← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فِي الدَّهْر فَإِنَّهُ مخلد بَين أطباق النيرَان أبدا مَعَ فِرْعَوْن وَأب وَأبي جهل (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَأَي كفر أعجب من قَول من يَقُول أَن كثيرا من الْكفَّار لَا يدْخلُونَ النَّار وَإِن كثيرا من الْمُسلمين لَا يدْخلُونَ الْجنَّة وَكَانَ ثُمَامَة يَقُول إِن إِبْرَاهِيم ابْن رَسُول الله ﷺ وَجَمِيع أَولا د الْمُسلمين الَّذين يموتون قبل الْحلم وَجَمِيع مجانين الْإِسْلَام لَا يدْخلُونَ الْجنَّة أبدا لَكِن يصيرون تُرَابا وَأما هِشَام بن عَمْرو الفوطي أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة فَكَانَ يَقُول إِذا خلق الله تَعَالَى شَيْئا فَإِنَّهُ لَا يقدر على أَن يخلق مثل ذَلِك الشَّيْء أبدا لَكِن الله يقدر على أَن يخلق غَيره والغير أَن عِنْده لَا يكونَانِ مثلين وَكَانَ لَا يُجِيز لأحد أَن يَقُول حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل وَلَا أَن الله يعذب الْكفَّار بالنَّار وَلَا أَنه يحيي الأَرْض بالمطر ويروي هَذَا القَوْل وَالْقَوْل بِأَن الله تَعَالَى يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء ضلالا وإلحاداً (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا رد على الله جهاراً وَكَانَ يَقُول لَا يحل القَوْل بِشَيْء من هَذَا إِلَّا عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن فَقَط وَكَانَ يَقُول قُولُوا حَسبنَا الله وَنعم المتَوَكل عَلَيْهِ وَكَانَ يَقُول أَن الله يعذب الْكفَّار فِي النَّار ويحي الأَرْض عِنْد نزُول الْمَطَر وَكَانَ لَا يُجِيز القَوْل بِأَن الله ألف بَين قُلُوب الْمُؤمنِينَ وَلَا أَن الْقُرْآن عَمَّا على الْكَافرين وَكَانَ يَقُول أَن من هُوَ الْآن مُؤمن عَابِد إِلَّا أَن فِي علم الله أَنه يَمُوت كَافِر فَإِنَّهُ الْآن عِنْد الله كَافِر وَإِن من كَانَ كَافِرًا مجوسياً أَو نَصْرَانِيّا أَو دهرياً أَو زنديقاً إِلَّا أَن فِي علم الله إِنَّه يَمُوت مُؤمنا فَإِنَّهُ الْآن عِنْد الله مُؤمن وَأما عباد بن سُلَيْمَان تلميذ الفوطي الْمَذْكُور فَكَانَ يزْعم أَن الله تَعَالَى لَا يقدر على غير مَا فعل من الصّلاح وَلَا يجوز أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى خلق الْمُؤمنِينَ وَلَا أَنه خلق الْكَافرين وَلَكِن يُقَال خلق النَّاس وَذَلِكَ زعم لِأَن الْمُؤمن عِنْده إِنْسَان وإيمان وَالْكَافِر إِنْسَان وَكفر وَأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا خلق عِنْده الْإِنْسَان فَقَط وَلم يخلق الْإِيمَان وَلَا الْكفْر وَكَانَ يَقُول أَن الله تَعَالَى لَا يقدر على أَن يخلق غير مَا خلق وَأَنه تَعَالَى لم يخلق المجاعة وَلَا الْقَحْط وَكلهمْ بزعم أَن الله تَعَالَى لم يَأْمر الْكفَّار قطّ بِأَن يُؤمنُوا فِي حَال كفرهم وَلَا نهى الْمُؤمنِينَ قطّ عَن الْكفْر فِي حَال إِيمَانهم لِأَنَّهُ لَا يقدر أحد قطّ على الْجمع بَين الْفِعْلَيْنِ المتضادين (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وهم مقرون أَن الله تَعَالَى لم يزل يعلم أَن من يُؤمن بعد كفره فَإِنَّهُ لَا يزَال فِي كفره إِلَى أَن يُؤمن وَإِن من يكفر بعد إيمَانه فَإِنَّهُ لَا يزَال فِي إيمَانه حَتَّى يكفروا وَأَن من لَا يُؤمن من الْكفَّار أبدا فَإِنَّهُ لَا يزَال فِي كفره إِلَى أَن يَمُوت وَأَن من لَا يكفر من الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُ لَا يزَال فِي إيمَانه إِلَى أَن يَمُوت وَلَيْسَ أحد من المأمورين يخرج عَن أحد هَذِه الْوُجُوه الْأَرْبَعَة ضَرُورَة فَإِذا كَانَ عِنْدهم لم يُؤمر قطّ كَافِر بِالْإِيمَان فِي حَال كفره وَلَا نهى مُؤمن عَن الْكفْر فِي حَال إيمَانه فَإِنَّهُ من لم يزل مُؤمنا إِلَى أَن مَاتَ لم يَنْهَهُ الله عَن الْكفْر قطّ وَإِن من لم يزل كَافِرًا إِلَى أَن مَاتَ فَإِن الله لم يَأْمُرهُ قطّ بِالْإِيمَان وَأَن الله تَعَالَى لم يَأْمر قطّ بِالْإِيمَان وَمن لم يزل كَافِرًا إِلَى أَن مَاتَ فَإِن الله تَعَالَى لم يَأْمُرهُ قطّ بِالْإِيمَان وَأَن الله تَعَالَى لم يَأْمر قطّ بِالْإِيمَان من آمن بعد كفره إِلَّا حِين آمن وَلَا نهى قطّ عَن الْكفْر من كفر بعد إيمَانه إِلَّا حِين كفر وَهَذَا تَكْذِيب مُجَرّد لله تَعَالَى فِي أمره الْكفَّار وَأهل الْكتاب بِالْإِيمَان ونهبه الْمُؤمنِينَ عَن الْكفْر وَكَانَ بشر بن الْمُعْتَمِر أَيْضا يَقُول أَن الله تَعَالَى لم يخلق قطّ لوناً وَلَا طعماً وَلَا رَائِحَة وَلَا مجسة وَلَا شدَّة وَلَا ضعفا وَلَا عَمَّا وَلَا بصراً وَلَا سمعا وَلَا جبنا وَلَا شجاعة وَلَا كشفاً وَلَا عَجزا وَلَا صِحَة وَلَا مَرضا وَأَن النَّاس يَفْعَلُونَ كل ذَلِك فَقَط وَأما جَعْفَر القصبي

стр. 597

بَايع الْقصب والأشج وهما من رُؤَسَائِهِمْ فَكَانَا يَقُولَانِ أَن الْقُرْآن لَيْسَ هُوَ فِي الْمَصَاحِف وَإِنَّمَا فِي الْمَصَاحِف شَيْء آخر وَهُوَ حِكَايَة الْقُرْآن (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا كفر مُجَرّد وَخلاف جَمِيع أهل الْإِسْلَام قَدِيما وحديثاً وَكَانَ على الأسواري الْبَصْرِيّ أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة يَقُول إِن الله لَا يقدر على غير فعل مَا فعل وَإِن من علم الله تَعَالَى أَنه يَمُوت ابْن ثَمَانِينَ سنة فَإِن الله لَا يقدر على أَن يميته قبل ذَلِك وَلَا أَن يبقيه طرفَة عين بعد ذَلِك وَأَن من علم الله تَعَالَى من مَرضه يَوْم الْخَمِيس مَعَ الزَّوَال مثلا فَإِن الله تَعَالَى لَا يقدر على أَن يبريه قبل ذَلِك لَا بِمَا قرب وَلَا بِمَا بعد وَلَا على أَن يزِيد فِي مَرضه طرفَة عين فَمَا فَوْقهَا وَأَن النَّاس يقدرُونَ كل حِين على إماتة من علم الله أَن لَا يَمُوت إِلَّا وَقت كَذَا وَأَن الله لَا يقدر على ذَلِك وَهَذَا كفر مَا سمع قطّ بأفظع مِنْهُ وَأما أَبُو غفار أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة فَكَانَ يزْعم أَن شَحم الْخِنْزِير ودماغه حَلَال (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا كفر صَرِيح لَا خَفَاء بِهِ وَكَانَ يزْعم أَن تفخيذ الرِّجَال الذُّكُور حَلَال وَقد ذكر هَذَا عَن ثُمَامَة أَيْضا وكل هَذَا كفر مَحْض وَأما أَحْمد ابْن خابط وَالْفضل الْحَرْبِيّ النصريان وَكَانَا تلميذين لإِبْرَاهِيم النظام فَكَانَا يزعمان أَن للْعَالم خالقين أَحدهمَا قديم وَهُوَ الله تَعَالَى وَالْآخر حَادث وَهُوَ كلمة الله الْمَسِيح عيس ابْن مَرْيَم الَّتِي بهَا خلق الْعَالم وَكَانَا لعنهما الله يطعنان على النَّبِي ﷺ بِالتَّزْوِيجِ وَأَن أَبَا ذَر كَانَ أزهد مِنْهُ وَكَانَ أَحْمد بن خابط يزْعم أَن الَّذِي يَجِيء بِهِ يَوْم الْقِيَامَة مَعَ الْمَلَائِكَة صفا صفا فِي ظلل من الْغَمَام إِنَّمَا هُوَ الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ وَإِن الَّذِي خلق آدم على صورته إِنَّمَا هُوَ الْمَسِيح عيس ابْن مَرْيَم ﵇ وَإِن الْمَسِيح هُوَ الَّذِي يُحَاسب النَّاس يَوْم الْقِيَامَة وَكَانَ أَحْمد بن خابط لَعنه الله يَقُول إِن فِي كل نوع من أَنْوَاع الطير والسمك وَسَائِر حَيَوَان الْبر حَتَّى البق والبراغيث وَالْقمل والقرود وَالْكلاب والفيران والتيوس وَالْحمير والدود والوزغ والجعلان أَنْبيَاء الله تَعَالَى رِسَالَة إِلَى أنواعهم مِمَّا ذكرنَا من سَائِر الْأَنْوَاع وَكَانَ لَعنه الله يَقُول بالتناسخ والكرور وَأَن الله تَعَالَى ابتدا جَمِيع الْخلق فخلقهم كلهم جملَة وَاحِدَة بِصفة وَاحِدَة ثمَّ أَمرهم ونهاهم فَمن عصى مِنْهُم نسخ روحه فِي جَسَد بَهِيمَة فالعتال يبتلى بِالرِّيحِ كالغنم وَالْإِبِل وَالْبَقر والدجاج وَغير ذَلِك من البراغيث وكل مَا يقتل فِي الْأَغْلَب وَإِن من كَانَ مِنْهُم فِي فسقه وَقَتله للنَّاس عفيفاً كُوفِي بِالْقُوَّةِ على السفناد كالتيس والعصفور والكبش وَغير ذَلِك وَمن كَانَ زَانيا وزانية كوفيا بِالْمَنْعِ من الْجِمَاع كالبغال والبغلات وَمن كَانَ جباراً كُوفِي بالمهانة كالدود وَالْقمل وَلَا يزالون كَذَلِك حَتَّى يقْتَصّ مِنْهُم ثمَّ يردون فَمن عصى مِنْهُم كرر أَيْضا كَذَلِك هَكَذَا أبدا حَتَّى يُطِيع طَاعَة لَا مَعْصِيّة مَعهَا فَينْتَقل إِلَى الْجنَّة من وقته أَو يَعْصِي مَعْصِيّة لَا طَاعَة مَعهَا فَينْتَقل إِلَى جَهَنَّم من وقته وَإِنَّمَا حمله على القَوْل بِكُل هَذَا لُزُومه أصل الْمُعْتَزلَة فِي الْعدْل وطرده إِيَّاه مَشْيه مَعَه وَاعْلَمُوا أَن كل من لم يقل من الْمُعْتَزلَة بِهَذَا القَوْل فَإِنَّهُ متناقض تَارِك لَا صلهم فِي الْعدْل وَكَانَ لَعنه الله يَقُول أَن للثَّواب دارين إِحْدَاهمَا لَا أكل فِيهَا وَلَا شرب وَهِي أرفع قدرا من الثَّانِيَة وَالثَّانيَِة فِيهَا أكل وَشرب وَهِي أنقص قدرا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا كُله كفر مَحْض وَكَانَ لهَذَا الْكَافِر أَحْمد بن خابط تلميذ على مذْهبه يُقَال لَهُ أَحْمد بن سابوس كَانَ يَقُول بقول معلمه فِي التناسخ ثمَّ ادّعى النُّبُوَّة وَقَالَ أَنه المُرَاد بقول الله وَمُبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد وَكَانَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مرّة

стр. 598

بن نجيح الأندلسي يُوَافق الْمُعْتَزلَة فِي الْقدر وَكَانَ يَقُول أَن علم الله وَقدرته صفتان محدثتان مخلوقتان وَأَن لله تَعَالَى علمين أَحدهمَا أحدثه جملَة وَهُوَ علم الْكتاب وَهُوَ علم الْغَيْب كعلمه أَنه سَيكون كفار ومؤمنون وَالْقِيَامَة وَالْجَزَاء وَنَحْو ذَلِك وَالثَّانِي علم الجزئيات وَهُوَ علم الشَّهَادَة وَهُوَ كفر زيد وإيمان عمر وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يعلم الله تَعَالَى من ذَلِك شَيْئا حَتَّى يكون وَذكر قَول الله تَعَالَى ﴿عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة﴾ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا لَيْسَ كَمَا ظن بل على ظَاهره أَنه يعلم مَا تَفْعَلُونَ وَإِن أخفيتم وَيعلم مَا غَابَ عَنْكُم مِمَّا كَانَ أَو يكون أَو هُوَ كَائِن (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَإِنَّمَا حمله على هَذَا القَوْل طرده لأصول الْمُعْتَزلَة حَقًا فَإِن من قَالَ مِنْهُم أَن الله تَعَالَى لم يزل يعلم أَن فلَانا لَا يُؤمن أبدا وَأَن فلَانا لَا يكفر أبدا ثمَّ جعل النَّاس قَادِرين على تَكْذِيب كَلَام رَبهم وعَلى إبِْطَال مَا لم يزل وَهَذَا تنَاقض فَاحش لَا خَفَاء بِهِ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَكَانَ من أَصْحَابه جمَاعَة يكفرون من قَالَ أَنه لم يزل يعلم كل مَا يكون قبل أَن يكون وَكَانَ من أَصْحَاب مذْهبه رجل يُقَال لَهُ إِسْمَاعِيل ابْن عبد الله الرعيني مُتَأَخّر الْوَقْت وَكَانَ من الْمُجْتَهدين فِي الْعِبَادَة المنقطعين فِي الزّهْد وأدركته إِلَّا أَبى لم ألقه ثمَّ أحدث أقوالاً سَبْعَة فبريء مِنْهُ سَائِر المربة وكفروه إِلَّا من أتبعه مِنْهُم فَمَا أحدث قَوْله أَن الأجساد لَا تبْعَث أبدا وَإِنَّمَا تبْعَث الْأَرْوَاح صَحَّ هَذَا عندنَا عَنهُ وَذكر عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول أَنه حِين موت الْإِنْسَان وفراق روحه لجسده تلقى روحه الْحساب وَيصير إِمَّا إِلَى الْجنَّة أَو إِلَى النَّار وَأَنه كَانَ لَا يقر بِالْبَعْثِ إِلَّا على هَذَا الْوَجْه وَأَنه كَانَ يَقُول أَن الْعَالم لَا يفنى أبدا بل هَكَذَا يكون الْأَمر بِلَا نِهَايَة وحَدثني الْفَقِيه أَبُو أَحْمد المعار فِي الطليطلي صاحبنا أحسن الله ذكره قَالَ أَخْبرنِي يحيى بن أَحْمد الطَّبِيب وَهُوَ ابْن ابْنة إِسْمَاعِيل الرعيني الْمَذْكُور قَالَ أَن جدي كَانَ يَقُول أَن الْعَرْش هُوَ الْمُدبر للْعَالم وَأَن الله تَعَالَى أجل من أَن يُوصف بِفعل شَيْء أصلا وَكَانَ ينْسب هَذَا القَوْل إِلَى مُحَمَّد بن عبد الله بن مَسَرَّة ويحتج بِأَلْفَاظ فِي كتبه لَيْسَ فِيهَا لعمري دَلِيل على هَذَا القَوْل وَكَانَ يَقُول لسَائِر المرية إِنَّكُم لن تفهموا عَن الشَّيْخ فبرئت مِنْهُ المرية أَيْضا على هَذَا القَوْل وَكَانَ أَحْمد الطَّبِيب صهره مِمَّن بَرِيء مِنْهُ وَتثبت ابْنَته على هَذِه الْأَقْوَال متبعة لأَبِيهَا مُخَالفَة لزَوجهَا وَابْنهَا وَكَانَت متكلمة ناسكة مجتهدة ووافقت أَبَا هَارُون بن إِسْمَاعِيل الرعيني على هَذَا القَوْل فَأنكرهُ وبريء من قَائِله وَكذب ابْن أَخِيه فِيمَا ذكر عَن أَبِيه وَكَانَ مخالفوه من المرية وَكثير من موافقيه ينسبون إِلَيْهِ القَوْل باكتساب النُّبُوَّة وَأَن من بلغ الْغَايَة من الصّلاح وطهارة النَّفس أدْرك النُّبُوَّة وَأَنَّهَا لَيست اختصاصاً أصلا وَقد رَأينَا مِنْهُم من ينْسب هَذَا القَوْل إِلَى ابْن مرّة ويستدل على ذَلِك بِأَلْفَاظ كَثِيرَة فِي كتبه هِيَ لعمري لتشير إِلَى ذَلِك ورأينا سَائِرهمْ يُنكر هَذَا فَالله أعلم وَرَأَيْت أَنا من أَصْحَاب إِسْمَاعِيل الرعيني الْمَذْكُور من يصفه بفهم منطق الطير وَبِأَنَّهُ كَانَ ينذر بأَشْيَاء قبل أَن تكون فَتكون وَأما الَّذِي لَا شكّ فِيهِ فَإِنَّهُ كَانَ عِنْد فرقته إِمَامًا وَاجِبَة طَاعَته يؤدون إِلَيْهِ زَكَاة أَمْوَالهم وَكَانَ يذهب إِلَى أَن الْحَرَام قد عَم الأَرْض وَأَنه لَا فرق بَين مَا يكتسبه الْمَرْء من صناعَة أَو تِجَارَة أَو مِيرَاث أَو بَين مَا يكتسبه من الرفاق وَإِن الَّذِي يحل للْمُسلمِ من كل ذَلِك قوته كَيفَ مَا أَخذه هَذَا أَمر صَحِيح عندنَا عَنهُ يَقِينا وَأخْبرنَا عَنهُ بعض من عرف بَاطِن أُمُورهم أَنه كَانَ يرى الدَّار دَار كفر مُبَاحَة دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا أَصْحَابه فَقَط وَصَحَّ عندنَا عَنهُ كَانَ يَقُول بِنِكَاح الْمُتْعَة وَهَذَا لَا يقْدَح فِي إيمَانه وَلَا فِي عَدَالَته لَو قَالَه مُجْتَهدا

стр. 599

وَلم تقم عَلَيْهِ الْحجَّة بنسخه وَلَو سلم من الكفرات الصلع الَّتِي ذكرنَا وَإِنَّمَا ذكرنَا عَنهُ مَا جرى لنا من ذكره ولغرابة هَذَا القَوْل الْيَوْم وَقلة الْقَائِلين بِهِ من النَّاس وَرَأَيْت لأبي هَاشم عبد السَّلَام بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الجبائي كَبِير الْمُعْتَزلَة وَابْن كَبِيرهمْ الْقطع بِأَن لله تَعَالَى أحوالاً مُخْتَصَّة بِهِ وَهَذِه عَظِيمَة جدا إِذْ جعله حَامِلا للأعراض تَعَالَى عَن هَذَا الأفك وَرَأَيْت لَهُ الْقطع فِي كتبه كثيرا يردد القَوْل بِأَنَّهُ يجب على الله أَن يزيح علل الْعباد فِي كل مَا أَمرهم بِهِ وَلَا يزَال يَقُول فِي كتبه أَن أَمر كَذَا لم يزل وَاجِبا على الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كَلَام تقشعر مِنْهُ ذوائب الْمُؤمن لَيْت شعري من الْمُوجب ذَلِك على الله تَعَالَى وَالْحَاكِم عَلَيْهِ بذلك والملزم لَهُ مَا ذكر هَذَا النذل لُزُومه للباري تَعَالَى ووجوبه عَلَيْهِ فيا لله لمن قَالَ أَن الْفِعْل أوجب ذَلِك على الله تَعَالَى أَو ذكر شَيْئا دونه تَعَالَى ليصرحن بِأَن الله تَعَالَى متعبد للَّذي أوجب عَلَيْهِ مَا أوجب مَحْكُوم عَلَيْهِ مُدبر وَأَنه للكفر الصراح وَلَئِن قَالَ أَنه تَعَالَى هُوَ الَّذِي أوجب ذَلِك على نَفسه فالإيجاب فعل فَاعل لَا شكّ فَإِن كَانَ الله لم يزل مُوجبا ذَلِك على نَفسه فَلم يزل فَاعِلا فالأفعال قديمَة وَلَا بُد لم تزل وَهَذِه دهرية مَحْضَة وَإِن كَانَ تَعَالَى أوجب ذَلِك على نَفسه بعد أَن لم يكن مُوجبا لَهُ فقد بَطل انتفاعه بِهَذَا القَوْل فِي أَصله الْفَاسِد لِأَنَّهُ قد كَانَ تَعَالَى غير وَاجِب عَلَيْهِ مَا ذكر وَرَأَيْت لبَعض الْمُعْتَزلَة سؤالا سَائل عَنهُ أَبَا هَاشم الْمَذْكُور يَقُول فِيهِ مَا بَال كل من بَعثه النَّبِي ﷺ دَاعيا إِلَى الْإِسْلَام إِلَى الْيمن والبحرين وعمان والملوك وَسَائِر الْبِلَاد وكل من يَدْعُو إِلَى مثل ذَلِك إِلَى يَوْم الْبَعْث لَا يُسمى رَسُول الله كَمَا سمى مُحَمَّد ﵇ إِذْ أمره الْملك عَن الله بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَام وَالْأَمر وَاحِد وَالْعَمَل سَوَاء (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَأُعْجِبُوا لتلاعب إِبْلِيس بِهَذِهِ الْفرْقَة الملعونة وسلوا الله الْعَافِيَة من أَن يكلكم إِلَى أَنفسكُم فَحق لمن دينه أَن ربه لَا يقدر على أَن يهديه وَلَا على أَن يضله إِن يتَمَكَّن الشَّيْطَان مِنْهُ هَذَا التَّمَكُّن ولعمري أَن هَذَا السُّؤَال لقد لزم أصل الْمُعْتَزلَة المضل لَهُم وَلمن الْتَزمهُ والمورد لجميعهم نَار جَهَنَّم وَهُوَ قَوْلهم أَن التَّسْمِيَة موكولة إِلَيْنَا لَا إِلَى الله وَرَأَيْت لهَذَا الْكَافِر أبي هَاشم كلَاما رد فِيهِ بِزَعْمِهِ على من يَقُول أَنه لَيْسَ لأحد أَن يُسَمِّي الله إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه فَقَالَ هَذَا النذل لَو كَانَ هَذَا وَلم يجز لأحد أَن يُسمى الله تَعَالَى إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه لَكَانَ غير جَائِز لله أَن يُسمى بِهِ نَفسه باسم حَتَّى يُسَمِّيه بِهِ غَيره (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَهَل يَأْتِي الْمُرُور بأقبح من هَذَا الِاسْتِدْلَال وَهل فِي التَّسْمِيَة أَكثر من هَذَا وَلَكِن من يضلل الله فَلَا هادي لَهُ ونعوذ بِاللَّه من أَن يكلنا إِلَى أَنْفُسنَا طرفَة عين فنهلك وَكَانَ أَبُو هَاشم أَيْضا يَقُول أَنه لَو طَال عمر الْمُسلم المحسن لجَاز أَن يعْمل من الْحَسَنَات وَالْخَيْر أَكثر مِمَّا عمل النَّبِي ﷺ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) لَا وَالله وَلَا كَرَامَة وَلَو عمر أَحَدنَا الدَّهْر كُله فِي طاعات مُتَّصِلَة مَا وازى عمل امريء صحب النَّبِي ﷺ من غير الْمُنَافِقين وَالْكفَّار المجاهرين سَاعَة وَاحِدَة فَمَا فَوْقهَا مَعَ قَوْله ﷺ أَنه لَو كَانَ لِأَحَدِنَا مثل أحد ذَهَبا فأنفقه مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه فَمَتَى يطْمع ذُو عقل أَن يدْرك أحدا من الصَّحَابَة مَعَ هَذَا القون الْمُمْتَنع إِدْرَاكه قطعا وَكَانَ أَبُو هَاشم الْمَذْكُور يَقُول أَنه لَا يقبل تَوْبَة أحد من ذَنْب عمله أَي ذَنْب كَانَ حَتَّى يَتُوب من جَمِيع الذُّنُوب

стр. 600

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَحقا أَقُول لقد طرد أصل الْمُعْتَزلَة الَّذِي أطبقوا عَلَيْهِ من إِخْرَاج الْمَرْء عَن الْإِسْلَام جملَة بذنب وَاحِد عمله يصر عَلَيْهِ وإيجابهم الخلود فِي النَّار عَلَيْهِ بذلك الذَّنب وَحده فَلَو كَانَ هَذَا لَكَانَ أَبُو هَاشم صَادِقا إِذْ لَا مَنْفَعَة لَهُ عِنْدهم فِي تَركه كل ذَنْب وَهُوَ بذنب وَاحِد يصر عَلَيْهِ خَارج عَن الْإِيمَان مخلد بَين أطباق النيرَان وَمَا يُنكر هَذَا عَلَيْهِ من الْمُعْتَزلَة إِلَّا جَاهِل بأصولهم أَو عَامِد للتناقض وَكَانَ يَقُول إِن تَارِك الصَّلَاة وتارك الزَّكَاة عَامِدًا لكل لَك لم يفعل شَيْئا وَلَا أنب وَلَا عصي وَأَنه مخلد بل أطباق النيرَان أبدا على غير فعل فعله وَلَا على شَيْء ارْتَكَبهُ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَهَل فِي التجويز لله على أصولهم وَهل فِي مُخَالفَة الْإِسْلَام جهاراً أَكثر من هَذَا القَوْل السخيف وَكَأن الَّذِي حمله على قَوْله هَذَا قَوْله أَنه ترك الْفِعْل لَيْسَ فعلا وَجَمِيع الْمُعْتَزلَة إِلَّا هِشَام بن عمر والفوطي يَزْعمُونَ أَن المعدودات أَشْيَاء على الْحَقِيقَة وَأَنَّهَا لم تزل وَأَنَّهَا لَا نِهَايَة لَهَا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذِه دهرية بِلَا مطل وَأَشْيَاء لَا نِهَايَة لَهَا لم تزل غير مخلوقة وَكَانَ عبد الرَّحِيم بِمَ مُحَمَّد بن عُثْمَان الْخياط من أكَابِر الْمُعْتَزلَة بِبَغْدَاد مِمَّن يَقُول أَن الْأَجْسَام المعدومة لم تزل أجساماً بِلَا نِهَايَة لَهَا لَا فِي عدد وَلَا فِي زمَان غير مخلوقة وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله الإسكافي أحد رُؤَسَاء الْمُعْتَزلَة أَن الله تَعَالَى لم يخلق الطنابير وَلَا المزامير وَلَا المعازف (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) كَانَ من تَمام هَذَا الْكفْر أَن يَقُول إِن الله لم يخلق الْخمر وَلَا الْخَنَازِير وَلَا مَرَدَة الشَّيَاطِين وَقَالَت الْمُعْتَزلَة بأسرها حاشا بشر بن الْمُعْتَمِر وَضِرَار ابْن عمر وَأَنه لَا يحل لأحد تمني الشَّهَادَة وَلَا أَن يريدها وَلَا أَن يرضاها لِأَنَّهَا تَغْلِيب كَافِر على مُسلم وَإِنَّمَا يجب على الْمُسلم أَن يحب الصَّبْر على ألم الْجراح فَقَط إِذا أَصَابَته (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا خلاف دين الْإِسْلَام وَالْقُرْآن وَالسّنَن وَالْإِجْمَاع الْمُتَيَقن وَقَالُوا كلهم حاشا ضَرَرا وبشراً أَن الله لم يمت رَسُولا وَلَا نَبيا وَلَا صَاحب نَبِي وَلَا أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَهُوَ يدْرِي أَنهم لَو عاشوا فعلوا خيرا لَكِن أمات كل من أمات مِنْهُم إِذْ علم أَنه لَو أبقاه طرفَة عين لكفروا أَو فسق وَلَا بُد هَذَا قَوْلهم فِي أبي بكر وَعمر وَعلي وَفَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ وَعَائِشَة وَخَدِيجَة نعم وَفِي رَسُول الله ﷺ مُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيم ﵈ فَأُعْجِبُوا لهَذِهِ الضلالات الوحشية وَكَانَ الْجَعْد وَهُوَ من شيوخهم يَقُول إِذا كَانَ الْجِمَاع يتَوَلَّد مِنْهُ الْوَلَد فَأَنا صانع وَلَدي ومدبره وفاعله لَا فَاعل لَهُ غَيْرِي وَإِنَّمَا يُقَال إِن الله خلقه مجَازًا لَا حَقِيقَة فَأخذ أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الجبائي الطّرف الثَّانِي من الْكفْر فَقَالَ أَن تَعَالَى خلق الْحَبل وَالْمَوْت وكل من فعل شَيْئا فَهُوَ مَنْسُوب إِلَيْهِ فَإِن الله تَعَالَى هُوَ محبل النِّسَاء وَهُوَ أحبل مَرْيَم بنت عمرَان (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) يلْزم وَلَا بُد إِذا كَانَ أَوْلَادنَا خلقا لله أَن يضيفهم إِلَيْهِ فَيَقُول هم أبنا الله والمسيح ابْن الله وَلَا بُد وَقَالَ أَبُو عمر وَأحمد بن مُوسَى بن احدير صَاحب السِّكَّة وَهُوَ من شُيُوخ الْمُعْتَزلَة فِي بعض رسائله الَّتِي جرت بَينه وَبَين القَاضِي مُنْذر بن سعيد ﵀ أَن الله عَاقل وَأطلق عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم وَقَالَ بعض شُيُوخ الْمُعْتَزلَة أَن العَبْد إِذا عصى الله طبع على قلبه فَيصير غير مَأْمُور وَلَا مَنْهِيّ وَأما حماقاتهم فَإِن أَبَا الْهُذيْل العلاف قَالَ

стр. 601

من سرق خَمْسَة دَرَاهِم أَو قيمتهَا فَهُوَ فَاسق منسلخ من الْإِسْلَام مخلد أبدا فِي النيرَان إِلَّا أَن يَتُوب وَقَالَ بشر بن الْمُعْتَمِر أَن من سرق عشرَة دَرَاهِم غير حَبَّة فَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَلَا وَعِيد فَإِن سرق عشرَة دَرَاهِم خرج عَن الْإِسْلَام وَوَجَب عَلَيْهِ الخلود إِلَّا أَن يَتُوب وَقَالَ النظام إِن سرق مأتي دِرْهَم غير حَبَّة فَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَلَا وَعِيد وَإِن سرق مأتي دِرْهَم خرج عَن الْإِسْلَام وَلَزِمَه الخلود إِلَّا أَن يَتُوب وَقَالَ أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن أحور بن الأخشيد وَهُوَ أحد رُؤَسَائِهِمْ الثَّلَاثَة الَّذين انْتَهَت رياستهم إِلَيْهِم وافترقت الْمُعْتَزلَة على مذاهبهم وَالثَّانِي مِنْهُم أَبُو هَاشم الجبائي وَالثَّالِث عبد الله بن مُحَمَّد بن مَحْمُود الْبَلْخِي الْمَعْرُوف بالكعبي وَكَانَ وَالِد أَحْمد بن عَليّ الْمَذْكُور أحد قواد الفراعنة وَولي الثغور للمعتضد وللمكتفي فَكَانَ من قَول أَحْمد الْمَذْكُور أَن من ارْتكب كل ذَنْب فِي الدُّنْيَا وَهَكَذَا أبدا مَتى عَاد لذَلِك الذَّنب أَو لغيره من الْقَتْل فَمَا دونه إِلَّا أَنه نَدم أثر فعله لَهُ فقد صحت تَوْبَته وَسقط عَنهُ ذَلِك الذَّنب أبدا وَهَكَذَا أبدا مَتى عَاد لذَلِك الذَّنب أَو لغيره (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا قَول لم يبلغهُ جَمَاهِير المرجئة وَهُوَ مَعَ ذَلِك يَدعِي أَن القَوْل بإنفاذ الْوَعْد والوعيد وَمَا على أَدِيم الأَرْض مُسلم لَا ينْدَم على ذَنبه وَقَالَ عبد الرَّحْمَن تلميذ أبي الْهُذيْل أَن الْحجَّة لَا تقوم فِي الْأَخْبَار إِلَّا بِنَقْل خَمْسَة يكون فيهم ولي لله لَا أعرفهُ بِعَيْنِه وَعَن كل وَاحِد من أُولَئِكَ الْخَمْسَة خَمْسَة مثلهم وَهَكَذَا أبدا وَقَالَ صَالح تلميذ النظام أَن من رأى رُؤْيا أَنه بِالْهِنْدِ أَو أَنه قتل أَو أَنه أَي شَيْء رأى فَإِنَّهُ حق يَقِين كَمَا رأى كَمَا لَو كَانَ ذَلِك فِي الْيَقَظَة وَقَالَ عباد بن سُلَيْمَان الْحَواس سبع وَقَالَ النظام الألوان جسم وَقد يكون جسمان فِي مَكَان وَاحِد وَكَانَ النظام يَقُول لَا تعرف الْأَجْسَام بالأخبار أصلا لَكِن كل من رأى جسماً سَوَاء كَانَ المرئي إنْسَانا أَو غير إِنْسَان فَإِن النَّاظر إِلَيْهِ اقتطع مِنْهُ قِطْعَة اخْتلطت بجسم الرَّائِي ثمَّ كل من أخبرهُ ذَلِك الرَّائِي عَن ذَلِك الْجِسْم فَإِن الْمخبر أَيْضا أَخذ من تِلْكَ الْقطعَة قِطْعَة وَهَكَذَا أبدا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذِه قصَّة لَوْلَا أننا وجدناها عَنهُ من طَرِيق تلامذته المعظمين لَهُ ذكروها فِي كتبهمْ عَنهُ مَا عَرفْنَاهُ على ذِي مسكة من عقل فألزمه خصومه على هَذَا أَن قطعا من جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَمن النَّبِي ﷺ وَمن مُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيم ﵈ فِي نَار جَهَنَّم وَأَن قطعا من فِرْعَوْن وإبليس وَأبي لَهب وَأبي جهل فِي الْجنَّة وَكَانَ يزْعم أَنه لَا سُكُون فِي شَيْء من الْعَالم أصلا وَأَن كل سُكُون يعلم بتوسط الْبَصَر فَهُوَ حَرَكَة بِلَا شكّ وَكَانَ معمر يزْعم أَنه لَا حَرَكَة فِي شَيْء من الْعَالم وَإِن كل مَا يُسَمِّيه النَّاس حَرَكَة فَهُوَ سُكُون وَكَانَ عباد بن سُلَيْمَان يَقُول أَن الْأمة إِذا اجْتمعت وصلحت وَلم تتظالم احْتَاجَت حِينَئِذٍ إِلَى إِمَام يسوسها ويدبرها وَإِن عَصَتْ وفجرت وظلمت استغنت عَن الإِمَام وَكَانَ أَبُو الْهُذيْل يَقُول أَن الْإِنْسَان لَا يفعل شَيْئا فِي حَال استطاعته وَإِنَّمَا يفعل بالاستطاعة بعد ذهابها فألزمه خصومه أَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يفعل إِذا لم يكن مستطيعاً وَأما إِذا كَانَ مستطيعاً فَلَا وَإِن الْمَيِّت يفعل كل فعل فِي الْعَالم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وحماقاتهم أَكثر من ذَلِك ونعوذ بِاللَّه من الخذلان شنع المرجئة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) غلاة المرجئية طَائِفَتَانِ أَحدهمَا الطَّائِفَة القائلة بِأَن الْإِيمَان قَول بِاللِّسَانِ وَإِن

стр. 602

اعْتقد الْكفْر بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن عِنْد الله ولي لَهُ من أهل الْجنَّة وَهَذَا قَول مُحَمَّد بن كرام السجسْتانِي وَأَصْحَابه وَهُوَ بخراسان وَبَيت الْمُقَدّس وَالثَّانيَِة الطَّائِفَة القائلة أَن الْإِيمَان عقد بِالْقَلْبِ وَإِن أعلن الْكفْر بِلِسَانِهِ بِلَا نقية وَعبد الْأَوْثَان أَو لزم الْيَهُودِيَّة أَو النَّصْرَانِيَّة فِي دَار الْإِسْلَام وَعبد الصَّلِيب وأعلن الثتليث فِي دَار الْإِسْلَام وَمَات على ذَلِك فَهُوَ مُؤمن كَامِل الْإِيمَان عِنْد الله ولي لله من أهل الْجنَّة وَهَذَا قَول أبي مُحرز جهم بن صَفْوَان السَّمرقَنْدِي مولى بني راسب كَاتب الْحَارِث بن سُرَيج التَّمِيمِي أَيَّام قِيَامه على نصرين سيار بخراسان وَقَول أبي الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن أبي الْيُسْر الْأَشْعَرِيّ الْبَصْرِيّ وأصحابهما فَأَما الْجَهْمِية فبخراسان وَأما الأشعرية فَكَانُوا بِبَغْدَاد وَالْبَصْرَة ثمَّ قَامَت لَهُ سوق بصقلية والقيروان وبالأندلس ثمَّ رق أَمرهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَمن فضايح الْجَهْمِية وشنعهم قَوْلهم بِأَن علم الله مُحدث مَخْلُوق وَأَنه تَعَالَى لم يكن يعلم شَيْئا حَتَّى أحدث لنَفسِهِ علما علم بِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلهم فِي الْقُدْرَة وَقَالَ أَيْضا إِن الْجنَّة وَالنَّار يفنيان ويفنى كل من فيهمَا وَهَذَا خلاف الْقُرْآن وَالثَّابِت عَن رَسُول الله ﷺ وَخلاف إِجْمَاع أهل الْإِسْلَام الْمُتَيَقن وَقَالَ بعض الكرامية المُنَافِقُونَ مُؤمنُونَ من أهل الْجنَّة وَقد أطلق ذَلِك بالمربة مُحَمَّد بن عِيسَى الصُّوفِي الألبيري وَكَانَت الفاظه تدل على أَنه يذهب مَذْهَبهم فِي التجسيم وَغَيره وَكَانَ ناسكاً متقللاً من الدُّنْيَا واعظاً مفوهاً مهذاراً قَلِيل الصَّوَاب كثير الْخَطَأ رَأَيْته مرّة وسمعته يَقُول إِن النَّبِي ﷺ كَانَ لَا يلْزمه زَكَاة مَال لِأَنَّهُ اخْتَار أَن يكون نَبيا عبدا وَالْعَبْد لَا زَكَاة عَلَيْهِ وَلذَلِك لم يُورث وَلَا ورث فَأَمْسَكت عَن معارضته لِأَن الْعَامَّة كَانَت تحضره فَخَشِيت لغطهم وتشنيعهم بِالْبَاطِلِ وَلم يكن معي أحد إِلَّا يحيى بن عبد الْكثير بن وَافد كنت أتيت أَنا وَهُوَ معي متنكرين لنسمع كَلَامه وبلغتني عَنهُ شنع مِنْهَا القَوْل بحلول الله فِيمَا شَاءَ من خلقه أَخْبرنِي عَنهُ بِهَذَا أَبُو أَحْمد الْفَقِيه الْمعَافِرِي عَن أبي عَليّ الْمقري وَكَانَ على بنت مُحَمَّد بن عِيسَى الْمَذْكُور وَغير هَذَا أَيْضا نَعُوذ بِاللَّه من الضلال وَقَالَت طَائِفَة الكرامية المُنَافِقُونَ مُؤمنُونَ مشركون من أهل النَّار وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم أَيْضا من آمن بِاللَّه وَكفر بِالنَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مُؤمن كَافِر مَعًا لَيْسَ مُؤمنا على الْإِطْلَاق وَلَا كَافِرًا على الْإِطْلَاق وَقَالَ مقَاتل ابْن سُلَيْمَان وَكَانَ من كبار المرجئة لَا يضر مَعَ الْإِيمَان سَيِّئَة جلت أَو قلت أصلا وَلَا ينفع مَعَ الشّرك حَسَنَة أصلا وَكَانَ مقَاتل هَذَا مَعَ جهم بخراسان فِي وَقت وَاحِد وَكَانَ يُخَالِفهُ فِي التجسيم كَانَ جهم يَقُول لَيْسَ الله تَعَالَى وَلَا هُوَ أَيْضا لَا شَيْء لِأَنَّهُ تَعَالَى خَالق كل شَيْء فَلَا شَيْء إِلَّا مَخْلُوق وَكَانَ مقَاتل يَقُول إِن الله جسم وَلحم وَدم على صُورَة الْإِنْسَان وَقَالَت الكرامية الْأَنْبِيَاء يجوز مِنْهُم كَبَائِر الْمعاصِي كلهَا حاشا الْكَذِب فِي الْبَلَاغ فَقَط فَإِنَّهُم معصومون مِنْهُ وَذكر لي سُلَيْمَان بن خلف الْبَاجِيّ وَهُوَ من رُؤْس الأشعرية أَن فيهم من يَقُول أَيْضا أَن الْكَذِب فِي الْبَلَاغ أَيْضا جَائِز من الْأَنْبِيَاء وَالرسل ﵈ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وكل هَذَا كفر مَحْض وَذكر عَنْهُم مُحَمَّد بن الْحسن بن فورك الْأَشْعَرِيّ أَنهم يَقُولُونَ أَن الله تَعَالَى يفعل كلما يفعل فِي اته وَأَنه لَا يقدر على إفناء خلقه كُله حَتَّى يبْقى وَحده كَمَا كَانَ قبل أَن يخلق وَقَالُوا أَيْضا إِن كَلَام الله تَعَالَى أصوات وحروف هجاء وجتمعة كلهَا أبدا لم تزل وَلَا تزَال وَقَالُوا أَيْضا لَا يقدر الله على غير مَا فعل وَقَالُوا أَيْضا أَنه متحرك

стр. 603

أَبيض اللَّوْن ذكر عَنْهُم أَنهم يَقُولُونَ أَنه تَعَالَى لَا يقدر على إِعَادَة الْأَجْسَام بعد بلائها لَكِن يقدر على أَن يخلق مثلهَا وَمن حماقاتهم أَنهم يجيزون كَون إمامين وَأكْثر فِي وَقت وَاحِد وَأما الأشعرية فَقَالُوا إِن شِئْتُم من أظهر الْإِسْلَام لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ بأفحش مَا يكون من الشتم وإعلان التَّكْذِيب بهَا بِاللِّسَانِ بِلَا تقية وَلَا حِكَايَة وَالْإِقْرَار بِأَنَّهُ يدين بذلك لَيْسَ شَيْء من ذَلِك كفرا ثمَّ خَشوا مبادرة جَمِيع أهل الْإِسْلَام لَهُم فَقَالُوا لكنه دَلِيل على أَن فِي قلبه كفر فَقُلْنَا لَهُم وتقطعون بِصِحَّة مَا دلّ عَلَيْهِ هَذَا الدَّلِيل فَقَالُوا لَا وَقَالَت الأشعرية أَن إِبْلِيس قد كفر ثمَّ أعلن بعصيان الله تَعَالَى فِي السُّجُود لآدَم ﵇ فَإِن إِبْلِيس من حِينَئِذٍ لم يعرف أَن الله تَعَالَى حَقًا وَلَا أَنه خلقه من نَار وَلَا أَنه خلق آدم من تُرَاب وطين وَلَا عرف أَن الله أمره بِالسُّجُود لآدَم بعْدهَا قطّ وَلَا عرف بعد هَذَا قطّ أَن الله كرم آدم وَمن قَوْلهم بأجمعهم أَن إِبْلِيس لم يسْأَل الله قطّ أَن ينظره إِلَى يَوْم الْبَعْث فَقُلْنَا لَهُم وَيْلكُمْ إِن هَذَا تَكْذِيب لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ ورد لِلْقُرْآنِ قَالُوا لنا إِن إِبْلِيس إِنَّمَا قَالَ كل ذَلِك هازئاً مستهزئاً بِلَا معرفَة وَلَا اعْتِقَاد كَانَ هَذَا أشنع كفرُوا برده بعد كفر الغالية من الرافضة وَقَالُوا إِن إِبْلِيس لم يكفر بمعصيته الله فِي ترك السُّجُود لآدَم وَلَا بقوله عَن آدم أَنا خير مِنْهُ وَإِنَّمَا كفر بجحد الله تَعَالَى كَانَ فِي قلبه (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا خلاف لِلْقُرْآنِ وتكهن لَا يعرف صِحَّته إِلَّا من حَدثهُ بِهِ إِبْلِيس عَن نَفسه على أَن الشَّيْخ غير ثِقَة فِيمَا يحدث بِهِ وَقَالَت الأشعرية أَيْضا أَن فِرْعَوْن لم يعرف قطّ أَن مُوسَى إِنَّمَا جَاءَ بِتِلْكَ الْآيَات من عِنْد الله حَقًا وَأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذين كَانُوا فِي عهد النَّبِي ﷺ لم يعرفوا قطّ أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ حَقًا وَلَا عرفُوا أَنه مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَأَن من عرف ذَلِك مِنْهُم وكتمه وَتَمَادَى على إعلان الْكفْر ومحاربة النَّبِي ﷺ بِخَيْبَر وَمن بني قُرَيْظَة وَغَيرهم فَإِنَّهُم كَانُوا مُؤمنين عِنْد الله أَوْلِيَاء لله من أهل الْجنَّة فَقُلْنَا لَهُم وَيْلكُمْ هَذَا تَكْذِيب لله إِذْ يَقُول ﴿يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل﴾ ﴿يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ و ﴿فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك﴾ فَقَالُوا لنا معنى أَنهم وجدوا خطا مَكْتُوبًا عِنْدهم لم يفهموا مَعْنَاهُ وَلَا دروا مَا هُوَ وَنعم عرفُوا صورته فَقَط ودرو أَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب كَمَا يعرف الْإِنْسَان جَاره فَقَط فَكَانَ هَذَا كفرا بَارِدًا أَو تحريفاً لكَلَام الله تَعَالَى عَن موَاضعه ومكابرة سمجة وحماقة ودفعاً للضَّرُورَة وَقد تقصينا الرَّد على أهل هَذِه الْمقَالة الملعونة فِي كتاب لنا رسمه كتاب الْيَقِين فِي النَّقْض على الْمُلْحِدِينَ المحتجين عَن إِبْلِيس اللعين وَسَائِر الْكَافرين تقصيا فِيهِ كَلَام رجل من كبارهم من أهل القيروان اسْمه عطاف بن دوتاس فِي كتاب أَلفه فِي نصر هَذِه الْمقَالة وَكَانَ لشيخهم الْأَشْعَرِيّ فِي إعجاز الْقُرْآن قَولَانِ أَحدهمَا كَمَا يَقُول الْمُسلمُونَ أَنه معجز النّظم وَالْآخر إِنَّمَا هُوَ المعجز الَّذِي لم يُفَارق الله قطّ وَالَّذِي لم يزل غير مَخْلُوق وَلَا نزل إِلَيْنَا وَلَا سمعناه قطّ وَلَا سَمعه جِبْرِيل وَلَا مُحَمَّد ﵉ قطّ وَأما الَّذِي يقْرَأ فِي الْمَصَاحِف ونسمعه فَلَيْسَ معجزا بل مَقْدُور على مثله وَهَذَا كفر صَحِيح وَخلاف لله تَعَالَى وَلِجَمِيعِ أهل الْإِسْلَام وَقَالَ كَبِيرهمْ وَهُوَ مُحَمَّد بن الطّيب الباقلاني أَن لله تَعَالَى خَمْسَة عشر صفة كلهَا قديمَة لم تزل مَعَ الله تَعَالَى وَكلهَا غير الله وَخلاف لله تَعَالَى وكل وَاحِدَة مِنْهُنَّ غير الْأُخْرَى مِنْهُنَّ وَخلاف لسائرها وَإِن الله تَعَالَى غَيْرهنَّ وخلافهن

стр. 604

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا وَالله أعظم من قَول النَّصَارَى وَأدْخل فِي الْكفْر والشرك لِأَن النَّصَارَى لم يجْعَلُوا مَعَ الله تَعَالَى إِلَّا اثْنَيْنِ هُوَ ثالثهما وَهَؤُلَاء جعلُوا مَعَه تَعَالَى خَمْسَة عشر هُوَ السَّادِس عشر لَهُم وَقد صرح الْأَشْعَرِيّ فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالمجالس بِأَن مَعَ الله تَعَالَى أَشْيَاء سواهُ لم تزل كَمَا يزل (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا إبِْطَال التَّوْحِيد عَلَانيَة وَإِنَّمَا حملهمْ على هَذَا الضلال ظنهم أَن إِثْبَات علم الله تَعَالَى وَقدرته وعزته وَكَلَامه لَا يثبت إِلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقَة الملعونة ومعاذ الله من هَذَا بل كل ذَلِك حق لم يزل غير مَخْلُوق لَيْسَ شَيْء من ذَلِك غير الله تَعَالَى وَلَا يُقَال فِي شَيْء من ذَلِك هُوَ الله تَعَالَى لِأَن هَذِه تَسْمِيَة لَهُ وتسميته لَا تجوز إِلَّا بِنَصّ وَقد تقصينا الْكَلَام فِي هَذَا فِي صدر ديواننا هَذَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين إِنَّمَا جعلنَا هَاهُنَا شنع أهل الْبدع تنفيراً عَنْهُم وإيحاشا للأغمار من الْمُسلمين من الْأنس بهم وَمن حسن الظَّن بكلامهم الْفَاسِد وَلَقَد قلت لبَعْضهِم إِذا قُلْتُمْ أَن مَعَ الله تَعَالَى خَمْسَة عشر صفة كلهَا غَيره وَكلهَا لم تزل فَمَا الَّذِي أنكرتم على النَّصَارَى إِذْ قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة فَقَالَ لي إِنَّمَا أَنْكَرْنَا عَلَيْهِم إِذْ جعلُوا مَعَه شَيْئَيْنِ فَقَط وَلم يجْعَلُوا مَعَه أَكثر وَلَقَد قَالَ لي بَعضهم اسْم الله تَعَالَى وَهُوَ قَوْلنَا الله عبارَة تقع على ذَات الْبَارِي وَجَمِيع صِفَاته لَا على ذَاته دون صِفَاته فَقلت لَهُ أَتَعبد الله أم لَا فَقَالَ لي نعم فَقلت لَهُ فَإِنَّمَا تعبد إِذا بإقرارك الْخَالِق وَغَيره مَعَه فيكفيك فنفر نفرة وَقَالَ معَاذ الله من هَذَا مَا عبد إِلَّا الْخَالِق وَحده فَقلت لَهُ فَإِنَّمَا تعبد إِذا بإقرارك بعض مَا يُسمى بِهِ الله فنفر أُخْرَى وَقَالَ معَاذ الله من هَذَا وَأَنا وَاقِف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقَالَ شيخ لَهُم قديم وَهُوَ عبد الله بن سعيد بن كلاب الْبَصْرِيّ أَن صِفَات الله تَعَالَى لَيست بَاقِيَة وَلَا فانية وَلَا قديمَة وَلَا حَدِيثَة لَكِنَّهَا لم تزل غير مخلوقة هَذَا مَعَ تصريحه بِأَن الله قديم بَاقٍ وَمن حماقات الأشعرية قَوْلهم أَن للنَّاس أحوالاً ومعاني لَا مَعْدُومَة وَلَا مَوْجُودَة وَلَا مَعْلُومَة وَلَا مَجْهُولَة وَلَا مخلوقة وَلَا غير ومخلوقة وَلَا أزلية وَلَا محدثة وَلَا حق وَلَا بَاطِل وَهِي علم الْعَالم بِأَن لَهُ علما وَوُجُود الْوَاجِد لوجدوه كلما يجد هَذَا أَمر سمعناه مِنْهُم نصا ورأيناه فِي كتبهمْ فَهَل فِي الرعونة أَكثر من هَذَا وَهل يُمكن الموسوس والمبرسم أَن يَأْتِي بِأَكْثَرَ من هَذَا وَلَقَد حاورني سُلَيْمَان بن خلف الْبَاجِيّ كَبِيرهمْ هَذِه الْمَسْأَلَة فِي مجْلِس حافل فَقلت لَهُ هَذَا كَمَا تَقول الْعَامَّة عندنَا عِنَب لَا من كرم وَلَا من دالية وَمن هوسهم قَوْلهم أَن الْحق غير الْحَقِيقَة وَلَا نَدْرِي فِي أَي لُغَة وجدوا هَذَا أم فِي أَي شرع وَارِد أم فِي أَي طبيعة ظفروا بِهِ فَقَالُوا أَن الْكفْر حَقِيقَة وَلَيْسَ بِحَق وَقُلْنَا كلا بل وجوده عَن حَقِيقَة وَمَعْنَاهُ بَاطِل لَا حق وَلَا حَقِيقَة وَقَالُوا كلهم إِن الله حَامِل لصفاته فِي ذَاته هَذَا نَص قَول أبي جَعْفَر السمناتي المكفوف قَاضِي الْموصل وَهُوَ أكبر أَصْحَاب الباقلاني ومقدم الأشعرية فِي وقتنا هَذَا وَقَالَ هَذَا السمناني أَيْضا إِن من سمي الله تَعَالَى جسماً من أجل أَنه حَامِل لصفاته فِي ذَاته فقد أصَاب الْمَعْنى وَأَخْطَأ فِي التَّسْمِيَة فَقَط وَقَالَ هَذَا السمناني أَن الله تَعَالَى مشارك للْعَالم فِي الْوُجُود وَفِي قِيَامه بِنَفسِهِ كقيام الْجَوَاهِر والأجسام وَفِي أَنه ذُو صِفَات قَائِمَة بِهِ مَوْجُودَة بِذَاتِهِ كَمَا ثَبت ذَلِك فِيمَا هُوَ مَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات من جملَة أجسام الْعَالم وجواهر هَذَا نَص كَلَام السمناني حرفا حرفا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) مَا أعلم أحد من غلاة المشبهة أقدم على أَن يُطلق مَا أطلق هَذَا المبتدع

стр. 605

الْجَاهِل الملحد المتهور من أَن الله تَعَالَى مشارك للْعَالم حاشا لله من هَذَا وَقَالَ السمناني عَن شُيُوخه من الأشعرية أَن معنى قَول النَّبِي ﷺ أَن الله خلق آدم على صورته إِنَّمَا هُوَ على صفة الرَّحْمَن من الْحَيَاة وَالْعلم والاقتدار وَإِجْمَاع صِفَات الْكَمَال فِيهِ وأسجد لَهُ مَلَائكَته كَمَا أسجدهم لنَفسِهِ وَجعل لَهُ الْأَمر وَالنَّهْي على ذُريَّته كَمَا كَانَ لله تَعَالَى كل ذَلِك (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا نَص كَلَامه حرفا حرفا وَهَذَا كفر صَرِيح وشرك بواح إِذْ صرح بِأَن آدم على صفة الرَّحْمَن من اجْتِمَاع صِفَات الْكَمَال فيهمَا فَالله تَعَالَى وآدَم عِنْده مثلان مشتبهان فِي أجتمع صِفَات الْكَمَال فيهمَا ثمَّ لم يقنع بِهَذِهِ السوءة حَتَّى صرح بِأَن سُجُود الْمَلَائِكَة لآدَم كسجودهم لله وحاشا لله من هَذَا لِأَن سُجُود الْمَلَائِكَة لله تَعَالَى سُجُود عبَادَة وديانة لخالقهم وسجودهم لآدَم سُجُود سَلام وتحية وتشريف مِنْهُم لآدَم وإكرام لَهُ بذلك كسجود يَعْقُوب لِابْنِهِ يُوسُف ﵉ فَقَط ثمَّ زَاد اللعين كفرا على كفر بنصه أَن الله تَعَالَى جعل لَهُ الْأَمر وَالنَّهْي على ذُريَّته كَمَا كَانَ لله تَعَالَى ذَلِك وَهَذَا شرك لَا خَفَاء بِهِ كشرك النَّصَارَى فِي الْمَسِيح وَلَا فرق ونسأل الله تَعَالَى الْعَافِيَة وَقَالَ هَذَا السمناني أَن مَذْهَب شُيُوخه أَنهم لَا يَقُولُونَ أَن الْأَمر بالشَّيْء دَال على كَونه مرَادا للْآمِر قَدِيما كَانَ أَو مُحدثا وَلَا يدل النَّهْي على كَونه مَكْرُوها وَهَذَا نَص كَلَامه وَهَذَا خلاف الْإِسْلَام وَالْإِجْمَاع والمعقول وتصريح بِأَن الله تَعَالَى إِذا أَمر بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالْحج وَالصِّيَام وَالْجهَاد وَشَهَادَة الْإِسْلَام فَلَيْسَ فِي ذَلِك دَلِيل على أَنه يُرِيد شَيْئا من ذَلِك وَإِذ نهى عَن الْكفْر وَالزِّنَا وَالْبَغي وَالسَّرِقَة وَقتل النَّفس ظلما فَلَيْسَ ذَلِك دَلِيلا على أَنه يكره شَيْئا من ذَلِك وَمَا فِي الْأَقْوَال أنتن من هَذَا القَوْل وَقَالَ السمناني أَنه لَا يَصح القَوْل بِأَن علم الله تَعَالَى مُخَالف للعلوم كلهَا وَلَا أَن قدرته مُخَالفَة للقدر كلهَا لِأَنَّهَا كلهَا دَاخِلَة تَحت قَوْلنَا ووصفنا للقدر والعلوم هَذَا نَص كَلَامه وَهَذَا بَيَان بِأَن دينهم أَن علم الله تَعَالَى وَقدرته من نوع علمنَا وقدرتنا وَإِذ الْأَمر كَذَلِك عِنْده فَعلمنَا وقدرتنا عرضان فِينَا مخلوقان فَوَجَبَ ضَرُورَة أَن علم الله تَعَالَى وَقدرته عرضان فِي الله مخلوقان إِذْ من الْمُمْتَنع وُقُوع مَا لم يزل مَعَ الْمُحدث الْمَخْلُوق تَحت حد وَاحِد وَنَوع وَاحِد وَنَصّ هَذَا السمناني وَمُحَمّد بن الْحسن بن فورك فِي صدر كَلَامه فِي كتاب الْأُصُول أَن الْحُدُود لَا تخْتَلف فِي قديم وَلَا مُحدث قَالُوا ذَلِك فِي كَلَامهم فِي علم الله تَعَالَى فِي تحديدهم لِمَعْنى الْعلم بِصفة يَقع تحتهَا علم الله تَعَالَى وعلوم النَّاس وَهَذَا نَص مِنْهُم على أَن الله تَعَالَى مَحْدُود وَاقع مَعنا تَحت الْحُدُود وَهُوَ علمه وَقدرته وَهُوَ شَرّ من قَول جهم شيخهم فِي الْحَقِيقَة وَأبين من قَول كل مشبه فِي الأَرْض وَنَصّ هَذَا السمناني على أَن الْعَالم والقادر والمريد من الله تَعَالَى وخلقه إِنَّمَا كَانَ مُحْتَاجا إِلَى هَذِه الصِّفَات لكَونه مَوْصُوفا بهَا لَا لجوازها عَلَيْهِ هَذَا نَص كَلَامه وَهَذَا تَصْرِيح مِنْهُم بِلَا تكلّف وَلَا تَأْوِيل بِأَن الله تَعَالَى عَن كفر هَذَا الأرعن مُحْتَاج إِلَى الصِّفَات وَهَذَا كفر مَا يدْرِي أَن أحدا بلغه وَنَصّ هَذَا السمناني أَيْضا على أَن الله تَعَالَى لما كَانَ حَيا عَالما كَانَ مَوْصُوفا بِالْحَيَاةِ وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة حَتَّى لَا يخْتَلف الْحَال فِي ذَلِك فِي الشَّاهِد وَالْغَائِب هَذَا نَص كَلَامه وَهَذَا تَصْرِيح مِنْهُ على أَن الله تَعَالَى حَالا لم يُخَالِفهُ فِيهَا خلقه بل هُوَ وهم فِيهَا سَوَاء وَنَصّ هَذَا السمناني على أَنه إِذا كَانَت الصِّفَات الْوَاجِبَة لله تَعَالَى فِي كَونه عَالما قَادِرًا لَا يُغني وُجُوبهَا لَهُ عَن مَا هُوَ مصحح لَهَا من الْحَيَاة فِيهِ كَمَا لَا يُوجب غناهُ

стр. 606

عَمَّا يُوجب كَونه عَالما قَادِرًا عَن الْقُدْرَة وَالْعلم (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا نَص جلي على أَن الله تَعَالَى غير غَنِي عَن شَيْء هُوَ غَيره لِأَن الصِّفَات عِنْدهم هِيَ غَيره تَعَالَى وَالله تَعَالَى عِنْدهم غير غَنِي عَنْهَا تَعَالَى الله وَإِذا لم يكن غَنِيا فَهُوَ فَقير إِلَيْهَا هَكَذَا قَالَت الْيَهُود أَن الله فَقير تَعَالَى الله عَن هَذَا بل هُوَ الْغَنِيّ جملَة عَمَّا سواهُ وكل من دونه فَقير إِلَيْهِ تَعَالَى وَقَالَ السمناني إِن قَالَ قَائِل لم أنكرتم أَن يكون الله مرِيدا لنَفسِهِ حسب مَا قَالَه النجار والجاحظ قيل لَهُ أَنْكَرْنَا ذَلِك لما قدمنَا ذكره من أَن الْوَاحِد من الْخلق مرِيدا بِإِرَادَة وَلَا يَخْلُو أَن يكون حَقِيقَة المريد من لَهُ الْإِرَادَة أَو كَونه مرِيدا أَو جود الْإِرَادَة لَهُ وَأي الْأَمريْنِ كَانَ وَجَبت مُسَاوَاة الْغَائِب الشَّاهِد فِي هَذَا الْبَاب (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا نَص جلي على مُسَاوَاة الله تَعَالَى لخلقه عِنْد هَذَا الْجَاهِل وَهَذَا أعظم فِي الْكفْر من قَول كل مجسم لِأَن جَمِيع المجسمين لم يقدم أحد مِنْهُم قطّ على القَوْل بِأَن الله تَعَالَى مسَاوٍ لخلقه قبل هَذِه الْفرْقَة الملعونة ثمَّ الْعجب قطعهم بِأَن الله غايب غير شَاهد وحاشا لله عَن هَذَا بل هُوَ مَعنا وَهُوَ أقرب إِلَيْنَا من حَبل الوريد كَمَا قَالَ أَنه حَاضر فِي الْعُقُول غير غَائِب وَقَالَ الباقلاني مَا وجد فِي الله تَعَالَى من التسميات فَإِنَّهُ يجوز إِطْلَاقهَا عَلَيْهِ وَإِن لم يسم بذلك نَفسه مَا لم يرد شرع يمْنَع من ذَلِك (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا نَص مِنْهُ على أَن هَاهُنَا مَعَاني تُوجد فِي الله تَعَالَى مَعَ الْإِلْحَاد فِي أَسْمَائِهِ إِذْ جَازَ تَسْمِيَته بِمَا لم يسم بِهِ نَفسه تَعَالَى الله عَن هَذَا علوا كَبِيرا وَقَالُوا كلهم إِن الله تَعَالَى لَيْسَ لَهُ إِلَّا كَلَام وَاحِد وَلَيْسَ لَهُ كَلِمَات كَثِيرَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا كفر مُجَرّد لخلافه الْقُرْآن وَتَكْذيب لله فِي قَوْله ﴿قل لَو كَانَ الْبَحْر مداداً لكلمات رَبِّي لنفد الْبَحْر قبل أَن تنفد كَلِمَات رَبِّي وَلَو جِئْنَا بِمثلِهِ مدَدا﴾ وَإِذ يَقُول تَعَالَى ﴿وَلَو أَنما فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يمده من بعده سَبْعَة أبحر مَا نفدت كَلِمَات الله﴾ مَعَ أَن قَوْلهم لَيْسَ لله تَعَالَى إِلَّا كَلَام وَاحِد قَول أَحمَق لَا يعقل وَلَا يقوم بِهِ برهَان شَرْعِي وَلَا تشكل فِي هاجس وَلَا يُوجِبهُ عقل إِنَّمَا هُوَ هذيان مَحْض وَيُقَال لَهُم لَا يَخْلُو الْقُرْآن عِنْدهم من أَنه كَلَام الله تَعَالَى أَو لَيْسَ هُوَ كَلَام الله تَعَالَى فَإِن قَالُوا لَيْسَ هُوَ كَلَام الله تَعَالَى كفرُوا وَمن قرب وَكفى الله تَعَالَى مؤنتهم وَإِن قَالُوا هُوَ كَلَام الله تَعَالَى فالقرآن مائَة سُورَة وَأَرْبَعَة عشر سُورَة فِيهَا سِتَّة آلَاف آيَة ونيف كل سُورَة مِنْهَا عِنْد أهل الْإِسْلَام غير الْأُخْرَى وكل آيَة غير الْأُخْرَى فَكيف يَقُول هَؤُلَاءِ النوكى أَنه لَيْسَ لله تَعَالَى إِلَّا كَلَام وَاحِد أما هَذَا من الْكفْر الْبَارِد والقحة السمجة ونعوذ بِاللَّه من الضلال وَقَالُوا كلهم إِن الْقُرْآن لم ينزل بِهِ قطّ جِبْرِيل على قلب مُحَمَّد ﵊ وَإِنَّمَا نزل عَلَيْهِ بِشَيْء آخر هُوَ الْعبارَة عَن كَلَام الله وَأَن الْقُرْآن لَيْسَ عندنَا الْبَتَّةَ إِلَّا على هَذَا الْمجَاز وَأَن نرى فِي الْمَصَاحِف ونسمع من الْقُرَّاء ونقرأ فِي الصَّلَاة ونحفظ فِي الصُّدُور لَيْسَ هُوَ الْقُرْآن الْبَتَّةَ وَلَا شَيْء مِنْهُ كَلَام الله الْبَتَّةَ بل شَيْء آخر وَإِن كَلَام الله تَعَالَى لَا يُفَارق ذَات الله (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا من أعظم الْكفْر لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿بل هُوَ قُرْآن مجيد فِي لوح مَحْفُوظ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿بل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ وَقَالَ رَسُول الله

стр. 607

صلى الله عَلَيْهِ إِنِّي أحب أَن أسمعهُ من غَيْرِي يَعْنِي الْقُرْآن وَقَالَ ﵇ الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مَعَ السفرة الْكِرَام البررة وَنَهْيه ﷺ أَن يُسَافر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعد والى إِجْمَاع عَامَّة الْمُسلمين وخاصتهم وجاهلهم وعاملهم على القَوْل حفظ فلَان الْقُرْآن وَقَرَأَ فلَان الْقُرْآن وَكتب فلَان الْقُرْآن فِي الْمُصحف وَسَمعنَا الْقُرْآن من فلَان وَكَلَام الله تَعَالَى مَا فِي الْمُصحف من أول أم الْقُرْآن إِلَى آخر قل أعوذ بِرَبّ النَّاس وَقَالَ السمناني أَيْضا أَن الباقلاني وشيوخه قَالُوا أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا أطلق القَوْل بِأَن مَا أنزل الله هُوَ الْقُرْآن وَهُوَ كَلَام الله تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ على معنى أَنه عبارَة عَن كَلَام الله تَعَالَى وَأَنه يفهم مِنْهُ أمره وَنَهْيه فَقَط (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَيُقَال لَهُم أخبرونا عَن قَوْلكُم أَن الْكتاب هُوَ الْمُصحف وَالْقِرَاءَة المسموعة قي الْمُحَارب كل ذَلِك عبارَة عَن الْقُرْآن مَاذَا تعنون بذلك وَهل هَذَا مِنْكُم إِلَّا تمويه ضَعِيف وَهل كل مَا فِي الْمُصحف إِلَّا عبارَة عَن مُعَاينَة الَّتِي أرادها الله تَعَالَى فِي شرع دينه من الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْإِيمَان وَغير ذَلِك وَأَحْبَارهمْ الْأُمَم السالفة وَصفَة الْجنَّة وَالنَّار والبعث وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يخْتَلف من أهل الْإِسْلَام أحد فِي أَن الْمعبر عَنهُ بذلك الْكَلَام لَيْسَ هُوَ كَلَام الله تَعَالَى أصلا لِأَن ذَات الْجنَّة وَذَات النَّار وحركات الْمُصَلِّي وَعمل الْحَاج وَعمل الصَّائِم وأجسام عَاد وأشخاص ثَمُود لَيْسَ شَيْء من ذَلِك كَلَام الله تَعَالَى وَلَا قُرْآنًا فثيت أَن لَيْسَ هُوَ الْقُرْآن وَلَا هُوَ كَلَام الله إِلَّا الْعبارَة المسموعة فَقَط وَالْكَلَام المقروء والخط الْمَكْتُوب فِي الْمُصحف بِلَا شكّ إِذْ لم يبْق غير ذَلِك أَو الْكفْر وَتَكْذيب الله تَعَالَى وَتَكْذيب رَسُول الله ﷺ فِي أَن الْقُرْآن أنزل عَلَيْهِ وأننا نسْمع كَلَام الله فأوهمتم الضُّعَفَاء أَن لذِي هُوَ كَلَام الله وَالْقُرْآن عِنْد جَمِيع أهل الْإِسْلَام لَيْسَ هُوَ هُوَ الْقُرْآن وَلَا هُوَ كَلَام لله ثمَّ أوهمتوهم باستخفافكم أَن حركات المتحركين وَذَات الْجنَّة وَذَات النَّار هِيَ كَلَام الله تَعَالَى وَهِي بِالْقُرْآنِ فَهَل فِي الضلال والسخرية بضعفة الْمُسلمين والهزء بآيَات الله تَعَالَى أَكثر من هَذَا وَلَقَد أَخْبرنِي عَليّ بن حَمْزَة المراوي الصّقليّ الصُّوفِي أَنه بعض الأشعرية يبطح الْمُصحف بِرجلِهِ قَالَ فأكبرت ذَلِك وَقلت لَهُ وَيحك هَكَذَا تصنع بالمصحف وَفِيه كَلَام الله تَعَالَى فَقَالَ لي وَيلك وَبِاللَّهِ مَا فِيهِ إِلَّا السخام والسواد وَأما كَلَام الله بِلَا وَنَحْو هَذَا من القَوْل الَّذِي هَذَا مَعْنَاهُ وَكتب إِلَيّ أَبُو المرحي بن رزوار الْمصْرِيّ أَن بعض ثقاة أهل مصر أخبرهُ من طلاب السّنَن أَن رجلا من الأشعرية قَالَ لَهُ مشافهة على من يَقُول أَن الله قَالَ قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد ألف لعنة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) بل على من يَقُول أَن الله لم يقلها ألف ألف لعنة نترى وعَلى من يُنكر أننا نسْمع كَلَام الله ونقرأ كَلَام الله ونحفظ كَلَام لله ونكتب كَلَام الله ألف ألف لعنة نترى من الله تَعَالَى فَإِن قَول هَذِه الْفرْقَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة نِهَايَة الْكفْر بِاللَّه وَمُخَالفَة لِلْقُرْآنِ وَالنَّبِيّ ﷺ وَمُخَالفَة جَمِيع أهل الْإِسْلَام قبل حُدُوث هَذِه الطَّائِفَة الملعونة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقَالَت الأشعرية كلهَا أَن الله لم يزل قَائِلا لكل مَا خلق أَو يخلق فِي المستأنف كن إِلَّا أَن الْأَشْيَاء لم تكن إِلَّا حِين كَونهَا وَهَذَا تَكْذِيب مِنْهُم مَكْشُوف لله إِذْ يَقُول ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ فَبين الله تَعَالَى أَنه لَا يَقُول للشَّيْء كن إِلَّا إِذا أَرَادَ تكوينه وَأَنه إِذا قَالَ لَهُ كن كَانَ الشَّيْء فِي الْوَقْت بِلَا مهلة لِأَن هَذَا هُوَ مُقْتَضى الْفَاء فِي لُغَة الْعَرَب الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن فَجمعُوا إِلَى تَكْذِيب الله فِي

стр. 608

خبريه جَمِيعًا إِيجَاب أزلية الْعَالم لِأَن الله تَعَالَى إِذا كَانَ لم يزل قَائِلا لما يكون كن فَإِن التكوين لم يزل وَهَذِه دهرية مَحْضَة ثمَّ قَالَ السمناني بعد أسطر لِأَنَّهُ لَو وَجب وجود مَا وجد فِي الْوَقْت الَّذِي وجد فِيهِ لأجل قَول الله تَعَالَى كن لوَجَبَ أَن يُوجد لأجل قَول غَيره لَهُ كن لِأَن صفة الِاقْتِضَاء لَا تخْتَلف فِي ذَلِك بَين الْقَدِيم والمحدث قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا نَص كَلَام هَذَا الْفَاسِق الملحد حرفا حرفا وَهَذَا كفر مَحْض وحماقة لإخفاء بهَا أما الْكفْر فإبطاله أَن وجود الْأَشْيَاء فِي الْأَوْقَات الَّتِي وجدت فِيهَا إِنَّمَا وجدت لأجل قَول الله تَعَالَى لَهَا كن وإيجابه أَن الْأَشْيَاء لم تُوجد فِي أحيان وجودهَا لقَوْل الله تَعَالَى لَهَا كن وَهَذَا تَكْذِيب لله تَعَالَى صرف وَخُرُوج عَن إِجْمَاع أهل الْإِسْلَام وكل من يُصَلِّي إِلَى الْقبْلَة قبلهم وَمن الْكفْر الصَّرِيح أَيْضا فِي هَذَا الْكَلَام الملعون قَوْله أَن صفة الِاقْتِضَاء فِي ذَلِك لَا تخْتَلف بَين الْقَدِيم والمحدث فسوى بَين الله تَعَالَى وخلقه وَأما الحماقة فَقَوله لَو وجدت الْأَشْيَاء من أجل قَول الله تَعَالَى لَهَا كن لوَجَبَ أَن يُوجد لأجل قَول غَيره لَهَا كن فيا للْمُسلمين هَل سمع فِي الْحمق والرعونة وَقلة الْحيَاء أَكثر من قَول من سوى بَين قَول الله تَعَالَى كن للشَّيْء إِذْ أَرَادَ تكوينه وَبَين قَول غَيره من النَّاس كن وَهَذَا أَخبث من قَول الدهرية ونعوذ بِاللَّه من الضلال فلولا الخذلان مَا انْطلق بِهَذَا النوك لِسَان من لَا يقذف بِالْحِجَارَةِ فِي الشوارع وَمَا شبهت بِهَذَا الْكَلَام إِلَّا كَلَام النذل أبي هَاشم الجبائي لَو لم يجز لنا أَن نسمي الله تَعَالَى باسم حَتَّى يَأْذَن لنا فِي ذَلِك لوَجَبَ أَن لَا يجوز لله أَن يُسَمِّي نَفسه حَتَّى يَأْذَن لَهُ غَيره فِي ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه أَقْوَال لَو قَالَهَا صبيان يسيل مخاطبهم لأيس من فلاحهم وتالله لقد لعب الشَّيْطَان بهم كَمَا شَاءَ فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَقَالَت الأشعرية كلهَا أَن الله لَا يقدر على ظلم أحد الْبَتَّةَ وَلَا يقدر على الْكَذِب وَلَا على قَول أَن الْمَسِيح ابْن الله حَتَّى يَقُول قبل ذَلِك وَقَالَت النَّصَارَى وَأَنه لَا يقدر على أَن يَقُول عُزَيْر ابْن الله حَتَّى يَقُول قبل ذَلِك وَقَالَت الْيَهُود وَأَنه لَا يقدر على أَن يتَّخذ ولد أَو أَنه لَا يقدر الْبَتَّةَ على إِظْهَار معْجزَة على يَدي كَذَّاب يَدعِي النُّبُوَّة فَإِن ادّعى الإلهية كَانَ الله تَعَالَى قَادِرًا على إِظْهَار المعجزات على يَدَيْهِ وَأَنه تَعَالَى لَا يقدر على شَيْء من الْمحَال وَلَا على إِحَالَة الْأُمُور عَن حقائقها وَلَا على قلب الْأَجْنَاس عَن ماهيتها وَأَنه تَعَالَى لَا يقدر الْبَتَّةَ على أَن يقسم الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ وَلَا على أَن يَدْعُو أحدا إِلَى غبر التَّوْحِيد هَذَا نَص كَلَامهم وَحَقِيقَة معتقدهم فجعلوه تَعَالَى عَاجِزا متناهي الْقُوَّة مَحْدُود الْقُدْرَة يقدر مرّة وَلَا يقدر أُخْرَى يقدر على شَيْء وَلَا يقدر على آخر وَهَذِه صفة النَّقْص وهم مَعَ هَذَا يَقُولُونَ أَن السَّاحر يقدر على قلب الْأَعْيَان وعَلى أَن يمسخ إنْسَانا فَيَجْعَلهُ حمارا على الْحَقِيقَة وعَلى الْمَشْي فِي الْهَوَاء وعَلى المَاء فَكَانَ السَّاحر عِنْدهم أقوى من الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وخشوا مبادرة أهل الْإِسْلَام لَهُم بالاصطلام فخنسوا عَن أَن يصرحوا بِأَن الله تَعَالَى لَا يقدر فَقَالُوا لَا يُوصف الله بِالْقُدْرَةِ على شَيْء مِمَّا ذكرنَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا رَاحَة لَهُم فِي هَذَا لأننا نقُول لَهُم وَلم لَا نصفه بِالْقُدْرَةِ على ذَلِك إِلَّا أَنه يقدر على شَيْء من ذَلِك وَلَا لَهُ قدرَة على كل ذَلِك أم لِأَنَّهُ لَا يقدر على كل ذَلِك وَلَا لَهُ قدرَة على شَيْء من ذَلِك وَلَا بُد من أَحدهمَا بضرورة الْعقل وَهنا ضلت جبلتهم الضعيفة وَلَا بُد لَهُم من الْقطع بِأَنَّهُ لَا يقدر وَبِأَنَّهُ لَا قدرَة لَهُ على ذَلِك وَإِذ قد صَرَّحُوا بِهَذَا بِالضَّرُورَةِ

стр. 609

فَأول الْعقل ومسموع اللُّغَة كِلَاهُمَا يوجبان أَن من لَا يقدر على شَيْء فَهُوَ عَاجز عَنهُ وَأَن من لَا قدرَة لَهُ على شَيْء فصفة الْعَجز والضعف لاحقة بِهِ فَلَا بُد لَهُم ضَرُورَة من إِطْلَاق اسْم الْعَجز على الله تَعَالَى وَوَصفه بِأَنَّهُ عَاجز وَهَذَا حَقِيقَة مَذْهَبهم يَقِينا إِلَّا أَنهم يخَافُونَ الْبَوَار إِن أظهروه وَقَالَ هَذَا الباقلاني لَا فرق بَين النَّبِي وَالسحر الْكذَّاب المتنبي فِيمَا يأتينا بِهِ إِلَّا التحدي فَقَط وَقَول النَّبِي لمن بِحَضْرَتِهِ هَات من يعْمل كعملي وَهَذَا إبِْطَال للنبوة مُجَرّد وَقَالَ الباقلاني وَابْن فورك وأشياعهما من أهل الضَّلَالَة والجهالة لَيْسَ لله تَعَالَى أَسمَاء الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا لَهُ تَعَالَى اسْم وَاحِد فَقَط لَيْسَ لَهُ اسْم غَيره وَأَن قَول الله تَعَالَى ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ﴾ إِنَّمَا أَرَادَ أَن يَقُول لله التسميات الْحسنى فذروا الَّذين يلحدون فِي تسمياته فَقَالَ لله الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ قَالُوا وَكَذَلِكَ قَول رَسُول الله ﷺ أَن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة غير وَاحِد إِنَّمَا أَرَادَ أَن يَقُول تسعا وَتِسْعين تَسْمِيَة فَقَالَ تِسْعَة وَتِسْعين اسْما قَالَ أَبُو مُحَمَّد مَا فِي الْبُرْهَان على قلَّة الْحيَاء وَفَسَاد الدّين واستسهال الْكَذِب أَكثر من هَذَا وليت شعري من أخْبرهُم عَن الله تَعَالَى وَعَن رَسُول الله ﷺ بِهَذَا الأفك ثمَّ لَيْت شعري إِذا زَعَمُوا أَن الله تَعَالَى أَرَادَ ان يَقُول التسميات الْحسنى فَقَالَ الْأَسْمَاء الْحسنى لأي شَيْء فعل ذَلِك اللكنة أم غَفلَة أم تعمد لإضلال عباده وَلَا سَبِيل وَالله إِلَى رَابِع فَأُعْجِبُوا لعَظيم مَا حل بهؤلاء الْقَوْم من الدمار والتبار وَالْكذب على الله جهاراً وعَلى رَسُول الله ﷺ بِلَا رهبة ونعوذ بِاللَّه من الضلال مَعَ أَن هَذَا قَول مَا سبقهمْ إِلَيْهِ أحد وَقَالُوا كلهم أَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب لَيْسَ هُوَ رَسُول الله الْيَوْم لكنه كَانَ رَسُول الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد فكذبوا الْقُرْآن فِي قَول الله ﴿مُحَمَّد رَسُول الله﴾ وكذبوا الآذان وكذبوا الْإِقَامَة الَّتِي افترضها الله تَعَالَى خمس مَرَّات كل يَوْم وَلَيْلَة على كل جمَاعَة من الْمُسلمين وكذبوا دَعْوَة جَمِيع الْمُسلمين الَّتِي الفقوا على دُعَاء الْكفَّار إِلَيْهَا وعَلى أَنه لَا نجاة من النَّار لَا بهَا واكذبوا جَمِيع أعصار الْمُسلمين من الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ فِي أطباق جَمِيعهم برهم وفاجرهم على الإعلان بِلَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَوَجَب على قَوْلهم هَذَا الملعون أَنه يكذب المؤذنون والمقيمون ودعاة الْإِسْلَام فِي قَوْلهم مُحَمَّد رَسُول الله وان الْوَاجِب أَن تَقولُوا مُحَمَّد كَانَ رَسُول الله وعَلى هَذِه الْمَسْأَلَة قتل الْأَمِير مَحْمُود بن سبكتكين مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَصَاحب خرا سان ﵀ ابْن فورك شيخ الأشعرية فَأحْسن الله جَزَاء مَحْمُود على ذَلِك وَلعن ابْن فورك وأشياعه وَأَتْبَاعه قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِنَّمَا حملهمْ على الْكفْر الْفَاحِش قَول لَهُم آخر فِي نِهَايَة الضلال والإنسلاخ من الْإِسْلَام وَهِي قَوْلهم أَن الْأَرْوَاح أَعْرَاض تفنى وَلَا تبقى وَقْتَيْنِ وَأَن روح كل وَاحِد منا الْآن هُوَ غير روحه الَّذِي كَانَ لَهُ قبل ذَلِك بطرفة عين وَإِن كل وَاحِد منا يُبدل أَزِيد من ألف ألف روح فِي كل سَاعَة زمانية وَأَن النَّفس إِنَّمَا هُوَ هَذَا الْهَوَاء الْخَارِج بالتنفس حاراً بعد دُخُوله بَارِدًا وَأَن الْإِنْسَان إِذا مَاتَ فني روحه وَبَطل وَأَنه لَيْسَ لمُحَمد وَلَا لأحد من الْأَنْبِيَاء عِنْد الله تَعَالَى روح ثَابِتَة تنعم وَلَا نفس قَائِمَة تكرم وَهَذَا خُرُوج عَن إِجْمَاع الْإِسْلَام فَمَا قَالَ

стр. 610

بِهَذَا أحد مِمَّن ينتمي إِلَى الْإِسْلَام قبل أبي الْهُذيْل العلاف ثمَّ تلاه هَؤُلَاءِ وَهَذَا خلاف مُجَرّد لِلْقُرْآنِ وَتَكْذيب لله إِذْ يَقُول ﴿اخْرُجُوا أَنفسكُم الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون﴾ وَإِذ يَقُول ﴿وَلَا تَقولُوا لمن يقتل فِي سَبِيل الله أموات بل أَحيَاء وَلَكِن لَا تشعرون﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله ويستبشرون بالذين لم يلْحقُوا بهم من خَلفهم إِلَّا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت وَيُرْسل الْأُخْرَى إِلَى أجل مُسَمّى﴾ وَخلاف السّنَن الثَّابِتَة عَن رَسُول الله ﷺ المنقولة نقل التَّوَاتُر من رُؤْيَته ﷺ الْأَنْبِيَاء ﵈ لَيْلَة أسرِي بِهِ فِي السَّمَاء وَمَا جرى لَهُ مَعَه مُوسَى ﵇ فِي عدد الصَّلَوَات المفروضات وَأَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء نسمَة تعلق فِي ثمار الْجنَّة وَمَا يلقى الرّوح عِنْد خُرُوجه من الْفِتْنَة والمسائلة وإخباره ﵇ أَنه رأى عَن يَمِين آدم أَسْوِدَة نسم بنيه من أهل الْجنَّة وَعَن يسَاره أَسْوِدَة نسم بنيه من أهل النَّار وَسَائِر السّنَن المأثورة قَالَ أَبُو مُحَمَّد ثمَّ خجلوا من هَذِه الْعَظِيمَة وتبرأ مِنْهُم إِبْلِيس الَّذِي ورطهم فِيهَا فشلوا فَقَالُوا فِي كتبهمْ فَإِن لم يكن هَذَا فَإِن الرّوح تنْتَقل عِنْد خُرُوجهَا من الْجِسْم إِلَى جسم آخر هَكَذَا نَص الباقلاني فِي أحد كتبه وَأَظنهُ الرسَالَة الْمَعْرُوفَة بِالْحرَّةِ وَهَذَا مَذْهَب التناسخ بِلَا كلفة وَقَالَ السمناني فِي كِتَابه أَن الباقلاني وَأَصْحَابه قَالُوا أَن كل مَا جَاءَ فِي الْخَبَر من نقل أَرْوَاح الشُّهَدَاء إِلَى حواصل طير خضر وَأَن روح الْمَيِّت ترتد إِلَيْهِ فِي قَبره وَمَا جرى مجْرى ذَلِك من وصف الرّوح بِالْقربِ والبعد وَالْحَرَكَة والانتقال والسكون وَالْعَذَاب فَكل ذَلِك مَحْمُول على أقل جُزْء من أَجزَاء الْمَيِّت والشهيد أَو الْكَافِر وإعادة الْحَيَاة فِي ذَلِك الْجُزْء قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا طَرِيق من الهوس جدا وتطايب بِالدّينِ وَلَقَد أَخْبرنِي ثِقَة من أَصْحَابِي أَنه سمع بعض مقدميهم يَقُول أَن الرّوح إِنَّمَا تبقى فِي عجب الذَّنب لقَوْل رَسُول الله ﷺ كل ابْن آدم يَأْكُلهُ التُّرَاب إِلَّا عجب الذَّنب مِنْهُ خلق وَفِيه يركب قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا التَّأْوِيل أقرب إِلَى الْهزْل مِنْهُ إِلَى أَقْوَال أهل الْإِسْلَام ونعوذ بِاللَّه من الخذلان فَإِنَّمَا هَذِه ستائر دون مَذْهَبهم الْخَبيث الَّذِي ذكرنَا آنِفا وَقَالُوا كلهم أَن النّظر فِي دَلَائِل الْإِسْلَام فرض وَأَنه لَا يكون مُسلما حَتَّى ينظر فِيهَا وَأَن من شَرط النَّاظر فِيهَا أَن يكون وَلَا بُد شاكا فِي الله وَفِي صِحَة النُّبُوَّة وَلَا يَصح النّظر فِي دَلَائِل النُّبُوَّة وَدَلَائِل التَّوْحِيد لمن يعْتَقد صِحَّتهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالله مَا سمع سامع قطّ بادخل فِي الْكفْر من قَول من أوجب الشَّك فِي الله تَعَالَى وَفِي صِحَة النُّبُوَّة فرضا على كل متعلم لانجاه لَهُ إِلَّا بِهِ وَلَا دين لَا حد دونه وَأَن اعْتِقَاد صِحَة التَّوْحِيد لله تَعَالَى وَصِحَّة النُّبُوَّة بَاطِل لَا يحل فَحصل من كَلَامهم أَن من لم يشك فِي الله تَعَالَى وَلَا فِي صِحَة النُّبُوَّة فَهُوَ كَافِر وَمن شكّ فيهمَا فَهُوَ محسن مؤد مَا وَجب عَلَيْهِ وَهَذِه فضيحة وحماقة اللَّهُمَّ إِنَّا نبرأ إِلَيْك من هَذَا القَوْل وَمن كَانَ قَائِل بِهِ ثمَّ لم يَجدوا فِي أمد الِاسْتِدْلَال حدا فليت شعري على هَذَا القَوْل الملعون وَهُوَ ومعتقده والداعي إِلَيْهِ كَيفَ يكون حَال من قبل وصيتهم هَذِه الَّتِي هِيَ وَصِيَّة الشَّيْطَان الرَّجِيم فَتبين بِالشَّكِّ فِي الله تَعَالَى وَفِي النُّبُوَّة وامتد بِهِ أمد الِاسْتِدْلَال أَيَّامًا وأشهراً وساعات مَاتَ فِيهَا أَيْن مستقره ومصيره إِلَى النَّار وَالله خَالِدا

стр. 611

مخلدا أَبَد وبيقين نَدْرِي أَن قَائِل هَذِه الْأَقْوَال مطَالب لِلْإِسْلَامِ كأدلة مرصد لأهل دَاعِيَة إِلَى الْكفْر ونعوذ بِاللَّه من الضلال وَقَالُوا كلهم أَن طَعَام رَسُول الله ﷺ المئين والعشرات من صَاع شعير مرّة بعد مرّة وسقيه الْألف والألوف من مَاء يسير يَنْبع من بَين أَصَابِعه وحنين الْجذع ومجيء الشَّجَرَة وَتكلم الذِّرَاع وشكوى الْبَعِير ومجيء الذِّئْب لَيْسَ شَيْء من ذَلِك دلَالَة على صدق رَسُول الله ﷺ فِي نبوته لِأَنَّهُ ﵇ لم يتحد النَّاس بذلك وَلَا يكون عِنْدهم آيَة إِلَّا مَا تحدى بِهِ الْكفَّار فَقَط وَهَذَا تَكْذِيب مِنْهُم للنَّبِي ﷺ فِي قَوْله إِذْ فعل ذَلِك أشهد أَنِّي رَسُول الله وَهَذَا أَيْضا قَول افتروه خالفوا فِيهِ جَمِيع أهل الْإِسْلَام وَقَالُوا كلهم لَيْسَ لشَيْء من الْأَشْيَاء نصف وَلَا ثلث وَلَا ربع وَلَا سدس وَلَا ثمن وَلَا عشر وَلَا بعض وَأَنه لَا يجوز أَن يُقَال الْفَرد عشر الْعشْرَة وَلَا أَنه بعض الْخَمْسَة وحجتهم فِي ذَلِك أَنه لَو جَازَ أَن يُقَال ذَلِك لَكَانَ عشرا لنَفسِهِ وَبَعض نَفسه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا جهل شَدِيد لِأَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ بعض من جملَة يكون سائرها غَيره وَعشر جملَة يكون سائرها غَيره ونسوا أنفسهم فَقَالُوا بالجزء لَا يتَجَزَّأ ونسوا إِلْزَام أنفسهم أَن يكون جُزْءا لنَفسِهِ وَهَذَا تَكْذِيب لله إِذْ يَقُول فِي الْقُرْآن فلهَا النّصْف فلامه الثُّلُث فلامه السُّدس وَلكم الرّبع ولهن الثّمن بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَهَذَا عَن النَّبِي ﷺ كثير مَعَ مخالفتهم فِي ذَلِك جَمِيع أهل الأَرْض مؤمنهم وكافرهم وَمُخَالفَة كل لُغَة والمعقول والطبائع وَقَالُوا كلهم من قَالَ أَن النَّار تحرق أَو تفلح أَو أَن الأَرْض تهتز أَو تنْبت شَيْئا أَو أَن الْخمر يسكر أَو أَن الْخبز يشْبع أَو أَن المَاء يروي أَو أَن الله تَعَالَى ينْبت الزَّرْع وَالشَّجر بِالْمَاءِ فقد ألحد وافترى وَقَالَ الباقلاني من آخر السّفر الرَّابِع من كِتَابه الْمَعْرُوف بالانتصار فِي الْقُرْآن نَحن ننكر فعل النَّار للتسخين والإحراق وننكر فعل الثَّلج للتبريد وَفعل الطَّعَام وَالشرَاب للشبع والري وَالْخمر للإسكار كل هَذَا عندنَا بَاطِل محَال ننكره أَشد الْإِنْكَار وَكَذَلِكَ فعل الْحجر لجذب شَيْء أَو رده أَو حَبسه أَو إِطْلَاقه من جَدِيد أَو غَيره هَذَا نَص كَلَامه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تَكْذِيب مِنْهُم لله إِذْ يَقُول ﴿تلفح وُجُوههم النَّار﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿ونزلنا من السَّمَاء مَاء مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جنَّات وَحب الحصيد﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّا نسوق المَاء إِلَى الأَرْض الجرز فنخرج بِهِ زرعا تَأْكُل مِنْهُ أنعامهم وأنفسهم﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج﴾ وَقد صككت بِهَذَا وَجه بعض مقدميهم فِي المناظرة فدهش وبلد وَهُوَ أَيْضا تَكْذِيب لقَوْل رَسُول الله ﷺ إِذْ يَقُول كل مُسكر حرَام وكل سراب أسكر حرَام مَعَ مخالفتهم لكل لُغَة وَلكُل ذِي حس من مُسلم وَكَافِر ومكابرة العيان وَإِبْطَال الْمُشَاهدَة ثمَّ أظرف شَيْء احتجاجهم فِي هَذِه الطامة بِأَن الله هُوَ الَّذِي خلق ذَلِك كُله فَقُلْنَا لَهُم أوليس فعل كل حَيّ مُخْتَار واختياره خلقا لله فَلَا بُد من قَوْلهم نعم فَيُقَال لَهُم فَمن أَيْن نسبتم الْفِعْل إِلَى الْأَحْيَاء وَهِي خلق الله تَعَالَى ومنعتم من نِسْبَة الْفِعْل إِلَى الجمادات لِأَنَّهُ خلق الله تَعَالَى وَلَا فرق وَلَكنهُمْ قوم لَا يعْقلُونَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَسمعت بعض مقدميهم يَقُول أَن من كَانَ على معاصي خَمْسَة من زنا وسرقة وَترك صَلَاة وتضييع زَكَاة وَغير ذَلِك ثمَّ تَابَ عَن بَعْضهَا دون بعض فَإِن تَوْبَته تِلْكَ لَا تقبل وَقد نَص السمناني على أَن هَذَا قَول الباقلاني وَهُوَ قَول أبي هَاشم الجبائي ثمَّ قَالَ السمناني

стр. 612

هَذَا قَول خارق للْإِجْمَاع جملَة وَخلاف لدين الْأمة هَذَا نَص قَول السمناني فِي شَيْخه وشهدوا على أنفسهم وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتلاومون قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا القَوْل مُخَالف لِلْقُرْآنِ وَالسّنَن لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة فَلَا تظلم نفس شَيْئا﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ وبالضرورة يدْرِي كل ذِي مسكة من عقله أَن التَّوْبَة من الزِّنَا خير كثير فَهَذَا الْجَاهِل يَقُول أَنه لَا يرَاهُ صَاحبه وَأَنه عمل ضائع عِنْد الله من مُسلم مُؤمن ومعاذ الله من هَذَا وسر هَذَا القَوْل الملعون وَحَقِيقَته الَّتِي لَا بُد لقائله مِنْهُ أَنه لَا معنى لمن أصر على الزِّنَا أَو شرب الْخمر فِي أَن يُصَلِّي وَلَا أَن يُزكي فقد صَار يَأْمر بترك الصَّلَاة الْخمس وَالزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَالْحج فعلى هَذَا القَوْل وقائله لعائن الله تتري مَا دَار اللَّيْل وَالنَّهَار وَنَصّ السمناني عَن الباقلاني شَيْخه أَنه كَانَ يَقُول إِن الله تَعَالَى لَا يغْفر الصَّغَائِر باجتناب الْكَبَائِر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأَن سَمِعت بعض مقدميهم يُنكر أَن يكون فِي الذُّنُوب صغائر وناظرته بقول الله تَعَالَى ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ وَقلت بِالضَّرُورَةِ يدْرِي كل ذِي فهم أَن لَا كَبَائِر إِلَّا بِالْإِضَافَة إِلَى مَا هُوَ أَصْغَر مِنْهَا وَهِي السَّيِّئَات المغفورة باجتناب الْكَبَائِر بِنَصّ كَلَام الله تَعَالَى فقولك هَذَا خلاف لِلْقُرْآنِ مُجَرّد فخلط ولجأ إِلَى الحرد وَهَذَا مِنْهُم تَكْذِيب لله ورد لحكمه بِلَا كلفة وَمن شنعهم الممزوجة بالهوس وصفافة الْوَجْه قَوْلهم أَن لَا حر فِي النَّار وَلَا فِي الثَّلج برد وَلَا فِي الْعَسَل حلاوة وَلَا فِي الصَّبْر مرَارَة وَإِنَّمَا خلق الله تَعَالَى ذَلِك عِنْد اللَّمْس والذوق وَهَذَا حمق عَتيق قادهم إِلَيْهِ إنكارهم الطبائع وَقد ناظرناهم على ذَلِك هَذَا مَعَ قَول شيخهم الباقلاني أَن لقشور الْعِنَب رَائِحَة للزجاج والحصا طعماً ورائحة وَزَادُوا حَتَّى بلغُوا إِلَى أَن قَالُوا أَن للفلك طعماً ورائحة فليت شعري مَتى ذاقوه أَو شموه أَو من أخْبرهُم بِهَذَا وَهَذَا لَا يعرفهُ إِلَّا الله ثمَّ الْمَلَائِكَة الَّذين هُنَالك وَليكن من ذاق طعم الزّجاج وشم رَائِحَته فَغير مُنكر أَن يدعى مُشَاهدَة الْفلك ولمسه وَشمه وذوقه وَمن شنعهم قَوْلهم أَن من كَانَ الْآن على دين الْإِسْلَام مخلصاً بِقَلْبِه وَلسَانه مُجْتَهدا فِي الْعِبَادَة إِلَّا أَن الله يعلم أَنه لَا يَمُوت إِلَّا كَافِرًا فَهُوَ الْآن عِنْد الله كَافِرًا وَإِن من كَانَ الْآن كَافِرًا يسْجد للنار وللصليب أَو يَهُودِيّا أَو زنديقا مصرحين بتكذيب رَسُول الله ﷺ إِلَّا أَن فِي علم الله تَعَالَى أَنه لَا يَمُوت إِلَّا مُسلما فَإِنَّهُ الْآن عِنْد الله مُسلم قَالَ أَبُو مُحَمَّد مَا قَالَ هَذَا مُسلم قطّ قبل هِشَام الغوطي وَهَذِه مُكَابَرَة للعيان وَتَكْذيب لله مُجَرّد كَأَنَّهُمْ مَا سمعُوا قطّ قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم آمنُوا ثمَّ كفرُوا﴾ فسماهم مُؤمنين ثمَّ أخبر تَعَالَى بِأَنَّهُم كفرُوا وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر﴾ فَجعل الْإِسْلَام دينا لما كَانَ عَلَيْهِ إِذْ كَانَ عَلَيْهِ وَإِن ارْتَدَّ مَعَه وَمَات كَافِرًا وَقَوله تَعَالَى مُخَاطبا للْمُسلمين من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ﴿وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا تَبْتَغُونَ عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا فَعِنْدَ الله مَغَانِم كَثِيرَة كَذَلِك كُنْتُم من قبل فَمن الله عَلَيْكُم فَتَبَيَّنُوا﴾ ويلزمهم أَن الَّذِي يسلم أَبوهُ وَلَا يسلم هُوَ لِأَنَّهُ كَانَ بَالغا ثمَّ مَاتَ أَبوهُ فَلم يَرِثهُ لكفره ثمَّ أسلم أَن يفسخوا حكمهم ويورثوه من أَبِيه لِأَنَّهُ عِنْدهم كَانَ إِذْ مَاتَ أَبوهُ مُؤمنا عِنْد الله تَعَالَى ويلزمهم

стр. 613

أَن من كَانَ صَبيا ثمَّ عَاشَ حَتَّى شاخ أَنه لم يكن عِنْد الله قطّ إِلَّا شَيخا وَلَو جمع مَا يدْخل عَلَيْهِم لقام مِنْهُ سفر ضخم وَقَالُوا كلهم أَنه لَيْسَ على ظهر الأَرْض يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ يقر بِقَلْبِه أَن الله حق قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا تَكْذِيب لِلْقُرْآنِ على مَا بَينا قبل ومكابرة للعيان لأَنا لَا نحصي كم دخل فِي الْإِسْلَام مِنْهُم وَصلح إيمَانه وَصَارَ عدلا وَكلهمْ لَا يخْتَلف فِي أَنه كَانَ قبل إِسْلَامه مقرا بِاللَّه عَالما بِهِ كَمَا هُوَ بعد إِسْلَامه لم يزدْ فِي توحيده شَيْء فكابر والعيان وكذبوا لِلْقُرْآنِ بحمق وَقلة حَيَاء لَا نَظِير لَهُ وَقَالَ الباقلاني فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالانتصار فِي الْقُرْآن مني قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿لَا يحب الْفساد﴾ إِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا يحب الْفساد لأهل الصّلاح وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ أَن يكفروا وَلم يرد أَنه لَا يرضاه لأحد من خلقه وَلَا يُحِبهُ لأحد مِنْهُم ثمَّ قَالَ وَإِن كَانَ قد أحب ذَلِك ورضيه لأهل الْكفْر وَالْفساد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تَكْذِيب لله تَعَالَى مُجَرّد ثمَّ أَيْضا أخبر بِأَن الْكفَّار فعلوا من الْكفْر أمرا رضيه الله تَعَالَى مِنْهُم وأحبه مِنْهُم فَكيف يدْخل هَذَا فِي عقل مُسلم مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم﴾ وأعجبوا لظلمة جَهله إِذْ لم يفرق بَين إِرَادَة الْكفْر والمشيئة والخلق لَهُ وَبَين الرِّضَا والمحبة وَقَالَ أَيْضا فِيهِ أَن أقل من سُورَة من الْقُرْآن لَيْسَ بمعجز أصلا بل هُوَ مَقْدُور على مثله وَقَالَ أَيْضا فِي السّفر الْخَامِس من الدِّيوَان الْمَذْكُور أَن قيل كَيفَ تَقولُونَ أَكَانَ يجوز من الله أَن يؤلف الْقُرْآن تأليفاً آخر غير هَذَا يعجز الْخلق عَن مُقَابلَته قُلْنَا نعم هُوَ تَعَالَى قَادر على ذَلِك وعَلى مَا لَا غَايَة لَهُ من هَذَا الْبَاب وعَلى أقدار كَثِيرَة وأعداد لَا يحصيها غَيره إِلَّا أَن كَانَ تأليف الْكَلَام ونظم الْأَلْفَاظ لَا بُد أَن يبلغ إِلَى غَايَة وحد لَا يحْتَمل الْكَلَام أَكثر مِنْهُ وَلَا أوسع وَلَا يبْقى وَرَاء تِلْكَ الْأَعْدَاد نَص والأوزان شَيْء تتناوله الْقُدْرَة قَالَ وَلنَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة نظر فِي تأليف الْكَلَام ونظم الْأَجْسَام وتصوير الْأَشْخَاص هَل يجب أَن يكون نِهَايَة لَا يحْتَمل الْمُؤلف والمنظوم فَوْقهَا وَلَا مَا هُوَ أَكثر مِنْهَا أم لَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد هُنَا صرح بِالشَّكِّ فِي قدرَة الله تَعَالَى الها نِهَايَة كَمَا يَقُول أَبُو الْهُذيْل أَخُوهُ فِي الضلال وَالْكفْر أم لَا نِهَايَة لَهَا كَمَا يَقُول أهل الْإِسْلَام ونعوذ بِاللَّه من الضلال قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَقَد أَخْبرنِي بعض من كَانَ يداخلهم وَكَانَ لَهُ فيهم سَبَب قوي وَكَانَ من أهل الْفَهم والذكاء وَكَانَ يزري فِي بَاطِن أمره عَلَيْهِم أَنهم يَقُولُونَ أَن الله تَعَالَى مذ خلق الأَرْض فَإِنَّهُ خلق جسماً عَظِيما يمْسِكهَا عَن أَن تهوى هابطة فَلَمَّا خلق ذَلِك الْجِسْم أفناه فِي الْوَقْت بِلَا زمَان وَخلق آخر مثله يمْسِكهَا أَيْضا فَلَمَّا خلقه أفناه إِثْر خلقه بِلَا زمَان أَيْضا وَخلق آخر وَهَكَذَا أبدا أبدا بِلَا نِهَايَة قَالَ لي وحجتهم فِي هَذَا الوسواس وَالْكذب على الله تَعَالَى فِيهِ مِمَّا لم يقلهُ أحد قبلهم مِمَّا يكذبهُ الْحس والمشاهدة أَنه لَا بُد للْأَرْض من جسم مُمْسك والاهوت فَلَو كَانَ ذَلِك الممسك يبْقى وَقْتَيْنِ أَو مِقْدَار طرفَة عين لسقط هُوَ أَيْضا مَعهَا فَهُوَ إِذا خلق ثمَّ أفنى إِثْر خلقه وَلم يَقع لِأَن الْجِسْم عِنْدهم فِي ابْتِدَاء خلقه لَا سَاكن وَلَا متحرك قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا احتجاج للحمق بالحمق وَمَا عقل أحد قطّ جسماً لَا سَاكِنا وَلَا متحركاً بل الْجِسْم فِي ابتداه خلق الله تَعَالَى لَهُ فِي مَكَان مُحِيط بِهِ فِي جهاته وَلَا شكّ سَاكن فِي مَكَانَهُ ثمَّ تحرّك وَكَأَنَّهُم لم يسمعوا لقَوْل الله تَعَالَى ﴿أَن الله يمسك السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا﴾

стр. 614

فَأخْبر تَعَالَى أَنه يمْسِكهَا كَمَا شَاءَ دون تكلّف مَا لم يخبرنا الله تَعَالَى بِهِ وَلَا جعل فِي الْعُقُول دَلِيلا عَلَيْهِ وَلَو أَن قَائِل هَذَا الْحمق وقف على الْحق وطالع شَيْئا من براهين الْهَيْئَة لحجل مِمَّا أَتَى بِهِ من الهوس وَمن شنعهم قَول هَذَا الباقلاني فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالانتصار فِي الْقُرْآن إِن تَقْسِيم آيَات الْقُرْآن وترتيب مَوَاضِع سوره شَيْء فعله النَّاس وَلَيْسَ هُوَ من عِنْد الله وَلَا من أَمر رَسُول الله ﷺ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فقد كذب هَذَا الْجَاهِل وأفك أتراه مَا سمع قَول الله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ وَقَول رَسُول الله ﷺ فِي آيَة الْكُرْسِيّ وَآيَة الْكَلَالَة وَالْخَبَر أَنه ﵇ كَانَ يَأْمر إِذا نزلت الْآيَة أَن تجْعَل فِي سُورَة كَذَا وَمَوْضِع كَذَا وَلَو أَن النَّاس رتبوا سوره لما تعدوا أحد وُجُوه ثَلَاثَة إِمَّا أَن يرتبوها على الأول فَالْأول نزولاً أَو الأطول فَمَا دونه أَو الأقصر فَمَا فَوْقه فَإذْ لَيْسَ ذَلِك كَذَلِك فقد صَحَّ أَنه أَمر رَسُول الله ﷺ الَّذِي لَا يُعَارض عَن الله لَا يجوز غير ذَلِك أصلا وَمن شنعهم قَول الباقلاني فِي كِتَابه فِي مَذَاهِب القرامطة قرب آخر الْكتاب فِي بَاب تَرْجَمته ذكر جمل مقالات الدهرية والفلاسفة والثنوية قَالَ الباقلاني فَأَما مَا يَسْتَحِيل بَقَاؤُهُ من أَجنَاس الْحَوَادِث وَهِي الْأَعْرَاض فَإِنَّمَا يجب عدمهَا فِي الثَّانِي من حَال حدوثها من غير معدم وَلَا شَيْء يفنيها هَذَا نَص كَلَامه وَقَالَ مُتَّصِلا بِهَذَا الْفَصْل وَأما نَحن فَنَقُول أَنَّهَا تفني الْجَوَاهِر نعني بِقطع الأكوان عَنْهَا من حَيْثُ لَا يَصح لَهَا وجود لَا فِي مَكَان وَلَا فِيمَا يقدر تَقْدِير الْمَكَان وَإِذا لم يلْحق فِيهَا شَيْء من الأكوان فَعدم مَا كَانَ يخلق فِيهَا مِنْهَا أوجب عدمهَا هَذَا نَص كَلَامه وَهَذَا قَول بإفناء الْجَوَاهِر والأعراض وَهُوَ فنَاء وإعدام لَا فَاعل لَهما وَإِن الله تَعَالَى لم يفنى الفاني ونعوذ بِاللَّه من الضلال والحاد الْمَحْض وَقَالُوا بأجمعهم لَيْسَ لله تَعَالَى على الْكفَّار نعْمَة دينية أصلا وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ شيخهم ولاله على الْكفَّار نعْمَة دنيوية أصلا وَهَذَا تَكْذِيب مِنْهُ وَمن أَتْبَاعه الضلال لله إِذْ يَقُول ﴿بدلُوا نعْمَة الله كفرا وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار جَهَنَّم يصلونها وَبئسَ الْقَرار﴾ وَإِذ يَقُول ﴿يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم وَإِنِّي فضلتكم على الْعَالمين﴾ وَإِنَّمَا خَاطب تَعَالَى بِهَذَا كفَّارًا جَحَدُوا نعْمَة الله تَعَالَى تبكيتاً لَهُم وَأما الدُّنْيَوِيَّة فكثير قَالَ تَعَالَى ﴿قتل الْإِنْسَان مَا أكفره من أَي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَلْينْظر الْإِنْسَان إِلَى طَعَامه﴾ الْآيَة وَمثله من الْقُرْآن كثير وَقَالَ الباقلاني فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالانتصار فِي الْقُرْآن فِي بَاب مترجم بِبَاب الدّلَالَة على أَن الْقُرْآن معجز للنَّبِي ﷺ وَذكروا سُؤال الْمُلْحِدِينَ عَن الدَّلِيل على صِحَة مَا ادَّعَاهُ الْمُسلمُونَ من أَن الْقُرْآن معجز فَقَالَ الباقلاني يُقَال لَهُم مَا معنى وصف الْقُرْآن وَغَيره من آيَات الرَّسُول ﷺ بِأَنَّهُ معجز فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه مِمَّا لَا يقدر الْعباد عَلَيْهِ وَأَن يَكُونُوا عاجزين على الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا وصف الْقُرْآن وَغَيره من آيَات الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام كعصى مُوسَى وَخُرُوج النَّاقة من الصَّخْرَة وإبراء الأكمة والأبرص وإحياء الْمَوْتَى بِأَنَّهُ معجز وَإِن لم يتَعَلَّق بِهِ عجز عَاجز عَنهُ على وَجه التَّسْمِيَة بِمَا يعجز عَنهُ الْعَاجِز من الْأُمُور الَّتِي صَحَّ عجزهم عَنْهَا وقدرتهم عَلَيْهَا لأَنهم لم يقدروا على معارضات آيَات الرُّسُل غير عَن عدم قدرتهم على ذَلِك فالعجز عَنهُ تَشْبِيها لَهُ بالمعجوز عَنهُ قَالَ الباقلاني وَمِمَّا يدل على أَن الْعَرَب لَا

стр. 615

يجوز أَن تعجز عَن مثل الْقُرْآن لِأَنَّهُ قد صَحَّ وَثَبت أَن الْعَجز لَا يكون عَجزا إِلَّا عَن مَوْجُود فَلَو كَانُوا على هَذَا الأَصْل عاجزين عَن مثل الْقُرْآن وَعصى مُوسَى وإحياء الْمَوْتَى وَخلق الْأَجْسَام والأسماع والأبصار وكشف الْبلوى والعاهات لوَجَبَ أَن يكون ذَلِك الْمثل مَوْجُودا فيهم وَمِنْهُم كَمَا كَانُوا قَادِرين على ذَلِك لوَجَبَ أَن يكون ذَلِك مِنْهُم وَلما لم يكن ذَلِك كَذَلِك ثَبت أَنه لَا يجوز عجز الْعباد على الْحَقِيقَة عَن مثل الْقُرْآن مَعَ عَدمه مِنْهُم وَكَونه غير مَوْجُود لَهُم وَلَا عَن قلب عصى مُوسَى حَيَّة وَلَا عَن مثل ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد أينتظر كفر بعد هَذَا الْكفْر فِي تصريحه أَن الْعباد وَالْعرب لَا يجوز أَن يعْجزُوا عَن مثل الْقُرْآن وَلَا عَن قلب الْعَصَا حَيَّة وَلَا يغتر ضَعِيف بقوله إِنَّهُم غير قَادِرين على ذَلِك فَإِنَّمَا على قَوْله الْمَعْرُوف من أَن الله لَا يقدر على غير مَا فعل وَظهر مِنْهُ فَقَط وَمن عَظِيم الْمحَال قَوْله فِي هَذَا الْفَصْل أَنه لَا يجوز أَن يعجز الْعَاجِز إِلَّا عَمَّا يقدر عَلَيْهِ مَعَ أَن هَذَا الْكَلَام عَنهُ مُوجب أَنهم إِن عجزوا عَن مثل الْقُرْآن وقدروا عَلَيْهِ وَمَا يمترى فِي أَنه كَانَ كائداً لِلْإِسْلَامِ ملحداً لَا شكّ فِيهِ فَهَذِهِ الْأَقْوَال لَا ينْطَلق بهَا لِسَان مُسلم وَمن أعظم الْبَرَاهِين على كفر الباقلاني وكيده للدّين قَوْله فِي فصل آخر من الْبَاب الْمَذْكُور فِي الْكتاب الْمَذْكُور أَنه لَا يجب على من سمع الْقُرْآن من مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب ﷺ أَن يُبَادر إِلَى الْقطع على أَنه لَهُ آيَة أَو أَنه على يَده ظهر وَمن قبله نجم حَتَّى يسْأَل أهل النواحي والأطراف ونقلة الْأَخْبَار ويتعرف حَال الْمُتَكَلِّمين بذلك اللِّسَان فِي الْآفَاق فَإِذا علم بعد التثبت وَالنَّظَر أَنه لم يسْبقهُ إِلَى ذَلِك أحد لزمَه حِينَئِذٍ اعْتِقَاد نبوته قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا إِنْسَان خَافَ معاجلة الْأمة لَهُ بِالرَّجمِ كَمَا يرْجم الْكَلْب إِن صرح بِأَن نبوة مُحَمَّد ﷺ بَاطِل فَصرحَ لَهُم بِمَا يودي إِلَى ذَلِك من قرب إِذا وَجب بِأَن لَا يقر أحد بنبوة مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب رَسُول الله ﷺ وَلَا بِأَن أَتَى بِالْقُرْآنِ وَلَا بِأَنَّهُ آيَة من آيَاته على صِحَة نبوته إِلَّا حَتَّى يسْأَل أهل النواحي والأطراف وينتظر الْأَخْبَار ويتعرف حَال الْمُتَكَلّم بِالْعَرَبِيَّةِ فِي الْآفَاق قَالَ أَبُو مُحَمَّد فأحال وَالله على عمل لَا نِهَايَة لَهُ وَلَو عمر الْإِنْسَان عمر نوح ﵊ لِأَن سُؤال أهل النواحي والأطراف لَا يَنْقَضِي فِي ألف عَام وانتظار الْأَخْبَار لَيْسَ لَهُ حد وليت شعري مَتى تصل المخدرة وطالب المعاش إِلَى طرف من هَذَا الْمحَال لِأَن أهل النواحي هم من بَين صدر الصين إِلَى آخر الأندلس إِلَى بِلَاد الزنج إِلَى بِلَاد الصقالية فَمَا بَين ذَلِك فلاح كفر هَذَا الْجَاهِل الملحد وكيده لِلْإِسْلَامِ لكل من لَهُ أدنى حس مَعَ ضعف كَيده فِي ذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿إِن كيد الشَّيْطَان كَانَ ضَعِيفا﴾ وَيَكْفِي من كل هزر أَتَى بِهِ هَذَا الْفَصْل الملعون قائلة ازمن لَهُ علم قوي بِالْعَرَبِيَّةِ ولاخبار فِي كَيْفيَّة تَيَقّن عجز الْعَرَب عَن معارضته فَمن بعدهمْ إِلَى الْيَوْم وَأَنه من عِنْده ضَرُورَة لِأَنَّهُ لم ينزل الْقُرْآن جملَة فَيمكن فِيهِ الدَّعْوَى من أحد وَإِنَّمَا نزل مقطعاً فِي كل قصَّة تنزل فَينزل فِيهَا قُرْآن وَهَذِه ضَرُورَة مُوجبَة أَنه عِنْده ﵊ ظهر بِوَحْي الله تَعَالَى إِلَيْهِ وَبِمَا فِيهِ من الغيوب الَّتِي قد ظهر إنذاره بهَا وَأما من لَا علم لَهُ باللغة والأحبار فكيفية أَخْبَار من يَقع لَهُ الْعلم بِخَبَرِهِ بِأَن الْعَرَب عجزت عَن مثله وَأَنه أَتَى بِهِ مفصلا عِنْد حُلُول الْقَصَص الَّتِي أنزل الله تَعَالَى فِيهَا الْآيَة والآيتين والكلمة والكلمتين من الْقُرْآن والتوراة

стр. 616

حَتَّى تمّ هُوَ فَهَذَا الْحق وَذَلِكَ الْإِلْحَاد الْمَحْض وَالْكَلَام الغث السخيف وَمن كفراتهم الصلع قَول السمناني إِذْ نَص على أَن الباقلاني كَانَ يَقُول أَن جَمِيع الْمعاصِي كلهَا لَا تحاشي شَيْئا مِنْهَا مِمَّا يجب أَن يسْتَغْفر الله مِنْهُ جايز وُقُوعهَا من النَّبِي ﷺ حاشا الْكَذِب فِي الْبَلَاغ فَقَط وَقَالَ الباقلاني وَإِذا نهي النَّبِي ﷺ عَن شَيْء ثمَّ فعله فَلَيْسَ ذَلِك دَلِيلا على أَنه مَنْسُوخ إِذْ قد يَفْعَله عَاصِيا لله قَالَ الباقلاني وَلَيْسَ على أَصْحَابه فرضا أَن ينكروا ذَلِك عَلَيْهِ وَقَالَ السمناني فِي كِتَابه الْإِمَامَة لَوْلَا دلَالَة الْعقل على وجوب كَون النَّبِي ﷺ مَعْصُوما فِي الْبَلَاغ عَن الله لما وَجب كَونه مَعْصُوما فِي الْبَلَاغ كَمَا لَا يجب فِيمَا سواهُ من أَفعاله وأقواله وَقَالَ أَيْضا فِي مَكَان آخر مِنْهُ وَكَذَلِكَ يجوز أَن يكفر النَّبِي ﷺ بعد أَدَاء الرسَالَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِن كَانَ قَالَ هَذَا القَوْل ناصراً لَهُ وداعياً إِلَيْهِ مُسلم قطّ وَمَا كَانَ قَائِله لَا كَافِرًا ملحداً فاعلموا أَيهَا النَّاس أَنه قد جوز على النَّبِي ﷺ الْكفْر وَالزِّنَا واللياطة والبغاء وَالسَّرِقَة وَجَمِيع الْمعاصِي وَأي كيد لِلْإِسْلَامِ النَّاس أعظم من هَذَا وَأما صَاحبه ابْن فورك فَإِنَّهُ منع من هَذَا وَأنْكرهُ وَأَجَازَ على النَّبِي ﷺ صغَار الْمعاصِي كَقَتل النِّسَاء وتعريضهن وتفخيذ الصّبيان وَنَحْو ذَلِك وَأما شيخهما ابْن مُجَاهِد الْبَصْرِيّ لَيْسَ بالمقري فَإِنَّهُ منع من كل ذَلِك وحاشا لله أَن يجوز النَّبِي ﷺ ذَنْب بعمد لَا صَغِير وَلَا كَبِير لقَوْل الله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَمن الْمحَال أَن يَأْمُرنَا الله تَعَالَى أَن نتأسي بعاص فِي مَعْصِيّة صغرت أَو كَبرت وأعجبوا لاستخفاف هَذَا الملحد بِالدّينِ وبالمسلمين إِذْ يَقُول هَاهُنَا أَنه لَيْسَ فرضا على أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَن ينكروا عَلَيْهِ عصيان ربه وَمُخَالفَة أمره الَّذِي أَمرهم بِهِ وَهُوَ يَقُول فِي نَصره للْقِيَاس أَن قِيَاس من قَاس من الصَّحَابَة وسكوت من سكت مِنْهُم عَن إِنْكَاره دَلِيل على وجوب الحكم بِالْقِيَاسِ لأَنهم لَا يقرونَ على مُنكر فَأوجب إقرارهم على الْمُنكر من النَّبِي ﷺ حاشا لله من هَذَا وَأنكر إقرارهم على الْقيَاس لَو كَانَ مُنكر فَجمع بَين هَذَا المناقضة وَالْكذب فِي دَعْوَى الْقيَاس على الصَّحَابَة وَدَعوى معرفَة جَمِيعهم بِقِيَاس من قَاس مِنْهُم وَدَعوى أَنهم لم ينكروه وَهَذِه صِفَات الْكَذَّابين المتلاعبين بِالدّينِ وَمن طوامهم مَا حَكَاهُ السمناني عَن الباقلاني أَنه قَالَ وَاخْتلفُوا فِي وجوب كَون النَّبِي ﷺ أفضل أهل وقته فِي حَالَة الرسَالَة وَمَا بعْدهَا إِلَى حِين مَوته فَأوجب ذَلِك قَائِلُونَ وأسقطه آخَرُونَ وَقَالَ الباقلاني وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَبِه نقُول قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا وَالله الْكفْر الَّذِي لَا خَفَاء بِهِ إِذْ جوز أَن يكون أحد مِمَّن فِي عصر النَّبِي ﷺ فَمَا بعده أفضل من رَسُول الله ﷺ وَمَا أَنْكَرْنَا على أَحْمد ابْن خابط الأدون هَذَا إِذْ قَالَ أَن أَبَا ذَر كَانَ أزهد من النَّبِي ﷺ هَذَا مَعَ قَول هَذَا المستخف الباقلاني الَّذِي ذكره عِنْد السمناني فِي كِتَابه الْكَبِير فِي كتاب الْإِمَامَة مِنْهُ أَن من شَرط الْإِمَامَة أَن يكون الإِمَام أفضل أهل زَمَانه قَالَ أَبُو مُحَمَّد يَا للعيارة بِالدّينِ يجوز عِنْد هَذَا الْكَافِر أَن يكون فِي النَّاس غير الرُّسُل أفضل من رَسُول الله ﷺ وَلَا يجوز عِنْده أَن يَلِي الْإِمَامَة أحد يُوجد فِي النَّاس

стр. 617

أفضل مِنْهُ ثمَّ حمقه أَيْضا فِي هَذَا حمق عَتيق لِأَنَّهُ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَلَا سَبِيل إِلَى الْقطع بِفضل أحد على أحد إِلَّا بِنَصّ من الله وَكَيف يحاط بالأفضل من قُرَيْش وهم مبثوثون من أقْصَى السَّنَد وكابل ومكران إِلَى الأشوته إِلَى سواحل الْبَحْر الْمُحِيط وَمن سواحل بَحر الْيمن إِلَى ثغور أرمينية وأذربيجان فَمَا بَين ذَلِك اللَّهُمَّ الْعَن من لَا يستحي وَمن الْعجب أَن هَذَا النذل الباقلاني قطع بِخِلَاف الْإِجْمَاع على أبي حنيفَة بإجازته للفراة الفارسية وَصرح بِأَن تَرْتِيب الْآيَات فِي الْقُرْآن إِجْمَاع وَقد أجَاز مَالك لمن قَرَأَ عِنْد غرُوب الشَّمْس وطلوعها فَجَاءَتْهُ آيَة سَجْدَة أَن يصل الَّتِي قبلهَا بِالَّتِي بعْدهَا فمالك عِنْده مُخَالف للْإِجْمَاع وَقطع بِأَن الشَّافِعِي مُخَالف للْإِجْمَاع فِي قَوْله ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ آيَة من أم الْقُرْآن وَإِن دَاوُد خَالف الْإِجْمَاع فِي قَوْله بِإِبْطَال الْقيَاس أَفلا يستحي هَذَا الْجَاهِل من أَن ينصف الْعلمَاء بِصفتِهِ مَعَ عَظِيم جَهله بِأَن عَاصِمًا وَابْن كثير وَغَيرهمَا من الْقُرَّاء وَطَائِفَة من الصَّحَابَة تَقول بقول الشَّافِعِي الَّذِي جعله خلافًا للْإِجْمَاع وَأَنه لم يَأْتِ قطّ عَن أحد من الصَّحَابَة إِيجَاب الحكم بِالْقِيَاسِ من طَرِيق تثبت وَأَنه قد قَالَ بإنكاره ابْن مَسْعُود ومسروق والشعي وَغَيرهم وَلَكِن من يضلل الله فَلَا هادي لَهُ وَمن عجائبه قَوْله أَن المامي إِذا نزلت بِهِ النَّازِلَة ففرضه أَن يسْأَل أفقه أهل بَلَده فَإِذا أفتاه فَهُوَ فَرْضه فَإِن نزلت بِهِ تِلْكَ النَّازِلَة ثَانِيَة لم يجز لَهُ أَن يعْمل بِتِلْكَ الْفتيا لَكِن يسْأَل ثَانِيَة أما إِذا كَانَ الْفَقِيه وَإِمَّا غَيره ففرضه أَن يعْمل بالفتيا الثَّانِيَة وَهَكَذَا أبدا قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق إِذا وَجب على كل أحد من الْعَامَّة أَن يسْأَل أبدا عَن كل مَا ينوبه فِي صلَاته وصيامه وزكاته ونكاحه وبيوعه ويكرر السُّؤَال عَن كل ذَلِك كل يَوْم بل كل سَاعَة فَهَل فِي الحماقة أَكثر من هَذَا ونعوذ بِاللَّه من الخذلان ذكر شنع لقوم لَا تعرف فرقهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد ادَّعَت طَائِفَة من الصُّوفِيَّة أَن أَوْلِيَاء الله تَعَالَى من هُوَ أفضل من جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالرسل وَقَالُوا من بلغ الْغَايَة القصوى من الْولَايَة سَقَطت عَنهُ الشَّرَائِع كلهَا من الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالزَّكَاة وَغير ذَلِك وحلت لَهُ الْمُحرمَات كلهَا من الزِّنَا وَالْخمر وَغير ذَلِك واستباحوا بِهَذَا نسَاء غَيرهم وَقَالُوا أننا نرى الله ونكلمه وَكلما قذف فِي نفوسنا فَهُوَ حق وَرَأَيْت لرجل مِنْهُم يعرف إِبْنِ شمعور كلَاما نَصه إِن لله تَعَالَى ماية اسْم وَأَن الموفي ماية هُوَ سِتَّة وَثَلَاثُونَ حرفا لَيْسَ مهنا فِي حُرُوف الهجاء شَيْء إِلَّا وَاحِد فَقَط وَبِذَلِك الْوَاحِد يصل أهل المقامات إِلَى الْحق وَقَالَ أَيْضا أَخْبرنِي بعض من رسم لمجالسة الْحق أَنه مد رجله يَوْمًا فَنُوديَ مَا هَكَذَا مجَالِس الْمُلُوك فَلم يمد رجله بعْدهَا يَعْنِي أَنه كَانَ مديماً لمجالسة الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو حَاضر النصيبي من أهل نَصِيبين وَأَبُو الصَّباح السَّمرقَنْدِي وأصحابهما أَن الْخلق لم يزَالُوا مَعَ الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو الصياح لَا تحل ذَبَائِح أهل الْكتاب وَخطأ فعل أبي بكر الصّديق ﵁ فِي قتال أهل الرِّدَّة وَصوب قَول الصَّحَابَة الَّذين رجعُوا عَنهُ فِي حربهم وَقَالَ أَبُو شُعَيْب القلال أَن ربه جسم فِي صُورَة إِنْسَان لحم وَدم ويفرح ويحزن ويمرض ويفيق وَقَالَ بعض الصُّوفِيَّة أَن ربه يمشي فِي الْأَزِقَّة حَتَّى أَنه يمشي فِي صُورَة مَجْنُون يتبعهُ الصّبيان بِالْحِجَارَةِ حَتَّى تدموا عقبَة فاعلموا رحمكم الله أَن هَذِه كلهَا كفرات صلع وأقوال قوم يكيدون الْإِسْلَام وَصدق الْقَائِل ... شهِدت بِأَن ابْن الْمعلم هازل بِأَصْحَابِهِ والباقلاني أهزل ...

стр. 618

وَمَا الْجمل الملعون فِي ذَاك دونه ... وَكلهمْ فِي الْإِفْك وَالْكفْر الْمنزل ... وَالله مَا هم من المغرورين بهم فِي قبولهم عَنْهُم وَحسن الظَّن بهم إِلَّا كَمَا قَالَ الآخر ... وساع مَعَ السُّلْطَان يُسمى عَلَيْهِم ومحترس من مثله وَهُوَ حارس ... وَاعْلَمُوا رحمكم الله أَن جَمِيع فرق الضَّلَالَة لم يجر الله على أَيْديهم خيرا وَلَا فتح بهم من بِلَاد الْكفْر قَوِيَّة وَلَا رفع لِلْإِسْلَامِ راية وَمَا زَالُوا يسعون فِي قلب نظام الْمُسلمين ويفرقون كلمة الْمُؤمنِينَ ويسلون السَّيْف على أهل الدّين ويسعون فِي الأَرْض مفسدين أما الْخَوَارِج والشيعة فَأَمرهمْ فِي هَذَا الشَّهْر من أَن يتَكَلَّف ذكره وَمَا توصلت الباطنية إِلَى كيد الْإِسْلَام وَإِخْرَاج الضُّعَفَاء مِنْهُ أَي الْكفْر الْأَعْلَى السّنة الشيعية وَأما المرجئة فَكَذَلِك إِلَّا أَن الحارس بن سريح خرج بن عَمه مُنْكرا للجور ثمَّ لحق بِالتّرْكِ فقادهم إِلَى أَرض الْإِسْلَام فنهب الديار وهتك الأستار والمعتزلة فِي سَبِيل ذَلِك إِلَّا أَنه ابتلى بتقليد بَعضهم المعتصم والواثق جهلا وظناً أَنهم على شَيْء وَكَانَت للمعتصم فتوحات محمودة كبابل والمازيار وَغَيرهم فَالله الله أَيهَا الْمُسلمُونَ تحفظُوا بدينكم وَنحن نجمع لكم بعون الله تَعَالَى الْكَلَام فِي ذَلِك الزموا الْقُرْآن وَسنَن رَسُول الله ﷺ وَمَا مضى عَلَيْهِ الصَّحَابَة رَضِي اله عَنْهُم والتابعون وَأَصْحَاب الحَدِيث عصراً عصراً الَّذين طلبُوا الْأَثر فلزموا الإثر ودعوا كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة وكل ضَلَالَة فِي النَّار وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق ثمَّ الْكَلَام فِي شنع المبتدعة أهل الْأَهْوَاء والنحل المضلة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين

стр. 619

الْمعَانِي الَّتِي يسميها أهل الْكَلَام اللطائف وَالْكَلَام فِي السحر وَفِي المعجزات الَّتِي فِيهَا إِحَالَة الطبائع يجوز وَاحِدهَا لغير الْأَنْبِيَاء أم لَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب قوم إِلَى أَن السحر قلب للأعيان وإحالة للطبائع وَأَنَّهُمْ يرَوْنَ أعين النَّاس مَا لَا يرى وأجازوا للصالحين على سَبِيل كَرَامَة الله لَهُم اختراع الْأَجْسَام وقلب الْأَعْيَان وَجَمِيع إِحَالَة الطبائع وكل معجز للأنبياء ﵈ وَرَأَيْت لمُحَمد ابْن الطّيب الباقلاني أَن السَّاحر يمشي على المَاء على الْحَقِيقَة وَفِي الْهَوَاء ويقلب الْإِنْسَان حمارا على الْحَقِيقَة وَإِن كل هَذَا مَوْجُود من الصَّالِحين على سَبِيل الْكَرَامَة وَأَنه لَا فرق بَين آيَات الْأَنْبِيَاء وَبَين مَا يظْهر من الْإِنْسَان الْفَاضِل وَمن السَّاحر أصلا إِلَّا بالتحدي فَإِن النَّبِي يتحدى النَّاس أَن يَأْتُوا بِمثل مَا جَاءَ هُوَ بِهِ فَلَا يقدر أحد على ذَلِك فَقَط وَإِن كل مَا لم يتحد بِهِ النَّبِي ﷺ النَّاس فَلَيْسَتْ آيَة لَهُ وَقطع بِأَن الله تَعَالَى لَا يقدر على إِظْهَار آيَة على لِسَان متنبىء كَاذِب وَذهب أهل الْحق إِلَى أَنه لَا يقلب أحد عينا وَلَا يحِيل طبيعة إِلَّا الله لأنبيائه فَقَط سَوَاء تحدوا بذلك أَو لم يتحدوا وكل ذَلِك آيَات لَهُم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام تحدوا بذلك أم لَا والتحدي لَا معنى لَهُ وَأَنه لَا يُمكن وجود شَيْء من ذَلِك لصالح وَلَا لساحر وَلَا لأحد غير الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَالله تَعَالَى قَادر على إِظْهَار الْآيَات على أَيدي الْكَذَّابين المدعين للنبوة لكنه تَعَالَى لَا يفعل كَمَا لَا يفعل مَا لَا يُرِيد أَن يَفْعَله من سَائِر مَا هُوَ قَادر عَلَيْهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي لَا يجوز غَيره برهَان ذَلِك قَوْله ﴿وتمت كلمة رَبك صدقا وعدلاً لَا مبدل لكلماته﴾ وَقَالَ ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ فصح أَن كل مَا فِي الْعَالم مِمَّا قد رتبه الله التَّرْتِيب الَّذِي لَا يتبدل وَصَحَّ أَن الله أوقع كل اسْم على مُسَمَّاهُ فَلَا يجوز أَن يُوقع اسْم من تِلْكَ الْأَسْمَاء على غير مُسَمَّاهُ الَّذِي أوقعه الله تَعَالَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يكون تبديلاً لكلمات الله تَعَالَى الَّتِي أبطل أَن تبدل وَمنع من أَن يكون لَهَا مبدل وَلَو جَازَ أَن تحال صِفَات مُسَمّى مِنْهَا الَّتِي بوجودها فِيهِ اسْتحق وُقُوع ذَلِك الِاسْم عَلَيْهِ لوَجَبَ أَن يسْقط عَنهُ ذَلِك الِاسْم الَّذِي أوقعه الله تَعَالَى عَلَيْهِ فبإذ ذَلِك كَذَلِك فقد وَجب أَن كل مَا فِي الْعَالم مِمَّا قد رتبه

стр. 620

الله على مَا هُوَ عَلَيْهِ من فصوله الذاتية وأنواعه وأجناسه فَلَا يتبدل شَيْء مِنْهُ قطعا إِلَّا حَيْثُ قَامَ الْبُرْهَان على تبدله وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا على أحد وَجْهَيْن إِمَّا اسْتِحَالَة معهودة جَارِيَة على رُتْبَة وَاحِدَة وعَلى مَا بنى الله تَعَالَى عَلَيْهِ الْعَالم من اسْتِحَالَة الْمَنِيّ حَيَوَانا والنوى والبزور نباتا وَسَائِر الاستحالات المعهودات وَأما إستحالة مَا لم تعهد قطّ وَلَا بنى الله تَعَالَى الْعَالم عَلَيْهَا وَلذَلِك قد صَحَّ للانبياء ﵈ شَوَاهِد لَهُم على صِحَة نبوتهم وجود ذَلِك بِالْمُشَاهَدَةِ مِمَّن شهدهم وَنَقله إِلَى من لم يشاهدهم بالتواتر الْمُوجب للْعلم الضَّرُورِيّ فَوَجَبَ الْإِقْرَار بذلك وَبَقِي مَا عدا أَمر الْأَنْبِيَاء ﵈ على الِامْتِنَاع فَلَا يجوز الْبَتَّةَ وجود ذَلِك لَا من سَاحر وَلَا من صَالح بِوَجْه من الْوُجُوه لِأَنَّهُ لم يقم برهَان بِوُجُود ذَلِك وَلَا صَحَّ بِهِ نقل وَهُوَ مُمْتَنع فِي الْعقل كَمَا قدمنَا وَلَو كَانَ ذَلِك مُمكنا لاستوى الْمُمْتَنع والممكن وَالْوَاجِب وَبَطلَت الْحَقَائِق كلهَا وَلَكِن كل مُمْتَنع وَمن لحق هَاهُنَا لحق بالسوفسطائية على الْحَقِيقَة ونسأل من جوز ذَلِك للساحر والفاضل هَل يجوز لكل أحد غير هذَيْن أم لَا يجوز إِلَّا لهذين فَقَط فان قَالَ إِن ذَلِك للساحر والفاضل فَقَط وَهَذَا هُوَ قَوْلهم سألناهم عَن الْفرق بَين هذَيْن وَبَين سَائِر النَّاس وَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى الْفرق بَين هَؤُلَاءِ وَبَين غَيرهم إِلَّا بِالدَّعْوَى الَّتِي لَا يعجز عَنْهَا أحد وَإِن قَالُوا إِن ذَلِك جَائِز أَيْضا لغير السَّاحر والفاضل لَحِقُوا بالسوفسطائية حَقًا وَلم يثبتوا حَقِيقَة وَجَاز تَصْدِيق من يدعى أَنه يصعد إِلَى السَّمَاء وَيرى الْمَلَائِكَة وانه يكلم الطير ويجتني من شجر الخروب التَّمْر والعناب وان رجَالًا حملُوا وولدوا وَسَائِر التَّخْلِيط الَّذِي من صَار إِلَيْهِ وَجب أَن يُعَامل بِمَا هُوَ أَهله إِن أمكن أَو أَن يعرض عَنهُ لجنونه وَقلة حيائه قَالَ أَبُو مُحَمَّد لَا فرق بَين من ادّعى شَيْئا مِمَّا ذكرنَا لفاضل وَبَين دَعْوَى الرافضة رد الشَّمْس على عَليّ بن أبي طَالب مرَّتَيْنِ حَتَّى ادّعى بَعضهم أَن حبيب بن أَوْس قَالَ ... فَردَّتْ علينا الشَّمْس وَاللَّيْل راغم بشمس لَهُم من جَانب الخدر تطلع نضا ضوءها صبغ الدجنة وانطوى لبهجتها فَوق السَّمَاء الْمرجع فوَاللَّه مَا أدرى عَليّ بدا لنا فَردَّتْ لَهُ أم كَانَ فِي الْقَوْم يُوشَع ... وَكَذَلِكَ دَعْوَى النَّصَارَى لرهبانهم وقدمائهم فانهم يدعونَ لَهُم من قلب الْأَعْيَان أضعافا مَا يَدعِيهِ هَؤُلَاءِ وَكَذَلِكَ دَعْوَى الْيَهُودِيّ لأحبارهم ورؤوس المثايب عِنْدهم ان رجلا مِنْهُم رَحل من بَغْدَاد إِلَى قرطبة فِي يَوْم وَاحِد وانه اثْبتْ قرنين فِي رَأس رجل مُسلم من بنى الاسكندراني كَانَ يسكن بقرطبة عِنْد بَاب الْيَهُود وَهَذَا كُله بَاطِل مَوْضُوع وَبَنُو الاسكندراني كَانُوا أَقْوَامًا أشرافاً معروفين لم يعرف لأحد مِنْهُ شَيْء من هَذَا والحماقة لَا حد لَهَا وَهَذَا برهَان لمن نصح نَفسه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما السحر فانه ضروب مِنْهُ مَا هُوَ من قبل الْكَوَاكِب كالطابع المنقوش فِيهِ صُورَة عقرب فِي وَقت كَون الْقَمَر فِي الْعَقْرَب فينفع إِمْسَاكه من لدغة الْعَقْرَب وَمن هَذَا الْبَاب كَانَت الطلسمات وَلَيْسَت إِحَالَة طبيعية وَلَا قلب عين وَلكنهَا قوي ركبهَا الله مدافعة لقوى أُخْرَى كدفع الْحر للبرد وَدفع الْبرد للْحرّ وكقتل الْقَمَر للدابة الدبرة إِذا لَاقَى الدبرة ضوءه إِذا كَانَت دبرتها مكشوفة للقمر وَلَا يُمكن دفع الطلسمات لأننا قد شاهدنا أَنْفُسنَا أثارها ظَاهِرَة إِلَى الْآن من قرى لَا ندْخلهَا جَرَادَة وَلَا يَقع فِيهَا برد وكسرى قسطة الَّتِي لَا يدخلهَا جَيش إِلَّا أَن يدْخل كرها وَغير ذَلِك كثير جدا لَا يُنكره إِلَّا معاند وَهِي أَعمال قد ذهب من كَانَ يحسنها جملَة وَانْقطع من الْعَالم وَلم يبْق إِلَّا آثَار صناعاتهم فَقَط وَمن هَذَا الْبَاب كَانَ مَا تذكره الْأَوَائِل فِي كتبهمْ فِي المويسيقا وانه كَانَ يؤلف بَين الطبائع وينافر بِهِ أَيْضا بَينهَا وَنَوع آخر

стр. 621

من السحر يكون بالرقي وَهُوَ كَلَام مَجْمُوع من حُرُوف مقطعه فِي طوالع مَعْرُوفَة أَيْضا يحدث لذَلِك التَّرْكِيب قُوَّة تستثار بهَا الطبائع وتدافع قوى أخر وَقد شاهدنا وجربنا من كَانَ يرقي الدمل الحاد الْقوي الظُّهُور فِي أول ظُهُوره فييبس يبْدَأ من يَوْمه ذَلِك بالذبول وَيتم يبسه فِي الْيَوْم الثَّالِث ويقلع كَمَا تقلع قشرة القرحة إِذا تمّ يبسها جربنَا من ذَلِك مَا لَا نحصيه وَكَانَت هَذِه الْمَرْأَة ترقي أحد دملين قد دفعا على إِنْسَان وَاحِد وَلَا ترقي الثَّانِي فيبس الَّذِي رقت وَيتم ظُهُور الَّذِي لم ترق ويلقي حامله مِنْهُ الْأَذَى الشَّديد وشاهدنا من كَانَ يرقي الورم الْمَعْرُوف بالخنازير فيندمل مَا يفتح مِنْهَا ويذبل مَا لم ينفتح وَيبرأ كل ذَلِك الْبُرْء التَّام كَانَ لَا يزَال يفعل ذَلِك فِي النَّاس وَالدَّوَاب وَمثل هَذَا كثير جدا وَقد اُخْبُرْنَا من خَبره عندنَا كمشاهدتنا لِثِقَتِهِ وتجريبنا لصدقة وفضله انه شَاهد مَا لَا يحصي نسَاء يتكلمن على الَّذين يمخضون الزّبد من اللَّبن بِكَلَام فَلَا يخرج من ذَلِك اللَّبن زبد وَلَا فرق بَين هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَبَين ملاقاة فضلَة الصَّفْرَاء بالسقمونيا وملاقاة ضعف الْقلب بالكندر وكل هَذِه الْمعَانِي جَارِيَة على رُتْبَة وَاحِدَة من طلب علم ذَلِك أركه وَمِنْه مَا يكون بالخاصة كالحجر الجاذب للحديد وَمَا أشبه ذَلِك وَمِنْه مَا يكون لطف يَد كحيل أبي الْعَجَائِب الَّتِي شَاهدهَا النَّاس وَهِي أَعمال لَطِيفَة لَا تحيل طبعا اصلا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هَذِه الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا لَيست من بَاب معجزات الْأَنْبِيَاء ﵈ وَلَا من بَاب مَا يَدعِيهِ أهل الْكَذِب للسحرة وَالصَّالِحِينَ لِأَن معجز الْأَنْبِيَاء هُوَ خَارج عَن الرتب وَعَن طبائع كل مَا فِي الْعَالم وَعَن بنية الْعَالم لَا يجْرِي شَيْء من ذَلِك على قانون وَلَا على سنَن مَعْلُوم لَكِن قلب عين وإحالة صِفَات ذاتية كشق الْقَمَر وفلق الْبَحْر واختراع طَعَام وَمَاء وقلب الْعَصَا حَيَّة وإحياء ميت قد أرم وَإِخْرَاج نَاقَة من صَخْرَة وَمنع النَّاس من أَن يتكلموا بِكَلَام مَذْكُور أَو من أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ وَمَا أشبه هَذَا من إِحَالَة الصِّفَات الذاتية الَّتِي بوجودها تسْتَحقّ الْأَسْمَاء وَمِنْهَا تقوم الْحُدُود وَهَذَا بِعَيْنِه هُوَ الَّذِي يَدعِيهِ المبطلون للساحر والفاضل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِنَّمَا يلوح الْفرق جدا بَين هذَيْن السَّبِيلَيْنِ لأهل الْعلم بحدود الْأَسْمَاء والمسميات وبطبائع الْعَالم وانقسامه من مبدئه من أَجنَاس إِلَى أَنْوَاعه إِلَى أشخاصه وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من أعراضه ذاتي وَمَا هُوَ مِنْهَا غَيْرِي وَمَا يسْرع الاستحالة والزوال من الغيري مِنْهَا وَمَا يبطيء زَوَاله مِنْهَا وَمَا يثبت مِنْهَا ثبات الذاتي وان لم يكن ذاتياً وَالْفرق بَين الْبُرْهَان وَبَين مَا نظن أَنه برهَان وَلَيْسَ برهاناً وَالْحَمْد لله على مَا وهب وأنعم بِهِ علينا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد بن بياتي ثَنَا أَحْمد بن عبد الْبَصِير قَالَ ثَنَا قَاسم بن اصبغ ثَنَا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الْخُشَنِي ثَنَا مُحَمَّد بن المثني ثَنَا عبد الرَّحْمَن ابْن الْمهْدي ثَنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ عَن بشير بن عمر وَقَالَ ذكر الغيلاني عِنْد عمر بن الْخطاب فَقَالُوا أَنهم يتحولون فَقَالَ عمر انه لَيْسَ أحد يتَحَوَّل عَن خلقه الَّذِي خلق لَهُ وَلَكِن لَهُم سحرة كسحرتكم فَإِذا خشيتم شَيْئا من ذَلِك فأذنوا

стр. 622

فَهَذَا عمر ﵁ يبطل إِحَالَة الطبائع وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين كثيرا وَقد نَص الله على مَا قُلْنَا فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا حبالهم وعصيهم يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى﴾ فاخبر تَعَالَى أَن عمل أُولَئِكَ السَّحَرَة إِنَّمَا كَانَ تخييلا لَا حَقِيقَة لَهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كيد سَاحر وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَنه كيد لَا حَقِيقَة لَهُ فَإِن قيل قد قَالَ الله عز وَحل ﴿سحروا أعين النَّاس واسترهبوهم وجاؤوا بِسحر عَظِيم﴾ قُلْنَا نعم إِنَّهَا حيل عَظِيمَة وإثم عَظِيم إِذْ قصدُوا بهَا مُعَارضَة معجزات رَسُول الله ﷺ وانهم كَادُوا عُيُون النَّاس إِذْ أوهموهم أَن تِلْكَ الحبال والعصي تسعي فاتفقت الْآيَات كلهَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَكَانَ الَّذِي قدر مِمَّن لَا يدْرِي حيلهم أَنَّهَا تسْعَى ظنا أَصله الْيَقِين وَذَلِكَ انهم رَأَوْا صفة حيات رقط طوال تضطرب فسارعوا إِلَى الظَّن وقدروا أَنَّهَا ذَوَات حيات وَلَو منعُوا الظَّن وفتشوها لوقفوا على الْحِيلَة فِيهَا وَأَنَّهَا ملئت زئبقا ولد فِيهَا تِلْكَ الحركات كَمَا يفعل العجائبي الَّذِي يضْرب بسكينة فِي جسم إِنْسَان فيظن من رَآهُ مِمَّن لَا يدْرِي حيلته أَن السكين غاصت فِي جَسَد الْمَضْرُوب وَلَيْسَ كَذَلِك بل كَانَ نِصَاب السكين مثقوبا فَقَط فغاصت السكين فِي النّصاب وَكَاد خَاله خيطا فِي حَلقَة خَاتم يمسك إِنْسَان مِنْهُم طرفِي الْخط بيدَيْهِ ثمَّ يَأْخُذ العجائبي الْخَاتم الَّذِي فِيهِ الْخَيط بِفِيهِ وَفِي ذَلِك الْمقَام أدخلهُ تَحت يَده وَكَانَ فِي فِيهِ خَاتم أُخْرَى يري من حضر حَلقَة الْخَاتم الَّذِي فِي فِيهِ يوهمهم انه قد أخرجه من الْخَيط ثمَّ يرد فَمه إِلَى الْخَيط وَيرْفَع يَدَيْهِ وفمه فَينْظر الْخَاتم الَّذِي كَانَ فِيهِ الْخَيط وَكَذَلِكَ سَائِر حيلهم وَقد وقفنا عَلَيْهَا جَمِيعهَا فَهَذَا هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى سحروا أعين النَّاس أَو استرهبوهم أَي انهم أوهموا النَّاس فِيمَا رَأَوْا ظنونا متوهمة لَا حَقِيقَة لَهَا وَلَو فتشوها للاح لَهُم الْحق وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فيتعلمون مِنْهُمَا مَا يفرقون بِهِ بَين الْمَرْء وزوجه﴾ فَهَذَا أَمر مُمكن يَفْعَله التَّمام وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ سحره لبيد بن الأعصم فولد ذَلِك عَلَيْهِ مَرضا حَتَّى كَانَ يظنّ أَنه فعل الشَّيْء وَهُوَ لم يَفْعَله فَلَيْسَ فِي هَذَا أَيْضا إِحَالَة طبيعية وَلَا قلب عين وَإِنَّمَا هُوَ تَأْثِير بِقُوَّة لتِلْك الصِّنَاعَة كَمَا قُلْنَا فِي الطلسمات والرقي فَلَا فرق وَنحن نجد الْإِنْسَان يسب أَو يُقَابل بحركة يغْضب مِنْهَا فيستحيل من الْحلم إِلَى الطيش وَمن السّكُون إِلَى الْحَرَكَة والنزق حَتَّى يُقَارب حَال المجانين أَو رُبمَا أمرضه ذَلِك وَقد قَالَ ﵇ إِن من الْبَيَان لسحرا لِأَن من الْبَيَان مَا يُؤثر فِي النَّفس فيثيرها أَو يسكنهَا عَن ثورانها ويحيلها عَن عزماتها وعَلى هَذَا الْمَعْنى اسْتعْملت الشُّعَرَاء ذكر سحر الْعُيُون لاستمالتها للنفوس فَقَط قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال لمن قَالَ أَن السحر يحِيل الْأَعْيَان ويقلب الطبائع أخبرونا إِذا جَازَ هَذَا فَأَي فرق بَين النَّبِي ﷺ والساحر وَلَعَلَّ جَمِيع الْأَنْبِيَاء كَانُوا سحرة كَمَا قَالَ فِرْعَوْن عَن مُوسَى ﵇ ﴿إِنَّه لكبيركم الَّذِي علمكُم السحر﴾ ﴿إِن هَذَا لمكر مكرتموه فِي الْمَدِينَة لتخرجوا مِنْهَا أَهلهَا﴾ وَإِذا جَازَ أَن يقلب سحرة مُوسَى ﵇ عصيهم وأحبالهم حيات وقلب مُوسَى ﵇ عَصَاهُ حَيَّة وَكَانَ كلا الآمرين حَقِيقَة فقد صدق فِرْعَوْن بِلَا شكّ فِي أَنه سَاحر مثلهم إِلَّا أَنه أعلم بِهِ فَقَط وحاشا لله من هَذَا بل مَا كَانَ فعل السَّحَرَة إِلَّا من حيل أبي الْعَجَائِب فَقَط فان لجؤا إِلَى مَا ذكره الباقلاني من التحدي قيل لَهُم هَذَا بَاطِل من وُجُوه أَحدهَا إِن اشْتِرَاط التحدي فِي كَون آيَة النَّبِي آيَة دَعْوَى كَاذِبَة سخيفة لَا دَلِيل على صِحَّتهَا لَا من قُرْآن وَلَا من سنة صَحِيحَة وَلَا سقيمة وَلَا من إِجْمَاع وَلَا من قَول صَاحب وَلَا من حجَّة عقل وَلَا قَالَ بِهَذَا أحد قطّ قبل هَذَا الْفرْقَة الضعيفة وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ فِي غَايَة السُّقُوط والهجنة قَالَ الله ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فَوَجَبَ

стр. 623

ضَرُورَة أَن من لَا برهَان لَهُ على صِحَة قَوْله فَهُوَ كَاذِب فِيهَا غير صَادِق وَثَانِيها أَنه لَو كَانَ مَا قَالُوا لسقطت اكثر آيَات رَسُول الله ﷺ كنبعان المَاء من بَين أَصَابِعه وإطعامه المئتين والعشرات من صَاع شعير وعناق وَمرَّة أُخْرَى من كسر ملفوفة فِي خمار وكتفله فِي الْعين فَجَاشَتْ بِمَاء غزير إِلَى الْيَوْم وحنين الْجذع وتكليم الذِّرَاع وشكوى الْبَعِير وَالذِّئْب وَالْأَخْبَار بالغيوب وتمر جَابر وَسَائِر معجزاته الْعِظَام لِأَنَّهُ ﵊ لم يتحد بذلك كُله أحد وَلَا عمله إِلَّا بِحَضْرَة أهل الْيَقِين من أَصْحَابه ﵃ وَلم يبْق لَهُ آيَة حاشا الْقُرْآن وَدُعَاء الْيَهُود إِلَى تمني الْمَوْت وشق الْقَمَر فَقَط وَكفى نحسا بقول أدّى إِلَى مثل هَذَا فان ادعوا انه ﵇ تحدى بهَا من حضر وَغَابَ كذبُوا واخترعوا هَذِه الدَّعْوَى لِأَنَّهُ لم يَأْتِ فِي شَيْء من تِلْكَ الْأَخْبَار أَنه تحدى بهَا أحدا وان تَمَادَوْا على أَن كل هَذِه لَيست معجزات وَلَا آيَات أكذبهم رَسُول الله ﷺ بقوله إِذْ فعل ذَلِك أشهد أَنِّي رَسُول الله وَالثَّالِث وَهُوَ الْبُرْهَان الدَّافِع وَهُوَ قَول الله تَعَالَى ﴿وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم لَئِن جَاءَتْهُم آيَة ليُؤْمِنن بهَا قل إِنَّمَا الْآيَات عِنْد الله وَمَا يشعركم أَنَّهَا إِذا جَاءَت لَا يُؤمنُونَ﴾ وَقَوله ﴿وَمَا منعنَا أَن نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كذب بهَا الْأَولونَ﴾ فَسمى الله تَعَالَى تِلْكَ المعجزات الْمَطْلُوبَة من الْأَنْبِيَاء ﵈ آيَات وَلم يشْتَرط فِي ذَلِك تحديا من غَيره فصح إِن اشْتِرَاط التحدي بَاطِل مَحْض وَصَحَّ أَنَّهَا إِذا ظَهرت فَهِيَ آيَة كَانَ هُنَالك تحد أَو لم يكن وَقد صَحَّ إِجْمَاع الْأمة الْمُتَيَقن على الْآيَات الَّتِي لَا يَأْتِي بهَا سَاحر وَلَا غير نَبِي فصح أَن المعجزات إِذا هِيَ آيَات لَا تكون لساحر وَلَا لأحد لَيْسَ نَبيا وَالرَّابِع أَنه لَو صَحَّ حكم التحدي لَكَانَ حجَّة عَلَيْهِ لِأَن التحدي عِنْدهم يُوجب أَن لَا يقدر على مثل ذَلِك أحد إِذْ لَو أمكن أَن يُوجد مثل ذَلِك من أحد لَكَانَ قد بَطل تحديه وَقيل لَهُ قد وجد من يعْمل عَمَلك هَذَا إِمَّا صَالح وَإِمَّا سَاحر وَالْخَامِس أَنه لَو كَانَ مَا قَالُوا وَجَاز ظُهُور معْجزَة من سَاحر لَا يتحدى بهَا أَو فَاضل لَا يتحدى بهَا لامكن أَن يتحدى لَهما بهَا بعد مَوْتهمَا من ضل فيهمَا كَمَا فعلت الغلاة بعلي ﵁ فعلى كل حَال قَوْلهم سَاقِط وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما من ادّعى أَنه يشبه السَّاحر على الْعُيُون فريهم مَا لَا يرى فان هَذِه الطَّائِفَة لم تكتف بالْكفْر بِإِبْطَال النبوات إِذْ لَعَلَّ مَا أَتَى بِهِ النَّبِي ﷺ كَانَ تَشْبِيها على الْعُيُون لَا حَقِيقَة لَهُ حَتَّى رامت إبِْطَال الْحَقَائِق كلهَا أَولهَا عَن آخرهَا وَلَحِقت بالسوفسطائية لحَاقًا صَحِيحا بِلَا تكلّف وَيُقَال لَهُم إِذا جَازَ أَن يشبه على الْعُيُون حَتَّى يرى الْمُشبه عَلَيْهَا مَا لَا حَقِيقَة لَهُ وَلَا ترَاهُ فَمَا يدريكم لَعَلَّكُمْ كلكُمْ الْآن مشبه على عيونكم وَلَعَلَّ بعض السَّحَرَة قد شبه عَلَيْكُم فأراكم أَنكُمْ تتوضؤن وتصلون وَأَنْتُم لَا تعقلون شَيْئا من ذَلِك ولعلكم تظنون أَنكُمْ تزوجتم وَإِنَّمَا فِي بُيُوتكُمْ ضَأْن ومعز ولعلكم الْآن على ظهر الْبَحْر وَلَعَلَّ

стр. 624

كل مَا تعتقدون من الدّين تَشْبِيه عَلَيْكُم وَهَذَا كُله لَا مخلص لَهُم مِنْهُ وَقد عَابَ الله من ذهب إِلَى هَذَا فَقَالَ ﴿وَلَو فتحنا عَلَيْهِم بَابا من السَّمَاء فظلوا فِيهِ يعرجون لقالوا إِنَّمَا سكرت أبصارنا بل نَحن قوم مسحورون﴾ فَلَو جَازَ أَن يكون للسحر حَقِيقَة وَيُشبه مَا يَأْتِي بِهِ الْأَنْبِيَاء ﵈ وَأمكن أَن يشبه على الْبَصَر مَا ذمهم الله بِأَن قَالُوا شَيْئا يُمكن كَونه لكِنهمْ لما قَالُوا مَا لَا يُمكن الْبَتَّةَ وتعلقوا بذلك فِي دفع الْحَقَائِق عابهم الله تَعَالَى بذلك وَأنْكرهُ عَلَيْهِم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَيْسَ غلط الْحَواس فِي بعض الْأَوْقَات من بَاب التَّشْبِيه عَلَيْهَا فِي شَيْء لِأَن أَحَدنَا قد يرى شخصا على بعد لَا يشك فِيهِ إِلَّا أَن سارع فَقطع أَنه إِنْسَان أَو أَنه فلَان فَقطع بظنه وَلَو أَنه لم يعْمل ظَنّه وَلَا قطع بِهِ لَكَانَ بَاقِيا على مَا أدْرك من الْحَقِيقَة وَهَكَذَا فِي كل مَا حكم فِيهِ الْمَرْء بظنه وَأما ذُو الآفة كمن فِيهِ ابْتِدَاء نزُول المَاء فَيرى خيالات لَا حَقِيقَة لَهَا فَهُوَ أَيْضا كَمَا ذكرنَا وَإِنَّمَا المَاء المطل على حدقته يُوهِمهُ أَنه رأى شَيْئا وَقطع بذلك فَإِذا تثبت فِي كل ذَلِك لَاحَ لَهُ الْحق من الظَّن وَكَذَلِكَ من فسد مَكَان التخيل من دماغه فَإِن نَفسه تظن مَا توهمه بِهِ وَلَو قوي تميزها لفرقت بَين الْحق وَالْبَاطِل وَهَكَذَا القَوْل فِي إِدْرَاك السّمع والذوق وَهَذَا كُله يجْرِي على رتب مُخْتَلفَة بِمن أعمل ظَنّه وعَلى رتب غير مُخْتَلفَة فِي جمل هَذِه الْأَوْقَات بل هِيَ ثَابِتَة عِنْد أهل التَّحْقِيق والمعرفة مَعْرُوفَة العلاج حَتَّى يعود مِنْهَا إِلَى صَلَاحه مَا لم يستحكم فَسَاده وَلَا يظنّ ظان أَنه مُمكن أَن تكون فِي مثل حَال هَؤُلَاءِ إِذْ لَو كَانَ هَذَا لم نَعْرِف شَيْئا من الْعُلُوم على رتبه وَأَحْكَامه الْجَارِيَة على سنَن وَاحِد وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق ثمَّ نسألهم بِأَيّ شَيْء يعْرفُونَ أَنه لم يشبه على عيونكم فقد عرفناكم نَحن بِمَاذَا نَعْرِف أَن حواسنا سليمَة وَأَن عقولنا سليمَة مَا دَامَت سَالِمَة وبماذا نَعْرِف الْحَواس المدخولة والعقول المدخولة وَغير المدخولة إِجْرَاء مَا أدْرك بالحواس السليمة والعقول السليمة على رتب محدودة مَعْلُومَة لَا تبدل عَن حُدُودهَا أبدا وإجراء مَا أدْرك بالحواس الْفَاسِدَة والعقول المدخولة على غير رتب محدودة فَإِنَّهُم لَا يقدرُونَ على فرق أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَكَذَلِكَ مَا ذكرنَا عَمَّن لَيْسَ نَبيا من قلب عين أَو إِحَالَة طبيعة فَهُوَ كذب إِلَّا مَا وجد من ذَلِك فِي عصر نَبِي فَإِنَّهُ آيَة كَذَلِك لذَلِك الشَّيْء وَذَلِكَ الَّذِي ظَهرت عَلَيْهِ آيَة بِمَنْزِلَة الْجذع الَّذِي ظَهرت فِيهِ الحنين والذراع الَّذِي ظهر فِيهِ النُّطْق والعصا الَّتِي ظَهرت فِيهَا الْحَيَاة وَسَوَاء كَانَ الَّذِي ظَهرت فِيهِ الْآيَة صَالحا أَو فَاسِقًا وَذَلِكَ كنحو النُّور الَّذِي ظهر فِي سَوط عمر بن حَمْحَمَة الدوسي وبرهان ذَلِك أَنه لم يظْهر فِيهِ بعد موت النَّبِي ﷺ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قيل إِذا أجزتم أَن تظهر المعجزة فِي غير نَبِي فِي عصر نَبِي لتَكون آيَة لذَلِك النَّبِي فَهَلا أجزتموه كَذَلِك بعد موت النَّبِي ﷺ لتَكون آيَة لَهُ أَيْضا وَلَا فرق بَين الْأَمريْنِ قُلْنَا إِنَّمَا أجزنا ذَلِك الشَّيْء فِي الجماد وَسَائِر الْحَيَوَان وفيمن شَاءَ الله تَعَالَى إِظْهَار ذَلِك فِيهِ من النَّاس لَا نخص بذلك فَاضلا لفضله وَلَا نمْنَع فَاسق لفسقه أَو كَافِر وَإِنَّمَا ننكر على من خص بذلك الْفَاضِل فَجَعلهَا كَرَامَة لَهُ فَلَو جَازَ ذَلِك بعد موت النَّبِي ﷺ لأشكل الْأَمر وَلم تكن فِي أَمن من دَعْوَى من ادّعى أَنَّهَا آيَة لذَلِك الْفَاضِل وَلذَلِك الْفَاسِق وَالْإِنْسَان من النَّاس يدعيها آيَة لَهُ وَلَو كَانَ ذَلِك لَكَانَ إشْكَالًا فِي الدّين وتلبيساً من الله تَعَالَى على جَمِيع عباده أَوَّلهمْ عَن آخِرهم وَهَذَا خلاف وعد الله تَعَالَى لنا وإخباره بِأَنَّهُ قد بَين علينا الرشد من الغي وَلَيْسَ كَذَلِك مَا كَانَ فِي عصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ سلم لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا من قبل النَّبِي ﷺ وبإخباره وإنذاره فبدت بذلك أَنَّهَا لَهُ لَا للَّذي ظَهرت مِنْهُ وَهَذَا فِي غَايَة الْبَيَان وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين

стр. 625

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما الَّذِي رُوِيَ فِي ذَلِك عَن أَصْحَاب الثَّلَاثَة الْغَار وانفراج الصَّخْرَة ثلثا ثلثا عِنْد مَا ذكرُوا أَعْمَالهم فَلَا تعلق لَهُم بِهِ لِأَن تكسير الصَّخْرَة مِمَّن فِي كل وَقت وَلكُل وَاحِد بِلَا إعجاز وَمَا كَانَ هَكَذَا فَجَاز وُقُوعه بِالدُّعَاءِ وَبِغير الدُّعَاء لَكِن وَقع وفَاقا لتمنيه كمن دَعَا فِي موت عدوه أَو تفريج همه أَو بُلُوغ أمْنِيته فِي دُنْيَاهُ وَلَقَد حَدثنِي حكم بن مُنْذر بن سعيد أَن أَبَاهُ ﵀ كَانَ فِي جمَاعَة فِي سفرة فِي صحراء فعطشوا وأيقنوا بالهلكة ونزلوا فِي ظلّ جبل ينتظرون الْمَوْت قَالَ فأسندت رَأْسِي إِلَى حجر ناتئ فتأذيت بِهِ فقلعته فَانْدفع المَاء العذب من تَحْتَهُ فشربنا وتزودنا وَمثل هَذَا كثير مِمَّا يفرج وَحَتَّى لَو كَانَت معْجزَة لوَجَبَ بِلَا شكّ أَن يَكُونُوا أَنْبيَاء أَو لنَبِيّ مِمَّن فِي زمن نَبِي لَا بُد مِمَّا قدمْنَاهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا عجب أعجب من قَول من يُجِيز قلب الْأَعْيَان للساحر وَهُوَ عِنْدهم فَاسق أَو كَافِر ويجيز مثل ذَلِك للصالح وَلِلنَّبِيِّ فقد جَازَ عِنْدهم قلب الْأَعْيَان للنَّبِي وللصالح وللفاسق وللكافر فَوَجَبَ أَن قلب الْأَعْيَان جَائِز من كل أحد وبؤساً لقَوْل أدّى إِلَى مثل هَذَا وَهُوَ يجيزون للْمُغِيرَة بن سعيد وَبَيَان وَمَنْصُور الْكَشْف وقلب الْأَعْيَان على سَبِيل السحر وَقد جَاءَ بعدهمْ من يَدعِي لَهُم النُّبُوَّة بهَا فَاسْتَوَى عِنْد هَؤُلَاءِ المخذولين النَّبِي والساحر ونعوذ بِاللَّه من الضلان الْمُبين قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن اعْترضُوا بقول الله تَعَالَى ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُجِيب دَعْوَة الداع إِذا دعان﴾ فَهَذَا حق وَإِنَّمَا هُوَ بِلَا شكّ أَنه فِي الممكنات الَّتِي علم الله تَعَالَى أَنَّهَا تكون لَا فِيمَا فِي علم الله تَعَالَى أَنَّهَا لَا تكون وَلَا فِي الْمحَال ونسألهم عَمَّن دَعَا إِلَى الله تَعَالَى فِي أَن يَجعله نَبيا أَو فِي أَن ينْسَخ دين الْإِسْلَام أَو بِأَن يَجْعَل الْقِيَامَة قبل وَقتهَا أَو يمسخ النَّاس كلهم قردة أَو بِأَن يَجْعَل لَهُ عينا ثَالِثَة أَو بِأَن يدْخل الْكفَّار الْجنَّة وَالْمُؤمنِينَ النَّار وَمَا أشبه هَذَا فَإِن أَجَازُوا كل هَذَا كفرُوا وَلَحِقُوا مَعَ كفرهم بالمجانين وَإِن منعُوا من كل هَذَا تركُوا استدلالهم بِالْآيَاتِ الْمَذْكُورَة وَصَحَّ أَن الْإِجَابَة إِنَّمَا تكون فِي خَاص من الدُّعَاء لَا فِي الْعُمُوم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَصَحَّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لأسامة وخَالِد هلا شققت عَن قلبه لتعلم أقالها مُتَعَوِّذًا أم لَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَلَو جَازَ ظُهُور المعجزة على غير نَبِي على سَبِيل الْكَرَامَة لوَجَبَ الْقطع على مَا فِي قلبه وَأَنه ولي الله تَعَالَى وَهَذَا لَا يعلم من أحد بعد الصَّحَابَة ﵃ الَّذين ورد فيهم النَّص وَأما قَول الباقلاني أَن الله تَعَالَى لَا يقدر على إِظْهَار آيَة على يَد كَذَّاب فَهُوَ فِي دَاخل فِي جملَة تعجيزه الْبَارِي تَعَالَى وَهُوَ أَيْضا تعجيزه سخيف دَاخل فِي جملَة الْمحَال وَذَلِكَ أَنه جعل الله تَعَالَى قَادِرًا على إِظْهَار الْآيَات على كل سَاحر فَإِن علم أَنه يَقُول أَنه نَبِي لم يقدر على أَن يظهرها عَلَيْهِ وَهَذَا قَول فِي غَايَة الْفساد لَا من قدر على شَيْء لم يجز أَن يبطل قوته عَلَيْهِ علمه بِأَن ذَلِك الَّذِي يظْهر فِيهِ الْفِعْل يَقُول أَنا نَبِي وَلَا يتَوَهَّم هَذَا وَلَا يتشكل فِي الْفِعْل وَلَا يُمكن الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا هم قوم أهملوا حكم الله تَعَالَى عَلَيْهِم وأطلقوا حكمهم عَلَيْهِ تَعَالَى مَا فِي الْكفْر أسمج من هَذَا وَلَا أَطَم وَلَا أبرد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَرَأَيْت للباقلاني فِي فصل من كَلَامه أَن النَّاس لَيْسُوا عاجزين عَن مثل هَذَا الْقُرْآن وَلَا قَادِرين عَلَيْهِ وَلَا هم عاجزون عَن الصعُود إِلَى السَّمَاء وَلَا عَن إحْيَاء الْمَوْتَى وَلَا عَن خلق الْأَجْسَام وَلَا اختراعها وَلَا قَادِرين على ذَلِك هَذَا نَص كَلَامه دون تَأْوِيل منا عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ إِن الْقُدْرَة لَا تقع إِلَّا حَيْثُ يَقع الْعَجز قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هَذَا هوس لَا يَأْتِي بِهِ إِلَّا الممرور وأطم من ذَلِك احتجاجه بِأَن الْعَجز لَا يَقع إِلَّا

стр. 626

حَيْثُ تقع الْقُدْرَة وَلَا نَدْرِي فِي أَي لُغَة وجد هَذَا الكذيب أم فِي أَي عقل وجد هَذَا السخف وَمَا شكّ ذُو علم باللغة الْخَاصَّة والعامة فِي بطلَان قَوْله وَفِي أَن الْعَجز ضد الْقُدْرَة وَأَن مَا قدر الْإِنْسَان عَلَيْهِ فَلم يعجز عَنهُ فِي حِين قدرته عَلَيْهِ وَأَن مَا عجز عَنهُ فَلم يقدر عَلَيْهِ فِي حِين عَجزه عَنهُ وَإِن نفي الْقُدْرَة إِثْبَات للعجز وَأَن نفي الْعَجز إِثْبَات للقدرة مَا يجهل هَذَا عَامي وَلَا خاصي أصلا وَهُوَ أَيْضا مَعْرُوف بِأول الْعقل وَالْعجب أَن يَأْتِي بِمثل هَذِه الدعاوي السخيفة بِغَيْر دَلِيل أصلا لَكِن حماقات وضلالات يطلقهَا هَذَا الْجَاهِل وَأَمْثَاله من الْفُسَّاق فِي دين الله تَعَالَى فينلنفها عَنْهُم من أضلّهُ الله تَعَالَى ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنكُمْ غير معجزي الله﴾ فَاقْتضى هَذَا أَنهم غير مَقْدُور عَلَيْهِم لله تَعَالَى وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ بمعجز فِي الأَرْض﴾ فَوَجَبَ أَنه مَقْدُور عَلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالله على كل شَيْء قدير﴾ فصح أَنه غير عَاجز وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ الْكَلَام فِي الْجِنّ ووسوسة الشَّيْطَان وَفعله فِي المصروع قَالَ أَبُو مُحَمَّد لم ندرك بالحواس وَلَا علمنَا وجوب كَونهم وَلَا وجوب امْتنَاع كَونهم فِي الْعَالم بضرورة الْعقل لَكِن علمنَا بضرورة الْعقل إِمْكَان كَونهم لِأَن قدرَة الله تَعَالَى لَا نِهَايَة لَهَا وَهُوَ يخلق مَا يَشَاء وَلَا فرق بَين أَن يخلق خلقا عنصرهم التُّرَاب وَالْمَاء فيسكنهم فِي الأَرْض والهواء وَالْمَاء وَبَين أَن يخلق خلقا عنصرهم النَّار والهواء فيسكنهم الْهَوَاء وَالنَّار وَالْأَرْض بل كل ذَلِك سَوَاء وممكن فِي قدرته لَكِن لما أخْبرت الرُّسُل الَّذين شهد الله بصدقهم بِمَا أبدى على أَيْديهم من المعجزات المحيلة للطبائع بِنَصّ الله على وجود الْجِنّ فِي الْعَالم وَجب ضَرُورَة الْعلم بخلقهم وَقد جَاءَ النَّص بذلك وبأنهم أمة عَاقِلَة مُمَيزَة متعبدة موعودة متوعدة متناسلة يموتون وَأجْمع الْمُسلمُونَ كلهم على ذَلِك نعم وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس والصابئون وَأكْثر الْيَهُود حاشا السامرة فَقَط فَمن أنكر الْجِنّ أَو تَأَول فيهم تَأْوِيلا يخرجهم بِهِ عَن هَذَا الظَّاهِر فَهُوَ كَافِر مُشْرك حَلَال الدَّم وَالْمَال قَالَ تَعَالَى ﴿أفتتخذونه وَذريته أَوْلِيَاء من دوني﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وهم يروننا وَلَا نراهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَنه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم﴾ فصح أَن الْجِنّ قبيل إِبْلِيس قَالَ الله ﴿إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِذا أخبرنَا الله أننا لَا نراهم فَمن ادّعى أَنه يراهم أَو رَآهُمْ فَهُوَ كَاذِب إِلَّا أَن يكون من الْأَنْبِيَاء ﵈ فَذَلِك معْجزَة لَهُم كَمَا نَص رَسُول الله ﷺ أَنه تفلت عَلَيْهِ الشَّيْطَان ليقطع عَلَيْهِ صلَاته قَالَ فَأَخَذته فَذكرت دَعْوَة أخي سُلَيْمَان وَلَوْلَا ذَلِك لأصبح موثقًا يرَاهُ أهل الْمَدِينَة أَو كَمَا قَالَ ﵇ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة عَن أبي هُرَيْرَة الَّذِي رأى إِنَّمَا هِيَ معْجزَة لرَسُول الله ﷺ وَلَا سَبِيل إِلَى وجود خبر يَصح بِرُؤْيَة جن بعد موت رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا هِيَ منقطعات أَو عَمَّن لَا خير فِيهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وهم أجسام رقاق صَافِيَة هوائية لَا ألوان لَهَا وعنصرهم النَّار كَمَا أَن عنصرنا التُّرَاب وَبِذَلِك جَاءَ الْقُرْآن قَالَ الله ﴿والجان خلقناه من قبل من نَار السمُوم﴾ وَالنَّار والهواء عنصران لَا ألوان لَهما وَإِنَّمَا حدث اللَّوْن فِي النَّار المشتعلة لامتزاجها برطوبات مَا تشتعل فِيهِ من الْحَطب والكتان والأدهان وَغير ذَلِك وَلَو كَانَت لَهُم ألوان لرأيناهم بحاسة الْبَصَر وَلَو لم يَكُونُوا أجساما صَافِيَة رقاقا هوائية لأدركناهم بحاسة اللَّمْس وَصَحَّ النَّص بِأَنَّهُم يوسوسون فِي صُدُور النَّاس وَأَن الشَّيْطَان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم فَوَجَبَ التَّصْدِيق بِكُل ذَلِك حَقِيقَة وَعلمنَا أَن الله جعل لَهُم قُوَّة يتوصلون بهَا إِلَى حذف مَا يوسوسون بِهِ فِي النُّفُوس برهَان ذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿من شَرّ الوسواس الخناس الَّذِي يوسوس فِي صُدُور النَّاس من الْجنَّة وَالنَّاس﴾ وَنحن نشاهد الْإِنْسَان يرى من لَهُ عِنْده ثار فيضطرب وتتبدل أعراضه وَصورته وأخلاقه وتثور ناريته وَيرى من يحب فيثور لَهُ حَال أُخْرَى ويبتهج وينبسط وَيرى من يخَاف فَتحدث لَهُ حَال أُخْرَى

стр. 627

من صفرَة ورعشة وَضعف نفس وَيُشِير إِلَى إِنْسَان آخر بإشارات بهَا طبائعه فيغضب مرّة ويخجله مرّة أُخْرَى ويفزعه ثَالِثَة ويرضيه رَابِعَة وَكَذَلِكَ يحيله أَيْضا بالْكلَام إِلَى جَمِيع هَذِه الْأَحْوَال فَعلمنَا أَن الله جعل للجن قوى يتصلون بهَا إِلَى تغير النُّفُوس وَالْقَذْف فِيهَا بِمَا يستدعونها إِلَيْهِ نَعُوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ووسوسته وَمن شرار النَّاس وَهَذَا هُوَ جريه من ابْن آدم مجْرى الدَّم كَمَا قَالَ الشَّاعِر ... وَقد كنت أجري فِي حشاهن مرّة كجري معِين المَاء فِي قصب الآس ... قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما الصرع فان الله قَالَ ﴿الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس﴾ فَذكر تَأْثِير الشَّيْطَان فِي المصروع فَإِنَّمَا هُوَ بالمماسة فَلَا يجوز لأحد أَن يزِيد على ذَلِك شَيْئا وَمن زَاد على هَذَا شَيْئا فقد قَالَ مَا لَا علم لَهُ بِهِ وَهَذَا حرَام لَا يحل قَالَ ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَهَذِه الْأُمُور لَا يُمكن أَن يعرف الْبَتَّةَ إِلَّا بِخَبَر صَحِيح عَنهُ ﷺ وَلَا خبر عَنهُ ﵇ بِغَيْر مَا ذكرنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فصح أَن الشَّيْطَان يمس الْإِنْسَان الَّذِي يُسَلِّطهُ الله عَلَيْهِ مسا كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن يثير بِهِ من طبائعه السَّوْدَاء والأبخرة المتصاعدة إِلَى الدِّمَاغ كَمَا يخبر بِهِ عَن نَفسه كل مصروع بِلَا خلاف مِنْهُم فَيحدث الله لَهُ الصرع والتخبط حِينَئِذٍ كَمَا نشاهده وَهَذَا هُوَ نَص الْقُرْآن وَمَا توجبه الْمُشَاهدَة وَمَا زَاد على هَذَا فخرافات من توليد العزامين والكذابين وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد وَأما قَول رَسُول الله ﷺ أَن الشَّمْس تطلع وَمَعَهَا قرن الشَّيْطَان فَإِذا ارْتَفَعت فَارقهَا فَإِذا اسْتَوَت قارنها فَإِذا زَالَت فَارقهَا فَإِذا جنحت للغروب قارنها فَإِذا غربت فَارقهَا وَنهى عَن الصَّلَاة فِي هَذِه الْأَوْقَات أَو كَمَا قَالَ ﵇ مِمَّا هَذَا مَعْنَاهُ بِلَا شكّ فقد قُلْنَا أَنه ﵇ لَا يَقُول إِلَّا الْحق وَأَن كَلَامه كُله على ظَاهره إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بِأَن هَذَا النَّص لَيْسَ على ظَاهره فنسمع ونطيع أَو يقوم ذَلِك برهَان من ضَرُورَة حس أَو أول عقل فنعلم أَنه ﵇ إِنَّمَا أَرَادَ مَا قد قَامَ بِصِحَّتِهِ الْبُرْهَان وَلَا يجوز غير ذَلِك وَقد علمنَا يَقِينا أَن الشَّمْس فِي كل دقيقة طالعة من الْآفَاق مُرْتَفعَة على آخر مستوية على ثَالِث زائلة عَن رَابِع جانحة للغروب على خَامِس غرابة على سادس هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ عِنْد كل ذِي علم بالهيئة فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فقد صَحَّ يَقِينا أَنه ﵇ إِنَّمَا عني بذلك أفقا مَا دون سَائِر الْآفَاق لَا يجوز غير ذَلِك إِذْ لَو أَرَادَ كل أفقي لَكَانَ الْإِخْبَار بِأَنَّهُ يفارقها كذبا وحاشا لَهُ من ذَلِك فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا كُله فَلَا مرية أَنه ﵊ إِنَّمَا عَنى بِهِ أفق الْمَدِينَة إِذْ هُوَ الْأُفق الَّذِي أخبر أَهله بِهَذَا الْخَبَر فأنبأهم بِمَا يقارن الشَّمْس فِي تِلْكَ الْأَحْوَال وَمَا يفارقها من الشَّيْطَان وَالله أعلم بذلك الْقُرْآن مَا هُوَ لَا نزيد على هَذَا إِذْ لَا بَيَان عندنَا فِيمَا بَينه

стр. 628

إِلَّا أَنه لَيْسَ شَيْء بممتنع أصلا فصح بِمَا ذكرنَا أَن أول الْخَبَر خَاص كَمَا وَصفنَا وَأَن نَهْيه عَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات قصَّة أُخْرَى وَقَضِيَّة ثَانِيَة وَحكم غير الأول فَهُوَ على عُمُومه فِي كل زمَان وكل مَكَان إِلَّا مَا قَامَ الْبُرْهَان على تَخْصِيصه من هَذَا الحكم بِنَصّ آخر كَمَا بَينا فِي غير هَذَا الْكتاب فِي كتب الصَّلَاة من تآليفنا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين كثيرا الْكَلَام فِي الطبائع قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهبت الأشعرية إِلَى إِنْكَار الطبائع جملَة وَقَالُوا لَيْسَ فِي النَّار حر وَلَا فِي الثَّلج برد وَلَا فِي الْعَالم طبيعة أصلا وَقَالُوا إِنَّمَا حدث حر النَّار جملَة وَبرد الثَّلج عِنْد الْمُلَامسَة قَالُوا وَلَا فِي الْخمر طبيعة إسكار وَلَا فِي الْمَنِيّ قُوَّة يحدث بهَا حَيَوَان وَلَكِن الله يخلق مِنْهُ مَا شَاءَ وَقد كَانَ مُمكنا أَن يحدث من مني الرِّجَال جملا وَمن مني الْحمار إنْسَانا وَمن زويعة الكزبر نخلا قَالَ أَبُو مُحَمَّد مَا نعلم لَهُم حجَّة شغبوا بهَا فِي هَذَا الهوس أصلا وَقد ناظرت بَعضهم فِي ذَلِك فَقلت لَهُ إِن اللُّغَة الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن تبطل قَوْلكُم لِأَن من لُغَة الْعَرَب الْقَدِيمَة ذكر الطبيعة والخليقة والسليقة والنحيزة والغريزة والسجية والسيمة والجبلة بِالْجِيم وَلَا يشك ذُو علم فِي أَن هَذِه الْأَلْفَاظ اسْتعْملت فِي الْجَاهِلِيَّة وسمعها النَّبِي ﷺ فَلم ينكرها قطّ وَلَا أنكرها أحد من الصَّحَابَة ﵃ وَلَا وَلَا أحد مِمَّن بعدهمْ حَتَّى حدث من لَا يعْتد بِهِ وَقد قَالَ امْرُؤ الْقَيْس ... وَإِن كنت قد سائتك مني خَلِيقَة وَقَالَ حميد بن ثَوْر الْهِلَالِي الْكِنْدِيّ ... لكل امْرِئ يَا أم عَمْرو طبيعة وتفرق مَا بَين الرِّجَال الطبائع ... وَقَالَ النَّابِغَة ... لَهُم سيمة لم يُعْطهَا الله غَيرهم من الْجُود والأحلام غير عوازب ... وَقَالَ رَسُول الله ﷺ للجارود إِذا أخبرهُ أَن فِيهِ الْحلم والأناة فَقَالَ لَهُ الْجَارُود الله جبلني عَلَيْهِمَا يَا رَسُول الله أم هما كسب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ بل الله جبلك عَلَيْهِمَا وَمثل هَذَا كثير وكل هَذِه الْأَلْفَاظ أَسمَاء مترادفة بِمَعْنى وَاحِد عِنْدهم وَهُوَ قُوَّة فِي الشَّيْء يُوجد بهَا على مَا هُوَ عَلَيْهِ فاضطرب ولجأ إِلَى أَن قَالَ أَقُول بِهَذَا فِي النَّاس خَاصَّة فَقلت لَهُ وَأَنِّي لَك بالتخصيص وَهَذَا مَوْجُود بالحس وببديهة الْعقل فِي كل مَخْلُوق فِي الْعَالم فَلم يكن عِنْده تمويه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا الْمَذْهَب الْفَاسِد حداهم على أَن سموا مَا تَأتي بِهِ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام من الْآيَات المعجزات خرق الْعَادة لأَنهم جعلُوا امْتنَاع شقّ الْقَمَر وشق الْبَحْر وَامْتِنَاع إحْيَاء الْمَوْتَى وَإِخْرَاج نَاقَة من صَخْرَة وَسَائِر معجزاتهم إِنَّمَا هِيَ عادات فَقَط قَالَ أَبُو مُحَمَّد معَاذ الله من هَذَا وَلَو كَانَ ذَلِك عَادَته لما كَانَ فِيهَا إعجاز أصلا لِأَن الْعَادة فِي لُغَة الْعَرَب والدأب وَالدّين والديدن والهجيري أَلْفَاظ مترادفة على معنى وَاحِد وَهِي فِي أَكثر اسْتِعْمَال الْإِنْسَان لهل ننل لَا يُؤمن تَركه إِيَّاه وَلَا يُنكر زَوَاله عَنهُ بل هُوَ مُمكن وجود غَيره وَمثله بِخِلَاف الطبيعة الَّتِي الْخُرُوج عَنْهَا مُمْتَنع فالعادة فِي اسْتِعْمَال الْعَرَب الْعَامَّة التلحي وَحمل الْقَنَاة تحمل بعض النَّاس القلنسوة وكاستعمال بَعضهم حلق الشّعْر وَبَعْضهمْ توفيره

стр. 629

قَالَ الشَّاعِر ... تَقول وَقد درأت لَهَا وضيني أهدأ دينه أبدا وديني ... وَقَالَ آخر وَمن عاداته الْخلق الْكَرِيم وَقَالَ آخر ... قد عود الطير عادات وثقن بهَا فهن يصحبنه فِي كل مرتحل ... وَقَالَ آخر ... عودت كِنْدَة عادات فصير لَهَا ... وَقَالَ آخر ... وشديد عَادَة منتزعه ... فَذكر أَن انتزاع الْعَادة يشْتَد إِلَّا أَنه مُمكن غير مُمْتَنع بِخِلَاف إِزَالَة الطبيعة الَّتِي لَا سَبِيل إِلَيْهَا وَرُبمَا وضعت الْعَرَب لَفْظَة الْعَادة مَكَان لَفْظَة الطبيعة كَمَا قَالَ حميد بن ثَوْر الْهِلَالِي ... سَلِي الرّبع أَن يمت يَا أم سَالم وَهل عَادَة الرّبع أَن يتكلما ... قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هَذِه الطبائع والعادات مخلوقة خلقهَا الله فرتب الطبيعة على أَنَّهَا لَا تستحيل أبدا وَلَا يُمكن تبدلها عِنْد كل ذِي عقل كطبيعة الْإِنْسَان بِأَن يكون مُمكنا لَهُ التَّصَرُّف فِي الْعُلُوم والصناعات إِن لم يَعْتَرِضهُ آفَة وطبيعة الْحمير وَالْبِغَال بِأَنَّهُ غير مُمكن مِنْهَا ذَلِك وكطبيعة الْبر أَن لَا ينْبت شَعِيرًا وَلَا جوزا وَهَكَذَا كل مَا فِي الْعَالم وَالْقَوْم مقرون بِالصِّفَاتِ وَهِي الطبيعة نَفسهَا لِأَن من الصِّفَات المحمولة فِي الْمَوْصُوف مَا هُوَ ذاتي بِهِ لَا يتَوَهَّم زَوَاله إِلَّا بِفساد حامله وَسُقُوط الِاسْم عَنهُ كصفات الْخمر الَّتِي إِن زَالَت عَنْهَا صَارَت خلا وَبَطل اسْم الْخمر عَنْهَا وكصفات الْخبز وَاللَّحم الَّتِي إِذا زَالَت عَنْهَا صَارَت زبلا وَسقط اسْم الْخبز وَاللَّحم عَنْهُمَا وَهَكَذَا كل شَيْء لَهُ صفة ذاتية فَهَذِهِ هِيَ الطبيعة وَمن الصِّفَات المحمولة فِي الْمَوْصُوف مَا لَو توهم زَوَاله عَنهُ لم يبطل حامله وَلَا فَارقه اسْمه وَهَذَا الْقسم يَنْقَسِم أقساما ثَلَاثَة فأحدها مُمْتَنع الزَّوَال كالفطس وَالْقصر والزرق وَسَوَاد الزنْجِي وَنَحْو ذَلِك إِلَّا أَنه لَو توهم زائلا لبقي الْإِنْسَان إنْسَانا بِحَالهِ وَثَانِيها بطيء الزَّوَال كالمردوة وَسَوَاد الشّعْر وَمَا أشبه ذَلِك وَثَالِثهَا سريع الزَّوَال كحمرة الخجل وصفرة الوجل وكمدة الْهم وَنَحْو ذَلِك فَهَذِهِ هِيَ حَقِيقَة الْكَلَام فِي الصِّفَات وَمَا عدا ذَلِك فطريق السوفسطائية الَّذين لَا يحققون حَقِيقَة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان نبوة النِّسَاء قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا فصل لَا نعلمهُ حدث التَّنَازُع الْعَظِيم فِيهِ إِلَّا عندنَا بقرطبة وَفِي زَمَاننَا فَإِن طَائِفَة ذهبت إِلَى إبِْطَال كَون النُّبُوَّة فِي النِّسَاء جملَة وبدعت من قَالَ ذَلِك وَذهب طَائِفَة إِلَى القَوْل بِأَنَّهُ قد كَانَت فِي النِّسَاء نبوة وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى التَّوَقُّف فِي ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد مَا نعلم للمانعين من ذَلِك حجَّة أصلا إِلَّا أَن بَعضهم نَازع فِي ذَلِك بقول الله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي اليهم﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا أَمر لَا ينازعون فِيهِ وَلم يدع أحد أَن الله تَعَالَى أرسل امْرَأَة وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي النُّبُوَّة دون الرسَالَة فَوَجَبَ طلب الْحق فِي ذَلِك بِأَن ينظر فِي معنى لَفْظَة النُّبُوَّة فِي اللُّغَة الَّتِي خاطبنا الله بهَا فَوَجَدنَا هَذِه اللَّفْظَة مَأْخُوذَة من الْأَنْبِيَاء وَهُوَ الْإِعْلَام فَمن أعلمهُ الله بِمَا يكون قبل أَن يكون أَو أُوحِي إِلَيْهِ منبئا لَهُ بِأَمْر مَا فَهُوَ نَبِي بِلَا شكّ وَلَيْسَ هَذَا من بَاب الإلهام الَّذِي هُوَ طبيعة كَقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل﴾ وَلَا من بَاب الظَّن والتوهم الَّذِي لَا يقطع بحقيقته إِلَّا مَجْنُون وَلَا من بَاب الكهانة الَّتِي هِيَ من

стр. 630

إستيراق الشَّيَاطِين للسمع من السَّمَاء فيرمون بِالشُّهُبِ الثاقب وَفِيه يَقُول الله ﴿شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ يوحي بَعضهم إِلَى بعض زخرف القَوْل غرُورًا﴾ وَقد انْقَطَعت الكهانة بمجيء رَسُول الله ﷺ وَلَا من بَاب النُّجُوم الَّتِي هِيَ تجارب نتعلم وَلَا من بَاب الرُّؤْيَا الَّتِي لَا يدْرِي أصدقت أم كذبت بل الْوَحْي الَّذِي هُوَ النُّبُوَّة قصد من الله تَعَالَى إِلَى إِعْلَام من يوحي إِلَيْهِ بِمَا يُعلمهُ بِهِ وَيكون عِنْد الْوَحْي بِهِ إِلَيْهِ حَقِيقَة خَارِجَة عَن الْوُجُوه الْمَذْكُورَة يحدث الله لمن أوحى بِهِ إِلَيْهِ علما ضَرُورِيًّا بِصِحَّة مَا أُوحِي بِهِ كعلمه بِمَا أدْرك بحواسه وبديهة عقله سَوَاء لَا مجَال للشَّكّ فِي شَيْء مِنْهُ أما بمجيء الْملك بِهِ إِلَيْهِ وَإِمَّا بخطاب يُخَاطب بِهِ فِي نَفسه وَهُوَ تَعْلِيم من الله تَعَالَى لمن يُعلمهُ دون وساطة معلم فَإِن أَنْكَرُوا أَن يكون هَذَا هُوَ معنى النُّبُوَّة فليعرفوا مَا مَعْنَاهَا فَإِنَّهُم لَا يأْتونَ بِشَيْء أصلا فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فقد جَاءَ الْقُرْآن بِأَن الله أرسل الْمَلَائِكَة إِلَى نسَاء فأخبروهن بِوَحْي حق من الله تَعَالَى فبشروا أم إِسْحَاق بِإسْحَاق عَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿وَامْرَأَته قَائِمَة فَضَحكت فبشرناها بِإسْحَاق وَمن وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب قَالَت يَا ويلتى أألد وَأَنا عَجُوز وَهَذَا بعلي شَيخا إِن هَذَا لشَيْء عَجِيب قَالُوا أَتَعْجَبِينَ من أَمر الله رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُم أهل الْبَيْت﴾ فَهَذَا خطاب الْمَلَائِكَة لأم إِسْحَاق عَن الله بالبشارة لَهَا بِإسْحَاق ثمَّ يَعْقُوب ثمَّ بقَوْلهمْ لَهَا أَتَعْجَبِينَ من أَمر الله وَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون هَذَا الْخطاب من ملك لغير نَبِي بِوَجْه من الْوُجُوه ووجدناه تَعَالَى قد أرسل جِبْرِيل إِلَى مَرْيَم أم عِيسَى ﵉ يخاطبها وَقَالَ لَهَا ﴿إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا﴾ فَهَذِهِ نبوة صَحِيحَة بِوَحْي صَحِيح ورسالة من الله تَعَالَى إِلَيْهَا وَكَانَ زَكَرِيَّا ﵇ يجد عِنْدهَا من الله تَعَالَى رزقا واردا تمنى من أَجله ولدا فَاضلا وَوجدنَا أم مُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام قد أوحى الله إِلَيْهَا بإلقاء وَلَدهَا فِي اليم وأعلمها أَنه سيرده إِلَيْهَا ويجعله نَبيا مُرْسلا فَهَذِهِ نبوة لَا شكّ فِيهَا وبضرورة الْعقل يدْرِي كل ذِي تَمْيِيز صَحِيح أَنَّهَا لَو لم تكن واثقة بنبوة الله لَهَا لكَانَتْ بإلقائها وَلَدهَا فِي اليم برؤيا ترَاهَا أَو بِمَا يَقع فِي نَفسهَا أَو قَامَ فِي هاجستها فِي غَايَة الْجُنُون والمرار الهائج وَلَو فعل ذَلِك أَحَدنَا لَكَانَ فِي غَايَة الْفسق أَو فِي غَايَة الْجُنُون مُسْتَحقّا لمعاناة دماغه فِي البيمارستان لَا يشك فِي هَذَا أحد فصح يَقِينا أَن الْوَحْي الَّذِي ورد لَهَا فِي إِلْقَاء وَلَدهَا فِي اليم كالوحي الْوَارِد على إِبْرَاهِيم فِي الرُّؤْيَا فِي ذبح وَلَده فَإِن إِبْرَاهِيم ﵊ لَو لم يكن نَبيا واثقا بِصِحَّة الْوَحْي والنبوة الْوَارِد عَلَيْهِ من ذبح وَلَده لكنه ذبح وَلَده لرؤيا رَآهَا أَو ظن وَقع فِي نَفسه لَكَانَ بِلَا شكّ فَاعل ذَلِك من غير الْأَنْبِيَاء فَاسِقًا فِي نِهَايَة الْفسق أَو مَجْنُونا فِي غَايَة الْجُنُون هَذَا مَا لَا يشك فِيهِ أحد من النَّاس فَصحت نبوتهن بِيَقِين وَوجدنَا الله تَعَالَى قد قَالَ وَقد ذكر من الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي سُورَة كهيعص ذكر مَرْيَم فِي جُمْلَتهمْ ثمَّ قَالَ ﴿أُولَئِكَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين من ذُرِّيَّة آدم وَمِمَّنْ حملنَا مَعَ نوح﴾ وَهَذَا هُوَ عُمُوم لَهَا مَعَهم لَا يجوز تخصيصها من جُمْلَتهمْ وَلَيْسَ قَوْله وَأمه صديقَة بمانع من أَن تكون نبية فقد قَالَ تَعَالَى يُوسُف أَيهَا الصّديق وَهُوَ مَعَ ذَلِك نَبِي رَسُول وَهَذَا ظَاهر وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَيلْحق بِهن عَلَيْهِنَّ السَّلَام فِي ذَلِك امْرَأَة فِرْعَوْن بقول رَسُول الله ﷺ كمل من الرِّجَال كَثِيرُونَ وَلم يكمل من النِّسَاء إِلَّا مَرْيَم بنت عمرَان وآسية بنت مُزَاحم امْرَأَة فِرْعَوْن أَو كَمَا قَالَ ﵇ والكمال فِي الرِّجَال لَا يكون إِلَّا لبَعض الْمُرْسلين عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام لِأَن من دونهم نَاقص عَنْهُم بِلَا شكّ وَكَانَ تَخْصِيصه ﷺ مَرْيَم وَامْرَأَة فِرْعَوْن تَفْضِيلًا لَهما على سَائِر من أُوتيت النُّبُوَّة من النِّسَاء بِلَا شكّ إِذْ من نقص عَن منزلَة آخر وَلَو بدقيقة فَلم يكمل فصح بِهَذَا الْخَبَر أَن هَاتين الْمَرْأَتَيْنِ كملتا كمالا لم يلحقهما فِيهِ امْرَأَة غَيرهَا أصلا وَإِن كن بنصوص الْقُرْآن نبيات وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض﴾ فالكامل فِي نَوعه هُوَ الَّذِي لَا يلْحقهُ أحد من أهل نَوعه فهم من الرِّجَال الرُّسُل الَّذين فَضلهمْ الله تَعَالَى على سَائِر الرُّسُل وَمِنْهُم نَبينَا وَإِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا

стр. 631

الصَّلَاة وَالسَّلَام بِلَا شكّ للنصوص الْوَارِدَة بذلك فِي فَضلهَا على غَيرهمَا وكمل من النِّسَاء من ذكر ﵊ الْكَلَام فِي الرُّؤْيَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب صَالح تلميذ النظام إِلَى أَن الَّذِي يري أَحَدنَا فِي الرُّؤْيَا حق كَمَا هُوَ وَأَنه من رأى أَنه بالصين وَهُوَ بالأندلس فَإِن الله اخترعه فِي ذَلِك الْوَقْت بالصين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا القَوْل فِي غَايَة الْفساد لِأَن العيان وَالْعقل يضْطَر إِلَى كذب هَذَا القَوْل وبطلانه أما العيان فلأننا نشاهد حِينَئِذٍ هَذَا النَّائِم عندنَا وَهُوَ يرى نَفسه فِي ذَلِك الْوَقْت بالصين وَأما من طَرِيق الْعقل فَهُوَ معرفتنا بِمَا يرى الحالم من المحالات من كَونه مَقْطُوع الرَّأْس حَيا وَمَا أشبه ذَلِك وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَن رجلا قصّ عَلَيْهِ رُؤْيا فَقَالَ لَا تخبر بتلعب الشَّيْطَان بك قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْقَوْل الصَّحِيح فِي الرُّؤْيَا هُوَ أَنْوَاع فَمِنْهَا مَا يكون من قبل الشَّيْطَان وَهُوَ مَا كَانَ من الأضغاث والتخليط وَمِنْهَا مَا يكون من حَدِيث النَّفس وَهُوَ مَا يشْتَغل بِهِ الْمَرْء فِي الْيَقَظَة فيراه فِي النّوم من خوف عَدو أَو لِقَاء حبيب أَو خلاص من خوف أَو نَحْو ذَلِك وَمِنْهَا مَا يكون من غَلَبَة الطَّبْع كرؤية من غلب عَلَيْهِ الدَّم للأنوار والزهر والحمرة وَالسُّرُور ورؤية من غلب عَلَيْهِ الصَّفْرَاء للنيران ورؤية صَاحب البلغم للثلوج والمياه وكرؤية من غلب عَلَيْهِ السَّوْدَاء الكهوف وَالظُّلم وَمِنْهَا مَا يرِيه الله نفس الحالم إِذا صفت من أكدار الْجَسَد وتخلصت من الأفكار الْفَاسِدَة فيشرف الله تَعَالَى بِهِ على كثير من المغيبات الَّتِي لم تأت بعد وعَلى قدر تفاضل النَّفس فِي النَّقَاء والصفاء يكون تفاضل مَا يرَاهُ فِي الصدْق وَقد جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه لم يبْق بعده من النُّبُوَّة إِلَّا الْمُبَشِّرَات وَهِي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة يَرَاهَا الرجل أَو ترى لَهُ وَأَنَّهَا جُزْء من سِتَّة وَعشْرين جزأ من النُّبُوَّة إِلَى جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جزأ من النُّبُوَّة إِلَى جُزْء من سبعين جزأ من النُّبُوَّة وَهَذَا نَص جلي مَا ذكرنَا من تفاضلها فِي الصدْق والوضوح والصفاء من كل تَخْلِيط وَقد تخرج هَذِه النّسَب والأقسام على أَنه ﵇ إِنَّمَا أَرَادَ بذلك رُؤْيا الْأَنْبِيَاء ﵈ فَمنهمْ من رُؤْيَاهُ جُزْء من سِتَّة وَعشْرين جُزْء من أَجزَاء نبوته وخصائصه وفضائله وَمِنْهُم من رُؤْيَاهُ جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جزأ من نبوته وخصائصه وفضائله وَمِنْهُم من رُؤْيَاهُ جُزْء من سبعين جزأ من نبوته وخصائصه وفضائله وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر وَالله أعلم وَيكون خَارِجا على مُقْتَضى أَلْفَاظ الحَدِيث بِلَا تَأْوِيل بتكلف وَأما رُؤْيا غير الْأَنْبِيَاء فقد تكذب وَقد تصدق إِلَّا أَنه لَا يقطع على صِحَة شَيْء مِنْهُ إِلَّا بعد ظُهُور صِحَّته حاشا رُؤْيا الْأَنْبِيَاء فَإِنَّهَا كلهَا وَحي مَقْطُوع على صِحَّته كرؤيا إِبْرَاهِيم ﵇ وَلَو رأى ذَلِك غير نبى فِي الرُّؤْيَا فأنفذه فِي الْيَقَظَة لَكَانَ فَاسِقًا عابثا أَو مَجْنُونا ذَاهِب التَّمْيِيز بِلَا شكّ وَقد تصدق رُؤْيا لكَافِر وَلَا تكون حِينَئِذٍ جزأ من النُّبُوَّة وَلَا مُبَشِّرَات وَلَكِن إنذارا لَهُ أَو لغيره ووعظا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي أَي الْخلق أفضل قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب قوم إِلَى ان الْأَنْبِيَاء ﵈ أفضل من الْمَلَائِكَة وَذَهَبت طَائِفَة تنتسب إِلَى الْإِسْلَام أَن الصَّالِحين غير النَّبِيين أفضل من الْمَلَائِكَة وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْوَلِيّ أفضل من النَّبِي وَأَنه يكون فِي هَذِه الْأمة من هُوَ أفضل من عِيسَى بن مَرْيَم وَرَأَيْت الباقلاني يَقُول جَائِز أَن يكون فِي هَذِه الْأمة من هُوَ أفضل من رَسُول الله ﷺ من حِين بعث إِلَى أَن مَاتَ وَرَأَيْت لأبي هَاشم الجبائى أَنه لَو طَال عمر إِنْسَان من الْمُسلمين فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة لأمكن أَن يوازي عمل النَّبِي ﷺ كذب لَعنه الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَوْلَا أَنه استحيا قَلِيلا مِمَّا لم يستحي من نَظِيره الباقلاني لقَالَ مَا يُوجِبهُ هَذَا القَوْل من أَنه

стр. 632

كَانَ يزِيد فضلا على رَسُول الله ﷺ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه الْأَقْوَال كفر مُجَرّد لَا تردد فِيهِ وحاشا لله تَعَالَى من أَن يكون أحد عمر عمر الدَّهْر يلْحق فضل صَاحب فَكيف فضل رَسُول الله ﷺ أَو نَبِي من الْأَنْبِيَاء ﵈ فَكيف أَن يكون أفضل من رَسُول الله ﷺ هَذَا مَالا تقبله نفس مُسلم كَأَنَّهُمْ مَا سمعُوا قَول الله ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا﴾ وَقَول النَّبِي ﷺ دعوا لي أَصْحَابِي فَلَو كَانَ لأحدكم مثل أحد ذَهَبا فأنفقه فِي سَبِيل الله مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَكيف يلْحق أبدا من أَن تصدق وَهُوَ بِمثل جبل أحد ذَهَبا وَتصدق الصاحب بِنصْف مد من شعير كَانَ نصف مد الشّعير لَا يلْحقهُ فِي الْفضل جبل الذَّهَب فَكيف برَسُول الله ﷺ قَالَ أهل الْحق أَن الْمَلَائِكَة أفضل من كل خلق خلقه الله تَعَالَى ثمَّ بعدهمْ الرُّسُل من النَّبِيين ﵈ ثمَّ بعدهمْ الْأَنْبِيَاء غير الرُّسُل ﵈ ثمَّ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ على مَا رتبنا قبل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن صحب رَسُول الله ﷺ من الْجِنّ لَهُ من الْفضل مَا لسَائِر الصَّحَابَة بِعُمُوم قَوْله ﷺ دعوا لي أَصْحَابِي وَأفضل الرُّسُل مُحَمَّد ﷺ أما فضل الْمَلَائِكَة على الرُّسُل من غير الْمَلَائِكَة فلبراهين مِنْهَا قَول الله أَمر الرَّسُول ﷺ أَن يَقُول ﴿قل لَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله وَلَا أعلم الْغَيْب وَلَا أَقُول لكم أَنِّي ملك أَن اتبع إِلَّا مَا يوحي إِلَيّ﴾ فَلَو كَانَ الرَّسُول أرفع من الْملك أَو مثله مَا أَمر الله تَعَالَى رَسُوله ﷺ أَن يَقُول لَهُم هَذَا القَوْل الَّذِي إِنَّمَا قَالَه منحطا عَن الترفع بِأَن يظنّ أَنه عِنْده خَزَائِن الله أَو أَنه يعلم الْغَيْب أَو أَنه ملك منزل لنَفسِهِ المقدسة فِي مرتبته الَّتِي هِيَ دون هَذِه الْمَرَاتِب بِلَا شكّ إِذْ لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يَقُول هَذَا عَن مَرَاتِب هُوَ أرفع مِنْهَا وَأَيْضًا فَإِن الله ذكر مُحَمَّدًا الَّذِي هُوَ أفضل الرُّسُل بعد الْمَلَائِكَة وَذكر جِبْرِيل ﵉ وَكَانَ من التباين من الله بَينهمَا تبايناً بَعيدا وَهُوَ أَنه قَالَ ﴿أَنه لقَوْل رَسُول كريم ذِي قُوَّة عِنْد ذِي الْعَرْش مكين مُطَاع ثمَّ أَمِين﴾ فَهَذِهِ صفة جِبْرِيل ﵈ ثمَّ ذكر مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالَ ﴿وَمَا صَاحبكُم بمجنون﴾ ثمَّ زَاد تَعَالَى بَيَانا رَافعا للأشكال جملَة فَقَالَ ﴿وَلَقَد رَآهُ بالأفق الْمُبين﴾ فَعظم الله تَعَالَى من شَأْن أكْرم الْأَنْبِيَاء وَالرسل بِأَن رأى جِبْرِيل ﵇ ثمَّ قَالَ ﴿وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى عِنْدهَا جنَّة المأوى إِذْ يغشي السِّدْرَة مَا يغشي مَا زاغ الْبَصَر وَمَا طغي لقد رأى من آيَات ربه الْكُبْرَى﴾ فأمتن الله تَعَالَى كَمَا ترى على مُحَمَّد ﷺ بِأَن أرَاهُ جِبْرِيل مرَّتَيْنِ وَإِنَّمَا يتفاضل النَّاس كَمَا قدمنَا بِوَجْهَيْنِ فَقَط أَحدهمَا الِاخْتِصَاص الْمُجَرّد وَأعظم الِاخْتِصَاص الرسَالَة والتعظيم فقد حصل ذَلِك للْمَلَائكَة قَالَ تَعَالَى ﴿جَاعل الْمَلَائِكَة رسلًا﴾ فهم كلهم رسل الله اختصهم تَعَالَى بِأَن ابتدأهم فِي الْجنَّة وحوالي عَرْشه فِي الْمَكَان الَّذِي وعد رسله وَمن اتبعهم بِأَن نِهَايَة كرامتهم مصيرهم إِلَيْهِ وَهُوَ مَوضِع خلق الْمَلَائِكَة ومحلهم بِلَا نِهَايَة مذ خلقُوا وَذكرهمْ فِي غير مَوضِع من كِتَابه فَأثْنى على جَمِيعهم ووصفهم بِأَنَّهُم لَا يفترون وَلَا يسأمون وَلَا يعصون الله فنفي عَنْهُم الزلل والفترة السَّاقَة والسهو وَهَذَا أَمر لم ينفه عَن الرُّسُل صلوَات الله عَلَيْهِم بل السَّهْو جَائِز عَلَيْهِم وبالضرورة نعلم من عصم من السَّهْو أفضل مِمَّن لم يعْصم مِنْهُ وَأَن من عصم من الْعمد كالأنبياء ﵈ أفضل مِمَّن لم يعْصم مِمَّن سواهُم فَإِن اعْترض معترض بقول الله ﴿الله يصطفي من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس﴾ قيل لَهُ لَيْسَ هَذَا مُعَارضا لقَوْله تَعَالَى جَاعل الْمَلَائِكَة رسلًا فَإِن كل آيَة فَإِنَّمَا لم تحمل على مقتضاها وَمُوجب لَفظهَا فَفِي هَذِه الْآيَة أَن بعض الْمَلَائِكَة رسل وَهَذَا حق لَا شكّ فِيهِ وَلَيْسَ إِخْبَارًا عَن سَائِرهمْ بِشَيْء لَا بِأَنَّهُم رسل وَلَا بِأَنَّهُم لَيْسُوا رسلًا فَلَا يحل لأحد أَن يزِيد فِي الْآيَة مَا لَيْسَ فِيهَا ثمَّ فِي الْآيَة الْأُخْرَى زِيَادَة على مَا فِي هَذِه الْآيَة وَالْأَخْبَار بِأَن جَمِيع الْمَلَائِكَة

стр. 633

رسل فَفِي تِلْكَ الْآيَة بعض مَا فِي هَذِه الْآيَة وَفِي هَذِه الْآيَة كل مَا فِي تِلْكَ وَزِيَادَة فَفرض قبُول كل ذَلِك كَمَا أَن الله إِذْ ذكر فِي كهيعص من ذكر من النَّبِيين فَقَالَ ﴿أُولَئِكَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين﴾ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿ورسلا قد قصصناهم عَلَيْك من قبل ورسلا لم نقصصهم عَلَيْك﴾ أفترى الرُّسُل الَّذين لم يقصصهم الله تَعَالَى عَلَيْهِ جملَة أَو فِي هَذِه السُّورَة خَاصَّة لم ينعم عَلَيْهِم معَاذ الله من هَذَا فَمَا يَقُوله مُسلم وَالْوَجْه الثَّانِي من أوجه الْفضل هُوَ تفاضل العاملين بتفاضل مَنَازِلهمْ فِي أَعمال الطَّاعَة والعصمة من الْمعاصِي والدنيات وَقد نَص الله تَعَالَى على أَن الْمَلَائِكَة لَا يفترون من الطَّاعَة وَلَا يسأمون مِنْهَا وَلَا يعصون الْبَتَّةَ فِي شَيْء أمروا بِهِ فقد صَحَّ أَن الله عصمهم من الطبائع النَّاقِصَة الداعية إِلَى الفتور والكسل كالطعام والتغوط وشهوة الْجِمَاع وَالنَّوْم فصح يَقِينا أَنهم أفضل من الرُّسُل الَّذين لم يعصموا من الفتور والكسل ودواعيهما قَالَ أَبُو مُحَمَّد احْتج بعض الْمُخَالفين فِي هَذَا بِأَن قَالَ قَالَ الله ﴿إِن الله اصْطفى آدم ونوحا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين﴾ قَالُوا فَدخل فِي الْعَالمين الْمَلَائِكَة وَغَيرهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه الْآيَة قد صَحَّ الْبُرْهَان بِأَنَّهَا لَيست على عمومها لِأَنَّهُ تَعَالَى لم يذكر فِيهَا مُحَمَّدًا ﷺ وَلَا خلاف فِي أَنه أفضل النَّاس قَالَ الله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ فَإِن قَالَ أَن آل إِبْرَاهِيم هم آل مُحَمَّد قيل لَهُ فَنحْن إِذا أفضل من جَمِيع الْأَنْبِيَاء حاشا آل عمرَان وآدَم ونوحا فَقَط وَهَذَا لَا يَقُوله مُسلم فصح يَقِينا أَن هَذِه الْآيَة لَيست على عمومها فَإِذا لَا شكّ فِي ذَلِك فقد صَحَّ أَن الله إِنَّمَا أَرَادَ بهَا عالمي زمانهم من النَّاس لَا من الرُّسُل وَلَا من النَّبِيين نعم وَلَا من عالمي غير زمانهم لأننا بِلَا شكّ أفضل من آل عمرَان فَبَطل تعلقهم بِهَذِهِ الْآيَة جملَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَصَحَّ أَنَّهَا مثل قَوْله تَعَالَى ﴿يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم وَإِنِّي فضلتكم على الْعَالمين﴾ وَلَا شكّ فِي أَنهم لم يفضلوا على الرُّسُل وَلَا على النَّبِيين وَلَا على أمتنَا وَلَا على الصَّالِحين من غَيرهم فَكيف على الْمَلَائِكَة وَنحن لَا ننكر إِزَالَة النَّص عَن ظَاهره وعمومه ببرهان من نَص آخر أَو إِجْمَاع مُتَيَقن أَو ضَرُورَة حس وَإِنَّمَا ننكر ونمنع من إِزَالَة النَّص عَن ظَاهره وعمومه بِالدَّعْوَى فَهَذَا هُوَ الْبَاطِل الَّذِي لَا يحل فِي دين وَلَا يَصح فِي إِمْكَان الْعقل وَبِاللَّهِ تعلى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَذكر بَعضهم قَول الله ﴿الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا مِمَّا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ أصلا لِأَن هَذِه الصّفة تعم كل مُؤمن صَالح من الْإِنْس وَمن الْجِنّ نعم وَجَمِيع الْمَلَائِكَة عُمُوما مستويا فَإِنَّمَا هَذِه لآيَة تَفْضِيل الْمَلَائِكَة وَالصَّالِحِينَ من الْإِنْس وَالْجِنّ على سَائِر الْبَريَّة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَاحْتَجُّوا بِأَمْر الله الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود لآدَم على جَمِيعهم السَّلَام قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا أعظم حجَّة عَلَيْهِم لِأَن السُّجُود الْمَأْمُور بِهِ لَا يَخْلُو من أَن يكون سُجُود عبَادَة وَهَذَا كفر مِمَّن قَالَه وَلَا يجوز أَن يكون الله يَأْمر أحدا من خلقه بِعبَادة غَيره وَإِمَّا ان يكون سُجُود تَحِيَّة وكرامة وَهُوَ كَذَلِك بِلَا خلاف من أحد من النَّاس فَإذْ هُوَ كَذَلِك فَلَا دَلِيل أدل على فضل الْمَلَائِكَة على آدم من أَن يكون الله تَعَالَى بلغ الْغَايَة فِي إعظامه وكرامته بَان تحييه الْمَلَائِكَة لأَنهم لَو كَانُوا دونه لم يكن لَهُ كَرَامَة وَلَا مزية فِي تحيتهم لَهُ وَقد أخبر الله عَن يُوسُف ﵇ فَقَالَ ﴿وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش وخروا لَهُ سجدا وَقَالَ يَا أَبَت هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل قد جعلهَا رَبِّي حَقًا﴾ وَكَانَت رُؤْيَاهُ هِيَ الَّتِي ذكر الله عَنهُ إِذْ يَقُول

стр. 634

أَيْضا بِأَن الْمَلَائِكَة لم يعلمُوا أَسمَاء الْأَشْيَاء حَتَّى أنبأهم بهَا آدم على جَمِيعهم السَّلَام بتعليم الله آدم إِيَّاهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن الله يعلم من هُوَ أنقص فضلا وعلما فِي الْجُمْلَة أَشْيَاء لَا يعلمهَا من هُوَ أفضل مِنْهُ وَأعلم مِنْهُ بِمَا عدا تِلْكَ الْأَشْيَاء فَعلم الْمَلَائِكَة مَالا يُعلمهُ آدم وَعلم آدم أَسمَاء الْأَشْيَاء ثمَّ أمره بِأَن يعلمهَا الْمَلَائِكَة كَمَا خص الْخضر ﵇ بِعلم لم يُعلمهُ مُوسَى ﵇ حَتَّى اتبعهُ مُوسَى ﵇ ليتعلم مِنْهُ وَعلم أَيْضا مُوسَى ﵇ علوما لم يعلمهَا الْخضر وَهَكَذَا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَن الْخضر قَالَ لمُوسَى ﵇ أَنِّي على علم من علم الله لَا تعلمه أَنْت وَأَنت على علم من علم الله لَا أعلمهُ أَنا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَيْسَ فِي هَذَا أَن الْخضر أفضل من مُوسَى ﵇ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد قَالَ بعض الْجُهَّال أَن الله تَعَالَى جعل الْمَلَائِكَة خدام أهل الْجنَّة يأتونهم بالتحف من عِنْد رَبهم قَالَ تَعَالَى ﴿وتتلقاهم الْمَلَائِكَة هَذَا يومكم الَّذِي كُنْتُم توعدون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالْمَلَائِكَة يدْخلُونَ عَلَيْهِم من كل بَاب سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما خدمَة الْمَلَائِكَة لأهل الْجنَّة وإقبالهم إِلَيْهِم بالتحف فشيء مَا علمناه قطّ وَلَا سمعناه إِلَّا من الْقصاص بالخرافات والتكاذيب وَإِنَّمَا الْحق من ذَلِك مَا ذكره الله فِي النَّص الَّذِي أوردنا وَهُوَ وَللَّه الْحَمد من أقوى الْحجَج فِي فضل الْمَلَائِكَة على من سواهُم وَيلْزم هَذَا المحتج اذا كَانَ إقبال الْمَلَائِكَة بالبشارات إِلَى أهل الْجنَّة دَلِيلا على فضل مِنْهُم وَهَذَا كفر مُجَرّد وَلَكِن حَقِيقَة هِيَ أَن الْفضل إِذا كَانَ للأنبياء ﵈ على النَّاس بِأَنَّهُم رسل الله اليهم ووسائط بَين رَبهم تَعَالَى وَبينهمْ فالفضل وَاجِب للْمَلَائكَة على الْأَنْبِيَاء وَالرسل لكَوْنهم رسل الله تَعَالَى إِلَيْهِم ووسائط بَينهم وَبَين رَبهم تَعَالَى وَأما تفضل الله تَعَالَى على أهل الْجنَّة بِالْأَكْلِ وَالشرب وَالْجِمَاع واللباس والآلات والقصور فَإِنَّمَا فَضلهمْ الله من ذَلِك بِمَا يُوَافق طباعهم وَقد نزه الله سُبْحَانَهُ الْمَلَائِكَة عَن هَذِه الطبائع المستدعية لهَذِهِ اللَّذَّات بل أبانهم وفضلهم بل جعل طبائعهم لَا تلتذ بِشَيْء من ذَلِك إِلَّا بِذكر الله وعبادته وطاعته فِي تَنْفِيذ أوامره تَعَالَى فَلَا منزلَة أَعلَى من هَذِه وَعجل لَهُم سُكْنى الْمحل الرفيع الَّذِي جعل تَعَالَى غَايَة إكرامنا الْوُصُول إِلَيْهِ بعد لِقَاء الْأَمريْنِ فِي التَّعَب فِي عمَارَة هَذِه الدُّنْيَا النكدة وَفِي كلف الْأَعْمَال فَفِي ذَلِك الْمَكَان خلق الله الْمَلَائِكَة مُنْذُ ابتدائهم وَفِيه خلدهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ بعض السخفاء أَن الْمَلَائِكَة بِمَنْزِلَة الْهَوَاء والرياح قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كذب وقحة وجنون لِأَن الْمَلَائِكَة بِنَصّ الْقُرْآن وَالسّنَن وَإِجْمَاع جَمِيع من يقر بِالْمَلَائِكَةِ من أهل الْأَدْيَان الْمُخْتَلفَة عقلا متعبدون منهيون مأمورون وَلَيْسَ كَذَلِك الْهَوَاء والرياح لَكِنَّهَا لَا تعقل وَلَا هِيَ متكلفة متعبدة بل هِيَ مسخرة مصرفة لَا اخْتِيَار لَهَا قَالَ تَعَالَى ﴿والسحاب المسخر بَين السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿سخرها عَلَيْهِم سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام﴾ وَذكر تَعَالَى الْمَلَائِكَة فَقَالَ ﴿بل عباد مكرمون لَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لمن فِي الأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا لَوْلَا أنزل علينا الْمَلَائِكَة أَو نرى رَبنَا لقد استكبروا فِي أنفسهم وعتوا عتواً كَبِيرا يَوْم يرَوْنَ الْمَلَائِكَة لَا بشرى يَوْمئِذٍ للمجرمين﴾ فقرن تَعَالَى نزُول الْمَلَائِكَة بِرُؤْيَتِهِ تَعَالَى وَقرن تَعَالَى إِتْيَانه بإتيان الْمَلَائِكَة فَقَالَ ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾ وَاعْلَم أَن إِعْرَاب الْمَلَائِكَة هَاهُنَا بِالرَّفْع عطفا على الله لَا على الْغَمَام وَنَصّ تَعَالَى على أَن آدم ﵊ إِنَّمَا أكل من الشَّجَرَة ليَكُون ملكا أَو ليخلد كَمَا نَص تَعَالَى علينا إِذْ يَقُول ﴿مَا نهاكما رَبكُمَا عَن هَذِه الشَّجَرَة إِلَّا أَن تَكُونَا ملكَيْنِ أَو تَكُونَا من الخالدين﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فبيقين نَدْرِي أَن آدم ﵇ لَوْلَا يقينه بِأَن الْمَلَائِكَة أفضل مِنْهُ وطمعه بِأَن يصير ملكا لما قبل

стр. 635

من أبليس مَا غره بِهِ من أكل الشَّجَرَة الَّتِي نها الله عَنْهَا وَلَو علم آدم أَن الْملك مثله أَو دونه لما حمل نَفسه على مُخَالفَة أَمر الله تَعَالَى لينحط عَن مَنْزِلَته الرفيعة إِلَى الدون هَذَا مَا لَا يَظُنّهُ ذُو عقل أصلا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ الله ﴿لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون﴾ فَقَوله بعد ذكر الْمَسِيح وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون بُلُوغ الْغَايَة فِي علو درجتهم على الْمَسِيح ﵇ لِأَن بنية الْكَلَام ورتبته إِنَّمَا هِيَ إِذا أَرَادَ الْقَائِل نفي صفة مَا عَن متواضع عَنْهَا أَن يبْدَأ بالأدني ثمَّ بالأعلى وَإِذا أَرَادَ نفي صفة مَا عَن مترفع عَنْهَا أَن يبْدَأ بالأعلى ثمَّ بالأدني فَنَقُول فِي الْقسم الأول مَا يطْمع فِي الْجُلُوس بَين يَدي الْخَلِيفَة خازنه وَلَا وزيره وَلَا أَخُوهُ ونقول فِي الْقسم الثَّانِي مَا ينحط إِلَى الْأكل فِي السُّوق وَال وَلَا ذُو مرتبَة وَلَا متصاون من التُّجَّار أَو الصناع لَا يجوز الْبَتَّةَ غير هَذَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأَيْضًا فَإِن رَسُول الله ﷺ أخبر بِأَن الله خلق الْمَلَائِكَة من نور وَخلق الْإِنْسَان من طين وَخلق الْجِنّ من نَار قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا يجهل فضل النُّور على الطين وعَلى النَّار أحد إِلَّا من لم يَجْعَل الله لَهُ نورا وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نوا فَمَا لَهُ من نور وَقد صَحَّ أَن رَسُول الله ﷺ دَعَا ربه فِي أَن يَجْعَل فِي قلبه نورا فالملائكة من جَوْهَر دَعَا أفضل الْبشر ربه فِي أَن يَجْعَل فِي قلبه مِنْهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَفِي هَذَا كِفَايَة لمن عقل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ ﴿وَلَقَد كرمنا بني آدم وحملناهم فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ إِلَى قَوْله ﴿وفضلناهم على كثير مِمَّن خلقنَا تَفْضِيلًا﴾ فَإِنَّمَا فضل الله تَعَالَى بِنَصّ كَلَامه بني آدم على كثير مِمَّن خلق لَا على كل من خلق وَبلا شكّ أَن بنى آدم يفضلون على الْجِنّ وعَلى جَمِيع الْحَيَوَان الصَّامِت وعَلى مَا لَيْسَ حَيَوَانا فَلم يبْق خلق يَسْتَثْنِي من تَفْضِيل الله تَعَالَى بني آدم عَلَيْهِ إِلَّا الْمَلَائِكَة فَقَط قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما فضل رَسُول الله ﷺ على كل رَسُول قبله فالثابت عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ فضلت على الْأَنْبِيَاء بست وَرُوِيَ بِخمْس وَرُوِيَ بِأَرْبَع وَرُوِيَ بِثَلَاث رَوَاهُ جَابر بن عبد الله وَأنس بن مَالك وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وَأَبُو هُرَيْرَة وَبِقَوْلِهِ ﷺ أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَإنَّهُ ﵇ بعث إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود وَأَنه ﵇ أَكثر الْأَنْبِيَاء اتبَاعا وَأَنه ذُو الشَّفَاعَة الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة فِيهَا النَّبِيُّونَ فَمن دونهم أماتنا الله على مِلَّته وَلَا خَالف بِنَا عَنهُ وَهُوَ أَيْضا ﵇ خَلِيل الله وكليمه الْكَلَام فِي الْفقر والغنى قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلف قوم فِي أَي الْأَمريْنِ أفضل الْفقر أم الْغنى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا سُؤال فَاسد لِأَن تفاضل الْعَمَل وَالْجَزَاء فِي الْجنَّة إِنَّمَا هُوَ لِلْعَامِلِ لَا لحالة مَحْمُولَة فِيهِ إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بتفضيل الله حَالا على حَال وَلَيْسَ هَا هُنَا نَص فِي فضل إِحْدَى هَاتين الْحَالَتَيْنِ على الْأُخْرَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَن يُقَال أَيّمَا أفضل الْغَنِيّ أم الْفَقِير وَالْجَوَاب هَا هُنَا هُوَ مَا قَالَه الله تَعَالَى إِذْ يَقُول ﴿هَل تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فَإِن كَانَ الْغَنِيّ أفضل عملا من الْفَقِير فالغنى أفضل وَإِن كَانَ الْفَقِير أفضل عملا من الْغنى فالفقير أفضل وَإِن كَانَ عملهما مُتَسَاوِيا فهما سَوَاء قَالَ ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ وَقد استعاذ النَّبِي ﷺ من فتْنَة الْفقر وفتنة الْغنى وَجعل الله الشُّكْر بِإِزَاءِ الْغنى وَالصَّبْر بِإِزَاءِ الْفقر فَمن اتَّقى الله فَهُوَ الْفَاضِل غَنِيا كَانَ أَو فَقِيرا وَقد اعْترض بَعضهم هَا هُنَا بِالْحَدِيثِ الْوَارِد أَن فُقَرَاء الْمُهَاجِرين يدْخلُونَ الْجنَّة قبل أغنيائهم بِكَذَا وَكَذَا خَرِيفًا وَنزع الْآخرُونَ بقول الله ﴿ووجدك ضَالًّا فهدي ووجدك عائلا فأغنى﴾
следующие страницы →