← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الصَّلَاة وَالسَّلَام بِلَا شكّ للنصوص الْوَارِدَة بذلك فِي فَضلهَا على غَيرهمَا وكمل من النِّسَاء من ذكر ﵊ الْكَلَام فِي الرُّؤْيَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب صَالح تلميذ النظام إِلَى أَن الَّذِي يري أَحَدنَا فِي الرُّؤْيَا حق كَمَا هُوَ وَأَنه من رأى أَنه بالصين وَهُوَ بالأندلس فَإِن الله اخترعه فِي ذَلِك الْوَقْت بالصين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا القَوْل فِي غَايَة الْفساد لِأَن العيان وَالْعقل يضْطَر إِلَى كذب هَذَا القَوْل وبطلانه أما العيان فلأننا نشاهد حِينَئِذٍ هَذَا النَّائِم عندنَا وَهُوَ يرى نَفسه فِي ذَلِك الْوَقْت بالصين وَأما من طَرِيق الْعقل فَهُوَ معرفتنا بِمَا يرى الحالم من المحالات من كَونه مَقْطُوع الرَّأْس حَيا وَمَا أشبه ذَلِك وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَن رجلا قصّ عَلَيْهِ رُؤْيا فَقَالَ لَا تخبر بتلعب الشَّيْطَان بك قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْقَوْل الصَّحِيح فِي الرُّؤْيَا هُوَ أَنْوَاع فَمِنْهَا مَا يكون من قبل الشَّيْطَان وَهُوَ مَا كَانَ من الأضغاث والتخليط وَمِنْهَا مَا يكون من حَدِيث النَّفس وَهُوَ مَا يشْتَغل بِهِ الْمَرْء فِي الْيَقَظَة فيراه فِي النّوم من خوف عَدو أَو لِقَاء حبيب أَو خلاص من خوف أَو نَحْو ذَلِك وَمِنْهَا مَا يكون من غَلَبَة الطَّبْع كرؤية من غلب عَلَيْهِ الدَّم للأنوار والزهر والحمرة وَالسُّرُور ورؤية من غلب عَلَيْهِ الصَّفْرَاء للنيران ورؤية صَاحب البلغم للثلوج والمياه وكرؤية من غلب عَلَيْهِ السَّوْدَاء الكهوف وَالظُّلم وَمِنْهَا مَا يرِيه الله نفس الحالم إِذا صفت من أكدار الْجَسَد وتخلصت من الأفكار الْفَاسِدَة فيشرف الله تَعَالَى بِهِ على كثير من المغيبات الَّتِي لم تأت بعد وعَلى قدر تفاضل النَّفس فِي النَّقَاء والصفاء يكون تفاضل مَا يرَاهُ فِي الصدْق وَقد جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه لم يبْق بعده من النُّبُوَّة إِلَّا الْمُبَشِّرَات وَهِي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة يَرَاهَا الرجل أَو ترى لَهُ وَأَنَّهَا جُزْء من سِتَّة وَعشْرين جزأ من النُّبُوَّة إِلَى جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جزأ من النُّبُوَّة إِلَى جُزْء من سبعين جزأ من النُّبُوَّة وَهَذَا نَص جلي مَا ذكرنَا من تفاضلها فِي الصدْق والوضوح والصفاء من كل تَخْلِيط وَقد تخرج هَذِه النّسَب والأقسام على أَنه ﵇ إِنَّمَا أَرَادَ بذلك رُؤْيا الْأَنْبِيَاء ﵈ فَمنهمْ من رُؤْيَاهُ جُزْء من سِتَّة وَعشْرين جُزْء من أَجزَاء نبوته وخصائصه وفضائله وَمِنْهُم من رُؤْيَاهُ جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جزأ من نبوته وخصائصه وفضائله وَمِنْهُم من رُؤْيَاهُ جُزْء من سبعين جزأ من نبوته وخصائصه وفضائله وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر وَالله أعلم وَيكون خَارِجا على مُقْتَضى أَلْفَاظ الحَدِيث بِلَا تَأْوِيل بتكلف وَأما رُؤْيا غير الْأَنْبِيَاء فقد تكذب وَقد تصدق إِلَّا أَنه لَا يقطع على صِحَة شَيْء مِنْهُ إِلَّا بعد ظُهُور صِحَّته حاشا رُؤْيا الْأَنْبِيَاء فَإِنَّهَا كلهَا وَحي مَقْطُوع على صِحَّته كرؤيا إِبْرَاهِيم ﵇ وَلَو رأى ذَلِك غير نبى فِي الرُّؤْيَا فأنفذه فِي الْيَقَظَة لَكَانَ فَاسِقًا عابثا أَو مَجْنُونا ذَاهِب التَّمْيِيز بِلَا شكّ وَقد تصدق رُؤْيا لكَافِر وَلَا تكون حِينَئِذٍ جزأ من النُّبُوَّة وَلَا مُبَشِّرَات وَلَكِن إنذارا لَهُ أَو لغيره ووعظا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي أَي الْخلق أفضل قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب قوم إِلَى ان الْأَنْبِيَاء ﵈ أفضل من الْمَلَائِكَة وَذَهَبت طَائِفَة تنتسب إِلَى الْإِسْلَام أَن الصَّالِحين غير النَّبِيين أفضل من الْمَلَائِكَة وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْوَلِيّ أفضل من النَّبِي وَأَنه يكون فِي هَذِه الْأمة من هُوَ أفضل من عِيسَى بن مَرْيَم وَرَأَيْت الباقلاني يَقُول جَائِز أَن يكون فِي هَذِه الْأمة من هُوَ أفضل من رَسُول الله ﷺ من حِين بعث إِلَى أَن مَاتَ وَرَأَيْت لأبي هَاشم الجبائى أَنه لَو طَال عمر إِنْسَان من الْمُسلمين فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة لأمكن أَن يوازي عمل النَّبِي ﷺ كذب لَعنه الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَوْلَا أَنه استحيا قَلِيلا مِمَّا لم يستحي من نَظِيره الباقلاني لقَالَ مَا يُوجِبهُ هَذَا القَوْل من أَنه

стр. 632

كَانَ يزِيد فضلا على رَسُول الله ﷺ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه الْأَقْوَال كفر مُجَرّد لَا تردد فِيهِ وحاشا لله تَعَالَى من أَن يكون أحد عمر عمر الدَّهْر يلْحق فضل صَاحب فَكيف فضل رَسُول الله ﷺ أَو نَبِي من الْأَنْبِيَاء ﵈ فَكيف أَن يكون أفضل من رَسُول الله ﷺ هَذَا مَالا تقبله نفس مُسلم كَأَنَّهُمْ مَا سمعُوا قَول الله ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا﴾ وَقَول النَّبِي ﷺ دعوا لي أَصْحَابِي فَلَو كَانَ لأحدكم مثل أحد ذَهَبا فأنفقه فِي سَبِيل الله مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَكيف يلْحق أبدا من أَن تصدق وَهُوَ بِمثل جبل أحد ذَهَبا وَتصدق الصاحب بِنصْف مد من شعير كَانَ نصف مد الشّعير لَا يلْحقهُ فِي الْفضل جبل الذَّهَب فَكيف برَسُول الله ﷺ قَالَ أهل الْحق أَن الْمَلَائِكَة أفضل من كل خلق خلقه الله تَعَالَى ثمَّ بعدهمْ الرُّسُل من النَّبِيين ﵈ ثمَّ بعدهمْ الْأَنْبِيَاء غير الرُّسُل ﵈ ثمَّ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ على مَا رتبنا قبل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن صحب رَسُول الله ﷺ من الْجِنّ لَهُ من الْفضل مَا لسَائِر الصَّحَابَة بِعُمُوم قَوْله ﷺ دعوا لي أَصْحَابِي وَأفضل الرُّسُل مُحَمَّد ﷺ أما فضل الْمَلَائِكَة على الرُّسُل من غير الْمَلَائِكَة فلبراهين مِنْهَا قَول الله أَمر الرَّسُول ﷺ أَن يَقُول ﴿قل لَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله وَلَا أعلم الْغَيْب وَلَا أَقُول لكم أَنِّي ملك أَن اتبع إِلَّا مَا يوحي إِلَيّ﴾ فَلَو كَانَ الرَّسُول أرفع من الْملك أَو مثله مَا أَمر الله تَعَالَى رَسُوله ﷺ أَن يَقُول لَهُم هَذَا القَوْل الَّذِي إِنَّمَا قَالَه منحطا عَن الترفع بِأَن يظنّ أَنه عِنْده خَزَائِن الله أَو أَنه يعلم الْغَيْب أَو أَنه ملك منزل لنَفسِهِ المقدسة فِي مرتبته الَّتِي هِيَ دون هَذِه الْمَرَاتِب بِلَا شكّ إِذْ لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يَقُول هَذَا عَن مَرَاتِب هُوَ أرفع مِنْهَا وَأَيْضًا فَإِن الله ذكر مُحَمَّدًا الَّذِي هُوَ أفضل الرُّسُل بعد الْمَلَائِكَة وَذكر جِبْرِيل ﵉ وَكَانَ من التباين من الله بَينهمَا تبايناً بَعيدا وَهُوَ أَنه قَالَ ﴿أَنه لقَوْل رَسُول كريم ذِي قُوَّة عِنْد ذِي الْعَرْش مكين مُطَاع ثمَّ أَمِين﴾ فَهَذِهِ صفة جِبْرِيل ﵈ ثمَّ ذكر مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالَ ﴿وَمَا صَاحبكُم بمجنون﴾ ثمَّ زَاد تَعَالَى بَيَانا رَافعا للأشكال جملَة فَقَالَ ﴿وَلَقَد رَآهُ بالأفق الْمُبين﴾ فَعظم الله تَعَالَى من شَأْن أكْرم الْأَنْبِيَاء وَالرسل بِأَن رأى جِبْرِيل ﵇ ثمَّ قَالَ ﴿وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى عِنْدهَا جنَّة المأوى إِذْ يغشي السِّدْرَة مَا يغشي مَا زاغ الْبَصَر وَمَا طغي لقد رأى من آيَات ربه الْكُبْرَى﴾ فأمتن الله تَعَالَى كَمَا ترى على مُحَمَّد ﷺ بِأَن أرَاهُ جِبْرِيل مرَّتَيْنِ وَإِنَّمَا يتفاضل النَّاس كَمَا قدمنَا بِوَجْهَيْنِ فَقَط أَحدهمَا الِاخْتِصَاص الْمُجَرّد وَأعظم الِاخْتِصَاص الرسَالَة والتعظيم فقد حصل ذَلِك للْمَلَائكَة قَالَ تَعَالَى ﴿جَاعل الْمَلَائِكَة رسلًا﴾ فهم كلهم رسل الله اختصهم تَعَالَى بِأَن ابتدأهم فِي الْجنَّة وحوالي عَرْشه فِي الْمَكَان الَّذِي وعد رسله وَمن اتبعهم بِأَن نِهَايَة كرامتهم مصيرهم إِلَيْهِ وَهُوَ مَوضِع خلق الْمَلَائِكَة ومحلهم بِلَا نِهَايَة مذ خلقُوا وَذكرهمْ فِي غير مَوضِع من كِتَابه فَأثْنى على جَمِيعهم ووصفهم بِأَنَّهُم لَا يفترون وَلَا يسأمون وَلَا يعصون الله فنفي عَنْهُم الزلل والفترة السَّاقَة والسهو وَهَذَا أَمر لم ينفه عَن الرُّسُل صلوَات الله عَلَيْهِم بل السَّهْو جَائِز عَلَيْهِم وبالضرورة نعلم من عصم من السَّهْو أفضل مِمَّن لم يعْصم مِنْهُ وَأَن من عصم من الْعمد كالأنبياء ﵈ أفضل مِمَّن لم يعْصم مِمَّن سواهُم فَإِن اعْترض معترض بقول الله ﴿الله يصطفي من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس﴾ قيل لَهُ لَيْسَ هَذَا مُعَارضا لقَوْله تَعَالَى جَاعل الْمَلَائِكَة رسلًا فَإِن كل آيَة فَإِنَّمَا لم تحمل على مقتضاها وَمُوجب لَفظهَا فَفِي هَذِه الْآيَة أَن بعض الْمَلَائِكَة رسل وَهَذَا حق لَا شكّ فِيهِ وَلَيْسَ إِخْبَارًا عَن سَائِرهمْ بِشَيْء لَا بِأَنَّهُم رسل وَلَا بِأَنَّهُم لَيْسُوا رسلًا فَلَا يحل لأحد أَن يزِيد فِي الْآيَة مَا لَيْسَ فِيهَا ثمَّ فِي الْآيَة الْأُخْرَى زِيَادَة على مَا فِي هَذِه الْآيَة وَالْأَخْبَار بِأَن جَمِيع الْمَلَائِكَة

стр. 633

رسل فَفِي تِلْكَ الْآيَة بعض مَا فِي هَذِه الْآيَة وَفِي هَذِه الْآيَة كل مَا فِي تِلْكَ وَزِيَادَة فَفرض قبُول كل ذَلِك كَمَا أَن الله إِذْ ذكر فِي كهيعص من ذكر من النَّبِيين فَقَالَ ﴿أُولَئِكَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين﴾ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿ورسلا قد قصصناهم عَلَيْك من قبل ورسلا لم نقصصهم عَلَيْك﴾ أفترى الرُّسُل الَّذين لم يقصصهم الله تَعَالَى عَلَيْهِ جملَة أَو فِي هَذِه السُّورَة خَاصَّة لم ينعم عَلَيْهِم معَاذ الله من هَذَا فَمَا يَقُوله مُسلم وَالْوَجْه الثَّانِي من أوجه الْفضل هُوَ تفاضل العاملين بتفاضل مَنَازِلهمْ فِي أَعمال الطَّاعَة والعصمة من الْمعاصِي والدنيات وَقد نَص الله تَعَالَى على أَن الْمَلَائِكَة لَا يفترون من الطَّاعَة وَلَا يسأمون مِنْهَا وَلَا يعصون الْبَتَّةَ فِي شَيْء أمروا بِهِ فقد صَحَّ أَن الله عصمهم من الطبائع النَّاقِصَة الداعية إِلَى الفتور والكسل كالطعام والتغوط وشهوة الْجِمَاع وَالنَّوْم فصح يَقِينا أَنهم أفضل من الرُّسُل الَّذين لم يعصموا من الفتور والكسل ودواعيهما قَالَ أَبُو مُحَمَّد احْتج بعض الْمُخَالفين فِي هَذَا بِأَن قَالَ قَالَ الله ﴿إِن الله اصْطفى آدم ونوحا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين﴾ قَالُوا فَدخل فِي الْعَالمين الْمَلَائِكَة وَغَيرهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه الْآيَة قد صَحَّ الْبُرْهَان بِأَنَّهَا لَيست على عمومها لِأَنَّهُ تَعَالَى لم يذكر فِيهَا مُحَمَّدًا ﷺ وَلَا خلاف فِي أَنه أفضل النَّاس قَالَ الله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ فَإِن قَالَ أَن آل إِبْرَاهِيم هم آل مُحَمَّد قيل لَهُ فَنحْن إِذا أفضل من جَمِيع الْأَنْبِيَاء حاشا آل عمرَان وآدَم ونوحا فَقَط وَهَذَا لَا يَقُوله مُسلم فصح يَقِينا أَن هَذِه الْآيَة لَيست على عمومها فَإِذا لَا شكّ فِي ذَلِك فقد صَحَّ أَن الله إِنَّمَا أَرَادَ بهَا عالمي زمانهم من النَّاس لَا من الرُّسُل وَلَا من النَّبِيين نعم وَلَا من عالمي غير زمانهم لأننا بِلَا شكّ أفضل من آل عمرَان فَبَطل تعلقهم بِهَذِهِ الْآيَة جملَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَصَحَّ أَنَّهَا مثل قَوْله تَعَالَى ﴿يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم وَإِنِّي فضلتكم على الْعَالمين﴾ وَلَا شكّ فِي أَنهم لم يفضلوا على الرُّسُل وَلَا على النَّبِيين وَلَا على أمتنَا وَلَا على الصَّالِحين من غَيرهم فَكيف على الْمَلَائِكَة وَنحن لَا ننكر إِزَالَة النَّص عَن ظَاهره وعمومه ببرهان من نَص آخر أَو إِجْمَاع مُتَيَقن أَو ضَرُورَة حس وَإِنَّمَا ننكر ونمنع من إِزَالَة النَّص عَن ظَاهره وعمومه بِالدَّعْوَى فَهَذَا هُوَ الْبَاطِل الَّذِي لَا يحل فِي دين وَلَا يَصح فِي إِمْكَان الْعقل وَبِاللَّهِ تعلى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَذكر بَعضهم قَول الله ﴿الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا مِمَّا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ أصلا لِأَن هَذِه الصّفة تعم كل مُؤمن صَالح من الْإِنْس وَمن الْجِنّ نعم وَجَمِيع الْمَلَائِكَة عُمُوما مستويا فَإِنَّمَا هَذِه لآيَة تَفْضِيل الْمَلَائِكَة وَالصَّالِحِينَ من الْإِنْس وَالْجِنّ على سَائِر الْبَريَّة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَاحْتَجُّوا بِأَمْر الله الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود لآدَم على جَمِيعهم السَّلَام قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا أعظم حجَّة عَلَيْهِم لِأَن السُّجُود الْمَأْمُور بِهِ لَا يَخْلُو من أَن يكون سُجُود عبَادَة وَهَذَا كفر مِمَّن قَالَه وَلَا يجوز أَن يكون الله يَأْمر أحدا من خلقه بِعبَادة غَيره وَإِمَّا ان يكون سُجُود تَحِيَّة وكرامة وَهُوَ كَذَلِك بِلَا خلاف من أحد من النَّاس فَإذْ هُوَ كَذَلِك فَلَا دَلِيل أدل على فضل الْمَلَائِكَة على آدم من أَن يكون الله تَعَالَى بلغ الْغَايَة فِي إعظامه وكرامته بَان تحييه الْمَلَائِكَة لأَنهم لَو كَانُوا دونه لم يكن لَهُ كَرَامَة وَلَا مزية فِي تحيتهم لَهُ وَقد أخبر الله عَن يُوسُف ﵇ فَقَالَ ﴿وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش وخروا لَهُ سجدا وَقَالَ يَا أَبَت هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل قد جعلهَا رَبِّي حَقًا﴾ وَكَانَت رُؤْيَاهُ هِيَ الَّتِي ذكر الله عَنهُ إِذْ يَقُول

стр. 634

أَيْضا بِأَن الْمَلَائِكَة لم يعلمُوا أَسمَاء الْأَشْيَاء حَتَّى أنبأهم بهَا آدم على جَمِيعهم السَّلَام بتعليم الله آدم إِيَّاهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن الله يعلم من هُوَ أنقص فضلا وعلما فِي الْجُمْلَة أَشْيَاء لَا يعلمهَا من هُوَ أفضل مِنْهُ وَأعلم مِنْهُ بِمَا عدا تِلْكَ الْأَشْيَاء فَعلم الْمَلَائِكَة مَالا يُعلمهُ آدم وَعلم آدم أَسمَاء الْأَشْيَاء ثمَّ أمره بِأَن يعلمهَا الْمَلَائِكَة كَمَا خص الْخضر ﵇ بِعلم لم يُعلمهُ مُوسَى ﵇ حَتَّى اتبعهُ مُوسَى ﵇ ليتعلم مِنْهُ وَعلم أَيْضا مُوسَى ﵇ علوما لم يعلمهَا الْخضر وَهَكَذَا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَن الْخضر قَالَ لمُوسَى ﵇ أَنِّي على علم من علم الله لَا تعلمه أَنْت وَأَنت على علم من علم الله لَا أعلمهُ أَنا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَيْسَ فِي هَذَا أَن الْخضر أفضل من مُوسَى ﵇ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد قَالَ بعض الْجُهَّال أَن الله تَعَالَى جعل الْمَلَائِكَة خدام أهل الْجنَّة يأتونهم بالتحف من عِنْد رَبهم قَالَ تَعَالَى ﴿وتتلقاهم الْمَلَائِكَة هَذَا يومكم الَّذِي كُنْتُم توعدون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالْمَلَائِكَة يدْخلُونَ عَلَيْهِم من كل بَاب سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما خدمَة الْمَلَائِكَة لأهل الْجنَّة وإقبالهم إِلَيْهِم بالتحف فشيء مَا علمناه قطّ وَلَا سمعناه إِلَّا من الْقصاص بالخرافات والتكاذيب وَإِنَّمَا الْحق من ذَلِك مَا ذكره الله فِي النَّص الَّذِي أوردنا وَهُوَ وَللَّه الْحَمد من أقوى الْحجَج فِي فضل الْمَلَائِكَة على من سواهُم وَيلْزم هَذَا المحتج اذا كَانَ إقبال الْمَلَائِكَة بالبشارات إِلَى أهل الْجنَّة دَلِيلا على فضل مِنْهُم وَهَذَا كفر مُجَرّد وَلَكِن حَقِيقَة هِيَ أَن الْفضل إِذا كَانَ للأنبياء ﵈ على النَّاس بِأَنَّهُم رسل الله اليهم ووسائط بَين رَبهم تَعَالَى وَبينهمْ فالفضل وَاجِب للْمَلَائكَة على الْأَنْبِيَاء وَالرسل لكَوْنهم رسل الله تَعَالَى إِلَيْهِم ووسائط بَينهم وَبَين رَبهم تَعَالَى وَأما تفضل الله تَعَالَى على أهل الْجنَّة بِالْأَكْلِ وَالشرب وَالْجِمَاع واللباس والآلات والقصور فَإِنَّمَا فَضلهمْ الله من ذَلِك بِمَا يُوَافق طباعهم وَقد نزه الله سُبْحَانَهُ الْمَلَائِكَة عَن هَذِه الطبائع المستدعية لهَذِهِ اللَّذَّات بل أبانهم وفضلهم بل جعل طبائعهم لَا تلتذ بِشَيْء من ذَلِك إِلَّا بِذكر الله وعبادته وطاعته فِي تَنْفِيذ أوامره تَعَالَى فَلَا منزلَة أَعلَى من هَذِه وَعجل لَهُم سُكْنى الْمحل الرفيع الَّذِي جعل تَعَالَى غَايَة إكرامنا الْوُصُول إِلَيْهِ بعد لِقَاء الْأَمريْنِ فِي التَّعَب فِي عمَارَة هَذِه الدُّنْيَا النكدة وَفِي كلف الْأَعْمَال فَفِي ذَلِك الْمَكَان خلق الله الْمَلَائِكَة مُنْذُ ابتدائهم وَفِيه خلدهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ بعض السخفاء أَن الْمَلَائِكَة بِمَنْزِلَة الْهَوَاء والرياح قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كذب وقحة وجنون لِأَن الْمَلَائِكَة بِنَصّ الْقُرْآن وَالسّنَن وَإِجْمَاع جَمِيع من يقر بِالْمَلَائِكَةِ من أهل الْأَدْيَان الْمُخْتَلفَة عقلا متعبدون منهيون مأمورون وَلَيْسَ كَذَلِك الْهَوَاء والرياح لَكِنَّهَا لَا تعقل وَلَا هِيَ متكلفة متعبدة بل هِيَ مسخرة مصرفة لَا اخْتِيَار لَهَا قَالَ تَعَالَى ﴿والسحاب المسخر بَين السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿سخرها عَلَيْهِم سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام﴾ وَذكر تَعَالَى الْمَلَائِكَة فَقَالَ ﴿بل عباد مكرمون لَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لمن فِي الأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا لَوْلَا أنزل علينا الْمَلَائِكَة أَو نرى رَبنَا لقد استكبروا فِي أنفسهم وعتوا عتواً كَبِيرا يَوْم يرَوْنَ الْمَلَائِكَة لَا بشرى يَوْمئِذٍ للمجرمين﴾ فقرن تَعَالَى نزُول الْمَلَائِكَة بِرُؤْيَتِهِ تَعَالَى وَقرن تَعَالَى إِتْيَانه بإتيان الْمَلَائِكَة فَقَالَ ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾ وَاعْلَم أَن إِعْرَاب الْمَلَائِكَة هَاهُنَا بِالرَّفْع عطفا على الله لَا على الْغَمَام وَنَصّ تَعَالَى على أَن آدم ﵊ إِنَّمَا أكل من الشَّجَرَة ليَكُون ملكا أَو ليخلد كَمَا نَص تَعَالَى علينا إِذْ يَقُول ﴿مَا نهاكما رَبكُمَا عَن هَذِه الشَّجَرَة إِلَّا أَن تَكُونَا ملكَيْنِ أَو تَكُونَا من الخالدين﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فبيقين نَدْرِي أَن آدم ﵇ لَوْلَا يقينه بِأَن الْمَلَائِكَة أفضل مِنْهُ وطمعه بِأَن يصير ملكا لما قبل

стр. 635

من أبليس مَا غره بِهِ من أكل الشَّجَرَة الَّتِي نها الله عَنْهَا وَلَو علم آدم أَن الْملك مثله أَو دونه لما حمل نَفسه على مُخَالفَة أَمر الله تَعَالَى لينحط عَن مَنْزِلَته الرفيعة إِلَى الدون هَذَا مَا لَا يَظُنّهُ ذُو عقل أصلا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ الله ﴿لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون﴾ فَقَوله بعد ذكر الْمَسِيح وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون بُلُوغ الْغَايَة فِي علو درجتهم على الْمَسِيح ﵇ لِأَن بنية الْكَلَام ورتبته إِنَّمَا هِيَ إِذا أَرَادَ الْقَائِل نفي صفة مَا عَن متواضع عَنْهَا أَن يبْدَأ بالأدني ثمَّ بالأعلى وَإِذا أَرَادَ نفي صفة مَا عَن مترفع عَنْهَا أَن يبْدَأ بالأعلى ثمَّ بالأدني فَنَقُول فِي الْقسم الأول مَا يطْمع فِي الْجُلُوس بَين يَدي الْخَلِيفَة خازنه وَلَا وزيره وَلَا أَخُوهُ ونقول فِي الْقسم الثَّانِي مَا ينحط إِلَى الْأكل فِي السُّوق وَال وَلَا ذُو مرتبَة وَلَا متصاون من التُّجَّار أَو الصناع لَا يجوز الْبَتَّةَ غير هَذَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأَيْضًا فَإِن رَسُول الله ﷺ أخبر بِأَن الله خلق الْمَلَائِكَة من نور وَخلق الْإِنْسَان من طين وَخلق الْجِنّ من نَار قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا يجهل فضل النُّور على الطين وعَلى النَّار أحد إِلَّا من لم يَجْعَل الله لَهُ نورا وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نوا فَمَا لَهُ من نور وَقد صَحَّ أَن رَسُول الله ﷺ دَعَا ربه فِي أَن يَجْعَل فِي قلبه نورا فالملائكة من جَوْهَر دَعَا أفضل الْبشر ربه فِي أَن يَجْعَل فِي قلبه مِنْهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَفِي هَذَا كِفَايَة لمن عقل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ ﴿وَلَقَد كرمنا بني آدم وحملناهم فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ إِلَى قَوْله ﴿وفضلناهم على كثير مِمَّن خلقنَا تَفْضِيلًا﴾ فَإِنَّمَا فضل الله تَعَالَى بِنَصّ كَلَامه بني آدم على كثير مِمَّن خلق لَا على كل من خلق وَبلا شكّ أَن بنى آدم يفضلون على الْجِنّ وعَلى جَمِيع الْحَيَوَان الصَّامِت وعَلى مَا لَيْسَ حَيَوَانا فَلم يبْق خلق يَسْتَثْنِي من تَفْضِيل الله تَعَالَى بني آدم عَلَيْهِ إِلَّا الْمَلَائِكَة فَقَط قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما فضل رَسُول الله ﷺ على كل رَسُول قبله فالثابت عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ فضلت على الْأَنْبِيَاء بست وَرُوِيَ بِخمْس وَرُوِيَ بِأَرْبَع وَرُوِيَ بِثَلَاث رَوَاهُ جَابر بن عبد الله وَأنس بن مَالك وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وَأَبُو هُرَيْرَة وَبِقَوْلِهِ ﷺ أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَإنَّهُ ﵇ بعث إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود وَأَنه ﵇ أَكثر الْأَنْبِيَاء اتبَاعا وَأَنه ذُو الشَّفَاعَة الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة فِيهَا النَّبِيُّونَ فَمن دونهم أماتنا الله على مِلَّته وَلَا خَالف بِنَا عَنهُ وَهُوَ أَيْضا ﵇ خَلِيل الله وكليمه الْكَلَام فِي الْفقر والغنى قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلف قوم فِي أَي الْأَمريْنِ أفضل الْفقر أم الْغنى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا سُؤال فَاسد لِأَن تفاضل الْعَمَل وَالْجَزَاء فِي الْجنَّة إِنَّمَا هُوَ لِلْعَامِلِ لَا لحالة مَحْمُولَة فِيهِ إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بتفضيل الله حَالا على حَال وَلَيْسَ هَا هُنَا نَص فِي فضل إِحْدَى هَاتين الْحَالَتَيْنِ على الْأُخْرَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَن يُقَال أَيّمَا أفضل الْغَنِيّ أم الْفَقِير وَالْجَوَاب هَا هُنَا هُوَ مَا قَالَه الله تَعَالَى إِذْ يَقُول ﴿هَل تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فَإِن كَانَ الْغَنِيّ أفضل عملا من الْفَقِير فالغنى أفضل وَإِن كَانَ الْفَقِير أفضل عملا من الْغنى فالفقير أفضل وَإِن كَانَ عملهما مُتَسَاوِيا فهما سَوَاء قَالَ ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ وَقد استعاذ النَّبِي ﷺ من فتْنَة الْفقر وفتنة الْغنى وَجعل الله الشُّكْر بِإِزَاءِ الْغنى وَالصَّبْر بِإِزَاءِ الْفقر فَمن اتَّقى الله فَهُوَ الْفَاضِل غَنِيا كَانَ أَو فَقِيرا وَقد اعْترض بَعضهم هَا هُنَا بِالْحَدِيثِ الْوَارِد أَن فُقَرَاء الْمُهَاجِرين يدْخلُونَ الْجنَّة قبل أغنيائهم بِكَذَا وَكَذَا خَرِيفًا وَنزع الْآخرُونَ بقول الله ﴿ووجدك ضَالًّا فهدي ووجدك عائلا فأغنى﴾

стр. 636

قَالَ أَبُو مُحَمَّد والغنى نعْمَة إِذا قَامَ بهَا حاملها بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِيهَا وَأما فُقَرَاء الْمُهَاجِرين فهم كَانُوا كثر وَكَانَ الْغَنِيّ فيهم قَلِيلا وَالْأَمر كُله مِنْهُم وَفِي غَيرهم رَاجع إِلَى الْعَمَل بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع على أَنه تَعَالَى لَا يَجْزِي بِالْجنَّةِ على فقر لَيْسَ مَعَه عمل خير وَلَا على غنى لَيْسَ مَعَه عمل خير وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْكَلَام فِي الِاسْم والمسمى قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب قوم إِلَى أَن الِاسْم هُوَ المسمي وَقَالَ آخَرُونَ الِاسْم غير الْمُسَمّى وَاحْتج من قَالَ أَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى بقول الله تَعَالَى ﴿تبَارك اسْم رَبك ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ وَيقْرَأ أَيْضا ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام قَالَ لَا يجوز أَن يُقَال تبَارك غير الله فَلَو كَانَ الِاسْم غير الْمُسَمّى مَا جَازَ أَن يُقَال تبَارك اسْم رَبك وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ فَقَالُوا وَمن الْمُمْتَنع أَن يَأْمر الله بِأَن يسبح غَيره وَبِقَوْلِهِ ﴿مَا تَعْبدُونَ من دونه إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم﴾ وَقَالُوا الِاسْم مستق من السمو وأنكروا على من قَالَ أَنه مستق من الوسم وَهُوَ الْعَلامَة وَذكروا قَول لبيد ... إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا ... وَمن يبك حولا كَامِلا فقد اعتذر ... وَقَالُوا قَالَ سِيبَوَيْهٍ الْأَفْعَال أَمْثِلَة احدث من لفظ أَحْدَاث الْأَسْمَاء قَالُوا وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُسلمين هَذَا كل مَا احْتَجُّوا بِهِ قد تقصيناه لَهُم وَلَا حجَّة لَهُم فِي شَيْء مِنْهُ إِمَّا قَول الله تبَارك اسْم رَبك ذِي الْجلَال والاكرام وَذُو الْجلَال فَحق وَمعنى تبَارك تفَاعل من الْبركَة وَالْبركَة وَاجِبَة لاسم الله الَّذِي هُوَ كلمة مؤلفة من حُرُوف الهجاء وَنحن نتبرك بِالذكر لَهُ وبتعظيمه ونجله ونكرمه فَلهُ التبارك وَله الإجلال منا وَمن الله تَعَالَى وَله الْإِكْرَام من الله تَعَالَى وَمنا حَيْثُمَا كَانَ ق رطاس أَو فِي شَيْء منقوش فِيهِ أَو مَذْكُور بالألسنة وَمن لم يجل اسْم الله كَذَلِك وَلَا أكْرمه فَهُوَ كَافِر بِلَا شكّ فالآية على ظَاهرهَا دون تَأْوِيل فَبَطل تعلقهم بهَا جملَة وَللَّه تَعَالَى الْحَمد وكل شَيْء نَص الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَنه تبَارك فَذَلِك حق وَلَو نَص تَعَالَى بذلك على أَي شَيْء كَانَ من خلقه كَانَ ذَلِك وَاجِبا لذَلِك الشَّيْء وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ فَهُوَ على ظَاهره دون تَأْوِيل لِأَن التَّسْبِيح فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن وَبهَا خاطبنا الله هُوَ تَنْزِيه الشَّيْء عَن السوء وَبلا شكّ أَن الله تَعَالَى أمرنَا أَن ننزه اسْمه الَّذِي هُوَ كلمة مَجْمُوعَة من حُرُوف الهجاء عَن كل سوء حَيْثُ كَانَ من كتاب أَو منطوقا بِهِ وَوجه آخر وَهُوَ أَن معني قَوْله تَعَالَى ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ وَمعنى قَوْله تَعَالَى ﴿إِن هَذَا لَهو حق الْيَقِين فسبح باسم رَبك الْعَظِيم﴾ معنى وَاحِد وَهُوَ أَن يسبح الله تَعَالَى باسمه وَلَا سَبِيل إِلَى تسبيحه تَعَالَى وَلَا إِلَى دُعَائِهِ وَلَا إِلَى ذكره إِلَّا بتوسط اسْمه فكلا الْوَجْهَيْنِ صَحِيح حق وتسبيح الله تَعَالَى وتسبيح اسْمه كل ذَلِك وَاجِب بِالنَّصِّ وَلَا فرق بَين قَوْله تَعَالَى ﴿فسبح باسم رَبك الْعَظِيم﴾ وَبَين قَوْله ﴿وَسبح بِحَمْد رَبك حِين تقوم وَمن اللَّيْل فسبحه وأدبار النُّجُوم﴾ وَالْحَمْد بِلَا شكّ هُوَ غير الله وَهُوَ تَعَالَى نُسَبِّح بِحَمْدِهِ كَمَا نُسَبِّح باسمه وَلَا فرق فَبَطل تعلقهم بِهَذِهِ الْآيَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما قَوْله تَعَالَى ﴿مَا تَعْبدُونَ من دونه إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم﴾ فَقَوْل الله حق على ظَاهره ولهذه الْآيَة وَجْهَان كِلَاهُمَا صَحِيح أَحدهمَا أَن معنى قَوْله ﴿مَا تَعْبدُونَ من دونه إِلَّا أَسمَاء﴾ برهَان هَذَا قَوْله تَعَالَى إِثْر ذَلِك مُتَّصِلا بهَا سميتموها أَنْتُم وآباؤكم فصح يَقِينا أَنه تَعَالَى لم يعن بالأسماء هاهناذوات المعبودين لِأَن العابدين لَهَا لم يحدثوا قطّ ذَوَات المعبودين بل الله تَعَالَى توَحد بإحداثها هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ وَالْوَجْه الثَّانِي أَن أُولَئِكَ الْكفَّار إِنَّمَا كَانُوا يعْبدُونَ أوثانا من حِجَارَة اوبعض الْمَعَادِن أَو من خشب وبيقين نَدْرِي انهم قبل أَن يسموا تِلْكَ الْجمل من الْحِجَارَة والمعادن وَمن الْخشب باسم اللات والعزي وَمَنَاة هُبل وود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا وبعل قد كَانَت ذواتها بِلَا شكّ موجودات قَائِمَة وهم لَا يعبدونها وَلَا تسْتَحقّ عِنْدهم عبَادَة

стр. 637

فَلَمَّا أوقعوا عَلَيْهِ هَذِه الْأَسْمَاء عبدوها حِينَئِذٍ فصح يَقِينا أَنهم لم يقصدوا بِالْعبَادَة إِلَّا الْأَسْمَاء كَمَا قَالَ الله تَعَالَى لَا الذوات المسميات فَعَادَت الْآيَة حجَّة عَلَيْهِم وبرهانا على الِاسْم غير الْمُسَمّى بِلَا شكّ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَوْلهم أَن الِاسْم مستق من السمو وَقَول بعض من خالفهم أَنه مُشْتَقّ من الوسم فَقَوْلَانِ فاسدان كِلَاهُمَا بَاطِل افتعله أهل النَّحْو لم يَصح قطّ عَن الْعَرَب شَيْئا مِنْهُمَا وَمَا اشتق لفظ الِاسْم قطّ من شَيْء بل هُوَ اسْم مَوْضُوع مثل حجر وجبل وخشبة وَسَائِر الْأَسْمَاء لَا اشتقاق لَهَا وَأول مَا تبطل بِهِ دَعوَاهُم هَذِه الْفَاسِدَة أَن يُقَال لَهُم قَالَ الله ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فصح أَن من لَا برهَان لَهُ على صِحَة دَعْوَاهُ فَلَيْسَ صَادِقا فِي قَوْله فهاتوا برهانكم على أَن الِاسْم مُشْتَقّ من السمو أَو من الِاسْم وَإِلَّا فَهِيَ كذبة كذبتموها على الْعَرَب وافتريتموها عَلَيْهِم أَو على الله تَعَالَى الْوَاضِع للغات كلهَا وَقَول عَلَيْهِ تَعَالَى أَو على الْعَرَب بِغَيْر علم وَإِلَّا فَمن أَيْن لَكِن أَن الْعَرَب اجْتَمعُوا فَقَالُوا نشتق لَفْظَة اسْم من السمو أَو من الوسم وَالْكذب لَا يستحله مُسلم وَلَا يستسهله فَاضل وَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى برهَان أصلا بذلك وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الِاسْم مشتقا من السمو كَمَا تَزْعُمُونَ فتسمية الْعذرَة وَالْكَلب والجيفة والقذر والشرك وَالْخِنْزِير والخساسة رفْعَة لَهَا وسمو لهَذِهِ المسميات وتباً لكل قَول أدّى إِلَى هَذَا الهوس الْبَارِد وَأَيْضًا فهبك أَنه قد سلم لَهُم قَوْلهم أَن الِاسْم مُشْتَقّ من السمو أَي حجَّة على أَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى بل هُوَ حجَّة عَلَيْهِم لِأَن ذَات المسمي لَيست مُشْتَقَّة أصلا وَلَا يجوز عَلَيْهَا الِاشْتِقَاق من السمو وَلَا من غَيره فصح بِلَا شكّ إِن مَا كَانَ مشتقا فَهُوَ غير مَا لَيْسَ مشتقا وَالِاسْم بإقرارهم مُشْتَقّ والذات الْمُسَمَّاة غير مُشْتَقَّة فالاسم غير الذَّات الْمُسَمَّاة وَهَذَا يليح لكل من نصح نَفسه أَن المحتج بِمثل هَذَا السَّفه عيار مستهزئ بِالنَّاسِ متلاعب بِكَلَامِهِ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا قَول يُؤَدِّي من اتبعهُ وطرده إِلَى الْكفْر الْمُجَرّد لأَنهم قطعُوا أَن الِاسْم مُشْتَقّ من السمو وَقَطعُوا أَن الِاسْم هُوَ الله نَفسه فعلى قَوْلهم المهلك الْخَبيث أَن الله يشتق وَأَن ذَاته مُشْتَقَّة وَهَذَا مَا لَا نَدْرِي كَافِرًا بلغه وَالْحَمْد لله على مَا من بِهِ من الْهدى وَأَيْضًا فَإِن الله تعالي يَقُول ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة فَقَالَ أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَلَا يَخْلُو أَن يكون الله علم آدم الْأَسْمَاء كلهَا كَمَا قَالَ إِمَّا بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِمَّا بلغَة أُخْرَى أَو بِكُل لُغَة فَإِن كَانَ علمه الْأَسْمَاء بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِن لَفْظَة اسْم من جملَة مَا علمه لقَوْله تعالي الْأَسْمَاء كلهَا ولأمر تَعَالَى آدم بِأَن يَقُول للْمَلَائكَة أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ فَلَا يجوز أَن يخص من هَذَا الْعُمُوم شَيْء أصلا بل هُوَ لفظ موقف عَلَيْهِ كَسَائِر الْأَسْمَاء وَلَا فرق وَهُوَ من جملَة مَا علمه الله تَعَالَى آدم ﵇ إِلَّا أَن يدعوا أَن الله تَعَالَى اشتقه فالقوم كثيرا مَا يستسهلون الْكَذِب على الله تَعَالَى والإخبار عَنهُ بِمَا لَا علم لَهُم بِهِ فصح يَقِينا أَن لَفْظَة الِاسْم لَا اشتقاق لَهَا وَإِنَّمَا هِيَ اسْم مُبْتَدأ كَسَائِر الْأَسْمَاء والأنواع والأجناس وَأَن كَانَ الله تَعَالَى علم آدم الْأَسْمَاء كلهَا بِغَيْر الْعَرَبيَّة فَإِن اللُّغَة الغربية مَوْضُوعَة للتَّرْجَمَة عَن تِلْكَ اللُّغَة بدل كل اسْم من تِلْكَ اللُّغَة اسْم من الْعَرَبيَّة مَوْضُوع للعبارة عَن تِلْكَ الْأَلْفَاظ وَإِذا كَانَ هَذَا فَلَا مدْخل للاشتقاق فِي شَيْء من الْأَسْمَاء أصلا لَا لَفْظَة اسْم وَلَا غَيرهَا وَإِن كَانَ تَعَالَى علمه الْأَسْمَاء بِالْعَرَبِيَّةِ وبغيرها من اللُّغَات الْعَرَبيَّة فلفظة اسْم من جملَة مَا علمه وَبَطل أَن يكون مشتقا أصلا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَبَطل قَوْلهم فِي اشتقاق الِاسْم وَعَاد حجَّة عَلَيْهِم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما بَيت لبيد فَإِنَّهُ يخرج على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن السَّلَام اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى قَالَ تَعَالَى ﴿الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن﴾ ولبيد ﵀ مُسلم صَحِيح الصُّحْبَة للنَّبِي ﷺ وَمَعْنَاهُ ثمَّ اسْم الله عَلَيْكُمَا حَافظ لَكمَا وَالْوَجْه الثَّانِي أَنه أَرَادَ بِالسَّلَامِ التَّحِيَّة ولبيد لَا يقدر هُوَ وَلَا غَيره على إِيقَاع التَّحِيَّة عَلَيْهِمَا وَإِنَّمَا يقدر لبيد وَغَيره على إِيقَاع اسْم التَّحِيَّة وَالدُّعَاء بهَا فَقَط فَأَي الْأَمريْنِ كَانَ فاسم السَّلَام فِي بَيت لبيد هُوَ غير معنى السَّلَام فالاسم فِي ذَلِك الْبَيْت غير الْمُسَمّى وَلَا بُد ثمَّ لَو صَحَّ مَا يَدعُونَهُ على لبيد وَلَو صَحَّ لَكَانَ قَول عَائِشَة رَحمهَا الله وَرَضي الله عَنْهَا إِنَّمَا أَهجر اسْمك بَيَانا أَن الِاسْم غير الْمُسَمّى وَأَن اسْمه

стр. 638

عَلَيْهِ السَّلَام غَيره لِأَنَّهَا أخْبرت أَنَّهَا لَا تهجره وَإِنَّمَا تهجر اسْمه رضوَان الله وَهِي لَيست الفصاحة فِي دون لبيد وَهِي أولى بَان تكون حجَّة من لبيد فَكيف وَقَول لبيد حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقد قَالَ رؤبة باسم الَّذِي فِي كل صور سمر ورؤية لَيْسَ دون لبيد فِي الفصاحة وَذَات الْبَارِي تَعَالَى لَيست فِي كل صُورَة وَإِنَّمَا فِي الصُّورَة اسْم الله تَعَالَى فَلَا شكّ أَن الَّذِي فِي السُّورَة غير الَّذِي لَيْسَ فِيهَا وَقَالَ أَبُو ساسان حُصَيْن بن الْمُنْذر بن الْحَارِث بن وَعلة الرقاشِي لِابْنِهِ غياظ ... وَسميت غياظا وَلست بغايظ عدوا وَلَكِن الصّديق تغيظ ... فَصرحَ بِأَن الِاسْم غير الْمُسَمّى تَصْرِيحًا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل بِخِلَاف مَا ادعوهُ على لبيد وَأما قَول سِيبَوَيْهٍ أَن الْأَفْعَال أَمْثِلَة أحدث من لفظا إِحْدَاث الْأَسْمَاء فَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ فبيقين نَدْرِي أَنه أَرَادَ إِحْدَاث أَصْحَاب الْأَسْمَاء برهَان ذَلِك قَوْله فِي غير مَا وضع من كِتَابه أَمْثِلَة الْأَسْمَاء فِي الثلاثي والرباعي والخماسي والسداسي والسباعي وقطعه أَن السداسى والسباعي من الْأَسْمَاء مزيدان وَلَا بُد وَأَن الثلاثي من الْأَسْمَاء أُصَلِّي وَلَا بُد وَإِن الرباعي والخماسي من الْأَسْمَاء يكونَانِ أصليين كجعفر وسفرجل ويكونان مزيدين وَأَن الثنائى من الْأَسْمَاء مَنْقُوص مثل يَد وَدم وَلَو تتبعنا على أَن الْأَسْمَاء هِيَ الْأَبْنِيَة المسموعة الْمَوْضُوعَة ليعرف بهَا المسميات لبلغ أَزِيد من ثلثمِائة مَوضِع أَفلا يستحي من يدْرِي هَذَا من كَلَام سِيبَوَيْهٍ اطلاقا لعلمه بِأَن مُرَاده لَا يخفى على أحد قَرَأَ من كِتَابه ورقتين ونعوذ بِاللَّه من قلَّة الْحيَاء وَأول سطر فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ بعد الْبَسْمَلَة هَذَا بَاب علم مَا الْكمّ من الْعَرَبيَّة فالكلم اسْم وَفعل وحرف جَاءَ لِمَعْنى لَيْسَ باسم وَلَا فعل فالاسم رجل وَفرس فَهَذَا بَيَان جلي من سِيبَوَيْهٍ وَمن كل من تكلم فِي النَّحْو قبله وَبعده على أَن الْأَسْمَاء هِيَ فِي بعض الْكَلَام وان الِاسْم هُوَ كلمة من الْكَلم وَلَا خلاف بَين أحد لَهُ حس سليم فِي أَن المسمي لَيْسَ كلمة ثمَّ قَالَ بعد أسطر يسيرَة وَالرَّفْع والجر وَالنّصب والجزم بحروف الْإِعْرَاب وحروف الْإِعْرَاب الْأَسْمَاء المتمكنة وَالْأَفْعَال المضارعة لأسماء الفاعلين وَهَذَا مِنْهُ بَيَان لَا إِشْكَال فِيهِ أَن الْأَسْمَاء غير الفاعلين وَهِي الَّتِي تضارعها الْأَفْعَال الَّتِي فِي أوائلها الزَّوَائِد الْأَرْبَع وَمَا قَالَ قطّ من يَرْمِي بِالْحِجَارَةِ أَن الْأَفْعَال تضارع المسمين ثمَّ قَالَ وَالنّصب فِي الْأَسْمَاء رَأَيْت زيدا والجر مَرَرْت بزيد وَالرَّفْع هَذَا زيد وَلَيْسَ فِي الْأَسْمَاء جزم لتمكنها وإلحاق التَّنْوِين وَهَذَا كُله بَيَان أَن الْأَسْمَاء هِيَ الْكَلِمَات الْمُؤَلّفَة من الْحُرُوف الْمُقطعَة لَا المسمون بهَا وَلَو تتبع هَذَا فِي أَبْوَاب الْجمع وأبواب التصغير والنداء والترخيم وَغَيرهَا لكثر جدا وَكَاد يفوت التَّحْصِيل قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَسقط كل مَا شغب بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى وكل قَول سقط احتجاج أَهله وعري عَن برهَان فَهُوَ بَاطِل ثمَّ نَظرنَا فِيمَن احْتج بِهِ الْقَائِلُونَ أَن الِاسْم غير الْمُسَمّى فوجدناهم يحتجون بقول الله تَعَالَى ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ﴾ قَالُوا وَالله وَاحِد والأسماء كَثِيرَة وَقد تَعَالَى الله عَن أَن يكون اثْنَيْنِ أَو أَكثر وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة غير وَاحِد من أحصاها دخل الْجنَّة قَالُوا وَمن قَالَ أَن خالقه أَو معبوده تِسْعَة وَتسْعُونَ فَهُوَ شَرّ من النَّصَارَى الَّذين لم يَجْعَلُوهُ إِلَّا ثَلَاثَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا برهَان ضَرُورِيّ لَازم وَرَأَيْت لمُحَمد بن الطّيب الباقلاني ولمحمد بن الْحسن بن فورك الْأَصْبَهَانِيّ أَنه لَيْسَ لله تَعَالَى إِلَّا اسْم وَاحِد فَقَط قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا مُعَارضَة وَتَكْذيب لله وللقرآن ولرسول الله ﷺ وَلِجَمِيعِ العاملين ثمَّ عطفا فَقَالَا معنى قَول الله وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى وَقَول رَسُول الله ﷺ إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما إِنَّمَا هُوَ التَّسْمِيَة لَا الْأَسْمَاء

стр. 639

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَكَانَ هَذَا التَّقْسِيم أَدخل فِي الضلال من ذَلِك الْإِجْمَال وَيُقَال لَهُم فعلى قَوْلكُم هَذَا أَرَادَ الله تَعَالَى أَن بقول لله التسميات الْحسنى فَقَالَ الْأَسْمَاء الْحسنى وَأَرَادَ رَسُول الله ﷺ أَن يَقُول إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين تَسْمِيَة فَقَالَ تِسْعَة وَتِسْعين اسْما عَن غلط وَخطأ قَالَ الله تَعَالَى ذَلِك وَرَسُوله ﷺ أم عَن عمد ليضل بذلك أهل الاسلام أم عَن جهل باللغة الَّتِي تنبهتما لَهَا أَنْتُمَا ولابد من أحد هَذِه الْوُجُوه ضَرُورَة لَا محيد عَنْهَا وَكلهَا كفر مُجَرّد وَلَا بُد لَهُم من أَحدهَا أَو ترك مَا قَالُوهُ من الْكَذِب على الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ هَذَا ودعواهم فِي ذَلِك ظَاهر الْكَذِب بِلَا دَلِيل وَلَا يُرْضِي بِهَذَا لنَفسِهِ عَاقل الِاسْم على الْمُسَمّى فَهِيَ شىء ثَالِث غير الِاسْم وَغير الْمُسَمّى فذات الْخَالِق تَعَالَى هِيَ الله الْمُسَمّى وَالتَّسْمِيَة هِيَ تحريكنا عضل الصَّدْر وَاللِّسَان عِنْد نطقنا بِهَذِهِ الْحُرُوف وَهِي غير الْحُرُوف لِأَن الْحُرُوف هِيَ الْهَوَاء المندفع بِالتَّحْرِيكِ فَهُوَ المحرك بِفَتْح الرَّاء وَالْإِنْسَان هُوَ المحرك بِكَسْر الرَّاء وَالْحَرَكَة هِيَ فعل المحرك فِي دفع المحرك وَهَذَا أَمر مَعْلُوم بالحس مشَاهد بِالضَّرُورَةِ مُتَّفق عَلَيْهِ فِي جَمِيع اللُّغَات وَاحْتَجُّوا أَيْضا بقول الله تَعَالَى ﴿إِنَّا نبشرك بِغُلَام اسْمه يحيى لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا﴾ وَهَذَا نَص لَا يحْتَمل تَأْوِيلا فِي أَن الِاسْم هُوَ الْيَاء والحاء وَالْيَاء وَالْألف وَلَو كَانَ الِاسْم هُوَ المسمي لما عقل أحد معنى قَوْله تَعَالَى لم تجْعَل لَهُ من قبل سميا وَلَا فهم ولكان فَارغًا حاشا لله من هَذَا وَلَا خلاف فِي أَن مَعْنَاهُ لم يعلق هَذَا الِاسْم على أحد قبله وَذكروا أَيْضا قَول الله عَن نَفسه هَل تعلم لَهُ سميا وَهَذَا نَص جلي على أَن أَسمَاء الله تَعَالَى الَّتِي اخْتصَّ بهَا لَا تقع على غَيره وَلَو كَانَ مَا يَدعُونَهُ لما عقل هَذَا اللَّفْظ أحد أَيْضا حاشا لله من هَذَا وَاحْتَجُّوا أَيْضا بقول الله تَعَالَى مبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد وَهَذَا نَص على أَن الِاسْم هُوَ الْألف والحاء وَالْمِيم وَالدَّال إِذا اجْتمعت وَاحْتَجُّوا أَيْضا بقول الله وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة فَقَالَ نبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين إِلَى قَوْله قَالَ يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أنبأهم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ ألم أقل لكم الْآيَة وَهَذَا نَص جلي على أَن الْأَسْمَاء كلهَا غير المسميات لِأَن المسميات كَانَت أعيانا قَائِمَة وَذَوَات ثابته ترَاهَا الْمَلَائِكَة وَإِنَّمَا جهلت الْأَسْمَاء فَقَط الَّتِي علمهَا الله آدم وَعلمهَا آدم الْمَلَائِكَة وَذكروا قَول الله تَعَالَى قل ادعوا الله وَادعوا الرَّحْمَن أَيَّامًا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى وَهَذَا مَا لَا حِيلَة لَهُم فِيهِ لِأَن لَفْظَة الله هِيَ غير لَفْظَة الرَّحْمَن بِلَا شكّ وَهِي بِنَصّ الْقُرْآن أَسمَاء الله تَعَالَى والمسمى وَاحِد لَا يتغاير بِلَا شكّ وَذكروا قَول الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ وَهَذَا بَيَان أَيْضا جلي مجمع عَلَيْهِ من أهل الْإِسْلَام أَن الَّذِي عِنْده التذكية فَهُوَ الْكَلِمَة الْمَجْمُوعَة من الْحُرُوف الْمُقطعَة مثل الله والرحمن الرَّحِيم وَسَائِر أَسْمَائِهِ احْتَجُّوا من الْإِجْمَاع بِأَن جَمِيع أهل الْإِسْلَام لَا نحاشى مِنْهُم أحدا قد أَجمعُوا على القَوْل بِأَن من حلف باسم من أَسمَاء الله فَحنث فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة وَلَا خلاف فِي أَن ذَلِك لَازم فِيمَن قَالَ وَالله أَو الرَّحْمَن أَو الصَّمد أَو أَي اسْم من أَسمَاء الله حلف بهَا فَمَا أسخف عقولا يدْخل فِيهَا تخطئة مَا جَاءَ بِهِ الله فِي الْقُرْآن وَمَا قَالَه رَسُول الله ﷺ وَمَا أجمع عَلَيْهِ أهل الْإِسْلَام وَمَا أطبق عَلَيْهِ أهل الأَرْض قاطبة من أَن الِاسْم هُوَ الْكَلِمَة الْمَجْمُوعَة من الْحُرُوف الْمُقطعَة وتصويب الباقلاني وَابْن فورك فِي أَن ذَلِك لَيْسَ هُوَ الِاسْم وَإِنَّمَا هُوَ التَّسْمِيَة وَالْحَمْد لله الذى لم يجعلنا من أهل هَذِه الصَّنْعَة المرذولة وَلَا من هَذِه الْعِصَابَة المخذولة وَاحْتَجُّوا أَيْضا بقول رَسُول الله ﷺ إِذا أرْسلت كلبك فَذكرت اسْم الله فَكل فصح أَن اللَّفْظ الْمَذْكُور هُوَ اسْم الله تَعَالَى وَقَول رَسُول الله ﷺ أَن لَهُ اسْما وَهِي احْمَد وَمُحَمّد وَالْعَاقِب والحاشر والماحي فيالله وَيَا للْمُسلمين أَيجوزُ أَن يظنّ ذُو مسنكة عقل أَن رَسُول الله ﷺ خمس ذَوَات تبَارك الَّذِي يخلق مَا لَا نعلم وَذكروا قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 640

عَلَيْهِ وَسلم تسموا بأسمي وَلَا تكنوا بكنيتى فصح أَن الِاسْم هُوَ الْمِيم والحاء وَالْمِيم وَالدَّال بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ وَاحْتَجُّوا بقول عَائِشَة ﵂ بِحَضْرَة رَسُول الله ﷺ وَقد قَالَ لَهَا ﵇ إِذا كنت راضية عني قلت لَا وَرب مُحَمَّد وَإِذا كنت ساخطة قلت لَا وَرب إِبْرَاهِيم قَالَت أجل وَالله يَا رَسُول الله مَا أَهجر إِلَّا اسْمك فَلم يُنكر رَسُول الله ﷺ عَلَيْهَا ذَلِك القَوْل فصح أَن اسْمه غَيره بِلَا شكّ لِأَنَّهَا لم تهجر ذَاته وَإِنَّمَا هجرت اسْمه وَاحْتَجُّوا أَيْضا بقول رَسُول الله ﷺ أحب الْأَسْمَاء إِلَى الله عبد الله وَعبد الرَّحْمَن وأصدق الْأَسْمَاء همام والْحَارث وروى أكذبها خَالِد وَمَالك وَهَذَا كُله يبين أَن الِاسْم غير الْمُسَمّى فقد يُسمى عبد الله وَعبد الرَّحْمَن من يبغضه الله وَقد يُسمى من يكون كذابا الْحَارِث وهماما وَيُسمى الصَّادِق خَالِدا ومالكا فهم بِخِلَاف أسمائهم وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن قَالُوا قد اجْتمعت الْأُمَم كلهَا عل أَنه إِذا سُئِلَ الْمَرْء مَا اسْمك قَالَ فلَان وَإِذا قيل لَهُ كَيفَ سميت ابْنك وعيدك قَالَ سميته فلَانا فصح أَن تَسْمِيَته هِيَ اخْتِيَاره وإيقاعه ذَلِك الِاسْم على الْمُسَمّى وَأَن الِاسْم غير الْمُسَمّى وَاحْتَجُّوا من طَرِيق النّظر بِأَن قَالُوا أَنْتُم تَقولُونَ أَن اسْم الله تَعَالَى هُوَ الله نَفسه ثمَّ لَا تبالون بِأَن تَقولُوا أَسمَاء الله تَعَالَى مُشْتَقَّة من صِفَاته فعليم مُشْتَقّ من علم وقدير مُشْتَقّ من قدرَة وَحي من حَيَاة فَإِذا اسْم الله هُوَ الله وَاسم الله مُشْتَقّ فَالله تَعَالَى على قَوْلكُم مُشْتَقّ وَهَذَا كفر بَارِد وَكَلَام سخيف وَلَا مخلص لَهُم مِنْهُ فَصحت الْبَرَاهِين الْمَذْكُورَة من الْقُرْآن وَالسّنَن وَالْإِجْمَاع وَالْعقل واللغة والنحو على أَن الِاسْم غير الْمُسَمّى بِلَا شكّ وَلَقَد أحسن أَحْمد بن جِدَار مَا شَاءَ أَن يحسن إِذْ يَقُول ... هَيْهَات يَا أُخْت آل بِمَا غَلطت فِي الِاسْم والمسمى لَو كَانَ هَذَا وَقيل سم مَاتَ إِذا من يَقُول سما ... قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأَخْبرنِي أَبُو عبد الله السائح الْقطَّان أَنه شَاهد بَعضهم قد كتب الله فِي سحاة وَجعل يصلى إِلَيْهَا قَالَ فَقلت لَهُ مَا هَذَا قَالَ معبودي قَالَ فنفخت فِيهَا فطارت فَقلت لَهُ قد طَار معبودك قَالَ فضربني قَالَ أَبُو مُحَمَّد وموهوا فَقَالُوا فأسماء الله إِذا مخلوقة إِذْ هِيَ كَثِيرَة وَإِذ هى غير الله تَعَالَى قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن كُنْتُم تعنون الْأَصْوَات الَّتِي هِيَ حُرُوف الهجاء والمداء الخطوط بِهِ فِي الفواطيس فَمَا يخْتَلف مسلمان فِي كل ذَلِك مَخْلُوق وَإِن كُنْتُم تُرِيدُونَ الْإِيهَام والتمويه بِإِطْلَاق الْخلق على الله تَعَالَى فَمن أطلق ذَلِك فَهُوَ كَافِر بل أَن أَشَارَ مشير إِلَى كتاب مَكْتُوب فِيهِ الله أَو بعض أَسمَاء الله تَعَالَى أَو إِلَى كَلَامه إِذْ قَالَ يَا الله أَو قَالَ بعض أَسْمَائِهِ فَقَالَ هَذَا مَخْلُوق أَو هَذَا لَيْسَ ربكُم أَو تكفرون بِهَذَا لما حل لمُسلم إِلَّا أَن يَقُول حاشا لله من أَن يكون مخلوقا بل هُوَ رَبِّي وخالقي أُؤْمِن بِهِ وَلَا أكفر بِهِ وَلَو قَالَ غير هَذَا لَكَانَ كَافِرًا حَلَال الدَّم لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يسْأَل عَن ذَات الْبَارِي تَعَالَى وَلَا عَن الَّذِي هُوَ رَبنَا وخالقنا وَالَّذِي هُوَ الْمُسَمّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاء وَلَا إِلَى الَّذِي يخبر عَنهُ وَلَا إِلَى الَّذِي يذكر إِلَّا بِذكر اسْمه وَلَا بُد فَلَمَّا كَانَ الْجَواب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة يموه أهل الْجَهْل بإيصال مَا لَا يجوز إِلَى ذَات الله تَعَالَى لم يجز أَن يُطلق الْجَواب فِي ذَلِك الْبَتَّةَ إِلَّا بتقسيم كَمَا ذكرنَا وَكَذَلِكَ لَو كتب إِنْسَان مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم أَو نطق بذلك ثمَّ قَالَ لنا هَذَا رَسُول الله ﷺ أم لَيْسَ رَسُول الله وتؤمنون بِهَذَا أَو تكفرون بِهِ لَكَانَ من قَالَ لَيْسَ رَسُول الله ﷺ وَأَنا أكفر بِهِ كَافِرًا حَلَال الدَّم بِإِجْمَاع أهل الاسلام وَلَكِن نقُول بل هُوَ رَسُول ﷺ وَنحن نؤمن بِهِ وَلَا يخْتَلف اثْنَان فِي الصَّوْت المسموع والخط الْمَكْتُوب لَيْسَ هُوَ الله وَلَا رَسُول الله ﷺ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالُوا أَن أَحْمد بن حَنْبَل وَأَبا زرْعَة عبيد الله بن عبد الْكَرِيم وَأَبا حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الْحَنْظَلِي الراويين رَحِمهم الله تَعَالَى يَقُولُونَ أَن الِاسْم هُوَ المسمي قُلْنَا لَهُم هَؤُلَاءِ ﵃ وَإِن كَانُوا من أهل السّنة وَمن أَئِمَّتنَا فليسوا معصومين من الْخَطَأ وَلَا أمرنَا الله بتقليدهم واتباعهم فِي كل مَا قَالُوهُ وَهَؤُلَاء رَحِمهم الله

стр. 641

أَرَاهُم اخْتِيَار هَذَا القَوْل قَوْلهم الصَّحِيح أَن الْقُرْآن هُوَ المسموع من الْقُرْآن الْمَخْلُوط فِي الْمَصَاحِف نَفسه وَهَذَا قَول صَحِيح وَلَا يُوجب أَن يكون الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى على مَا قد بَينا فِي هَذَا الْبَاب وَفِي بَاب الْكَلَام فِي الْقُرْآن وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَإِنَّمَا الْعجب كُله مِمَّن قلب الْحق وَفَارق هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين حَيْثُ أَصَابُوا وحيت لَا يحل خلافهم وَتعلق بهم حَيْثُ وهموا من هَؤُلَاءِ المنتمين إِلَى الْأَشْعَرِيّ الْقَائِلين بِأَن الْقُرْآن لم ينزل قطّ إِلَيْنَا وَلَا سمعناه قطّ وَلَا نزل بِهِ جِبْرِيل على قلب رَسُول الله ﷺ وَإِن الَّذِي فِي الْمَصَاحِف هُوَ شَيْء آخر غير الْقُرْآن ثمَّ أتبعوا هَذِه الْكَفَرَة الصلعاء بِأَن قَالُوا إِن اسْم الله هُوَ الله وَأَنه لَيْسَ لله إِلَّا اسْم وَاحِد وكذبوا الله تَعَالَى وَرَسُوله فِي أَن لله أَسمَاء كَثِيرَة تِسْعَة وَتِسْعين ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَو أَن إنْسَانا يُشِير إِلَى كتاب مَكْتُوب فِيهِ الله فَقَالَ هَذَا لَيْسَ رَبِّي وَأَنا كَافِر بِهَذَا لَكَانَ كَافِرًا وَلَو قَالَ هَذَا المداد لَيْسَ رَبِّي وَأَنا كَافِر بربوبية هَذَا الصَّوْت لَكَانَ صَادِقا وَهَذَا لَا يُنكر وَإِنَّمَا نقف حَيْثُ وقفنا قَالَ مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ رَحْمَة الله لم يبعد من الاستخفاف فَلَو قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد لَكَانَ محسناً وَلَو أَن إنْسَانا يذكر من أَبَوَيْهِ الْعُضْو المستور باسمه لَكَانَ عاقاً أَتَى كَبِيرَة وَإِن كَانَ صَادِقا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي قضايا النُّجُوم وَالْكَلَام فِي هَل يعقل الْفلك والنجوم أم لَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد زعم قوم أَن الْفلك والنجوم تعقل وَأَنَّهَا ترى وَتسمع وَلَا تذوق وَلَا تشم وَهَذِه دَعْوَى بِلَا برهَان وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل مَرْدُود عِنْد كل طَائِفَة بِأول الْعقل إِذْ لَيست أصح من دَعْوَى أُخْرَى تضادها وتعارضها وبرهان صِحَة الحكم بِأَن الْفلك والنجوم لَا تعقل أصلا هُوَ أَن حركتها أبدا على رُتْبَة وَاحِدَة لَا تتبدل عَنْهَا وَهَذِه صفة الجماد الْمُدبر الَّذِي لَا اخْتِيَار لَهُ فَقَالُوا الدَّلِيل على هَذِه أَن الْأَفْضَل لَا يخْتَار إِلَّا لأَفْضَل الْعَمَل فَقُلْنَا لَهُم وَمن أَيْن لكم بِأَن الْحَرَكَة أفضل من السّكُون الِاخْتِيَارِيّ لأننا وجدنَا الْحَرَكَة حركتين اختيارية واضطرارية وَوجدنَا السّكُون سكونين واضطرارياً فَلَا دَلِيل على أَن الْحَرَكَة الاختيارية أفضل من السّكُون الِاخْتِيَارِيّ ثمَّ من لكم بِأَن الْحَرَكَة الدورية أفضل من سَائِر الحركات يَمِينا ويسارا أوأمام أورواء ثمَّ من لكم بِأَن الْحَرَكَة من شَرق إِلَى غرب كَمَا يَتَحَرَّك الْفلك الْأَكْبَر أفضل من الْحَرَكَة من غرب إِلَى شَرق كَمَا تتحرك سَائِر الأفلاك وَجَمِيع الْكَوَاكِب فلاح أَن قَوْلهم مخرفة فَاسِدَة وَدَعوى كَاذِبَة مموهة وَقَالَ بَعضهم لما كُنَّا نَحن نعقل وَكَانَت الْكَوَاكِب تدبرنا كَانَت أولى بِالْعقلِ والحياة منا فَقُلْنَا هَاتَانِ دعوتان مجموعتان فِي نسق أَحدهمَا القَوْل بِأَنَّهَا تدبرنا فَهِيَ دَعْوَى كَاذِبَة بِلَا برهَان على مَا ذكره بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالثَّانِي الحكم بِأَن من تدبرنا أَحَق بِالْعقلِ والحياة منا فقد وجدنَا التَّدْبِير يكون طبيعياً وَيكون اختيارياً فَلَو صَحَّ أَنَّهَا تدبرنا لَكَانَ تدبيراً طبيعياً كتدبير الْغذَاء لنا وكتدبير الْهَوَاء وَالْمَاء لنا وكل ذَلِك لَيْسَ حَيا وَلَا عَاقِلا بِالْمُشَاهَدَةِ وَقد أبطلنا الْآن أَن يكون تَدْبِير الْكَوَاكِب لنا اختيارياً بِمَا ذكرنَا من جريها على حَرَكَة وَاحِدَة ورتبة وَاحِدَة لَا تنقل عَنْهَا أصلا وَأما القَوْل بقضايا النُّجُوم فَإنَّا نقُول فِي ذَلِك قولا لائحاً ظَاهرا إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما معرفَة فطعها فِي أفلاكها وآناء ذَلِك ومطالعها وأبعادها وارتفاعاتها وَاخْتِلَاف مراكز أفلاكها فَعلم حسن صَحِيح رفيع يشرف بِهِ النَّاظر فِيهِ على عَظِيم قدرَة الله وعَلى يَقِين ناثرة وصنعته واختراعه تَعَالَى للْعَالم بِمَا فِيهِ وَفِيه الَّذِي يضْطَر كل ذَلِك إِلَى الْإِقْرَار بالخالق وَلَا يَسْتَغْنِي عَن ذَلِك فِي معرفَة الْقبْلَة وأوقات الصَّلَاة وينتج من هَذَا معرفَة رُؤْيا الْأَهِلّة لغَرَض الصَّوْم وَالْفطر وَمَعْرِفَة الكسوفين برهَان ذَلِك قَول الله تَعَالَى وَلَقَد خلقنَا فَوْقكُم سبع طرائق وَقَالَ تَعَالَى وَالْقَمَر قدرناه منَازِل حَتَّى عَاد كالعرجون الْقَدِيم لَا الشَّمْس يَنْبَغِي

стр. 642

لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار وكل فِي فلك يسبحون وَقَالَ تَعَالَى وَالسَّمَاء ذَات البروج وَقَالَ تَعَالَى لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب وَهَذَا هُوَ نفس مَا قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما الْقَضَاء فالقطع بِهِ خطأ لما نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأهل الْقَضَاء ينقسمون قسمَيْنِ أَحدهمَا الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا والفلك عَاقِلَة مُمَيزَة فاعلة مُدبرَة دون الله تَعَالَى أَو مَعَه وَأَنَّهَا لم تزل فَهَذِهِ الطَّائِفَة كفار مشركون حَلَال دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ بِإِجْمَاع الْأمة وَهَؤُلَاء عَنى رَسُول الله ﷺ إِذْ يَقُول أَن الله تَعَالَى قَالَ أصبح من عبَادي كَافِر بِي مُؤمن بالكواكب وَفَسرهُ رَسُول الله ﷺ أَنه الْقَائِل فطرنا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا وَأما من قَالَ بِأَنَّهَا فِي المدن الَّتِي يُمكنهُم فِيهَا دَعْوَى أَن بناءها كَانَ فِي طالع كَذَا وَنَصه كَذَا لَكِن فِي الأقاليم وَالْقطع من الأَرْض الَّتِي لم يتَقَدَّم كَون بَعْضهَا كَون بعض كذبهمْ فِيمَا عَلَيْهِ بنوا قضاياهم فِي النُّجُوم وَكَذَلِكَ قسمتهم أَعْضَاء الْجِسْم والفلزات على الدراري أَيْضا وبرهان سادس أننا نجد نوعا وأنواعاً من أَنْوَاع الْحَيَوَان قد فَشَا فِيهَا الذّبْح فَلَا تكَاد يَمُوت شَيْء مِنْهَا إِلَّا مذبوحاً كالدجاج وَالْحمام والضان والمعز وَالْبَقر الَّتِي لَا يَمُوت مِنْهَا حتف أَنفه إِلَّا فِي غَايَة الشذوذ ونوعاً وأنواعاً لَا تكَاد تَمُوت إِلَّا حتف أنوفها كالحمير وَالْبِغَال وَكثير من السبَاع وبالضرورة يدْرِي كل أحد أَنَّهَا قد تستوي أَوْقَات وِلَادَتهَا فَبَطل قضاؤهم بِمَا يُوجب الْمَوْت الطبيعي وَبِمَا يُوجد الكرهى لِاسْتِوَاء جَمِيعهَا فِي الولادات واختلافها فِي أَنْوَاع المنايا وبرهان سَابِع وَهُوَ أننا نرى الخصافا شَيْئا فِي سكان الاقليم الأول وسكان الاقليم السَّابِع وَلَا سَبِيل إِلَى وجوده الْبَتَّةَ فِي سكان سَائِر الأقاليم وَلَا شكّ وَلَا مرية فِي استوائهم فِي أَوْقَات الْولادَة فَبَطل يَقِينا قضاؤهم بِمَا يُوجب الخصا وَبِمَا لَا يُوجِبهُ بِمَا ذكرنَا من تساويهم فِي أَوْقَات التكون والولادة وَاخْتِلَافهمْ فِي الحكم وَيَكْفِي من هَذَا أَن كَلَامهم فِي ذَلِك دَعْوَى بِلَا برهَان وَأما كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل مَعَ اخْتلَافهمْ فِيمَا يُوجِبهُ الحكم عِنْدهم وَالْحق لَا يكون فِي قَوْلَيْنِ مُخْتَلفين وَأَيْضًا فَإِن الْمُشَاهدَة توجب أننا قادرون على مُخَالفَة أحكامهم مَتى أخبرونا بهَا فَلَو كَانَت حَقًا وحتما مَا قدر أحد على خلَافهَا وَإِذا أمكن خلَافهَا فَلَيْسَتْ حَقًا فصح أَنَّهَا تحرص كالطرق بالحصا والصرب بالحب وَالنَّظَر فِي الْكَتف والزجر والطيرة وَسَائِر مَا يَدعِي أَهله فِيهِ تَقْدِيم الْمعرفَة بِلَا شكّ وَمَا يخص مَا شَاهَدْنَاهُ وَمَا صَحَّ عندنَا مِمَّا حَقَّقَهُ حذاقهم من التَّعْدِيل فِي الموالد والمناجات وتحاول السنين ثمَّ فضوا فِيهِ فاخطؤا وَمَا نفع أَصَابَتْهُم من خطئهم إِلَّا فِي جُزْء يسير فصح أَنه يحرص لَا حَقِيقَة فِيهِ لَا سِيمَا دَعوَاهُم فِي إِخْرَاج الضَّمِير فَهُوَ كُله كذب لمن تَأمله وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَكَذَلِكَ قَوْلهم فِي القرانات أَيْضا وَلَو أمكن تَحْقِيق تِلْكَ التجارب فِي كل مَا ذكرنَا لصدقناها وَمَا يبدوا مِنْهَا وَلم يكن ذَلِك علم غيب لِأَن كل مَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيل من خطّ أَو كنف أَو زجرا وَتَطير فَلَيْسَ غيباً لَو صَحَّ وَجه كل ذَلِك وَإِنَّمَا الْغَيْب وَعلمه هُوَ أَن يخبر الْمَرْء من الكائنات دون صناعَة أصلا من شَيْء مِمَّا ذكرنَا وَلَا من غَيره فَيُصِيب الجزئي والكلي وَهَذَا لَا يكون إِلَّا لنَبِيّ وَهُوَ معْجزَة حينئذٍ وَأما الكهانة فقد بطلت بمجيء النَّبِي ﷺ فَكَانَ هَذَا من أَعْلَامه وآياته وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي خلق الله تَعَالَى للشَّيْء أهوَ الْمَخْلُوق نَفسه أم غَيره وَهل فعل الله من دون الله تَعَالَى هُوَ الْمَفْعُول أم غَيره قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب قوم إِلَى أَن خلق الشَّيْء الْمَخْلُوق وَاحْتج هَؤُلَاءِ بقول الله ﴿مَا أشهدتهم خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَا خلق أنفسهم﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذِه الْآيَة لِأَن الْإِشْهَاد هَا هُنَا هُوَ الْإِحْضَار بالمعرفة وَهَذَا حق لِأَن الله تَعَالَى لم يحضرنا عارفين ابْتِدَاء خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَابْتِدَاء أَنْفُسنَا وَوجدنَا من قَالَ أَن خلق الشَّيْء هُوَ الشَّيْء نَفسه بقول الله تَعَالَى هَذَا خلق الله وَهَذِه إِشَارَة إِلَى جَمِيع الْمَخْلُوقَات فقد سمي الله تَعَالَى جَمِيع

стр. 643

الْمَخْلُوقَات كلهَا خلقا لَهُ وَهَذَا برهَان لَا يُعَارض قَالَ أَبُو مُحَمَّد ثمَّ نسْأَل من قَالَ أَن خلق الشَّيْء هُوَ غير الشَّيْء فَتَقول لَهُ أخبرنَا عَن خلق الله تَعَالَى لما خلق أم مَخْلُوق هُوَ أَيْضا أَن غير مَخْلُوق فَلَا بُد من أحد الْأَمريْنِ فَإِن قَالُوا هُوَ غير مَخْلُوق أوجبوا بِإِزَاءِ كل مَخْلُوق شَيْئا مَوْجُودا غير مَخْلُوق وَهَذَا مضاهاة لقَوْل الدهرية والبرهان قد قَامَ بِخِلَاف هَذَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا﴾ وَإِن قَالُوا بل خلقه تَعَالَى لما خلق مَخْلُوق قُلْنَا فخلقه تَعَالَى لذَلِك الْخلق أبخلق أم بِغَيْر خلق فَإِن قَالُوا بِغَيْر خلق قيل لَهُم من أَيْن قُلْتُمْ أَن خلقه للأشياء بمخلق هُوَ غير الْمَخْلُوق وقلتم فِي خلقه لذَلِك الْخلق أَنه بِغَيْر خلق وَهَذَا تَخْلِيط وَإِن قَالُوا بل خلقه بِخلق سألناهم الْخلق هُوَ أم بِخلق هُوَ غَيره وَهَكَذَا أبدا فَإِن وقفُوا فِي شَيْء من ذَلِك فَقَالُوا خلقه هُوَ هُوَ سألناهم عَن الْفرق بَين مَا قَالُوا أَن خلقه هُوَ غَيره وَبَين مَا قَالُوا أَن خلقه هُوَ هُوَ وَإِن تماد وأخرجوا إِلَى وجود أَشْيَاء لَا نِهَايَة لَهَا وَهَذَا محَال مقنع مُتَّصِلا وَقد قطع بِهَذَا معمر بن عَمْرو الْعَطَّار أحد رُؤَسَاء الْمُعْتَزلَة وَسَنذكر كَلَامه بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى مُتَّصِلا بِهَذَا الْبَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد وَأَيْضًا فَإِن الْجَمِيع مطبقون على أَن الله خلق مَا خلق بِلَا معاياة فَإذْ لَا شكّ فِي ذَلِك فقد صَحَّ يَقِينا أَنه لَا وَاسِطَة بَين الله تَعَالَى وَبَين مَا خلق وَلَا ثَالِث فِي الْوُجُود غير الْخَالِق والمخلوق وَخلق الله تَعَالَى مَا خلق حق مَوْجُود وَهُوَ بِلَا شكّ مَخْلُوق وَهُوَ بِلَا شكّ لَيْسَ هُوَ الْخَالِق فَهُوَ الْمَخْلُوق نَفسه بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ إِذْ لَا ثَالِث هَا هُنَا أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل من دون الله تَعَالَى فعله هُوَ مَفْعُوله نَفسه لَا غير لِأَنَّهُ لَا يفعل أحد دون الله تَعَالَى إِلَّا حَرَكَة أَو سكوناً أَو تَأْثِيرا أَو معرفَة أَو فكرة أَو إِرَادَة وَلَا مفعول لشَيْء دون الله تَعَالَى إِلَّا مَا ذكرنَا فَهِيَ مفعولات الفاعلين وَهِي أَفعَال الفاعلين وَلَا فرق وَمَا عدا هَذَا فَإِنَّمَا هُوَ مفعول فِيهِ كالمضروب والمقتول أَو مفعول بِهِ كالسوط والإبرة وَمَا أشبه ذَلِك أَو مفعول لَهُ كالمطاع والمخدوم أَو مفعول من أَجله كالمكسوب والمحلوب فَهَذِهِ أوجه المفعولات قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما سَائِر أَفعَال الله تَعَالَى فبخلاف مَا قُلْنَا فِي الْخلق بل هِيَ غير الْمَفْعُول فِيهِ أَو لَهُ أَو بِهِ أَو من أَجله وَذَلِكَ كالأحياء فَهُوَ غير الْمحيا بِلَا شكّ وَكِلَاهُمَا مَخْلُوق لله تَعَالَى وخلقه تَعَالَى لكل ذَلِك هُوَ الْمَخْلُوق نَفسه كَمَا قُلْنَا وكالإماته فَهِيَ غير الْمَمَات وَلَو كَانَ غير هَذَا وَكَانَ الْأَحْيَاء هُوَ الْمحيا والإماتة هِيَ الْمَمَات وبيقين نَدْرِي أَن الْمحيا هُوَ الْمَمَات نَفسه لوَجَبَ أَن يكون الْأَحْيَاء هُوَ الإماتة وَهَذَا محَال وكالا بَقَاء فَهُوَ غير المبقي للبرهان الَّذِي ذكرنَا وبيقين نَدْرِي أَن الشَّيْء غير أعراضه الَّتِي هِيَ قَائِمَة بِهِ وقتا وفانية عَنهُ تَارَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي الْبَقَاء والفناء والمعاني الَّتِي يدعيها معمر وَالْأَحْوَال الَّتِي تدعيها الأشعرية وَهل الْمَعْدُوم شَيْء أم لَيْسَ شَيْئا وَمَسْأَلَة الْأَجْزَاء وَهل بتجدد خلق الله للأشياء أم لَا يَتَجَدَّد قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب قوم إِلَى أَن الْبَقَاء والفناء صفتان للْبَاقِي والفاني لَا هما الْبَاقِي وَلَا الفاني وَلَا هما غير الْبَاقِي والفاني قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا قَول فِي غَايَة الْفساد لِأَن الْقَضِيَّة الثَّانِيَة بنقيض الأولى وَالْأولَى بنقيض الثَّانِيَة لِأَنَّهُ إِذا قَالَ لَيست هِيَ فقد أوجب أَنَّهَا غَيره وَإِذا قَالَ لَيست غَيره فقد أوجب أَنه هُوَ وَهَذَا تنَاقض ظَاهر وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا فرق بَين قَول الْقَائِلين لَيْسَ هُوَ هُوَ وَلَا ين قَوْله هُوَ هُوَ وَهُوَ غَيره وَالْمعْنَى فِي تِلْكَ القضيتين سَوَاء وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الْبَقَاء لَيْسَ هُوَ الْبَاقِي وَلَا هُوَ غَيره والفناء لَيْسَ هُوَ الفاني وَلَا هُوَ غَيره فالباقي هُوَ الفاني نَفسه وَالْبَاقِي لَيْسَ هُوَ الْبَاقِي وَلَا غَيره وَهَذَا مزِيد من الْجُنُون وَمن التَّنَاقُض وَذهب معمر إِلَى أَن الفناء صفة قَائِمَة بِغَيْر الفاني

стр. 644

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تخبيط لَا يعقل وَلَا يتَوَهَّم وَلَا يقوم عَلَيْهِ دَلِيلا أصلا وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل والحقيقة فِي ذَلِك ظَاهِرَة وَهِي أَن الْبَقَاء هُوَ وجود الشَّيْء وَكَونه ثَابتا قَائِما مُدَّة زمَان مَا فَإذْ هُوَ قَائِما كَذَلِك فَهُوَ صفة مَوْجُودَة فِي الْبَاقِي مَحْمُولَة فِيهِ قَائِمَة مَوْجُودَة بِوُجُودِهِ فانية بفنائه وَأما الفناء فَهُوَ عدم الشَّيْء وبطلانه جملَة وَلَيْسَ هُوَ شَيْئا أصلا والفناء الْمَذْكُور لَيْسَ مَوْجُودا الْبَتَّةَ فِي شَيْء من الْجَوَاهِر وَإِنَّمَا هُوَ عدم الْعرض فَقَط كحمرة الخجل إِذا ذهبت عبر عَن الْمَعْنى المُرَاد بالإخبار عَن ذهابها بِلَفْظَة الفناء كالغضب يفنى ويعقبه رضَا وَمَا أشبه ذَلِك وَلَو شَاءَ الله أَن يعْدم الْجَوَاهِر لقدر على ذَلِك وَلكنه لم يُوجد ذَلِك إِلَى الْآن وَلَا جَاءَ بِهِ نَص فيقف عِنْده فالفناء عدم كَمَا قُلْنَا الْكَلَام فِي الْمَعْدُوم أهوَ شَيْء أم لَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد اخْتلف النَّاس فِي الْمَعْدُوم أهوَ شَيْء أم لإقفال أهل السّنة وَطَوَائِف من المرجئة كالأشعرية وَغَيرهم لَيْسَ شَيْئا وَبِه يَقُول هِشَام بن عَمْرو الغوطي أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة وَقَالَ سَائِر الْمُعْتَزلَة الْمَعْدُوم شَيْء وَقَالَ عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الْخياط أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة أَن المعدم جسم فِي حَال عَدمه إِلَّا انه لَيْسَ متحركاً وَلَا سَاكِنا وَلَا مخلوقاً وَلَا مُحدثا فِي حَال عَدمه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَاحْتج من قَالَ بِأَن الْمَعْدُوم شَيْء بَان قَالُوا قَالَ إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم فَقَالُوا فقد أخبر بِأَنَّهَا شَيْء وَهِي مَعْدُومَة وَمن الدَّلِيل على أَن الْمَعْدُوم شَيْء أَنه يخبر عَنهُ ويوصف ويتمنى وَمن الْمحَال أَن يكون مَا هَذِه صفته لَيْسَ شَيْئا قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما قَول الله إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم فَإِن هَذِه الْقِصَّة مَوْصُولَة بقوله تَعَالَى يَوْم ترونها تذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت وتضع كل ذَات حمل حملهَا وتري النَّاس سكارى وَمَا هم بسكارى فَإِنَّمَا تمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله يَوْم ترونها فصح أَن زَلْزَلَة السَّاعَة يَوْم ترونها شَيْء عَظِيم وَهَذَا هُوَ قَوْلنَا وَلم يقل تَعَالَى قطّ أَنَّهَا الْآن شَيْء عَظِيم ثمَّ أخبر تَعَالَى بِمَا يكون يَوْمئِذٍ من هول المرضعات وَوضع الْأَحْمَال وَكَون النَّاس سكارى من غير خمر فَبَطل تعلقهم بِالْآيَةِ وَمَا نعلم أَنهم شغبوا بِشَيْء غَيرهَا وَأما قَوْلهم أَن الْمَعْدُوم يخبر عَنهُ ويوصف ويتمنى وَيُسمى فجهل شَدِيد وَظن فَاسد وَذَلِكَ أَن قَوْلنَا فِي شَيْء يذكر أَنه مَعْدُوم ويخبر عَنهُ أَنه مَعْدُوم ويتمنى بِهِ إِنَّمَا هُوَ أَن يذكر اسْم مَا فَذَلِك الِاسْم مَوْجُود بِلَا شكّ يعرف ذَلِك بالحس كَقَوْلِنَا العنقاء وَابْن آوى وحبين وعرس ونبوة مُسَيْلمَة وَمَا أشبه ذَلِك ثمَّ كل اسْم ينْطق بِهِ وَيُوجد ملفوظاً أَو مَكْتُوبًا فَإِنَّهُ ضَرُورَة لَا بُد لَهُ من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون لَهُ مُسَمّى وَإِمَّا أَن يكون لَيْسَ لَهُ مُسَمّى فَإِن كَانَ لَهُ مُسَمّى فَهُوَ مَوْجُود وَهُوَ شَيْء حِينَئِذٍ وَإِن كَانَ لَيْسَ لَهُ مُسَمّى فأخبارنا بِالْعدمِ وتمنينا للْمَرِيض الصِّحَّة إِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن ذَلِك الِاسْم الْمَوْجُود أَنه لَيْسَ لَهُ مُسَمّى وَلَا تَحْتَهُ شَيْء وتمن منا لِأَن يكون تَحْتَهُ مُسَمّى فَهَكَذَا هُوَ الْأَمر لَا كَمَا ظَنّه أهل الْجَهْل فصح أَن الْمَعْدُوم لَا يخبر عَنهُ وَلَا يتَمَنَّى ونسألهم عَمَّن قَالَ لَيْت لي ثوبا أَحْمَر وَغُلَامًا أسود أخبرونا هَل الثَّوْب المتمنى بِهِ عنْدكُمْ أَحْمَر أم لَا فَإِن أثبتوا معنى وَهُوَ الثَّوْب أثبتوا عرضا مَحْمُولا فِيهِ وَهُوَ الْحمرَة فَوَجَبَ أَن الْمَعْدُوم يحمل الْأَعْرَاض وَإِن قَالُوا لم يتمن شَيْئا أصلا صدقُوا وَصَحَّ أَن الْمَعْدُوم لَا يتَمَنَّى لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْئا وَلَا فرق بَين قَول الْقَائِل تمنيت لَا شَيْء وَبَين قَوْله لم أتمن شَيْئا بل هما متلائمان بِمَعْنى وَاحِد وَهَذَا أَيْضا يخرج على وَجه آخر وَهُوَ أَنه لَا يتَمَنَّى الْأَشْيَاء مَوْجُود فِي الْعَالم كَثوب مَوْجُود اَوْ غُلَام مَوْجُود واما من اخْرُج لَفْظَة التَّمَنِّي لما لَيْسَ فِي الْعَالم فَلم يتمن شَيْئا وَأما قَوْلهم بِوَصْف فطريق عجب جدا لِأَن معنى قَول الْقَائِل يُوصف إِخْبَار بِأَن لَهُ صفة مَحْمُولَة فِيهِ مَوْجُودَة بِهِ فليت شعري كَيفَ يحمل الْمَعْدُوم من الصِّفَات من الْحمرَة والخضرة وَالْقُوَّة والطول وَالْعرض إِن هَذَا لعجيب جدا فَظهر فَسَاد مَا موهوا بِهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين

стр. 645

قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَإِذ قد عرا قَوْلهم عَن الدَّلِيل فقد صَحَّ أَنه دَعْوَى كَاذِبَة ثمَّ نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق من الْبُرْهَان على أَن الْمَعْدُوم اسْم لَا يَقع على شَيْء أصلا قَول الله وَقد خلقتك من قبل وَلم تَكُ شَيْئا وَقَوله تَعَالَى هَل أُتِي على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر لم يكن شَيْئا مَذْكُورا وَقَوله وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا وَقَالَ إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر فيلزمهم وَلَا بُد إِن كَانَ الْمَعْدُوم شَيْئا أَن يكون مخلوقا بعد وهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن الْمَخْلُوق مَوْجُود وَقد وجد وقتا من الدَّهْر فالمعدوم على هَذَا مَوْجُود وَقد كَانَ مَوْجُودا وَهَذَا خلاف قَوْلهم وَهَذَا غَايَة الْبَيَان فِي أَن الْمَعْدُوم لَيْسَ شَيْئا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ ونسألهم مَا معنى قَوْلنَا شَيْء فَلَا يَجدونَ بدا من أَن يَقُولُوا أَنه الْمَوْجُود أَو أَن يَقُولُوا هُوَ كل مَا يخبر عَنهُ فَإِن قَالُوا هُوَ الْمَوْجُود صَارُوا إِلَى الْحق وَإِن قَالُوا هُوَ كل مَا يخبر عَنهُ قُلْنَا لَهُم إِن الْمُشْركين يخبرون عَن شريك الله قَالَ تَعَالَى أَيْن شركائي قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا مَعْدُوم لَا مدْخل لَهُ فِي الْحَقِيقَة وَاسم لَا مُسَمّى تَحْتَهُ فَإِن قَالُوا إِن شُرَكَاء الله تَعَالَى أَشْيَاء كَانُوا قد أفحشوا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قد اتّفقت جَمِيع الْأُمَم لَا تحاشى أَن الْمَعْدُوم لَيْسَ شَيْئا أَو لَا شَيْء أَو مَا يعبر بِهِ فِي كل لُغَة عَن شَيْء وَعَن لَا شَيْء إِلَّا أَن الْمَعْنى وَاحِد فَلَو كَانَ الْمَعْدُوم شَيْئا لَكَانَ مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ بِلَا شَيْء وَلَيْسَ شَيْئا وَلم يكن شَيْئا بَاطِلا وَهَذَا رد على جَمِيع أهل الأَرْض مذ كَانُوا إِلَى أَن يفنى الْعَالم فصح أَن الْمَوْجُود هُوَ الشَّيْء فَإذْ هُوَ الشَّيْء فبضرورة الْعقل أَن اللاشيء هُوَ الْمَعْدُوم ثمَّ نسألهم أتقولون أَن الْمَعْدُوم عَظِيم أَو صَغِير أَو حسن أَو قَبِيح أَو طَوِيل أَو قصير أَو ذُو لون فِي حَال عَدمه فَإِن أَبَوا من هَذَا تنَاقض قَوْلهم وسئلوا عَن الْفرق بَين قَوْلهم أَنه شَيْء وَبَين قَوْلهم أَنه حسن أَو قَبِيح أَو صَغِير أَو كَبِير وَكَيف قَالُوا أَنه شَيْء ثمَّ قَالُوا أَنه لَيْسَ حسنا وَلَا قبيحاً وَلَا صَغِيرا وَلَا كَبِيرا فَإِن قَالُوا نعم أوجبوا أَن الْمَعْدُوم يحمل الْأَعْرَاض وَالصِّفَات وَهَذَا تَخْلِيط ناهيك بِهِ وسئلوا فِي مَاذَا يحمل الصِّفَات أَفِي ذَاته أَو فِي مَاذَا فَإِن قَالُوا فِي ذَاته أوجبوا أَن لَهُ ذاتاً وَهَذِه صفة الْمَوْجُود ضَرُورَة وَإِن قَالُوا بل يحمل الصِّفَات فِي غَيره كَانَ ذَلِك أَيْضا عجبا زَائِدا ومحالا لَا خَفَاء بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونسألهم هَل الْإِيمَان مَوْجُود من أبي جهل أَو مَعْدُوم فَإِن قَوْلهم بِلَا شكّ أَنه مَعْدُوم مِنْهُ فنسألهم عَن إِيمَان أبي جهل الْمَعْدُوم حسن هُوَ أم قَبِيح فَإِن قَالُوا لَا حسن وَلَا قَبِيح قُلْنَا لَهُم أَيكُون يعقل إِيمَان لَيْسَ حسنا هَذَا عَظِيم جدا وَإِن قَالُوا بل هُوَ حسن أوجبوا أَنه حَامِل لِلْحسنِ وَكَذَلِكَ نسألهم عَن الْكفْر الْمَعْدُوم من الْأَنْبِيَاء ﵈ أقبيح هُوَ أم لَا فَإِن قَالُوا لَا أوجبوا كفرا لَيْسَ قبيحا وَإِن قَالُوا بل هُوَ قَبِيح أوجبوا أَن الْمَعْدُوم يحمل الصِّفَات ونسألهم عَن ولد الْعَقِيم الْمَعْدُوم مِنْهُ أصغير هُوَ أم كَبِير أم عَاقل أم أَحمَق فَإِن منعُوا من وجود شَيْء من هَذِه الصِّفَات لَهُ كَانَ عجبا أَن يكون ولد ولاصغير وَلَا كَبِير وَلَا حَيّ وَلَا ميت وَإِن وصفوه بِشَيْء من هَذِه الصِّفَات أَتَوا بِالزِّيَادَةِ من الْمحَال ونسألهم عَن الْأَشْيَاء المعدومة ألها عدد أم لَا عدد لَهَا فَإِن قَالُوا لَا عدد لَهَا كَانُوا قد أَتَوا بالمحال إِذْ أقرُّوا بأَشْيَاء لَا عدد لَهَا وَإِن قَالُوا بل لَهَا عدد كَانَ ذَلِك عجبا جدا أَو محالاً لَا خَفَاء بِهِ وسألناهم عَن الْأَوْلَاد المعدومين من العاقر والعقيم كم عَددهمْ ونسألهم عَن الْأَشْيَاء المعدومة أَهِي فِي الْعَالم وَمن الْعَالم أم لَيست فِي الْعَالم وَلَا من الْعَالم فَإِن قَالُوا أَهِي فِي الْعَالم وَمن الْعَالم سألناهم عَن مَكَانهَا فَإِن حددوا لَهَا مَكَانا سخفوا مَا شاؤا وَإِن قَالُوا لَا مَكَان لَهَا قيل لَهُم وَكَيف يكون شَيْء فِي الْعَالم لَا مَكَان لَهُ فِيهِ وَلَا حَامِل قَالَ أَبُو مُحَمَّد ويلزمهم أَن المعدومات إِذا كَانَت أَشْيَاء لَا عدد لَهَا وَلَا نِهَايَة وَلَا مبدأ فَإِنَّهَا لم تزل وَهَذِه دهرية مُحَققَة وَكفر مُجَرّد أَن تكون أَشْيَاء لَا تحصى كَثْرَة لم تزل مَعَ الله تَعَالَى ونعوذ بِاللَّه من مثل هَذَا الهوس قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد ادعوا أَن الْمَعْدُوم يعلم وَهَذَا جهل مِنْهُم بحدود الْكَلَام لَا سِيمَا مِمَّن أقرّ بِأَن الْمَعْدُوم

стр. 646

لَا شَيْء وَادّعى مَعَ ذَلِك أَنه يعلم فألزمناهم على ذَلِك أَنهم يعلمُونَ لَا شَيْء وَأَن الله تَعَالَى يعلم لَا شَيْء فجسر بَعضهم على ذَلِك فَقُلْنَا لَهُ أَن قَوْلك علمت لَا شَيْء وَعلم الله تَعَالَى لَا شَيْء ملائم لِقَوْلِك لم أعلم شَيْئا ولقولك لم يعلم الله تَعَالَى شَيْئا لَا فرق بَين معنى القضيتين الْبَتَّةَ بل هما وَاحِد وَإِن اخْتلفت العبارتان وَإِذ هُوَ كَذَلِك فقد صَحَّ أَن الْمَعْدُوم لَا يعلم فَإِن ألزمنا على هَذَا وَسَأَلنَا هَل يعلم الله تَعَالَى إِلَّا شَيْئا قبل كَونهَا أم لَا قُلْنَا لم يزل الله تَعَالَى يعلم أَن مَا يخلقه أبدا إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَإِنَّهُ سيخلقه ويرتبه على الصِّفَات الَّتِي يخلقها فِيهَا إِذا خلقه وَأَنه سَيكون شَيْئا إِذا كَونه وَلم يزل يعلم أَن مَا لم يخلق بعد فَلَيْسَ هُوَ شَيْئا حَتَّى يخلقه وَلم يزل تَعَالَى يعلم أَنه لَا شَيْء مَعَه وَأَنه سَتَكُون الْأَشْيَاء أَشْيَاء إِذا خلقهَا لِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا يعلم الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ لَا على خلاف مَا هِيَ عَلَيْهِ لِأَن من علمهَا على خلاف مَا هِيَ عَلَيْهِ فَلم يعلمهَا بل جهلها وَلَيْسَ هَذَا علما بل هُوَ ظن كَاذِب وَجَهل وبرهان هَذَا قَول الله وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم وَلَو فِي لُغَة الْعَرَب الَّتِي خاطبنا الله تَعَالَى بهَا حرف يدل على امْتنَاع الشَّيْء لِامْتِنَاع غَيره فصح أَنه تَعَالَى لم يسمعهم لِأَنَّهُ لم يعلم فيهم خيرا أَو لَا خير فيهم فصح أَن الْمَعْدُوم لَا يعلم أصلا وَلَو علم لَكَانَ مَوْجُودا أوإنما يعلم الله تَعَالَى أَن لَفْظَة الْمَعْدُوم لَا مُسَمّى لَهَا وَلَا شَيْء تحتهَا وَيعلم الْآن أَن السَّاعَة غير قَائِمَة وَهُوَ الْآن تَعَالَى لَا يعلمهَا قَائِمَة بل يعلم أَنه سيقيمها فتقوم فَتكون قِيَامَة وَسَاعَة وَيَوْم جَزَاء وَيَوْم بعث وشيئاً عَظِيما حِين يخلق كل ذَلِك لَا قبل أَن يخلقه فَأَما علمه تَعَالَى بِأَنَّهُ سيقيمها فتقوم فَهُوَ مَوْجُود حق فَهَذَا معنى إِطْلَاق الْعلم على مَا لم يكن بعد من المعدومات كَمَا أننا لانعلم الْآن الشَّمْس طالعة طُلُوعهَا فِي غَد بل نعلم أَنَّهَا ستطلع غَدا وَكَذَلِكَ لَا نعلم موت الْأَحْيَاء الْآن بل نعلم أَن الله تَعَالَى سيخلق مَوْتهمْ فنعلمه موتا لَهُم إِذْ خلقه لَا قبل ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ تَعَالَى أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين فَهَذَا نَص جلي على أَن الْمَعْدُوم لَا يعلم لِأَن الله تَعَالَى أخبر أَنه لَا يدْخل الْجنَّة من لَا يُعلمهُ الله تَعَالَى مُجَاهدًا وَلَا صَابِرًا فصح أَن من لم يُجَاهد وَلَا صَبر فَلم يُعلمهُ الله تَعَالَى قطّ مُجَاهدًا وَلَا صَابِرًا أَو لَا علم لَهُ جهاداً وَلَا صبرا وَإِنَّمَا علمه غير مُجَاهِد وَغير صابر وَلم يزل تَعَالَى يعلم أَن من كَانَ مِنْهُم سيجاهد وسيصبر فَإِنَّهُ لم يزل يعلم أَنه سيجاهد وسيصبر فَإِذا جَاهد وصبر علمه حِينَئِذٍ صَابِرًا مُجَاهدًا وَالْعلم لَا يَسْتَحِيل لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْئا غير الْبَارِي تَعَالَى وَإِنَّمَا اسْتَحَالَ الْمَعْلُوم فَقَط ثمَّ نسألهم هَل يعلم الله تَعَالَى لحية الأطلس وقنا الْأَفْطَس أم لَا يعلم ذَلِك وَهل يعلم الله تَعَالَى أَوْلَاد الْعَقِيم وإيمان الْكَافِر وَكفر الْمُؤمن وَكذب الصَّادِق وَصدق الْكَاذِب أم لَا يعلم شَيْئا من ذَلِك فَإِن قَالُوا أَنه تَعَالَى يعلم كل ذَلِك كَانُوا قد وصفوا الله تَعَالَى بِالْجَهْلِ وَأَنه يعلم الْأَشْيَاء بِخِلَاف مَا هِيَ عَلَيْهِ وَإِن قَالُوا أَنه تَعَالَى لَا يعلم للعقيم أَوْلَادًا وَإِنَّمَا يُعلمهُ لَا ولد لَهُ وَلَا يعلم لحية الأطلس بل يُعلمهُ غير ذِي لحية صدقُوا وعادوا إِلَى الْحق وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي الْمعَانِي على معمر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما معمر وَمن اتبعهُ فَقَالُوا أَنا وجدنَا المتحرك والساكن فأيقنا أَن معنى حدث فِي المتحرك بِهِ فَارق السَّاكِن فِي صفته وَإِن معنى حدث فِي السَّاكِن بِهِ أَيْضا فَارق المتحرك فِي صفته وَكَذَلِكَ علمنَا أَن فِي الْحَرَكَة معنى بِهِ فَارَقت السّكُون وَإِن فِي السّكُون معنى بِهِ فَارق الْحَرَكَة وَكَذَلِكَ علمنَا فِي ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي بِهِ خَالَفت الْحَرَكَة السّكُون معنى بِهِ فَارق الْمَعْنى الَّذِي بِهِ فَارقه السّكُون وَهَكَذَا أبدا أوجبوا أَن فِي كل شَيْء فِي هَذَا الْعَالم من جَوْهَر أَو عرض أَي شَيْء كَانَ مَعَاني فَارق كل معنى مِنْهَا كل مَا عداهُ فِي الْعَالم وَكَذَلِكَ أَيْضا فِي تِلْكَ الْمعَانِي لِأَنَّهَا أَشْيَاء مَوْجُودَة مُتَغَايِرَة وأوجبوا بِهَذَا وجود أَشْيَاء فِي زمَان محدد فِي الْعَالم لَا نِهَايَة لعددها

стр. 647

قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه جملَة كل مَا شغبوا بِهِ إِلَّا أَنهم فصلوها ومدوها فِي الْكفْر وَالْكَافِر وَالْإِيمَان وَالْمُؤمن وَفِي غير ذَلِك مِمَّا هُوَ الْمَعْنى الَّذِي أوردناه بِعَيْنِه وَلَا زِيَادَة فِيهِ اصلا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَيْسَ شَيْئا لأننا نقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْعَالم كُله قِسْمَانِ جَوْهَر حَامِل وَعرض مَحْمُول وَلَا مزِيد وَلَا ثَالِث فِي الْعَالم غير هذَيْن الْقسمَيْنِ هَذَا أَمر يعرف بضرورة الْعقل وضرورة الْحس فالجواهر مُغَايرَة بَعْضهَا لبَعض بذواتها الَّتِي هِيَ أشخاصها يَعْنِي بالغيرية فِيهَا وتختلف أَيْضا بجنسها وَهِي أَيْضا مفترق بَعْضهَا من بعض بِالْعرضِ الْمَحْمُول فِي كل حَامِل من الْجَوَاهِر وَأما الْأَعْرَاض فمغايرة للجواهر بذواتها بالغيرة فِيهَا وَكَذَلِكَ هَذِه أَيْضا بَعْضهَا مُغَاير لبَعض بذواتها وَبَعضهَا مفارق لبَعض بذواتها وَإِن كَانَ بعض الْأَعْرَاض أَيْضا قد تحمل الْأَعْرَاض كَقَوْلِنَا حمرَة مشرقة وَحُمرَة كدرة وَعمل سيئ وَعمل صَالح وَقُوَّة شَدِيدَة وَقُوَّة دونهَا فِي الشدَّة وَمثل هَذَا كثير إِلَّا أَن كل هَذَا يقف فِي عدد متناه لَا يزِيد وَهَذَا أَمر يعلم بالحس وَالْعقل فالمتحرك يُفَارق السَّاكِن هَذَا بحركته وَهَذَا بسكونه وَالْحَرَكَة تفارق السّكُون بذاتها ويفارقها السّكُون بِذَاتِهِ وبالنوعية والغيرية وَالْحَرَكَة إِلَى الشرق تفارق الْحَرَكَة إِلَى الغرب يكون هَذِه إِلَى الشرق وَكَون هَذِه إِلَى الغرب بِذَاتِهِ وبالغيرية فَقَط وَهَكَذَا فِي كل شَيْء فَكل شَيْئَيْنِ وَقعا تَحت نوع وَاحِد مِمَّا يَلِي الْأَشْخَاص فَإِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ بغيرتهما فَإِن كَانَا وَقعا تَحت نَوْعَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ بالغيرية فِي الشَّخْص وبالغيرية فِي النَّوْع أَيْضا والغيرية أَيْضا لَهَا نوع جَامع لجَمِيع أشخاصها الْآن أَن كل ذَلِك وَاقِف عِنْد حد من الْعدَد لَا يزِيد وَلَا بُد ثمَّ نسألهم خبرونا عَن الْمعَانِي الَّتِي تدعونها فِي حَرَكَة وَاحِدَة أَيّمَا أَكثر أَهِي أم الْمعَانِي الَّتِي تدعونها فِي حركتين فَإِن أثبتوا قلَّة وَكَثْرَة تركُوا مَذْهَبهم وأوجبوا النِّهَايَة فِي الْمعَانِي الَّتِي نفوا لنهاية عَنْهَا وَإِن قَالُوا لَا قلَّة وَلَا كَثْرَة هَا هُنَا كابروا وَأتوا بالمحال الناقض أَيْضا لأقوالهم لأَنهم إِذا أوجبوا للحركة معنى أوجبوا للحركتين مَعْنيين وَهَكَذَا أبدا فَوَجَبت الْكَثْرَة والقلة ضَرُورَة لَا محيد عَنْهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَلم يكن لَهُم جَوَاب أصلا إِلَّا أَن بَعضهم قَالَ أخبرونا أَلَيْسَ الله تَعَالَى قَادِرًا على أَن يخلق فِي جسم وَاحِد حركات لَا نِهَايَة لَهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجواب أهل الْإِسْلَام فِي هَذَا السُّؤَال نعم وَأما من عجزر بِهِ فَأَجَابُوا بِلَا فَسقط هَذَا السُّؤَال عَنْهُم وَكَانَ سُقُوط الْإِسْلَام عَنْهُم بِهَذَا الْجَواب أَشد من سُقُوط سُؤال أَصْحَاب معمر قَالَ أَبُو مُحَمَّد فتمادى سُؤَالهمْ لأهل الْحق فَقَالُوا فأخبرونا أَيّمَا أَكثر مَا يقدر الله تَعَالَى عَلَيْهِ من خلق الحركات فِي جسمين أَو مَا يقدر عَلَيْهِ من خلق الحركات فِي جسم وَاحِد فَكَانَ جَوَاب أهل الْحق فِي ذَلِك أَنه لَا يَقع عدد على مَعْدُوم وَلَا يَقع الْعدَد الْأَعْلَى مَوْجُود مَعْدُود وَالَّذِي يقدر الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَلم يَفْعَله فَلَيْسَ هُوَ بعد شَيْئا وَلَا لَهُ عدد وَلَا هُوَ مَعْدُود وَلَا نِهَايَة لقدرة الله تَعَالَى وَأما مَا يقدر عَلَيْهِ تَعَالَى وَلم يَفْعَله فَلَا يُقَال فِيهِ أَن لَهُ نِهَايَة وَلَا أَنه لَا نِهَايَة لَهُ وَأما كل مَا خلق الله تَعَالَى فَلهُ نِهَايَة بعد وَكَذَا كل مَا يخلق فَإِذا خلقه حدثت لَهُ نِهَايَة حِينَئِذٍ لَا قبل ذَلِك وَأما الْمعَانِي الَّتِي تدعونها فَإِنَّكُم تدعون أَنَّهَا مَوْجُودَة قَائِمَة فَوَجَبَ أَن يكون لَهَا نِهَايَة فَإِن نفيتم النِّهَايَة عَنْهَا لحقتم بِأَهْل الدَّهْر وكلمناكم بِمَا كلمناهم بِهِ مِمَّا قد ذكرنَا قبل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق ثمَّ لَو تثبت لكم هَذِه الْعبارَة من قَول الْقَائِل أَن مَا يقدر الله تَعَالَى عَلَيْهِ لَا نِهَايَة لعدده وَهَذَا لَا يَصح بل الْحق فِي هَذَا أَن نقُول أَن الله تَعَالَى قَادر على أَن يخلق مَالا نِهَايَة لَهُ فِي وَقت ذِي نِهَايَة وَمَكَان ذِي نِهَايَة وَلَو شَاءَ أَن يخلق ذَلِك فِي وَقت غير ذِي نِهَايَة وَمَكَان غير ذِي نِهَايَة لَكَانَ قَادِرًا على كل ذَلِك لما وَجب من ذَلِك إِثْبَات مَا ادعيتم من وجود معَان فِي وَقت وَاحِد لَا نِهَايَة لَهَا إِذْ لَيْسَ هَا هُنَا عقل يُوجب ذَلِك وَلَا خبر يُوجب ذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ قِيَاس مِنْكُم إِذْ قُلْتُمْ لما كَانَ قَادِرًا على أَن يخلق مَالا نِهَايَة لَهُ قُلْنَا أَنه قد خلق مَالا نِهَايَة لَهُ فَهَذَا قِيَاس وَالْقِيَاس كُله بَاطِل ثمَّ لَو كَانَ الْقيَاس حَقًا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلا لِأَنَّهُ بزعمكم

стр. 648

قِيَاس مَوْجُود على ومعدوم قِيَاس وتشبيه لما قد خلقه بزعمكم على مَا لم يخلقه وَهَذَا فِي غَايَة الْفساد وَلَا فرق بَيْنكُم فِي هَذَا الْقيَاس الْفَاسِد وَبَين من يَقُول أَن فِي بلد كَذَا قوما مَا يشمون من عيونهم ويسمعون من أنوفهم ويذوقون من آذانهم ويبصرون من ألسنتهم فَإِذا كذب فِي ذَلِك وَسُئِلَ برهاناً على دَعْوَاهُ قَالَ أتفرون إِن الله قَادر على خلق ذَلِك فَقُلْنَا لَهُ نعم قَالَ فَهَذَا دَلِيل على صِحَة دعواي بل أَنْتُم أَسْوَأ حَالا لِأَن هَذَا أخبر عَن متوهم لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون فَأنْتم تخبرون عَن غير متوهم فِي النَّفس وَلَا متشكل فِي الْعقل وَهُوَ إقراركم بِوُجُود معَان لَا نِهَايَة لعددها فِي وَقت وَاحِد قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَبَطل هَذَا القَوْل الْفَاسِد وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَكَانَ يَكْفِي من بُطْلَانهَا أَنَّهَا دَعْوَى لَا برهَان على صِحَّتهَا وَهِي دَعْوَى فَاسِدَة غير مُمكنَة بل هِيَ محَال لَا يتَوَهَّم وَلَا وَلَا يتشكل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي الْأَحْوَال مَعَ الأشعرية وَمن وافقهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما الْأَحْوَال الَّتِي ادعتها الأشعرية فَإِنَّهُم قَالُوا إِن هَا هُنَا أحوالاً لَيست حَقًا وَلَا بَاطِلا وَلَا هِيَ مخلوقة وَلَا غير مخلوقة وَلَا هِيَ مَوْجُودَة وَلَا مَعْدُومَة وَلَا هِيَ مَعْلُومَة وَلَا هِيَ مَجْهُولَة وَلَا هِيَ أَشْيَاء وَلَا هِيَ لَا أَشْيَاء وَقَالُوا من هَذَا علم الْعَالم بِأَن لَهُ علما ووجوده لوُجُوده مَا يجده قَالُوا فَإِن قُلْتُمْ أَن لكم علما بِأَن لكم علما بالباري تَعَالَى وَبِمَا تعلمونه وَأَن لكم وجودا لوجودكم مَا تجدونه سألناكم ألكم علم بعلمكم بِأَن لكم علما وَهل لكم وجود لوجودكم ووجودكم مَا تجدونه فَإِن أقررتم بذلك لزمكم أَن تسلسلوا هَذَا أبدا إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ ودخلتم فِي قَول أَصْحَاب معمر والدهرية وَإِن منعتم من ذَلِك سئلتم عَن صِحَة الدَّلِيل على صِحَة منعكم مَا منعتم من ذَلِك وَصِحَّة إيجابكم مَا أوجبتم من ذَلِك وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي قدم الْقَدِيم وحدوث الْمُحدث وَبَقَاء الْبَاقِي وفناء الفاني وَظُهُور الظَّاهِر وخفاء الخافي وَقصد القاصد وَنِيَّة الناوي وزمان الزَّمَان وَمَا أشبه ذَلِك وَقَالُوا لَو كَانَ للْبَاقِي بَقَاء ولبقاء الْبَاقِي بَقَاء وَهَكَذَا أبدا إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ قَالُوا فَهَذَا يُوجب وجود أَشْيَاء لَا نِهَايَة لَهَا وَهَذَا محَال وَهَكَذَا قَالُوا فِي قدم الْقَدِيم وَقدم قدمه وَقدم قدم قدمه إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَفِي حُدُوث أحد حُدُوث حُدُوثه وحدوث حُدُوث حُدُوثه إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَهَكَذَا قَالُوا فِي زمَان الزَّمَان وزمان زمَان الزَّمَان إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَفِي فنَاء الفاني فنَاء فنَاء فنائه مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَكَذَلِكَ ظُهُور الظَّاهِر وَظُهُور ظُهُوره وَظُهُور ظُهُور ظُهُوره إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَكَذَلِكَ الْقَصْد وَالْقَصْد إِلَى الْقَصْد وَالْقَصْد إِلَى الْقَصْد إِلَى الْقَصْد وَهَكَذَا إِلَى مَا لَا نِهَايَة وَكَذَلِكَ النِّيَّة وَالنِّيَّة للنِّيَّة وَالنِّيَّة للنِّيَّة إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَكَذَلِكَ تَحْقِيق الْحق وَتَحْقِيق تَحْقِيق الْحق إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد أفكار السوء إِذا ظن صَاحبهَا أَنه يدفق فِيهَا فَهِيَ أضرّ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا تحرجه إِلَى التَّخْلِيط الَّذِي ينسبونه إِلَى السوفسطائية وَإِلَى الهذيان الْمَحْض وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْكَلَام فِي هَذَا أبين من أَن يشكل على عَامي فَكيف على فهم ١ فَكيف على عَالم وَالْحَمْد لله نَحن نتكلم على هَذَا إِن شَاءَ الله كلَاما ظَاهرا لائحاً لَا يخفى على ذِي حس سليم وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أما الْقدَم فَإِنَّهُ من صِفَات الزَّمن وَمن فِيهِ تَقول ملك أقدم من ملك وزمان أقدم من زمَان وَشَيخ أقدم من شيخ أَي أَنه مُتَقَدم بِزَمَانِهِ عَلَيْهِ وَالزَّمَان مُتَقَدم بِذَاتِهِ على الزَّمَان لَيْسَ فِي الْعَالم قدم قديم الْأَزْمَان هَذَا هُوَ حكم اللُّغَة الَّتِي لَا يُوجد فِيهَا غَيره أصلا فالقدم هُوَ التَّقَدُّم والتقدم مُتَقَدم على غَيره بِنَفسِهِ فَقَط لِأَن الْقدَم مَوْجُود مَعْلُوم وَهِي صفة الْمُتَقَدّم فَلَا يجوز إِنْكَاره وَأما قدم الْقدَم فَبَاطِل لِأَنَّهُ لم يَأْتِ بِهِ نَص وَلَا قَامَ بِوُجُودِهِ دَلِيلا وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وَأما وجود الْمَوْجُود فبضرورة الْحس أَن الْمَوْجُود حق وَأَنه يَقْتَضِي وَاجِد وَأَن الوجد يَقْتَضِي وجودا لما وجد هُوَ فعل الْوَاجِد وَصفته

стр. 649

فَهُوَ حق لما ذكرنَا وَوُجُود الْوَاجِد بِذَاتِهِ لَا بِوُجُود هُوَ غَيره لِأَن وجود الْوُجُود لم يَأْتِ بِهِ نَص وَلَا برهَان وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وَأما الْبَارِي فَإِنَّهُ يجد نَفسه وَيعلمهَا ويجد مَا دونه ويعلمه بِذَاتِهِ لَا بِوُجُود هُوَ غَيره وَلَا بِعلم هُوَ غَيره فَقَط وَكَذَلِكَ الْعَالم منا يَقْتَضِي علما وَلَا بُد هُوَ فعل الْعَالم وَصفته المحمولة فِيهِ عرضا بِيَقِين وَيزِيد وَيذْهب وَيثبت أطواراً هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ والعالم منا يعلم أَنه يحمل علما بِعِلْمِهِ ذَلِك لَا بِعلم هُوَ غير علمه لِأَن الْعلم بِالْعلمِ لم يُوجب وجوده نَص وَلَا برهَان وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وَكَذَلِكَ الْبَاقِي مثله بِلَا شكّ والبقاء هُوَ اتِّصَال وجوده مُدَّة بعد مُدَّة وَهَذَا معنى صَحِيح لَا يجوزان يُنكره عَاقل فإمَّا بَقَاء الْبَقَاء فَلم يَأْتِ بِإِيجَاب وجود نَص ولاقام بِهِ برهَان وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وَلَا يجوز أَن يُوصف لله تَعَالَى بِبَقَاء الْبَقَاء وَلَا أَنه ١ بَاقٍ كَمَا لَا يُوصف بالخلد وَلَا بِأَنَّهُ خَالِد وَلَا بالدوام وَلَا بِأَنَّهُ دَائِم وَلَا بالثبات وَلَا بِأَنَّهُ ثَابت وَلَا بطول الْعُمر وَلَا بطول الْمدَّة لِأَن الله لم يسم نَفسه بِشَيْء من ذَلِك لَا فِي الْقُرْآن وَلَا على لِسَان رَسُول الله ﷺ وَلَا قَالَه قطّ أحد من الصَّحَابَة ﵃ وَلَا قَامَ بِهِ برهَان بل الْبُرْهَان قَامَ بِبُطْلَان ذَلِك لِأَن كل مَا ذكرنَا من صِفَات المخلوقين وَلَا يجوز أَن يُوصف الله تَعَالَى بِشَيْء من صِفَات المخلوقين إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بِأَن يُسَمِّي باسم مَا فَيُوقف عِنْده وَلِأَن كل مَا ذكرنَا أَعْرَاض فِيمَا هُوَ فِيهِ وَالله تَعَالَى لَا يحمل الْأَعْرَاض وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا فِي زمَان وَلَا يمر عَلَيْهِ زمَان وَلَا هُوَ متحرك وَلَا سَاكن لَكِن يُقَال لم يزل الله تَعَالَى وَلَا يزَال وَأما الفناء فَإِنَّهُ مُدَّة للعدم تعدها أَجزَاء الحركات والسكون وَلَا يجوز أَن تكون للمدة مُدَّة لَكِنَّهَا مُدَّة فِي نَفسهَا ولنفسها فَالْقَوْل بِالزَّمَانِ حق لِأَنَّهُ محسوس مَعْلُوم وَأما القَوْل بِزَمَان الزَّمَان فَهُوَ شَيْء لم يَأْتِ بِهِ نَص وَلَا قَامَ بِصِحَّتِهِ برهَان وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وَأما ظُهُور الظَّاهِر فَهُوَ مُتَيَقن مَعْلُوم والظهور صفة الظَّاهِر وَفعله تَقول ظهر يظْهر ظهوراً والظهور مَعْلُوم ظَاهر بِنَفسِهِ وَلَا يجوز أَن يُقَال أَن للظهور ظهوراً لِأَنَّهُ لم يَأْتِ بِهِ نَص وَلَا قَامَ بِصِحَّتِهِ برهَان وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وَأما خَفَاء الخافي فَهُوَ عدم ظُهُوره والعدم لَيْسَ شَيْئا كَمَا قدمنَا وَأما الْقَصْد إِلَى الشَّيْء وَالنِّيَّة لَهُ فَإِنَّمَا هما فعل القاصد والناوي وإرادتهما الشَّيْء وَالْقَوْل بهما وَاجِب لِأَنَّهُمَا موجودان بِالضَّرُورَةِ يجدهما كل وَاحِد من نَفسه وبعلمهما من غَيره علما ضَرُورِيًّا وَأما الْقَصْد إِلَى الْقَصْد وَالنِّيَّة للنِّيَّة فَبَاطِل لِأَنَّهُ لم يَأْتِ بِهِ نَص وَلَا أوجبهما دَلِيل وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وَالْقَوْل بِهِ لَا يجوز فَهَذَا وَجه الْبَيَان فِيمَا خَفِي عَلَيْهِم حَتَّى أَتَوا فِيهِ بِهَذَا التَّخْلِيط وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد ثمَّ نقُول لَهُم أخبرونا إِذا قُلْتُمْ هَذِه أَحْوَال أَهِي معَان ومسميات مضبوطة محدودة متميز بَعْضهَا من بعض أم لَيست مَعَاني أصلا وَلَا لَهَا مسميات وَلَا هِيَ مضبوطة وَلَا محدودة متميز بَعْضهَا من بعض فَإِن قَالُوا لَيست مَعَاني وَلَا محدودة وَلَا مضبوطة وَلَا متميزا بَعْضهَا من بعض وَلَا لتِلْك الْأَسْمَاء مسميات أصلا قيل لَهُم فَهَذَا هُوَ معنى الْعَدَم حَقًا فَلم قُلْتُمْ أَنَّهَا لَيست مَعْدُومَة ثمَّ لم سميتموها أحوالاً وَهِي مَعْدُومَة وَلَا تكون التَّسْمِيَة إِلَّا شَرْعِيَّة أَو لغوية وتسميتكم هَذِه الْمعَانِي أحوالاً لَيست تَسْمِيَة شَرْعِيَّة وَلَا لغوية وَلَا مصطلحاً عَلَيْهَا لبَيَان مَا يَقع عَلَيْهِ فَهِيَ بَاطِل مَحْض بِيَقِين فَإِن قَالُوا هِيَ معَان مضبوطة وَلها مسميات محدودة متميزة بَعْضهَا من بعض قيل لَهُم هَذِه صفة الْمَوْجُود وَلَا بُد فَلم قُلْتُمْ أَنَّهَا لَيست مَوْجُودَة وَهَذَا مَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال لَهُم أَيْضا هَذِه الْأَحْوَال الَّتِي تَقولُونَ أمعقولة هِيَ أم غير معقولة فَإِن قَالُوا هِيَ معقولة كَانُوا قد أثبتوا لَهَا مَعَاني وحقائق من أجلهَا عقلت فَهِيَ مَوْجُودَة وَلَا بُد والعدم لَيْسَ معقولاً لكنه لَا معنى لهَذِهِ اللَّفْظَة أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَيُقَال لَهُم أَيْضا هَل الْأَحْوَال فِي اللُّغَة

стр. 650

وَفِي الْمَعْقُول إِلَّا صِفَات لذِي حَال وَهل الْحَال فِي اللُّغَة إِلَّا بِمَعْنى التَّحَوُّل من صفة إِلَى أُخْرَى يُقَال هَذَا حَال فلَان الْيَوْم وَكَيف كَانَت حالك بالْأَمْس وَكَيف يكون الْحَال غَدا فَإِذا الْأَمر هَكَذَا وَلَا بُد فَهَذِهِ الْأَحْوَال مَوْجُودَة حق مخلوقة وَلَا بُد فَظهر فَسَاد قَوْلهم وَأَنه من أسخف الهذيان والمحال الْمُمْتَنع الَّذِي لَا يرضى بِهِ عَاقل وَيُقَال لَهُم أَيْضا قبل كل شَيْء وَبعده فَمن أَيْن سميتم هَذَا الِاسْم يَعْنِي الْأَحْوَال وَمن أَيْن قُلْتُمْ لَا هِيَ مَعْلُومَة وَلَا هِيَ مَجْهُولَة وَلَا حق وَلَا بَاطِل وَلَا مخلوقة وَلَا غير مخلوقة وَلَا مَعْدُومَة وَلَا مَوْجُودَة وَلَا هِيَ أَشْيَاء وَلَا غير أَشْيَاء أَي دَلِيل حداكم على هَذَا الحكم أقرآن أم سنة أم إِجْمَاع أم قَول مُتَقَدم أَو لُغَة أم ضَرُورَة عقل أم دَلِيل إقناعي أم قِيَاس فهاتوه وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ فَلم يبْق إِلَّا الهذر والهوس وَقلة المبالاة بِمَا يَكْتُبهُ الْملكَانِ وَيسْأل عَنهُ رب الْعَالمين والتهاون باستخفاف أهل الْعُقُول لمن قَالَ بِهَذَا الْجُنُون وَلَا مزِيد ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَمَا يَنْبَغِي لَهُم بعد هَذَا إِن ينكروا على من أَتَى بِمَا لَا يعقل ككون الْجِسْم فِي مكانين والجسمين فِي مَكَان وَاحِد وَكَون شَيْء قَائِما قَاعِدا وَكَون أَشْيَاء غير متناهية فِي وَقت وَاحِد فَإِن قَالُوا هَذَا كفر قيل لَهُم بل الْكفْر مَا جئْتُمْ بِهِ لِأَنَّهُ إبِْطَال الْحَقَائِق كلهَا وَالْعجب كل الْعجب أَنهم لَا يجوزون قدرَة الله تَعَالَى على مَا هُوَ محَال عِنْدهم وَقد أَتَوا فِي هَذَا الْفَصْل بِعَين الْمحَال ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَكَلَامهم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كَلَام مَا سمع بأسخف مِنْهُ وَلَا قَول السوفسطائية وَلَا قَول النَّصَارَى وَلَا قَول الغالية على أَن هَذِه الْفرق أَحمَق الْفرق أقوالاً أما السوفسطائية فَإِنَّهُم قطعُوا على أَن الْأَشْيَاء بَاطِل لَا حق أَو أَنَّهَا حق عِنْد من هِيَ عِنْده حق وباطل عِنْد من هِيَ عِنْده بَاطِل وَأما النَّصَارَى والغالية فَإِن كَانَت هَاتَانِ الفرقتان قد أتتا بالعظائم فَإِنَّهُم قطعُوا بِأَنَّهَا حق وَأما هَؤُلَاءِ المخاذيل فَإِنَّهُم أَتَوا بقول حققوه وأبطلوه وَلم يحققوه وَلَا أبطلوه كل ذَلِك مَعًا فِي وَقت وَاحِد من وَجه وَاحِد وَهَذَا لَا يَأْتِي بِهِ إِلَّا مبرسم ١ أَو مَجْنُون أَو ماجن يُرِيد أَن يضْحك من مَعَه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنحن نتكلف بَيَان هَذَا التَّخْلِيط الَّتِي أَتَوْ بِهِ وَإِن كَانَ مكتفياً بِسَمَاعِهِ وَلَكِن التزيد من إبِْطَال الْبَاطِل مَا أمكن حسن فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن قَوْلهم لَا هِيَ حق وَلَا هِيَ بَاطِل فَإِن كل ذِي حس سليم يدْرِي أَن كل مَا لم يكن حَقًا فَهُوَ بَاطِل وَمَا لم يكن بَاطِلا فَهُوَ حق هَذَا لَا يعقل غَيره فَكيف وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ليحق الْحق وَيبْطل الْبَاطِل﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَخلق كل شَيْء فقدره﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قد وجدنَا مَا وعدنا رَبنَا حَقًا﴾ وَقَالَ ﴿فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَؤُلَاء قوم ينتمون إِلَى الْإِسْلَام ويصدقون الْقُرْآن وَلَوْلَا ذَلِك مَا احتججنا عَلَيْهِم فقد قطع الله تَعَالَى أَنه لَيْسَ إِلَّا حق أَو بَاطِل وَلَيْسَ إِلَّا علم أَو جهل وَهُوَ عدم الْعلم وَلَيْسَ إِلَّا وجود أَو عدم وَلَيْسَ إِلَّا شَيْء مَخْلُوق أَو الْخَالِق أَو لَفْظَة الْعَدَم الَّتِي لَا تقع على شَيْء وَلَا على مَخْلُوق فقد أكذبهم الله فِي دَعوَاهُم وَلَا يشك ذُو حس سليم أَن مَا لم يكن بَاطِلا فَهُوَ حق وَمَا لم يكن حَقًا فَهُوَ بَاطِل وَمَا لم يكن مَعْلُوما فَهُوَ مَجْهُول وَمَا لم يكن مَجْهُولا فَهُوَ مَعْلُوم وَمَا لم يكن شَيْئا فَهُوَ لَا شَيْء وَمَا لم يكن لَا شَيْء فَهُوَ شَيْء وَمَا لم يكن مَوْجُودا فَهُوَ مَعْدُوم وَمَا لم يكن مَعْدُوما فَهُوَ مَوْجُود وَمَا لم يكن مخلوقاً فَهُوَ غير مَخْلُوق وَمَا لم يكن غير مَخْلُوق فَهُوَ مَخْلُوق هَذَا كُله مَعْلُوم ضَرُورَة وَلَا يعقل غَيره فَإذْ هَذَا كَذَلِك وَلَا فرق بَين مَا قَالُوهُ فِي هَذِه الْقَضِيَّة وَبَين القَوْل اللَّازِم لَهُم ضَرُورَة وَهُوَ أَن تِلْكَ الْأَحْوَال مَعْدُومَة مَوْجُودَة مَعًا حق بَاطِل مَعًا مَعْلُومَة مَجْهُولَة مَعًا مخلوقة غير مخلوقة مَعًا شَيْء لَا شَيْء مَعًا وَهَذَا هُوَ نفس قَوْلهم وَمُقْتَضَاهُ لأَنهم إِذْ قَالُوا لَيست حَقًا

стр. 651

فقد أوجبوا أَنَّهَا بَاطِل وَإِذ قَالُوا وَلَا هِيَ بَاطِل فقد أوجبوا أَنَّهَا حق وَهَكَذَا فِي سَائِر مَا قَالُوهُ فَأُعْجِبُوا الْعُقُول وسع هَذَا فِيهَا وسخموا بِهِ ورقهم وَعجب آخر وَهُوَ قَوْلهم إِن هَا هُنَا أحوالا وَلَفْظَة هَا هُنَا مَعْنَاهَا الْإِثْبَات بِلَا شكّ فَهِيَ مَوْجُودَة ثَابِتَة بِلَا شكّ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلم يخلصوا من هَذَا من قَول معمر فِي وجوب وجود أَشْيَاء لَا نِهَايَة لَهَا أَو أَن يصيروا إِلَى قَوْلنَا فِي إبِْطَال هَذِه الَّتِي يسمونها أحوالاً وإعدامها جملَة وَمَا نعلم هوساً إِلَّا وَقد انتظمته هَذِه الْمقَالة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَمَسْأَلَة أُخْرَى قَالَت الأشعرية لَيْسَ فِي الْعَالم شَيْء لَهُ بعض أصلا وَلَا شَيْء لَهُ نصف وَلَا ثلث وَلَا ربع وَلَا خمس وَلَا سدس وَلَا سبع وَلَا ثمن وَلَا تسع وَلَا عشر وَلَا جُزْء أصلا وَاحْتَجُّوا فِي هَذَا بِأَن قَالُوا يلْزم من قَالَ أَن الْوَاحِد عشر الْعشْرَة وجزء من الْعشْرَة وَبَعض الْعشْرَة أَن يَقُول وَلَا بُد أَن الْوَاحِد عشر من نَفسه وجزء من نَفسه وَبَعض نَفسه وَأَنه جُزْء لغيره عشر لغيره لِأَن الْعشْرَة تِسْعَة وَوَاحِد فَلَو كَانَ الْوَاحِد عشر الْعشْرَة وبعضاً للعشرة وجزأ للعشرة لَكَانَ عشرا لنَفسِهِ وللتسعة الَّتِي هِيَ غَيره ولكان جزأ بَعْضًا لنَفسِهِ وللتسعة الَّتِي هِيَ غَيره قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا خبط شَدِيد أول ذَلِك أَنه رد على الله تَعَالَى مُجَرّد وَتَكْذيب لِلْقُرْآنِ وَخلاف اللُّغَة بل لجَمِيع اللُّغَات ومكابرة للعقول وللحواس قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا خلا بَعضهم إِلَى بعض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يوحي بَعضهم إِلَى بعض زخرف القَوْل غرُورًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فلأمه الثُّلُث﴾ ﴿فلامه السُّدس﴾ ﴿فلهَا النّصْف﴾ ﴿ولهن الرّبع﴾ ﴿فَلَهُنَّ الثّمن﴾ فقد كذبُوا الْقُرْآن نصا ثمَّ هَذَا مَوْجُود فِي كل طبيعة وَفِي كل لُغَة ومحسوس بالحواس ثمَّ يُقَال لَهُم لَا فرق بَيْنكُم وَبَين من صحّح وَلم يُنكر كَون الشَّيْء بعض نَفسه وَبَعض غَيره وجزأ لنَفسِهِ وجزأ لغيره وَعشر نَفسه وَعشر غَيره وَاحْتج فِي تَصْحِيح ذَلِك بِالْحجَّةِ الَّتِي رمتم بهَا إبِْطَال ذَلِك وَلَا مزِيد وكلاكما متسكع ١ فِي ظلمَة الْخَطَأ ثمَّ نقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَيْسَ الْأَمر كَمَا ظننتم بل الْأَسْمَاء مَوْضُوعَة للتفاهم ولتمييز بعض المسميات من بعض فالعشرة اسْم للعشرة أَفْرَاد مجتمعات فِي الْعدَد كَذَلِك لتسعة وَوَاحِد ولثمانية واثنين ولسبعة وَثَلَاثَة ولستة وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة وَخَمْسَة قَالَ تَعَالَى ﴿ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رجعتم تِلْكَ عشرَة كَامِلَة﴾ وَهَكَذَا جَمِيع الْأَعْدَاد لَا يُنكر ذَلِك إِلَّا مخذول مُنكر للمشاهدة فبالضرورة نَدْرِي أَن كل جُزْء من تِلْكَ الْجُمْلَة فَهُوَ بعض لَهَا وَعشر لَهَا وَقسم مِنْهَا لنسبة مَا وَلَا يُقَال هُوَ جُزْء لنَفسِهِ وَلَا جُزْء لغيره وَلَا أَنه بعض لنَفسِهِ وَلَا أَنه بعض لغيره وَلَا عشر لنَفسِهِ وَلَا عشر لغيره وَمثل هَذَا البلق الَّذِي هُوَ اسْم لِاجْتِمَاع السوَاد وَالْبَيَاض مَعًا فالبياض البلق والسواد بعد البلق وَلَيْسَ الْبيَاض جزأ لنَفسِهِ وللسواد وَلَا بَعْضًا لنَفسِهِ وللسواد وكل وَاحِد مِنْهُمَا جُزْء للباق وَكَذَلِكَ الْإِنْسَان اسْم للجملة المجتمعة من أَعْضَائِهِ وَلَا شكّ فِي أَن الْعين بعض الْإِنْسَان وجزء من الْإِنْسَان وَلَا يحْتَمل أَن يُقَال الْعين بعض نَفسهَا وَبَعض الْأذن وَالْيَد وَلَا أَن يُقَال الْأذن جُزْء لنَفسهَا وللعين وَالْأنف وَهَكَذَا فِي سَائِر الْأَعْضَاء فعلى قَول هَؤُلَاءِ النوكى ٢ يلْزمهُم أَن لَا تكون الْعين بعض الْإِنْسَان وَأَن يَقُولُوا أَن الْعين بعض نَفسهَا وَبَعض الْأذن وَمن أبطل الأبعاض والأجزاء فقد أبطل الْجمل لِأَن الْجمل لَيست شَيْئا الْبَتَّةَ غير أبعاضها وَمن أبطل الْجمل فقد أبطل الْكل والجزء وأبطل الْعَالم بِكُل مَا فِيهِ وَإِذا بَطل الْعَالم بَطل الدّين وَالْعقل وَهَذِه حَقِيقَة السفسطة وَمَا نعلم فِي الْأَقْوَال أَحمَق من هَذِه المسالة وَمن الَّتِي قبلهَا نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان

стр. 652

الْكَلَام فِي خلق الله للْعَالم فِي كل وَقت وزيادته فِي كل دقيقة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَذكر عَن النظام أَنه قَالَ إِن الله تَعَالَى مَا يخلق كل مَا خلق فِي وَقت وَاحِد دون أَن يعدمه وَأنكر عَلَيْهِ القَوْل بعض أهل الْكَلَام قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَول النظام هَا هُنَا صَحِيح لأننا إِذا أثبتنا أَن خلق الشَّيْء نَفسه فخلق الله تَعَالَى قَائِم فِي كل مَوْجُود أبدا مَا دَامَ ذَلِك الْمَوْجُود مَوْجُودا وَأَيْضًا فَإنَّا نسألهم مَا معنى قَوْلكُم خلق الله تَعَالَى أَمر كَذَا فجوابهم أَن معنى خلقه أَنه تَعَالَى أخرجه من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود فَنَقُول لَهُم أَلَيْسَ معنى هَذَا القَوْل مِنْكُم أَنه أوجده وَلم يكن مَوْجُودا فَلَا بُد من قَوْلهم نعم فَنَقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فالخلق هُوَ الإيجاد عنْدكُمْ بِلَا شكّ فأخبرونا أَلَيْسَ الله تَعَالَى موجداً لكل مَوْجُود أبدا مُدَّة وجوده فَإِن أَنْكَرُوا ذَلِك أحالوا وأوجبوا أَن الْأَشْيَاء مَوْجُودَة وَلَيْسَ الله تَعَالَى موجداً لَهَا الْآن وَهَذَا تنَاقض وَإِن قَالُوا نعم فَإِن الله تَعَالَى موجد لكل مَوْجُود أبدا مَا دَامَ مَوْجُودا قُلْنَا لَهُم هَذَا هُوَ الَّذِي أنكرتم بِعَيْنِه قد أقررتم بِهِ لِأَن الإيجاد هُوَ الْخلق نَفسه وَالله تَعَالَى موجد لكل مَا يُوجد فِي كل وَقت أبدا وَإِن لم يفنه قبل ذَلِك وَالله تَعَالَى خَالق لكل مَخْلُوق فِي كل وَقت وَإِن لم يفنه قبل ذَلِك وَهَذَا مَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وبرهان آخر وَهُوَ قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم ثمَّ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم﴾ وَصَحَّ الْبُرْهَان بِأَن الله تَعَالَى خلق التُّرَاب وَالْمَاء الَّذِي يتغذى آدم وَبَنوهُ بِمَا اسْتَحَالَ عَنْهُمَا وَصَارَت فِيهِ دِمَاء وأحاله الله تَعَالَى منياً فَثَبت بِهَذَا يَقِينا أَن جَمِيع أجساد الْحَيَوَان والنوامى كلهَا مُتَفَرِّقَة ثمَّ جمعهَا الله تَعَالَى فَقَامَ مِنْهَا الْحَيَوَان والنوامى وَقَالَ ﴿ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿خلقا من بعد خلق﴾ فصح أَن فِي كل حِين يحِيل الله تَعَالَى أَحْوَال مخلوقاته فَهُوَ خلق جَدِيد وَالله تَعَالَى يخلق فِي كل حِين جَمِيع الْعَالم خلقا مستأنفاً دون أَن يفنيه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي الْحَرَكَة والسكون قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهبت طَائِفَة إِلَى أَنه لَا حَرَكَة فِي الْعَالم وَإِن كل ذَلِك سُكُون وَاحْتَجُّوا بِأَن قَالُوا وجدنَا الشَّيْء سَاكِنا فِي الْمَكَان الأول سَاكِنا فِي الْمَكَان الثَّانِي وَهَكَذَا أبدا فعلنَا أَن كل ذَلِك سُكُون وَهَذَا قَول مَنْسُوب إِلَى معمر بن عَمْرو الْعَطَّار مولى بني سليم أحد رُؤَسَاء الْمُعْتَزلَة وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن لَا سُكُون أصلا وَإِنَّمَا هِيَ حَرَكَة اعْتِمَاد وَهَذَا قَول ينْسب إِلَى إِبْرَاهِيم بن سيار النظام وَاحْتج غير النظام من أهل هَذِه الْمقَالة بِأَن قَالُوا السّكُون إِنَّمَا هُوَ عدم الْحَرَكَة والعدم لَيْسَ شَيْئا وَقَالَ بَعضهم هُوَ ترك الْحَرَكَة وَترك الْفِعْل لَيْسَ فعلا وَلَا هُوَ معنى وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى إبِْطَال الْحَرَكَة والسكون مَعًا وَقَالُوا إِنَّمَا يُوجد متحرك وَسَاكن فَقَط وَهُوَ قَول أبي بكر بن كيسَان الْأَصَم وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن الْجِسْم فِي أول خلق الله تَعَالَى لَيْسَ سَاكِنا وَلَا متحركاً وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى إِثْبَات الْحَرَكَة والسكون إِلَّا أَنَّهَا قَالَت أَن الحركات أجسام وَهُوَ قَول هِشَام بن الحكم شيخ الإمامية وجهم بن صَفْوَان السَّمرقَنْدِي وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى إِثْبَات الْحَرَكَة والسكون وَأَن كل ذَلِك أَعْرَاض وَهَذَا هُوَ الْحق فَأَما من قَالَ بِنَفْي الْحَرَكَة وَأَن كل ذَلِك سُكُون فَقَوْلهم يبطل بأننا قد علمنَا بِأَن السّكُون إِنَّمَا هُوَ إِقَامَة فِي الْمَكَان وَأَن الْحَرَكَة نقلة عَن ذَلِك الْمَكَان وَزَوَال عَنهُ وَلَا شكّ فِي أَن الزَّوَال عَن الشَّيْء هُوَ غير الْإِقَامَة فِيهِ فَإذْ الْأَمر كَذَلِك فَوَاجِب أَن يكون لهذين الْمَعْنيين المتغايرين لكل وَاحِد مِنْهُمَا اسْم غير اسْم الآخر كَمَا هما متغايران فاتفق فِي اللُّغَة أَن يُسمى أَحدهمَا حَرَكَة وَيُسمى الآخر سكوناً وَأما قَوْلهم أَن كل حَرَكَة فَهِيَ سُكُون فِي الْمَكَان الثَّانِي فَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن السّكُون إِقَامَة لَا نقلة فِيهَا فَإِذا وجدت نقلة مُتَّصِلَة لَا إِقَامَة فِيهَا فَهِيَ غير الْإِقَامَة الَّتِي لَا نقلة فِيهَا وَنَوع آخر لَهُ أَيْضا أشخاص غير أشخاص

стр. 653

النَّوْع الآخر وبيقين نَدْرِي أَن الشَّيْء المتحرك من مَكَان إِلَى مَكَان فَإِنَّهُ وَإِن جَاوز كل مَكَان يمر عَلَيْهِ فَإِنَّهُ غير وَاقِف وَلَا مُقيم هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ يعرف ذَلِك بضرورة الْحس فصح أَن الْحَرَكَة معنى وَأَن السّكُون معنى آخر وَأما من قَالَ أَن السّكُون حَرَكَة اعْتِمَاد فاحتجاج لَا يعقل فَلَا وَجه للاشتغال بِهِ وَأما حجَّة من احْتج بِأَن السّكُون عدم الْحَرَكَة والعدم لَيْسَ شَيْئا فَلَيْسَ كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ عقب الْحَرَكَة إِقَامَة مَوْجُودَة ظَاهِرَة فَهِيَ وَإِن كَانَ مَعهَا بوجودها عدمت الْحَرَكَة فَلَيْسَتْ هِيَ عدماً كَمَا أَن الْقيام معنى صَحِيح مَوْجُود وَإِن كَانَ قد عدمت مَعَه سَائِر الحركات والأعمال من الْقعُود والاتكاء والاضطجاع وَيُقَال لَهُم مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من قَالَ بل الْحَرَكَة لَيست معنى لِأَنَّهَا عدم السّكُون فَهَذَا مَالا انفكاك عَنهُ وَكَذَلِكَ من قَالَ أَيْضا أَن الْمَرَض لَيْسَ معنى لِأَنَّهُ عدم الصِّحَّة وَالصِّحَّة لَيست معنى لِأَنَّهَا عدم الْمَرَض وَمثل هَذَا كثير جدا وَفِي هَذَا إبِْطَال الْحَقَائِق كلهَا وَأما من قَالَ أَن التّرْك لَيْسَ معنى فخطأ لِأَن كل من دون الله تَعَالَى فَإِنَّهُ إِن ترك معنى مَا وفعلاً مَا فعلا بُد لَهُ ضَرُورَة من فعل آخر وَمعنى آخر هَذَا أَمر يُوجد بِالْمُشَاهَدَةِ والحس لَا يُمكن غير ذَلِك فصح أَن ترك من دون الله تَعَالَى لفعل مَا هُوَ أَيْضا فعل صَحِيح بِوُجُودِهِ مِنْهُ سمي تَارِكًا لما ترك ترك وَلَيْسَ الله تَعَالَى كَذَلِك بل لم يزل غير فَاعل وَلم يكن بذلك فَاعِلا للترك لِأَن ترك الْإِنْسَان للْفِعْل كَمَا بَينا عرض مَوْجُود فِيهِ وَهُوَ حَامِل لَهُ وَلَو كَانَ لترك الله تَعَالَى للْفِعْل معنى لَكَانَ قَائِما بِهِ تَعَالَى ومعاذ الله من هَذَا من أَن يكون حَامِلا لعرض فَلَو كَانَ أَيْضا قَائِما بِنَفسِهِ لَكَانَ جوهراً وَالتّرْك لَيْسَ جوهراً وَلَو كَانَ قَائِما بِغَيْرِهِ لَكَانَ تَعَالَى فَاعِلا لَهُ غير تَارِك فصح الْفرق وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما من أبطل الْحَرَكَة والسكون مَعًا فَقَوْل فَاسد أَيْضا لِأَنَّهُ أثبت المتحرك والساكن مَعَ ذَلِك وبيقين يدْرِي كل ذِي حس سليم أَن من تحرّك سكن فَإِن تِلْكَ الْعين المتحركة ثمَّ الساكنة هِيَ عين وَاحِدَة وَذَات وَاحِدَة لم تتبدل ذَاتهَا وَإِنَّمَا تبدل عرضهَا الْمَحْمُول فِيهَا فبالضرورة تَدْرِي أَنه حدث فِيهِ أَوله أَو مِنْهُ معنى من أَجله اسْتحق أَن يُسمى متحركاً وَأَنه حدث فِيهِ أَوله أَو مِنْهُ أَيْضا معنى من أَجله اسْتحق أَن يُسمى سَاكِنا وَلَوْلَا ذَلِك لم يكن بِأَن يُسمى متحركاً أَحَق بِهِ مِنْهُ بِأَن يُسمى سَاكِنا هَذَا أَمر محسوس مشَاهد فَذَلِك الْمَعْنى هُوَ الْحَرَكَة أَو السّكُون فصح وجودهما ضَرُورَة وَلَا فرق بَين من اثْبتْ السَّاكِن والمتحرك وَنفى الْحَرَكَة والسكون وَلَا فرق بَينه وَبَين من أثبت الضَّارِب والقائم والآكل وأبطل الضَّرْب وَالْأكل وَالْقِيَام وَهَذِه سفسطة صَحِيحَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما من قَالَ أَن الْجِسْم فِي أول خلق الله لَهُ لَيْسَ سَاكِنا وَلَا متحركاً فَكَلَام فَاسد أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يتَوَهَّم وَلَا يعقل معنى ثَالِث لَيْسَ حَرَكَة وَلَا سكوناً وَهَذَا لَا يتشكل فِي النَّفس وَلَا يُثبتهُ عقل وَلَا سمع وَأَيْضًا فَلِأَنَّهُ قَول لَا دَلِيل عَلَيْهِ فَهُوَ بَاطِل وَلَا شكّ فِي أَن الله تَعَالَى إِذا خلق الْجِسْم فَإِنَّمَا يخلقه فِي زمَان وَمَكَان فَإِذا لَا شكّ فِي ذَلِك فالجسم فِي أول حُدُوثه سَاكن فِي الْمَكَان الَّذِي خلقه الله تَعَالَى فِيهِ وَلَو طرفَة عين ثمَّ إِمَّا ن يتَّصل سكونه فِيهِ فتطول إِقَامَته فِيهِ وَإِمَّا أَن ينْتَقل عَنهُ فَيكون متحركاً عَنهُ فَإِن قَالَ قَائِل بل هُوَ متحرك لِأَنَّهُ خَارج عَن الْعَدَم إِلَى الْوُجُود قيل لَهُ هَذَا مِنْك تَسْمِيَة فَاسِدَة لِأَن الْحَرَكَة فِي اللُّغَة وَهِي الَّتِي يتَكَلَّم عَلَيْهَا إِنَّمَا هِيَ نقلة من مَكَان إِلَى مَكَان والعدم لَيْسَ مَكَانا وَلم يكن الْمَخْلُوق شَيْئا قبل أَن يخلقه الله تَعَالَى فحال خلعذ هِيَ أول أَحْوَاله الَّتِي لم يكن هُوَ قبلهَا فَكيف أَن يكون لَهُ حَال قبلهَا فَلم ينْتَقل أصلا بل ابتداه الله تَعَالَى الْآن وَأما الْجِسْم الْكُلِّي الَّذِي هُوَ جرم الْعَالم جملَة وَهُوَ الْفلك الْكُلِّي فَكل جُزْء مِنْهُ مُقَدّر مَفْرُوض فَإِن أجزاءه المحيطة بِهِ من أَربع جِهَات والجزء الَّذِي يَلِيهِ فِي جِهَة عمق الْفلك هُوَ مَكَانَهُ وَلَا مَكَان لَهُ فِي الصفحة الَّتِي لَا تلِي الْأَجْزَاء الَّتِي ذكرنَا وَالله تَعَالَى يمسِكهُ بقوته كَمَا يَشَاء وَلَا يلاقيه من صفحته الْعليا شَيْء أصلا وَلَا هُنَالك مَكَان وَلَا زمَان وَلَا خلاء وَلَا ملا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَرَأَيْت لبَعض النوكى مِمَّن ينتمي إِلَى الْكَلَام قولا ظريفاً وَهُوَ أَنه قَالَ إِن الله تَعَالَى إِذْ

стр. 654

خلق الأَرْض خلق جرما عَظِيما يمْسِكهَا لِئَلَّا تتحدر سفلاً فحين خلق ذَلِك الجرم أعدمه وَخلق آخر وَهَكَذَا أبدا بِلَا نِهَايَة لِأَنَّهُ زعم لَو بقاه وَقْتَيْنِ لَا احْتَاجَ إِلَى مسك وَهَكَذَا أبدا إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ كَأَن هَذَا الأنوك لم يسمع قَول الله تَعَالَى ﴿أَن الله يمسك السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا وَلَئِن زالتا إِن أمسكهما من أحد من بعده﴾ فصح أَن الله تَعَالَى يمسك الْكل كَمَا هُوَ دون عمد لَا زِيَادَة وَلَا جرم آخر وَلَو أَن هَؤُلَاءِ المخاذيل إِذْ عدموا الْعلم تمسكوا بِاتِّبَاع الْقُرْآن وَالسُّكُوت عَن الزِّيَادَة وَالْخَبَر عَن الله بِمَا لَا علم لَهُم بِهِ لَكَانَ أسلم لَهُم فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَلَكِن من يضلل الله فَلَا هادي لَهُ ونعوذ بِاللَّه من الضلال أما من قَالَ أَن الحركات أجسام فخطأ لِأَن الْجِسْم فِي اللُّغَة مَوْضُوع للطويل العريض العميق ذِي المساحة وَلَيْسَت الْحَرَكَة كَذَلِك فَلَيْسَتْ جسماً وَلَا يجوز أَن يُوقع عَلَيْهَا اسْم جسم إِذْ لم يَأْتِ ذَلِك فِي اللُّغَة وَلَا فِي الشَّرِيعَة وَلَا أوجبه دَلِيل وأوضح أَنَّهَا لَيست جسماً فَهِيَ بِلَا شكّ عرض وَأما من قَالَ أَن الْحَرَكَة ترى فَقَوْل فَاسد لِأَنَّهُ قد صَحَّ إِن الْبَصَر لَا يَقع فِي هَذَا الْعَالم إِلَّا على لون فِي ملون فَقَط وبيقين نَدْرِي أَن الْحَرَكَة لَا لون لَهَا فَإذْ لَا لون لَهَا فَلَا سَبِيل إِلَى أَن ترى وَإِنَّمَا علمنَا كَون الْحَرَكَة لأننا رَأينَا لون المتحرك فِي مَكَان مَا ثمَّ رَأَيْنَاهُ فِي مَكَان آخر فَعلمنَا أَن ذَلِك الملون قد انْتقل عَن مَكَان إِلَى مَكَان بِلَا شكّ وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الْحَرَكَة أَو بِأَن يحس الْجِسْم قد انْتقل من مَكَان إِلَى مَكَان فيدري حِينَئِذٍ من لامسه وَإِن كَانَ أعمى أَو مطبق الْعَينَيْنِ أَنه تتحرك وبرهان مَا قُلْنَا أَن الْهَوَاء لما لم يكن لَهُ لون لم يره أحد وَإِنَّمَا يعلم تموجه وتحركه بملاقات فَإِنَّهُ منتقل وَهُوَ هبوب الرِّيَاح وَكَذَلِكَ أَيْضا علمنَا حَرَكَة الصَّوْت بإحساسنا الصَّوْت يَأْتِي من مَكَان مَا إِلَى مَكَان مَا وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْحَرَكَة فِي المشموم من الطّيب وَالنَّتن وحركة المذوق فَبَطل قولا من قَالَا أَن الحركات ترى وَصَحَّ أَن الْحَرَكَة لَيست لوناً وَلَا وَلها لون وَلَو كَانَ هَذَا الامكن لآخر أَن يَدعِي أَن الْحَرَكَة أَنه يسمع الْحَرَكَة وَهَذَا خطأ لِأَنَّهُ لَا يسمع إِلَّا الصَّوْت وَلَا مكن لآخر أَن يَدعِي أَن الْحَرَكَة تلمس وَهَذَا خطأ وَإِنَّمَا يلمس المجسة من الخشونة والإملاس أَو غير ذَلِك من المجسات وَالْحق من هَذَا إِنَّمَا هُوَ أَن الْحَرَكَة تعرف وتوجد بتوسط كل مَا ذكرنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد والحركات النقلية المكانية تَنْقَسِم قسمَيْنِ لَا ثَالِث لَهما أما حَرَكَة ضَرُورِيَّة أَو اختيارية فالاختيارية هِيَ فعل النُّفُوس الْحَيَّة من الْمَلَائِكَة وَالْإِنْس وَالْجِنّ وَسَائِر الْحَيَوَان كُله وَهِي الَّتِي تكون إِلَى جِهَات شَتَّى على غير رُتْبَة مَعْلُومَة الْأَوْقَات وَكَذَلِكَ السّكُون الِاخْتِيَارِيّ وَالْحَرَكَة الضرورية تَنْقَسِم قسمَيْنِ لَا ثَالِث لَهما إِمَّا طبيعية وَأما قسرية والاضطرارية هِيَ الْحَرَكَة الكائنة مِمَّن ظَهرت مِنْهُ عَن غير قصد مِنْهُ إِلَيْهَا وَأما الطبيعية فَهِيَ حَرَكَة كل شَيْء غير حَيّ مِمَّا بِنَاء الله عَلَيْهِ كحركة المَاء إِلَى وسط المركز وحركة الأَرْض كَذَلِك وحركة الْهَوَاء وَالنَّار إِلَى موَاضعهَا وحركة الأفلاك وَالْكَوَاكِب دوراً وحركة عروق الْجَسَد النوابض والسكون الطبيعي هُوَ سُكُون كل مَا ذكرنَا فِي عصره وَأما القسرية فَهِيَ حَرَكَة كل شَيْء دخل عَلَيْهِ مَا يحِيل حركته عَن طَبِيعَته أَو عَن اخْتِيَاره إِلَى غَيرهَا كتحريك الْمَرْء قهرا أَو تحريكك المَاء علوا وَالْحجر كَذَلِك وكتحريكك النَّار سفلاً والهواء كَذَلِك وكتصعيد الْهَوَاء كعكس الشَّمْس لحر النَّار والسكون الْقَسرِي هُوَ تَوْقِيف الشَّيْء فِي غير عنصره أَو تَوْقِيف الْمُخْتَار كرها وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي التولد قَالَ أَبُو مُحَمَّد تنَازع المتكلمون فِي معنى عبروا عَنهُ بالتواد وَهُوَ أَنهم اخْتلفُوا فِيمَن رمى سَهْما فجرح بِهِ إنْسَانا أَو غَيره وَفِي حرق النَّار وتبريد والثلج وَسَائِر الْآثَار الظَّاهِرَة من الجمادات فَقَالَت طَائِفَة مَا تولد من ذَلِك عَن فعل إِنْسَان أَو حَيّ فَهُوَ فعل الْإِنْسَان والحي وَاخْتلفُوا فِيمَا تولد من غير حَيّ فَقَالَت طَائِفَة هُوَ فعل الله وَقَالَت طَائِفَة مَا تولد من غير حَيّ فَهُوَ فعل الطبيعة وَقَالَ آخَرُونَ كل ذَلِك فعل الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَؤُلَاءِ مبطلون للحقائق غائبون عَن مُوجبَات الْعُقُول

стр. 655

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْأَمر أبين من أَن يطول فِيهِ الْخطاب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَالصَّوَاب فِي ذَلِك أَن كل مَا فِي الْعَالم من جسم أَو عرض فِي جسم أَو أثر من جسم فَهُوَ خلق الله فَكل ذَلِك فعل الله بِمَعْنى أَنه خلقه وكل ذَلِك مُضَاف بِنَصّ الْقُرْآن وبحكم اللُّغَة إِلَى مَا ظَهرت مِنْهُ من حَيّ أَو جماد قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج﴾ فنسب الاهتزاز والإنبات والربو إِلَى الأَرْض وَقَالَ ﴿تلفح وُجُوههم النَّار﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن النَّار تلفح وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن يستغيثوا يغاثوا بِمَاء كَالْمهْلِ يشوي الْوُجُوه﴾ فَأخْبر أَن المَاء يشوي الْوُجُوه وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ فَسمى تَعَالَى الْمُخطئ قَاتلا وَأوجب عَلَيْهِ حكما وَهُوَ لم يقْصد قَتله قطّ لكنه تولد عَن فعله وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن الْكَلم وَالْعَمَل عرض من الْأَعْرَاض وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿على شفا جرف هار فانهار بِهِ﴾ وَلم تخْتَلف أمة وَلَا لُغَة فِي صِحَة قَول الْقَائِل مَاتَ فلَان وَسقط الْحَائِط فنسب الله تَعَالَى وَجَمِيع خلقه الْمَوْت إِلَى الْمَيِّت والسقوط إِلَى الْحَائِط والانهيار إِلَى الجرف لظُهُور كل ذَلِك مِنْهَا لَيْسَ فِي الْقُرْآن وَلَا فِي السّنَن وَلَا فِي الْعُقُول شَيْء غير هَذَا الحكم وَمن خَالف هَذَا فقد اعْترض على الله تَعَالَى وعَلى رَسُول الله ﷺ وعَلى جَمِيع الْأُمَم وعَلى جَمِيع عُقُولهمْ وَهَذِه صفة من عظمت مصيبته بِنَفسِهِ وَمن لَا دين لَهُ وَلَا عقل وَلَا حَيَاء وَلَا علم وَصَحَّ بِكُل مَا ذكرنَا أَن إِضَافَة كل أثر فِي الْعَالم إِلَى الله تَعَالَى هِيَ على غير إِضَافَته إِلَى من ظهر مِنْهُ فَأَما إِضَافَته إِلَى الله تَعَالَى فَلِأَنَّهُ خلقه وَأما إِضَافَته إِلَى من ظهر مِنْهُ أَو تولد عَنهُ فلظهوره مِنْهُ اتبَاعا لِلْقُرْآنِ وَلِجَمِيعِ اللُّغَات ولسنن رَسُول الله ﷺ وكل هَذِه الإخبارات وكلتا هَاتين الإضافتين حق لَا مجَاز فِي شَيْء من ذَلِك لِأَنَّهُ لَا فرق بَين مَا ظهر من حَيّ مُخْتَار أَو من غير حَيّ مُخْتَار فِي أَن كل ذَلِك ظَاهر فَمَا ظهر مِنْهُ وَأَنه مَخْلُوق لله تَعَالَى إِلَّا ان الله تَعَالَى خلق فِي الْحَيّ اخْتِيَارا لما ظهر مِنْهُ وَلم يخلق الِاخْتِيَار فِيمَا لَيْسَ حَيا وَلَا مرِيدا فَمَا تولد عَن فعل فَاعل فَهُوَ فعل الله بِمَعْنى أَنه خلقه وَهُوَ فعل مَا ظهر بِمَعْنى أَنه ظهر مِنْهُ مِنْهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلم تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِن الله قَتلهمْ وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تَحْرُثُونَ أأنتم تزرعونه أم نَحن الزارعون﴾ وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي المداخلة والمجاورة والكمون قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب الْقَائِلُونَ بِأَن الألوان أجسام إِلَى المداخلة وَمعنى هَذِه اللَّفْظَة أَن الجسمين يتداخلان فيكونان جَمِيعًا فِي مَكَان وَاحِد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كَلَام فَاسد لما سنبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الْكَلَام فِي الْأَجْسَام والأعراض من ديواننا هَذَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق من ذَلِك أَن كل جسم فَلهُ مساحة وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلهُ مَكَان زَائِد وَإِذ لَهُ مَكَان بِقدر مساحته وَلَا بُد فَإِن كل جسم زيد عَلَيْهِ جسم آخر فَإِن ذَلِك الْجِسْم الزَّائِد يحْتَاج إِلَى مَكَان زَائِد من أجل مساحته الزَّائِدَة هَذَا أَمر يعلم بِالْمُشَاهَدَةِ فَإِن اخْتَلَط الْأَمر على من لم يتمرن فِي معرفَة حُدُود الْكَلَام من أجل مَا يرى فِي الْأَجْسَام المتخلخلة من تخَلّل الْأَجْسَام المايعة لَهَا فَإِنَّمَا هَذَا الْآن فِي خلال أَجزَاء تِلْكَ الْأَجْسَام المتخلخلة خروقاً صغَارًا مَمْلُوءَة هَوَاء فَإِذا صب عَلَيْهَا المَاء أَو مَائِع مَا مَلأ تِلْكَ الخروق وَخرج عَنْهَا الْهَوَاء الَّذِي كَانَ فِيهِ وَهَذَا ظَاهر للعين محسوس خُرُوج الْهَوَاء عَنْهَا بنفاخات وَصَوت من كل مَا يخرج عَنهُ الْهَوَاء مسرعاً وَالَّذِي ذكرنَا فَإِنَّهُ إِذا تمّ خُرُوج الْهَوَاء عَنهُ وَزيد فِي عدد الْمَائِع رَبًّا وَاحْتَاجَ إِلَى مَكَان زَائِد وَأما الَّذِي ذكرنَا قبل فَإِنَّهُ فِي الْأَجْسَام المكتنزة كَمَاء صب على مَاء أَو دهن على دهن أَو دهن على مَاء وَهَكَذَا فِي كل شَيْء من هَذِه الْأَنْوَاع وَغَيرهَا

стр. 656

فصح يَقِينا أَن الْجِسْم إِنَّمَا يكون فِي الْجِسْم على سَبِيل الْمُجَاورَة كل وَاحِد فِي حيّز غير حيّز الآخر وَإِنَّمَا تكون المداخلة بَين الْأَعْرَاض والأجسام وَبَين الْأَعْرَاض والأعراض لِأَن الْعرض لَا يشغل مَكَانا فيجد اللَّوْن والطعم والمجسة والرائحة وَالْحر وَالْبرد والسكون كل ذَلِك مدَاخِل للجسم ومداخل بعضه بَعْضًا وَلَا يُمكن أَن يكون جسم وَاحِد فِي مكانين وَلَا جسمان فِي مَكَان وَاحِد ثمَّ أَن الْمُجَاورَة بَين الجسمين تَنْقَسِم أَقسَام أَحدهمَا أَن يخلع أحد الجسمين كيفياته ويلبس كَيْفيَّة الآخر كنقطة رميتها فِي دن خل أَو دون مرق أَو فِي لبن أَو فِي مداد أَو شَيْء يسير من بعض هَذِه فِي بعض أَو من غَيرهَا كَذَلِك فَإِن الْغَالِب مِنْهَا يسلب المغلوب كيفياته الذاتية والغيرية ويذهبها عَنهُ ويلبسه كيفياته نَفسه الذاتية والغيرية وَالثَّانِي أَن يخلع كل وَاحِد مِنْهُمَا كيفياته الذاتية والغيرية ويلبسا مَعًا كيفيات أخر كَمَاء الزاج إِذا جَاوز المَاء العفص وكجسم الجير إِذا جاور جسم الزرنيخ وكسائر المعاجن كلهَا والدقيق وَالْمَاء وَغير ذَلِك وَالثَّالِث أَن لَا يخلع وَاحِد مِنْهُمَا عَن نَفسه كَيْفيَّة من كيفياته لَا الذاتية وَلَا الغيرية بل يبْقى كل وَاحِد مِنْهُمَا كَمَا كَانَ كزيت أضيف إِلَى مَاء كحجر إِلَى حجر وثوب إِلَى ثوب فَهَذَا حَقِيقَة الْكَلَام فِي المداخلة والمجاورة وَأما الكمون فَإِن طَائِفَة ذهبت إِلَى أَن النَّار كامنة فِي الْحجر وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى إبِْطَال هَذَا وَقَالَت أَنه لَا نَار فِي الْحجر أصلا وَهُوَ قَول ضرار بن عَمْرو قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل طَائِفَة مِنْهُمَا فَإِنَّهَا تفرط على الْأُخْرَى فِيمَا تدعى عَلَيْهَا فضرار ينْسب إِلَى مخالفيه أَنهم يَقُولُونَ بِأَن النَّخْلَة بِطُولِهَا وعرضها وعظمها كامنة فِي النواة وَأَن الْإِنْسَان بِطُولِهِ أَو عرضه وعمقه وعظمه كامن فِي الْمَنِيّ وخصومه ينسبون إِلَيْهِ أَنه يَقُول لَيْسَ فِي النَّار حر وَلَا فِي الْعِنَب عصير وَلَا فِي الزَّيْتُون زَيْت وَلَا فِي الْإِنْسَان دم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكلا الْقَوْلَيْنِ جُنُون مَحْض ومكابرة للحواس والعقول وَالْحق فِي ذَلِك أَن فِي الْأَشْيَاء مَا هُوَ كامن كَالدَّمِ فِي الْإِنْسَان والعصير فِي الْعِنَب وَالزَّيْت فِي الزَّيْتُون وَالْمَاء فِي كل مَا يعتصر مِنْهُ وبرهان ذَلِك أَن كل مَا ذكرنَا إِذا خرج مِمَّا كَانَ كامناً فِيهِ ضمر الْبَاقِي لخُرُوج مَا خرج وخف وَزنه لذَلِك عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قبل خُرُوج الَّذِي خرج وَمن الْأَشْيَاء مَا لَيْسَ كامناً كالنار فِي الْحجر وَالْحَدِيد لَكِن فِي حجر الزِّنَاد وَالْحَدِيد الذّكر قُوَّة إِذا تضاغطا احتدم مَا بَينهمَا من الْهَوَاء فاستحال نَارا وَهَكَذَا يعرض لكل شَيْء منحرق فَإِن رطوباته تستحيل نَارا ثمَّ دخاناً ثمَّ هَوَاء إِذْ فِي طبع النَّار اسْتِخْرَاج ناريات الْأَجْسَام وتصعيد رطوباتها حَتَّى يفني كل مَا فِي الْجِسْم من الناريات والمائيات عَنهُ بِالْخرُوجِ ثمَّ لَو نفخت دهرك على مَا بَقِي من الأرضية الْمَحْضَة وَهِي الرماد لم يَحْتَرِق وَلَا اشتعل إِذْ لَيْسَ فِيهِ نَار فَتخرج وَلَا مَاء فيتصعد وَكَذَلِكَ دهن السراج فَإِنَّهُ كثير الناريات بطبعه فيستحيل بِمَا فِيهِ من المائية الْيَسِيرَة دحانا هوائياً وَتخرج ناريته حَتَّى يذهب كُله وَأما القَوْل فِي النَّوَى والبزور والنطف فَإِن فِي النواة وَفِي البزر وَفِي النُّطْفَة طبيعة خلقهَا فِي كل ذَلِك الله وَهِي قُوَّة تجتذب الرطوبات الْوَارِدَة عَلَيْهَا من المَاء والزبل ولطيف التُّرَاب الْوَارِد كل ذَلِك على النواة والبزر فتحيل كل ذَلِك إِلَى مَا فِي طبعها إحالته إِلَيْهِ فَيصير عودا ولحاه وورقاً وزهراً وثمراً وخوصاً وكرماً وَمثل الدَّم الْوَارِد على النُّطْفَة فتحيله طَبِيعَته الَّتِي خلفهَا الله تَعَالَى فِيهِ لَحْمًا ودماً وعظماً وعصباً وعروقاً وشرائين وعضلاً وغضاريف وجلداً وظفراً وشعراً وكل ذَلِك خلق الله تَعَالَى فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَذهب الباقلاني وَسَائِر الأشعرية إِلَى أَنه لَيْسَ فِي النَّار حر وَلَا فِي الثَّلج برد وَلَا فِي الزَّيْتُون زَيْت وَلَا فِي الْعِنَب عصير وَلَا فِي الْإِنْسَان دم وَهَذَا أَمر ناظرنا عَلَيْهِ من لاقيناه مِنْهُم وَالْعجب كل الْعجب قَوْلهم هَذَا التَّخْلِيط وإنكارهم مَا يعرف بالحواس وضررة الْعقل ثمَّ هم يَقُولُونَ مَعَ هَذَا أَن

стр. 657

للزجاج والحصا طعماً ورائحة وَأَن لقشور الْعِنَب رَائِحَة وَأَن للفلك طعماً ورائحة وَهَذَا إِحْدَى عجائب الدُّنْيَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمَا وجدنَا لَهُم فِي ذَلِك حجَّة غير دَعوَاهُم أَن الله تَعَالَى خلق كل حر نجده فِي النَّار عِنْد مسنا إِيَّاهَا وَكَذَلِكَ خلق الْبرد فِي الثَّلج عِنْد مسنا إِيَّاه وَكَذَلِكَ خلق الزَّيْت عِنْد عصر الزَّيْتُون والعصير عِنْد عصر الْعِنَب وَالدَّم عِنْد الْقطع وَالشّرط قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِذا تعلقوا من هَذَا بحواسهم فَمن أَيْن قَالُوا أَن للزجاج طعماً ورائحة وللفلك طعماً ورائحة وَهَذَا مَوضِع تشهد الْحَواس بتكذيبهم فِي أَحدهمَا وَلَا تدْرك الْحَواس الآخر وَيُقَال لَهُم لَعَلَّ النَّاس لَيْسَ فِي الأَرْض مِنْهُم أحد وَإِنَّمَا خَلفهم الله عِنْد رؤيتكم لَهُم وَلَعَلَّ بطونكم لَا مصارين فِيهَا ورؤوسكم لَا أدمغة فِيهَا لَكِن الله خلق كل ذَلِك عِنْد الشدخ والشق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَول الله تَعَالَى يكذبهم إِذْ قَالَ تَعَالَى ﴿يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على إِبْرَاهِيم﴾ فلولا أَن النَّار تحرق بحرها مَا كَانَ يَقُول الله ﴿قل نَار جَهَنَّم أَشد حرا لَو كَانُوا يفقهُونَ﴾ فصح أَن الْحر فِي النَّار مَوْجُود وَكَذَلِكَ أخبر رَسُول الله ﷺ أَن نَار جَهَنَّم أَشد حرا من نارنا هَذِه سبعين دَرَجَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وشجرة تخرج من طور سيناء تنْبت بالدهن وصبغ للآكلين﴾ فَأخْبر أَن الشَّجَرَة تنْبت بهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن ثَمَرَات النخيل وَالْأَعْنَاب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكرا وَرِزْقًا حسنا﴾ فصح أَن السكر والعصير الْحَلَال مَأْخُوذ من التَّمْر وَالْأَعْنَاب وَلَو لم يَكُونَا فيهمَا مَا أخذا مِنْهُمَا وَقد أطبقت الْأمة كلهَا على إِنْكَار هَذَا الْجُنُون وعَلى القَوْل هَذَا أحلى من الْعَسَل وَأمر من الصَّبْر وأحر من النَّار وَنَحْمَد الله على السَّلامَة الْكَلَام فِي الاستحالة قَالَ أَبُو مُحَمَّد احْتج الحنيفيون وَمن وافقهم فِي قَوْلهم إِن النقطة من الْبَوْل وَالْخمر تقع فِي المَاء فَلَا يظْهر لَهَا فِيهَا أثر أَنَّهَا بَاقِيَة فِيهِ بجسمها إِلَّا أَن أجزاءها دقَّتْ وخفيت عَن أَن تحس وَكَذَلِكَ الحبر يرحى فِي اللَّبن فَلَا يظْهر لَهُ فِيهِ اثر وَكَذَلِكَ الْفضة الْيَسِيرَة تذاب فِي الذَّهَب فَلَا يظْهر لَهَا فِيهِ أثر وَهَكَذَا كل شَيْء قَالُوا لَو أَن ذَلِك الْمِقْدَار من المَاء يجبل مَاء النقطة من الْخمر تقع فِيهِ لَكَانَ أَكثر من ذَلِك الْمِقْدَار أقوى على الإحالة بِلَا شكّ وَنحن نجد كلما زِدْنَا نقط الْخمر وقلتم أَنْتُم قد استحالت مَاء وَنحن نزيد فَلَا يلبث أَن تظهر الْخمر وَهَكَذَا فِي كل شَيْء قَالُوا فظهرت صِحَة قَوْلنَا ولزمكم أَن كلما كثر المَاء ضعفت إحالته وَهَكَذَا فِي كل شَيْء قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَقُلْنَا لَهُم أَن الْأُمُور إِنَّمَا هِيَ على مَا رتبها الله وعَلى مَا تُوجد عَلَيْهِ لَا على قضاياكم الْمُخَالفَة للحس وَلَا يُنكر أَن يكون مِقْدَار مَا يفعل مَا فَإِذا لم يفعل ذَلِك الْفِعْل كالمقدار من الدَّوَاء ينفع فَإِذا زيد فِيهِ أَو نقص مِنْهُ لم ينفع وَنحن نقر مَعكُمْ بِمَا ذكرْتُمْ وَلَا ننكره فَنَقُول أَن مِقْدَار إِمَّا من المَاء يحِيل مِقْدَار مَا يلقى فِيهِ من الْخلّ أَو الْخمر أَو الْعَسَل وَلَا يحِيل أَكثر مِنْهُ مِمَّا يلقى فِيهِ وَنحن نجد الْهَوَاء يحِيل المَاء هَوَاء حَتَّى إِذا كثر الْهَوَاء المستحيل من المَاء بل أحَال الْهَوَاء مَاء وَهَكَذَا كل مَا ذكرْتُمْ وَإِنَّمَا الْعُمْدَة هَا هُنَا مَا شهِدت بِهِ أَوَائِل الْعُقُول والحواس من أَن الْأَشْيَاء إِنَّمَا تخْتَلف باخْتلَاف طبائعها وصفاتها الَّتِي مِنْهَا تقوم حُدُودهَا وَبهَا تخْتَلف فِي اللُّغَات أسماؤها فللماء صِفَات وطبائع إِذا وجدت فِي جرم مَا سمى مَاء فَإِذا عدمت مِنْهُ لم يسم مَاء وَلم يكن مَاء وَهَكَذَا كل مَا فِي الْعَالم وَلَا تحاشي شَيْئا أصلا وَمن الْمحَال أَن تكون حُدُود المَاء وَصِفَاته وطبعه فِي الْعَسَل أَو فِي الْخمر وَهَكَذَا كل شَيْء فِي الْعَالم فأكثره يَسْتَحِيل بعضه إِلَى بعض فَأَي شَيْء وجدت فِيهِ حُدُود شَيْء مَا سمي باسم مَا فِيهِ تِلْكَ الْحُدُود إِذا استوفاها كلهَا فَإِن لم يسْتَوْف إِلَّا بَعْضهَا وَفَارق أَيْضا شَيْئا من صِفَاته الذاتية فَهُوَ حِينَئِذٍ شَيْء غير الَّذِي كَانَ وَغير الَّذِي مازج كالعسل الْملقى فِي الأبارج ونقطة مداد فِي لبن وَمَا أشبه ذَلِك وَهَذِه رُتْبَة الْعَالم فِي مُقْتَضى الْعُقُول وَفِيمَا تشاهد الْحَواس والذوق والشم واللمس وَمن دفع هَذَا خرج عَن الْمَعْقُول وَيلْزم الحنيفيين

стр. 658

من هَذَا اجْتِنَاب مَاء الْبَحْر لِأَن فِيهِ على عُقُولهمْ عذرة وَبَوْل لَا ورطوبات ميتَة وَكَذَلِكَ مياه جَمِيع الْأَنْهَار أَولهَا عَن آخرهَا نعم وَمَاء الْمَطَر أَيْضا تَجِد الدَّجَاج يتغذى بالميتة وَالدَّم والعذرة والكبش يسْقِي خمرًا أَن ذَلِك كُله قد اسْتَحَالَ عَن صِفَات كل ذَلِك وطبعه إِلَى لحم الدَّجَاج والكبش فَحل عندنَا وَعِنْدهم وَلَو كثر تغذيها بِهِ حَتَّى تضعف طبيعتها عَن إحالته فَوجدَ فِي خواصها وفيهَا صفة الْعذرَة وَالْميتَة حرم أكله وَهَذَا هُوَ الَّذِي أنكروه نَفسه وَهُوَ مقرون مَعنا فِي أَن الثِّمَار والبقول تتغذى بالعذرة تستحيل فِيهَا مُدَّة أَنَّهَا قد حلت وَهَذَا هُوَ الَّذِي أنكروه نَفسه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي الطفرة قَالَ أَبُو مُحَمَّد نسب قوم من الْمُتَكَلِّمين إِلَى إِبْرَاهِيم النظام أَنه قَالَ أَن الْمَار على سطح الْجِسْم يسير من مَكَان إِلَى مَكَان بَينهمَا أَمَاكِن لم يقطعهَا هَذَا الْمَار وَلَا مر عَلَيْهَا وَلَا حاذاها وَلَا حل فِيهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا عين الْمحَال والتخليط إِلَّا أَن كَانَ هَذَا على قَوْله فِي أَنه لَيْسَ فِي الْعَالم إِلَّا جسم حاشا الْحَرَكَة فَقَط فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ قد أَخطَأ فِي هَذِه الْقِصَّة فَكَلَامه الَّذِي ذكرنَا خَارج عَلَيْهِ خُرُوجًا صَحِيحا لِأَن هَذَا الَّذِي ذكرنَا لَيْسَ مَوْجُود الْبَتَّةَ إِلَّا فِي حاسة الْبَصَر فَقَط وَكَذَلِكَ إِذا أطبقت بَصرك ثمَّ فَتحته لَاقَى نظرك خضرَة السَّمَاء وَالْكَوَاكِب الَّتِي فِي الأفلاك الْبَعِيدَة بِلَا زمَان كَمَا يَقع على أقرب مَا يلاصقه من الألوان لَا تفاضل بَين الأدراكين فِي الْمدَّة أصلا فصح ضَرُورَة أَن خلا الْبَصَر وَلَو قطع الْمسَافَة الَّتِي بَين النَّاظر وَبَين الْكَوَاكِب وَمر عَلَيْهَا لَكَانَ ضَرُورَة بُلُوغه إِلَيْهَا فِي مُدَّة أطول من مُدَّة مروره على الْمسَافَة الَّتِي لَيْسَ بَينه وَبَين من يرَاهُ فِيهَا إِلَّا يَسِيرا وَأَقل فصح يَقِينا أَن الْبَصَر يخرج من النَّاظر وَيَقَع على كل مرئي قرب أَو بعد دون أَن يمر فِي شَيْء من الْمسَافَة الَّتِي بَينهمَا وَلَا يحلهَا وَلَا يجازيها وَلَا يقطعهَا وَأما فِي سَائِر الْأَجْسَام فَهَذِهِ مجَال أَلا ترى انك تنظر إِلَى الْهدم وَإِلَى الضَّرْب الْقصار بِالثَّوْبِ فِي الْحجر من بعد فتراه ثمَّ يُقيم سويعة وَحِينَئِذٍ تسمع صَوت ذَلِك الْهدم وَذَلِكَ الضَّرْب فصح يَقِينا أَن الصَّوْت يقطع الْأَمَاكِن وينتقل فِيهَا وَأَن الْبَصَر لَا يقطعهَا وَلَا ينْتَقل فِيهَا فَإِذا صَحَّ الْبُرْهَان بِشَيْء مَا لم يعْتَرض عَلَيْهَا إِلَّا عديم عقل أَو عديم حَيَاء أَو عديم علم أَو عديم دين وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي الْإِنْسَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلف النَّاس فِي هَذَا الِاسْم على مَا يَقع فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه إِنَّمَا يَقع على الْجَسَد دون النَّفس وَهُوَ قَول أبي الْهُذيْل العلاف وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه إِنَّمَا يَقع على النَّفس دون الْجَسَد وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم النظام وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه إِنَّمَا يَقع عَلَيْهِمَا مَعًا كالباق الَّذِي لَا يَقع إِلَّا على السوَاد وَالْبَيَاض مَعًا قَالَ أَبُو مُحَمَّد واحتجت الطَّائِفَة الَّتِي ذكرنَا بقول الله ﴿خلق الْإِنْسَان من صلصال كالفخار﴾ وَبقول الله تَعَالَى ﴿فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق خلق من مَاء دافق يخرج من بَين الصلب والترائب﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى ألم يَك نُطْفَة من مني يمنى ثمَّ كَانَ علقَة فخلق فسوى﴾ وبآيات أخر غير هَذِه وَهَذِه بِلَا شكّ صفة للجسد لَا صفة للنَّفس لِأَن الرّوح إِنَّمَا تنفخ بعد تَمام خلق الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ الْجَسَد واحتجت الطَّائِفَة لأخرى بقوله تَعَالَى ﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعاً إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعاً وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعاً﴾ وَهَذَا بِلَا خلاف صفة النَّفس لَا صفة الْجَسَد لِأَن الْجَسَد موَات والفعالة هِيَ النَّفس وَهِي المميزة الْحَيَّة حاملة لهَذِهِ الْأَخْلَاق وَغَيرهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكلا هذَيْن الاحتجاجين حق وَلَيْسَ أَحدهمَا أولى بالْقَوْل من الآخر وَلَا يجوز

стр. 659

أَن يُعَارض أَحدهمَا بِالْآخرِ لِأَن كليهمَا من عِنْد الله وَمَا كَانَ من عِنْد الله فَلَيْسَ بمختلف قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فَإذْ كل هَذِه الْآيَات حق فقد ثَبت أَن للْإنْسَان اسْم يَقع على النَّفس دون الْجَسَد وَيَقَع أَيْضا على الْجَسَد دون النَّفس وَيَقَع أَيْضا على كليهمَا مُجْتَمعين فَنَقُول فِي الْحَيّ هَذَا إِنْسَان وَهُوَ مُشْتَمل على جَسَد وروح ونقول للْمَيت هَذَا إِنْسَان وَهُوَ جَسَد لَا نفس فِيهِ ونقول أَن الْإِنْسَان يعذب قبل يَوْم الْقِيَامَة وينعم يَعْنِي النَّفس دون الْجَسَد وَأما من قَالَ أَنه لَا يَقع إِلَّا على النَّفس والجسد مَعًا فخطأ يُبطلهُ الَّذِي ذكرنَا من النُّصُوص الَّتِي فِيهَا وُقُوع اسْم الْإِنْسَان على الْجَسَد دون النَّفس وعَلى النَّفس دون الْجَسَد وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْكَلَام فِي الْجَوَاهِر والأعراض وَمَا الْجِسْم وَمَا النَّفس قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلف النَّاس فِي هَذَا الْبَاب فَذهب هِشَام بن الحكم إِلَى أَنه لَيْسَ فِي الْعَالم إِلَّا جسم وَأَن الألوان والحركات أجسام وَاحْتج أَيْضا بِأَن الْجِسْم إِذا كَانَ طَويلا عريضاً عميقاً فَمن حَيْثُ وجدته وجدت اللَّوْن فِيهِ فَوَجَبَ الطول وَالْعرض والعمق للون أَيْضا فَإِذا وَجب ذَلِك للون فاللون أَيْضا طَوِيل عريض عميق وكل طَوِيل عريض عميق جسم فاللون جسم وَذهب إِبْرَاهِيم بن سيار النظام إِلَى مثل هَذَا سَوَاء سَوَاء إِلَّا الحركات فَإِنَّهُ قَالَ هِيَ خَاصَّة أَعْرَاض وَذهب ضرار بن عَمْرو إِلَى أَن الْأَجْسَام مركبة من الْأَعْرَاض وَذهب سَائِر النَّاس إِلَى أَن الْأَجْسَام هِيَ كل مَا كَانَ طَويلا عريضاً عميقاً شاغلاً لمَكَان وَإِن كل مَا عداهُ من لون أَو حَرَكَة أَو مذاق أَو طيب أَو محبَّة فَعرض وَذهب بعض الْمُلْحِدِينَ إِلَى نفي الْأَعْرَاض وَوَافَقَهُمْ على ذَلِك بعض أهل الْقبْلَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما الْجِسْم فمتفق على وجوده وَأما الْأَعْرَاض فإثباتها بَين وَاضح بعون الله تَعَالَى وَهُوَ أننا لم نجد فِي الْعَالم إِلَّا قَائِما بِنَفسِهِ حَامِلا لغيره أَو قَائِما بِغَيْرِهِ لَا بِنَفسِهِ مَحْمُولا فِي غَيره وَوجدنَا الْقَائِم بِنَفسِهِ شاغلاً لمَكَان يملأه وَوجدنَا الَّذِي لَا يقوم بِنَفسِهِ لكنه مَحْمُول فِي غَيره لَا يشغل مَكَانا بل يكون الْكثير مِنْهَا فِي مَكَان حاملها الْقَائِم بِنَفسِهِ هَذِه قسْمَة لَا يُمكن وجود شَيْء فِي الْعَالم بِخِلَافِهَا وَلَا وجود قسم زَائِد على مَا ذكرنَا فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فبالضرورة علمنَا أَن الْقَائِم بِنَفسِهِ الشاغل لمكانه هُوَ نوع آخر غير الْقَائِم بِغَيْرِهِ الَّذِي لَا يشغل مَكَانا فَوَجَبَ أَن يكون لكل وَاحِد من هذَيْن الجنسين اسْم يعبر عَنهُ ليَقَع التفاهم بَيْننَا فاتفقا على أَن سمينا الْقَائِم بِنَفسِهِ الشاغل لمكانه جسماً واتفقا على أَن سمينا مَا لَا يقوم بِنَفسِهِ عرضا وَهَذَا بَيَان برهاني مشَاهد وَوجدنَا الْجِسْم تتعاقب عَلَيْهِ الألوان والجسم قَائِم بِنَفسِهِ فَبينا نرَاهُ أَبيض صَار أَخْضَر ثمَّ أَحْمَر ثمَّ أصفر كَالَّذي نشاهده فِي الثِّمَار والأصباغ فبالضرورة نعلم أَن لذِي عدم وفني من الْبيَاض والخضرة وَسَائِر الألوان هُوَ غير الَّذِي بَقِي مَوْجُودا لم يفن وأنهما جَمِيعًا غير الشَّيْء الْحَامِل لَهما لِأَنَّهُ لَو كَانَ شَيْء من ذَلِك هُوَ الآخر لعدم بِعَدَمِهِ فَدلَّ بَقَاؤُهُ بعده على أَنه غَيره وَلَا بُد إِذْ من الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكون الشَّيْء مَعْدُوما مَوْجُودا فِي حَالَة وَاحِدَة فِي مَكَان وَاحِد فِي زمَان وَاحِد وَأَيْضًا فَإِن الْأَعْرَاض هِيَ الْأَفْعَال من الْأكل وَالشرب وَالنَّوْم وَالْجِمَاع وَالْمَشْي وَالضَّرْب وَغير ذَلِك فَمن أنكر الْأَعْرَاض فقد أثبت الفاعلين وأبطل الْأَفْعَال وَهَذَا محَال لَا خفا بِهِ وَلَا فرق بَين من أثبت الفاعلين وَنفى الْأَفْعَال وَبَين من أثبت الْأَفْعَال وَنفى الفاعلين وكل الطَّائِفَتَيْنِ مبطلة لما يُشَاهد بالحواس وَيدْرك بِالْعقلِ سوفسطائيون حَقًا لِأَن من الْأَعْرَاض مَا يدْرك بالبصر وَهُوَ اللَّوْن إِذْ مَا لَا لون لَهُ لَا يدْرك بالشم كالنتن وَالطّيب وَمِنْهَا مَا يدْرك بالذوق كالحلاوة والمرارة والحموضة والملوحة وَمِنْهَا مَا يدْرك باللمس كَالْحرِّ وَالْبرد وَمِنْهَا مَا يدْرك بِالسَّمْعِ كحسن الصَّوْت وقبحه وجهارته وجفوته وَمِنْهَا مَا يدْرك بِالْعقلِ كالحركة والحمق وَالْعقل

стр. 660

وَالْعدْل والجور وَالْعلم وَالْجهل فَظهر فَسَاد قَول مبطلي الْأَغْرَاض بَقينَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإذْ قد صَحَّ كل مَا ذكرنَا فَإِنَّمَا الْأَسْمَاء عِبَارَات وتمييز للمسميات ليتوصل بهَا المخاطبون إِلَى تفاهم مراداتهم من الْوُقُوف على الْمعَانِي وَفصل بَعْضهَا من بعض لَيْسَ للأسماء فَائِدَة غير هَذِه فَوَجَبَ ضَرُورَة أَن يُوقع على الْقَائِم بِنَفسِهِ الشاغل لمكانه الْحَامِل لغيره أَسمَاء تكون عبارَة عَنهُ وَأَن يُوقع أَيْضا على الْقَائِم بِغَيْرِهِ لَا بِنَفسِهِ الْمَحْمُول الَّذِي لَا يشغل مَكَانا اسْما آخر يكون أَيْضا عبارَة عَنهُ لينفصل بِهَذَيْنِ الاسمين كل وَاحِد من ذَيْنك المسميين عَن الآخر وَإِن لم يكن هَذَا وَقع التَّخْلِيط وَعدم الْبَيَان واصطلحنا على أَن سمينا الْقَائِم بِنَفسِهِ الشاغل للمكان جسماً واتفقنا على أَن سمينا الْقَائِم بِغَيْرِهِ لَا بِنَفسِهِ عرضا لِأَنَّهُ عرض فِي الْجِسْم وَحدث فِيهِ هَذَا هُوَ الْحق الْمشَاهد لحس الْمَعْرُوف بِالْعقلِ وَمَا عدا هَذَا فهذيان وتخليط لَا يعقله قَائِله فَكيف غَيره فصح بِهَذَا كُله وجود الْأَعْرَاض وَبطلَان قَول من أنكرها وَصَحَّ أَيْضا بِمَا ذكرنَا أَن حد اللَّوْن وَالْحَرَكَة وكل مَا لَا يقوم بِنَفسِهِ هُوَ غير حد الْقَائِم بِنَفسِهِ فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَلَا جسم إِلَّا الْقَائِم بِنَفسِهِ وكل مَا عداهُ فَعرض فلاح بِهَذَا صِحَة قَول من قَالَ بذلك وَبَطل قَول هِشَام والنظام وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما احتجاج هِشَام بِوُجُود الطول وَالْعرض والعمق الَّذِي توهمها فِي اللَّوْن فَإِنَّمَا هُوَ طول جسم الملون وَعرضه وعمقه فَقَط وَلَيْسَ للون طول وَلَا عرض وَلَا عمق وَكَذَلِكَ الطّعْم والمجسة والرائحة وبرهان ذَلِك أَنه لَو كَانَ للجسم طول وَعرض عمق وَكَانَ للون طول غير طول الملون الْحَامِل لَهُ وَعرض آخر غير عرض الْحَامِل لَهُ وعمق آخر غير عمق الملون الْحَامِل لَهُ لاحتاج كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى مَكَان آخر غير مَكَان الآخر إِذْ من أعظم الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكون شَيْئَانِ طول كل وَاحِد مِنْهُمَا ذِرَاع وَعرضه ذِرَاع وعمقه ذِرَاع ثمَّ يسعان جَمِيعًا فِي وَاحِد لَيْسَ هُوَ إِلَّا ذِرَاع فِي ذِرَاع فَقَط وَيلْزمهُ مثل هَذَا فِي الطّعْم والرائحة والمجسة لِأَن كل هَذِه الصِّفَات تُوجد من كل جِهَة من جِهَات الْجِسْم الَّذِي هِيَ فِيهِ كَمَا يُوجد اللَّوْن وَلَا فرق وَقد يذهب الطّعْم حَتَّى يكون الشَّيْء لَا طعم لَهُ وَتذهب الرَّائِحَة حَتَّى يصير الشَّيْء لَا رَائِحَة لَهُ ومساحته بَاقِيَة بحسبها فصح يَقِينا أَن المساحة للملون وَالَّذِي لَهُ الرَّائِحَة والطعم والمجسة لَا للون وَلَا للطعم مَكَان وَلَا للرائحة وَلَا للمجسة وَقد نجد جسماً طَويلا عريضاً عميقاً لَا لون لَهُ وَهُوَ الْهَوَاء أساكنة ومتحركة وبالضروري نَدْرِي أَنه وَلَو كَانَ لَهُ لون لم يزدْ ذَلِك فِي مساحته شَيْئا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن بلغ الْجَهْل بِصَاحِبِهِ إِلَى أَن يَقُول لَيْسَ الْهَوَاء جسماً سألناه عَمَّا فِي دَاخل الزق المنفوخ مَا هُوَ وَعَما يلقِي الَّذِي يجرى فرسا جواداً بِوَجْهِهِ وجسمه فَإِنَّهُ لَا شكّ فِي أَنه جسم قوي متكثر محسوس وبرهان آخر وَهُوَ أَن كل أحد يدْرِي أَن الطول وَالْعرض والعمق لَو كَانَ لكل وَاحِد مِنْهُمَا طول وَعرض وعمق لاحتاج كل وَاحِد مِنْهُمَا أَيْضا إِلَى طول آخر وَعرض آخر وعمق آخر وَهَكَذَا مسلسلاً إِلَى بهَا مَا نِهَايَة لَهُ وَهَذَا بَاطِل فَبَطل قَول إِبْرَاهِيم وَهِشَام وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَول ضرار أَن الْأَجْسَام مركبة من الْأَعْرَاض فَقَوْل فَاسد جدا لِأَن الْأَعْرَاض قد صَحَّ كَمَا ذكرنَا أَنَّهَا لَا طول لَهَا وَلَا عرض وَلَا عمق وَلَا تقوم بِنَفسِهَا وَصَحَّ أَن الْأَجْسَام ذَات أطوال وعروض وأعماق وقائمة بأنفسها وَمن الْمحَال أَن يجْتَمع مَالا طول لَهُ وَلَا عرض وَلَا عمق مَعَ مثله فيتقوم مِنْهَا مَاله طول وَعرض وعمق وَإِنَّمَا غلط فِيهَا من توهم أَن الْأَجْسَام مركبة من السطوح وَأَن السطوح مركبة من الخطوط والخطوط مركبة من النقط قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا خطأ على كل حَال لِأَن السطوح الْمُطلقَة فَإِنَّمَا هِيَ تناهي الْجِسْم وانقطاعه فِي تماديه من أوسع جهاته وَعدم امتداده فَقَط وَأما الخطوط الْمُطلقَة فَإِنَّمَا هِيَ تناهي جِهَة السَّطْح وَانْقِطَاع تماديها وَأما النقط فَهِيَ تناهي

стр. 661

جِهَات الْجِسْم من أحد نهاياته كطرف السكين وَنَحْوه فَكل هَذِه الأبعاد إِنَّمَا هِيَ عدم التَّمَادِي من الْمحَال أَن يجْتَمع عدم فَيقوم مِنْهُ مَوْجُود وَإِنَّمَا السطوح المجسمة والخطوط المجسمة والنقط المجسمة فَإِنَّمَا هِيَ أبعاض الْجِسْم وأجزاؤه وَلَا تكون الْأَجْزَاء أَجزَاء إِلَّا بعد الْقِسْمَة فَقَط على مَا نذْكر بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَذهب قوم من الْمُتَكَلِّمين إِلَى إِثْبَات شَيْء سموهُ جوهراً لَيْسَ جسماً وَلَا عرضا وَقد ينْسب هَذَا القَوْل إِلَى بعض الْأَوَائِل وحد هَذَا الْجَوْهَر عِنْد من أثْبته أَنه وَاحِد بِالذَّاتِ قَابل للمتضادات قَائِم بِنَفسِهِ لَا يَتَحَرَّك وَلَا لَهُ مَكَان وَلَا لَهُ طول وَلَا عرض وَلَا عمق وَلَا يتجزى وَحده بعض من ينتمي إِلَيْهِ الْكَلَام بِأَنَّهُ وَاحِد بِذَاتِهِ لَا طول لَهُ وَلَا عرض وَلَا يتجزى وَقَالُوا أَنه لَا يَتَحَرَّك وَله مَكَان وَأَنه قَائِم بِنَفسِهِ يحمل من كل عرض عرضا وَاحِدًا فَقَط كاللون والطعم والرائحة والمجسمة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكلا هذَيْن الْقَوْلَيْنِ وَالْقَوْل الَّذِي اجْتمعَا عَلَيْهِ فِي غابة الْفساد والبطلان أَولا من قَالَ ذَلِك أَنَّهَا كلهَا دعاوى مُجَرّدَة لَا يقوم على صِحَة شَيْء مِنْهَا دَلِيل أصلا لَا برهاني وَلَا إقناعي بل الْبُرْهَان الْعقلِيّ والحسي يَشْهَدَانِ بِبُطْلَان كل ذَلِك وَلَيْسَ يعجز أحد أَن يدعى مَا شَاءَ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل مَحْض وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد وَأما نَحن فَنَقُول أَنه لَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا الْخَالِق وخلقه وَأَنه لَيْسَ الْخلق إِلَّا جوهراً حَامِلا لأعراضه وأعراضاً مَحْمُولَة فِي الْجَوْهَر لَا سَبِيل إِلَى تعدِي أَحدهمَا عَن الآخر فَكل جَوْهَر جسم وكل جسم جَوْهَر وهما اسمان مَعْنَاهُمَا وَاحِد وَلَا مزِيد وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونجمع إِن شَاءَ الله تَعَالَى كل شَيْء أوقعت عَلَيْهِ هَاتَانِ الطائفتان اسْم جَوْهَر لَا جسم وَلَا عرض ونبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَسَاد كل ذَلِك بالبراهين الضرورية كَمَا فعلنَا فِي سَائِر كلامنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد حققنا مَا أوقع عَلَيْهِ بعض الْأَوَائِل وَمن قلدهم اسْم جَوْهَر وَقَالُوا أَنه لَيْسَ جسماً وَلَا عرضا فوجدناهم يذكرُونَ الْبَارِي تَعَالَى وَالنَّفس والهيولى وَالْعقل وَالصُّورَة وَعبر بَعضهم عَن الهيولى بالطينة وَبَعْضهمْ بالخميرة وَالْمعْنَى فِي كل ذَلِك وَاحِد إِلَّا أَن بَعضهم قَالَ المُرَاد بذلك الْجِسْم متعرياً من جَمِيع أعراضه وأبعاده وَبَعْضهمْ قَالَ المُرَاد بذلك الشَّيْء الَّذِي مِنْهُ كَون هَذَا الْعَالم وَمِنْه تكون على حسب اخْتلَافهمْ فِي الْخَالِق أَو فِي إِنْكَاره وَزَاد بَعضهم فِي الْجَوْهَر الخلا والمدة اللَّذين لم يَزَالَا عِنْدهم يعْنى بالخلا الْمَكَان الْمُطلق لَا الْمَكَان الْمَعْهُود وَيَعْنِي بالمدة الزَّمَان الْمُطلق لَا الزَّمَان الْمَعْهُود قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه أَقْوَال لَيْسَ شَيْء مِنْهَا لمن ينتمي إِلَى الْإِسْلَام وَإِنَّمَا هِيَ للمجوس وَالصَّابِئِينَ والدهرية والنصاري فِي تسميتهم الْبَارِي تَعَالَى جوهراً فَإِنَّهُم سموهُ فِي أمانتهم الَّتِي لَا يَصح عِنْدهم دين لملكي وَلَا لنسطوري وَلَا ليعقوبي وَلَا لهاروني إِلَّا باعتقادها وَإِلَّا فَهُوَ كَافِر بالنصرانية قطعا حاشا تَسْمِيَته الْبَارِي تَعَالَى جوهراً فَإِنَّهُ للمجسمة أَيْضا وحاشا القَوْل بِأَن النَّفس جَوْهَر لَا جسم فَإِنَّهُ قد قَالَ بِهِ الْعَطَّار أحد رُؤَسَاء الْمُعْتَزلَة وَأما المنتمون إِلَى الْإِسْلَام فَإِن الْجَوْهَر لَيْسَ جسماً وَلَا عرضا لَيْسَ هُوَ عِنْدهم شَيْئا إِلَّا الْأَجْزَاء الصغار الَّتِي لَا تتجزؤا إِلَيْهَا تنْحَل الْأَجْسَام بزعمهم وَقد ذكر هَذَا عَن بعض الْأَوَائِل أَيْضا فَهَذِهِ ثَمَانِيَة أَشْيَاء كَمَا ذكرنَا لَا نعلم أحد أسمى جوهراً لَيْسَ جسماً وَلَا عرضا وَغَيرهَا إِلَّا أَن قوما جُهَّالًا يظنون فِي القوى الذاتية أَنَّهَا جَوَاهِر وَهَذَا جهل مِنْهُم لِأَنَّهَا بِلَا خلاف مَحْمُولَة فِيمَا هِيَ غير قَائِمَة بِنَفسِهَا وَهَذِه صفة الْعرض لَا صفة الْجَوْهَر بِلَا خلاف قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَأَما الخلا والمدة فقد تقدم إفسادنا لهَذَا القَوْل فِي صدر ديواننا بالبراهين الضرورية وَفِي كتَابنَا الموسوم بالتحقيق فِي نقض كتاب الْعلم الإلهي لمُحَمد بن زَكَرِيَّا الطّيب وحللنا كل دَعْوَى أوردهَا هُوَ وَغَيره فِي هَذَا الْمَعْنى بأبين شرح وَالْحَمْد لله رب

стр. 662

الْعَالمين كثيرا وأثبتنا فِي صدر كتَابنَا هَذَا وهنالك أَنه لَيْسَ فِي الْعَالم خلا الْبَتَّةَ وَأَنه كُله كرة مصمتة لَا تخَلّل فِيهَا وَأَنه لَيْسَ وَرَاءَهَا خلاء لَا ملاء وَلَا شَيْء الْبَتَّةَ وَأَن الْمدَّة لَيست للأمد أحدث الله الْفلك بِمَا فِيهِ من الْأَجْسَام الساكنة والمتحركة وأعراضها وَبينا فِي كتاب التَّقْرِيب لحدود الْكَلَام أَن الْآلَة الْمُسَمَّاة الزرافة وسارقة المَاء والآلة الَّتِي تدخل فِي إحليل من بِهِ أسر الْبَوْل براهين ضَرُورِيَّة بتحقيق أَن لَا خلاء فِي الْعَالم أصلا وَأَن الْخَلَاء عِنْد الْقَائِلين بِهِ إِنَّمَا هُوَ مَكَان لَا تمكن فِيهِ وَهَذَا محَال بِمَا ذكرنَا لِأَنَّهُ لَو خرج المَاء من الثقب الَّذِي فِي أَسْفَل سارقة المَاء وَقد شدّ أَعْلَاهَا لبقي خَالِيا بِلَا مُتَمَكن فِيهِ فَإِذا لم يُمكن ذَلِك أصلا وَلَا كَانَ فِيهِ بنية الْعَالم وجوده وقف المَاء بَاقِيا لَا ينهرق حَتَّى إِذا فتح أَعْلَاهَا وَوجد الْهَوَاء مدخلًا خرج المَاء وانهرق لوقته وَخَلفه الْهَوَاء وَكَذَلِكَ الزرافة والآلة متخذة لمن بِهِ أسر الْبَوْل فَإِنَّهُ إِذا حصلت تِلْكَ فِي دَاخل الإحليل وَأول المثانة ثمَّ جبذ الزر المغلق ليقها إِلَى الْخَارِج اتبعهُ الْبَوْل ضَرُورَة وَخرج إِذْ لم يخرج لبقي ثقب الْآلَة خَالِيا لَا شَيْء فِيهِ وَهَذَا بَاطِل مُمْتَنع وَقد بَينا فِي صدر كتَابنَا كَمَا اعْترض بِهِ الْمُلْحِدُونَ المخالفون لنا فِي هَذَا الْمَكَان فأغني عَن إِعَادَته فَإِن قَالَ قَائِل فالماء الَّذِي اخترعه الله معْجزَة من بَين أَصَابِع رَسُول الله ﷺ التَّمْر الَّذِي اخترع لَهُ والثربد الَّذِي فِي اخترع لَهُ من أَيْن اخترعه وَهِي أجسام محدثة والعالم عنْدكُمْ مَلأ لَا خلاء فِيهِ وَلَا تخلخل وَلَا يكون الجسمان فِي مَكَان وَاحِد قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَا يَخْلُو هَذَا من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن يكون الله أعدم من الْهَوَاء مِقْدَار مَا اخترع فِيهِ من التَّمْر وَالْمَاء والثريد وَإِمَّا أَن يكون الله أحَال أَجزَاء من الْهوى مَاء وَتَمْرًا وثريداً فَالله أعلم أَي ذَيْنك كَانَ وَالله على كل شَيْء قدير فَسقط قَوْلهم فِي الخلا والمدة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما الصُّورَة فيكفيه بِلَا شكّ وَهِي تَخْلِيط الْجَوَاهِر وتشكلها إِلَّا أَنَّهَا قِسْمَانِ أَحدهمَا ملازم كالصورة الْكُلية لَا تفارق الْجَوَاهِر الْبَتَّةَ وَلَا تُوجد دونهمَا وَلَا تتوهم الْجَوَاهِر عَارِية عَنْهَا وَالْآخر تتعاقب أَنْوَاعه وأشخاصه على الْجَوَاهِر كانتقال الشَّيْء عَن تثليث إِلَى تربيع وَنَحْو ذَلِك فصح أَنَّهَا عرض بِلَا شكّ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما الْعقل فَلَا خلاف بَين أحد لَهُ عقل سليم فِي أَنه عرض مَحْمُول فِي النَّفس وَكَيْفِيَّة برهَان ذَلِك أَنه يقبل الأشد والأضعف فَنَقُول عقل أقوى من عقل وأضعف من عقل وَله ضد وَهُوَ الْحمق وَلَا خلاف فِي الْجَوَاهِر أَنَّهَا لَا ضد لَهَا وَإِنَّمَا التضاد فِي بعض الكيفيات فَقَط وَقد اعْترض فِي هَذَا بعض من يَدعِي لَهُ علم الفلسفة فَقَالَ لَيْسَ فِي الْعقل ضد لَكِن لوُجُوده ضد وَهُوَ عَدمه فَقلت الَّذِي ذكر لي هَذَا الْبَحْث أَن هَذِه سفسطة وَجَهل لَو جَازَ لَهُ هَذَا التَّخْلِيط لجَاز لغيره أَن يَقُول لَيْسَ للْعلم ضد لَكِن لوُجُوده ضد وَهُوَ عَدمه وَلَا لشَيْء من الكيفيات ضد وَلَكِن لوجودها ضد وَهُوَ عدمهَا فَيبْطل التضاد من جَمِيع الكيفيات وَهَذَا كَلَام يعلم فَسَاده بضرورة الْعقل وَلَا فرق بَين وجود الضِّدّ لِلْعَقْلِ وَبَين وجوده للْعلم ولسائر الكيفيات وَهِي بَاب وَاحِد كُله وَإِنَّمَا هِيَ صِفَات متعاقبة كلهَا مَوْجُودَة فالعقل مَوْجُود ثمَّ يعقبه الْحمق وَهُوَ مَوْجُود كَمَا أَن الْعلم مَوْجُود ويعقبه الْجَهْل وكما أَن النجدة مَوْجُودَة ويعقبها الْجُبْن وَهُوَ مَوْجُود وَهَذَا أَمر لَا يخفى على من لَهُ أقل تَمْيِيز وَكَذَلِكَ الْجَوَاهِر لَا تقبل الأشد والأضعف فِي ذواتها وَهَذَا أَيْضا قَول كل من لَهُ أدنى فهم من الأوايل وَالْعقل عِنْد جَمِيعهم هُوَ تَمْيِيز الْفَضَائِل من الرذائل وَاسْتِعْمَال الْفَضَائِل وَاجْتنَاب الرذائل والتزام مَا يحسن بِهِ المغبة فِي دَار الْبَقَاء وعالم الْجَزَاء وَحسن السياسة فِيمَا يلْزم الْمَرْء فِي دَار الدُّنْيَا وَبِهَذَا أَيْضا جَاءَت الرُّسُل ﵈ قَالَ الله ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَذَلِك يبين الله لكم الْآيَات لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أم تحسب أَن أَكْثَرهم يسمعُونَ أَو يعْقلُونَ إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيجْعَل الرجس على الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى

стр. 663

﴿وَإِذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة اتَّخَذُوهَا هزوا وَلَعِبًا ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يعْقلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الَّذين كفرُوا فهم لَا يُؤمنُونَ﴾ فصح أَن الْعقل هُوَ الْإِيمَان وَجَمِيع الطَّاعَات وَقَالَ تَعَالَى عَن الْكفَّار ﴿وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾ وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن كثير فصح أَن الْعقل فعل النَّفس وَهُوَ عرض مَحْمُول فِيهَا وَقُوَّة من قواها فَهُوَ عرض كَيْفيَّة بِلَا شكّ وَإِنَّمَا غلط من غلط فِي هَذَا لِأَنَّهُ رأى لبَعض الْجُهَّال المخلطين من الْأَوَائِل أَن القل جَوْهَر وَأَن لَهُ فلكاً فعول على ذَلِك من لَا علم لَهُ وَهَذَا خطأ كَمَا أوردنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَإِن لَفْظَة الْعقل عَرَبِيَّة أَتَى بهَا المترجمون عبارَة عَن لَفْظَة أُخْرَى يعبر بهَا فِي اليونانية أَو فِي غَيرهَا من اللُّغَات عَمَّا يعبر بِلَفْظَة الْعقل عَنهُ فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة هَذَا مَا لَا خَفَاء بِهِ عِنْد أحد وَلَفْظَة الْعقل فِي لُغَة الْعَرَب إِنَّمَا هِيَ مَوْضُوعَة لتمييز الْأَشْيَاء وَاسْتِعْمَال الْفَضَائِل فصح ضَرُورَة أَنَّهَا معبرة بهَا عَن عرض وَكَانَ مدعى خلاف ذَلِك رَدِيء الْعقل عديم الْحيَاء مباهتاً بِلَا شكّ وَلَقَد قَالَ بعض النوكي الْجُهَّال لَو كَانَ الْعقل عرضا لكَانَتْ الْأَجْسَام أشرف مِنْهُ فَقلت للَّذي أَتَانِي بِهَذَا وَهل للجوهر شرف إِلَّا بأعراضه وَهل شرف جَوْهَر قطّ على جَوْهَر إِلَّا بصفاته لَا بِذَاتِهِ هَل يخفى هَذَا على أحد ثمَّ قُلْنَا ويلزمهم هَذَا نَفسه على قَوْلهم السخيف فِي الْعلم والفضائل أَن لَا يخالفوننا فِي أَنَّهَا أَعْرَاض فعلي مقدمتهم السخيفة يجب أَن تكون الْأَجْسَام كلهَا اشرف مِنْهَا وَهَذَا كَمَا ترى وَأما الهيولى فَهُوَ الْجِسْم نَفسه الْحَامِل لأعراضه كلهَا وَإِنَّمَا أفردته الْأَوَائِل بِهَذَا الِاسْم إِذْ تكلمُوا عَلَيْهِ مُفردا فِي الْكَلَام عَلَيْهِ عَن سَائِر أعراضه كلهَا من الصُّورَة وَغَيرهَا مَفْصُولًا فِي الْكَلَام عَلَيْهِ خَاصَّة عَن أعراضه وَإِن كَانَ لَا سَبِيل إِلَى أَن يُوجد خَالِيا عَن أعراضه وَلَا متعرياً مِنْهَا أصلا وَلَا يتَوَهَّم وجوده كَذَلِك وَلَا يتشكل فِي النَّفس وَلَا يتَمَثَّل ذَلِك أصلا بل هُوَ محَال مُمْتَنع جملَة كَمَا أَن الْإِنْسَان الْكُلِّي وَجَمِيع الْأَجْنَاس والأنواع لَيْسَ شَيْء مِنْهَا غير أشخاصه فَقَط فَهِيَ الْأَجْسَام بِأَعْيَانِهَا إِن كَانَ النَّوْع نوع أجسام وَهِي أشخاص الْأَعْرَاض إِن كَانَ النَّوْع نوع أَعْرَاض وَلَا مزِيد لِأَن قَوْلنَا الْإِنْسَان الْكُلِّي يزِيد النَّوْع إِنَّمَا مَعْنَاهُ أشخاص النَّاس فَقَط لَا أَشْيَاء أخر وَقَوْلنَا الْحمرَة الْكُلية إِنَّمَا مَعْنَاهُ أشخاص الْحمرَة حَيْثُ وجدت فَقَط فَبَطل بِهَذَا تَقْدِير من ظن من أهل الْجَهْل أَن الْجِنْس وَالنَّوْع والفصل جَوَاهِر لَا أجسام وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَكِن الْأَوَائِل سمتها وسمت الصِّفَات الأوليات الذاتيات جوهريات لَا جَوَاهِر وَهَذَا صَحِيح لِأَنَّهَا منسوبة إِلَى الْجَوَاهِر لملازمتها لَهَا وَأَنَّهَا لَا تفارقها الْبَتَّةَ وَلَا يتَوَهَّم مفارقتها لَهَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَبَطل قَوْلهم فِي الخلا والمدة وَالصُّورَة وَالْعقل والهيولى وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما الْبَارِي تَعَالَى فقد أَخطَأ من سَمَّاهُ جوهراً من المجسمة وَمن النَّصَارَى لِأَن لَفْظَة الْجَوْهَر لَفْظَة عَرَبِيَّة وَمن أثبت الله فَفرض عَلَيْهِ إِذا قرانه خالقه وإلاهه وَمَالك أمره أَلا يقدم عَلَيْهِ فِي شَيْء إِلَّا بِعَهْد مِنْهُ تَعَالَى وَإِلَّا يخبر عَنهُ إِلَّا بِعلم مُتَيَقن وَلَا علم هَهُنَا إِلَّا مَا أخبر بِهِ فَقَط فصح يَقِينا أَن تَسْمِيَة الله جوهراً وَالْأَخْبَار عَنهُ بِأَنَّهُ جَوْهَر حكم عَلَيْهِ تَعَالَى بِغَيْر عهد مِنْهُ وأخبار عَنهُ تَعَالَى بِالْكَذِبِ الَّذِي لم يخبر قطّ تَعَالَى بِهِ نَفسه وَلَا سمي بِهِ نَفسه وَهَذَا إقدام لم يأتنا قطّ بِهِ برهَان بإباحته وَأَيْضًا فَإِن الْجَوْهَر حَامِل لأعراض وَلَو كَانَ الْبَارِي تَعَالَى حَامِلا لعرض لَكَانَ مركبا عَن ذَاته وأعراضه وَهَذَا بَاطِل وَأما النَّصَارَى فَلَيْسَ لَهُم أَن يتصوروا على اللُّغَة الْعَرَبيَّة فيصرفوها عَن موضعهَا فَبَطل أَن يكون تَعَالَى جوهراً لبراءته عَن حد الْجَوَاهِر وَبَطل أَن يُسَمِّي جوهراً لِأَنَّهُ تَعَالَى لم يُسَمِّي نَفسه بِهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَبَطل قَول من سمي الله تَعَالَى جوهراً وَأخْبر عَنهُ أَنه تَعَالَى جَوْهَر وَللَّه تَعَالَى الْحَمد فَلم يبْق إِلَّا النَّفس والجزء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ وَنحن إِن شَاءَ الله تَعَالَى نتكلم فِيهَا كلَاما مُبينًا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم

стр. 664

قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلف النَّاس فِي النَّفس فَذكر عَن أبي بكر عبد الرَّحْمَن بن كيسَان الْأَصَم إِنْكَار النَّفس جملَة وَقَالَ لَا أعرف إِلَّا مَا شاهدته بحواسي وَقَالَ جالينوس وَأَبُو الْهُذيْل مُحَمَّد بن الْهُذيْل العلاف النَّفس عرض من الْأَعْرَاض ثمَّ اخْتلفَا فَقَالَ جالينوس هِيَ مزاج مُجْتَمع متولد من تركيب أخلاط الْجَسَد وَقَالَ أَبُو الْهُذيْل هِيَ عرض كَسَائِر أَعْرَاض الْجِسْم وَقَالَت طَائِفَة النَّفس هِيَ النسيم الدَّاخِل الْخَارِج بالتنفس فَهِيَ النَّفس قَالُوا وَالروح عرض وَهُوَ الْحَيَاة فَهُوَ غير النَّفس وَهَذَا قَول الباقلاني وَمن اتبعهُ من الأشعرية وَقَالَت طَائِفَة النَّفس جَوْهَر لَيست جسماً وَلَا عرضا وَلَا لَهَا طول وَلَا عرض وَلَا عمق وَلَا هِيَ فِي مَكَان وَلَا تتجزأ وَأَنَّهَا هِيَ الفعالة الْمُدبرَة وَهِي الْإِنْسَان وَهُوَ قَول بعض الْأَوَائِل وَبِه يَقُول معمر بن عَمْرو الْعَطَّار أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة وَذهب سَائِر أهل الْإِسْلَام والملل المقرة بالميعاد إِلَى أَن النَّفس جسم طَوِيل عريض عميق ذَات مَكَان عَاقِلَة مُمَيزَة مصرفة للجسد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَبِهَذَا نقُول وَالنَّفس وَالروح اسمان مُتَرَادِفَانِ لمسمى وَاحِد ومعناهما وَاحِد قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما قَول أبي بكر ابْن كيسَان فَإِنَّهُ يُبطلهُ النَّص وبرهان الْعقل أما النَّص فَقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم الْيَوْم﴾ الْآيَة فصح أَن النَّفس مَوْجُودَة وَأَنَّهَا غير الْجَسَد وَأَنَّهَا الْخَارِجَة عِنْد الْمَوْت قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما الْبُرْهَان الْعقلِيّ فإننا نرى الْمَرْء إِذا أَرَادَ تصفية عقله وَتَصْحِيح رَأْيه أَو فك مَسْأَلَة عويصة عكس ذهنه وأفرد نَفسه عَن حواسها الجسدية وَترك اسْتِعْمَال الْجَسَد جملَة وتبرأ مِنْهُ حَتَّى أَنه لَا يرى من بِحَضْرَتِهِ وَلَا يسمع مَا يُقَال أَمَامه فَحِينَئِذٍ يكون رَأْيه وفكره أصفى مَا كَانَ فصح أَن الْفِكر وَالذكر ليسَا للجسد المتخلى مِنْهُ عِنْد إرادتهما وَأَيْضًا فَالَّذِي يرَاهُ النَّائِم مِمَّا يخرج حَقًا على وَجهه وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا إِذا تخلت النَّفس عَن الْجَسَد فَبَقيَ الْجَسَد كجسد الْمَيِّت ونجده حِينَئِذٍ يرى فِي الرُّؤْيَا وَيسمع وَيتَكَلَّم وَيذكر وَقد بَطل عمل بَصَره الجسدي وَعمل أُذُنَيْهِ الجسدي وَعمل ذوقه الجسدي وَكَلَام لِسَانه الجسدي فصح يَقِينا أَن الْعقل المبصر السَّامع الْمُتَكَلّم الحساس الذائق هُوَ شَيْء غير الْجَسَد فصح أَن الْمُسَمّى نفسا إِذْ لَا شَيْء غير ذَلِك وَكَذَلِكَ مَا تتخيله نفس الْأَعْمَى وَالْغَائِب عَن الشَّيْء مِمَّا قد رَآهُ قبل ذَلِك فيتمثله وَيَرَاهُ فِي نَفسه كَمَا هُوَ فصح يَقِينا أَن هَهُنَا متمثلاً مدْركا غير الْجَسَد إِذْ لَا أثر للجسد وَلَا للحواس فِي شَيْء مِمَّا ذكرنَا الْبَتَّةَ وَمِنْهَا أَنَّك ترى المريد يُرِيد بعض الْأُمُور بنشاط فَإِذا اعْتَرَضَهُ عَارض مَا كسل والجسم يحسبه كَمَا كَانَ لم يتَغَيَّر مِنْهُ شَيْء فَعلمنَا أَن هَهُنَا مرِيدا للأشياء غير الْجَسَد وَمِنْهَا أَخْلَاق النَّفس من الْحلم وَالصَّبْر والحسد وَالْعقل والطيش والخرق والنزق وَالْعلم والبلادة وكل هَذَا لَيْسَ لشَيْء من أَعْضَاء الْجَسَد فَإذْ لَا شكّ فِي ذَلِك فَإِنَّمَا هُوَ كُله للنَّفس الْمُدبرَة للجسد وَمِنْهَا مَا يرى من بعض المحصرين مِمَّن قد ضعف جسده وفسدت بنيته وتراه حِينَئِذٍ أجد مَا كَانَ ذهناً وَأَصَح مَا كَانَ تمييزا وَأفضل طبيعة وَأبْعد عَن كل لَغْو وأنطق بِكُل حِكْمَة وأصحهم نظرا وَجَسَده حِينَئِذٍ فِي غَايَة الْفساد وَبطلَان القوى فصح أَن الْمدْرك للأمور وَالْمُدبر للجسد الفعال الْمُمَيز الْحَيّ هُوَ شَيْء غير الْجَسَد وَهُوَ الَّذِي يُسمى نفسا وَصَحَّ أَن الْجَسَد مؤد للنَّفس وَلها مدخلات فِي الْجَسَد كَأَنَّهَا وَقعت فِي طين مخمر فأنساها شغلها بهَا كلما سلف لَهَا وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الْفِعْل للجسد لَكَانَ فعله متمادياً وحياته مُتَّصِلَة فِي حَال نَومه وَمَوته وَنحن نرى الْجَسَد حِينَئِذٍ صَحِيحا سالما لم ينْتَقض مِنْهُ شَيْء من أَعْضَائِهِ وَقد بطلت أَفعاله كلهَا جملَة فصح أَن الْفِعْل والتمييز إِنَّمَا كَانَ لغير الْجَسَد وَهُوَ النَّفس الْمُفَارقَة وَإِن الفعال الذاكر قد باينه وتبرأ مِنْهُ وَأَيْضًا فإننا نرى أَعْضَاء الْجَسَد تذْهب عضوا عضوا بِالْقطعِ وَالْفساد والقوى بَاقِيَة بحسبها والأعضاء قد ذهبت وفسدت ونجد الذِّهْن وَالتَّدْبِير وَالْعقل وَقَوي النَّفس بَاقِيَة أَو فر مَا كَانَ فصح ضَرُورَة أَن الفعال الْعَالم الذاكر المدير المريد هُوَ غير الْجَسَد كَمَا ذكرنَا وَأَن الْجَسَد

стр. 665

موَات فَبَطل قَول ابْن كيسَان وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما قَول من قَالَ أَنَّهَا مزاج كَمَا قَالَ جالينوس فَإِن كل مَا ذكرنَا مِمَّا أبطلنا بِهِ قَول أبي بكر بن كيسَان فَإِنَّهُ يبطل أَيْضا قَول جالينوس وَأَيْضًا فَإِن العناصر الْأَرْبَعَة الَّتِي مِنْهَا تركب الْجَسَد وَهِي التُّرَاب وَالْمَاء والهواء وَالنَّار فَإِنَّهَا كلهَا موَات بطبعها وَمن الْبَاطِل الْمُمْتَنع والمحال الَّذِي لَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يجْتَمع موَات وموات وموات وموات فَيقوم مِنْهَا حَيّ وَكَذَلِكَ محَال أَن تَجْتَمِع بوارد فَيقوم مِنْهَا حَار أَو حوار فيجتمع مِنْهَا بَارِد أَو حَيّ وَحي وَحي فَيقوم مِنْهَا موَات فَبَطل أَن تكون النَّفس مزاجاً وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَول من قَالَ أَنَّهَا عرض فَقَط وَقَول من قَالَ إِنَّمَا النَّفس النسيم الدَّاخِل وَالْخَارِج من الْهَوَاء وَأَن الرّوح هُوَ عرض وَهُوَ الْحَيَاة فَإِن كلى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ يبطلان بِكُل مَا ذكرنَا ابطلال قَول الْأَصَم ابْن كيسَان وَأَيْضًا فَإِن أهل هذَيْن الْقَوْلَيْنِ ينتمون إِلَى الْإِسْلَام وَالْقُرْآن يبطل قَوْلهم نصا قَالَ الله تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت وَيُرْسل الْأُخْرَى إِلَى أجل مُسَمّى﴾ فصح ضَرُورَة أَن النَّفس غير الأجساد وَأَن الْأَنْفس هِيَ المتوفاة فِي النّوم وَالْمَوْت ثمَّ ترد عِنْد الْيَقَظَة وَتمسك عِنْد الْمَوْت وَلَيْسَ هَذَا التوفي للأجساد أصلا وبيقين يدْرِي كل ذِي حس سليم أَن الْعرض لَا يُمكن أَن يتوفى فيفارق الْجِسْم الْحَامِل لَهُ وَيبقى كَذَلِك ثمَّ يرد بعضه ويمسك بعضه هَذَا مَا لَا يكون وَلَا يجوز لِأَن الْعرض يبطل بمزايلته الْحَامِل لَهُ وَكَذَلِكَ لَا يُمكن أَن يظنّ ذُو مسكة من عقل أَن الْهَوَاء الْخَارِج والداخل هُوَ المتوفي عِنْد النّوم وَكَيف ذَلِك وَهُوَ بَاقٍ فِي حَال النّوم كَمَا كَانَ فِي حَال الْيَقَظَة وَلَا فرق وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون﴾ فَإِنَّهُ لَا يُمكن أَن يعذب الْعرض وَلَا الْهَوَاء وَأَيْضًا قَالَ الله يَقُول ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ الْآيَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ آيَة ترفع الأشكال جملَة وَتبين أَن النَّفس غير الْجَسَد وَإِنَّمَا هِيَ الْعَاقِلَة المخاطبة المكلفة لِأَنَّهُ لَا يشك ذُو حس سليم فِي أَن الأجساد حِين أَخذ الله عَلَيْهَا هَذَا الْعَهْد كَانَت مبددة فِي التُّرَاب وَالْمَاء والهواء وَالنَّار وَنَصّ الْآيَة يَقْتَضِي مَا قُلْنَا فَكيف وفيهَا نَص أَن الأشهاد إِنَّمَا وَقع على النُّفُوس وَمَا أَدْرِي كَيفَ تَنْشَرِح نفس مُسلم بِخِلَاف هَذِه النُّصُوص وَكَذَلِكَ أَخْبَار رَسُول الله ﷺ أَنه رأى عِنْد سَمَاء الدُّنْيَا لَيْلَة أسرِي بِهِ عَن يَمِين آدم وَعَن يسَاره نسم بنيه فَأهل السَّعَادَة عَن يَمِينه وَأهل الشقاوة عَن يسَاره ﵇ وَمن الْبَاطِل أَن تكون الْأَعْرَاض بَاقِيَة هُنَالك أَو أَن يكون النسيم هُنَالك وَهُوَ هَوَاء مُتَرَدّد فِي الْهَوَاء قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَو كَانَ مَا قَالَه أَبُو الْهُذيْل والباقلاني وَمن قلدهما حَقًا لَكَانَ الْإِنْسَان يُبدل فِي كل سَاعَة ألف ألف روح وأزيد من ثَلَاث مائَة نفس ألف لِأَن الْعرض عِنْدهم لَا يبْقى وَقْتَيْنِ بل يفنى ويتجدد عِنْدهم أبدا فَروح كل حَيّ على قَوْلهم فِي كل وَقت غير روحه الَّتِي كَانَت قبل ذَلِك وَهَكَذَا تتبدل أَرْوَاح النَّاس عِنْدهم بِالْخِطَابِ وَكَذَلِكَ بِيَقِين يُشَاهد كل أحد أَن الْهَوَاء الدَّاخِل بالتنفس ثمَّ يخرج هُوَ غير الْهَوَاء الدَّاخِل بالتنفس الثَّانِي فالإنسان يُبدل على قَول الأشعرية أنفساً كَثِيرَة فِي كل وَقت وَنَفسه الْآن غير نَفسه آنِفا وَهَذَا حمق لَا خَفَاء بِهِ فَبَطل قَول الْفَرِيقَيْنِ بِنَصّ الْقُرْآن وَالسّنة وَالْإِجْمَاع والمشاهدة والمعقول وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين هَذَا مَعَ تعريهما من الدَّلِيل جملَة وَأَنَّهَا دَعْوَى فَقَط وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وَقد صرح الباقلاني عِنْد ذكره لما يعْتَرض فِي أَرْوَاح الشُّهَدَاء وأرواح آل فِرْعَوْن فَقَالَ هَذَا يخرج على وَجْهَيْن بِأَن يوضع عرض الْحَيَاة فِي أقل جُزْء من أَجزَاء الْجِسْم وَقَالَ بعض من شَاهَدْنَاهُ مِنْهُم تُوضَع الْحَيَاة فِي عجب الذَّنب وَاحْتج بالْخبر عَن رَسُول الله ﷺ كل ابْن آدم يَأْكُلهُ التُّرَاب إِلَّا عجب الذَّنب وَمِنْه يركب الْخلق يَوْم الْقِيَامَة وَفِي روليه مِنْهُ خلق وَفِيه يركب

стр. 666

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تمويه من المحتج بِهَذَا الْخَبَر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيث لَا نَص وَلَا دَلِيل وَلَا إِشَارَة يُمكن أَن يناول على أَن عجب الذَّنب يحيا وَإِنَّمَا فِي الحَدِيث أَن عجب الذَّنب لَا يَأْكُلهُ التُّرَاب وَأَنه من خلق الْجَسَد وَفِيه يركب فَقَط فَظهر تمويه هَذَا الْقَائِل وَضَعفه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ الباقلاني وَأما أَن يخلق لتِلْك الْحَيَاة جَسَد آخر فَلَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا مَذْهَب أَصْحَاب التناسخ بِلَا مؤونة وَاحْتج لذَلِك بِالْحَدِيثِ الْمَأْثُور أَن نسمَة الْمُؤمن طير يعلف من ثمار الْجنَّة ويأوي إِلَى قناديل تَحت الْعَرْش وَفِي بَعْضهَا أَنَّهَا فِي حواصل طير خضر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذَا الْخَبَر لِأَن معنى قَوْله ﵇ طَائِر يعلف هُوَ على ظَاهره لَا على ظن أهل الْجَهْل وَإِنَّمَا أخبر ﵇ أَن نسمَة الْمُؤمن طَائِر بِمَعْنى أَنَّهَا تطير فِي الْجنَّة فَقَط لَا أَنَّهَا تنسخ فِي صور طير فَإِن قيل أَن النَّسمَة مُؤَنّثَة قُلْنَا قد صَحَّ عَن عَرَبِيّ فصيح أَنه قَالَ أتتك كتابي فاستخففت بهَا فَقيل لَهُ أتؤنث الْكتاب فَقَالَ أَو لَيْسَ صحيفَة وَكَذَلِكَ النَّسمَة روح فَتذكر لذَلِك وَأما الزِّيَادَة الَّتِي فِيهَا أَنَّهَا فِي حواصل طير خضر فَإِنَّهَا صفة تِلْكَ الْقَنَادِيل الَّتِي تأوي إِلَيْهَا وَالْحَدِيثَانِ مَعًا حَدِيث وَاحِد وَخبر وَاحِد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلم يحصل من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ الفاسدين إِلَّا على دَعْوَى كَاذِبَة بِلَا دَلِيل يشبه الْهزْل أَو على كفر مُجَرّد فِي الْمصير إِلَى قَول أَصْحَاب التناسخ وعَلى تَحْرِيف الحَدِيث عَن وَجهه ونعوذ بِاللَّه من الخذلان فَبَطل هَذَانِ الْقَوْلَانِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما قَول من قَالَ أَن النَّفس جَوْهَر لَا جسم من الْأَوَائِل وَمعمر وَأَصْحَابه فَإِنَّهُم موهوا بأَشْيَاء إقناعيات فَوَجَبَ إيرادها ونقضها ليظْهر الْبُرْهَان على وَجه الْإِنْصَاف للخصم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَالُوا لَو كَانَت النَّفس جسماً لَكَانَ بَين تَحْرِيك المحرك رجله وَبَين إِرَادَته تحريكها زمَان على قدر حَرَكَة الْجِسْم وَثقله إِذا النَّفس هِيَ المحركة للجسد والمريدة لحركته قَالُوا فَلَو كَانَ المحرك للرجل جسماً لَكَانَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون حَاصِلا فِي هَذِه الْأَعْضَاء وَإِمَّا جائياً إِلَيْهَا فَإِن كَانَ جائياً إِلَيْهَا احْتَاجَ إِلَى مُدَّة وَلَا بُد وَإِن كَانَ حَاصِلا فِيهَا فَنحْن إِذا قَطعنَا تِلْكَ الْعصبَة الَّتِي بهَا تكون الْحَرَكَة لم يبْق مِنْهَا فِي الْعُضْو الَّذِي كَانَ يَتَحَرَّك شَيْء أصلا فَلَو كَانَ ذَلِك المحرك حَاصِلا فِيهِ لبقي مِنْهُ شَيْء فِي ذَلِك الْعُضْو قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا معنى لَهُ لِأَن النَّفس لَا تَخْلُو من أحد ثَلَاثَة أوجه لَا رَابِع لَهَا إِمَّا أَن تكون مُجَللَة لجَمِيع الْجَسَد من خَارج كَالثَّوْبِ وَإِمَّا أَن تكون متخللة بِجَمِيعِهِ من دَاخل كَالْمَاءِ فِي المدرة وَإِمَّا أَن تكون فِي مَكَان وَاحِد من الْجَسَد وَهُوَ الْقلب أَو الدِّمَاغ وَتَكون قواها مثبتة فِي جَمِيع الْجَسَد فَأَي هَذِه الْوُجُوه كَانَ فتحريكها لما يُرِيد تحريكه من الْجَسَد يكون مَعَ إرادتها لذَلِك بِلَا زمَان كإدراك الْبَصَر لما يلاقي فِي الْبعد بِلَا زمَان وَإِذا قطعت الْعصبَة لم يَنْقَطِع مَا كَانَ من جسم النَّفس مخللاً لذَلِك الْعُضْو إِن كَانَت متخللة لجَمِيع الْجَسَد من دَاخل أَو مُجَللَة لَهُ من خَارج بل يُفَارق الْعُضْو الَّذِي يبطل حسه فِي الْوَقْت وينفصل عَنهُ بِلَا زمَان وَتَكون مفارقتهما لذَلِك الْعُضْو كمفارقة الْهَوَاء للإناء الَّذِي ملئ مَاء وَأما أَن كَانَت النَّفس سَاكِنة فِي مَوضِع وَاحِد من الْجَسَد فَلَا يلْزم على هَذَا الْقسم أَن يسلب من العضود الْمَقْطُوع بل يكون فعلهَا حِينَئِذٍ فِي تحريكها الْأَعْضَاء كَفعل حجر المغنطيس فِي الْحَدِيد وَإِن لم يلصق بِهِ بِلَا زمَان فَبَطل هَذَا الْإِلْزَام الْفَاسِد وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالُوا لَو كَانَت النَّفس جسماً لوَجَبَ أَن نعلم بِبَعْضِهَا أَو بكلها قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا سُؤال فَاسد تقسيمه وَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَنَّهَا لَا تعلم إِلَّا بكلها أَو بِبَعْضِهَا الْآن كل

стр. 667

بسيط غير مركب من طبائع شَتَّى فَهُوَ طبيعة وَاحِدَة وَمَا كَانَ طبيعة وَاحِدَة فقوته فِي جَمِيع أَبْعَاضه وَفِي بعض أَبْعَاضه سَوَاء كالنار تحرق بكلها وببعضها ثمَّ لَا نَدْرِي مَا وَجه هَذَا الِاعْتِرَاض علينا بِهَذَا السُّؤَال وَلَا مَا وَجه استدلالهم مِنْهُ على أَنَّهَا غير جسم وَلَو عكس عَلَيْهِم فِي إبِْطَال دَعوَاهُم أَنَّهَا جَوْهَر لَا جسم لما كَانَ بَينهم وَبَين السَّائِل لَهُم بذلك فرق أصلا وَقَالُوا أَن من شَأْن الْجِسْم أَنَّك إِذا زِدْت عَلَيْهِ جسماً آخر زَاد فِي كميته وَثقله قَالُوا فَلَو كَانَت النَّفس جسماً ثمَّ داخلت الْجِسْم الظَّاهِر لوَجَبَ أَن يكون الْجَسَد حِينَئِذٍ أثقل مِنْهُ دون النَّفس وَنحن نجد الْجَسَد إِذا فارقته النَّفس أثقل مِنْهُ إِذا كَانَت النَّفس فِيهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا شغب فَاسد ومقدمة بَاطِلَة كَاذِبَة لِأَنَّهُ لَيْسَ كل جسم كَمَا ذكرُوا من أَنه إِذا زيد عَلَيْهِ جسم آخر كَانَ أثقل مِنْهُ وَحده وَإِنَّمَا يعرض هَذَا فِي الْأَجْسَام الَّتِي تطلب المركز وَالْوسط فقطيعتي الَّتِي فِي طبعها أَن تتحرك سفلاً وترسب من المائيات والأرضيات وَأما الَّتِي تتحرك بطبعها علوا فَلَا يعرض ذَلِك فِيهَا بل الْأَمر بالضد وَإِذا أضيف جسم مِنْهَا إِلَى جسم ثقيل خففه فَإنَّك ترى أَنَّك لَو نفخت زقا من جلد ثَوْر أَو جلد بعير أَو أمكن حَتَّى يمتلئ هُوَ آثم وزنته فَإنَّك لَا نجد على وَزنه زِيَادَة على مِقْدَار وَزنه لَو كَانَ فَارغًا أصلا وَكَذَلِكَ مَا صعد من الزقاق وَلَو أَنه ورقة سوسنة منفوخة وَنحن نحسد الْجِسْم الْعَظِيم الَّذِي إِذا أضفته إِلَى الْجِسْم الثقيل خففه جدا فَإنَّك لَو رميت الزق غير المنفوخ فِي المَاء الرسب فَإِذا نفخته ورميت بِهِ خف وعام وَلم يرسب وَكَذَلِكَ يَسْتَعْمِلهُ العائمون لِأَنَّهُ يرفعهم عَن المَاء ويمنعهم من الرسوب وَهَكَذَا النَّفس مَعَ الْجَسَد وَهُوَ بَاب وَاحِد كلى لِأَن النَّفس جسم علوي فلكي أخف من الْهَوَاء وأطلب للعلو فَهِيَ تخفف الْجَسَد إِذا كَانَت فِيهِ فَبَطل تمويهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالُوا أَيْضا لَو كَانَت النَّفس جسماً لكَانَتْ ذَات خاصية إِمَّا خَفِيفَة وَإِمَّا ثَقيلَة وَإِمَّا حارة وَإِمَّا بَارِدَة وَإِمَّا لينَة وَإِمَّا خشنة قَالَ أَبُو مُحَمَّد نعم هِيَ خَفِيفَة فِي غَايَة الخفة ذاكرة عَاقِلَة مُمَيزَة حَيَّة هَذِه خواصها وحدودها الَّتِي بَانَتْ بهَا عَن سَائِر الْأَجْسَام المركبات مَعَ سَائِر أعراضها المحمولة فِيهَا من الْفَضَائِل والرذائل وَأما الْحر واليبس وَالْبرد والرطوبة واللين والخشونة فَإِنَّمَا هِيَ من أَعْرَاض عناصر الأجرام الَّتِي دون الْفلك خَاصَّة وَلَكِن هَذِه الْأَعْرَاض الْمَذْكُورَة مُؤثرَة فِي النَّفس اللَّذَّة أَو الْأَلَم فَهِيَ منفعلة لكل مَا ذكرنَا وَهَذَا يثبت أَنَّهَا جسم قَالُوا إِنَّمَا من كَانَ الْأَجْسَام فكيفياته محسوسة وَمَا لم تكن كيفياته محسوسة فَلَيْسَ بجسم وكيفيات النَّفس إِنَّمَا هِيَ الْفَضَائِل والرذائل وَهَذَانِ الجنسان من الكيفيات ليسَا محسوسين فَالنَّفْس لَيست جسماً قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا شغب فَاسد ومقدمة كَاذِبَة لِأَن قَوْلهم أَن مَا تحس كيفياته فَلَيْسَ جسماً دَعْوَى كَاذِبَة لَا برهَان عَلَيْهَا أصلا لَا عَقْلِي وَلَا حسي وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ قَول سَاقِط ومطروح لَا يعجز عَن مثله أحد وَلَكنَّا لَا نقنع بِهَذَا دون أَن نبطل هَذِه الدَّعْوَى ببرهان حسي ضَرُورِيّ بعون الله تَعَالَى وَهُوَ أَن الْفلك جسم وكيفياته غير محسوسة وَأما اللَّوْن اللازوردي الظَّاهِر فَإِنَّمَا يتَوَلَّد فِيمَا دونه من امتزاج بعض العناصر وَوُقُوع خطّ الْبَصَر عَلَيْهَا وبرهان ذَلِك تبدل ذَلِك اللَّوْن بِحَسب الْعَوَارِض المولدة لَهُ فَمرَّة ترَاهُ أَبيض صافي الْبيَاض وَمرَّة ترى حمرَة ظَاهِرَة فصح أَن قَوْلهم دَعْوَى مُجَرّدَة كَاذِبَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَإِن الْجِسْم تتفاضل أَنْوَاعه فِي وُقُوع الْحَواس عَلَيْهِ فَمِنْهُ مَا يدْرك لَونه وطعمه وريحه وَمِنْه مَا لَا يدْرك مِنْهُ إِلَّا المجسة فَقَط كالهواء وَمِنْهَا النَّار فِي عنصرها لَا يَقع عَلَيْهَا شَيْء من الْحَواس أصلا بِوَجْه من الْوُجُوه وَهِي جسم عَظِيم المساحة مُحِيط بالهواء كُله فَوَجَبَ من هَذَا أَن الْجِسْم كل مَا زَاد لطافة وصفاء لم تقع عَلَيْهِ الْحَواس وَهَذَا حكم النَّفس وَمَا دون النَّفس فأكثره محسوس للنَّفس لَا حس الْبَتَّةَ إِلَّا للنَّفس وَلَا حساس إِلَّا هِيَ فَهِيَ حساسة لَا محسوسة وَلم يجب قطّ لَا بعقل وَلَا بحس أَن يكون كل حساس محسوساً فَسقط قَوْلهم

стр. 668

جملَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالُوا أَن كل جسم فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يَقع تَحت جَمِيع الْحَواس أَو تَحت بَعْضهَا وَالنَّفس لَا تقع تَحت كل الْحَواس وَلَا تَحت بَعْضهَا فَالنَّفْس لَيست جسماً قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه مُقَدّمَة فَاسِدَة كَمَا ذكرنَا آنِفا لِأَن مَا عدم اللَّوْن من الْأَجْسَام لم يدْرك بِالْبرِّ كالهواء وكالنار فِي عنصرها وَإِن مَا عدم الرَّائِحَة لم يدْرك بالشم كالهواء وَالنَّار والحصى والزجاج وَغير ذَلِك وَمَا عدم الطّعْم لم يدْرك بالذوق كالهواء وَالنَّار والحصى والزجاج وَمَا عدم المجسة لم يدْرك باللمس كالهواء السَّاكِن وَالنَّفس عادمة اللَّوْن والطعم والمجسة والرائحة فَلَا تدْرك بِشَيْء من الْحَواس بل هِيَ المدركة لكل هَذِه المدركات وَهِي الحساسة لكل هَذِه المحسوسات فَهِيَ حساسة لَا محسوسة وَإِنَّمَا تعرف بآثارها وبراهين عقلية وَسَائِر الْأَجْسَام والأعراض محسوسة لَا حساسة وَلَا بُد من حساس لهَذِهِ المحسوسات وَلَا حساس لَهَا غير النَّفس وَهِي الَّتِي تعلم نَفسهَا وَغَيرهَا وَهِي الْقَابِلَة لأعراضها الَّتِي تتعاقب عيها من الْفَضَائِل والرذائل الْمَعْلُومَة بِالْعقلِ كقبول سَائِر الأجرام لما يتعاقب عَلَيْهَا من الْأَعْرَاض بِالْعقلِ وَالنَّفس هِيَ المتحركة باختيارها المحركة لسَائِر الْأَجْسَام هِيَ مُؤثرَة فِيهَا تألم وتلتذ وتفرح وتحزن وتغضب وترضى وَتعلم وتجهل وتحب وَتكره وتذكر وتنسي وتنتقل وَتحل فَبَطل قَول هَؤُلَاءِ أَن كل جسم فَلَا بُد من ان يَقع تَحت الْحَواس أَو تَحت بَعْضهَا لِأَنَّهَا دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا وكل دَعْوَى عربت من دَلِيل فَهِيَ بَاطِلَة وَقَالُوا كل جسم فَإِنَّهُ لَا محَالة يلْزمه الطول وَالْعرض والعمق والسطح والشكل والكم والكيف فَإِن كَانَت النَّفس جسماً فَلَا بُد أَن تكون هَذِه الكيفيات فِيهَا أَو يكون بَعْضهَا فِيهَا فَأَي الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَهِيَ إِذا محاط بهَا هِيَ مدركة بالحواس أَو من بَعْضهَا وَلَا نرى الْحَواس تدركها فَلَيْسَتْ جسماً قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا كُله صَحِيح وقضايا صَادِقَة حاشا قَضِيَّة وَاحِدَة لَيست فِيهَا وَهِي قَوْلهم وَهِي مدركة من الْحَواس أَو من بَعْضهَا فَهَذَا هُوَ الْبَاطِل المقحم بِلَا دَلِيل وَسَائِر ذَلِك صَحِيح وَهَذِه الْقَضِيَّة الْفَاسِدَة دَعْوَى كَاذِبَة وَقد تقدم أَيْضا إفسادنا لَهَا آنِفا مَعَ تعريها عَن دَلِيل يصححها وَنعم فَالنَّفْس جسم طَوِيل عريض عميق ذَات سطح وَخط وشكل ومساحة وَكَيْفِيَّة يحاط بهَا ذَات مَكَان وزمان لِأَن هَذِه خَواص الْجِسْم وَلَا بُد وَالْعجب من قلَّة حَيَاء من أقحم مَعَ هَذَا فَهِيَ إِذا مدركة بالحواس وَهَذَا عين الْبَاطِل لِأَن حاسة الْبَصَر وحاسة السّمع وحاسة الذَّوْق وحاسة الشم وحاسة اللَّمْس لَا يَقع شَيْء مِنْهَا لَا على الطول وَلَا على الْعرض وَلَا على العمق وَلَا على السَّطْح وَلَا على الشكل وَلَا على المساحة وَلَا على الْكَيْفِيَّة وَلَا على الْخط وَإِنَّمَا تقع حاسة الْبَصَر على اللَّوْن فَقَط فَإِن كَانَ فِي شَيْء مِمَّا ذكرنَا لون وَقعت عَلَيْهِ حاسبة الْبَصَر وَعلمت ذَلِك الملون بتوسط اللَّوْن وَإِلَّا فَلَا وَإِنَّمَا تقع حاسة السّمع على الصَّوْت فَإِن حدث فِي شَيْء مِمَّا ذكرنَا صَوت وَقعت عَلَيْهِ حاسة السّمع حِينَئِذٍ وَعلمت ذَلِك المصوت بتوسطه وَإِلَّا فَلَا وَإِنَّمَا تقع حاسة الشم على الرَّائِحَة فَإِن كَانَ فِي شَيْء مِمَّا ذكرنَا رَائِحَة وَقعت عَلَيْهَا حِينَئِذٍ حاسة الشم وَعلمت حَامِل الرَّائِحَة بتوسط الرَّائِحَة وَإِلَّا فَلَا وَإِن كَانَ لشَيْء مِمَّا ذكرنَا طعم وَقعت عيه حِينَئِذٍ حاسة الذَّوْق وَعلمت المذوق بتوسط الطّعْم وَإِلَّا فَلَا وَإِن كَانَ فِي شَيْء مِمَّا ذكرنَا مجسة وَقعت عَلَيْهَا حاسة اللَّمْس حِينَئِذٍ وَعلمت الملموس بتوسط المجسة وَإِلَّا فَلَا وَقَالُوا أَن من خَاصَّة الْجِسْم أَن يقبل التجزيء وَإِذا جزئ خرج مِنْهُ الْجُزْء الصَّغِير وَالْكَبِير وَلم يكن الْجُزْء الصَّغِير كالجزء الْكَبِير فَلَا يحلو حِينَئِذٍ من أحد أَمريْن إِمَّا أَن يكون كل جُزْء مِنْهَا نفسا فَيلْزم من ذَلِك أَن لَا تكون النَّفس نفسا وَاحِدَة بل تكون حِينَئِذٍ أنفساً كَثِيرَة مركبة من أنفس وَإِمَّا أَن يكون كل جُزْء مِنْهَا نفسا فَيلْزم أَن لَا تكون كلهَا نفسا

стр. 669

قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما قَوْلهم إِن خَاصَّة الْجِسْم احْتِمَال التجزيء فَهُوَ صدق وَالنَّفس مُحْتَملَة للتجزيء لِأَنَّهَا جسم من الْأَجْسَام وَأما قَوْلهم أَن الْجُزْء الصَّغِير لَيْسَ كالكبير فَإِن كَانُوا يُرِيدُونَ المساحة فَنعم وَأما فِي غير ذَلِك فَلَا وَأما قَوْلهم أَنَّهَا إِن تجزأت فإمَّا أَن يكون كل جُزْء مِنْهَا نفسا وإلزامهم من ذَلِك أَنَّهَا مركبة من أنفس فَإِن القَوْل الصَّحِيح فِي هَذَا أَن النَّفس مُحْتَملَة للتجزيء بِالْقُوَّةِ وَإِن كَانَ التجزيء بانقسامها غير مَوْجُود بِالْفِعْلِ وَهَكَذَا القَوْل فِي الْفلك وَالْكَوَاكِب كل ذَلِك مُحْتَمل للتجزيء بِالْقُوَّةِ وَلَيْسَ التجزيء مَوْجُودا فِي شَيْء مِنْهَا بِالْفِعْلِ وَأما قَوْلهم أَنَّهَا مركبة من أنفس فشغب فَاسد لأننا قد قدمنَا فِي غير مَوضِع أَن الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة والمسميات المتغايرة يجب أَن يُوقع على كل وَاحِد مِنْهَا اسْم يبين بِهِ عَن غَيره وَإِلَّا فقد وَقع الأشكال وَبَطل التفاهم وصرنا إِلَى قَول السوفسطائية المبطلة لجَمِيع الْحَقَائِق وَوجدنَا الْعَالم يَنْقَسِم قسمَيْنِ أَحدهمَا مؤلف من طبائع مُخْتَلفَة فاصطلحنا على أَن سمينا هَذَا الْقسم مركبا وَالثَّانِي مؤلفا من طبيعة وَاحِدَة فاصطلحنا على أَن سمينا هَذَا الْقسم بسيطاً ليَقَع التفاهم فِي الْفرق بَين هذَيْن الْقسمَيْنِ وَوجدنَا الْقسم الأول لَا يَقع على كل جُزْء من أَجْزَائِهِ اسْم كُله كالإنسان الجزئي فَإِنَّهُ متألف من أَعْضَاء لَا يُسمى شَيْء مِنْهَا إنْسَانا كَالْعَيْنِ وَالْأنف وَالْيَد وَسَائِر أَعْضَائِهِ الَّتِي لَا يُسمى عُضْو مِنْهَا على انْفِرَاده إنْسَانا فَإِذا تألفت سمي المتألف مِنْهَا إنْسَانا وَوجدنَا الْقسم الثَّانِي يَقع على كل جُزْء من أَجْزَائِهِ اسْم كُله كالأرض وَالْمَاء والهواء وَالنَّار وكالفلك فَكل جُزْء من النَّار نَار وكل جُزْء من المَاء مَاء وكل جُزْء من الْهَوَاء هَوَاء وكل جُزْء من الْفلك فَهُوَ فلك وكل جُزْء من النَّفس نفس وَلَيْسَ ذَلِك مُوجبا أَن تكون الأَرْض مؤلفة من أَرضين وَلَا أَن يكون الْهَوَاء مؤلفاً من أهوية وَلَا أَن يكون الْفلك مؤلفاً من أفلاك وَلَا أَن تكون النَّفس مؤلفة من أنفس وَحَتَّى لَو قيل ذَلِك بِمَعْنى أَن كل بعض مِنْهَا يُسمى نفسا وكل بعض من الْفلك يُسمى فلكاً فَمَا كَانَ يكون فِي ذَلِك مَا يعْتَرض بِهِ على أَنَّهَا جسم كَسَائِر الْأَجْسَام الَّتِي ذكرنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالُوا أَيْضا طبع ذَات الْجِسْم أَن يكون غير متحرك وَالنَّفس متحركة فَإِن كَانَت هَذِه الْحَرَكَة الَّتِي فِيهَا من قبل الْبَارِي تَعَالَى فقد وجدنَا لَهَا الحركات فَاسِدَة فَكيف يُضَاف ذَلِك إِلَى الْبَارِي تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا الْكَلَام غَايَة الْفساد والهجنة وَلَقَد كَانَ يَنْبَغِي لمن ينتسب إِلَى الْعلم إِن كَانَ يدْرِي مِقْدَار سُقُوط هَذِه الاعتراضات وسخفها أَن يصون نَفسه عَن الِاعْتِرَاض بهَا لرذالتها فَكَانَ الأولى بِهِ أَن يتَعَلَّم قبل أَن يتَكَلَّم فَأَما قَوْله أَن طبع ذَات الْجِسْم أَن تكون غير متحركة فَقَوْل ظَاهر الْكَذِب والمجاهرة لِأَن للأفلاك وَالْكَوَاكِب أجساماً وطبعها الْحَرَكَة الدائمة الْمُتَّصِلَة أبدا إِلَى أَن يحيلها خَالِقهَا عَن ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة وَأَن للعناصر دون الْفلك أجساماً وطبعها الْحَرَكَة إِلَى مقرها والسكون فِي مقرها وَأما النَّفس فَلِأَنَّهَا حَيَّة كَانَ طبعها السّكُون الِاخْتِيَارِيّ وَالْحَرَكَة الاختيارية حينا وحيناً هَذَا كُله لَا يجهله أحد بِهِ ذوق وَأما قَوْلهم أَن لَهَا حركات ردية فَكيف تُضَاف إِلَى الْبَارِي تَعَالَى فَإِنَّمَا كَانَ بعض حركات النَّفس ردياً بمخالفة النَّفس أَمر باريها فِي تِلْكَ الحركات وَإِنَّمَا أضيفت إِلَى الْبَارِي تَعَالَى لِأَنَّهُ خلقهَا فَقَط على قَوْلنَا أَو لِأَنَّهُ تَعَالَى خلق تِلْكَ القوى الَّتِي بهَا كَانَت تِلْكَ الحركات فَسقط إلزامهم الْفَاسِد وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالُوا أَيْضا إِن الْأَجْسَام فِي طبعها الاستحالة والتغير وَاحْتِمَال الإنقسام أبدا بِلَا غَايَة لَيْسَ شَيْء مِنْهَا إِلَّا هَكَذَا أبدا فَهِيَ محتاجة إِلَى من يربطها ويشدها ويحفظها وَيكون بِهِ تماسكها قَالُوا وَالْفَاعِل لذَلِك النَّفس فَلَو كَانَت النَّفس جسماً لكَانَتْ محتاجة إِلَى من يربطها ويحلها فَيلْزم من ذَلِك أَن تحْتَاج إِلَى نفس أُخْرَى وَالْأُخْرَى إِلَى أُخْرَى وَالْأُخْرَى كَذَلِك إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ بَاطِل قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا أفسد من كل قَول سبق من تشغيباتهم لِأَن مقدمته مغشوشة فَاسِدَة كَاذِبَة أما قَوْلهم

стр. 670

أَن الْأَجْسَام فِي طبعها الاستحالة والتغير على الْإِطْلَاق كذب لِأَن الْفلك جسم لَا يقبل الاستحالة وَإِنَّمَا تجب الاستحالة والتغيير فِي الْأَجْسَام المركبة من طبائع شَتَّى بخلعها كيفياتها ولباسها كيفيات أُخْرَى وبانحلالها إِلَى عناصرها هَكَذَا مُدَّة مَا أَيْضا ثمَّ تبقى غير منحلة أَو مستحيلة وَأما النَّفس فَإِنَّهَا تقبل الاستحالة والتغيير فِي أعراضها فيتغير ويستحيل من علم إِلَى جهل وَمن جهل إِلَى علم وَمن حرص إِلَى قناعة وَمن بخل إِلَى وجود وَمن رَحْمَة إِلَى قسوة وَمن لَذَّة إِلَى ألم هَذَا كُله مَوْجُود محسوس وَأما أَن تستحيل فِي ذَاتهَا فَتَصِير لَيست نفسا فَلَا وَهَذَا الْكَوْكَب هُوَ جسم وَلَا يصير غير كَوْكَب والفلك لَا يصير غير فلك وَأما قَوْله أَن الْأَجْسَام محتاجة إِلَى مَا يشدها ويربطها ويمسكها فَصَحِيح وَأما قَوْله أَن النَّفس هِيَ الفاعلة لذَلِك فكذب وَدَعوى بِلَا دَلِيل عَلَيْهَا إقناعي وَلَا برهاني بل هُوَ تمويه مُدَلّس يجوز باطله على أهل الْغَفْلَة وَهَكَذَا قَول الدهرية وَلَيْسَ كَذَلِك بل النَّفس من جملَة الْأَجْسَام المحتاجة إِلَى مَا يمْسِكهَا ويشدها ويقيمها وحاجتها إِلَى ذَلِك كحاجة سَائِر الْأَجْسَام الَّتِي فِي الْعَالم وَلَا فرق وَالْفَاعِل لكل ذَلِك فِي النَّفس وَفِي سَائِر الْأَجْسَام والممسك لَهَا والحافظ لجميعها والمحيل لما اسْتَحَالَ مِنْهَا فَهُوَ المبدى للنَّفس وَلكُل مَا فِي الْعَالم من جسم أَو عرض والمتمم لكل ذَلِك هُوَ الله الْخَالِق الْبَارِي المصور فبعض أمْسكهَا بطبائعها الَّتِي خلقهَا فِيهَا وصرفها فضبطها لما هِيَ فِيهِ وَبَعض أمْسكهَا برباطات ظَاهِرَة كالعصب وَالْعُرُوق والجلود لَا فَاعل لشَيْء من ذَلِك من دون الله تَعَالَى وَقد قدمنَا الْبَرَاهِين على كل ذَلِك فِي صدر كتَابنَا هَذَا فأغني عَن ترداده وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالُوا أَيْضا كل جسم فَهُوَ إِمَّا ذُو نفس وَإِمَّا لَا ذُو نفس فَإِن كَانَت النَّفس جسماً فَهِيَ متنفسة أَي ذَات نفس وَإِمَّا لَا متنفسة أَي لَا ذَات نفس فَإِن كَانَت لَا متنفسة فَهَذَا خطأ لِأَنَّهُ يجب من ذَلِك أَن تكون النَّفس لَا نفسا وَإِن كَانَت متنفسة أَي ذَات نفس فَهِيَ محتاجة إِلَى نفس وَتلك النَّفس إِلَى أُخْرَى وَالْأُخْرَى إِلَى أُخْرَى وَهَذَا يُوجب مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ بَاطِل قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه مُقَدّمَة صَحِيحَة ركبُوا عَلَيْهَا نتيجة فَاسِدَة لَيست منتجة على تِلْكَ الْمُقدمَة وَأما قَوْلهم أَن كل جسم فَهُوَ إِمَّا ذُو نفس وَإِمَّا لَا ذُو نفس فَصَحِيح وَأما قَوْلهم أَن النَّفس إِن كَانَت غير متنفسة وَجب من ذَلِك أَن تكون النَّفس لَا نفسا فشغب فَاسد بَارِد لَا يلْزم لِأَن معنى القَوْل بِأَن الْجِسْم ذُو نفس إِنَّمَا هُوَ أَن بعض الْأَجْسَام أضيفت إِلَيْهِ نفس حَيَّة حساسة متحركة بِإِرَادَة مُدبرَة لذَلِك الْجِسْم الَّذِي استضافت إِلَيْهِ وَمعنى القَوْل بِأَن هَذَا الْجِسْم غير ذِي نفس وَإِنَّمَا هُوَ أَنه لم يستضف إِلَيْهِ نفس فَالنَّفْس الْحَيَّة هِيَ المتحركة الْمُدبرَة وَهِي غير محتاجة إِلَى جسم مُدبر لَهَا وَلَا محرك لَهَا فَلم يجب أَن يحْتَاج إِلَى نفس وَلَا أَن تكون لَيست نفسا وَلَا فرق بَينهم فِي قَوْلهم هَذَا وَبَين من قَالَ أَن الْجِسْم يحْتَاج إِلَى جسم كَمَا قَالُوا أَنه يجب أَن تحْتَاج النَّفس إِلَى نفس أَو قَالَ يجب أَن يكون الْجِسْم لَا جسماً كَمَا قَالُوا يجب أَن تكون النَّفس لَا نفسا وَهَذَا كُله هوس وَجَهل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالُوا لَو كَانَت النَّفس جسماً لَكَانَ الْجِسْم نفسا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا من الْجَهْل المفرط المظلم وَلَو كَانَ الْقَائِل هَذَا الْجُنُون أقل علم بحدود الْكَلَام لن يَأْتِ بِهَذِهِ الغثاثة لِأَن الْمُوجبَة الْكُلية لَا تنعكس الْبَتَّةَ انعكاسا مطردا إِلَّا مُوجبَة جزئية لَا كُلية وَكَلَامهم هَذَا بِمَنْزِلَة من قَالَ لما كَانَ الْإِنْسَان جسماً وَجب أَن يكون الْجِسْم إنْسَانا وَلما كَانَ الْكَلْب جسماً وَجب أَن يكون الْجِسْم كَلْبا وَهَذَا غَايَة الْحمق والقحة لَكِن صَوَاب القَوْل فِي هَذَا أَن يَقُول لما كَانَت النَّفس جسماً كَانَ بعض الْأَجْسَام نفسا وَلما كَانَ الْكَلْب جسماً وَجب أَن يكون بعض الْأَجْسَام كَلْبا وَهَذَا هُوَ الْعَكْس الصَّحِيح المطرد اطراداً صَحِيحا أبدا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالُوا أَيْضا إِن كَانَت النَّفس جسماً فَهِيَ بعض الْأَجْسَام وَإِذا كَانَت كَذَلِك فكلية الْأَجْسَام أعظم مساحة مِنْهَا فَيجب أَن تكون أشرف مِنْهَا
следующие страницы →