← Акыда

Акыда · id 6531

المنتقى من منهاج الاعتدال

شمس الدين الذهبي

Полный текст (545 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الْمُسلمُونَ أَو النَّصَارَى فَقَالَ بل النَّصَارَى فَقَالُوا لَهُ مَعَ من تحْشر يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ مَعَ النَّصَارَى وسلموا إِلَيْهِم بعض بِلَاد الْمُسلمين وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا إستشار بعض وُلَاة الْأَمر فِي غزوهم وكتبت جَوَابا مَبْسُوطا فِي غزوهم وذهبنا إِلَى ناحيتهم وَحضر عِنْدِي جمَاعَة مِنْهُم وَجَرت بيني وَبينهمْ مناظرات ومفاوضات يطول وصفهَا فَلَمَّا فتح الْمُسلمُونَ بلدهم وَتمكن الْمُسلمُونَ مِنْهُم نهيتهم عَن قَتلهمْ وَعَن سَبْيهمْ وأنزلناهم فِي بِلَاد الْمُسلمين مُتَفَرّقين لِئَلَّا يجتمعوا فَمَا أذكرهُ فِي هَذَا الْكتاب فِي ذمّ الرافضة وَبَيَان كذبهمْ وجهلهم قَلِيل من كثير مِمَّا أعرفهُ مِنْهُم وَلَهُم شَرّ كثير لَا أعرف تَفْصِيله ومصنف هَذَا الْكتاب وَأَمْثَاله من الرافضة إِنَّمَا نقابلهم بِبَعْض مَا فَعَلُوهُ بِأمة مُحَمَّد ﷺ سلفها وَخَلفهَا فَإِنَّهُم عَمدُوا إِلَى خِيَار أهل الأَرْض من الْأَوَّلين والآخرين بعد النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَإِلَى خير أمة أخرجت للنَّاس فافتروا عَلَيْهِم العظائم وَجعلُوا حسناتهم سيئات وَجَاءُوا إِلَى شَرّ من انتسب إِلَى الْإِسْلَام من أهل الْأَهْوَاء وهم الرافضة بأصنافها غاليها وإماميها وزيديها وَالله يعلم وَكفى بِاللَّه عليما لَيْسَ فِي جَمِيع الطوائف المنتسبة إِلَى الْإِسْلَام مَعَ بِدعَة وضلالة شَرّ مِنْهُم لَا أَجْهَل وَلَا أكذب وَلَا أظلم وَلَا أقرب إِلَى الْكفْر والفسوق والعصيان وَأبْعد عَن حقائق الْإِيمَان مِنْهُم فزعموا أَن هَؤُلَاءِ هم صفوة

стр. 317

الله من عباده فَإِن مَا سوى أمة مُحَمَّد كفار وَهَؤُلَاء كفرُوا الْأمة كلهَا أَو ضللوها سوى طائفتهم الَّتِي يَزْعمُونَ أَنَّهَا الطَّائِفَة المحقة وَأَنَّهَا لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة فجعلوهم صفوة بني آدم فَكَانَ مثلهم كمن جَاءَ إِلَى غنم كَثِيرَة فَقيل لَهُ أعطنا خير هَذِه الْغنم لنضحي بهَا فَعمد إِلَى شَرّ تِلْكَ الْغنم إِلَى شَاة عوراء عجفاء عرجاء مَهْزُولَة لَا نقى لَهَا فَقل هَذِه خِيَار هَذِه الْغنم لَا تجوز الْأُضْحِية إِلَّا بهَا وَسَائِر هَذِه الْغنم لَيست غنما وَإِنَّمَا هِيَ خنازير يجب قَتلهَا وَلَا تجوز الْأُضْحِية بهَا وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من حمى مُؤمنا من مُنَافِق حمى الله لَحْمه من نَار جَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة وَهَؤُلَاء الرافضة إِمَّا مُنَافِق وَإِمَّا جَاهِل فَلَا يكون رَافِضِي وَلَا جهمي إِلَّا منافقا أَو جَاهِلا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ لَا يكون فيهم أحد عَالما بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ مَعَ الْإِيمَان بِهِ فَإِن مخالفتهم لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول وكذبهم عَلَيْهِ لَا يخفى قطّ إِلَّا على مفرط فِي الْجَهْل والهوى وشيوخهم المصنفون فيهم طوائف يعلمُونَ أَن كثيرا مِمَّا يَقُولُونَهُ كذب وَلَكِن يصنفون لَهُم رياستهم عَلَيْهِم وَهَذَا المُصَنّف يتهمه النَّاس بِهَذَا وَلَكِن صنف لأجل أَتْبَاعه فَإِن كَانَ أحدهم يعلم أَن مَا يَقُوله بَاطِل ويظهره وَيَقُول إِنَّه حق من عِنْد الله فَهُوَ من جنس عُلَمَاء الْيَهُود الَّذين (يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ) وَإِن كَانَ يعْتَقد أَنه حق دلّ ذَلِك على نِهَايَة جَهله وضلاله وَلما قَالَ السّلف إِن الله أَمر بالإستغفار لأَصْحَاب مُحَمَّد فسبهم الرافضة كَانَ هَذَا كلَاما حَقًا وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح لَا تسبوا أَصْحَابِي يَقْتَضِي تَحْرِيم سبهم مَعَ أَن الْأَمر بالإستغفار للْمُؤْمِنين وَالنَّهْي عَن سبهم عَام فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن

стр. 318

مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ قَالَ سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر وَقد قَالَ تَعَالَى (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يسخر قوم من قوم عَسى أَن يَكُونُوا خيرا مِنْهُم وَلَا نسَاء من نسَاء عَسى أَن يكن خيرا مِنْهُنَّ وَلَا تلمزوا أَنفسكُم وَلَا تنابزوا بِالْأَلْقَابِ بئس الِاسْم الفسوق بعد الْإِيمَان وَمن لم يتب فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ) فقد نهى عَن السخرية واللمز والتنابز بِالْأَلْقَابِ واللمز الْعَيْب والطعن وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات) أَي يعيبك ويطعن عَلَيْك وَقَالَ تَعَالَى (ويل لكل همزَة لُمزَة) وَإِذا قَالَ الْمُسلم (رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان) يقْصد كل من سبقه من قُرُون الْأمة بِالْإِيمَان وَإِن كَانَ قد أَخطَأ فِي تَأْوِيل تَأَوَّلَه فَخَالف السّنة أَو أذْنب ذَنبا فَإِنَّهُ من إخوانه الَّذين سَبَقُوهُ بِالْإِيمَان فَيدْخل فِي الْعُمُوم وَإِن كَانَ من الثِّنْتَيْنِ وَالسبْعين فرقة فَإِنَّهُ مَا من فرقة إِلَّا وفيهَا خلق كثير لَيْسُوا كفَّارًا بل مُؤمنين فيهم ضلال وذنب يسْتَحقُّونَ بِهِ الْوَعيد كَمَا يسْتَحقّهُ عصاة الْمُؤمنِينَ وَالنَّبِيّ ﷺ لم يخرجهم من الْإِسْلَام بل جعلهم من أمته وَلم يقل أَنهم يخلدُونَ فِي النَّار فَهَذَا أصل عَظِيم يَنْبَغِي مراعاته فَإِن كثيرا من المنتسبين إِلَى السّنة فيهم بِدعَة من جنس بدع الرافضة والخوارج وَأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ عَليّ بن أبي طَالب وَغَيره لم يكفروا الْخَوَارِج الَّذين قاتلوهم بل أول مَا خَرجُوا عَلَيْهِ وتحيزوا بحروراء وَخَرجُوا

стр. 319

عَن الطَّاعَة وَالْجَمَاعَة قَالَ لَهُم عَليّ بن أبي طَالب ﵁ إِن لكم علينا أَن لَا نمنعكم من مَسَاجِدنَا وَلَا حقكم من الْفَيْء ثمَّ أرسل إِلَيْهِم ابْن عَبَّاس فناظرهم فَرجع نَحْو نصفهم ثمَّ قَاتل الْبَاقِي وغلبهم وَمَعَ هَذَا لم يسب لَهُم ذُرِّيَّة وَلَا غنم لَهُم مَالا وَلَا سَار فيهم سيرة الصَّحَابَة فِي الْمُرْتَدين كمسيلمة وَأَمْثَاله وَعَن قيس بن مُسلم عَن طَارق بن شهَاب قَالَ كنت عِنْد عَليّ حِين فرغ من قتال أهل النهروان فَقيل لَهُ أمشركون هم قَالَ من الشّرك فروا فَقيل أمنافقون قَالَ المُنَافِقُونَ لَا يذكرُونَ الله إِلَّا قَلِيلا قيل فَمَا هم قَالَ قوم بغوا علينا فقاتلناهم فقد صرح عَليّ ﵁ بِأَنَّهُم مُؤمنُونَ لَيْسُوا كفَّارًا وَلَا منافقين وَهَذَا بِخِلَاف مَا كَانَ يَقُوله بعض النَّاس كَأبي إِسْحَاق الإسفرايني وَمن اتبعهُ يَقُولُونَ لَا نكفر إِلَّا من يكفرنا فَإِن الْكفْر لَيْسَ حَقًا لَهُم بل هُوَ حق لله وَلَيْسَ للْإنْسَان أَن يكذب على من يكذب عَلَيْهِ وَلَا أَن يفعل الْفَاحِشَة بِأَهْل من فعل الْفَاحِشَة بأَهْله لِأَن هَذَا حرَام لحق الله وَلَو سبّ النَّصَارَى نَبينَا لم يكن لنا أَن نسب الْمَسِيح والرافضة إِذا كفرُوا أَبَا بكر وَعمر فَلَيْسَ لنا أَن نكفر عليا روى سُفْيَان عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه الباقر قَالَ سمع على يَوْم الْجمل أَو يَوْم صفّين رجلا يغلو فِي القَوْل فَقَالَ لَا تَقولُوا إِلَّا خيرا إِنَّمَا هم قوم زَعَمُوا أَنا بغينا عَلَيْهِم وزعمنا أَنهم بغوا علينا فقاتلناهم وَعَن مَكْحُول أَن أَصْحَاب عَليّ سَأَلُوهُ عَمَّن قتل من أَصْحَاب مُعَاوِيَة مَا هم قَالَ هم الْمُؤْمِنُونَ وَعَن عبد الْوَاحِد بن أبي عون قَالَ مر عَليّ وَهُوَ متكيء على الأشتر على قَتْلَى صفّين فَإِذا حَابِس الْيَمَانِيّ مقتول فَقَالَ الأشتر إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون هَذَا حَابِس الْيَمَانِيّ مَعَهم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِ عَلامَة مُعَاوِيَة أما وَالله لقد عهدته

стр. 320

مُؤمنا قَالَ عَليّ والآن هُوَ مُؤمن قَالَ رووا عَن أبي بكر أَنه قَالَ على الْمِنْبَر أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يعتصم بِالْوَحْي وَإِن لي شَيْطَانا يَعْتَرِينِي فَإِن اسْتَقَمْت فإعينوني وَإِن زِغْت فقوموني فَكيف تجوز إِمَامَة من يَسْتَعِين بالرعية على تقويمه قُلْنَا هَذَا من أكبر فضائله وأدلها على أَنه لم يكن طَالب رياسة وَلَا كَانَ ظَالِما فَقَالَ إِن اسْتَقَمْت على الطَّاعَة فَأَعِينُونِي عَلَيْهَا وَإِن زِغْت عَنْهَا فقوموني كَمَا قَالَ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت الله فالشيطان الَّذِي يَعْتَرِيه يعتري غَيره فَإِنَّهُ مَا من أحد إِلَّا وَقد وكل بِهِ قرينه من الْجِنّ وقرينه من الْمَلَائِكَة والشيطان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم فمقصوده بذلك أَنِّي لست مَعْصُوما وَصدق ﵁ وَالْإِمَام لَيْسَ رَبًّا لرعيته حَتَّى يسْتَغْنى عَنْهُم بل يتعاونون على الْبر وَالتَّقوى كإمام الصَّلَاة إِن استقام تبعوه وَإِن سَهَا سبحوا بِهِ وقوموه ثمَّ يُقَال إستعانة عَليّ برعيته وَحَاجته إِلَيْهِم كَانَت أَكثر من إستعانة أبي بكر وَكَانَ تَقْوِيم أبي بكر لرعيته وطاعتهم لَهُ

стр. 321

أعظم من تَقْوِيم عَليّ لرعيته وطاعتهم لَهُ فَإِن أَبَا بكر كَانَ إِذا نازعوه أَقَامَ عَلَيْهِم الْحجَّة حَتَّى يرجِعوا إِلَيْهِ كَمَا أَقَامَ الْحجَّة على عمر فِي قتال مانعي الزَّكَاة وَغير ذَلِك وَكَانُوا إِذا أَمرهم أطاعوه وَعلي ﵁ لما ذكر قَوْله فِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَأَنه اتّفق رَأْيه ورأي عمر على أَن لَا يبعن ثمَّ رأى أَن يبعن قَالَ لَهُ قاضيه عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ عمر فِي الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحده فِي الْفرْقَة وَكَانَ عَليّ يَقُول اقضوا كَمَا كُنْتُم تقضون فَإِنِّي أكره الْخلاف جتى يكون النَّاس جمَاعَة أَو أَمُوت كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي وَكَانَت رَعيته كَثِيرَة الْمُخَالفَة لَهُ ويشيرون عَلَيْهِ فيخالفهم ثمَّ يتَبَيَّن لَهُ أَن الصَّوَاب قَوْلهم وَكَانَ الْحسن أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن لَا يخرج من الْمَدِينَة وَأَن لَا يعْزل مُعَاوِيَة وَلَا يشك عَاقل أَن السياسة انتظمت لأبي بكر وَعمر مَا لم تنتظم لعَلي ﵃ أَجْمَعِينَ قَالَ وَقَالَ أقيلوني فلست بِخَيْرِكُمْ وَعلي فِيكُم فَإِن كَانَت إِمَامَته حَقًا فإستقالته مَعْصِيّة وَإِن كَانَت بَاطِلَة لزم الطعْن قُلْنَا هَذَا كذب وَلَا لَهُ إِسْنَاد بل ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ يَوْم السَّقِيفَة بَايعُوا أحد هذَيْن الرجلَيْن أَبَا عُبَيْدَة أَو عمر بن الْخطاب فَقَالَ لَهُ عمر بل أَنْت سيدنَا وخيرنا وأحبنا إِلَى رَسُول الله ﷺ ثمَّ يُقَال فَهَلا اسْتخْلف عليا عِنْد الْمَوْت وَللْإِمَام أَن يقتال لطلب الرَّاحَة من أعباء الإمرة وتواضع الْمَرْء لَا يسْقط رتبته

стр. 322

قَالَ وَقَالَ عمر كَانَت بيعَة أبي بكر فلته وقى الله شَرها فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ قُلْنَا هَذَا القَوْل الْأَخير إفتراء وَكذب وَإِنَّمَا قَالَ وَلَيْسَ فِيكُم من تقطع إِلَيْهِ الْأَعْنَاق مثل أبي بكر وَمَعْنَاهُ أَن بيعَة الصّديق بودر إِلَيْهَا من غير إنتظار وتريث لكَونه كَانَ مُتَعَيّنا قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر لَيْتَني كنت سَأَلت رَسُول الله ﷺ هَل للْأَنْصَار فِي هَذَا الْأَمر حق قُلْنَا هَذَا كذب ثمَّ نقُول هَذَا يقْدَح فِيمَا تَدعُونَهُ من النَّص على عَليّ إِذْ لَو كَانَ نَص ﷺ على عَليّ لبطل حق الْأَنْصَار وَغَيرهم قَالَ وَقَالَ عِنْد إحتضاره لَيْت أُمِّي لم تلدني يَا لَيْتَني كنت تبنة فِي لبنة مَعَ أَنهم رووا أَنه مَا من محتضر إِلَّا وَيرى مَقْعَده من الْجنَّة وَالنَّار قُلْنَا وَهَذَا عَنهُ بَاطِل بل قَالَ لما إحتضر وتمثلت عَائِشَة بقول الشَّاعِر (لعمرك مَا يُغني الثراء عَن الْفَتى ... إِذا حشرجت يَوْمًا وضاق بهَا الصَّدْر) فكشف عَن وَجهه فَقَالَ لَيْسَ كَذَلِك وَلَكِن قولي (وَجَاءَت سكرة الْمَوْت بِالْحَقِّ ذَلِك مَا كنت مِنْهُ تحيد) وَأما قَول لَيْت أُمِّي لم تلدني فَنقل عَنهُ أَنه قَالَه فِي صِحَّته وَمثل هَذَا نقل عَن جمَاعَة من السّلف قَالُوهُ خوفًا وهيبة وفرقا من الله وروى الإِمَام أَحْمد عَن أبي ذَر أَنه قَالَ وَالله لَوَدِدْت أَنِّي شَجَرَة تعضد وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود لَو وقفت بَين الْجنَّة وَالنَّار فَقيل لي أختر فِي أَيهمَا تكون أَو تكون رَمَادا لأخترت أَن أكون رَمَادا

стр. 323

قلت وَقد جَاءَ عَن عَليّ إِلَى الله أَشْكُو عجرى وبجري قَالَ وَقَالَ لَيْتَني يَوْم بني سَاعِدَة ضربت بيَدي على يَد أحد الرجلَيْن فَكَانَ الْأَمِير وَكنت الْوَزير قُلْنَا قَائِل هَذَا يَقُوله هضما لنَفسِهِ وتواضعا وخوفا من الله فَلَو كَانَ عِنْده نَص من الرَّسُول بعلي لَكَانَ فِي حَال خَوفه وإنابته ينقس بعلي وَلما ذكر الرجلَيْن إِذْ توليتهما مَعَ علمه بِالنَّصِّ على عَليّ كَمَا تَزْعُمُونَ إِضَاعَة للْإِمَامَة مِنْهُ وَكَانَ يكون وزيرا لظَالِم غَيره وَيبِيع آخرته بدنيا غَيره وَلَا يفعل هَذَا من يخَاف الله وينيب إِلَيْهِ قَالَ وَقَالَ النَّبِي ﷺ فِي مرض مَوته مَرَّات أنفذوا جَيش أُسَامَة لعن الله المتخلف عَن جَيش أُسَامَة وَكَانَت الثَّلَاثَة مَعَه وَمنع أَبُو بكر عمر من ذَلِك قيل هَذَا كذب عِنْد كل عَارِف بالسيرة فَكيف يُرْسل أَبَا بكر فِي جَيش أُسَامَة وَقد إستخلفه على الصَّلَاة فصلى بهم إثني عشر يَوْمًا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر وَقد كشف الستارة يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَقت الصُّبْح وهم يصلونَ خلف أبي بكر وَوَجهه كَأَنَّهُ ورقة مصحف وسر بذلك لما رَآهُمْ بِالصَّلَاةِ فَكيف يتَصَوَّر أَن يَأْمُرهُ بِالْخرُوجِ وَهُوَ يَأْمُرهُ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَإِنَّمَا أنفذ جَيش أُسَامَة بعد موت الرَّسُول ﷺ أَبُو بكر غير أَنه استأذنه فِي أَن يَأْذَن لعمر بن الْخطاب فِي الْإِقَامَة لِأَنَّهُ ذُو رَأْي نَاصح لِلْإِسْلَامِ فَأذن لَهُ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعضهم بترك الْغُزَاة فَإِنَّهُم خَافُوا أَن يطْمع النَّاس فِي الْجَيْش بِمَوْت النَّبِي ﷺ فَامْتنعَ أَبُو بكر وَقَالَ لَا أحل لِوَاء عقده النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 324

قَالَ وَلم يول النَّبِي ﷺ أَبَا بكر عملا قطّ بل ولي عَلَيْهِ عَمْرو بن الْعَاصِ مرّة وَأُسَامَة أُخْرَى وَلما أنفذه بِسُورَة بَرَاءَة رده بِوَحْي من الله قُلْنَا هَذَا من أبين الْكَذِب فَمن الْمَعْلُوم قطعا أَن النَّبِي ﷺ اسْتعْمل أَبَا بكر على الْحَج عَام تسع فَكَانَ هَذَا من خَصَائِصه كَمَا أَن إستخلافه على الصَّلَاة من خَصَائِصه وَكَانَ عَليّ من رَعيته فِي الْحَج الْمَذْكُور فَإِنَّهُ لحقه فَقَالَ أَمِير أَو مَأْمُور قَالَ عَليّ بل مَأْمُور وَكَانَ عَليّ يُصَلِّي خلف أبي بكر مَعَ سَائِر الْمُسلمين فِي هَذِه الْحجَّة بل خص بتبليغ سُورَة بَرَاءَة وَأما قصَّة عَمْرو بن الْعَاصِ فَإِن النَّبِي ﷺ أرْسلهُ فِي سَرِيَّة وَهِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل وَكَانَت إِلَى بني عذرة أخوال عَمْرو فَأمره رَجَاء أَن يطيعوه ويسلموا ثمَّ أردفه بِأبي عُبَيْدَة وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَقَالَ لأبي عُبَيْدَة تطاوعا وَلَا تختلفا ثمَّ كَانُوا يصلونَ خلف عَمْرو مَعَ علم كل أحد أَن هَؤُلَاءِ خير من عَمْرو وتولية الْمَفْضُول لمصْلحَة تجوز كَمَا أَمر ﷺ أُسَامَة ليَأْخُذ بثأر أَبِيه

стр. 325

قَالَ وَقطع سَارِقا وَلم يعلم أَن الْقطع لليد الْيُمْنَى قُلْنَا من اظهر الْكَذِب أَن يجهل هَذَا أَبُو بكر ثمَّ لَو قدر أَن أَبَا بكر كَانَ يُجِيز ذَلِك لَكَانَ سائغا لِأَن الْقُرْآن لَيْسَ فِي ظَاهره مَا يعين الْيَمين لَكِن تعْيين الْيَمين فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود فَاقْطَعُوا أيمانهما وَبِذَلِك مَضَت السّنة وَلَكِن أَيْن النَّقْل بذلك عَن أبي بكر ﵁ أَنه قطع الْيُسْرَى وَأَيْنَ الْإِسْنَاد الثَّابِت بذلك وَهَذِه كتب أهل الْعلم بالآثار مَوْجُودَة فَلَيْسَ فِيهَا ذَلِك وَلَا نقل أهل الْعلم بالإختلاف ذَلِك قولا مَعَ تعظيمهم لأبي بكر ﵁ قَالَ وأحرق الْفُجَاءَة السّلمِيّ بالنَّار مَعَ النَّهْي عَن ذَلِك قُلْنَا إحراق عَليّ الزَّنَادِقَة بالنَّار أشهر فقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن عليا أُتِي بِقوم زنادقة فحرقهم فَبلغ ذَلِك ابْن عَبَّاس فَقَالَ لَو كنت أَنا لم أحرقهم لنهى النَّبِي ﷺ أَن يعذب بِعَذَاب الله ولضربت أَعْنَاقهم لقَوْل النَّبِي ﷺ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ قَالَ وخفي عَلَيْهِ أَكثر أَحْكَام الشَّرِيعَة فَلم يعرف حكم الْكَلَالَة وَقَالَ أَقُول فِيهَا برأيي فَإِن كَانَ صَوَابا فَمن الله وَإِن كَانَ خطأ فمنى وَمن الشَّيْطَان وَقضى فِي الْجد بسبعين قَضِيَّة وَهَذَا يدل على قصوره قُلْنَا هَذَا بهتان عَظِيم كَيفَ يخفي عَلَيْهِ أَكثر الْأَحْكَام وَلم يكن من يقْضِي ويفتي بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ إِلَّا هُوَ وَلم يكن النَّبِي ﷺ أَكثر مُشَاورَة لأحد مِنْهُ لَهُ ولعمر وَقد تقدم النَّقْل عَن مَنْصُور بن عبد الْجَبَّار السَّمْعَانِيّ وَذكر عَن غير وَاحِد الْإِجْمَاع على أَنه أعلم الْأمة وَهَذَا بَين فَإِن الْأمة لم تخْتَلف فِي ولَايَته فِي مَسْأَلَة إِلَّا فصلها بِعلم يُبينهُ لَهُم من الْكتاب وَالسّنة كَمَا بَين لَهُم موت النَّبِي

стр. 326

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَوْضِع دَفنه وثبتهم على الْإِيمَان وَقَرَأَ عَلَيْهِم الْآيَة وَبَين لَهُم قتال مانعي الزَّكَاة وَأَن الْخلَافَة فِي قُرَيْش وَلَوْلَا علمه بالمناسك وَالصَّلَاة لما اسْتَعْملهُ عَلَيْهِمَا الرَّسُول ﷺ وَعلم الْمَنَاسِك أدق مَا فِي الْعِبَادَات وَلم يسْتَخْلف غَيره لَا فِي حج وَلَا فِي صَلَاة وَكتابه فِي الصَّدَقَة أَخذه أنس من أبي بكر وَهُوَ أصح مَا روى فِيهَا وَعَلِيهِ اعْتمد الْفُقَهَاء وَفِي الْجُمْلَة لَا تعرف مَسْأَلَة من الشَّرِيعَة غلط فِيهَا بِخِلَاف غَيره وَأما قَوْله لم يعرف حكم الْكَلَالَة فَيُقَال هَذَا من أعظم علمه فَإِن الرَّأْي الَّذِي رَآهُ عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعلمَاء وَأخذُوا بقوله وَهُوَ أَنه من لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد وَأما الْجد فَإِنَّمَا هَذَا قَضَاء عمر وَأما أَبُو بكر فَإِنَّهُ لم يخْتَلف قَوْله أَن جعله أَبَا وَهُوَ قَول بضعَة عشر صحابيا وَمذهب أبي حنيفَة وَبَعض الشَّافِعِيَّة والحنابلة وَهُوَ الْأَظْهر فِي الدَّلِيل وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بقول زيد بن ثَابت وَأما قَول عَليّ فِي الْجد فَلم يذهب إِلَيْهِ الْأَئِمَّة فَلَمَّا أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْجد الْأَعْلَى أولى من الْأَعْمَام كَانَ الْجد الْأَدْنَى أولى من الْإِخْوَة ثمَّ الْقَائِلُونَ بمشاركة الْإِخْوَة للْجدّ لَهُم أَقْوَال متناقضة قَالَ فَأَي نِسْبَة لَهُ بِمن قَالَ سلوني قبل أَن تفقدوني سلوني عَن طرق السَّمَاء فَإِنِّي أعرف بهَا من طرق الأَرْض قُلْنَا إِنَّمَا قَالَ عَليّ سلوني لأهل الْكُوفَة ليعلمهم الدّين فَإِن غالبهم كَانُوا جهلة وَأما أَبُو بكر فَكَانَ الَّذين حول منبره أكَابِر الصَّحَابَة فَكَانَت رَعيته أعلم الْأمة وأدينها وَأما الدّين كَانَ عَليّ يخاطبهم فهم من جملَة عوام النَّاس التَّابِعين وَكَانَ كثير مِنْهُم من شرار التَّابِعين وَلِهَذَا كَانَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ

стр. 327

يذمهم وَيَدْعُو عَلَيْهِم وَكَانَ التابعون بِمَكَّة وَالْمَدينَة وَالشَّام وَالْبَصْرَة خيرا مِنْهُم وَقد جمعت الْفَتَاوَى المنقولة عَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة فوجدوا أصوبها وأدلها على علم صَاحبهَا أُمُور أبي بكر ثمَّ عمر والأمور الَّتِي وجد نَص يُخَالِفهَا عَن عمر أقل مِمَّا وجد عَن عَليّ وَأما أَبُو بكر فَلَا يكَاد يُوجد نَص يُخَالِفهُ وَكَانَ هُوَ الَّذِي يفصل الْأُمُور المشتبهة عَلَيْهِم وَلم يكن يعرف مِنْهُم إختلاف على عَهده قَالَ قَالَ أَبُو البحتري رَأَيْت عليا صعد مِنْبَر الْكُوفَة وَعَلِيهِ مدرعة كَانَت لرَسُول الله ﷺ مُتَقَلِّدًا سيف رَسُول الله ﷺ معتما بعمامته وَفِي إصبعه خَاتم رَسُول الله ﷺ فكشف عَن بَطْنه فَقَالَ سلوني من قبل أَن تفقدوني فَإِنَّمَا بَين الجوانح مني علم جم هَذَا سفط الْعلم هَذَا لعاب رَسُول الله ﷺ هَذَا مَا زقني رَسُول الله ﷺ زقا من غير وَحي إِلَيّ فوَاللَّه لَو ثنيت وسَادَة فَجَلَست عَلَيْهَا لأفتيت أهل التَّوْرَاة بتوراتهم وَأهل الْإِنْجِيل بإنجيلهم حَتَّى تنطق التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَتَقول صدق عَليّ قد أفتاكم بِمَا أنزل الله فِي قلت هَذَا كذب فَاحش وَعلي أعلم بِاللَّه من أَن يحكم بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل وَإِذا تحاكم إِلَيْهِ أهل الْكِتَابَيْنِ لم يجز لَهُ أَن يحكم بِغَيْر الْقُرْآن وَمن نسب عليا إِلَى أَن يحكم بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل بَين الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَو يفتيهم بذلك ويمدحه بذلك

стр. 328

إِمَّا أَن يكون من أَجْهَل النَّاس بِالدّينِ وَبِمَا يمدح بِهِ صَاحبه وَإِمَّا أَن يكون زنديقا ملحدا أَرَادَ الْقدح فِي عَليّ بِمثل هَذَا الْكَلَام الَّذِي يسْتَحق صَاحبه الذَّم وَالْعِقَاب دون الْمَدْح وَالثَّوَاب قَالَ وروى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من أَرَادَ أَن ينظر إِلَى آدم فِي علمه وَإِلَى نوح فِي تقواه وَإِلَى إِبْرَاهِيم فِي حلمه وَإِلَى مُوسَى فِي هيبته وَإِلَى عِيسَى فِي عِبَادَته فَلْينْظر إِلَى عَليّ قُلْنَا وَهَذَا خبر مُنكر فهاتوا إِسْنَاده إِن كُنْتُم صَادِقين وَيُقَال ثَانِيًا هَذَا الحَدِيث كذب مَوْضُوع على رَسُول الله ﷺ بِلَا ريب عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَلِهَذَا لَا يذكرهُ أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَإِن كَانُوا حراصا على جمع فَضَائِل على كَالنَّسَائِيِّ فَإِنَّهُ قصد أَن يجمع فَضَائِل عَليّ فِي كتاب سَمَّاهُ الخصائص وَالتِّرْمِذِيّ قد ذكر أَحَادِيث مُتعَدِّدَة فِي فضائله وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيف بل مَوْضُوع وَمَعَ هَذَا لم يذكرُوا هَذَا وَنَحْوه قَالَ وَقَالَ أَبُو عمر الزَّاهِد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس لَا نعلم أحدا قَالَ بعد نبيه سلوني من شِيث إِلَى مُحَمَّد إِلَّا عليا فَسَأَلَهُ الأكابر أَبُو بكر وَعمر وأشباههما حَتَّى انْقَطع السُّؤَال ثمَّ قَالَ بعد هَذَا يَا كميل بن زِيَاد إِن هَا هُنَا علما جما لَو أصبت لَهُ حَملَة وَالْجَوَاب أَن هَذَا النَّقْل إِن صَحَّ عَن ثَعْلَب فثعلب لم يذكر لَهُ إِسْنَادًا حَتَّى يحْتَج بِهِ وَلَيْسَ ثَعْلَب من أَئِمَّة الحَدِيث الَّذين يعْرفُونَ صَحِيحه من سقيمه حَتَّى يُقَال صَحَّ عِنْده بل من هُوَ أعلم من ثَعْلَب من الْفُقَهَاء يذكرُونَ أَحَادِيث كَثِيرَة لَا أصل لَهَا فَكيف ثَعْلَب وَهُوَ قد سمع هَذَا من بعض النَّاس الَّذين لَا يذكرُونَ مَا يَقُولُونَ عَن أحد وَعلي لم يَقُول هَذَا فِي

стр. 329

خلَافَة أبي بكر وَعمر وَلَا عُثْمَان بل قَالَ نَحوه بِالْكُوفَةِ فَكَانَ يَأْمُرهُم بِطَلَب الْعلم وَالسُّؤَال كَمَا فِي حَدِيث كميل بن زِيَاد وَلم يَصْحَبهُ إِلَّا بِالْكُوفَةِ فَإِنَّهُ قَالَ يَا كميل إِن هَاهُنَا لعلما لَو أصبت لَهُ حَملَة وَأما أَبُو بكر فَلم يكن يسْأَله عليا عَن شَيْء وَأما عمر فَكَانَ يشاوره كَمَا يشاور غَيره قَالَ وأهمل أَبُو بكر حُدُود الله فَلم يقْتَصّ من خَالِد بن الْوَلِيد حَيْثُ قتل مَالك بن نُوَيْرَة وَأَشَارَ عمر بقتْله فَلم يقبل فَنَقُول إِن كَانَ ترك قتل قَاتل الْمَعْصُوم مِمَّا يُنكر على الْأَئِمَّة كَانَ هَذَا من أكبر حجج شيعَة عُثْمَان على عَليّ فَإِن عُثْمَان خير من أَمْثَال مَالك بن نُوَيْرَة وَقد قتل مَظْلُوما شَهِيدا وَعلي لم يقْتَصّ من قتلته وَلذَا امْتنع الشاميون من مبايعته فَإِن عذرتموه فاعذروا أَبَا بكر فَإنَّا نعذرهما وَكَذَلِكَ إنكاركم على عُثْمَان حَيْثُ لم يقْتَصّ من عبيد الله بن عمر بالهرمزان ثمَّ إِن عمر أَشَارَ عَلَيْهِ بإجتهاد مِنْهُ قَالَ وَخَالف أَمر النَّبِي ﷺ فِي تَوْرِيث بنته ومنعها فدك قُلْنَا جَمِيع الْمُسلمين مَعَ أبي بكر فِيمَا فعل خلا جهلة الشِّيعَة وَذَلِكَ لرِوَايَة جمَاعَة من الصَّحَابَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا نورث قَالَ وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ عَن عمر وَهُوَ فِي كتاب الْحِلْية أَنه لما احْتضرَ قَالَ يَا لَيْتَني كنت كَبْشًا لقومي فذبحوني فَهَل هَذَا إِلَّا مثل قَول الْكَافِر (يَا لَيْتَني كنت تُرَابا) وَقَالَ ابْن عَبَّاس لما احْتضرَ عمر قَالَ لَو أَن لي ملْء الأَرْض ذَهَبا لأفتديت بِهِ من هول

стр. 330

المطلع وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى (وَلَو أَن للَّذين ظلمُوا مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وَمثله مَعَه لأفتدوا بِهِ) فَلْينْظر الْمنصف قَول الرجلَيْن عِنْد احتضارهما وَقَول على مَتى ألْقى الْأَحِبَّة مُحَمَّدًا وَحزبه مَتى أَلْقَاهَا مَتى ينبعث أشقاها وَقَوله حِين قَتله فزت وَرب الْكَعْبَة وَالْجَوَاب أَن فِي هَذَا الْكَلَام من الْجَهَالَة مَا يدل على فرط جهل قَائِله فَمَا نَقله عَن عَليّ قد نقل مثله عَمَّن هُوَ دونه بل قَالَه أَيْضا بعض الْخَوَارِج وَقَالَ بِلَال عَتيق أبي بكر عِنْد الإحتضار وَامْرَأَته تَقول واحزناه وَهُوَ يَقُول واطرباه غَدا ألْقى الْأَحِبَّة مُحَمَّد وَحزبه وَفِي البُخَارِيّ عَن الْمسور بن مخرمَة قَالَ لما طعن عمر جعل يألم فَقَالَ ابْن عَبَّاس وَكَأَنَّهُ يجزعه أَي يزِيل جزعه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَئِن كَانَ ذَلِك لقد صَحِبت رَسُول الله ﷺ فأحسنت صحبته ثمَّ فارقته وَهُوَ عَنْك رَاض ثمَّ صَحِبت أَبَا بكر فأحسنت صحبته ثمَّ فارقته وَهُوَ عَنْك رَاض ثمَّ صَحِبت الْمُسلمين فأحسنت صحبتهم وَلَئِن فَارَقْتهمْ لتفارقنهم وهم عَنْك راضون فَقَالَ أما مَا ذكرت من صُحْبَة رَسُول الله ﷺ وَرضَاهُ فَإِن ذَلِك من من الله من بِهِ عَليّ وَأما مَا ذكرت من صُحْبَة أبي بكر وَرضَاهُ فَإِن ذَلِك من من الله من بِهِ عَليّ وَأما مَا ترى من جزعي فَهُوَ من أَجلك وَأجل أَصْحَابك وَالله لَو أَن لي طلاع الأَرْض لأفتديت بِهِ من عَذَاب الله قبل أَن أرَاهُ فقد مَاتَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَنهُ رَاض وَمَات هُوَ ورعيته عَنهُ راضون مقرون بعدله وَالله عَنهُ رَاض وخشيته من الله وخوفه مِنْهُ لكَمَال علمه فَإِن الله تَعَالَى يَقُول (إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء) وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي ولصدره أزيز كأزيز أرجل من الْبكاء وَفِي صَحِيح مُسلم أَنه لما قتل عُثْمَان بن مَظْعُون قَالَ النَّبِي ﷺ وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَا يفعل بِي وَلَا بكم وَقَالَ لَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا وَعَن أبي ذَر قَالَ وددت أَنِّي شَجَرَة تعضد وَأما

стр. 331

الْكَافِر فَإِنَّهُ يَقُول (يَا لَيْتَني كنت تُرَابا) فِي الْقِيَامَة وَكَذَلِكَ (لَو أَن لَهُم مَا فِي الأَرْض لأفتدوا بِهِ) يَوْم الْقِيَامَة وَأما الدُّنْيَا فَمن جعل خوف الْمُؤمن من ربه كخوف الْكَافِر فِي الْآخِرَة فَهُوَ كمن جعل الظُّلُمَات كالنور والظل كالحرور وَمن ولي الْأمة فَعدل عدلا يشْهد بِهِ عامتهم وَهُوَ فِي ذَلِك خَائِف وَجل من أَن يكون ظلم أفضل مِمَّن يَقُول كثير من رَعيته إِنَّه ظلم وَهُوَ فِي نَفسه مدل بِعَمَلِهِ وبعدل عمر يضْرب الْمثل قلت وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة عَن جَعْفَر الصَّادِق عَن أَبِيه عَن جَابر أَن عليا دخل على عمر وَهُوَ مسجي فَقَالَ صلى الله عَلَيْك وَهَذَا من أصح الْأَخْبَار وَقَالَ ابْن الْمُبَارك وَغَيره عَن عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن النَّوْفَلِي الْمَكِّيّ عَن ابْن أبي مليكَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ وضع عمر على سَرِيره فتكنفه جمَاعَة يدعونَ ويثنون فَلم يرعني إِلَّا رجل أَخذ بمنكبي فَإِذا عَليّ فترحم على عمر وَقَالَ مَا خلفت أحدا أحب إِلَى أَن ألْقى الله بِمثل عمله مِنْك وَهَذَا أَيْضا صَحِيح قَالَ وَعَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي مَرضه ائْتُونِي بدواه وبيضاء لأكتب لكم كتابا لَا تضلون من بعدِي فَقَالَ عمر إِن الرجل ليهجر حَسبنَا كتاب الله فَكثر اللَّغط فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أخرجُوا عني لَا يَنْبَغِي التَّنَازُع لدي قَالَ ابْن عَبَّاس إِن الرزية كل الرزية مَا حَال بَيْننَا وَبَين كتاب النَّبِي ﷺ وَقَالَ عمر لما مَاتَ رَسُول الله ﷺ مَا مَاتَ مُحَمَّد وَلَا يَمُوت حَتَّى يقطع أَيدي رجال وأرجلهم فَلَمَّا نَهَاهُ أَبُو بكر وتلا عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى (إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون) وَقَوله تَعَالَى (أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم) قَالَ كَأَنِّي مَا سَمِعت هَذِه الْآيَة فَيُقَال أما عمر فقد ثَبت من علمه وفضله مَا لم يثبت لأحد غير أبي بكر قَالَ النَّبِي ﷺ قد كَانَ فِي الْأُمَم قبلكُمْ محدثون فَإِن يكن فِي أمتِي أحد فعمر قَالَ ابْن وهب مَعْنَاهُ ملهمون أخرجه مُسلم عَن عَائِشَة

стр. 332

وَقَالَ النَّبِي ﷺ قد كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ من بني إِسْرَائِيل رجال يكلمون فان يكن فِي أمتِي مِنْهُم أحد فعمر أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَقَالَ ﷺ بَيْنَمَا أَنا نَائِم أتيت بقدح من لبن فَشَرِبت مِنْهُ حَتَّى أَنِّي لأرى الرّيّ يخرج من أظفاري ثمَّ أَعْطَيْت فضلى عمر قَالُوا فَمَا أولته يَا رَسُول الله قَالَ الْعلم أخرجه البُخَارِيّ وَفِي الصَّحِيح عَن أبي سعيد قَالَ رَسُول الله ﷺ بَينا أَنا نَائِم رَأَيْت النَّاس يعرضون على وَعَلَيْهِم قمص مِنْهَا مَا يبلغ الثدي وَمِنْهَا مَا يبلغ دون ذَلِك وَمر عمر بن الْخطاب وَعَلِيهِ قَمِيص يجره قَالُوا مَا أولت ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ الدّين وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن عمر قَالَ وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث فِي مقَام إِبْرَاهِيم وَفِي الْحجاب وَفِي أسَارِي بدر فَأَما قصَّة الْكتاب فقد جَاءَ مُبينًا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي مَرضه ادّعى لي أَبَاك وأخاك حَتَّى أكتب كتابا فَإِنِّي أَخَاف أَن يتَمَنَّى متمن وَيَقُول قَائِل أَنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ قَالَت عَائِشَة وارأساه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ذَاك لَو كَانَ وَأَنا حَيّ فأستغفر لَك وادعو لَك فَقلت واثكلاه وَالله إِنِّي لأظنك تحب موتِي فَلَو كَانَ ذَلِك لظللت آخر يَوْمك معرسا بِبَعْض أَزوَاجك فَقَالَ ﷺ بل أَنا وارأساه لقد هَمَمْت أَن أرسل إِلَى أبي بكر وَابْنه فأعهد أَن يَقُول الْقَائِلُونَ أَو يتَمَنَّى المتمنون ويأبى الله والمؤمنون وَفِي صَحِيح مُسلم عَن ابْن أبي مليكَة سُئِلت عَائِشَة ﵂ من كَانَ رَسُول الله ﷺ مستخلفا لَو اسْتخْلف قَالَت أَبُو بكر قيل لَهَا فَمن بعده قَالَت عمر

стр. 333

قيل لَهَا من بعد عمر قَالَت أَبُو عُبَيْدَة وَأما عمر فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ هَل كَانَ قَول رَسُول الله ﷺ من شدَّة الْمَرَض أَو كَانَ من أَقْوَاله الْمَعْرُوفَة وَالْمَرَض جَائِز على الْأَنْبِيَاء وَلِهَذَا قَالَ مَا لَهُ أَهجر فَشك فِي ذَلِك وَمَا جزم وَالشَّكّ يجوز على عمر إِذْ لَا مَعْصُوم بعد النَّبِي ﷺ فجوز أَن يكون كَلَامه من وجع الْحمى وَلذَلِك ظن أَنه لم يمت حَتَّى تبين أَنه قد مَاتَ وَالنَّبِيّ ﷺ كَانَ قد عزم على أَن يكْتب الْكتاب الَّذِي ذكره لعَائِشَة فَلَمَّا رأى أَن الشَّك قد وَقع علم أَن الْكتاب لَا يرفع الشَّك فَلم يبْق فِيهِ فَائِدَة وَعلم أَن الله يجمعهُمْ على مَا أَرَادَ كَمَا قَالَ ويأبى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر وَقَول ابْن عَبَّاس إِن الرزية كل الرزية مَا حَال بَين رَسُول الله ﷺ وَبَين أَن يكْتب الْكتاب يَقْتَضِي أَن الْحَائِل كَانَ رزية وَهِي فِي حق من شكّ فِي خلَافَة أبي بكر أَو اشْتبهَ عَلَيْهِ الْأَمر فَإِنَّهُ لَو كتب كتابا لزال الشَّك فَأَما من علم أَن خِلَافَته حق فَلَا رزية فِي حَقه وَللَّه الْحَمد وَمن توهم أَن هَذَا الْكتاب كَانَ بخلافة عَليّ فَهُوَ ضال بإتفاق عَامَّة النَّاس من عُلَمَاء السّنة والشيعة أما أهل السّنة فمتفقون على تَفْضِيل أبي بكر وتقديمه وَأما الشِّيعَة الْقَائِلُونَ بِأَن عليا كَانَ هُوَ الْمُسْتَحق للْإِمَامَة فَيَقُولُونَ إِنَّه قد نَص على إِمَامَته قبل ذَلِك نصا جليا ظَاهرا مَعْرُوفا وَحِينَئِذٍ فَلم يكن يحْتَاج إِلَى كتاب وَإِن قيل إِن الْأمة جحدت النَّص الْمَعْلُوم الْمَشْهُور فَلِأَن تكْتم كتابا حَضَره طَائِفَة قَليلَة أولى وَأَحْرَى وَأَيْضًا فَلم يكن يجوز عِنْدهم تَأْخِير الْبَيَان إِلَى مرض مَوته وَلَا يجوز لَهُ ترك الْكتاب لشك من شكّ فَلَو كَانَ مَا يَكْتُبهُ فِي الْكتاب مِمَّا يجب بَيَانه وكتابته لَكَانَ

стр. 334

النَّبِي ﷺ يُبينهُ ويكتبه وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول أحد فَإِنَّهُ أطوع الْخلق لَهُ فَعلم أَنه لما ترك الْكتاب لم يكن الْكتاب وَاجِبا وَلَا كَانَ فِيهِ من الدّين مَا تجب كِتَابَته حِينَئِذٍ إِذْ لَو وَجب لفعله وَمَا مثل عمر بأعظم مِمَّن يُفْتِي وَيَقْضِي مُجْتَهدا بِأُمُور يكون النَّبِي ﷺ قد حكم بِخِلَافِهَا إِذْ الشَّك فِي الْحق أخف من الْجَزْم بنقيضه وَالْكل من الْخَطَأ المغفور فقد قضي عَليّ فِي الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا أَنَّهَا تَعْتَد أبعد الْأَجَليْنِ مَعَ صِحَة خبر سبيعة وَلكنه لم يبلغهُ وَقضى فِي المفوضة أَن مهرهَا يسْقط بِالْمَوْتِ مَعَ قَضَاء الرَّسُول ﷺ فِي بروع بِأَن لَهَا مهر نسائها وَأَرَادَ أَن ينْكح ابْنة أبي جهل حَتَّى غضب رَسُول الله ﷺ فَرجع عَن ذَلِك وأمثال هَذَا مِمَّا لم يقْدَح فِي عَليّ وَلَا غَيره من أولي الْعلم إِذا اجتهدوا وَقَالَ إِذا اخْتَارَتْ الْمَرْأَة زَوجهَا فَهِيَ طَلْقَة مَعَ أَن النَّبِي ﷺ خير نِسَاءَهُ وَلم يكن ذَلِك طَلَاقا والأمور الَّتِي كَانَ يَنْبَغِي لعَلي أَن يرجع عَنْهَا أعظم بِكَثِير من الْأُمُور الَّتِي كَانَ يَنْبَغِي لعمر أَن يرجع عَنْهَا مَعَ أَن عمر قد رَجَعَ عَن عَامَّة تِلْكَ الْأُمُور وَعلي عرف رُجُوعه عَن بَعْضهَا فَقَط كرجوعه عَن خطْبَة بنت أبي جهل وَأما بَعْضهَا كفتياه بِأَن الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا تَعْتَد أبعد الْأَجَليْنِ وَأَن المفوضة لَا مهر لَهَا إِذا مَاتَ الزَّوْج وَقَوله إِن المخيرة إِذا اخْتَارَتْ زَوجهَا فَهِيَ وَاحِدَة فَهَذِهِ لم يعرف إِلَّا بَقَاؤُهُ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ وَكَذَلِكَ مسَائِل كَثِيرَة ذكرهَا الشَّافِعِي فِي كتاب اخْتِلَاف عَليّ وَعبد الله وَذكرهَا مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة وأكثرها مَوْجُودَة فِي الْكتب الَّتِي تذكر فِيهَا أَقْوَال الصَّحَابَة إِمَّا بِإِسْنَاد أَو بِغَيْر إِسْنَاد مثل مُصَنف عبد الرَّزَّاق وَسنَن سعيد بن مَنْصُور ومصنف وَكِيع ومصنف أبي بكر بن أبي شيبَة

стр. 335

وَسنَن الْأَثْرَم ومسائل حَرْب وَعبد الله بن أَحْمد وَصَالح وأمثالهم مثل كتاب ابْن الْمُنْذر وَابْن جرير الطَّبَرِيّ وَابْن حزم وَغير هَؤُلَاءِ قَالَ وَلما وعظت فَاطِمَة أَبَا بكر فِي فدك كتب لَهَا كتابا بهَا وردهَا عَلَيْهَا فَخرجت من عِنْده فلقيها عمر فَحرق الْكتاب فدعَتْ عَلَيْهِ بِمَا فعله بِهِ أَبُو لؤلؤة قُلْنَا هَذَا وَالله من أقبح الْكَذِب الَّذِي اختلقته الرافضة أفيعير عمر بِأَن أكْرمه الله بِالشَّهَادَةِ على يَد أبي لؤلؤة الْكَافِر بعد ثَلَاث عشرَة سنة من وَفَاة فَاطِمَة كَمَا أكْرم عليا بِالشَّهَادَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ قَالَ وعطل عمر الْحُدُود فَلم يحد الْمُغيرَة بن شُعْبَة قُلْنَا إِن جَمَاهِير الْعلمَاء على مَا فعله عمر فِي قصَّة الْمُغيرَة وَإِن الْبَيِّنَة إِذا لم تكمل حد الشُّهُود وَفعل ذَلِك بِحَضْرَة الصَّحَابَة عَليّ وَغَيره فأقروه عَلَيْهِ بِدَلِيل أَنه لما جلد الثَّلَاثَة أعَاد أَبُو بكرَة الْقَذْف وَقَالَ وَالله لقد زنا فهم عمر بجلده ثَانِيًا فَقَالَ لَهُ عَليّ إِن كنت جالده فارجم الْمُغيرَة يَعْنِي يكون تكراره لِلْقَوْلِ بِمَنْزِلَة شَاهد آخر فَيتم النّصاب وَيجب الرَّجْم وَهَذَا دَلِيل على رضَا عَليّ بحدهم لِأَنَّهُ مَا أنكرهُ وَعمر قد أَقَامَ الْحَد على ابْنه فِي الْخمر لما شرب بِمصْر بعد أَن كَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ ضربه الْحَد لَكِن كَانَ ضربه سرا فِي الْبَيْت وَكَانَ النَّاس يضْربُونَ عَلَانيَة فَبعث عمر إِلَى عَمْرو يزجره ويتهدده لِأَنَّهُ حابي ابْنه ثمَّ طلبه فَضَربهُ

стр. 336

مرّة ثَانِيَة وَكَانَ لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وعدله متواتر لَا يُنكره إِلَى رَافِضِي وَكَذَلِكَ لَا يُنكر على عَليّ فِي تَركه إِقَامَة الْحَد على قَتله عُثْمَان لِأَنَّهُ مُجْتَهد كعمر قَالَ وَكَانَ يُعْطي أَزوَاج النَّبِي ﷺ من بَيت المَال أَكثر مِمَّا يَنْبَغِي وَيُعْطِي عَائِشَة وَحَفْصَة فِي السّنة عشرَة آلَاف قُلْنَا كَانَ مذْهبه التَّفْضِيل فِي الْعَطاء كَمَا كَانَ يُعْطي بني هَاشم أَكثر من غَيرهم وَيبدأ بهم وَيَقُول لَيْسَ أحد أَحَق بِهَذَا المَال من أحد وَإِنَّمَا هُوَ الرجل وعناؤه وَالرجل وبلاؤه وَالرجل وسابقته وَالرجل وَحَاجته وَكَانَ يُعْطي ابْنه عبد الله أنقص مِمَّا يُعْطي أُسَامَة بن زيد فوَاللَّه مَا كَانَ عمر يتهم فِي تفضيله لمحاباة وَلَا صداقة قَالَ وَغير حكم الله فِي المنفيين قُلْنَا النَّفْي فِي الْخمر تعزيز يسوغ للْإِمَام فعله بإجتهاد وَقد ضرب الصَّحَابَة فِي الْخمر أَرْبَعِينَ وضربوا ثَمَانِينَ وَصَحَّ أَن عليا قَالَ وكل سنة وَقد قَالَ الْعلمَاء الزِّيَادَة على أَرْبَعِينَ حد وَاجِب وَبِه يَقُول أَبُو حنيفَة وَمَالك وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَقَالَ الشَّافِعِي الزَّائِد تَعْزِير وَللْإِمَام أَن يَفْعَله وَكَانَ عمر يحلق فِي الْخمر وينفي وَصَحَّ عَن النَّبِي ﷺ الْأَمر بقتل الشَّارِب فِي الرَّابِعَة وَاخْتلف فِي نسخه وَكَانَ عَليّ يحد أَكثر من الْأَرْبَعين وَقَالَ مَا أحد أقيم عَلَيْهِ الْحَد فَيَمُوت فأجد فِي نَفسِي إِلَّا شَارِب الْخمر فَإِنَّهُ لَو مَاتَ لوديته فَإِنَّهُ شَيْء فَعَلْنَاهُ بآرائنا رَوَاهُ الشَّافِعِي وَاسْتدلَّ بِهِ على أَن الزِّيَادَة من بَاب التَّعْزِير الَّذِي يفعل بالإجتهاد قَالَ وَكَانَ قَلِيل الْمعرفَة بِالْأَحْكَامِ أَمر برجم حَامِل حَتَّى نَهَاهُ عَليّ قُلْنَا إِن كَانَت هَذِه الْقَضِيَّة وَقعت فَلَعَلَّ عمر لم يعلم يحملهَا وَالْأَصْل عدم الْحمل أَو غَابَ عَنهُ الحكم حَتَّى ذكره عَليّ فَكَانَ مَاذَا بِمثل هَذَا فيقدح فِي أَئِمَّة الْهدى وَعلي قد خَفِي عَلَيْهِ من السّنة أَضْعَاف هَذَا وَأدّى إجتهاده إِلَى أَن قتل يَوْم الْجمل وصفين نَحْو من تسعين ألفا فَهَذَا أعظم مرَارًا من خطأ عمر فِي قتل ولد زنا وَلم يقْتله وَللَّه الْحَمد

стр. 337

قَالَ وَأمر برجم مَجْنُونَة فَقَالَ لَهُ عَليّ إِن الْقَلَم رفع عَن الْمَجْنُون حَتَّى يفِيق فَأمْسك وَقَالَ لَوْلَا عَليّ لهلك عمر قُلْنَا هَذِه الزِّيَادَة لَيست مَعْرُوفَة فَإِن كَانَ عمر لَا يعلم بخبرها فَلَا ضير أَو علم وَذهل أَو اجْتهد فَلهُ أُسْوَة بِغَيْرِهِ وَمَا هُوَ بمعصوم قَالَ وَقَالَ فِي خطْبَة لَهُ من غالي بِمهْر امْرَأَة جعلته فِي بَيت المَال فَقَالَت لَهُ امْرَأَة كَيفَ تَمْنَعنَا مَا أَعْطَانَا الله فِي كِتَابه حِين قَالَ (وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا) فَقَالَ كل أحد أفقه من عمر قُلْنَا هَذَا من كَمَال فَضله وتقواه حَيْثُ رَجَعَ إِلَى كتاب الله إِذْ تبين لَهُ وَأَنه يقبل الْحق حَتَّى من امْرَأَة ويتواضع ويعترف وَمَا من شَرط الْأَفْضَل أَن لَا ينبهه الْمَفْضُول فقد قَالَ هدهد لِسُلَيْمَان (أحطت بِمَا لم تحط بِهِ) ورحل مُوسَى إِلَى الْخضر وَهُوَ دونه ليتعلم مِنْهُ وَمَا كَانَ قد رَآهُ عمر فَهُوَ مِمَّا يَقع مثله للمجتهد الْفَاضِل فَإِن الصَدَاق فِيهِ حق لله لَيْسَ من جنس الثّمن وَالْأَجْر قَالَ وَلم يحد قدامَة فِي الْخمر لِأَنَّهُ تَلا عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى (لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا إِذا مَا اتَّقوا وآمنوا) فَقَالَ لَهُ عَليّ لَيْسَ قدامَة من أهل هَذِه الْآيَة فَلم يدركم يحده فَقَالَ لَهُ عَليّ حَده ثَمَانِينَ وَالْجَوَاب علم عمر فِي هَذَا أبين من أَن يحْتَاج إِلَى دَلِيل فقد جلد فِي الْخمر مَرَّات وَالَّذِي نعرفه من الْقِصَّة مَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق الْجوزجَاني عَن ابْن عَبَّاس أَن قدامَة بن مَظْعُون شرب الْخمر فَقَالَ لَهُ عمر مَا حملك على ذَلِك قَالَ إِن الله تَعَالَى يَقُول (لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا إِذا مَا اتَّقوا) وَأَنا من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين فَقَالَ عمر أَجِيبُوهُ

стр. 338

فَسَكَتُوا فَقَالَ لإبن عَبَّاس أجبه فَقَالَ إِنَّمَا أنزلهَا الله عذرا للماضين لمن شربهَا قبل التَّحْرِيم ثمَّ سَأَلَ عمر عَن الْحَد فِيهَا فَقَالَ عَليّ إِذا شرب هذي وَإِذا هذي افترى فاجلده ثَمَانِينَ فجلده عمر ثَمَانِينَ فَإِن كَانَ عَليّ أَشَارَ بالثمانين فَإِن الَّذِي ثَبت فِي الصَّحِيح أَن عليا جلد أَرْبَعِينَ عِنْد عُثْمَان لما جلد الْوَلِيد بن عقبَة وَأَنه أضَاف الثَّمَانِينَ إِلَى عمر وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن ابْن عَوْف أَشَارَ بالثمانين فَلم يكن جلد عمر مستفادا من عَليّ وَقد ذكرنَا أَن عليا قَالَ لَو مَاتَ فِي جلد الْخمر أحد لوديته لِأَن النَّبِي ﷺ لم يسنه لنا قَالَ وَأرْسل إِلَى حَامِل يستدعيها فَأسْقطت خوفًا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الصَّحَابَة نرَاك مؤدبا وَلَا شَيْء عَلَيْك ثمَّ سَأَلَ عليا فَأوجب الدِّيَة على عَاقِلَته قُلْنَا هَذِه من مسَائِل الْخلاف والإجتهاد وَمَا زَالَ عمر يشاور مثل عُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَزيد وَابْن عَبَّاس وَهَذَا من كَمَاله وَقد أَتَى بِامْرَأَة أقرَّت بِالزِّنَا فاتفقوا على رَجمهَا فَقَالَ عُثْمَان أَرَاهَا تستهل بِهِ إستهلال من لَا يعلم أَن الزِّنَا محرم فَلم يحدها لكَونهَا جهلت التَّحْرِيم وَكَذَا لم يُعَاقب النَّبِي ﷺ أُسَامَة لما قتل الَّذِي قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله لإعتقاده جَوَاز قَتله وَمن ذَلِك قتل خَالِد بني جذيمة وَقَتله مَالك بن نُوَيْرَة قَالَ وتنازعت امْرَأَتَانِ فِي طِفْل وَلم يعلم الحكم وفزع فِيهِ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فاستد على الْمَرْأَتَيْنِ ووعظهما فَلم ترجعا فَقَالَ ائْتُونِي بِالْمِنْشَارِ أقده بَيْنكُمَا نِصْفَيْنِ فَقَالَت وَاحِدَة الله الله يَا أَبَا الْحسن قد سمحت لَهَا بِهِ فَقَالَ على الله أكبر هُوَ ابْنك وَلَو كَانَ ابْنهَا لرقت عَلَيْهِ قُلْنَا هَذِه قَضِيَّة لَا تعرف لعمر بل هِيَ مَعْرُوفَة لِسُلَيْمَان ﵇ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا وفيهَا

стр. 339

أَن الله فهم سُلَيْمَان من الحكم مَا لم يفهمهُ دَاوُد كَمَا قَالَ تَعَالَى (ففهمناها سُلَيْمَان) وَكَانَ سُلَيْمَان قد سَأَلَ الله حكما يُوَافق حكمه فَأعْطَاهُ وَمَا نعلم أَن سُلَيْمَان أفضل من دَاوُد وَقد جَاءَ أَن دَاوُد ﵇ كَانَ أعبد الْبشر قَالَ وَأمر برجم امْرَأَة ولدت لسِتَّة أشهر فَقَالَ لَهُ على إِن خاصمتك بِكِتَاب الله خصمتك إِن الله يَقُول (وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا) وَقَالَ تَعَالَى (والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ) قُلْنَا كَانَ عمر يستشير الصَّحَابَة وَبِهَذَا مدح الله الْمُؤمنِينَ بقوله (وَأمرهمْ شُورَى بَينهم) وَالنَّاس متنازعون فِي الْمَرْأَة إِذا ظهر بهَا حمل وَلم يكن لَهَا زوج وَلَا سيد وَلَا ادَّعَت شُبْهَة فمذهب مَالك أَنَّهَا ترْجم وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ لَا ترْجم فلعلها مستكرهة أَو حملت بِلَا وَطْء وَالْأول هُوَ الثَّابِت عَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن عمر خطب فِي آخر عمره وَقَالَ الرَّجْم حق على من زنى إِذا قَامَت الْبَيِّنَة أَو كَانَ الْحَبل أَو الإعتراف وَكَذَا اخْتلفُوا فِي الشَّارِب إِذا تقيأها وَلَعَلَّ عمر جوز أَن تَلد امْرَأَة لدوّنَ سِتَّة أشهر وَرَآهُ من النَّادِر كَمَا وجد فِي النَّادِر من حملت أَربع سِنِين وَمن حملت سبع سِنِين وَفِي حد ذَلِك نزاع بَين الْعلمَاء قَالَ وَكَانَ يضطرب فِي الْأَحْكَام فَقضى فِي الْجد بِمِائَة قَضِيَّة وَالْجَوَاب أَن عمر أسعد الصَّحَابَة الْمُخْتَلِفين فِي الْجد بِالْحَقِّ فَإِن الصَّحَابَة فِي الْجد مَعَ الْإِخْوَة على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا أَن يسْقط الْإِخْوَة وَهَذَا قَول أبي بكر وَأبي مُوسَى وَأبي عَبَّاس وَطَائِفَة وَمذهب أبي حنيفَة وَابْن سُرَيج من الشَّافِعِيَّة وَأبي حَفْص الْبَرْمَكِي من الْحَنَابِلَة وَهُوَ الْحق فَإِن نِسْبَة بني الْإِخْوَة من الْأَب إِلَى الْجد كنسبة الْأَعْمَام بني الْجد إِلَى الْجد وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن الْجد هُنَا أَب وَالْأَب أولى من الْأَعْمَام فَيجب أَن يكون أَبُو الْأَب أولى

стр. 340

من الْإِخْوَة وَأَيْضًا فَإِن الْإِخْوَة لَو كَانُوا لكَوْنهم يدلون ببنوة الْأَب بِمَنْزِلَة الْجد لَكَانَ أَوْلَادهم وهم بَنو الْأُخوة كَذَلِك أَلا ترى أَن ابْن الإبن أولى من الْجد فَكَانَ ابْنه بِمَنْزِلَتِهِ وَأَيْضًا فَإِن الْجدّة كالأم فَيجب أَن يكون الْجد كَالْأَبِ وَلِأَن الْجد يُسمى أَبَا وَهَذَا القَوْل هُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن عمر القَوْل الثَّانِي أَن الْجد يقاسم الْإِخْوَة وَهَذَا قَول عُثْمَان وَعلي وَزيد وَابْن مَسْعُود وَلَكِن اخْتلفُوا فِي التَّفْصِيل إختلافا متباينا وَالْجُمْهُور على مَذْهَب زيد كمالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأما قَول عَليّ فِي الْجد فَلم يذهب إِلَيْهِ أحد من أَئِمَّة الْفُقَهَاء إِنَّمَا يذكر عَن ابْن أبي ليلى وَإِن صَحَّ أَن عمر قضى فِيهَا بِمِائَة قَضِيَّة لم يرد الرَّاوِي أَنه قضى فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة بِمِائَة قَول إِذْ لَيْسَ ذَلِك بممكن وَلَيْسَ فِي مَسْأَلَة الْجد نزاع أَكثر مِمَّا فِي مَسْأَلَة الخرقاء أم وَأُخْت وجد وكل الْأَقْوَال فِيهَا سِتَّة فَعلم أَنه أَرَادَ مائَة حَادِثَة من حوادث الْجد لَكِن لم يخرج قَوْله عَن قَوْلَيْنِ أَو ثَلَاثَة وَقَول عَليّ فِي الْجد مُخْتَلف أَيْضا والمسائل الَّتِي لعَلي فِيهَا أَقْوَال كَثِيرَة وَأهل الْفَرَائِض يعلمُونَ هَذَا مَعَ أَن الْأَشْبَه أَن هَذَا كذب فَإِن وجود جد وإخوة فِي الْفَرِيضَة قَلِيل جدا فِي النَّاس وَعمر إِنَّمَا تولى عشر سِنِين وَكَانَ قد أمسك عَن الْكَلَام فِي الْجد وَثَبت عَنهُ فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ ثَلَاث وددت أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ بَينهُنَّ لنا الْجد والكلالة وأبواب من أَبْوَاب الرِّبَا وَمن كَانَ متوقفا لم يحكم فِيهَا بِشَيْء قَالَ وَكَانَ يفضل فِي الْغَنِيمَة وَالعطَاء وَأوجب الله التَّسْوِيَة قُلْنَا أما الْغَنِيمَة فَلم يكن هُوَ يقسمها بل أُمَرَاء جيوشه القائمون بعد الْخمس ثمَّ يُرْسل إِلَيْهِ الْخمس وَقد تنَازع الْعلمَاء هَل يفضل بعض الْغَانِمين لمصْلحَة وَذَلِكَ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَإِلَى الْجَوَاز ذهب أَبُو حنيفَة لِأَن النَّبِي ﷺ نفل فِي بدايته الرّبع بعد الْخمس وَفِي رجعته

стр. 341

الثُّلُث بعد أَن خمس وَفِي صَحِيح مُسلم أَن النَّبِي ﷺ أعْطى سَلمَة بن الْأَكْوَع سهم فَارس وراجل فِي غَزْوَة الغابة وَكَانَ رَاجِلا لِأَنَّهُ أَتَى من الْقَتْل وَالْغنيمَة وإرهاب الْعَدو بِمَا لم يَأْتِ بِهِ غَيره وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يكون إِلَّا من خمس الْخمس وَأَيْنَ مثل عمر الَّذِي ضرب الله الْحق على لِسَانه وَقَلبه وَكَانَ يَجْعَل النَّاس مَرَاتِب فِي الْعَطاء وَأَبُو بكر كَانَ يُسَوِّي وَهِي مَسْأَلَة إجتهاد وَقَوله أوجب الله التَّسْوِيَة مُجَرّد دَعْوَى فَهُوَ لم يذكر على ذَلِك دَلِيلا وَلَو ذكر دَلِيلا لتكلمنا عَلَيْهِ كَمَا نتكلم فِي مسَائِل الإجتهاد قَالَ وَقَالَ بِالرَّأْيِ والحدس وَالظَّن قُلْنَا هَذَا لم يخْتَص بِهِ وَقد كَانَ عَليّ من أقولهم بِالرَّأْيِ فَمن ذَلِك سيره إِلَى صفّين فَقَالَ لم يعْهَد إِلَيّ فِيهِ نَبِي الله بِشَيْء وَلكنه رَأْي رَأَيْته وَأما قِتَاله الْخَوَارِج فَكَانَ مَعَه فِيهِ حَدِيث وَأما قتال الْجمل وصفين فَلم يرو أحد مِنْهُم فِيهِ نصا إِلَّا الْقَاعِدُونَ فَإِنَّهُم رووا الْأَحَادِيث فِي ترك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة وَمَعْلُوم أَن الرَّأْي إِن لم يكن مذموما فَلَا لوم على من قَالَ بِهِ وَإِن كَانَ مذموما فَلَا رأى أعظم ذما من رأى أريق بِهِ دم أُلُوف مؤلفة من الْمُسلمين وَلم يحصل بِقَتْلِهِم مصلحَة للْمُسلمين لَا فِي دينهم وَلَا فِي دنياهم بل نقص الْخَيْر عَمَّا كَانَ وَزَاد الشَّرّ على مَا كَانَ فَإِذا كَانَ مثل هَذَا الرَّأْي لَا يعاب بِهِ فرأي عمر وَغَيره فِي مسَائِل الْفَرَائِض وَالطَّلَاق أولى أَن لَا يعاب مَعَ أَن عليا شركهم فِي هَذَا الرَّأْي وامتاز بِرَأْيهِ فِي الدِّمَاء وَقد كَانَ ابْنه الْحسن وَأكْثر السَّابِقين الْأَوَّلين لَا يرَوْنَ الْقِتَال مصلحَة وَكَانَ هَذَا الرَّأْي أصلح من رَأْي الْقِتَال بالدلائل الْكَثِيرَة وَمن الْمَعْلُوم أَن قَول على فِي الْجد وَغَيره من الْمسَائِل كَانَ بِالرَّأْيِ وَقد قَالَ اجْتمع رَأْيِي ورأي عمر على الْمَنْع من بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد

стр. 342

والآن فقد رَأَيْت أَن يبعن فَقَالَ لَهُ قاضيه عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ رَأْي عمر فِي الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك فِي الْفرْقَة وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث عُبَيْدَة عَن عَليّ قَالَ اقضوا كَمَا كُنْتُم تقضون فَإِنِّي أكره الإختلاف حَتَّى يكون للنَّاس جمَاعَة أَو أَمُوت كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي رَوَاهُ ابْن سِيرِين عَن عُبَيْدَة فَكَانَ ابْن سِيرِين يرى أَن عَامَّة مَا يرْوى عَن عَليّ الْكَذِب واما حَدِيث تقتيل النَّاكِثِينَ والقاسطين والمارقين فموضوع على النَّبِي ﷺ وَقد قَالَ ابْن عمر مَا رَأَيْت عمر يَقُول لشَيْء إِنِّي لأراه كَذَا وَكَذَا إِلَّا كَانَ كَمَا يَقُول فالنصوص وَالْإِجْمَاع والإعتبار يدل على أَن رَأْي عمر أَجود من رَأْي عُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَلِهَذَا كَانَت آثَار رَأْيه محمودة وَمَا يتمارى فِي كَمَال سيرته وَعلمه من لَهُ أدنى مسكة من إنصاف وَلَا يطعن على أبي بكر وَعمر إِلَّا جَاهِل غر اَوْ ملحد مُنَافِق توسل بالطعن فيهمَا إِلَى الطعْن فِي الرَّسُول وَدين الْإِسْلَام وَهَذَا حَال من ابتدع الرَّفْض وَحَال الباطنية وَإِذا قَالَ الرافضي عَليّ مَعْصُوم لَا يَقُول بِرَأْيهِ بل كل مَا قَالَه فَهُوَ مثل النَّص قيل لَهُ نظيرك فِي الطّرف الآخر الْخَوَارِج الَّذين كفروه قَالَ وَجعل بعده الْأَمر شُورَى وَخَالف فِيهِ من تقدمه وتأسف على سَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَقَالَ لَو كَانَ حَيا لم يختلجني فِيهِ شكّ وأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ حَاضر وَذكر فصلا طَويلا وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْكَلَام كُله لَا يخرج عَن قسمَيْنِ إِمَّا كذب فِي النَّقْل وَإِمَّا قدح فِي الْحق فَإِن مِنْهُ مَا هُوَ كذب مَعْلُوم الْكَذِب أَو غير مَعْلُوم الصدْق وَمَا علم أَنه صدق فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُوجب الطعْن على عمر ﵁ بل ذَلِك مَعْدُود من فضائله ومحاسنه الَّتِي ختم الله لَهُ بهَا عمله وَلَكِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم لفرط جهلهم وهواهم يقلبون الْحَقَائِق فِي الْمَنْقُول والمعقول فَيَأْتُونَ إِلَى الْأُمُور الَّتِي وَقعت وَعلم أَنَّهَا

стр. 343

وَقعت فَيَقُولُونَ مَا وَقعت وَإِلَى أُمُور مَا كَانَت وَيعلم أَنَّهَا مَا كَانَت فَيَقُولُونَ كَانَت ويأتون إِلَى الْأُمُور الَّتِي هِيَ خير وَصَلَاح فَيَقُولُونَ هِيَ فَسَاد وَإِلَى الْأُمُور الَّتِي هِيَ فَسَاد فَيَقُولُونَ هِيَ خير وَصَلَاح فَلَيْسَ لَهُم عقل وَلَا نقل بل لَهُم نصيب من قَوْله تَعَالَى (وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا من أَصْحَاب السعير) وَأما قَول الرافضي وَجعل الْأَمر شُورَى بعده وَخَالف فِيهِ من تقدمه فَالْجَوَاب أَن الْخلاف نَوْعَانِ خلاف تضَاد وَخلاف تنوع فَالْأول مثل أَن يُوجب هَذَا شَيْئا ويحرمه الآخر وَالنَّوْع الثَّانِي مثل الْقرَاءَات الَّتِي يجوز كل مِنْهَا وَإِن كَانَ هَذَا يخْتَار قِرَاءَة وَهَذَا يخْتَار قِرَاءَة كَمَا ثَبت فِي الصِّحَاح بل استفاض عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الْقُرْآن أنزل على سَبْعَة أحرف كلهَا شاف كَاف وَثَبت أَن عمر وَهِشَام بن حَكِيم بن حزَام اخْتلفَا فِي سُورَة الْفرْقَان فقرأها هَذَا على وَجه وَهَذَا على وَجه فَقَالَ لكليهما هَكَذَا أنزلت وَمن هَذَا الْبَاب تصرف ولي الْأَمر للْمُسلمين وَلِهَذَا اسْتَشَارَ النَّبِي ﷺ أَصْحَابه يَوْم بدر فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو بكر ﵁ بِأخذ الْفِدَاء وَشبهه النَّبِي ﷺ بإبراهيم وَعِيسَى وَأَشَارَ إِلَيْهِ عمر ﵁ بِالْقَتْلِ وَشبهه ﷺ بِنوح ومُوسَى وَلم يعب وَاحِدًا مِنْهُمَا بِمَا أَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ بل مدحه وَشبهه بالأنبياء وَلَو كَانَ مَأْمُورا بِأحد الْأَمريْنِ حتما لما استشارهم فِيمَا يفعل ثمَّ إِن الإجتهاد يخْتَلف وَيكون جَمِيعه صَوَابا كَمَا أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ كَانَ رَأْيه أَن يُولى خَالِد بن الْوَلِيد فِي حروبه وَكَانَ عمر يُشِير عَلَيْهِ بِأَن يعزله فَلَا يعزله وَيَقُول إِنَّه سيف سَله الله على الْمُشْركين ثمَّ إِن عمر لما تولى عَزله وَولى أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح وَمَا فعله كل مِنْهُمَا كَانَ أصلح فِي وقته فَإِن أَبَا بكر كَانَ فِيهِ لين وَعمر كَانَ فِيهِ شدَّة وَكَانَا على عهد النَّبِي ﷺ يستشيرهما وروى عَنهُ أَنه قَالَ إِذا اتفقتما على شَيْء لم أخالفكما وَثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي بعض مغازيه إِن يطع الْقَوْم أَبَا بكر وَعمر يرشدوا وَفِي رِوَايَة فِي الصَّحِيح

стр. 344

كَيفَ ترَوْنَ الْقَوْم صَنَعُوا حِين فقدوا نَبِيّهم وأرهقتهم صلَاتهم قُلْنَا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ أَلَيْسَ فيهم أَبُو بكر وَعمر إِن يطيعوهما فقد رشدوا ورشدت أمتهم وَإِن يعصوهما فقد غووا وغوت أمتهم قَالَهَا ثَلَاثًا وَقد روى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن عمر قَالَ لما كَانَ يَوْم بدر نظر رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمُشْركين وهم ألف وَأَصْحَابه وهم ثَلَاثمِائَة وَتِسْعَة عشر رجلا فَاسْتقْبل رَسُول الله ﷺ الْقبْلَة ثمَّ مد يَدَيْهِ فَجعل يَهْتِف بربه اللَّهُمَّ انجز لي مَا وَعَدتنِي اللَّهُمَّ آتني مَا وَعَدتنِي اللَّهُمَّ إِنَّك إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة من أهل الْإِسْلَام لَا تعبد فِي الأَرْض فَمَا زَالَ يَهْتِف بربه مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبلا الْقبْلَة حَتَّى سقط رِدَاؤُهُ عَن مَنْكِبَيْه فَأَتَاهُ أَبُو بكر فَأخذ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ على مَنْكِبَيْه ثمَّ الْتَزمهُ من وَرَائه وَقَالَ يَا نَبِي الله كَفاك مُنَاشَدَتك رَبك فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَك مَا وَعدك فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم فَاسْتَجَاب لكم أَنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ﴾ فأمده الله بِالْمَلَائِكَةِ وَكَانَ السّلف متفقين على تَقْدِيم أبي بكر وَعمر حَتَّى شيعَة عَليّ ﵁ وروى ابْن بطة عَن شَيْخه الْمَعْرُوف بِأبي الْعَبَّاس بن مَسْرُوق حَدثنَا مُحَمَّد بن حميد حَدثنَا جرير عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن زِيَاد بن حدير قَالَ قدم أَبُو إِسْحَاق السبيعِي الْكُوفَة قَالَ لنا شمر بن عَطِيَّة قومُوا إِلَيْهِ فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ فتحدثوا فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق خرجت من الْكُوفَة وَلَيْسَ أحد يشك فِي فضل أبي بكر وَعمر وتقديمهما وقدمت الْآن وهم يَقُولُونَ وَيَقُولُونَ وَلَا وَالله مَا أَدْرِي مَا يَقُولُونَ وَعَن ضَمرَة عَن سعيد بن حسن قَالَ

стр. 345

سَمِعت لَيْث بن أبي سليم يَقُول أدْركْت الشِّيعَة الأولى وَمَا يفضلون على أبي بكر وَعمر أحدا وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن خَالِد بن سَلمَة عَن مَسْرُوق قَالَ حب أبي بكر وَعمر وَمَعْرِفَة فضلهما من السّنة ومسروق من أجل تَابِعِيّ الْكُوفَة وَكَذَلِكَ قَالَ طَاوس وَقد روى ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَكَيف لَا تقدم الشِّيعَة الأولى أَبَا بكر وَعمر وَقد تَوَاتر عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر ثمَّ وَعمر وَقد روى هَذَا عَنهُ من طرق كَثِيرَة قيل إِنَّهَا تبلغ ثَمَانِينَ طَرِيقا وَقد روى البُخَارِيّ عَنهُ فِي صَحِيحه من حَدِيث الهمدانيين الَّذين هم أخص النَّاس بعلي حَتَّى كَانَ يَقُول (وَلَو كنت بوابا على بَاب جنَّة ... لَقلت لهمدان ادخلي بِسَلام) فقد رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ وَهُوَ همداني عَن مُنْذر وَهُوَ همداني عَن مُحَمَّد بن الحنيفة قَالَ قلت لأبي يَا أَبَت من خير النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا بني أَو مَا تعرف فَقلت لَا قَالَ أَبُو بكر فَقلت ثمَّ من قَالَ عمر وَهَذَا يَقُوله لإبنه بَينه وَبَينه لَيْسَ هُوَ مِمَّا يجوز أَن يَقُوله تقية وَيَرْوِيه عَن أَبِيه خَاصَّة وَقَالَهُ على الْمِنْبَر وَعنهُ أَنه كَانَ يَقُول لَا أُوتِيَ بِأحد يُفَضِّلُنِي على أبي بكر وَعمر إِلَّا جلدته حد

стр. 346

المفترى وَفِي السّنَن عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ اقتدوا بالذين من بعدِي أبي بكر وَعمر وَلِهَذَا كَانَ أحد قولي الْعلمَاء وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد أَن قَوْلهمَا إِذا اتفقَا حجَّة لَا يجوز الْعُدُول عَنْهَا وَهَذَا أظهر الْقَوْلَيْنِ كَمَا أَن الْأَظْهر أَن اتِّفَاق الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة أَيْضا حجَّة لَا يجوز خلَافهَا لأمر النَّبِي ﷺ بإتباع سنتهمْ وَكَانَ نَبينَا ﷺ مَبْعُوثًا بأعدل الْأُمُور وأكملها فَهُوَ الضحوك الْقِتَال وَهُوَ نَبِي الرَّحْمَة وَنَبِي الملحمة بل أمته موصوفون بذلك فِي مثل قَوْله تَعَالَى (أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم) وَقَوله تَعَالَى (أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين) فَكَانَ النَّبِي ﷺ يجمع بَين شدَّة هَذَا ولين هَذَا فيأمر بِمَا هُوَ الْعدْل وهما يطيعانه فَتكون أفعالهما على كَمَال الإستقامة فَلَمَّا قبض الله نبيه وَصَارَ كل مِنْهُمَا خَليفَة على الْمُسلمين خلَافَة نبوة كَانَ من كَمَال أبي بكر ﵁ أَن يُولى الشَّديد ويستعين بِهِ ليعتدل أمره ويخلط الشدَّة باللين فَإِن مُجَرّد اللين يفْسد ومجرة الشدَّة تفْسد وَيكون قد قَامَ مقَام النَّبِي ﷺ فَكَانَ يَسْتَعِين بإستشارة عمر وبإستنانة خَالِد وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا من كَمَاله الَّذِي صَار بِهِ خَليفَة رَسُول الله ﷺ وَلِهَذَا اشْتَدَّ فِي قتال أهل الرِّدَّة شدَّة برز بهَا على عمر وَغَيره حَتَّى روى أَن عمر قَالَ لَهُ يَا خَليفَة رَسُول الله ﷺ تألف النَّاس فَقَالَ علام أتألفهم أَعلَى حَدِيث مفتري أم على شعر مفتعل وَقَالَ أنس خَطَبنَا أَبُو بكر عقيب وَفَاة النَّبِي ﷺ وَإِنَّا لكالثعلب فَمَا زَالَ يشجعنا حَتَّى صرنا كالأسود وَأما عمر ﵁ فَكَانَ شَدِيدا فِي نَفسه فَكَانَ من كَمَاله إستعانته باللين ليعتدل أمره فَكَانَ يَسْتَعِين بِأبي عُبَيْدَة بن الْجراح وَسعد بن أبي وَقاص وَأبي عُبَيْدَة الثَّقَفِيّ والنعمان بن مقرن وَسَعِيد بن عَامر وأمثال هَؤُلَاءِ من أهل الصّلاح والزهد الَّذين هم أعظم زهدا وَعبادَة من مثل خَالِد بن الْوَلِيد وَأَمْثَاله وَمن هَذَا الْبَاب أَمر الشورى فَإِن عمر بن الْخطاب ﵁ كَانَ كثير الْمُشَاورَة للصحابة فِيمَا لم يتَبَيَّن لَهُ فِيهِ أَمر الله وَرَسُوله فَإِن الشَّارِع نصوصه كَلِمَات جَوَامِع وقضايا كُلية وقواعد عَامَّة يمْتَنع أَن ينص على كل فَرد من جزئيات الْعَالم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَلَا بُد

стр. 347

من الإجتهاد فِي المعينات هَل تدخل فِي كَلِمَاته الجامعة أم لَا وَهَذَا الإجتهاد يُسمى تَحْقِيق المناط وَهُوَ مِمَّا اتّفق عَلَيْهِ النَّاس كلهم نفاة الْقيَاس ومثبتته فَإِن الله إِذا أَمر أَن يستشهد ذَوا عدل فكون الشَّخْص الْمعِين من ذَوي الْعدْل لَا يعلم بِالنَّصِّ الْعَام بل بإجتهاد خَاص وَكَذَلِكَ إِذا أَمر أَن تُؤَدّى الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا وَأَن تولى الْأُمُور من يصلح لَهَا فكون هَذَا الشَّخْص الْمعِين صَالحا لذَلِك أَو راجحا على غَيره لَا يُمكن أَن تدل عَلَيْهِ النُّصُوص بل لَا يعلم إِلَّا بإجتهاد خَاص والرافضي إِن زعم أَن الإِمَام يكون مَنْصُوصا عَلَيْهِ وَهُوَ مَعْصُوم فَلَيْسَ هُوَ أعظم من الرَّسُول ونوابه وعماله لَيْسُوا معصومين وَلَا يُمكن أَن ينص الشَّارِع على كل مُعينَة وَلَا يُمكن النَّبِي وَلَا الإِمَام أَن يعلم الْبَاطِن فِي كل مُعينَة واما عَليّ ﵁ فظهور الْأَمر فِي الجزئيات بِخِلَاف مَا ظَنّه كثير جدا فَعلم أَنه لَا بُد من الإجتهاد فِي الجزئيات من المعصومين وَغير المعصومين وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِنَّكُم تختصمون إِلَيّ وَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض وَإِنَّمَا أقضى بِنَحْوِ مِمَّا أسمع فَمن قضيت لَهُ من حق أَخِيه شَيْئا فَلَا يَأْخُذهُ فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار فَحكمه فِي الْقَضِيَّة الْمعينَة إِنَّمَا هُوَ بِاجْتِهَادِهِ وَلِهَذَا نهى الْمَحْكُوم لَهُ أَن يَأْخُذ مَا حكم لَهُ بِهِ إِذا كَانَ الْبَاطِن بِخِلَاف مَا ظهر وَعمر ﵁ إِمَام وَعَلِيهِ أَن يسْتَخْلف الْأَصْلَح للْمُسلمين فاجتهد فِي ذَلِك وَرَأى أَن هَؤُلَاءِ السِّتَّة أَحَق من غَيرهم وَهُوَ كَمَا رأى فَإِنَّهُ لم يقل أحد إِن غَيرهم أَحَق مِنْهُم وَجعل التَّعْيِين إِلَيْهِم خوفًا أَن يعين وَاحِدًا مِنْهُم وَيكون غَيره أصلح لَهُم فَإِنَّهُ ظهر لَهُ رُجْحَان السِّتَّة دون رُجْحَان التَّعْيِين وَقَالَ الْأَمر فِي التَّعْيِين إِلَى السِّتَّة يعينون وَاحِدًا مِنْهُم وَهَذَا أحسن إجتهاد إِمَام عَادل نَاصح لَا هوى لَهُ ﵁ وَأَيْضًا فقد قَالَ تَعَالَى (وَأمرهمْ شُورَى بَينهم) وَقَالَ (وشاورهم فِي الْأَمر) فَكَانَ مَا فعله من الشورى مصلحَة وَمَا كَانَ فعله أَبُو بكر ﵁ من تعْيين عمر هُوَ الْمصلحَة أَيْضا فَإِن أَبَا بكر تبين لَهُ من كَمَال عمر وفضله وإستحقاقه لِلْأَمْرِ

стр. 348

مَا لم يحْتَج مَعَه إِلَى الشورى وَظهر أثر هَذَا الرَّأْي الْمُبَارك الميمون على الْمُسلمين فَإِن كل عَاقل منصف يعلم أَن عُثْمَان اَوْ عليا أَو طَلْحَة أَو الزبير أَو سَعْدا أَو عبد الرحمن بن عَوْف لَا يقوم مقَام عمر فَكَانَ تعْيين عمر فِي الإستحقاق كتعيين أبي بكر فِي مُبَايَعَتهمْ لَهُ وَلِهَذَا قَالَ عبد الله بن مَسْعُود أَفرس النَّاس ثَلَاثَة بنت صَاحب مَدين حَيْثُ قَالَت (يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الْأمين) وَامْرَأَة الْعَزِيز حَيْثُ قَالَت (عَسى أَن ينفعنا أَو نتخذه ولدا) وَأَبُو بكر حَيْثُ اسْتخْلف عمر وَقَالَت عَائِشَة ﵂ فِي خطبتها أبي وَمَا أبي وَالله لَا تعطوه الْأَيْدِي ذَاك طود منيف وَفرع مديد هَيْهَات كذبت الظنون أنجح إِذْ أكديتم وَسبق إِذْ ونيتم سبق الْجواد إِذا استولى على الأمد فَتى قُرَيْش ناشئا وكهفها كهلا يفك عانيها ويريش مملقها ويرأب شعبها حَتَّى جلبته قلوبها ثمَّ استشرى فِي دينه فَمَا بَرحت شَكِيمَته فِي ذَات الله تَعَالَى

стр. 349

تشتد حَتَّى اتخذ بفنائه مَسْجِدا يحيى فِيهِ مَا أمات المبطلون وَكَانَ ﵀ غزير الدمعة وقيذ الجوانح شجي النشيج فتتقصف عَلَيْهِ نسوان مَكَّة وولدانها يسخرون مِنْهُ ويستهزئون بِهِ (الله يستهزيء بهم ويمدهم فِي طغيانهم يعمهون) فأكبرت ذَلِك رجالات قُرَيْش فحنت لَهُ قسيها وفوقت لَهُ سهامها وانتبلوه غَرضا فَمَا فلوا لَهُ صفاة وَلَا قصفوا لَهُ قناة وَمر على سيسائه حَتَّى إِذا ضرب الدّين بجرانه

стр. 350

وَألقى بركه ورست أوتاده وَدخل النَّاس فِيهِ أَفْوَاجًا وَمن كل فرقة أَرْسَالًا وأشتاتا اخْتَار الله لنَبيه ﷺ مَا عِنْده فَلَمَّا قبض الله نبيه ضرب الشَّيْطَان روقه وَمد طنبه وَنصب حبائله فَظن رجال أَن قد تحققت أطماعهم ولات حِين الَّذِي يرجون وأنى وَالصديق بَين أظهرهم فَقَامَ حاسرا مشمرا فَجمع حَاشِيَته وَضم قطريه فَرد نشر الْإِسْلَام على غره وَلم شعثه بطبه وَأقَام أوده بثقافه فوقذ النِّفَاق بوطأته وانتاش الدّين بنعشه فَلَمَّا أراح الْحق على أَهله وَقرر الرُّءُوس على كواهلها وحقن الدِّمَاء فِي أهبها أَتَتْهُ منيته فسد ثلمه بنظيره

стр. 351

فِي الرَّحْمَة وشقيقه فِي السِّيرَة والمعدلة ذَاك ابْن الْخطاب لله أم حفلت لَهُ وَدرت عَلَيْهِ لقد أوحدت بِهِ فقبح الْكفْر وشرد الشّرك شذر مذر وبعج الأَرْض وبخعها فقاءت أكلهَا ولفظت خبيئها ترأمه ويصد عَنْهَا وتصدى لَهُ ويأباها ثمَّ ورع فِيهَا وودعها كَمَا صحبها فأروني مَا تريبون وَأي يومي أبي تَنْقِمُونَ أيوم إِقَامَته إِذْ عدل فِيكُم أَو يَوْم ظعنه وَقد نظر لكم أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم روى هَذِه الْخطْبَة جَعْفَر بن عون عَن أَبِيه عَن عَائِشَة وَهَؤُلَاء رُوَاة الصَّحِيحَيْنِ وَأما عمر ﵁ فَرَأى الْأَمر فِي السِّتَّة متقاربا صَحَّ عَنهُ أَنه قَالَ إِن اسْتخْلف فقد اسْتخْلف من هُوَ خير مني يَعْنِي أَبَا بكر وَإِن أترك فقد ترك من هُوَ خير مني يَعْنِي النَّبِي ﷺ وَالْخلاف مَا زَالَ فِي الْقرَاءَات وَالْفِقْه وَغير ذَلِك حَتَّى إِن الْعَالم الْوَاحِد يَقُول قَوْلَيْنِ مُخْتَلفين وَمَا زَالَت آراء الْكِبَار تخْتَلف وَثَبت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي بعض الْمَغَازِي إِن يطع الْقَوْم أَبَا بكر وَعمر يرشدوا وروى عَنهُ أَنه قَالَ لَهما لواتفقتما على شَيْء لم أخالفكما وَقَالَ اقتدوا باللذين من بعدِي أَبُو بكر وَعمر فَمَا فعله أَبُو بكر من إستخلافه عمر كَانَ الْمصلحَة لكَمَال عمر وشفوفه وإستحقاقه وَظهر أثر ذَلِك عِنْد كل عَاقل منصف وَكَانَ مَا فعله عمر هُوَ الْمصلحَة فَإِنَّهُ لم يتَرَجَّح عِنْده أحد من السِّتَّة على البَاقِينَ ورآهم متقاربين وَفِي كل فَضِيلَة لَيست فِي الآخر وَترك التَّعْيِين خوفًا وورعا وَفعل من الْمصلحَة بِحَسب الْإِمْكَان ثمَّ إِن الصَّحَابَة اجْتَمعُوا على عُثْمَان وَكَانَت ولَايَته أرجح مصلحَة وَأَقل مفْسدَة من غَيره وَالْوَاجِب أَن يقدم أَكثر الْأَمريْنِ مصلحَة وأقلهما مفْسدَة وَلَا يجب على الْخَلِيفَة أَن يسْتَخْلف بعد مَوته فَقَالَ الْأَمر شُورَى بَين هَؤُلَاءِ السِّتَّة الَّذين توفّي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَنْهُم رَاض

стр. 352

وَأما مَا زعمت من ذكر سَالم مولى أبي حُذَيْفَة فمعلوم أَن الصَّحَابَة يعلمُونَ الْإِمَامَة فِي قُرَيْش كَمَا استفاضت بذلك السّنَن وَذَلِكَ مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ على الْأَنْصَار يَوْم السَّقِيفَة فَكيف يظنّ بعمر أَنه يُولى مولى فأبين يذهب عقلك بل من الْمُمكن أَنه كَانَ يوليه ولَايَة جزئية أَو يستشيره فَمن يُولى وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي يصلح لَهَا سَالم مولى أبي حُذَيْفَة فَإِن سالما كَانَ من خِيَار الصَّحَابَة وقولك جمع بَين الْفَاضِل والمفضول فَهَذَا عنْدك وَأما عِنْدهم فَكَانُوا متقاربين وَلِهَذَا كَانُوا فِي الشورى مترددين فَإِن قلت عَليّ هُوَ الْفَاضِل وَعُثْمَان الْمَفْضُول قيل لَك فَكيف أجمع الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار على تَقْدِيم مفضول وَقَالَ بعض الْعلمَاء من قدم عليا على عُثْمَان فقد أزرى بالمهاجرين وَالْأَنْصَار وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر قَالَ كُنَّا نفاضل على عهد النَّبِي ﷺ فَنَقُول أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان وَفِي لفظ ثمَّ نَدع أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فَلَا نفاضل بَينهم فَهَذَا ينْقل مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة على عهد نَبِيّهم وَظهر أثر ذَلِك فَإِنَّهُم بَايعُوا عُثْمَان من غير رَغْبَة وَلَا رهبة وَاتَّفَقُوا عَلَيْهَا وَكَانُوا كَمَا نعتهم الله (يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم) حَتَّى قَالَ ابْن مَسْعُود ولينا أعلانا ذَا فَوق وَلم نأل وَفِيهِمْ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَفِيهِمْ من النُّقَبَاء عبَادَة بن الصَّامِت وَأَمْثَاله وَفِيهِمْ مثل أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وكل من هَؤُلَاءِ وَمن غَيرهم لَو تكلم بِالْحَقِّ لم يكن هُنَاكَ عذر يسْقطهُ عَنهُ فقد كَانَ يتَكَلَّم من يتَكَلَّم مِنْهُم على عهد رَسُول الله ﷺ فِي ولَايَة من يُولى وَهُوَ مُسْتَحقّ للولاية وَلَا يحصل لَهُم ضَرَر وَتكلم طَلْحَة وَغَيره فِي ولَايَة عمر لما اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بكر وَتكلم أسيد بن حضير فِي ولَايَة أُسَامَة بن زيد على عهد النَّبِي ﷺ وَقد كَانُوا يكلمون عمر فِيمَن يوليه ويعزله وَعُثْمَان بعد ولَايَته وَقُوَّة شوكته وَكَثْرَة أنصاره وَظُهُور بني أُميَّة كَانُوا يكلمونه فِيمَن يوليه وَيُعْطِيه مِنْهُم وَمن غَيرهم ثمَّ فِي آخر الْأَمر لما

стр. 353

اشتكوا من بَعضهم عَزله وَلما اشتكوا من بعض من يَأْخُذ بعض المَال مَنعه فأجابهم إِلَى مَا طلبوه من عزل وَمنع من المَال وهم أَطْرَاف من النَّاس وَهُوَ فِي عزة ولَايَته فَكيف لَا يسمع كَلَام الصَّحَابَة أئمتهم وكبرائهم مَعَ عزتهم وقوتهم لَو تكلمُوا فِي ولَايَة عُثْمَان وَكَانَ فِي ولَايَته من الفتوحات والخيرات مَا لَا يُوصف وَمَا حصل مِنْهُ من تأمير أَقَاربه وإكثار جوائزهم فقد حصل بعده من غَيره من إِيثَار بَعْص النَّاس بِولَايَة أَو مَال مُضَافا إِلَى مَا جرى من الْفِتْنَة وَالصَّحَابَة مَا كَانُوا يسكتون كلهم على مضض أَلا تراهم تكلمُوا فِي عمر إِذْ اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بكر وَتَكَلَّمُوا مَعَ الصّديق وَقَالُوا مَاذَا تَقول لِرَبِّك إِذا وقدمت عَلَيْهِ وَقد وليت علينا عمر فظا غليظا فَقَالَ أبالله ترهبونني أَقُول وليت عَلَيْهِم خير أهلك قَالُوا هَذَا وَمن شَأْن النَّاس أَن يراعوا من ترشح للولاية فيحابونه خوفًا من أَن ينْتَقم بعد مِنْهُم فَكيف يحابون عُثْمَان وَهُوَ بعد مَا بِيَدِهِ أَمر فَدلَّ على أَنهم إِنَّمَا قدموه بإستحقاق وَهَذَا شَيْء إِذا تدبره الْخَبِير إزداد بِهِ بَصِيرَة وعلما فَأَما الْجَاهِل وَصَاحب الْهوى فقد أعمى الله قلبه واما من كَانَ عَالما بِمَا وَقع وَهُوَ مستحضر للأدلة عَالم بطريقة النّظر فَإِنَّهُ يقطع بِمَا بَيناهُ

стр. 354

ثمَّ قَالَ وَطعن فِي كل وَاحِد مِمَّن إختاره للشورى وَأظْهر أَنه يكره أَن يتقلد أَمر الْمُسلمين بعد مَوته ثمَّ تقلده بِأَن جعل الْإِمَامَة فِي سِتَّة فَيُقَال لم يطعن فيهم طعن من يرى غَيرهم أَحَق بِالْأَمر وَإِنَّمَا بَين عذره فِي عدم التَّعْيِين ثمَّ قَالَ فناقض وَجعلهَا فِي أَرْبَعَة ثمَّ فِي ثَلَاثَة ثمَّ فِي وَاحِد فَجعل إِلَى ابْن عَوْف الإختيار بعد أَن وَصفه بالضعف فَيُقَال يَنْبَغِي لمن احْتج بالمنقول أَن يُثبتهُ أَولا وَالثَّابِت فِي البُخَارِيّ لَيْسَ فِيهِ من هَذَا شَيْء بل فِيهِ مَا يدل على نقيض هَذَا وَأَن السِّتَّة هم الَّذين ردوا الْأَمر إِلَى الثَّلَاثَة ثمَّ الثَّلَاثَة جعلُوا الإختيار إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بلَى قَالَ عمر فَإِن أَصَابَت سَعْدا الْخلَافَة وَإِلَّا فليستعن بِهِ من ولى فَإِنِّي لم أعزله عَن عجز وَلَا خِيَانَة ثمَّ قَالَ أوصى الْخَلِيفَة من بعدِي بتقوى الله وأوصيه بالمهاجرين الْأَوَّلين

стр. 355

الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ أَن يعرف لَهُم حَقهم وَأَن يحفظ لَهُم حرمتهم وَذكر الحَدِيث وَكَانَ عمر فِي حَيَاته لَا يخَاف أحدا والرافضة تسميه فِرْعَوْن هَذِه الْأمة قَاتلهم الله فَإِذا كَانَ فِي حَيَاته لَا يخَاف أحدا فَكيف يخَاف من تَقْدِيم عُثْمَان لَو أَرَادَ أَن يقدمهُ عِنْد مَوته وَالنَّاس كلهم مطيعوه وَأي غَرَض يكون لعمر فِي عُثْمَان دون عَليّ فقد أخرج من الْأَمر ابْنه وَلم يدْخل سعيد بن زيد فِي أهل الشورى وَهُوَ أقرب النَّاس إِلَيْهِ فلأي شَيْء يحابي كَمَا افتريتم عَلَيْهِ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال وَفِي آخر سَاعَة من الدُّنْيَا وَقت يسلم فِيهِ الْكَافِر ويخشع فِيهِ الْفَاجِر فَلَو علم أَن لعَلي حَقًا دون غَيره بِنَصّ أَو بأولوية لقدمه تَوْبَة إِلَى الله أَو ابْتِغَاء رضوَان الله وَلَيْسَ فِي الْعَادة أَن الرجل يفعل عِنْد لِقَاء الله مَا يعلم أَنه يُعَاقب عَلَيْهِ مِمَّا لَا يَنْفَعهُ فِي دين وَلَا دنيا وَلَو قدر أَنه كَانَ عدوا مبغضا للرسول فَلَا ريب أَنه بِسَبَب النَّبِي ﷺ نَالَ من السَّعَادَة مَا نَالَ ثمَّ إِن عمر كَانَ من أذكى خلق الله تَعَالَى ودلايل النُّبُوَّة من اظهر الْأُمُور فَهُوَ يعلم أَنه إِن اسْتمرّ على معاداته يعذب فِي الْآخِرَة وَلَيْسَ لَهُ وَقت الْمَوْت غَرَض فِي ولَايَة عُثْمَان وَنَحْوه فَكيف استفرغ وَسعه فِي عَدَاوَة بَيت نَبِي الله وَابْن عَمه وَهُوَ الَّذِي لزم الْعَيْش الخشن وَالثَّوْب القطني وَالصَّبْر على الْعدْل وَعَن جمع الْأَمْوَال وعَلى مجافاة الْأَشْرَاف بِحَيْثُ أَنه قد تَركه الْحق وَمَا لَهُ من صديق ثمَّ نقُول على مَا زعمت لَوْلَا عَليّ لهلك عمر قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ مَا دَار الْفلك على شكل عمر وَصدق رَسُول الله ﷺ إِذْ يَقُول لعمر مَا لقيك الشَّيْطَان سالكا فجا إِلَّا سلك غير فجك وَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر أبين من الشَّمْس
следующие страницы →