Полный текст (545 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قَالَ فَلْينْظر الْعَاقِل أَي الْفَرِيقَيْنِ احق بالأمن الَّذِي نزه الله وَمَلَائِكَته وأنبياءه وأئمته ونزه الشَّرْع عَن الْمسَائِل الرَّديئَة وَمن يبطل الصَّلَاة بإهمال الصَّلَاة على أئمتهم وَيذكر أَئِمَّة غَيرهم أم الَّذِي فعل ضد ذَلِك
فَنَقُول مَا ذكرته من التَّنْزِيه إِنَّمَا هُوَ تَعْطِيل وتنقيص لله وَلِرَسُولِهِ وَذَلِكَ قَول نفاة الصِّفَات يتَضَمَّن وَصفه تَعَالَى بسلب صِفَات الْكَمَال الَّتِي يشابه فِيهَا الجمادات والمعدومات
فَإِذا قَالُوا لَا تقوم بِهِ حَيَاة وَلَا علم وَلَا قدرَة وَلَا كَلَام وَلَا مَشِيئَة وَلَا حب وَلَا بغض وَلَا رضَا وَلَا سخط وَلَا يرى وَلَا يفعل بِنَفسِهِ فعلا وَلَا يقدر أَن يتَصَرَّف بِنَفسِهِ كَانُوا قد شبهوه بالجمادات المنقوصات فَكَانَ تنقصيا وتعطيلا
وَإِنَّمَا التَّنْزِيه أَن ينزه عَن النقائص المنافية للكمال فينزه عَن الْمَوْت وَالنَّوْم وَالسّنة وَالْعجز وَالْجهل وَالْحَاجة كَمَا نزه نَفسه فِي كِتَابه وتنزه عَن أَن يكون لَهُ فِيهَا مثل
وَأما الْأَنْبِيَاء فَإِنَّكُم سلبتم مَا لَهُم من الْكَمَال وعلو الدَّرَجَات بِحَقِيقَة التَّوْبَة والإستغفار والإنتقال من كَمَال إِلَى مَا هُوَ أكمل مِنْهُ وكذبتم بِمَا أخبر الله بِهِ من ذَلِك وحرفتم الْآيَات وظننتم أَن إنتقال الْآدَمِيّ من الْجَهْل إِلَى الْعلم وَمن الضلال إِلَى الْهدى وَمن الغي إِلَى الرشد نقص وَلم تعلمُوا أَن الَّذِي يَذُوق الْخَيْر وَالشَّر ويعرفهما يكون حبه للخير وبغضه للشر أعظم مِمَّن لَا يعرف إِلَّا الْخَيْر كَمَا قَالَ عمر إِنَّمَا تنقض عرى
стр. 282
الْإِسْلَام عُرْوَة عُرْوَة إِذا نَشأ فِي الْإِسْلَام من لَا يعرف الْجَاهِلِيَّة
وَأما تَنْزِيه الْأَئِمَّة فَمن الفضائح الَّتِي يستحي من ذكرهَا لَا سِيمَا إِمَام لَا ينْتَفع بِهِ فِي دين وَلَا دنيا أَو هُوَ شَيْء مَعْدُوم
فَأَما تَنْزِيه الشَّرْع فقد مر أَن أهل السّنة مَا اتَّفقُوا على مَسْأَلَة رَدِيئَة بِخِلَاف الرافضة
ثمَّ بِالضَّرُورَةِ يعلم أَن النَّبِي ﷺ لم يَأْمر بِالصَّلَاةِ على عَليّ وَلَا على الإثني عشر لَا فِي صَلَاة وَلَا فِي خَارِجهَا معينا وَأَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَا فعلوا ذَلِك فِي صَلَاة قطّ فَمن أوجب الصَّلَاة على الإثني عشر فِي صلَاته أَو أبطل الصَّلَاة بإهمال الصَّلَاة عَلَيْهِم فقد بدل الدّين
فَإِن قيل المُرَاد أَن يُصَلِّي على آل مُحَمَّد قيل فَيدْخل فيهم بَنو هَاشم وَأُمَّهَات الْمُؤمنِينَ
والإمامية يذمون بني الْعَبَّاس
وَالْعجب من هَؤُلَاءِ الرافضة يدعونَ تعيظم آل مُحَمَّد وهم سعوا فِي مَجِيء التتار حَتَّى قتلوا خلقا من آل مُحَمَّد ﷺ من بني على وَبني الْعَبَّاس وَسبوا نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادهمْ وَقتلُوا ألف ألف وَثَمَانمِائَة ألف
وَفِي الصَّحِيح
стр. 283
قَالُوا يَا رَسُول الله كَيفَ نصلي عَلَيْك قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صلي على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وأزواجه وَذريته
الحَدِيث
وَاتفقَ الْمُسلمُونَ على أَن آل الْعَبَّاس من ذَوي القربي وَكَذَا بني الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَأَنَّهُمْ من آل مُحَمَّد الَّذين تحرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة
وَعند بعض الْمَالِكِيَّة والحنبلية آل مُحَمَّد أمته
وَعند طَائِفَة من الصُّوفِيَّة هم الأتقياء من أمته
ثمَّ جُمْهُور الْفُقَهَاء لَا يوجبون الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ وَآله فِي الصَّلَاة وَمن أوجب الصَّلَاة على آل عُمُوما لم يجوز الإقتصار على بعض الْآل
وَكَذَلِكَ إبطا الصَّلَاة بِالصَّلَاةِ على خَليفَة من الْخُلَفَاء معِين قَول بَاطِل فَلَو دَعَا لمُعين أَو عَلَيْهِ لم تبطل صلَاته عِنْد أَكثر الْعلمَاء فقد قنت النَّبِي ﷺ يَدْعُو لقوم ويلعن آخَرين بِأَسْمَائِهِمْ
стр. 284
الْفَصْل الثَّالِث فِي إِمَامَة عَليّ ﵁
قَالَ الرافضي إِن الإمامية لما رَأَوْا فَضَائِل أَمِير الْمُؤمنِينَ وكمالاته لَا تحصى قد رَوَاهَا الْمُوَافق والمخالف وَرَأَوا الْجُمْهُور قد نقلوا عَن غَيره مطاعن وَلم ينقلوا فِي عَليّ طَعنا اتَّبعُوهُ وجعلوه إِمَامًا لَهُم وَتركُوا غَيره
فَنَذْكُر مِنْهَا شَيْئا يَسِيرا مِمَّا هُوَ صَحِيح عِنْدهم ليَكُون حجَّة عَلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة
فَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو الْحسن الأندلسي فِي الْجمع بَين الصِّحَاح السِّتَّة عَن أم سَلمَة أَن قَوْله تَعَالَى (إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت) نزلت فِي بَيتهَا وَهِي جالسة عِنْد الْبَاب فَقلت يَا رَسُول الله أَلَسْت من أهل الْبَيْت فَقَالَ إِنَّك إِلَى خير إِنَّك من أَزوَاج النَّبِي ﷺ
قَالَت وَفِي الْبَيْت عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن فجللهم بكساء وَقَالَ اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي فَأذْهب عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا
فَنَقُول الْأَحَادِيث الثَّابِتَة فِي الْفَضَائِل لأبي بكر وَعمر أَكثر وَأعظم من الْفَضَائِل الثَّابِتَة لعَلي
ثمَّ أَكثر الْأَحَادِيث الَّتِي أوردهَا وَذكر أَنَّهَا فِي مُعْتَمد قَول الْجُمْهُور من أبين الْكَذِب على عُلَمَاء الْجُمْهُور وَمَا صَحَّ مِنْهَا لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على فضل عَليّ على أبي بكر وَغير عَليّ فِيهَا مشارك
وَأما فَضَائِل الشَّيْخَيْنِ فخصائص لَهما وَلَا سِيمَا فَضَائِل أبي بكر فَإِن عامتها خَصَائِص لم يشركهُ فِيهَا غَيره وَأما مَا ذكره من المطاعن فَلَا يُمكنهُ أَن يُوَجه على الثَّلَاثَة من مطْعن إِلَّا وَجه الناصبي على عَليّ مثله
وَأما قَوْله إِنَّهُم جَعَلُوهُ إِمَامًا لَهُم حَيْثُ نزهه الْمُخَالف والموافق وَتركُوا غَيره حَيْثُ يرْوى فِيهِ من يعْتَقد إِمَامَته من المطاعن مَا يطعن فِي إِمَامَته فَيُقَال هَذَا كذب بَين فَإِن عليا ﵁ لم ينزهه المخالفون بل القادحون فِي عَليّ طوائف مُتعَدِّدَة وهم أفضل
стр. 285
من القادحين فِي أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان
والقادحون فِيهِ أفضل من الغلاة فِيهِ
فَإِن الْخَوَارِج متفقون على كفره وهم عِنْد الْمُسلمين كلهم خير من الغلاة الَّذين يَعْتَقِدُونَ إلهيته أَو نبوته
بل هم وَالَّذين قَاتلُوهُ من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ خير عِنْد جَمَاهِير الْمُسلمين من الرافضة الإثني عشرِيَّة الَّذين اعتقدوه إِمَامًا مَعْصُوما
وَأَبُو بكر وَعمر ﵄ لَيْسَ فِي الْأمة من يقْدَح فيهمَا إِلَّا الرافضة
والخوارج المكفرون لعَلي يوالون أَبَا بكر وَعمر ويترضون عَنْهُمَا
والمروانية الَّذين ينسبون عليا إِلَى الظُّلم وَيَقُولُونَ إِنَّه لم يكن خَليفَة يوالون أَبَا بكر وَعمر مَعَ أَنَّهُمَا ليسَا من أقاربهما
فَكيف يُقَال مَعَ هَذَا إِن عليا نزهه الْمُوَافق والمخالف بِخِلَاف الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة وَمن الْمَعْلُوم أَن المنزهين لهَؤُلَاء أعظم وَأكْثر وَأفضل وَأَن القادحين فِي عَليّ حَتَّى بالْكفْر والفسوق والعصيان طوائف مَعْرُوفَة وهم أعلم من الرافضة وأدين والرافضة عاجزون مَعَهم علما ويدا فَلَا يُمكن الرافضة أَن تقيم عَلَيْهِم حجَّة تقطعهم بهَا وَلَا كَانُوا مَعَهم فِي الْقِتَال منصورين عَلَيْهِم
وَالَّذين قَدَحُوا فِي عَليّ ﵁ جَعَلُوهُ كَافِرًا وظالما لَيْسَ فيهم طَائِفَة مَعْرُوفَة بِالرّدَّةِ عَن الْإِسْلَام
بِخِلَاف الَّذين يمدحونه ويقدحون فِي الثَّلَاثَة كالغالية الَّذين يدعونَ إلهيته من النصيرية
стр. 286
وَغَيرهم وكالإسماعيلية الْمَلَاحِدَة الَّذين هم شَرّ من النصيرية وكالغالية الَّذين يدعونَ نبوته فَإِن هَؤُلَاءِ كفار مرتدون كفرهم بِاللَّه وَرَسُوله ظَاهر لَا يخفى على عَالم بدين الْإِسْلَام
فَمن اعْتقد فِي بشر الإلهية أَو اعْتقد بعد مُحَمَّد ﷺ نَبيا فَهَذِهِ المقالات
стр. 287
وَنَحْوهَا مِمَّا يظْهر كفر أَهلهَا لمن يعرف الْإِسْلَام أدنى معرفَة بِخِلَاف من يكفر عليا ويلعنه من الْخَوَارِج وَمِمَّنْ قَاتله ولعنه من أَصْحَاب مُعَاوِيَة وَبني مَرْوَان وَغَيرهم فَإِن هَؤُلَاءِ كَانُوا مقرين بِالْإِسْلَامِ وشرائعه يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وَيَصُومُونَ رَمَضَان ويحجون الْبَيْت الْعَتِيق ويحرمون مَا حرم الله وَرَسُوله وَلَيْسَ فيهم كفر ظَاهر بل شَعَائِر الْإِسْلَام وشرائعه ظَاهِرَة فيهم معظمة عِنْدهم وَهَذَا أَمر يعرفهُ كل من عرف أَحْوَال الْإِسْلَام فَكيف يَدعِي مَعَ هَذَا أَن جَمِيع الْمُخَالفين نزهوه دون الثَّلَاثَة
بل إِذا اعْتبر الَّذين كَانُوا يبغضونه ويوالون عُثْمَان وَالَّذين كَانُوا يبغضون عُثْمَان وَيُحِبُّونَ عليا وجد هَؤُلَاءِ خيرا من أُولَئِكَ من وُجُوه مُتعَدِّدَة وَلَو تخلى أهل السّنة عَن مُوالَاة عَليّ ﵁ لم يكن فِي المتولين لَهُ من يقدر أَن يُقَاوم المبغضين لَهُ من الْخَوَارِج والأموية والمروانية فَإِن هَؤُلَاءِ طوائف كَثِيرَة
وَمَعْلُوم أَن شَرّ الَّذين يبغضونه هم الْخَوَارِج الَّذين كفروه واعتقدوا أَنه مُرْتَد عَن الْإِسْلَام وَاسْتَحَلُّوا قَتله تقربا إِلَى الله تَعَالَى حَتَّى قَالَ شَاعِرهمْ عمرَان بن حطَّان
(يَا ضَرْبَة من تقى مَا أَرَادَ بهَا ... إِلَّا ليبلغ من ذِي الْعَرْش رضوانا)
(إِنِّي لأذكره يَوْمًا فأحسبه ... أوفى الْبَريَّة عِنْد الله ميزانا)
فعارضه شَاعِر أهل السّنة فَقَالَ
(يَا ضَرْبَة من شقي مَا أَرَادَ بهَا ... إِلَّا ليبلغ من ذِي الْعَرْش خسرانا)
(إِنِّي لأذكره يَوْمًا فألعنه ... لعنا وألعن عمرَان بن حطانا)
وَهَؤُلَاء الْخَوَارِج كَانُوا موجودين فِي زمن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ يناظرونهم ويقاتلونهم وَالصَّحَابَة اتَّفقُوا على وجوب قِتَالهمْ وَمَعَ هَذَا فَلم يكفروهم وَلَا كفرهم عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ
стр. 288
وَأما الغالية فِي عَليّ ﵁ فقد اتّفق الصَّحَابَة وَسَائِر الْمُسلمين على كفرهم وكفرهم عَليّ بن أبي طَالب نَفسه وحرقهم بالنَّار وَأما الْخَوَارِج فَلم يقاتلهم عَليّ حَتَّى قتلوا وَاحِدًا من الْمُسلمين وأغاروا على أَمْوَال النَّاس فَأَخَذُوهَا
فَأُولَئِك حكم فيهم عَليّ وَسَائِر الصَّحَابَة بِحكم الْمُرْتَدين وَهَؤُلَاء لم يحكموا فيهم الْمُرْتَدين
وَهَذَا مِمَّا يبين أَن الَّذين زَعَمُوا أَنهم والوه دون أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان يُوجد فيهم من الشَّرّ وَالْكفْر بإتفاق على وَجَمِيع الصَّحَابَة مَا لَا يُوجد فِي الَّذين عادوه وكفروه وَتبين أَن جنس المبغضين لأبي بكر وَعمر شَرّ عِنْد عَليّ وَجَمِيع الصَّحَابَة من جنس المبغضين لعَلي
وَحَدِيث الكساء صَححهُ التِّرْمِذِيّ
وَأما مُسلم فَأخْرجهُ من حَدِيث عَائِشَة قَالَت خرج رَسُول الله ﷺ ذَات غَدَاة وَعَلِيهِ مرط مرحل من شعر أسود فجَاء الْحسن وَالْحُسَيْن فأدخلهما مَعَه ثمَّ جَاءَت فَاطِمَة فَأدْخلهَا ثمَّ جَاءَ عَليّ فَأدْخلهُ ثمَّ قَالَ (إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس) الْآيَة
وَهَذَا الحَدِيث قد شركه فِيهِ فَاطِمَة وَحسن وحسين ﵃ فَلَيْسَ هُوَ من خَصَائِصه
وَمَعْلُوم أَن الْمَرْأَة لَا تصلح للْإِمَامَة فَعلم أَن هَذِه الْفَضِيلَة لَا تخْتَص بالأئمة بل يشركهم فِيهَا غَيرهم
ومضمونه الدعْوَة بِأَن يذهب الله عَنْهُم الرجس ويطهرهم تَطْهِيرا وَالصديق قد أخبر الله عَنهُ بِأَنَّهُ (الأتقى الَّذِي يُؤْتِي مَاله يتزكى) وَمَا دخل عَليّ فِي الأتقى حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ لم يكن لَهُ مَال حِينَئِذٍ بل دخل فِيهَا إِذْ فتحت خَيْبَر وَصَارَ ذَا مَال
قَالَ وَفِي قَوْله تَعَالَى (إِذْ نَاجَيْتُم الرَّسُول فقدموا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة) قَالَ عَليّ مَا عمل بِهَذِهِ الْآيَة غَيْرِي
فَيُقَال الْأَمر بِالصَّدَقَةِ لم يكن وَاجِبا على الْمُسلمين حَتَّى يَكُونُوا عصاة بِتَرْكِهِ وَإِنَّمَا أَمر بهَا من أَرَادَ النَّجْوَى فاتفق أَنه لم يرد النَّجْوَى حِينَئِذٍ إِلَّا عَليّ فَتصدق لأَجلهَا وَهَذَا كوجوب الْهَدْي لمن أَرَادَ الْمُتْعَة
стр. 289
ووجوبه على من أحْصر وَوُجُوب الْفِدْيَة على من بِهِ أَذَى وَوُجُوب الْكَفَّارَة على من حنث
ثمَّ لم تطل مُدَّة الْأَمر بِالصَّدَقَةِ عِنْد النَّجْوَى فَمَا اتّفق ذَلِك إِلَّا لعَلي ﵁ فَتصدق بِدِرْهَمَيْنِ أَو نَحْوهمَا
وَهَذَا أَبُو بكر قد تصدق مرّة بِمَالِه كُله وأتى بِهِ النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ مَا أبقيت لأهْلك قَالَ الله وَرَسُوله
قَالَ وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ افتخر طَلْحَة بن شيبَة من بني عبد الدَّار وَالْعَبَّاس وَعلي فَقَالَ طَلْحَة معي مَفَاتِيح الْبَيْت وَلَو أَشَاء بت فِيهِ
وَقَالَ الْعَبَّاس أَنا صَاحب السِّقَايَة وَلَو أَشَاء لبت فِي الْمَسْجِد
وَقَالَ عَليّ لقد صليت إِلَى الْقبْلَة سِتّ أشهر قبل النَّاس وَأَنا صَاحب الْجِهَاد
فَنزلت (أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله)
فَيُقَال هَذَا اللَّفْظ لَا يعرف فِي شَيْء من كتب الحَدِيث الْمُعْتَمدَة بل دلالات الْكَذِب عَلَيْهِ ظَاهِرَة
مِنْهَا أَن طَلْحَة بن شيبَة لَا وجود لَهُ وَإِنَّمَا خَادِم الْكَعْبَة هُوَ شيبَة بن عُثْمَان بن أبي طَلْحَة وَهَذَا مِمَّا يبين لَك أَن الحَدِيث لم يَصح
ثمَّ فِيهِ قَول الْعَبَّاس لَو أَشَاء بت فِي الْمَسْجِد فَأَي كَبِير أَمر فِي مبيته فِي الْمَسْجِد حَتَّى يتبجح بِهِ ثمَّ فِيهِ قَول عَليّ
стр. 290
صليت سِتَّة أشهر قبل النَّاس فَهَذَا مِمَّا يعلم بُطْلَانه بِالضَّرُورَةِ فَإِن بَين إِسْلَامه وَإِسْلَام زيد وَأبي بكر وَخَدِيجَة يَوْم أَو نَحوه فَكيف يُصَلِّي قبل النَّاس بِسِتَّة أشهر وَأَيْضًا فَلَا يَقُول أَنا صَاحب الْجِهَاد وَقد شَاركهُ فِيهِ عدد كثيرا جدا فَهَذَا الحَدِيث مَوْضُوع
وَيرد عَلَيْهِ مَا فِي صَحِيح مُسلم عَن النُّعْمَان بن بشير قَالَ كنت عِنْد مِنْبَر رَسُول الله ﷺ فَقَالَ رجل لَا أُبَالِي أَن لَا أعمل عملا بعد الْإِسْلَام إِلَّا أَن أَسْقِي الْحَاج
وَقَالَ آخر مَا أُبَالِي أَن لَا أعمل عملا فِي الْإِسْلَام إِلَّا أَن أعمر الْمَسْجِد الْحَرَام وَذكر آخر الْجِهَاد وَقَالَ هُوَ أفضل مِمَّا قُلْتُمْ فزجرهم عمر وَقَالَ لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم عِنْد مِنْبَر رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة وَلَكِن إِذا صليت الْجُمُعَة دخلت فاستفتيته فِيمَا اختلفتم فِيهِ
فَأنْزل الله تَعَالَى (أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله) فَهَذَا لَيْسَ من خَصَائِص عَليّ إِذْ الَّذين آمنُوا وَجَاهدُوا كثير وَقد قَالَ تَعَالَى (الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة عِنْد الله) وَلَا ريب أَن جِهَاد أبي بكر بِمَالِه وَنَفسه أبلغ من جِهَاد عَليّ غَيره كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح إِن أَمن النَّاس علينا فِي صحبته وَذَات يَده أَبُو بكر وَقَالَ ﷺ مَا نَفَعَنِي مَال مَا نَفَعَنِي مَال أبي بكر وَأَبُو بكر كَانَ مُجَاهدًا بِلِسَانِهِ وَيَده وَهُوَ أول من دَعَا إِلَى الله وَأول من أوذي فِي الله بعد رَسُول الله ﷺ وَأول من دَافع عَن رَسُول الله ﷺ وَكَانَ مشاركا لرَسُول الله ﷺ فِي هجرته وجهاده حَتَّى كَانَ هُوَ وَحده مَعَه فِي الْعَريش يَوْم بدر وَحَتَّى إِن أَبَا سُفْيَان يَوْم أحد لم يسْأَل إِلَّا عَن النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر لما قَالَ أفيكم مُحَمَّد فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تجيبوه
فَقَالَ أفيكم ابْن أبي قُحَافَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تجيبوه
فَقَالَ أفيكم ابْن الْخطاب فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تجيبوه
فَقَالَ أما هَؤُلَاءِ فقد كفيتموهم
فَلم يملك عمر نَفسه فَقَالَ كذبت يَا عَدو الله إِن الَّذِي عددت أَحيَاء وَقد أبقى الله لَك مَا يحزنك
стр. 291
ذكره البُخَارِيّ وَغَيره
قَالَ الرافضي وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل أَن أنسا قَالَ لسلمان سل النَّبِي ﷺ من وَصِيَّة فَسَأَلَهُ فَقَالَ يَا سلمَان من كَانَ وصّى مُوسَى قَالَ يُوشَع
قَالَ فَإِن وصيي ووارثى عَليّ قُلْنَا هَذَا الحَدِيث كذب مَوْضُوع بإتفاق أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ لَيْسَ هُوَ فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَأحمد قد صنف كتابا فِي فَضَائِل الصَّحَابَة ذكر فِيهِ فضل أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة وَذكر فِيهِ مَا روى فِي ذَلِك من صَحِيح وَضَعِيف للتعريف بذلك وَلَيْسَ كل مَا رَوَاهُ يكون صَحِيحا
ثمَّ إِن فِي هَذَا
стр. 292
الْكتاب زيادات من رِوَايَة ابْن عبد الله وزيادات من رِوَايَة الْقطيعِي عَن شُيُوخه وَهَذِه الزِّيَادَات الَّتِي زَادهَا الْقطيعِي غالبها كذب كَمَا سَيَأْتِي ذكر بَعْضهَا
وشيوخ الْقطيعِي يروون عَمَّن فِي طبقَة أَحْمد
وَهَؤُلَاء الرافضة جهال إِذا رَأَوْا فِيهِ حَدِيثا ظنُّوا أَن الْقَائِل لذَلِك أَحْمد بن حَنْبَل وَيكون الْقَائِل لذَلِك هُوَ الْقطيعِي وشيوخ الْقطيعِي الَّذين يروون عَمَّن فِي طبقَة أَحْمد
وَكَذَلِكَ فِي الْمسند زيادات زَادهَا ابْنه عبد الله لَا سِيمَا فِي مُسْند عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَإِنَّهُ زَاد زيادات كَثِيرَة فَالْحَدِيث من كذب الدجاجلة وَلَا حدث بِهِ وَالله أَحْمد فَهَذَا مُسْنده بل وَهَذَا الْكتاب الَّذِي صنفه فِي فَضَائِل الصَّحَابَة
قَالَ وَعَن يزِيد بن أبي مَرْيَم عَن عَليّ قَالَ انْطَلَقت أَنا وَرَسُول الله ﷺ حَتَّى أَتَيْنَا الْكَعْبَة فَصَعدَ رَسُول الله ﷺ على مَنْكِبي فَذَهَبت لأنهض فَرَأى منى ضعفا فَنزل وَجلسَ لي فَصَعدت على مَنْكِبه فَنَهَضَ بِي حَتَّى صعدت على الْبَيْت وَعَلِيهِ تِمْثَال نُحَاس فَجعلت أزاوله ثمَّ قذفت بِهِ فتكسر وانطلقنا نَسْتَبِق حَتَّى تَوَارَيْنَا قُلْنَا إِن صَحَّ هَذَا فَمَا فِيهِ شَيْء من خَصَائِص الْأَئِمَّة فقد كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِل أُمَامَة بنت
стр. 293
أبي الْعَاصِ على مَنْكِبَيْه وَسجد مرّة فجَاء الْحسن فارتحله فَإِذا كَانَ يحمل الطفلة والطفل لم يكن فِي حمله لعَلي مَا يُوجب أَن يكون ذَلِك من خَصَائِصه وَإِنَّمَا حمله لعجز عَليّ عَن حمله فَهَذَا يدْخل فِي مَنَاقِب رَسُول الله ﷺ وفضيلة من يحمل النَّبِي ﷺ أعظم من فَضِيلَة من يحملهُ النَّبِي ﷺ كَمَا حمله يَوْم أحد من حمله من الصَّحَابَة مثل طَلْحَة بن عبيد الله فَإِن هَذَا نفع النَّبِي ﷺ وَذَاكَ نَفعه النَّبِي ﷺ وَمَعْلُوم أَن نَفعه بِالنَّفسِ وَالْمَال أعظم من إنتفاع الْإِنْسَان بِنَفس النَّبِي ﷺ وَمَاله
قَالَ وَعَن ابْن أبي ليلى قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ الصديقون ثَلَاثَة حبيب النجار وَمُؤمن آل فِرْعَوْن وَعلي وَهُوَ أفضلهم
قُلْنَا وَهَذَا كذب
وَقد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ وصف أَبَا بكر بِأَنَّهُ صديق وَصَحَّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا لَا يزَال الرجل يصدق ويتحرى الصدْق حَتَّى يكْتب عِنْد الله صديقا فالصديقون بِهَذَا كثير وَقَالَ تَعَالَى فِي مَرْيَم وَهِي امْرَأَة (وَأمه صديقَة)
قَالَ وَعَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لعَلي أَنْت مني وَأَنا مِنْك قُلْنَا نعم أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث الْبَراء لما تنَازع عَليّ وجعفر وَزيد فِي ابْنة حَمْزَة فَقضى بهَا لخالتها وَكَانَت تَحت جَعْفَر وَقَالَ أَنْت مني وَأَنا مِنْك وَقَالَ لجَعْفَر اشبهت خلقي وَخلقِي وَقَالَ لزيد أَنْت أخونا ومولانا لَكِن هَذَا اللَّفْظ قد قَالَه النَّبِي ﷺ لطائفة من أَصْحَابه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي مُوسَى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي الْأَشْعَرِيين هم مني وَأَنا مِنْهُم
قَالَ وَعَن عَمْرو بن مَيْمُون قَالَ لعَلي عشر فَضَائِل لَيست لغيره قَالَ لَهُ النَّبِي
стр. 294
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَأَبْعَثَن رجلا لَا يخزيه الله أبدا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله فاستشرف لَهَا من استشرف فَقَالَ أَيْن عَليّ بن أبي طَالب قَالُوا هُوَ أرمد فِي الرَّحَى يطحن وَمَا كَانَ أحد يطحن فجَاء وَهُوَ أرمد لَا يكَاد أَن يبصر قَالَ فنفث فِي عَيْنَيْهِ ثمَّ هز الرَّايَة ثَلَاثًا وَأَعْطَاهَا إِيَّاه فجَاء بصفية بنت حييّ
قَالَ ثمَّ بعث أَبَا بكر بِسُورَة بَرَاءَة فَبعث عليا خَلفه وَقَالَ لَا يذهب بهَا إِلَّا رجل هُوَ مني وَأَنا مِنْهُ
وَقَالَ لبني عَمه أَيّكُم يواليني فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ وَعلي جَالس مَعَهم فَأَبَوا فَقَالَ عَليّ أَنا أواليك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ فَتَركه ثمَّ أقبل على رجل رجل مِنْهُم فَقَالَ أَيّكُم يواليني فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَأَبَوا فَقَالَ عَليّ أَنا أواليك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَالَ أَنْت ولي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
قَالَ وَكَانَ عَليّ أول من أسلم من النَّاس بعد خَدِيجَة
قَالَ وَأخذ رَسُول الله ﷺ ثَوْبه فَوَضعه على عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن فَقَالَ (إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا) قَالَ وشرى عَليّ نَفسه وَلبس ثوب رَسُول الله ﷺ ثمَّ نَام مَكَانَهُ وَكَانَ الْمُشْركُونَ يرمونه بِالْحِجَارَةِ
وَخرج رَسُول الله ﷺ بِالنَّاسِ فِي غزَاة تَبُوك فَقَالَ لَهُ عَليّ أخرج مَعَك فَقَالَ لَا فَبكى عَليّ فَقَالَ لَهُ أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنَّك لست بِنَبِي لَا يَنْبَغِي أَن أذهب إِلَّا وَأَنت خليفتي
وَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ أَنْت وليي فِي كل مُؤمن بعدِي
قَالَ وسد أَبْوَاب الْمَسْجِد إِلَّا بَاب عَليّ
قَالَ وَكَانَ يدْخل الْمَسْجِد جنبا وَهُوَ طَرِيقه لَيْسَ لَهُ طَرِيق غَيره
وَقَالَ لَهُ من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ
وَعَن النَّبِي ﷺ مَرْفُوعا أَنه بعث أَبَا بكر فِي بَرَاءَة إِلَى مَكَّة فَسَار لَهَا ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ لعَلي الْحَقْهُ فَرده وَبَلغهَا أَنْت فَفعل فَلَمَّا قدم أَبُو بكر على النَّبِي ﷺ بَكَى وَقَالَ يَا رَسُول الله حدث فِي شَيْء قَالَ لَا وَلَكِن أمرت أَن لَا يبلغهَا إِلَّا أَنا أَو رجل مني
قُلْنَا هَذَا الْخَبَر مُرْسل لَو ثَبت عَن عَمْرو بن مَيْمُون
وَمِنْه أَلْفَاظ مُنكرَة مِنْهَا
стр. 295
لَا يَنْبَغِي أَن أذهب إِلَّا وَأَنت خليفتي فَإِن النَّبِي ﷺ اسْتخْلف غَيره غير مرّة
وَكَذَلِكَ قَوْله سدوا الْأَبْوَاب إِلَّا بَاب عَليّ فَإِنَّهُ من وضع الشِّيعَة
فَإِن فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ إِن أَمن النَّاس عَليّ فِي مَاله وصحبته أَبُو بكر وَلَو كنت متخذا خَلِيلًا لأتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن أخوة الْإِسْلَام ومودته
لَا يبْقين فِي الْمَسْجِد خوخة إِلَّا سدت إِلَّا خوخة أبي بكر
وَرَوَاهُ ابْن عَبَّاس فِي الصَّحِيحَيْنِ
وَمِنْه قَالَ أَنْت وليي فِي كل مُؤمن بعدِي فَهَذَا مَوْضُوع بإتفاق أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ
وَبَاقِي الحَدِيث لَيْسَ هُوَ من خَصَائِصه مثل كَونه يحب الله وَرَسُوله وإستخلافه على الْمَدِينَة وَكَونه بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى
وَمثل كَون بَرَاءَة لَا يبلغهَا إِلَّا هاشمي إِذا كَانَت الْعَادة جَارِيَة بِأَنَّهُ لَا ينْقض العهود إِلَّا رجل من قَبيلَة المطاع
стр. 296
قَالَ وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَخطب خوارزم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَا عَليّ لَو أَن عبدا عبد الله مثل مَا قَامَ نوح فِي قومه وَكَانَ لَهُ مثل أحد ذَهَبا فأنفقه فِي سَبِيل الله وَحج ألف مرّة على قَدَمَيْهِ ثمَّ قتل بَين الصفاة والمروة مَظْلُوما ثمَّ لم يوالك لم يشم رَائِحَة الْجنَّة وَلم يدخلهَا
فَيُقَال أَخطب خوارزم هَذَا لَهُ مُصَنف فِي هَذَا الْبَاب فِيهِ من المكذوبات مَا لَا يُوصف وَهَذَا وَالله مِنْهَا
قَالَ وَقَالَ رجل لسلمان مَا أَشد حبك لعَلي
قَالَ سَمِعت نَبِي الله يَقُول من أحبه فقد أَحبَّنِي
وَعَن أنس مَرْفُوعا خلق الله من نور وَجه عَليّ سبعين ألف ملك يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ولمحبيه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَعَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أحب عليا قبل الله مِنْهُ صلَاته وصيامه وقيامه واستجاب دعاءه أَلا وَمن أحب عليا أعطَاهُ الله بِكُل عرق من بدنه مَدِينَة فِي الْجنَّة أَلا وَمن أحب آل مُحَمَّد أَمن الْحساب وَالْمِيزَان والصراط أَلا وَمن مَاتَ على حب آل مُحَمَّد فَأَنا كفيله فِي الْجنَّة مَعَ الْأَنْبِيَاء وَمن
стр. 297
أبْغض آل مُحَمَّد جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مَكْتُوبًا بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله
وَعَن ابْن عمر سَمِعت رَسُول الله ﷺ وَقد سُئِلَ بِأَيّ لُغَة خاطبك رَبك لَيْلَة الْمِعْرَاج قَالَ خاطبني بلغَة عَليّ فألهمني أَن قلت يَا رب أَنْت خاطبتني أم عَليّ فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَنا شَيْء لَيْسَ كالأشياء لَا أقاس بِالنَّاسِ وَلَا أوصف بالأشياء خلقتك من نوري وخلقت عليا من نورك فاطلعت على سرائر قَلْبك فَلم أجد إِلَى قَلْبك أحب من عَليّ خاطبتك بِلِسَانِهِ كَيْمَا يطمئن قَلْبك
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو أَن الرياض أَقْلَام وَالْبَحْر مداد وَالْجِنّ حِسَاب وَالْإِنْس كتاب مَا أحصوا فَضَائِل عَليّ
وَقَالَ إِن الله جعل الْأجر على فَضَائِل عَليّ لَا يُحْصى فَمن ذكر فَضِيلَة من فضائله فقرأها غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَالنَّظَر إِلَى وَجهه عبَادَة وَذكره عبَادَة لَا يقبل الله إِيمَان عبد إِلَّا بولايته والبراءة من أعدائه
وَعَن حَكِيم بن حزَام مَرْفُوعا لمبارزة على عَمْرو بن ود يَوْم الخَنْدَق أفضل من عمل أمتِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
قُلْنَا هَذِه الْأَحَادِيث وَالله الْعَظِيم كذب يلعن الله من افتراها وَلعن من لَا يحب عليا
وَأَنت قد قدمت أَنَّك لَا تذكر إِلَّا مَا هُوَ صَحِيح عندنَا فَمن أَيْن جِئْت بِهَذِهِ الخرافات وَلَكنَّا تَيَقنا بِأَن الرافضة أَجْهَل الطوائف وأكذبهم وَأَنت زعيمهم وعالمهم وَهَذَا حالك
قَالَ وَعَن سعد بن أبي وَقاص أَن مُعَاوِيَة أمره بسب على فَأبى فَقَالَ مَا يمنعك قَالَ ثَلَاث قالهن رَسُول الله ﷺ لِأَن تكون لي وَاحِدَة مِنْهُنَّ أحب إِلَى من حمر النعم سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لعَلي وَقد خَلفه فِي بعض مغازيه فَقَالَ تخلفني مَعَ النِّسَاء وَالصبيان فَقَالَ أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي
وسمعته يَقُول لَأُعْطيَن الرَّايَة رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله فتطاول لَهَا النَّاس فَقَالَ ادعوا لي عليا فَأَتَاهُ وَبِه رمد فبصق فِي عَيْنَيْهِ وَدفع إِلَيْهِ الرَّايَة
стр. 298
فَفتح الله عَلَيْهِ وأنزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة (فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم) فَدَعَا رَسُول الله ﷺ عليا وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن فَقَالَ هَؤُلَاءِ أَهلِي
قُلْنَا أما هَذَا فَصَحِيح رَوَاهُ مُسلم وسقته بجهلك بَين الموضوعات كمن نظم درة بَين بعر
وَلَكِن هَذِه المناقب لَيست من خَصَائِصه فَإِنَّهُ اسْتخْلف جمَاعَة على الْمَدِينَة وتشبيهه بهَارُون لَيْسَ بأعظم من تَشْبِيه أبي بكر بإبراهيم وَعِيسَى وتشبيه عمر بِنوح ومُوسَى
فَإِن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أفضل من هَارُون وكل من أبي بكر وَعمر شبه بإثنين لَا بِوَاحِد فَكَانَ هَذَا التَّشْبِيه أعظم من تَشْبِيه عَليّ مَعَ أَن إستخلاف عَليّ لَهُ فِيهِ أشباه وأمثال من الصَّحَابَة وَهَذَا التَّشْبِيه لَيْسَ لهذين فِيهِ شَبيه فَلم يكن الإستخلاف من الخصائص وَلَا
стр. 299
التَّشْبِيه بِنَبِي فِي بعض أَحْوَاله من الخصائص
وَفِي الحَدِيث رد على النواصب الَّذين لَا يتولونه وَلَا يحبونه وعَلى الْخَوَارِج الَّذين كفروه لَكِن هَذَا لَا يتم على قَول الرافضة الَّذين جعلُوا النُّصُوص الدَّالَّة على فضل الصَّحَابَة كَانَت قبل ردتهم فَإِن الْخَوَارِج كَذَا تَقول فِي عَليّ وَهَذَا بَاطِل لِأَن الله لَا يحب وَلَا يرضى عَمَّن يعلم أَنه يَمُوت كَافِرًا
وَكَذَا المباهلة شَاركهُ فِيهَا ولداه
فَإِن قيل فَلم تمنى سعد وَاحِدَة مِنْهُنَّ قيل لِأَن شَهَادَة النَّبِي ﷺ لعَلي ظَاهرا وَبَاطنا بِالْإِيمَان وَالنَّبِيّ ﷺ إِذا شهد لمُعين بِشَهَادَة كَانَت من أعظم مناقبه كَمَا صلى ﷺ على ميت فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه وعافه واعف عَنهُ إِلَخ قَالَ عَوْف بن مَالك فتمنيت أَن أكون أَنا ذَلِك الْمَيِّت
وَهَذَا الدُّعَاء لم يكن مُخْتَصًّا بذلك الْمَيِّت
قَالَ وَعَن عَامر بن وَاثِلَة قَالَ قَالَ عَليّ يَوْم الشورى لأحتجن عَلَيْكُم بِمَا لَا يَسْتَطِيع أحد تَغْيِير ذَلِك
ثمَّ قَالَ أنْشدكُمْ بِاللَّه أفيكم أحد وحد الله قبلي قَالُوا اللَّهُمَّ لَا وَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ وَفِيه فأنشدكم بِاللَّه هَل فِيكُم أحد سلم عَلَيْهِ فِي سَاعَة وَاحِدَة ثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة وَجِبْرِيل وميكال وإسرافيل حَيْثُ جِئْت بِالْمَاءِ إِلَى رَسُول الله ﷺ من القليب غَيْرِي قَالُوا اللَّهُمَّ لَا وَمِنْه مَا رَوَاهُ أَبُو عمر الزَّاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لعَلي أَربع خِصَال لَيست لأحد من النَّاس غَيره هُوَ أول من صلى مَعَ النَّبِي ﷺ وَهُوَ الَّذِي كَانَ مَعَه لِوَاؤُهُ فِي كل زحف وَهُوَ الَّذِي صَبر مَعَه يَوْم حنين وَهُوَ الَّذِي غسله وَأدْخلهُ قَبره
وَعَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَرَرْت لَيْلَة الْمِعْرَاج بِقوم تشرشر
стр. 300
أشداقهم فَقلت يَا جِبْرِيل من هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ قوم يقطعون النَّاس بالغيبة
قَالَ ومررت بِقوم قد ضوضوا فَقلت لجبريل من هَؤُلَاءِ قَالَ الْكفَّار
ثمَّ عدلنا عَن الطَّرِيق فَلَمَّا انتهينا إِلَى السَّمَاء الرَّابِعَة رَأَيْت عليا يُصَلِّي فَقلت يَا جِبْرِيل من هَذَا عَليّ قد سبقنَا قَالَ لَا لَيْسَ هَذَا عليا بل إشتاقت الْمَلَائِكَة إِلَى رُؤْيَته لما سمعُوا مناقبه وخاصة قَول النَّبِي ﷺ أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى فخلق الله ملكا على صورته
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن الْمُصْطَفى قَالَ ذَات يَوْم أَنا الْفَتى ابْن الْفَتى أَخُو الْفَتى يَعْنِي عليا
وَهُوَ معنى قَول جِبْرِيل فِي يَوْم بدر وَقد عرج إِلَى السَّمَاء وَهُوَ فَرح وَهُوَ يَقُول لَا سيف إِلَّا ذُو الفقار وَلَا فَتى إِلَّا عَليّ
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ رَأَيْت أَبَا ذَر وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَهُوَ يَقُول من عرفني فقد عرفني أَنا أَبُو ذَر وَلَو صمتم حَتَّى تَكُونُوا كالأوتار وصليتم حَتَّى تَكُونُوا كالحنايا مَا نفعكم ذَلِك حَتَّى تحبوا عليا
فَيُقَال حَدِيث وَاثِلَة كذب بإتفاق الْحفاظ وَمَا قَالَ عَليّ يَوْم الشورى شَيْئا من ذَلِك بل قَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف لَئِن أَمرتك لتعدلن قَالَ نعم
قَالَ وَإِن بَايَعت عُثْمَان لتسمعن وتطيعن قَالَ نعم
وَقَالَ مثل ذَلِك لعُثْمَان
وَمكث ثَلَاثَة أَيَّام يشاور الْمُسلمين
وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَبَاطِل فلواء النَّبِي ﷺ يَوْم أحد كَانَ مَعَ مُصعب بن عُمَيْر بإتفاق وَلِوَاؤُهُ يَوْم الْفَتْح كَانَ مَعَ الزبير أخرجه البُخَارِيّ
وَيَوْم حنين لم يكن أحد أقرب إِلَى بغلة النَّبِي ﷺ من عَمه الْعَبَّاس وَأبي سُفْيَان بن الْحَارِث وَالْعَبَّاس آخذ بركابه
وَأما مَا ذكره عَن الْمِعْرَاج فكذب سمج وَفِيه مَا يبين وَضعه وَهُوَ أَن الكروبيين لما سمعُوا مناقبه وخاصة قَول النَّبِي ﷺ أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى اشتاقت إِلَى عَليّ فخلق لَهَا ملكا على صُورَة عَليّ
стр. 301
فالمعراج كَانَ بِمَكَّة من الْمَسْجِد الْحَرَام وَقَوله أما ترْضى قَالَه لَهُ فِي غَزْوَة تَبُوك وَهِي آخر الْغَزَوَات سنة تسع
وَكَذَا خبر لَا سيف إِلَّا ذُو الفقار وَلَا فَتى إِلَّا عَليّ كذب والفتى لَيْسَ من أَسمَاء الْمَدْح وَلَا الذَّم
بل هُوَ كَقَوْلِك الشَّاب والكهل وَقَول الْمُشْركين (سمعنَا فَتى يذكرهم) لم يقصدوا مدحه بذلك
وَحَدِيث مواخاة النَّبِي لعَلي وَأبي بكر لعمر من الأكاذيب وَإِنَّمَا آخى بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار
وَذُو الفقار سيف كَانَ لأبي جهل غنمه الْمُسلمُونَ يَوْم بدر فَلم يكن ذُو الفقار يَوْم بدر من سيوف الْمُسلمين روى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ نقل سَيْفه ذَا الفقار يَوْم بدر ثمَّ إِن النَّبِي ﷺ كَانَ بعد النُّبُوَّة كهلا وَقَول أبي ذَر لم يَصح مَعَ أَن حب عَليّ فرض كَمَا أَن حب أبي بكر فرض وَحب الْأَنْصَار فرض قَالَ النَّبِي ﷺ آيَة الْإِيمَان حب الْأَنْصَار وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عَليّ أَنه لعهد النَّبِي الْأُمِّي إِلَى أَنه لَا يحبني إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضني إِلَّا مُنَافِق
قَالَ وَمِنْهَا مَا نَقله صَاحب الفردوس عَن معَاذ عَن النَّبِي ﷺ حب عَليّ حَسَنَة لَا تضر مَعهَا سَيِّئَة وبغضه سَيِّئَة لَا تَنْفَع مَعهَا حَسَنَة قُلْنَا كتاب الفردوس مُصَنفه شيرويه بن شهريار الديلمي الْمُحدث فِيهِ مَوْضُوعَات جمة هَذَا مِنْهَا وَلَا بقوله الْمُصْطَفى الْمَعْصُوم بل هَذَا الْمُؤمن الَّذِي يحب الله وَرَسُوله وَمَعَ ذَلِك تضره السَّيِّئَات وَيحد فِي الْخمر وَقد أَمر النَّبِي ﷺ بِضَرْب حمَار فِي الْخمر فَسَبهُ رجل فَقَالَ ﷺ دَعه فَإِنَّهُ يحب الله
стр. 302
وَرَسُوله
وَأَيْضًا فقد كَانَ أَبُو طَالب يحب ابْنه عليا وضره الشّرك حَتَّى دخل النَّار
وَهَؤُلَاء الغلاة يَزْعمُونَ أَنهم يحبونه وهم من أهل النَّار
وَحب الرَّسُول أعظم من حب عَليّ وَيدخل خلق من محبيه النَّار ثمَّ يخرجُون بِشَفَاعَتِهِ
وَكَذَلِكَ الحَدِيث الَّذِي أوردهُ عَن ابْن مَسْعُود حب آل مُحَمَّد يَوْمًا خير من عبَادَة سنة مَوْضُوع
وَحَدِيث أَنا وَعلي حجَّة الله على خلقه كذب أَيْضا وَالله تَعَالَى يَقُول (لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل)
وَكَذَلِكَ قَوْله لَو اجْتمع النَّاس على حب عَليّ لم تخلق النَّار فقد رَأينَا من محبيه من الإسماعيلية وَغَيرهم خلقا من طَعَام النَّار
وَنحن نحبه ونخاف النَّار
ثمَّ خلق مِمَّن صدق الرُّسُل يدْخلُونَ الْجنَّة وَمَا عرفُوا عليا
وَكَذَلِكَ الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي الْعَهْد الَّذِي عَهده الله فِي عَليّ وَأَنه راية الْهدى وَإِمَام الْأَوْلِيَاء والكلمة الَّتِي ألزمها لِلْمُتقين
فَصَاحب الْحِلْية قد روى فِي فَضَائِل الْأَرْبَعَة عدَّة مَوْضُوعَات وَإِنَّمَا كلمة التَّقْوَى لَا إِلَه إِلَّا الله
قَالَ الرافضي وَأما المطاعن فِي الْجَمَاعَة فقد نقل أتباعهم مِنْهَا كثيرا حَتَّى صنف الْكَلْبِيّ كتابا فِي مثالب الصَّحَابَة
قُلْنَا الْكَلْبِيّ وَابْنه هِشَام كذابان رافضيان
стр. 303
وَإِن مَا ينْقل عَن الصَّحَابَة من المثالب نَوْعَانِ أَحدهمَا إِمَّا كذب كُله وَإِمَّا محرف قد دخله من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان مَا يُخرجهُ إِلَى الذَّم والطعن
وَأكْثر الْمَنْقُول من المطاعن الصَّرِيحَة هُوَ من هَذَا الْبَاب يَرْوِيهَا الكذابون المعروفون بِالْكَذِبِ مثل أبي مخنف لوط بن يحيى وَمثل هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ وَلِهَذَا اسْتشْهد هَذَا الرافضي بِمَا صنفه هِشَام الْكَلْبِيّ فِي ذَلِك وَهُوَ من أكذب النَّاس وَهُوَ شيعي يرْوى عَن أَبِيه وَعَن أبي مخنف وَكِلَاهُمَا مَتْرُوك كَذَّاب
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي هَذَا الْكَلْبِيّ مَا ظنت أَن أحدا يحدث عَنهُ إِنَّمَا هُوَ صَاحب سمر وَنسب
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك
وَقَالَ ابْن عدي هِشَام الْكَلْبِيّ الْغَالِب عَلَيْهِ الأسمار وَلَا أعرف لَهُ فِي الْمسند شَيْئا وَأَبُو أَيْضا كَذَّاب
وَقَالَ زَائِدَة وَاللَّيْث وَسليمَان التَّيْمِيّ هُوَ كَذَّاب
وَقَالَ يحيى لَيْسَ بِشَيْء
стр. 304
كَذَّاب سَاقِط
وَقَالَ ابْن حبَان وضوح الْكَذِب فِيهِ أظهر من أَن يحْتَاج إِلَى الإغراق فِي وَصفه
النَّوْع الثَّانِي مَا هُوَ صدق وَأكْثر هَذِه الْأُمُور لَهُم فِيهَا معاذير تخرجها عَن أَن تكون ذنوبا وتجعلها من موارد الإجتهاد الَّتِي إِن أصَاب الْمُجْتَهد فِيهَا فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن أَخطَأ فَلهُ أجر
وَعَامة الْمَنْقُول الثَّابِت عَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من هَذَا الْبَاب وَمَا قدر من هَذِه الْأُمُور ذَنبا محققا فَإِن ذَلِك لَا يقْدَح فِيمَا علم من فضائلهم وسوابقهم وكونهم من أهل الْجنَّة لِأَن الذَّنب الْمُحَقق يرْتَفع عِقَابه فِي الْآخِرَة بِأَسْبَاب مُتعَدِّدَة مِنْهَا التَّوْبَة الماحية وَقد ثَبت عَن أَئِمَّة الإمامية أَنهم تَابُوا من الذُّنُوب الْمَعْرُوفَة عَنْهُم
وَمِنْهَا الْحَسَنَات الماحية للذنوب فَإِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات وَقد قَالَ تَعَالَى (إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ) وَمِنْهَا المصائب المكفرة وَمِنْهَا دُعَاء الْمُؤمنِينَ بَعضهم لبَعض وشفاعة نَبِيّهم
فَمَا من ذَنْب يسْقط بِهِ الذَّم وَالْعِقَاب عَن أحد من الْأمة إِلَّا وَالصَّحَابَة أَحَق بذلك فهم أَحَق بِكُل مدح وَنفي كل ذمّ مِمَّن بعدهمْ من الْأمة
وَنحن نذْكر قَاعِدَة جَامِعَة فِي هَذَا الْبَاب لَهُم ولسائر الْأمة فَنَقُول
لَا بُد أَن يكون مَعَ الْإِنْسَان أصُول كُلية يرد إِلَيْهَا الجزئيات ليَتَكَلَّم بِعلم وَعدل ثمَّ يعرف الجزئيات كَيفَ وَقعت وَإِلَّا فَيبقى فِي كذب وَجَهل بالجزئيات وَجَهل وظلم فِي الكليات فيتولد فَسَاد عَظِيم
وَالنَّاس قد تكلمُوا فِي تصويب الْمُجْتَهدين وتخطئتهم وتأثيمهم وَعدم تأثيمهم فِي مسَائِل الْفُرُوع وَالْأُصُول
وَنحن نذْكر أصولا جَامِعَة نافعة
الأَصْل الأول أَنه هَل يُمكن كل أحد أَن يعرف بإجتهاده الْحق فِي كل مَسْأَلَة فِيهَا نزاع وَإِذا لم يُمكنهُ فاجتهد واستفرغ وَسعه فَلم يصل إِلَى الْحق بل قَالَ مَا اعْتقد أَنه هُوَ الْحق فِي نفس الْأَمر وَلم يكن هُوَ الْحق فِي نفس الْأَمر هَل يسْتَحق أَن يُعَاقب أم لَا هَذَا أصل هَذِه الْمسَائِل
وَلِلنَّاسِ فِي هَذَا الأَصْل ثَلَاثَة أَقْوَال كل قَول عَلَيْهِ طَائِفَة من النظار الأول قَول من يَقُول إِن الله قد نصب على الْحق فِي كل مَسْأَلَة دَلِيلا يعرف بِهِ يُمكن كل من اجْتهد واستفرغ وَسعه أَن يعرف الْحق وكل من لم يعرف
стр. 305
الْحق فِي مَسْأَلَة أصولية أَو فروعية فَإِنَّمَا هُوَ لتَفْرِيطه فِيمَا يجب عَلَيْهِ لَا لعَجزه
وَهَذَا القَوْل هُوَ الْمَشْهُور عَن الْقَدَرِيَّة والمعتزلة وَهُوَ قَول طَائِفَة من أهل الْكَلَام غير هَؤُلَاءِ وَالْقَوْل الثَّانِي فِي أصل الْمَسْأَلَة أَن الْمُجْتَهد الْمُسْتَدلّ قد يُمكنهُ أَن يعرف الْحق وَقد يعجز عَن ذَلِك
لَكِن إِن عجز عَن ذَلِك فقد يُعَاقِبهُ الله وَقد لَا يُعَاقِبهُ وَهَذَا قَول الْجَهْمِية والأشعرية وَكثير من الْفُقَهَاء أَتبَاع الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَالْقَوْل الثَّالِث فِي هَذَا الأَصْل أَنه لَيْسَ كل من اجْتهد وَاسْتدلَّ يتَمَكَّن من معرفَة الْحق وَلَا يسْتَحق الْوَعيد إِلَّا من ترك مَأْمُورا أَو فعل مَحْظُورًا
وَهَذَا قَول الْفُقَهَاء وَالْأَئِمَّة وَهُوَ القَوْل الْمَعْرُوف عَن سلف الْأمة وَقَول جُمْهُور الْمُسلمين
وَهَذَا القَوْل يجمع الصَّوَاب من الْقَوْلَيْنِ
الأَصْل الثَّانِي قَول من يَقُول إِن الله لَا يعذب فِي الْآخِرَة إِلَّا من عَصَاهُ بترك الْمَأْمُور أَو فعل الْمَحْظُور وَالْأَصْل الَّذِي عَلَيْهِ السّلف وَالْجُمْهُور أَن الله لَا يُكَلف نفسا إِلَّا وسعهَا فالوجوب مَشْرُوط بِالْقُدْرَةِ والعقوبة لَا تكون إِلَّا على ترك مَأْمُور أَو فعل مَحْظُور بعد قيام الْحجَّة
وَقد ذكرنَا فِي غير هَذَا الْموضع حكم النَّاس فِي الْوَعْد والوعيد وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَأَن فَاعل السَّيِّئَات تسْقط عَنهُ عُقُوبَة جَهَنَّم بِنَحْوِ عشرَة أَسبَاب فَإِذا كَانَ هَذَا الحكم فِي الْمُجْتَهدين وَهَذَا الحكم فِي المذنبين حكما عَاما فِي جَمِيع الْأمة فَكيف فِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَإِذا كَانَ الْمُتَأَخّرُونَ من الْمُجْتَهدين والمذنبين ينْدَفع عَنْهُم الذَّم وَالْعِقَاب بِمَا ذكر من الْأَسْبَاب فَكيف بالسابقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار
وَنحن نبسط هَذَا وننبه بالأدنى على الْأَعْلَى فَنَقُول كَلَام الذام للخلفاء ولغيرهم من الصَّحَابَة من رَافِضِي وَغَيره هُوَ من بَاب الْكَلَام فِي الْأَعْرَاض وَفِيه حق لله تَعَالَى لما يتَعَلَّق بِهِ من الْولَايَة والعداوة وَالْحب والبغض وَفِيه حق للآدميين أَيْضا
وَمَعْلُوم أَنا إِذا تكلمنا فِيمَن هُوَ دون الصَّحَابَة مثل الْمُلُوك الْمُخْتَلِفين على الْملك وَالْعُلَمَاء والمشايخ الْمُخْتَلِفين
стр. 306
فِي الْعلم وَالدّين وَجب أَن يكون الْكَلَام بِعلم وَعدل وَلَا بِجَهْل وظلم
فَإِن الْعدْل وَاجِب لكل أحد على كل أحد فِي كل حَال وَالظُّلم محرم مُطلقًا لَا يُبَاح قطّ بِحَال قَالَ تَعَالَى (وَلَا يجرمنكم شنآن قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى)
فَإِذا كَانَ البغض الَّذِي أَمر الله بِهِ قد نهى صَاحبه أَن يظلم من يبغضه فَكيف فِي بغض مُسلم بِتَأْوِيل وشبهة أَو بهوى نفس فَهُوَ أَحَق أَن لَا يظلم بل يعدل عَلَيْهِ
وَأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَحَق من عدل عَلَيْهِم فِي القَوْل وَالْعَمَل وَالْعدْل مِمَّا اتّفق أهل الأَرْض على مدحه ومحبته وَالثنَاء على أَهله ومحبتهم
وَالظُّلم مِمَّا اتّفق على ذمه وتقبيحه وذم أَهله وبغضهم وَالْمَقْصُود أَن الحكم بِالْعَدْلِ وَاجِب مُطلقًا فِي كل زمَان وَمَكَان على كل أحد وَلكُل أحد وَالْحكم بِمَا أنزل الله على مُحَمَّد ﷺ هُوَ عدل خَاص وَهُوَ أكمل أَنْوَاع الْعدْل وأحسنها وَالْحكم بِهِ وَاجِب على النَّبِي وكل من اتبعهُ وَمن لم يلْتَزم حكم الله وَرَسُوله فَهُوَ كَافِر وَهَذَا وَاجِب على الْأمة فِي كل مَا تنازعت فِيهِ من الْأُمُور الإعتقادية والعملية قَالَ تَعَالَى (فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول) فالأمور الْمُشْتَركَة بَين الْأمة لَا يحكم فِيهَا إِلَّا الْكتاب وَالسّنة لَيْسَ لأحد أَن يلْزم النَّاس بقول عَالم وَلَا أَمِير وَلَا شيخ وَلَا ملك وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ الْقُضَاة ثَلَاثَة قاضيان فِي النَّار وقاضيان فِي الْجنَّة
فَمن علم الْحق وَقضى بِهِ فَهُوَ فِي الْجنَّة وَمن علم الْحق وَقضى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّار وَمن قضى للنَّاس على جهل فَهُوَ فِي النَّار
وَإِذا حكم بِعلم وَعدل فَإِذا اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ من وَجْهَيْن
وَإِذا وَجب فِيمَا شجر بَين الْمُؤمنِينَ أَن لَا يتَكَلَّم إِلَّا بِعلم وَعدل وَيرد ذَلِك إِلَى الله وَالرَّسُول فَذَاك فِي أَمر الصَّحَابَة أظهر والرافضة سلكوا فِي الصَّحَابَة مَسْلَك التَّفَرُّق فوالوا بَعضهم وغلوا فِيهِ وعادوا بَعضهم وغلوا فِي معاداته وَهَذَا كُله من التَّفَرُّق والتشيع الَّذِي نهى الله عَنهُ وَرَسُوله فَقَالَ تَعَالَى (إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء) وَقَالَ تَعَالَى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد
стр. 307
مَا جَاءَهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم
يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون
وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم فَفِي رَحْمَة الله هم فِيهَا خَالدُونَ) قَالَ ابْن عَبَّاس تبيض وُجُوه أهل السّنة وَتسود وُجُوه أهل الْبِدْعَة وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الله يرضى لكم ثَلَاثًا أَن تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَأَن تعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا وَأَن تناصحوا من ولاه الله أُمُوركُم
وَالله تَعَالَى قد حرم ظلم الْمُسلمين أحيائهم وأمواتهم وَحرم دِمَاءَهُمْ واموالهم وأعراضهم
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُم حرَام كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي شهركم هَذَا فِي بلدكم هَذَا
أَلا هَل بلغت أَلا ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب فَرب مبلغ أوعى من سامع وَقد قَالَ تَعَالَى (وَالَّذين يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بِغَيْر مَا اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مُبينًا) فَمن آذَى مُؤمنا حَيا أَو مَيتا بِغَيْر ذَنْب يُوجب ذَلِك فقد دخل فِي هَذِه الْآيَة
وَمن كَانَ مُجْتَهدا لَا إِثْم عَلَيْهِ فَإِذا آذاه مؤذ فقد آذاه بِغَيْر مَا اكْتسب
وَمن كَانَ مذنبا وَقد تَابَ من ذَنبه أَو غفر لَهُ بِسَبَب آخر بِحَيْثُ لم يبْق عَلَيْهِ عُقُوبَة فآذاه مؤذ فقد آذاه بِغَيْر مَا اكْتسب وَقد قَالَ تَعَالَى (وَلَا يغتب بَعْضكُم بَعْضًا) وَثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْغَيْبَة ذكرك أَخَاك بِمَا يكره
قيل أَرَأَيْت إِن كَانَ فِي أخي مَا أَقُول قَالَ إِن كَانَ فِيهِ مَا تَقول فقد إغتبته وَإِن لم يكن فِيهِ فقد بَهته
فَمن رمى أحدا بِمَا لَيْسَ فِيهِ فقد بَهته فَكيف إِذا كَانَ ذَلِك فِي الصَّحَابَة وَمن قَالَ عَن مُجْتَهد إِنَّه تعمد الظُّلم أَو تعمد مَعْصِيّة الله وَرَسُوله وَمُخَالفَة الْكتاب وَالسّنة وَلم يكن كَذَلِك فقد بَهته
وَإِذا كَانَ فِيهِ ذَلِك فقد إغتابه
لَكِن يُبَاح من ذَلِك مَا أَبَاحَهُ الله وَرَسُوله وَهُوَ مَا يكون على وَجه الْقصاص وَالْعدْل وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ لمصْلحَة الدّين ونصيحة الْمُسلمين
فَالْأول قَول المشتكي الْمَظْلُوم فلَان ضَرَبَنِي
стр. 308
وَأخذ مَالِي وَمَنَعَنِي وَنَحْو ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى (لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل إِلَّا من ظلم) وَقد نزلت فِيمَن ضاف قوما فَلم يقروه لِأَن قرى الضَّيْف وَاجِب كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فَلَمَّا منعُوهُ حَقه كَانَ لَهُ ذكر ذَلِك وَأما الْحَاجة مثل إستفتاء هِنْد بنت عتبَة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله إِن أَبَا سُفْيَان رجل شحيح لَا يعطيني وَبنى مَا يَكْفِينِي بِالْمَعْرُوفِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَائِشَة فَلم يُنكر عَلَيْهَا قَوْلهَا وَهُوَ من جنس قَول الْمَظْلُوم
وَأما النَّصِيحَة فَمثل قَوْله ﷺ لفاطمة بنت قيس لما استشارته فِيمَن خطبهَا فَقَالَت خطبني أَبُو جهم وَمُعَاوِيَة فَقَالَ ﷺ أما مُعَاوِيَة فصعلوك لَا مَال لَهُ وَأما أَبُو جهم فَلَا يضع عَصَاهُ عَن عَاتِقه وَفِي لفظ يضْرب النِّسَاء إنكحي أُسَامَة فَلَمَّا إستشارته فِيمَن تتَزَوَّج ذكر مَا تحْتَاج إِلَيْهِ
وَكَذَلِكَ من إستشار رجلا فِيمَن يعامله
والنصيحة مَأْمُور بهَا وَلَو لم يشاوره فقد قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح الدّين النَّصِيحَة الدّين النَّصِيحَة ثَلَاثًا
قَالُوا لمن يَا رَسُول الله قَالَ لله ولكتابه وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم
وَكَذَلِكَ بَيَان أهل الْعلم لمن غلط فِي رِوَايَة عَن النَّبِي ﷺ أَو تعمد الْكَذِب عَلَيْهِ أَو على من ينْقل عَنهُ الْعلم
وَكَذَلِكَ بَيَان من غلط فِي رَأْي رَآهُ فِي أَمر الدّين من الْمسَائِل العلمية والعملية
فَهَذَا إِذا تكلم فِيهِ الْإِنْسَان بِعلم وَعدل وَقصد النَّصِيحَة فَالله تَعَالَى يثيبه على ذَلِك لَا سِيمَا إِذا كَانَ الْمُتَكَلّم فِيهِ دَاعيا إِلَى بِدعَة فَهَذَا يجب بَيَان أمره للنَّاس فَإِن دفع شَره عَنْهُم أعظم من دفع شَرّ قَاطع الطَّرِيق
وَحكم الْمُتَكَلّم بإجتهاده فِي الْعلم وَالدّين حكم أَمْثَاله من الْمُجْتَهدين
ثمَّ قد يكون مُجْتَهدا مخطئا أَو مصيبا وَقد يكون كل من الرجلَيْن الْمُخْتَلِفين بِاللِّسَانِ أَو الْيَد مُجْتَهدا يعْتَقد الصَّوَاب مَعَه وَقد يكونَانِ جَمِيعًا مخطئين مغفورا لَهما كَمَا ذكرنَا نَظِير ذَلِك مِمَّا كَانَ يجْرِي بَين الصَّحَابَة
وَلِهَذَا ينْهَى عَمَّا شجر بَين هَؤُلَاءِ سَوَاء كَانُوا من الصَّحَابَة أَو من
стр. 309
بعدهمْ فَإِذا تشاجر مسلمان فِي قَضِيَّة وَمَضَت وَلَا تعلق للنَّاس بهَا وَلَا يعْرفُونَ حَقِيقَتهَا كَانَ كَلَامهم فِيهَا كلَاما بِلَا علم وَلَا عدل يتَضَمَّن أذاهم بِغَيْر حق وَلَو عرفُوا أَنَّهُمَا مذنبان أَو مخطئان لَكَانَ ذكر ذَلِك من غير مصلحَة راجحة من بَاب الْغَيْبَة المذمومة
لَكِن الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ أعظم حُرْمَة وَأجل قدرا وأنزه أعراضا وَقد ثَبت من فضائلهم خُصُوصا وعموما مَا لم يثبت لغَيرهم فَلهَذَا كَانَ الْكَلَام الَّذِي فِيهِ ذمهم على مَا شجر بَينهم أعظم إِثْمًا من الْكَلَام فِي غَيرهم
فَإِن قيل فَأنْتم فِي هَذَا الْمقَام تسبون الرافضة وتذمونهم وتذكرون عيوبهم
قيل ذكر الْأَنْوَاع المذمومة غير ذكر الْأَشْخَاص الْمعينَة فَإِنَّهُ قد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ لعن أَنْوَاع كَثِيرَة وَقَالَ الله تَعَالَى (أَن لعنة الله على الظَّالِمين الَّذين يصدون عَن سَبِيل الله ويبغونها عوجا) فالقرآن وَالسّنة مملوءان من ذمّ الْأَنْوَاع المذمومة وذم أَهلهَا ولعنهم تحذيرا من ذَلِك الْفِعْل وإخبارا بِمَا يلْحق أَهله من الْوَعيد
ثمَّ الْمعاصِي الَّتِي يعرف صَاحبهَا أَنه عَاص يَتُوب مِنْهَا والمبتدع الَّذِي يظنّ أَنه على حق كالخوارج والنواصب الَّذين نصبوا الْعَدَاوَة وَالْحَرب لجَماعَة الْمُسلمين ابتدعوا بِدعَة وَكَفرُوا من لم يوافقهم عَلَيْهَا فَصَارَ بذلك ضررهم على الْمُسلمين أعظم من ضَرَر الظلمَة الَّذين يعلمُونَ أَن الظُّلم محرم والرافضة أَشد بِدعَة من الْخَوَارِج وهم يكفرون من لم تكن الْخَوَارِج تكفره كَأبي بكر وَعمر ويكذبون على النَّبِي ﷺ وَالصَّحَابَة كذبا مَا كذب أحد مثله والخوارج لَا يكذبُون لَكِن الْخَوَارِج كَانُوا أصدق وَأَشْجَع وأوفى بالعهد مِنْهُم فَكَانُوا أَكثر قتالا مِنْهُم وَهَؤُلَاء أكذب وأجبن وأعذر وأذل وهم يستعينون بالكفار على الْمُسلمين كَمَا جرى لجنكز خَان ملك التّرْك الْكفَّار فَإِن الرافضة أعانته على الْمُسلمين وَأما إعانتهم لهولاكو ابْن ابْنه لما جَاءَ إِلَى خُرَاسَان وَالْعراق وَالشَّام فَهَذَا أظهر وَأشهر من أَن يخفى على أحد فَكَانُوا بالعراق وخراسان من أعظم أنصار
стр. 310
بَاطِنا وظاهرا وَكَانَ وَزِير الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد الَّذِي يُقَال لَهُ ابْن العلقمي مِنْهُم فَلم يزل
стр. 311
يمكر بالخليفة وَالْمُسْلِمين وَيسْعَى فِي قطع أرزاق عَسْكَر الْمُسلمين وضعفتهم وَينْهى الْعَامَّة عَن قِتَالهمْ ويكيد أنواعا من الكيد حَتَّى دخلُوا فَقتلُوا من الْمُسلمين مَا يُقَال إِنَّه بضعَة عشر ألف ألف إِنْسَان أَو أَكثر أَو أقل وَلم ير فِي الْإِسْلَام مثل ملحمة التّرْك الْكفَّار
стр. 312
المسمين بالتتر وَقتلُوا الهاشميين وَسبوا نِسَاءَهُمْ من العباسيين وَغير العباسيين
فَهَل يكون مواليا لآل الرَّسُول ﷺ من يُسَلط الْكفَّار على قَتلهمْ وَسَبْيهمْ وعَلى سَائِر الْمُسلمين وهم يكذبُون على الْحجَّاج وَغَيره أَنه قتل الْأَشْرَاف وَلم يقتل الْحجَّاج هاشميا قطّ مَعَ ظلمه وغشمه فَإِن عبد الْملك نَهَاهُ عَن ذَلِك وَإِنَّمَا قتل نَاسا من أَشْرَاف الْعَرَب غير بني هَاشم وَقد تزوج هاشمية وَهِي بنت عبد الله بن جَعْفَر فَمَا مكنه بَنو أُميَّة من ذَلِك وَفرقُوا بَينه وَبَينهَا وَقَالُوا لَيْسَ الْحجَّاج كفئا لشريفة هاشمية
والرافضة فيهم من هُوَ متعبد متورع زاهد لَكِن لَيْسُوا فِي ذَلِك مثل غَيرهم من أهل الْأَهْوَاء فالمعتزلة أَعقل مِنْهُم وَأعلم وأدين وَالْكذب والفجور فيهم أقل مِنْهُ فِي الرافضة
والزيدية من الشِّيعَة خير مِنْهُم وَأقرب إِلَى الصدْق وَالْعدْل وَالْعلم
وَلَيْسَ فِي أهل الْأَهْوَاء أصدق وَلَا أعبد من الْخَوَارِج وَمَعَ هَذَا فَأهل السّنة يستعملون مَعَهم الْعدْل والإنصاف وَلَا يظلمونهم فَإِن الظُّلم حرَام مُطلقًا كَمَا تقدم
بل أهل السّنة لكل طَائِفَة من هَؤُلَاءِ خير من بَعضهم لبَعض بل هم للرافضة خير وَأَعْدل من بعض الرافضة لبَعض
وَهَذَا مِمَّا يعترفون هم بِهِ وَيَقُولُونَ أَنْتُم تنصفوننا مَا لَا ينصف بَعْضنَا بَعْضًا
وَهَذَا لِأَن الأَصْل الَّذِي اشْتَركُوا فِيهِ أصل فَاسد مَبْنِيّ على جهل وظلم
وهم مشتركون فِي ظلم سَائِر الْمُسلمين فصاروا بِمَنْزِلَة قطاع الطَّرِيق المشتركين فِي ظلم النَّاس
وَلَا ريب أَن الْمُسلم الْعَالم الْعَادِل أعدل عَلَيْهِم وعَلى بَعضهم من بعض
والخوارج تكفر أهل الْجَمَاعَة وَكَذَلِكَ أَكثر الْمُعْتَزلَة يكفرون من خالفهم وَكَذَلِكَ أَكثر الرافضة
وَمن لم يكفر فسق وَكَذَلِكَ أَكثر أهل الْأَهْوَاء يبتدعون رَأيا ويكفرون من خالفهم فِيهِ
وَأهل السّنة يتبعُون الْحق من رَبهم الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُول وَلَا يكفرون من خالفهم فِيهِ بل هم أعلم بِالْحَقِّ وأرحم بالخلق كَمَا وصف الله بِهِ الْمُسلمين بقوله (كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس) قَالَ أَبُو هُرَيْرَة كُنْتُم خير النَّاس للنَّاس
وَأهل السّنة نقاوة الْمُسلمين
стр. 313
فهم خير النَّاس للنَّاس
وَقد علم أَنه كَانَ بساحل الشَّام جبل كَبِير فِيهِ أُلُوف من الرافضة يسفكون دِمَاء النَّاس وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالهم
وَلما انْكَسَرَ الْمُسلمُونَ سنة غازان أخذُوا الْخَيل وَالسِّلَاح
стр. 314
وَالْأسَارَى وباعوهم للْكفَّار وَالنَّصَارَى بقبرص وَأخذُوا من مر بهم من الْجند وَكَانُوا أضرّ
стр. 315
على الْمُسلمين من جَمِيع الْأَعْدَاء وَحمل بعض أمرائهم راية النَّصَارَى وَقَالُوا لَهُ أَيّمَا خير
стр. 316
الْمُسلمُونَ أَو النَّصَارَى فَقَالَ بل النَّصَارَى
فَقَالُوا لَهُ مَعَ من تحْشر يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ مَعَ النَّصَارَى
وسلموا إِلَيْهِم بعض بِلَاد الْمُسلمين
وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا إستشار بعض وُلَاة الْأَمر فِي غزوهم وكتبت جَوَابا مَبْسُوطا فِي غزوهم وذهبنا إِلَى ناحيتهم وَحضر عِنْدِي جمَاعَة مِنْهُم وَجَرت بيني وَبينهمْ مناظرات ومفاوضات يطول وصفهَا فَلَمَّا فتح الْمُسلمُونَ بلدهم وَتمكن الْمُسلمُونَ مِنْهُم نهيتهم عَن قَتلهمْ وَعَن سَبْيهمْ وأنزلناهم فِي بِلَاد الْمُسلمين مُتَفَرّقين لِئَلَّا يجتمعوا
فَمَا أذكرهُ فِي هَذَا الْكتاب فِي ذمّ الرافضة وَبَيَان كذبهمْ وجهلهم قَلِيل من كثير مِمَّا أعرفهُ مِنْهُم وَلَهُم شَرّ كثير لَا أعرف تَفْصِيله
ومصنف هَذَا الْكتاب وَأَمْثَاله من الرافضة إِنَّمَا نقابلهم بِبَعْض مَا فَعَلُوهُ بِأمة مُحَمَّد ﷺ سلفها وَخَلفهَا فَإِنَّهُم عَمدُوا إِلَى خِيَار أهل الأَرْض من الْأَوَّلين والآخرين بعد النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَإِلَى خير أمة أخرجت للنَّاس فافتروا عَلَيْهِم العظائم وَجعلُوا حسناتهم سيئات وَجَاءُوا إِلَى شَرّ من انتسب إِلَى الْإِسْلَام من أهل الْأَهْوَاء وهم الرافضة بأصنافها غاليها وإماميها وزيديها وَالله يعلم وَكفى بِاللَّه عليما لَيْسَ فِي جَمِيع الطوائف المنتسبة إِلَى الْإِسْلَام مَعَ بِدعَة وضلالة شَرّ مِنْهُم لَا أَجْهَل وَلَا أكذب وَلَا أظلم وَلَا أقرب إِلَى الْكفْر والفسوق والعصيان وَأبْعد عَن حقائق الْإِيمَان مِنْهُم فزعموا أَن هَؤُلَاءِ هم صفوة
стр. 317
الله من عباده فَإِن مَا سوى أمة مُحَمَّد كفار وَهَؤُلَاء كفرُوا الْأمة كلهَا أَو ضللوها سوى طائفتهم الَّتِي يَزْعمُونَ أَنَّهَا الطَّائِفَة المحقة وَأَنَّهَا لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة فجعلوهم صفوة بني آدم فَكَانَ مثلهم كمن جَاءَ إِلَى غنم كَثِيرَة فَقيل لَهُ أعطنا خير هَذِه الْغنم لنضحي بهَا فَعمد إِلَى شَرّ تِلْكَ الْغنم إِلَى شَاة عوراء عجفاء عرجاء مَهْزُولَة لَا نقى لَهَا فَقل هَذِه خِيَار هَذِه الْغنم لَا تجوز الْأُضْحِية إِلَّا بهَا وَسَائِر هَذِه الْغنم لَيست غنما وَإِنَّمَا هِيَ خنازير يجب قَتلهَا وَلَا تجوز الْأُضْحِية بهَا
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من حمى مُؤمنا من مُنَافِق حمى الله لَحْمه من نَار جَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة
وَهَؤُلَاء الرافضة إِمَّا مُنَافِق وَإِمَّا جَاهِل فَلَا يكون رَافِضِي وَلَا جهمي إِلَّا منافقا أَو جَاهِلا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ لَا يكون فيهم أحد عَالما بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ مَعَ الْإِيمَان بِهِ فَإِن مخالفتهم لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول وكذبهم عَلَيْهِ لَا يخفى قطّ إِلَّا على مفرط فِي الْجَهْل والهوى
وشيوخهم المصنفون فيهم طوائف يعلمُونَ أَن كثيرا مِمَّا يَقُولُونَهُ كذب وَلَكِن يصنفون لَهُم رياستهم عَلَيْهِم
وَهَذَا المُصَنّف يتهمه النَّاس بِهَذَا وَلَكِن صنف لأجل أَتْبَاعه
فَإِن كَانَ أحدهم يعلم أَن مَا يَقُوله بَاطِل ويظهره وَيَقُول إِنَّه حق من عِنْد الله فَهُوَ من جنس عُلَمَاء الْيَهُود الَّذين (يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ)
وَإِن كَانَ يعْتَقد أَنه حق دلّ ذَلِك على نِهَايَة جَهله وضلاله
وَلما قَالَ السّلف إِن الله أَمر بالإستغفار لأَصْحَاب مُحَمَّد فسبهم الرافضة كَانَ هَذَا كلَاما حَقًا
وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح لَا تسبوا أَصْحَابِي يَقْتَضِي تَحْرِيم سبهم
مَعَ أَن الْأَمر بالإستغفار للْمُؤْمِنين وَالنَّهْي عَن سبهم عَام فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن
стр. 318
مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ قَالَ سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر وَقد قَالَ تَعَالَى (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يسخر قوم من قوم عَسى أَن يَكُونُوا خيرا مِنْهُم وَلَا نسَاء من نسَاء عَسى أَن يكن خيرا مِنْهُنَّ وَلَا تلمزوا أَنفسكُم وَلَا تنابزوا بِالْأَلْقَابِ بئس الِاسْم الفسوق بعد الْإِيمَان
وَمن لم يتب فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ)
فقد نهى عَن السخرية واللمز والتنابز بِالْأَلْقَابِ واللمز الْعَيْب والطعن وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات) أَي يعيبك ويطعن عَلَيْك وَقَالَ تَعَالَى (ويل لكل همزَة لُمزَة) وَإِذا قَالَ الْمُسلم (رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان) يقْصد كل من سبقه من قُرُون الْأمة بِالْإِيمَان وَإِن كَانَ قد أَخطَأ فِي تَأْوِيل تَأَوَّلَه فَخَالف السّنة أَو أذْنب ذَنبا فَإِنَّهُ من إخوانه الَّذين سَبَقُوهُ بِالْإِيمَان فَيدْخل فِي الْعُمُوم وَإِن كَانَ من الثِّنْتَيْنِ وَالسبْعين فرقة
فَإِنَّهُ مَا من فرقة إِلَّا وفيهَا خلق كثير لَيْسُوا كفَّارًا بل مُؤمنين فيهم ضلال وذنب يسْتَحقُّونَ بِهِ الْوَعيد كَمَا يسْتَحقّهُ عصاة الْمُؤمنِينَ
وَالنَّبِيّ ﷺ لم يخرجهم من الْإِسْلَام بل جعلهم من أمته وَلم يقل أَنهم يخلدُونَ فِي النَّار
فَهَذَا أصل عَظِيم يَنْبَغِي مراعاته فَإِن كثيرا من المنتسبين إِلَى السّنة فيهم بِدعَة من جنس بدع الرافضة والخوارج
وَأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ عَليّ بن أبي طَالب وَغَيره لم يكفروا الْخَوَارِج الَّذين قاتلوهم بل أول مَا خَرجُوا عَلَيْهِ وتحيزوا بحروراء وَخَرجُوا
стр. 319
عَن الطَّاعَة وَالْجَمَاعَة قَالَ لَهُم عَليّ بن أبي طَالب ﵁ إِن لكم علينا أَن لَا نمنعكم من مَسَاجِدنَا وَلَا حقكم من الْفَيْء
ثمَّ أرسل إِلَيْهِم ابْن عَبَّاس فناظرهم فَرجع نَحْو نصفهم ثمَّ قَاتل الْبَاقِي وغلبهم وَمَعَ هَذَا لم يسب لَهُم ذُرِّيَّة وَلَا غنم لَهُم مَالا وَلَا سَار فيهم سيرة الصَّحَابَة فِي الْمُرْتَدين كمسيلمة وَأَمْثَاله وَعَن قيس بن مُسلم عَن طَارق بن شهَاب قَالَ كنت عِنْد عَليّ حِين فرغ من قتال أهل النهروان فَقيل لَهُ أمشركون هم قَالَ من الشّرك فروا
فَقيل أمنافقون قَالَ المُنَافِقُونَ لَا يذكرُونَ الله إِلَّا قَلِيلا
قيل فَمَا هم قَالَ قوم بغوا علينا فقاتلناهم فقد صرح عَليّ ﵁ بِأَنَّهُم مُؤمنُونَ لَيْسُوا كفَّارًا وَلَا منافقين وَهَذَا بِخِلَاف مَا كَانَ يَقُوله بعض النَّاس كَأبي إِسْحَاق الإسفرايني وَمن اتبعهُ يَقُولُونَ لَا نكفر إِلَّا من يكفرنا
فَإِن الْكفْر لَيْسَ حَقًا لَهُم بل هُوَ حق لله وَلَيْسَ للْإنْسَان أَن يكذب على من يكذب عَلَيْهِ وَلَا أَن يفعل الْفَاحِشَة بِأَهْل من فعل الْفَاحِشَة بأَهْله لِأَن هَذَا حرَام لحق الله وَلَو سبّ النَّصَارَى نَبينَا لم يكن لنا أَن نسب الْمَسِيح
والرافضة إِذا كفرُوا أَبَا بكر وَعمر فَلَيْسَ لنا أَن نكفر عليا
روى سُفْيَان عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه الباقر قَالَ سمع على يَوْم الْجمل أَو يَوْم صفّين رجلا يغلو فِي القَوْل فَقَالَ لَا تَقولُوا إِلَّا خيرا إِنَّمَا هم قوم زَعَمُوا أَنا بغينا عَلَيْهِم وزعمنا أَنهم بغوا علينا فقاتلناهم وَعَن مَكْحُول أَن أَصْحَاب عَليّ سَأَلُوهُ عَمَّن قتل من أَصْحَاب مُعَاوِيَة مَا هم قَالَ هم الْمُؤْمِنُونَ وَعَن عبد الْوَاحِد بن أبي عون قَالَ مر عَليّ وَهُوَ متكيء على الأشتر على قَتْلَى صفّين فَإِذا حَابِس الْيَمَانِيّ مقتول فَقَالَ الأشتر إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون هَذَا حَابِس الْيَمَانِيّ مَعَهم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِ عَلامَة مُعَاوِيَة أما وَالله لقد عهدته
стр. 320
مُؤمنا
قَالَ عَليّ والآن هُوَ مُؤمن
قَالَ رووا عَن أبي بكر أَنه قَالَ على الْمِنْبَر أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يعتصم بِالْوَحْي وَإِن لي شَيْطَانا يَعْتَرِينِي فَإِن اسْتَقَمْت فإعينوني وَإِن زِغْت فقوموني
فَكيف تجوز إِمَامَة من يَسْتَعِين بالرعية على تقويمه
قُلْنَا هَذَا من أكبر فضائله وأدلها على أَنه لم يكن طَالب رياسة وَلَا كَانَ ظَالِما فَقَالَ إِن اسْتَقَمْت على الطَّاعَة فَأَعِينُونِي عَلَيْهَا وَإِن زِغْت عَنْهَا فقوموني
كَمَا قَالَ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت الله
فالشيطان الَّذِي يَعْتَرِيه يعتري غَيره فَإِنَّهُ مَا من أحد إِلَّا وَقد وكل بِهِ قرينه من الْجِنّ وقرينه من الْمَلَائِكَة والشيطان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم
فمقصوده بذلك أَنِّي لست مَعْصُوما وَصدق ﵁ وَالْإِمَام لَيْسَ رَبًّا لرعيته حَتَّى يسْتَغْنى عَنْهُم بل يتعاونون على الْبر وَالتَّقوى كإمام الصَّلَاة إِن استقام تبعوه وَإِن سَهَا سبحوا بِهِ وقوموه
ثمَّ يُقَال إستعانة عَليّ برعيته وَحَاجته إِلَيْهِم كَانَت أَكثر من إستعانة أبي بكر وَكَانَ تَقْوِيم أبي بكر لرعيته وطاعتهم لَهُ
следующие страницы →