← Акыда

Акыда · id 6531

المنتقى من منهاج الاعتدال

شمس الدين الذهبي

Полный текст (545 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فِي الرَّحْمَة وشقيقه فِي السِّيرَة والمعدلة ذَاك ابْن الْخطاب لله أم حفلت لَهُ وَدرت عَلَيْهِ لقد أوحدت بِهِ فقبح الْكفْر وشرد الشّرك شذر مذر وبعج الأَرْض وبخعها فقاءت أكلهَا ولفظت خبيئها ترأمه ويصد عَنْهَا وتصدى لَهُ ويأباها ثمَّ ورع فِيهَا وودعها كَمَا صحبها فأروني مَا تريبون وَأي يومي أبي تَنْقِمُونَ أيوم إِقَامَته إِذْ عدل فِيكُم أَو يَوْم ظعنه وَقد نظر لكم أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم روى هَذِه الْخطْبَة جَعْفَر بن عون عَن أَبِيه عَن عَائِشَة وَهَؤُلَاء رُوَاة الصَّحِيحَيْنِ وَأما عمر ﵁ فَرَأى الْأَمر فِي السِّتَّة متقاربا صَحَّ عَنهُ أَنه قَالَ إِن اسْتخْلف فقد اسْتخْلف من هُوَ خير مني يَعْنِي أَبَا بكر وَإِن أترك فقد ترك من هُوَ خير مني يَعْنِي النَّبِي ﷺ وَالْخلاف مَا زَالَ فِي الْقرَاءَات وَالْفِقْه وَغير ذَلِك حَتَّى إِن الْعَالم الْوَاحِد يَقُول قَوْلَيْنِ مُخْتَلفين وَمَا زَالَت آراء الْكِبَار تخْتَلف وَثَبت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي بعض الْمَغَازِي إِن يطع الْقَوْم أَبَا بكر وَعمر يرشدوا وروى عَنهُ أَنه قَالَ لَهما لواتفقتما على شَيْء لم أخالفكما وَقَالَ اقتدوا باللذين من بعدِي أَبُو بكر وَعمر فَمَا فعله أَبُو بكر من إستخلافه عمر كَانَ الْمصلحَة لكَمَال عمر وشفوفه وإستحقاقه وَظهر أثر ذَلِك عِنْد كل عَاقل منصف وَكَانَ مَا فعله عمر هُوَ الْمصلحَة فَإِنَّهُ لم يتَرَجَّح عِنْده أحد من السِّتَّة على البَاقِينَ ورآهم متقاربين وَفِي كل فَضِيلَة لَيست فِي الآخر وَترك التَّعْيِين خوفًا وورعا وَفعل من الْمصلحَة بِحَسب الْإِمْكَان ثمَّ إِن الصَّحَابَة اجْتَمعُوا على عُثْمَان وَكَانَت ولَايَته أرجح مصلحَة وَأَقل مفْسدَة من غَيره وَالْوَاجِب أَن يقدم أَكثر الْأَمريْنِ مصلحَة وأقلهما مفْسدَة وَلَا يجب على الْخَلِيفَة أَن يسْتَخْلف بعد مَوته فَقَالَ الْأَمر شُورَى بَين هَؤُلَاءِ السِّتَّة الَّذين توفّي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَنْهُم رَاض

стр. 352

وَأما مَا زعمت من ذكر سَالم مولى أبي حُذَيْفَة فمعلوم أَن الصَّحَابَة يعلمُونَ الْإِمَامَة فِي قُرَيْش كَمَا استفاضت بذلك السّنَن وَذَلِكَ مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ على الْأَنْصَار يَوْم السَّقِيفَة فَكيف يظنّ بعمر أَنه يُولى مولى فأبين يذهب عقلك بل من الْمُمكن أَنه كَانَ يوليه ولَايَة جزئية أَو يستشيره فَمن يُولى وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي يصلح لَهَا سَالم مولى أبي حُذَيْفَة فَإِن سالما كَانَ من خِيَار الصَّحَابَة وقولك جمع بَين الْفَاضِل والمفضول فَهَذَا عنْدك وَأما عِنْدهم فَكَانُوا متقاربين وَلِهَذَا كَانُوا فِي الشورى مترددين فَإِن قلت عَليّ هُوَ الْفَاضِل وَعُثْمَان الْمَفْضُول قيل لَك فَكيف أجمع الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار على تَقْدِيم مفضول وَقَالَ بعض الْعلمَاء من قدم عليا على عُثْمَان فقد أزرى بالمهاجرين وَالْأَنْصَار وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر قَالَ كُنَّا نفاضل على عهد النَّبِي ﷺ فَنَقُول أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان وَفِي لفظ ثمَّ نَدع أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فَلَا نفاضل بَينهم فَهَذَا ينْقل مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة على عهد نَبِيّهم وَظهر أثر ذَلِك فَإِنَّهُم بَايعُوا عُثْمَان من غير رَغْبَة وَلَا رهبة وَاتَّفَقُوا عَلَيْهَا وَكَانُوا كَمَا نعتهم الله (يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم) حَتَّى قَالَ ابْن مَسْعُود ولينا أعلانا ذَا فَوق وَلم نأل وَفِيهِمْ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَفِيهِمْ من النُّقَبَاء عبَادَة بن الصَّامِت وَأَمْثَاله وَفِيهِمْ مثل أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وكل من هَؤُلَاءِ وَمن غَيرهم لَو تكلم بِالْحَقِّ لم يكن هُنَاكَ عذر يسْقطهُ عَنهُ فقد كَانَ يتَكَلَّم من يتَكَلَّم مِنْهُم على عهد رَسُول الله ﷺ فِي ولَايَة من يُولى وَهُوَ مُسْتَحقّ للولاية وَلَا يحصل لَهُم ضَرَر وَتكلم طَلْحَة وَغَيره فِي ولَايَة عمر لما اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بكر وَتكلم أسيد بن حضير فِي ولَايَة أُسَامَة بن زيد على عهد النَّبِي ﷺ وَقد كَانُوا يكلمون عمر فِيمَن يوليه ويعزله وَعُثْمَان بعد ولَايَته وَقُوَّة شوكته وَكَثْرَة أنصاره وَظُهُور بني أُميَّة كَانُوا يكلمونه فِيمَن يوليه وَيُعْطِيه مِنْهُم وَمن غَيرهم ثمَّ فِي آخر الْأَمر لما

стр. 353

اشتكوا من بَعضهم عَزله وَلما اشتكوا من بعض من يَأْخُذ بعض المَال مَنعه فأجابهم إِلَى مَا طلبوه من عزل وَمنع من المَال وهم أَطْرَاف من النَّاس وَهُوَ فِي عزة ولَايَته فَكيف لَا يسمع كَلَام الصَّحَابَة أئمتهم وكبرائهم مَعَ عزتهم وقوتهم لَو تكلمُوا فِي ولَايَة عُثْمَان وَكَانَ فِي ولَايَته من الفتوحات والخيرات مَا لَا يُوصف وَمَا حصل مِنْهُ من تأمير أَقَاربه وإكثار جوائزهم فقد حصل بعده من غَيره من إِيثَار بَعْص النَّاس بِولَايَة أَو مَال مُضَافا إِلَى مَا جرى من الْفِتْنَة وَالصَّحَابَة مَا كَانُوا يسكتون كلهم على مضض أَلا تراهم تكلمُوا فِي عمر إِذْ اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بكر وَتَكَلَّمُوا مَعَ الصّديق وَقَالُوا مَاذَا تَقول لِرَبِّك إِذا وقدمت عَلَيْهِ وَقد وليت علينا عمر فظا غليظا فَقَالَ أبالله ترهبونني أَقُول وليت عَلَيْهِم خير أهلك قَالُوا هَذَا وَمن شَأْن النَّاس أَن يراعوا من ترشح للولاية فيحابونه خوفًا من أَن ينْتَقم بعد مِنْهُم فَكيف يحابون عُثْمَان وَهُوَ بعد مَا بِيَدِهِ أَمر فَدلَّ على أَنهم إِنَّمَا قدموه بإستحقاق وَهَذَا شَيْء إِذا تدبره الْخَبِير إزداد بِهِ بَصِيرَة وعلما فَأَما الْجَاهِل وَصَاحب الْهوى فقد أعمى الله قلبه واما من كَانَ عَالما بِمَا وَقع وَهُوَ مستحضر للأدلة عَالم بطريقة النّظر فَإِنَّهُ يقطع بِمَا بَيناهُ

стр. 354

ثمَّ قَالَ وَطعن فِي كل وَاحِد مِمَّن إختاره للشورى وَأظْهر أَنه يكره أَن يتقلد أَمر الْمُسلمين بعد مَوته ثمَّ تقلده بِأَن جعل الْإِمَامَة فِي سِتَّة فَيُقَال لم يطعن فيهم طعن من يرى غَيرهم أَحَق بِالْأَمر وَإِنَّمَا بَين عذره فِي عدم التَّعْيِين ثمَّ قَالَ فناقض وَجعلهَا فِي أَرْبَعَة ثمَّ فِي ثَلَاثَة ثمَّ فِي وَاحِد فَجعل إِلَى ابْن عَوْف الإختيار بعد أَن وَصفه بالضعف فَيُقَال يَنْبَغِي لمن احْتج بالمنقول أَن يُثبتهُ أَولا وَالثَّابِت فِي البُخَارِيّ لَيْسَ فِيهِ من هَذَا شَيْء بل فِيهِ مَا يدل على نقيض هَذَا وَأَن السِّتَّة هم الَّذين ردوا الْأَمر إِلَى الثَّلَاثَة ثمَّ الثَّلَاثَة جعلُوا الإختيار إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بلَى قَالَ عمر فَإِن أَصَابَت سَعْدا الْخلَافَة وَإِلَّا فليستعن بِهِ من ولى فَإِنِّي لم أعزله عَن عجز وَلَا خِيَانَة ثمَّ قَالَ أوصى الْخَلِيفَة من بعدِي بتقوى الله وأوصيه بالمهاجرين الْأَوَّلين

стр. 355

الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ أَن يعرف لَهُم حَقهم وَأَن يحفظ لَهُم حرمتهم وَذكر الحَدِيث وَكَانَ عمر فِي حَيَاته لَا يخَاف أحدا والرافضة تسميه فِرْعَوْن هَذِه الْأمة قَاتلهم الله فَإِذا كَانَ فِي حَيَاته لَا يخَاف أحدا فَكيف يخَاف من تَقْدِيم عُثْمَان لَو أَرَادَ أَن يقدمهُ عِنْد مَوته وَالنَّاس كلهم مطيعوه وَأي غَرَض يكون لعمر فِي عُثْمَان دون عَليّ فقد أخرج من الْأَمر ابْنه وَلم يدْخل سعيد بن زيد فِي أهل الشورى وَهُوَ أقرب النَّاس إِلَيْهِ فلأي شَيْء يحابي كَمَا افتريتم عَلَيْهِ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال وَفِي آخر سَاعَة من الدُّنْيَا وَقت يسلم فِيهِ الْكَافِر ويخشع فِيهِ الْفَاجِر فَلَو علم أَن لعَلي حَقًا دون غَيره بِنَصّ أَو بأولوية لقدمه تَوْبَة إِلَى الله أَو ابْتِغَاء رضوَان الله وَلَيْسَ فِي الْعَادة أَن الرجل يفعل عِنْد لِقَاء الله مَا يعلم أَنه يُعَاقب عَلَيْهِ مِمَّا لَا يَنْفَعهُ فِي دين وَلَا دنيا وَلَو قدر أَنه كَانَ عدوا مبغضا للرسول فَلَا ريب أَنه بِسَبَب النَّبِي ﷺ نَالَ من السَّعَادَة مَا نَالَ ثمَّ إِن عمر كَانَ من أذكى خلق الله تَعَالَى ودلايل النُّبُوَّة من اظهر الْأُمُور فَهُوَ يعلم أَنه إِن اسْتمرّ على معاداته يعذب فِي الْآخِرَة وَلَيْسَ لَهُ وَقت الْمَوْت غَرَض فِي ولَايَة عُثْمَان وَنَحْوه فَكيف استفرغ وَسعه فِي عَدَاوَة بَيت نَبِي الله وَابْن عَمه وَهُوَ الَّذِي لزم الْعَيْش الخشن وَالثَّوْب القطني وَالصَّبْر على الْعدْل وَعَن جمع الْأَمْوَال وعَلى مجافاة الْأَشْرَاف بِحَيْثُ أَنه قد تَركه الْحق وَمَا لَهُ من صديق ثمَّ نقُول على مَا زعمت لَوْلَا عَليّ لهلك عمر قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ مَا دَار الْفلك على شكل عمر وَصدق رَسُول الله ﷺ إِذْ يَقُول لعمر مَا لقيك الشَّيْطَان سالكا فجا إِلَّا سلك غير فجك وَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر أبين من الشَّمْس

стр. 356

وَمَا زَالَ بَنو هَاشم وَبَنُو أُميَّة متفقين فِي أَيَّام النَّبِي ﷺ وَفِي إمرة الشَّيْخَيْنِ حَتَّى إِن أَبَا سُفْيَان لما خرج من مَكَّة عَام الْفَتْح يكْشف الْخَبَر وَرَآهُ الْعَبَّاس أَخذه وأركبه خَلفه وأتى بِهِ النَّبِي ﷺ وَطلب من النَّبِي أَن يشرفه بِشَيْء لما قَالَ لَهُ إِن أَبَا سُفْيَان يحب الشّرف وكل هَذَا من محبَّة الْعَبَّاس لأبي سُفْيَان وَبني أُميَّة إِذْ القبيلان من بني عبد منَاف وَحَتَّى إِنَّه كَانَ بَين عَليّ وَبَين رجل من الْمُسلمين مُنَازعَة فِي حد فَخرج عُثْمَان فِي موكب فيهم مُعَاوِيَة ليقفوا على الْحَد فابتدر مُعَاوِيَة وَسَأَلَ عَن معلم من معالم الْحَد هَل كَانَ هَذَا على عهد عمر فَقَالُوا نعم فَقَالَ لَو كَانَ هَذَا ظلما لغيره عمر فانتصر مُعَاوِيَة لعَلي فِي تِلْكَ الْحُكُومَة وَلم يكن عَليّ حَاضرا بل كَانَ وَقد وكل ابْن جَعْفَر وَكَانَ عَليّ يَقُول إِن للخصومات قحما وَإِن الشَّيْطَان يحضرها وَكَانَ قد وكل عَنهُ عبد الله بن جَعْفَر فِي المحاكمة وَبِهَذَا احْتج الشَّافِعِي وَغير وَاحِد من الْفُقَهَاء على جَوَاز التَّوْكِيل فِي الْخُصُومَة بِدُونِ إختيار الْخصم كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأَصْحَاب أَحْمد وَأحد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أبي حنيفَة فَلَمَّا رجعُوا ذكرُوا ذَلِك لعَلي فَقَالَ أَتَدْرِي لم فعل ذَلِك مُعَاوِيَة فعل لأجل المنافية أَي لأجل أَنا جَمِيعًا من بني عبد منَاف وَكَانَت قد وَقعت حُكُومَة شاورني فِيهَا بعض قُضَاة الْقُضَاة وأحضر لي كتابا فِيهِ هَذِه الْحُكُومَة وَلم يعرفوا هَذِه اللَّفْظَة لَفْظَة المنافية فبينتها لَهُم وفسرت لَهُم مَعْنَاهَا وَالْمَقْصُود أَن بني عبد منَاف كَانُوا متفقين فِي أول الْأَمر على عهد النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر ثمَّ إِن عليا وَعُثْمَان إتفقا على رد الإختيار إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف من غير أَن يكره أَحدهمَا الآخر وقولك إِن عمر علم أَن عبد الرَّحْمَن لَا يعدل عَن أَخِيه وَابْن

стр. 357

عَمه فَهَذَا كذب بَارِد وَجَهل بِالنّسَبِ إِذْ عبد الرَّحْمَن لَيْسَ أَخا لعُثْمَان وَلَا ابْن عَم وَلَا هُوَ من قبيلته أصلا وَبَنُو زهرَة إِلَى بني هَاشم أميل فَإِنَّهُم أخوال النَّبِي ﷺ وَقد جَاءَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي سعد هَذَا خَالِي بلَى سعد زهري من قَبيلَة ابْن عَوْف فَهَلا آثره بهَا ثمَّ قلت إِنَّه أَمر بِضَرْب أَعْنَاقهم إِن تَأَخَّرُوا عَن الْبيعَة ثَلَاثَة أَيَّام قُلْنَا أَيْن النَّقْل الثَّابِت بِهَذَا إِنَّمَا الْمَعْرُوف أَنه أَمر الْأَنْصَار أَن لَا يفارقوهم حَتَّى يبايعوا وَاحِدًا مِنْهُم أَو كَانَ عمر يَأْمر بقتل سِتَّة هم عِنْده أفضل أهل الأَرْض ثمَّ كَيفَ يطيعه أنصار رَسُول الله ﷺ بعد مَوته فِي قَتلهمْ وَلَو أَمر بِقَتْلِهِم لذكر بعد مَوْتهمْ من يصلح لَهَا غَيرهم ثمَّ أَيْضا من الَّذِي يتَمَكَّن من قتل هَؤُلَاءِ الَّذين كل وَاحِد مِنْهُم سيد عشيرته فَأَنت قد رَأَيْت مَا جرى فِي الْوُجُود بقتل وَاحِد مِنْهُم وَهُوَ عُثْمَان ثمَّ لَو فَرضنَا أَن السِّتَّة لم يَقُول أحد مِنْهُم فَلم يجز قَتلهمْ بل وَلَا جَازَ قتل وَاحِد مِنْهُم وَإِنَّمَا يُولى غَيرهم وَلَا سمعنَا فِي الْعَالم أَن أحدا امْتنع من الْخلَافَة فَقتل فَتبين أَن هَذَا كذب ثمَّ الْعجب من الرافصة يَزْعمُونَ أَن السِّتَّة مستحقو الْقَتْل سوى عَليّ ثمَّ الْعجب أَنه يجابيهم بِالْولَايَةِ ثمَّ يَأْمر بِقَتْلِهِم وَكَذَا فَلْيَكُن الْجمع بَين الضدين ثمَّ قد تخلف سعد بن عبَادَة عَن بيعَة أبي بكر وَلم يضربوه وَلَا حبسوه فضلا عَن الْقَتْل وتربص عَليّ عَن الْبيعَة مُدَّة وَلم يقل لَهُ أَبُو بكر شَيْئا حَتَّى جَاءَ وَبَايَعَهُ وَلم يكرههُ أحد وَمَا زَالَ أَبُو بكر يُكرمهُ ويجله وَكَذَلِكَ عَامله عمر وَيَقُول أَبُو بكر أَيهَا النَّاس ارقبوا مُحَمَّدًا فِي أهل بَيته وَيذْهب أَبُو بكر وَحده إِلَى بَيت عَليّ وَعِنْده بَنو هَاشم فيذكر فَضلهمْ ويعترفون بإستحقاقه الْخلَافَة وَلَو أَرَادَ هُوَ أَو عمر إِيذَاء عَليّ فِي خِلَافَتهمَا لكانا أقدر على ذَلِك من صرف الْأَمر عَنهُ بعد موت النَّبِي ﷺ ولكنهما أتقى لله من ذَلِك فَهَؤُلَاءِ

стр. 358

الجهلة يَزْعمُونَ أَنَّهُمَا ظلماه فِي حَال كَانَ فِيهَا أقدر على دفع الظُّلم عَن نَفسه وَكَانَا أعجز عَن ظلمه لَو شاءاه فَهَلا ظلماه فِي قوتهما وَطَاعَة الْخلق لَهما كَمَا جرت عَادَة الْمُلُوك من الْفِعْل بِمن يخَافُونَ مِنْهُ وَلَو أَرَادَا ذَلِك لما عَجزا ولكان أسهل عَلَيْهِمَا من مَنعه إبتداء مَعَ وجود النَّص بزعمكم بل مَا زَالا يعاملانه بالجميل بِكُل طَرِيق وَلم يحفظ عَنهُ كلمة سوء فِي حَقّهمَا وَلَا تظلم مِنْهُمَا أبدا بل تَوَاتر عَنهُ محبتهما وإجلالهما ظَاهرا وَبَاطنا وَهَذَا أَمر مَعْرُوف عِنْد من يدْرِي الْأَمر وَيعرف الْأَخْبَار أما من رَجَعَ إِلَى الأكاذيب وبهتان الرافضة الَّذين هم أَجْهَل الْأمة بالمنقولات وَأبْعد النَّاس عَن معرفَة الْأَثر وأنقلهم للكذب المستحيل المتناقض الَّذِي لَا يروج إِلَّا على الْبَهَائِم كترويج قصاص الطرقية على الْعَوام وَأهل الْقرى والجبل وَأهل الْبَادِيَة فَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قَالَ وَأما عُثْمَان فَإِنَّهُ ولي من لَا يصلح حَتَّى ظهر من بَعضهم الْفسق والخيانة وَقسم الولايات بَين أَقَاربه وَعُوتِبَ فَلم يرجع وَاسْتعْمل الْوَلِيد بن عقبَة فصلى بِالنَّاسِ سَكرَان وَاسْتعْمل سعيد بن الْعَاصِ على الْكُوفَة فَظهر مِنْهُ مَا أدّى إِلَى إِخْرَاجه

стр. 359

مِنْهَا وَولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر فظلم وتشكوا

стр. 360

مِنْهُ فكاتبه سرا أَن يسْتَمر على ولَايَته وَأَن يقتل مُحَمَّد بن أبي

стр. 361

بكر وَولي مُعَاوِيَة الشَّام فأحدث من الْفِتَن مَا أحدث

стр. 362

وَولي عبد الله بن عَامر بن كريز الْبَصْرَة فَفعل من المناكر مَا فعل وَولي مَرْوَان وَدفع إِلَيْهِ خَاتمه فَحدث من ذَلِك قَتله وَكَانَ يُؤثر أَهله بالأموال الْكَثِيرَة حَتَّى دفع

стр. 363

إِلَى أَرْبَعَة زوجهم بَنَاته أَرْبَعمِائَة ألف دِينَار وَكَانَ ابْن مَسْعُود يطعن عَلَيْهِ وَيكفر وَلما حكم ضربه حَتَّى مَاتَ وَضرب عمارا حَتَّى صَار بِهِ فتق وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ عمار جلدَة بَين عَيْني تقتله الفئة الباغية لَا أنالهم الله شَفَاعَتِي وَكَانَ عمار يطعن عَلَيْهِ وطرد رَسُول الله ﷺ الحكم عَم عُثْمَان فآواه عُثْمَان إِلَى الْمَدِينَة وَنفي أَبَا ذَر إِلَى الربذَة وضربه مَعَ قَول النَّبِي ﷺ مَا أقلت الغبراء وَلَا أظلت الخضراء على ذِي لهجة أصدق من أبي ذَر وضيع الْحُدُود فَلم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَرَادَ

стр. 364

أَن لَا يحد الْوَلِيد على الْخمر حَتَّى حَده عَليّ وَقَالَ لَا يبطل حد الله وَأَنا حَاضر وَزَاد الْأَذَان يَوْم الْجُمُعَة وَهِي بِدعَة وَخَالفهُ الْمُسلمُونَ حَتَّى قتل وعابوا أَفعاله وَقَالُوا لَهُ غبت عَن بدر وهربت يَوْم أحد وَلم تشهد بيعَة الرضْوَان وَالْأَخْبَار فِي ذَلِك أَكثر من أَن تحصى

стр. 365

وَالْجَوَاب أَن نواب عَليّ قد خانوه وعصوه أَكثر مِمَّا خَان عُمَّال عُثْمَان لَهُ وعصوه وَذهب بَعضهم إِلَى مُعَاوِيَة وَقد ولي عَليّ ﵁ زِيَاد بن أبي سُفْيَان أَبَا عبيد الله بن زِيَاد قَاتل الْحُسَيْن وَولي الأشتر وَولي مُحَمَّد بن أبي بكر وَمُعَاوِيَة خير من هَؤُلَاءِ كلهم وَمن الْعجب أَن الشِّيعَة يُنكرُونَ على عُثْمَان مَا يدعونَ أَن عليا كَانَ أبلغ فِيهِ من عُثْمَان فَيَقُولُونَ إِن عُثْمَان ولي أَقَاربه من بني أُميَّة وَعلي ولي أَقَاربه من قبل أَبِيه وَأمه كَعبد الله وَعبيد الله ابْني عَمه الْعَبَّاس وَقثم بن الْعَبَّاس وثمامة ابْن الْعَبَّاس وَولي على مصر ربيبه مُحَمَّد بن أبي بكر الَّذِي رباه فِي حجره وَولد أُخْته أم هَانِيء ثمَّ إِن الإمامية تَدعِي أَن عليا نَص على أَوْلَاده فِي الْخلَافَة وَمن الْمَعْلُوم أَنه إِن كَانَ تَوْلِيَة الْأَقْرَبين مُنْكرا فتولية الْخلَافَة الْعُظْمَى أعظم من إِمَارَة بعض الْأَعْمَال وتولية الْأَوْلَاد أقرب إِلَى الْإِنْكَار من تَوْلِيَة بني الْعم وَإِذا دعى لعَلي الْعِصْمَة وَنَحْوهَا مِمَّا يقطع عَنهُ أَلْسِنَة الطاعنين كَانَ مَا يَدعِي لعُثْمَان من الإجتهاد الَّذِي يقطع أَلْسِنَة الطاعنين أقرب إِلَى الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَأما عُثْمَان فَلهُ أُسْوَة فِي إستعمال بني أُميَّة بِالنَّبِيِّ ﷺ فقد اسْتعْمل عتاب بن أسيد الْأمَوِي على مَكَّة وَأَبا سُفْيَان على نَجْرَان وَاسْتعْمل خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ حَتَّى إِنَّه اسْتعْمل الْوَلِيد بن عقبَة حَتَّى نزلت (إِن

стр. 366

جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ) الْآيَة فَيَقُول عُثْمَان أَنا لم أسْتَعْمل إِلَّا من اسْتَعْملهُ النَّبِي ﷺ وَمن جنسهم وَمن قبيلتهم وَكَذَلِكَ أَبُو بكر وَعمر بعده فقد ولى أَبُو بكر يزِيد بن أبي سُفْيَان بن حَرْب فِي فتوح الشَّام وَأقرهُ عمر ثمَّ ولي عمر بعده أَخَاهُ مُعَاوِيَة وَهَذَا النَّقْل عَن النَّبِي ﷺ فِي إستعمال هَؤُلَاءِ ثَابت مَشْهُور عَنهُ بل متواتر عِنْد أهل الْعلم فَكَانَ الإحتجاج على جَوَاز الإستعمال من بني أُميَّة بِالنَّصِّ الثَّابِت عَن النَّبِي ﷺ أظهر عِنْد كل عَاقل من دَعْوَى كَون الْخلَافَة فِي وَاحِد معِين من بني هَاشم بِالنَّصِّ لِأَن هَذَا كذب بإتفاق أهل الْعلم بِالنَّقْلِ وَذَاكَ صدق بإتفاق أهل الْعلم بِالنَّقْلِ وَأما بَنو هَاشم فَلم يسْتَعْمل النَّبِي ﷺ مِنْهُم إِلَّا عليا على الْيمن وجعفر على غَزْوَة مُؤْتَة مَعَ مَوْلَاهُ زيد وَابْن رَوَاحَة ثمَّ نَحن لَا ندعي أَن عُثْمَان مَعْصُوم بل لَهُ ذنُوب وخطايا يغفرها الله لَهُ وَقد بشره رَسُول الله ﷺ بِالْجنَّةِ على بلوى تصيبه والرافضة يغلو فِي الشَّخْص حَتَّى يَجْعَل ذنُوبه حَسَنَات ويعمد إِلَى الشَّخْص فينسى سوابقه الَّتِي وَجَبت لَهُ بهَا الْجنَّة ويعدد ذنُوبه وَهَذَا عين الظُّلم وَقد اتّفقت الْأمة على أَن الذُّنُوب تمحى بِالتَّوْبَةِ وَمَا يُمكن أحدا أَن يَقُول إِن عُثْمَان مَا تَابَ من ذنُوبه وَهنا آيَات وَأَحَادِيث دَالَّة على أَن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا وَأَن الصَّلَوَات تكفر وَغير ذَلِك فَإِن قيل إِذا كفرت الصَّلَوَات مَا بَينهَا فَأَي شَيْء تكفر الْجُمُعَة أَو رَمَضَان أَو صَوْم عَرَفَة أَو عَاشُورَاء وَبَعض النَّاس يُجيب عَن هَذَا بِأَنَّهُ يكْتب لَهُم دَرَجَات إِذا لم تَجِد مَا تكفره من السَّيِّئَات فَيُقَال أَولا الْعَمَل الَّذِي يمحو الله بِهِ الْخَطَايَا هُوَ المتقبل وَالله يَقُول (إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ) وَالنَّاس لَهُم فِي الْآيَة ثَلَاثَة أَقْوَال فالخوارج والمعتزلة يَقُولُونَ لَا يتَقَبَّل الله إِلَّا من اتَّقى الْكَبَائِر وَيَقُولُونَ صَاحب الْكَبَائِر لَا تقبل لَهُ حَسَنَة بِحَال والمرجئة يَقُولُونَ من

стр. 367

اتقِي الشّرك فَهُوَ من الْمُتَّقِينَ وَإِن عمل الْكَبَائِر وَترك الصَّلَاة وَالسَّلَف وَالْأَئِمَّة يَقُولُونَ لَا يتَقَبَّل الله إِلَّا مِمَّن اتَّقَاهُ فِي ذَلِك الْعَمَل فَفعله كَمَا أَمر بِهِ مخلصا قَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله (ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا) قَالَ أخلصه وأصوبه قَالَ فَإِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يتَقَبَّل وَإِذا كَانَ صَوَابا لم يكن خَالِصا لم يتَقَبَّل والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة وَفِي السّنَن عَن عمار عَن النَّبِي ﷺ إِن الرجل لينصرف من صلَاته وَلم يكْتب لَهُ إِلَّا نصفهَا إِلَّا ثلثهَا إِلَّا ربعهَا حَتَّى قَالَ إِلَّا عشرهَا وَقَالَ ابْن عَبَّاس لَيْسَ لَك من صَلَاتك إِلَّا مَا عقلت مِنْهَا وَكَذَلِكَ الْحَج وَالْجهَاد وَالصَّوْم فالمحو والتكفير يَقع بِمَا يتَقَبَّل والسعيد من أَكثر النَّاس من يكْتب لَهُ نصف صلَاته فيكفر بِمَا يقبل مِنْهَا وَمَا يقبل من الْجُمُعَة ورمضان والمحو يكون للصغائر تَارَة وَتارَة للكبائر بإعتبار الموازنة وَفِي حَدِيث صَاحب البطاقة أَنَّهَا ترجح بِكُل ذنُوبه فَهَذِهِ حَال من قَالَهَا بإخلاص وَصدق وعبودية وذل كَمَا قَالَهَا هَذَا الرجل وَإِلَّا فَأهل الْكَبَائِر الَّذين دخلُوا النَّار كلهم كَانُوا يَقُولُونَهَا وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة الْبَغي الَّتِي سقت الْكَلْب بموقها بِإِيمَان خَالص فغفر لَهَا وَمَا كل بغي سقت كَلْبا يغْفر لَهَا بذلك وَإِن الرجلَيْن ليكونان فِي الصَّلَاة وَبَين صلاتهما كَمَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب وَقَالَ ﷺ فِي أَصْحَابه لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه وَقَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش مَا سبقهمْ

стр. 368

الصّديق بِكَثْرَة صَلَاة وَلَا صِيَام وَلَكِن بِشَيْء وقر فِي قلبه وَفِي مُسلم عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي ﷺ أَنه رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ النُّجُوم أَمَنَة للسماء فَإِذا ذهبت النُّجُوم أَتَى السَّمَاء مَا توعد وَأَنا أَمَنَة لِأَصْحَابِي فَإِذا ذهبت أَتَى أَصْحَابِي مَا يوعدون وأصحابي أَمَنَة لأمتي فَإِذا ذهب أَصْحَابِي أَتَى أمتِي مَا يوعدون وَفِي الصَّحِيح قَالَ ﷺ ليَأْتِيَن على النَّاس زمَان يَغْزُو فِيهِ فِئَام من النَّاس فَيُقَال هَل فِيكُم من صحب النَّبِي ﷺ فَيُقَال نعم فَيفتح لَهُم ثمَّ يَأْتِي على النَّاس زمَان يَغْزُو فِيهِ فِئَام من النَّاس فَيُقَال هَل فِيكُم من رأى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَيَقُولُونَ نعم فَيفتح لَهُم وَالثَّلَاث الطَّبَقَات مُتَّفق عَلَيْهَا فِي جَمِيع الطّرق وَأما الطَّبَقَة الرَّابِعَة فمذكورة فِي بعض طرق الصَّحِيح وَقد ثَبت ثَنَاؤُهُ ﷺ على الْقُرُون الثَّلَاثَة فِي عدَّة أَحَادِيث وَالْمَقْصُود أَن فضل الْأَعْمَال لَيْسَ بِمُجَرَّد صورها بل بحقائقها فِي الْقُلُوب وَالنَّاس يتفاضلون فِي ذَلِك تفاضلا عَظِيما وَهَذَا مِمَّا يحْتَج بِهِ من رجح كل وَاحِد من الصَّحَابَة على كل وَاحِد مِمَّن بعدهمْ فَإِن الْعلمَاء متفقون على أَن جملَة الصَّحَابَة أفضل من جملَة التَّابِعين لَكِن هَل يفضل كل وَاحِد من الصَّحَابَة على كل وَاحِد مِمَّن بعدهمْ ويفضل مُعَاوِيَة على عمر بن عبد الْعَزِيز ذكر القَاضِي عِيَاض وَغَيره فِي ذَلِك قَوْلَيْنِ وَأَن الْأَكْثَر يفضلون كل وَاحِد من الصَّحَابَة وَهَذَا مأثور عَن ابْن الْمُبَارك وَأحمد بن حَنْبَل وَغَيرهمَا وَمن حجَّة هَؤُلَاءِ أَن أَعمال التَّابِعين وَإِن كَانَت أَكثر وَعدل عمر بن عبد الْعَزِيز أظهر من عدل مُعَاوِيَة وَهُوَ أزهد من مُعَاوِيَة لَكِن الْفَضَائِل عِنْد الله بحقائق الْإِيمَان الَّذِي فِي الْقُلُوب وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه قَالُوا فَنحْن قد نعلم أَن أَعمال بعض من بعدهمْ أَكثر من أَعمال بَعضهم لَكِن من أَيْن نعلم أَن مَا فِي قلبه من الْإِيمَان أعظم مِمَّا فِي قلب ذَلِك وَالنَّبِيّ ﷺ يخبر أَن جبل ذهب من التَّابِعين الَّذين أَسْلمُوا بعد الْحُدَيْبِيَة لَا يُسَاوِي نصف مدمن السَّابِقين وَمَعْلُوم فضل النَّفْع

стр. 369

المتعدى بعمر بن عبد الْعَزِيز أعْطى النَّاس حُقُوقهم وَعدل فيهم فَلَو قدر أَن الَّذِي أَعْطَاهُم ملكه وَقد تصدق بِهِ عَلَيْهِم لم يعدل ذَلِك مِمَّا أنفقهُ السَّابِقُونَ إِلَّا شَيْئا يَسِيرا وَأَيْنَ مثل جبل أحد ذَهَبا حَتَّى يُنْفِقهُ الْإِنْسَان وَهُوَ لَا يصير مثل نصف مد وَلِهَذَا يَقُول من يَقُول من السّلف غُبَار دخل فِي أنف مُعَاوِيَة مَعَ رَسُول الله ﷺ أفضل من عمل عمر بن عبد الْعَزِيز وَهَذِه الْمَسْأَلَة تحْتَاج إِلَى بسط وَتَحْقِيق لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه إِذْ الْمَقْصُود هُنَا أَن الله سُبْحَانَهُ مِمَّا يمحو بِهِ السَّيِّئَات الْحَسَنَات وأنة الْحَسَنَات تتفاضل بِحَسب مَا فِي قلب صَاحبهَا من الْإِيمَان وَالتَّقوى وَحِينَئِذٍ فَيعرف أَن من هُوَ دون الصَّحَابَة قد تكون لَهُ حَسَنَات تمحو مثل مَا يذم من أحدهم فَكيف الصَّحَابَة وَمن أَسبَاب التَّكْفِير الدُّعَاء لِلْمُؤمنِ وَالصَّلَاة عَلَيْهِ بعد مَوته والإستغفار لَهُ أَو إستغفار النَّبِي ﷺ لمُعين وَمن ذَلِك مَا يفعل بعد موت الْمُؤمن من إهداء عمل صَالح لَهُ كصدقة وَحج وَصَوْم فقد ثَبت فِي الحَدِيث وُصُول ذَلِك إِلَيْهِ وَهَذَا غير دُعَاء وَلَده فَإِن ذَلِك من عمله وَمن كَسبه وَمن ذَلِك مصائب الدُّنْيَا فَإِنَّهَا تكفر كَمَا تَوَاتَرَتْ بذلك النُّصُوص وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ سَأَلت رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي إثنتين وَمَنَعَنِي وَاحِدَة سَأَلته أَن لَا يهْلك أمتِي بِسنة عَامَّة فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلته أَن لَا يُسَلط عَلَيْهِم عدوا من غَيرهم فيجتاحهم فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلته أَن لَا يَجْعَل بأسهم بَينهم فَمَنَعَنِيهَا وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى (قل هُوَ الْقَادِر على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم) قَالَ النَّبِي ﷺ أعوذ بِوَجْهِك (أَو من تَحت أَرْجُلكُم) قَالَ النَّبِي ﷺ أعوذ بِوَجْهِك (أويلبسكم شيعًا وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض) قَالَ هَذَا أَهْون وأيسر فَهَذَا أَمر لَا بُد مِنْهُ للْأمة عُمُوما الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا أقل فتنا من سَائِر من بعدهمْ فَإِنَّهُ كلما تاخر الْعَصْر عَن

стр. 370

النُّبُوَّة كثر التَّفَرُّق وَالْخلاف وَلِهَذَا لم يحدث فِي خلَافَة عُثْمَان بِدعَة ظاعرة فَلَمَّا قتل وتفرق النَّاس حدثت بدعتان متقابلتان بِدعَة الْخَوَارِج المكفرين لعَلي وبدعة الرافضة المدعين لإمامته وعصمته أَو نبوته أَو إلاهيته ثمَّ لما كَانَ فِي آخر عصر الصَّحَابَة فِي إِمَارَة ابْن الزبير وَعبد الْملك حدثت بِدعَة المرجئة والقدرية ثمَّ لما كَانَ فِي أول عصر التَّابِعين فِي أَوَاخِر الْخلَافَة الأموية حدثت بِدعَة الْجَهْمِية والمشبهة الممثلة وَلم يكن عَليّ عهد الصَّحَابَة شَيْء من ذَلِك وَكَذَلِكَ فتن السَّيْف فَإِن النَّاس كَانُوا فِي ولَايَة مُعَاوِيَة ﵁ متفقين يغزون الْعَدو فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَة قتل الْحُسَيْن وحوصر ابْن الزبير بِمَكَّة ثمَّ جرت فتْنَة الْحرَّة بِالْمَدِينَةِ ثمَّ لما مَاتَ يزِيد جرت فتْنَة بِالشَّام بَين مَرْوَان وَالضَّحَّاك بمرج راهط ثمَّ وثب الْمُخْتَار على ابْن زِيَاد فَقتله وَجَرت فتْنَة ثمَّ جَاءَ مُصعب بن الزبير فَقتل الْمُخْتَار وَجَرت فتْنَة ثمَّ ذهب عبد الْملك إِلَى مُصعب فَقتله وَجَرت فتْنَة وَأرْسل الْحجَّاج إِلَى ابْن الزبير فحاصره مُدَّة ثمَّ قَتله وَجَرت فتْنَة ثمَّ لما تولى الْحجَّاج الْعرَاق خرج عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث مَعَ خلق عَظِيم من الْعرَاق وَكَانَت فتْنَة كَبِيرَة فَهَذَا كُله بعد موت مُعَاوِيَة ثمَّ جرت فتْنَة ابْن الْمُهلب بخراسان وَقتل زيد بن عَليّ بِالْكُوفَةِ وَقتل خلق كثير آخَرُونَ ثمَّ قَامَ أَبُو مُسلم وَغَيره بخراسان وَجَرت حروب وَفتن يطول وصفهَا فَلم يكن من مُلُوك الْمُسلمين ملك خيرا من مُعَاوِيَة وَلَا كَانَ النَّاس فِي زمَان ملك من الْمُلُوك خيرا مِنْهُم فِي زمن مُعَاوِيَة إِذا نسبت أَيَّامه إِلَى أَيَّام من بعده وَأما إِذا نسبت إِلَى أَيَّام أبي بكر وَعمر ظهر التَّفَاضُل وَمُعَاوِيَة على ذنُوبه لم يَأْتِ بعده مثله ملك فَعَن قَتَادَة قَالَ لَو أَصْبَحْتُم

стр. 371

فِي مثل عمل مُعَاوِيَة لقَالَ أَكْثَرَكُم هَذَا الْمهْدي وَقَالَ أَحْمد بن جواس حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة الْمكتب قَالَ كُنَّا عِنْد الْأَعْمَش فَذكرُوا عمر بن عبد الْعَزِيز وعدله فَقَالَ الْأَعْمَش فَكيف لَو أدركتم مُعَاوِيَة قَالُوا فِي حلمه قَالَ لَا وَالله بل فِي عدله وَقَالَ أَبُو أُسَامَة الثَّقَفِيّ حَدثنَا ثِقَة عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي أَنه ذكر مُعَاوِيَة فَقَالَ لَو أدركتموه لقلتم كَانَ الْمهْدي وروى أَبُو بكر بن عَيَّاش عَن أبي إِسْحَاق قَالَ مَا رَأَيْت بعده مثله يَعْنِي مُعَاوِيَة وَقَالَ الْبَغَوِيّ حَدثنَا سُوَيْد بن سعيد حَدثنَا ضمام بن إِسْمَاعِيل عَن أبي قيس قَالَ كَانَ مُعَاوِيَة قد جعل فِي كل قبيل رجلا وَكَانَ رجل منا يكنى أَبَا يحيى يصبح كل يَوْم فيدور على الْمجَالِس هَل ولد فِيكُم اللَّيْلَة ولد هَل حدث اللَّيْلَة حَادث هَل نزل بكم الْيَوْم نَازل قَالَ فَيَقُولُونَ نعم نزل رجل من أهل الْيمن بعياله يسمونه وَعِيَاله فَإِذا فرغ من الْقَبِيل كُله أَتَى الدِّيوَان فأوقع أَسْمَاءَهُم فِي الدِّيوَان وروى مُحَمَّد بن عَوْف الطَّائِي حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم عَن عَطِيَّة بن قيس قَالَ سَمِعت مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان يَخْطُبنَا يَقُول إِن فِي بَيت مالكم فضلا بعد أعطياتكم وَإِنِّي قاسمه بَيْنكُم فَإِن كَانَ يأتيكم فضل عَاما قَابلا قسمناه عَلَيْكُم وَإِلَّا فَلَا عتبَة عَليّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَالي وَإِنَّمَا هُوَ مَال الله الَّذِي أَفَاء عَلَيْكُم وفضائل مُعَاوِيَة فِي حسن السِّيرَة وَالْعدْل وَالْإِحْسَان كَثِيرَة وَفِي الصَّحِيح أَن رجلا قَالَ لإبن عَبَّاس هَل لَك فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ مُعَاوِيَة إِنَّه أوتر بِرَكْعَة قَالَ ابْن عَبَّاس أصَاب إِنَّه فَقِيه حَدثنَا سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن إِسْمَاعِيل بن عبيد الله بن أبي المُهَاجر عَن قيس بن الْحَارِث الصنَابحِي عَن أبي

стр. 372

الدَّرْدَاء قَالَ مَا رَأَيْت أحدا أشبه صَلَاة برَسُول الله ﷺ من إمامكم هَذَا يَعْنِي مُعَاوِيَة فَهَذِهِ شَهَادَة الصَّحَابَة بفقهه وَدينه وَالشَّاهِد بالفقه ابْن عَبَّاس وَبِحسن الصَّلَاة أَبُو الدَّرْدَاء وهما هما والْآثَار الْمُوَافقَة لهَذَا كَثِيرَة هَذَا وَمُعَاوِيَة لَيْسَ من السَّابِقين الْأَوَّلين بل قد قيل إِنَّه من مسلمة الْفَتْح وَقيل بل أسلم قبل ذَلِك وَكَانَ يعْتَرف أَنه لَيْسَ من فضلا الصَّحَابَة وَهَذَا سيرته فِي عُمُوم ولَايَته فَإِنَّهُ كَانَ فِي ولَايَته من خُرَاسَان إِلَى بِلَاد أفريقية بالمغرب وَمن قبرص إِلَى الْيمن وَمَعْلُوم بِإِجْمَاع الْمُسلمين أَنه لَيْسَ قَرِيبا من عُثْمَان وعَلى فضلا عَن أبي بكر وَعمر فَكيف يشبه غير الصَّحَابَة بهم وَهل تُوجد سيرة أحد من الْمُلُوك مثل سيرة مُعَاوِيَة وَجُمْهُور الصَّحَابَة وساداتهم تَأَخَّرُوا عَن الْفِتْنَة قَالَ أَيُّوب السجسْتانِي عَن ابْن سِيرِين قَالَ هَاجَتْ الْفِتْنَة وَأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ عشرَة آلَاف فَمَا خف لَهَا مِنْهُم مائَة بل لم يبلغُوا ثَلَاثِينَ فَهَذَا يَقُوله مُحَمَّد بن سِيرِين مَعَ ورعه الباهر فِي مَنْطِقه وَقَالَ مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن قَالَ الشّعبِيّ لم يشْهد الْجمل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ غير عَليّ وعمار وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر فَإِن جَاءُوا بخامس فَأَنا كَذَّاب كَأَنَّهُ عني من الْمُهَاجِرين السَّابِقين وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد حَدثنَا أبي حَدثنَا أُميَّة بن خَالِد قَالَ قيل لشعبة إِن أَبَا شيبَة روى عَن الحكم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ شهد صفّين من أهل بدر سَبْعُونَ رجلا قَالَ شُعْبَة كذب وَالله ذاكرنا الحكم مَا وجدنَا شهد صفّين من أهل بدر غير خُزَيْمَة بن ثَابت قلت هَذَا النَّفْي يدل على قلَّة من حضرها وَمن أَسبَاب النجَاة من النَّار مَا يبتلى بِهِ العَبْد فِي قَبره من الضغطة وسؤال مُنكر وَنَكِير وَمن أهوال الْموقف وكربه وَمن ذَلِك مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن الْمُؤمنِينَ إِذا

стр. 373

عبروا الصِّرَاط وقفُوا على قنطرة بَين الْجنَّة وَالنَّار فيقتص بَعضهم من بعض فَإِذا هذبوا ونقوا أذن لَهُم فِي دُخُول الْجنَّة فَهَذِهِ الْأُمُور لَا تفوت كلهَا من الْمُسلمين إِلَّا الْأَقَل فَمَا الظَّن بالصحابة الَّذين هم خير الْقُرُون وَصَحَّ أَن رجلا نَالَ من عُثْمَان عِنْد ابْن عمر وَقَالَ إِنَّه فر يَوْم أحد فَقَالَ ابْن عمر فقد عَفا الله عَنهُ قَالَ وَلم يشْهد بَدْرًا قَالَ إِن النَّبِي ﷺ اسْتَخْلَفَهُ على بنته وَضرب لَهُ بِسَهْم قَالَ فَمَا شهد بيعَة الرضْوَان فَقَالَ إِنَّمَا كَانَت الْبيعَة بِسَبَب عُثْمَان وَقد بَايع النَّبِي ﷺ عَنهُ بِيَدِهِ وَيَد النَّبِي ﷺ خير من يَد عُثْمَان فعامة مَا يعاب بِهِ الصَّحَابَة إِمَّا تعنت كَهَذا وَهُوَ مَعْفُو عَنهُ وَكثير من ذَلِك مَكْذُوب عَلَيْهِم وَقَوْلهمْ اسْتعْمل من لَا يصلح قُلْنَا كَانَ مُجْتَهدا فَأَخْطَأَ ظَنّه وَالله يغْفر لَهُ وَقد كَانَ عبد الله بن سعد ارْتَدَّ ثمَّ جَاءَ مُسلما فَقبل النَّبِي ﷺ ذَلِك مِنْهُ بعد أَن كَانَ أهْدر دَمه وَعلي تبين لَهُ من عماله مَا لم يَظُنّهُ فيهم ثمَّ إِن عُثْمَان لما علم أَن الْوَلِيد سكر طلبه وَحده وَقَوْلهمْ قسم المَال فِي أَقَاربه قُلْنَا هَذَا غَايَته أَن يكون ذَنبا لَا يُعَاقب عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة فَكيف إِذا كَانَ من موارد الإجتهاد لَعَلَّه اجْتهد فَإِن النَّاس تنازعوا فِيمَا

стр. 374

كَانَ للنَّبِي ﷺ فِي حَيَاته هَل يسْتَحقّهُ ولي الْأَمر بعده على قَوْلَيْنِ وَكَذَلِكَ تنازعوا فِي ولي الْيَتِيم هَل لَهُ أَن يَأْخُذ من مَال الْيَتِيم إِذا كَانَ غَنِيا أجرته مَعَ غناهُ وَالتّرْك أفضل أَو التّرْك وَاجِب على قَوْلَيْنِ وَمن جوز الْأَخْذ من مَال الْيَتِيم مَعَ الْغنى جوزه لِلْعَامِلِ على بَيت مَال الْمُسلمين وَجوزهُ للْقَاضِي وَغَيره من الْوُلَاة وَمن قَالَ لَا يجوز ذَلِك من مَال الْيَتِيم فَمنهمْ من يجوزه من مَال بَيت المَال كَمَا يجوز لِلْعَامِلِ على الزَّكَاة الْأَخْذ مَعَ الْغنى فَإِن الْعَامِل على الزَّكَاة يجوز لَهُ أَخذ جعالته مَعَ غناهُ وَولي الْيَتِيم قد قَالَ تَعَالَى فِيهِ (وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ) وَأَيْضًا فقد ذهب بعض الْفُقَهَاء إِلَى أَن سهم ذَوي الْقُرْبَى هُوَ لقرابة الإِمَام كَمَا قَالَه الْحسن وَأَبُو ثَوْر وَأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُعْطي أَقَاربه بِحكم الْولَايَة وَسقط حق ذَوي قرباه بِمَوْتِهِ كَمَا يَقُول ذَلِك كثير من الْعلمَاء كَأبي حنيفَة وَغَيره ثمَّ لما سقط حَقه بِمَوْتِهِ فحقه السَّاقِط قيل إِنَّه يصرف فِي الكراع وَالسِّلَاح والمصالح كَمَا كَانَ يفعل أَبُو بكر وَعمر وَقيل إِن هَذَا مِمَّا تَأَوَّلَه عُثْمَان وَنقل عَن عُثْمَان ﵁ نَفسه أَنه ذكر هَذَا وَأَنه يَأْخُذ بِعَمَلِهِ وَأَن ذَلِك جَائِز وَإِن كَانَ مَا فعله أَبُو بكر وَعمر أفضل فَكَانَ لَهُ الْأَخْذ بِهَذَا وَهَذَا وَكَانَ يُعْطي أقرباءه مِمَّا يخْتَص بِهِ فَكَانَ يعطيهم لكَوْنهم ذَوي قربى الإِمَام على قَول من

стр. 375

يَقُول ذَلِك وَبِالْجُمْلَةِ فعامة من تولى الْأَمر بعد عمر كَانَ يخص بعض أَقَاربه إِمَّا بِولَايَة وَإِمَّا بِمَال وَعلي ولي أَقَاربه أَيْضا وَأما قيام أهل الْكُوفَة على سعيد بن الْعَاصِ حَتَّى أَخْرجُوهُ مِنْهَا فَلَا يدل على ذَنْب وَلَا بُد فَإِن الْقَوْم كَانُوا أعنت شَيْء لأمرائهم حَتَّى قَامُوا على سعيد ونقلوه وَأَيْنَ مثله وَأما قَوْلك كَاتب ابْن أبي سرح سرا أَن يسْتَمر على ولَايَته خلاف مَا كتب بِهِ من عَزله فَيُقَال هَذَا كذب فقد حلف عُثْمَان أَنه لم يكْتب ذَلِك وَهُوَ الصَّادِق بل قيل إِن مَرْوَان كتب بِغَيْر علمه وَأَنَّهُمْ طلبُوا مَرْوَان ليقتلوه فَامْتنعَ فَإِن كَانَ قتل مَرْوَان لَا يجوز فقد أصَاب وَإِن كَانَ يجوز وَلَا يجب فقد فعل الْجَائِز وَإِن كَانَ قَتله وَاجِبا فقد اجْتهد وَلم يثبت مَا يجب بِهِ قتل مَرْوَان وهب أَن هَذَا من ذنُوب عُثْمَان فَمَا ادعينا عصمته وَله سوابق وَهُوَ من الْبَدْرِيِّينَ المغفور لَهُم وَأما قَوْلك أَمر بقتل مُحَمَّد بن أبي بكر فَهَذَا إفتراء وَمن عرف سيرته وأحواله عرف بطلَان هَذَا فقد سعوا فِي قَتله وَهُوَ كَاف عَنْهُم بِكُل حَال فَكيف يبتديء بقتل مَعْصُوم وَإِن ثَبت أَنه أَمر بقتْله فلمصلحة رَآهَا من دفع شَره

стр. 376

وَأما مُعَاوِيَة فَإِنَّمَا ولاه الشَّام وَاسْتمرّ عَلَيْهَا إِلَى أَن سلم إِلَيْهِ الْحسن الْخلَافَة وَكَانَ محببا فِي رَعيته لحلمه وَكَرمه وخبرته بالأمور وَهُوَ خير من الأشتر النَّخعِيّ وَمن مُحَمَّد ابْن أبي بكر وَمن عبيد الله بن عمر وَمن أبي الْأَعْوَر السّلمِيّ وَمن بشر بن أَرْطَاة وَأما ابْن مَسْعُود فَإِنَّهُ بَقِي فِي نَفسه عَلَيْهِ لأجل الْمَصَاحِف إِذْ فوض كتَابَتهَا إِلَى زيد ابْن ثَابت دونه وَجُمْهُور الصَّحَابَة كَانُوا مَعَ عُثْمَان وَكَانَ زيد أحفظ للعرضة الْأَخِيرَة

стр. 377

من غَيره وَقد انتدبه قبل عُثْمَان أَبُو بكر وَعمر لجمع الْمُصحف فِي الصُّحُف وَأَيْضًا فَكَانَ ابْن مَسْعُود أنكر على الْوَلِيد بن عقبَة لما شرب الْخمر ثمَّ قدم ابْن مَسْعُود الْمَدِينَة بعد وحادثة عُثْمَان لم تتفق وَعرض عَلَيْهِ عُثْمَان التَّزْوِيج ثمَّ نقُول بِتَقْدِير أَن يكون ابْن مَسْعُود طعن على عُثْمَان فَلَيْسَ جعل ذَلِك قدحا فِي عُثْمَان بِأولى من جعله قدحا فِي ابْن مَسْعُود بل كل مِنْهُمَا مُجْتَهد وهما بدريان كبيران مغْفُور لَهما والكف عَمَّا شجر بَين السَّابِقين أولى كَمَا قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز تِلْكَ دِمَاء طهر الله يَدي مِنْهَا فأكره أَن أخضب بهَا لساني وَنقل عَن عمار قَالَ لقد كفر عُثْمَان كفرة صلعاء وَأَن الْحسن بن عَليّ أنكر ذَلِك على عمار وَكَذَلِكَ نقل عَن عَليّ أَنه قَالَ يَا عمار أتكفر بِرَبّ آمن بِهِ عُثْمَان وَقد علمنَا أَن الرجل الْمُؤمن الْوَلِيّ قد يكفر الرجل الْمُؤمن الْوَلِيّ فيخطيء بذلك وَلَا يقْدَح هَذَا فِي إِيمَان وَاحِد مِنْهُمَا فقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن أسيد بن حضير قَالَ لسعد بن عبَادَة بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ إِنَّك مُنَافِق تجَادل عَن الْمُنَافِقين وَثَبت أَن عمر قَالَ لحاطب دَعْنِي يَا رَسُول الله أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق فَقَالَ إِنَّه شهد بَدْرًا وَأما قَوْلك ضرب ابْن مَسْعُود حَتَّى مَاتَ فَهَذَا من أسمج الْكَذِب الْمَعْلُوم وَقيل إِن عُثْمَان ضرب عمارا وَابْن مَسْعُود فَإِن صَحَّ فَهُوَ إِمَام لَهُ أَن يعزز بإجتهاده أصَاب أَو أَخطَأ وَقد ضرب عمر أَبَيَا بِالدرةِ لما رأى النَّاس يَمْشُونَ خَلفه وَقَالَ فتْنَة للمتبوع ومذلة للتابع وَقد شهد عمار أَن عَائِشَة زَوْجَة نَبِي الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ وَلَكِن الله ابتلاكم بهَا لينْظر إِيَّاه تطيعون أم إِيَّاهَا فَمَعَ حض عمار النَّاس على قتالها لمصْلحَة شهد

стр. 378

لَهَا بِالْجنَّةِ وَأما عمار فصح أَنه ﷺ قَالَ تقتلك الفئة الباغية وَبَاقِي ذَلِك كذب مزِيد فِي الحَدِيث وَأما قَوْلك وطرد رَسُول الله الحكم وَابْنه من الْمَدِينَة فَنَقُول كَانَ لمروان سبع سِنِين أَو أقل فَكَمَا كَانَ لَهُ ذَنْب يطرد عَلَيْهِ ثمَّ لم نَعْرِف أَن أَبَاهُ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة حَتَّى يطرد مِنْهَا فَإِن الطُّلَقَاء لَيْسَ فيهم من هَاجر فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلما قدم صَفْوَان بن أُميَّة مُهَاجرا أمره النَّبِي ﷺ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَكَّة وقصة طرد الحكم لَيْسَ لَهَا إِسْنَاد نَعْرِف بِهِ صِحَّتهَا فَإِن كَانَ قد طرده فَإِنَّمَا طرده من مَكَّة لَا من الْمَدِينَة وَلَو طرده من الْمَدِينَة لَكَانَ يُرْسِلهُ إِلَى مَكَّة وَقَالَ طعن كثير من أهل الْعلم فِي نَفْيه وَقَالُوا هُوَ ذهب بإختياره والطرد هُوَ النَّفْي وَالنَّفْي قد جَاءَت بِهِ السّنة فِي الزَّانِي وَفِي المخنثين وَكَانُوا يعزرون بِالنَّفْيِ وَإِذا كَانَ النَّبِي ﷺ قد عزّر رجلا بِالنَّفْيِ لم يلْزم أَن يبْقى منفيا طول الزَّمَان فَإِن هَذَا لَا يعرف فِي شَيْء من الذُّنُوب وَلم تأت الشَّرِيعَة بذنب يبْقى صَاحبه منفيا دَائِما بل غَايَة النَّفْي الْمُقدر سنة وَالزَّانِي وَلَو كَانَ صحابيا مُجَاهدًا فيعزر بِالنَّفْيِ سنة وَيعلم قطعا أَن عُثْمَان مَا أذن للْحكم فِي إتْيَان الْمَدِينَة مَعْصِيّة للرسول وَلَا مراغمة لِلْإِسْلَامِ بل رأى أَنه قد صلح حَاله فَلَعَلَّ هَذَا خطأ من الإجتهاد أَو صَوَاب

стр. 379

وَكَانَ مَرْوَان على هناته مُسلما ظَاهرا وَبَاطنا يقْرَأ الْقُرْآن ويتفقه فَلَا ذَنْب لعُثْمَان فِي إتخاذه كَاتبا ثمَّ بَدَت مِنْهُ أُمُور وَأما أَبُو ذَر فَثَبت عَن عبد الله بن الصَّامِت قَالَ قَالَت أم ذَر وَالله مَا سير عُثْمَان أَبَا ذَر إِلَى الربذَة وَلَكِن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ إِذا بلغ الْبناء سلعا فَأخْرج مِنْهَا وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ معَاذ الله أَن يكون أخرجه عُثْمَان وَلَا ريب أَن أَبَا ذَر كَانَ صَالحا زاهدا وَكَانَ مذْهبه بذل مَا فضل عَن الْحَاجة وَأَن إِمْسَاكه كنز يكوى بِهِ صَاحبه وَيَتْلُو (وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون) وَيذكر قَول النَّبِي ﷺ يَا أَبَا ذَر مَا أحب أم أحدا ذَهَبا يمْضِي عَليّ ثَالِثَة وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار وَقَوله الْأَكْثَرُونَ هم الأقلون يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا من قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَلما توفّي عبد الرَّحْمَن بن عَوْف

стр. 380

وَحلف مَالا عد ذَلِك أَبُو ذَر من الْكَنْز الَّذِي يُعَاقب عَلَيْهِ وَعُثْمَان يناظره فِي ذَلِك حَتَّى دخل كَعْب فَوَافَقَ عُثْمَان فَضَربهُ أَبُو ذَر وَكَانَ قد وَقع بَينه وَبَين مُعَاوِيَة بِالشَّام أَيْضا بِهَذَا السَّبَب وَأما سَائِر الْأمة فعلى خلاف رأى أبي ذَر وَقَالُوا الْكَنْز مَا لم يزك وَقد قسم الله الْمَوَارِيث فِي كِتَابه وَلَا يكون الْمِيرَاث إِلَّا لمن خلف مَالا وَقد كَانَ خلق من الصَّحَابَة لَهُم مَال على عهد النَّبِي ﷺ وَمَا أنكر عَلَيْهِم وَكَانَ جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء لَهُم المَال وَتوسع أَبُو ذَر فِي الْإِنْكَار حَتَّى نَهَاهُم عَن الْمُبَاح ثمَّ اعتزلهم وَكَانَ مُؤمنا فِيهِ ضعف كَمَا قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ إِنِّي أَرَاك ضَعِيفا وَإِنِّي أحب لَك مَا أحب لنَفْسي لَا تأمرن على إثنين وَلَا تولين على مَال يَتِيم وَقَالَ أَيْضا الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف وَفِي كل خير فَأهل الشورى أقوياء بِالنِّسْبَةِ إِلَى أبي ذَر وهم أفضل مِنْهُ وَأما قَوْلك ضيع الْحُدُود فَلم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان مولى عَليّ قُلْنَا هَذَا كذب لم يكن مولى عَليّ وَإِنَّمَا أسره الْمُسلمُونَ فَمن عَلَيْهِ عمر وَأعْتقهُ وَأسلم وَلَا سعى لعَلي فِي رقّه وَلَا فِي عتقه وَذكر لِعبيد الله بن عمر أَنه رؤى عِنْد الهرمزان حِين قتل وَكَانَ الهرمزان مِمَّن اتهمَ بالمعاونة على قتل عمر وَهَذَا ابْن عَبَّاس يَقُول لعمر

стр. 381

إِذْ قَالَ لَهُ كنت أَنْت وَأَبُوك تحبان أَن تكتر العلوج بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ أنقتلهم قَالَ كذبت أبعد أَن تكلمُوا بلسانكم وصلوا إِلَى قبلتكم فَهَذَا ابْن عَبَّاس مَعَ فقهه يسْتَأْذن عمر فِي قتل العلوج لما اتهموهم بِالْفَسَادِ فَكيف لَا يعْتَقد عبيد الله جَوَاز قتل الهرمزان فَلَمَّا قَتله وبويع عُثْمَان اسْتَشَارَ النَّاس فِي قَتله فَأَشَارَ عَلَيْهِ عدَّة فِي أَن لَا يقْتله وَقَالُوا قتل أَبوهُ بالْأَمْس وَيقتل هُوَ الْيَوْم فَيكون فِي هَذَا فَسَاد وَكَأَنَّهُم وَقعت لَهُم شُبْهَة فِي عصمَة الهرمزان وَلَو قدر أَنه مَعْصُوم الدَّم وَلَكِن الْقَاتِل اعْتقد حل قَتله لشُبْهَة صَارَت تدرأ الْقَتْل عَن الْقَاتِل كَمَا أَن أُسَامَة لما قتل ذَلِك الرجل بعد مَا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله عزره الرَّسُول بالْقَوْل وَلم يقْتله بِهِ وَأَيْضًا فَإِن هَذَا والهرمزان لم يكن لَهما من يُطَالب بِالدَّمِ وَلَكِن الإِمَام ولي الدَّم فَلهُ الْقَتْل أَو الْعَفو وَالدية فَعَفَا عُثْمَان وَترك الدِّيَة لآل عمر وَإِذا حقن عُثْمَان دَمه فَلَا يُبَاح بِحَال

стр. 382

وَمن الْعجب أَن دم الهرمزان الْمُتَّهم تُقَام فِيهِ الْقِيَامَة وَدم عُثْمَان وَهُوَ إِمَام الْمُسلمين الْمَقْتُول صبرا لَا حُرْمَة لَهُ وَقد جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ ثَلَاث من نجا مِنْهُنَّ فقد نجا موتى وَقتل خَليفَة مضطهد بِغَيْر حق والدجال رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأما الْوَلِيد فَإِنَّمَا حَده عَليّ بِأَمْر عُثْمَان كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح وَقَول الْقَائِل أَن عليا قَالَ لَا يبطل حد الله وَأَنا حَاضر فَمن الْكَذِب ثمَّ أَنْتُم تدعون أَن الْحُدُود مَا زَالَت تبطل وَعلي حَاضر وَهُوَ يسكت تقية وخوفا حَتَّى فِي ولَايَته تدعون أَنه يدع الْحُدُود تقية وَيتْرك القَوْل بِالْحَقِّ تقية فَإِن كَانَ قَالَ هَذَا بِحَضْرَة عُثْمَان فَمَا قَالَه إِلَّا لعلمه بِأَن عُثْمَان وأعوانه يوافقونه على إِقَامَة الْحُدُود وَلَو كَانَ يتقيهم لما قَالَ هَذَا وقولك زَاد الْأَذَان وَهُوَ بِدعَة قُلْنَا فعلي مِمَّن وَافق على ذَلِك فِي خِلَافَته وَلم يزله وَإِبْطَال هَذَا كَانَ أَهْون عَلَيْهِ من عزل مُعَاوِيَة وَغَيره وَمن قِتَالهمْ فَإِن قيل إِن النَّاس لَا يوافقونه على إِزَالَة الْأَذَان قُلْنَا فَهَذَا دَلِيل على أَن النَّاس وافقوا عُثْمَان على الإستحباب حَتَّى مثل عمار وَسَهل بن حنيف والسابقين وَإِن اخْتلفُوا فَهِيَ من مسَائِل الإجتهاد وَإِن قيل هِيَ بِدعَة قيل وقتال أهل الْقبْلَة بِدعَة لم تكن قبل وَأَنْتُم فقد زدتم فِي الْأَذَان بِدعَة لم يَأْذَن بهَا الرَّسُول وَهِي حَيّ على خير الْعَمَل غَايَة مَا يُقَال إِن صَحَّ النَّقْل إِن ابْن عمر رُبمَا قَالَ ذَلِك أَحْيَانًا كَمَا كَانَ بَعضهم يَقُول بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة حَيّ على خير الْعَمَل الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح وَهَذَا يُسمى نِدَاء الْأُمَرَاء وَكَرِهَهُ أَكثر الْعلمَاء وَأما قَوْلك وَخَالفهُ الْمُسلمُونَ كلهم حَتَّى قتل فَإِن أردْت أَنهم خالفوه خلافًا يُبِيح دَمه فَهَذَا كذب وزور فَإِنَّهُ مَا قَتله إِلَّا شرذمة ظالمة باغية وَلم يرض بِهِ السَّابِقُونَ

стр. 383

قَالَ ابْن الزبير لعنت قتلة عُثْمَان خَرجُوا عَلَيْهِ كاللصوص من وَرَاء الْقرْيَة فَقَتلهُمْ الله كل قتلة وَنَجَا من نجا مِنْهُم تَحت بطُون الْكَوَاكِب يَعْنِي هُوَ هربوا لَيْلًا وَأكْثر الْمُسلمين كَانُوا غائبين وَأكْثر أهل الْمَدِينَة الْحَاضِرين لم يَكُونُوا يعلمُونَ أَنهم يُرِيدُونَ قَتله حَتَّى قَتَلُوهُ وَأَيْضًا فَمَا خَالفه كل الْمُسلمين بل كثير مِنْهُم وَافقه فَمَا من شَيْء أنكر عَلَيْهِ إِلَّا وَقد وَافقه عَلَيْهِ كثير من الْمُسلمين بل من عُلَمَائهمْ الَّذين لَا يتهمون بمداهنة وَالَّذين وافقوا عُثْمَان على مَا أنكر عَلَيْهِ أَكثر وَأفضل ن المسملين الَّذين وافقوا عليا على مَا أنكر عَلَيْهِ إِمَّا فِي كل الْأُمُور أَو فِي غالبها وقولك وَقَالُوا لَهُ غبت عَن بدر وهربت يَوْم أحد وَلم تشهد بيعَة الرضْوَان قُلْنَا هَذَا مَا قَالَه إِلَّا جهلة الرافضة مِمَّن قَاتله وَقد أجابهم عُثْمَان وَابْن عمر بِأَنَّهُ غَابَ يَوْم بدر بِأَمْر الرَّسُول ليمرض بنته وَيَوْم الْحُدَيْبِيَة فَإِن النَّبِي ﷺ بَعثه رَسُولا إِلَى مَكَّة فَبَلغهُ أَنهم قَتَلُوهُ فَبَايع أَصْحَابه على الْمَوْت وَقَالَ تَعَالَى فِي الَّذين توَلّوا يَوْم أحد (ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم وَلَقَد عَفا عَنْكُم وَالله ذُو فضل على الْمُؤمنِينَ) (وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم إِنَّه غَفُور حَلِيم) وَأما قَوْلك إِنَّه ﷺ قَالَ جهزوا جيس أُسَامَة لعن الله من تخلف عَنهُ فَهَذَا كذب وَسُبْحَان من جعل الرافضة أقبل شَيْء للكذب وأرد شَيْء للصدق بل أُسَامَة الَّذِي توقف وَقَالَ كَيفَ أذهب وَأَنت هَكَذَا أسأَل عَنْك الركْبَان فَأذن لَهُ فِي التَّخَلُّف ثمَّ ذهب جَمِيعهم مَعَه بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ فَلَو عزم على أُسَامَة فِي الْمسير لبادر هُوَ والجيش مَعَه وقولك أول خلاف كَانَ فِي الْإِسْلَام الْإِمَامَة قُلْنَا لم يَخْتَلِفُوا وَللَّه الْحَمد وَأَجْمعُوا

стр. 384

على خلَافَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان إِجْمَاعًا لم يتهيأ مثله لعَلي فَإِنَّهُ اسْتشْهد وَأهل الشَّام لم يبايعوه قطّ وَمَعَ هَذَا فقد سبّ بعض شيعته أهل الشَّام بِحَضْرَتِهِ فَنَهَاهُ عَليّ وَقَالَ لَا تسبوهم فَإِن فيهم الأبدال وَقَالَ مرّة أُخْرَى إِخْوَاننَا بغوا علينا وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة فأصلحوا بَين أخويكم﴾ وَبِالْجُمْلَةِ خلَافَة عَليّ حق وَهُوَ إِمَام رَاشد وَإِن تَأَخّر عَن بيعَته طَائِفَة كَبِيرَة فَإِنَّمَا الإعتبار بجمهور أهل الْحل وَالْعقد قَالَ وَالْخلاف الْخَامِس فِي فدك والتوارث وَرووا عَن النَّبِي ﷺ لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة قُلْنَا هَذَا إختلاف أَيْضا فِي مَسْأَلَة شَرْعِيَّة وَقد زَالَ الإختلاف فِيهَا وَالْخلاف فِيهَا دون الْخلاف فِي مِيرَاث الْإِخْوَة مَعَ الْجد وَالْعم والحمارية وميراث الْجدّة مَعَ ابْنهَا وحجب الْأُم الْأَخَوَيْنِ وَجعل الْجد مَعَ الْأُم كَالْأَبِ وَنَحْو ذَلِك فاختلافهم فِي هَذِه الْمسَائِل أعظم لوجوه أَحدهَا أَنهم تنازعوا فِي ذَلِك ثمَّ لم يتفقوا لأَنهم مَا روى لَهُم فِيهَا من النُّصُوص مثل مَا روى لَهُم فِي أَن النَّبِي لَا يُورث وَأَيْضًا فَإِن الْخلاف فِي هَذَا لَا يتَكَرَّر بل هِيَ قَضِيَّة وَاحِدَة وَفِي مَال قَلِيل وَقد أَعْطَاهُم أَبُو بكر وَعمر من مَال الله بِقدر الْمِيرَاث مَرَّات وَإِنَّمَا يهول هَذِه الْقَضِيَّة أهل الْجَهْل وَالشَّر فقد اسْتخْلف عَليّ بعد ذَلِك وَصَارَت فدك وَغَيرهَا تَحت حكمه وَمَا أَعْطَاهَا أَوْلَاد فَاطِمَة وَلَا قسم تَركه النَّبِي ﷺ بَين الْوَرَثَة فَهَلا أَزَال هَذِه الْمظْلمَة على رَأْيكُمْ قَالَ وَالْخلاف السَّادِس فِي قتال مانعي الزَّكَاة قَاتلهم أَبُو بكر واجتهد عمر فِي خِلَافَته فَرد السبايا وَالْأَمْوَال إِلَيْهِم واطلق المحبوسين قُلْنَا هَذَا من الْكَذِب الْبَين فَإِن أَبَا بكر وَعمر اتفقَا على قِتَالهمْ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ واحتجا بقوله ﷺ أمرت أَن

стр. 385

أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابهم على الله وَقَالَ أَبُو بكر من حَقّهَا الزَّكَاة فَقَاتلهُمْ بموافقة سَائِر الصَّحَابَة لَهُ ثمَّ أقرّ أُولَئِكَ بِالزَّكَاةِ بعد وَمَا سبي لَهُم ذُرِّيَّة وَلَا حبس مِنْهُم أحدا وَلَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ حبس فِي عهد أبي بكر فَكيف يَمُوت وهم فِي حَبسه ثمَّ قَالَ فِي الْخلاف السَّابِع فِي تنصيص أبي بكر على عمر بالخلافة فَمن النَّاس من قَالَ وليت علينا فظا غليظا فَيُقَال إِن جعل مثل هَذَا خلافًا من أبرد الْأَشْيَاء وأدلها على جهل الْمُتَكَلّم وهواه فقد طعن بعض الصَّحَابَة فِي تأمير أُسَامَة وَأَبِيهِ فَكَانَ مَاذَا ثمَّ إِن الْمُنكر كَانَ طَلْحَة وَقد رَجَعَ فَكَانَ من أَشد النَّاس تَعْظِيمًا لعمر وَقَوله الْخلاف الثَّامِن الشورى وَاتَّفَقُوا بعد الإختلاف على عُثْمَان قُلْنَا وَهَذَا من الْكَذِب الَّذِي هُوَ هجيراكم فَمَا اخْتلف أحد فِي بيعَة عُثْمَان وَقد بَقِي عبد الرَّحْمَن يشاور النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام وَأخْبر أَن النَّاس لَا يعدلُونَ بعثمان وَلَو اخْتلفُوا لنقل كَمَا نقل قَول الْأَنْصَار منا أَمِير ومنكم أَمِير يَوْم السَّقِيفَة قَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله تَعَالَى لم يتَّفق النَّاس على بيعَة كَمَا اتَّفقُوا على بيعَة عُثْمَان قَالَ وَوَقعت إختلافات كَثِيرَة مِنْهَا رد عُثْمَان الحكم إِلَى الْمَدِينَة قُلْنَا مثل هَذَا إِن جعلته خلافًا فَاجْعَلْ كل حكم حكم بِهِ خليفه وَخَالفهُ غَيره خلافًا فَهُوَ شَيْء لَا ينْحَصر قَالَ وَمِنْهَا تَزْوِيجه مَرْوَان بإبنته وإعطاؤه خمس غَنَائِم إفريقيه وَهِي مِائَتَا ألف دِينَار قُلْنَا وَأي شَيْء من الإختلاف فِي تَزْوِيجه بابنته وَمن الَّذِي نقل أَنه أعطَاهُ

стр. 386

هَذَا المَال وَنحن لَا ننكر أَن عُثْمَان كَانَ يحب أَقَاربه ويصلهم ويعطيهم وَقد ولي عَليّ أَقَاربه وشيعته وَأَعْطَاهُمْ وَقَاتل بإجتهاده وَجَرت أُمُور صعبة وَكِلَاهُمَا من أهل الْجنَّة وليسا بمعصومين وَمَا فعلاه فَمن مسَائِل الإجتهاد وَالْخلاف وَقَالَ وَمِنْهَا إيواؤه ابْن أبي سرح بعد أَن أهْدر النَّبِي ﷺ دَمه قُلْنَا الَّذِي أهْدر دَمه هُوَ الَّذِي حقن دَمه وَعَفا عَنهُ بشفاعة عُثْمَان فَلَا ملام إِذن وَقد كَانَ هَاجر وَكتب الْوَحْي للنَّبِي ﷺ ثمَّ ارْتَدَّ وَلحق بالمشركين وافترى على النَّبِي ﷺ فأهدر دَمه فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح أَتَى بِهِ عُثْمَان فَأَعْرض عَنهُ النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله بَايع عبد الله فَأَعْرض عَنهُ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ثمَّ بَايعه ثمَّ قَالَ أما كَانَ مِنْكُم رجل رشيد ينظر إِلَيّ وَقد أَعرَضت عَن هَذَا فَيضْرب عُنُقه فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار هلا أَوْمَضْت إِلَيّ فَقَالَ مَا يَنْبَغِي للنَّبِي أَن يكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين ثمَّ إِنَّه حسن إِسْلَامه وَلم يُؤثر عَنهُ بعْدهَا إِلَّا الْخَيْر وَكَانَ مَحْمُود النقيبة فِي مغازيه وَقد كَانَ غَيره أَشد عَدَاوَة كصفوان وَأبي سُفْيَان وَقَالَ تَعَالَى (عَسى الله أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبَين الَّذين عاديتم مِنْهُم مَوَدَّة وَالله قدير) على تطييب الْقُلُوب (وَالله غَفُور رَحِيم) قَالَ الْخلاف التَّاسِع فِي زمن عَليّ بعد الإتفاق عَلَيْهِ فَخرج طَلْحَة وَالزُّبَيْر ثمَّ الْخلاف بَينه وَبَين مُعَاوِيَة وَحرب صفّين وغدر عَمْرو بِأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ثمَّ خلاف المارقين وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ عَليّ على الْحق وَالْحق مَعَه وَظهر فِي زَمَانه الْخَوَارِج عَلَيْهِ مثل

стр. 387

الْأَشْعَث بن قيس ومسعر بن فدكي التَّمِيمِي وَزيد بن حصن الطَّائِي السنبسي وَظهر فِي زَمَانه الغلاة كَعبد الله بن سبأ وَمن الْفرْقَتَيْنِ ابتدأت الْبدع والضلال فَنَقُول أَيْضا وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ الثَّلَاثَة قبله على الْحق وَالْحق مَعَهم وَألا فتخصيص عَليّ بذلك دَعْوَى بِلَا برهَان وقولك وَقع الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ بعد الِاتِّفَاق فَمن الْمَعْلُوم أَن كثيرا من الْمُسلمين مَا بَايعُوهُ كالشاميين برمتهم وَطَائِفَة من أهل الْمَدِينَة وَكثير من المصريين وَأهل الْمغرب وَغير ذَلِك ثمَّ تعرض بالطعن على طَلْحَة وَذَوِيهِ من غير أَن يذكر لَهُم عذرا وَلَا رُجُوعا وَأهل الْعلم يعلمُونَ أَنهم لم يقصدوا حَرْب عَليّ وَلَا عَليّ قصد حربهم لَكِن وَقع الْقِتَال بَغْتَة فَإِنَّهُم تعاتبوا وَاتَّفَقُوا هم وَعلي على الْمصلحَة وَإِقَامَة الْحَد على قتلة عُثْمَان فَتَوَاطَأت القتلة على إِقَامَة الْفِتْنَة إِذن كَمَا أقاموها أَولا فحملوا على طَلْحَة وَالزُّبَيْر وعسكرهما فحملوا دفعا للصائل فأشعر القتلة عليا أَنَّهُمَا حملا عَلَيْهِ فَحمل عَليّ دفعا عَن نَفسه فَكَانَ كل مِنْهُم قَصده دفع الصيال لَا الإبتداء بِالْقِتَالِ وَلَكِن الرافضة بهائم فَلَا فِي النَّقْل يصدقون وَلَا للصدق يقبلُونَ أَتبَاع كل ناعق يعادون سادة الصَّحَابَة ويوالون أَعدَاء الْإِسْلَام والتتار ويستعينون بهم على أذية أهل السّنة وعامتهم وَلَهُم الْيَد الطُّولى فِي خراب الْعرَاق وَغَيرهَا كَمَا فعل

стр. 388

ابْن العلقمي الْوَزير وَكَاتب هلاكو وَقَوي عزمه حَتَّى وطيء الْبِلَاد وأباد الْعباد وأجرى السُّيُول من الدِّمَاء وسبى الْحَرِيم والعلويات والعباسيات وَنَشَأ فِي الْكفْر والشرك أَطْفَال الْمُسلمين فهم خبيئة سوء لِلْإِسْلَامِ وَأَهله يعظمون الْمَلَاحِدَة وغلاة الرافضة ويبغضون أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فهم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يُؤمنُونَ بالجبت والطاغوت وَيَقُولُونَ للَّذين كفرُوا هَؤُلَاءِ أهْدى من الَّذين آمنُوا سَبِيلا) فَكيف الْحِيلَة فِيمَن يحْتَج علينا بِالْكَذِبِ الْمَحْض وَلَا يقبل من المنقولات إِلَّا مَا وَافق هَوَاهُ جهلا بِمَعْرِِفَة الْأَسَانِيد وصناعة الحَدِيث فَإِذا قَالَ قَائِلهمْ قولا من الصدْق أَو الْكَذِب لَا يطالبونه بحجته من الْكتاب وَالسّنة وَلَا يلتفتون إِلَى مَا يُعَارضهُ أصلا وَإِذا خاطبهم الْمُخَالف وَاحْتج عَلَيْهِم بالسنن الثَّابِتَة كذبوها هوى وعنادا أَو بِالْآيَاتِ حرفوها فَإِن قوى نَفسه وخافوا مِنْهُ أدنى خوف قَالُوا صدقت وَالْحق مَا قلت وَبِهَذَا ندين لله تَعَالَى وتبرأوا من الإمامية فِي الْحَال فَمن الَّذِي ينتصف من هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقين فِي المناظرة وهم الَّذين قد أصلوا لَهُم ثَلَاثَة أصُول أَحدهَا أَن أئمتهم معصومون الثَّانِي أَن كل مَا ينقلونه فَإِنَّهُ نقل عَن النَّبِي ﷺ وَالثَّالِث أَن إِجْمَاع العترة حجَّة وَهَؤُلَاء هم العترة فصاروا بِهَذَا لَا يخرجُون إِلَى دَلِيل وَلَا تَعْلِيل فسلبوا خاصية التفقه وَالتَّحْقِيق وعدموا الْعلم والتوفيق فَلَا تجدهم ينفردون بِمَسْأَلَة فِي دينهم إِلَّا وعمدتهم فِيهَا على هَذِه الْأُصُول الثَّلَاثَة الْمَرْدُودَة بِالْكتاب وَالسّنة وَالْعقل وَإِجْمَاع الطوائف سواهُم قَالَ الرافضي الْفَصْل الثَّالِث فِي الْأَدِلَّة على إِمَامَة عَليّ فَنَقُول يجب أَن يكون الإِمَام مَعْصُوما وَمَتى كَانَ ذَلِك كَانَ الإِمَام هُوَ عَليّ لِأَن الْإِنْسَان لَا يُمكن أَن يعِيش مُفردا لإفتقاره فِي بَقَائِهِ إِلَى مأكل وملبس ومسكن فيضطر إِلَى مساعد ليتم قيام النَّوْع

стр. 389

وَلما كَانَ الإجتماع فِي مظنه التغالب والتغابن بِأَن كل وَاحِد قد يحْتَاج إِلَى مَا فِي يَد غَيره فتدعوه الْقُوَّة الشهوانية إِلَى أَخذه قهرا فَيُؤَدِّي إِلَى الْهَرج والفتن فَلَا بُد من نصب إِمَام مَعْصُوم يصدهم وينصف ويوصل الْحق إِلَى ذويه لَا يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ وَلَا السَّهْو وَإِلَّا لأفتقر إِلَى إِمَام آخر لِأَن الْعلَّة المحوجة إِلَى نَصبه هِيَ جَوَاز الْخَطَأ على الْأمة فَلَو جَازَ عَلَيْهِ الْخَطَأ لأحتاج إِلَى إِمَام فَإِن كَانَ مَعْصُوما فَهُوَ الإِمَام وَإِلَّا لزم التسلسل وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان مَا كَانُوا معصومين اتِّفَاقًا وَعلي مَعْصُوم فَيكون هُوَ الإِمَام فَالْجَوَاب نقُول الرَّسُول هُوَ الْمَعْصُوم وطاعته هِيَ الْوَاجِبَة فِي كل وَقت على الْخلق وَعلم الْأمة بأوامره أتم من علم الْبَعْض بأوامر المنتظر فَهَذَا رَسُول الله ﷺ هُوَ الإِمَام الْمَعْصُوم وأوامره مَعْلُومَة فاستغنت الْأمة بِهِ وبأوامره وبعلمه عَن كل أحد وأولو الْأَمر منفذون لدينِهِ لَيْسَ إِلَّا وَمَعْلُوم قطعا أَنه كَانَ نوابه فِي الْيمن وَغَيرهَا يتصرفون فِي الرّعية بإجتهادهم وَلَيْسوا بمعصومين وَلم يتول على الْأمة من ادعيت لَهُ سوى عَليّ وَكَانَ من نوابه على رَعيته بالبلاد النائية من لَا يدْرِي بِمَا أَمر وَلَا بِمَا نهى بل كَانُوا يتصرفون بِمَا لَا يعرفهُ هُوَ ثمَّ الإِمَام الَّذِي وَصفته لَا يُوجد فِي زَمَاننَا مَفْقُود غَائِب عنْدكُمْ ومعدوم لَا حَقِيقَة لَهُ عِنْد سواكم وَمثله لَا يحصل بِهِ شَيْء من مَقَاصِد الْإِمَامَة بل الإِمَام الَّذِي يقوم وَفِيه جهل وظلم أَنْفَع لمصَالح الْأمة مِمَّن لَا يَنْفَعهُمْ بِوَجْه وَالْإِمَام يحْتَاج إِلَيْهِ للْعلم ليبلغه وللعمل ليطاع فِي سُلْطَانه وقولك لَا بُد من نصب إِمَام مَعْصُوم أَتُرِيدُ أَن لَا بُد أنن يخلق الله وَيُقِيم مَعْصُوما أم يجب على النَّاس أَن يبايعوا من يكون كَذَلِك وَغَايَة مَا عنْدكُمْ أَن تدعوا عصمَة عَليّ لَكِن الله مَا مكنه فِي زمن الثَّلَاثَة بل وَلَا فِي خِلَافَته فَيكون الله عنْدكُمْ قد أيد الثَّلَاثَة الظلمَة بزعمكم حَتَّى فعلوا مَا فَعَلُوهُ من الْمصَالح وَلم يُؤَيّدهُ حَتَّى يفعل ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَمَا خلق الله هَذَا الْمَعْصُوم الْمُؤَيد الَّذِي اقترحتموه على الله وَإِن قُلْتُمْ إِن

стр. 390

النَّاس يجب عَلَيْهِم إعانته وإقامته قُلْنَا فَمَا فعلوا ذَلِك عصوا أَو أطاعوا فَمَا حصل بِهِ مَقْصُود بل نقُول إِذا كَانَ مَا حصل مَجْمُوع مَا بِهِ تحصل الْمَقَاصِد بل فَاتَ كثير من شُرُوطهَا فَلم لَا يجوز أَن يكون الْفَائِت هُوَ الْعِصْمَة وَإِذا كَانَ الْمَقْصُود فائتا بِعَدَمِ الْعِصْمَة أَو بعجز الْمَعْصُوم فَلَا فرق بَين عدمهَا بِهَذَا أَو بِهَذَا فَمن أَيْن يعلم بِدَلِيل الْعقل كَمَا ادعيت أَنه يجب على الله أَن يخلق إِمَامًا مَعْصُوما وَإِن كَانَ خلقه فَأَيْنَ الْمصلحَة واللطف بِهِ وَقد أنكرهُ الْجُمْهُور ومقتوا شيعته وَوَقع بِهِ من الشَّرّ أَشْيَاء فدع عَنْك خدعة الْمُعْتَزلَة الَّذين يوجبون على الله ذَلِك بعقولهم الصَّغِيرَة وغلطوا من حَيْثُ لم يفرقُوا بَين الْمصلحَة الْعَامَّة الْكُلية وَبَين الْمصلحَة الْجُزْئِيَّة وَقَول الرافضة من جنس النَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا إِن الْإِلَه تجسد وَنزل أَو أنزل ابْنه ليصلب وَيكون الصلب مغْفرَة لذنب آدم ليدفع الشَّيْطَان بذلك فَقيل لَهُم إِذا كَانَ قَتله وصلبه وتكذيبه من أعظم الشَّرّ والضلال يكون قد أَرَادَ أَن يزِيل ذَنبا صَغِيرا بذنب هُوَ أكبر مِنْهُ بِكَثِير وَهُوَ مَعَ ذَلِك لم يُغير الشَّرّ بل زَاده فَكيف يفعل ذَلِك لمقصود فَوَقع ضد الْمَقْصُود وقولك إِذا كَانَ الْإِنْسَان مدنيا بالطبع وَجب نصب الْمَعْصُوم ليزول الشَّرّ عَن أهل الْمَدِينَة فَنَقُول هَل تَقولُونَ إِنَّه لم يزل فِي كل مَدِينَة خلقهَا الله مَعْصُوم يدْفع ظلم النَّاس أم لَا فَإِن قُلْتُمْ بِالْأولِ كَانَ هَذَا مُكَابَرَة ظَاهِرَة فَهَل فِي بِلَاد الْكفَّار من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب مَعْصُوم وَهل كَانَ فِي الشَّام عِنْد مُعَاوِيَة مَعْصُوم وَإِن قلت لَهُ نواب فِي الْمَدَائِن كلهَا كابرت الْحس وَإِن قلت فِي الْبَعْض قيل فَمَا الْفرق إِذا كَانَ وَاجِبا على الله وَالْحَاجة سَوَاء وَلَو سلمنَا أفتقول بعصمتهم أم لَا فَإِن كَانُوا غير معصومين فَأَيْنَ نفع أهل الْمَدَائِن بِالْإِمَامِ وهم يصلونَ خلف غير مَعْصُوم ويطيعونه فَإِن قيل
следующие страницы →