Полный текст (708 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
بكر ﵁ فَإِنَّهُ قبل أَن ينهاه رَسُول الله ﷺ كَانَ غَايَة الرِّضَا لله لِأَنَّهُ كَانَ إشفاقاً على رَسُول الله ﷺ وَلذَلِك كَانَ الله مَعَه وَهُوَ تَعَالَى لَا يكون مَعَ العصاة بل عَلَيْهِم وَمَا حزن أَبُو بكر قطّ بعد أَن نَهَاهُ رَسُول الله ﷺ عَن الْحزن ولكان ذَلِك على مُحَمَّد ومُوسَى رَسُول الله ﷺ لهَؤُلَاء الأرذال حَيَاء أَو علم لم يَأْتُوا بِمثل هَذَا إِذْ لَو كَانَ حزن أبي بكر عَيْبا عَلَيْهِ لَكَانَ عَيْبا لِأَن الله قَالَ لمُوسَى ﵇ ﴿سنشد عضدك بأخيك ونجعل لَكمَا سُلْطَانا فَلَا يصلونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتبعكما الغالبون﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى عَن السَّحَرَة أَنهم قَالُوا لمُوسَى ﴿إِمَّا أَن تلقي وَإِمَّا أَن نَكُون أول من ألْقى قَالَ بل ألقوا فَإِذا حبالهم وعصيهم يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى فأوجس فِي نَفسه خيفة مُوسَى قُلْنَا لَا تخف أَنَّك أَنْت الْأَعْلَى﴾ فَهَذَا رَسُول الله ﷺ وكليمه قد كَانَ أخبرهُ الله بِأَن فِرْعَوْن وملأه لَا يصلونَ إِلَيْهِ وَأَن مُوسَى وَمن اتبعهُ هُوَ الْغَالِب ثمَّ أوجس فِي نَفسه خيفة بعد ذَلِك إِذْ رأى أَمر السَّحَرَة حَتَّى أوحى الله إِلَيْهِ لَا تخف فَهَذَا أَمر أَشد من أَمر أبي بكر وَإِذا لزم مَا يَقُول هَؤُلَاءِ الْفُسَّاق أَبَا بكر وحاشا لله أَن يلْزمه من أَن حزنه لَو كَانَ لما نَهَاهُ رَسُول الله ﷺ لزم أَشد مِنْهُ لمُوسَى ﵇ وَإِن إيجاسه الخيفة فِي نَفسه لَو كَانَ رضَا لله تَعَالَى مَا نَهَاهُ الله تَعَالَى عَنهُ ومعاذ الله من هَذَا بل إيجاس مُوسَى الخيفة فِي نَفسه لم يكن إِلَّا نِسْيَان الْوَعْد الْمُتَقَدّم وحزن أبي بكر ﵁ رضَا لله تَعَالَى قبل أَن ينْهَى عَنهُ وَلم يكن تقدم إِلَيْهِ نهي عَن الْحزن وَأما مُحَمَّد ﷺ فَإِن الله قَالَ ﴿وَمن كفر فَلَا يحزنك كفره﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تحزن عَلَيْهِم وَلَا تَكُ فِي ضيق﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يحزنك قَوْلهم أَن الْعِزَّة لله جَمِيعًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسرات﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فلعلك باخع نَفسك على آثَارهم إِن لم يُؤمنُوا بِهَذَا الحَدِيث أسفا﴾ ووجدناه قد قَالَ ﴿قد نعلم أَنه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وَقَالَ أَيْضا فِي الْأَنْعَام فَهَذَا الله تَعَالَى أخبرنَا أَنه يعلم أَن رَسُول الله ﷺ يحزنهُ الَّذِي يَقُولُونَ وَنَهَاهُ الله عَن ذَلِك نصا فيلزمهم فِي حزن رَسُول الله ﷺ الَّذِي نَهَاهُ الله تَعَالَى عَنهُ كَالَّذي أَرَادَ فِي حزن أبي بكر سَوَاء بِسَوَاء وَنعم إِن حزن رَسُول الله ﷺ بِمَا كَانُوا يَقُولَن من الْكفْر كَانَ طَاعَة لله تَعَالَى قبل أَن ينهاه الله وَمَا حزن ﵇ بعد أَن نَهَاهُ ربه تَعَالَى عَن الْحزن كَمَا كَانَ حزن أبي بكر طَاعَة لله قبل أَن ينهاه الله عَن الْحزن وَمَا حزن أَبُو بكر قطّ بعد أَن نَهَاهُ ﵇ عَن الْحزن فَكيف وَقد يُمكن أَن يكون أَبُو بكر لم يحزن يَوْمئِذٍ لَكِن نَهَاهُ ﵇ عَن أَن يكون مِنْهُ حزن كَمَا قَالَ تَعَالَى لنَبيه ﵇ ﴿وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفوراً﴾ فَنَهَاهُ عَن أَن يطيعهم وَلم تكن مِنْهُ طَاعَة لَهُم وَهَذَا إِنَّمَا يعْتَرض بِهِ أهل الْجَهْل والسخافة ونعوذ بِاللَّه من الضلال
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَاعْترض علينا بعض الْجُهَّال ببعثة رَسُول الله ﷺ عَليّ بن أبي طَالب خلف أبي بكر ﵁ عَنْهُمَا فِي الْحجَّة الَّتِي حَجهَا أَبُو بكر وَأخذ برآءة من أبي بكر وَتَوَلَّى عَليّ تبليغها إِلَى أهل الْمَوْسِم وقرائتها عَلَيْهِم
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا من أعظم فَضَائِل أبي بكر لِأَنَّهُ كَانَ أَمِيرا على عَليّ بن أبي طَالب وَغَيره من أهل الْمَوْسِم لَا يدْفَعُونَ إِلَّا بِدَفْعِهِ وَلَا يقفون إِلَّا بوقوفه وَلَا يصلونَ إِلَّا بِصَلَاتِهِ
стр. 562
وينصتون إِذا خطب وَعلي فِي الْجُمْلَة كَذَلِك وَسورَة برآءة وَقع فِيهَا فضل أبي بكر ﵁ وَذكره فِي أَمر الْغَار وَخُرُوجه مَعَ النَّبِي ﷺ وَكَون الله تَعَالَى مَعهَا فقراءة عَليّ لَهَا أبلغ فِي إعلان فضل أبي بكر على عَليّ وعَلى وسواه وَحجَّة لأبي بكر قَاطِعَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) إِلَّا أَن ترجع الروافض إِلَى إِنْكَار الْقُرْآن وَالنَّقْص مِنْهُ وَالزِّيَادَة فِيهِ فَهَذَا أَمر يظْهر فِيهِ قحتهم وجهلهم وسخفهم إِلَى كل عَالم وجاهل فَإِنَّهُ لَا يمتري كَافِر وَلَا مُؤمن فِي أَن هَذَا الَّذِي بَين اللَّوْحَيْنِ من الْكتاب هُوَ الَّذِي أَتَى بِهِ مُحَمَّد ﷺ وَأخْبرنَا بِأَنَّهُ أوحاه لله تَعَالَى إِلَيْهِ فَمن تعرض هَذَا فقد أقرّ بِعَين عدوه
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمَا يعْتَرض إِمَامَة أبي بكر إِلَّا زار (١) عَليّ رَسُول الله ﷺ راد لأَمره فِي تَقْدِيمه أَبَا بكر إِلَى الصَّلَاة بِأَهْل الْإِسْلَام مُرِيد لإزالته عَن مقَام أَقَامَهُ فِيهِ رَسُول الله ﷺ
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ولسنا من كذبهمْ فِي تأويلهم ﴿ويطعمون الطَّعَام على حبه مِسْكينا ويتيماً وأسيراً﴾ وَإِن المُرَاد بذلك عَليّ ﵁ بل هَذَا لَا يَصح لِأَن الْآيَة على عمومها وظاهرها لكل من فعل ذَلِك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فصح بِمَا ذكرنَا فضل أبي بكر على جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ بعد نسَاء النَّبِي ﷺ بالبراهين الْمَذْكُورَة وَأما الْأَحَادِيث فِي ذَلِك فكثيرة كَقَوْل رَسُول الله ﷺ فِي أبي بكر دعوا لي صَاحِبي فَإِن النَّاس قَالُوا كذبت وَقَالَ أَبُو بكر صدقت وَقَوله ﷺ لَو كنت متخذاً خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن أخي وصاحبي وَهَذَا الَّذِي لَا يَصح غَيره وَأما أخوة عَليّ فَلَا تصح إِلَّا مَعَ سهل بن حنيف وَمِنْهَا أمره ﷺ بسد كل بَاب وخوخة فِي الْمَسْجِد حاشا خوخة أبي بكر وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يَصح غَيره وَمِنْهَا غَضَبه ﷺ على من خَارج أَبَا بكر وعَلى من أَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْر أبي بكر للصَّلَاة وَمِنْهَا قَوْله ﷺ أَن أَمن النَّاس عَليّ عَليّ فِي مَاله أَبُو بكر وعمدتنا فِي تَفْضِيل أبي بكر ثمَّ عمر على جَمِيع الصَّحَابَة بعد نسَاء النَّبِي ﷺ هُوَ قَول رَسُول الله ﷺ إِذا سُئِلَ من أحب النَّاس إِلَيْك يَا رَسُول الله قَالَ عَائِشَة قيل فَمن الرِّجَال قَالَ أَبوهَا قيل ثمَّ من يَا رَسُول الله قَالَ عمر
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فقطعنا بِهَذَا ثمَّ وقفنا وَلَو زادنا رَسُول الله ﷺ بَيَانا لزدنا لَكنا لَا نقُول فِي شَيْء من الدّين إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّص
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَاخْتلف النَّاس فِيمَن أفضل أعثمان أم عَليّ ﵄
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَالَّذِي يَقع فِي نفوسنا دون أَن نقطع بِهِ وَلَا نخطيء من خَالَفنَا فِي ذَلِك فَهُوَ أَن عُثْمَان أفضل من عَليّ وَالله أعلم لِأَن فضائلهما تتقاوم فِي الْأَكْثَر فَكَانَ عُثْمَان أَقرَأ وَكَانَ عَليّ أَكثر فتيا وَرِوَايَة ولعلي أَيْضا حَظّ قوي فِي الْقِرَاءَة ولعثمان أَيْضا حَظّ قوي فِي الْفتيا وَالرِّوَايَة ولعلي مقامات عَظِيمَة فِي الْجِهَاد بِنَفسِهِ ولعثمان مثل ذَلِك بِمَالِه ثمَّ انْفَرد عُثْمَان بِأَن رَسُول الله ﷺ بَايع ليساره المقدسة عَن يَمِين عُثْمَان فِي بيعَة الرضْوَان وَله هجرتان وسابقة قديمَة وصهر مكرم مَحْمُود وَلم يحضر بَدْرًا فألحقه الله فِيهِ بأجره التَّام وسهمه فألحقه
стр. 563
بِمن حضرها فَهُوَ مَعْدُود فيهم ثمَّ كَانَت لَهُ فتوحات فِي الْإِسْلَام عَظِيمَة لم تكن لعَلي وسيرة فِي الْإِسْلَام هادية وَلم يتسبب بسفك دم مُسلم وَجَاءَت فِيهِ آثَار صِحَاح وَأَن الْمَلَائِكَة تَسْتَحي مِنْهُ وَأَنه وَمن أتبعه على الْحق وَالَّذِي صَحَّ من فَضَائِل عَليّ فَهُوَ قَول النَّبِي ﷺ أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي وَقَوله ﵇ لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدا رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله وَهَذِه صفة وَاجِبَة لكل مُؤمن وفاضل وَعَهده عَليّ السَّلَام أَن عليا لَا يُحِبهُ إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضه إِلَّا مُنَافِق وَقد صَحَّ مثل هَذِه فِي الْأَنْصَار ﵃ أَنه لَا يبغضهم من مُؤمن بِاللَّه وباليوم الآخر وَأما من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ فَلَا يَصح من طَرِيق الثِّقَات أصلا وَأما سَائِر الْأَحَادِيث الَّتِي تتَعَلَّق بهَا الرافضة فموضوعة يعرف ذَلِك من لَهُ أدنى علم بالأخبار ونقلتها
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ونقول بِفضل الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين بعد عمر بن الْخطاب قطعا إِلَّا أننا لَا نقطع بِفضل أحد مِنْهُم على صَاحبه كعثمان بن عَفَّان وَعُثْمَان بن مظغون وَعلي وجعفر وَحَمْزَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَمصْعَب بن عُمَيْر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبد الله بن مَسْعُود وَسعد وَزيد بن حَارِثَة وَأبي عُبَيْدَة وبلال وَسَعِيد بن زيد وعمار بن يَاسر وَأبي سَلمَة وَعبد الله بن جحش وَغَيرهم من نظرائهم ثمَّ بعد هَؤُلَاءِ أهل الْعقبَة ثمَّ أهل بدر ثمَّ أهل الْمشَاهد كلهَا مشهداً مشهداً فَأهل كل مشْهد أفضل من أهل المشهد الَّذِي بعده حَتَّى بلغ الْأَمر إِلَى الْحُدَيْبِيَة فَكل من تقدم ذكره من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ﵃ إِلَى تَمام بيعَة الرضْوَان فإننا نقطع على غيب قُلُوبهم وَأَنَّهُمْ كلهم مُؤمنُونَ صَالِحُونَ مَاتُوا على الْإِيمَان وَالْهدى وَالْبر كلهم من أهل الْجنَّة لَا يلج أحد مِنْهُم النَّار الْبَتَّةَ لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون فِي جنَّات النَّعيم﴾ وَكَقَوْلِه ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة فَعلم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم﴾
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَمن أخبرنَا الله أَنه علم مَا فِي قُلُوبهم ﵃ وَأنزل السكينَة عَلَيْهِم فَلَا يحل لأحد التَّوَقُّف فِي أَمرهم وَلَا الشَّك فيهم الْبَتَّةَ وَلقَوْل رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل النَّار أحد بَايع تَحت الشَّجَرَة إِلَّا صَاحب الْجمل الْأَحْمَر ولإخباره ﵇ أَنه لَا يدْخل النَّار أحد شهد بَدْرًا ثمَّ تقطع على أَن كل من صحب رَسُول الله ﷺ بنية صَادِقَة وَلَو سَاعَة فَإِنَّهُ من أهل الْجنَّة لَا يدْخل النَّار لتعذيب إِلَّا أَنهم لَا يلحقون بِمن أسلم قبل الْفَتْح وَذَلِكَ لقَوْل الله ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وعد الله لَا يخلف الله وعده﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا وهم فِي مَا اشتهت أنفسهم خَالدُونَ لَا يحزنهم الْفَزع الْأَكْبَر وتتلقاهم الْمَلَائِكَة هَذَا يومكم الَّذِي كُنْتُم توعدون﴾ فصح بِالضَّرُورَةِ أَن كل اتّفق قبل الْفَتْح وَقَاتل فَهُوَ مَقْطُوع على غيبه لتفضيل الله تَعَالَى إيَّاهُم وَالله تَعَالَى لَا يفضل إِلَّا مُؤمنا فَاضلا وَأما من أتفق بعد الْفَتْح وَقَاتل فقد كَانَ فيهم مُنَافِقُونَ لم يعلمهُمْ رَسُول الله ﷺ فَكيف نَحن قَالَ تَعَالَى ﴿وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ ثمَّ يردون إِلَى عَذَاب عَظِيم﴾
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَلهَذَا لم نقطع على كل امريء مِنْهُم بِعَيْنِه لَكِن نقُول كل من لم يكن منههم
стр. 564
من الْمُنَافِقين فَهُوَ من أهل الْجنَّة يَقِينا لِأَنَّهُ قد وعدهم الله تَعَالَى الْحسنى كلهم وَأخْبر أَنه لَا يخلف وعده وَإِن من سبقت لَهُ الْحسنى فَهُوَ مبعد من النَّار لَا يسمع حَسِيسهَا وَلَا يحزنهُ الْفَزع الْأَكْبَر وَهُوَ فِيمَا اشْتهى خَالِد وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) لقد خَابَ وخسر من رد قَول ربه أَنه رَضِي عَن الْمُبَايِعين تَحت الشَّجَرَة وَعلم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم وَقد علم كل أحد لَهُ أدنى علم أَن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وعلياً وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وعمار والمغيرة بن شُعْبَة ﵃ من أهل هَذِه الصّفة والخوارج وَالرَّوَافِض قد انتظمت الطائفتان الملعونتان البريئة مِنْهُم خلافًا لله وعناداً لَهُ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَهَذَا قَوْلنَا فِي الصَّحَابَة ﵃ فَأَما التابعون وَمن بعدهمْ فَلَا نقطع على غيبهم وَاحِدًا وَاحِدًا الْأَمر بَان مِنْهُ احْتِمَال الْمَشَقَّة فِي الصَّبْر للدّين ورفض الدُّنْيَا لغير غَرَض استعجله إِلَّا أننا لَا نَدْرِي على مَاذَا مَاتَ وَإِن بلغنَا الْغَايَة فِي تعظيمهم وتوقيرهم وَالدُّعَاء بالمغفرة وَالرَّحْمَة والرضوان لَهُم لَكِن نتولاهم جملَة قطعا ونتولى كل إِنْسَان مِنْهُم بِظَاهِرِهِ وَلَا نقطع على أحد مِنْهُم بجنة وَلَا نَار لَكِن نرجو لَهُم ونخاف عَلَيْهِم إِذْ لَا نَص فِي إِنْسَان مِنْهُم بِعَيْنِه وَلَا يحل الْإِخْبَار عَن الله إِلَّا بِنَصّ من عِنْده لَكِن نقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ خَيركُمْ الْقرن الَّذِي بعثت فيهم ثمَّ الَّذِي يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذِي يَلُونَهُمْ وَمعنى هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ كل قرن من هَذِه الْقُرُون الَّتِي ذكر ﵇ أَكثر فضلا بِالْجُمْلَةِ من الْقرن الَّذِي بعده لَا يجوز غير هَذَا الْبَتَّةَ وبرهان ذَلِك أَن قد كَانَ فِي عصر التَّابِعين من هُوَ أفسق الْفَاسِقين كمسلم بن عقبَة المري وحبيش بن دلحة القبني وَالْحجاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ وقتلة عُثْمَان وقتلة ابْن الزبير وقتلة الْحُسَيْن ﵃ وَلعن قَتلتهمْ وَمن بَعثهمْ فَمن خَالف قَوْلنَا فِي هَذَا الْخَبَر لزمَه أَن يَقُول أَن هَؤُلَاءِ الْفُسَّاق الأخابث أفضل من كل فَاضل فِي الْقرن الثَّالِث وَمن بعده كسفيان الثَّوْريّ والفضيل بن عِيَاض ومسعر بن كدام وَشعْبَة وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وسُفْيَان بن عُيَيْنَة ووكيع وَابْن مبارك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَدَاوُد بن عَليّ ﵃ وَهَذَا مَا لَا يَقُوله أحد وَمَا يبعد أَن يكون فِي زَمَاننَا وفيمن يَأْتِي بَعدنَا من هُوَ أفضل رجل من التَّابِعين عِنْد الله إِذْ لم يَأْتِ فِي الْمَنْع من ذَلِك نَص وَلَا دَلِيل أصلا والْحَدِيث الْمَأْثُور فِي أويس الفرني لَا يَصح لِأَن مَدَاره على اسيد بن جَابر وَلَيْسَ بالقوى وَقد ذكر شُعْبَة أَنه سَأَلَ عَمْرو بن مرّة وَهُوَ كُوفِي قَرْني مرادي من أشرف مرَادا وأعلمهم عَن اويس الْقَرنِي فَلم يعرفهُ فِي قومه وَأما الصَّحَابَة ﵃ فبخلاف هَذَا وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يلْحق أقلهم دَرَجَة أحد من أهل الأَرْض وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَذهب بعض الروافض إِلَى أَن لِذَوي قرَابَة رَسُول الله ﷺ فضلا بِالْقَرَابَةِ فَقَط وَاحْتج بقوله تَعَالَى ﴿إِن الله اصْطفى آدم ونوحا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وأبعث فيهم رَسُولا مِنْهُم﴾
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا كُله لَا حجَّة فِيهِ أما إخْبَاره تَعَالَى بِأَنَّهُ اصْطفى آل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن يَعْنِي كل مُؤمن فقد قَالَ ذَلِك بعض الْعلمَاء أَو يَعْنِي مُؤمن أهل بَيت إِبْرَاهِيم وَعمر أَن لَا يجوز غير هَذَا لِأَن آزر وَالِد إِبْرَاهِيم
стр. 565
عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ كَافِرًا عَدو الله لم يصطفه الله تَعَالَى إِلَّا لدُخُول النَّار فَإِن أَرَادَ الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا لم نمانعه وَلَا تنازعه فِي أَن مُوسَى وَهَارُون من آل عمرَان وَآل إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق ويوسف وَيَعْقُوب من آل إِبْرَاهِيم مصطفون على الْعَالمين فَأَي حجَّة هَا هُنَا لبني هَاشم فَإِن ذكرُوا الدُّعَاء الْمَأْمُور بِهِ وَهُوَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وَبَارك على مُحَمَّد وعَلى مُحَمَّد فَالْقَوْل فِي هَذَا كَمَا قُلْنَا وَلَا فرق وَهَذَا دُعَاء لكل مُؤمن وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ صلي على آل أبي أوفي فَهَذَا هُوَ الدُّعَاء لَهُم بِالصَّلَاةِ على كل مُؤمن ومؤمنة بِلَا خلاف وَكَذَلِكَ الدُّعَاء فِي التَّشَهُّد المفترض فِي كل صَلَاة من قَول الْمُصْطَفى السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين فَهَذَا السَّلَام على كل مُؤمن ومؤمنة فَاسْتَوَى بَنو هَاشم وَغَيرهم فِي اطلاق الدُّعَاء بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِم وبالسلام عَلَيْهِم وَلَا فرق وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَبشر الصابرين الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون﴾ فَوَجَبت صلوَات الله تَعَالَى على كل مُؤمن صابر فَاسْتَوَى كُله بَنو هَاشم وقريش وَالْعرب والعجم وَمن كَانَ جَمِيعهم بِهَذِهِ الصّفة وَأَيْضًا فَيلْزم من احْتج بقوله تَعَالَى ﴿إِن الله اصْطفى آدم ونوحا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين﴾ أَن يَقُول إِن من أسلم من الهارونيين من الْيَهُود أفضل من بني هَاشم وأشرف وَأولى بالتقديم لِأَنَّهُ من آل عمرَان وَمن آل إِبْرَاهِيم وَفِيهِمْ ورد النَّص
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فصح يَقِينا أَن الله إِنَّمَا أَرَادَ بذلك الْأَنْبِيَاء ﵈ فَقَط وَبَين هَذَا بَيَان جلياً قَول الله حاكياً عَن إِبْرَاهِيم ﵇ أَنه قَالَ ﴿وَمن ذريتي قَالَ لَا ينَال عهدي الظَّالِمين﴾ وَمن ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم ﵇ الظَّالِمين من ذُرِّيَّة غَيره وَقَالَ أَن أولى النَّاس بإبراهيم للَّذين اتَّبعُوهُ وَهَذَا النَّبِي وَالَّذين آمنُوا فَخص الله تَعَالَى بِولَايَة إِبْرَاهِيم ﵇ من اتبع إِبْرَاهِيم كَائِنا من كَانَ فَدخل فِي هَذَا كل مُؤمن ومؤمنة وَلَا فضل وَأما قَول الله ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ فَهَذَا حق على ظَاهره وَإِنَّمَا أَرَادَ ﵇ من قُرَيْش أَن يودوه لِقَرَابَتِهِ مِنْهُم وَلَا يخْتَلف أحد من الْأمة فِي أَنه ﵇ لم يرد قطّ من الْمُسلمين أَن يودوا أَبَا لَهب وَهُوَ عَمه وَلَا شكّ فِي أَنه ﵇ أَرَادَ من الْمُسلمين مَوَدَّة بِلَال وعمار وصهيب وَسليمَان وَسَالم مولي أبي حُذَيْفَة وَأما قَوْله عَن إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿وأبعث فيهم رَسُولا مِنْهُم﴾ فقد قَالَ ﴿وَأَن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم﴾ فاستوت الْأُمَم كلهَا فِي هَذِه الدعْوَة بِأَن يبْعَث فيهم رَسُولا مِنْهُم مِمَّن هم قومه فَإِن احْتج مُحْتَج بِالْحَدِيثِ الثَّابِت الَّذِي فِيهِ أَن الله اصْطفى كنَانَة من ولد إِسْمَاعِيل وَاصْطفى قُريْشًا من كنَانَة وَاصْطفى من قُرَيْش بني هَاشم وَاصْطَفَانِي من بَين هَاشم فَمَعْنَاه ظَاهر وَهُوَ أَنه تَعَالَى اخْتَار كَونه ﵊ من بني هَاشم وَكَون بني هَاشم من قُرَيْش وَكَون قُرَيْش من كنَانَة وَكَون كنَانَة من بني إِسْمَاعِيل كَمَا اصْطفى أَن يكون مُوسَى من بني لاوي وَأَن يكون بَنو لاوي من بني إِسْحَاق ﵇ وكل نَبِي من عشيرته الَّتِي هُوَ مِنْهَا وَلَا يجوز غير هَذَا الْبَتَّةَ ونسأل من أَرَادَ حمل هَا الحَدِيث على غير هَذَا لِمَعْنى أَيَدْخُلُ أحد من بني هَاشم أَو من قُرَيْش أَو من كنَانَة أَو من إِسْمَاعِيل النَّار أم لَا فَإِن أَنْكَرُوا هَذَا
стр. 566
كفرُوا وخالفوا الْإِجْمَاع وَالْقُرْآن وَالسّنَن وَقد قَالَ ﵇ أبي وَأَبُوك فِي النَّار وَإِن أَبَا طَالب فِي النَّار وَجَاء الْقُرْآن بِأَن أَبَا لَهب فِي النَّار وَسَائِر كفار قُرَيْش فِي النَّار كلك قَالَ الله تَعَالَى ﴿تبت يدا أبي لَهب وَتب مَا أغْنى عَنهُ مَاله وَمَا كسب سيصلى نَارا ذَات لَهب﴾ فَإِذا أقرّ بِأَنَّهُ قد يدْخل الار مِنْهُم من يسْتَحق أَن يدخلهَا صحت الْمُسَاوَاة بَينهم وَبَين سَائِر النَّاس
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ويكذب الظَّن الْفَاسِد قَول رَسُول الله ﷺ يَا فَاطِمَة بنت مُحَمَّد لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا يَا صَفِيَّة عمَّة رَسُول الله لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا يَا عَبَّاس بن عبد الْمطلب لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا يَا بني عبد الْمطلب لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا وَأبين من هَذَا كُله قَول الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿لن تنفعكم أَرْحَامكُم وَلَا أَوْلَادكُم يَوْم الْقِيَامَة يفصل بَيْنكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿واخشوا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِد عَن وَلَده وَلَا مَوْلُود هُوَ جَازَ عَن وَالِده شَيْئا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿?﴾ وَذكر عَاد وثموداً وَقوم نوح وَقوم لوط ثمَّ قَالَ ﴿اكفاركم خير من أولئكم أم لكم بَرَاءَة فِي الزبر﴾ فصح ضَرُورَة أَنه لَا ينْتَفع أحد بقرابته من رَسُول الله ﷺ وَلَا من نَبِي من الْأَنْبِيَاء وَالرسل ﵈ وَلَو أَن النَّبِي ابْنه أَو أَبوهُ وَأمه نبية وَقد نَص الله تَعَالَى فِي ابْن نوح ووالد إِبْرَاهِيم وَعم مُحَمَّد على رسل الله الصَّلَاة وَالسَّلَام مَا فِيهِ الْكِفَايَة وَقد نَص الله تَعَالَى على أَن من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا فصح ضَرُورَة أَن بِلَالًا وصهيبا والمقداد وَعمَّارًا وسالماً وسلمان أفضل من الْعَبَّاس وبنيه عبد الله وَالْفضل وَقثم وَعبيد الله وَعقيل بن أبي طَالب وَالْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله عَن جَمِيعهم بِشَهَادَة الله تَعَالَى فَإذْ هَذَا لَا شكّ فِيهِ وَلَا جَزَاء فِي الْآخِرَة إِلَّا على عمل وَلَا ينْتَفع عِنْد الله تَعَالَى بالأرحام وَلَا بالولادات وَلَيْسَت الدُّنْيَا دَار جَزَاء فَلَا فرق بَين هاشمي وقرشي وعربي وعجمي وَحبشِي وَابْن زنجية وَالْكَرم والفوز لمن اتَّقى الله حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد بن بَيَان أَنبأَنَا أَحْمد بن عبد الله الْبَصِير حَدثنَا قَاسم بن اصبع حَدثنَا عبد السَّلَام بن الخثن حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي حَدثنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن حسان بن قايد الْعَبْسِي قَالَ قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ كرم الرجل دينه وحسبه وخلقه وَإِن كَانَ فارسياً أَو نبطياً
الْكَلَام فِي حَرْب عَليّ من حاربه من الصَّحَابَة ﵃
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) اخْتلف النَّاس فِي تِلْكَ الْحَرْب على ثَلَاث فرق فَقَالَ جَمِيع الشِّيعَة وَبَعض المرجئة وَجُمْهُور الْمُعْتَزلَة وَبَعض أهل السّنة أَن عليا كَانَ الْمُصِيب فِي حربه وكل من خَالفه على خطأ وَقَالَ وَاصل بن عَطاء وَعَمْرو بن عبيد وَأَبُو الْهُذيْل وَطَوَائِف من الْمُعْتَزلَة أَن عليا مصيبا فِي قِتَاله مَعَ مُعَاوِيَة وَأهل النَّهر ووقفوا فِي قِتَاله مَعَ أهل الْجمل وَقَالُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مخطئة وَلَا نَعْرِف أَيهمَا هِيَ وَقَالَت الْخَوَارِج عَليّ الْمُصِيب فِي قِتَاله أهل الْجمل وَأهل صفّين وَهُوَ مخطيء فِي قِتَاله أهل النَّهر وَذهب سعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن عمر وَجُمْهُور الصَّحَابَة إِلَى الْوُقُوف فِي عَليّ وَأهل الْجمل وَأهل صفّين وَبِه يَقُول جُمْهُور أهل السّنة وَأَبُو بكر بن كيسَان وَذهب جمَاعَة من الصَّحَابَة وَخيَار التَّابِعين وَطَوَائِف مِمَّن بعدهمْ إِلَى تصويب محاربي عَليّ من أَصْحَاب الْجمل وَأَصْحَاب صفّين وهم الْحَاضِرُونَ لقتاله فِي الْيَوْمَيْنِ الْمَذْكُورين وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا أَيْضا أَبُو بكر بن كيسَان
стр. 567
قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما الْخَوَارِج فقد أوضحنا خطأهم وَخطأ أسلافهم فِيمَا سلف من كتَابنَا هَذَا حاشا احتجاجهم بإنكار تحكيم عَليّ الْحكمَيْنِ فسنتكلم فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى كَمَا تكلمنا فِي سَائِر أحكامهم وَالْحَمْد لَهُ رب الْعَالمين وَأما من وقف فَلَا حجَّة لَهُ أَكثر من أَنه لم يتَبَيَّن لَهُ الْحق وَمن لم يتَبَيَّن لَهُ الْحق فَلَا سَبِيل إِلَى مناطرته بِأَكْثَرَ من أَن نبين لَهُ وَجه الْحق حَتَّى يرَاهُ وَذكروا أَيْضا أَحَادِيث فِي ترك الْقِتَال فِي الِاخْتِلَاف سنذكر لكم جُمْلَتهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَلم يبْق إِلَّا الطَّائِفَة المصوبة لعَلي فِي جَمِيع حروبه والطائفة المصوبة لمن حاربه من أهل الْجمل وَأهل صفّين
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) احْتج من ذهب إِلَى تصويب محاربي عَليّ يَوْم الْجمل وَيَوْم صفّين بِأَن قَالَ إِن عُثْمَان ﵁ قتل مَظْلُوما فالطلب بِأخذ الْقود من قاتليه فرض قَالَ ﴿وَمن قتل مَظْلُوما فقد جعلنَا لوَلِيِّه سُلْطَانا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ قَالُوا وَمن آوى الظَّالِمين فَهُوَ إِمَّا مشارك لَهُم وَإِمَّا ضَعِيف عَن أَخذ الْحق مِنْهُم قَالُوا وكلا الْأَمريْنِ حجَّة فِي إِسْقَاط إِمَامَته على من فعل ذَلِك وَوُجُوب حربه قَالُوا وَمَا أَنْكَرُوا على عُثْمَان إِلَّا أقل من هَذَا من جَوَاز إِنْفَاذ أَشْيَاء بِغَيْر علمه فقد ينفذ مثلهَا سر أَو لَا يعلمهَا أحد إِلَّا بعد ظُهُورهَا قَالُوا وَحَتَّى لَو أَن كل مَا أنكر على عُثْمَان أَن يَصح مَا حل بذلك قَتله بِلَا خلاف من أحد من أهل الْإِسْلَام لأَنهم إِنَّمَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ استئثار بِشَيْء يسير من فضلات الْأَمْوَال لم يجب لأحد بِعَيْنِه فَمنعهَا وتولية أَقَاربه فَلَمَّا شكوا إِلَيْهِ عزلهم وَأقَام الْحَد على من اسْتَحَقَّه وَأَنه صرف الحكم بن أبي الْعَاصِ إِلَى الْمَدِينَة وَنفي رَسُول الله ﷺ للْحكم لم يكن حدا وَاجِبا وَلَا شَرِيعَة على التأييد وَإِنَّمَا كَانَ عُقُوبَة على ذَنْب اسْتحق بِهِ النَّفْي وَالتَّوْبَة مبسوطة فَإِذا تَابَ سَقَطت عَنهُ تِلْكَ الْعقُوبَة بِلَا خلاف من أحد من أهل الْإِسْلَام وَصَارَت الأَرْض كلهَا مُبَاحَة وَأَنه ضرب عمارا خَمْسَة أسواط وَنفي أَبَا ذَر إِلَى الربذَة وَهَذَا كُله لَا يُبِيح الدَّم قَالُوا وايوآء على الْمُحدثين أعظم الْأَحْدَاث من سفك الدَّم الْحَرَام فِي حرم رَسُول الله ﷺ لَا سِيمَا دم الإِمَام وَصَاحب رَسُول الله ﷺ أعظم وَالْمَنْع من إِنْفَاذ الْحق عَلَيْهِم أَشد من كل مَا ذكرنَا بِلَا شكّ قَالُوا وَامْتِنَاع مُعَاوِيَة من بيعَة عَليّ كامتناع عَليّ من بيعَة أبي بكر فَمَا حاربه أَبُو بكر وَلَا أكرهه وَأَبُو بكر أقدر على عَليّ من عَليّ على مُعَاوِيَة وَمُعَاوِيَة فِي تَأْخِيره عَن بيعَة عَليّ أعذر وأفسح مقَالا من عَليّ فِي تَأْخِيره عَن بيعَة أبي بكر لِأَن عليا لم يمْتَنع من بيعَة أبي بكر أحد من الْمُسلمين غَيره بعد أَن بَايعه الْأَنْصَار وَالزُّبَيْر وَأما بيعَة عَليّ فَإِن جُمْهُور الصَّحَابَة تَأَخَّرُوا عَنْهَا إِمَّا عَلَيْهِ وَإِمَّا لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ وَمَا تَابعه فيهم إِلَّا الْأَقَل سوى أَزِيد من مائَة ألف مُسلم بِالشَّام وَالْعراق ومصر والحجاز كلهم امْتنع من بيعَته فَهَل مُعَاوِيَة إِلَّا كواحد من هَؤُلَاءِ فِي ذَلِك وَأَيْضًا فَإِن بيعَة عَليّ لم تكن على عهد من النَّبِي ﷺ كَمَا كَانَت بيعَة أبي بكر وَلَا عَن إِجْمَاع من الْأمة كَمَا كَانَت بيعَة عُثْمَان وَلَا عَن عهد من خَليفَة وَاجِب الطَّاعَة كَمَا كَانَت بيعَة عمر وَلَا بسوق بَائِن (١) فِي الْفضل على غَيره لَا يخْتَلف فِيهِ أحد وَلَا عَن شُورَى فالقا عدون عَنْهَا بِلَا شكّ وَمُعَاوِيَة من جُمْلَتهمْ أعذر من عَليّ فِي قعوده عَن بيعَة أبي بكر سِتَّة أشهر حَتَّى رآى البصيرة وراجع الْحق عَلَيْهِ فِي ذَلِك قَالُوا فَإِن قُلْتُمْ خَفِي على عَليّ نَص رَسُول الله ﷺ على أبي بكر قُلْنَا لكم لم يخف عَلَيْهِ بِلَا شكّ تَقْدِيم رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر إِلَى الصَّلَاة وَأمره عليا بِأَن يُصَلِّي وَرَاءه فِي جمَاعَة الْمُسلمين فَتَأَخر عَن بيعَة
стр. 568
أبي بكر سعي مِنْهُ فِي حطه عَن مَكَان جعله رَسُول الله ﷺ حَقًا لأبي بكر وسعي مِنْهُ فِي فسخ نَص رَسُول الله ﷺ على تَقْدِيمه إِلَى الصَّلَاة وَهَذَا أَشد من رد إِنْسَان نَفَاهُ رَسُول الله ﷺ لذنب ثمَّ تَابَ مِنْهُ وَأَيْضًا فَإِن عليا قد تَابَ واعترف بالْخَطَأ لِأَنَّهُ إِذا بَايع أَبَا بكر بعد سِتَّة أشهر تَأَخّر فِيهَا عَن بيعَته لَا يَخْلُو ضَرُورَة من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون مصيباً فِي تَأَخره فقد أَخطَأ إِذْ بَايع أَو يكون مصيباً فِي بيعَته فقد أَخطَأ إِذا تَأَخّر عَنْهَا قَالُوا والممتنعون من بيعَة عَليّ لم يعترفوا قطّ بالْخَطَأ على أنفسهم فِي تأخرهم عَن بيعَته قَالُوا فَإِن كَانَ فعلهم خطأ فَهُوَ أخف من الْخَطَأ فِي تَأَخّر عَليّ عَن بيعَة أبي بكر وَإِن كَانَ فعلهم صَوَابا فقد برئوا من الْخَطَأ جملَة قَالُوا والبون بَين طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد بن أبي وَقاص وَعلي خَفِي جدا فقد كَانُوا فِي الشورى مَعَه لَا يَبْدُو لَهُ فضل تفوق عَلَيْهِم وَلَا على وَاحِد مِنْهُم واما البون بَين عَليّ وَأبي بكر فأبين وَأظْهر فهم من امتناعهم عَن بيعَته أعذر لخفاء التَّفَاضُل قَالُوا وهلا فعل عَليّ فِي قتلة عُثْمَان كَمَا فعل بقتلة عبد الله بن خباب بن الأرث فَإِن الْقصَّتَيْنِ اسْتَويَا فِي التَّحْرِيم فالمصيبة فِي قتل عُثْمَان فِي الْإِسْلَام وَعند الله وعَلى الْمُسلمين أعظم جرما وأوسع خرقاً وأشنع إِثْمًا وأهول فسقا من الْمُصِيبَة فِي قتل عبد الله بن خباب قَالُوا وَفعله فِي طلب دم عبد الله بن خباب يقطع حجَّة من تَأَول على عَليّ أَنه يُمكن أَن يكون لَا يرى قتل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا كل مَا يُمكن أَن تحتج بِهِ هَذِه الطَّائِفَة قد تقصيناه وَنحن إِن شَاءَ الله تَعَالَى متكلمون على مَا ذهبت إِلَيْهِ كل طَائِفَة من هَذِه الطوائف حَتَّى يلوح الْحق فِي ذَلِك بعون الله تَعَالَى وتأييده
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) نبدأ بعون الله بإنكار الْخَوَارِج للتحكيم
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) قَالُوا حكم على الرِّجَال فِي دين الله تَعَالَى وَالله قد حرم ذَلِك بقوله ﴿إِن الحكم إِلَّا لله﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله﴾
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) مَا حكم عَليّ ﵁ قطّ رجلا فِي دين الله وحاشاه من ذَلِك وَإِنَّمَا حكم كَلَام الله كَمَا افْترض الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اتّفق الْقَوْم كلهم إِذا رفعت الْمَصَاحِف على الرماح وتداعوا إِلَى مَا فِيهَا على الحكم بِمَا أنزل الله فِي الْقُرْآن وَهَذَا وَهُوَ الْحق الَّذِي لَا يحل لأحد غَيره لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ فَإِنَّمَا حكم عَليّ ﵁ أَبَا مُوسَى وَعَمْرو ﵄ ليَكُون كل وَاحِد مِنْهُمَا مدلياً بِحجَّة من قدمه وليكونا متخاصمين عَن الطَّائِفَتَيْنِ ثمَّ حاكمين لمن أوجب الْقُرْآن الحكم لَهُ وَإِذ من الْمحَال الْمُمْتَنع الَّذِي لَا يُمكن الَّذِي لَا يفهم لغط العسكرين أَو أَن يتَكَلَّم جَمِيع أهل الْعَسْكَر بحجتهم فصح يَقِينا لَا محيد عَنهُ صَوَاب عَليّ فِي تحكيم الْحكمَيْنِ وَالرُّجُوع إِلَى مَا أوجبه الْقُرْآن وَهَذَا الَّذِي لَا يجوز غَيره وَلَكِن أسلاف الْخَوَارِج كَانُوا أعراباً قرؤا الْقُرْآن قبل أَن يتفقهوا فِي السّنَن الثَّابِتَة عَن رَسُول الله ﷺ وَلم يكن فيهم أحد من الْفُقَهَاء لَا من أَصْحَاب ابْن مَسْعُود وَلَا أَصْحَاب عَمْرو وَلَا أَصْحَاب عَليّ وَلَا أَصْحَاب عَائِشَة وَلَا أَصْحَاب أبي مُوسَى وَلَا أَصْحَاب معَاذ بن جبل وَلَا أَصْحَاب أبي الدَّرْدَاء وَلَا أَصْحَاب سلمَان وَلَا أَصْحَاب زيد وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَلِهَذَا تجدهم يكفر بَعضهم بَعْضًا عِنْد اقل نازلة تنزل بهم من دقائق الْفتيا وصغارها فَظهر ضعف الْقَوْم وَقُوَّة جهلهم وَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا
стр. 569
مَا قَامَ الْبُرْهَان الَّذِي أوردنا بِأَنَّهُ حق وَلَو لم يكن من جهلهم لأَقْرَب عَهدهم بِخَبَر الْأَنْصَار يَوْم السَّقِيفَة وإذعانهم ﵃ من جَمِيع الْمُهَاجِرين لوَجَبَ الْأَمر فِي قُرَيْش دون الْأَنْصَار وَغَيرهم وَأَن عَهدهم بذلك قريب مُنْذُ خَمْسَة وَعشْرين عَاما وَأشهر وجمهورهم أدْرك ذَلِك بِسنة وَثَبت عِنْد جَمِيعهم كثبات أَمر النَّبِي ﷺ وَلَا فرق لِأَن الَّذين نقلوا إِلَيْهِم أَمر رَسُول الله ﷺ ونقلوا إِلَيْهِم الْقُرْآن والشرائع فدانوا بِكُل ذَلِك هم بأعيانهم لَا زِيَادَة فيهم وَلَا نقص نقلوا اليهم خبر السَّقِيفَة وَرُجُوع الْأَنْصَار إِلَى أَن الْأَمر لَا يكون إِلَّا فِي قُرَيْش وهم يقرؤن قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة فَعلم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم وأثابهم فتحا قَرِيبا﴾ ثمَّ أعماهم الشَّيْطَان وأضلهم الله تَعَالَى على علم فحلوا بَينه مثل عَليّ واعرضوا عَن مثل سعيد بن زيد وَسعد وَابْن عمر وَغَيرهم مِمَّن أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل واعرضوا عَن سَائِر الصَّحَابَة الَّذين أَنْفقُوا بعد الْفَتْح وقاتلوا وَوَعدهمْ الله الْحسنى وَتركُوا من يقرونَ بِأَن الله تَعَالَى علم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم وَرَضي عَنْهُم وَبَايَعُوا الله وَتركُوا جَمِيع الصَّحَابَة وهم الْأَشِدَّاء على الْكفَّار الرُّحَمَاء بَينهم الركع السجد المبتغون فضلا من الله ورضواناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود المثني عَلَيْهِم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل من عِنْد الله الَّذين غظ الله بهم الْكفَّار الْمَقْطُوع على أَن باطنهم فِي الْخَيْر كظاهرهم لِأَن الله شهد بذلك فَلم يبايعوا أحدا مِنْهُم وَبَايَعُوا شِيث بن ربعي مُؤذن سجَاح أَيَّام ادَّعَت النُّبُوَّة بعد موت النَّبِي ﷺ حَتَّى تَدَارُكه الله فر عَنْهُم وَتبين لَهُم ضلالتهم فَلم يَقع اختيارهم إِلَّا على عبد الله بن وهب الرَّاسِبِي أَعْرَابِي وَآل عَليّ عقيبة لَا سَابِقَة لاه وَلَا صُحْبَة وَلَا فقه وَلَا شهد الله لَهُ بِخَير قطّ فَمن أضلّ مِمَّن هَذِه سيرته واختياره وَلَكِن حق لمن كَانَ أحدا يَمِينه ذُو خو يصره الَّذِي بلغه ضعف عقله وَقلة دينه إِلَى تجويره رَسُول الله ﷺ فِي حكمه والإستدارك وَرَأى نَفسه أورع من رَسُول الله ﷺ هَذَا وَهُوَ يقر أَنه رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِ وَبِه اهْتَدَى وَبِه عرف الدّين ولولاه لَكَانَ حمارا أَو أضلّ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَأما الطَّائِفَة المصوبة للقاعدين فَإِن من لم يلح لَهُ الْحق مِنْهُم فَإِنَّمَا يكلم حَتَّى يبين لَهُ الْحق فَيلْزمهُ الْمصير الذيه فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَنه قد صَحَّ وَوَجَب فرض الْإِمَامَة بِمَا ذكرنَا قبل فِي إِيجَاب الْإِمَامَة وَإِذ هِيَ فرض فَلَا يجوز تَضْييع الْفَرْض وَإِذ ذَلِك كلك فالمبادرة إِلَى تَقْدِيم إِمَام عِنْد موت الإِمَام فرض وَاجِب وَقد ذكرنَا وجوب الإئتمام بِالْإِمَامِ فَإذْ هَذَا كُله كَمَا كرنا فَإذْ مَاتَ عُثْمَان ﵁ وَهُوَ الإِمَام فَفرض إِقَامَة إِمَام ياتم بِهِ النَّاس لِئَلَّا يبقوا بِلَا إِمَام فَإِذا فَإذْ بَادر عَليّ فَبَايعهُ وَاحِد من الْمُسلمين فَصَاعِدا فَهُوَ إِمَام قَائِم فَفرض طَاعَته لَا سِيمَا وَلم يتَقَدَّم ببيعته بيعَة وَلم ينازعه الْإِمَامَة أحد فَهَذَا أوضح وواجب فِي وجوب إِمَامَته وَصِحَّة بيعَته وَلُزُوم أَمرته للْمُؤْمِنين فَهُوَ الإِمَام بِحقِّهِ وَمَا ظهر مِنْهُ قطّ إِلَى أَن مَاتَ ﵁ شَيْء يُوجب نقض بيعَته وَمَا ظهر مِنْهُ قطّ إِلَّا الْعدْل وَالْجد وَالْبر وَالتَّقوى كَمَا لَو سبقت بيعَة طَلْحَة أَو الزبير أَو سعد أَو سعيدا أَو من يسْتَحق الْإِمَامَة لكَانَتْ أَيْضا بيعَة حق لَازِمَة لعَلي وَلغيره وَلَا فرق فعلي مُصِيب فِي الدُّعَاء إِلَى نَفسه وَإِلَى
стр. 570
الدُّخُول تَحت أمامته وَهَذَا برهَان لَا محيد عَنهُ وَأما أم الْمُؤمنِينَ وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة ﵃ وَمن كَانَ مَعَهم فَمَا أبطلوا قطّ إِمَامَة عَليّ وَلَا طعنوا فِيهَا وَلَا ذكرُوا فِيهِ جرحة تحطه عَن الْإِمَامَة وَلَا أَحْدَثُوا إِمَامَة أُخْرَى وَلَا جددوا بيعَة لغيره هَذَا مَا لَا يقدر أَن يَدعِيهِ أحد بِوَجْه من الْوُجُوه بل يقطع كل ذِي علم على أَن كل لَك لم يكن فَإذْ لَا شكّ فِي كل هَذَا فقد صَحَّ صِحَة ضَرُورِيَّة لَا إِشْكَال فِيهَا أَنهم لم يمضوا إِلَى الْبَصْرَة لِحَرْب عَليّ وَلَا خلافًا عَلَيْهِ وَلَا نقضا لبيعته وَلَو أَرَادوا ذَلِك لأحدثوا بيعَة غير بيعَته هَذَا مَا لَا يشك فِيهِ أحد وَلَا يُنكره أحد فصح أَنهم إِنَّمَا نهضوا إِلَى الْبَصْرَة لسد الفتق الْحَادِث فِي الْإِسْلَام من قتل أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان ﵁ ظلما وبرهان ذَلِك أَنهم اجْتَمعُوا وَلم يقتتلوا وَلَا تَحَارَبُوا فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل عرف قتلة عُثْمَان إِلَّا أَن الاراغة وَالتَّدْبِير عَلَيْهِم فبينوا عَسْكَر طَلْحَة وَالزُّبَيْر وبذلوا السَّيْف فيهم فَدفع الْقَوْم عَن أنفسهم فِي دَعْوَى حَتَّى خالطوا عَسْكَر عَليّ فَدفع أَهله عَن أنفسهم وكل طَائِفَة تظن وَلَا شكّ أَن الْأُخْرَى بَدَأَ بهَا بِالْقِتَالِ وَاخْتَلَطَ الْأَمر اختلاطاً لم يقدر أحد على أَكثر من الدفاع عَن نَفسه والفسقة من قتلة عُثْمَان لَا يغترون من شن الْحَرْب وأضر أمه فكلتا الطَّائِفَتَيْنِ مُصِيبَة فِي غرضها ومقصدها مدافعة عَن نَفسهَا وَرجع الزبير وَترك الْحَرْب بِحَالِهَا وأتى طَلْحَة سهم غاير وَهُوَ قَائِم لَا يدْرِي حَقِيقَة ذَلِك الِاخْتِلَاط فصادف جرحا فِي سَاقه كَانَ أَصَابَهُ يَوْم أحد بَين يدْرِي رَسُول الله ﷺ فَانْصَرف وَمَات من وقته ﵁ وَقتل الزبير ﵁ بوادي السبَاع على أقل من يَوْم من الْبَصْرَة فَهَكَذَا كَانَ الْأَمر وَكَذَلِكَ كَانَ قتل عُثْمَان ﵁ إِنَّمَا حاصره المصريون وَمن لف لفهم يديرونه على إِسْلَام مَرْوَان إِلَيْهِم وَهُوَ ﵁ يَأْبَى من ذَلِك وَيعلم أَنه إِن أسلمه قتل دون تثبت فَهُوَ على ذَلِك وجماعات من الصَّحَابَة فيهم الْحسن وَالْحُسَيْن ابْنا عَليّ وَعبد الله بن الزبير وَمُحَمّد بن طَلْحَة وَأَبُو هُرَيْرَة وَعبد الله بن عمر وَغَيرهم فِي نَحْو سَبْعمِائة من الصَّحَابَة وَغَيرهم مَعَه فِي الدَّار يحمونه وينفلتون إِلَى الْقِتَال فيردعهم تشتا إِلَى أَن تسوروا عَلَيْهِ من خوخة فِي دَار ابْن حزم النَّصَارَى جَاره غيلَة فَقَتَلُوهُ وَلَا خبر من ذَلِك عِنْد أحد لعن الله من قَتله والراضين بقتْله فَمَا رَضِي أحد مِنْهُم قطّ بقتْله وَلَا علمُوا أَنه يُرَاد قَتله لِأَنَّهُ لم يَأْتِ مِنْهُ شَيْء يُبِيح الدَّم الْحَرَام وَأما قَوْله من قَالَ أَنه ﵁ أَقَامَ مطروحاً على مزبلة ثَلَاثَة أَيَّام فكذب بحت وأفك مَوْضُوع وتوليد من لَا حَيَاء فِي وَجهه بل قتل عَشِيَّة وَدفن من ليلته ﵁ شهد دَفنه طَائِفَة من الصَّحَابَة وهم جُبَير بن مطعم وَأَبُو الجهم بن حيفة وَعبد الله بن الزبير ومكرم بن نيار وَجَمَاعَة غَيرهم هَذَا مِمَّا لَا يتمادى فِيهِ أحد مِمَّن لَهُ علم بالأخبار وَلَقَد أَمر رَسُول الله ﷺ يَرْمِي أجساد قَتْلَى الْكفَّار من قُرَيْش يَوْم بدر فِي القليب وَألقى التُّرَاب عَلَيْهِم وهم شَرّ خلق الله تَعَالَى وَأمر ﵇ أَن يحْفر أخاديد لقتلى يهود قُرَيْظَة وهم شَرّ من وارته الأَرْض فمواراة الْمُؤمن وَالْكَافِر فرض على الْمُسلمين فَكيف يجوز لذَلِك حَيَاء فِي وَجهه أَن ينْسب إِلَى عَليّ وَهُوَ الإِمَام وَمن بِالْمَدِينَةِ من الصَّحَابَة أَنهم تركُوا رجلا مَيتا ملقى بَين أظهرهم على مزبلة لَا يوارونه وَلَا نبالي مُؤمنا كَانَ أَو كَافِرًا وَلَكِن الله يَأْبَى إِلَّا أَن يفضح الْكَذَّابين بألسنتهم وَلَو فعل هَذَا عَليّ لكَانَتْ جرحة لِأَنَّهُ لَا يخلوا إِن يكون عُثْمَان كَافِرًا أَو فَاسِقًا أَو مُؤمنا فَإِن كَانَ كَافِرًا أَو فَاسِقًا عِنْده فقد كَانَ فرضا على عَليّ أَن يفْسخ أَحْكَامه فِي الْمُسلمين فَإِذا لم يفعل فقد صَحَّ أَنه كَانَ مُؤمنا عِنْده فَكيف يجوز أَن ينْسب ذُو حَيَاء إِلَى عَليّ أَنه ترك مُؤمنا مطروحا مَيتا على مزبلة لَا يَأْمر بموارته
стр. 571
أم كَيفَ يجوز أَن يَظُنّهُ بِهِ أَنه أنفذ أَحْكَام كَافِر أَو فَاسق على أهل الْإِسْلَام مَا أحد أَسْوَأ ثَنَاء على عَليّ من هَؤُلَاءِ الكذبة الفجرة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن الْبُرْهَان على صِحَة مَا قُلْنَاهُ أَن من الْجَهْل الفاضح أَن يظنّ ظان أَن عليا ﵁ بلغ من التَّنَاقُض فِي أَحْكَامه وإتباع الْهوى فِي دينه وَالْجهل أَن يتْرك سعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن عمر وَأُسَامَة بن زيد وَزيد بن ثَابت بن حسان وَرَافِع بن خديج وَمُحَمّد بن مسلمة وَكَعب بن مَالك وَسَائِر الصَّحَابَة الَّذين لم يبايعوه فَلَا يجهزهم عليا وهم مَعَه فِي الْمَدِينَة وَغَيرهَا نعم والخوارج وَهُوَ يصيحون فِي نواحي الْمَسْجِد بِأَعْلَى أَصْوَاتهم بِحَضْرَتِهِ وَهُوَ على الْمِنْبَر فِي مَسْجِد الْكُوفَة لَا حكم إِلَّا الله لَا حكم إِلَّا الله فَيَقُول لَهُم ﵁ لكم علينا ثَلَاث لَا نمنعكم الْمَسَاجِد وَلَا نمنعكم حقكم من الْفَيْء وَلَا نبدوكم بِقِتَال أَو لم يبْدَأ بِحَرب حَتَّى قتلوا عبد الله بن خباب ثمَّ لم يقاتلهم بعد ذَلِك حَتَّى دعاهم إِلَى أَن يسلمُوا الذيه قتلة عبد الله بن خباب فَلَمَّا قَالُوا كلنا قَتله قَاتلهم حِينَئِذٍ ثمَّ يظنّ بِهِ مَعَ هَذَا كُله أَنه يُقَاتل أهل الْجَهْل لامتناعهم من بيعَته هَذَا إفْك وجنون مختلق بحت بِلَا شكّ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما أَمر مُعَاوِيَة ﵁ فبخلاف ذَلِك وَلم يقاتله عَليّ ﵁ لامتناعه من بيعَته لِأَنَّهُ كَانَ يَسعهُ فِي ذَلِك مَا وسع ابْن عمر وَغَيره لَكِن قَاتله لامتناعه من إِنْفَاذ أوامره فِي جَمِيع أَرض الشَّام وَهُوَ الإِمَام الْوَاجِبَة طَاعَته فعلي الْمُصِيب فِي هَذَا وَلم يُنكر مُعَاوِيَة قطّ فضل عَليّ واستحقاقه الْخلَافَة لَكِن اجْتِهَاده اداه إِلَى أَن رأى تَقْدِيم أَخذ الْقود من قتلة عُثْمَان ﵁ على الْبيعَة وَرَأى نَفسه أَحَق بِطَلَب دم عُثْمَان وَالْكَلَام فِيهِ عَن ولد عُثْمَان وَولد الحكم ابْن أبي الْعَاصِ لسنه ولقوته على الطّلب بذلك كَمَا أَمر رَسُول الله ﷺ وَعبد الرَّحْمَن بن سهل أَخا عبد الله بن سهل الْمَقْتُول بِخَيْبَر بِالسُّكُوتِ وَهُوَ أَخُو الْمَقْتُول وَقَالَ لَهُ كبر كبر وروى الْكبر الْكبر فَسكت عبد الرَّحْمَن وَتكلم محيصة وحويصة أَبنَاء مَسْعُود وهما ابْنا عَم الْمَقْتُول لِأَنَّهُمَا كَانَا أسن من أَخِيه فَلم يطْلب مُعَاوِيَة من ذَلِك إِلَّا مَا كَانَ لَهُ من الْحق أَن يَطْلُبهُ وَأصَاب فِي ذَلِك الْأَثر الَّذِي ذكرنَا وَإِنَّمَا أَخطَأ فِي تَقْدِيمه ذَلِك على الْبيعَة فَقَط فَلهُ أجر الِاجْتِهَاد فِي ذَلِك وَلَا إِثْم عَلَيْهِ فِيمَا حرم من الْإِصَابَة كَسَائِر المخطئين فِي اجتهادهم الَّذين أخبر رَسُول الله ﷺ أَن لَهُم أجرا وَاحِدًا وللمصيب أَجْرَيْنِ وَلَا عجب أعجب مِمَّن يُجِيز الِاجْتِهَاد فِي الدِّمَاء وَفِي الْفروج والأنساب وَالْأَمْوَال والشرائع الَّتِي يدان الله بهَا من تَحْرِيم وَإِيجَاب ويعذر المخطئين فِي ذَلِك وَيرى لَك مُبَاحا لليث والبتي أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَدَاوُد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَغَيرهم كزفر وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن وَالْحسن بن زِيَاد وَابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب وَابْن الْمَاجشون والمزني وَغَيرهم فواحد من هَؤُلَاءِ يُبِيح دم هَذَا الْإِنْسَان وَآخر مِنْهُم يحرمه كمن حَارب وَلم يقتل أَو عمل عمل قوم لوط وَغير هَذَا كثير وَوَاحِد مِنْهُم يُبِيح هَذَا الْفرج وَآخر مِنْهُم يحرمه كبكرا نَكَحَهَا أَبوهَا وَهِي بَالِغَة عَاقِلَة بِغَيْر إِذْنهَا وَلَا رِضَاهَا وَغير هَذَا كثير وَكَذَلِكَ فِي الشَّرَائِع والأوامر والأنساب وَهَكَذَا فعلت الْمُعْتَزلَة بشيوخهم كواصل وَعَمْرو وَسَائِر شيوخهم وفقهائهم وَهَكَذَا فعلت الْخَوَارِج بفقهائهم ومفتيهم ثمَّ يضيقون ذَلِك على من لَهُ الصُّحْبَة وَالْفضل وَالْعلم والتقدم وَالِاجْتِهَاد كمعاوية وعمروا وَمن مَعَهُمَا من الصَّحَابَة ﵁ وَإِنَّمَا اجْتهد فِي مسَائِل دِمَاء كَالَّتِي اجْتهد فِيهَا الْمفْتُون وَفِي الْمُفْتِينَ من يرى قتل السَّاحر وَفِيهِمْ من لَا يرَاهُ وَفِيهِمْ من يرى
стр. 572
قتل الْحر بِالْعَبدِ وَفِيهِمْ من يرى قتل الْمُؤمن بالكافر وَفِيهِمْ من لَا يرَاهُ فَأَي فرق بَين هَذِه الاجتهادات واجتهاد مُعَاوِيَة وَعَمْرو وَغَيرهمَا لَوْلَا الْجَهْل والعمى والتخليط بِغَيْر علم وَقد علمنَا أَن من لزمَه حق وَاجِب وَامْتنع من أَدَائِهِ وَقَاتل دونه فَإِنَّهُ يجب على الإِمَام أَن يقاتله وَإِن كَانَ منا وَلَيْسَ ذَلِك بمؤثر فِي عَدَالَته وفضله وَلَا بمحب لَهُ فبالمقابل هُوَ مأجور لإجهاده وَنِيَّته فِي طلب الْخَيْر فَبِهَذَا قَطعنَا على صَوَاب عَليّ رَضِي الله عه وَصِحَّة أَمَانَته وَأَنه صَاحب الْحق وَإِن لَهُ أَجْرَيْنِ أجر الِاجْتِهَاد وَأجر الْإِصَابَة وقطعنا أَن مُعَاوِيَة ﵁ وَمن مَعَه مخطئون مجتهدون مأجورون أجرا وَاحِدًا وَأَيْضًا فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن رَسُول الله ﷺ أَنه أخبر عَن مارقة تمرق بَين طائفتين من أمته يَقْتُلهَا أولي الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ فمرقت تِلْكَ المارقة وهم الْخَوَارِج من أَصْحَاب عَليّ وَأَصْحَاب مُعَاوِيَة فَقَتلهُمْ عَليّ وَأَصْحَابه فصح أَنهم أولي الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَأَيْضًا الْخَبَر الصَّحِيح من رَسُول الله ﷺ تقتل عمارا الفئة الباغية
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) الْمُجْتَهد الْمُخطئ إِذا قَاتل على مَا يرى أَنه الْحق قَاصِدا إِلَى الله تَعَالَى نِيَّته غير عَالم بِأَنَّهُ مُخطئ فَهُوَ باعثه وان كَانَ مأجور أَو لَا حد عَلَيْهِ إِذا ترك الْقَاتِل وَلَا قَود وَأما إِذا قَاتل وَهُوَ يدْرِي أَنه مُخطئ فَهَذَا الْمُحَارب تلْزمهُ الْمُحَاربَة والقود وَهَذَا يفسق وَيخرج لَا الْمُجْتَهد الْمُخطئ وَبَيَان ذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أخوة فأصلحوا بَين أخويكم﴾ فَهَذَا نَص قَوْلنَا دون تكلّف تَأْوِيل وَلَا زَوَال عَن مُوجب ظَاهر الْآيَة وَقد سماهم الله مُؤمنين باغين بَعضهم أخوة بعض فِي حِين تقَاتلهمْ وَأهل الْعدْل المبغي عَلَيْهِم والمأمورين بالإصلاح بَينهم وَبينهمْ وَلم يصفهم بفسق من أجل ذَلِك التقاتل وَلَا ينقص إِيمَان وَإِنَّمَا هم مخطئون باغون وَلَا يُرِيد وَاحِدًا مِنْهُم قتل آخر وَعمر ﵁ قَتله أَبُو العادية يسَار ابْن سبع السّلمِيّ شهد بيعَة الرضْوَان فَهُوَ من شُهَدَاء الله لَهُ بِأَنَّهُ علم مَا فِي قلبه وَأنزل السكينَة عَلَيْهِ وَرَضي عَنهُ فَأَبُو العادية ﵁ متأول مُجْتَهد مُخطئ فِيهِ بَاغ عَلَيْهِ مأجور آجرا وَاحِدًا وَلَيْسَ هَذَا كقتلة عُثْمَان ﵁ لأَنهم لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِي قَتله لِأَنَّهُ لم يقتل أحدا وَلَا حَارب وَلَا قَاتل وَلَا دَافع وَلَا زنى بعد إِحْسَان وَلَا ارْتَدَّ فيسوغ الْمُحَاربَة تَأْوِيل بل هم فساق محاربون سافكون دَمًا حَرَامًا عمدا بِلَا تَأْوِيل على سَبِيل الظُّلم والعدوان فهم فساق مَلْعُون
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَإذْ قد بَطل هَذَا الْأَمر وَصَحَّ أَن عليا هُوَ صَاحب الْحق فالأحاديث الَّتِي فِيهَا الْتِزَام الْبيُوت وَترك الْقِتَال إِنَّمَا هُوَ بِلَا شكّ فِيمَن لم يلح لَهُ يَقِين الْحق أَيْن هُوَ وَهَكَذَا نقُول فَإِذا تبين الْحق فقتال الفئة الباغية فرض بِنَصّ الْقُرْآن وَكَذَلِكَ ان كَانَتَا مَعًا باغيتين فقتالهما وَاجِب لِأَن كَلَام الله لَا يُعَارض كَلَام نبيه ﷺ لِأَنَّهُ كُله من عِنْد الله قَالَ الله ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى أَن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَقَالَ ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فصح يَقِينا أَن كل مَا قَالَه رَسُول الله ﷺ فَهُوَ وَحي من عِنْد الله وَإِذ هُوَ كَذَلِك فَلَيْسَ شئ مِمَّا عِنْد الله تَعَالَى مُخْتَلفا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَلم يبْق إِلَّا الْكَلَام على الْوُجُوه الَّتِي اعْترض بهَا من رأى قتال عَليّ رَضِي الله عَنهُ
стр. 573
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أما قَوْلهم إِن أَخذ الْقود وَاجِب من قتلة عُثْمَان ﵁ المحار بَين لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ الساعين فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ والهاتكين حُرْمَة الْإِسْلَام وَالْحرم وَالْأَمَانَة وَالْهجْرَة والخلافة والصحبة والسابقة فَنعم وَمَا خالفهم قطّ عَليّ فِي ذَلِك وَلَا فِي البرآءة مِنْهُم وَلَكنهُمْ كَانُوا عددا ضخما جمالا طَاقَة لَهُ عَلَيْهِم فقد سقط عَن عَليّ ﵁ مَالا يَسْتَطِيع عَلَيْهِ كَمَا سقط عَنهُ وَعَن كل مُسلم مَا عجز عَنهُ من قيام بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَالْحج وَلَا فرق قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَمرتكُم بِشَيْء فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم وَلَو أَن مُعَاوِيَة بَايع عليا لقوي بِهِ على احذ الْحق من قتلة عُثْمَان فصح أَن الِاخْتِلَاف هُوَ الَّذِي أَضْعَف يَد عَليّ عَن إنقاذ الْحق عَلَيْهِم وَلَوْلَا ذَلِك لأنقذ الْحق عَلَيْهِم كَمَا أنقذه على قتلة عبد الله بن خباب إِذْ قدر على مُطَالبَة قتلته وَأما تأسي مُعَاوِيَة فِي امْتِنَاعه من بيعَة عَليّ بتأخر عَليّ عَن بيعَة أبي بكر فَلَيْسَ فِي الْخَطَأ أُسْوَة وَعلي استقال وَرجع وَبَايع بعد يسير فَلَو فعل مُعَاوِيَة مثل ذَلِك لأصاب ولبايع حِينَئِذٍ بِلَا شكّ كل من امْتنع من الصَّحَابَة من الْبيعَة من أجل الْفرْقَة وَأما تقَارب مَا بَين عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد فَنعم وَلَكِن من سبقت بيعَته وَهُوَ من أهل الِاسْتِحْقَاق والخلافة فَهُوَ الإِمَام الْوَاجِبَة طَاعَته فِيمَا أَمر بِهِ من طَاعَة الله سوآء كَانَ هُنَالك من هُوَ مثله أَو أفضل كَمَا سبقت بيعَة عُثْمَان فَوَجَبت طَاعَته وإمامته على غَيره وَلَو بُويِعَ هُنَالك حِينَئِذٍ وَقت الشورى عَليّ أَو طَلْحَة أَو الزبير أَو عبد الرَّحْمَن أَو سعد لَكَانَ الإِمَام وللزمت عُثْمَان طَاعَته وَلَا فرق فصح أَن عليا هُوَ صَاحب الْحق وَالْإِمَام المفترضة طَاعَته وَمُعَاوِيَة مُخطئ مأجور مُجْتَهد وَقد يخفى الصَّوَاب على الصاحب الْعَالم فِيمَا هُوَ أبين وأوضح من هَذَا الْأَمر من أَحْكَام الدّين فَرُبمَا رَجَعَ إِذْ استبان لَهُ وَرُبمَا لم يستبن لَهُ حق يَمُوت عَلَيْهِ وَمَا توفيقنا إِلَّا بِاللَّه وَهُوَ الْمَسْئُول الْعِصْمَة وَالْهِدَايَة لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) نطلب على حَقه نُقَاتِل عَلَيْهِ وَقد كَانَ تَركه ليجمع كلمة الْمُسلمين كَمَا فعل الْحسن ابْنه ﵄ فَكَانَ لَهُ بذلك فضل عَظِيم قد تقدم بِهِ إنذار رَسُول الله ﷺ إِذْ قَالَ ابْني هَذَا سيد وَلَعَلَّ الله أَن يصلح بِهِ طائفتين عظيمتين من أمتِي فغبطه رَسُول الله ﷺ بذلك وَمن ترك حَقه رَغْبَة فِي حقن دِمَاء الْمُسلمين فقد أَتَى من الْفضل بِمَا لَا وَرَاء وَلَا لوم عَلَيْهِ بل هُوَ مُصِيب فِي ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
الْكَلَام فِي إِمَامَة الْمَفْضُول
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ذهبت طوائف من الْخَوَارِج وَطَوَائِف من الْمُعْتَزلَة وَطَوَائِف من المرجئة مِنْهُم مُحَمَّد بن الطّيب ألبا فلاني وَمن اتبعهُ وَجَمِيع الرافضة من الشِّيعَة إِلَى أَنه لَا يجوز إِمَامَة من يُوجد فِي النَّاس أفضل مِنْهُ وَذَهَبت طَائِفَة من الْخَوَارِج وَطَائِفَة من الممتزلة وَطَائِفَة من المرجئة وَجَمِيع الزيدية من الشِّيعَة وَجَمِيع أهل السّنة إِلَى أَن الْإِمَامَة جَائِزَة لمن غَيره أفضل مِنْهُ
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأما الرافضة فَقَالُوا أَن الإِمَام وَاجِد مَعْرُوف بِعَيْنِه فِي الْعَالم على مَا ذكرنَا من أَقْوَالهم الَّذِي قد تقدم إفسادنا لَهَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَمَا نعلم لمن قَالَ أَن الإِمَام لَا تجوز إِلَّا لأَفْضَل من يُوجد حجَّة أصلا لَا من قُرْآن وَلَا من سنة وَلَا من إِجْمَاع وَلَا من صِحَة عقل وَلَا من قِيَاس وَلَا قَول صَاحب وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ أَحَق قَول بالاطراح وَقد قَالَ أَبُو بكر ﵁ يَوْم السَّقِيفَة قد رضيت لكم أحدا هذَيْن الرجلَيْن يَعْنِي أَبَا عُبَيْدَة وَعمر وَأَبُو
стр. 574
بكر أفضل مِنْهُمَا بِلَا شكّ فَمَا قَالَ أحد من الْمُسلمين أَنه قَالَ من ذَلِك بِمَا لَا يحل فِي الدّين ودعت الْأَنْصَار إِلَى بيعَة سعد بن عبَادَة وَفِي الْمُسلمين عدد كثير كلهم أفضل مِنْهُ بِلَا شكّ فصح بِمَا ذكرنَا إِجْمَاع جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ على جَوَاز إِمَامَة الْمَفْضُول ثمَّ عبدهم عمر ﵁ إِلَى سِتَّة رجال وَلَا بُد أَن لبَعْضهِم على بعض فضلا وَقد أجمع أهل الْإِسْلَام حِينَئِذٍ على أَنه إِن بُويِعَ أحدهم فَهُوَ الإِمَام الْوَاجِبَة طَاعَته وَفِي هَذَا إطباق مِنْهُم على جَوَاز إِمَامَة الْمَفْضُول ثمَّ مَاتَ على ﵁ فَهُوَ فبويع الْحسن ثمَّ سلم الْأَمر إِلَى معوية وَفِي بقايا الصَّحَابَة من هُوَ أفضل مِنْهُمَا بِلَا خلاف مِمَّن أنْفق قبل الْفَتْح وَقَاتل فكلهم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم بَايع مُعَاوِيَة وَرَأى إِمَامَته وَهَذَا إِجْمَاع مُتَيَقن بعد إِجْمَاع على جَوَاز إِمَامَة من غَيره أفضل بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ إِلَى أَن حدث من لَا وزن لَهُ عِنْد الله تَعَالَى فخرقوا الْإِجْمَاع بآرائهم الْفَاسِدَة بِلَا دَلِيل ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَالْعجب كُله كَيفَ يجْتَمع قَول الباقلاني أَنه لَا تجوز الْإِمَامَة لمن غَيره من النَّاس أفضل مِنْهُ وَهُوَ قد جوز النُّبُوَّة والرسالة لمن غَيره من النَّاس أفضل مِنْهُ فَإِنَّهُ صرح فِيمَا ذكره عَنهُ صَاحبه أَبُو جَعْفَر السمناني الْأَعْمَى قَاضِي الْموصل بِأَنَّهُ جَائِز أَن يكون فِي الْإِمَامَة من هُوَ أفضل من رَسُول الله ﷺ من حَيْثُ بعث إِلَى أَن مَاتَ
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) مَا فِي خذلان الله أَحَق من هَاتين القضيتين لَا سِيمَا إِذا اقترننا وَالْحَمْد لله على الْإِسْلَام فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ يحتجون هُنَا بقول الْأَنْصَار ﵃ فِي دُعَائِهِمْ إِلَى سعد بن عبَادَة وَهُوَ عنْدكُمْ خطأ وَخلاف للنَّص مَعَ رَسُول الله ﷺ وَكَيف تحتجون فِي هَذَا أَيْضا بقول أبي بكر رضيت لكم أحد هذَيْن وَخِلَافَة أبي بكر عنْدكُمْ نَص من رَسُول الله ﷺ فَمن أَيْن لَهُ أَن يتْرك مَا نَص عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن فعل الْأَنْصَار ﵃ انتظم حكمين أَحدهمَا تَقْدِيم من لَيْسَ قرشياً وَهَذَا خطأ وَقد خالفهم فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ فَسَقَطت هَذِه الْقَضِيَّة وَالثَّانِي جَوَاز تَقْدِيم من غَيره أفضل مِنْهُ وَهَذَا صَوَاب وافقهم عَلَيْهِ أَبُو بكر وَغَيره فصاروا جماعا فَقَامَتْ بِهِ الْحجَّة وَلَيْسَ خطأ من أَخطَأ وَخَالفهُ فِي قَول وَخَالفهُ فِيهِ من أصَاب الْحق بِمُوجب أَن لَا يحْتَج بصوابه الَّذِي وَافقه فِيهِ أهل الْحق وَهَذَا مَا لَا خلاف فِيهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما أَمر أبي بكر فَإِن الْحق كَانَ لَهُ بِالنَّصِّ وللمرء أَن يتْرك حَقه إِذا رأى فِي تَركه إصْلَاح ذَات بَين الْمُسلمين وَلَا فرق بَين عَطِيَّة أَعْطَاهَا رَسُول الله ﷺ وَبَين منزلَة صبرها رَسُول الله ﷺ لإِنْسَان فَكَانَ لَهُ أَن يتحافى عَنْهَا لغيره إِذْ لم يمنعهُ من ذَلِك نَص وَلَا إِجْمَاع وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وبرهان صِحَة قَول من قَالَ بِأَن الْإِمَامَة جَائِزَة لمن غَيره أفضل مِنْهُ وَبطلَان قَول من خَالف ذَلِك أَنه لَا سَبِيل إِلَى أَن يعرف الْأَفْضَل إِلَّا بِنَصّ أَو إِجْمَاع أَو معْجزَة تظهر فالمعجزة ممتنعة هَاهُنَا بِلَا خلاف وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ النَّص وبرهان آخر وَهُوَ أَن الَّذِي كلفوا بِهِ من معرفَة الْأَفْضَل مُمْتَنع حَال لن قُريْشًا مفترقون فِي الْبِلَاد من أقْصَى السَّنَد إِلَى أقْصَى الأندلس إِلَى أقْصَى الْيمن وصحاري البربر إِلَى أقْصَى أرمينية وأذربيجان وخراسان فَمَا بَين ذَلِك من الْبِلَاد فمعرفة أسمائهم مُمْتَنع فَكيف معرفَة أَحْوَالهم فَكيف معرفَة أفضلهم وبرهان آخر وَهُوَ أَنا بالحس والمشاهدة نَدْرِي أَنه لَا يدْرِي أحد فضل إِنْسَان على غَيره مِمَّن
стр. 575
بعد الصَّحَابَة ﵃ إِلَّا بِالظَّنِّ وَالْحكم بِالظَّنِّ لَا يحل قَالَ الله تَعَالَى ذاماً لقوم ﴿إِن نظن إِلَّا ظنا وَمَا نَحن بمستيقنين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا لَهُم بذلك من علم إِن هم إِلَّا يخرصون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قتل الخراصون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى أم للْإنْسَان مَا تمنى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وَأَيْضًا فإننا وجدنَا النَّاس يتباينون فِي الْفَضَائِل فَيكون الْوَاحِد أزهد وَيكون الْوَاحِد أورع وَيكون الآخر أسوس وَيكون الرَّابِع أَشْجَع وَيكون الْخَامِس أعلم وَقد يكونُونَ متقاربين فِي التَّفَاضُل لَا يبين التَّفَاوُت بَينهم فَبَطل معرفَة الْأَفْضَل وَصَحَّ أَن هَذَا القَوْل فَاسد وتكليف مَا لَا يُطَاق وإلزام مَا لَا يُسْتَطَاع وَهَذَا بَاطِل لَا يحل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ثمَّ قد وجدنَا رَسُول الله ﷺ قد قلد النواحي وَصرف تَنْفِيذ جَمِيع الْأَحْكَام الَّتِي تنفذها الْأَئِمَّة إِلَى قوم كَانَ غَيرهم بِلَا شكّ أفضل مِنْهُم فَاسْتعْمل على أَعمال الْيمن معَاذ بن جبل وَأَبا مُوسَى وخَالِد بن الْوَلِيد وَعلي عمان عَمْرو بن الْعَاصِ وعَلى نَجْرَان أَبَا سُفْيَان وعَلى مَكَّة عتاب ابْن أسيد وعَلى الطَّائِف عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وعَلى الْبَحْرين الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ وَلَا خلاف فِي أَن أَبَا بكر وَعَمْرو وَعُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر بن عمار بن يَاسر وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأَبا عُبَيْدَة وَابْن مَسْعُود وبلال وَأَبا ذَر أفضل مِمَّن ذكرنَا فصح يَقِينا أَن الصِّفَات الَّتِي يسْتَحق بهَا الْإِمَامَة والخلافة لَيْسَ مِنْهَا التَّقَدُّم فِي الْفضل وَأَيْضًا فَإِن الْفَضَائِل كَثِيرَة جدا مِنْهَا الْوَرع والزهد وَالْعلم والشجاعة والسخاء والحلم والعفة وَالصَّبْر والصرامة وَغير ذَلِك وَلَا يُوجد أحد يبين فِي جَمِيعهَا بل يكون بَائِنا فِي بَعْضهَا ومتأخراً فِي بَعْضهَا فَفِي أَيهَا يُرَاعِي الْفضل من لَا يُجِيز إِمَامَة الْمَفْضُول فَإِن اقْتصر على بَعْضهَا كَانَ مُدعيًا بِلَا دَلِيل وَإِن عَم جَمِيعهَا كلف من لَا سَبِيل إِلَى وجوده أبدا فِي أحد بعد رَسُول الله ﷺ فَإذْ لَا شكّ فِي ذَلِك فقد صَحَّ القَوْل فِي إِمَامَة الْمَفْضُول وَبَطل قَول من قَالَ غير ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَذكر الباقلاني فِي شُرُوط الْإِمَامَة أَنَّهَا أحد عشر شرطا وَهَذَا أَيْضا دَعْوَى بِلَا برهَان وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل فَوَجَبَ أَن ينظر فِي شُرُوط الْإِمَامَة الَّتِي لَا تجوز الْإِمَامَة لغير من هن فِيهِ فَوَجَدْنَاهَا أَن يكون صليبة من قُرَيْش لإخبار رَسُول الله ﷺ إِن الْإِمَامَة فيهم وَأَن يكون بَالغا مُمَيّزا لقَوْل رَسُول الله ﷺ رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث فَذكر الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم وَالْمَجْنُون حَتَّى يفِيق وَأَن يكون رجلا لقَوْل رَسُول الله ﷺ لَا يفلح قوم أسندوا أَمرهم إِلَى امْرَأَة وَأَن يكون مُسلما لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾ والخلافة أعظم السَّبِيل ولأمره تَعَالَى باصغار أهل الْكتاب وَأَخذهم بأَدَاء الْجِزْيَة وَقتل من لم يكن من أهل الْكتاب حَتَّى يسلمُوا وَأَن يكون مُتَقَدما لأَمره عَالما بِمَا يلْزمه من فَرَائض الدّين متقياً لله تَعَالَى بِالْجُمْلَةِ غير معلن بِالْفَسَادِ فِي الأَرْض لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ لِأَن من قدم من لَا يَتَّقِي الله وَلَا فِي شَيْء من الْأَشْيَاء مُعْلنا بِالْفَسَادِ فِي الأَرْض غير مَأْمُون أَو من لَا ينفذ أمرا من لَا يدْرِي شَيْئا من دينه فقد أعَان على الْإِثْم والعدوان وَلم يعن على الْبر وَالتَّقوى وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ ورد وَقَالَ ﵇ يَا أَبَا ذَر إِنَّك ضَعِيف لَا تأمرن على اثْنَيْنِ وَلَا تولين مَال يَتِيم وَقَالَ تَعَالَى
стр. 576
﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق سَفِيها أَو ضَعِيفا﴾ الْآيَة فصح أَن السَّفِيه والضعيف وَمن لَا يقدر على شَيْء فَلَا بُد لَهُ من ولي وَمن لَا بُد لَهُ من ولي فَلَا يجوز أَن يكون وليا للْمُسلمين فصح أَن ولَايَة من لم يستكمل هَذِه الشُّرُوط الثَّمَانِية بَاطِل لَا يجوز وَلَا ينْعَقد أصلا ثمَّ يسْتَحبّ أَن يكون عَالما بِمَا يَخُصُّهُ أُمُور الدّين من الْعِبَادَات والسياسة وَالْأَحْكَام مُؤديا لفرائض كلهَا لَا يخل بِشَيْء مِنْهَا مجتنباً لجَمِيع الْكَبَائِر سرا وجهراً مستتراً بالصغائر إِن كَانَت مِنْهُ فَهَذِهِ أَربع صِفَات يكره الْمَرْء أَن يَلِي الْأمة من لم ينتظمها فَإِن ولي فولايته صَحِيحَة ونكرهها وطاعته فِيمَا أطَاع الله فِيهِ وَاجِبَة وَمنعه مِمَّا لم يطع الله فِيهِ وَاجِب والغاية المأهولة فِيهِ أَن يكون رَفِيقًا بِالنَّاسِ فِي غير ضعف شَدِيدا فِي إِنْكَار الْمُنكر من غير عف وَلَا تجَاوز للْوَاجِب مستيقظاً غير غافل شُجَاع النَّفس غير مَانع لِلْمَالِ فِي حَقه وَلَا مبذر لبه فِي غير حَقه وَيجمع هَذَا كُله أَن يكون الإِمَام قَائِما بِأَحْكَام الْقُرْآن وَسنَن رَسُول الله ﷺ فَهَذَا يجمع كل فَضِيلَة
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلَا يضر الإِمَام أَن يكون فِي خلقه عيب كالأعمى والأصم والأجدع والأجذم وَالَّذِي لَا يدان لَهُ وَلَا رجلَانِ وَمن بلغ الْهَرم مَا دَامَ يعقل وَلَو أَنه ابْن مائَة عَام وَمن يعرض لَهُ الصرع ثمَّ يفِيق وَمن بُويِعَ أثر بُلُوغه الْحلم وَهُوَ مستوف لشروط الْإِمَامَة فَكل هَؤُلَاءِ إمامتهم جَائِزَة إِذْ لم يمْنَع مِنْهَا نَص قُرْآن وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع وَلَا نظر وَلَا دَلِيل أصلا بل قَالَ تَعَالَى ﴿كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ﴾ فَمن قَامَ بِالْقِسْطِ فقد ادى مَا أَمر بِهِ وَلَا خلاف بَين أحد من أهل الْإِسْلَام فِي أَنه لَا يجوز التَّوَارُث فِيهَا وَلَا فِي أَنَّهَا لَا تجوز لمن لم يبلغ حاشا الروافض فَإِنَّهُم أَجَازُوا كلا الْأَمريْنِ وَلَا خلاف بَين أحد فِي أَنَّهَا لَا تجوز لامْرَأَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد
الْكَلَام فِي عقد الْإِمَامَة بِمَاذَا تصح
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ذهب قوم إِلَى أَن الْإِمَامَة لَا تصح إِلَّا بِإِجْمَاع فضلاء الْأمة فِي أقطار الْبِلَاد وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن الْإِمَامَة إِنَّمَا تصح بِعقد أهل حَضْرَة الإِمَام والموضع الَّذِي فِيهِ قَرَار الْأَئِمَّة وَذهب أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الجبائي إِلَى أَن الإِمَام لَا تصح بِأَقَلّ من عقد خمس رجال وَلم يَخْتَلِفُوا فِي أَن عقد الْإِمَامَة تصح بِعَهْد من الإِمَام الْمَيِّت إِذا قصد فِيهِ حسن الِاخْتِيَار للْأمة عِنْد مَوته وَلم يقْصد بذلك هوي وَقد ذكر فِي فَسَاد قَول الروافض وَقَول الكيسانية وَمن ادّعى إِمَامَة رجل بِعَيْنِه وأنبأ أَن كل ذَلِك دَعَا وَلَا يعجز عَنْهَا ذُو لِسَان إِذا لم يتق الله وَلَا استحياء من النَّاس إِذْ لَا دَلِيل على شَيْء مِنْهَا
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) أما من قَالَ أَن الْإِمَامَة لَا تصح إِلَّا بِعقد فضلاء الْأمة فِي أقطار الْبِلَاد فَبَاطِل لِأَنَّهُ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَمَا لَيْسَ فِي الوسع وَمَا هُوَ أعظم الْحَرج وَالله تَعَالَى لَا يُكَلف نفسا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَلَا حرج وَلَا تعجيز أَكثر من تعرف إِجْمَاع فضلاء من فِي المولتان والمنصورة إِلَى بِلَاد مهرَة إِلَى عدن إِلَى أقاصي المصامدة بل طنجة إِلَى الأشبونة إِلَى جزائر الْبَحْر إِلَى سواحل الشَّام إِلَى أرمينية وجبل القبج إِلَى اسينجاب وفرغانة واسروسنه إِلَى أقاصي خُرَاسَان إِلَى الْجَوْز جَان إِلَى كابل المولتان فَمَا بَين ذَلِك من المدن والقرى وَلَا بُد من ضيَاع أُمُور الْمُسلمين قبل أَن يجمع جُزْء من مائَة جُزْء من فضلاء أهل هَذِه الْبِلَاد فَبَطل هَذَا القَوْل الْفَاسِد مَعَ أَنه لَو كَانَ مُمكنا لما لزم لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا برهَان وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى﴾ و ﴿كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ﴾
стр. 577
فهذان الْأَمْرَانِ متوجهان أَحدهمَا إِلَى كل إِنْسَان فِي ذَاته وَلَا يسْقط عَنهُ وجوب الْقيام بِالْقِسْطِ انْتِظَار غَيره فِي ذَلِك وَأما التعاون على الْبر وَالتَّقوى فمتوجه إِلَى كل اثْنَيْنِ فصعدا لِأَن التعاون فعل من فاعلين وَلَيْسَ فعل وَاحِد وَلَا يسْقط عَن الِاثْنَيْنِ فرض تعاونهما على الْبر وَالتَّقوى انْتِظَار ثَالِث إِذْ لَو كَانَ ذَلِك لما لزم أحدا قيام بقسط وَلَا تعاون على بر وتقوى إِذْ لَا سَبِيل إِلَى اجْتِمَاع أهل الأَرْض على ذَلِك أبدا لتباعد أقطارهم ولتخلف من تخلف عَن ذَلِك لعذر أَو على وَجه الْمعْصِيَة وَلَو كَانَ هَذَا لَكَانَ أَمر الله تَعَالَى بِالْقيامِ بِالْقِسْطِ وبالتعاون على الْبر وَالتَّقوى بَاطِلا فَارغًا وَهَذَا خُرُوج عَن الْإِسْلَام فَسقط القَوْل الْمَذْكُور وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَول من قَالَ أَن عقد الْإِمَامَة لَا يَصح إِلَّا بِعقد أهل حَضْرَة الإِمَام وَأهل الْموضع الَّذِي فِيهِ قَرَار الْأَئِمَّة فَإِن أهل الشَّام كَانُوا قد دعوا ذَلِك لأَنْفُسِهِمْ حَتَّى حملهمْ ذَلِك على بيعَة مَرْوَان وَابْنه عبد الْملك وَاسْتَحَلُّوا بذلك دِمَاء أهل الْإِسْلَام
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهُوَ قَول فَاسد لَا حجَّة لأَهله وكل قَول فِي الدّين عرى عَن ذَلِك من الْقُرْآن أَو من سنة رَسُول الله ﷺ أَو من إِجْمَاع الْأمة الْمُتَيَقن فَهُوَ بَاطِل بِيَقِين قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فصح أَن من لَا برهَان لَهُ على صِحَة قَوْله فَلَيْسَ صَادِقا فِيهِ فَسقط هَذَا القَوْل أَيْضا وَأما القَوْل الجبائي فَإِنَّهُ تعلق فِيهِ بِفعل عمر ﵁ فِي الشورى إِذْ قلدها سِتَّة رجال وَأمرهمْ أَن يختاروا وَاحِدًا مِنْهُم فَصَارَ الِاخْتِيَار مِنْهُم بِخَمْسَة فَقَط
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لوجوه أَولهَا أَن عمر لم يقل أَن تَقْلِيد الِاخْتِيَار أقل من خَمْسَة لَا يجوز بل قد جَاءَ عَنهُ أَنه قَالَ إِن مَال ثَلَاثَة مِنْهُم إِلَى وَاحِد وَثَلَاثَة إِلَى وَاحِد فاتبعوا الثَّلَاثَة الَّذين فيهم عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف فقد أجَاز عقد ثَلَاثَة وَوجه ثَان وَهُوَ أَن فعل عمر ﵁ لَا يلْزم الْأمة حَتَّى يُوَافق نَص قُرْآن أَو سنة وَعمر كَسَائِر الصَّحَابَة ﵃ لَا يجوز أَن يَخُصُّهُ بِوُجُوب اتِّبَاعه دون غَيره من الصَّحَابَة ﵃ وَالثَّالِث أَن أُولَئِكَ الْخَمْسَة ﵃ قد تبرؤا من الِاخْتِيَار وجعلوه إِلَى وَاحِد مِنْهُم يخْتَار لَهُم وللمسلمين من رَآهُ أَهلا للْإِمَامَة وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَمَا أنكر ذَلِك أحد من الصَّحَابَة الْحَاضِرين وَلَا الغائبين إِذْ بَلغهُمْ ذَلِك فقد صَحَّ إِجْمَاعهم على أَن الْإِمَامَة تَنْعَقِد بِوَاحِد فَإِن قَالَ قَائِل إِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن خَمْسَة من فضلاء الْمُسلمين قلدوه قيل لَهُ إِن كَانَ هَذَا عنْدك اعتراضاً فالتزم مثله سَوَاء بِسَوَاء مِمَّن قَالَ لَك إِنَّمَا صَحَّ عقد أُولَئِكَ الْخَمْسَة لِأَن الإِمَام الْمَيِّت قلدهم ذَلِك وَلَوْلَا ذَلِك لم يجز عقدهم وبرهان ذَلِك أَنه إِنَّمَا عقد لَهُم الِاخْتِيَار مِنْهُم لَا من غَيرهم لما لزم الانقياد لَهُم فَلَا يجوز عقد خَمْسَة أَو أَكثر إِلَّا إِذا قلدهم الإِمَام ذَلِك أَو مِمَّن قَالَ لَك إِنَّمَا صَحَّ عقد أُولَئِكَ الْخَمْسَة لإِجْمَاع فضلاء أهل ذَلِك الْعَصْر على الرِّضَا بِمن اختاروه وَلَو لم يجمعوا على الرِّضَا بِهِ لما جَازَ عقدهم وَهَذَا مِمَّا لَا مخلص مِنْهُ أصلا فَبَطل هَذَا القَوْل بِيَقِين لَا إِشْكَال فِيهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإذْ قد بطلت هَذِه الْأَقْوَال كلهَا قَالُوا أجب النّظر فِي ذَلِك على مَا أجبه الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن وَالسّنة وَإِجْمَاع الْمُسلمين كَمَا افْترض علينا إِذْ يَقُول ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ فَوَجَدنَا عقد الْإِمَامَة يَصح بِوُجُوه أَولهَا وأفضلها وأصحها أَن يعْهَد الإِمَام الْمَيِّت إِلَى إِنْسَان يختاره أما بعد مَوته
стр. 578
وساء فعل ذَلِك فِي صِحَّته أَو فِي مَرضه وَعند مَوته إِذْ لَا نَص وَلَا إِجْمَاع على الْمَنْع من أحد هَذِه الْوُجُوه كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ بِأبي بكر وكما فعل أَبُو بكر بعمر وكما فعل سُلَيْمَان بن عبد الْملك بعمر بن عبد الْعَزِيز وَهَذَا هُوَ الْوَجْه الَّذِي نختاره ونكره غَيره لما فِي هَذَا الْوَجْه من اتِّصَال الْإِمَامَة وانتظام أَمر الْإِسْلَام وَأَهله وَرفع مَا يتخوف من الِاخْتِلَاف والشغب مِمَّا يتَوَقَّع فِي غَيره من بَقَاء الْأمة فوضى وَمن انتشار الْأَمر وارتفاع النُّفُوس وحدوث الأطماع
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) إِنَّمَا أنكر من أنكر من الصَّحَابَة ﵃ وَمن التَّابِعين بيعَة يزِيد بن مُعَاوِيَة والوليد وَسليمَان لأَنهم كَانُوا غير مرضيين لَا لِأَن الإِمَام عهد إِلَيْهِم فِي حَيَاته وَالْوَجْه الثَّانِي إِن مَاتَ الإِمَام وَلم يعْهَد إِلَى أحد أَن يُبَادر رجل مُسْتَحقّ للْإِمَامَة فيدعو إِلَى نَفسه وَلَا مُنَازع لَهُ فَفرض أَتْبَاعه والانقياد لبيعته والتزام إِمَامَته وطاعته كَمَا فعل عَليّ إِذْ قتل عُثْمَان ﵄ وكما فعل ابْن الزبير ﵄ وَقد فعل خَالِد بن الْوَلِيد إِذْ قتل الْأُمَرَاء زيد بن حَارِثَة وجعفر بن أبي طَالب وَعبد الله بن رَوَاحَة فَأخذ خَالِد الرَّايَة عَن غَيره أمره وَصوب ذَلِك رَسُول الله ﷺ إِذْ بلغه فعله وساعد خَالِدا جَمِيع الْمُسلمين ﵃ وَأَن يقوم كَذَلِك عِنْد ظُهُور مُنكر يرَاهُ فتلزم معاونته على الْبر وَالتَّقوى وَلَا يجوز التَّأَخُّر عَنهُ لِأَن ذَلِك معاونة على الْإِثْم والعدوان وَقد قَالَ ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ كَمَا فعل يزِيد بن الْوَلِيد وَمُحَمّد بن هَارُون الْمهْدي ﵏ وَالْوَجْه الثَّالِث أَن يصير الإِمَام عِنْد وَفَاته اخْتِيَار خَليفَة الْمُسلمين إِلَى رجل ثِقَة أَو إِلَى أَكثر من وَاحِد كَمَا فعل عمر ﵁ عِنْد مَوته وَلَيْسَ عندنَا فِي هَذَا الْوَجْه إِلَّا التَّسْلِيم لما أجمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ حِينَئِذٍ وَلَا يجوز التَّرَدُّد فِي الِاخْتِيَار أَكثر من ثَلَاث لَيَال للثابت عَن رَسُول الله ﷺ من قَوْله من بَات لَيْلَة لَيْسَ فِي عُنُقه بيعَة وَلِأَن الْمُسلمين لم يجتمعوا على ذَلِك أَكثر من ذَلِك وَالزِّيَادَة على ذَلِك بَاطِل لَا يحل على أَن الْمُسلمين يَوْمئِذٍ من حِين موت عمر ﵁ قد اعتقدوا بيعَة لَازِمَة فِي أَعْنَاقهم لَازِمَة لأحد أُولَئِكَ السِّتَّة بِلَا شكّ فهم وَإِن لم يعرفوه بِعَيْنِه فَهُوَ بِلَا شكّ وَاحِد من أُولَئِكَ السِّتَّة فبأحد هَذِه الْوُجُوه تصح الْإِمَامَة وَلَا تصح بِغَيْر هَذِه الْوُجُوه الْبَتَّةَ
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَإِن مَاتَ الإِمَام وَلم يعْهَد إِلَى إِنْسَان بِعَيْنِه فَوَثَبَ رجل يصلح للْإِمَامَة فَبَايعهُ وَاحِد فَأكْثر ثمَّ قَامَ آخر ينازعه وَلَو بطرفة عين بعده فَالْحق حق حق الأول وَسَوَاء كَانَ الثَّانِي أفضل مِنْهُ أَو مثله أَو دونه لقَوْل رَسُول الله ﷺ قوا بيعَة الأول فَالْأول من جَاءَ ينازعه فاضربوا عُنُقه كَائِنا من كَانَ فَلَو قَامَ اثْنَان فَصَاعِدا مَعًا فِي وَقت وَاحِد ويئس من معرفَة أَيهمَا بيعَته نظر أفضلهما وأسوسهما فَالْحق لَهُ وَوَجَب نزع الآخر لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ وَمن الْبر تَقْلِيد الاسوس وَلَيْسَ هَذَا بيعَة مُتَقَدّمَة يجب الْوَفَاء بهَا ومحاربة من نَازع صَاحبهَا فَإِن اسْتَويَا فِي الْفضل قدم الأسوس نعم وَإِن كَانَ أقل فضلا إِذا كَانَ مُؤديا للفرائض وَالسّنَن مجتنباً للكبائر ومستترا بالصغائر لِأَن الْغَرَض من الْإِمَامَة حسن السياسة وَالْقُوَّة على الْقيام بالأمور فَإِن اسْتَويَا فِي الْفضل والسياسة اقرع بَينهمَا أَو نظر فِي غَيرهمَا وَالله لَا يضيق على عباده هَذَا الضّيق وَلَا يوقفهم على هَذَا الْحَرج لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَهَذَا أعظم الْحَرج وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
стр. 579
الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) اتّفقت الْأمة كلهَا على وجوب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بِلَا خلاف من أحد مِنْهُم لقَوْل الله تَعَالَى ﴿ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر﴾ ثمَّ اخْتلفُوا فِي كيفيته فَذهب بعض أهل السّنة من القدماء من الصَّحَابَة ﵃ فَمن بعدهمْ وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره وَهُوَ قَول سعد بن أبي وَقاص وَأُسَامَة ابْن زيد وَابْن عمر وَمُحَمّد بن مسلمة وَغَيرهم إِلَى أَن الْغَرَض من ذَلِك إِنَّمَا هُوَ بِالْقَلْبِ فَقَط وَلَا بَدَأَ وباللسان إِن قدر على ذَلِك وَلَا يكون بِالْيَدِ وَلَا بسل السيوف وَوضع السِّلَاح أصلا وَهُوَ قَول ابي بكر ابْن كيسَان الْأَصَم وَبِه قَالَت الروافض كلهم وَلَو قتلوا كلهم إِلَّا أَنَّهَا لم تَرَ ذَلِك إِلَّا مَا لم يخرج النَّاطِق فَإِذا خرج وَجب سل السيوف حِينَئِذٍ مَعَه وَإِلَّا فَلَا واقتدى أهل السّنة فِي هَذَا بعثمان ﵁ وَمِمَّنْ ذكرنَا من الصَّحَابَة ﵃ وبمن رأى الْقعُود مِنْهُم إِلَّا أَن جَمِيع الْقَائِلين بِهَذِهِ الْمقَالة من أهل السّنة إِنَّمَا رَأَوْا ذَلِك مَا لم يكن عدلا فَإِن كَانَ عدلا وَقَامَ عَلَيْهِ فَاسق وَجب عِنْدهم بِلَا خلاف سل السيوف مَعَ الإِمَام الْعدْل وَقد روينَا عَن ابْن عمرانة قَالَ لَا أَدْرِي من هِيَ الفئة الباغية وَلَو علمنَا مَا سبقتني أَنْت وَلَا غَيْرك إِلَى قتالها
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا الَّذِي لَا يظنّ بأولئك الصَّحَابَة ﵃ غَيره وَذَهَبت طوائف من أهل السّنة وَجَمِيع الْمُعْتَزلَة وَجَمِيع الْخَوَارِج والزيدية إِلَى أَن سل السيوف فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَاجِب إِذا لم يُمكن دفع الْمُنكر إِلَّا بذلك قَالُوا فَإِذا كَانَ أهل الْحق فِي عِصَابَة يُمكنهُم الدّفع وَلَا ييئسون من الظفر فَفرض عَلَيْهِم ذَلِك وَإِن كَانُوا فِي عدد لَا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كَانُوا فِي سَعَة من ترك التَّغْيِير بِالْيَدِ وَهَذَا قَول عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وكل من مَعَه من الصَّحَابَة وَقَول أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وكل من كَانَ مَعَهم من الصَّحَابَة وَقَول مُعَاوِيَة وَعَمْرو والنعمان بن بشير وَغَيرهم مِمَّن مَعَهم من الصَّحَابَة ﵃ أَجْمَعِينَ وَهُوَ قَول عبد الله بن الزبير وَمُحَمّد وَالْحسن بن عَليّ وَبَقِيَّة الصَّحَابَة من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار والقائمين يَوْم الْحرَّة رَضِي الله عَن جَمِيعهم أَجْمَعِينَ وَقَول كل من أَقَامَ على الْفَاسِق الْحجَّاج وَمن وَالَاهُ من الصَّحَابَة ﵃ جَمِيعهم كأنس بن مَالك وكل من كَانَ مِمَّن ذكرنَا من أفاضل التَّابِعين كَعبد الرَّحْمَن ابْن أبي ليلى وَسَعِيد بن جُبَير وَابْن البحتري الطَّائِي وَعَطَاء السّلمِيّ الْأَزْدِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمَالك بن دِينَار وَمُسلم بن بشار وَأبي الْحَوْرَاء وَالشعْبِيّ وَعبد الله بن غَالب وَعقبَة بن عبد الغافر وَعقبَة بن صهْبَان وماهان والمطرف بن الْمُغيرَة ابْن شُعْبَة وَأبي الْمعد وحَنْظَلَة بن عبد الله وَأبي سح الْهنائِي وطلق بن حبيب والمطرف بن عبد الله ابْن السخير والنصر بن أنس وَعَطَاء بن السَّائِب وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد التَّيْمِيّ وَأبي الحوسا وجبلة بن زحر وَغَيرهم ثمَّ من بعد هَؤُلَاءِ من تَابِعِيّ التَّابِعين وَمن بعدهمْ كَعبد الله بن عبد الْعَزِيز ابْن عبد الله بن عمر وكعبد الله بن عمر وَمُحَمّد بن عجلَان وَمن خرج مَعَ مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن وهَاشِم بن بشر ومطر وَمن أخرج مَعَ إِبْرَاهِيم بن عبد الله وَهُوَ الَّذِي تدل عَلَيْهِ أَقْوَال الْفُقَهَاء كَأبي حنيفَة وَالْحسن بن حييّ وَشريك وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد وأصحابهم فَإِن كل من ذكرنَا من قديم وَحَدِيث إِمَّا نَاطِق بذلك فِي فتواه وَإِمَّا الْفَاعِل لذَلِك بسل سَيْفه فِي إِنْكَار مَا رَآهُ مُنْكرا
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) احتجت الطَّائِفَة الْمَذْكُورَة أَولا بِأَحَادِيث فِيهَا انقاتلهم يَا رَسُول الله قَالَ لَا مَا وصلوا وَفِي بَعْضهَا إِلَّا أَن نر كفرا بواحاً عنْدكُمْ فِيهِ من الله برهَان وَفِي بَعْضهَا وجوب
стр. 580
الضَّرْب وَإِن ضرب ظهر أَحَدنَا وَأخذ مَاله وَفِي بَعْضهَا فَإِن خشيت أَن يسهرك شُعَاع السَّيْف فاطرح ثَوْبك على وَجهك وَقل إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك فَتكون من أَصْحَاب النَّار وَفِي بَعْضهَا كن عبد الله الْمَقْتُول وَلَا تكن عبد الله الْقَاتِل وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿واتل عَلَيْهِم نبأ ابْني آدم بِالْحَقِّ إِذْ قربا قرباناً فَتقبل من أَحدهمَا وَلم يتَقَبَّل من الآخر﴾ الْآيَة
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) كل هَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لما قد تقصيناه غَايَة التَّقَصِّي خَبرا خَبرا بأسانيدها ومعانيها فِي كتَابنَا الموسوم بالاتصال إِلَى فهم معرفَة الْخِصَال وَنَذْكُر مِنْهُ إِن شَاءَ الله هَاهُنَا جملا كَافِيَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أما أمره ﷺ بِالصبرِ على أَخذ المَال وَضرب الظّهْر فَإِنَّمَا ذَلِك بِلَا شكّ إِذا تولى الإِمَام ذَلِك بِحَق وَهَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ أَنه فرض علينا الصَّبْر لَهُ وَإِن امْتنع من ذَلِك بل من ضرب رقبته إِن وَجب عَلَيْهِ فَهُوَ فَاسق عَاص لله تَعَالَى وَإِمَّا إِن كَانَ ذَلِك بباطل فمعاذ الله أَن يَأْمر رَسُول الله ﷺ بِالصبرِ على ذَلِك برهَان هَذَا قَول الله ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ وَقد علمنَا أَن كَلَام رَسُول الله ﷺ لَا يُخَالف كَلَام ربه تَعَالَى قَالَ الله ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى أَن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فصح أَن كل مَا قَالَه رَسُول الله ﷺ فَهُوَ وَحي من عِنْد الله وَلَا اخْتِلَاف فِيهِ وَلَا تعَارض وَلَا تنَاقض فَإِذا كَانَ هَذَا كَذَلِك فيقين لَا شكّ فِيهِ يدْرِي كل مُسلم أَن أَخذ مَال مُسلم أَو ذمِّي بِغَيْر حق وَضرب ظَهره بِغَيْر حق إِثْم وعدوان وَحرَام قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ حرَام عَلَيْكُم فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا وَلَا اخْتِلَاف من أحد من الْمُسلمين فالمسلم مَاله للأخذ ظلما وظهره للضرب ظلما وَهُوَ يقدر على الِامْتِنَاع من ذَلِك بِأَيّ وَجه أمكنه معاون لظالمه على الْإِثْم والعدوان وَهَذَا حرَام بِنَصّ الْقُرْآن وَأما سَائِر الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرنَا وقصة ابْني آدم فَلَا حجَّة فِي شَيْء مِنْهَا أما قصَّة ابْني آدم فَتلك شَرِيعَة أُخْرَى غير شريعتنا قَالَ الله ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجاً﴾ وَأما الْأَحَادِيث فقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ إِن اسْتَطَاعَ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان لَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان شَيْء وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ لَا طَاعَة فِي مَعْصِيّة إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الطَّاعَة وعَلى أحدكُم السّمع وَالطَّاعَة مَا لم يُؤمر بِمَعْصِيَة فَإِن أَمر بِمَعْصِيَة فَلَا سمع وَلَا طَاعَة وَإنَّهُ ﵇ قَالَ من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد والمقتول دون دينه شَهِيد والمقتول دون مظْلمَة شَهِيد وَقَالَ ﵇ لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليعمنكم الله بِعَذَاب من عِنْده فَكَانَ ظَاهر هَذِه الْأَخْبَار مُعَارضا للْآخر فصح أَن إِحْدَى هَاتين الجملتين ناسخة لِلْأُخْرَى لَا يُمكن غير ذَلِك فَوَجَبَ النّظر فِي أَيهمَا هُوَ النَّاسِخ فَوَجَدنَا تِلْكَ الْأَحَادِيث الَّتِي مِنْهَا النَّهْي عَن الْقِتَال مُوَافقَة لمعهود الأَصْل وَلما كَانَت الْحَال فِيهِ فِي أول الْإِسْلَام بِلَا شكّ وَكَانَت هَذِه الْأَحَادِيث الْأُخَر وَارِدَة بشريعة زَائِدَة وَهِي الْقِتَال هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ فقد صَحَّ نسخ معتن تِلْكَ الحاديث وَرفع حكمهَا حِين نطقه ﵇ بِهَذِهِ الْأُخَر بِلَا شكّ فَمن الْمحَال الْمحرم أَن يُؤْخَذ بالمنسوخ وَيتْرك النَّاسِخ وَأَن يُؤْخَذ الشَّك وَيتْرك الْيَقِين وَمن ادّعى أَن هَذِه الْأَخْبَار بعد أَن كَانَت هِيَ الناسخة فَعَادَت مَنْسُوخَة فقد ادّعى الْبَاطِل وَقفا مَا لَا علم لَهُ بِهِ فَقَالَ على الله مَا لم يعلم وَهَذَا
стр. 581
لَا يحل وَلَو كَانَ هَذَا لما أخلا الله هَذَا الحكم عَن دَلِيل وبرهان يبين بِهِ رُجُوع الْمَنْسُوخ نَاسِخا لقَوْله تَعَالَى فِي الْقُرْآن تبياناً لكل شَيْء وبرهان آخر وَهُوَ أَن الله قَالَ ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء﴾ لم يخْتَلف مسلمان فِي أَن هَذِه الْآيَة الَّتِي فِيهَا فرض قتال الفئة الباغية محكمَة غير مَنْسُوخَة فصح أَنَّهَا الحاكمة فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث فَمَا كَانَ مُوَافقا لهَذِهِ الْآيَة فَهُوَ النَّاسِخ الثَّابِت وَمَا كَانَ مُخَالفا لَهَا فَهُوَ الْمَنْسُوخ الْمَرْفُوع وَقد ادّعى قوم أَن هَذِه الْآيَة وَهَذِه الْأَحَادِيث فِي اللُّصُوص دون السُّلْطَان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا بَاطِل مُتَيَقن لِأَنَّهُ قَول بِلَا برهَان وَمَا يعجز مُدع أَن يَدعِي فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث أَنَّهَا فِي قوم دون قوم وَفِي زمَان دون زمَان وَالدَّعْوَى دون برهَان لَا تصح وَتَخْصِيص النُّصُوص بِالدَّعْوَى لَا يجوز لِأَنَّهُ قَول على الله تَعَالَى بِلَا علم وَقد جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ أَن سَائِلًا سَأَلَهُ عَن من طلب مَاله بِغَيْر حق فَقَالَ ﵇ لَا تعطه قَالَ فَإِن قاتلني قَالَ قَاتله فَإِن قَتله قَالَ إِلَى النَّار قَالَ فَإِن قتلني قَالَ فَأَنت فِي الْجنَّة أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَصَحَّ عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يسلبه وَلَا يَظْلمه وَقد صَحَّ أَنه ﵇ قَالَ فِي الزَّكَاة من سَأَلَهَا على وَجههَا فليعطها وَمن سَأَلَهَا على غير وَجههَا فَلَا يُعْطهَا وَهَذَا خبر ثَابت روينَاهُ من طَرِيق الثِّقَات عَن أنس بن مَالك عَن أبي بكر الصّديق عَن رَسُول الله ﷺ وَهَذَا يبطل تَأْوِيل من تَأْوِيل أَحَادِيث الْقِتَال عَن المَال على اللُّصُوص لَا يطْلبُونَ الزَّكَاة وَإِنَّمَا يَطْلُبهُ السُّلْطَان فاقتصر ﵇ مَعهَا إِذا سَأَلَهَا على غير مَا أَمر بِهِ ﵇ وَلَو اجْتمع أهل الْحق مَا قاواهم أهل الْبَاطِل نسْأَل الله المعونة والتوفيق
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمَا اعْترضُوا بِهِ من فعل عُثْمَان فَمَا علم قطّ أَنه يقتل وَإِنَّمَا كَانَ يراهم يحاصرون فَقَط وَهُوَ لَا يرَوْنَ هَذَا الْيَوْم للْإِمَام الْعدْل بل يرَوْنَ الْقِتَال مَعَه ودونه فرضا فَلَا حجَّة لَهُم فِي أَمر عُثْمَان ﵁ وَقَالَ بَعضهم إِن فِي الْقيام إِبَاحَة الْحَرِيم وَسَفك الدِّمَاء وَأخذ الْأَمْوَال وهتك الأستار وانتشار الْأَمر فَقَالَ لَهُم الْآخرُونَ كلا لِأَنَّهُ لَا يحل لمن أَمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهي عَن الْمُنكر أَن يهتك حريماً وَلَا أَن يَأْخُذ مَالا بِغَيْر حق وَلَا أَن يتَعَرَّض لمن لَا يقاتله فَإِن فعل شَيْئا من هَذَا فَهُوَ الَّذِي فعل مَا يَنْبَغِي أَن يُغير عَلَيْهِ وَأما قَتله أهل الْمُنكر قَالُوا أَو كَثُرُوا فَهَذَا فرض عَلَيْهِ وَأما قتل أهل الْمُنكر النَّاس وَأَخذهم أَمْوَالهم وهتكهم حريمهم كُله من الْمُنكر الَّذِي يلْزم النَّاس تَغْيِيره وَأَيْضًا فَلَو كَانَ خوف مَا ذكرُوا مَانِعا من تَغْيِير الْمُنكر وَمن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ لَكَانَ هَذَا بِعَيْنِه مَانِعا من جِهَاد أهل الْحَرْب وَهَذَا مَالا يَقُوله مُسلم وَإِن ادّعى ذَلِك إِلَى سبي النَّصَارَى نسَاء الْمُؤمنِينَ وَأَوْلَادهمْ وَأخذ أَمْوَالهم وَسَفك دِمَائِهِمْ وهتك حريمهم وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي أَن الْجِهَاد وَاجِب مَعَ وجود هَذَا كُله وَلَا فرق بَين الْأَمريْنِ وكل ذَلِك جِهَاد وَدُعَاء إِلَى الْقُرْآن وَالسّنة
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَيُقَال لَهُم مَا تَقولُونَ فِي سُلْطَان جعل الْيَهُود أَصْحَاب أمره وَالنَّصَارَى جنده وألزم الْمُسلمين الْجِزْيَة وَحمل السَّيْف على أَطْفَال الْمُسلمين وأباح المسلمات للزِّنَا وَحمل السَّيْف على كل من وجد من الْمُسلمين وَملك نِسَاءَهُمْ وأطفالهم وأعلن الْعَبَث بهم وَهُوَ فِي كل ذَلِك مقرّ بِالْإِسْلَامِ مُعْلنا بِهِ لَا يدع الصَّلَاة فَإِن قَالُوا لَا يجوز الْقيام عَلَيْهِ بل قيل لَهُم أَنه لَا يدع مُسلما إِلَّا قَتله جملَة وَهَذَا أَن ترك أوجب ضَرُورَة أَلا يبْقى إِلَّا هُوَ وَحده وَأهل الْكفْر مَعَه فَإِن أَجَازُوا الصَّبْر
стр. 582
على هَذَا خالفوا الْإِسْلَام جملَة وانسلخوا مِنْهُ وَإِن قَالُوا بل يُقَام عَلَيْهِ وَيُقَاتل وَهُوَ قَوْلهم قُلْنَا لَهُم فَإِن قتل تِسْعَة أعشار الْمُسلمين أَو جَمِيعهم إِلَّا وَاحِد مِنْهُم وَسبي من نِسَائِهِم كَذَلِك وَأخذ من أَمْوَالهم كَذَلِك فَإِن منعُوا من الْقيام عَلَيْهِ تناقضوا وَإِن أوجبوا سألناهم عَن أقل من ذَلِك وَلَا نزال نحيطهم إِلَى أَن نقف بهم على قتل مُسلم وَاحِدًا أَو على امْرَأَة وَاحِدَة أَو على أَخذ مَال أَو على انتهاك بشرة بظُلْم فَإِن فرقوا بَين شَيْء من ذَلِك تناقضوا وتحكموا بِلَا دَلِيل وَهَذَا مَالا يجوز وَإِن أوجبوا إِنْكَار كل ذَلِك رجعُوا إِلَى الْحق ونسألهم عَمَّن غصب سُلْطَانه الجائر الْفَاجِر زَوجته وَابْنَته وَابْنه ليفسق بهم أَو ليفسق بِهِ بِنَفسِهِ أهوَ فِي سَعَة من إِسْلَام نَفسه وَامْرَأَته وَولده وَابْنَته للفاحشة أم فرض عَلَيْهِ أَن يدْفع من أَرَادَ ذَلِك مِنْهُم فَإِن قَالُوا فرض عَلَيْهِ إِسْلَام نَفسه وَأَهله أَتَوا بعظيمة لَا يَقُولهَا مُسلم وَإِن قَالُوا بل فرض عَلَيْهِ أَن يمْتَنع من ذَلِك وَيُقَاتل رجعُوا إِلَى الْحق وَلزِمَ ذَلِك كل مُسلم فِي كل مُسلم وَفِي المَال كَذَلِك.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْوَاجِب أَن وَقع شَيْء من الْجور وَإِن قل أَن يكلم الإِمَام فِي ذَلِك وَيمْنَع مِنْهُ فَإِن امْتنع وراجع الْحق وأذعن للقود من الْبشرَة أَو من الْأَعْضَاء ولإقامة حد الزِّنَا وَالْقَذْف وَالْخمر عَلَيْهِ فَلَا سَبِيل إِلَى خلعه وَهُوَ إِمَام كَمَا كَانَ لَا يحل خلعه فَإِن امْتنع من إِنْفَاذ شَيْء من هَذِه الْوَاجِبَات عَلَيْهِ وَلم يُرَاجع وَجب خلعه وَإِقَامَة غَيره مِمَّن يقوم بِالْحَقِّ لقَوْله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ وَلَا يجوز تَضْييع شَيْء من وَاجِبَات الشَّرَائِع وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق.
الْكَلَام فِي الصَّلَاة خلف الْفَاسِق
وَالْجهَاد مَعَه وَالْحج وَدفع الزَّكَاة إِلَيْهِ ونفاذ أَحْكَامه من الْأَقْضِيَة وَالْحُدُود وَغير ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهبت طَائِفَة إِلَى أَنه لَا يجوز الصَّلَاة إِلَّا خلف الْفَاضِل وَهُوَ قَول الْخَوَارِج والزيدية وَالرَّوَافِض وَجُمْهُور الْمُعْتَزلَة وَبَعض أهل السّنة وَقَالَ آخَرُونَ إِلَّا الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ وَهُوَ قَول بعض أهل السّنة وَذهب طَائِفَة الصَّحَابَة كلهم دون خلاف من أحد مِنْهُم وَجَمِيع فُقَهَاء التَّابِعين كلهم دون خلاف من أحد مِنْهُم وَأكْثر من بعدهمْ وَجُمْهُور اصحاب الحَدِيث وَهُوَ قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة وَدَاوُد وَغَيرهم إِلَى جَوَاز الصَّلَاة خلف الْفَاسِق الْجُمُعَة وَغَيرهَا وَبِهَذَا نقُول وَخلاف هَذَا القَوْل بِدعَة محدثة فَمَا تَأَخّر قطّ أحد من الصَّحَابَة الَّذين أدركوا الْمُخْتَار بن عبيد وَالْحجاج وَعبيد الله بن زِيَاد وحبيش بن دلجة وَغَيرهم عَن الصَّلَاة خَلفهم وَهَؤُلَاء أفسق الْفُسَّاق وَأما الْمُخْتَار فَكَانَ مُتَّهمًا فِي دينه مظنوناً بِهِ الْكفْر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد احْتج من يَقُول بِمَنْع الصَّلَاة خَلفهم بقول الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَيُقَال لَهُم كل فَاسق إِذا نوى بِصَلَاتِهِ رَحمَه الله تَعَالَى فَهُوَ فِي ذَلِك من الْمُتَّقِينَ فَصلَاته متقبلة وَلَو لم يكن من الْمُتَيَقن إِلَّا من لَا ذَنْب لَهُ ماستحق أحد هَذَا الِاسْم بعد رَسُول الله ﷺ قَالَ الله ﴿وَلَو يُؤَاخذ الله النَّاس بظلمهم مَا ترك عَلَيْهَا من دَابَّة﴾ ولايجوز الْقطع على الْفَاسِق بِأَنَّهُ لم يرد بِصَلَاتِهِ وَجه الله تَعَالَى وَمن قطع بِهَذَا فقد قفا مَا لَا علم لَهُ بِهِ وَقَالَ مَالا يعلم وَهَذَا حرَام وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَقَالَ ﴿وتقولون بأفواهكم مَا لَيْسَ لكم بِهِ علم وتحسبونه هيناً وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم﴾ وَقَالَ بَعضهم إِن صَلَاة الْمَأْمُوم مرتبطة بِصَلَاة الإِمَام
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا غَايَة الْفساد لِأَنَّهُ قَول بِلَا دَلِيل بل الْبُرْهَان يُبطلهُ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تكسب كل نفس إِلَّا عَلَيْهَا﴾
стр. 583
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ وَدَعوى الارتباط هَاهُنَا قَول بِلَا برهَان لامن قُرْآن وَلَا من سنة وَلَا من إِجْمَاع وَلَا من مَعْقُول وهم قد أَجمعُوا على أَن طَهَارَة الإِمَام لَا تنوب عَن طَهَارَة الْمَأْمُوم وَلَا قِيَامه وَلَا قعوده عَن قعوده وَلَا سُجُوده عَن سُجُوده وَلَا رُكُوعه عَن رُكُوعه وَلَا نِيَّته عَن نِيَّته فَمَا معنى هَذَا الارتباط الَّذِي تَدعُونَهُ إِذا وَأَيْضًا فَإِن الْقطع عَن سريرة الَّذِي ظَاهره الْفضل لَا يجوز وَإِنَّمَا هُوَ ظن فَاسْتَوَى الْأَمر فِي ذَلِك فِي الْفَاضِل وَالْفَاسِق وَصَحَّ أَنه لَا يُصَلِّي أحد عَن أحد وَإِن كَانَ أحد يُصَلِّي عَن نَفسه وَقَالَ تَعَالَى ﴿أجِيبُوا دَاعِي الله﴾ فَوَجَبَ بذلك ضَرُورَة أَن كل دَاع دَعَا إِلَى خير من صَلَاة أَو حج أَو جِهَاد أَو تعاون على بر وتقوى فَفرض إجَابَته وَعمل ذَلِك الْخَيْر مَعَه لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ وَإِن كل دَاع دعى إِلَى شَرّ فَلَا يجوز إجَابَته بل فرض دفاعه وَمنعه وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأَيْضًا فَإِن الْفسق منزلَة نقص عَمَّن هُوَ أفضل مِنْهُ وَالَّذِي لَا شكّ فِيهِ أَن النِّسْبَة بَين أفجر فَاجر من الْمُسلمين وَبَين أفضل الصَّحَابَة ﵃ أقرب من النِّسْبَة بَين أفضل الصَّحَابَة ﵃ وَبَين رَسُول الله ﷺ وَمَا عرى أحد من تعمد ذَنْب وتقصير بعد رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا تفاضل الْمُسلمُونَ فِي كَثْرَة الذُّنُوب وقلتها وَفِي اجْتِنَاب الْكَبَائِر ومواقعتها وَأما الصَّغَائِر فَمَا نجاأحد بعد الْأَنْبِيَاء ﵈ وَقد صلى رَسُول الله ﷺ خلف أبي بكر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَبِهَذَا صَحَّ أَن أَمر رَسُول الله ﷺ أَن يؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله فَإِن اسْتَووا فأفقههم ندب لَا فرض فَلَيْسَ لفاضل بعد هَذَا أَن يمْتَنع من الصَّلَاة خلف من هُوَ دونه فِي القصوى من الغايات.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما دفع الزَّكَاة إِلَى الإِمَام فَإِن كَانَ الإِمَام الْقرشِي الْفَاضِل أَو الْفَاسِق لم ينازعه فَاضل فَهِيَ جَارِيَة لقَوْل رَسُول الله ﷺ ارضوا مصدقيكم وَلَا يكون مُصدقا كل من سمى نَفسه مُصدقا لَكِن من قَامَ الْبُرْهَان بِأَنَّهُ مُصدق بإرسال الإِمَام الْوَاجِبَة طَاعَته لَهُ وَإِمَّا من سَأَلَهَا من هُوَ غير الإِمَام الْمَذْكُور أَو غير مصدقه فَهُوَ عَابِر سَبِيل لَا حق فِي قبضهَا فَلَا يَجْزِي دَفعهَا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ دَفعهَا إِلَى غير من أَمر بدفعها إِلَيْهِ وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد وَهَكَذَا القَوْل فِي الْأَحْكَام كلهَا من الْحُدُود وَغَيرهَا إِن أَقَامَهَا الإِمَام الْوَاجِبَة طَاعَته وَالَّذِي لَا بُد مِنْهُ فَإِن وَافَقت الْقُرْآن وَالسّنة نفذت وَإِلَّا فَهِيَ مَرْدُودَة لما ذكرنَا وَإِن أَقَامَهَا غير الامام أوواليه فَهِيَ كلهَا مَرْدُودَة وَلَا يحْتَسب بهَا لِأَنَّهُ أَقَامَهَا من لم يُؤمر بإقامتها فَإِن لم يقدر عَلَيْهَا الإِمَام فَكل من قَامَ بِشَيْء من الْحق حِينَئِذٍ نفذ لأمر الله تَعَالَى لنا بِأَن نَكُون قوامين بِالْقِسْطِ وَلَا خلاف بَين أحد من الْأمة اذا كَانَ الإِمَام حَاضرا مُتَمَكنًا أَو أميره أَو واليه فَإِن من بَادر إِلَى تَنْفِيذ حكم هُوَ إِلَى الإِمَام فَإِنَّهُ إِمَّا مظْلمَة ترد وَإِمَّا عزل لَا ينفذ على هَذَا جرى عمل رَسُول الله ﷺ جَمِيع عماله فِي الْبِلَاد بِنَقْل جَمِيع الْمُسلمين عصراً بعد عصر ثمَّ عمل جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ وَأما الْجِهَاد فَهُوَ وَاجِب مَعَ كل إِمَام وكل متغلب وكل بَاغ وكل محَارب من الْمُسلمين لِأَنَّهُ تعاون على الْبر وَالتَّقوى وَفرض على كل أحد دَعَا إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى دين الْإِسْلَام وَمنع الْمُسلمين مِمَّن أَرَادَهُم قَالَ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لَهُم كل مرصد﴾
стр. 584
الْآيَة فَهَذَا عُمُوم لكل مُسلم بِنَصّ الْآيَة فِي كل مَكَان وكل زمَان وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق ثمَّ كتاب الْإِمَامَة والمفاضلة بِحَمْد الله تَعَالَى وشكره
ذكر العظائم المخرجة إِلَى الْكفْر
والمحال من أَقْوَال أهل الْبدع الْمُعْتَزلَة والخوارج والمرجئة والشيع.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد قد كتبنَا فِي ديواننا هَذَا من فضائح الْملَل الْمُخَالفَة لدين الْإِسْلَام الَّذِي فِي كتبهمْ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس مَالا بَقِيَّة لَهُم بعْدهَا وَلَا يمتري أحد وقف عَلَيْهَا إِنَّهُم فِي ضلال وباطل ونكتب إِن شَاءَ الله تَعَالَى على هَذِه الْفرق الْأَرْبَع من فواحش أَقْوَالهم مَا لَا يخفى على أحد قراه إِنَّهُم فِي ضلال وباطل ليَكُون ذَلِك زاجراً لمن أَرَادَ الله توفيقه عَن مضامتهم واما التَّمَادِي فيهم وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وليعلم من قَرَأَ كتَابنَا هَذَا أننا لَا نستحل مَا يستحله من لَا خير فِيهِ من تقويل أحد مالم يقلهُ نصا وَإِن آل قَوْله إِلَيْهِ إِذْ قد لَا يلْزم مَا ينتجه قَوْله فيتناقض فاعلموا أَن تقويل الْقَائِل كَافِرًا كَانَ أَو مبتدعاً أَو مخطئاً مَالا يَقُوله نصا كذب عَلَيْهِ وَلَا يحل الْكَذِب على أحد لَكِن رُبمَا دلسوا الْمَعْنى الْفَاحِش بِلَفْظ ملتبس ليسهلوه على أهل الْجَهْل وَيحسن النّظر بهم من أتباعهم وليبعد فهم تِلْكَ الْعَظِيمَة على الْعَامَّة من مخالفتهم كَقَوْل طوائف من أهل الْبِدْعَة والضلالة لَا يُوصف الله تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ على الْمحَال وَلَا على الظُّلم وَلَا على الْكَذِب ولاعلى غير مَا علم أَنه يكون فأخفوا أعظم الْكفْر فِي هَذِه الْقَضِيَّة لما ذكرنَا من تأنيس الأغمار من أتباعهم وتسكين الدهماء من مخالفيهم فِرَارًا عَن كشف معتقدهم صراحاً الَّذِي هُوَ أَنه تَعَالَى لَا يقدر على الظُّلم وَلَا لَهُ قُوَّة على الْكَذِب وَلَا بِهِ طَاقَة على الْمحَال وَلَا بُد لنا من إِيضَاح مَا موهوه هَكَذَا وإيراده بأظهر عباراته كشفا لتمويهم تقربا إِلَى الله تَعَالَى بهتك أستارهم كشف أسرارهم وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
ذكر شنع الشِّيعَة
قَالَ أَب وَمُحَمّد أهل الشنع من هَذِه الْفرْقَة ثَلَاث طوائف أَولهَا الجارودية من الزيدية ثمَّ الإمامية من الرافضة ثمَّ الغالية فَأَما الجارودية فَإِن طَائِفَة مِنْهُم قَالَت أَن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن الْحُسَيْن ابْن عَليّ بن أبي طَالب الْقَائِم بِالْمَدِينَةِ على أبي جَعْفَر الْمَنْصُور فَوجه إِلَيْهِ الْمَنْصُور عِيسَى بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس فَقتل مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن ﵀ فَقَالَت هَذِه الطَّائِفَة أَن مُحَمَّد الْمَذْكُور حَيّ لم يقتل وَلَا مَاتَ وَلَا يَمُوت حَتَّى يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جوراً وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى مِنْهُم أَنه يحيى بن عمر بن يحيى بن الْحُسَيْن بن زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب الْقَائِم بِالْكُوفَةِ أَيَّام المستعين فَوجه إِلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر ابْن الْحُسَيْن بِأَمْر المستعين ابْن عَمه الْحسن بن إِسْمَاعِيل ابْن الْحُسَيْن وَهُوَ ابْن أخي طَاهِر بن الْحُسَيْن فَقتل يحيى بن عمر ﵀ فَقَالَت الطَّائِفَة الْمَذْكُورَة أَن يحيى بن عمر هَذَا حَيّ لم يقتل وَلَا مَاتَ وَلَا يَمُوت حَتَّى يملأالأرض عدلا كَمَا ملئت جورا وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم أَن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن عَليّ بن عمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب الْقَائِم بالطالقان أَيَّام المعتصم حَيّ لم يمت وَلَا قتل وَلَا يَمُوت حَتَّى يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جورا وَقَالَت الكيسانية وهم أَصْحَاب الْمُخْتَار بن أبي عبيد وهم عندنَا شيعَة من الزيدية فِي سبيلهم أَن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب وَهُوَ ابْن الْحَنَفِيَّة حَيّ بجبال رضوي عَن يَمِينه أَسد وَعَن يسَاره نمر تحدثه الْمَلَائِكَة يَأْتِيهِ رزقه غدواً وعشياً لم يمت وَلَا يَمُوت حَتَّى يمْلَأ
стр. 585
الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جوراً وَقَالَ بعض الروافض الإمامية وَهِي الْفرْقَة الَّتِي تَدعِي الممطورة أَن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب حَيّ لم يمت وَلَا يَمُوت حَتَّى يملأالأرض عدلا كَمَا ملئت جورا وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم وهم الناووسية أَصْحَاب ناوس الْمصْرِيّ مثل ذَلِك فِي أَبِيه جَعْفَر بن مُحَمَّد وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم مثل ذَلِك فِي أَخِيه إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَقَالَت السباية أَصْحَاب عبد الله بن سبأ الْحِمْيَرِي الْيَهُودِيّ مثل ذَلِك فِي عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَزَادُوا أَنه فِي السَّحَاب فليت شعري فِي أَي سَحَابَة هُوَ من السَّحَاب والسحاب كثير فِي أقطار الْهَوَاء مسخر بَين السَّمَاء وَالْأَرْض كَمَا قَالَ الله تَعَالَى وَقَالَ عبد الله ابْن سبا إِذْ بلغه قتل عَليّ ﵁ لَو أتيتمونا بدماغه سبعين مرّة مَا صدقنا مَوته وَلَا يَمُوت حَتَّى يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جوراً وَقَالَ بعض الكيسانية بِأَن أَبَا مُسلم السراج حَيّ لم يمت وسيظهر وَلَا بُد وَقَالَ بعض الكيسانية بِأَنَّهُ عبد الله بن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب حَيّ بجبال أَصْبَهَان إِلَى الْيَوْم وَلَا بُد لَهُ من أَن يظْهر وَعبد الله هَذَا هُوَ الْقَائِم بِفَارِس أَيَّام مَرْوَان بن مُحَمَّد وَقَتله أَبُو مُسلم بعد أَن سجنه دهراً وَكَانَ عبد الله هَذَا ردي الدّين معطلاً مستصحباً للدهرية
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَصَارَ هؤلاءفي سَبِيل الْيَهُود الْقَائِلين بِأَن ملكصيدق بن عَامر بن ارفخشد بن سَام ابْن نوح وَالْعَبْد الَّذِي وَجهه إِبْرَاهِيم ﵇ ليخطب ريقا بنت بنؤال بن ناخور بن تارخ عَليّ إِسْحَاق ابْنه ﵇ والياس ﵇ وفنحاس بن العازار بن هَارُون ﵇ أَحيَاء إِلَى الْيَوْم وسلك هَذَا السَّبِيل بعض تركي الصُّوفِيَّة فزعموا أَن الْخضر والياس ﵉ حَيَّان إِلَى الْيَوْم وَادّعى بَعضهم أَنه يلقِي الياس فِي الفلوات وَالْخضر فِي المروج والرياض وَأَنه مَتى ذكر حضر على ذكرَاهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن ذكر فِي شَرق الأَرْض وغربها وشمالها وجنوبها وَفِي ألف مَوضِع فِي دقيقة وَاحِدَة كَيفَ يصنع وَلَقَد لَقينَا من يذهب إِلَى هَذَا خلقا وكلمناهم مِنْهُم الْمَعْرُوف بِابْن شقّ اللَّيْل الْمُحدث بطلبيره وَهُوَ مَعَ ذَلِك من أهل الْعِنَايَة وسعة الرِّوَايَة وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاتِب وَأَخْبرنِي أَنه جَالس الْخضر وَكَلمه مرَارًا اَوْ غَيره كثير هَذَا مَعَ سماعهم قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَكِن رَسُول الله وَخَاتم النَّبِيين﴾ وَقَول رَسُول الله ﷺ لَا نَبِي بعدِي فَكيف يستجيزه مُسلم أَن يثبت بعده ﵇ نَبيا فِي الأَرْض حاشا مَا اسْتَثْنَاهُ رَسُول الله ﷺ فِي الْآثَار المسندة الثَّابِتَة فِي نزُول عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ فِي آخر الزَّمَان وكفار برغواطه إِلَى الْيَوْم ينتظرون صَالح بن طريف الَّذِي شرع لَهُم دينهم وَقَالَت القطيعية من الإمامية الرافضة كلهم وهم جُمْهُور الشِّيعَة وَمِنْهُم المتكلمون والنظارون وَالْعدَد الْعَظِيم بِأَن مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ ابْن مُوسَى بن جَعْفَر بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب حَيّ لم يمت وَلَا يَمُوت حَتَّى يخرج فيملأالأرض عدلا كَمَا ملئت جوراً وَهُوَ عِنْدهم الْمهْدي المنتظر وَبقول طَائِفَة مِنْهُم أَن مولد هَذَا الَّذِي لم يخلق قطّ فِي سنة سنتَيْن وَمِائَتَيْنِ سنة موت أَبِيه وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم بل بعد موت أَبِيه بِمدَّة وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم بل فِي حَيَاة أَبِيه وَرووا ذَلِك عَن حكيمة بنت مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى وَأَنَّهَا شهِدت وِلَادَته وسمعته يتَكَلَّم حِين سقط من بطن أمه يقرأالقرآن وَأَن أمه نرجس وَأَنَّهَا كَانَت هِيَ الْقَابِلَة وَقَالَ جُمْهُور بل أمه صقيل وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم بل أمه سوسن وكل هَذَا هوس وَلم يعقب الْحسن الْمَذْكُور لَا ذكرا
стр. 586
وَلَا أُنْثَى فَهَذَا أول نوك الشِّيعَة ومفتاح عظيماتهم وأخفها وَإِن كَانَت مهلكة ثمَّ قَالُوا كلهم إِذْ سئلوا عَن الْحجَّة فِيمَا يَقُولُونَ حجتنا الإلهام وَأَن من خَالَفنَا لَيْسَ لرشده فَكَانَ هَذَا طريفا جدا لَيْت شعري مَا الْفرق بَينهم وَبَين عيار مثلهم يَدعِي فِي إبِْطَال قَوْلهم الإلهام وَأَن الشِّيعَة لَيْسُوا لرشدة أَو أَنهم نوكة أَو أَنهم جملَة ذَوُو شُعْبَة من جُنُون فِي رُؤْسهمْ وَمَا قَوْلهم فِيمَن كَانَ مِنْهُم ثمَّ صَار فِي غَيرهم أَو من كَانَ فِي غَيرهم فَصَارَ فيهم أتراه ينْتَقل من ولادَة الغية إِلَى ولادَة الرشدة وَمن ولادَة الرشدة إِلَى ولادَة الغية فان قَالُوا حكمه لما يَمُوت عَلَيْهِ قيل لَهُم فلعلكم أَوْلَاد غية إِذْ لَا يُؤمن رُجُوع الْوَاحِد فالواحد مِنْكُم إِلَى خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْم وَالْقَوْم بِالْجُمْلَةِ ذَوُو أَدْيَان فَاسِدَة وعقول مدخولة وعديمو حَيَاء ونعوذ بِاللَّه من الضلال وَذكر عَمْرو ابْن خَوْلَة الجاحظ وَهُوَ وَإِن كَانَ أحد المجان وَمن غلب عَلَيْهِ الْهزْل وَأحد الضلال المضلين فإننا مَا رَأينَا لَهُ فِي كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتاً لَهَا وَإِن كَانَ كثيرا لَا يُرَاد كذب غَيره قَالَ أَخْبرنِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم النظام وَبشر بن خَالِد انهما قَالَا لمُحَمد بن جَعْفَر الرافضي الْمَعْرُوف بِشَيْطَان الطاق وَيحك اما استحييت من الله أَن تَقول فِي كتابك فِي الْإِمَامَة أَن الله تَعَالَى لم يقل قطّ فِي الْقُرْآن ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ قَالَا فَضَحِك وَالله شَيْطَان الطاق ضحكاً طَويلا حَتَّى كَانَا نَحن الَّذين أَذْنَبْنَا قَالَ النظام وَكُنَّا نُكَلِّم عَليّ ابْن ميتم الصَّابُونِي وكل من شُيُوخ الرافضة ومتكلميهم فنسأله أرأي أم سَماع عَن الْأَئِمَّة فينكران يَقُوله بِرَأْي فتخبره بقوله فِيهَا قبل ذَلِك قَالَ فوَاللَّه مَا رَأَيْته خجل من ذَلِك وَلَا استحيا لفعله هَذَا قطّ وَمن قَول الإمامية كلهَا قَدِيما وحديثاً أَن الْقُرْآن مبدل زيد فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَنقص مِنْهُ كثير وَبدل مِنْهُ كثير حاشا عَليّ ابْن الْحسن ابْن مُوسَى بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحسن ابْن عَليّ بن أبي طَالب وَكَانَ إمامياً يظاهر بالاعتزال مَعَ ذَلِك فَإِنَّهُ كَانَ يُنكر هَذَا القَوْل وَيكفر من قَالَه وَكَذَلِكَ صَاحِبَاه أَبُو يعلي مِيلَاد الطوسي وأبوالقاسم الرَّازِيّ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد القَوْل بِأَن بَين اللَّوْحَيْنِ تبديلاً كفر صَحِيح وَتَكْذيب لرَسُول الله ﷺ وَقَالَت طَائِفَة من الكيسانية بتناسخ الْأَرْوَاح وَبِهَذَا يَقُول السَّيِّد الْحِمْيَرِي الشَّاعِر لَعنه الله ويبلغ الْأَمر بِمن يذهب إِلَى هَذَا إِلَى أَن يَأْخُذ أحدهم الْبَغْل أَو الْحمار فيعذبه ويضربه ويعطشه ويجيعه على أَن روح أبي بكر وَعمر ﵄ فِيهِ فاعجبوا لهَذَا الْحمق الَّذِي لَا نَظِير لَهُ وَمَا الَّذِي خص هَذَا الْبَغْل الشقي أَو الْحمار الْمِسْكِين بنقله الرّوح اليه سَائِر البغال وَالْحمير وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بالعنز على أَن روح أم الْمُؤمنِينَ ﵂ فِيهَا وَجُمْهُور متكلميهم كهشام ابْن الحكم الْكُوفِي وتلميذه أبي عَليّ الصكاك وَغَيرهمَا يَقُول أَن علم الله تَعَالَى مُحدث وَأَنه لم يكن يعلم شَيْئا حَتَّى أحدث لنَفسِهِ علما وَهَذَا كفر صَحِيح وَقد قَالَ هِشَام هَذَا فِي حِين مناظرته لأبي الْهُذيْل العلاف أَن ربه سَبْعَة أشبار بشبر نَفسه وَهَذَا كفر صَحِيح وَكَانَ دَاوُد الجوازي من كبار متكلميهم يزْعم أَن ربه لحم وَدم على صُورَة الْإِنْسَان وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي إِن الشَّمْس ردَّتْ على عَليّ بن أبي طَالب مرَّتَيْنِ أفيكون فِي صفاقة الْوَجْه وصلابة الخد وَعدم الْحيَاء والجرأة على الْكَذِب أَكثر من هَذَا على قرب الْعَهْد وَكَثْرَة الْخلق وَطَائِفَة مِنْهُم تَقول أَن الله تَعَالَى يُرِيد الشَّيْء ويعزم عَلَيْهِ ثمَّ يبدوا لَهُ فَلَا يَفْعَله وَهَذَا مَشْهُور للكيسانية وَمن الإمامية من يُجِيز نِكَاح تسع نسْوَة وَمِنْهُم من يحرم الكرنب لِأَنَّهُ إِنَّمَا نبت على دم الْحُسَيْن وَلم يكن قبل ذَلِك وَهَذَا فِي قلَّة الْحيَاء قريب مِمَّا قبله وكما يزْعم كثير مِنْهُم أَن عليا لم يكن لَهُ سمى قبله
стр. 587
وَهَذَا جهل عَظِيم بل كَانَ فِي الْعَرَب كثير يسمون هَذَا الِاسْم كعلي بن بكر بن وَائِل إِلَيْهِ يرجع كل بكري فِي الْعَالم فِي نسبه وَفِي الأزد عَليّ وَفِي بجيله على وَغَيرهَا كل ذَلِك فِي الْجَاهِلِيَّة مَشْهُور وَأقرب من ذَلِك عَامر بن الطُّفَيْل يكني أَبَا عَليّ ومجاهراتهم أَكثر مِمَّا ذكرنَا وَمِنْهُم طَائِفَة تَقول بِفنَاء الْجنَّة وَالنَّار وَفِي الكيسانية من يَقُول أَن الدُّنْيَا لَا تفنى أبدا وَمِنْهُم طَائِفَة تسمى النحلية نسبوا إِلَى الْحسن بن عَليّ بن ورصند النحلي كَانَ من أهل نفطة من عمل قفصة وقسطيلية من كور أفريقية ثمَّ نَهَضَ هَذَا الْكَافِر إِلَى السوس فِي أقاصي بِلَاد المصامدة فأضلهم وأضل أَمِير السوس أَحْمد بن إِدْرِيس بن يحيى ابْن عبد الله بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب فهم هُنَالك كثير سكان فِي ربض مَدِينَة السوس معلنون بكفرهم وصلاتهم خلاف صَلَاة الْمُسلمين لَا يَأْكُلُون شَيْئا من الثِّمَار زبل أَصله وَيَقُولُونَ أَن الْإِمَامَة فِي ولد الْحسن دون ولد الْحُسَيْن وَمِنْهُم أَصْحَاب أبي كَامِل وَمن قَوْلهم أَن جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ كفرُوا بعد موت النَّبِي ﷺ إِذْ جَحَدُوا إِمَامَة عَليّ وَأَن عليا كفر إِذا سلم الْأَمر إِلَى أبي بكر ثمَّ عمر بن عُثْمَان ثمَّ قَالَ جمهورهم أَن عليا وَمن اتبعهُ رجعُوا إِلَى الْإِسْلَام إِذْ دعِي إِلَى نَفسه بعد قتل عُثْمَان وَإِذ كشف وَجهه وسل سَيْفه وَأَنه وإياهم كَانُوا قبل ذَلِك مرتدين عَن الْإِسْلَام كفَّارًا مُشْرِكين وَمِنْهُم من يرد الذَّنب فِي ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ إِذْ لم يبين الْأَمر بَيَانا رَافعا للأشكال
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هَذَا كفر صَرِيح لَا خَفَاء بِهِ فَهَذِهِ مَذَاهِب الإمامية وَهِي المتوسطة فِي الغلو من فرق الشِّيعَة واما الْغَالِبَة من الشِّيعَة فهم قِسْمَانِ قسم أوجبت النُّبُوَّة بعد النَّبِي ﷺ لغيره وَالْقسم الثَّانِي أوجبوا الإلهية لغير الله فَلَحقُوا بالنصارى وَالْيَهُود وَكَفرُوا أشنع الْكفْر فالطائفة الَّتِي أوجبت النُّبُوَّة بعد النَّبِي ﷺ فرق فَمنهمْ الغرابة وَقَوْلهمْ أَن مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ أشبه بعلي من الْغُرَاب بالغراب وَأَن الله بعث جِبْرِيل ﵇ بِالْوَحْي إِلَى عَليّ فغلط جِبْرِيل بِمُحَمد وَلَا لوم على جِبْرِيل فِي ذَلِك لِأَنَّهُ غلط وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم بل تعمد ذَلِك جِبْرِيل وكفروه ولعنوه لعنهم الله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَل سمع بأضعف عقولاً وَأتم رقاعة من قوم يَقُولُونَ أَن مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ يشبه عَليّ بن أبي طَالب فياللناس أَيْن يَقع شبه ابْن أَرْبَعِينَ سنة من صبي ابْن إِحْدَى عشرَة سنة حَتَّى يغلط بِهِ جِبْرِيل ﵇ ثمَّ مُحَمَّد ﵇ فَوق الربعة إِلَى الطول قويم الْقَنَاة كث اللِّحْيَة ادعج الْعَينَيْنِ ممتلئ السَّاقَيْن ﷺ قَلِيل شعر الْجَسَد أفرع وَعلي دون الربعة إِلَى الْقصر منْكب شَدِيد الانكباب كَأَنَّهُ كسر ثمَّ جبر عَظِيم اللِّحْيَة قد ملئت صَدره من منْكب إِلَى منْكب إِذْ التحي ثقيل الْعَينَيْنِ دَقِيق السَّاقَيْن أصلع عَظِيم الصلع لَيْسَ فِي رَأسه شعر إِلَّا فِي مؤخره يسير شعر اللِّحْيَة فَأُعْجِبُوا لحمق هَذِه الطَّبَقَة ثمَّ لَو جَازَ أَن يغلط جِبْرِيل وحاشا للروح الْقُدس الْأمين كَيفَ غفل الله عَن تقويمه وتنبيهه وَتَركه على غلطه ثَلَاثًا وَعشْرين سنة ثمَّ أظرف من هَذَا كُله من أخْبرهُم بِهَذَا الْخَبَر وَمن خرفهم بِهَذِهِ الخرافة وَهَذَا لَا يعرفهُ إِلَّا من شَاهد أَمر الله تَعَالَى لجبريل ﵇ ثمَّ شَاهد خِلَافه فعلى هَؤُلَاءِ لعنة الله ولعنة اللاعنين ولعنة النَّاس أَجْمَعِينَ مَا دَامَ لله فِي علامه خلق
وَفرْقَة قَالَت بنبوة عَليّ وَفرْقَة قَالَت بِأَن عَليّ بن أبي طَالب وَالْحسن وَالْحُسَيْن ﵃ وَعلي بن الْحُسَيْن وَمُحَمّد ابْن عَليّ وجعفر بن مُحَمَّد ومُوسَى بن جَعْفَر وَعلي بن
стр. 588
مُوسَى وَمُحَمّد بن عَليّ وَالْحسن بن مُحَمَّد والمنتظر ابْن الْحسن أَنْبيَاء كلهم وَفرْقَة قَالَت بنبوة مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر فَقَط وهم طَائِفَة من القرامطة وَفرْقَة قَالَت بنبوة عَليّ وبنيه الثَّلَاثَة الْحسن وَالْحُسَيْن وَمُحَمّد بن الْحَنَفِيَّة فَقَط وهم طَائِفَة من الكيسانية وَقد حام الْمُخْتَار حول أَن يَدعِي النُّبُوَّة لنَفسِهِ وسجع اسجاعاً وانذر بالعيوب عَن الله وَأتبعهُ على ذَلِك طوائف من الشِّيعَة الملعونة وَقَالَ بإمامة مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَفرْقَة قَالَت بنبوة الْمُغيرَة بن سعيد مولى بجيلة بِالْكُوفَةِ وَهُوَ الَّذِي أحرقه خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي بالنَّار وَكَانَ لَعنه الله يَقُول أَن معبوده صُورَة رجل على رَأسه تَاج وان أعضاؤه على عدد حرف الهجا الْألف للساقين وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا ينْطق لِسَان ذِي شيعَة من دين بِهِ تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الْكَافِرُونَ علوا كَبِيرا وَكَانَ لَعنه الله يَقُول أَن معبوده لما أَرَادَ أَن يخلق الْخلق تكلم باسمه الْأَكْبَر فَوَقع على تاجه ثمَّ كتب بإصبعه أَعمال الْعباد من الْمعاصِي والطاعات فَلَمَّا رأى الْمعاصِي أرفض بِهِ عرقاً فَاجْتمع من عرقه بحران أَحدهمَا ملح مظلم وَالثَّانِي نير عذب ثمَّ اطلع فِي الْبَحْر فَرَأى ظلمَة فَذهب ليأخذه فطار فَأَخذه فَقلع عَيْني ذَلِك الظل ومحقه فخلق من عَيْنَيْهِ الشَّمْس وشمساً أُخْرَى وَخلق الْكفَّار من الْبَحْر المالح وَخلق الْمُؤمنِينَ من الْبَحْر العذب فِي تَخْلِيط لَهُم كثير وَكَانَ مِمَّا يَقُول أَن الْأَنْبِيَاء لم يَخْتَلِفُوا قطّ فِي شَيْء من الشَّرَائِع وَقد قيل أَن جَابر بن يزِيد الْجعْفِيّ الَّذِي يروي عَن الشّعبِيّ كَانَ خَليفَة الْمُغيرَة بن سعيد إِذْ حرقه خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي فَلَمَّا مَاتَ جَابر خَلفه بكر الْأَعْوَر الهجري فَلَمَّا مَاتَ فَوضُوا أَمرهم إِلَى عبد الله بن الْمُغيرَة رئيسهم الْمَذْكُور وَكَانَ لَهُم عدد ضخم بِالْكُوفَةِ وَآخر مَا وقف عَلَيْهِ الْمُغيرَة ابْن سعيد القَوْل بإمامة مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن الْحُسَيْن وَتَحْرِيم مَاء الْفُرَات وكل مَاء نهر أَو عين أَو بِئْر وَقعت فِيهِ نَجَاسَة فبرئت مِنْهُ عِنْد ذَلِك الْقَائِلُونَ بِالْإِمَامَةِ فِي ولد الْحُسَيْن
وَفرْقَة قَالَت بنبوة بَيَان بن سمْعَان التَّمِيمِي صلبه وَأحرقهُ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي مَعَ الْمُغيرَة بن سعيد فِي يَوْم وَاحِد وَجبن الْمُغيرَة بن سعيد عَن اعتناق حزمة الْحَطب جبنا شَدِيدا حَتَّى ضم إِلَيْهَا قهرا وبادر بَيَان بن سمْعَان إِلَى الحزمة فاعتنقها من غير إِكْرَاه وَلم يظْهر مِنْهُ جزع فَقَالَ خَالِد لأصحابهما فِي كل شَيْء أَنْتُم مجانين هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون رئيسكم لَا هَذَا الفسل وَكَانَ بَيَان لَعنه الله يَقُول أَن الله تَعَالَى يفنى كُله حاشا وَجهه فَقَط وَظن الْمَجْنُون أَنه تعلق فِي كفره هَذَا بقوله تَعَالَى ﴿كل من عَلَيْهَا فان وَيبقى وَجه رَبك﴾ وَلَو كَانَ لَهُ أدنى عقل أَو فهم لعلم أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا أخبر بالفناء عَمَّا على الأَرْض فَقَط بِنَصّ قَوْله الصَّادِق ﴿كل من عَلَيْهَا فان﴾ وَلم يصف بالفناء غير مَا على الأَرْض وَوجه الله تَعَالَى هُوَ الله وَلَيْسَ هُوَ شَيْئا غَيره وحاشا لله من ان يُوصف بالتبعيض والتجزي هَذِه صفة المخلوقين المحدودين لَا صفة من لَا يحد وَلَا لَهُ مثل وَكَانَ لَعنه الله يَقُول أَنه المعني بقول الله تَعَالَى ﴿هَذَا بَيَان للنَّاس﴾ وَكَانَ يذهب إِلَى أَن الإِمَام هُوَ هَاشم عبد الله بن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة ثمَّ هِيَ فِي سَائِر ولد عَليّ كلهم وَقَالَت فرقة مِنْهُم بنبوة مَنْصُور المستير الْعجلِيّ وَهُوَ الملقب بالكسف وَكَانَ يُقَال أَنه المُرَاد بقول الله ﴿وَإِن يرَوا كسفاً من السَّمَاء سَاقِطا﴾ وصلبه يُوسُف بن عمر بِالْكُوفَةِ وَكَانَ لَعنه الله يَقُول أَنه عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء وَأَن الله تَعَالَى مسح رَأسه بِيَدِهِ وَقَالَ لَهُ ابْني اذْهَبْ فَبلغ عني وَكَانَ يَمِين أَصْحَابه لَا والكلة وَكَانَ لَعنه الله يَقُول بِأَن أول من خلق الله تَعَالَى عِيسَى بن مَرْيَم ثمَّ عَليّ بن أبي طَالب وَكَانَ يَقُول بتواتر الرُّسُل وأباح الْمُحرمَات من الزِّنَا وَالْخمر وَالْميتَة والخنازير وَالدَّم وَقَالَ إِنَّمَا هم أَسمَاء رجال وَجُمْهُور
стр. 589
الرافضة الْيَوْم على هَذَا واسقط الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج واصحابه كلهم خناقون رضاخون وَكَذَلِكَ أَصْحَاب الْمُغيرَة بن سعيد ومعناهم فِي ذَلِك أَنهم لَا يسْتَحلُّونَ حمل السِّلَاح حَتَّى يخرج الَّذِي ينتظرونه فهم يقتلُون النَّاس بالخنق وبالحجارة والخشبية بالخشب فَقَط وَذكر هِشَام بن الحكم الرافضي فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالميزان وَهُوَ أعلم النَّاس بِهِ لِأَنَّهُ جارهم بِالْكُوفَةِ وجارهم فِي الْمَذْهَب أَن الكسفية خَاصَّة يقتلُون من كَانَ مِنْهُم وَمن خالفهم وَيَقُولُونَ نعجل الْمُؤمن إِلَى الْجنَّة وَالْكَافِر إِلَى النَّار وَكَانُوا بعد موت أبي مَنْصُور يؤدون الْخمس مِمَّا يَأْخُذُونَ مِمَّن خنقوه إِلَى الْحسن بن أبي مَنْصُور وَأَصْحَابه فرقتان فرقت قَالَت أَن الإِمَام بعد مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحسن صَارَت إِلَى مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن الْحُسَيْن وَفرْقَة قَالَت بل إِلَى أبي الْمَنْصُور الكسف وَلَا تعود فِي ولد عَليّ ابدا وَقَالَت فرقة بنبوة بزيغ الحائك بِالْكُوفَةِ وَإِن وَقع هَذِه الدعْوَة لَهُم فِي حائك لظريفة وَفرْقَة قَالَت بنبوة معمر بَائِع الْحِنْطَة بِالْكُوفَةِ وَقَالَت فرقة بنبوة عمر التبَّان بِالْكُوفَةِ لَعنه الله يَقُول لأَصْحَابه لَو شِئْت أَن أُعِيد هَذَا التِّبْن تبراً لفَعَلت وَقدم إِلَى خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي بِالْكُوفَةِ فتجلد وَسَب خَالِدا فَأمر خَالِد بِضَرْب عُنُقه فَقتل إِلَى لعنة الله وَهَذِه الْفرق الْخمس كلهَا من فرق الخطابية وَقَالَت فرقة من أُولَئِكَ شيعَة بني الْعَبَّاس بنبوة عمار الملقب بخداش فظفر بن أَسد بن عبد الله أَخُو خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي فَقتله إِلَى لعنة الله
وَالْقسم الثَّانِي من فرق الغالية الَّذين يَقُولُونَ بالإلهية لغير الله فأولهم قوم من أَصْحَاب عبد الله بن سبا الْحِمْيَرِي لَعنه الله أَتَوا إِلَى عَليّ بن أبي طَالب فَقَالُوا مشافهة أَنْت هُوَ فَقَالَ لَهُم وَمن هُوَ قَالُوا أَنْت الله فاستعظم الْأَمر وَأمر بِنَار فأججت واحقهم بالنَّار فَجعلُوا يَقُولُونَ وهم يرْمونَ فِي النَّار الان ص ح عندنَا أَنه الله لِأَنَّهُ لَا يعذب بالنَّار إِلَّا الله وَفِي ذَلِك يَقُول ﵁ ... لما رَأَيْت الْأَمر أمرا مُنْكرا ... أججت نَارا ودعوت قنبرا ... // يُرِيد قنبراً مَوْلَاهُ وَهُوَ الَّذِي تولى طرحهم فِي النَّار نَعُوذ بِاللَّه من أَن نفتتن بمخلوق أَو يفتتن بِنَا مَخْلُوق فِيمَا جلّ أَو دق فَإِن محنة أبي الْحسن ﵁ من بَين أَصْحَابه ﵃ كمحنة عِيسَى ﷺ بَين أَصْحَابه من الرُّسُل ﵈ وَهَذِه الْفرْقَة بَاقِيَة إِلَى الْيَوْم فَاشِية عَظِيمَة الْعدَد يسمون العليانية مِنْهُم كَانَ إِسْحَاق بن مُحَمَّد المخعي الْأَحْمَر الْكُوفِي وَكَانَ من متكلميهم وَله فِي ذَلِك كتاب سَمَّاهُ الصِّرَاط نقض عَلَيْهِ البهنكي والفياض لما ذكرنَا وَيَقُولُونَ أَن مُحَمَّدًا رَسُول عَليّ وَقَالَت طَائِفَة من الشِّيعَة يعْرفُونَ بالمحمدية أَن مُحَمَّدًا ﵇ هُوَ الله تَعَالَى عَن كفرهم وَمن هَؤُلَاءِ كَانَ البهنكي والفياض بن عَليّ وَله فِي هَذَا الْمَعْنى كتاب سَمَّاهُ القسطاس وَأَبوهُ الْكَاتِب الْمَشْهُور الَّذِي كتب لإسحاق بن كنداج أَيَّام ولَايَته ثمَّ لأمير الْمُؤمنِينَ المعتضد وَفِيه يَقُول البحتري القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِي أَولهَا ... شط من مسَاكِن الغرير مرَارَة ... وطوته الْبِلَاد وَالله حارة ...
والفياض هَذَا لَعنه الله قَتله الْقَاسِم بن عبد الله بن سُلَيْمَان بن وهب لكَونه من جملَة من سعى بِهِ أَيَّام المعتضد والقصة مَشْهُورَة وَفرْقَة قَالَت بإلاهية آدم ﵇ والنبيين بعده نَبيا نَبيا إِلَى مُحَمَّد ﵇ ثمَّ بإلاهية عَليّ ثمَّ بإلاهية الْحسن ثمَّ الْحُسَيْن ثمَّ مُحَمَّد بن عَليّ ثمَّ جَعْفَر بن مُحَمَّد ووقفوا هَاهُنَا وأعلنت الخطابية بذلك نَهَارا بِالْكُوفَةِ فِي ولَايَة عِيسَى بن مُوسَى بن مُحَمَّد ابْن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس فَخَرجُوا صدر النَّهَار فِي جموع عَظِيمَة فِي أزر وأردية محرمين
стр. 590
ينادون بِأَعْلَى أَصْوَاتهم لبيْك جَعْفَر لبيْك جَعْفَر قَالَ ابْن عَيَّاش وَغَيره كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِم يَوْمئِذٍ فَخرج إِلَيْهِم عِيسَى بن مُوسَى فقاتلوه فَقَتلهُمْ واصطلمهم ثمَّ زَادَت فرقة على مَا ذكرنَا فَقَالَت بإلاهية مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد وهم القرامطة وَفِيهِمْ من قَالَ بإلاهية أبي سعيد الْحسن بن بهْرَام الجبائي وأبنائه بعده وَمِنْهُم من قَالَ بإلاهية أبي سعيد الْحسن بن بهْرَام الجبائي وأبنائه بعده وَمِنْهُم من قَالَ بإلاهية عبيد الله ثمَّ الْوُلَاة من وَلَده إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَقَالَت طَائِفَة بإلاهية أبي الْخطاب مُحَمَّد بن أبي زَيْنَب مولى بني أَسد بِالْكُوفَةِ وَكثر عَددهمْ بهَا حَتَّى تجاوزوا الألوف وَقَالُوا هُوَ إِلَه وجعفر بن مُحَمَّد إِلَه إِلَّا أَن أَبَا الْخطاب أكبر مِنْهُ وَكَانُوا يَقُولُونَ جَمِيع أَوْلَاد الْحسن أَبنَاء الله وأحباؤه وَكَانُوا يَقُولُونَ أَنهم لَا يموتون وَلَكنهُمْ يرفعون إِلَى السَّمَاء وأشبه على النَّاس بِهَذَا الشَّيْخ الَّذِي ترَوْنَ ثمَّ قَالَت طَائِفَة مِنْهُم بإلاهية معمر بَائِع الْحِنْطَة بِالْكُوفَةِ وعبدوه وَكَانَ من أَصْحَاب أبي الْخطاب لعنهم الله اجمعين وَقَالَت طَائِفَة بإلاهية الْحسن بن مَنْصُور حلاج الْقطن المصلوب بِبَغْدَاد بسعي الْوَزير ابْن حَامِد بن الْعَبَّاس ﵀ أَيَّام المقتدر وَقَالَت طَائِفَة بإلاهية مُحَمَّد بن عَليّ ابْن السلمان الْكَاتِب الْمَقْتُول بِبَغْدَاد أَيَّام الراضي وَكَانَ امْر أَصْحَابه أَن يفسق الأرفع قدرا مِنْهُم بِهِ ليولج فِيهِ النُّور وكل هَذِه الْفرق ترى الِاشْتِرَاك فِي النِّسَاء وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم بالاهية شباس المغيم فِي وقتنا هَذَا حَيا بِالْبَصْرَةِ وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم بإلاهية أبي مُسلم السراج ثمَّ قَالَت طَائِفَة من هَؤُلَاءِ بإلاهية الْمقنع الْأَعْوَر الْقصار الْقَائِم بثار أبي مُسلم وَاسم هَذَا الْقصار هَاشم وَقتل لَعنه الله أَيَّام الْمَنْصُور وأعلنوا بذلك فَخرج الْمَنْصُور فَقَتلهُمْ وأفناهم إِلَى لعنة الله وَقَالَت الرنودية بإلاهية أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم بإلاهية عبد الله بن الخرب الْكِنْدِيّ الْكُوفِي وَعَبده وَكَانَ يَقُول بتناسخ الْأَرْوَاح وَفرض عَلَيْهِم تِسْعَة عشر صَلَاة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فِي كل صَلَاة خمس عشر رَكْعَة إِلَى أَن ناظره رجل من متكلمي الصفرية وأوضح لَهُ براهين الدّين فَأسلم وَصَحَّ إِسْلَامه وتبرأ من كل مَا كَانَ عَلَيْهِ وَأعلم أَصْحَابه بذلك وَأظْهر التَّوْبَة فتبرأ مِنْهُ جَمِيع أَصْحَابه الَّذين كَانُوا يعبدونه وَيَقُولُونَ بإلاهيته ولعنوه وفارقوه وَرَجَعُوا لكهم إِلَى القَوْل بإمامة عبد الله بن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب وَبَقِي عبد الله بن الخرب على الْإِسْلَام وعَلى مَذْهَب الصفرية إِلَى أَن مَاتَ وطائفته إِلَى الْيَوْم تعرف بالحزبية وَهِي من السباية الْقَائِلين بإلاهية عَليّ وَطَائِفَة تدعى النصرية غلبوا فِي وقتنا هَذَا على جند الاردن بِالشَّام وعَلى مَدِينَة طبرية خَاصَّة وَمن قَوْلهم لعن فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ وَلعن الْحسن وَالْحُسَيْن ابْني عَليّ ﵃ وسبهم بأقذع السب وقذفهم بِكُل بلية وَالْقطع بِأَنَّهَا وابنيها ﵃ وَلعن مبغضيهم شياطين تصوروا فِي صُورَة الْإِنْسَان وَقَوْلهمْ فِي عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي قَاتل عَليّ ﵁ على عَليّ لَعنه الله وَرَضي عَن أبي ملجم فَيَقُول هَؤُلَاءِ أَن عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي أفضل أهل الأَرْض وَأكْرمهمْ فِي الْآخِرَة لِأَنَّهُ خلص روح اللاهوت مِمَّا كَانَ يتشبث فِيهِ من ظلمَة الْجَسَد وكدره فَأُعْجِبُوا لهَذَا الْجُنُون واسألوا الله الْعَافِيَة من بلَاء الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَهِيَ بِيَدِهِ لَا بيد أحد سواهُ جعل الله حظنا مِنْهَا الأوفى وَاعْلَمُوا أَن كل من كفر هَذِه الكفرات الْفَاحِشَة مِمَّن ينتمي إِلَى الْإِسْلَام فَإِنَّمَا عنصرهم الشِّيعَة والصوفية فَإِن من الصُّوفِيَّة من يَقُول أَن من عرف الله تَعَالَى سَقَطت عَنهُ الشَّرَائِع وَزَاد بَعضهم واتصل بِاللَّه تَعَالَى وبلغنا أَن بنيسابور الْيَوْم فِي عصرنا
стр. 591
هَذَا رجلا يكنى أَبَا سعيد أَبَا الْخَيْر هَكَذَا مَعًا من الصُّوفِيَّة مرّة يلبس الصُّوف وَمرَّة يلبس الْحَرِير الْمحرم على الرِّجَال وَمرَّة يُصَلِّي فِي الْيَوْم ألف رَكْعَة وَمرَّة لَا يُصَلِّي لَا فَرِيضَة وَلَا نَافِلَة وَهَذَا كفر مَحْض ونعوذ بِاللَّه من الضلال
ذكر شنع الْخَوَارِج
ذكر بعض من جمع مقالات المنتمين إِلَى الْإِسْلَام أَن فرقة من الأباضية رئيسهم رجل يدعى زيد بن أبي أبيسه وَهُوَ غير الْمُحدث الْمَشْهُور كَانَ يَقُول إِن فِي هَذِه الْأمة شَاهِدين عَلَيْهَا هُوَ أَحدهمَا وَالْآخر لَا يدْرِي من هُوَ وَلَا مَتى هُوَ وَلَا يدْرِي لَعَلَّه قد كَانَ قبله وَإِن من كَانَ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى الْعَرَب لَا إِلَيْنَا كَمَا تَقول العيسوية من الْيَهُود قَالَ فَإِنَّهُم مُؤمنُونَ أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَإِن مَاتُوا على هَذَا العقد وعَلى الْتِزَام شرائع الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَأَن دين الْإِسْلَام سينسخ بِنَبِي من الْعَجم يَأْتِي بدين الصابئين وبقرآن آخر ينزل عَلَيْهِ جملَة وَاحِدَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِلَّا أَن جَمِيع الأباضية يكفرون من قَالَ بِشَيْء من هَذِه المقالات ويبرؤن مِنْهُ ويستحلون دَمه وَمَاله وَقَالَت طَائِفَة من أَصْحَاب الْحَرْث الأباضي أَن من زنا أَو سرق أَو قذف فَإِنَّهُ يُقَام عَلَيْهِ الْحَد ثمَّ يُسْتَتَاب مِمَّا فعل فَإِن تَابَ ترك وَإِن أَن أَبى التَّوْبَة قتل على الرِّدَّة.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وشاهدنا الأباضية عندنَا بالأندلس يحرمُونَ طَعَام أهل الْكتب ويحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش ويوجبون الْقَضَاء على من نَام نَهَارا فِي رَمَضَان فَاحْتَلَمَ ويتيممون وهم على الْآبَار الَّتِي يشربون مِنْهَا إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم وَقَالَ أَبُو إِسْمَاعِيل البطيحي وَأَصْحَابه وهم من الْخَوَارِج أَن لَا صَلَاة وَاجِبَة إِلَّا رَكْعَة وَاحِدَة بِالْغَدَاةِ وركعة أُخْرَى بالْعَشي فَقَط ويرون الْحَج فِي جَمِيع شهور السّنة ويحرمون أكل السّمك حَتَّى يذبح وَلَا يرَوْنَ أَخذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس ويكفرون من خطب فِي الْفطْرَة والأضحى وَيَقُولُونَ أَن أهل النَّار فِي النَّار فِي لَذَّة ونعيم وَأهل الْجنَّة كَذَلِك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وأصل أبي إِسْمَاعِيل هَذَا من الْأزَارِقَة الا انه غلا عَن سَائِر الْأزَارِقَة وَزَاد عَلَيْهِم وَقَالَت سَائِر الأزارفة وهم أَصْحَاب نَافِع بن الْأَزْرَق بِإِبْطَال رجم من زنى وَهُوَ مُحصن وَقَطعُوا يَد السَّارِق من الْمنْكب وأوجبوا على الْحَائِض الصَّلَاة وَالصِّيَام فِي حَيْضهَا وَقَالَ بَعضهم لَا وَلَكِن تقضي الصَّلَاة إِذا طهرت كَمَا تَقْتَضِي الصّيام وأباحوا دم الْأَطْفَال مِمَّن لم يكن فِي عَسْكَرهمْ وَقتل النِّسَاء أَيْضا مِمَّن لَيْسَ فِي عَسْكَرهمْ وبرئت الْأزَارِقَة مِمَّن قعد عَن الْخُرُوج لضعف أَو غَيره وَكَفرُوا من خَالف هَذَا القَوْل بعد موت أول من قَالَ بِهِ مِنْهُم وَلم يكفروا من خَالفه فِيهِ فِي حَيَاته وَقَالُوا باستعراض كل من لقوه من غير أهل عَسْكَرهمْ ويقتلونه إِذا قَالَ أَنا مُسلم ويحرمون قتل من انْتَمَى إِلَى الْيَهُود والى النَّصَارَى أَو إِلَى الْمَجُوس وَبِهَذَا شهد رَسُول الله ﷺ بالمروق من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرميه إِذْ قَالَ ﵇ أَنهم يقتلُون أهل الْإِسْلَام ويتركون أهل الْأَوْثَان وَهَذَا من أَعْلَام نبوته ﷺ إِذْ أنذر بذلك وَهُوَ من جزئيات الْغَيْب فَخرج نصا كَمَا قَالَ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد بادت الْأزَارِقَة إِنَّمَا كَانُوا اهل عَسْكَر وَاحِد اولهم نَافِع بن الْأَزْرَق وَآخرهمْ عَبدة بن هِلَال العسكري واتصل أَمرهم بضعاً وَعشْرين سنة إِلَّا أَنِّي أَشك فِي صبيح مولى سوار بن الأسعر الْمَازِني مَازِن تَمِيم أخرج بِرَأْي الازارفة أَيَّام هِشَام بن عبد الْملك أم
стр. 592
بِرَأْي الصفرية لِأَن أمره لم يطلّ أسر أثر خُرُوجه وَقتل وَقَالَت النجدات وهم أَصْحَاب نجدة بن عويم الْحَنَفِيّ لَيْسَ على النَّاس أَن يتخذوا اماما انما هم عَلَيْهِم أَن يتعاطوا الْحق بَينهم وَقَالُوا من ضعف عَن الْهِجْرَة إِلَى عَسْكَرهمْ فَهُوَ مُنَافِق وَاسْتَحَلُّوا دم الْعقْدَة واموالهم وَقَالُوا من كذب كذبة صَغِيرَة أَو عمل عملا صَغِيرا فأصر على ذَلِك فَهُوَ كَافِر مُشْرك وَكَذَلِكَ أَيْضا فِي الْكَبَائِر وَأَن من عمل من الْكَبَائِر غير مصر عَلَيْهَا فَهُوَ مُسلم وَقَالَ جَائِز أَن يعذب الله الْمُؤمنِينَ بِذُنُوبِهِمْ لَكِن فِي غير النَّار وَأما النَّار فَلَا وَقَالُوا أَصْحَاب الْكَبَائِر مِنْهُم لَيْسُوا كفَّارًا وَأَصْحَاب الْكَبَائِر من غَيرهم كفار وَقد بادت النجدات وَقَالَت طَائِفَة من الصفرية بِوُجُوب قتل كل من أمكن قَتله من مُؤمن عِنْدهم أَو كَافِر وَكَانُوا يؤلون الْحق بِالْبَاطِلِ وَقد بادت هَذِه الطَّائِفَة وَقَالَت الميمونية وهم فرقة من العجاردة والعجاردة فرقة من الصفرية بِإِجَازَة نِكَاح بَنَات الْبَنَات وَبَنَات الْبَنِينَ وَبَنَات بني الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات وَذكر ذَلِك عَنْهُم الْحُسَيْن بن عَليّ الكراسي وَهُوَ أحد الْأَئِمَّة فِي الدّين والْحَدِيث وَلم يبْق الْيَوْم من فرق الْخَوَارِج إِلَّا الإباضية والصفرية فَقَط وَقَالَت طَائِفَة من أَصْحَاب البيهسية وهم أَصْحَاب أبي بيهس وهم من فرق الصفرية إِن كَانَ صَاحب كَبِيرَة فِيهَا حد فَإِنَّهُ لَا يكفر حَتَّى يرفع إِلَى الإِمَام فَإِذا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَد فَحِينَئِذٍ يكفر وَقَالَت الرشيدية وهم من فرق الثعالبة والثعالبة من فرق الصفرية أَن الْوَاجِب فِي الزَّكَاة نصف الْعشْر مِمَّا سقِِي بالأنهار والعيون وَقَالَت العونية وهم طَائِفَة من البيهسية الَّتِي ذكرنَا آنِفا أَن الإِمَام إِذا قضي قَضِيَّة جور وَهُوَ بخراسان أَو بغَيْرهَا حَيْثُ كَانَ من الْبِلَاد فَفِي ذَلِك الْحِين نَفسه يكفر هُوَ وَجَمِيع رَعيته حَيْثُ كَانُوا من شَرق الأَرْض وغربها وَلَو بالأندلس واليمن فَمَا بَين ذَلِك من الْبِلَاد وَقَالُوا أَيْضا لَو وَقعت قَطْرَة خمر فِي جب مَاء بفلاة من الأَرْض فَإِن كل من خطر على ذَلِك الْجب فَشرب مِنْهُ وَهُوَ لَا يدْرِي مَا وَقع فِيهِ كَافِر بِاللَّه تَعَالَى قَالُوا إِلَّا ان الله تَعَالَى يوفق الْمُؤمن لاجتنابه وَقَالَت الفضيلية من الصفرية من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله بِلِسَانِهِ وَلم يعْتَقد ذَلِك بِقَلْبِه بل اعْتقد الْكفْر اوالدهرية اواليهودية أَو النَّصْرَانِيَّة فَهُوَ مُسلم عِنْد الله مُؤمن وَلَا يضرّهُ اذا قَالَ الْحق بِلِسَانِهِ مَا اعْتقد بِقَلْبِه وَقَالَت طَائِفَة من الصفرية أَن النَّبِي ﷺ إِذا بعث فَفِي حِين بَعثه فِي ذَلِك الْوَقْت من ذَلِك الْيَوْم لزم جَمِيع أهل الْمشرق وَالْمغْرب الْإِيمَان بِهِ وان لم يعرفوا جَمِيع مَا جَاءَ بِهِ من الشَّرَائِع فَمن مَاتَ مِنْهُم قبل أَن يبلغهُ شَيْء من ذَلِك مَاتَ كَافِرًا وَقَالَت العجاردة أَصْحَاب عبد الْكَرِيم بن عجرد من الصفرية أَن من بلغ الْحلم من الوادهم وبناتهم فهم برَاء مِنْهُ وَمن دينه حَتَّى يقر بِالْإِسْلَامِ فيتولوه حِينَئِذٍ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فعلى هَذَا إِن قَتله قَاتل قبل أَن يلفظ بِالْإِسْلَامِ فَلَا قَود وَلَا دِيَة وَإِن مَاتَ لم يَرث وَلم يُورث وَقَالَت طَائِفَة من العجاردة لَا نتولى الْأَطْفَال قبل الْبلُوغ وَلَا نبرأ مِنْهُم لَكِن نقف فيهم حَتَّى يلفظوا بِالْإِسْلَامِ بعد الْبلُوغ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد والعجاردة هم الغالبون على خوارج خُرَاسَان كَمَا أَن النكار من الإباضية هم الغالبون على خوارج الاندلس وَقَالَت المكرومية وهم أَصْحَاب أبي مكرم وهم من الثعالبة أَصْحَاب ثَعْلَبَة وَهُوَ من الصفرية وَإِلَى قَول الثعالبة رَجَعَ عبد الله بن باض فبرئ مِنْهُ أَصْحَابه فهم لَا يعرفونه الْيَوْم وَلَقَد سَأَلنَا من هُوَ مقدمهم فِي علمهمْ ومذهبهم عَنْهُم فَمَا عرفه أحد مِنْهُم وَكَانَ من قَول المكرمية هَؤُلَاءِ أَن من أَتَى كَبِيرَة فقد جهل الله تَعَالَى فَهُوَ كَافِر لَيْسَ من أجل الْكَبِيرَة كفر لَكِن لِأَنَّهُ جهل الله عزوجل فَهُوَ كَافِر بجهله بِاللَّه تَعَالَى وَقَالَت طَائِفَة من الْخَوَارِج
стр. 593
مَا كَانَ من الْمعاصِي فِيهِ حد كَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَالْقَذْف فَلَيْسَ فَاعله كَافِرًا وَلَا مُؤمنا وَلَا منافقاً وَأما مَا كَانَ من الْمعاصِي لَا حد فِيهِ فَهُوَ كَافِر وفاعله وَقَالَت الحفصية وهم أَصْحَاب حَفْص بن ابي الْمِقْدَام من الأباضية من عرف الله تَعَالَى وَكفر بِالنَّبِيِّ ﷺ فهوكافر وَلَيْسَ بمشرك وَإِن جهل الله تَعَالَى أَو جَحده فَهُوَ حِينَئِذٍ مُشْرك وَقَالَ بعض أَصْحَاب الْحَرْث الأباضي المُنَافِقُونَ على عهد رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا كَانُوا مُوَحِّدين لله تَعَالَى أَصْحَاب كَبَائِر وَمن حماقاتهم قَول بكر بن أُخْت عبد الْوَاحِد بن زيد فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول كل ذَنْب صَغِير أَو كَبِير وَلَو كَانَ أَخذ حَبَّة خَرْدَل بِغَيْر حق أَو كذبة خَفِيفَة على سَبِيل المزاح فَهِيَ شرك بِاللَّه وفاعلها كَافِر مُشْرك مخلد فِي النَّار إِلَّا أَن يكون من أهل الْجنَّة وَهَذَا حكم طَلْحَة وَالزُّبَيْر ﵄ عِنْدهم وَمن حماقاتهم قَول عبد الله بن عِيسَى تلميذ بكر بن أُخْت عبد الْوَاحِد بن زيد الْمَذْكُور فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول إِن المجانين والبهايم والأطفال مالم يبلغُوا الْحلم فَإِنَّهُم لَا يألمون الْبَتَّةَ لشَيْء مِمَّا ينزل بهم من الْعِلَل وحجته فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى لَا يظلم أحدا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد لعمري لقد طرد أصل الْمُعْتَزلَة وَأَن من خَالفه فِي هَذِه المتلوث فِي الحماقة متكسع فِي التَّنَاقُض
ذكر شنع الْمُعْتَزلَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَالَت الْمُعْتَزلَة بأسرها حاشا ضرار بن عبد الله الْغَطَفَانِي الْكُوفِي وَمن وَافقه كحفص الْفَرد وكلثوم وَأَصْحَابه أَن جَمِيع أَفعَال الْعباد من حركاتهم وسكونهم فِي أَقْوَالهم وأفعالهم وعقودهم لم يخلقها الله ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَت طَائِفَة خلقهَا فاعلوها دون الله تَعَالَى وَقَالَت طَائِفَة هِيَ أَفعَال مَوْجُودَة لَا خَالق لَهَا أصلا وَقَالَت طَائِفَة هِيَ أَفعَال الطبيعة وَهَذَا قَول أهل الدَّهْر بِلَا تكلّف وَقَالَت الْمُعْتَزلَة كلهاحاشا ضرار بن عَمْرو الْمَذْكُور وحاشا أَبَا سهل بشر بن العمير الْبَغْدَادِيّ النخاس بالرقيق أَن الله لَا يقدر الْبَتَّةَ على لطف يلطف بِهِ الْكَافِر حَتَّى يُؤمن إيمانايستحق بِهِ الْجنَّة وَالله لَيْسَ فِي قوته أحسن مِمَّا فعل بِنَا وَإِن هَذَا الَّذِي فعل هُوَ مُنْتَهى طاقته وَآخر قدرته الَّتِي لَا يُمكنهُ وَلَا يقدر على أَكثر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا تعجيز مُجَرّد للباري تَعَالَى وَوصف لَهُ بِالنَّقْصِ وَكلهمْ لَا نحاشى أحدا يَقُول أَنه لَا يقدر على الْمحَال وَلَا على أَن يَجْعَل الْجِسْم سَاكِنا متحركاً مَعًا فِي حَال وَاحِدَة وَلَا على أَن يَجْعَل إنْسَانا وَاحِدًا فِي مكانين مَعًا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تعجيز مُجَرّد لله تَعَالَى وَإِيجَاب النِّهَايَة والإنقضاء لقدرته تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَقَالَ أَبُو الْهُذيْل بن مَكْحُول العلاف مولى عبد الْقَيْس بَصرِي أحد رُؤَسَاء الْمُعْتَزلَة ومتقدميهم إِن لما يقدر الله تَعَالَى عَلَيْهِ آخر اَوْ لقدرته نِهَايَة لَو خرج إِلَى الْفِعْل لم يقدر الله تَعَالَى بعد ذَلِك على شَيْء أصلا وَلَا على خلق ذرة فَمَا فَوْقهَا وَلَا إحْيَاء بعوضة ميتَة وَلَا على تَحْرِيك ورقة فَمَا فَوْقهَا وَلَا على أَن يفعل شَيْئا أصلا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه حَالَة من الضعْف والمهانة وَالْعجز قد ارْتَفَعت البق والبراغيث والدود مُدَّة حَيَاتهَا عَنْهَا وَعَن أَن تُوصَف بهَا وَهَذَا كفر مُجَرّد لَا خَفَاء بِهِ وَزعم أَبُو الْهُذيْل أَيْضا أَن أهل الْجنَّة وَأهل النَّار تفنى حركاتهم حَتَّى يصيروا جماداً لَا يقدرُونَ على تَحْرِيك شَيْء من أعضائهم وَلَا على البراح من مواضعهم وهم فِي تِلْكَ الْحَال متلذذون ومتألمون إِلَّا أَنهم
стр. 594
لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَلَا يطئون بعد هَذَا أبدا وَكَانَ يزْعم أَيْضا لما يُعلمهُ آخر أَو نِهَايَة وكلا لَا يعلم الله شَيْئا سواهُ وَادّعى قوم من الْمُعْتَزلَة أَنه تَابَ عَن هَذِه الطوام الثَّلَاث
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا لَا يَصح وَإِنَّمَا دعوا ذَلِك حَيَاء من هَذِه الكفرات الصُّلْح لإمامهم إِمَام الضَّلَالَة وَذكر عَن أبي الْهُذيْل أَيْضا أَنه قَالَ أَن الله لَيْسَ خلافًا لخلقه وَالْعجب أَنه مَعَ هَذِه الْأَقْدَام الْعَظِيم بنكر النشبية وَهَذَا عين النشبية لِأَنَّهُ لَيْسَ إِلَّا خلاف أَو مثل أَو ضد فَإِذا بَطل أَن يكون خلافًا وضد فَهُوَ مثل وَلَا بُد تَعَالَى الله عَن هَذَا علوا كَبِيرا أَو كَانَ أَبُو الْهُذيْل يَقُول إِن الله لم يزل عليماً وَكَانَ يُنكر أَن يُقَال إِن الله لم يزل سميعاً بَصيرًا
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا خلاف الْقُرْآن لِأَن الله قَالَ ﴿وَكَانَ الله سميعاً بَصيرًا﴾ كَمَا قَالَ ﴿وَكَانَ الله عليماً حكيماً﴾ وَكلهمْ قَالَ إِن الله تَعَالَى لم يزل يعلم أَن من مَاتَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَا يُؤمن أبدا وَأَنه تَعَالَى حكم وَقَالَ أَن أَبَا لَهب وَامْرَأَته سيصليان النَّار كَافِرين ثمَّ قطعُوا كلهم بِأَن أَبَا لَهب وَامْرَأَته كَانَا قَادِرين على الْإِيمَان على أَن لَا تمسهما النَّار وأنهما كَانَ مُمكنا لَهَا تَكْذِيب الله إنَّهُمَا كَانَا قَادِرين على إبِْطَال علم الله وعَلى أَن يجعلاه كَاذِبًا فِي قَوْله هَذَا نَص قَوْلهم بِلَا تَأْوِيل قَالَ وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن سيار النظام أَو إِسْحَاق الْبَصْرِيّ مولى بني بحير بن الْحَارِث بن عباد الضبعِي أكبر شُيُوخ الْمُعْتَزلَة ومقدمة عُلَمَائهمْ يَقُول إِن الله تَعَالَى لَا يقدر على ظلم أحد أصلا وَلَا على شَيْء من الشَّرّ وَأَن النَّاس يقدرُونَ على كل ذَلِك وَأَنه تَعَالَى لَو كَانَ قَادِرًا على ذَلِك لَكنا لَا نَأْمَن أَن يَفْعَله أَو أَنه قد فعله فَكَانَ النَّاس عِنْده أتم قدرَة من الله تَعَالَى وَكَانَ يُصَرح بِأَن الله تَعَالَى لَا يقدر على إِخْرَاج أحد من جَهَنَّم وَلَا إِخْرَاج أحد من أهل الْجنَّة عَنْهَا وَلَا على طرح طِفْل من جَهَنَّم وَأَن النَّاس وكل وَاحِد من الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة يقدرُونَ على ذَلِك فَكَانَ الله عِنْده أعجز من كل ضَعِيف من خلقه وَكَانَ كل أحد من الْخلق أتم قدرَة من الله تَعَالَى وَهَذَا الْكفْر الْمُجَرّد الَّذِي نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَمن الْعجب اتِّفَاق النظام والعلاف شَيْخي الْمُعْتَزلَة على أَنه لَيْسَ يقدر الله تَعَالَى من الْخَيْر على أصلح مَا عمل فاتفقا على أَن قدرته على الْخَيْر متناهية ثمَّ قَالَ النظام أَنه تَعَالَى لَا يقدر على الشَّرّ جملَة فَجعله عديم قدرَة على الشَّرّ عَاجِزا عَنهُ وَقَالَ العلاف بل هُوَ قَادر على الشَّرّ جملَة فَجعل ربه متناهي الْقُدْرَة على الْخَيْر وَغير متناهي الْقُدْرَة على الشَّرّ فَهَل سمع بأخبث صفة من الصّفة الَّتِي وصف بهَا العلاف ربه وَهل فِي الموصوفين أَخبث طبيعة من الْمَوْصُوف الَّذِي ادّعى العلاف أَنه ربه ونعوذ بِاللَّه مِمَّا ابْتَلَاهُم بِهِ وَأما أَبُو الْمُعْتَمِر معمر بن عمر والعطار الْبَصْرِيّ مولى بني سليم أحد شيوخهم وأثمنهم فَكَانَ يَقُول بِأَن فِي الْعَالم أَشْيَاء مَوْجُودَة لَا نِهَايَة لَهَا وَلَا يحصيها الْبَارِي تَعَالَى وَلَا أحد أَيْضا غَيره وَلَا لَهَا عِنْده مِقْدَار وَلَا عدد وَذَلِكَ أَنه كَانَ يَقُول أَن الْأَشْيَاء تخْتَلف بمعان فِيهَا وَأَن تِلْكَ الْمعَانِي تخْتَلف بمعان أخر فِيهَا وَتلك الْمعَانِي تخْتَلف بمعان أخر فِيهَا وَهَكَذَا بِلَا نِهَايَة أَيْضا تَكْذِيب وَاضح لله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وأحصى كل شَيْء عددا﴾ وَوَافَقَهُ الدهرية فِي قَوْلهم بِوُجُود أَشْيَاء لَا نِهَايَة لَهَا وعَلى هَذَا طلبته الْمُعْتَزلَة وبالبصرة عِنْد السُّلْطَان حَتَّى فر إِلَى بَغْدَاد وَمَات بهَا مختفياً عِنْد إِبْرَاهِيم بن السَّيِّد بن شاهك بو وَكَانَ معمر أَيْضا يزْعم أَن الله لم يخلق شَيْئا من الألوان وَلَا طولا وَلَا عرضا وَلَا طعماً وَلَا رَائِحَة وَلَا خشونة وَلَا أملاساً وَلَا حسنا وَلَا قبيحاً وَلَا صَوتا وَلَا قُوَّة وَلَا ضعفا وَلَا موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا وَلَا مَرضا وَلَا صِحَة وَلَا عَافِيَة وَلَا سقماً وَلَا عمى وَلَا بكماً وَلَا بصراً
стр. 595
وَلَا سمعا وَلَا فصاحة وَلَا فَسَاد للثمار وَلَا صَلَاحهَا وَإِن كل ذَلِك فعل الْأَجْسَام الَّتِي وجدت فِيهَا هَذِه الْأَعْرَاض بطباعها فأعملوا أَن هَذَا الْفَاسِق قد أخرج نصف الْعَالم عَن خلق الله تَعَالَى لِأَنَّهُ لَيْسَ للْعَالم شَيْء إِلَّا الْجَوَاهِر الحاملة والأعراض المحمولة فَقَط فالنصف الْوَاحِد عِنْده غير مَخْلُوق لَعنه الله من مكذب لله تَعَالَى فِي نَص قَوْله تَعَالَى ﴿خلق الْمَوْت والحياة ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ وَقد عورض معمر بِهَذِهِ الْآيَة فَقَالَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنه خلق الإماتة والإحياء وَذكر عَنهُ أَنه كَانَ يُنكر أَن يكون الله عَالما بِنَفسِهِ وَذَلِكَ لِأَن الْعَالم إِنَّمَا يعلم غير مولا يعلم نَفسه وَكَانَ يزْعم أَن النَّفس لَيست جسماً وَلَا عرضا وَلَا هِيَ فِي مَكَان أصلا وَلَا تماس شَيْئا وَلَا تباينه وَلَا تتحرك وَلَا تسكن
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا قَول أهل الْإِلْحَاد مَحْضا بِلَا تَأْوِيل بِعني الْقَائِلين مِنْهُم بقدم النَّفس وَأَنَّهَا الخالقة للْإنْسَان نَعُوذ بِاللَّه من الضلال وَكَانَ يَقُول إِن الله تَعَالَى لَا يعلم نَفسه وَلَا يجهلها لِأَن الْعَالم غير الْمَعْلُوم ومحال أَن يقدر على الموجودات أَو أَن يعلمهَا وَأَن يجهلها وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس عبد الله بن مُحَمَّد الْأَنْبَارِي الْمَعْرُوف بالناشيء ولقبه شرسير فِي كِتَابه فِي المقالات وَأَن الله تَعَالَى عَن كفره لَا يقدر على أَن يُسَوِّي بنان الْإِنْسَان بعد أَن سبق فِي علمه أَنه لَا يسويها
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا تَكْذِيب مَحْض لله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿أيحسب الْإِنْسَان ألن نجمع عِظَامه بلَى قَادِرين على أَن نسوي بنانه﴾ وَرَأَيْت للجاحظ فِي كِتَابه الْبُرْهَان لَو أَن سَائِلًا سَأَلَهُ وَقَالَ أيقدر الله على أَن يخلق قبل الدُّنْيَا دنيا أُخْرَى فَجَوَابه نعم بِمَعْنى أَنه يخلق تِلْكَ الدُّنْيَا حِين خلق هَذِه فَتكون مثل هَذِه
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا تعجيز مِنْهُ للباري تَعَالَى كَمَا قدمنَا إِذْ لم تحصل لَهُ تَعَالَى قدرَة على خلق دنيا قبل هَذِه إِلَّا على الْوَجْه الَّذِي ذكره وَأما على غَيره فَلَا فَإِن قيل كَيفَ تجيبون قُلْنَا جَوَابنَا نعم على الْإِطْلَاق فَإِن قيل لنا كَيفَ يَصح هَذَا السُّؤَال وَأَنْتُم تَقولُونَ أَنه لَا يجوز أَن يُقَال أَن قبل الْعَالم شَيْئا لِأَن قيل وَبعده من الزَّمَان وَلَا زمَان هُنَالك قُلْنَا معنى قَوْلنَا نعم أَي أَنه تَعَالَى لم يزل قَادِرًا على أَن يخلق عَالما وَلَو خلقه لَكَانَ لَهُ زمَان قبل زمَان هَذَا الْعَالم وَهَكَذَا أبدا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما ضِرَارًا بن عمر فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول إِن مُمكنا أَن يكون جَمِيع من فِي الأَرْض مِمَّن يظْهر الْإِسْلَام كفَّارًا كلهم فِي بَاطِن أَمرهم لِأَن كل ذَلِك جَائِز على كل وَاحِد مِنْهُم فِي ذَاته وَمن حماقات ضرار أَنه كَانَ يَقُول أَن الْأَجْسَام إِنَّمَا هِيَ أَعْرَاض مجتمعة وَأَن النَّار لَيْسَ فِيهَا حر وَلَا فِي الثَّلج برد وَلَا فِي الْعَسَل حلاوة وَلَا فِي الصَّبْر مرَارَة وَلَا فِي الْعِنَب عصير وَلَا فِي الزَّيْتُون زَيْت وَلَا فِي الْمَعْرُوف دم وَإِن كَانَ ذَلِك إِنَّمَا يخلقه الله عِنْد الْقطع والذوق وَالْعصر واللمس فَقَط وَأما أَبُو عُثْمَان عَمْرو بن الجاحظ القصري الْكِنَانِي صليبه وَقيل بل هُوَ مولى وَهُوَ تلميذ النظام وَأحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول إِن الله تَعَالَى لَا يقدر على إفناء الْأَجْسَام الْبَتَّةَ إِلَّا أَن يرفقها وَيفرق أَجْزَائِهَا فَقَط وَأما إعدامها فَلَا يقدر على ذَلِك أصلا وَأما أَبُو معمر وثمامة بن أَشْرَس النميري صليبه بَصرِي أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة وعلمائهم فَذكر عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول أَن الْعَالم فعل الله بطباعه تَعَالَى الله عَن هَذَا الْكفْر الشنيع علوا كَبِيرا وَكَانَ يزْعم أَن المقلدين من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَعباد الْأَوْثَان لَا يدْخلُونَ النَّار يَوْم الْقِيَامَة لَكِن يصيرون تُرَابا وَإِن كل من مَاتَ من أهل الْإِسْلَام وَالْإِيمَان الْمَحْض وَالِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة مصرا على كَبِيرَة من الْكَبَائِر كشرب الْخمر وَنَحْوهَا وَإِن كَانَ لم يواقع ذَلِك إِلَّا مرّة
стр. 596
فِي الدَّهْر فَإِنَّهُ مخلد بَين أطباق النيرَان أبدا مَعَ فِرْعَوْن وَأب وَأبي جهل
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَأَي كفر أعجب من قَول من يَقُول أَن كثيرا من الْكفَّار لَا يدْخلُونَ النَّار وَإِن كثيرا من الْمُسلمين لَا يدْخلُونَ الْجنَّة وَكَانَ ثُمَامَة يَقُول إِن إِبْرَاهِيم ابْن رَسُول الله ﷺ وَجَمِيع أَولا د الْمُسلمين الَّذين يموتون قبل الْحلم وَجَمِيع مجانين الْإِسْلَام لَا يدْخلُونَ الْجنَّة أبدا لَكِن يصيرون تُرَابا وَأما هِشَام بن عَمْرو الفوطي أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة فَكَانَ يَقُول إِذا خلق الله تَعَالَى شَيْئا فَإِنَّهُ لَا يقدر على أَن يخلق مثل ذَلِك الشَّيْء أبدا لَكِن الله يقدر على أَن يخلق غَيره والغير أَن عِنْده لَا يكونَانِ مثلين وَكَانَ لَا يُجِيز لأحد أَن يَقُول حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل وَلَا أَن الله يعذب الْكفَّار بالنَّار وَلَا أَنه يحيي الأَرْض بالمطر ويروي هَذَا القَوْل وَالْقَوْل بِأَن الله تَعَالَى يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء ضلالا وإلحاداً
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا رد على الله جهاراً وَكَانَ يَقُول لَا يحل القَوْل بِشَيْء من هَذَا إِلَّا عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن فَقَط وَكَانَ يَقُول قُولُوا حَسبنَا الله وَنعم المتَوَكل عَلَيْهِ وَكَانَ يَقُول أَن الله يعذب الْكفَّار فِي النَّار ويحي الأَرْض عِنْد نزُول الْمَطَر وَكَانَ لَا يُجِيز القَوْل بِأَن الله ألف بَين قُلُوب الْمُؤمنِينَ وَلَا أَن الْقُرْآن عَمَّا على الْكَافرين وَكَانَ يَقُول أَن من هُوَ الْآن مُؤمن عَابِد إِلَّا أَن فِي علم الله أَنه يَمُوت كَافِر فَإِنَّهُ الْآن عِنْد الله كَافِر وَإِن من كَانَ كَافِرًا مجوسياً أَو نَصْرَانِيّا أَو دهرياً أَو زنديقاً إِلَّا أَن فِي علم الله إِنَّه يَمُوت مُؤمنا فَإِنَّهُ الْآن عِنْد الله مُؤمن وَأما عباد بن سُلَيْمَان تلميذ الفوطي الْمَذْكُور فَكَانَ يزْعم أَن الله تَعَالَى لَا يقدر على غير مَا فعل من الصّلاح وَلَا يجوز أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى خلق الْمُؤمنِينَ وَلَا أَنه خلق الْكَافرين وَلَكِن يُقَال خلق النَّاس وَذَلِكَ زعم لِأَن الْمُؤمن عِنْده إِنْسَان وإيمان وَالْكَافِر إِنْسَان وَكفر وَأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا خلق عِنْده الْإِنْسَان فَقَط وَلم يخلق الْإِيمَان وَلَا الْكفْر وَكَانَ يَقُول أَن الله تَعَالَى لَا يقدر على أَن يخلق غير مَا خلق وَأَنه تَعَالَى لم يخلق المجاعة وَلَا الْقَحْط وَكلهمْ بزعم أَن الله تَعَالَى لم يَأْمر الْكفَّار قطّ بِأَن يُؤمنُوا فِي حَال كفرهم وَلَا نهى الْمُؤمنِينَ قطّ عَن الْكفْر فِي حَال إِيمَانهم لِأَنَّهُ لَا يقدر أحد قطّ على الْجمع بَين الْفِعْلَيْنِ المتضادين
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وهم مقرون أَن الله تَعَالَى لم يزل يعلم أَن من يُؤمن بعد كفره فَإِنَّهُ لَا يزَال فِي كفره إِلَى أَن يُؤمن وَإِن من يكفر بعد إيمَانه فَإِنَّهُ لَا يزَال فِي إيمَانه حَتَّى يكفروا وَأَن من لَا يُؤمن من الْكفَّار أبدا فَإِنَّهُ لَا يزَال فِي كفره إِلَى أَن يَمُوت وَأَن من لَا يكفر من الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُ لَا يزَال فِي إيمَانه إِلَى أَن يَمُوت وَلَيْسَ أحد من المأمورين يخرج عَن أحد هَذِه الْوُجُوه الْأَرْبَعَة ضَرُورَة فَإِذا كَانَ عِنْدهم لم يُؤمر قطّ كَافِر بِالْإِيمَان فِي حَال كفره وَلَا نهى مُؤمن عَن الْكفْر فِي حَال إيمَانه فَإِنَّهُ من لم يزل مُؤمنا إِلَى أَن مَاتَ لم يَنْهَهُ الله عَن الْكفْر قطّ وَإِن من لم يزل كَافِرًا إِلَى أَن مَاتَ فَإِن الله لم يَأْمُرهُ قطّ بِالْإِيمَان وَأَن الله تَعَالَى لم يَأْمر قطّ بِالْإِيمَان وَمن لم يزل كَافِرًا إِلَى أَن مَاتَ فَإِن الله تَعَالَى لم يَأْمُرهُ قطّ بِالْإِيمَان وَأَن الله تَعَالَى لم يَأْمر قطّ بِالْإِيمَان من آمن بعد كفره إِلَّا حِين آمن وَلَا نهى قطّ عَن الْكفْر من كفر بعد إيمَانه إِلَّا حِين كفر وَهَذَا تَكْذِيب مُجَرّد لله تَعَالَى فِي أمره الْكفَّار وَأهل الْكتاب بِالْإِيمَان ونهبه الْمُؤمنِينَ عَن الْكفْر وَكَانَ بشر بن الْمُعْتَمِر أَيْضا يَقُول أَن الله تَعَالَى لم يخلق قطّ لوناً وَلَا طعماً وَلَا رَائِحَة وَلَا مجسة وَلَا شدَّة وَلَا ضعفا وَلَا عَمَّا وَلَا بصراً وَلَا سمعا وَلَا جبنا وَلَا شجاعة وَلَا كشفاً وَلَا عَجزا وَلَا صِحَة وَلَا مَرضا وَأَن النَّاس يَفْعَلُونَ كل ذَلِك فَقَط وَأما جَعْفَر القصبي
стр. 597
بَايع الْقصب والأشج وهما من رُؤَسَائِهِمْ فَكَانَا يَقُولَانِ أَن الْقُرْآن لَيْسَ هُوَ فِي الْمَصَاحِف وَإِنَّمَا فِي الْمَصَاحِف شَيْء آخر وَهُوَ حِكَايَة الْقُرْآن
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا كفر مُجَرّد وَخلاف جَمِيع أهل الْإِسْلَام قَدِيما وحديثاً وَكَانَ على الأسواري الْبَصْرِيّ أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة يَقُول إِن الله لَا يقدر على غير فعل مَا فعل وَإِن من علم الله تَعَالَى أَنه يَمُوت ابْن ثَمَانِينَ سنة فَإِن الله لَا يقدر على أَن يميته قبل ذَلِك وَلَا أَن يبقيه طرفَة عين بعد ذَلِك وَأَن من علم الله تَعَالَى من مَرضه يَوْم الْخَمِيس مَعَ الزَّوَال مثلا فَإِن الله تَعَالَى لَا يقدر على أَن يبريه قبل ذَلِك لَا بِمَا قرب وَلَا بِمَا بعد وَلَا على أَن يزِيد فِي مَرضه طرفَة عين فَمَا فَوْقهَا وَأَن النَّاس يقدرُونَ كل حِين على إماتة من علم الله أَن لَا يَمُوت إِلَّا وَقت كَذَا وَأَن الله لَا يقدر على ذَلِك وَهَذَا كفر مَا سمع قطّ بأفظع مِنْهُ وَأما أَبُو غفار أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة فَكَانَ يزْعم أَن شَحم الْخِنْزِير ودماغه حَلَال
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا كفر صَرِيح لَا خَفَاء بِهِ وَكَانَ يزْعم أَن تفخيذ الرِّجَال الذُّكُور حَلَال وَقد ذكر هَذَا عَن ثُمَامَة أَيْضا وكل هَذَا كفر مَحْض وَأما أَحْمد ابْن خابط وَالْفضل الْحَرْبِيّ النصريان وَكَانَا تلميذين لإِبْرَاهِيم النظام فَكَانَا يزعمان أَن للْعَالم خالقين أَحدهمَا قديم وَهُوَ الله تَعَالَى وَالْآخر حَادث وَهُوَ كلمة الله الْمَسِيح عيس ابْن مَرْيَم الَّتِي بهَا خلق الْعَالم وَكَانَا لعنهما الله يطعنان على النَّبِي ﷺ بِالتَّزْوِيجِ وَأَن أَبَا ذَر كَانَ أزهد مِنْهُ وَكَانَ أَحْمد بن خابط يزْعم أَن الَّذِي يَجِيء بِهِ يَوْم الْقِيَامَة مَعَ الْمَلَائِكَة صفا صفا فِي ظلل من الْغَمَام إِنَّمَا هُوَ الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ وَإِن الَّذِي خلق آدم على صورته إِنَّمَا هُوَ الْمَسِيح عيس ابْن مَرْيَم ﵇ وَإِن الْمَسِيح هُوَ الَّذِي يُحَاسب النَّاس يَوْم الْقِيَامَة وَكَانَ أَحْمد بن خابط لَعنه الله يَقُول إِن فِي كل نوع من أَنْوَاع الطير والسمك وَسَائِر حَيَوَان الْبر حَتَّى البق والبراغيث وَالْقمل والقرود وَالْكلاب والفيران والتيوس وَالْحمير والدود والوزغ والجعلان أَنْبيَاء الله تَعَالَى رِسَالَة إِلَى أنواعهم مِمَّا ذكرنَا من سَائِر الْأَنْوَاع وَكَانَ لَعنه الله يَقُول بالتناسخ والكرور وَأَن الله تَعَالَى ابتدا جَمِيع الْخلق فخلقهم كلهم جملَة وَاحِدَة بِصفة وَاحِدَة ثمَّ أَمرهم ونهاهم فَمن عصى مِنْهُم نسخ روحه فِي جَسَد بَهِيمَة فالعتال يبتلى بِالرِّيحِ كالغنم وَالْإِبِل وَالْبَقر والدجاج وَغير ذَلِك من البراغيث وكل مَا يقتل فِي الْأَغْلَب وَإِن من كَانَ مِنْهُم فِي فسقه وَقَتله للنَّاس عفيفاً كُوفِي بِالْقُوَّةِ على السفناد كالتيس والعصفور والكبش وَغير ذَلِك وَمن كَانَ زَانيا وزانية كوفيا بِالْمَنْعِ من الْجِمَاع كالبغال والبغلات وَمن كَانَ جباراً كُوفِي بالمهانة كالدود وَالْقمل وَلَا يزالون كَذَلِك حَتَّى يقْتَصّ مِنْهُم ثمَّ يردون فَمن عصى مِنْهُم كرر أَيْضا كَذَلِك هَكَذَا أبدا حَتَّى يُطِيع طَاعَة لَا مَعْصِيّة مَعهَا فَينْتَقل إِلَى الْجنَّة من وقته أَو يَعْصِي مَعْصِيّة لَا طَاعَة مَعهَا فَينْتَقل إِلَى جَهَنَّم من وقته وَإِنَّمَا حمله على القَوْل بِكُل هَذَا لُزُومه أصل الْمُعْتَزلَة فِي الْعدْل وطرده إِيَّاه مَشْيه مَعَه وَاعْلَمُوا أَن كل من لم يقل من الْمُعْتَزلَة بِهَذَا القَوْل فَإِنَّهُ متناقض تَارِك لَا صلهم فِي الْعدْل وَكَانَ لَعنه الله يَقُول أَن للثَّواب دارين إِحْدَاهمَا لَا أكل فِيهَا وَلَا شرب وَهِي أرفع قدرا من الثَّانِيَة وَالثَّانيَِة فِيهَا أكل وَشرب وَهِي أنقص قدرا
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا كُله كفر مَحْض وَكَانَ لهَذَا الْكَافِر أَحْمد بن خابط تلميذ على مذْهبه يُقَال لَهُ أَحْمد بن سابوس كَانَ يَقُول بقول معلمه فِي التناسخ ثمَّ ادّعى النُّبُوَّة وَقَالَ أَنه المُرَاد بقول الله وَمُبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد وَكَانَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مرّة
стр. 598
بن نجيح الأندلسي يُوَافق الْمُعْتَزلَة فِي الْقدر وَكَانَ يَقُول أَن علم الله وَقدرته صفتان محدثتان مخلوقتان وَأَن لله تَعَالَى علمين أَحدهمَا أحدثه جملَة وَهُوَ علم الْكتاب وَهُوَ علم الْغَيْب كعلمه أَنه سَيكون كفار ومؤمنون وَالْقِيَامَة وَالْجَزَاء وَنَحْو ذَلِك وَالثَّانِي علم الجزئيات وَهُوَ علم الشَّهَادَة وَهُوَ كفر زيد وإيمان عمر وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يعلم الله تَعَالَى من ذَلِك شَيْئا حَتَّى يكون وَذكر قَول الله تَعَالَى ﴿عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة﴾
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا لَيْسَ كَمَا ظن بل على ظَاهره أَنه يعلم مَا تَفْعَلُونَ وَإِن أخفيتم وَيعلم مَا غَابَ عَنْكُم مِمَّا كَانَ أَو يكون أَو هُوَ كَائِن
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَإِنَّمَا حمله على هَذَا القَوْل طرده لأصول الْمُعْتَزلَة حَقًا فَإِن من قَالَ مِنْهُم أَن الله تَعَالَى لم يزل يعلم أَن فلَانا لَا يُؤمن أبدا وَأَن فلَانا لَا يكفر أبدا ثمَّ جعل النَّاس قَادِرين على تَكْذِيب كَلَام رَبهم وعَلى إبِْطَال مَا لم يزل وَهَذَا تنَاقض فَاحش لَا خَفَاء بِهِ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَكَانَ من أَصْحَابه جمَاعَة يكفرون من قَالَ أَنه لم يزل يعلم كل مَا يكون قبل أَن يكون وَكَانَ من أَصْحَاب مذْهبه رجل يُقَال لَهُ إِسْمَاعِيل ابْن عبد الله الرعيني مُتَأَخّر الْوَقْت وَكَانَ من الْمُجْتَهدين فِي الْعِبَادَة المنقطعين فِي الزّهْد وأدركته إِلَّا أَبى لم ألقه ثمَّ أحدث أقوالاً سَبْعَة فبريء مِنْهُ سَائِر المربة وكفروه إِلَّا من أتبعه مِنْهُم فَمَا أحدث قَوْله أَن الأجساد لَا تبْعَث أبدا وَإِنَّمَا تبْعَث الْأَرْوَاح صَحَّ هَذَا عندنَا عَنهُ وَذكر عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول أَنه حِين موت الْإِنْسَان وفراق روحه لجسده تلقى روحه الْحساب وَيصير إِمَّا إِلَى الْجنَّة أَو إِلَى النَّار وَأَنه كَانَ لَا يقر بِالْبَعْثِ إِلَّا على هَذَا الْوَجْه وَأَنه كَانَ يَقُول أَن الْعَالم لَا يفنى أبدا بل هَكَذَا يكون الْأَمر بِلَا نِهَايَة وحَدثني الْفَقِيه أَبُو أَحْمد المعار فِي الطليطلي صاحبنا أحسن الله ذكره قَالَ أَخْبرنِي يحيى بن أَحْمد الطَّبِيب وَهُوَ ابْن ابْنة إِسْمَاعِيل الرعيني الْمَذْكُور قَالَ أَن جدي كَانَ يَقُول أَن الْعَرْش هُوَ الْمُدبر للْعَالم وَأَن الله تَعَالَى أجل من أَن يُوصف بِفعل شَيْء أصلا وَكَانَ ينْسب هَذَا القَوْل إِلَى مُحَمَّد بن عبد الله بن مَسَرَّة ويحتج بِأَلْفَاظ فِي كتبه لَيْسَ فِيهَا لعمري دَلِيل على هَذَا القَوْل وَكَانَ يَقُول لسَائِر المرية إِنَّكُم لن تفهموا عَن الشَّيْخ فبرئت مِنْهُ المرية أَيْضا على هَذَا القَوْل وَكَانَ أَحْمد الطَّبِيب صهره مِمَّن بَرِيء مِنْهُ وَتثبت ابْنَته على هَذِه الْأَقْوَال متبعة لأَبِيهَا مُخَالفَة لزَوجهَا وَابْنهَا وَكَانَت متكلمة ناسكة مجتهدة ووافقت أَبَا هَارُون بن إِسْمَاعِيل الرعيني على هَذَا القَوْل فَأنكرهُ وبريء من قَائِله وَكذب ابْن أَخِيه فِيمَا ذكر عَن أَبِيه وَكَانَ مخالفوه من المرية وَكثير من موافقيه ينسبون إِلَيْهِ القَوْل باكتساب النُّبُوَّة وَأَن من بلغ الْغَايَة من الصّلاح وطهارة النَّفس أدْرك النُّبُوَّة وَأَنَّهَا لَيست اختصاصاً أصلا وَقد رَأينَا مِنْهُم من ينْسب هَذَا القَوْل إِلَى ابْن مرّة ويستدل على ذَلِك بِأَلْفَاظ كَثِيرَة فِي كتبه هِيَ لعمري لتشير إِلَى ذَلِك ورأينا سَائِرهمْ يُنكر هَذَا فَالله أعلم وَرَأَيْت أَنا من أَصْحَاب إِسْمَاعِيل الرعيني الْمَذْكُور من يصفه بفهم منطق الطير وَبِأَنَّهُ كَانَ ينذر بأَشْيَاء قبل أَن تكون فَتكون وَأما الَّذِي لَا شكّ فِيهِ فَإِنَّهُ كَانَ عِنْد فرقته إِمَامًا وَاجِبَة طَاعَته يؤدون إِلَيْهِ زَكَاة أَمْوَالهم وَكَانَ يذهب إِلَى أَن الْحَرَام قد عَم الأَرْض وَأَنه لَا فرق بَين مَا يكتسبه الْمَرْء من صناعَة أَو تِجَارَة أَو مِيرَاث أَو بَين مَا يكتسبه من الرفاق وَإِن الَّذِي يحل للْمُسلمِ من كل ذَلِك قوته كَيفَ مَا أَخذه هَذَا أَمر صَحِيح عندنَا عَنهُ يَقِينا وَأخْبرنَا عَنهُ بعض من عرف بَاطِن أُمُورهم أَنه كَانَ يرى الدَّار دَار كفر مُبَاحَة دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا أَصْحَابه فَقَط وَصَحَّ عندنَا عَنهُ كَانَ يَقُول بِنِكَاح الْمُتْعَة وَهَذَا لَا يقْدَح فِي إيمَانه وَلَا فِي عَدَالَته لَو قَالَه مُجْتَهدا
стр. 599
وَلم تقم عَلَيْهِ الْحجَّة بنسخه وَلَو سلم من الكفرات الصلع الَّتِي ذكرنَا وَإِنَّمَا ذكرنَا عَنهُ مَا جرى لنا من ذكره ولغرابة هَذَا القَوْل الْيَوْم وَقلة الْقَائِلين بِهِ من النَّاس وَرَأَيْت لأبي هَاشم عبد السَّلَام بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الجبائي كَبِير الْمُعْتَزلَة وَابْن كَبِيرهمْ الْقطع بِأَن لله تَعَالَى أحوالاً مُخْتَصَّة بِهِ وَهَذِه عَظِيمَة جدا إِذْ جعله حَامِلا للأعراض تَعَالَى عَن هَذَا الأفك وَرَأَيْت لَهُ الْقطع فِي كتبه كثيرا يردد القَوْل بِأَنَّهُ يجب على الله أَن يزيح علل الْعباد فِي كل مَا أَمرهم بِهِ وَلَا يزَال يَقُول فِي كتبه أَن أَمر كَذَا لم يزل وَاجِبا على الله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كَلَام تقشعر مِنْهُ ذوائب الْمُؤمن لَيْت شعري من الْمُوجب ذَلِك على الله تَعَالَى وَالْحَاكِم عَلَيْهِ بذلك والملزم لَهُ مَا ذكر هَذَا النذل لُزُومه للباري تَعَالَى ووجوبه عَلَيْهِ فيا لله لمن قَالَ أَن الْفِعْل أوجب ذَلِك على الله تَعَالَى أَو ذكر شَيْئا دونه تَعَالَى ليصرحن بِأَن الله تَعَالَى متعبد للَّذي أوجب عَلَيْهِ مَا أوجب مَحْكُوم عَلَيْهِ مُدبر وَأَنه للكفر الصراح وَلَئِن قَالَ أَنه تَعَالَى هُوَ الَّذِي أوجب ذَلِك على نَفسه فالإيجاب فعل فَاعل لَا شكّ فَإِن كَانَ الله لم يزل مُوجبا ذَلِك على نَفسه فَلم يزل فَاعِلا فالأفعال قديمَة وَلَا بُد لم تزل وَهَذِه دهرية مَحْضَة وَإِن كَانَ تَعَالَى أوجب ذَلِك على نَفسه بعد أَن لم يكن مُوجبا لَهُ فقد بَطل انتفاعه بِهَذَا القَوْل فِي أَصله الْفَاسِد لِأَنَّهُ قد كَانَ تَعَالَى غير وَاجِب عَلَيْهِ مَا ذكر وَرَأَيْت لبَعض الْمُعْتَزلَة سؤالا سَائل عَنهُ أَبَا هَاشم الْمَذْكُور يَقُول فِيهِ مَا بَال كل من بَعثه النَّبِي ﷺ دَاعيا إِلَى الْإِسْلَام إِلَى الْيمن والبحرين وعمان والملوك وَسَائِر الْبِلَاد وكل من يَدْعُو إِلَى مثل ذَلِك إِلَى يَوْم الْبَعْث لَا يُسمى رَسُول الله كَمَا سمى مُحَمَّد ﵇ إِذْ أمره الْملك عَن الله بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَام وَالْأَمر وَاحِد وَالْعَمَل سَوَاء
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَأُعْجِبُوا لتلاعب إِبْلِيس بِهَذِهِ الْفرْقَة الملعونة وسلوا الله الْعَافِيَة من أَن يكلكم إِلَى أَنفسكُم فَحق لمن دينه أَن ربه لَا يقدر على أَن يهديه وَلَا على أَن يضله إِن يتَمَكَّن الشَّيْطَان مِنْهُ هَذَا التَّمَكُّن ولعمري أَن هَذَا السُّؤَال لقد لزم أصل الْمُعْتَزلَة المضل لَهُم وَلمن الْتَزمهُ والمورد لجميعهم نَار جَهَنَّم وَهُوَ قَوْلهم أَن التَّسْمِيَة موكولة إِلَيْنَا لَا إِلَى الله وَرَأَيْت لهَذَا الْكَافِر أبي هَاشم كلَاما رد فِيهِ بِزَعْمِهِ على من يَقُول أَنه لَيْسَ لأحد أَن يُسَمِّي الله إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه فَقَالَ هَذَا النذل لَو كَانَ هَذَا وَلم يجز لأحد أَن يُسمى الله تَعَالَى إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه لَكَانَ غير جَائِز لله أَن يُسمى بِهِ نَفسه باسم حَتَّى يُسَمِّيه بِهِ غَيره
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَهَل يَأْتِي الْمُرُور بأقبح من هَذَا الِاسْتِدْلَال وَهل فِي التَّسْمِيَة أَكثر من هَذَا وَلَكِن من يضلل الله فَلَا هادي لَهُ ونعوذ بِاللَّه من أَن يكلنا إِلَى أَنْفُسنَا طرفَة عين فنهلك وَكَانَ أَبُو هَاشم أَيْضا يَقُول أَنه لَو طَال عمر الْمُسلم المحسن لجَاز أَن يعْمل من الْحَسَنَات وَالْخَيْر أَكثر مِمَّا عمل النَّبِي ﷺ
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) لَا وَالله وَلَا كَرَامَة وَلَو عمر أَحَدنَا الدَّهْر كُله فِي طاعات مُتَّصِلَة مَا وازى عمل امريء صحب النَّبِي ﷺ من غير الْمُنَافِقين وَالْكفَّار المجاهرين سَاعَة وَاحِدَة فَمَا فَوْقهَا مَعَ قَوْله ﷺ أَنه لَو كَانَ لِأَحَدِنَا مثل أحد ذَهَبا فأنفقه مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه فَمَتَى يطْمع ذُو عقل أَن يدْرك أحدا من الصَّحَابَة مَعَ هَذَا القون الْمُمْتَنع إِدْرَاكه قطعا وَكَانَ أَبُو هَاشم الْمَذْكُور يَقُول أَنه لَا يقبل تَوْبَة أحد من ذَنْب عمله أَي ذَنْب كَانَ حَتَّى يَتُوب من جَمِيع الذُّنُوب
стр. 600
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَحقا أَقُول لقد طرد أصل الْمُعْتَزلَة الَّذِي أطبقوا عَلَيْهِ من إِخْرَاج الْمَرْء عَن الْإِسْلَام جملَة بذنب وَاحِد عمله يصر عَلَيْهِ وإيجابهم الخلود فِي النَّار عَلَيْهِ بذلك الذَّنب وَحده فَلَو كَانَ هَذَا لَكَانَ أَبُو هَاشم صَادِقا إِذْ لَا مَنْفَعَة لَهُ عِنْدهم فِي تَركه كل ذَنْب وَهُوَ بذنب وَاحِد يصر عَلَيْهِ خَارج عَن الْإِيمَان مخلد بَين أطباق النيرَان وَمَا يُنكر هَذَا عَلَيْهِ من الْمُعْتَزلَة إِلَّا جَاهِل بأصولهم أَو عَامِد للتناقض وَكَانَ يَقُول إِن تَارِك الصَّلَاة وتارك الزَّكَاة عَامِدًا لكل لَك لم يفعل شَيْئا وَلَا أنب وَلَا عصي وَأَنه مخلد بل أطباق النيرَان أبدا على غير فعل فعله وَلَا على شَيْء ارْتَكَبهُ
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَهَل فِي التجويز لله على أصولهم وَهل فِي مُخَالفَة الْإِسْلَام جهاراً أَكثر من هَذَا القَوْل السخيف وَكَأن الَّذِي حمله على قَوْله هَذَا قَوْله أَنه ترك الْفِعْل لَيْسَ فعلا وَجَمِيع الْمُعْتَزلَة إِلَّا هِشَام بن عمر والفوطي يَزْعمُونَ أَن المعدودات أَشْيَاء على الْحَقِيقَة وَأَنَّهَا لم تزل وَأَنَّهَا لَا نِهَايَة لَهَا
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذِه دهرية بِلَا مطل وَأَشْيَاء لَا نِهَايَة لَهَا لم تزل غير مخلوقة وَكَانَ عبد الرَّحِيم بِمَ مُحَمَّد بن عُثْمَان الْخياط من أكَابِر الْمُعْتَزلَة بِبَغْدَاد مِمَّن يَقُول أَن الْأَجْسَام المعدومة لم تزل أجساماً بِلَا نِهَايَة لَهَا لَا فِي عدد وَلَا فِي زمَان غير مخلوقة وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله الإسكافي أحد رُؤَسَاء الْمُعْتَزلَة أَن الله تَعَالَى لم يخلق الطنابير وَلَا المزامير وَلَا المعازف
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) كَانَ من تَمام هَذَا الْكفْر أَن يَقُول إِن الله لم يخلق الْخمر وَلَا الْخَنَازِير وَلَا مَرَدَة الشَّيَاطِين وَقَالَت الْمُعْتَزلَة بأسرها حاشا بشر بن الْمُعْتَمِر وَضِرَار ابْن عمر وَأَنه لَا يحل لأحد تمني الشَّهَادَة وَلَا أَن يريدها وَلَا أَن يرضاها لِأَنَّهَا تَغْلِيب كَافِر على مُسلم وَإِنَّمَا يجب على الْمُسلم أَن يحب الصَّبْر على ألم الْجراح فَقَط إِذا أَصَابَته
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا خلاف دين الْإِسْلَام وَالْقُرْآن وَالسّنَن وَالْإِجْمَاع الْمُتَيَقن وَقَالُوا كلهم حاشا ضَرَرا وبشراً أَن الله لم يمت رَسُولا وَلَا نَبيا وَلَا صَاحب نَبِي وَلَا أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَهُوَ يدْرِي أَنهم لَو عاشوا فعلوا خيرا لَكِن أمات كل من أمات مِنْهُم إِذْ علم أَنه لَو أبقاه طرفَة عين لكفروا أَو فسق وَلَا بُد هَذَا قَوْلهم فِي أبي بكر وَعمر وَعلي وَفَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ وَعَائِشَة وَخَدِيجَة نعم وَفِي رَسُول الله ﷺ مُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيم ﵈ فَأُعْجِبُوا لهَذِهِ الضلالات الوحشية وَكَانَ الْجَعْد وَهُوَ من شيوخهم يَقُول إِذا كَانَ الْجِمَاع يتَوَلَّد مِنْهُ الْوَلَد فَأَنا صانع وَلَدي ومدبره وفاعله لَا فَاعل لَهُ غَيْرِي وَإِنَّمَا يُقَال إِن الله خلقه مجَازًا لَا حَقِيقَة فَأخذ أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الجبائي الطّرف الثَّانِي من الْكفْر فَقَالَ أَن تَعَالَى خلق الْحَبل وَالْمَوْت وكل من فعل شَيْئا فَهُوَ مَنْسُوب إِلَيْهِ فَإِن الله تَعَالَى هُوَ محبل النِّسَاء وَهُوَ أحبل مَرْيَم بنت عمرَان
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) يلْزم وَلَا بُد إِذا كَانَ أَوْلَادنَا خلقا لله أَن يضيفهم إِلَيْهِ فَيَقُول هم أبنا الله والمسيح ابْن الله وَلَا بُد وَقَالَ أَبُو عمر وَأحمد بن مُوسَى بن احدير صَاحب السِّكَّة وَهُوَ من شُيُوخ الْمُعْتَزلَة فِي بعض رسائله الَّتِي جرت بَينه وَبَين القَاضِي مُنْذر بن سعيد ﵀ أَن الله عَاقل وَأطلق عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم وَقَالَ بعض شُيُوخ الْمُعْتَزلَة أَن العَبْد إِذا عصى الله طبع على قلبه فَيصير غير مَأْمُور وَلَا مَنْهِيّ وَأما حماقاتهم فَإِن أَبَا الْهُذيْل العلاف قَالَ
следующие страницы →