَبِثت يَوْمًا أَو بعض يَوْم قَالَ بل لَبِثت مائَة عَام﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشزها ثمَّ نكسوها لَحْمًا﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى عَن الْمَسِيح ﵇ ﴿واحيي الْمَوْتَى بِإِذن الله﴾ وَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون الْأَحْيَاء الْمَذْكُور فِي جَمِيع هَذِه الْآيَات

стр. 514

إِلَّا رد الرّوح إِلَى الْجَسَد وَرُجُوع الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية الَّتِي بعد عدمهَا مِنْهُ لم يكن غير هَذِه الْبَتَّةَ إِلَّا أَن أَبَا الْعَاصِ حكم بن الْمُنْذر بن سعيد القَاضِي أَخْبرنِي عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله الرعيني أَنه كَانَ يُنكر بعث الأجساد وَيَقُول أَن النَّفس حَال فراقها الْجَسَد تصير إِلَى معادها فِي الْجنَّة أَو النَّار ووقفت على هَذَا وَيَقُول أَن النَّفس حَال فراقها الْجَسَد تصير إِلَى معادها فِي الْجنَّة أَو النَّار ووقفت على هَذَا القَوْل بعض العارفين بِإِسْمَاعِيل فَذكر لي ثقاة مِنْهُم أَنهم سَمِعُوهُ يَقُول أَن الله تَعَالَى يَأْخُذ من الأجساد جُزْء الْحَيَاة مِنْهَا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا تلبيس من القَوْل لم يخرج بِهِ عَمَّا حُكيَ لي عَنهُ حكم بن الْمُنْذر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الأجساد جُزْء الْحَيَاة إِلَّا النَّفس وَحدهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلم ألق إِسْمَاعِيل الرعيني قطّ على أَنِّي قد أَدْرَكته وَكَانَ سَاكِنا معي فِي مَدِينَة من مداين الأندلس تسمى نجاية مُدَّة وَلكنه كَانَ مختفياً وَكَانَ لَهُ اجْتِهَاد عَظِيم ونسك وَعبادَة وَصَلَاة وَصِيَام وَالله أعلم وَحكم بن الْمُنْذر ثِقَة فِي قَوْله بعيد من الْكَذِب وتبرأ مِنْهُ حكم بن الْمُنْذر وَكَانَ قبل ذَلِك يجمعهما مَذْهَب بن مَسَرَّة فِي الْقدر وتبرأ مِنْهُ أَيْضا إِبْرَاهِيم بن سهل الأريواني وَكَانَ من رُؤُوس المرية وتبرأ مِنْهُ أَيْضا صهره أَحْمد الطَّبِيب وَجَمَاعَة من المرية وتولته جمَاعَة مِنْهُم وَبَلغنِي عَنهُ أَنه كَانَ يحْتَج لقَوْله هَذَا بقول رَسُول الله ﷺ إِذا وقف على ميت فَقَالَ أما هَذَا فقد قَامَت قِيَامَته وَبِأَنَّهُ ﵇ كَانَت الْأَعْرَاب تسأله عَن السَّاعَة ... فَينْظر إِلَى أَصْغَرهم فيخبرهم أَنه استوفى عَن يمت حَتَّى تقوم قيامتهم أَو ساعتهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِنَّمَا عَنى رَسُول الله ﷺ بِهَذَا الْقيام الْمَوْت فَقَط بعد ذَلِك إِلَى يَوْم الْبَعْث كَمَا قَالَ ﴿ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة تبعثون﴾ فنص تَعَالَى على أَن الْبَعْث يَوْم الْقِيَامَة بعد الْمَوْت بِلَفْظَة ثمَّ الَّتِي هِيَ للمهلة وَهَكَذَا أخبر عَن قَوْلهم يَوْم الْقِيَامَة ﴿يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا هَذَا﴾ وَأَنه يَوْم مِقْدَاره خَمْسُونَ ألف سنة وَأَنه يحيي الْعِظَام وَيبْعَث من فِي الْقُبُور فِي مَوَاضِع كَثِيرَة من الْقُرْآن وبرهان ضَرُورِيّ وَهُوَ أَن الْجنَّة وَالنَّار موضعان ومكانان وكل مَوضِع وَمَكَان ومساحة متناهية بِحُدُودِهِ وبالبرهان الَّذِي قدمْنَاهُ على وجوب تناهي الإجسام وتناهى كل مَا لَهُ عدد وَيَقُول الله تَعَالَى ﴿وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فَلَو لم يكن لتولد الْخلق نِهَايَة لكانوا أبدا يحدثُونَ بِلَا آخر وَقد علمنَا أَن مصيرهم الْجنَّة أَو النَّار ومحال مُمْتَنع غير مُمكن أَن يسع مَا لَا نِهَايَة لَهُ فيماله نِهَايَة من الماكن فَوَجَبَ ضَرُورَة أَن لِلْخلقِ نِهَايَة فَإِذا ذَلِك وَاجِب فقد وَجب تناهى عَالم الذَّر والتناسل ضَرُورَة وَإِنَّمَا كلامنا هَذَا مَعَ من يُؤمن بِالْقُرْآنِ وبنبوة مُحَمَّد ﷺ وَادّعى الْإِسْلَام وَأما من أنكر الْإِسْلَام فكلامنا مَعَه على مَا رتبناه فِي ديواننا هَذَا من النَّقْض على أهل الْإِلْحَاد حَتَّى تثبت نبوة مُحَمَّد ﷺ وَصِحَّة مَا جَاءَ بِهِ فنرجع إِلَيْهِ بعد التَّنَازُع وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقد نَص الله تَعَالَى على أَن الْعِظَام يُعِيدهَا ويحيها كَمَا كَانَت أول مرّة وَأما اللَّحْم فَإِنَّمَا هُوَ كسْوَة كَمَا قَالَ ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين﴾

стр. 515

إِلَى قَوْله ﴿فكسونا الْعِظَام لَحْمًا ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ فَأخْبر أَن عنصر الْإِنْسَان إِنَّمَا هُوَ الْعِظَام الَّذِي انْتَقَلت عَن السلالة الَّتِي من طين إِلَى النُّطْفَة إِلَى الْعلقَة إِلَى المضغة إِلَى الْعِظَام وَأَن اللَّحْم كسْوَة الْعِظَام وَهَذَا أَمر مشَاهد لِأَن اللَّحْم يذهب بِالْمرضِ حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ مَا لَا قدر لَهُ ثمَّ يكثر عَلَيْهِ لحم آخر إِذا خصب الْجِسْم وَكَذَلِكَ أخبرنَا أَنه يُبدل الْخلق فِي الْآخِرَة فَقَالَ ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ وَفِي الْآثَار الثَّابِتَة أَن جُلُود الْكفَّار تغلظ حَتَّى تكون نيفاً وَسبعين ذِرَاعا وَأَن ضرسه فِي النَّار كَأحد وَكَذَلِكَ نجد اللَّحْم الَّذِي فِي جَسَد الْإِنْسَان يتغذى بِهِ حَيَوَان آخر فيستحيل لَحْمًا لذَلِك الْحَيَوَان إِذْ يَنْقَلِب دوداً فصح بِنَصّ الْقُرْآن الْعِظَام هِيَ الَّتِي تحيى يَوْم الْقِيَامَة وَمن أنكر مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن فَلَا حَظّ لَهُ فِي الْإِسْلَام ونعوذ بِاللَّه من الخذلان الْكَلَام فِي خلق الْجنَّة وَالنَّار ذهبت طَائِفَة من الْمُعْتَزلَة والخوارج إِلَى أَن الْجنَّة وَالنَّار لم يخلقا بعد وَذهب جُمْهُور الْمُسلمين إِلَى أَنَّهُمَا قد خلقتا وَمَا نعلم لمن قَالَ أَنَّهُمَا لم يخلقا بعد حجَّة أصلا أَكثر من أَن بَعضهم قَالَ قد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ وَذكر أَشْيَاء من أَعمال الْبر من عَملهَا غرس لَهُ فِي الْجنَّة كَذَا وَكَذَا شَجَرَة وَبقول الله تَعَالَى حاكياً عَن امْرَأَة فِرْعَوْن أَنَّهَا قَالَت ﴿رب ابْن لي عنْدك بَيْتا فِي الْجنَّة﴾ قَالُوا وَلَو كَانَت مخلوقة لم يكن فِي الدُّعَاء فِي اسْتِئْنَاف الْبناء وَالْغَرْس معنى (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّهُمَا مخلوقتان على الْجُمْلَة كَمَا أَن الأَرْض مخلوقة ثمَّ يحدث الله تَعَالَى فِيهَا مَا يَشَاء من الْبُنيان (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) والبرهان على أَنَّهُمَا مخلوقتان بعد أَخْبَار النَّبِي ﷺ أَنه رأى الْجنَّة لَيْلَة الْإِسْرَاء وَأخْبر ﵇ أَنه رأى سِدْرَة الْمُنْتَهى فِي السَّمَاء السَّادِسَة وَقَالَ تَعَالَى عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى ﴿عِنْدهَا جنَّة المأوى﴾ فصح أَن جنَّة المأوى هِيَ السَّمَاء السَّادِسَة وَقد أخبر الله أَنَّهَا الْجنَّة الَّتِي يدخلهَا الْمُؤْمِنُونَ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ تَعَالَى ﴿فَلهم جنَّات المأوى نزلا بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ فَلَيْسَ لأحد بعد هَذَا أَن يَقُول أَنَّهَا جنَّة غير جنَّة الْخلد وَأخْبر ﵇ أَنه رأى الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي السَّمَوَات سَمَاء سَمَاء وَلَا شكّ فِي أَن أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الْجنَّة فصح أَن الجنات هِيَ السَّمَوَات وَكَذَلِكَ أخبر ﵇ أَن الفردوس الْأَعْلَى من الْجنَّة الَّتِي أمرنَا الله تَعَالَى أَن نَسْأَلهُ إِيَّاهَا فَوْقهَا عرش الرَّحْمَن وَالْعرش مَخْلُوق بعد الْجنَّة فالجنة مخلوقة وَكَذَلِكَ أخبر ﵇ أَن النَّار اشتكت إِلَى رَبهَا فَأذن لَهَا بنفسين وَإِن ذَلِك أَشد مَا نجده من الْحر وَالْبرد وَكَانَ القَاضِي مُنْذر بن سعيد يذهب إِلَى أَن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان إِلَّا أَنه كَانَ يَقُول أَنَّهَا لَيست الَّتِي كَانَ فِيهَا آدم ﵇ وَامْرَأَته وَاحْتج فِي ذَلِك

стр. 516

بأَشْيَاء مِنْهَا أَنه لَو كَانَت جنَّة الْخلد لما أكل من الشَّجَرَة رَجَاء أَن يكون من الخالدين وَاحْتج أَيْضا بِأَن جنَّة الْخلد لَا كذب فِيهَا وَقد كذب فِيهَا إِبْلِيس وَقَالَ من دخل الْجنَّة لم يخرج مِنْهَا وآدَم وَامْرَأَته ﵉ قد خرجا مِنْهَا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) كل هَذَا لَا دَلِيل لَهُ فِيهِ أما قَوْله أَن آدم ﵇ أكل من الشَّجَرَة رَجَاء أَن يكون من الخالدين فقد علمنَا أَن أكله من الشَّجَرَة لم يكن ظَنّه فِيهِ صَوَابا وَلَا أكله لَهَا صَوَابا وَإِنَّمَا ظنا وَلَا حجَّة فِيمَا كَانَ هَذِه صفته وَالله لم يُخبرهُ بِأَنَّهُ مخلد فِي الْجنَّة بل قد كَانَ فِي علم الله تَعَالَى أَنه سيخرجه مِنْهَا فَأكل ﵇ من الشَّجَرَة رَجَاء الْخلد الَّذِي لم يضمن وَلَا تَيَقّن بِهِ لنَفسِهِ وَأما قَوْله أَن الْجنَّة لَا كذب فِيهَا وَأَن من دَخلهَا لم يخرج مِنْهَا آدم وَامْرَأَته فَهَذَا لَا حجَّة لَهُ فِيهِ وَإِنَّمَا تكون كَذَلِك إِذا كَانَت جَزَاء لأَهْلهَا كَمَا أخبر عَنْهَا حَيْثُ يَقُول ﴿لَا تسمع فِيهَا لاغية﴾ فَإِنَّمَا هَذَا على المستأنف لَا على مَا سلف وَلَا نَص مَعَه على مَا ادّعى وَلَا إِجْمَاع وَاحْتج أَيْضا بقول الله لآدَم ﵇ ﴿أَن لَك أَلا تجوع فِيهَا وَلَا تعرى﴾ قَالَ وَقد عرى فِيهَا آدم ﵇ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا حجَّة فِيهَا بل هُوَ حجَّة عَلَيْهِ لِأَن الله وصف الْجنَّة الَّتِي أسكن فِيهَا آدم بِأَنَّهَا لَا يجاع فِيهَا وَلَا يعرى وَلَا يظمأ فِيهَا وَلَا يضحى وَهَذِه صفة الْجنَّة بِلَا شكّ وَلَيْسَ فِي شَيْء ممادون السَّمَاء مَكَان هَذِه صفته بِلَا شكّ بل كل مَوضِع دون السَّمَاء فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يجاع فِيهِ ويعرى ويظمأ ويضحى وَلَا بُد من ذَلِك ضَرُورَة فصح أَنه إِنَّمَا سكن الْمَكَان الَّذِي هَذِه صفته وَلَيْسَ هَذَا غير الْجنَّة الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا عرى آدم حِين أكل من الشَّجَرَة فاهبط عُقُوبَة وَقَالَ الله ﴿لَا يرَوْنَ فِيهَا شمساً وَلَا زمهريراً﴾ وَأخْبر آدم أَنه لَا يضحى (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا أعظم حجَّة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي الْمَكَان الَّذِي هُوَ فِيهِ شمس لَا ضحى فِيهِ وَلَا بُد فصح أَن الْجنَّة الَّتِي أسكن فِيهَا آدم كَانَت لَا شمس فِيهَا فَهِيَ جنَّة الْخلد بِلَا شكّ وَأَيْضًا فَإِن قَوْله ﴿اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ إِشَارَة بِالْألف وَاللَّام وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا على مَعْهُود وَلَا تَنْطَلِق الْجنَّة هَكَذَا إِلَّا على جنَّة الْخلد وَلَا ينْطَلق هَذَا الِاسْم على غَيرهَا إِلَّا بِالْإِضَافَة وَأَيْضًا فَلَو أسكن آدم ﵇ جنَّة فِي الأَرْض لما كَانَ فِي إِخْرَاجه مِنْهَا إِلَى غَيرهَا من الأَرْض عُقُوبَة بل قد بَين تَعَالَى أَنَّهَا لَيست فِي الأَرْض بقوله تَعَالَى ﴿اهبطا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ ﴿وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر ومتاع إِلَى حِين﴾ فصح يَقِينا بِالنَّصِّ أَنه قد أهبط من الْجنَّة إِلَى الأَرْض فصح أَنَّهَا لم تكن فِي الأَرْض الْبَتَّةَ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي بَقَاء أهل الْجنَّة وَالنَّار أبدا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) اتّفقت فرق الْأمة كلهَا على أَنه لَا فنَاء للجنة وَلَا لنعيمها وَلَا للنار وَلَا لعذابها

стр. 517

الأجهم بن صَفْوَان وَأَبا الْهُذيْل العلاف وقوماً من الروافض فَأَما جهم فَقَالَ أَن الْجنَّة وَالنَّار بفنيان ويفنى أهلهما وَقَالَ أَبُو الْهُذيْل أَن الْجنَّة وَالنَّار لَا يفنيان وَلَا يفنى أَهلهَا إِلَّا أَن رحكاتهم تفنى ويبقون بِمَنْزِلَة الجماد لَا يتحركون وهم فِي ذَلِك أَحيَاء متلذذون أَو معذبون وَقَالَت تِلْكَ الطَّائِفَة من الروافض أَن أهل الْجنَّة يخرجُون من الْجنَّة وَكَذَا أهل النَّار من النَّار إِلَى حَيْثُ شَاءَ الله (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) أما هَذِه الْمقَالة فَفِي غَايَة الغثاثة والتعري من شَيْء يشغب بِهِ فَكيف من إقناع أَو برهَان وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ سَاقِط وَأما قَول أبي الْهُذيْل فَإِنَّهُ لَا حجَّة لَهُ إِلَّا أَنه قَالَ كلما أَحْصَاهُ الْعدَد فَهُوَ ذُو نِهَايَة وَلَا بُد والحركات ذَات عدد فَهِيَ متناهية (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَظن أَبُو الْهُذيْل لجهله بحدود الْكَلَام وطبائع الموجودات أَن مَا لم يخرج إِلَى الْفِعْل فَإِنَّهُ يَقع عَلَيْهِ الْعدَد وَهَذَا خطأ فَاحش لِأَن مَا لم يخرج إِلَى الْفِعْل فَلَيْسَ شَيْئا وَلَا يجوز أَن يَقع الْعدَد إِلَّا على شَيْء وَإِنَّمَا يَقع الْعدَد على مَا خرج إِلَى الْفِعْل من حركات أهل النَّار وَالْجنَّة مَتى مَا خرج فَهُوَ مَحْدُود متناه وَهَكَذَا أبدا وَقد أحكمنا هَذَا الْمَعْنى فِي أول هَذَا الْكتاب فِي بَاب إِيجَاب حُدُوث الْعَالم وتناهي الموجودات فأغنى عَن إِعَادَته وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَبَطل مَا موه بِهِ أَبُو الْهُذيْل وَللَّه الْحَمد ثمَّ نقُول أَن قَوْله هَذَا خلاف للْإِجْمَاع الْمُتَيَقن وَأَيْضًا فَإِن الَّذِي فر مِنْهُ فِي الحركات فَإِنَّهُ لَازم لَهُ فِي مدد سكونهم وتنعمهم وتأملهم لِأَنَّهُ مقرّ بِأَنَّهُم يبقون ساكنين متنعمين متألمين بِالْعَذَابِ وبالضرورة نَدْرِي أَن للسكون وَالنَّعِيم وَالْعَذَاب مدَدا يعد كل ذَلِك كَمَا تعد الْحَرَكَة ومددها وَلَا فرق وَأَيْضًا فَلَو كَانَ مَا قَالَه أَبُو الْهُذيْل صَحِيحا لَكَانَ أهل الْجنَّة فِي عَذَاب واصب وَفِي صفة المخدور والمفلوج وَمن أَخذه الكابوس وَمن سقى البنج وَهَذَا فِي غَايَة النكد والشقاء ونعوذ بِاللَّه من هَذَا الْحَال وَأما جهم بن صَفْوَان فَإِنَّهُ احْتج بقول الله تَعَالَى ﴿وأحصى كل شَيْء عددا﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ وَقَالَ كَمَا لَا يجوز أَن يُوجد شَيْء لم يزل غير الله تَعَالَى فَكَذَلِك لَا يجوز أَن يُوجد شَيْء لَا يزَال غير الله تَعَالَى (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) مَا نعلم لَهُ حجَّة غير هَذَا أصلا وكل هَذَا لَا حجَّة لَهُ فِيهِ أما قَوْله تَعَالَى ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ فَإِنَّمَا عَنى تَعَالَى الاستحالة من شَيْء إِلَى شَيْء وَمن حَال إِلَى حَال وَهَذَا عَام لجَمِيع الْمَخْلُوقَات دون الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ مدد النَّعيم فِي الْجنَّة وَالْعَذَاب فِي النَّار كلما فنيت مُدَّة أحدث الله أُخْرَى وَهَكَذَا أبدا بِلَا نِهَايَة وَلَا آخر يدل على هَذَا مَا نذكرهُ بعد أَن شَاءَ الله تَعَالَى من الدَّلَائِل على خُلُود الْجنَّة وَالنَّار وَأَهْلهَا وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وأحصى كل شَيْء عددا﴾ فَإِن اسْم الشَّيْء لَا يَقع إِلَّا على مَوْجُود والإحصاء لَا يَقع على مَا ذكرنَا لَا على مَا خرج إِلَى الْفِعْل وَوجد بعد وَإِذا لم يخرج من الْفِعْل فَهُوَ لَا شَيْء بعد وَلَا يجوز أَن يعد لَا شَيْء وكل مَا خرج إِلَى الْفِعْل من مُدَّة بَقَاء الْجنَّة وَالنَّار وأهلهما فمحصي بِلَا شكّ ثمَّ يحدث الله تَعَالَى لَهُم مدَدا آخر وَهَكَذَا أبدا بِلَا نِهَايَة وَلَا آخر وَقَالُوا هَل أحَاط الله تَعَالَى علما بِجَمِيعِ مُدَّة الْجنَّة وَالنَّار أم لَا فَإِن قُلْتُمْ لَا جهلتم الله وَإِن قُلْتُمْ نعم جعلتم مدَّتهَا محاطاً بهَا وَهَذَا هُوَ التناهي نَفسه

стр. 518

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا يعلم بالأشياء على مَا هِيَ عَلَيْهِ لِأَن من علم الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ فَهُوَ جَاهِل بِهِ مُخطئ فِي اعْتِقَاده ظان للباطل وَلَيْسَ علما وَلَا حَقًا وَلَا عَالم بِهِ وَهَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ وَعلم الله هُوَ الْحق الْيَقِين على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَكل مَا كَانَ ذَا نِهَايَة فَهُوَ فِي علم الله تَعَالَى ذُو نِهَايَة وَلَا سَبِيل إِلَى غير هَذَا الْبَتَّةَ وَلَيْسَ للجنة وَالنَّار مدد غير متناهية محاط بهَا وَإِنَّمَا لَهما مدد كل مَا خرج مِنْهَا إِلَى الْفِعْل فَهُوَ محصي محاط بعدده وَمَا لم يخرج إِلَى الْفِعْل فَلَيْسَ بمحصي لَكِن علم الله تَعَالَى أحَاط أَنه لَا نِهَايَة لَهما وَأما قَوْله كَمَا لَا يجوز أَن يُوجد شَيْء غير الله تَعَالَى لَا نِهَايَة لَهُ لم يزل فَإِن هَذِه الْقَضِيَّة فَاسِدَة وَقِيَاس فَاسد لَا يَصح وَالْفرق بَينهمَا أَن أَشْيَاء ذَوَات عدد لَا أول لَهَا وَلم تزل لَا يُمكن أَن نتوهم الْبَتَّةَ وَلَا يشكك بل هِيَ محَال فِي الْوُجُود كَمَا ذكرنَا فِي الرَّد على من قَالَ بِأَن الْعَالم لم يزل فأغنى عَن إِعَادَته وَلَيْسَ كَذَلِك قَوْلنَا لَا يزَال لِأَن إِحْدَاث الله تَعَالَى بعد شَيْء أبدا بِلَا غَايَة متوهم مُمكن لَا حِوَالَة فِيهِ فَقِيَاس الْمُمكن المتوهم على الْمُمْتَنع المستحيل الَّذِي لَا يتَوَهَّم بَاطِل عِنْد الْقَائِلين بِالْقِيَاسِ فَكيف عِنْد من لَا يَقُول بِهِ فَإِن قَالَ قَائِل إِن كل مَا لَهُ أول فَلهُ آخر هَذِه قَضِيَّة فَاسِدَة وَدَعوى مُجَرّدَة وَمَا وَجب هَذَا قطّ لَا بقضية عقل وَلَا بِخَبَر لِأَن كَون الموجودات لَهَا أَوَائِل مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ لِأَن مَا وجد بعد فقد حصره عدد زمَان وجوده وكل مَا حصره عدد فَلذَلِك الْعدَد أول ضَرُورَة وَهُوَ قَوْلنَا وَاحِد ثمَّ يتمادى الْعدَد أبدا فَيمكن الزِّيَادَة بِلَا نِهَايَة وتمادي الْمَوْجُود بِخِلَاف المبدأ لِأَنَّهُ إِذا أبقى وقتا جَازَ أَن يبْقى وَقْتَيْنِ وَهَكَذَا أبدا بِلَا نِهَايَة وكل مَا خرج من مدد الْبَقَاء إِلَى حد الْفِعْل فذو نِهَايَة بِلَا شكّ كَذَلِك من الْعدَد أَيْضا وَلم نقل أَن بَقَاء النَّاس فِي هَذِه الدُّنْيَا لَهُ نِهَايَة إِلَّا من طَرِيق النَّص وَلَو أخبر الله تَعَالَى بذلك لأمكن وَجَاز أَن تبقى الدُّنْيَا أبدا بِلَا نِهَايَة وَلَكِن الله تَعَالَى قَادِرًا على ذَلِك وَلَكِن النَّص لَا يحل خِلَافه وَكَذَلِكَ لَوْلَا أَخْبَار الله تَعَالَى لحل احتارمها وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) والبرهان على بَقَاء الْجنَّة وَالنَّار بِلَا نِهَايَة قَول الله تَعَالَى ﴿خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك عَطاء غير مجذوذ﴾ وَقَوله تَعَالَى فِي غير مَوضِع من الْقُرْآن ﴿خَالِدين فِيهَا أبدا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى﴾ مَعَ صِحَة الْإِجْمَاع بذلك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وروينا عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ لَو أَقَامَ أهل النَّار فِي النَّار مَا شَاءَ الله أَن يبقوا لَكَانَ لَهُم على ذَلِك يَوْم يخرجُون فِيهِ مِنْهَا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي أهل الْإِسْلَام الداخلين فِي النَّار بكبائرهم ثمَّ يخرجُون مِنْهُم بالشفاعة وَيبقى ذَلِك الْمَكَان خَالِيا وَلَا يحل لأحد أَن يظنّ فِي الصَّالِحين الفاضلين خلاف الْقُرْآن وحاشا لَهما من ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق ثمَّ كتاب الْإِيمَان والوعيد وتوابعه بِحَمْد الله وشكره على حسن تأييده وعونه وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم

стр. 519

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لَا إِلَه إِلَّا الله عدَّة للقائه الْكَلَام فِي الْإِمَامَة والمفاضلة بِي الصَّحَابَة قَالَ الْفَقِيه الإِمَام الأوحد أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن حزم ﵁ اتّفق جَمِيع أهل السّنة وَجَمِيع المرجئة وَجَمِيع الشِّيعَة وَجَمِيع الْخَوَارِج على وجوب الْإِمَامَة وَأَن الْأمة وَاجِب عَلَيْهَا الانقياد لإِمَام عَادل يُقيم فيهم أَحْكَام الله ويسوسهم بِأَحْكَام الشَّرِيعَة الَّتِي أَتَى بهَا رَسُول الله ﷺ حاشا النجدات من الْخَوَارِج فَإِنَّهُم قَالُوا لَا يلْزم النَّاس فرض الْإِمَامَة وَإِنَّمَا عَلَيْهِم أَن يشاطوا الْحق بَينهم وَهَذِه فرقة مَا نرى بَقِي مِنْهُم أحد وهم المنسوبون إِلَى نجدة بن عُمَيْر الْحَنَفِيّ الْقَائِم بِالْيَمَامَةِ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقَول هَذِه الْفرْقَة سَاقِط يَكْفِي من الرَّد عَلَيْهِ وإبطاله إِجْمَاع كل من ذكرنَا على بُطْلَانه وَالْقُرْآن وَالسّنة قد ورد بِإِيجَاب الإِمَام من ذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ مَعَ أَحَادِيث كَثِيرَة صِحَاح فِي طَاعَة الْأَئِمَّة وَإِيجَاب الْإِمَامَة وَأَيْضًا فَإِن الله يَقُول ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ فَوَجَبَ الْيَقِين بِأَن الله تَعَالَى لَا يُكَلف النَّاس مَا لَيْسَ فِي بنيتهم واحتمالهم وَقد علمنَا بضرورة الْعقل وبديهته أَن قيام النَّاس بِمَا أوجبه الله تَعَالَى من الْأَحْكَام عَلَيْهِم فِي الْأَمْوَال والجنايات والدماء وَالنِّكَاح وَالطَّلَاق وَسَائِر الْأَحْكَام كلهَا وَمنع الظَّالِم وإنصاف الْمَظْلُوم وَأَخ الْقصاص على تبَاعد أقطارهم وشواغلهم وَاخْتِلَاف آرائهم وَامْتِنَاع من تحرى فِي كل ذَلِك مُمْتَنع غير مُمكن إِذْ قد يُرِيد وَاحِد أَو جمَاعَة أَن يحكم عَلَيْهِم إِنْسَان وَيُرِيد آخر أَو جمَاعَة أُخْرَى أَن لَا يحكم عَلَيْهِم إِمَّا لِأَنَّهَا ترى فِي اجتهادها خلاف مَا رأى هَؤُلَاءِ وَإِمَّا خلافًا مُجَردا عَلَيْهِم وَهَذَا الَّذِي لَا بُد مِنْهُ ضَرُورَة وَهَذَا مشَاهد فِي الْبِلَاد الَّتِي لَا رَئِيس لَهَا فَإِنَّهُ لَا يُقَام هُنَاكَ حكم حق وَلَا حد حَتَّى قد ذهب الدّين فِي أَكْثَرهَا فَلَا تصح إِقَامَة الدّين إِلَّا بِالْإِسْنَادِ إِلَى وَاحِد أَو إِلَى أَكثر من وَاحِد فَإذْ لَا بُد من أحد هذَيْن الْوَجْهَيْنِ فَإِن الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدا بَينهمَا مَا ذكرنَا فَلَا يتم أَمر الْبَتَّةَ فَلم يبْق وَجه تتمّ بِهِ الْأُمُور إِلَّا لإسناد إِلَى وَاحِد فَاضل عَالم حسن السياسة قوي على الإنفاذ إِلَّا أَنه وَإِن كَانَ بِخِلَاف مَا ذكرنَا فالظلم والإهمال مَعَه أقل مِنْهُ مَعَ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدا وَإِذ ذَلِك كَذَلِك فَفرض لَازم لكل النَّاس أَن يكفوا من الظُّلم مَا أمكنهم إِن قدرُوا على كف كُله لَزِمَهُم ذَلِك

стр. 520

وَإِلَّا فَكف مَا قدرُوا على كَفه مِنْهُ وَلَو قَضِيَّة وَاحِدَة لَا يجوز غير ذَلِك ثمَّ اتّفق من ذكرنَا مِمَّن يرى فرض الْإِمَامَة على أَنه لَا يجوز كَون إمامين فِي وَقت وَاحِد فِي الْعَالم وَلَا يجوز إِلَّا إِمَام وَاحِد إِلَّا مُحَمَّد بن كرام السجسْتانِي وَأَبا الصَّباح السَّمرقَنْدِي وأصحابهما فَإِنَّهُم أَجَازُوا كَون إمامين فِي وَقت وَأكْثر فِي وَقت وَاحِد وَاحْتج هَؤُلَاءِ بقول الْأَنْصَار وَمن قَالَ مِنْهُم يَوْم السَّقِيفَة للمهاجرين منا أَمِير ومنكم أَمِير وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَمْر عَليّ وَالْحسن مَعَ مُعَاوِيَة ﵃ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن قَول الْأَنْصَار ﵃ مَا ذكرنَا لم يكن صَوَابا بل كَانَ خطأ إِذْ اداهم إِلَيْهَا الِاجْتِهَاد وَخَالفهُم فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ وَلَا بُد إِذْ اخْتلف القائلان على قَوْلَيْنِ متنافين من أَن يكون أَحدهمَا حَقًا وَالْآخر خطأ وَإِذ ذَلِك كَذَلِك فَوَاجِب رد مَا تنازعوا فِيهِ إِلَى مَا افْترض الله الرَّد إِلَيْهِ عِنْد التَّنَازُع إِذْ يَقُول الله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِك فَوَجَدنَا رَسُول الله ﷺ قد قَالَ إِذا بُويِعَ لإمامين فَاقْتُلُوا الآخر مِنْهُمَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم﴾ فَحرم الله التَّفَرُّق والتنازع وَإِذا كَانَ إمامان فقد حصل التَّفَرُّق الْمحرم فَوجدَ التَّنَازُع وَوَقعت الْمعْصِيَة لله تَعَالَى وَقُلْنَا مَا لَا يحل لنا وَأما من طَرِيق النّظر والمصلحة فَلَو جَازَ أَن يكون فِي الْعَالم إمامان لجَاز أَن يكون فِيهِ ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَأكْثر فَإِن منع من ذَلِك مَانع كَانَ متحكماً بِلَا برهَان ومدعياً بِلَا دَلِيل وَهَذَا الْبَاطِل الَّذِي لَا يعجز عَنهُ أحد وَإِن جَازَ ذَلِك زَاد الْأَمر حَتَّى يكون فِي الْعَالم إِمَام أَو فِي كل مَدِينَة إِمَام أَو فِي كل قَرْيَة إِمَام أَو يكون كل أحد وَخَلِيفَة فِي منزله وَهَذَا هُوَ الْفساد الْمَحْض وهلاك الدّين وَالدُّنْيَا فصح أَن قَول الْأَنْصَار ﵃ وهلة وخطار رجعُوا عَنهُ إِلَى الْحق وعصمهم الله تَعَالَى من التَّمَادِي عَلَيْهِ وَأما أَمر عَليّ وَالْحسن وَمُعَاوِيَة فقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه أنذر بخارجة تخرج من طائفتين من أمة يَقْتُلهَا أولي الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ فَكَانَ قَاتل تِلْكَ الطَّائِفَة عَليّ ﵃ فَهُوَ صَاحب الْحق بِلَا شكّ وَكَذَلِكَ أنذر ﵇ بِأَن عماراً تقتله الفئة الباغية فصح أَن عليا هُوَ صَاحب الْحق وَكَانَ عَليّ السَّابِق إِلَى الْإِمَامَة فصح بعد أَن صَاحبهَا وَأَن من نازعه فِيهَا فمخطئ فمعاوية ﵀ مُخطئ مأجور مرّة لِأَنَّهُ مُجْتَهد وَلَا حجَّة فِي خطأ الْمُخطئ فَبَطل قَول هَذِه الطَّائِفَة وَأَيْضًا فَإِن قَول الْأَنْصَار ﵃ منا أَمِير ومنكم أَمِير يخرج على أَنهم إِنَّمَا أَرَادوا أَن يَلِي وَال مِنْهُم فَإِذا مَاتَ ولي من الْمُهَاجِرين آخر وَهَكَذَا أبدالا على أَن يكون إمامان فِي وَقت وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر من كَلَامهم وَأما عَليّ ومعوية ﵄ فَمَا سلم قطّ أَحدهمَا للْآخر بل كل وَاحِد مِنْهُمَا يزْعم أَنه المحق وَكَذَلِكَ كَانَ الْحسن ﵁ إِلَى أَن

стр. 521

أسلم الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة فَإِذا هَذَا كَذَلِك فقد صَحَّ الْإِجْمَاع على بطلَان قَول ابْن كرام وَأبي الصَّباح وَبَطل أَن يكون لَهُم تعلق فِي شَيْء أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق ثمَّ اخْتلف الْقَائِلُونَ بِوُجُوب الْإِمَامَة على قُرَيْش فَذهب أهل السّنة وَجَمِيع أهل الشِّيعَة وَبَعض الْمُعْتَزلَة وَجُمْهُور المرجئة إِلَى أَن الْإِمَامَة لَا تجوز إِلَّا فِي قُرَيْش خَاصَّة من كَانَ من ولد فهر بن مَالك وَأَنَّهَا لَا تجوز فِيمَن كَانَ أَبوهُ من غير بني فهر بن مَالك وَإِن كَانَت أمه من قُرَيْش وَلَا فِي حَلِيف وَلَا فِي مولى وهبت الْخَوَارِج كلهَا وَجُمْهُور الْمُعْتَزلَة وَبَعض المرجئة إِلَى أَنَّهَا جَائِزَة فِي كل من قَامَ بِالْكتاب وَالسّنة قرشياً كَانَ أَو عَرَبيا أَو ابْن عبد وَقَالَ ضرار بن عَمْرو الْغَطَفَانِي إِذا اجْتمع حبشِي وقرشي كِلَاهُمَا قَائِم بِالْكتاب وَالسّنة قَالُوا وَجب أَن يقدم الحبشي لِأَنَّهُ أسهل لِخَلْعِهِ إِذا حاد عَن الطَّرِيقَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وبوجوب الْإِمَامَة فِي ولد فهر ابْن مَالك خَاصَّة نقُول بِنَصّ رَسُول الله ﷺ على أَن الْأَئِمَّة من قُرَيْش وعَلى أَن الْإِمَامَة فِي قُرَيْش وَهَذِه رِوَايَة جَاءَت مَجِيء التَّوَاتُر وَرَوَاهَا أنس بن مَالك وَعبد الله ابْن عمر بن الْخطاب ومعوية وَرُوِيَ جَابر بن عبد الله وَجَابِر بن سَمُرَة وَعبادَة بن الصَّامِت مَعْنَاهَا وَمِمَّا يدل على صِحَة ذَلِك إذعان الْأَنْصَار رَضِي الله عنم يَوْم السَّقِيفَة وهم أهل الدَّار والمنعة وَالْعدَد والسابقة فِي الْإِسْلَام ﵃ وَمن الْمحَال أَن يتْركُوا اجتهادهم لاجتهاد غَيرهم لَوْلَا قيام الْحجَّة عَلَيْهِم بِنَصّ رَسُول الله ﷺ على أَن الْحق لغَيرهم فِي ذَلِك فَإِن قَالَ قَائِل أَن قَول رَسُول الله ﷺ الْأَئِمَّة من قُرَيْش يدْخل فِي لَك الحليف وَالْمولى وَابْن الْأُخْت لقَوْل رَسُول الله ﷺ مولي الْقَوْم مِنْهُم وَمن أنفسهم وَابْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُم فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الْإِجْمَاع قد تَيَقّن وَصَحَّ على أَن حكم الحليف وَالْمولى وَابْن الْأُخْت كَحكم من لَيْسَ لَهُ حَلِيف وَلَا مولى وَلَا ابْن أُخْت فَمن أجَاز الْإِمَامَة فِي غير هَؤُلَاءِ جوزها فِي هَؤُلَاءِ وَمن منعهَا من غير قُرَيْش منعهَا من الحيف وَالْمولى وَابْن الْأُخْت فَإِذا صَحَّ الْبُرْهَان بِأَن لَا يكون إِلَّا فِي قُرَيْش لَا فِيمَن لَيْسَ قرشياً صَحَّ بِالْإِجْمَاع أَن حَلِيف قُرَيْش مَوْلَاهُم وَابْن أختهم كَحكم من لَيْسَ قرشياً وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقَالَ قوم أَن اسْم الْإِمَامَة قد يَقع على الْفَقِيه الْعَالم وعَلى مُتَوَلِّي الصَّلَاة بِأَهْل مَسْجِد مَا قُلْنَا نعم لَا يَقع على هَؤُلَاءِ إِلَّا بِالْإِضَافَة لَا بِالْإِطْلَاقِ فَيُقَال فلَان إِمَام فِي الدّين وَإِمَام بني فلَان فَلَا يُطلق لأَحَدهم اسْم الْإِمَامَة بِلَا خلاف من أحد من الْأمة إِلَّا على الْمُتَوَلِي لأمور أهل الْإِسْلَام فَإِن قَالَ قَائِل بِأَن اسْم الْإِمَارَة وَاقع بِلَا خلاف على من ولي جِهَة من جِهَات الْمُسلمين وَقد سمي بالأمارة كل من ولاه رَسُول الله ﷺ جِهَة من الْجِهَات أَو سَرِيَّة أَو جَيْشًا وولاه مُؤمنُونَ فَمَا الْمَانِع من أَن يُوقع على كل وَاحِد اسْم أَمِير الْمُؤمنِينَ فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الْكَذِب محرم بِلَا خلاف وكل مَا ذكرنَا قَائِما فَهُوَ أَمِير لبَعض

стр. 522

الْمُؤمنِينَ لَا لكلهم فَلَو سمي أَمِير الْمُؤمنِينَ لَكَانَ مسميه بذلك كَاذِبًا لِأَن هَذِه اللَّفْظَة تَقْتَضِي عُمُوم جَمِيع الْمُؤمنِينَ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ أَمِير بعض الْمُؤمنِينَ فصح أَنه لَيْسَ بحوز الْبَتَّةَ أَن يُوقع اسْم الْإِمَامَة مُطلقًا وَلَا اسْم أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا على الْقرشِي الْمُتَوَلِي لجَمِيع أُمُور الْمُؤمنِينَ كلهم أَو الْوَاجِب لَهُ ذَلِك وَإِن عَصَاهُ كثير من الْمُؤمنِينَ وَخَرجُوا عَن الْوَاجِب عَلَيْهِم من طَاعَته والمفترض عَلَيْهِم من بيعَته فَكَانُوا بذلك فِئَة باغية حَلَالا قِتَالهمْ وحربهم وَكَذَلِكَ اسْم الْخلَافَة بِإِطْلَاق لَا يجوز أَيْضا إِلَّا لمن هَذِه صفته وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَاخْتلف الْقَائِلُونَ بِأَن الْإِمَامَة لَا تجوز إِلَّا فِي صلبة قُرَيْش فَقَالَت طَائِفَة هِيَ جَائِزَة فِي جَمِيع ولد فهر بن مَالك فَقَط وَهَذَا قَول أهل السّنة وَجُمْهُور المرجئة وَبَعض الْمُعْتَزلَة وَقَالَت طَائِفَة لَا تجوز الْخلَافَة إِلَّا فِي ولد الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَهُوَ قَول الرلوندية وَقَالَت طَائِفَة لَا تجوز الْخلَافَة إِلَّا فِي ولد عَليّ ابْن أبي طَالب ثمَّ قصروها على عبد الله بن مُعَاوِيَة بن جَعْفَر بن أبي طَالب وبلغنا عَن بعض بني الْحَارِث بن عبد الْمطلب أَنه كَانَ يَقُول لَا تجوز الْخلَافَة إِلَّا فِي بني عبد الْمطلب خَاصَّة ويراها فِي جَمِيع ولد عبد الْمطلب وهم أَبُو طَالب وَأَبُو لَهب والْحَارث وَالْعَبَّاس وبلغنا عَن رجل كَانَ بالأردن يَقُول لَا تجوز الْخلَافَة إِلَّا فِي بني أُميَّة بن عبد شمس وَكَانَ لَهُ فِي ذَلِك تأليف مَجْمُوع وروبنا كتابا مؤلفا الرجل من ولد عمر بن الْخطاب ﵁ يحْتَج فِيهِ بِأَن الْخلَافَة لَا تجوز إِلَّا لولد أبي بكر وَعمر ﵄ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَأَما هَذِه الْفرق الأرع فَمَا وجدنَا لَهُم شُبْهَة يسْتَحق أَن يشْتَغل بهَا إِلَّا دعاوي كَاذِبَة لَا وَجه لَهَا وَإِنَّمَا الْكَلَام مَعَ الَّذين يرَوْنَ الْأَمر لولد الْعَبَّاس أَو لولد عَليّ فَقَط لِكَثْرَة عَددهمْ قَالَ أَبُو مُحَمَّد احْتج من ذهب إِلَى أَن الْخلَافَة لَا تجوز إِلَّا فِي ولد الْعَبَّاس فَقَط على أَن الْخُلَفَاء من وَلَده وكل من لَهُ حَظّ من علم من غير الْخُلَفَاء مِنْهُم لَا يرضون بِهَذَا وَلَا يَقُولُونَ بِهِ لَكِن تِلْكَ الطَّائِفَة قَالَت كَانَ الْعَبَّاس عصب رَسُول الله ﷺ ووارثه فَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فقد ورث مَكَانَهُ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَن مِيرَاث الْعَبَّاس ﵁ لَو وَجب لَهُ لَكَانَ ذَلِك فِي المَال خَاصَّة وَأما الْمرتبَة فَمَا جَاءَ قطّ فِي الديانَات أَنَّهَا تورث فَبَطل هَذَا التمويه جملَة وَللَّه الْحَمد وَلَو جَازَ أَن تورث الْمَرَاتِب لَكَانَ من رَسُول الله ﷺ مَكَانا مَا إِذا مَاتَ وَجب أَن يَرث تِلْكَ الْولَايَة عاصبه ووارثه وَهَذَا مَالا يَقُولُونَهُ فَكيف وَقد صَحَّ بِإِجْمَاع جَمِيع أهل الْقبْلَة حاشا الروافض أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة فَإِن اعْترض معترض بقول الله ﴿وَورث سُلَيْمَان دَاوُد﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى

стр. 523

حاكياً عَن زَكَرِيَّا ﵇ أَنه قَالَ ﴿فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب واجعله رب رَضِيا﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا لَا حجَّة فِيهِ لِأَن الروَاة حَملَة الْأَخْبَار وَجَمِيع التواريخ الْقَدِيمَة كلهَا وكواف بني إِسْرَائِيل ينقلون بِلَا خلاف نقلا يُوجب الْعلم أَن دَاوُد ﵇ كَانَ لَهُ بنُون غير سُلَيْمَان ﵇ فصح أَنه ورث النُّبُوَّة وبرهان ذَلِك أَنهم كلهم مجمعون على أَنه ﵇ ولي مَكَان أَبِيه ﵉ وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا اثْنَتَيْ عشرَة سنة ولداود أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ابْنا كبارًا وصغاراً وَهَكَذَا القَوْل فِي مِيرَاث يحي بن زَكَرِيَّا ﵉ وبرهان ذَلِك من نَص الْآيَة نَفسهَا قَوْله ﵇ يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب وهم مئوا أُلُوف يَرث عَنهُ النُّبُوَّة فَقَط وَأَيْضًا فَمن الْمحَال أَن يرغب زَكَرِيَّا ﵇ فِي ولد يحجب عصبته عَم مِيرَاث فَإِنَّمَا يرغب فِي هَذِه الخطة ذُو الْحِرْص على الدُّنْيَا وحطامها وَقد نزه الله مَرْيَم ﵍ الَّتِي كَانَت فِي كفَالَته من المعجزات قَالَ تَعَالَى ﴿كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وجد عِنْدهَا رزقا قَالَ يَا مَرْيَم أَنى لَك هَذَا قَالَت هُوَ من عِنْد الله إِن الله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِنَّك سميع الدُّعَاء﴾ وعَلى هَذَا الْمَعْنى دَعَا فَقَالَ ﴿فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب واجعله رب رَضِيا﴾ وَأما من اغْترَّ بقوله تَعَالَى حاكياً عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ ﴿وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي﴾ قيل لَهُ بطلَان هَذَا الظَّن أَن الله تَعَالَى لم يُعْطه ولدا يكون لَهُ عقب فيتصل الْمِيرَاث لَهُم بل أعطَاهُ ولدا حصورا لَا يقرب النِّسَاء قَالَ تَعَالَى ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا من الصَّالِحين﴾ فصح ضَرُورَة أَنه ﵇ إِنَّمَا طلب ولدا نَبيا لَا ولد يَرث المَال وَأَيْضًا فَلم يكن الْعَبَّاس محيطاً بميراث النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا كَانَ يكون لَهُ ثَلَاثَة أثمانه فَقَط وَأما مِيرَاث المكانة فقد كَانَ الْعَبَّاس ﵁ حَيا قَائِما إِذْ مَاتَ النَّبِي ﷺ فَمَا ادعِي الْعَبَّاس لنَفسِهِ فَقَط فِي ذَلِك حَقًا لَا حِينَئِذٍ وَلَا بعد ذَلِك وَجَاءَت الشورى فَمَا ذكر فِيهَا وَلَا أنكر هُوَ وَلَا غَيره ترك ذكره فِيهَا فصح أَنه رأى مُحدث فَاسد لَا وَجه لَهُ للاشتغال بِهِ وَالْخُلَفَاء من وَلَده والأفاضل مِنْهُم من غير الْخُلَفَاء لَا يرَوْنَ لأَنْفُسِهِمْ بِهَذِهِ الدعْوَة ترفعاً عَن سُقُوطهَا ووهيها وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما الْقَائِلُونَ بِأَن الْإِمَامَة لَا تكون إِلَّا فِي ولد عَليّ ﵁ فَإِنَّهُم انقسموا قسمَيْنِ فطائفة قَالَت أَن رَسُول الله ﷺ نَص على عَليّ بن أبي طَالب أَنه الْخَلِيفَة وَأَن الصَّحَابَة بعده ﵇ اتَّفقُوا على ظلمه وعَلى كتمان نَص النَّبِي ﷺ وَهَؤُلَاء الْمُسلمُونَ الروافض وَطَائِفَة قَالَت لم ينص النَّبِي ﷺ على عَليّ لكنه كَانَ أفضل النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ وأحقهم بِالْأَمر وَهَؤُلَاء هم الزيدية نسبوا إِلَى زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ثمَّ اخْتلف الزيدية فرقا فَقَالَت طَائِفَة إِن الصَّحَابَة ظلموه وَكَفرُوا من خَالفه

стр. 524

من الصَّحَابَة وهم الجارودية وَقَالَت أُخْرَى أَن الصَّحَابَة ﵃ لم يظلموه لكنه طربت نَفسه بِتَسْلِيم حَقه إِلَى أبي بكر وَعمر ﵄ وَأَنه إِمَامًا وَهدى ووقف بَعضهم فِي عُثْمَان ﵁ وتولاه بَعضهم وَذكر طَائِفَة أَن هَذَا مَذْهَب الْفَقِيه الْحسن بن صَالح بن حَيّ الْهَمدَانِي (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا خطأ وَقد رَأَيْت الهشام ابْن الحكم الرافضي الْكُوفِي فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالميزان وَقد ذكر الْحسن ابْن حَيّ وَأَن مذْهبه كَانَ أَن الْإِمَامَة فِي جَمِيع ولد فهر ابْن مَالك (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا الَّذِي لَا يَلِيق بالْحسنِ بن حَيّ غَيره فَإِنَّهُ كَانَ أحد أَئِمَّة الدّين وَهِشَام ابْن الحكم أعلم بِهِ مِمَّن نسب إِلَيْهِ غير ذَلِك لِأَن هشاماً كَانَ جَاره بِالْكُوفَةِ وَأعرف النَّاس بِهِ وأدركه وَشَاهده وَالْحسن بن حَيّ ﵀ يحْتَج بِمُعَاوِيَة ﵃ وبابن الزبير ﵄ وَهَذَا مَشْهُور عَنهُ فِي كتبه ورواياته من رُوِيَ عَنهُ وَجَمِيع الزيدية لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن الْإِمَامَة فِي جَمِيع ولد عَليّ بن أبي طَالب من خرج مِنْهُم يَدْعُو إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَجب سل السَّيْف مَعَه وَقَالَت الروافض الْإِمَامَة فِي عَليّ وَحده بِالنَّصِّ عَلَيْهِ ثمَّ فِي الْحسن ثمَّ فِي الْحُسَيْن وَادعوا نصا آخر من النَّبِي ﷺ عَلَيْهِمَا بعد أَبِيهِمَا ثمَّ عَليّ ابْن الْحُسَيْن لقَوْل الله ﴿وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله﴾ قَالُوا فولد الْحُسَيْن أَحَق من أَخِيه ثمَّ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن ثمَّ جَعْفَر بن عَليّ ابْن الْحُسَيْن وَهَذَا مَذْهَب جَمِيع متكلميهم كهشام بن الحكم وَهِشَام الجواليقي وَدَاوُد الْحوَاري وَدَاوُد الرقي وَعلي بن مَنْصُور وَعلي بن هَيْثَم وَأبي عَليّ السكاك تلميذ هِشَام بن الحكم وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن النُّعْمَان شَيْطَان الطاق وَأبي ملك الْحَضْرَمِيّ وَغَيرهم ثمَّ افْتَرَقت الرافضة بعد موت هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين وَمَوْت جَعْفَر بن مُحَمَّد فَقَالَت طَائِفَة بإمامة بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَقَالَت طَائِفَة ابْنه مُحَمَّد بن جَعْفَر وهم قَلِيل وَقَالَت طَائِفَة جَعْفَر حَيّ لم يمت وَقَالَ جُمْهُور الرافضة بإمامة ابْنه مُوسَى بن جَعْفَر ثمَّ عَليّ ابْن مُوسَى ثمَّ مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى ثمَّ عَليّ بن مُحَمَّد بن مُوسَى ثمَّ الْحسن بن عَليّ ثمَّ مَاتَ الْحسن غير معقب فافترقوا فرقا وَثَبت جمهورهم على أَنه ولد لِلْحسنِ بن عَليّ ولد فأخفاه وَقيل بل ولد لَهُ بعد مَوته من جَارِيَة لَهُ اسْمهَا صقيل وَهُوَ الْأَشْهر وَقَالَ بَعضهم بل من جَارِيَة لَهُ اسْمهَا نرجس وَقَالَ بَعضهم من جَارِيَة لَهُ اسْمهَا سوسن وَالْأَظْهَر أَن اسْمهَا صقيل هَذِه ادَّعَت الْحمل بعد الْحسن بن عَليّ سَيِّدهَا فَوقف مِيرَاثه لذَلِك سبع سِنِين ونازعهل فِي لَك أَخُوهُ جَعْفَر ابْن عَليّ وتعصب لَهَا جمَاعَة من أَرْبَاب الدولة وتعصب لجَعْفَر آخَرُونَ ثمَّ انفش ذَلِك الْحمل وَبَطل أَخذ الْمِيرَاث جَعْفَر أَخُوهُ وَكَانَ موت الْحسن هَذَا سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وزادت فتْنَة الروافض بصقيل هَذِه ودعواها إِلَى أَن حَبسهَا المعتضد بعد نَيف وَعشْرين سنة من موت سَيِّدهَا وَقد عير بهَا أَنَّهَا فِي منزل الْحسن بن جَعْفَر النوبختي

стр. 525

الْكَاتِب فَوجدت فِيهِ وحملت إِلَى قصر المعتضد فَبَقيت هُنَالك إِلَى أَن مَاتَت فِي الْقصر فِي أَيَّام المقتدر فهم إِلَى الْيَوْم ينتظرون ضَالَّة من مائَة عَام وَثَمَانِينَ عَاما وَكَانَت طَائِفَة قديمَة قد بادت كَانَ رئيسهم الْمُخْتَار بن عبيد وكيسان أَبَا عمْرَة وَغَيرهمَا يذهبون إِلَى أَن الإِمَام بعد الْحُسَيْن مُحَمَّد أَخُوهُ الْمَعْرُوف بِابْن الحنيفة وَمن هَذِه الطَّائِفَة كَانَ السَّيِّد الْحِمْيَرِي وَكثير عزة الشَّاعِر أَن وَكَانُوا يَقُولُونَ أَن مُحَمَّدًا بن الْحَنَفِيَّة حَيّ بجبل رضوي وَلَهُم من التَّخْلِيط مَا تضيق عَنهُ الصُّحُف (وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد) وعمدة هَذِه الطوائف كلهَا فِي الِاحْتِجَاج أَحَادِيث مَوْضُوعَة مكذوبة لَا يعجز عَن توليد مثلهَا من لَا دين لَهُ وَلَا حَيَاء (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) لَا معنى لاحتجاجنا عَلَيْهِم برواياتنا فهم لَا يصدقونا وَلَا معنى لاحتجاجهم علينا بروياتهم فَنحْن لَا نصدقها وَإِنَّمَا يجب أَن يحْتَج الْخُصُوم بَعضهم على بعض بِمَا يصدقهُ الَّذِي تُقَام عَلَيْهِ الْحجَّة بِهِ سَوَاء صدقه المحتج أَو لم يصدقهُ لِأَن من صدق بِشَيْء ملزمه القَوْل بِهِ أَو بِمَا يُوجِبهُ الْعلم الضَّرُورِيّ فَيصير الْخصم يَوْمئِذٍ مكابراً مُنْقَطِعًا أَن ثَبت على مَا كَانَ عَلَيْهِ إِلَّا أَن بعض مَا يشغبون بِهِ أَحَادِيث صِحَاح نوافقهم على صِحَّتهَا مِنْهَا قَول رَسُول الله ﷺ لعَلي ﵁ أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا لَا يُوجب لَهُ فضلا على من سواهُ وَلَا اسْتِحْقَاق الْإِمَامَة بعده ﵇ لِأَن هَارُون لم يل أَمر نَبِي إِسْرَائِيل بعد مُوسَى ﵉ وَإِنَّمَا ولي الْأَمر بعد مُوسَى ﵇ يُوشَع بن نون فَتى مُوسَى وَصَاحبه الي سَافر مَعَه فِي طلب الْخضر ﵉ كَمَا ولي الْأَمر بعد رَسُول الله ﷺ صَاحبه فِي الْغَار الَّذِي سَافر مَعَه إِلَى الْمَدِينَة وَإِذا لم يكن عَليّ نَبيا كَمَا كَانَ هَارُون نَبيا نَبيا وَلَا كَانَ هَارُون خَليفَة بعد موت مُوسَى على بني إِسْرَائِيل فقد صَحَّ أَن كَونه ﵁ ﷺ بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِنَّمَا هُوَ فِي الْقَرَابَة فَقَط وَأَيْضًا فَإِنَّمَا قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ هَذَا القَوْل إِذا اسْتَخْلَفَهُ على الْمَدِينَة فِي غَزْوَة تَبُوك فَقَالَ المُنَافِقُونَ استقله فخلفه فلحق عَليّ برَسُول الله ﷺ فَشكى ذَلِك إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ حِينَئِذٍ أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى يُرِيد ﵇ أَنه اسْتَخْلَفَهُ على الْمَدِينَة مُخْتَارًا استخلافه كَمَا اسْتخْلف مُوسَى ﵇ هَارُون ﵇ أَيْضا مُخْتَار الإستخلافة ثمَّ قد اسْتخْلف ﵇ قبل تَبُوك وَبعد تَبُوك على الْمَدِينَة فِي أَسْفَاره رجَالًا سوى عَليّ ﵁ فصح أَن هَذَا الِاسْتِخْلَاف لَا يُوجب لعَلي فضلا على غَيره وَلَا ولَايَة الْأَمر بعده كَمَا لم يُوجب ذَلِك لغيره من المستخلفين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وعمدة مَا احتجت بِهِ الإمامية أَن قَالُوا لَا بُد من ان يكون إِمَام مَعْصُوم عِنْده جَمِيع علم الشَّرِيعَة ترجع النَّاس إِلَيْهِ فِي أَحْكَام الدّين ليكونوا مِمَّا تعبدوا بِهِ على يَقِين

стр. 526

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا لَا شكّ فِيهِ وَذَلِكَ مَعْرُوف ببراهينه الْوَاضِحَة واعلامه المعجزة وآياته الباهرة وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب رَسُول الله ﷺ إِلَيْنَا تبيان دينه الَّذِي ألزمنا إِيَّاه ﷺ فَكَانَ كَلَامه وعهوده وَمَا بلغ من كَلَام الله تَعَالَى حجَّة نَافِذَة معصومة من كل آفَة أَتَى بِحَضْرَتِهِ وَإِلَى من كَانَ فِي حَيَاته غَائِبا عَن حَضرته وَإِلَى كل من يَأْتِي بعد مَوته ﷺ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من جن وإنس قَالَ ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ فَهَذَا نَص مَا قُلْنَا اتِّبَاع أحد دون رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَى فرض الْإِمَامَة لتنفيذ الإِمَام عهود الله تَعَالَى الْوَارِدَة إِلَيْنَا على من عِنْده فَقَط لَا لِأَن يَأْتِي النَّاس مَا لَا يشاؤنه فِي مَعْرفَته من الدّين الَّذِي أَتَاهُم بِهِ رَسُول الله ﷺ وَوجدنَا عليا ﵁ إِذْ دعِي إِلَى التحاكم إِلَى الْقُرْآن أجَاب وَأخْبر أَن التحاكم إِلَى الْقُرْآن حق فَإِن كَانَ عَليّ صَوَاب فِي لَك فَهُوَ قَوْلنَا وَإِن كَانَ أجَاب وَأخْبر أَن التحاكم إِلَى الْقُرْآن فَإِن كَانَ عَليّ أصَاب فِي ذَلِك فَهُوَ قَوْلنَا وَإِن كَانَ أجَاب إِلَى الْبَاطِل فَهَذِهِ غير صفته ﵁ وَلَو كَانَ التحاكم إِلَى الْقُرْآن لَا يجوز بِحَضْرَة الإِمَام لقَالَ عَليّ حِينَئِذٍ كَيفَ تطلبون تحكيم الْقُرْآن وَأَنا الإِمَام الْمبلغ عَن رَسُول الله ﷺ فَإِن قَالُوا إِذْ مَاتَ رَسُول الله ﷺ فَلَا بُد من إِمَام يبلغ الدّين قُلْنَا هَذَا بَاطِل وَدَعوى بِلَا برهَان وَقَول لَا دَلِيل على صِحَّته وَإِنَّمَا الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ أهل الأَرْض من رَسُول الله ﷺ ببيانه وتبليغه فَقَط سَوَاء فِي ذَلِك من كَانَ بِحَضْرَتِهِ وَمن غَابَ عَنهُ وَمن جَاءَ بعده إِذْ لَيْسَ فِي شخصه ﷺ إِذا لم يتَكَلَّم بَيَان عَن شَيْء من الدّين فَالْمُرَاد مِنْهُ ﵇ كَلَام بَاقٍ أبدا مبلغ إِلَى كل من فِي الأَرْض وَأَيْضًا فلوا كَانَ مَا قَالَ أَمن الْحَاجة إِلَى إِمَام مَوْجُودا بدا لَا ننقض ذَلِك عَلَيْهِم بِمن كَانَ غَائِبا عَن حَضْرَة الإِمَام فِي أقطار الأَرْض إِذْ لَا سَبِيل إِلَى أَن يُشَاهد الإِمَام جَمِيع أهل الأَرْض الَّذين فِي الْمشرق وَالْمغْرب من فَقير وَضَعِيف وَامْرَأَة ومرسض ومشغول بمعاشه الَّذِي يضيع إِن أغفله فَلَا بُد من التَّبْلِيغ عَن الإِمَام فالتبيلغ عَن رَسُول الله ﷺ أولى بالاتباع من التَّبْلِيغ عَمَّن هُوَ دونه وَهَذَا مَا لَا انفكاك لَهُم مِنْهُ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) لَا سِيمَا وَجَمِيع أئمتهم الَّذين يدعونَ بعد عَليّ وَالْحسن وَالْحُسَيْن ﵃ مَا أمروا قطّ فِي غير منَازِل سكناهم وَمَا حكمُوا على قَرْيَة فَمَا فَوْقهَا بِحكم فَمَا الْحَاجة إِلَيْهِم لَا سِيمَا مذ مائَة عَام وَثَمَانِينَ عَاما فَإِنَّهُم يدعونَ إِمَامًا ضَالًّا لم يخلق كعنقاء مغرب وهم أولو فحش وقحة وبهتان وَدَعوى كَاذِبَة لم يعجز عَن مثلهَا أحد وَأَيْضًا فَإِن الإِمَام الْمَعْصُوم لَا يعرف أَنه مَعْصُوم إِلَّا بمعجزة ظَاهِرَة عَلَيْهِ أَو بِنَصّ تنقله الْعلمَاء عَن النَّبِي ﷺ على كل إِمَام بِعَيْنِه واسْمه وَنسبه وَإِلَّا فَهِيَ دَعْوَى لَا يعجز عَن مثلهَا أحد لنَفسِهِ أَو لمن شَاءَ وَلَقَد يلْزم كل ذِي عقل سليم أَن يرغب بِنَفسِهِ عَن اعْتِقَاد هَذَا الْجَهْل الغث الْبَارِد السخيف الَّذِي ترْتَفع عقول الصّبيان عَنهُ وَمَا توفيقنا إِلَّا بِاللَّه وبرهان آخر ضَرُورِيّ وَهُوَ أَن رَسُول الله

стр. 527

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَاتَ وَجُمْهُور الصَّحَابَة ﵃ حاشا من كَانَ مِنْهُم فِي النواحي يعلم النَّاس الدّين فَمَا مِنْهُم أحد أَشَارَ إِلَى عَليّ بِكَلِمَة يذكر فِيهَا أَن رَسُول الله ﷺ نَص عَلَيْهِ وَلَا ادّعى ذَلِك عَليّ قطّ لَا فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَا بعده وَلَا إدعاء لَهُ أحد فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَا بعده وَلَا ادَّعَاهُ لَهُ أحد فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَا بعده وَمن الْمحَال الْمُمْتَنع الَّذِي لَا يُمكن الْبَتَّةَ وَلَا يجوز اتِّفَاق أَكثر من عشْرين ألف إِنْسَان متْنا بِذِي الهمم والنيات والأنساب أَكْثَرهم موتور فِي صَاحبه فِي الدِّمَاء من الْجَاهِلِيَّة على طي على عهد عاهده رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِم وَمَا وجدنَا قطّ رِوَايَة عَن أحد بِهَذَا النَّص الْمُدعى إِلَّا رِوَايَة وَاحِدَة واهية عَن مجهولين إِلَى مَجْهُول يكنى بالحمراء لَا يعرف من هُوَ فِي الْخلق وَوجدنَا عليا ﵁ تَأَخّر عَن الْبيعَة سِتَّة أشهر فَمَا أكرهه أَبُو بكر على الْبيعَة حَتَّى بَايع طَائِعا مراجعاً غير مكره فَكيف حل لعي ﵁ عِنْد هَؤُلَاءِ النوكي أَن يُبَايع طَائِعا رجلا إِمَّا كَافِرًا وَإِمَّا فَاسِقًا جاحداً لنَصّ رَسُول الله ﷺ ويعينه على أمره ويجالسه فِي مجالسه ويواليه إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ يُبَايع بعده عمر بن الْخطاب مبادراً غير متاردد سَاعَة فَمَا فَوْقهَا غير مركه بل طَائِعا وَصَحبه وأعانه على أمره وانكحه من ابْنَته فَاطِمَة ﵂ ثمَّ قبل ادخاله فِي الشورى أحد سِتَّة رجال فَكيف حل لعَلي عِنْد هَؤُلَاءِ الْجُهَّال أَن يُشَارك بِنَفسِهِ فِي شُورَى ضَالَّة وَكفر ويغر الْأمة هَذَا الْغرُور وَهَذَا الْأَمر أدّى أَبَا كَامِل إِلَى تَكْفِير عَليّ بن أبي طَالب ﵁ لِأَنَّهُ فِي زَعمه أعَان الْكفَّار على كفرهم وأيدهم على كتمان الدّيانَة وعَلى مَا لَا يتم الدّين إِلَّا بِهِ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلَا يجوز أَن يظنّ بعلي ﵁ انه أمسك عَن ذكر النَّص عَلَيْهِ خوف الْمَوْت وَهُوَ الْأسد شجاعة قد عرض نَفسه للْمَوْت بَين يَدي رَسُول الله ﷺ مَرَّات ثمَّ يَوْم الْجمل وصفين فَمَا الَّذِي جبنه بَين هَاتين الْحَالَتَيْنِ وَمَا الَّذِي ألف بَين بصائر النَّاس على كتمان حق عَليّ وَمنعه مَا هُوَ أَحَق بِهِ مذ مَاتَ رَسُول الله ﷺ إِلَى أَن قتل عُثْمَان ﵁ ثمَّ مَا الَّذِي جلى بصائرهم فِي عونه إِذْ دَعَا إِلَى نَفسه فَقَامَتْ مَعَه طوائف من الْمُسلمين عَظِيمَة وبذلوا دِمَاءَهُمْ دونه ورأوه حِينَئِذٍ صَاحب الْأَمر وَالْأولَى بِالْحَقِّ مِمَّن نازعه فَمَا الَّذِي مَنعه ومنعهم من الْكَلَام وَإِظْهَار النَّص الَّذِي يَدعِيهِ الكذابون إِذْ مَاتَ عمر ﵁ وَبَقِي النَّاس بِلَا رَأس ثَلَاثَة أَيَّام أَو يَوْم السَّقِيفَة وأظرف من هَذَا بَقَاؤُهُ ممسكاً عَن بيعَة أبي بكر ﵁ سِتَّة أشهر فَمَا سَأَلَهَا وَلَا أجبر عَلَيْهَا وَلَا كلفها وَهُوَ يتَصَرَّف بَينهم فِي أُمُوره فلولا أَنه رأى أَحَق فِيهَا واستدرك أمره فَبَايع طَالبا حفظه نَفسه فِي دينه رَاجعا إِلَى الْحق لما بَايع فَإِن قَالَت الروافض أَنه بعد سِتَّة أشهر رأى الرُّجُوع إِلَى الْبَاطِل فَهَذَا هُوَ الْبَاطِل حَقًا لَا مَا فعل عَليّ ﵁ ثمَّ ولى عَليّ ﵁ فَمَا غير حكما من أَحْكَام أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَلَا أبطل عهدا من عهودهم وَلَو كَانَ ذَلِك عِنْده بَاطِلا لما كَانَ فِي

стр. 528

سَعَة من أَن يمْضِي الْبَاطِل وينفذه وَقد ارْتَفَعت التقية عَنهُ وَأَيْضًا فقد نَازع الْأَنْصَار ﵃ أَبَا بكر ﵁ ودعوا إِلَى بيعَة سعد بن عبَادَة ﵃ ودعا الْمُهَاجِرُونَ إِلَى بيعَة أبي بكر رَضِي الله عَن جَمِيعهم وَقعد عَليّ ﵁ فِي بَيته لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ لَيْسَ مَعَه أحد غير الزبير بن الْعَوام ثمَّ استبان الْحق للزبير ﵁ فَبَايع سَرِيعا وَبَقِي عَليّ وَحده لَا يرقب عَلَيْهِ وَلَا يمْنَع من لِقَاء النَّاس وَلَا يمْنَع من لِقَائِه فَلَا يَخْلُو رُجُوع الْأَنْصَار كلهم إِلَى بيعَة أبي بكر من أَن يكون عَن غَلَبَة أَو عَن ظُهُور حَقه إِلَيْهِم فَأوجب ذَلِك الانقياد لبيعته أَو فعلوا ذَلِك مطارفة لغير معنى وَلَا سَبِيل إِلَى قسم رَابِع بِوَجْه من الْوُجُوه فَإِن قَالُوا بَايعُوهُ بِغَلَبَة كذبُوا لِأَنَّهُ لم يكن هُنَالك قتال لَا تضارب وَلَا سباب وَلَا تهديد وَلَا وَقت طَوِيل يَنْفَسِخ للوعيد وَلَا سلَاح مَأْخُوذ ومحال أَن يتْرك أَزِيد من ألفي فَارس أنجاد أبطال كلهم عشيرة وَاحِدَة قد ظهر من شجاعتهم مَا لَا مرمى وَرَاءه وَهُوَ أَنهم بقو ثَمَانِيَة أَعْوَام مُتَّصِلَة محاربين لجَمِيع الْعَرَب فِي أقطار بِلَادهمْ موطنين على الْمَوْت متعرضين مَعَ ذَلِك للحرب مَعَ قَيْصر وَالروم بمؤنة وَغَيرهَا ولكسرى وَالْفرس ببصرى من يخاطبهم يَدعُوهُ إِلَى اتِّبَاعه وَأَن يكون كَأحد من بَين يَدَيْهِ هَذِه صفة الْأَنْصَار الَّتِي لَا ينكرها إِلَّا رقيع مجاهر بِالْكَذِبِ فَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يرهبوا أَبَا بكر وَرجلَيْنِ أَتَيَا مَعَه فَقَط لَا يرجع إِلَى عشيرة كَثِيرَة وَلَا إِلَى موَالٍ وَلَا إِلَى عصبَة وَلَا مَال فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَهُوَ عِنْدهم مُبْطل وَبَايَعُوهُ بِلَا تردد وَلَا تَطْوِيل وَكَذَلِكَ يبطل أَن يرجِعوا عَن قَوْلهم وَمَا كَانُوا قد رَأَوْهُ من أَن الْحق حَقهم وَعَن بيعَة ابْن عمهم مطارفة بِلَا خوف وَلَا ظُهُور الْحق إِلَيْهِم فَمن الْمحَال اتِّفَاق أهواء هَذَا الْعدَد الْعَظِيم على مَا يعْرفُونَ أَنه بَاطِل دون خوف يضطرهم إِلَى ذَلِك وَدون طمع يتعجلونه من مَال أَو جاه بل فِيمَا فِيهِ ترك الْعِزّ وَالدُّنْيَا والرياسة وَتَسْلِيم كل ذَلِك إِلَى رجل لَا عشيرة لَهُ وَلَا مَنْعَة وَلَا حَاجِب وَلَا حرس على بَابه وَلَا قصر مُمْتَنع فِيهِ وَلَا موَالِي وَلَا مَال فَأَيْنَ كَانَ عَليّ وَهُوَ الَّذِي لَا نَظِير لَهُ فِي الشجَاعَة وَمَعَهُ جمَاعَة من بني هَاشم وَبني الْمطلب من قتل هَذَا الشَّيْخ الَّذِي لَا دَافع دونه لَو كَانَ عِنْده ظَالِما وَعَن مَنعه وزجره بل قد علم وَالله عَليّ ﵁ أَن أَبَا بكر ﵁ على الْحق وَإِن من خَالفه على الْبَاطِل فَإذْ عَن للحق بعد أَن عرضت لَهُ فِيهِ كبوة كَذَلِك الْأَنْصَار ﵃ وَإِذ قد بَطل كل هَذَا فَلم يبْق إِلَّا أَن عليا وَالْأَنْصَار ﵃ إِنَّمَا رجعُوا إِلَى بيعَة أبي بكر ﵃ لبرهان حق صَحَّ عِنْدهم عَن النَّبِي ﷺ لَا لاجتهاد كاجتهادهم وَلَا لظن كظنونهم فَإذْ قد بَطل أَن يكون الْأَمر فِي الْأَنْصَار وزالت الرياسة عَنْهُم فَمَا الَّذِي حملهمْ كلهم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم على أَن يتفقوا على جحد نَص النَّبِي ﷺ على أماة عَليّ وَمن الْمحَال أَن تتفق آرائهم كلهم على مَعُونَة من ظلمهم وغصبهم حَقهم إِلَّا أَن تَدعِي الروافض أَنهم كلهم اتّفق لَهُم نيسان فَهَذِهِ أعجوبة من الْمحَال غير مُمكنَة ثمَّ لَو أمكنت لجَاز لكل أحد أَن يَدعِي فِيمَا شَاءَ من الْمحَال إِنَّه قد كَانَ وَإِن النَّاس كفهم نسوه وَفِي هَذَا ابطال الْحَقَائِق كلهم وَأَيْضًا فَإِن كَانَ جَمِيع أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ اتَّفقُوا على جحد ذَلِك النَّص وكتمانه واتفقت طبائعهم كلهم على نسيانه فَمن أَيْن وَقع الروافض أمره وَمن بلغه إِلَيْهِم وكل هَذَا عَن هوس ومحال فَبَطل أَمر النَّص على عَليّ ﵁ بِيَقِين لَا إِشْكَال فِيهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِن قَالَ قَائِل أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ كَانَ قد قتل الْأَقَارِب بَين يَدي رَسُول الله ﷺ فتولد لَهُ بذلك حقد فِي قُلُوب جمَاعَة من الصَّحَابَة وَلذَلِك انحرفوا عَنهُ قيل لَهُ هَذَا تمويه

стр. 529

ضَعِيف كَاذِب لِأَنَّهُ إِن سَاغَ لكم ذَلِك فِي بني عبد شمس وَبني مَخْزُوم وَبني عبد الدَّار وَبني عَامر لِأَنَّهُ قتل من كل قَبيلَة من هَذِه الْقَبَائِل رجلا أَو رجَالًا فَقتل من بني عَامر بن لؤَي رجلا وَاحِدًا وَهُوَ عَمْرو بن ود وَقتل من بني مَخْزُوم وَبني عبد الدَّار رجَالًا وَقتل من بني عبد شمس الْوَلِيد بن عقبَة وَالْعَاص بن سهل بن الْعَاصِ بِلَا شكّ وشارك فِي قتل عتبَة بن ربيعَة وَقيل قتل عقبَة بن أبي معيط وَقيل قَتله غَيره وَهُوَ عَاصِم بن ثَابت الْأنْصَارِيّ وَلَا مزِيد فقد علم كل من لَهُ أقل من علم بالأخبار أَنه لم يكن لهَذِهِ الْقَبَائِل وَلَا لأحد مِنْهَا يَوْم السَّقِيفَة حل وَلَا عقد وَلَا رَأْي وَلَا أَمر اللَّهُمَّ إِلَّا أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب بن أُميَّة كَانَ ماثلا إِلَى عَليّ فِي ذَلِك الْوَقْت عصبية لِلْقَرَابَةِ لَا تديناً وَكَانَ ابْنه يزِيد وخَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ والْحَارث بن هِشَام ابْن الْمُغيرَة المَخْزُومِي مائلين إِلَى الْأَنْصَار تديناً وَالْأَنْصَار قتلوا أَبَا جهل بن هِشَام أَخَاهُ وَقد كَانَ مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة بن عتبَة بن ربيعَة شَدِيد الْميل إِلَى عَليّ حِين قصَّة عُثْمَان وَبعدهَا حَتَّى قبله مُعَاوِيَة على ذَلِك فعرفونا من قتل عَليّ من بني تيم بن مرّة أَو من عدي بن كَعْب حَتَّى يظنّ أهل القحة أَنَّهُمَا حقدا عَلَيْهِ ثمَّ أخبرونا من قتل من الْأَنْصَار أَو من جرح مِنْهُم أَو من أَذَى مِنْهُم ألم يَكُونُوا مَعَه فِي تِلْكَ الْمشَاهد كلهَا بَعضهم مُتَقَدم وَبَعْضهمْ مسَاوٍ لَهُ وَبَعْضهمْ مُتَأَخّر عَنهُ فَأَي حقد كَانَ لَهُ فِي قُلُوب الْأَنْصَار حَتَّى يتفقوا كلهم على جحد النَّص عَلَيْهِ وعَلى إبِْطَال حَقه وعَلى ترك كرّ اسْمه جملَة واينار سعد بن عبَادَة عَلَيْهِ ثمَّ على إِيثَار أبي بكر وَعمر عَلَيْهِ والمسارعة إِلَى بيعَته بالخلافة دونه وَهُوَ مَعَهم وَبَين أظهرهم يورنه غدواً وعشياً لَا يحول بَينهم وَبَينه أحد ثمَّ أخبرونا من قتل عَليّ من أقَارِب أَولا الْمُهَاجِرين من الْعَرَب من مُضر وَرَبِيعَة وَالْيَمِين وقضاعة حَتَّى يصفقوا (١) كلهم على كَرَاهِيَة وَلَا يته ويتفقوا كلهم على جحد النَّص عَلَيْهِ إِن هَذِه لعجائب لَا يُمكن اتِّفَاق مثلهَا فِي الْعَالم أصلا وَلَقَد كَانَ لطلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد بن أبي وَقاص من الْقَتْل فِي الْمُشْركين كَالَّذي كَانَ لعَلي فَمَا الَّذِي خصّه باعتقاد الأحقاد لَهُ دونهم لَو كَانَ للروافض حَيَاء أَو عقل وَلَقَد كَانَ لأبي بكر ﵀ وَرَضي عَنهُ فِي مضادة قُرَيْش فِي الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام مَا لم يكن لعَلي فَمَا مَنعهم ذَلِك من بيعَته وَهُوَ أَسْوَأ النَّاس أثرا عِنْد كفارهم وَلَقَد كَانَ لعمر بن الْخطاب ﵁ فِي مغالبة كفار قُرَيْش وإعلانه الْإِسْلَام على زعمهم مَا لم يكن لعَلي ﵁ فليت شعري مَا الَّذِي أوجب أَن ينسى آثارها هَؤُلَاءِ كلهم ويعادوا عليا من بَينهم كلهم لَوْلَا قلَّة حَيَاء الروافض وَصِفَاته وجهودهم حَتَّى بلغ الْأَمر بهم إِلَى أَن عدوا على سعد بن أبي وَقاص وَابْن عمر وَأُسَامَة بن زيد مولى رَسُول الله ﷺ وَرَافِع بن خديج الْأنْصَارِيّ وَمُحَمّد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ وَزيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ وَأبي هُرَيْرَة وَأبي الدَّرْدَاء وَجَمَاعَة غير هَؤُلَاءِ من الْمُهَاجِرين لم يبايعوا عليا إِذْ ولي الْخلَافَة ثمَّ بَايعُوا مُعَاوِيَة وَيزِيد ابْنه من أدْركهُ وَادعوا أَن تِلْكَ الأحقاد حملنهم على ذَلِك (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) حمق الرافضة وَشدَّة ظلمَة جهلهم وَقلة حياتهم هورهم فِي الدمار والبوار والعار وَالنَّار وَقلة المبالاة بالفضائح وليت شعري أَي حماسة وَأي كلمة حَسَنَة كَانَت بَين عَليّ وَبَين هَؤُلَاءِ أَو أحد مِنْهُم وَإِنَّمَا كَانَ هَؤُلَاءِ وَمن جرى مجراهم لَا يرَوْنَ بيعَة فِي فرقة فَلَمَّا اتّفق الْمُسلمُونَ على مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ كَائِنا من كَانَ دخلُوا فِي الْجَمَاعَة وَهَكَذَا فعل من أدْرك من هَؤُلَاءِ ابْن الزبير ﵁ ومروان فَإِنَّهُم قعدوا عَنْهُمَا فَلَمَّا انْفَرد عبد الْملك بن

стр. 530

مَرْوَان بَايعه من أدْركهُ مِنْهُم لأرضا عَنهُ وَلَا عَدَاوَة لإبن زبير وَلَا تَفْصِيلًا لعبد الْملك عَليّ ابْن الزبير لَكِن لما ذكرنَا وَهَكَذَا كَانَ أَمرهم فِي عَليّ وَمُعَاوِيَة فلاحت لوكة هَؤُلَاءِ المجانين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا زيد بن حَارِثَة قتل يَوْم بدر حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان وَهَذَا الزبير الْعَوام قتل يَوْم بَدْرًا أَيْضا عُبَيْدَة بن سعيد بن الْعَاصِ وَهَذَا عمر بن الْخطاب قتل يَوْمئِذٍ الْعَاصِ بن هِشَام بن الْمُغيرَة فَهَلا عاداهم أهل هَؤُلَاءِ المقتولين وَمَا إِلَى خص عليا أَوْلِيَاء من قتل دون سَائِر من قُلْنَا لَوْلَا جُنُون الرافضة وَعدم الْحيَاء من وُجُوههم ثمَّ لَو كَانَ على مَا ذَكرُوهُ حَقًا فَمَا الَّذِي كَانَ دَعَا عمر إِلَى إِدْخَاله فِي الشورى مَعَ من أدخلهُ فِيهَا وَلَو أخرجه مِنْهَا كَمَا أخرج سعيد بن زيد أَو قصد إِلَى رجل غَيره فولاه مَا اعْترض عَلَيْهِ أحد فِي ذَلِك بِكَلِمَة فصح ضَرُورَة بِكُل مَا ذكرنَا أَن الْقَوْم أنزلوه مَنْزِلَته غير عالين وَلَا مقصرين ﵃ أَجْمَعِينَ وَأَنَّهُمْ قدمُوا الأحق فَالْحق وَالْأَفْضَل فَالْأَفْضَل وساوه بنظرائه مِنْهُم ثمَّ أوضح برهَان وَأبين بَيَان فِي بطلَان أكاذيب الرافضة أَن عليا ﵁ لما ادعِي إِلَى نَفسه بعد قتل عُثْمَان ﵁ سارعت طوائف الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار إِلَى بيعَته فَهَل كرّ أحد من النَّاس أَنْت أحدا مِنْهُم اعتذر إِلَيْهِ مِمَّا سلف من بيعتهم لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان أَو هَل تَابَ أحد مِنْهُم من جَحده للنَّص على إِمَامَته أَو قَالَ أحد مِنْهُم لقد ذكرت هَذَا النَّص الَّذِي كنت أنسيته فِي أَمر هَذَا الرجل أَن عقولاً خَفِي عَلَيْهَا هَذَا الظَّاهِر اللائح لعقول مخذولة لم يرد الله أَن يهديها ثمَّ مَاتَ عمر ﵁ وَترك الْأَمر شُورَى بَين سِتَّة من الصَّحَابَة عَليّ أحدهم وَلم يكن فِي تِلْكَ الْأَيَّام الثَّلَاثَة سُلْطَان يخَاف وَلَا رَئِيس يتوقى وَلَا مَخَافَة من أحد وَلَا جند معد للتغلب أفترى لَو كَانَ لعَلي ﵁ حق ظَاهر يخْتَص بِهِ وَمن نَص عَلَيْهِ من رَسُول الله ﷺ أَو من فضل بَائِن على من مَعَه ينْفَرد بِهِ عَنْهُم أما كَانَ الْوَاجِب على عَليّ أَن يَقُول أَيهَا النَّاس كم هَذَا الظُّلم لي وَكم هَذَا الكتمان بحقي وَكم هَذَا الْجحْد لنَصّ رَسُول الله ﷺ وَكم هَذَا الْإِعْرَاض عَن فضلي الْبَائِن على هَؤُلَاءِ المقرونين بِي فَإِذا لم يفعل لَا يدْرِي لماذا أما كَانَ فِي بني هَاشم أحد لَهُ دين يَقُول هَذَا الْكَلَام أما الْعَبَّاس عَمه وَجَمِيع الْعَالمين على توقيره وتعظيمه حَتَّى أَن عمر نوسل بِهِ إِلَى الله تَعَالَى بِحَضْرَة النَّاس فِي الاسْتِسْقَاء وَأما أحد بنيه وَأما عقيل أَخُوهُ وَأما أحد بني جَعْفَر أَخِيه أَو غَيرهم فَإِذا لم يكن فِي بني هَاشم أحد يَتَّقِي الله وَلَا يَأْخُذهُ فِي قَول الْحق مداهنة أما كَانَ فِي جَمِيع أهل الْإِسْلَام من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَغَيرهم وَاحِد يَقُول يَا معشر الْمُسلمين قد زَالَت الرَّقَبَة وَهَذَا عَليّ لَهُ حق وَاجِب بِالنَّصِّ وَله فضل بَائِن ظَاهر لَا يمترى فِيهِ فَبَايعُوهُ فَأمر وَبَين أَن اتِّفَاق جَمِيع الْأمة أَولهَا عَن آخرهَا من برقة إِلَى أول خُرَاسَان وَمن الجزيرة إِلَى أقْصَى الْيَمين إِذْ بَلغهُمْ الْخَبَر على السُّكُوت عَن حق هَذَا الرجل واتفاقهم على ظلمه وَمنعه من حَقه وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْء يخافونه لإحدى عجائب الْمحَال الْمُمْتَنع وَفِيهِمْ إِلَى بَايعُوهُ بعد ذَلِك إِذْ صَار الْحق حَقه وَقتلُوا أنفسهم دونه فَأَيْنَ كَانُوا عَن إِظْهَار مَا تنبهت لَهُ الروافض الأنذال ثمَّ الْعجب إِذْ كَانَ غيظهم عَلَيْهِ هَذَا الغيظ واتفاقهم على جَحده حَقه هَذَا الِاتِّفَاق كَيفَ تورعوا عَن قَتله ليستريحوا مِنْهُ أم كَيفَ أكرموه وبروه وأدخلوه فِي الشورى وقا لهشام بن الحكم كَيفَ يحسن الظَّن بالصحابة أَن لَا يكتموا النَّص على عَليّ وهم قد اقْتَتَلُوا وَقتل بَعضهم بَعْضًا فَهَل يحسن بهم الظَّن فِي هَذَا
следующие страницы →