← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا لَا شكّ فِيهِ وَذَلِكَ مَعْرُوف ببراهينه الْوَاضِحَة واعلامه المعجزة وآياته الباهرة وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب رَسُول الله ﷺ إِلَيْنَا تبيان دينه الَّذِي ألزمنا إِيَّاه ﷺ فَكَانَ كَلَامه وعهوده وَمَا بلغ من كَلَام الله تَعَالَى حجَّة نَافِذَة معصومة من كل آفَة أَتَى بِحَضْرَتِهِ وَإِلَى من كَانَ فِي حَيَاته غَائِبا عَن حَضرته وَإِلَى كل من يَأْتِي بعد مَوته ﷺ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من جن وإنس قَالَ ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ فَهَذَا نَص مَا قُلْنَا اتِّبَاع أحد دون رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَى فرض الْإِمَامَة لتنفيذ الإِمَام عهود الله تَعَالَى الْوَارِدَة إِلَيْنَا على من عِنْده فَقَط لَا لِأَن يَأْتِي النَّاس مَا لَا يشاؤنه فِي مَعْرفَته من الدّين الَّذِي أَتَاهُم بِهِ رَسُول الله ﷺ وَوجدنَا عليا ﵁ إِذْ دعِي إِلَى التحاكم إِلَى الْقُرْآن أجَاب وَأخْبر أَن التحاكم إِلَى الْقُرْآن حق فَإِن كَانَ عَليّ صَوَاب فِي لَك فَهُوَ قَوْلنَا وَإِن كَانَ أجَاب وَأخْبر أَن التحاكم إِلَى الْقُرْآن فَإِن كَانَ عَليّ أصَاب فِي ذَلِك فَهُوَ قَوْلنَا وَإِن كَانَ أجَاب إِلَى الْبَاطِل فَهَذِهِ غير صفته ﵁ وَلَو كَانَ التحاكم إِلَى الْقُرْآن لَا يجوز بِحَضْرَة الإِمَام لقَالَ عَليّ حِينَئِذٍ كَيفَ تطلبون تحكيم الْقُرْآن وَأَنا الإِمَام الْمبلغ عَن رَسُول الله ﷺ فَإِن قَالُوا إِذْ مَاتَ رَسُول الله ﷺ فَلَا بُد من إِمَام يبلغ الدّين قُلْنَا هَذَا بَاطِل وَدَعوى بِلَا برهَان وَقَول لَا دَلِيل على صِحَّته وَإِنَّمَا الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ أهل الأَرْض من رَسُول الله ﷺ ببيانه وتبليغه فَقَط سَوَاء فِي ذَلِك من كَانَ بِحَضْرَتِهِ وَمن غَابَ عَنهُ وَمن جَاءَ بعده إِذْ لَيْسَ فِي شخصه ﷺ إِذا لم يتَكَلَّم بَيَان عَن شَيْء من الدّين فَالْمُرَاد مِنْهُ ﵇ كَلَام بَاقٍ أبدا مبلغ إِلَى كل من فِي الأَرْض وَأَيْضًا فلوا كَانَ مَا قَالَ أَمن الْحَاجة إِلَى إِمَام مَوْجُودا بدا لَا ننقض ذَلِك عَلَيْهِم بِمن كَانَ غَائِبا عَن حَضْرَة الإِمَام فِي أقطار الأَرْض إِذْ لَا سَبِيل إِلَى أَن يُشَاهد الإِمَام جَمِيع أهل الأَرْض الَّذين فِي الْمشرق وَالْمغْرب من فَقير وَضَعِيف وَامْرَأَة ومرسض ومشغول بمعاشه الَّذِي يضيع إِن أغفله فَلَا بُد من التَّبْلِيغ عَن الإِمَام فالتبيلغ عَن رَسُول الله ﷺ أولى بالاتباع من التَّبْلِيغ عَمَّن هُوَ دونه وَهَذَا مَا لَا انفكاك لَهُم مِنْهُ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) لَا سِيمَا وَجَمِيع أئمتهم الَّذين يدعونَ بعد عَليّ وَالْحسن وَالْحُسَيْن ﵃ مَا أمروا قطّ فِي غير منَازِل سكناهم وَمَا حكمُوا على قَرْيَة فَمَا فَوْقهَا بِحكم فَمَا الْحَاجة إِلَيْهِم لَا سِيمَا مذ مائَة عَام وَثَمَانِينَ عَاما فَإِنَّهُم يدعونَ إِمَامًا ضَالًّا لم يخلق كعنقاء مغرب وهم أولو فحش وقحة وبهتان وَدَعوى كَاذِبَة لم يعجز عَن مثلهَا أحد وَأَيْضًا فَإِن الإِمَام الْمَعْصُوم لَا يعرف أَنه مَعْصُوم إِلَّا بمعجزة ظَاهِرَة عَلَيْهِ أَو بِنَصّ تنقله الْعلمَاء عَن النَّبِي ﷺ على كل إِمَام بِعَيْنِه واسْمه وَنسبه وَإِلَّا فَهِيَ دَعْوَى لَا يعجز عَن مثلهَا أحد لنَفسِهِ أَو لمن شَاءَ وَلَقَد يلْزم كل ذِي عقل سليم أَن يرغب بِنَفسِهِ عَن اعْتِقَاد هَذَا الْجَهْل الغث الْبَارِد السخيف الَّذِي ترْتَفع عقول الصّبيان عَنهُ وَمَا توفيقنا إِلَّا بِاللَّه وبرهان آخر ضَرُورِيّ وَهُوَ أَن رَسُول الله

стр. 527

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَاتَ وَجُمْهُور الصَّحَابَة ﵃ حاشا من كَانَ مِنْهُم فِي النواحي يعلم النَّاس الدّين فَمَا مِنْهُم أحد أَشَارَ إِلَى عَليّ بِكَلِمَة يذكر فِيهَا أَن رَسُول الله ﷺ نَص عَلَيْهِ وَلَا ادّعى ذَلِك عَليّ قطّ لَا فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَا بعده وَلَا إدعاء لَهُ أحد فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَا بعده وَلَا ادَّعَاهُ لَهُ أحد فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَا بعده وَمن الْمحَال الْمُمْتَنع الَّذِي لَا يُمكن الْبَتَّةَ وَلَا يجوز اتِّفَاق أَكثر من عشْرين ألف إِنْسَان متْنا بِذِي الهمم والنيات والأنساب أَكْثَرهم موتور فِي صَاحبه فِي الدِّمَاء من الْجَاهِلِيَّة على طي على عهد عاهده رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِم وَمَا وجدنَا قطّ رِوَايَة عَن أحد بِهَذَا النَّص الْمُدعى إِلَّا رِوَايَة وَاحِدَة واهية عَن مجهولين إِلَى مَجْهُول يكنى بالحمراء لَا يعرف من هُوَ فِي الْخلق وَوجدنَا عليا ﵁ تَأَخّر عَن الْبيعَة سِتَّة أشهر فَمَا أكرهه أَبُو بكر على الْبيعَة حَتَّى بَايع طَائِعا مراجعاً غير مكره فَكيف حل لعي ﵁ عِنْد هَؤُلَاءِ النوكي أَن يُبَايع طَائِعا رجلا إِمَّا كَافِرًا وَإِمَّا فَاسِقًا جاحداً لنَصّ رَسُول الله ﷺ ويعينه على أمره ويجالسه فِي مجالسه ويواليه إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ يُبَايع بعده عمر بن الْخطاب مبادراً غير متاردد سَاعَة فَمَا فَوْقهَا غير مركه بل طَائِعا وَصَحبه وأعانه على أمره وانكحه من ابْنَته فَاطِمَة ﵂ ثمَّ قبل ادخاله فِي الشورى أحد سِتَّة رجال فَكيف حل لعَلي عِنْد هَؤُلَاءِ الْجُهَّال أَن يُشَارك بِنَفسِهِ فِي شُورَى ضَالَّة وَكفر ويغر الْأمة هَذَا الْغرُور وَهَذَا الْأَمر أدّى أَبَا كَامِل إِلَى تَكْفِير عَليّ بن أبي طَالب ﵁ لِأَنَّهُ فِي زَعمه أعَان الْكفَّار على كفرهم وأيدهم على كتمان الدّيانَة وعَلى مَا لَا يتم الدّين إِلَّا بِهِ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلَا يجوز أَن يظنّ بعلي ﵁ انه أمسك عَن ذكر النَّص عَلَيْهِ خوف الْمَوْت وَهُوَ الْأسد شجاعة قد عرض نَفسه للْمَوْت بَين يَدي رَسُول الله ﷺ مَرَّات ثمَّ يَوْم الْجمل وصفين فَمَا الَّذِي جبنه بَين هَاتين الْحَالَتَيْنِ وَمَا الَّذِي ألف بَين بصائر النَّاس على كتمان حق عَليّ وَمنعه مَا هُوَ أَحَق بِهِ مذ مَاتَ رَسُول الله ﷺ إِلَى أَن قتل عُثْمَان ﵁ ثمَّ مَا الَّذِي جلى بصائرهم فِي عونه إِذْ دَعَا إِلَى نَفسه فَقَامَتْ مَعَه طوائف من الْمُسلمين عَظِيمَة وبذلوا دِمَاءَهُمْ دونه ورأوه حِينَئِذٍ صَاحب الْأَمر وَالْأولَى بِالْحَقِّ مِمَّن نازعه فَمَا الَّذِي مَنعه ومنعهم من الْكَلَام وَإِظْهَار النَّص الَّذِي يَدعِيهِ الكذابون إِذْ مَاتَ عمر ﵁ وَبَقِي النَّاس بِلَا رَأس ثَلَاثَة أَيَّام أَو يَوْم السَّقِيفَة وأظرف من هَذَا بَقَاؤُهُ ممسكاً عَن بيعَة أبي بكر ﵁ سِتَّة أشهر فَمَا سَأَلَهَا وَلَا أجبر عَلَيْهَا وَلَا كلفها وَهُوَ يتَصَرَّف بَينهم فِي أُمُوره فلولا أَنه رأى أَحَق فِيهَا واستدرك أمره فَبَايع طَالبا حفظه نَفسه فِي دينه رَاجعا إِلَى الْحق لما بَايع فَإِن قَالَت الروافض أَنه بعد سِتَّة أشهر رأى الرُّجُوع إِلَى الْبَاطِل فَهَذَا هُوَ الْبَاطِل حَقًا لَا مَا فعل عَليّ ﵁ ثمَّ ولى عَليّ ﵁ فَمَا غير حكما من أَحْكَام أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَلَا أبطل عهدا من عهودهم وَلَو كَانَ ذَلِك عِنْده بَاطِلا لما كَانَ فِي

стр. 528

سَعَة من أَن يمْضِي الْبَاطِل وينفذه وَقد ارْتَفَعت التقية عَنهُ وَأَيْضًا فقد نَازع الْأَنْصَار ﵃ أَبَا بكر ﵁ ودعوا إِلَى بيعَة سعد بن عبَادَة ﵃ ودعا الْمُهَاجِرُونَ إِلَى بيعَة أبي بكر رَضِي الله عَن جَمِيعهم وَقعد عَليّ ﵁ فِي بَيته لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ لَيْسَ مَعَه أحد غير الزبير بن الْعَوام ثمَّ استبان الْحق للزبير ﵁ فَبَايع سَرِيعا وَبَقِي عَليّ وَحده لَا يرقب عَلَيْهِ وَلَا يمْنَع من لِقَاء النَّاس وَلَا يمْنَع من لِقَائِه فَلَا يَخْلُو رُجُوع الْأَنْصَار كلهم إِلَى بيعَة أبي بكر من أَن يكون عَن غَلَبَة أَو عَن ظُهُور حَقه إِلَيْهِم فَأوجب ذَلِك الانقياد لبيعته أَو فعلوا ذَلِك مطارفة لغير معنى وَلَا سَبِيل إِلَى قسم رَابِع بِوَجْه من الْوُجُوه فَإِن قَالُوا بَايعُوهُ بِغَلَبَة كذبُوا لِأَنَّهُ لم يكن هُنَالك قتال لَا تضارب وَلَا سباب وَلَا تهديد وَلَا وَقت طَوِيل يَنْفَسِخ للوعيد وَلَا سلَاح مَأْخُوذ ومحال أَن يتْرك أَزِيد من ألفي فَارس أنجاد أبطال كلهم عشيرة وَاحِدَة قد ظهر من شجاعتهم مَا لَا مرمى وَرَاءه وَهُوَ أَنهم بقو ثَمَانِيَة أَعْوَام مُتَّصِلَة محاربين لجَمِيع الْعَرَب فِي أقطار بِلَادهمْ موطنين على الْمَوْت متعرضين مَعَ ذَلِك للحرب مَعَ قَيْصر وَالروم بمؤنة وَغَيرهَا ولكسرى وَالْفرس ببصرى من يخاطبهم يَدعُوهُ إِلَى اتِّبَاعه وَأَن يكون كَأحد من بَين يَدَيْهِ هَذِه صفة الْأَنْصَار الَّتِي لَا ينكرها إِلَّا رقيع مجاهر بِالْكَذِبِ فَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يرهبوا أَبَا بكر وَرجلَيْنِ أَتَيَا مَعَه فَقَط لَا يرجع إِلَى عشيرة كَثِيرَة وَلَا إِلَى موَالٍ وَلَا إِلَى عصبَة وَلَا مَال فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَهُوَ عِنْدهم مُبْطل وَبَايَعُوهُ بِلَا تردد وَلَا تَطْوِيل وَكَذَلِكَ يبطل أَن يرجِعوا عَن قَوْلهم وَمَا كَانُوا قد رَأَوْهُ من أَن الْحق حَقهم وَعَن بيعَة ابْن عمهم مطارفة بِلَا خوف وَلَا ظُهُور الْحق إِلَيْهِم فَمن الْمحَال اتِّفَاق أهواء هَذَا الْعدَد الْعَظِيم على مَا يعْرفُونَ أَنه بَاطِل دون خوف يضطرهم إِلَى ذَلِك وَدون طمع يتعجلونه من مَال أَو جاه بل فِيمَا فِيهِ ترك الْعِزّ وَالدُّنْيَا والرياسة وَتَسْلِيم كل ذَلِك إِلَى رجل لَا عشيرة لَهُ وَلَا مَنْعَة وَلَا حَاجِب وَلَا حرس على بَابه وَلَا قصر مُمْتَنع فِيهِ وَلَا موَالِي وَلَا مَال فَأَيْنَ كَانَ عَليّ وَهُوَ الَّذِي لَا نَظِير لَهُ فِي الشجَاعَة وَمَعَهُ جمَاعَة من بني هَاشم وَبني الْمطلب من قتل هَذَا الشَّيْخ الَّذِي لَا دَافع دونه لَو كَانَ عِنْده ظَالِما وَعَن مَنعه وزجره بل قد علم وَالله عَليّ ﵁ أَن أَبَا بكر ﵁ على الْحق وَإِن من خَالفه على الْبَاطِل فَإذْ عَن للحق بعد أَن عرضت لَهُ فِيهِ كبوة كَذَلِك الْأَنْصَار ﵃ وَإِذ قد بَطل كل هَذَا فَلم يبْق إِلَّا أَن عليا وَالْأَنْصَار ﵃ إِنَّمَا رجعُوا إِلَى بيعَة أبي بكر ﵃ لبرهان حق صَحَّ عِنْدهم عَن النَّبِي ﷺ لَا لاجتهاد كاجتهادهم وَلَا لظن كظنونهم فَإذْ قد بَطل أَن يكون الْأَمر فِي الْأَنْصَار وزالت الرياسة عَنْهُم فَمَا الَّذِي حملهمْ كلهم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم على أَن يتفقوا على جحد نَص النَّبِي ﷺ على أماة عَليّ وَمن الْمحَال أَن تتفق آرائهم كلهم على مَعُونَة من ظلمهم وغصبهم حَقهم إِلَّا أَن تَدعِي الروافض أَنهم كلهم اتّفق لَهُم نيسان فَهَذِهِ أعجوبة من الْمحَال غير مُمكنَة ثمَّ لَو أمكنت لجَاز لكل أحد أَن يَدعِي فِيمَا شَاءَ من الْمحَال إِنَّه قد كَانَ وَإِن النَّاس كفهم نسوه وَفِي هَذَا ابطال الْحَقَائِق كلهم وَأَيْضًا فَإِن كَانَ جَمِيع أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ اتَّفقُوا على جحد ذَلِك النَّص وكتمانه واتفقت طبائعهم كلهم على نسيانه فَمن أَيْن وَقع الروافض أمره وَمن بلغه إِلَيْهِم وكل هَذَا عَن هوس ومحال فَبَطل أَمر النَّص على عَليّ ﵁ بِيَقِين لَا إِشْكَال فِيهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِن قَالَ قَائِل أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ كَانَ قد قتل الْأَقَارِب بَين يَدي رَسُول الله ﷺ فتولد لَهُ بذلك حقد فِي قُلُوب جمَاعَة من الصَّحَابَة وَلذَلِك انحرفوا عَنهُ قيل لَهُ هَذَا تمويه

стр. 529

ضَعِيف كَاذِب لِأَنَّهُ إِن سَاغَ لكم ذَلِك فِي بني عبد شمس وَبني مَخْزُوم وَبني عبد الدَّار وَبني عَامر لِأَنَّهُ قتل من كل قَبيلَة من هَذِه الْقَبَائِل رجلا أَو رجَالًا فَقتل من بني عَامر بن لؤَي رجلا وَاحِدًا وَهُوَ عَمْرو بن ود وَقتل من بني مَخْزُوم وَبني عبد الدَّار رجَالًا وَقتل من بني عبد شمس الْوَلِيد بن عقبَة وَالْعَاص بن سهل بن الْعَاصِ بِلَا شكّ وشارك فِي قتل عتبَة بن ربيعَة وَقيل قتل عقبَة بن أبي معيط وَقيل قَتله غَيره وَهُوَ عَاصِم بن ثَابت الْأنْصَارِيّ وَلَا مزِيد فقد علم كل من لَهُ أقل من علم بالأخبار أَنه لم يكن لهَذِهِ الْقَبَائِل وَلَا لأحد مِنْهَا يَوْم السَّقِيفَة حل وَلَا عقد وَلَا رَأْي وَلَا أَمر اللَّهُمَّ إِلَّا أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب بن أُميَّة كَانَ ماثلا إِلَى عَليّ فِي ذَلِك الْوَقْت عصبية لِلْقَرَابَةِ لَا تديناً وَكَانَ ابْنه يزِيد وخَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ والْحَارث بن هِشَام ابْن الْمُغيرَة المَخْزُومِي مائلين إِلَى الْأَنْصَار تديناً وَالْأَنْصَار قتلوا أَبَا جهل بن هِشَام أَخَاهُ وَقد كَانَ مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة بن عتبَة بن ربيعَة شَدِيد الْميل إِلَى عَليّ حِين قصَّة عُثْمَان وَبعدهَا حَتَّى قبله مُعَاوِيَة على ذَلِك فعرفونا من قتل عَليّ من بني تيم بن مرّة أَو من عدي بن كَعْب حَتَّى يظنّ أهل القحة أَنَّهُمَا حقدا عَلَيْهِ ثمَّ أخبرونا من قتل من الْأَنْصَار أَو من جرح مِنْهُم أَو من أَذَى مِنْهُم ألم يَكُونُوا مَعَه فِي تِلْكَ الْمشَاهد كلهَا بَعضهم مُتَقَدم وَبَعْضهمْ مسَاوٍ لَهُ وَبَعْضهمْ مُتَأَخّر عَنهُ فَأَي حقد كَانَ لَهُ فِي قُلُوب الْأَنْصَار حَتَّى يتفقوا كلهم على جحد النَّص عَلَيْهِ وعَلى إبِْطَال حَقه وعَلى ترك كرّ اسْمه جملَة واينار سعد بن عبَادَة عَلَيْهِ ثمَّ على إِيثَار أبي بكر وَعمر عَلَيْهِ والمسارعة إِلَى بيعَته بالخلافة دونه وَهُوَ مَعَهم وَبَين أظهرهم يورنه غدواً وعشياً لَا يحول بَينهم وَبَينه أحد ثمَّ أخبرونا من قتل عَليّ من أقَارِب أَولا الْمُهَاجِرين من الْعَرَب من مُضر وَرَبِيعَة وَالْيَمِين وقضاعة حَتَّى يصفقوا (١) كلهم على كَرَاهِيَة وَلَا يته ويتفقوا كلهم على جحد النَّص عَلَيْهِ إِن هَذِه لعجائب لَا يُمكن اتِّفَاق مثلهَا فِي الْعَالم أصلا وَلَقَد كَانَ لطلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد بن أبي وَقاص من الْقَتْل فِي الْمُشْركين كَالَّذي كَانَ لعَلي فَمَا الَّذِي خصّه باعتقاد الأحقاد لَهُ دونهم لَو كَانَ للروافض حَيَاء أَو عقل وَلَقَد كَانَ لأبي بكر ﵀ وَرَضي عَنهُ فِي مضادة قُرَيْش فِي الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام مَا لم يكن لعَلي فَمَا مَنعهم ذَلِك من بيعَته وَهُوَ أَسْوَأ النَّاس أثرا عِنْد كفارهم وَلَقَد كَانَ لعمر بن الْخطاب ﵁ فِي مغالبة كفار قُرَيْش وإعلانه الْإِسْلَام على زعمهم مَا لم يكن لعَلي ﵁ فليت شعري مَا الَّذِي أوجب أَن ينسى آثارها هَؤُلَاءِ كلهم ويعادوا عليا من بَينهم كلهم لَوْلَا قلَّة حَيَاء الروافض وَصِفَاته وجهودهم حَتَّى بلغ الْأَمر بهم إِلَى أَن عدوا على سعد بن أبي وَقاص وَابْن عمر وَأُسَامَة بن زيد مولى رَسُول الله ﷺ وَرَافِع بن خديج الْأنْصَارِيّ وَمُحَمّد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ وَزيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ وَأبي هُرَيْرَة وَأبي الدَّرْدَاء وَجَمَاعَة غير هَؤُلَاءِ من الْمُهَاجِرين لم يبايعوا عليا إِذْ ولي الْخلَافَة ثمَّ بَايعُوا مُعَاوِيَة وَيزِيد ابْنه من أدْركهُ وَادعوا أَن تِلْكَ الأحقاد حملنهم على ذَلِك (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) حمق الرافضة وَشدَّة ظلمَة جهلهم وَقلة حياتهم هورهم فِي الدمار والبوار والعار وَالنَّار وَقلة المبالاة بالفضائح وليت شعري أَي حماسة وَأي كلمة حَسَنَة كَانَت بَين عَليّ وَبَين هَؤُلَاءِ أَو أحد مِنْهُم وَإِنَّمَا كَانَ هَؤُلَاءِ وَمن جرى مجراهم لَا يرَوْنَ بيعَة فِي فرقة فَلَمَّا اتّفق الْمُسلمُونَ على مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ كَائِنا من كَانَ دخلُوا فِي الْجَمَاعَة وَهَكَذَا فعل من أدْرك من هَؤُلَاءِ ابْن الزبير ﵁ ومروان فَإِنَّهُم قعدوا عَنْهُمَا فَلَمَّا انْفَرد عبد الْملك بن

стр. 530

مَرْوَان بَايعه من أدْركهُ مِنْهُم لأرضا عَنهُ وَلَا عَدَاوَة لإبن زبير وَلَا تَفْصِيلًا لعبد الْملك عَليّ ابْن الزبير لَكِن لما ذكرنَا وَهَكَذَا كَانَ أَمرهم فِي عَليّ وَمُعَاوِيَة فلاحت لوكة هَؤُلَاءِ المجانين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا زيد بن حَارِثَة قتل يَوْم بدر حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان وَهَذَا الزبير الْعَوام قتل يَوْم بَدْرًا أَيْضا عُبَيْدَة بن سعيد بن الْعَاصِ وَهَذَا عمر بن الْخطاب قتل يَوْمئِذٍ الْعَاصِ بن هِشَام بن الْمُغيرَة فَهَلا عاداهم أهل هَؤُلَاءِ المقتولين وَمَا إِلَى خص عليا أَوْلِيَاء من قتل دون سَائِر من قُلْنَا لَوْلَا جُنُون الرافضة وَعدم الْحيَاء من وُجُوههم ثمَّ لَو كَانَ على مَا ذَكرُوهُ حَقًا فَمَا الَّذِي كَانَ دَعَا عمر إِلَى إِدْخَاله فِي الشورى مَعَ من أدخلهُ فِيهَا وَلَو أخرجه مِنْهَا كَمَا أخرج سعيد بن زيد أَو قصد إِلَى رجل غَيره فولاه مَا اعْترض عَلَيْهِ أحد فِي ذَلِك بِكَلِمَة فصح ضَرُورَة بِكُل مَا ذكرنَا أَن الْقَوْم أنزلوه مَنْزِلَته غير عالين وَلَا مقصرين ﵃ أَجْمَعِينَ وَأَنَّهُمْ قدمُوا الأحق فَالْحق وَالْأَفْضَل فَالْأَفْضَل وساوه بنظرائه مِنْهُم ثمَّ أوضح برهَان وَأبين بَيَان فِي بطلَان أكاذيب الرافضة أَن عليا ﵁ لما ادعِي إِلَى نَفسه بعد قتل عُثْمَان ﵁ سارعت طوائف الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار إِلَى بيعَته فَهَل كرّ أحد من النَّاس أَنْت أحدا مِنْهُم اعتذر إِلَيْهِ مِمَّا سلف من بيعتهم لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان أَو هَل تَابَ أحد مِنْهُم من جَحده للنَّص على إِمَامَته أَو قَالَ أحد مِنْهُم لقد ذكرت هَذَا النَّص الَّذِي كنت أنسيته فِي أَمر هَذَا الرجل أَن عقولاً خَفِي عَلَيْهَا هَذَا الظَّاهِر اللائح لعقول مخذولة لم يرد الله أَن يهديها ثمَّ مَاتَ عمر ﵁ وَترك الْأَمر شُورَى بَين سِتَّة من الصَّحَابَة عَليّ أحدهم وَلم يكن فِي تِلْكَ الْأَيَّام الثَّلَاثَة سُلْطَان يخَاف وَلَا رَئِيس يتوقى وَلَا مَخَافَة من أحد وَلَا جند معد للتغلب أفترى لَو كَانَ لعَلي ﵁ حق ظَاهر يخْتَص بِهِ وَمن نَص عَلَيْهِ من رَسُول الله ﷺ أَو من فضل بَائِن على من مَعَه ينْفَرد بِهِ عَنْهُم أما كَانَ الْوَاجِب على عَليّ أَن يَقُول أَيهَا النَّاس كم هَذَا الظُّلم لي وَكم هَذَا الكتمان بحقي وَكم هَذَا الْجحْد لنَصّ رَسُول الله ﷺ وَكم هَذَا الْإِعْرَاض عَن فضلي الْبَائِن على هَؤُلَاءِ المقرونين بِي فَإِذا لم يفعل لَا يدْرِي لماذا أما كَانَ فِي بني هَاشم أحد لَهُ دين يَقُول هَذَا الْكَلَام أما الْعَبَّاس عَمه وَجَمِيع الْعَالمين على توقيره وتعظيمه حَتَّى أَن عمر نوسل بِهِ إِلَى الله تَعَالَى بِحَضْرَة النَّاس فِي الاسْتِسْقَاء وَأما أحد بنيه وَأما عقيل أَخُوهُ وَأما أحد بني جَعْفَر أَخِيه أَو غَيرهم فَإِذا لم يكن فِي بني هَاشم أحد يَتَّقِي الله وَلَا يَأْخُذهُ فِي قَول الْحق مداهنة أما كَانَ فِي جَمِيع أهل الْإِسْلَام من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَغَيرهم وَاحِد يَقُول يَا معشر الْمُسلمين قد زَالَت الرَّقَبَة وَهَذَا عَليّ لَهُ حق وَاجِب بِالنَّصِّ وَله فضل بَائِن ظَاهر لَا يمترى فِيهِ فَبَايعُوهُ فَأمر وَبَين أَن اتِّفَاق جَمِيع الْأمة أَولهَا عَن آخرهَا من برقة إِلَى أول خُرَاسَان وَمن الجزيرة إِلَى أقْصَى الْيَمين إِذْ بَلغهُمْ الْخَبَر على السُّكُوت عَن حق هَذَا الرجل واتفاقهم على ظلمه وَمنعه من حَقه وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْء يخافونه لإحدى عجائب الْمحَال الْمُمْتَنع وَفِيهِمْ إِلَى بَايعُوهُ بعد ذَلِك إِذْ صَار الْحق حَقه وَقتلُوا أنفسهم دونه فَأَيْنَ كَانُوا عَن إِظْهَار مَا تنبهت لَهُ الروافض الأنذال ثمَّ الْعجب إِذْ كَانَ غيظهم عَلَيْهِ هَذَا الغيظ واتفاقهم على جَحده حَقه هَذَا الِاتِّفَاق كَيفَ تورعوا عَن قَتله ليستريحوا مِنْهُ أم كَيفَ أكرموه وبروه وأدخلوه فِي الشورى وقا لهشام بن الحكم كَيفَ يحسن الظَّن بالصحابة أَن لَا يكتموا النَّص على عَليّ وهم قد اقْتَتَلُوا وَقتل بَعضهم بَعْضًا فَهَل يحسن بهم الظَّن فِي هَذَا

стр. 531

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلَو علم الْفَاسِق أَن هَذَا القَوْل أعظم حجَّة عَلَيْهِ لم ينْطق بِهَذَا السخف لِأَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أول من قَاتل حِين افترق النَّاس فَكل مَا لحق المقتتلين مِنْهُم من حسن الظَّن بهم أَو من سوء الظَّن بهم فَهُوَ لَا حق لعَلي فِي قِتَاله وَلَا فرق بَينه وَبَين سَائِر الصَّحَابَة فِي لَك كُله وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن خصّه متحكم كَانَ كمن خصّه غَيره مِنْهُم متحكماً وَلَا فرق وَأَيْضًا فَإِن اقتتالهم ﵃ أَو كد برهَان على أَنهم لم يغاروا على مَا رَأَوْهُ بَاطِلا بل قَاتل كل فريق مِنْهُم على مَا رَأَوْهُ حَقًا وَرَضي بِالْمَوْتِ دون الصَّبْر على خلاف مَا عِنْده وَطَائِفَة مِنْهُم قعدت إِذْ لم تَرَ الْحق فِي الْقِتَال فَدلَّ عَليّ بِأَنَّهُ لَو كَانَ عِنْدهم نَص على عَليّ أَو عِنْد وَاحِد مِنْهُم لأظهروه أَو لأظهره كَمَا أظهرُوا مَا رَأَوْا أَن يبدلوا أنفسهم لِلْقِتَالِ وَالْمَوْت دونه فَإِن قَالُوا قد أقررتم أَنه لَا بُد من إِمَام فَبِأَي شَيْء يعرف الإِمَام لَا سِيمَا وَأَنْتُم خَاصَّة معشر أهل الظَّاهِر لَا تأخذون إِلَّا بِنَصّ قُرْآن أَو خبر صَحِيح وَهَذَا أَيْضا مِمَّا سَأَلنَا عَنهُ أَصْحَاب الْقيَاس والرأي (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن رَسُول الله ﷺ نَص على وجوب الْإِمَامَة وَأَنه لَا يحل بَقَاء لَيْلَة دون بيعَة وافترض علينا بِنَصّ قَوْله الطَّاعَة للقرشي إِمَامًا وَاحِد أَلا يُنَازع إِذا قادنا بِكِتَاب الله فصح من هَذِه النُّصُوص النَّص على صفة الإِمَام الْوَاجِب طَاعَته كَمَا صَحَّ النَّص على صفة الإِمَام الْوَاجِب طَاعَته كَمَا صَحَّ النَّص على صفة الشُّهُود فِي الْأَحْكَام وَصفَة الْمَسَاكِين والفقراء الْوَاجِب لَهُم الزَّكَاة وَصفَة من يؤم فِي الصَّلَاة وَصفَة من يجوز نِكَاحهَا من النِّسَاء وَكَذَلِكَ سَائِر الشَّرِيعَة كلهَا وَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر الْأَسْمَاء إِذْ لم يكلفنا الله ذَلِك فَكل قرشي بَالغ عَاقل بَادر إِثْر موت الإِمَام الَّذِي لم يعْهَد إِلَى أحد فَبَايعهُ وَاحِد فَصَاعِدا فَهُوَ الإِمَام الْوَاجِب طَاعَته مِمَّا قادنا بِكِتَاب الله تَعَالَى وبسنة رَسُول الله ﷺ الَّذِي أَمر الْكتاب باتباعها فَإِن زاغ عَن شَيْء مِنْهُمَا منع من ذَلِك وأقيم الْحَد وَالْحق فَإِن لم يُؤثر أَذَاهُ إِلَّا بخلعه خلع وَولي غَيره وَمِنْهُم فَإِن قَالُوا قد اخْتلف النَّاس فِي تَأْوِيل الْقُرْآن وَالسّنة وَمنع من تأويلهما بِغَيْر نَص آخر قُلْنَا أَن التَّأْوِيل الَّذِي لم يقم عَلَيْهِ برهَان تَحْرِيف الْكَلم عَن موَاضعه وَقد جَاءَ النَّص بِالْمَنْعِ من ذَلِك وَلَيْسَ الِاخْتِلَاف حجَّة وَإِنَّمَا الْحجَّة فِي نَص الْقُرْآن وَالسّنَن وَمَا اقْتَضَاهُ لَفْظهمَا الْعَرَبِيّ الَّذِي خوطبنا بِهِ وَبِه ألزمتنا الشَّرِيعَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ثمَّ نسألهم فَنَقُول لَهُم أَن عُمْدَة احتجاجكم فِي إِيجَاب إمامتكم الَّتِي تدعيها جَمِيع فرقكم إِنَّمَا هِيَ وَجْهَان فَقَط أَحدهمَا النَّص الَّذِي عَلَيْهِ باسمه وَالثَّانِي شدَّة الْفَاقَة إِلَيْهِ فِي بَيَان الشَّرِيعَة إِذْ علمهَا عِنْده لَا عِنْد غَيره وَلَا مزِيد فَأَخْبرُونِي بِأَيّ شَيْء صَار مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن أولى بِالْإِمَامَةِ من أخوته زيد وَعَمْرو وَعبد الله وَعلي وَالْحُسَيْن فَإِن ادعوا نصا من أَبِيه عَلَيْهِ أَو من النَّبِي ﷺ أَنه الباقر لم يكن ذَلِك ببدع من كذبهمْ وَلم يَكُونُوا أولى بِتِلْكَ الدَّعْوَى من الكيسانية فِي دَعوَاهُم النَّص على ابْن حنيفَة وَإِن ادعوا أَنه كَانَ أفضل من اخوته كَانَت أَيْضا دَعْوَى بِلَا برهَان وَالْفضل لَا يقطع على مَا عِنْد الله فِيهِ بِمَا يَبْدُو من الْإِنْسَان فقد يكون بَاطِنه خلاف ظَاهر وَكَذَلِكَ يسْأَلُون أَيْضا مَا الَّذِي جعل مُوسَى بن جَعْفَر أولى بِالْإِمَامَةِ من أَخِيه مُحَمَّد وَإِسْحَاق أَو عَليّ فَلَا يَجدونَ إِلَى غير الدَّعْوَى سَبِيلا وَكَذَلِكَ أَيْضا يسْأَلُون مَا إِلَى خص عَليّ بن مُوسَى بِالْإِمَامَةِ دون اخوته وهم سَبْعَة عشر ذكرا فَلَا يَجدونَ شَيْئا غير الدَّعْوَى وَكَذَلِكَ يسْأَلُون مَا الَّذِي جعل مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى أولى بِالْإِمَامَةِ من أَخِيه عَليّ بن عَليّ وَمَا إِلَى جعل عَليّ بن مُحَمَّد أولى بِالْإِمَامَةِ من أَخِيه مُوسَى بن مُحَمَّد وَمَا

стр. 532

الَّذِي جعل الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى أَحَق بِالْإِمَامَةِ من أَخِيه جَعْفَر بن عَليّ فَهَل هَا هُنَا شَيْء غير الدَّعْوَى الكاذبة الَّتِي لَا حَيَاء لصَاحِبهَا وَالَّتِي لَو ادّعى مثلهَا مُدع لِلْحسنِ ابْن الْحسن ولعَبْد الله بن الْحسن أَو لِأَخِيهِ الْحسن بن الْحسن أَو لإبن عَليّ بن الْحسن أَو لمُحَمد بن عبد الله الْقَائِم بِالْمَدِينَةِ أَو لِأَخِيهِ إِبْرَاهِيم أَو لرجل من ولد الْعَبَّاس أَو من بني أُميَّة أَو من أَي قوم من النَّاس كَانَ لساواهم فِي الحماقة وَمثل هَذَا لَا يشْتَغل بِهِ من لَهُ مسكة من عقل أَو منحة من دين وَلَو قلت أَو رقْعَة من الْحيَاء فَبَطل وَجه النَّص وَأما وَجه الْحَاجة إِلَيْهِ فِي بَيَان الشَّرِيعَة فَمَا ظهر قطّ من أَكثر أئمتهم بَيَان لشَيْء مِمَّا اخْتلف فِيهِ النَّاس وَمَا بأيدهم من ذَلِك شَيْء إِلَّا دعاوي مفتعلة قد اخْتلفُوا أَيْضا فِيهَا كَمَا اخْتلف غَيرهم من الْفرق بِسَوَاء سَوَاء إِلَّا أَنهم أَسْوَأ حَالا من غَيرهم لِأَن كل من قلد إنْسَانا كأصحاب أبي حنيفَة لأبي حنيفَة وَأَصْحَاب مَالك لمَالِك وَأَصْحَاب الشَّافِعِي للشَّافِعِيّ وَأَصْحَاب أَحْمد لِأَحْمَد فَإِن لهَؤُلَاء الْمَذْكُورين أصحاباً مشاهير نقلت عَنْهُم أَقْوَال صَاحبهمْ ونقلوها هم عَنهُ وَلَا سَبِيل إِلَى اتِّصَال خبر عِنْدهم ظَاهر مَكْشُوف يضْطَر الْخصم إِلَى أَن هَذَا قَول مُوسَى بن جَعْفَر وَلَا أَنه قَول عَليّ بن مُوسَى وَلَا أَنه قَول مُحَمَّد بن مُوسَى وَلَا أَنه قَول عَليّ بن مُحَمَّد وَأَنه قَول الْحسن بن عَليّ وَأما من بعد الْحسن بن عَليّ فَعدم بِالْكُلِّيَّةِ وحماقة ظَاهِرَة وَأما من قبل مُوسَى ابْن جَعْفَر فَلَو جمع كل مَا روى فِي الْفِقْه عَن الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄ لما أبلغ أوراق فَمَا ترى الْمصلحَة الَّتِي يدعونها فِي إمَامهمْ ظَهرت وَلَا نفع الله تَعَالَى بهَا قطّ فِي علم وَلَا عمل لَا عِنْدهم وَلَا عِنْد غَيرهم وَلَا ظهر مِنْهُم بعد الْحُسَيْن ﵁ من هَؤُلَاءِ الَّذين سموا وَاحِدًا وَلَا أَمر مِنْهُم أحد قطّ بِمَعْرُوف معلن وَقد قَرَأنَا صفة هَؤُلَاءِ المخالين المنتمين إِلَى الإمامية الْقَائِلين بِأَن الدّين عِنْد أئمتهم فَمَا رَأينَا إِلَّا دعاوي بَارِدَة وآراء فَاسِدَة كأسخف مَا يكون من الْأَقْوَال وَلَا يَخْلُو هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الَّذين يذكرُونَ من أَن يَكُونُوا مأمورين بِالسُّكُوتِ أَو مفسوحاً لَهُم فِيهِ فَإِن يَكُونَا مأمورين بِالسُّكُوتِ فقد أُبِيح للنَّاس الْبَقَاء فِي الضلال وَسَقَطت الْحجَّة فِي الدّيانَة عَن جَمِيع النَّاس وَبَطل الدّين وَلم يلْزم فرض الْإِسْلَام وَهَذَا كفر مُجَرّد وهم لَا يَقُولُونَ بِهَذَا أَو يَكُونُوا مأمورين بالْكلَام وَالْبَيَان فقد عصوا الله إِذْ سكتوا وَبَطلَت إمامتهم وَقد لَجأ بَعضهم إِذْ سئلوا عَن صِحَة دَعوَاهُم فِي الْأَئِمَّة إِلَى أَن ادعوا الإلهام فِي ذَلِك فَإذْ قد صَارُوا إِلَى هَذَا الشغب فَإِنَّهُ لَا يضيق عَن أحد من النَّاس وَلَا يعجز خصومهم عَن أَن سدعوا أَنهم ألهموا بطلَان دَعوَاهُم قَالَ هِشَام بن الحكم لَا بُد أَن يكون فِي أخوة افمام آفَات يبين بهَا أَنهم لَا يسْتَحقُّونَ الْإِمَامَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذِه دَعْوَى مَرْدُودَة تزيد فِي الحماقة وَلَا نَدْرِي فِي زيد وَعَمْرو وَعبد الله وَالْحسن وَعلي بن عَليّ بن الْحُسَيْن آفَات تمنع إِلَّا أَن الْحسن أَخا زيد وَمُحَمّد كَانَ أعرج وَمَا علمنَا أَن العرج عيب يمْنَع من الْإِمَامَة إِنَّمَا هُوَ عيب فِي العبيد المتخين للمشي وَمَا يعجز خصومهم أَن يدعوا فِي مُحَمَّد بن عَليّ وَفِي جَعْفَر بن مُحَمَّد وَفِي سَائِر أئمتهم تِلْكَ الْآفَات الَّتِي ادَّعَاهَا هِشَام لأخوتهم ثمَّ أَن بعض أئمتهم الْمَذْكُورين مَاتَ أَبوهُ وَهُوَ ابْن ثَلَاث سِنِين فنسألهم من أَيْن علم هَذَا الصَّغِير جمع علم الشَّرِيعَة وَقد عدم تَوْقِيف أَبِيه لَهُ عَلَيْهَا لصغره فَلم يبْق إِلَّا أَن يدعوا لَهُ الْوَحْي فَهَذِهِ نبوة وَكفر صَرِيح وهم لَا يبلغون إِلَى أَن يدعوا لَهُ النُّبُوَّة وَأَن يدعوا لَهُ معْجزَة تصحح قَوْله فَهَذِهِ دَعْوَى بَاطِلَة مَا ظهر مِنْهَا فِي شَيْء أَو يدعوا لَهُ الإلهام فَمَا يعجز أحد عَن هَذِه الدَّعْوَى

стр. 533

لكل أمة عَملهَا إِلَّا وجود من يعْتَقد هَذَا الْأَقْوَال السخيفة لَكَانَ أقوى حجَّة وأوضح برهَان وَإِلَّا فَمَا خلق الله عقلا يسع فِيهِ مثل هَذِه الحماقات وَالْحَمْد لله على عَظِيم مِنْهُ علينا وَهُوَ المسؤول مِنْهُ دوامها بمنه آمين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الْأَمر فِي الْإِمَامَة على مَا يَقُول هَؤُلَاءِ السخفاء لما كَانَ الْحسن ﵁ فِي سَعَة من أَن يُسَلِّمهَا لمعاوية ﵁ فيعينه على الضلال وعَلى إبِْطَال الْحق وَهدم الدّين فَيكون شَرِيكه فِي كل مظْلمَة وَيبْطل عهد رَسُول الله ﷺ وَيُوَافِقهُ على ذَلِك الْحُسَيْن أَخُوهُ ﵄ فَمَا نقض قطّ بيعَة مُعَاوِيَة إِلَى أَن مَاتَ فَكيف اسْتحلَّ الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄ إبِْطَال عهد رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِمَا طائعين غير مكرهين فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَة قَامَ الْحُسَيْن يطْلب حَقه إِذْ رأى أَنَّهَا بيعَة ضَلَالَة فلولا أَنه رأى بيعَة مُعَاوِيَة حَقًا لما سلمهَا لَهُ ولفعل كَمَا فعل بِيَزِيد إِذْ ولي يزِيد هَذَا مَا لَا يمتري فِيهِ ذُو إنصاف هَذَا وَمَعَ الْحسن أَزِيد من مائَة ألف عنان يموتون دون فتالله لَوْلَا أَن الْحسن ﵁ علم أَنه فِي سَعَة من إسْلَامهَا إِلَى مُعَاوِيَة وَفِي سَعَة من أَن لَا يُسَلِّمهَا لما جمع بَين الْأَمريْنِ فَأَمْسكهَا سِتَّة أشهر لنَفسِهِ وَهِي حَقه وَسلمهَا بعد ذَلِك لغير ضَرُورَة وَذَلِكَ لَهُ مُبَاح بل هُوَ الْأَفْضَل بِلَا شكّ لِأَن جده رَسُول الله ﷺ قد خطب بذلك على الْمِنْبَر بِحَضْرَة الْمُسلمين وأراهم الْحسن مَعَه على الْمِنْبَر وَقَالَ أَن ابْني هَذَا لسَيِّد وَلَعَلَّ الله أَن يصلح بِهِ بَين طائفتين عظيمتين من الْمُسلمين روينَاهُ من طَرِيق البُخَارِيّ حَدثنَا صَدَقَة أَنبأَنَا ابْن عُيَيْنَة أَنا مُوسَى أَنا الْحسن سمع أَبَا بكرَة يَقُول أَنه سمع ذَلِك وشهده من رَسُول الله ﷺ وَهَذَا من أَعْلَامه ﷺ وإنذاره بالغيوب الَّتِي لَا تعلم الْبَتَّةَ إِلَّا بِالْوَحْي وَلَقَد امْتنع زِيَاد وَهُوَ فقعة (١) القاع لَا عشيرة وَلَا نسب وَلَا سَابِقَة وَلَا قدم فَمَا أطاقه مُعَاوِيَة إِلَّا بالمداراة حَتَّى أرضاه وولاه فَإِن ادعوا أَنه قد كَانَ فِي ذَلِك عِنْد الْحسن عهد فقد كفرُوا لِأَن رَسُول الله ﷺ لَا يَأْمر أحدا بالعيون على إطفاء نور الْإِسْلَام بالْكفْر وعَلى نقض عهود الله تَعَالَى بِالْبَاطِلِ عَن غير ضَرُورَة وَلَا إِكْرَاه وَهَذِه صفة الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄ عِنْد الروافض وَاحْتج بعض الإمامية وَجَمِيع الزيدية بِأَن عليا كَانَ أَحَق النَّاس بِالْإِمَامَةِ لبينونة فَضله على جَمِيعهم ولكثرة فضائله دونهم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا يَقع الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْكَلَام فِي المفاضلة بَين أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَأَن الْكَلَام هَاهُنَا فِي الْإِمَامَة فَقَط فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هبكم أَنكُمْ وجدْتُم لعَلي ﵁ فَضَائِل مَعْلُومَة كالسبق إِلَى الْإِسْلَام وَالْجهَاد مَعَ رَسُول الله ﷺ وسعة الْعلم والزهد فَهَل وجدْتُم مثل ذَلِك لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن ﵄ حَتَّى أوجبتهم لَهما بذلك فضلا فِي شَيْء مِمَّا ذكرنَا على سعد بن أبي وَقاص وَسيد بن زيد

стр. 534

وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن الْعَبَّاس هَذَا مَا لَا يقدر أحد على أَن يَدعِي لَهما فِيهِ كلمة فَمَا فَوْقهَا يَعْنِي مِمَّا يكونَانِ بِهِ فَوق من قد ذكرنَا فِي شَيْء من هَذِه الْفَضَائِل فَلم يبْق إِلَّا دَعْوَى النَّص عَلَيْهِمَا وَهَذَا مَالا يعجز عَن مثله أحد لَو استجازت الْخَوَارِج التوقح بِالْكَذِبِ فِي دَعْوَى النَّص على عبد الله بن وهب الراسي لما كَانُوا الأمثل الرافضة فِي ذَلِك سَوَاء بِسَوَاء وَلَو استحلت الأموية أَن تجاهر بِالْكَذِبِ فِي دَعْوَى النَّص على مُعَاوِيَة لَكَانَ أَمرهم فِي ذَلِك أقوى من أَمر الرافضة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمن قتل مَظْلُوما فقد جعلنَا لوَلِيِّه سُلْطَانا فَلَا يسرف فِي الْقَتْل أَنه كَانَ منصوراً﴾ وَلَكِن كل أمة مَا عدا الرافضة وَالنَّصَارَى فَإِنَّهَا تَسْتَحي وتصون أَنْفسهَا عَمَّا لَا تصون النَّصَارَى وَالرَّوَافِض أنفسهم عَنهُ من الْكَذِب الفاضح الْبَارِد وَقلة الْحيَاء فِيمَا يأْتونَ بِهِ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَكَذَلِكَ لَا يَجدونَ لعَلي بن الْحُسَيْن بسوقا فِي علم وَلَا فِي عمل على سعيد بن الْمسيب وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَسَالم بن عبد الله بن عَمْرو وَعُرْوَة بن الزبير وَلَا على أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام وَلَا على ابْن عَمه الْحسن بن الْحسن وَكَذَلِكَ لَا يَجدونَ لمُحَمد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بسوقا فِي علم وَلَا فِي عمل وَلَا ورع على عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَلَا عَليّ مُحَمَّد بن عَمْرو وبن أبي بكر بن الْمُنْكَدر وَلَا على أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَلَا على أَخِيه زيد بن عَليّ وَلَا على عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ وَلَا على عمر بن عبد الْعَزِيز وَكَذَلِكَ لَا يَجدونَ لحعفر بن مُحَمَّد بسوقا فِي علم وَلَا فِي دين وَلَا فِي عمل على مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَلَا على ابْن أبي ذُؤَيْب وَلَا على عبد الله بن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر وَلَا على عبيد الله بن عمر وبن حَفْص بن عَاصِم بن عمر وَلَا على ابْني عَمه مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن وعَلى بن الْحسن بن الْحسن بن الْحسن بل كل مَا ذكرنَا فَوْقه فِي الْعلم والزهد وَكلهمْ أرفع محلا فِي الْفتيا والْحَدِيث لَا يمْنَع أحد مِنْهُم من شَيْء من ذَلِك وَهَذَا ابْن عَبَّاس ﵁ قد جمع فقهه فِي عشْرين كتابا ويبلغ حَدِيثه نَحْو ذَلِك إِذا تقصى وَلَا تبلغ فتيا الْحسن وَالْحُسَيْن ورقتين ويبلغ حَدِيثهمَا ورقة أَو روقتين وَكَذَلِكَ على بن الْحُسَيْن إِلَّا أَن مُحَمَّد بن عَليّ يبلغ حَدِيثه وفيتاه جزأ صَغِيرا وَكَذَلِكَ جَعْفَر بن مُحَمَّد وهم يَقُولُونَ أَن الإِمَام عِنْده جَمِيع علم الشَّرِيعَة فَمَا بَال من ذكرنَا أظهرُوا بعض ذَلِك وَهُوَ الْأَقَل إِلَّا نقص وكتموا سائره وَهُوَ الْأَكْثَر الْأَعْظَم فَإِن كَانَ فرضهم الكتمان فقد خالفوا الْحق إِذْ أعْلنُوا مَا أعْلنُوا وَإِن كَانَ فرضهم الْبَيَان فقد خالفوا الْحق إِذْ كتموا مَا كتموا وَأما من بعده جَعْفَر بن مُحَمَّد مِمَّا عرفنَا لَهُم علما أصلا لَا من رِوَايَة وَلَا من فتيا على قرب عَهدهم منا وَلَو كَانَ عِنْدهم من ذَلِك شَيْء لعرف كَمَا عرف عَن مُحَمَّد بن عَليّ وَابْنه جَعْفَر وَعَن غَيره مِنْهُم مِمَّن حدث النَّاس عَنهُ فبطلت دَعوَاهُم الظَّاهِرَة الكاذبة اللائحة السخيفة الَّتِي هِيَ من خرافات السمر ومضاحك السخفاء فَإِن رجعُوا إِلَى ادِّعَاء المعجزات لَهُم قُلْنَا لَهُم إِن المعجزات لَا تثبت إِلَّا بِنَقْل التَّوَاتُر لَا بِنَقْل الأحاد الثِّقَات فَكيف بِولد الوقحاء الْكَذَّابين الَّذين لَا يدْرِي من هم وَقد وجدنَا من يروي لبشر الحافي وشيبان الرَّاعِي ورابعة العدوية أَضْعَاف مَا يَدعُونَهُ من الْكَذِب لأئمتهم وَأظْهر وَأفْشى وكل لَك حَمَاقَة لَا يشْتَغل ذُو دين لَا ذُو عقل بهَا وَنَحْمَد الله على السَّلامَة فَإِذا قد بَطل كل مَا يَدعُونَهُ وَللَّه تَعَالَى الْحَمد فلنقل على الْإِمَامَة بعد رَسُول الله ﷺ بالبرهان وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) قد اخْتلف النَّاس فِي هَذَا فَقَالَت طَائِفَة إِن النَّبِي ﷺ لم يسْتَخْلف أحدا ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ بَعضهم لَكِن لما اسْتخْلف أَبَا بكر ﵁ على الصَّلَاة كَانَ ذَلِك

стр. 535

دَلِيلا على أَنه ألاوهم بِالْإِمَامَةِ والخلافة على الْأُمُور وَقَالَ بَعضهم لَا وَلَكِن كَانَ ابينهم فضلا فقدموه لذَلِك وَقَالَت طَائِفَة بل نَص رَسُول الله ﷺ على اسْتِخْلَاف أبي بكر بعده على أُمُور النَّاس نصا جلياً (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَبِهَذَا نقُول لبراهين أَحدهَا أطباق النَّاس كلهم وهم الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضواناً وينصرون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ فقد أصفق هَؤُلَاءِ الَّذين شهد الله لَهُم بِالصّدقِ وَجَمِيع إخْوَانهمْ من الْأَنْصَار ﵃ على أَن سموهُ خَليفَة رَسُول الله ﷺ وَمعنى الْخَلِيفَة فِي اللُّغَة هُوَ الَّذِي يستخلفه لَا الَّذِي يخلفه دون أَن يستخلفه هُوَ لَا يجوز غير هَذَا الْبَتَّةَ فِي اللُّغَة بِلَا خلاف تَقول اسْتخْلف فلَان فلَانا يستخلفه فَهُوَ خَلِيفَته ومستخلفه فَإِن قَامَ مَكَانَهُ دون أَن يستخلفه هُوَ لم يقل إِلَّا خلف فلَان فلَانا يخلفه فَهُوَ خَالف ومحال أَن يعنوا بذلك الِاسْتِخْلَاف على الصَّلَاة لوَجْهَيْنِ ضرورين أَحدهمَا أَنه لَا يسْتَحق أَبُو بكر هَذَا الِاسْم على الْإِطْلَاق فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ وَهُوَ حِينَئِذٍ خَلِيفَته على الصَّلَاة فصح يَقِينا أَن خِلَافَته الْمُسَمّى هُوَ بهَا هِيَ غير خِلَافَته على الصَّلَاة وَالثَّانِي أَن كل من اسْتَخْلَفَهُ رَسُول الله ﷺ فِي حَيَاته كعلي فِي غَزْوَة تَبُوك وَابْن أم مَكْتُوم فِي غَزْوَة الخَنْدَق وَعُثْمَان بن عَفَّان فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع وَسَائِر من اسْتَخْلَفَهُ على الْبِلَاد بِالْيمن والبحرين والطائف وَغَيرهَا لم يسْتَحق أحد مِنْهُم قطّ بِلَا خلاف من أحد من الْأمة أَن يُسمى خَليفَة رَسُول الله ﷺ على الْإِطْلَاق فصح يَقِينا بِالضَّرُورَةِ الَّتِي لَا محيد عَنْهَا أَنَّهَا للخلافة بعده على أمته وَمن الْمُمْتَنع أَن يجمعوا على ذَلِك وَهُوَ ﵇ لم يستخلفه نصا وَلَو لم يكن هَا هُنَا إِلَّا استخلافه إِيَّاه على الصَّلَاة مَا كَانَ أَبُو بكر أولى بِهَذِهِ التَّسْمِيَة من غَيره مِمَّن ذكرنَا وَهَذَا برهَان ضَرُورِيّ نعارض بِهِ جَمِيع الْخُصُوم وَأَيْضًا فَإِن الرِّوَايَة قد صحت بِأَن امْرَأَة قَالَت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت أَن رجعت وَلم أجدك كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْت قَالَ فأت أَبَا بكر وَهَذَا نَص جلي على اسْتِخْلَاف أبي بكر وَأَيْضًا فَإِن الْخَبَر قد جَاءَ من الطّرق الثَّابِتَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لعَائِشَة ﵂ فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ ﵇ لقد هَمَمْت أَن أبْعث إِلَى أَبِيك وأخيك فَاكْتُبْ كتابا وأعهد عهدا لكيلا يَقُول قَائِل أَنا أَحَق أَو يتَمَنَّى متمن ويأبى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر وَرُوِيَ أَيْضا ويأبي الله والببون إِلَّا أَبَا بكر فَهَذَا نَص جلي على استخلافه ﵊ أَبَا بكر على ولَايَة الْأمة بعده (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلَو أننا نستجيز التَّدْلِيس وَالْأَمر الَّذِي لَو ظفر بِهِ خصومنا طاروا بِهِ فَرحا أَو ابلسوا أسفا لاحتججنا بِمَا روى افْتَدَوْا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلكنه لم يَصح ويعيذنا الله من الِاحْتِجَاج بِمَا لَا يَصح (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَاحْتج من قَالَ لم يسْتَخْلف رَسُول الله صلى الله علبه وَسلم بالْخبر الْمَأْثُور عَن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه أَنه قَالَ أَن اسْتخْلف فقد اسْتخْلف من هُوَ خير مني يَعْنِي أَبَا بكر وَأَن لَا اسْتخْلف فَلم يسْتَخْلف من هُوَ خير مني يَعْنِي رَسُول الله ﷺ وَبِمَا روى عَن عَائِشَة ﵂ أَمن كَانَ رَسُول الله ﷺ مستخلفاً لَو اسْتخْلف فَمن الْمحَال أَن يُعَارض الْإِجْمَاع من الصَّحَابَة الَّذِي ذكرنَا والأثران الصحيحان المسندان إِلَى رَسُول الله ﷺ من لَفظه بِمثل هذَيْن الأثرين الموقوفين على عمر وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا

стр. 536

مِمَّا لَا يقوم بِهِ حجَّة ممالة وَجه ظَاهر من أَن هَذَا الْأَثر خَفِي على عمر ﵁ كَمَا خَفِي عَلَيْهِ كثير من أَمر رَسُول الله ﷺ كالاستئذان وَغَيره أَو أَنه أَرَادَ استخلافاً بعد مَكْتُوب وَنحن نقر أَن اسْتِخْلَاف أبي بكر لم يكن بِكِتَاب مَكْتُوب وَأما الْخَبَر فِي ذَلِك عَن عَائِشَة فَكَذَلِك نصا وَقد يخرج كَلَامهَا على سُؤال سَائل وَإِنَّمَا الْحجَّة فِي رِوَايَتهَا لَا فِي قَوْلهَا وَأما من ادّعى أَنه إِنَّمَا قدم قِيَاسا على تَقْدِيمه إِلَى الصالة فَبَاطِل بِيَقِين لِأَنَّهُ لَيْسَ كل من اسْتحق الْإِمَامَة فِي الصالة يسْتَحق الْإِمَامَة فِي الْخلَافَة إِذْ يسْتَحق الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة اقْرَأ الْقَوْم وَإِن كَانَ أعجمياً أَو عَرَبيا وَلَا يسْتَحق الْخلَافَة إِلَّا فرشى فَكيف وَالْقِيَاس كُله بَاطِل (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فِي نَص الْقُرْآن دَلِيل على صِحَة خلَافَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ وعَلى وجوب الطَّاعَة لَهُم وَهُوَ أَن الله تَعَالَى قَالَ مُخَاطبا لنَبيه ﷺ فِي الْأَعْرَاب ﴿فَإِن رجعك الله إِلَى طَائِفَة مِنْهُم فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقل لن تخْرجُوا معي أبدا وَلنْ تقاتلوا معي عدوا﴾ وَكَانَ نزُول سُورَة بَرَاءَة الَّتِي فِيهَا هَذَا الحكم بعد غَزْوَة تَبُوك بِلَا شكّ الَّتِي لَا تخلف فِيهَا الثَّلَاثَة المعذورون الَّذين تَابَ الله عَلَيْهِم فِي سُورَة بَرَاءَة وَلم يغز ﵇ بعد غَزْوَة تَبُوك إِلَى أَن مَاتَ ﷺ وَقَالَ تَعَالَى أَيْضا ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلفُونَ إِذا انطلقتم إِلَى مَغَانِم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله قل لن تتبعونا كذلكم قَالَ الله من قبل﴾ فَبين أَن الْعَرَب لَا يغزون مَعَ رَسُول الله ﷺ بعد تَبُوك لهَذَا ثمَّ عطف عَلَيْهِم أثر مَنعه إيَّاهُم من الْغَزْو مَعَ رَسُول الله ﷺ وغلق بَاب التَّوْبَة فَقَالَ تَعَالَى ﴿قل للمخلفين من الْأَعْرَاب ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد تقاتلونهم أَو يسلمُونَ فَإِن تطيعوا يُؤْتكُم الله أجرا حسنا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا توليتم من قبل يعذبكم عذَابا أَلِيمًا﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَنهم سيدعوهم غير النَّبِي ﷺ إِلَى قوم يقاتلونهم أَو يسلمُونَ وَوَعدهمْ على طَاعَة من دعاهم إِلَى ذَلِك بجزيل الْأجر الْعَظِيم وتوعدهم على عصيان الدَّاعِي لَهُم إِلَى ذَلِك الْعَذَاب الْأَلِيم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمَا دَعَا أُولَئِكَ الْأَعْرَاب أحد بعد رَسُول الله ﷺ إِلَى قوم يقاتلونهم أَو يسلمُونَ إِلَّا أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ فَإِن أَبَا بكر ﵁ دعاهم إِلَى قتال مرتدي الْعَرَب بني حنيفَة وَأَصْحَاب الْأسود وسجاع وطليحة وَالروم وَالْفرس وَغَيرهم ودعاهم عمر إِلَى قتال الرّوم وَالْفرس وَعُثْمَان دعاهم إِلَى قتال الرّوم وَالْفرس وَالتّرْك فَوَجَبَ طَاعَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ بِنَصّ الْقُرْآن الَّذِي لَا يحْتَمل تَأْوِيلا وَإِذ قد وَجَبت طاعتهم فرضا فقد صحت إمامتهم وخلافتهم ﵃ وَلَيْسَ هَذَا بِمُوجب تقليدهم فِي غير مَا أَمر الله تَعَالَى بطاعتهم فِيهِ لِأَن الله تَعَالَى لم يَأْمر بذلك إِلَّا فِي دُعَائِهِمْ إِلَى قتال هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَفِيمَا يجب الطَّاعَة فِيهِ للأئمة جملَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما مَا أفتوا بِهِ باجتهادهم فَمَا أوجبوهم قطّ اتِّبَاع أَقْوَالهم فِيهِ فَكيف أَن يُوجب ذَلِك غَيرهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَإِن هَذَا إِجْمَاع الْأَئِمَّة كلهَا إِذْ لَيْسَ أحد من أهل الْعلم إِلَّا وَقد خَالف بعض فتاوي هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة ﵃ فصح مَا ذكرنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فصل (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَجَمِيع فرق أهل الْقبْلَة لَيْسَ مِنْهُم أحد يُجِيز إِمَامَة امْرَأَة وَلَا إِمَامَة صبي لم يبلغ إِلَّا الرافضة فَإِنَّهَا تجيز إِمَامَة الصَّغِير الَّذِي لم يبلغ وَالْحمل فِي بطن أمه وَهَذَا خطأ لِأَن من لم يبلغ فَهُوَ غير مُخَاطب وَالْإِمَام مُخَاطب بِإِقَامَة الدّين وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ الباقلاني وَاجِب أَن يكون الإِمَام أفضل الْأمة

стр. 537

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا هُوَ خطأ مُتَيَقن لبرهانين أَحدهمَا أَنه لَا يُمكن أَن يعرف الْأَفْضَل إِلَّا بِالظَّنِّ فِي ظَاهر أمره وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ وَالثَّانِي أَن قُريْشًا قد كثرت وطبقت الأَرْض من أقْصَى الْمشرق إِلَى أقْصَى الْمغرب وَمن الْجنُوب إِلَى الشمَال وَلَا سَبِيل أَن يعرف الْأَفْضَل من قوم هَذَا مبلغ عَددهمْ بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا يُمكن ذَلِك أصلا ثمَّ يَكْفِي من بطلَان هَذَا القَوْل إِجْمَاع الْأمة على بُطْلَانه فَإِن جَمِيع من أدْرك من الصَّحَابَة ﵁ من جَمِيع الْمُسلمين فِي ذَلِك الْعَصْر قد أَجمعُوا على صِحَة إِمَامَة الْحسن أَو مُعَاوِيَة وَقد كَانَ فِي النَّاس أفضل مِنْهُم بِلَا شكّ كسعد بن أبي وَقاص وَسَعِيد بن زيد وَابْن عَمْرو وَغَيرهم فَلَو كَانَ مَا قَالَه الباقلاني حَقًا لكَانَتْ إِمَامَة الْحسن وَمُعَاوِيَة بَاطِلَة وحاشا لله من ذَلِك وَأَيْضًا فَإِن هَذَا القَوْل الَّذِي قَالَه هَذَا الْمَذْكُور دعوي فَاسِدَة وَلَا على صِحَّتهَا دَلِيل لَا من قُرْآن وَلَا من سنة صَحِيحَة وَلَا سقيمة وَلَا من قَول صَاحب وَلَا من قِيَاس وَالْعجب كُله أَن يَقُول أَنه جَائِز أَن يكون فِي هَذِه الْأمة من هُوَ أفضل من رَسُول الله ﷺ من حَيْثُ بعث إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ لَا يُجِيز أَن يكون أحد أفضل من الإِمَام (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا القَوْل مِنْهُ فِي النَّبِي ﷺ كفر مُجَرّد وَلَا خَفَاء بِهِ وَفِيه خلاف لأهل الْإِسْلَام وَإِنَّمَا يجب أَن يكون الإِمَام قرشياً بَالغا ذكرا مُمَيّزا بَرِيئًا من الْمعاصِي الظَّاهِرَة حَاكما بِالْقُرْآنِ وَالسّنة فَقَط وَلَا يجوز خلعه مَا دَامَ يُمكن مَنعه من الظُّلم فَإِن لم يُمكن إِلَّا بإزالته فَفرض أَن يُقَام كل مَا يُوصل بِهِ إِلَى دفع الظُّلم لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي وُجُوه الْفضل والمفاضلة بَين الصَّحَابَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) اخْتلف الْمُسلمُونَ فِيمَن هُوَ أفضل النَّاس بعد الْأَنْبِيَاء ﵈ فَذهب بعض أهل السّنة وَبَعض أهل الْمُعْتَزلَة وَبَعض المرجئة وَجَمِيع الشِّيعَة إِلَى أَن أفضل الْأمة بعد رَسُول الله ﷺ عَليّ بن أبي طَالب وَقد روينَا هَذَا القَوْل نصا عَن بعض الصَّحَابَة ﵃ وَعَن جمَاعَة من التَّابِعين وَالْفُقَهَاء وَذَهَبت الْخَوَارِج كلهَا وَبَعض أهل السّنة وَبَعض الْمُعْتَزلَة وَبَعض المرجئة إِلَى أَن أفضل الصَّحَابَة بعد رَسُول الله ﷺ أَبُو بكر وَعمر وروينا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن أفضل النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ جَعْفَر بن أبي طَالب وَبِهَذَا قَالَ عَاصِم النَّبِيل وَهُوَ الضَّحَّاك بن مخلد وَعِيسَى بن حَاضر قَالَ عِيسَى وَبعد جَعْفَر حَمْزَة ﵁ وروينا عَن نَحْو عشْرين من الصَّحَابَة أَن أكْرم النَّاس على رَسُول الله ﷺ عَليّ بن أبي طَالب وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وروينا عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂ مَاتَ رَسُول الله ﷺ وَثَلَاث رجال لَا يعد أحد عَلَيْهِم بِفضل سعد بن معَاذ وَأسيد بن حضير وَعباد بن بشر وروينا عَن أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ أَنَّهَا تذكرت الْفضل وَمن هُوَ خير فَقَالَت وَمن هُوَ خير من أبي سَلمَة أول بَيت هَاجر إِلَى رَسُول الله ﷺ وروينا عَن مَسْرُوق بن الأجدع أَو تَمِيم بن حذلم وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَغَيرهم أنأفضل النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ عبد الله بن مَسْعُود قَالَ تَمِيم وَهُوَ من كبار التَّابِعين رَأَيْت أَبَا بكر وَعمر فَلَمَّا رَأَيْت مثل عبد الله بن مَسْعُود وروينا عَن بعض من أدْرك النَّبِي ﷺ أَن أفضل النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ عمر بن الْخطاب وَأَنه أفضل من أبي بكر ﵄ وَبَلغنِي عَن مُحَمَّد بن

стр. 538

عبد الله الْحَاكِم النَّيْسَابُورِي أَنه كَانَ يذهب إِلَى هَذَا القَوْل قَالَ دَاوُد بن عَليّ الْفَقِيه ﵁ أفضل النَّاس بعد الْأَنْبِيَاء أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَأفضل الصَّحَابَة الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين ثمَّ الْأَولونَ من الْأَنْصَار ثمَّ من بعدهمْ مِنْهُم وَلَا نقطع على إِنْسَان مِنْهُم بِعَيْنِه أَنه أفضل من آخر من طبقته وَلَقَد رَأينَا من مُتَقَدِّمي أهل الْعلم مِمَّن يذهب إِلَى هَذَا القَوْل وَقَالَ لي يُوسُف بن عبد الله بن عبد الْبر النميري غير مَا مرّة أَن هَذَا هُوَ قَوْله ومعتقده قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالَّذِي نقُول بِهِ وندين الله تَعَالَى عَلَيْهِ ونقطع على أَنه الْحق عِنْد الله أَن أفضل النَّاس بعد الْأَنْبِيَاء ﵈ نسَاء رَسُول الله ﷺ ثمَّ أَبُو بكر وَلَا خلاف بَين أحد من الْمُسلمين فِي أَن أمة مُحَمَّد ﷺ أفضل الْأُمَم لقَوْل الله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَإِن هَذِه قاضية على قَوْله تَعَالَى لبني إِسْرَائِيل ﴿وَإِنِّي فضلتكم على الْعَالمين﴾ وَإِنَّهَا مبينَة لِأَن مُرَاد الله تَعَالَى من ذَلِك عَالم الْأُمَم حاشا هَذِه الْأمة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ثمَّ نقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن الْكَلَام المهمل دون تَحْقِيق الْمَعْنى المارد بذلك الْكَلَام فَإِنَّهُ طمس للمعاني وَصد عَن إِدْرَاك الصَّوَاب وتعريج عَن الْحق وإبعاد عَن الْفَهم وتخليط عمي فلنبدأ بعون الله تَعَالَى وتأييد بتقسيم وُجُوه الْفضل الَّتِي بهَا يسْتَحق التَّفَاضُل فَإِذا استبان معنى الْفضل وعَلى مَاذَا تقع هَذِه اللَّفْظَة فبالضرورة نعلم حِينَئِذٍ أَن من وجدت فِيهِ هَذِه الصِّفَات أَكثر فَهُوَ بِلَا شكّ فَنَقُول وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم أَن الْفضل يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ لَا ثَالِث لَهما فضل اخْتِصَاص من الله بِلَا عمل وَفضل مجازاة من الله تَعَالَى بِعَمَل فَأَما فضل الِاخْتِصَاص دون عمل فَإِنَّهُ يشْتَرك فِيهِ جَمِيع المخلوقين من الْحَيَوَان النَّاطِق وَالْحَيَوَان غير النَّاطِق والجمادات كفضل الْمَلَائِكَة فِي ابْتِدَاء خلقهمْ على سَائِر الْخلق وكفضل الْأَنْبِيَاء على سَائِر الْجِنّ والأنس وكفضل إِبْرَاهِيم ابْن النَّبِي ﷺ على سَائِر الْأَطْفَال وكفضل نَاقَة صَالح ﵇ على سَائِر النوق وكفضل ذَبِيحَة إِبْرَاهِيم ﵇ على سَائِر الذَّبَائِح وكفضل مَكَّة على سَائِر الْبِلَاد وكفضل الْمَدِينَة بعد مَكَّة على غَيرهَا من الْبِلَاد وكفضل الْمَسَاجِد على سَائِر الْبِقَاع وكفضل الْحجر الْأسود على سَائِر الْحِجَارَة وكفضل شهر رَمَضَان على سَائِر الشُّهُور وكفضل يَوْم الْجُمُعَة عَرَفَة وعاشوراء وَالْعشر على سَائِر الْأَيَّام وكفضل لَيْلَة الْقدر على سَائِر اللَّيَالِي وكفضل صَلَاة الْفَرْض على النَّافِلَة وكفضل صَلَاة الْعَصْر وَصَلَاة الصُّبْح على سَائِر الصَّلَوَات وكفضل السُّجُود على الْقعُود وكفضل بعض الذّكر على بعض فَهَذَا فضل الِاخْتِصَاص الْمُجَرّد بِلَا عمل فَأَما فضل المجازاة بِالْعَمَلِ فَلَا يكون الْبَتَّةَ إِلَّا للحي النَّاطِق من الْمَلَائِكَة والأنس وَالْجِنّ فَقَط وَهَذَا هُوَ الْقسم الَّذِي تنَازع فِيهِ فِي هَذَا الْبَاب الَّذِي نتكلم فِيهِ الْآن من أَحَق بِهِ فَوَجَبَ أَن نَنْظُر أَيْضا فِي أَقسَام هَذَا الْقسم الَّتِي بهَا يسْتَحق الْفضل فِيهِ والتقدم فنحصرها ونذكرها بحول الله وقوته ثمَّ نَنْظُر حينئذٍ من هُوَ أَحَق بِهِ وأسعد بالبسوق فِيهِ فَيكون بِلَا شكّ أفضل مِمَّن هُوَ أقل حظاً فِيهَا بِلَا شكّ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نستعين إِن الْعَامِل فِي عمله بسبعة أوجه لَا ثامن لَهَا وَهِي المائية وَهِي عين الْعَمَل وذاته والكمية وَهِي الْعرض فِي الْعَمَل والكيفية والكم وَالزَّمَان وَالْمَكَان وَالْإِضَافَة فَأَما المائية فَهِيَ أَن تكون الْفُرُوض من أَعمال أَحدهمَا موفاة كلهَا وَيكون الآخر يضيع بعض فروضه وَله نوافل أَو يكون كِلَاهُمَا وَفِي جَمِيع فَرْضه ويعملان نوافل زَائِدَة إِلَّا أَن نوافل أَحدهمَا أفضل من نوافل

стр. 539

الآخر كَأَن يكون أَحدهمَا يكثر الذّكر فِي الصَّلَاة وَالْآخر يكثر الذّكر فِي حَال جُلُوسه وَمَا أشبه هَذَا وكإنسانين قَاتل أَحدهمَا فِي المعركة والموضع الْمخوف وَقَاتل الآخر فِي الرِّدَّة أَو جَاهد أَحدهمَا واشتغل الآخر بصيام وَصَلَاة تطوع أَو يجتهدان فيصادف أَحدهمَا ويحرمه الآخر فيفضل أَحدهمَا الآخر فِي هَذِه الْوُجُوه بِنَفس عمله أَو بَان ذَات عمله أفضل من ذَات عمل الآخر فَهَذَا هُوَ التَّفَاضُل فِي المائية من الْعَمَل وَأما الكمية وَهِي الْعرض فَإِن يكون أَحدهمَا يقْصد بِعَمَلِهِ وَجه الله تَعَالَى لَا يمزج بِهِ شَيْئا الْبَتَّةَ وَيكون الآخر يُسَاوِيه فِي جَمِيع عمله إِلَّا أَنه رُبمَا مزج بِعَمَلِهِ شَيْئا من حب الْبر فِي الدُّنْيَا وَأَن يستدفع بذلك الْأَذَى عَن نَفسه وَرُبمَا مزجه بِشَيْء من الرِّيَاء ففضله الأول بعرضه فِي عمله وَأما الْكَيْفِيَّة فَإِن يكون أَحدهمَا يُوفي عمله جَمِيع حُقُوقه ورتبه لَا منتقصاً وَلَا متزيداً وَيكون الآخر رُبمَا انْتقصَ بعض رتب ذَلِك الْعَمَل وسنته وَإِن لم يعطل مِنْهُ فرضا أَو يكون أَحدهمَا يصفى يصفى عمله من الْكَبَائِر وَرُبمَا بِمَا أُتِي الآخر بِبَعْض الْكَبَائِر ففضله الآخر بكيفية عمله وَأما لكم فَإِن يستوا فِي أَدَاء الْفَرْض وَيكون أَحدهمَا أَكثر نوافل ففضله هَذَا بِكَثْرَة عدد نوافله كَمَا رُوِيَ فِي رجلَيْنِ أسلما وهاجرا أَيَّام رَسُول الله ﷺ ثمَّ اسْتشْهد أَحدهمَا وعاش الآخر بعده سنة ثمَّ مَاتَ على فرَاشه فَرَأى بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَحدهمَا فِي النّوم وَهُوَ آخرهما موتا فِي أفضل من حَال الشَّهِيد فَسَأَلَ عَن ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ ﵇ كَلَام مَعْنَاهُ فَأَيْنَ صلَاته وصيامه بعده ففضل أَحدهمَا الآخر بِالزِّيَادَةِ الَّتِي زَادهَا عَلَيْهِ فِي عدد أَعماله وَأما الزَّمَان فكمن عمل فِي صدر الْإِسْلَام أَو فِي عَام المجاعة أَو فِي وَقت نازلة بِالْمُسْلِمين وَعمل غَيره بعد قُوَّة الْإِسْلَام وَفِي زمن رخاء وَأمن فَإِن الْكَلِمَة فِي أول الْإِسْلَام وَالتَّمْرَة وَالصَّبْر حِينَئِذٍ وركعة فِي لَك الْوَقْت تعدل اجْتِهَاد الْأَزْمَان الطوَال وجهادها وبذل الْأَمْوَال الجسام بعد ذَلِك وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ دعوا إِلَيّ أَصْحَابِي فَلَو كَانَ لأحدكم مثل أحد ذَهَبا فأنفقه مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نيصفه فَكَانَ نصف مد شَعِيرًا وتمر فِي ذَلِك الْوَقْت أفضل من جبل أحد ذَهَبا ننفقه نَحن فِي سَبِيل الله بعد ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا فِي الصَّحَابَة فِيمَا بَينهم فَكيف بِمن بعدهمْ مَعَهم ﵃ أَجْمَعِينَ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا يكذب قَول أبي هَاشم مُحَمَّد بن عَليّ الجبائي وَقَول مُحَمَّد بن الطّيب الباقلاني فَإِن الجبائي قَالَ جَائِز أَن طَال عمر امْرِئ يعْمل مَا يوازي عمل نَبِي من الْأَنْبِيَاء وَقَالَ الباقلاني جَائِز أَن يكون فِي النَّاس من هُوَ أفضل من رَسُول الله ﷺ من حَيْثُ بعث بِالنُّبُوَّةِ إِلَى أَن مَاتَ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا كفر مُجَرّد وردة وَخُرُوج عَن دين الْإِسْلَام بِلَا مرية وَتَكْذيب لرَسُول الله ﷺ فِي إخْبَاره أَنا لَا ندرك أحد من أَصْحَابه وَفِي إخْبَاره ﵇ عَن أَصْحَابه ﵃ بِأَنَّهُ لَيْسَ مثلهم وَأَنه اتقاهم لله وأعلمهم بِمَا يَأْتِي وَمَا يذر وَكَذَلِكَ قَالَت الْخَوَارِج والشيعة فَإِن الشِّيعَة يفضلون أنفسهم وهم شَرّ خلق الله على أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وَجَمِيع الصَّحَابَة ﵃ حاشا عليا وَالْحسن وَالْحُسَيْن وعمار بن يَاسر والخوارج يفضلون أنفسهم وهم شَرّ خلق الله تَعَالَى وكلاب النَّار على عُثْمَان

стр. 540

وعَلى طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَلَقَد خَابَ من خَالف كَلَام الله تَعَالَى وَقَضَاء رَسُول الله ﷺ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَكَذَلِكَ الْقَلِيل من الْجِهَاد وَالصَّدَََقَة فِي زمَان الشدائد أفضل من كثيرهما فِي وَقت الْقُوَّة وَالسعَة وَكَذَلِكَ صَدَقَة الْمَرْء بدرهم فِي زمَان فقر وَصِحَّته يَرْجُو الْحَيَاة وَيخَاف الْفقر أفضل من الْكَبِير يتَصَدَّق بِهِ فِي عرض غناهُ وَفِيه وَصيته بعد مَوته وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ سبق دِرْهَم مائَة ألف وَهُوَ إِنْسَان كَانَ لَهُ دِرْهَمَانِ تصدق بِأَحَدِهِمَا وَالْآخر عمد إِلَى عرض مَاله تصدق مِنْهُ بِمِائَة ألف وكلك صَبر الْمَرْء على أَدَاء الْفَرَائِض فِي حَال خَوفه ومرضه وَقَلِيل تنفله فِي زمَان مَرضه وخوفه أفضل من عمله وَكثير تنفله فِي زمَان صِحَّته وأمنه ففضل من ذكرنَا غَيرهم بِزَمَان عَمَلهم وَكَذَلِكَ من وفْق لعمل الْخَيْر فِي زمَان آخر أَجله هُوَ أفضل مِمَّن خلط فِي زمَان آخر أحله وَأما الْمَكَان فكصلاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أَو مَسْجِد الْمَدِينَة فهما أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا عداهما وتفضل الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام على الصَّلَاة فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ بِمِائَة دَرَجَة وكصيام فِي بلد الْعَدو أَو فِي الْجِهَاد على صِيَام فِي غير الْجِهَاد ففضل من عمل فِي الْمَكَان الْفَاضِل غَيره مِمَّن عمل فِي غير ذَلِك الْمَكَان بمَكَان عمله وَإِن تساوى العملان وَأما الْإِضَافَة فركعة من نَبِي أَو رَكْعَة مَعَ نَبِي أَو صَدَقَة من نَبِي أَو صَدَقَة مَعَه أَو ذكر مِنْهُ أَو ذكر مَعَه وَسَائِر أَعمال الْبر مِنْهُ أَو مَعَه فقليل من ذَلِك أفضل من كثير الْأَعْمَال بعده وَيبين ذَلِك مَا قد ذكرنَا آنِفا من قَول الله ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل﴾ وإخباره ﵇ أَن أَحَدنَا لَو أنْفق مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ نصف مد من أحد من الصَّحَابَة ﵃ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَبِهَذَا قَطعنَا على أَن كل عمل عملوه بِأَنْفسِهِم بعد موت النَّبِي ﷺ لَا يوازي شَيْئا من الْبر عمله ذَلِك الصاحب بِنَفسِهِ مَعَ النَّبِي ﷺ وَلَا مَا عمله غير ذَلِك الصاحب بعد النَّبِي ﷺ وَلَو كَانَ غير مَا نقُول لجَاز أَن يكون أنس وَأَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ وَعبد الله بن أبي أوفى وَعبد الله بن بسر وَعبد الله بن الْحَارِث بن حزم وَسَهل بن سعد السَّاعِدِيّ ﵃ أفضل من أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَأبي عُبَيْدَة وَزيد بن حَارِثَة وجعفر بن أبي طَالب وَمصْعَب بن عُمَيْر وَعبد الله بن جحش وَسعد بن معَاذ وَعُثْمَان بن مَظْعُون وَسَائِر السَّابِقين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار الْمُتَقَدِّمين ﵃ أَجْمَعِينَ لِأَن بعض أُولَئِكَ عبدُوا الله بعد موت أُولَئِكَ بَعضهم بعد موت بعض بتسعين عَاما فَمَا بَين ذَلِك إِلَى خمسين عَاما وَهَذَا مَالا يَقُوله أحد يعْتد بِهِ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَبِهَذَا قَطعنَا على أَن من كَانَ من الصَّحَابَة حِين موت رَسُول الله ﷺ أفضل من آخر مِنْهُم فَإِن ذَلِك الْمَفْضُول لَا يلْحق دَرَجَة الْفَاضِل لَهُ حِينَئِذٍ أبدا وَإِن طَال عمر الْمَفْضُول وتعجل موت الْفَاضِل وَبِهَذَا أَيْضا لم نقطع على فضل أحد مِنْهُم ﵃ حاشا من ورد فِيهِ النَّص من النَّبِي ﷺ مِمَّن مَاتَ مِنْهُم فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ بل نقف فِي هَؤُلَاءِ على مَا نبينه بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَهَذِهِ وُجُوه الْفَضَائِل بِالْأَعْمَالِ الَّتِي لَا يفضل ذُو عمل ذَا عمل فِيمَا سواهَا الْبَتَّةَ ثمَّ نتيجة هَذِه الْوُجُوه كلهَا وثمرتها ونتيجة فضل الِاخْتِصَاص الْمُجَرّد دون عمل أَيْضا لَا ثَالِث لَهما الْبَتَّةَ أَحدهمَا إِيجَاب لاله تَعَالَى تَعْظِيم الْفَاضِل فِي الدُّنْيَا على الْمَفْضُول فَهَذَا الْوَجْه يشْتَرك فِيهِ كل فَاضل بِعَمَل أَو اخْتِصَاص مُجَرّد بِلَا عمل من عرض أَو جماد أَو حَيّ نَاطِق أَو غير نَاطِق

стр. 541

وَقد أمرنَا الله تَعَالَى بتعظيم الْكَعْبَة والمساجد وَيَوْم الْجُمُعَة والشهر الحارم وَشهر رَمَضَان وناقة صَالح وَإِبْرَاهِيم ابْن رَسُول الله ﷺ وَذكر الله وَالْمَلَائِكَة والنبيين على جَمِيعهم صلوَات الله وَسَلَامه وَالصَّحَابَة أَكثر من تعظيمنا وتوقيرنا غير مَا ذكرنَا وَمن ذكرنَا من الْمَوَاضِع وَالْأَيَّام والنوق والأطفال وَالْكَلَام وَالنَّاس هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ وَهَذَا خَاصَّة كل فَاضل لَا يَخْلُو مِنْهَا فَاضل أصلا وَلَا يكون الْبَتَّةَ إِلَّا الْفَاضِل وَالْوَجْه الثَّانِي هُوَ إِيجَاب الله تَعَالَى لفاضل دَرَجَة فِي الْجنَّة أَعلَى من دَرَجَة الْمَفْضُول إِذْ لَا يجوز عِنْد أحد من خلق الله تَعَالَى أَن يَأْمر بإجلال الْمَفْضُول أَكثر من إجلال الْفَاضِل وَلَا أَن يكون الْمَفْضُول إِلَى دَرَجَة فِي الْجنَّة من الْفَاضِل وَلَو جَازَ ذَلِك لبطل معنى الْفضل جملَة ولكان لفظا لَا حَقِيقَة لَهُ وَلَا معنى تَحِيَّة وَهَذَا الْوَجْه الثَّانِي الَّذِي هُوَ علو الدرجَة فِي الْجنَّة هُوَ خَاصَّة لكل فَاضل يعْمل فَقَط من الْمَلَائِكَة والأنس وَالْجِنّ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَكل مَا هُوَ مَأْمُور بتعظيمه فَاضل وكل فَاضل فمأمور بتعظيمه وَلَيْسَ الْإِحْسَان وَالْبر والتوقير والتذلل المفترض فِي الْأَبَوَيْنِ الْكَافرين من التَّعْظِيم فِي شَيْء فقد يحسن الْمَرْء إِلَى من لَا يعظم وَلَا يهبن كإحسان الْمَرْء إِلَى جَاره وَغُلَامه وأجيره وَلَا يكون ذَلِك تَعْظِيمًا وَقد يبر الْإِنْسَان جَاره وَالشَّيْخ من أكرته (١) وَلَا يُسمى ذَلِك تَعْظِيمًا وَقد يوفر الْإِنْسَان من يخَاف ضره وَلَا يُسمى ذَلِك تَعْظِيمًا وَقد يتذذلل الْإِنْسَان للمتسلط الظَّالِم وَلَا يُسمى ذَلِك تَعْظِيمًا وَفرض على كل مُسلم الْبَرَاءَة من أَبَوَيْهِ الْكَافرين وعداوتهما فِي الله قَالَ الله ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾ وَقَالَ ﴿قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا برَاء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله تَبرأ مِنْهُ إِن إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم﴾ فقد صَحَّ بِيَقِين أَن مَا وَجب لِلْأَبَوَيْنِ الْكَافرين من بر وإحسان وتذلل لَيْسَ هُوَ التَّعْظِيم الْوَاجِب لمن فَضله الله لِأَن التَّعْظِيم الْوَاجِب لمن فَضله الله هُوَ مَوَدَّة فِي الله ومحبة فِيهِ وَولَايَة لَهُ وَأما الْبر الْوَاجِب لِلْأَبَوَيْنِ الْكَافرين والتذلل لَهما وَالْإِحْسَان إِلَيْهِمَا فَكل ذَلِك مُرْتَبِط بالعداوة وَللَّه تَعَالَى وللبراءة مِنْهُ وَإِسْقَاط الْمَوَدَّة كَمَا قَالَه تَعَالَى فِي نَص الْقُرْآن وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقد يكون دُخُول الْجنَّة اخْتِصَاص مُجَردا دون عمل وَذَلِكَ للأطفال كَمَا ذكرنَا قبل فَإذْ قد صَحَّ مَا ذكرنَا قبل يَقِينا بِلَا خلاف من أحد فِي شَيْء مِنْهُ فبيقين نَدْرِي أَنه لَا تَعْظِيم يسْتَحقّهُ أحد من النَّاس فِي الدُّنْيَا بِإِيجَاب الله تَعَالَى علينا بعد التَّعْظِيم الْوَاجِب علينا للأنبياء ﵈ أوجب وَلَا أوكد مِمَّا ألزمناه الله تَعَالَى من التَّعْظِيم الْوَاجِب علينا لِنسَاء النَّبِي ﷺ بقول الله تَعَالَى ﴿النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ فَأوجب الله لَهُنَّ حكم الأمومة على كل مُسلم هَذَا سوى حق إعظامهن بالصحبة مَعَ رَسُول الله ﷺ فَلَهُنَّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُن مَعَ ذَلِك حق الصُّحْبَة لَهُ كَسَائِر الصَّحَابَة إِلَّا أَن لَهُنَّ من الِاخْتِصَاص فِي الصُّحْبَة ووكيد الْمُلَازمَة لَهُ ﵇ ولطيف الْمنزلَة عِنْده ﵇ والقرب مِنْهُ والحظوة لَدَيْهِ مَا لَيْسَ لأحد من الصَّحَابَة ﵃ فَمن أَعلَى

стр. 542

دَرَجَة فِي الصُّحْبَة من جَمِيع الصَّحَابَة ثمَّ فضلهن سَائِر الصَّحَابَة بِحَق زَائِد وَهُوَ حق الأمومة الْوَاجِب لَهُنَّ كُلهنَّ بِنَصّ الْقُرْآن لَهُنَّ كُلهنَّ بِنَصّ الْقُرْآن فَوَجَدنَا الْحق الَّذِي بِهِ اسْتحق الصَّحَابَة الْفضل قد شاركنهم فِيهِ وفضلهم فِيهِ أَيْضا ثمَّ فضلنهم بِحَق زَائِد وَهُوَ حق الأمومة ثمَّ وجدناهن لَا عمل من الصَّلَاة وَالصَّدَََقَة وَالصِّيَام وَالْحج وَحُضُور الْجِهَاد يسْبق فِيهِ صَاحب من الصَّحَابَة إِلَّا كَانَ فِيهِنَّ فقد كن يجهدن أَنْفسهنَّ فِي ضيق عيشهن على الكد فِي الْعَمَل بِالصَّدَقَةِ وَالْعِتْق ويشهدن الْجِهَاد مَعَه ﵇ وَفِي هَذَا كِفَايَة بَيِّنَة فِي أَنَّهُنَّ أفضل من كل صَاحب ثمَّ لَا شكّ عِنْد كل مُسلم وبشهادة نَص الْقُرْآن إِذْ لَا خَيره الله بَين الدُّنْيَا وَبَين الدَّار الْآخِرَة وَالله وَرَسُوله فاخترن الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَالدَّار الْآخِرَة فهن أَزوَاجه فِي الْآخِرَة بِيَقِين فَإِذا هن كَذَلِك مَعَه ﷺ بِلَا شكّ فِي دَرَجَة وَاحِدَة فِي الْجنَّة فِي قصوره وعَلى سرره إِذْ لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يُحَال بَينه وبينهن فِي الْجنَّة وَلَا أَن ينحط ﵇ إِلَى دَرَجَة يسفل فِيهَا عَن أحد من الصَّحَابَة هَذَا مَا لَا يَظُنّهُ مُسلم فَإِذا لَا شكّ فِي حصولهن على هَذِه الْمنزلَة فالبعض وَالْإِجْمَاع علمنَا أَنَّهُنَّ لم يؤتين ذَلِك اختصاصاً مُجَردا دون عمل بل باستحقاقهن لذَلِك باختيارهن الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة إِذْ أمره الله أَن يُخَيِّرهُنَّ فاخترن الله وَنبيه ﷺ وَهُوَ أفضل النَّاس ثمَّ قد حصل لَهُنَّ أفضل الْأَعْمَال فِي جَمِيع الْوُجُوه السَّبْعَة الَّتِي قدمنَا آنِفا أَنه لَا يكون التَّفَاضُل إِلَّا بهَا فِي الْأَعْمَال خَاصَّة ثمَّ قد حصل لَهُنَّ على ذَلِك أوكد التَّعْظِيم فِي الدُّنْيَا ثمَّ قد حصل لَهُنَّ أرفع الدَّرَجَات فِي الْآخِرَة فَلَا وَجه من وُجُوه الْفضل إِلَّا ولهن فِيهِ أَعلَى الحظوظ كلهَا بِلَا شكّ ومارية أم إِبْرَاهِيم دَاخِلَة مَعَهُنَّ فِي ذَلِك لِأَنَّهَا مَعَه ﵇ فِي الْجنَّة وَمَعَ ابْنهَا مِنْهُ بِلَا شكّ فَإذْ قد ثَبت كل ذَلِك على رغم الأبي فقد وَجب ضَرُورَة أَن يشْهد لَهُنَّ كُلهنَّ بأنهن أفضل من جَمِيع الْحلق كُلهنَّ بعد الْمَلَائِكَة والنبيين ﵈ وَكَيف ومعنا نَص النَّبِي ﷺ كَمَا حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله الطلمنكي ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن مفرج ثَنَا مُحَمَّد بن أَيُّوب الرقى الصموت ثَنَا أَحْمد بن عَمْرو بن عبد الْخَالِق الزار ثَنَا أَحْمد بن عمر وَحدثنَا الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان التَّمِيمِي ثَنَا حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك قَالَ قيل يَا رَسُول الله من أحب النَّاس إِلَيْك قَالَ عَائِشَة قَالَ من الرِّجَال قَالَ فأبوها حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف بن نامي قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن فتح حَدثنَا عبد الْوَهَّاب بن قيس حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَشْقَر حَدثنَا أَحْمد بن عَليّ القلانسي ثَنَا مُسلم بن الْحجَّاج ثَنَا يحيى بن يحيى بن خَالِد بن عبد الله هُوَ الطلحان عَن خَالِد الْحذاء عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ قَالَ أَخْبرنِي عَمْرو بن الْعَاصِ أَن رَسُول الله ﷺ بَعثه إِلَى جَيش ذَات السلَاسِل قَالَ فَأَتَيْته فَقلت أَي النَّاس أحب إِلَيْك فَقَالَ عَائِشَة قلت من الرِّجَال قَالَ أَبوهَا قلت ثمَّ من قَالَ عمر فعد رجَالًا فهذان عَدْلَانِ أنس وَعمر ويشهدان أَن رَسُول الله ﷺ أخبر بِأَن عَائِشَة أحب النَّاس إِلَيْهِ ثمَّ أَبوهَا وَقد قَالَ ﵇ ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى أَن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ فصح أَن كَلَامه ﵇ أحب النَّاس إِلَيْهِ وَحي أوحاه الله تَعَالَى إِلَيْهِ ليَكُون كَذَلِك ويخبر بذلك لَا عَن هوى لَهُ وَمن ظن ذَلِك فقد كذب الله تَعَالَى لَكِن لاستحقاقها لذَلِك الْفضل فِي الدّين والتقديم فِيهِ على جَمِيع النَّاس الْمُوجب لِأَن يُحِبهَا رَسُول الله ﷺ أَكثر من محبته لجَمِيع النَّاس فقد فَضلهَا رَسُول الله ﷺ على أَبِيهَا وعَلى عَمْرو وعَلى عَليّ وعَلى فَاطِمَة تَفْضِيلًا ظَاهرا بِلَا شكّ فَإِن قَالَ قَائِل فَقل إِن إِبْرَاهِيم ابْن

стр. 543

رَسُول الله ﷺ أفضل من أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ لكَونه مَعَ أَبِيه ﵇ فِي الْجنَّة فِي دَرَجَة وَاحِدَة قُلْنَا لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن إِبْرَاهِيم ابْن رَسُول الله ﷺ مَا اسْتحق تِلْكَ الْمنزلَة بِعَمَل كَانَ مِنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِصَاص مُجَرّد وَإِنَّمَا تقع المفاضلة بَين الفاضلين إِذا كَانَ فضلهما وَاحِدًا من وَجه وَاحِد فتفاضلا فِيهِ وَأما إِن كَانَ الْفضل من المفاضلة بَين الفاضلين إِذا كَانَ فضلهما وَاحِدًا من وَجه وَاحِد فتفاضلا فِيهِ وَأما إِن كَانَ الْفضل من وَجْهَيْن اثْنَيْنِ فَلَا سَبِيل إِلَى المفاضلة بَينهمَا لِأَن معنى قَول الْقَائِل أَي هذَيْن أفضل إِنَّمَا هُوَ أَي هذَيْن أَكثر أوصافاً فِي الْبَاب الَّذِي اشْتَركَا فِيهِ أَلا ترى أَنه لَا يُقَال أَيهمَا أفضل رَمَضَان أَو نَاقَة صَالح وَلَا أَيهمَا أفضل الْكَعْبَة أَو الصَّلَاة بل نقُول أَيهمَا أفضل مَكَّة أَو الْمَدِينَة وَأيهمَا أفضل رَمَضَان أَو ذُو الْحجَّة وَأيهمَا أفضل الزَّكَاة أم الصَّلَاة وَأيهمَا أفضل نَاقَة صَالح أَو نَاقَة غَيره من الْأَنْبِيَاء فقد صَحَّ أَن التَّفَاضُل إِنَّمَا يكون فِي وَجه اشْتِرَاك فِيهِ المسؤل عَنْهُمَا فَسبق أَحدهمَا فِيهِ فَاسْتحقَّ أَن يكون أفضل وَفضل إِبْرَاهِيم لَيْسَ على عمل أصلا وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِصَاص مُجَرّد وإكرام لِأَبِيهِ ﷺ وَأما نساؤه ﵇ فكونهن وَكَون سَائِر أَصْحَابه ﵈ فِي الْجنَّة إِنَّمَا هُوَ جَزَاء لَهُنَّ وَلَهُم على أعمالهن وأعمالهم قَالَ الله بعد ذكر الصحا ﵃ ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَقَالَ بعد ذكر الصَّحَابَة ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات مِنْهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما﴾ وَقَالَ تَعَالَى مُخَاطبا لنسائه ﵇ ﴿وَمن يقنت مِنْكُن لله وَرَسُوله وتعمل صَالحا نؤتها أجرهَا مرَّتَيْنِ﴾ وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَللَّه الْحَمد وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَتلك الْجنَّة الَّتِي أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿غرف من فَوْقهَا غرف مَبْنِيَّة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى وَأَن سَعْيه سَوف يرى ثمَّ يجزاه الْجَزَاء الأوفى﴾ فَإِن قَالَ قَائِل فَكيف تَقولُونَ فِي قَوْله ﵇ لن يدْخل الْجنَّة أحد بِعَمَلِهِ قيل وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ وَفضل قُلْنَا نعم هَذَا حق مُوَافق للآيات الْمَذْكُورَة وَهَكَذَا نقُول أَنه لَو عمل الْإِنْسَان دهره كُله مَا اسْتحق على الله تَعَالَى شَيْئا لِأَنَّهُ لَا يجب على الله تَعَالَى شَيْء إِذْ لَا مُوجب للأشياء الْوَاجِبَة غَيره تَعَالَى لِأَنَّهُ الْمُبْتَدِئ لكل مَا فِي الْعَالم والخالق لَهُ فلولا أَن الله تَعَالَى رحم عباده فَحكم بِأَن طاعتهم لَهُ يعطيهم بهَا الْجنَّة لما وَجب ذَلِك عَلَيْهِ فصح أَنه لَا يدْخل أحد الْجنَّة بِعَمَلِهِ مُجَردا دون رَحْمَة الله تَعَالَى لَكِن يدخلهَا برحمة لله تَعَالَى الَّتِي جعل بهَا الْجنَّة جَزَاء على أَعْمَالهم الَّتِي أطاعوه بهَا مَا اتّفقت الْآيَات مَعَ هَذَا الحَدِيث وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَإِذا لَا شكّ فِي هَذَا كُله فقد امْتنع يَقِينا أَن يجازى بالأفضل من كَانَ أنقص فضلا وَأَن يجارى بالأنقص من كَانَ أتم فضلا وَصَحَّ ضَرُورَة أَنه لَا يجزى أحد من أهل الْأَعْمَال فِي الْجنَّة إِلَّا بِمَ اسْتَحَقَّه برحمة الله تَعَالَى جَزَاء على عمله وَللَّه تَعَالَى أَن يتفضل على من شَاءَ بِمَا شَاءَ وَجَائِز أَن يقدم على ذَوي الْأَعْمَال الرفيعة قَالَ تَعَالَى ﴿يخْتَص برحمته من يَشَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء﴾ فَلَا يجوز خلاف هَذِه النُّصُوص لأحد لِأَن من خالفها كذب الْقُرْآن وَلَوْلَا هَذِه النُّصُوص لما أبعدنا أَن يعذب الله تَعَالَى على الطَّاعَة لَهُ وَأَن ينعم على مَعْصِيَته وَأَن يجازي الْأَفْضَل بالأنقص والأنقص بالأفضل لِأَن كل شَيْء ملكه وخلقه لَا مَالك لشَيْء سواهُ وَلَا معقب لحكمه وَلَا حق لأحد عَلَيْهِ لَكِن قد أمنا ذَلِك كُله بأخبار الله تَعَالَى أَنه لَا يجازي ذَا عمل إِلَّا بِعَمَلِهِ وَأَنه يتفضل على من يَشَاء فَلَزِمَ الْإِقْرَار بِكُل ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَلَو قَالَ قَائِل إِنَّمَا فضل فِي الْجنَّة وَأَعْلَى قدرا مَكَان إِبْرَاهِيم ابْن رَسُول

стр. 544

الله عَلَيْهِ وَسلم أَو مَكَان أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ قُلْنَا مَكَان إِبْرَاهِيم أَعلَى بِلَا شكّ وَلَكِن ذَلِك الْمَكَان اخْتِصَاص مُجَرّد لإِبْرَاهِيم الْمَذْكُور لم يسْتَحقّهُ بِعَمَل وَلَا اسْتحق أَيْضا أَن يقصر بِهِ عَنهُ ومواضيع هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين جَزَاء لَهُم على قدر فَضلهمْ وسوابقهم وَكَذَلِكَ نساؤه ﷺ مكانهم جَزَاء لَهُنَّ على قدر فضلهن وسوابقهن فَلَا يُقَال إِن إِبْرَاهِيم ابْن رَسُول الله ﷺ أفضل من أبي بكر أَو عمر وَلَا يُقَال أَيْضا أَن أَبَا بكر وَعمر أفضل من إِبْرَاهِيم والمفاضلة وَاقعَة بَين الصَّحَابَة وَبَين نسَاء رَسُول الله ﷺ لِأَن أَعْمَالهم وسوابقهم لَهَا مَرَاتِب متناسبة بِلَا شكّ فَإِن قَالَ قَائِل أَنَّهُنَّ لَوْلَا رَسُول الله ﷺ مَا حصلن تِلْكَ الدرجَة وَإِنَّمَا تِلْكَ الدرجَة لَهُ ﵇ قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق نعم وَلَا شكّ أَيْضا فِي أَن جَمِيع الصَّحَابَة لَوْلَا رَسُول الله ﷺ مَا حصلوا على الدرج الَّتِي لَهُم فِيهَا فَإِنَّمَا هِيَ إِذْ على قَوْلكُم لرَسُول الله ﷺ كَمَا قُلْتُمْ وَلَا فرق وَبَقِي الْفضل والتقدم لَهُنَّ كَمَا كَانَ فِي كل ذَلِك وَلَا فرق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأما فضلهن على بَنَات النَّبِي ﷺ فَبين بِنَصّ الْقُرْآن لَا شكّ فِيهِ قَالَ الله ﴿يَا نسَاء النَّبِي لستن كَأحد من النِّسَاء أَن اتقيتن فَلَا تخضعن بالْقَوْل﴾ فَهَذَا بَيَان قَاطع لَا يسع أحدا جَهله فَإِن عَارَضنَا معَارض يَقُول رَسُول الله ﷺ خير نسائها فَاطِمَة بنت مُحَمَّد قُلْنَا لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فِي هَذَا الحَدِيث بَيَان جلي لما قُلْنَا وَهُوَ أَنه ﵇ لم يقل خير النِّسَاء فَاطِمَة وَإِنَّمَا قَالَ خير نسائها فَخص وَلم يعم وتفضيل الله النِّسَاء النَّبِي ﷺ على النِّسَاء على عُمُوم وَلَا خُصُوص لَا يجوز أَن يَسْتَثْنِي مِنْهُ أحدا من اسْتثِْنَاء نَص آخر فصح أَنه ﵇ إِنَّمَا فضل فَاطِمَة على نسَاء الْمُؤمنِينَ بعد نِسَائِهِ ﷺ فاتفقت الْآيَة مَعَ الحَدِيث وَقَالَ رَسُول الله ﷺ فضل عَائِشَة على النِّسَاء كفضل الثَّرِيد على سَائِر الطَّعَام فَهَذَا أَيْضا عُمُوم موفق الْآيَة وَوَجَب أَن يَسْتَثْنِي مَا خصّه النَّبِي ﷺ بقوله نسائها من هَذَا الْعُمُوم فصح أَن نِسَاءَهُ ﵇ مَا خصّه النَّبِي ﷺ بقوله نسائها من هَذَا الْعُمُوم فصح أَن نِسَاءَهُ ﵇ افضل النِّسَاء جملَة حاشا اللواتي خصهن الله تَعَالَى بِالنُّبُوَّةِ كَأُمّ إِسْحَاق وَأم مُوسَى وَأم عِيسَى ﵈ وَقد نَص الله تَعَالَى على هَذَا بقوله الصَّادِق ﴿يَا مَرْيَم إِن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نسَاء الْعَالمين﴾ وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي أَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء كل نَبِي مِنْهُم أفضل مِمَّن لَيْسَ نَبِي من سَائِر النَّاس وَمن خَالف هَذَا فقد كفر وَكَذَلِكَ أخبر ﵇ فَاطِمَة أَنَّهَا سيدة نسَاء الْمُؤمنِينَ وَلم يدْخل نَفسه ﷺ فِي هَذِه الْجُمْلَة بل أخبر عَمَّن سواهُ وبرهان آخر وَهُوَ قَول الله تَعَالَى مُخَاطبا لَهُنَّ ﴿وَمن يقنت مِنْكُن لله وَرَسُوله وتعمل صَالحا نؤتها أجرهَا مرَّتَيْنِ﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَهَذَا فضل ظَاهر وَبَيَان لائح فِي أَنَّهُنَّ أفضل من جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ وبهذه الْآيَة صِحَة متيقنة لَا يمتري فِيهَا مُسلم فَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَفَاطِمَة وَسَائِر الصَّحَابَة ﵃ إِذا عمل الْوَاحِد مِنْهُم عملا يسْتَحق عَلَيْهِ مِقْدَارًا مَا من الْأجر وعملت امْرَأَة من نسَاء النَّبِي ﷺ مثل ذَلِك الْعَمَل بِعَيْنِه كَانَ لَهَا مثل ذَلِك الْمِقْدَار من الْأجر فَإِذا كَانَ نصيف الصحابى وَفَاطِمَة ﵃ بفي بِأَكْثَرَ من مثل جبل أحد ذَهَبا مِمَّن بعده كَانَ للْمَرْأَة من نِسَائِهِ ﵇ فِي نصيفها أَكثر من مَلِيء جبلين اثْنَيْنِ مثل جبل أحد ذَهَبا وَهَذِه فَضِيلَة لَيست لأحد بعد الْأَنْبِيَاء ﵈ إِلَّا هن وَقد صَحَّ عَن النَّبِي صلى

стр. 545

الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه يوعك كوعك رجلَيْنِ من أَصْحَابه لِأَن لَهُ (١) على ذَلِك كفاين من الْأجر (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلَيْسَ بعد هَذَا بَيَان فِي فضلهن على كل أحد من الصَّحَابَة إِلَّا من أعمى الله قلبه من الْحق ونعوذ بِاللَّه من الخذلان (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقد اعْترض علينا بعض أَصْحَابنَا فِي هَذَا الْمَكَان بقول الله تَعَالَى عَن أهل الْكتاب إِذا آمنُوا ﴿أُولَئِكَ يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ قَالَ فَيلْزم أَنهم أفضل منا فَقلت لَهُ أَن هَذِه الْآيَة وَالْخَبَر الَّذِي فِيهِ ثَلَاثَة يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ فَذكر مُؤمن أهل الْكتاب وَالْعَبْد الناصح مُعتق أمته ثمَّ يَتَزَوَّجهَا فيهمَا بَيَان الْوَجْه الَّذِي أجروا بِهِ مرَّتَيْنِ وَهُوَ الْإِيمَان بِالنَّبِيِّ ﷺ وبالنبي الأول الْمَبْعُوث بِالْكتاب الأول وَنحن نؤمن بِهَذَا كُله كَمَا آمنُوا فَنحْن شُرَكَاء ذَلِك الْمُؤمن مِنْهُم فِي ذَيْنك الإيمانين وَكَذَلِكَ العَبْد الناصح يُؤجر لطاعة سَيّده أجرا ولطاعة الله أجرا وَكَذَلِكَ مُعتق أمته ثمَّ يَتَزَوَّجهَا يُؤجر على عتقه أجرا ثمَّ يَتَزَوَّجهَا يُؤجر على عُنُقه أجرا ثمَّ على نِكَاحه إِذا أَرَادَ بِهِ وَجه الله تَعَالَى أجرا ثَانِيًا فصح يَقِينا أَن هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ فِي خَاص من أَعْمَالهم لَا فِي جَمِيع أَعْمَالهم وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يمْنَع من أَن يُؤجر غَيرهم فِي غير هَذِه الْأَعْمَال أَكثر من أُجُورهم وَأَيْضًا فَإِنَّمَا يُضَاعف لهَؤُلَاء على مَا عمله أهل طبقتهم وَلَيْسَت المضاعفة لأجور نسَاء النَّبِي ﷺ مرَّتَيْنِ من هَذَا فِي ورد وَلَا صدر لِأَن المضاعفة لَهُنَّ إِنَّمَا هِيَ فِي كل عمل عملته بِنَصّ الْقُرْآن إِذْ يَقُول الْقُرْآن يَقُول الله تَعَالَى ﴿وَمن يقنت مِنْكُن لله وَرَسُوله وتعمل صَالحا نؤتها أجرهَا مرَّتَيْنِ﴾ فَكل عمل عمله صَاحب من الصَّحَابَة لَهُ فِيهِ أجر فَلِكُل امْرَأَة مِنْهُنَّ فِي مثل ذَلِك الْعَمَل أَجْرَانِ والمضاعفة لَهُنَّ إِنَّمَا تكون على مَا عمله طبقتهن من الصَّحَابَة وَقد علمنَا أَن بَين الصاحب وَعمل غير أعظم مِمَّا بَين أحد ذَهَبا وَنصف مد شعير فَيَقَع لكل وَاحِدَة مِنْهُنَّ مثلا ذَلِك مرَّتَيْنِ وَهَذَا لَا يخفى على ذِي حس سليم فبطأت الْمُعَارضَة الَّتِي ذكرنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَاعْترض علينا أَيْضا بعض النَّاس فِي الحَدِيث الَّذِي فِيهِ أَن عَائِشَة أحب النَّاس إِلَيْهِ وَمن الرِّجَال أَبوهَا بِأَن قَالَ قد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لأسامة بن زيد أَن أَبَاهُ كَانَ أحب النَّاس إِلَيّ وَأَن هَذَا أحب النَّاس إِلَيّ بعده وَصَحَّ أَنه ﵇ قَالَ للْأَنْصَار أَنكُمْ أحب النَّاس إِلَيّ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأما هَذَا اللَّفْظ الَّذِي فِي حَدِيث أُسَامَة بن زيد أَنه أحب النَّاس إِلَيْهِ ﵊ فقد رُوِيَ من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن أَبِيه وَأما الَّذِي فِيهِ ذكر أُسَامَة وَزيد ﵄ فَإِنَّمَا رَوَاهُ عمر بن حَمْزَة عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه وَعمر وَحَمْزَة هَذَا ضَعِيف وَالصَّحِيح من هَذَا الْخَبَر هُوَ مَا رَوَاهُ عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ بِإِسْنَاد لَا مغمز فِيهِ فَذكر فِيهِ أَنه ﷺ قَالَ بِعني ليزِيد بن حَارِثَة وأيم الله إِن كَانَ لخليق بالإمارة وَإِن كَانَ لمن أحب النَّاس إِلَيّ وَأَن هَذَا من أحب النَّاس إِلَيّ بعده وَهَذَا يقْضِي على حَدِيث مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن أَبِيه لِأَنَّهُ مُخْتَصر من حَدِيث عبد الله بن دِينَار وَبِهَذَا يَنْتَفِي التَّعَارُض بَين الرِّوَايَتَيْنِ عَن ابْن عمر وَعَن أنس وَعمر وَإِلَّا فَلَيْسَ أَحدهمَا أولى من الآخر وَأما حَدِيث الْأَنْصَار فَرَوَوْه كَمَا ذكره هِشَام بن زيد عَن أنس وَرَوَاهُ عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ

стр. 546

وَسلم أَنه قَالَ أَنْتُم من أحب النَّاس إِلَيّ وَهُوَ حَدِيث وَاحِد وَزِيَادَة الْعدْل مَقْبُولَة فصح بِزِيَادَة من فِي الحَدِيث من طَرِيق الْعُدُول أَن الْأَنْصَار وزيدا وَأُسَامَة ﵃ من جملَة قوم هم أحب النَّاس إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهَذَا حق لَا يشك فِيهِ لأَنهم من أَصْحَابه وَأَصْحَابه أحب النَّاس إِلَيْهِ بِلَا شكّ وَلَيْسَ هَكَذَا جَوَابه فِي عَائِشَة ﵂ إِذْ سُئِلَ فِي أحب النَّاس إِلَيْك فَقَالَ عَائِشَة فَقيل من الرِّجَال قَالَ أَبوهَا لِأَن هَذَا قطع على بَيَان مَا سَأَلَ عَنهُ السَّائِل من معرفَة من الْمُنْفَرد الْبَائِن عَن النَّاس بمحبته ﵇ وَاعْترض علينا بعض الأشعرية بِأَن قَالَ إِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ فصح أَن محبته ﵇ لمن أحب لَيْسَ فضولا لِأَنَّهُ قد أحب عَمه وَهُوَ كَافِر (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَقُلْنَا أَن هَذِه الْآيَة لَيست على مَا ظن وَإِنَّمَا مُرَاد الله تَعَالَى ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت﴾ أَي أَحييت هداه برهَان ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ أَي من يَشَاء هداه وَفرض على النَّبِي ﷺ وعلينا أَن نحب الْهدى لكل كَافِر لَا أَن نحب الْكَافِر وَأَيْضًا فَلَو صَحَّ أَن معنى الْآيَة من أَحْبَبْت كَمَا ظن هَذَا الْمُعْتَرض لما كَانَ علينا بذلك حجَّة لِأَن هَذِه آيَة مَكِّيَّة نزلت فِي أبي طَالب ثمَّ أنزل الله تَعَالَى فِي الْمَدِينَة لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وباليوم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم وَأنزل الله تَعَالَى فِي الْمَدِينَة ﴿قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا برَاء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده﴾ وَإِن كَانَ رَسُول الله ﷺ أحب أَبَا طَالب فقد حرم الله تَعَالَى عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَنَهَاهُ عَن محبته وافترض عَلَيْهِ عداوته وبالضرورة يدْرِي كل ذِي حس سليم أَن الْعَدَاوَة والمحبة لَا يَجْتَمِعَانِ أصلا والمودة هِيَ الْمحبَّة فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن بِلَا خلاف من أحد من أهل اللُّغَة فقد بَطل أَن يحب النَّبِي ﷺ أحدا غير مُؤمن وَمن قد صحت النُّصُوص وَالْإِجْمَاع على أَن محبَّة رَسُول الله ﷺ لمن أحب فَضِيلَة وَذَلِكَ كَقَوْلِه ﵇ لعَلي لَأُعْطيَن الرابة غَدا رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله فَإذْ لَا شكّ وَلَا خلاف فِي أَن محبَّة رَسُول الله ﷺ بِخِلَاف مَا قَالَ أهل الْجَهْل وَالْكذب فقد صَحَّ يَقِينا أَن كَانَ أتم حظاً فِي الْفَضِيلَة فَهُوَ فضل مِمَّن هُوَ أقل حظاً فِي تِلْكَ الْفَضِيلَة هَذَا شَيْء يعلم ضَرُورَة فَإِذا كَانَت عَائِشَة أتم حظاً فِي الْمحبَّة الَّتِي هِيَ أتم فَضِيلَة فَهِيَ أفضل مِمَّن حَظه فِي ذَلِك أقل من حظها وَلذَلِك لما قيل لَهُ ﵇ من الرِّجَال قَالَ أَبوهَا ثمَّ عمر فَكَانَ ذَلِك مُوجبا لفضل أبي بكر ثمَّ عمر على سَائِر الصَّحَابَة ﵃ فَالْحكم بِالْبَاطِلِ لَا يجوز فِي أَن يكون يقدم أَبُو بكر ثمَّ عمر فِي الْفضل من أجل تقدمها فِي الْمحبَّة عَلَيْهِمَا وَمَا نعلم نصا فِي وجوب القَوْل بِتَقْدِيم أبي بكر ثمَّ عمر على سَائِر الصَّحَابَة إِلَّا هَذَا الْخَبَر وَحده (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقد نَص النَّبِي ﷺ على مَا ينْكح لَهُ من النِّسَاء فَذكر الْحسب وَالْمَال وَالْجمال وَالدّين وَنهي ﷺ عَن كل ذَلِك بقوله فَعَلَيْك بِذَات الدّين تربت يداك فَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكون يحض على نِكَاح النِّسَاء واختيارهن للدّين فَقَط ثمَّ يكون هُوَ ﵇ يُخَالف ذَلِك فيحب عَائِشَة لغير الدّين وَكَذَلِكَ قَوْله ﵇ فضل عَائِشَة على النِّسَاء كفضل الثَّرِيد على سَائِر الطَّعَام لَا يحل لمُسلم أَن يظنّ فِي ذَلِك شَيْئا غير الْفضل عِنْد الله تَعَالَى فِي الدّين فوصف الرجل امْرَأَته للرِّجَال لَا يرضى بِهِ إِلَّا خسيس نذل سَاقِط وَلَا

стр. 547

يحل لمن لَهُ أدنى مسكة من عقل أَن يمر هَذَا فِي باله عَن فَاضل من النَّاس فَكيف عَن الْمُقَدّس المطهر الْبَائِن فَضله على جَمِيع النَّاس ﷺ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلَوْلَا أَنه بلغنَا عَن بعض من تصدر لنشر الْعلم من زَمَاننَا وَهُوَ الْمُهلب بن أبي صفرَة التَّمِيمِي صَاحب عبد الله بن إِبْرَاهِيم الْأَصِيل أَنه أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنى الْقَبِيح وَصرح بِهِ مَا انْطلق لنا بِالْإِيمَاءِ إِلَيْهِ لِسَان وَلَكِن الْمُنكر إِذا ظهر وَجب على الْمُسلمين تَغْيِيره فرضا على حسب طاقتهم وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَكَذَلِكَ عرض الْملك لَهَا ﵁ على رَسُول الله ﷺ قبل وِلَادَتهَا فِي سرعَة من حَرِير يَقُول لَهُ هَذِه زَوجتك فَيَقُول ﵇ إِن يكن من عِنْد الله يمضيه فَهَل بعد هَذَا فِي الْفضل غَايَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَاعْترض علينا مكي بن أبي طَالب الْمقري بِأَن قَالَ يلْزم على هَذَا أَن تكون امْرَأَة أبي بكر أفضل من عَليّ لِأَن امْرَأَة أبي بكر مَعَ أبي بكر فِي الْجنَّة فِي دَرَجَة وَاحِدَة وَهِي أَعلَى من دَرَجَة عَليّ فمنزلة امْرَأَة أبي برك أَعلَى من منزلَة عَليّ فَهِيَ أفضل من عَليّ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فأجبناه بِأَن قُلْنَا لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أَن هَذَا الِاعْتِرَاض لَيْسَ بِشَيْء لوجوه أَحدهَا أَن مَا بَين دَرَجَة أبي بكر ودرجة عَليّ فِي الْفضل الْمُوجب لعلو دَرَجَته فِي الْجنَّة لعلو دَرَجَته فِي الْجنَّة على دَرَجَة عَليّ لَيست من التباين بِحَيْثُ مَا هُوَ بَين دَرَجَة النَّبِي ﷺ وَبَين دَرَجَة أبي بكر فِي الْفضل الْمُوجب لعلو دَرَجَته ﵇ على دَرَجَات سَائِر الصَّحَابَة ﵃ بل قد أيقنا أَن دَرَجَة أقل رجل منا فِي الْفضل أقرب نِسْبَة من أَعلَى دَرَجَة لأعلى رجل من الصَّحَابَة من نِسْبَة دَرَجَة أفضل الصَّحَابَة إِلَى دَرَجَة النَّبِي ﷺ وَأَيْضًا فَلَيْسَ بَين أبي بكر وَعلي فِي المباينة فِي الْفضل مَا يُوجب أَن تكون امْرَأَة أبي بكر التابعة لَهُ أفضل من عَليّ بل منَازِل الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين الَّذين أوذوا فِي سَبِيل الله مُتَقَارِبَة وَإِن تفاضلت ثمَّ كَذَلِك أهل السوابق مشهداً مشهداً درجهم فِي الْفضل مُتَقَارِبَة وَإِن تفاضلت ثمَّ منَازِل الْأَنْصَار الْأَوَّلين مُتَقَارِبَة وَإِن تفاضلت ثمَّ كَذَلِك أهل السَّابِق بعد الْهِجْرَة مشهداً مشهداً درجهم مُتَقَارِبَة فِي الْفضل ثمَّ كَذَلِك من أسلم بعد الْفَتْح أَيْضا ويزداد الْأَفْضَل فَالْأَفْضَل من الْمُشْركين فِي الْمشَاهد جَزَاء على على ذَلِك فَنَقُول أَن امْرَأَة أبي برك الْمُسْتَحقَّة بعملها الْكَوْن مَعَه فِي دَرَجَته مثل أم رُومَان لسنا نَدْرِي أَهِي أفضل أم عَليّ لأَنا لَا نَص مَعنا فِي ذَلِك والتفضيل لَا يعرف إِلَّا بِنَصّ وَقد قَالَ ﵇ حيركم الْقرن الَّذِي بعثت فِيهِ قُم الَّذين يَلُونَهُمْ أَو كَمَا قَالَ ﵇ فجعلهم طَبَقَات فِي الْخَيْر وَالْفضل فَلَا شكّ هم كَذَلِك فِي الْجَزَاء فِي الْجنَّة وَإِلَّا فَكَانَ يكون الْفضل لَا معنى لَهُ وَقَالَ ﴿هَل تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَأَيْضًا فلسنا نشك أَن الْمُهَاجِرَات الأوليات من نسَاء الصَّحَابَة ﵃ يشاركن الصَّحَابَة فِي الْفضل ففاضلة ومفضولة وفاضل ومفضول ففيهن من يفضل كثيرا من الرِّجَال وَفِي الرِّجَال من يفل كثيرا مِنْهُنَّ وَمَا ذكر الله تَعَالَى منزلَة من الْفضل إِلَّا وَقرن النِّسَاء مَعَ الرِّجَال فِيهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الْمُسلمين والمسلمأت﴾ الْآيَة حاشا الْجِهَاد فَإِنَّهُ فرض على الرِّجَال دون ولسنا ننكر أَن يكون لأبي بكر ﵁ قُصُور ومنازل مُقَدّمَة على جَمِيع الصَّحَابَة ثمَّ يكون لمن لم تستأهل من نِسَائِهِ تِلْكَ الْمنزلَة فِي الْجنَّة دون منَازِل من هُوَ أفضل مِنْهُنَّ من الصَّحَابَة فقد نكح الصَّحَابَة رَضِي الله

стр. 548

عَنْهُم التابعيات بعد الصاحبات وعليهن فَتكون تِلْكَ الْمنَازل زَائِدَة فِي فضل أَزوَاجهنَّ من الصَّحَابَة فينزلون إلَيْهِنَّ ثمَّ يَنْصَرِفُونَ إِلَى منازلهن الْعَالِيَة بل قد صَحَّ هَذَا عَن النَّبِي ﷺ وَأَنه قَالَ كلَاما مَعْنَاهُ وَأكْثر نَصه أَنه ﵇ زعيم بَيت فِي ربض الْجنَّة فِي وسط الْجنَّة وَفِي أَعلَى الْجنَّة لمن فعل كَذَا أمرا وَصفه رَسُول الله ﷺ فصح نَص مَا قُلْنَا من أَن لمن دونه ﵇ منَازِل عالية وَآخر مسفلة عَن تِلْكَ الْمنَازل ينزلون إِلَيْهَا ثمَّ يصعدون إِلَى الأعالي وَهَذَا مبعد عَن النَّبِي ﷺ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن جَمِيع نِسَائِهِ ﵇ لَهُنَّ حق الصُّحْبَة الَّتِي يشتركن فِيهَا جَمِيع الصَّحَابَة ويفضلنهم فِيهَا بِقرب الْخَاصَّة فَلَيْسَ فِي نِسَائِهِ ﵇ وَلَا وَاحِدَة يفضلها بالصحبة الَّتِي هِيَ فضيلتهم الَّتِي بهَا بانوا عَمَّن سواهُم فَقَط وَقد كفينا الْبَاب وَالْوَجْه الثَّانِي أَن تَأَخّر بعض الصَّحَابَة عَن بَعضهم فِي بعض الْأَمَاكِن مَوْجُودَة وَإِن كَانَ ذَلِك الْمُتَأَخر فِي بعض الْأَمَاكِن مُتَقَدما فِي مَكَان آخر فقد علمنَا أَن بِلَالًا عذب فِي الله مَا لم يعذب عَليّ وَأَن عليا قَاتل مَا لم يُقَاتل بِلَال وَأَن عُثْمَان أنْفق مَا لم ينْفق بِلَال وَلَا عَليّ فَيكون الْمَفْضُول مِنْهُم فِي الْجُمْلَة مُتَقَدما للَّذي فَضله فِي بعض فضائله وَلَا سَبِيل أَن يُوجد هَذَا فِيمَا بَينهم وَبَين النَّبِي ﷺ وَلَا يجوز أَن يتقدمه أحد من ولد آدم فِي شَيْء من الْفَضَائِل أَولهَا عَن آخرهَا وَلَا إِلَى أَن يلْحقهُ لَاحق فِي شَيْء من الْفَضَائِل من بني آدم فَلَا سَبِيل إِلَى ينسفل النَّبِي ﷺ إِلَى دَرَجَة يوازيها فِيهَا صَاحب من الصَّحَابَة فَكيف أَن يَعْلُو عَلَيْهِ الصاحب هَذَا أَمر تقشعر مِنْهُ جُلُود الْمُؤمنِينَ وَقد استعظم أَبُو أَيُّوب ﵁ أَن يسكن فِي غرفَة على بَيت يسكنهُ رَسُول الله ﷺ فَكيف يظنّ بِأَن هَذَا يكون فِي دَار الْجَزَاء فَإِذا كَانَ العالي من الصَّحَابَة فِي أَكثر مَنَازِله ينسفل أَيْضا فِي بَعْضهَا عَن صَاحب آخر قد علاهُ فِي منَازِل أخر على قدر تفاضلهم فِي أَعْمَالهم كَمَا ذكرنَا آنِفا فقد أخبر النَّبِي ﷺ أَن الصائمين يدعونَ من بَاب الريان وَأَن الْمُجَاهدين يدعونَ من بَاب الْجِهَاد وَأَن المتصدقين يدعونَ من بَاب الصَّدَقَة وَأَن أَبَا بكر يَرْجُو لَهُ رَسُول الله ﷺ أَن يَدعِي من جَمِيع تِلْكَ الْأَبْوَاب وَقد يجوز أَن يفضل أَبَا بكر ﵁ غَيره من الصَّحَابَة فِي بعض تِلْكَ الْوُجُوه مِمَّا انْفَرد بِبَاب مِنْهَا وَلَا يجوز أَن يفضل أحد رَسُول الله ﷺ فِي شَيْء من أَبْوَاب الْبر فَبَطل هَذَا الِاعْتِرَاض جملَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَاعْترض أَيْضا علينا مكي بن أبي طَالب بِأَن قَالَ إِذا كَانَ رَسُول الله ﷺ أفضل من مُوسَى ﵇ وَمن كل وَاحِد من الْأَنْبِيَاء ﵈ وَكَانَ ﵇ أَعلَى دَرَجَة فِي الْجنَّة من جَمِيع الْأَنْبِيَاء ﵈ وَكَانَ نساؤه ﵇ مَعَه فِي دَرَجَته فِي الْجنَّة فدرجتهن فِيهَا أَعلَى من دَرَجَة مُوسَى ﵇ وَمن درج سَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ فهن على هَذَا الحكم أفضل من مُوسَى وَسَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فأجبناه بِأَن هَذَا الِاعْتِرَاض أَيْضا لَا يلْزمنَا وَللَّه الْحَمد لِأَن الْجنَّة دَار ملك وَطَاعَة وعلو منزلَة ورياسة وَاتِّبَاع من التَّابِع للمتبوع كَمَا قَالَ ﴿وَإِذا رَأَيْت ثمَّ رَأَيْت نعيماً وملكاً كَبِيرا﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَن مُوسَى ﵇ ﴿وَكَانَ عِنْد الله وجيهاً﴾ وَأخْبر عَن جِبْرِيل ﷺ فَقَالَ ﴿ذِي قُوَّة عِنْد ذِي الْعَرْش مكين مُطَاع ثمَّ أَمِين﴾ فقد علمنَا أَن ملك الدُّنْيَا غرور وَأَن ملك الْآخِرَة والحقيقة وَقد أخبر ﵇ أَنه رأى الْأَنْبِيَاء ﵈ مَعَ اتباعهم فالنبي مَعَه الْوَاحِد والاثنان وَالثَّلَاثَة والنفر وَالْجَمَاعَة فَأخْبر عز وَجل

стр. 549

أَن هُنَالك الْملك الْكَبِير وَالطَّاعَة والوجاهة والإتباع والإستثمار وَإِنَّمَا عرض الله تَعَالَى علينا فِي الدُّنْيَا من الْملك طرفا لنعلم بِهِ مِقْدَار الْملك الَّذِي فِي دَار الْجَزَاء كَمَا عرض علينا من اللَّذَّات وَالْحَرِير والديباج وَالْخمر وَالذَّهَب وَالْفِضَّة والمسك والجواري والحلي وَأَعْلَمنَا أَن هَذَا كُله خَالِصَة لنا هُنَالك وكما صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ إِن آخر من يدْخل الْجنَّة يزكو على أعظم ملك عرفه فِي الدُّنْيَا فيتمنى مثل ملكه فيعطيه الله تَعَالَى مثل الدُّنْيَا عشر مَرَّات (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَلَمَّا صَحَّ مَا ذكرنَا وَكَانَت الْمَلَائِكَة طبقَة وَاحِدَة إِلَّا أَنهم يتعاضلون فِيهَا وَكَانَت طبقَة الْمُرْسلين النَّبِيين طبقَة وَاحِدَة لنهما أَيْضا يتفاضلون فِيهَا وكل الصَّحَابَة طبقَة وَاحِدَة إِلَّا أَنهم يتفاضلون فِيهَا فَوَجَبَ بِلَا شكّ أَن لَا يكون اتِّبَاع الرُّسُل من النِّسَاء وَالْأَصْحَاب كالمتبوعين الَّذين هم الرُّسُل لِأَن بِالضَّرُورَةِ نعلم أَن تَابع الْأَعْلَى لَيْسَ لاحقاً نَظِير متبوعه فَكيف أَن يكون أَعلَى مِنْهُ كَمَا أَن التابعيات من نسَاء الصَّحَابَة ﵃ لَا يلحقن نظراء أَزوَاجهنَّ من الصَّحَابَة إِذْ لَيْسَ هن مَعَهم فِي طبقَة وَإِنَّمَا ينظر بَين أهل كل طبقَة وَمن هُوَ فِي طبقته وَنسَاء النَّبِي ﷺ طبقَة وَاحِدَة مَعَ الصَّحَابَة فصح التَّفَاضُل بَينهم وَلَيْسَ وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَلَا مِنْهُم مَعَ الْأَنْبِيَاء فِي طبقَة فَلم يجز أَن ينظر بَينهم وَقد أخبر ﵇ أَنه رأى لَيْلَة الْإِسْرَاء الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي السَّمَوَات سَمَاء سَمَاء وبالضرورة نعلم أَن منزلَة النَّبِي الَّذِي هُوَ متبوع فِي سَمَاء الدُّنْيَا أمره هُنَاكَ مُطَاع أَعلَى من منزلَة التَّابِع فِي السَّمَاء السَّابِعَة للنَّبِي الَّذِي هُنَالك وَإِذ قد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَن كل نَبِي يَأْتِي مَعَ أمته فَنحْن مَعَ نَبينَا ﷺ فَإِن كل مَا ألزمناه مكي لَازِما لنا فَيلْزمهُ مثل ذَلِك فِينَا أَيْضا أَن نَكُون أفضل من الْأَنْبِيَاء وَهَذَا غير لَازم لما ذكرنَا من أَنه لَا ينظر فِي الْفضل إِلَّا بَين من كَانَ من أهل طبقَة وَاحِدَة فَمن كَانَ مِنْهُم أَعلَى منزلَة من الآخر كَانَ أفضل مِنْهُ بِلَا شكّ وَلَيْسَ ذَلِك فِي الطباق الْمُخْتَلفَة أَلا ترى أَن كَون مَالك خَازِن النَّار فِي مَكَان غير مَكَان خَازِن الْجنَّة وَغير مَكَان جِبْرَائِيل لَا تحط دَرَجَته عَن دَرَجَة من فِي الْجنَّة من النَّاس الَّذين الْمَلَائِكَة جملَة أفضل مِنْهُم لِأَن مَالِكًا متبوع للنار ومقدم مُطَاع مفضل بذلك على التَّابِعين والخدمة فِي الْجنَّة بِلَا شكّ فَبَطل هَذَا الشّعب وَيجمع هَذَا الْجَواب بِاخْتِصَار وَهُوَ أَن الرؤساء والمتبوعين فِي كل طبقَة فِي الْجنَّة أَعلَى من التَّابِعين لَهُم وَنسَاء النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه كلهم أَتبَاع لَهُ ﵇ وَجَمِيع الْأَنْبِيَاء متبوعون فَإِنَّمَا ينظر بَين المتبوعين أَيهمْ أفضل وَينظر بَين الأتباع أَيهمْ أفضل وَيعلم الْفضل بعلو دَرَجَة كل فَاضل من دونه فِي الْفضل وَلَا يجوز أَن ينظر بَين الأتباع والمتبوعين لِأَن المتبوعين لَا يكونُونَ الْبَتَّةَ أحط دَرَجَة من التَّابِعين وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل فَكيف يَقُولُونَ فِي الْحور الْعين أهن أفضل من النَّاس وَمن الْأَنْبِيَاء كَمَا قُلْتُمْ فِي الْمَلَائِكَة فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الْفضل لَا يعرف إِلَّا ببرهان مسموع من الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن أَو من كَلَام الرَّسُول ﷺ وَلم نجد الله تَعَالَى نَص على فضل الْحور الْعين كَمَا نَص على فضل الْمَلَائِكَة وَإِنَّمَا نَص على أَنَّهُنَّ مطهرات حسان عرب أتراب يجامعن ويشاركن أَزوَاجهنَّ فِي اللَّذَّات كلهَا وأنهن خُلِقْنَ ليلتذ بِهن الْمُؤْمِنُونَ فَإِذا الْأَمر هَكَذَا فَإِنَّمَا مَحل الْحور الْعين مَحل من هن لَهُ فَقَط إِن ذَلِك اخْتِصَاص لَهُنَّ بِلَا عمل وتكليف فهن خلاف الْمَلَائِكَة فِي ذَلِك وَبِاللَّهِ الله تَعَالَى التَّوْفِيق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمِمَّا يُؤَكد قَوْلنَا قَول الله تَعَالَى ﴿أَن أَصْحَاب الْجنَّة الْيَوْم فِي شغل فاكهون هم وأزواجهم فِي ظلال على الأرائك متكئون﴾ وَهَذَا النَّص إِذْ قد صَحَّ فقد وَجب الْإِقْرَار بِهِ

стр. 550

فَلَو عجزنا عَن تَفْضِيل بعض أَقسَام هَذِه الاعتراضات لما ألزمنا فِي ذَلِك نقصا إِذْ لَا يجوز الِاعْتِرَاض على هَذَا النَّص وَكلما صَحَّ بِيَقِين فَلَا يجوز أَن يُعَارض بِيَقِين آخر والبرهان لَا يُبطلهُ برهَان وَقد أوضحنا أَن الْجنَّة دَار جَزَاء على أَعمال الْمُكَلّفين فأعلاهم دَرَجَة أعلاهم فضلا وَنسَاء النَّبِي ﷺ أعلا دَرَجَة فِي الْجنَّة من جَمِيع الصَّحَابَة فهن أفضل مِنْهُنَّ فَمن أبي هَذَا فليخبرنا مَا معنى الْفضل عِنْده إِذْ لَا بُد أَن يكون لهَذِهِ الْكَلِمَة معنى فَإِن قَالَ لَا معنى لَهَا فقد كفانا مُؤْنَته وَإِن قَالَ لَهَا معنى سألناه مَا هُوَ فَإِنَّهُ لَا يجد غير مَا قُلْنَاهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَكيف وَقد أَتَيْنَا بتأييد الله لنا على كل مَا اعْترض علينا بِهِ فِي هَذَا الْبَاب ولاح وَجه فِي ذَلِك بَيْننَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) واستدركنا بَيَانا زَائِدَة فِي قَول النَّبِي ﷺ فِي أَن فَاطِمَة سيدة نسَاء الْمُؤمنِينَ أَو نسَاء هَذِه الْأمة فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن الْوَاجِب مُرَاعَاة أَلْفَاظ الحَدِيث وإ نما ذكر ﵇ فِي هَذَا الحَدِيث السِّيَادَة وَلم يذكر الْفضل وَذكر ﵇ فِي حَدِيث عَائِشَة الْفضل نصا بقوله ﵇ فضل عَائِشَة على النِّسَاء كفضل الثَّرِيد على سَائِر الطَّعَام (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) والسيادة غير الْفضل وَلَا شكّ أَن فَاطِمَة ﵂ سيدة نسَاء الْعَالمين بِوِلَادَة النَّبِي ﷺ لَهَا فالسيادة من بَاب الشّرف لَا من بَاب الْفضل فَلَا تعَارض بَين الحَدِيث الْبَتَّةَ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقد قَالَ ابْن عمر ﵄ هُوَ حجَّة فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة كَانَ أَبُو بكر خير وَأفضل من مُعَاوِيَة وَكَانَ مُعَاوِيَة أسود من أبي بكر فَفرق ابْن عمر كَمَا ترى بَين السَّادة وَبَين الْفضل وَالْخَيْر وَقد علمنَا أَن الْفضل هُوَ الْخَيْر نَفسه لِأَن الشَّيْء إِذا كَانَ خيرا من شَيْء آخر فَهُوَ أفضل مِنْهُ بِلَا شكّ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقد قَالَ قَائِل مِمَّن يخالفنا فِي هَذَا قَالَ الله ﴿وَلَيْسَ الذّكر كالانثى﴾ فَقُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَأَنت إِذا عِنْد نَفسك أفضل من مَرْيَم وَعَائِشَة وَفَاطِمَة لِأَنَّك ذكر وَهَؤُلَاء أناث فَإِن قَالَ هَذَا الْحق بالنوكي وَكفر بِأَن سُئِلَ عَن معنى الْآيَة قيل لَهُ الْآيَة على ظَاهرهَا وَلَا شكّ فِي أَن الذّكر لَيْسَ كالأنثى لِأَنَّهُ لَو كَانَ كالأنثى وَالْأُنْثَى أَيْضا لَيست كالذكر لِأَن هَذِه أُنْثَى وَهَذَا ذكر وَلَيْسَ هَذَا من الْفضل فِي شَيْء الْبَتَّةَ وَكَذَلِكَ الْحمرَة غير الخضرة والخضرة لَيست كالحمرة وَلَيْسَ هَذَا من بَاب الْفضل فَإِن اعْترض معترض بقول الله تَعَالَى ﴿وللرجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة﴾ قيل لَهُ إِنَّمَا هَذَا فِي حُقُوق الْأزْوَاج على الزَّوْجَات وَمن أَرَادَ حمل هَذِه الْآيَة على ظَاهرهَا لزمَه أَن يكون كل يَهُودِيّ وكل مَجُوسِيّ وكل فَاسق من الرِّجَال أفضل من أم مُوسَى وَأم عِيسَى وَأم إِسْحَاق ﵈ وَمن نسَاء النَّبِي ﷺ وَبنَاته وهذ ١ كفر مِمَّن قَالَه بِإِجْمَاع الْأمة وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَو من ينشأ فِي الْحِلْية وَهُوَ فِي الْخِصَام غير مُبين﴾ إِنَّمَا لَك فِي تقصيرهن فِي الْأَغْلَب عَن المحاجة لقلَّة ذريتهن وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يحط من الْفضل عَن ذَوَات الْفضل مِنْهُنَّ فَإِن اعْترض معترض فَقَالَ الَّذِي أمرنَا بطاعتهم من خلفاء الصَّحَابَة ﵃ أفضل من نسَاء النَّبِي ﷺ بقوله تَعَالَى ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن هَذَا خطأ من جِهَات إِحْدَاهَا أَن نسَاء النَّبِي ﷺ من جملَة أولي الْأَمر منا الَّذين أمرنَا بطاعتهم فِيمَا بلغن إِلَيْنَا عَن النَّبِي ﷺ كالأئمة من الصَّحَابَة سَوَاء

стр. 551

وَلَا فرق وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْخلَافَة لَيست من قبل فضل الْوَاحِد فِي دينه فَقَط وَجَبت لمن وَجَبت لَهُ وَكَذَلِكَ الْإِمَارَة لِأَن الْإِمَارَة قد تجوز لمن غَيره أفضل مِنْهُ وَقد كَانَ عمر ﵁ مَأْمُور بِطَاعَة عَمْرو بن الْعَاصِ إِذْ أَمر رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل فَبَطل أَن تكون الطَّاعَة إِنَّمَا تجب للأفضل فَالْأَفْضَل وَقد أَمر النَّبِي ﷺ عَمْرو بن الْعَاصِ وخَالِد بن الْوَلِيد كثيرا وَلم يَأْمر أَبَا ذَر أفضل وَأَبُو ذَر أفضل خيرا مِنْهُمَا بِلَا شكّ وَأَيْضًا فَإِنَّمَا وَجَبت طَاعَة الْخُلَفَاء من الصَّحَابَة ﵃ فِي أموامر هم مذ ولوا لَا قبل ذَلِك وَلَا خلاف فِي أَن الْولَايَة لم تزدهم فضلا على مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا زادهم فضلا عدلهم فِي الْولَايَة لَا الْولَايَة نَفسهَا وعدلهم دَاخل فِي جملَة أَعْمَالهم الَّتِي يسْتَحقُّونَ وَالْفضل بهَا أَلا ترى أَن مُعَاوِيَة وَالْحسن إِذْ وليا كَانَت طاعتهما وَاجِبَة على سعد بن أبي وَقاص وَسعد أفضل مِنْهُمَا ببون بعيد جدا وَهِي حَيّ مَعَهُمَا مَأْمُور بطاعتهما وَكَذَلِكَ القَوْل فِي جَابر وَأنس بن مَالك وَابْن عمر ﵃ فِي وجوب طَاعَة عبد الْملك بن مَرْوَان وَالَّذِي بَين جَابر وَأنس وَابْن عَمْرو بَين عبد الْملك فِي الْفضل كَالَّذي بَين النُّور والظلمة فَلَيْسَ فِي وجوب طَاعَة الْوُلَاة مَا يُوجب فضلا فِي الْجنَّة فَإِن اعْترض معترض بقول الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين أمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ بِإِيمَان ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ وَمَا التناهم من عَمَلهم من شَيْء كل امْرِئ بِمَا كسب رهين﴾ فبيان اعتراضه ظَاهر فِي آخر الْآيَة وَهُوَ أَن إِلْحَاق الذُّرِّيَّة بالأباء لَا يَقْتَضِي كَونهم مَعَهم فِي دَرَجَة وَلَا هَذَا مَفْهُوم من نَص الْآيَة بل إِنَّمَا فِيهَا إلحاقهم بهم فِيمَا ساورهم فِيهِ بِنَصّ الْآيَة ثمَّ بَين تَعَالَى ذَلِك وَلم يدعنا فِي شكّ بقوله ﴿كل امْرِئ بِمَا كسب رهين﴾ فصح أَن كل وَاحِد من الأباء وَالْأَبْنَاء يجازى حسب مَا كسب فَقَط وَلَيْسَ حكم الْأزْوَاج كَذَلِك بل أَزوَاج النَّبِي ﷺ مَعَه فِي قصوره وعَلى سرره ملتذ بِهن ومعهن جَزَاء لَهُنَّ بِمَا عملن من الْخَبَر وبصبرهن واختبار الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَالدَّار الْآخِرَة وَهَذِه منزلَة لَا يحلهَا أحد بعد النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فهن أفضل من كل وَاحِد دون الْأَنْبِيَاء ﵈ فَإِن شغب مشغب بقول رَسُول الله ﷺ مَا رَأَيْت من ناقصات عقل وَدين أسلب للب الرجل الحازم من إحداكن قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن حملت هَذَا الحَدِيث على ظَاهره فيلزمك أَن تَقول أَنَّك أتم عقلا وديناً من مَرْيَم وَأم مُوسَى وَأم إِسْحَاق وَمن عَائِشَة وَفَاطِمَة فَإِن تَمَادى على هَذَا سقط الْكَلَام مَعَه وَلم يبعد عَن الْكفْر وَإِن قَالَ لَا سقط اعتراضه وَاعْترض بِأَن من الرِّجَال من هُوَ أنقص دينا وعلاقلا من كثير من النِّسَاء فَإِن سَأَلَ عَن معنى هَذَا الحَدِيث قيل لَهُ قد بَين رَسُول الله ﷺ وَجه لَك النَّقْص وَهُوَ كَون شَهَادَة على الْمَرْأَة على النّصْف من شَهَادَة الرجل وَكَونهَا إِذا حَاضَت لَا تصلي وَلَا تَصُوم وَلَيْسَ هَذَا بِمُوجب نُقْصَان الْفضل وَلَا نُقْصَان الدّين وَالْعقل فِي غير هذَيْن الْوَجْهَيْنِ فَقَط إِذْ بِالضَّرُورَةِ نَدْرِي أَن فِي النِّسَاء من هن أفضل من كثير من الرِّجَال وَأتم دينا وعقلاً غير الْوُجُوه الَّتِي ذكر النَّبِي ﷺ وَهُوَ ﵇ لَا يَقُول إِلَّا حَقًا فصح يَقِينا أَنه إِنَّمَا عبر ﵇ مَا قد بَينه فِي الحَدِيث نَفسه من الشَّهَادَة وَالْحيض فَقَط وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا ينقص الْفضل فقد علمنَا أَن أَبَا بكر وعلياً لَو شهدُوا فِي زنا لم يحكم بِشَهَادَتِهِم وَلَو شهد بِهِ أَرْبَعَة منا عدُول فِي الظَّاهِر حكم بِشَهَادَتِهِم وَلَيْسَ ذَلِك بِمُوجب أننا أفضل من هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين وَكَذَلِكَ القَوْل فِي شَهَادَة النِّسَاء فَلَيْسَتْ الشَّهَادَة

стр. 552

من بَاب التَّفَاضُل فِي ورد وَلَا صدر لَكِن نقف فِيهَا عِنْدَمَا حَده النَّص فَقَط وَلَا شكّ عِنْد كل مُسلم فِي أَن صواحبه من نِسَائِهِ وَبنَاته ﵈ كخديجة وَعَائِشَة وَفَاطِمَة وَأم سَلمَة أفضل دينا ومنزلة عِنْد الله تَعَالَى من كل تَابع أَتَى بعدهن وَمن كل رجل يَأْتِي فِي هَذِه الْأمة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَبَطل الِاعْتِرَاض بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور وَصَحَّ أَنه على مَا فسرناه وبيناه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأَيْضًا فَقَوْل الله تَعَالَى ﴿يَا نسَاء النَّبِي لستن كَأحد من النِّسَاء﴾ مخرج لَهُنَّ عَن سَائِر النِّسَاء فِي كل مَا اعْترض بِهِ معترض مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَشبهه (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَإِن اعْترض معترض بقول النَّبِي ﷺ كمل من الرِّجَال كثير وَلم يكمل من النِّسَاء إِلَّا مَرْيَم بنت عمرَان وَامْرَأَة فِرْعَوْن فَإِن هَذَا الْكَمَال إِنَّمَا هُوَ الرسَالَة والبوة الَّتِي انْفَرد بهَا الرِّجَال وشاركهم بعض النِّسَاء فِي النُّبُوَّة وَقد يتفاضلون أَيْضا فِيهَا فَيكون بعض الْأَنْبِيَاء أكمل بعض وَيكون بعض الرُّسُل أكمل من بعض قَالَ الله ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض مِنْهُم من كلم الله وَرفع بَعضهم دَرَجَات﴾ فَإِنَّمَا ذكر فِي هَذَا الْخَبَر من بلغ غَايَة الْكَمَال فِي طبقته وَلم يتقدمه مِنْهُم أحد وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن اعْترض معترض بقوله ﵇ لَا يفلح قوم أسندوا أَمرهم إِلَى امْرَأَة فَلَا حَاجَة لَهُ فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ امْتنَاع الْولَايَة فِيهِنَّ بِمُوجب لَهُنَّ نقص الْفضل فقد علمنَا أَن ابْن مَسْعُود وبلالا وَزيد ابْن حَارِثَة ﵃ لم يكن لَهُم حَظّ فِي الْخلَافَة وَلَيْسَ بِمُوجب أَن يكون الْحسن وَابْن الزبير وَمُعَاوِيَة أفضل مِنْهُم والخلافة جَائِزَة لهَؤُلَاء غير جَائِزَة لأولئك وَمِنْهُم فِي الْفضل مَا لَا يجهله الْمُسلم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأما أفضل نِسَائِهِ فعائشة وَخَدِيجَة ﵄ لعظم فضائلهما وإخباره ﵇ أَن عَائِشَة أحب النَّاس إِلَيْهِ وَأَن فَضلهَا على النِّسَاء كفضل الثَّرِيد على سَائِر الطَّعَام وَقد ذكر ﵇ خَدِيجَة بنت خويلد فَقَالَ أفضل نسائهما مَرْيَم بنت عمرَان وَأفضل نسائها خَدِيجَة بنت خويلد مَعَ سَابِقَة خَدِيجَة فِي الْإِسْلَام وثباتها ﵂ ولأم سَلمَة وَسَوْدَة وَزَيْنَب بنت جحش وَزَيْنَب بنت خُزَيْمَة وَحَفْصَة سوابق فِي الْإِسْلَام عَظِيمَة وأحمال للمشقات فِي الله وَرَسُوله ﷺ وَالْهجْرَة والغربة عَن الوطن وَالدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام وَالْبَلَاء فِي الله وَرَسُوله ﷺ ولكهن بعد ذَلِك الْفضل الْمُبين رضوَان الله عَلَيْهِنَّ أَجْمَعِينَ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذِه مَسْأَلَة نقطع فِيهَا أننا الْمُحَقِّقُونَ عِنْد الله وَأَن من خَالَفنَا فِيهَا مخطيء عِنْد الله بِلَا شكّ وَلَيْسَت مِمَّا يسع الشَّك فِيهِ أصلا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَإِن قَالَ قَائِل هَل قَالَ هَذَا أحكم قبلكُمْ قُلْنَا لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهل قَالَ غير هَذَا أحد قبل من يخالفنا الْآن وَقد علمنَا ضَرُورَة أَن لِنسَاء النَّبِي ﷺ منزلَة من الْفضل بِلَا شكّ فَلَا بُد من الْبَحْث عَنْهَا فَلْيقل مخالفنا فِي أَي منزلَة نضعهن أبعد جَمِيع الصَّحَابَة كلهم فَهَذَا مَالا يَقُوله أحد أم بعد طَائِفَة مِنْهُم فَعَلَيهِ الدَّلِيل وَهَذَا مَا لَا سَبِيل لَهُ إِلَى وجوده وَإِذ قد بَطل هَذَانِ الْقَوْلَانِ أَحدهمَا بِالْإِجْمَاع على أَنه بَاطِل وَالثَّانِي لِأَنَّهُ دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا وَلَا برهَان فَلم يبْق إِلَّا قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين الْمُوفق للصَّوَاب بفضله ثمَّ نقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نستعين قد صَحَّ أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ خطب النَّاس حِين ولي بعد موت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ فقد صَحَّ

стр. 553

عَنهُ ﵁ أَنه أعلن بِحَضْرَة جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ أَنه لَيْسَ بخيرهم وَلم يُنكر هَذَا القَوْل مِنْهُم أحد فَدلَّ على متابعتهم لَهُ وَلَا خلاف أَنه لَيْسَ فِي أحد من الْحَاضِرين لخطبته إِنْسَان يَقُول فِيهِ أحد من النَّاس أَنه خير من أبي بكر إِلَّا عَليّ وَابْن مَسْعُود وَعمر وَأما جُمْهُور الْحَاضِرين من مخالفينا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من أهل السّنة والمرجئة والمعتزلة والخوارج فَإِنَّهُم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن أَبَا بكر أفضل من عَليّ وَعمر وَابْن مَسْعُود وَخير مِنْهُم فصح أَنه لم يبْق إِلَّا أَزوَاج النَّبِي ﷺ فَإِن قَالَ قَائِل إِنَّمَا قَالَ أَبُو بكر هَذَا تواضعاً قُلْنَا لَهُ هَذَا هُوَ الْبَاطِل الْمُتَيَقن لِأَن الصّديق الَّذِي سَمَّاهُ رَسُول الله ﷺ بِهَذَا الِاسْم لَا يجوز أَن يكذب وحاشا لَهُ من ذَلِك وَلَا يَقُول إِلَّا الْحق والصدق فصح أَن الصَّحَابَة متفقون فِي الْأَغْلَب على تَصْدِيقه فِي ذَلِك فَإذْ ذَلِك كَذَلِك وَسقط بالبرهان الْوَاضِح أَن يكون أحد من الصَّحَابَة ﵃ خيرا من أبي بكر وَلم يبْق إِلَّا أَزوَاج النَّبِي ﷺ ونساؤه ووضح أننا لَو قُلْنَا إِنَّه إِجْمَاع من جُمْهُور الصَّحَابَة لم يبعد من الصدْق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأَيْضًا فَإِن يُوسُف ابْن عبد الله النمري حَدثنَا قَالَ حَدثنَا خلف بن قَاسم ثَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ الْكِنْدِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الْبَغْدَادِيّ ثَنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ ثَنَا أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن دَاوُد الشاذ كوني قَالَ كَانَ عمار بن يَاسر وَالْحسن ابْن عَليّ يفضلان عَليّ بن أبي طَالب على أبي بكر الصّديق وَعمر حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الخوزي ثَنَا أَحْمد بن الْفضل الدينَوَرِي ثَنَا مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ أَن عَليّ بن أبي طَالب بعث عمار بن يَاسر وَالْحسن بن عَليّ إِلَى الْكُوفَة إِذْ خرجت أم الْمُؤمنِينَ إِلَى الْبَصْرَة فَلَمَّا أتياها اجْتمع إِلَيْهِمَا النَّاس فِي الْمَسْجِد فخطبهم عمار وَذكر لَهُم خُرُوج عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ إِلَى الْبَصْرَة ثمَّ قَالَ لَهُم إِنِّي لملول لكم وَالله إِنِّي لَا أعلم أَنَّهَا زَوْجَة رَسُول الله ﷺ فِي الْجنَّة كَمَا هِيَ زَوجته فِي الدُّنْيَا وَلَكِن الله ابتلاكم بهَا لتطيعوها أَو لتطيعوه فَقَالَ لَهُ مَسْرُوق أَو أَبُو الْأسود يَا أَبَا الْيَقظَان فَنحْن مَعَ من شهِدت لَهُ بِالْجنَّةِ دون من لم تشهد لَهُ فَسكت عمار وَقَالَ لَهُ الْحسن اعن نَفسك عَنَّا فَهَذَا عمار وَالْحسن وكل من حضر من الصَّحَابَة ﵃ وَالتَّابِعِينَ والكوفة يَوْمئِذٍ مملؤة مِنْهُم يسمعُونَ تَفْضِيل عَائِشَة على عَليّ وَهُوَ عِنْد عمار وَالْحسن أفضل من أبي بكر وَعمر فَلَا يُنكرُونَ ذَلِك وَلَا يعترضونه أحْوج مَا كَانُوا إِلَى إِنْكَاره فصح أَنهم متفقون على أَنَّهَا وأزواجه ﵇ أفضل من كل النَّاس بعد الْأَنْبِيَاء ﵈ وَمِمَّا يبين أَن أَبَا بكر ﵁ لم يقل وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ إِلَّا محقاً صَادِقا لَا تواضعاً يَقُول فِيهِ الْبَاطِل وحاشا لَهُ من ذَلِك مَا حدّثنَاهُ أَحْمد بن مُحَمَّد الطلمنكي قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن مفرج ثَنَا مُحَمَّد بن أَيُّوب الصموت الرفي أَنا أَحْمد بن عمر بن عبد الْخَالِق الْبر أَن ثَنَا عبد الْملك بن سعد ثَنَا عقبَة بن خَالِد ثَنَا شُعْبَة بن الْحجَّاج ثَنَا الحريري عَن أبي بصرة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ أَلَسْت أَحَق النَّاس بهَا أَو لست أول من أسلم أَلَسْت صَاحب كداء (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَهَذَا أَبُو بكر ﵁ يذكر فَضَائِل نَفسه إِذا كَانَ صَادِقا فِيهَا فَلَو كَانَ أفضلهم لصرح بِهِ وَمَا كتمه وَقد نزهه الله تَعَالَى عَن الْكَذِب فصح قَوْلنَا نصا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ثمَّ وَجب القَوْل فِيمَن هُوَ أفضل الصَّحَابَة بعد نسَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 554

فَلم نجد لمن فضل ابْن مَسْعُود أَو عمر أَو جَعْفَر بن أبي طَالب أَو أَبَا سَلمَة وَالثَّلَاثَة الأسهليين على جَمِيع الصَّحَابَة حجَّة يعْتَمد عَلَيْهَا وَوجدنَا من يُوقف لم يزدْ على أَنه لم يلح لَهُ الْبُرْهَان أَنهم أفضل وَلَو لَاحَ لَهُ لقَالَ بِهِ وَوجدنَا الْعدَد والمعارضة فِي الْقَائِلين بِأَن عليا أفضل أَكثر فَوَجَبَ أَن أَتَى بِمَا شغبوا بِهِ ليلوح الْحق فِي ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وجدناهم يحتجون بِأَن عليا كَانَ أَكثر الصَّحَابَة جهاداً وطعناً فِي الْكفَّار وَضَربا وَالْجهَاد افضل الْأَعْمَال (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا خطأ لِأَن الْجِهَاد يَنْقَسِم أقساما ثَلَاثَة أَحدهَا الدُّعَاء إِلَى الله بِاللِّسَانِ وَالثَّانِي الْجِهَاد عِنْد الْحَرْب بِالرَّأْيِ وَالتَّدْبِير وَالثَّالِث الْجِهَاد بِالْيَدِ فِي الطعْن وَالضَّرْب فَوَجَدنَا الْجِهَاد فِي اللِّسَان لَا يلْحق فِيهِ أحد بعد رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر وَعمر أما أَبُو بكر فَإِن أكَابِر الصَّحَابَة ﵃ أَسْلمُوا على يَدَيْهِ فَهَذَا أفضل عمل وَلَيْسَ لعَلي من هَذَا كثير حَظّ وَأما عمر فَإِنَّهُ من يَوْم أسلم عز الْإِسْلَام وَعبد الله تَعَالَى بِمَكَّة جَهرا وجاهد الْمُشْركين بِمَكَّة بيدَيْهِ فَضرب وَضرب حَتَّى ملوه فَتَرَكُوهُ فعبد الله تَعَالَى عَلَانيَة وَهَذَا أعظم الْجِهَاد فقد انْفَرد هَذَانِ الرّجلَانِ بِهَذَيْنِ الجهادين الَّذين لَا نَظِير لَهما ولاحظ لعَلي فِي هَذَا أصلا وَبَقِي الْقسم الثَّانِي وَهُوَ الرَّأْي والمشورة فوجدناه خَالِصا لأبي بكر ثمَّ لعَمْرو بَقِي الْقسم الثَّالِث وَهُوَ الطعْن وَالضَّرْب والمبارزة فوجدناه أقل من مَرَاتِب الْجِهَاد ببرهان ضَرُورِيّ وَهُوَ أَن رَسُول الله ﷺ لَا شكّ عِنْد كل مُسلم أَنه الْمَخْصُوص بِكُل فَضِيلَة فَوَجَدنَا جهاده ﵇ إِنَّمَا كَانَ فِي أَكثر أَعماله وأحواله الْقسمَيْنِ الْأَوَّلين من الدُّعَاء إِلَى الله وَالتَّدْبِير والإرادة وَكَانَ أقل عمله ﷺ الطعْن وَالضَّرْب والمبارزة لَا عَن جبن بل كَانَ ﵇ أَشْجَع أهل الأَرْض قاطبة نفسا ويداً وأتمهم نجدة وَلكنه كَانَ يُؤثر الْأَفْضَل فَالْأَفْضَل من الْأَفْعَال فَيقدمهُ ﵇ ويشتغل بِهِ ووجدناه ﵇ يَوْم بدر وَغَيره وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ مَعَه لَا يُفَارِقهُ إيثاراً من رَسُول الله ﷺ لَهُ بذلك واستظهاراً بِرَأْيهِ فِي الْحَرْب وأنساً بمكانه ثمَّ كَانَ عمر رُبمَا شُورِكَ فِي ذَلِك أَيْضا وَقد انْفَرد بِهَذَا الْمحل دون عَليّ وَدون سَائِر الصَّحَابَة إِلَّا فِي الندرة ثمَّ نَظرنَا مَعَ ذَلِك فِي هَذَا الْقسم من الْجِهَاد الَّذِي هُوَ الطعْن وَالضَّرْب والمبارزة فَوَجَدنَا عليا ﵁ لم ينْفَرد بالبسوق فِيهِ بل قد شَاركهُ فِي ذَلِك غَيره شركَة الْعَنَان كطلحة وَالزُّبَيْر وَسعد وَمِمَّنْ قتل فِي صدر الْإِسْلَام كحمزة وَعبيدَة بن الْحَارِث بن الْمطلب وَمصْعَب بن عُمَيْر وَمن الْأَنْصَار سعد بن معَاذ وَسماك بن خرسة وَغَيرهمَا وَوجدنَا أَبَا بكر وَعمر قد شاركاه فِي ذَلِك بحظ حسن وَإِن لم يلحقا بحظوظ هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا ذَلِك لشغلهما بالأفضل من مُلَازمَة رَسُول الله ﷺ وموازنة فِي حِين الْحَرْب وَقد بعثهما رَسُول الله ﷺ على الْبعُوث أَكثر مِمَّا بعث عليا وَقد بعث أَبَا بكر إِلَى بني فَزَارَة وَغَيرهم وَبعث عمر إِلَى بني فلَان وَمَا نعلم لعَلي بعثاً إِلَّا إِلَى بعض حصون خَيْبَر ففتحه وَقد بعث قبله أَبَا بكر وَعمر فَلم يفتحاه فَحصل أَربع أَنْوَاع الْجِهَاد لأبي بكر وَعمر وَقد شاركا عليا فِي أقل أَنْوَاع الْجِهَاد مَعَ جمَاعَة غَيرهم قل عمله ﷺ الطعْن وَالضَّرْب والمبارزة لَا عَن جبن بل كَانَ ﵇ أَشْجَع أهل الأَرْض قاطبة نفسا ويداً وأتمهم نجدة وَلكنه كَانَ يُؤثر الْأَفْضَل فَالْأَفْضَل من الْأَفْعَال فَيقدمهُ ﵇ ويشتغل بِهِ ووجدناه ﵇ يَوْم بدر وَغَيره وَكَانَ أَبُو بكر ﵂ مَعَه لَا يُفَارِقهُ إيثاراً من رَسُول الله ﷺ لَهُ بذلك واستظهاراً بِرَأْيهِ فِي الْحَرْب وأنساً بمكانه ثمَّ كَانَ عمر رُبمَا شُورِكَ فِي ذَلِك أَيْضا وَقد انْفَرد بِهَذَا الْمحل دون عَليّ وَدون سَائِر الصَّحَابَة إِلَّا فِي الندرة ثمَّ نَظرنَا مَعَ ذَلِك فِي هَذَا الْقسم من الْجِهَاد الَّذِي هُوَ الطعْن وَالضَّرْب والمبارزة فَوَجَدنَا عليا ﵁ لم ينْفَرد بالبسوق فِيهِ بل قد شَاركهُ فِي لَك غَيره شركَة الْعَنَان كطلحة وَالزُّبَيْر وَسعد وَمِمَّنْ قتل فِي صدر الْإِسْلَام كحمزة وَعبيدَة بن الْحَارِث بن الْمطلب وَمصْعَب بن عُمَيْر وَمن الْأَنْصَار سعد بن معَاذ وَسماك بن خرسة وَغَيرهمَا وَوجدنَا أَبَا برك وَعمر قد شاركاه فِي لَك بحظ حسن وَإِن لم يلحقا بحظوظ هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا ذَلِك لشغلهما بالأفضل من مُلَازمَة رَسُول الله ﷺ وموازنة فِي حِين الْحَرْب وَقد بعثهما رَسُول الله ﷺ على الْبعُوث أَكثر مِمَّا بعث عليا وَقد بعث أَبَا بكر إِلَى بني فَزَارَة وَغَيرهم وَبعث عمر إِلَى بني فلَان وَمَا نعلم لعَلي بعثاً إِلَّا إِلَى بعض حصون خَيْبَر ففتحه وَقد بعث قبله أَبَا بكر وَعمر فَلم يفتحاه فَحصل أَربع أَنْوَاع الْجِهَاد لأبي بكر وَعمر وَقد شاركا عليا فِي أقل أَنْوَاع الْجِهَاد مَعَ جمَاعَة غَيرهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَاحْتج أَيْضا من قَالَ بِأَن عليا كَانَ أَكْثَرهم علما قَالَ أَبُو مُحَمَّد كذب هَذَا الْقَائِل وَإِنَّمَا يعرف علم الصَّحَابِيّ لأحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما أَحدهمَا كَثْرَة رِوَايَته وفتاويه وَالثَّانِي كَثْرَة اسْتِعْمَال النَّبِي ﷺ لَهُ فَمن الْمحَال

стр. 555

الْبَاطِل أَن يسْتَعْمل النَّبِي ﷺ من لَا علم لَهُ وَهَذِه أكبر شَهَادَات على الْعلم وسعته فَنَظَرْنَا فِي ذَلِك فَوَجَدنَا النَّبِي ﷺ قد ولي أَبَا بكر الصَّلَاة بِحَضْرَتِهِ طول علته وَجَمِيع أكَابِر الصَّحَابَة حُضُور كعلي وَعمر وَابْن مَسْعُود وَأبي وَغَيرهم فآثره بذلك على جَمِيعهم وَهَذَا خلاف استخلافه ﵇ إِذا غزا لِأَن الْمُسْتَخْلف فِي الْغَزْوَة لم يتسخلف إِلَّا على النِّسَاء وَذَوي الْأَعْذَار فَقَط فَوَجَبَ ضَرُورَة أَن نعلم أَن أَبَا بكر أعلم النَّاس بِالصَّلَاةِ وشرائعهما وَأعلم الْمَذْكُورين بهَا وَهِي عَمُود الدّين ووجدناه ﷺ قد اسْتَعْملهُ على الصَّدقَات فَوَجَبَ ضَرُورَة أَن عِنْده من علم الصَّدقَات كَالَّذي عِنْد غَيره من عُلَمَاء الصَّحَابَة لَا أقل وَرُبمَا كَانَ أَكثر إِذْ قد اسْتعْمل ﵇ أَيْضا عَلَيْهَا غَيره وَهُوَ ﵇ لَا يسْتَعْمل إِلَّا عَالما بِمَا اسْتَعْملهُ عَلَيْهِ وَالزَّكَاة ركن من أَرْكَان الدّين بعد الصَّلَاة وبرهان مَا قُلْنَا من تَمام علم أبي بكر ﵁ بالصدقات أَن الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي الزَّكَاة أَصَحهَا وَالَّذِي يلْزم الْعلم بِهِ وَلَا يجوز خِلَافه فَهُوَ حَدِيث أبي بكر ثمَّ الَّذِي من طَرِيق عمر وَأما من طَرِيق عَليّ فمضطرب وَفِيه مَا قد تَركه الْفُقَهَاء جملَة وَهُوَ أَن فِي خمس وَعشْرين من الْإِبِل خمس شِيَاه وَوجدنَا ﵇ قد اسْتعْمل أَبَا بكر على الْحَج فصح ضَرُورَة أَنه أعلم من جَمِيع الصَّحَابَة بِالْحَجِّ وَهَذِه دعائم الْإِسْلَام ثمَّ وَجَدْنَاهُ ﵇ قد اسْتَعْملهُ على الْبعُوث فصح أَن عِنْده من أَحْكَام الْجِهَاد مثل مَا عِنْد سَائِر من اسْتَعْملهُ رَسُول الله ﷺ على الْبعُوث فِي الْجِهَاد إِذْ لَا يسْتَعْمل ﵇ على الْعَمَل إِلَّا عَالما بِهِ فَعِنْدَ أبي بكر من الْجِهَاد من الْعلم بِهِ كَالَّذي عِنْد عَليّ وَسَائِر أُمَرَاء الْبعُوث لَا أَكثر وَلَا أقل فَإذْ قد صَحَّ التَّقَدُّم لأبي بكر على عَليّ وَغَيره فِي علم الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وساواه فِي علم الْجِهَاد فَهَذِهِ عُمْدَة الْعلم ثمَّ وَجَدْنَاهُ ﵇ قد ألزم نَفسه فِي جُلُوسه ومرآته وظعنه وإقامته أَبَا بكر مشَاهد أَحْكَامه ﵇ وفتاويه أَكثر من مُشَاهدَة عَليّ لَهَا فصح ضَرُورَة أَنه أعلم بهَا فَهَل بقيت من الْعلم بَقِيَّة إِلَّا وَأَبُو بكر الْمُتَقَدّم فِيهَا الَّذِي لَا يلْحق أَو المشارك الَّذِي لَا يسْبق فبطلت دَعوَاهُم فِي الْعلم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما الرِّوَايَة وَالْفَتْوَى فَإِن أَبَا بكر ﵁ لم يَعش بعد رَسُول الله ﷺ إِلَّا سنتَيْن وَسِتَّة أشهر وَلم يُفَارق الْمَدِينَة إِلَّا حَاجا أَو مُعْتَمِرًا وَلم يحْتَج النَّاس إِلَى مَا عِنْده من الرِّوَايَة عَن رَسُول الله ﷺ لِأَن كل من حواليه أدركوا النَّبِي ﷺ وعَلى ذَلِك كُله فقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ مائَة حَدِيث وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا مستندة وَلم يرو عَن عَليّ إِلَّا خمس مائَة وست وَثَمَانُونَ حَدِيثا مُسندَة يَصح مِنْهَا نَحْو خمسين وَقد عَاشَ بعد رَسُول الله ﷺ أَزِيد من ثَلَاثِينَ سنة وَكثر لِقَاء النَّاس إِيَّاه وحاجتهم إِلَى مَا عِنْده لذهاب جُمْهُور الصَّحَابَة ﵃ وَكثر سَماع أهل الأفاق مِنْهُ مرّة بصفين وأعواماً بِالْكُوفَةِ وَمرَّة بِالْبَصْرَةِ وَالْمَدينَة فَإِذا نسبنا مُدَّة أبي بكر من حَيَاته وأضفنا تقري (١) على الْبِلَاد بَلَدا بَلَدا وَكَثْرَة سَماع النَّاس مِنْهُ إِلَى لُزُوم أبي بكر موطنه وَأَنه لم تكْثر حَاجَة من حواليه إِلَى الرِّوَايَة عَنهُ ثمَّ نسبنا عدد حَدِيث من عدد حَدِيث وفتاوي من فتاوي علم كل ذِي حَظّ من الْعلم إِن الَّذِي كَانَ عِنْد أبي بكر من الْعلم أَضْعَاف مَا كَانَ عِنْد عَليّ مِنْهُ وبرهان على ذَلِك أَن من عمر من

стр. 556

أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ عمرا قَلِيلا قل النَّقْل عَنْهُم وَمن طَال عمره مِنْهُم كثر النَّقْل عَنْهُم إِلَّا الْيَسِير من اكتفا بنيابة غَيره عَنهُ فِي تَعْلِيم النَّاس وَقد عَاشَ عَليّ بعد عمر بن الْخطاب سَبْعَة عشر عَاما غير أشهر ومسند عمر خَمْسمِائَة حَدِيث وَسَبْعَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا يَصح مِنْهَا نَحْو خمسين كَالَّذي عَن عَليّ سَوَاء بِسَوَاء فَكل مَا زَاد حَدِيث عَليّ على حَدِيث عمر تِسْعَة وَأَرْبَعين حَدِيثا فِي هَذِه الْمدَّة الطَّوِيلَة وَلم يزدْ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيح إِلَّا حَدِيثا أَو حديثين وفتاوي عمر موازنة لفتاوي عَليّ فِي أَبْوَاب الْفِقْه فَإِذا نسبنا مُدَّة من مُدَّة وضربنا فِي الْبِلَاد من ضرب فِيهَا وأضفنا حَدِيث إِلَى حَدِيث وفتاوي إِلَى فتاوي علم كل ذِي حس علما ضَرُورِيًّا أَن الَّذِي كَانَ عِنْد عمر من الْعلم أَضْعَاف مَا كَانَ عِنْد عَليّ من الْعلم ثمَّ وجدنَا الْأَمر كل مَا أَطَالَ كثرت الْحَاجة إِلَى الصَّحَابَة فِيمَا عِنْدهم من الْعلم فَوَجَدنَا حَدِيث عَائِشَة ﵂ ألفي مُسْند ومائتي مُسْند وَعشرَة مسانيد وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة خَمْسَة آلَاف مُسْند وثلاثمائة مُسْند وَأَرْبع وَسبعين مُسْندًا وَوجدنَا مُسْند ابْن عمر وَأنس قَرِيبا من مُسْند عَائِشَة لكل وَاحِد مِنْهُمَا وَوجدنَا مُسْند جَابر ابْن عبد الله وَعبد الله بَان عَبَّاس لكل وَاحِد مِنْهُمَا أَزِيد من ألف وَخَمْسمِائة وَوجدنَا لِابْنِ مَسْعُود ثَمَان ماية مُسْند ونيف وَلكُل من ذكرنَا حاشا أَبَا هُرَيْرَة وَأنس بن مَالك من الفتاوي أَكثر من فتاوي عَليّ أَو نَحْوهَا فَبَطل قَول هَذِه الطَّائِفَة الوقاح الْجُهَّال فَإِن عاندنا معاند فِي هَذَا الْبَاب جَاهِل أَو قَلِيل الْحيَاء لَاحَ كذبه وجهله فَإنَّا غير مهتمين على حط أحد من الصَّحَابَة ﵃ عَن مرتبته وَلَا على رفعته فَوق مرتبته لأننا لَو انحرفنا عَن عَليّ ﵁ ونعوذ بِاللَّه من ذَلِك لذهبنا فِيهِ مَذْهَب الْخَوَارِج وَقد نزهنا الله عَن هَذَا الضلال فِي التعصب وَلَو غلونا فِيهِ لذهبنا فِيهِ مَذْهَب الشِّيعَة وَقد أعاذنا الله تَعَالَى من هَذَا الْإِفْك فِي التعصب فَصَارَ غَيرنَا من المنحرفين عَنهُ أَو الغالبين فِيهِ هم المتهمون فِيهِ إِمَّا لَهُ وَإِمَّا عَلَيْهِ وَبعد هَذَا كُله لَيْسَ يقدر من ينتمي إِلَى الْإِسْلَام أَن يعاند فِي الِاسْتِدْلَال على كَثْرَة الْعلم بِاسْتِعْمَال النَّبِي ﷺ بِمن اسْتَعْملهُ مِنْهُم على مَا اسْتَعْملهُ عَلَيْهِ من أُمُور الدّين فَإِن قَالُوا إِن رَسُول الله ﷺ قد اسْتعْمل عليا على الْأَخْمَاس وعَلى القضاءء بِالْيَمِينِ قُلْنَا لَهُم نعم وَلَكِن مُشَاهدَة أبي بكر لَا قَضِيَّة رَسُول الله ﷺ أقوى فِي الْعلم وَأثبت مِمَّا عِنْده على وَهُوَ بِالْيَمِينِ وَقد اسْتعْمل رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر على بعوث فِيهَا الْأَخْمَاس فقد سَاوَى علمه علم عَليّ فِي حكمهَا بِلَا شكّ إِذْ لَا يسْتَعْمل ﵇ إِلَّا عَالما بِمَا يَسْتَعْمِلهُ عَلَيْهِ وَقد صَحَّ أَن أَبَا بكر وَعمر كَانَا يفتيان على عهد رَسُول الله ﷺ وَهُوَ ﵇ يعلم ذَلِك ومحال ذَلِك أَن يُبِيح لَهما ذَلِك إِلَّا وهما أعلم مِمَّن دونهمَا وَقد اسْتعْمل ﵇ أَيْضا على الْقَضَاء بِالْيَمِينِ مَعَ عَليّ معَاذًا بن جبل وَأَبا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فلعلي فِي هَذَا شُرَكَاء كثير مِنْهُم أَبُو بكر وَعمر ثمَّ قد انْفَرد أَبُو بكر بالجمهور الْأَغْلَب من الْعلم على مَا كرنا وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَن عليا كَانَ إقرا الصَّحَابَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذِه الْقِصَّة المتجردة والبهتان لوجوه أَولهَا أَنه رد على رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ ﵇ قَالَ يؤم الْقَوْم أقرؤهم فَإِن اسْتَووا فاقههم فَإِن اسْتَووا فأقدمهم هِجْرَة ثمَّ وجدنَا ﵇ قد قدم أَبَا بكر على الصَّلَاة مُدَّة الْأَيَّام الَّتِي مرض فِيهَا وَعلي بالحضرة يرَاهُ النَّبِي ﷺ غدْوَة وَعَشِيَّة فَمَا رأى لَهَا ﵇ أحد أَحَق من أبي بكر بهَا فصح أَنه كَانَ أقرأهم وافقههم وأقدمهم هِجْرَة وَقد يكون من لم يجمع حفظ

стр. 557

الْقُرْآن كُله على ظهر قلب أقرأن مِمَّن جمعه كُله عَن ظهر قلب فَيكون ألفظ بِهِ وَأَحْسَنهمْ ترتيلاً هَذَا على أَن أَبَا بكر وَعمر وَعلي لم يستكمل أحد مِنْهُم حَظّ سور الْقُرْآن كُله ظَاهرا إِلَّا أَنه قد وَجب يَقِينا بِتَقْدِيم النَّبِي ﷺ لأبي بكر على الصَّلَاة وَعلي حَاضر إِن أَبَا بكر أَقرَأ من عَليّ وَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ ليقدم إِلَى الْإِمَامَة الْأَقَل علما بِالْقِرَاءَةِ على الأقرأ أَو الْأَقَل فقهاً على الأفقه فَبَطل أَيْضا شغبهم فِي هَذَا الْبَاب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالَ قَائِلهمْ أَن عليا كَانَ أَتْقَاهُم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) كذب هَذَا الأفاك وَلَقَد كَانَ على ﵁ تقيا إِلَّا أَن الْفَضَائِل يتفاضل فِيهَا أَهلهَا وَمَا كَانَ أَتْقَاهُم لله إِلَّا أَبُو بكر والبرهان على ذَلِك أَنه لم يسوء قطّ أَبُو بكر رَسُول الله ﷺ فِي كلمة وَلَا خَالف إِرَادَته ﵇ فِي شَيْء قطّ وَلَا تَأَخّر عَن تَصْدِيقه وَلَا تردد عَن الإتمار لَهُ يَوْم الْحُدَيْبِيَة إِذْ تردد من تردد وَقد تظلم رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر إِذْ أَرَادَ نِكَاح ابْنة أبي جهل بِمَا قد عرف وَمَا وجدنَا قطّ لأبي بكر توقفاً عَن شَيْء أَمر بِهِ رَسُول الله ﷺ إِلَّا مرّة وَاحِدَة عذره فِيهَا رَسُول الله ﷺ وَأَجَازَ لَهُ فعله وَهِي إِذا أَتَى رَسُول الله ﷺ من قبا فَوَجَدَهُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بكر تَأَخّر فَأَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ أَن أقِم مَكَانك فَحَمدَ الله تَعَالَى أَبُو بكر على ذَلِك ثمَّ تَأَخّر فَصَارَ فِي الصَّفّ وَتقدم رَسُول الله ﷺ فصلى بِالنَّاسِ فَلَمَّا سلم قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ مَا مَنعك أَن تثبت حِين أَمرتك فَقَالَ أَبُو بكر مَا كَانَ لِابْنِ أبي قُحَافَة أَن يتَقَدَّم بَين يَدي رَسُول الله ﷺ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَهَذَا غَايَة التَّعْظِيم وَالطَّاعَة والخضوع لرَسُول الله ﷺ وَمَا أنكر ﵇ ذَلِك عَلَيْهِ وَإِذ قد صَحَّ بالبرهان الضَّرُورِيّ الَّذِي ذكرنَا أَن أَبَا بكر أعلم أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فقد وَجب أَنه أخشاهم لله قَالَ الله ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ والتقي هُوَ الخشية لله وَقَالَ قَائِلُونَ عَليّ كَانَ أزهدهم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) كذب هُوَ الْجَاهِل وبرهان ذَلِك أَن الزَّاهِد إِنَّمَا هُوَ عزوب (١) النَّفس عَن حب الصَّوْت وَعَن المَال وَعَن اللَّذَّات وَعَن الْميل إِلَى الْوَلَد والحاشية لَيْسَ الزَّاهِد معنى يَقع عَلَيْهِ اسْم الزّهْد إِلَّا هَذَا الْمَعْنى فَأَما عزوب النَّفس عَن المَال فقد علم كل من لَهُ أدنى بصر بِشَيْء من الْأَخْبَار الخالية أَن أَبَا بكر أسلم وَله مَال عَظِيم قيل أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم فأنفقها كلهَا فِي ذَات الله تَعَالَى وَأعْتق الْمُسْتَضْعَفِينَ من العبيد الْمُؤمنِينَ الْمُعَذَّبين فِي ذَات الله وَلم يعْتق عبيدا جلدا يمنعونه (٢) لَكِن كل معذب ومعذبة فِي الله حَتَّى هَاجر مَعَ رَسُول الله ﷺ وَلم يبْق لأبي بكر من جَمِيع مَا لَهُ إِلَّا سِتَّة ألف دِرْهَم حملهَا كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَلم يبْق لِبَنِيهِ مِنْهَا دِرْهَم ثمَّ أنفقها كلهَا فِي سَبِيل الله حَتَّى لم يبْق لَهُ شَيْء سوى عباءة لَهُ قد خللها بِعُود إِذا نزل افترشها وَإِذا ركب لبسهَا إِذْ تمول غَيره من الصَّحَابَة رَضِي الله عَن جَمِيعهم واقتنوا الرباع (٣) الواسعة والضياع الْعَظِيمَة من حلهَا وحقها إِلَّا أَن من آثر بذلك

стр. 558

سَبِيل الله أزهد مِمَّن أنفقت وَأمْسك ثمَّ ولي الْخلَافَة فَمَا اتخذ جَارِيَة وَلَا توسع فِي مَال وعد عِنْد مَوته وَمَا أنْفق على نَفسه وَولده من مَال الله الَّذِي لم يسْتَوْف مِنْهُ إِلَّا بعض حَقه وَأمر بصرفه إِلَى بَيت المَال من صلب مَاله الَّذِي حصله من شهامة الْمَغَازِي والمقاسم مَعَ رَسُول الله ﷺ فَهَذَا هُوَ الزّهْد فِي اللَّذَّات وَالْمَال الَّذِي لَا يدانيه فِيهِ أحد من الصَّحَابَة لَا عَليّ وَلَا غَيره إِلَّا أَن يكون أَبَا ذَر وَأَبا عُبَيْدَة من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين فَإِنَّهُمَا جَريا على هَذِه الطَّرِيقَة الَّتِي فارقا عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ وَتوسع من سواهُم من الصَّحَابَة ﵃ فِي الْمُبَاح الَّذِي أحله الله لَهُم إِلَّا من آثر سَبِيل الله على نَفسه أفضل وَلَوْلَا أَن أَبَا ذَر لم يكن لَهُ سَابِقَة غَيره لما تقدمه إِلَّا من كَانَ مثله فَهَذَا هُوَ الزّهْد فِي المَال وَاللَّذَّات وَلَقَد تَلا أَبَا بكر عمر ﵄ فِي هَذَا الزّهْد فَكَانَ فَوق عَليّ فِي ذَلِك يَعْنِي فِي إعراضه عَن المَال وَاللَّذَّات وَأما عَليّ ﵁ فتوسع فِي هَذَا الْبَاب من حلّه وَمَات عَن أَربع زَوْجَات وتسع عشرَة أم ولد سوى الخدم وَالْعَبِيد وَتُوفِّي عَن أَرْبَعَة وَعشْرين ولدا من ذكر وَأُنْثَى وَترك لَهُم من الْعقار والضياع هما مَا كَانُوا بِهِ من أَغْنِيَاء قَومهمْ ومياسيرهم هَذَا أَمر مَشْهُور لَا يقدر على إِنْكَاره من لَهُ أقل علم بالأخبار والْآثَار وَمن جملَة عقاره الَّتِي تصدق بهَا ضبعة كَانَت تغل ألف وسق تمر أسوى زَرعهَا فَأَيْنَ هَذَا من هَذَا وَأما حب الْوَلَد والميل إِلَيْهِم وَإِلَى الْحَاشِيَة فَالْأَمْر فِي هَذَا أبين من أَن يخفى على أحد لَهُ أقل علم بالأخبار فقد كَانَ لأبي بكر ﵁ من الْقَرَابَة وَالْولد مثل طَلْحَة بن عبيد الله من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين والسابقين من ذَوي الْفَضَائِل الْعَظِيمَة فِي كل بَاب من أَبْوَاب الْفضل فِي الْإِسْلَام وَمثل ابْنه عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر وَله مَعَ النَّبِي ﷺ صُحْبَة قديمَة وهجرة سَابِقَة وَفضل ظَاهر فَمَا اسْتعْمل أَبُو بكر رَضِي الله مِنْهُم أحدا على شَيْء من الْجِهَات وَهِي بِلَاد الْيمن كلهَا على سعتها وَكَثْرَة اسْتِعْمَالهَا وعمان وحضرموت والبحرين واليمامة والطائف وَمَكَّة وخيبر وَسَائِر أَعمال الْحجاز وَلَو استعملهم لكانوا لذَلِك أَهلا وَلَكِن خشيء الْمُحَابَاة وتوقع أَن يميله إِلَيْهِم شَيْء من الْهوى ثمَّ جرى عمر على مجْرَاه فِي ذَلِك فَلم يسْتَعْمل من بني عدي بن كَعْب أحدا على سَعَة الْبِلَاد وَكَثْرَتهَا وَقد فتح الشَّام ومصر وَجَمِيع مملكة الْفرس إِلَى خُرَاسَان إِلَّا النُّعْمَان بن عدي وَحده على ميسَان ثمَّ أسْرع إِلَى عَزله وَفِيهِمْ من الْهِجْرَة مَا لَيْسَ فِي شَيْء من اتِّخَاذ قُرَيْش لِأَن بني عدي لم يبْق أحد مِنْهُم بِمَكَّة إِلَّا هَاجر وَكَانَ فيهم مثل سعيد بن زيد أحد الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين ذَوي السوابق وَأبي الجهم ابْن حُذَيْفَة وخارجة بن حذافة وَمعمر بن عبد الله وَابْنه عبد الله بن عمر ثمَّ لم يسْتَخْلف أَبُو بكر ابْنه عبد الرَّحْمَن وَهُوَ صَاحب من الصَّحَابَة وَلَا اسْتعْمل عمر ابْنه عبد الله على الْخلَافَة وَهُوَ من فضلاء الصَّحَابَة وخيارهم وَقد رَضِي بِهِ النَّاس وَكَانَ لذَلِك أَهلا وَلَو اسْتَخْلَفَهُ لما اخْتلف عَلَيْهِ أحد فَمَا فعل وَوجدنَا عليا ﵁ إِذا ولي قد اسْتعْمل أَقَاربه عبد الْملك بن عَبَّاس على الْبَصْرَة وَعبد الله بن عَبَّاس على الْيمن وخثعم ومعبدا ابْني الْعَبَّاس على مَكَّة وَالْمَدينَة وجعدة بن نميرة وَهُوَ ابْن أُخْته أم هَانِيء بنت أبي طَالب على خُرَاسَان وَمُحَمّد بن أبي بكر وَهُوَ ابْن امْرَأَة وأخو وَلَده على مصر وَرَضي ببيعة النَّاس الْحسن ابْنه بالخلافة ولسنا ننكر اسْتِحْقَاق الْحسن للخلافة وَلَا اسْتِحْقَاق عبد الله بن الْعَبَّاس للخلافة فَكيف أَمارَة الْبَصْرَة لَكنا نقُول أَن من زهد فِي الْخلَافَة لولد مثل عبد الله بن عمر وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر وَالنَّاس متفقون عَلَيْهِ وَفِي تأمير مثل طَلْحَة بن عبد الله وَسَعِيد بن زيد فَلَا شكّ فِي أَنه أتم زهدا وأعرب (١) عَن جَمِيع

стр. 559

مَعَاني الدُّنْيَا نفسا مِمَّن أَخذ مِنْهَا مَا أُبِيح لَهُ أَخذه فصح بالبرهان الضَّرُورِيّ أَن أَبَا بكر أوهد من جَمِيع الصَّحَابَة ثمَّ عمر بن الْخطاب بعده وَقَالَ هَذَا الْقَائِل وَكَانَ عَليّ أَكْثَرهم صَدَقَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذِه مجاهرة بِالْبَاطِلِ لِأَنَّهُ لم يحفظ لعَلي مُشَاركَة ظَاهِرَة بِالْمَالِ وَأما أَمر أبي بكر ﵁ فِي إِنْفَاق مَاله فِي سَبِيل الله فأشهر من أَن تخفى على الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَكيف على الْمُسلمين ثمَّ لعُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فِي هَذَا الْمَعْنى من تجهيز جَيش الْعسرَة مَا لَيْسَ لغيره فصح أَن أَبَا بكر أعظم صَدَقَة وَأكْثر مُشَاركَة وغناء (٢) فِي الْإِسْلَام بِمَالِه من عَليّ ﵁ وَقَالُوا عَليّ هُوَ السَّابِق إِلَى الْإِسْلَام وَلم يعبد قطّ وثنا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) أما السَّابِقَة فَلم يقل قطّ أحد يعْتد بِهِ أَن عليا مَاتَ وَله أَكثر من ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة وَمَات بِلَا شكّ سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة فصح أَنه كَانَ حِين هَاجر النَّبِي ﷺ ابْن ثَلَاث وَعشْرين سنة وَكَانَت مُدَّة النَّبِي ﷺ بِمَكَّة فِي النُّبُوَّة ثَلَاث عشرَة سنة فَبعث ﵇ ولعلي عشرَة أَعْوَام فإسلام ابْن عشرَة أَعْوَام ودعاؤه إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ كتدريب الْمَرْء وَلَده الصَّغِير على الدّين لَا أَن عِنْده غناء وَلَا أَن عَلَيْهِ إِثْمًا إِن أَبى فَإِن أَخذ الْأَمر على قَول من قَالَ أَن عليا مَاتَ وَله ثَمَان وَخَمْسُونَ سنة فَإِنَّهُ كَانَ إِذْ بعث النَّبِي ﷺ ابْن خَمْسَة أَعْوَام وَكَانَ إِسْلَام ابي بكر بن ثَمَان وَثَلَاثِينَ سنة وَهُوَ الْإِسْلَام الْمَأْمُور بِهِ من عِنْد الله وَأما من لم يبلغ الْحلم فَغير مُكَلّف وَلَا مُخَاطب فسابقة أبي بكر وَعمر بِلَا شكّ أسبق من سَابِقَة عَليّ وَأما عمر فَإِنَّهُ كَانَ إِسْلَامه تَأَخّر بعد الْبَعْث بِسِتَّة أَعْوَام فَإِن غنآءه كَانَ أَكثر من غنآء أَكثر من أسلم قبله وَلم يبلغ على حد التَّكْلِيف إِلَّا بعد أَعْوَام من مبعث النَّبِي ﷺ وَبعد أَن أسلم كثير من الصَّحَابَة رجال وَنسَاء بعد أَن عذبُوا فِي الله تَعَالَى ولقوا فِيهِ الألاقي (٣) وَأما كَونه لم يعبد وثناً فَنحْن وكل مَوْلُود فِي لإسلام لم يعبد قطّ وثناً وعمار والمقداد وسلمان وَأَبُو ذَر وَحَمْزَة وجعفر ﵃ قد عبدُوا الْأَوْثَان أفترانا أفضل مِنْهُم من أجل ذَلِك معَاذ الله من هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَقُوله مُسلم فَبَطل أَن يكون هَذَا يُوجب لعَلي فضلا زَائِدا وَإِلَّا لكَانَتْ عَائِشَة سَابِقَة لعَلي ﵄ فِي هَذَا الْفضل لِأَنَّهَا كَانَت إِذْ هَاجر النَّبِي ﷺ بنت ثَمَانِي سِنِين وَأشهر وَلم تولد إِلَّا بعد إِسْلَام أَبِيهَا بسنين وَعلي ولد وَأَبوهُ عَابِد وثن قبل مبعث النَّبِي ﷺ بسنين وَعبد الله بن عمر أَيْضا أسلم أَبوهُ وَله أَربع سِنِين وَلم يعبد قطّ وثناً فَهُوَ شريك لعَلي فِي هَذِه الْفَضِيلَة وَقَالَ بَعضهم عَليّ كَانَ أسوسهم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا بَاطِل لَا خَفَاء بِهِ على مُؤمن وَلَا كَافِر فقد دري الْقَرِيب والبعيد والعالم وَالْجَاهِل وَالْمُؤمن وَالْكَافِر من سَائِر الْإِسْلَام إِذْ كفر من كفر من أهل الأَرْض بعد موت النَّبِي ﷺ وَإِذ عَن الْجَمِيع للبقية وَقبُول مَا دعت إِلَيْهِ الْعَرَب حاشا أَبَا بكر فَهَل ثَبت أحد ثبات أبي بكر على كلب الْعَدو وَشدَّة الْخَوْف حَتَّى دخلُوا فِي الْإِسْلَام أَفْوَاجًا كَمَا خَرجُوا مِنْهُ أَفْوَاجًا وأعطوا الزَّكَاة طائعين وكارهين وَلم تهله جموعهم وَلَا تضافرهم وَلَا قلَّة أهل الْإِسْلَام حَتَّى أنار الله الْإِسْلَام وأظهره ثمَّ هَل ناطح كسْرَى وَقَيْصَر على أسرة

стр. 560

ملكهَا حَتَّى أخضع حُدُود فَارس وَالروم وصرع جنودهم ونكس راياتهم وَظهر الْإِسْلَام فِي أقطار الأَرْض وذل الْكفْر وَأَهله وشبع جَائِع الْمُسلمين وَعز ذليلهم وَاسْتغْنى فقيرهم وصاروا إخْوَة لَا اخْتِلَاف بَينهم وقرؤا الْقُرْآن وتفقهوا فِي الدّين إِلَّا أَبُو بكر ثمَّ ثنى عمر ثمَّ ثنى عمر ثمَّ ثلث عُثْمَان ثمَّ لاقدر أَي النَّاس خلاف ذَلِك كُله وافتراق كلمة الْمُؤمنِينَ وَضرب الْمُسلمين بَعضهم وُجُوه بعض بِالسُّيُوفِ وَشَكتْ بَعضهم قُلُوب بعض بِالرِّمَاحِ وَقتل بَعضهم من بعض عشرات الألوف وشغلهم بذلك عَن أَن يفتح من بِلَاد الْكفْر قَرْيَة أَو يذعر لَهُم سرب أَو يُجَاهد مِنْهُم أحد حَتَّى ارتجع أهل الْكفْر كثيرا مِمَّا صَار بأيدي الْمُسلمين من بِلَادهمْ فَلم يجْتَمع الْمُسلمُونَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَأَيْنَ سياسة من سياسة قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإذْ قد بَطل كل مَا ادَّعَاهُ هَؤُلَاءِ الْجُهَّال وَلم يحصلوا إِلَى على دعاوي ظَاهِرَة الْكَذِب لَا دَلِيل على صِحَة شَيْء مِنْهَا وَصَحَّ بالبرهان كَمَا أوردنا أَن أَبَا بكر هُوَ الَّذِي فَازَ بالقدح الْمُعَلَّى والمسبق المبرز والحظ الْأَسْنَى فِي الْعلم وَالْقُرْآن وَالْجهَاد والزهد وَالتَّقوى والخشية وَالصَّدَََقَة وَالْعِتْق والمشاركة وَالطَّاعَة والسياسة فَهَذِهِ وُجُوه الْفضل كلهَا فَهُوَ بِلَا شكّ أفضل من جَمِيع الصَّحَابَة كلهم بعد نسَاء النَّبِي ﷺ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلم يحْتَج عَلَيْهِم بالأحاديث لأَنهم لَا يصدقون أحاديثنا وَلَا نصدق أَحَادِيثهم إِنَّمَا اقتصرنا على الْبَرَاهِين الضرورية بِنَقْل الكواف فَإِن كَانَت الْإِمَامَة تسْتَحقّ بالتقدم فِي الْفضل فَأَبُو بكر أَحَق النَّاس بهَا بعد موت النَّبِي ﷺ يَقِينا فَكيف وَالنَّص على خِلَافَته صَحِيح وَإِذ قد صحت إِمَامَة أبي بكر ﵁ فطاعته فرض فِي استخلافه عمر ﵁ فَوَجَبت إِمَامَة عمر فرضا بِمَا ذكرنَا وبإجماع أهل الْإِسْلَام عَلَيْهِمَا دون خلاف من أحد قطعا ثمَّ أَجمعت الْأمة كلهَا أَيْضا بِلَا خلاف من أحد مِنْهُم على صِحَة إِمَامَة عُثْمَان والدينونة بهَا وَأما خلَافَة عَليّ فَحق لَا بِنَصّ وَلَا بِإِجْمَاع لَكِن ببرهان سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله فِي الْكَلَام فِي حروبه (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمن فَضَائِل أَبَا بكر الْمَشْهُورَة قَوْله ﴿إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ فَهَذِهِ فَضِيلَة منقولة بِنَقْل الكافة لَا خلاف بَين أحد فِي أَنه أَبُو بكر فَأوجب الله تَعَالَى لَهُ فَضِيلَة الْمُشَاركَة فِي إِخْرَاجه مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي أَنه خصّه باسم الصُّحْبَة لَهُ وَبِأَنَّهُ ثَانِيه فِي الْغَار وَأعظم من ذَلِك كُله أَن الله مَعَهُمَا وَهَذَا مَا لَا يلْحقهُ فِيهِ أحد (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَاعْترضَ فِي هَذَا بعض أهل القحة فَقَالَ قد قَالَ الله ﴿فَقَالَ لصَاحبه وَهُوَ يحاوره أَنا أَكثر مِنْك مَالا﴾ قَالَ وَقد حزن أَبُو بكر فَنَهَاهُ رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَلَو كَانَ حزنه رضَا لله لما نَهَاهُ رَسُول الله ﷺ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذِه مجاهرة بِالْبَاطِلِ أما قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَة لصَاحبه وَهُوَ يحاوره قد أخبر الله تَعَالَى بِأَن أَحدهمَا مُؤمن وَالْآخر كَافِر وبأنهما مُخْتَلِفَانِ فَإِنَّمَا سَمَّاهُ صَاحبه فِي المحاورة والمجالسة فَقَط كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِلَى مَدين أَخَاهُم شعيباً﴾ فَلم يَجعله أَخَاهُم فِي الدّين لَكِن فِي الدَّار وَالنّسب فَلَيْسَ هَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ بل جعله صَاحبه فِي الدّين وَالْهجْرَة وَفِي الْإِخْرَاج وَفِي الْغَار وَفِي نصْرَة الله لَهما أخافة الْكفَّار لَهما وَفِي كَونه تَعَالَى مَعَهُمَا فَهَذِهِ الصُّحْبَة غَايَة الْفضل وَتلك الْأُخْرَى غَايَة النَّقْص بِنَصّ الْقُرْآن وَأما حزن أبي

стр. 561

بكر ﵁ فَإِنَّهُ قبل أَن ينهاه رَسُول الله ﷺ كَانَ غَايَة الرِّضَا لله لِأَنَّهُ كَانَ إشفاقاً على رَسُول الله ﷺ وَلذَلِك كَانَ الله مَعَه وَهُوَ تَعَالَى لَا يكون مَعَ العصاة بل عَلَيْهِم وَمَا حزن أَبُو بكر قطّ بعد أَن نَهَاهُ رَسُول الله ﷺ عَن الْحزن ولكان ذَلِك على مُحَمَّد ومُوسَى رَسُول الله ﷺ لهَؤُلَاء الأرذال حَيَاء أَو علم لم يَأْتُوا بِمثل هَذَا إِذْ لَو كَانَ حزن أبي بكر عَيْبا عَلَيْهِ لَكَانَ عَيْبا لِأَن الله قَالَ لمُوسَى ﵇ ﴿سنشد عضدك بأخيك ونجعل لَكمَا سُلْطَانا فَلَا يصلونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتبعكما الغالبون﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى عَن السَّحَرَة أَنهم قَالُوا لمُوسَى ﴿إِمَّا أَن تلقي وَإِمَّا أَن نَكُون أول من ألْقى قَالَ بل ألقوا فَإِذا حبالهم وعصيهم يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى فأوجس فِي نَفسه خيفة مُوسَى قُلْنَا لَا تخف أَنَّك أَنْت الْأَعْلَى﴾ فَهَذَا رَسُول الله ﷺ وكليمه قد كَانَ أخبرهُ الله بِأَن فِرْعَوْن وملأه لَا يصلونَ إِلَيْهِ وَأَن مُوسَى وَمن اتبعهُ هُوَ الْغَالِب ثمَّ أوجس فِي نَفسه خيفة بعد ذَلِك إِذْ رأى أَمر السَّحَرَة حَتَّى أوحى الله إِلَيْهِ لَا تخف فَهَذَا أَمر أَشد من أَمر أبي بكر وَإِذا لزم مَا يَقُول هَؤُلَاءِ الْفُسَّاق أَبَا بكر وحاشا لله أَن يلْزمه من أَن حزنه لَو كَانَ لما نَهَاهُ رَسُول الله ﷺ لزم أَشد مِنْهُ لمُوسَى ﵇ وَإِن إيجاسه الخيفة فِي نَفسه لَو كَانَ رضَا لله تَعَالَى مَا نَهَاهُ الله تَعَالَى عَنهُ ومعاذ الله من هَذَا بل إيجاس مُوسَى الخيفة فِي نَفسه لم يكن إِلَّا نِسْيَان الْوَعْد الْمُتَقَدّم وحزن أبي بكر ﵁ رضَا لله تَعَالَى قبل أَن ينْهَى عَنهُ وَلم يكن تقدم إِلَيْهِ نهي عَن الْحزن وَأما مُحَمَّد ﷺ فَإِن الله قَالَ ﴿وَمن كفر فَلَا يحزنك كفره﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تحزن عَلَيْهِم وَلَا تَكُ فِي ضيق﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يحزنك قَوْلهم أَن الْعِزَّة لله جَمِيعًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسرات﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فلعلك باخع نَفسك على آثَارهم إِن لم يُؤمنُوا بِهَذَا الحَدِيث أسفا﴾ ووجدناه قد قَالَ ﴿قد نعلم أَنه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وَقَالَ أَيْضا فِي الْأَنْعَام فَهَذَا الله تَعَالَى أخبرنَا أَنه يعلم أَن رَسُول الله ﷺ يحزنهُ الَّذِي يَقُولُونَ وَنَهَاهُ الله عَن ذَلِك نصا فيلزمهم فِي حزن رَسُول الله ﷺ الَّذِي نَهَاهُ الله تَعَالَى عَنهُ كَالَّذي أَرَادَ فِي حزن أبي بكر سَوَاء بِسَوَاء وَنعم إِن حزن رَسُول الله ﷺ بِمَا كَانُوا يَقُولَن من الْكفْر كَانَ طَاعَة لله تَعَالَى قبل أَن ينهاه الله وَمَا حزن ﵇ بعد أَن نَهَاهُ ربه تَعَالَى عَن الْحزن كَمَا كَانَ حزن أبي بكر طَاعَة لله قبل أَن ينهاه الله عَن الْحزن وَمَا حزن أَبُو بكر قطّ بعد أَن نَهَاهُ ﵇ عَن الْحزن فَكيف وَقد يُمكن أَن يكون أَبُو بكر لم يحزن يَوْمئِذٍ لَكِن نَهَاهُ ﵇ عَن أَن يكون مِنْهُ حزن كَمَا قَالَ تَعَالَى لنَبيه ﵇ ﴿وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفوراً﴾ فَنَهَاهُ عَن أَن يطيعهم وَلم تكن مِنْهُ طَاعَة لَهُم وَهَذَا إِنَّمَا يعْتَرض بِهِ أهل الْجَهْل والسخافة ونعوذ بِاللَّه من الضلال (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَاعْترض علينا بعض الْجُهَّال ببعثة رَسُول الله ﷺ عَليّ بن أبي طَالب خلف أبي بكر ﵁ عَنْهُمَا فِي الْحجَّة الَّتِي حَجهَا أَبُو بكر وَأخذ برآءة من أبي بكر وَتَوَلَّى عَليّ تبليغها إِلَى أهل الْمَوْسِم وقرائتها عَلَيْهِم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا من أعظم فَضَائِل أبي بكر لِأَنَّهُ كَانَ أَمِيرا على عَليّ بن أبي طَالب وَغَيره من أهل الْمَوْسِم لَا يدْفَعُونَ إِلَّا بِدَفْعِهِ وَلَا يقفون إِلَّا بوقوفه وَلَا يصلونَ إِلَّا بِصَلَاتِهِ

стр. 562

وينصتون إِذا خطب وَعلي فِي الْجُمْلَة كَذَلِك وَسورَة برآءة وَقع فِيهَا فضل أبي بكر ﵁ وَذكره فِي أَمر الْغَار وَخُرُوجه مَعَ النَّبِي ﷺ وَكَون الله تَعَالَى مَعهَا فقراءة عَليّ لَهَا أبلغ فِي إعلان فضل أبي بكر على عَليّ وعَلى وسواه وَحجَّة لأبي بكر قَاطِعَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) إِلَّا أَن ترجع الروافض إِلَى إِنْكَار الْقُرْآن وَالنَّقْص مِنْهُ وَالزِّيَادَة فِيهِ فَهَذَا أَمر يظْهر فِيهِ قحتهم وجهلهم وسخفهم إِلَى كل عَالم وجاهل فَإِنَّهُ لَا يمتري كَافِر وَلَا مُؤمن فِي أَن هَذَا الَّذِي بَين اللَّوْحَيْنِ من الْكتاب هُوَ الَّذِي أَتَى بِهِ مُحَمَّد ﷺ وَأخْبرنَا بِأَنَّهُ أوحاه لله تَعَالَى إِلَيْهِ فَمن تعرض هَذَا فقد أقرّ بِعَين عدوه (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمَا يعْتَرض إِمَامَة أبي بكر إِلَّا زار (١) عَليّ رَسُول الله ﷺ راد لأَمره فِي تَقْدِيمه أَبَا بكر إِلَى الصَّلَاة بِأَهْل الْإِسْلَام مُرِيد لإزالته عَن مقَام أَقَامَهُ فِيهِ رَسُول الله ﷺ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ولسنا من كذبهمْ فِي تأويلهم ﴿ويطعمون الطَّعَام على حبه مِسْكينا ويتيماً وأسيراً﴾ وَإِن المُرَاد بذلك عَليّ ﵁ بل هَذَا لَا يَصح لِأَن الْآيَة على عمومها وظاهرها لكل من فعل ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد فصح بِمَا ذكرنَا فضل أبي بكر على جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ بعد نسَاء النَّبِي ﷺ بالبراهين الْمَذْكُورَة وَأما الْأَحَادِيث فِي ذَلِك فكثيرة كَقَوْل رَسُول الله ﷺ فِي أبي بكر دعوا لي صَاحِبي فَإِن النَّاس قَالُوا كذبت وَقَالَ أَبُو بكر صدقت وَقَوله ﷺ لَو كنت متخذاً خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن أخي وصاحبي وَهَذَا الَّذِي لَا يَصح غَيره وَأما أخوة عَليّ فَلَا تصح إِلَّا مَعَ سهل بن حنيف وَمِنْهَا أمره ﷺ بسد كل بَاب وخوخة فِي الْمَسْجِد حاشا خوخة أبي بكر وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يَصح غَيره وَمِنْهَا غَضَبه ﷺ على من خَارج أَبَا بكر وعَلى من أَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْر أبي بكر للصَّلَاة وَمِنْهَا قَوْله ﷺ أَن أَمن النَّاس عَليّ عَليّ فِي مَاله أَبُو بكر وعمدتنا فِي تَفْضِيل أبي بكر ثمَّ عمر على جَمِيع الصَّحَابَة بعد نسَاء النَّبِي ﷺ هُوَ قَول رَسُول الله ﷺ إِذا سُئِلَ من أحب النَّاس إِلَيْك يَا رَسُول الله قَالَ عَائِشَة قيل فَمن الرِّجَال قَالَ أَبوهَا قيل ثمَّ من يَا رَسُول الله قَالَ عمر (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فقطعنا بِهَذَا ثمَّ وقفنا وَلَو زادنا رَسُول الله ﷺ بَيَانا لزدنا لَكنا لَا نقُول فِي شَيْء من الدّين إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّص (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَاخْتلف النَّاس فِيمَن أفضل أعثمان أم عَليّ ﵄ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَالَّذِي يَقع فِي نفوسنا دون أَن نقطع بِهِ وَلَا نخطيء من خَالَفنَا فِي ذَلِك فَهُوَ أَن عُثْمَان أفضل من عَليّ وَالله أعلم لِأَن فضائلهما تتقاوم فِي الْأَكْثَر فَكَانَ عُثْمَان أَقرَأ وَكَانَ عَليّ أَكثر فتيا وَرِوَايَة ولعلي أَيْضا حَظّ قوي فِي الْقِرَاءَة ولعثمان أَيْضا حَظّ قوي فِي الْفتيا وَالرِّوَايَة ولعلي مقامات عَظِيمَة فِي الْجِهَاد بِنَفسِهِ ولعثمان مثل ذَلِك بِمَالِه ثمَّ انْفَرد عُثْمَان بِأَن رَسُول الله ﷺ بَايع ليساره المقدسة عَن يَمِين عُثْمَان فِي بيعَة الرضْوَان وَله هجرتان وسابقة قديمَة وصهر مكرم مَحْمُود وَلم يحضر بَدْرًا فألحقه الله فِيهِ بأجره التَّام وسهمه فألحقه

стр. 563

بِمن حضرها فَهُوَ مَعْدُود فيهم ثمَّ كَانَت لَهُ فتوحات فِي الْإِسْلَام عَظِيمَة لم تكن لعَلي وسيرة فِي الْإِسْلَام هادية وَلم يتسبب بسفك دم مُسلم وَجَاءَت فِيهِ آثَار صِحَاح وَأَن الْمَلَائِكَة تَسْتَحي مِنْهُ وَأَنه وَمن أتبعه على الْحق وَالَّذِي صَحَّ من فَضَائِل عَليّ فَهُوَ قَول النَّبِي ﷺ أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي وَقَوله ﵇ لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدا رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله وَهَذِه صفة وَاجِبَة لكل مُؤمن وفاضل وَعَهده عَليّ السَّلَام أَن عليا لَا يُحِبهُ إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضه إِلَّا مُنَافِق وَقد صَحَّ مثل هَذِه فِي الْأَنْصَار ﵃ أَنه لَا يبغضهم من مُؤمن بِاللَّه وباليوم الآخر وَأما من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ فَلَا يَصح من طَرِيق الثِّقَات أصلا وَأما سَائِر الْأَحَادِيث الَّتِي تتَعَلَّق بهَا الرافضة فموضوعة يعرف ذَلِك من لَهُ أدنى علم بالأخبار ونقلتها (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ونقول بِفضل الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين بعد عمر بن الْخطاب قطعا إِلَّا أننا لَا نقطع بِفضل أحد مِنْهُم على صَاحبه كعثمان بن عَفَّان وَعُثْمَان بن مظغون وَعلي وجعفر وَحَمْزَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَمصْعَب بن عُمَيْر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبد الله بن مَسْعُود وَسعد وَزيد بن حَارِثَة وَأبي عُبَيْدَة وبلال وَسَعِيد بن زيد وعمار بن يَاسر وَأبي سَلمَة وَعبد الله بن جحش وَغَيرهم من نظرائهم ثمَّ بعد هَؤُلَاءِ أهل الْعقبَة ثمَّ أهل بدر ثمَّ أهل الْمشَاهد كلهَا مشهداً مشهداً فَأهل كل مشْهد أفضل من أهل المشهد الَّذِي بعده حَتَّى بلغ الْأَمر إِلَى الْحُدَيْبِيَة فَكل من تقدم ذكره من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ﵃ إِلَى تَمام بيعَة الرضْوَان فإننا نقطع على غيب قُلُوبهم وَأَنَّهُمْ كلهم مُؤمنُونَ صَالِحُونَ مَاتُوا على الْإِيمَان وَالْهدى وَالْبر كلهم من أهل الْجنَّة لَا يلج أحد مِنْهُم النَّار الْبَتَّةَ لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون فِي جنَّات النَّعيم﴾ وَكَقَوْلِه ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة فَعلم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَمن أخبرنَا الله أَنه علم مَا فِي قُلُوبهم ﵃ وَأنزل السكينَة عَلَيْهِم فَلَا يحل لأحد التَّوَقُّف فِي أَمرهم وَلَا الشَّك فيهم الْبَتَّةَ وَلقَوْل رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل النَّار أحد بَايع تَحت الشَّجَرَة إِلَّا صَاحب الْجمل الْأَحْمَر ولإخباره ﵇ أَنه لَا يدْخل النَّار أحد شهد بَدْرًا ثمَّ تقطع على أَن كل من صحب رَسُول الله ﷺ بنية صَادِقَة وَلَو سَاعَة فَإِنَّهُ من أهل الْجنَّة لَا يدْخل النَّار لتعذيب إِلَّا أَنهم لَا يلحقون بِمن أسلم قبل الْفَتْح وَذَلِكَ لقَوْل الله ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وعد الله لَا يخلف الله وعده﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا وهم فِي مَا اشتهت أنفسهم خَالدُونَ لَا يحزنهم الْفَزع الْأَكْبَر وتتلقاهم الْمَلَائِكَة هَذَا يومكم الَّذِي كُنْتُم توعدون﴾ فصح بِالضَّرُورَةِ أَن كل اتّفق قبل الْفَتْح وَقَاتل فَهُوَ مَقْطُوع على غيبه لتفضيل الله تَعَالَى إيَّاهُم وَالله تَعَالَى لَا يفضل إِلَّا مُؤمنا فَاضلا وَأما من أتفق بعد الْفَتْح وَقَاتل فقد كَانَ فيهم مُنَافِقُونَ لم يعلمهُمْ رَسُول الله ﷺ فَكيف نَحن قَالَ تَعَالَى ﴿وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ ثمَّ يردون إِلَى عَذَاب عَظِيم﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَلهَذَا لم نقطع على كل امريء مِنْهُم بِعَيْنِه لَكِن نقُول كل من لم يكن منههم

стр. 564

من الْمُنَافِقين فَهُوَ من أهل الْجنَّة يَقِينا لِأَنَّهُ قد وعدهم الله تَعَالَى الْحسنى كلهم وَأخْبر أَنه لَا يخلف وعده وَإِن من سبقت لَهُ الْحسنى فَهُوَ مبعد من النَّار لَا يسمع حَسِيسهَا وَلَا يحزنهُ الْفَزع الْأَكْبَر وَهُوَ فِيمَا اشْتهى خَالِد وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) لقد خَابَ وخسر من رد قَول ربه أَنه رَضِي عَن الْمُبَايِعين تَحت الشَّجَرَة وَعلم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم وَقد علم كل أحد لَهُ أدنى علم أَن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وعلياً وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وعمار والمغيرة بن شُعْبَة ﵃ من أهل هَذِه الصّفة والخوارج وَالرَّوَافِض قد انتظمت الطائفتان الملعونتان البريئة مِنْهُم خلافًا لله وعناداً لَهُ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَهَذَا قَوْلنَا فِي الصَّحَابَة ﵃ فَأَما التابعون وَمن بعدهمْ فَلَا نقطع على غيبهم وَاحِدًا وَاحِدًا الْأَمر بَان مِنْهُ احْتِمَال الْمَشَقَّة فِي الصَّبْر للدّين ورفض الدُّنْيَا لغير غَرَض استعجله إِلَّا أننا لَا نَدْرِي على مَاذَا مَاتَ وَإِن بلغنَا الْغَايَة فِي تعظيمهم وتوقيرهم وَالدُّعَاء بالمغفرة وَالرَّحْمَة والرضوان لَهُم لَكِن نتولاهم جملَة قطعا ونتولى كل إِنْسَان مِنْهُم بِظَاهِرِهِ وَلَا نقطع على أحد مِنْهُم بجنة وَلَا نَار لَكِن نرجو لَهُم ونخاف عَلَيْهِم إِذْ لَا نَص فِي إِنْسَان مِنْهُم بِعَيْنِه وَلَا يحل الْإِخْبَار عَن الله إِلَّا بِنَصّ من عِنْده لَكِن نقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ خَيركُمْ الْقرن الَّذِي بعثت فيهم ثمَّ الَّذِي يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذِي يَلُونَهُمْ وَمعنى هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ كل قرن من هَذِه الْقُرُون الَّتِي ذكر ﵇ أَكثر فضلا بِالْجُمْلَةِ من الْقرن الَّذِي بعده لَا يجوز غير هَذَا الْبَتَّةَ وبرهان ذَلِك أَن قد كَانَ فِي عصر التَّابِعين من هُوَ أفسق الْفَاسِقين كمسلم بن عقبَة المري وحبيش بن دلحة القبني وَالْحجاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ وقتلة عُثْمَان وقتلة ابْن الزبير وقتلة الْحُسَيْن ﵃ وَلعن قَتلتهمْ وَمن بَعثهمْ فَمن خَالف قَوْلنَا فِي هَذَا الْخَبَر لزمَه أَن يَقُول أَن هَؤُلَاءِ الْفُسَّاق الأخابث أفضل من كل فَاضل فِي الْقرن الثَّالِث وَمن بعده كسفيان الثَّوْريّ والفضيل بن عِيَاض ومسعر بن كدام وَشعْبَة وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وسُفْيَان بن عُيَيْنَة ووكيع وَابْن مبارك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَدَاوُد بن عَليّ ﵃ وَهَذَا مَا لَا يَقُوله أحد وَمَا يبعد أَن يكون فِي زَمَاننَا وفيمن يَأْتِي بَعدنَا من هُوَ أفضل رجل من التَّابِعين عِنْد الله إِذْ لم يَأْتِ فِي الْمَنْع من ذَلِك نَص وَلَا دَلِيل أصلا والْحَدِيث الْمَأْثُور فِي أويس الفرني لَا يَصح لِأَن مَدَاره على اسيد بن جَابر وَلَيْسَ بالقوى وَقد ذكر شُعْبَة أَنه سَأَلَ عَمْرو بن مرّة وَهُوَ كُوفِي قَرْني مرادي من أشرف مرَادا وأعلمهم عَن اويس الْقَرنِي فَلم يعرفهُ فِي قومه وَأما الصَّحَابَة ﵃ فبخلاف هَذَا وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يلْحق أقلهم دَرَجَة أحد من أهل الأَرْض وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَذهب بعض الروافض إِلَى أَن لِذَوي قرَابَة رَسُول الله ﷺ فضلا بِالْقَرَابَةِ فَقَط وَاحْتج بقوله تَعَالَى ﴿إِن الله اصْطفى آدم ونوحا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وأبعث فيهم رَسُولا مِنْهُم﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا كُله لَا حجَّة فِيهِ أما إخْبَاره تَعَالَى بِأَنَّهُ اصْطفى آل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن يَعْنِي كل مُؤمن فقد قَالَ ذَلِك بعض الْعلمَاء أَو يَعْنِي مُؤمن أهل بَيت إِبْرَاهِيم وَعمر أَن لَا يجوز غير هَذَا لِأَن آزر وَالِد إِبْرَاهِيم

стр. 565

عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ كَافِرًا عَدو الله لم يصطفه الله تَعَالَى إِلَّا لدُخُول النَّار فَإِن أَرَادَ الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا لم نمانعه وَلَا تنازعه فِي أَن مُوسَى وَهَارُون من آل عمرَان وَآل إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق ويوسف وَيَعْقُوب من آل إِبْرَاهِيم مصطفون على الْعَالمين فَأَي حجَّة هَا هُنَا لبني هَاشم فَإِن ذكرُوا الدُّعَاء الْمَأْمُور بِهِ وَهُوَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وَبَارك على مُحَمَّد وعَلى مُحَمَّد فَالْقَوْل فِي هَذَا كَمَا قُلْنَا وَلَا فرق وَهَذَا دُعَاء لكل مُؤمن وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ صلي على آل أبي أوفي فَهَذَا هُوَ الدُّعَاء لَهُم بِالصَّلَاةِ على كل مُؤمن ومؤمنة بِلَا خلاف وَكَذَلِكَ الدُّعَاء فِي التَّشَهُّد المفترض فِي كل صَلَاة من قَول الْمُصْطَفى السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين فَهَذَا السَّلَام على كل مُؤمن ومؤمنة فَاسْتَوَى بَنو هَاشم وَغَيرهم فِي اطلاق الدُّعَاء بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِم وبالسلام عَلَيْهِم وَلَا فرق وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَبشر الصابرين الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون﴾ فَوَجَبت صلوَات الله تَعَالَى على كل مُؤمن صابر فَاسْتَوَى كُله بَنو هَاشم وقريش وَالْعرب والعجم وَمن كَانَ جَمِيعهم بِهَذِهِ الصّفة وَأَيْضًا فَيلْزم من احْتج بقوله تَعَالَى ﴿إِن الله اصْطفى آدم ونوحا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين﴾ أَن يَقُول إِن من أسلم من الهارونيين من الْيَهُود أفضل من بني هَاشم وأشرف وَأولى بالتقديم لِأَنَّهُ من آل عمرَان وَمن آل إِبْرَاهِيم وَفِيهِمْ ورد النَّص (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فصح يَقِينا أَن الله إِنَّمَا أَرَادَ بذلك الْأَنْبِيَاء ﵈ فَقَط وَبَين هَذَا بَيَان جلياً قَول الله حاكياً عَن إِبْرَاهِيم ﵇ أَنه قَالَ ﴿وَمن ذريتي قَالَ لَا ينَال عهدي الظَّالِمين﴾ وَمن ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم ﵇ الظَّالِمين من ذُرِّيَّة غَيره وَقَالَ أَن أولى النَّاس بإبراهيم للَّذين اتَّبعُوهُ وَهَذَا النَّبِي وَالَّذين آمنُوا فَخص الله تَعَالَى بِولَايَة إِبْرَاهِيم ﵇ من اتبع إِبْرَاهِيم كَائِنا من كَانَ فَدخل فِي هَذَا كل مُؤمن ومؤمنة وَلَا فضل وَأما قَول الله ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ فَهَذَا حق على ظَاهره وَإِنَّمَا أَرَادَ ﵇ من قُرَيْش أَن يودوه لِقَرَابَتِهِ مِنْهُم وَلَا يخْتَلف أحد من الْأمة فِي أَنه ﵇ لم يرد قطّ من الْمُسلمين أَن يودوا أَبَا لَهب وَهُوَ عَمه وَلَا شكّ فِي أَنه ﵇ أَرَادَ من الْمُسلمين مَوَدَّة بِلَال وعمار وصهيب وَسليمَان وَسَالم مولي أبي حُذَيْفَة وَأما قَوْله عَن إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿وأبعث فيهم رَسُولا مِنْهُم﴾ فقد قَالَ ﴿وَأَن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم﴾ فاستوت الْأُمَم كلهَا فِي هَذِه الدعْوَة بِأَن يبْعَث فيهم رَسُولا مِنْهُم مِمَّن هم قومه فَإِن احْتج مُحْتَج بِالْحَدِيثِ الثَّابِت الَّذِي فِيهِ أَن الله اصْطفى كنَانَة من ولد إِسْمَاعِيل وَاصْطفى قُريْشًا من كنَانَة وَاصْطفى من قُرَيْش بني هَاشم وَاصْطَفَانِي من بَين هَاشم فَمَعْنَاه ظَاهر وَهُوَ أَنه تَعَالَى اخْتَار كَونه ﵊ من بني هَاشم وَكَون بني هَاشم من قُرَيْش وَكَون قُرَيْش من كنَانَة وَكَون كنَانَة من بني إِسْمَاعِيل كَمَا اصْطفى أَن يكون مُوسَى من بني لاوي وَأَن يكون بَنو لاوي من بني إِسْحَاق ﵇ وكل نَبِي من عشيرته الَّتِي هُوَ مِنْهَا وَلَا يجوز غير هَذَا الْبَتَّةَ ونسأل من أَرَادَ حمل هَا الحَدِيث على غير هَذَا لِمَعْنى أَيَدْخُلُ أحد من بني هَاشم أَو من قُرَيْش أَو من كنَانَة أَو من إِسْمَاعِيل النَّار أم لَا فَإِن أَنْكَرُوا هَذَا
следующие страницы →