← Акыда

Акыда · id 6531

المنتقى من منهاج الاعتدال

شمس الدين الذهبي

Полный текст (545 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

هَذَا المَال وَنحن لَا ننكر أَن عُثْمَان كَانَ يحب أَقَاربه ويصلهم ويعطيهم وَقد ولي عَليّ أَقَاربه وشيعته وَأَعْطَاهُمْ وَقَاتل بإجتهاده وَجَرت أُمُور صعبة وَكِلَاهُمَا من أهل الْجنَّة وليسا بمعصومين وَمَا فعلاه فَمن مسَائِل الإجتهاد وَالْخلاف وَقَالَ وَمِنْهَا إيواؤه ابْن أبي سرح بعد أَن أهْدر النَّبِي ﷺ دَمه قُلْنَا الَّذِي أهْدر دَمه هُوَ الَّذِي حقن دَمه وَعَفا عَنهُ بشفاعة عُثْمَان فَلَا ملام إِذن وَقد كَانَ هَاجر وَكتب الْوَحْي للنَّبِي ﷺ ثمَّ ارْتَدَّ وَلحق بالمشركين وافترى على النَّبِي ﷺ فأهدر دَمه فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح أَتَى بِهِ عُثْمَان فَأَعْرض عَنهُ النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله بَايع عبد الله فَأَعْرض عَنهُ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ثمَّ بَايعه ثمَّ قَالَ أما كَانَ مِنْكُم رجل رشيد ينظر إِلَيّ وَقد أَعرَضت عَن هَذَا فَيضْرب عُنُقه فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار هلا أَوْمَضْت إِلَيّ فَقَالَ مَا يَنْبَغِي للنَّبِي أَن يكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين ثمَّ إِنَّه حسن إِسْلَامه وَلم يُؤثر عَنهُ بعْدهَا إِلَّا الْخَيْر وَكَانَ مَحْمُود النقيبة فِي مغازيه وَقد كَانَ غَيره أَشد عَدَاوَة كصفوان وَأبي سُفْيَان وَقَالَ تَعَالَى (عَسى الله أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبَين الَّذين عاديتم مِنْهُم مَوَدَّة وَالله قدير) على تطييب الْقُلُوب (وَالله غَفُور رَحِيم) قَالَ الْخلاف التَّاسِع فِي زمن عَليّ بعد الإتفاق عَلَيْهِ فَخرج طَلْحَة وَالزُّبَيْر ثمَّ الْخلاف بَينه وَبَين مُعَاوِيَة وَحرب صفّين وغدر عَمْرو بِأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ثمَّ خلاف المارقين وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ عَليّ على الْحق وَالْحق مَعَه وَظهر فِي زَمَانه الْخَوَارِج عَلَيْهِ مثل

стр. 387

الْأَشْعَث بن قيس ومسعر بن فدكي التَّمِيمِي وَزيد بن حصن الطَّائِي السنبسي وَظهر فِي زَمَانه الغلاة كَعبد الله بن سبأ وَمن الْفرْقَتَيْنِ ابتدأت الْبدع والضلال فَنَقُول أَيْضا وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ الثَّلَاثَة قبله على الْحق وَالْحق مَعَهم وَألا فتخصيص عَليّ بذلك دَعْوَى بِلَا برهَان وقولك وَقع الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ بعد الِاتِّفَاق فَمن الْمَعْلُوم أَن كثيرا من الْمُسلمين مَا بَايعُوهُ كالشاميين برمتهم وَطَائِفَة من أهل الْمَدِينَة وَكثير من المصريين وَأهل الْمغرب وَغير ذَلِك ثمَّ تعرض بالطعن على طَلْحَة وَذَوِيهِ من غير أَن يذكر لَهُم عذرا وَلَا رُجُوعا وَأهل الْعلم يعلمُونَ أَنهم لم يقصدوا حَرْب عَليّ وَلَا عَليّ قصد حربهم لَكِن وَقع الْقِتَال بَغْتَة فَإِنَّهُم تعاتبوا وَاتَّفَقُوا هم وَعلي على الْمصلحَة وَإِقَامَة الْحَد على قتلة عُثْمَان فَتَوَاطَأت القتلة على إِقَامَة الْفِتْنَة إِذن كَمَا أقاموها أَولا فحملوا على طَلْحَة وَالزُّبَيْر وعسكرهما فحملوا دفعا للصائل فأشعر القتلة عليا أَنَّهُمَا حملا عَلَيْهِ فَحمل عَليّ دفعا عَن نَفسه فَكَانَ كل مِنْهُم قَصده دفع الصيال لَا الإبتداء بِالْقِتَالِ وَلَكِن الرافضة بهائم فَلَا فِي النَّقْل يصدقون وَلَا للصدق يقبلُونَ أَتبَاع كل ناعق يعادون سادة الصَّحَابَة ويوالون أَعدَاء الْإِسْلَام والتتار ويستعينون بهم على أذية أهل السّنة وعامتهم وَلَهُم الْيَد الطُّولى فِي خراب الْعرَاق وَغَيرهَا كَمَا فعل

стр. 388

ابْن العلقمي الْوَزير وَكَاتب هلاكو وَقَوي عزمه حَتَّى وطيء الْبِلَاد وأباد الْعباد وأجرى السُّيُول من الدِّمَاء وسبى الْحَرِيم والعلويات والعباسيات وَنَشَأ فِي الْكفْر والشرك أَطْفَال الْمُسلمين فهم خبيئة سوء لِلْإِسْلَامِ وَأَهله يعظمون الْمَلَاحِدَة وغلاة الرافضة ويبغضون أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فهم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يُؤمنُونَ بالجبت والطاغوت وَيَقُولُونَ للَّذين كفرُوا هَؤُلَاءِ أهْدى من الَّذين آمنُوا سَبِيلا) فَكيف الْحِيلَة فِيمَن يحْتَج علينا بِالْكَذِبِ الْمَحْض وَلَا يقبل من المنقولات إِلَّا مَا وَافق هَوَاهُ جهلا بِمَعْرِِفَة الْأَسَانِيد وصناعة الحَدِيث فَإِذا قَالَ قَائِلهمْ قولا من الصدْق أَو الْكَذِب لَا يطالبونه بحجته من الْكتاب وَالسّنة وَلَا يلتفتون إِلَى مَا يُعَارضهُ أصلا وَإِذا خاطبهم الْمُخَالف وَاحْتج عَلَيْهِم بالسنن الثَّابِتَة كذبوها هوى وعنادا أَو بِالْآيَاتِ حرفوها فَإِن قوى نَفسه وخافوا مِنْهُ أدنى خوف قَالُوا صدقت وَالْحق مَا قلت وَبِهَذَا ندين لله تَعَالَى وتبرأوا من الإمامية فِي الْحَال فَمن الَّذِي ينتصف من هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقين فِي المناظرة وهم الَّذين قد أصلوا لَهُم ثَلَاثَة أصُول أَحدهَا أَن أئمتهم معصومون الثَّانِي أَن كل مَا ينقلونه فَإِنَّهُ نقل عَن النَّبِي ﷺ وَالثَّالِث أَن إِجْمَاع العترة حجَّة وَهَؤُلَاء هم العترة فصاروا بِهَذَا لَا يخرجُون إِلَى دَلِيل وَلَا تَعْلِيل فسلبوا خاصية التفقه وَالتَّحْقِيق وعدموا الْعلم والتوفيق فَلَا تجدهم ينفردون بِمَسْأَلَة فِي دينهم إِلَّا وعمدتهم فِيهَا على هَذِه الْأُصُول الثَّلَاثَة الْمَرْدُودَة بِالْكتاب وَالسّنة وَالْعقل وَإِجْمَاع الطوائف سواهُم قَالَ الرافضي الْفَصْل الثَّالِث فِي الْأَدِلَّة على إِمَامَة عَليّ فَنَقُول يجب أَن يكون الإِمَام مَعْصُوما وَمَتى كَانَ ذَلِك كَانَ الإِمَام هُوَ عَليّ لِأَن الْإِنْسَان لَا يُمكن أَن يعِيش مُفردا لإفتقاره فِي بَقَائِهِ إِلَى مأكل وملبس ومسكن فيضطر إِلَى مساعد ليتم قيام النَّوْع

стр. 389

وَلما كَانَ الإجتماع فِي مظنه التغالب والتغابن بِأَن كل وَاحِد قد يحْتَاج إِلَى مَا فِي يَد غَيره فتدعوه الْقُوَّة الشهوانية إِلَى أَخذه قهرا فَيُؤَدِّي إِلَى الْهَرج والفتن فَلَا بُد من نصب إِمَام مَعْصُوم يصدهم وينصف ويوصل الْحق إِلَى ذويه لَا يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ وَلَا السَّهْو وَإِلَّا لأفتقر إِلَى إِمَام آخر لِأَن الْعلَّة المحوجة إِلَى نَصبه هِيَ جَوَاز الْخَطَأ على الْأمة فَلَو جَازَ عَلَيْهِ الْخَطَأ لأحتاج إِلَى إِمَام فَإِن كَانَ مَعْصُوما فَهُوَ الإِمَام وَإِلَّا لزم التسلسل وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان مَا كَانُوا معصومين اتِّفَاقًا وَعلي مَعْصُوم فَيكون هُوَ الإِمَام فَالْجَوَاب نقُول الرَّسُول هُوَ الْمَعْصُوم وطاعته هِيَ الْوَاجِبَة فِي كل وَقت على الْخلق وَعلم الْأمة بأوامره أتم من علم الْبَعْض بأوامر المنتظر فَهَذَا رَسُول الله ﷺ هُوَ الإِمَام الْمَعْصُوم وأوامره مَعْلُومَة فاستغنت الْأمة بِهِ وبأوامره وبعلمه عَن كل أحد وأولو الْأَمر منفذون لدينِهِ لَيْسَ إِلَّا وَمَعْلُوم قطعا أَنه كَانَ نوابه فِي الْيمن وَغَيرهَا يتصرفون فِي الرّعية بإجتهادهم وَلَيْسوا بمعصومين وَلم يتول على الْأمة من ادعيت لَهُ سوى عَليّ وَكَانَ من نوابه على رَعيته بالبلاد النائية من لَا يدْرِي بِمَا أَمر وَلَا بِمَا نهى بل كَانُوا يتصرفون بِمَا لَا يعرفهُ هُوَ ثمَّ الإِمَام الَّذِي وَصفته لَا يُوجد فِي زَمَاننَا مَفْقُود غَائِب عنْدكُمْ ومعدوم لَا حَقِيقَة لَهُ عِنْد سواكم وَمثله لَا يحصل بِهِ شَيْء من مَقَاصِد الْإِمَامَة بل الإِمَام الَّذِي يقوم وَفِيه جهل وظلم أَنْفَع لمصَالح الْأمة مِمَّن لَا يَنْفَعهُمْ بِوَجْه وَالْإِمَام يحْتَاج إِلَيْهِ للْعلم ليبلغه وللعمل ليطاع فِي سُلْطَانه وقولك لَا بُد من نصب إِمَام مَعْصُوم أَتُرِيدُ أَن لَا بُد أنن يخلق الله وَيُقِيم مَعْصُوما أم يجب على النَّاس أَن يبايعوا من يكون كَذَلِك وَغَايَة مَا عنْدكُمْ أَن تدعوا عصمَة عَليّ لَكِن الله مَا مكنه فِي زمن الثَّلَاثَة بل وَلَا فِي خِلَافَته فَيكون الله عنْدكُمْ قد أيد الثَّلَاثَة الظلمَة بزعمكم حَتَّى فعلوا مَا فَعَلُوهُ من الْمصَالح وَلم يُؤَيّدهُ حَتَّى يفعل ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَمَا خلق الله هَذَا الْمَعْصُوم الْمُؤَيد الَّذِي اقترحتموه على الله وَإِن قُلْتُمْ إِن

стр. 390

النَّاس يجب عَلَيْهِم إعانته وإقامته قُلْنَا فَمَا فعلوا ذَلِك عصوا أَو أطاعوا فَمَا حصل بِهِ مَقْصُود بل نقُول إِذا كَانَ مَا حصل مَجْمُوع مَا بِهِ تحصل الْمَقَاصِد بل فَاتَ كثير من شُرُوطهَا فَلم لَا يجوز أَن يكون الْفَائِت هُوَ الْعِصْمَة وَإِذا كَانَ الْمَقْصُود فائتا بِعَدَمِ الْعِصْمَة أَو بعجز الْمَعْصُوم فَلَا فرق بَين عدمهَا بِهَذَا أَو بِهَذَا فَمن أَيْن يعلم بِدَلِيل الْعقل كَمَا ادعيت أَنه يجب على الله أَن يخلق إِمَامًا مَعْصُوما وَإِن كَانَ خلقه فَأَيْنَ الْمصلحَة واللطف بِهِ وَقد أنكرهُ الْجُمْهُور ومقتوا شيعته وَوَقع بِهِ من الشَّرّ أَشْيَاء فدع عَنْك خدعة الْمُعْتَزلَة الَّذين يوجبون على الله ذَلِك بعقولهم الصَّغِيرَة وغلطوا من حَيْثُ لم يفرقُوا بَين الْمصلحَة الْعَامَّة الْكُلية وَبَين الْمصلحَة الْجُزْئِيَّة وَقَول الرافضة من جنس النَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا إِن الْإِلَه تجسد وَنزل أَو أنزل ابْنه ليصلب وَيكون الصلب مغْفرَة لذنب آدم ليدفع الشَّيْطَان بذلك فَقيل لَهُم إِذا كَانَ قَتله وصلبه وتكذيبه من أعظم الشَّرّ والضلال يكون قد أَرَادَ أَن يزِيل ذَنبا صَغِيرا بذنب هُوَ أكبر مِنْهُ بِكَثِير وَهُوَ مَعَ ذَلِك لم يُغير الشَّرّ بل زَاده فَكيف يفعل ذَلِك لمقصود فَوَقع ضد الْمَقْصُود وقولك إِذا كَانَ الْإِنْسَان مدنيا بالطبع وَجب نصب الْمَعْصُوم ليزول الشَّرّ عَن أهل الْمَدِينَة فَنَقُول هَل تَقولُونَ إِنَّه لم يزل فِي كل مَدِينَة خلقهَا الله مَعْصُوم يدْفع ظلم النَّاس أم لَا فَإِن قُلْتُمْ بِالْأولِ كَانَ هَذَا مُكَابَرَة ظَاهِرَة فَهَل فِي بِلَاد الْكفَّار من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب مَعْصُوم وَهل كَانَ فِي الشَّام عِنْد مُعَاوِيَة مَعْصُوم وَإِن قلت لَهُ نواب فِي الْمَدَائِن كلهَا كابرت الْحس وَإِن قلت فِي الْبَعْض قيل فَمَا الْفرق إِذا كَانَ وَاجِبا على الله وَالْحَاجة سَوَاء وَلَو سلمنَا أفتقول بعصمتهم أم لَا فَإِن كَانُوا غير معصومين فَأَيْنَ نفع أهل الْمَدَائِن بِالْإِمَامِ وهم يصلونَ خلف غير مَعْصُوم ويطيعونه فَإِن قيل

стр. 391

ترجع الْأُمُور إِلَى الْمَعْصُوم قُلْنَا لَو كَانَ قَادِرًا كَأبي بكر وَعمر وَغَيرهمَا لم يتَمَكَّن من إِيصَال الْعدْل إِلَى الْكل وَقد لَا يجد لكل بلد عادلا قَوِيا فَإِذا لم يجد سقط عَنهُ فَكيف يجب على الله ذَلِك كَيفَ والمعصوم عنْدكُمْ عَاجز وَعِنْدنَا مَعْدُوم وَوجه آخر أَن يُقَال صده غَيره عَن الظُّلم وإنصافه الرّعية فرع على منع ظلمه وَاسْتِيفَاء حَقه فَإِذا كَانَ عَاجِزا مقهورا عَن دفع الظُّلم عَن نَفسه فَمَا الظَّن برعيته كَيفَ وَهُوَ عنْدكُمْ خَائِف لَا يُمكنهُ الظُّهُور من أَرْبَعمِائَة وَسِتِّينَ سنة خوفًا من الْقَتْل وَالله لَا يَقع مِنْهُ ظلم وَلَا يخل بِوَاجِب فقد فعل الْوَاجِب وَمَعَ هَذَا فَمَا خلق مَا تحصل بِهِ هَذِه الْمصَالح الْمَقْصُودَة من الْمَعْصُوم فَإِن كَانَت هَذِه الْمصَالح تحصل بِمُجَرَّد خلقه وَهِي لم تحصل لزم أَن لَا يكون خلقه وَاجِبا وَإِن كَانَت لَا تحصل إِلَّا بخلقه وَخلق أُمُور أُخْرَى حَتَّى يحصل بالمجموع الْمَطْلُوب فَمَا خلق ذَلِك الْمَجْمُوع والإخلال بِالْوَاجِبِ مُمْتَنع عَلَيْهِ فِي الْقَلِيل وَالْكثير فَلَزِمَ على التَّقْدِيرَيْنِ أَنه لَا يجب عَلَيْهِ خلق الْمُوجب لهَذِهِ المطالب وَإِذا لم يجب عَلَيْهِ ذَلِك فَلَا فرق بَين أَن يخلق مَعْصُوما لَا يحصل بِهِ ذَلِك وَبَين أَن لَا يخلقه فَلَا يكون ذَلِك وَاجِبا عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يلْزم وجوده فَالْقَوْل بِوُجُوب وجوده بَاطِل على كل تَقْدِير وَإِن قيل الله فعل ر مَا يجب عَلَيْهِ من خلق الْمَعْصُوم لَكِن النَّاس فوتوا الْمصلحَة بمعصيتهم لَهُ قيل أَولا إِذا كَانَ

стр. 392

يعلم أَن النَّاس لَا يعاونونه حَتَّى تحصل الْمصلحَة بل يعصونه فيعذبون لم يكن خلقه وَاجِبا بل وَلَا حِكْمَة على قَوْلهم وَيُقَال ثَانِيًا لَيْسَ كل النَّاس عصاة بل بَعضهم عصوه ومنعوه وَبَعْضهمْ يُؤثر طَاعَته وَمَعْرِفَة مَا يَقُوله فَكيف لَا يُمكن هَؤُلَاءِ من طَاعَته فَإِن قيل أُولَئِكَ الظلمَة منعُوا هَؤُلَاءِ قيل فَإِن كَانَ الرب قَادِرًا على منع الظلمَة فَهَلا مَنعهم على قَوْلهم وَإِن لم يكن ذَلِك مَقْدُورًا فَهُوَ يعلم أَن حُصُول الْمصلحَة غير مقدورة فَلَا يَفْعَله فَلم قُلْتُمْ على هَذَا التَّقْدِير إِنَّه يُمكن خلق مَعْصُوم غير نَبِي فَهَذَا لَازم لكم فَإِن قُلْتُمْ إِن الله خَالق أَفعَال الْعباد أمكنه صرف دواعي الظلمَة حَتَّى يطاع وَإِن قُلْتُمْ لَيْسَ هُوَ خَالق أَفعَال الْعباد قيل فالعصمة إِنَّمَا تكون بِأَن يُرِيد الْفَاعِل الْحَسَنَات وَلَا يُرِيد السَّيِّئَات وَهُوَ عنْدكُمْ لَا يقدر أَن يُغير إِرَادَة عَبده فَلَا يقدر على جعله مَعْصُوما فَبَطل الْمَعْصُوم على أصل الْقَدَرِيَّة إِذْ الْعِصْمَة أَن يُرِيد العَبْد الْحَسَنَات فَقَط فَإِذا كَانَ هُوَ الْمُحدث لإِرَادَة نَفسه فَالله عِنْدهم لَا يقدر على إِحْدَاث إِرَادَة أحد امْتنع مِنْهُ أَن يَجْعَل أحدا مَعْصُوما وَإِذا قَالُوا بِخلق مَا تميل بِهِ إِرَادَته إِلَى الْخَيْر قيل إِن كَانَ ذَلِك ملجئا زَالَ التَّكْلِيف وَإِلَّا لم ينفع وَإِن كَانَ ذَلِك مَقْدُورًا عنْدكُمْ فَهَلا فعل ذَلِك بِجَمِيعِ الْعباد فَإِنَّهُ أصلح لَهُم إِذا أوجبتم عَلَيْهِ فعل الْأَصْلَح بِكُل عبد وَذَلِكَ لَا يمْنَع الثَّوَاب عنْدكُمْ كَمَا لَا يمنعهُ فِي حق الْمَعْصُوم وَجه ثامن أَن يُقَال حَاجَة الْمَرْء إِلَى تَدْبِير بدنه بِنَفسِهِ أعظم من حَاجَة الْمَدِينَة إِلَى تَدْبِير رئيسها وَإِذا كَانَ الله لم يخلق نفس الْإِنْسَان معصومة فَكيف يجب عَلَيْهِ أَن يخلق رَئِيسا مَعْصُوما مَعَ أَن الْإِنْسَان لَا يُمكنهُ أَن يكفر بباطنه ويعصي بباطنه وَجه تَاسِع أَن يُقَال هَل الْمَطْلُوب من الْمَعْصُوم إعدام الْفساد أم تقليله فَالْأول مَا وَقع فِي الْعَالم وَالثَّانِي يحصل بِلَا مَعْصُوم كزمن أبي بكر وَعمر أَكثر مِمَّا حصل بعلي أَو مثله وَحصل بِسَائِر الْخُلَفَاء مَا حصل بِسَائِر الْأَئِمَّة الإثني عشر كَمَا قيل سِتُّونَ سنة

стр. 393

من إِمَام جَائِر خير من لَيْلَة بِلَا إِمَام وقولك وَلَو لم يكن الإِمَام مَعْصُوما لأفتقر إِلَى إِمَام مَعْصُوم فَنَقُول لم لَا يجوز أَن يكون إِذا أَخطَأ الإِمَام كَانَ فِي الْأمة من ينبهه بِحَيْثُ لَا يحصل إتفاق الْكل على الْخَطَأ كَمَا إِذا أَخطَأ أحد الرّعية نبهه إِمَامه أَو نَائِبه وَتَكون الْعِصْمَة ثَابِتَة للمجموع بِحَيْثُ لَا يحصل اتِّفَاقهم على الْخَطَأ كَمَا يَقُوله أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَنَظِيره أَن كل وَاحِد من أهل خبر التَّوَاتُر يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ وَالْكذب وَلَا يجب ذَلِك على الْمَجْمُوع فِي الْعَادة فإثبات الْعِصْمَة للمجموع أولى من إِثْبَاتهَا للْوَاحِد وَبِذَلِك يحصل الْمَقْصُود من عصمَة الإِمَام فَلَا تتَعَيَّن عصمَة الإِمَام وَمن جهل الرافضة أَنهم يوجبون عصمَة وَاحِد من الْمُسلمين ويجوزون على مَجْمُوع الْمُسلمين إِذا لم يكن فيهم مَعْصُوم الْخَطَأ وَقد ذكر غير وَاحِد أَن أول من ابتدع الرَّفْض وَالْقَوْل بِالنَّصِّ على عَليّ وعصمته كَانَ زنديقا أَرَادَ إِفْسَاد الدّين وَأَرَادَ أَن يصنع بِالْمُسْلِمين كَمَا صنع بولص بالنصارى فَلم يتأت لَهُ مَا تأتى لبولص لضعف عقول النَّصَارَى كلهم فَإِن الْمَسِيح ﷺ رفع وَلم يتبعهُ خلق كثير يعلمُونَ دينه ويقومون بِهِ علما وَعَملا فَلَمَّا ابتدع بولص الغلو فِي الْمَسِيح اتبعهُ خلق وَدخلت مَعَهم مُلُوك فَأنْكر عَلَيْهِم طَائِفَة فَقَتلهُمْ الْمُلُوك وَبَعْضهمْ داهن الْمُلُوك واعتزلوا فِي الصوامع وأمتنا هَذِه وَللَّه الْحَمد لَا تزَال مِنْهَا طَائِفَة ظَاهِرَة على الْحق فَلَا يتَمَكَّن ملحد وَلَا مُبْتَدع من إفساده بغلو أَو إنتصار على الْحق وَلَكِن يضل من يتبعهُ على ضلاله وَأَيْضًا فنوابه غير معصومين فِي الجزئيات وهم الَّذين يفصلون فِي غَالب أُمُور

стр. 394

النَّاس فِي الدُّنْيَا بل بسائرها بقيت الْعِصْمَة فِي الكليات وَالله قَادر على أَن ينص على الكليات بِحَيْثُ لَا يحْتَاج فِي مَعْرفَتهَا إِلَى الإِمَام وقادر أَن يَجْعَل نَص النَّبِي ﷺ أكمل من نَص الإِمَام فاستغنينا عَن عصمَة الإِمَام فِي الكليات والجزئيات ثمَّ خبرنَا مَا عصمَة الإِمَام أَهِي فعله للطاعات بإختياره وَتَركه للمعاصي بإختياره مَعَ أَن الله عنْدكُمْ لَا يخلق إختياره أم هِيَ خلق الْإِرَادَة لَهُ أَو سلبه الْقُدْرَة على الْمعْصِيَة وعندك أَن الله لَا يخلق إختيارنا فلزمك أَن الله لَا يقدر على خلق مَعْصُوم وَإِن نقضت قَوْلك فِي الْقدر لزمك أَن يكون الْمَعْصُوم لَا يُثَاب على طَاعَة وقولك لَيْسَ بمعصوم غير عَليّ إتفاقا مَمْنُوع بل كثير من الْعباد والعامة يَعْتَقِدُونَ عصمَة شيوخهم مثلكُمْ مَعَ إعتقادهم أَن الصَّحَابَة أفضل مِنْهُم فاعتقادهم ذَلِك فِي الْخُلَفَاء من الصَّحَابَة أولى والإسماعيلية يَعْتَقِدُونَ عصمَة أئمتهم وهم غير الإثني عشر وَأَتْبَاع بني أُميَّة كَانُوا يَقُولُونَ إِن الْخَلِيفَة لَا حِسَاب عَلَيْهِ وَلَا عَذَاب وَمن كَانَ إعتقاده أَن كل مَا يَأْمر بِهِ الإِمَام فَإِنَّهُ يجب طَاعَته فِيهِ لم يحْتَج إِلَى مَعْصُوم وَيَقُول يَكْفِينِي عصمَة الإِمَام الَّذِي افتديت بِهِ أَو شَيْخي أَو أَمِيري ويقرأون قَوْله تَعَالَى (أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وَأولى الْأَمر مِنْكُم) فَإِن قلت هَؤُلَاءِ لَا يعْتد بخلافهم لم يسمع مِنْك فَإِنَّهُم اقتدوا بموجود منتظركم الْمَعْدُوم الَّذِي مَا انتفعتم بِهِ بِحَال وَأَيْضًا فَمَا فِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من قَالَ بعصمة عَليّ وَلَا فِي التَّابِعين وَلَا أَئِمَّة الْعلم وَإِنَّمَا انْفَرد بِهَذَا جهلة الإمامية كَمَا انْفَرد بتكفيره ضلال الْخَوَارِج وبتفسيقه خلق من النواصب وَيُقَال لكم إِمَّا أَن يجب وجود الْمَعْصُوم أَولا فَإِن لم يجب بَطل قَوْلكُم وَإِن وَجب لم نسلم أَنه عَليّ دون الثَّلَاثَة قبله بل إِن كَانَ هَذَا القَوْل حَقًا لزم أَن يكون

стр. 395

الْمَعْصُوم أَبَا بكر وَعمر فَإِن أهل السّنة متفقون على تفضيلهما عَلَيْهِ وَإِن كَانَت الْعِصْمَة منتفية عَنْهُمَا فَهِيَ عَنهُ أبعد وَهَذَا كنبوة مُوسَى وَعِيسَى فَإِن الْمُسلمين لَا يسلمُونَ بنبوتهما إِلَّا مَعَ نبوة مُحَمَّد ﷺ وَكَذَلِكَ لَا نسلم إِيمَان عَليّ إِلَّا مَقْرُونا بِإِيمَان الثَّلَاثَة وَلَا ننفي الْعِصْمَة عَنْهُم إِلَّا مقرونة بنفيها عَن عَليّ فَمَا قَوْلك إِمَامَة عَليّ ثَابِتَة بِالْإِجْمَاع بِخِلَاف الثَّلَاثَة إِلَّا كَقَوْل الْيَهُود نبوة مُوسَى ثَابِتَة بِالْإِجْمَاع بِخِلَاف نبوة مُحَمَّد وَإِلَّا كَقَوْل النَّصَارَى الإلهية منتفية عَن مُوسَى وَمُحَمّد بِالْإِجْمَاع وتنازعنا فِي عِيسَى وإلاهيته فَنحْن نعلم بِالضَّرُورَةِ أَنه لَيْسَ لعيسى مزية يسْتَحق بهَا الإلهية دون مُوسَى وَمُحَمّد كَمَا نقطع أَن عليا ﵁ لَيْسَ لَهُ مزية يسْتَحق بهَا الْعِصْمَة دون الثَّلَاثَة ونسألك من أَيْن علمت عصمَة عَليّ دون الثَّلَاثَة فَإِن قلت بِالْإِجْمَاع على إنتفاء عصمَة سواهُ قُلْنَا إِن لم يكن الْإِجْمَاع حجَّة أبطلت قَوْلك وَإِن كَانَ حجَّة فِي إِثْبَات عصمَة على الَّتِي هِيَ الأَصْل أمكن أَن يكون حجَّة فِي الْمَقْصُود بعصمته من حفظ الشَّرْع وَنَقله فَأَنت تحتج بِالْإِجْمَاع وَلَا تقبل كَون الْإِجْمَاع حجَّة وَإِن ادعيت التَّوَاتُر عنْدكُمْ عَن النَّبِي ﷺ فِي عصمته فَهُوَ كدعواك تَوَاتر النَّص على إِمَامَته وَأَيْضًا فالإجماع عنْدكُمْ لَيْسَ حجَّة إِلَّا أَن يكون قَول الْمَعْصُوم فِيهِ فَإِن لم يعرفوا ثُبُوت الْمَعْصُوم إِلَّا بِهِ لزم الدّور فَإِنَّهُ لَا يعرف أَنه مَعْصُوم إِلَّا بقوله وَلَا يعرف أَن قَوْله حجَّة إِلَّا إِذا عرف أَنه مَعْصُوم فَلَا يثبت وَاحِد مِنْهُمَا وَترجع حَقِيقَة قَوْلكُم فلَان مَعْصُوم لِأَنَّهُ قَالَ أَنا مَعْصُوم وغيري لَيْسَ بمعصوم وَهَذَا كل أحد يُمكن أَن بقوله وَهَذَا كَقَوْل الْقَائِل أَنا صَادِق فِي كل مَا أقوله فَإِن لم يعلم صدقه بِغَيْر قَوْله لم يعلم صَدَقَة فِيمَا يَقُوله وَادعت الإسماعيلية مثل هَذَا فَادعوا أَن الإِمَام الْمعلم الْمَعْصُوم وَقَالُوا إِن طرق الْعلم بِالسَّمْعِ وَالْعقل لَا يعرف صِحَّتهَا إِلَّا الْمَعْصُوم وبتعليمه فَإِذا طولبوا بِتَعْيِين مَعْصُوم وبالدليل على أَنه مَعْصُوم دون غَيره لم يَأْتُوا بِحجَّة أصلا وتناقضت أَقْوَالهم وَلَو تنازلنا ورضينا بقول عَليّ إِنِّي مَعْصُوم فَمن الَّذِي نقل عَنهُ أَنه قَالَ إِنِّي

стр. 396

مَعْصُوم بل الْمُتَوَاتر عَنهُ خلاف ذَلِك وَأَنه أقرّ قُضَاته على أَن يحكموا بِخِلَاف رَأْيه وَصَحَّ عَنهُ أَنه قَالَ اجْتمع رَأْيِي ورأي عمر فِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد أَن لَا يبعن وَقد رَأَيْت الْآن أَن يبعن فَقَالَ لَهُ قاضيه عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ عمر فِي الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك فِي الْفرْقَة وَكَانَ شُرَيْح يقْضِي بإجتهاده وَلَا يُرَاجِعهُ وَهُوَ يقره على ذَلِك وَكَانَ يُفْتِي وَيحكم بِاجْتِهَادِهِ ثمَّ يرجع عَن ذَلِك بإجتهاده وَهَذِه أَقْوَاله فِي ذَلِك ثَابِتَة عَنهُ بأصح الْأَسَانِيد قَالَ الرافضي وَيجب أَن يكون الإِمَام مَنْصُوصا عَلَيْهِ لما بَينا من بطلَان الإختيار فَإِنَّهُ لَيْسَ بعض المختارين لبَعض الْأَئِمَّة أولى من الْبَعْض الْمُخْتَار لآخر وَإِلَّا أدّى إِلَى التَّنَازُع والتشاجر وَغير عَليّ من أئمتهم لم يكن مَنْصُوصا عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع فَتعين أَن يكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا الْجَواب بِمَنْع المقدمتين فقد ذهب خلق من السّلف وَالْخلف إِلَى النَّص على أبي بكر وَذَهَبت طَائِفَة قَليلَة إِلَى النَّص على الْعَبَّاس فَأَيْنَ الْإِجْمَاع ثمَّ نقُول لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يعْتَبر النَّص فِي الْإِمَامَة أَو لَا فَإِن اعْتبر منعنَا الْمُقدمَة الثَّانِيَة وَقُلْنَا النَّص لأبي بكر وَإِن لم يعْتَبر بطلت الْمُقدمَة الأولى ثمَّ الْإِجْمَاع عنْدكُمْ لَيْسَ بِحجَّة وَإِنَّمَا الْحجَّة قَول الْمَعْصُوم فَيَعُود الْأَمر إِلَى إِثْبَات النَّص بقول الَّذِي تدعى لَهُ الْعِصْمَة فَلَا يثبت نَص وَلَا عصمَة بل بقول قَائِل أَنا مَعْصُوم وَأَنا الَّذِي نَص عَليّ وَيُقَال مَا تَعْنِي بِقَوْلِك يجب أَن يكون مَعْصُوما مَنْصُوصا عَلَيْهِ أتعني أَنه لَا بُد من أَن يَقُول هَذَا الْخَلِيفَة من بعدِي أم لَا يصير إِمَام حَتَّى تعقد لَهُ الْإِمَامَة مَعَ ذَلِك فَإِن قلت بِالْأولِ قيل لَا نسلم وجوب النَّص بِهَذَا الإعتبار والزيدية مَعَ الْجَمَاعَة تنكر هَذَا النَّص وَمَا هم بل وَلَا نَحن بمتهمين على عَليّ

стр. 397

وقولك إِذا لم يكن كَذَلِك أدّى إِلَى التَّنَازُع والتشاجر فَيُقَال النُّصُوص الَّتِي تدل على أولويته مَعَ النّظر والإستدلال يحصل بهَا الْمَقْصُود ثمَّ إِذا كَانَت الْأَدِلَّة وَاضِحَة فِي أولويته كفت وَكَذَلِكَ كَانَ الصّديق وَمن نَازع من آحَاد الْأَنْصَار فَمَا نَازع فِي أَن أَبَا بكر أفضل وَإِنَّمَا رام التَّقَدُّم مَعَ وجود الْأَفْضَل فَإِن قيل إِذا كَانَ لَهُم هوى مَنعه دلَالَة النُّصُوص قيل وَإِذا كَانَ لَهُم هوى عصوا النُّصُوص كَمَا ادعيتم عَلَيْهِم فَمَعَ قصدهم الْحق يحصل الْمَقْصُود وَمَعَ العناد لَا ينفع النَّص ثمَّ إِن كَانَ الإِمَام مَعْصُوما فنوابه خلق وَلَا عصمَة لَهُم فالحاجة بَاقِيَة وَأَيْضًا فنص الرَّسُول على إِمَام بعده كتوليته وَاحِدًا فِي حَيَاته وَنحن لَا نشترط الْعِصْمَة لَا فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا ثمَّ إِنَّكُم أوجبتم النَّص قطعا للتشاجر المفضي إِلَى الْفساد الْكَبِير فَوَقع الْأَمر بِالْعَكْسِ فَإِن أَبَا بكر تولى ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان مَعَ إنتفاء الْفساد والتشاجر وَوَقع بعضه فِي آخر أَيَّام عُثْمَان وَإِنَّمَا اشْتَدَّ وَعظم فِي أَيَّام من ادعيتم لَهُ النَّص والعصمة فَمَا أصلتموه حصل مَعَه نقيض الْمَقْصُود وَحصل الْمَقْصُود بِدُونِ وسيلتكم ونقول النَّص يزِيل الْفساد وَيكون على وُجُوه أَحدهَا إِخْبَار النَّبِي ﷺ بِولَايَة شخص ويثني عَلَيْهِ فِي ولَايَته فتعلم الْأمة أَنه إِن تولى كَانَ مَحْمُودًا فيرتفع النزاع وَإِن لم يقل ولوه وَهَذَا الْخَبَر وَقع لأبي بكر وَعمر الثَّانِي أَن يخبر بِأُمُور تَسْتَلْزِم صَلَاح الْولَايَة وَهَذِه النُّصُوص وَقعت فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر بِفَتْح فَارس وَالروم وَغير ذَلِك الثَّالِث أَن يَأْمر من يَأْتِيهِ بعد مَوته بِأَن يَأْتِي شخصا فَيدل ذَلِك على أَنه الْخَلِيفَة من بعده وَهَذَا وَقع لأبي بكر الرَّابِع أَن يهم بِكِتَابَة عهد بالخلافة ثمَّ يَقُول يَأْبَى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر فَوَقع كَمَا أخبر الْخَامِس أَن يَأْمر بالإقتداء من بعده بشخص فَيكون هُوَ الْخَلِيفَة ن بعده السَّادِس أَن يَأْمر بإتباع سنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعده وَيجْعَل خلافتهم إِلَى مُدَّة مُعينَة فَيدل على أَن المتولين فِي تِلْكَ الْمدَّة هم الْخُلَفَاء الراشدون والمهديون السَّابِع أَن يخص

стр. 398

شخصا بِأُمُور تَقْتَضِي أَنه هُوَ الْمُقدم وَهَذَا مَوْجُود فِي أبي بكر الثَّامِن أَن ترك النَّص أولى بالرسول لِأَنَّهُ إِن كَانَ النَّص ليَكُون مَعْصُوما فَلَا مَعْصُوم بعده وَإِن كَانَ بِدُونِ الْعِصْمَة فقد يحْتَج بِالنَّصِّ على وجوب اتِّبَاعه فِي كل مَا يَقُول وَلَا يُمكن أحدا بعد موت الرَّسُول مُرَاجعَة الرَّسُول ليَرُدهُ أَو يعزله بِخِلَاف من ولاه فِي حَيَاته فَإِنَّهُ إِذا أَخطَأ أَو أذْنب أمكن الرَّسُول بَيَان خطأه وعزله وَلَو نَص الرَّسُول بعده أَيْضا على معِين لنأخذ عَنهُ الدّين كَمَا تَقول الرافضة بطلت حجَّة الله إِذْ ذَاك وَلَا يقوم بِهِ غير الرَّسُول لِأَنَّهُ لَا مَعْصُوم إِلَّا هُوَ الْجَواب التَّاسِع أَن النَّص على الجزئيات لَا يُمكن والكليات قد نَص عَلَيْهَا فَلَو نَص على معِين وَأمر بِطَاعَتِهِ فِي تعْيين الكليات كَانَ هَذَا بَاطِلا وَإِن أَمر بِطَاعَتِهِ فِي الجزئيات سَوَاء وَافَقت الكليات أَو خالفتها كَانَ بَاطِلا وَإِن أَمر بِطَاعَتِهِ فِي الجزئيات إِذا طابقت الكليات فَهَذَا حكم كل متول وَلَو نَص على رجل لَكَانَ من يتَوَلَّى من بعده قد لَا يطاع كطاعة الأول لعدم النَّص فِي الثَّانِي وَإِن قلت كل وَاحِد ينص على من بعده فَهَذَا إِنَّمَا يُمكن إِذا كَانَ الثَّانِي مَعْصُوما وَلَا عصمَة بعد الرَّسُول لأحد فَالْقَوْل بِالنَّصِّ فرع على القَوْل بالعصمة وَذَاكَ من أفسد الْأَقْوَال فكذاك النَّص الَّذِي تدعيه الرافضة وَهُوَ الْأَمر بِطَاعَة الْمُتَوَلِي فِي كل مَا يَقُوله من غير رد إِلَى الْكتاب وَالسّنة إِذا نوزع اما إِذا رددنا قَوْلنَا إِلَى الْكتاب وَالسّنة كَمَا أمرنَا عِنْد التَّنَازُع فَلَا حَاجَة إِلَى النَّص فَإِن الدّين مَحْفُوظ وَلَا يُمكن أَن بشرا يعلم كل علم الرَّسُول أَو يَأْتِيهِ وَحي فَلَا سَبِيل إِلَى معرفَة مَا جَاءَ بِهِ إِلَّا من جِهَته قَالَ الثَّالِث أَن الإِمَام يجب أَن يكون حَافِظًا للشَّرْع لانْقِطَاع الْوَحْي وقصور الْكتاب وَالسّنة عَن تفاصيل الجزئيات فَلَا بُد من إِمَام مَنْصُوص من الله تَعَالَى مَعْصُوم لِئَلَّا يتْرك أَو يزِيد عمدا أَو سَهوا وَغير عَليّ لم يكن كَذَلِك بِالْإِجْمَاع قُلْنَا لَا نسلم أَنه

стр. 399

يجب أَن يكون حَافِظًا للشَّرْع بل يجب أَن تكون الْأمة حافظة للشَّرْع وَذَلِكَ يحصل بالمجموع كَمَا يحصل بِالْوَاحِدِ بل الشَّرْع إِذا نَقله أهل التَّوَاتُر كَانَ خيرا من نقل وَاحِد وَلَا نسلم أَن عليا كَانَ أحفظهم للشَّرْع بل كَانَ أَبُو بكر وَعمر أعلم مِنْهُ فَبَطل إجماعك وَإِن زعمت أَنه مَعْصُوم فَلَا تعلم صِحَة شَيْء من الشَّرْع إِلَّا بنقله لزم من ذَلِك أَن الْحجَّة لَا تقوم على أهل الأَرْض إِلَّا بنقله وَلَا نعلم صِحَة نَقله حَتَّى نعلم أَنه مَعْصُوم وَلَا نعلم أَنه مَعْصُوم إِلَّا بِالْإِجْمَاع على نفي عصمَة من سواهُ فَإِن كَانَ الْإِجْمَاع مَعْصُوما أمكن حفظ الشَّرْع بِهِ وَإِن لم يكن مَعْصُوما لم نعلم عصمته ثمَّ أخبرنَا هَل يُمكن الإِمَام تَبْلِيغ الشَّرْع إِلَى من يَنْقُلهُ عَنهُ بالتواتر أم لَا يزَال مَنْقُولًا نقل آحَاد من مَعْصُوم إِلَى مَعْصُوم فَإِن كَانَ الإِمَام يُمكنهُ ذَلِك فالرسول يُمكنهُ بطرِيق الأولى فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَة إِلَى نقل الإِمَام وَإِن قلت لَا يُمكنهُ ذَلِك لزم دين الْإِسْلَام أَنه لَا يَنْقُلهُ إِلَّا وَاحِد بعد وَاحِد من أقرباء الرَّسُول الَّذين يُمكن القادح فِي نبوته أَن يَقُول إِنَّهُم يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا شَاءُوا وَإنَّهُ كَانَ طَالب ملك أَقَامَهُ أَقَاربه وعهد إِلَيْهِم بِمَا يُقِيمُونَ بِهِ دولته ونقول الْحَاجة ماسة إِلَى الْعِصْمَة فِي حفظ الدّين وَنَقله فلماذا لَا يجوز أَن يكون الصَّحَابَة هم المعصومين الَّذين حصل بهم مَقْصُود الدّين وبلغوه ولماذا لَا تكون الْعِصْمَة فِي الْحِفْظ والبلاغ لكل طَائِفَة بِحَسب مَا حملوه فالقراء معصومون فِي حفظ الْقُرْآن وتبليغه والمحدثون معصومون فِي حفظ الصِّحَاح وتبليغها وَالْفُقَهَاء معصومون فِي فهم الْكَلَام والإستدلال وَهَذَا هُوَ الْوَاقِع الْمَعْلُوم الَّذِي أغْنى الله بِهِ عَن وَاحِد مَعْدُوم ثمَّ إِنَّه إِذا كَانَ لَا يحفظ الشَّرْع ويبلغه إِلَّا مَعْصُوم عَن مَعْصُوم والمنتظر لَهُ أَرْبَعمِائَة

стр. 400

وَسِتُّونَ سنة لم يَأْخُذ أحد عَنهُ مَسْأَلَة فَمن أَيْن علمْتُم الْقُرْآن وَالشَّرْع فِي طول هَذِه الْمدَّة وَلم لَا يجوز أَن يكون هَذَا الْقُرْآن الَّذِي تقرأونه لَيْسَ الَّذِي أنزل وَأَيْضًا من أَيْن لكم الْعلم بِشَيْء من أَحْوَال الرَّسُول وَابْن عَمه وَأَنْتُم لم تسمعوا شَيْئا من ذَلِك من مَعْصُوم فَإِن قُلْتُمْ تَوَاتر ذَلِك عندنَا قيل فَإِذا كَانَ تَوَاتر ذَلِك عَن أئمتكم يُوجب حفظ الشَّرْع فلماذا لَا يجوز أَن يكون تَوَاتر الْأمة كلهَا عَن نبيها أولى وَأَحْرَى من غير إحتياج إِلَى نقل وَاحِد عَن وَاحِد وقولك لقُصُور النُّصُوص عَن تفاصيل الْأَحْكَام قُلْنَا وكل إِمَام بِهَذِهِ الْمنزلَة فَإِن الْأَمِير إِذا خَاطب النَّاس فَلَا بُد أَن يخاطبهم بِمَا يعم الْأَعْيَان وَالْأَفْعَال إِذْ من الْمُمْتَنع أَن يعين كل فعل من فَاعل فِي كل وَقت فَمَا بَقِي إِلَّا الْخطاب الْكُلِّي وَذَلِكَ مُمكن من الرَّسُول وَإِن زعمت أَن نُصُوص الرَّسُول لَيست عَامَّة كُلية قيل لَك هَذَا مَمْنُوع وَبِتَقْدِير أَن يمْنَع هَذَا من نُصُوص الرَّسُول فَأَنت مُضْطَر فِي خطاب الإِمَام إِلَى إِثْبَات عُمُوم الْأَلْفَاظ أَو عُمُوم الْمعَانِي بالإعتبار فَأَيّهمَا كَانَ أمكن إثْبَاته من خطاب الرَّسُول فَلَا حَاجَة إِلَى الإِمَام وَالْحجّة قد قَامَت على الْخلق بالرسول قَالَ تَعَالَى (لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم) وَالله قد ضمن حفظ مَا أنزلهُ من الذّكر فَصَارَ ذَلِك مَأْمُونا من التبديل والتغيير ثمَّ قد علم بالإضطرار من الدّين أَن أَكثر الْمُسلمين بَلغهُمْ الْقُرْآن وَالسّنَن بِدُونِ نقل عَليّ فَإِن عمر لما فتح الْأَمْصَار بعث إِلَيْهَا من علمهمْ وفقههم ثمَّ اتَّصل الْعلم من أُولَئِكَ إِلَى الْمُسلمين وَعلي بلغ جملَة من ذَلِك كَمَا بلغ ابْن مَسْعُود ومعاذ ابْن جبل وَأبي وخلائق فَتَبَارَكَ الله مَا أَجْهَل الرافضة قَالَ وَالله قَادر على نصب مَعْصُوم وَالْحَاجة دَاعِيَة إِلَيْهِ وَلَا مفْسدَة فِيهِ فَيجب نَصبه وَغير عَليّ لم يكن كَذَلِك فَتعين هُوَ قُلْنَا هَذَا تكْرَار مِنْك وَقد مر أَن الْإِجْمَاع إِن كَانَ مَعْصُوما أغْنى عَن عصمَة عَليّ وَإِن لم يكن مَعْصُوما بطلت دلَالَته على عصمَة عَليّ وَإِن زعمت أَن حَال الْأمة مَعَ وجود الْمَعْصُوم أكمل فَلَا ريب أَن حَالهم مَعَ

стр. 401

عصمَة نوابه أكمل وحالهم مَعَ عصمَة أنفسهم أكمل وأكمل وَلَا يجب على الله ذَلِك وَإِذا ادعيت أَن مَعَ عَدمه يدْخلُونَ النَّار وَلَا يعيشون فِي الدُّنْيَا أَو يشْتَد الْبلَاء فَيُقَال هَب أَن الْأَمر كَذَلِك فَلم قلت إِن إِزَالَة هَذَا وَاجِب وَمَعْلُوم أَن الْأَمْرَاض والهموم مَوْجُودَة والغلاء والجوائح والمصائب كَثِيرَة وَلَيْسَ مَا يُصِيب الْمَظْلُوم من الضَّرَر بأعظم مِمَّا يُصِيبهُ من هَذِه الْأُمُور وَالله لم يزل ذَلِك وحوائج الْبشر دَاعِيَة إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ من الصِّحَّة وَالْقُوَّة وَالْمَال وَالسُّرُور وعَلى أصلك الْفَاسِد إِن الله لَا يقدر على خلق مُؤمن وَلَا كَافِر فَكيف يقدر على خلق مَعْصُوم وَقد تقدم هَذَا وَبَان تناقضكم حَيْثُ جمعتم بَين إِيجَاب خلق مَعْصُوم على الله وَبَين قَوْلكُم إِن الله لَا يقدر على جعل أحد مَعْصُوما بإختياره بِحَيْثُ يُثَاب على فعله للطاعات وَتَركه للمعاصي ثمَّ يُقَال الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجة أهوَ الْقَادِر على تَحْصِيل الْمصَالح وَإِزَالَة الْمَفَاسِد أم هُوَ الْمَعْصُوم وَإِن كَانَ عَاجِزا عَن ذَلِك الثَّانِي مَمْنُوع فَإِن الْعَاجِز لَا تحصل بِهِ فَائِدَة بل الْقُدْرَة شَرط فِي ذَلِك وَالْأول لم يُوجد وَإِن وجد لم يفعل ذَلِك فَهُوَ عَاص أَو عَاجز قطعا قَالَ وَالْإِمَام يجب أَن يكون أفضل من رَعيته وَعلي فَاضل أهل زَمَانه فَهُوَ الإِمَام لقبح تقدم الْمَفْضُول على الْفَاضِل عقلا ونقلا قُلْنَا لَا نسلم أَنه أفضل أهل زَمَانه فَإِنَّهُ قَالَ على مِنْبَر الْكُوفَة خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر ثمَّ وَعمر ثمَّ كثير من الْعلمَاء لَا يوجبون تَوْلِيَة الْأَفْضَل وَمِنْهُم من يَقُول بِولَايَة الْمَفْضُول إِذا كَانَ فِيهَا مصلحَة راجحة كَمَا تَقوله الزيدية قَالَ الْمنْهَج الثَّانِي فِي الْأَدِلَّة من الْقُرْآن على إِمَامَة عَليّ قَوْله تَعَالَى (إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ) وَقد أَجمعُوا أَنَّهَا نزلت فِي عَليّ روى الثَّعْلَبِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي ذَر رَضِي الله عَنهُ

стр. 402

قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ بِهَاتَيْنِ وَإِلَّا صمتا يَقُول عَليّ قَائِد البررة وَقَاتل الْكَفَرَة مَنْصُور من نَصره مخذول من خذله أما إِنِّي صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْمًا الظّهْر فَسَأَلَ سَائل فِي الْمَسْجِد فَلم يُعْطه أحد شَيْئا فَرفع يَده إِلَى السَّمَاء وَقَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَنِّي سَأَلت فِي مَسْجِد نبيك فَلم أعْط شَيْئا وَكَانَ عَليّ رَاكِعا فَأَوْمأ إِلَيْهِ بِخِنْصرِهِ فَأقبل فَأخذ الْخَاتم وَذَلِكَ بِعَين رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا فرغ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء وَقَالَ اللَّهُمَّ إِن مُوسَى سَأَلَك (وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي هَارُون أخي اشْدُد بِهِ أزري وأشركه فِي أَمْرِي) فأنزلت عَلَيْهِ قُرْآنًا ناطقا (سنشد عضدك بأخيك) اللَّهُمَّ وَأَنا نبيك وصفيك اللَّهُمَّ فاشرح لي صَدْرِي وَيسر لي أَمْرِي وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي عليا اشْدُد بِهِ ظَهْري فَمَا استتم كَلَامه حَتَّى نزل عَلَيْهِ جِبْرِيل بِهَذِهِ الْآيَة (إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ) وَنقل الْفَقِيه ابْن المغازلي عَن ابْن عَبَّاس أَن الْآيَة نزلت فِي عَليّ وَالْوَلِيّ الْمُتَصَرف وَقد أثبت لَهُ الْولَايَة فِي الْأمة كَمَا أثبتها الله لنَفسِهِ وَلِرَسُولِهِ وَالْجَوَاب إِن قَوْلك أَجمعُوا أَنَّهَا نزلت فِي عَليّ من أعظم الدعاوي الكاذبة بل أَجمعُوا على أَنَّهَا لم تنزل فِي عَليّ بِخُصُوصِهِ وَإِن الْخَبَر كَاذِب وَفِي تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ من الموضوعات مَا لَا يخفى وَكَانَ حَاطِب ليل وَكَذَا تِلْمِيذه الواحدي ثمَّ سَائِر مَا سقته من الْبَرَاهِين بَاطِل لَا يروج إِلَّا على من أعمى الله قلبه من الصم الْبكم أولى الْهوى وَالْجهل وَلِهَذَا دخلت عَامَّة الزَّنَادِقَة من بَاب الرَّفْض وتسلطوا بِتِلْكَ الأكاذيب على الطعْن فِي الْإِسْلَام وَصَارَت شبها عِنْد الجهلة وَبهَا ضلت النصيرية والإسماعيلية وَكَانَ منشأ ضلالهم تصديقهم الرافضة بَيت الْكَذِب فِيمَا ينقلونه من التَّفْسِير والفضائل والمثالب فيشرعون فِي التوجع لآل مُحَمَّد ثمَّ ينتقلون إِلَى سبّ الصَّحَابَة والقدح فيهم ثمَّ ينتقلون إِلَى الْقدح فِي عَليّ لِأَنَّهُ سكت ثمَّ إِلَى الْقدح فِي الرَّسُول ثمَّ فِي الْإِلَه كَمَا رتبه لَهُم صَاحب الْبَلَاغ الْأَكْبَر والناموس الْأَعْظَم ثمَّ هبك اعتضدت بالثعلبي

стр. 403

فقد نقل الثَّعْلَبِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِنَّهَا نزلت فِي أبي بكر وَنقل عَن عبد الْملك قَالَ سَأَلت أَبَا جَعْفَر الباقر عَن الْآيَة فَقَالَ هم الْمُؤْمِنُونَ قلت فَإِن نَاسا يَقُولُونَ هُوَ عَليّ فَقَالَ عَليّ من الَّذين آمنُوا وَعَن الضَّحَّاك مثله وروى عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة قَالَ كل من أسلم فقد تولى الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا ثمَّ نعفيك من ادعائك الْإِجْمَاع ونطالبك بِسَنَد وَاحِد صَحِيح وَمَا أوردته عَن الثَّعْلَبِيّ واه فِيهِ رجال متهمون وَأما ابْن المغازلي الوَاسِطِيّ فقد جمع فِي كِتَابه من الْكَذِب مَا لَا يخفى على من لَهُ أدنى معرفَة بِالْحَدِيثِ وَلَو كَانَ المُرَاد بِالْآيَةِ أَن يُؤْتِي الزَّكَاة فِي حَالَة الرُّكُوع لوَجَبَ أَن يكون ذَلِك شرطا فِي الْمُوَالَاة وَلَا يتَوَلَّى الْمُسلم إِلَّا عليا فَقَط فَلَا يتَوَلَّى الْحسن وَلَا الْحُسَيْن ثمَّ قَوْله (الَّذين يُقِيمُونَ) صِيغَة جمع فَلَا تصدق على وَاحِد فَرد وَأَيْضًا فَلَا يثنى على الْمَرْء إِلَّا بمحمود وَفعل ذَلِك فِي الصَّلَاة لَيْسَ بمستحب وَلَو كَانَ مُسْتَحبا لفعله الرَّسُول ﷺ ولحض عَلَيْهِ ولكرر عَليّ فعله وَإِن فِي الصَّلَاة لشغلا فَكيف يُقَال لَا ولي لكم إِلَّا الَّذين يتصدقون فِي حَال الرُّكُوع ثمَّ قَوْله (وَيُؤْتونَ الزَّكَاة) يدل على وجود زَكَاة وَعلي مَا وَجَبت عَلَيْهِ زَكَاة قطّ فِي زمن النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ فَقِيرا وَزَكَاة الْفضة إِنَّمَا تجب على من ملك النّصاب حولا وَعلي لم يكن من هَؤُلَاءِ ثمَّ إِعْطَاء الْخَاتم فِي الزَّكَاة لَا يجزى عِنْد الْأَكْثَر ثمَّ إِن الْآيَة بِمَنْزِلَة قَوْله تَعَالَى (وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة واركعوا مَعَ الراكعين) وَكَقَوْلِه تَعَالَى (اقنتي لِرَبِّك واسجدي واركعي مَعَ الراكعين) ثمَّ من الْمَعْلُوم المستفيض عِنْد الْمُفَسّرين أَنَّهَا نزلت فِي النَّهْي عَن مُوالَاة الْكفَّار وَوُجُوب مُوالَاة الْمُؤمنِينَ وَسِيَاق الْكَلَام يدل على ذَلِك لمن تدبر فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين) فَهَذَا نهي عَن مُوالَاة الْيَهُود وَالنَّصَارَى ثمَّ قَالَ (فترى الَّذين فِي قُلُوبهم مرض يُسَارِعُونَ فيهم يَقُولُونَ نخشى أَن تصينا دَائِرَة فَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح

стр. 404

أَو أَمر من عِنْده فيصبحوا على مَا أَسرُّوا فِي أنفسهم نادمين) إِلَى أَن قَالَ (إِنَّمَا وَلِيكُم الله) فَهَذَا وصف عَام للْمُؤْمِنين وَلَا بُد لَكِن عَليّ وَأَبُو بكر وَالسَّابِقُونَ أولى الْأمة بِالدُّخُولِ فِيهَا وَمن تَأمل الحَدِيث وركنه لَاحَ لَهُ كذبه وَلَو كَانَ حَقًا لَكَانَ من خذله وَمنعه حَقه من النَّصْر مخذولين وَلم يكن الْأَمر كَذَلِك بل نصروا وافتتحوا الْبِلَاد فَارس وَالروم والقبط فالشيعة يدعونَ أَن الْأمة كلهَا خذلته إِلَى أَن قتل عُثْمَان وَمن الْمَعْلُوم أَن الْأمة إِلَى أَن قتل عُثْمَان كَانَت منصورة نصرا عَظِيما لم ينصر بعده مثله أبدا فَلَمَّا قتل عُثْمَان تَفَرَّقت الْأمة فحزب مَعَ عَليّ وحزب عَلَيْهِ وحزب انعزلوا لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ وَمن الْمَعْلُوم أَن إِيمَان النَّاس بالرسول وطاعتهم لَهُ مَا كَانَ لأجل عَليّ كَمَا كَانَ هَارُون مَعَ مُوسَى فَإِن بني إِسْرَائِيل كَانُوا يحبونَ هَارُون جدا ويهابون مُوسَى وَكَانَ هَارُون يتألفه ويداريه والرافضة تَدعِي أَن الْمُسلمين كَانُوا يبغضون عليا وَأَنَّهُمْ لبغضهم لَهُ لم يبايعوه وكتموا النَّص عَلَيْهِ فَكيف يُقَال إِن النَّبِي احْتَاجَ إِلَيْهِ كَمَا احْتَاجَ مُوسَى إِلَى هَارُون وَهَذَا أَبُو بكر أسلم على يَدَيْهِ خَمْسَة من الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ عُثْمَان وَطَلْحَة وَسعد وَعبد الرَّحْمَن وَأَبُو عُبَيْدَة وَلم نعلم أَن أحدا من السَّابِقين أسلم على يَد عَليّ وَهَذَا مُصعب بن عُمَيْر أحد السَّابِقين قد أسلم على يَدَيْهِ أسيد بن حضير وَسعد بن معَاذ وَأما الْمُوَالَاة فقد قَالَ تَعَالَى) وَإِن تظاهرا عَلَيْهِ فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ) فَبين الله أَن كل صَالح من الْمُؤمنِينَ فَهُوَ مولى رَسُول الله وَالله مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل مَوْلَاهُ وَلَيْسَ فِي كَون الصَّالح من الْمُؤمنِينَ مولى أَن يكون مُتَوَلِّيًا على رَسُول الله وَلَا متصرفا فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى (والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض) فَكل مُؤمن تَقِيّ فَهُوَ ولي الله وَالله وليه قَالَ تَعَالَى (الله ولي الَّذين آمنُوا) وَقَالَ (أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم)

стр. 405

وَمَا فِي هَذِه الْآيَات أَن من كَانَ ولي الآخر كَانَ مُتَوَلِّيًا عَلَيْهِ دون النَّاس وَالْفرق بَين الْولَايَة وَالْولَايَة مَعْرُوف فالأمير يُسمى الْوَالِي وَلَا يُسمى الْوَلِيّ وَاخْتلف الْفُقَهَاء إِذا اجْتمع فِي الْجِنَازَة الْوَالِي وَالْوَلِيّ أَيهمَا يقدم فالموالاة ضد المعاداة قَالَ الرافضي الْبُرْهَان الثَّانِي قَوْله تَعَالَى (يَا ايها الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك) اتَّفقُوا على نُزُولهَا فِي عَليّ روى أَبُو نعيم بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَطِيَّة أَنَّهَا نزلت فِي عَليّ وَفِي تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ (بلغ مَا أنزل إِلَيْك) فِي فضل عي فَلَمَّا نزلت أَخذ بيد عَليّ فَقَالَ من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ وَالنَّبِيّ مولى أبي بكر وَعمر وَالصَّحَابَة بِالْإِجْمَاع فَيكون عَليّ مَوْلَاهُم فَيكون هُوَ الإِمَام وَمن تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ قَالَ لما كَانَ يَوْم غَدِير خم نَادَى رَسُول الله ﷺ النَّاس فَاجْتمعُوا فَأخذ بيد عَليّ فَقَالَ من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ فشاع ذَلِك وطار فِي الْبِلَاد وَبلغ ذَلِك الْحَارِث بن النُّعْمَان الفِهري فَأتى رَسُول الله ﷺ فَأَنَاخَ بِالْأَبْطح فَنزل وأتى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فِي مَلأ من أَصْحَابه فَقَالَ يَا مُحَمَّد أمرتنا بِالشَّهَادَتَيْنِ وبالصلاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج فَقبلنَا مِنْك ثمَّ لم ترض حَتَّى رفعت بضبعي ابْن عمك ففضلته علينا وَقلت من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ فَإِن كَانَ هَذَا من الله فحدثنا فَقَالَ أَي وَالله من أَمر الله فولي الْحَارِث وَهُوَ يَقُول (إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء أَو ائتنا بِعَذَاب أَلِيم) فَمَا وصل حَتَّى رَمَاه الله بِحجر فَسقط على هامته وَخرج من دبره فَقتله وأنزلت (سَأَلَ سَائل بِعَذَاب) وَقد روى هَذَا النقاش فِي تَفْسِيره قُلْنَا هَذَا أعظم كذبا وفرية من الأول فقولك اتَّفقُوا على نُزُولهَا فِي عَليّ كذب بل وَلَا قَالَه عَالم وَفِي كتاب أبي نعيم والثعلبي والنقاش من الْكَذِب مَا لَا يعد والمرجع فِي النَّقْل إِلَى أُمَنَاء حَدِيث رَسُول الله كَمَا أَن الْمرجع فِي النَّحْو إِلَى أربابه وَفِي الْقرَاءَات إِلَى حذاقها وَفِي اللُّغَة إِلَى أئمتها وَفِي الطِّبّ إِلَى علمائه فَلِكُل فن رجال وعلماء الحَدِيث اجل وَأعظم تحريا للصدق من كل أحد علم ذَلِك من علمه فَمَا

стр. 406

اتَّفقُوا على صِحَّته فَهُوَ الْحق وَمَا أَجمعُوا على تزييفه وتوهينه فَهُوَ سَاقِط وَمَا اخْتلفُوا فِيهِ نظر فِيهِ بإنصاف وَعدل فهم الْعُمْدَة كمالك وَشعْبَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث والسفيانين والحمادين وَابْن الْمُبَارك وَيحيى الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي ووكيع وَابْن علية وَالشَّافِعِيّ وَعبد الرَّزَّاق وَالْفِرْيَابِي وَأبي نعيم والقعنبي والْحميدِي وَأبي عبيد وَابْن الْمَدِينِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَابْن معِين وَأبي بكر بن أبي شيبَة والذهلي وَالْبُخَارِيّ وَأبي زرْعَة وَأبي حَاتِم وَأبي دَاوُد وَمُسلم ومُوسَى بن هَارُون وَصَالح جزرة وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَأبي أَحْمد بن عدي وَابْن حبَان وَالدَّارَقُطْنِيّ وأمثالهم من أهل الْعلم بِالنَّقْلِ وَالرِّجَال والجراح وَالتَّعْدِيل وَقد صنف فِي معرفَة الرِّجَال كتب جمة كالطبقات لإبن سعد وتاريخي البُخَارِيّ وَكَلَام ابْن معِين من رِوَايَة أَصْحَابه عَنهُ وَكَلَام أَحْمد من رِوَايَة أَصْحَابه عَنهُ وَكتاب يحيى بن سعد الْقطَّان وَكتاب عَليّ بن المدايني وتاريخ يَعْقُوب الْفَسَوِي وَابْن أبي خَيْثَمَة وَابْن أبي حَاتِم والعقيلي وَابْن عدي وَابْن حبَان وَالدَّارَقُطْنِيّ والمصنفات فِي الحَدِيث على المسانيد كمسند أَحْمد وَإِسْحَاق وَأبي دَاوُد وَابْن أبي شيبَة والعدني وَابْن منيع وَأبي يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وخلائق وعَلى الْأَبْوَاب كالموطأ وَسنَن سعيد بن مَنْصُور وصحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم وَالسّنَن الْأَرْبَعَة وَمَا يطول الْكتاب بتعداده وَفِي الْجُمْلَة لَيْسَ فِي فرق الْأمة أَجْهَل بالآثار ورجالها وَأَقْبل للباطل وأدفع للصحيح من الرافضة ثمَّ أضدادهم من الْخَوَارِج وإخوانهم من الْمُعْتَزلَة يتحرون الصدْق وَلَا يحتجون بِخَبَر مَكْذُوب بل وَلَا بِالصَّحِيحِ بل لَهُم طرق وقواعد مبتدعة وعقول فِي الْجُمْلَة وَهَؤُلَاء الرافضة لَا عقل وَلَا نقل فالآثار ومعرفتها والأسانيد من خَصَائِص السّنة وَالْجَمَاعَة وعلامة صِحَة الحَدِيث عِنْد الرافضي أَن يُوَافق هَوَاهُ قَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي أهل الْعلم يَكْتُبُونَ مَالهم وَمَا عَلَيْهِم وَأهل الْأَهْوَاء لَا يَكْتُبُونَ إِلَّا مَالهم ثمَّ نقُول لَهُم مَا يرويهِ مثل النقاش والثعلبي وَأبي نعيم وَنَحْوهم أتقبلونه مُطلقًا لكم وَعَلَيْكُم أم تردونه مُطلقًا أَو تأخذون بِمَا وَافق أهواءكم وتردون مَا خَالف فَإِن قبلوه مُطلقًا فَفِي ذَلِك من فَضَائِل الشَّيْخَيْنِ جملَة من الصَّحِيح والضعيف وَإِن ردُّوهُ مُطلقًا بَطل إعتماده بمل ينْقل عَنْهُم وَإِن قبلوا مَا يُوَافق مَذْهَبهم أمكن الْمُخَالف رد مَا قبلوه والإحتجاج

стр. 407

بِمَا ردُّوهُ وَالنَّاس قد كذبُوا فِي المناقب والمثالب أَكثر من كل شَيْء ثمَّ هَذَا الحَدِيث كذب بإتفاق أهل الحَدِيث وَلِهَذَا لم يرو فِي شَيْء من كتب الحَدِيث المرجوع إِلَيْهَا وَإِنَّمَا يجوز صدقه من يَقُول إِن النَّبِي ﷺ كَانَ على مَذْهَب أحد الْأَرْبَعَة وَإِن أَبَا حنيفَة وَنَحْوه كَانُوا قبل النَّبِي ﷺ أَو كَمَا تظن طَائِفَة من التركمان أَن حَمْزَة لَهُ مغاز عَظِيمَة وينقلونها بَينهم وَحَمْزَة مَا شهد إِلَّا بَدْرًا وَاسْتشْهدَ يَوْم أحد وَمثل مَا يعْتَقد كثير من الْعَوام أَن أبي بن كَعْب وَأم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ فِي مغائر دمشق أَو أَن عَائِشَة كَانَت تحدث النَّاس فِي بَاب الْقبَّة الَّتِي بِجَامِع دمشق أَو أَن قبر عَليّ ﵁ بباطن النجف وَأهل الْعلم يعلمُونَ أَن عليا وَمُعَاوِيَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ دفن كل وَاحِد مِنْهُم بقصر الْإِمَارَة خوفًا عَلَيْهِ من نبش الْخَوَارِج

стр. 408

وَاتفقَ النَّاس على أَن مَا قَالَه النَّبِي ﷺ بغدير خم كَانَ مرجعه من حجَّة الْوَدَاع أَلا ترى أَن الشِّيعَة تجْعَل يَوْم ثَانِي عشر ذِي الْحجَّة عيدا فَبعد ذَلِك لم يرجع النَّبِي ﷺ إِلَى مَكَّة وَهَذَا الحَدِيث المكذوب فِيهِ مَا يبين كذبه من قَوْله فَجَاءَهُ الْحَارِث وَهُوَ بِالْأَبْطح ثمَّ قَوْله وَنزلت (سَأَلَ سَائل) وَهِي إِنَّمَا نزلت قبل الْهِجْرَة بِمَكَّة ثمَّ قَوْله تَعَالَى (وَإِذ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق) نزلت عقيب بدر بالإتفاق وَأهل التَّفْسِير متفقون على أَنَّهَا نزلت بِسَبَب مَا قَالَه الْمُشْركُونَ للنَّبِي ﷺ بِمَكَّة كَأبي جهل وَذَوِيهِ ثمَّ لم تنزل عَلَيْهِم حِجَارَة من السَّمَاء وَلَو كَانَ هَذَا الْمَجْهُول قد نزل عَلَيْهِ حجر خرق هامته وَخرج من دبره لَكَانَ آيَة من جنس أَصْحَاب الْفِيل وَذَلِكَ مِمَّا تتوفر الهمم والدواعي على نَقله قَالَ الْبُرْهَان الثَّالِث قَوْله (الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ) الْآيَة روى أَبُو نعيم بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي سعيد أَن النَّبِي ﷺ دَعَا النَّاس إِلَى غَدِير خم وأمرنا بحت الشّجر من الشوك فَقَامَ فَأخذ بضبعي عَليّ فرفعهما حَتَّى نظر النَّاس إِلَى بَاطِن إبطي رَسُول الله ثمَّ لم يتفرقوا حَتَّى نزلت (الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ) فَقَالَ الرَّسُول الله أكبر على إِكْمَال الدّين وَرَضي الرب برسالتي وبالولاية لعَلي من بعدِي ثمَّ قَالَ من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَال من وَالَاهُ وانصر من نَصره واخذل من خذله قُلْنَا وَهَذَا من الْكَذِب بإتفاق أهل الْمعرفَة بالموضوعات وَقد ثَبت أَن الْآيَة نزلت على الرَّسُول ﷺ وَهُوَ وَاقِف بِعَرَفَة قبل يَوْم الغدير بسبعة أَيَّام ثمَّ لَيْسَ فِيهَا دلَالَة على عَليّ ﵁ بِوَجْه وَلَا على إِمَامَته فدعواك أَن الْبَرَاهِين دلّت عَلَيْهِ من الْقُرْآن من الْكَذِب الْوَاضِح وَإِنَّمَا يكون ذَلِك من الحَدِيث لَو صَحَّ قَالَ الْبُرْهَان الرَّابِع قَوْله (والنجم إِذا هوى مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى) روى

стр. 409

الْفَقِيه عَليّ بن المغازلى الشَّافِعِي بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كنت جَالِسا مَعَ فِئَة من بني هَاشم عِنْد النَّبِي ﷺ إِذا انقض كَوْكَب من السَّمَاء فَقَالَ من انقض هَذَا الْكَوْكَب فِي منزله فَهُوَ الْوَصِيّ من بعدِي فَإِذا هُوَ قد انقض فِي منزل عَليّ قَالُوا يَا رَسُول الله قد غويت فِي حب عَليّ فَأنْزل الله تَعَالَى (والنجم إِذا هوى) قُلْنَا وَهَذَا من أبين الْكَذِب وَالْقَوْل على الله بِلَا علم حرَام قَالَ الله تَعَالَى (وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم) فَكل من احْتج بِحَدِيث عَلَيْهِ أَن يعلم صِحَّته قبل أَن يسْتَدلّ بِهِ وَإِذا احْتج بِهِ على غَيره فَعَلَيهِ بَيَان صِحَّته وَإِذا عرف أَن فِي الْكتب الْكَذِب صَار الإعتماد على مُجَرّد مَا فِيهَا مثل الأستدلال بِشَهَادَة الْفَاسِق الَّذِي يصدق ويكذب ثمَّ هَذَا الحَدِيث ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات بِلَفْظ آخر من حَدِيث مُحَمَّد بن مَرْوَان عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما عرج بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة وَأرَاهُ الله من الْعَجَائِب فَلَمَّا أصبح جعل يحدث فكذبه من أهل مَكَّة من كذبه فانقض نجم من السَّمَاء فَقَالَ النَّبِي ﷺ فِي دَار من وَقع هَذَا النَّجْم فَهُوَ خليفتي من بعدِي فَوَقع فِي دَار عَليّ فَقَالَ أهل مَكَّة ضل مُحَمَّد وغوى وَهوى أهل بَيته وَمَال إِلَى ابْن عَمه فَنزلت (والنجم) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا مَوْضُوع فَمَا أبرد من وَضعه وَمَا أبعد مَا ذكر وَفِي إِسْنَاده ظلمات مِنْهَا أَبُو صَالح وَكَذَلِكَ الْكَلْبِيّ وَمُحَمّد بن مَرْوَان السّديّ وَالْمُتَّهَم بِهِ الْكَلْبِيّ قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان كَانَ الْكَلْبِيّ من الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ يرجع إِلَى الدُّنْيَا وَإِن وأوا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا لَا يحل الإحتجاج بِهِ قَالَ وَالْعجب من تغفل من وضع هَذَا الحَدِيث كَيفَ رتب مَا لَا يصلح فِي الْمَعْقُول من أَن النَّجْم يَقع فِي دَار وَيثبت إِلَى أَن يرى وَمن بلهه أَنه وضع هَذَا الحَدِيث على ابْن عَبَّاس

стр. 410

وَكَانَ ابْن عَبَّاس زمن الْمِعْرَاج إِبْنِ سنتَيْن فَكيف يشْهد تِلْكَ الْحَالة ويرويها قلت إِذا لم يكن هَذَا الحَدِيث فِي تَفْسِير الْكَلْبِيّ الْمَعْرُوف عَنهُ فَهُوَ مِمَّا وضع بعده وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَب قَالَ أَبُو الْفرج وَقد سرق هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه قوم وغيروا إِسْنَاده وَرَوَوْهُ بِإِسْنَاد غَرِيب ثمَّ إِنَّه لم ينْقض قطّ كَوْكَب إِلَى الأَرْض بِمَكَّة وَلَا بِالْمَدِينَةِ وَلَا غَيرهمَا وَلما بعث نَبِي الله ﷺ كثر الرَّمْي بِالشُّهُبِ وَمَعَ هَذَا لَا يرْوى مثل هَذَا الْبُهْتَان إِلَّا أوقح النَّاس وَأَقلهمْ حَيَاء ثمَّ لَو كَانَ هَذَا جرى لَكَانَ يُغني عَن الْوَصِيَّة يَوْم غَدِير خم قَالَ الْبُرْهَان الْخَامِس قَوْله تَعَالَى (إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت) فروى أَحْمد فِي مُسْنده عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ طلبت عليا فِي منزله فَقَالَت فَاطِمَة ذهب إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ فجاءا جَمِيعًا فَدخلت مَعَهُمَا فأجلس عليا عَن يسَاره وَفَاطِمَة عَن يَمِينه وَالْحسن وَالْحُسَيْن بَين يَدَيْهِ ثمَّ التفع عَلَيْهِم بِثَوْبِهِ وَقَالَ (إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا) اللَّهُمَّ إِن هَؤُلَاءِ أَهلِي وَعَن أم سَلمَة قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ فِي بَيتهَا الحَدِيث وَفِي آخِره إِنَّك إِلَى خير فَفِي هَذِه الْآيَة دلَالَة على الْعِصْمَة مَعَ التَّأْكِيد بِلَفْظَة إِنَّمَا وَإِدْخَال اللَّام فِي الْخَبَر وَغَيرهم لَيْسَ بمعصوم فَتكون الْإِمَامَة فِي عَليّ وَلِأَنَّهُ ادَّعَاهَا فِي عدَّة من أَقْوَاله كَقَوْلِه وَالله لقد تقمصها ابْن أبي قُحَافَة وَهُوَ يعلم أَن محلي مِنْهَا مَحل القطب من الرَّحَى وَقد ثَبت نفي الرجس عَنهُ فَيكون صَادِقا قُلْنَا الحَدِيث صَحِيح قَول النَّبِي ﷺ لَهُم وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن عَائِشَة وَفِي السّنَن عَن أم سَلمَة وَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على عصمتهم وَلَا إمامتهم أصلا فَنَقُول قَوْله (إِنَّمَا يُرِيد الله) كَقَوْلِه (مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته

стр. 411

عَلَيْكُم) وَكَقَوْلِه تَعَالَى (يُرِيد الله بكم الْيُسْر) وَقَوله (يُرِيد الله ليبين لكم) (وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم) فإرادته فِي هَذِه الْآيَات متضمنة لمحبته لذَلِك المُرَاد ورضائه بِهِ وَأَنه شَرعه لَيْسَ فِي ذَلِك أَنه خلق هَذَا المُرَاد وَلَا أَنه قدره وأوجده وَالنَّبِيّ ﷺ بعد نزُول الْآيَة قَالَ اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي فَأذْهب عَنْهُم الرجس فَطلب من الله ذَلِك فَلَو كَانَت الْآيَة تَتَضَمَّن الْوُقُوع وَلَا بُد لم يحْتَج إِلَى الدُّعَاء وَهَذَا على قَول الْقَدَرِيَّة أظهر فَإِن إِرَادَة الله عنْدكُمْ لَا تَتَضَمَّن وجود المُرَاد بل قد يُرِيد مَا لَا يكون وَيكون مَا لَا يُرِيد أفنسيت أصلك الْفَاسِد أما على قَوْلنَا فالإرادة نَوْعَانِ شَرْعِيَّة تَتَضَمَّن محبَّة الله وَرضَاهُ كَمَا فِي الْآيَات وَإِرَادَة كونية قدرية تَتَضَمَّن خلقه وَتَقْدِيره كَقَوْلِه (إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم) (فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا) ثمَّ إِن أَزوَاج النَّبِي ﷺ مذكورات فِي الْآيَات فَبَدَأَ بِهن وَختم بِهن وَسَائِر الْخطاب لَهُنَّ وَإِرَادَة إذهاب الرجس وتطهير أهل الْبَيْت لَيْسَ بمختص بالأزواج بل متناول لكل أهل الْبَيْت وَعلي وَفَاطِمَة وَحسن وحسين أخص من غَيرهم وَلذَلِك خصهم بِالدُّعَاءِ وَثَبت فِي الصَّحِيح أَنه علمهمْ الصَّلَاة عَلَيْهِ اللَّهُمَّ صلى على مُحَمَّد وأزواجه وَذريته فَإِن قيل هَب أَن الْقُرْآن لَا يدل على طهارتهم وإذهاب الرجس عَنْهُم لَكِن دعاؤه لَهُم يدل على وُقُوعه قُلْنَا الْمَقْصُود أَن الْقُرْآن بمفرده لَا يدل على ذَلِك فضلا عَن أَن يدل على الْعِصْمَة والإمامة ثمَّ هَب أَن الْقُرْآن دلّ على طهارتهم فَأَيْنَ لُزُوم الْعِصْمَة وَأَن لَا يجوز عَلَيْهِم خطأ وَلَا سَهْو وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الله لم يرد بِمَا أَمر بِهِ الزَّوْجَات أَن لَا يصدر

стр. 412

من وَاحِدَة مِنْهُنَّ خطأ وَسِيَاق الْآيَة يدل على أَن الله يذهب عَنْهُم الْخبث وَالْفَوَاحِش ويطهرهم مِنْهَا وَنحن نعلم أَن الله أذهب عَن أُولَئِكَ السَّادة الشّرك والخبائث والرجس وطهرهم من هَذِه الْفَوَاحِش وَلَيْسَ من شَرط المتقى أَن لَا تقع مِنْهُ صَغِيرَة ويستغفر مِنْهَا وَلَو كَانَ ذَلِك شرطا لعدم المتقون من أمة مُحَمَّد ﷺ فَمن فعل مَا يكفر سيئاته كَانَ من الْمُتَّقِينَ وَقَالَ تَعَالَى (خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا) وَقد يكون من تَمام تطهيرهم صيانتهم عَن الصَّدَقَة فَإِنَّهَا أوساخ النَّاس وَبِالْجُمْلَةِ فالتطهير الَّذِي فِي الْآيَة ودعا بِهِ الرَّسُول لَيْسَ هُوَ الْعِصْمَة بالإتفاق فَإِن أهل السّنة يثبتونها للرسول والشيعة لَا يثبتونها لغير النَّبِي ﷺ إِلَّا لعَلي أَو للْإِمَام فانتفت عَن الزَّوْجَات وَالْبَنَات وَغَيرهم وَإِذا كَانَ كَذَلِك امْتنع أَن يكون التَّطْهِير الْمَدْعُو بِهِ للأربعة متضمنا للعصمة الْمُخْتَص بهَا النَّبِي وَالْإِمَام ثمَّ الدُّعَاء بالعصمة من الذُّنُوب مُمْتَنع على أصل الْقَدَرِيَّة بل والتطهير فَإِن الْأَفْعَال الإختيارية الَّتِي هِيَ فعل الْوَاجِبَات وَترك الْمُحرمَات عِنْدهم غير مقدورة للرب فَلَا يُمكنهُ أَن يَجْعَل العَبْد متطهرا وَلَا طَائِعا وَلَا عَاصِيا فَامْتنعَ على أصلهم الدُّعَاء بِفعل الْخيرَات وَترك الْمُنْكَرَات وَإِنَّمَا الْمَقْدُور عِنْدهم قدرَة تصلح لهَذَا وَهَذَا كالسيف يصلح لقتل الْمُسلم وَالْكَافِر وَالْمَال يُمكن بذله فِي الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة ثمَّ العَبْد يفعل اشاء من خير أَو شَرّ بِتِلْكَ الْقُدْرَة والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم فِي إبِْطَال هَذَا القَوْل حَيْثُ دَعَا النَّبِي ﷺ لأهل بَيته بالتطهير وَإِن قَالُوا المُرَاد بذلك أَنه يغْفر لَهُم وَلَا يؤاخذهم كَانَ ذَلِك أدل على بطلَان دلَالَته على الْعِصْمَة وَيمْتَنع عِنْدهم سُؤال الله الْعِصْمَة من الْمعاصِي وَلَو قدر ثُبُوت الْعِصْمَة فقد قدمنَا أَنه لَا يشْتَرط فِي الإِمَام الْعِصْمَة

стр. 413

وقولك إِن عليا ادَّعَاهَا وَقد ثَبت نفي الرجس عَنهُ فَيكون صَادِقا فَلَا نسلم أَنه ادَّعَاهَا بل نعلم بِالضَّرُورَةِ أَنه مَا ادَّعَاهَا حَتَّى قتل عُثْمَان وَإِن كَانَ قد يوده بِقَلْبِه لَكِن مَا قَالَ أَنا الإِمَام وَلَا أَنا مَعْصُوم وَلَا إِن الرَّسُول جعلني الإِمَام بعده وَلَا أَنه أوجب على النَّاس متابعتي وَلَا نَحْو هَذِه الْأَلْفَاظ بل نَحن نعلم بالإضطرار أَن من نقل هَذَا وَنَحْوه عَنهُ فَهُوَ كَاذِب عَلَيْهِ وَنحن نعلم أَن عليا أتقى لله من أَن يدعى الْكَذِب الظَّاهِر الَّذِي يعلم الصَّحَابَة كلهم أَنه كذب وقولك عَنهُ لقد تقمصها إِلَخ فَلم يقلهُ وَأَيْنَ إسنادك بِهِ وَإِنَّمَا يُوجد هَذَا فِي نهج البلاغة وَأهل الْعلم يعلمُونَ أَن أَكثر خطب هَذَا الْكتاب مفتراة على عَليّ وَلِهَذَا لَا يُوجد غالبها فِي كتاب قديم وَلَا لَهَا إِسْنَاد مَعْرُوف فَهِيَ بِمَنْزِلَة من يَدعِي أَنه علوي أَو عباسي وَلَا نعلم أحدا من سلفه ادّعى ذَلِك قطّ فَيعلم كذبه فَإِن النّسَب يكون مَعْرُوفا من أَصله حَتَّى يتَّصل بفرعه وَفِي هَذِه الْخطب أَشْيَاء قد علم يَقِينا من عَليّ مَا يناقضها وَلم يُوجب الله على الْخلق أَن يصدقُوا بِمَا لم يقم دَلِيل على صدقه وَإِن ذَلِك من تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَكَيف يمكننا أَن نثبت إدعاء عَليّ الْخلَافَة بِمثل حِكَايَة منبعها من متهمين ثمَّ هَب أَنه قَالَ ذَلِك فَلم قُلْتُمْ إِنَّه أَرَادَ أَنِّي إِمَام مَنْصُوص عَلَيْهِ فَيجوز عَلَيْهِ أَنه أَرَادَ أَنه

стр. 414

أَحَق من غَيره وَحِينَئِذٍ لَا يكون مخبرا عَن أَمر تعمد فِيهِ الْكَذِب وَلَكِن يكون تكلم بإجتهاد مِنْهُ لَكِن هَذَا كُله لَو صَحَّ شَيْء مِنْهُ لم يَصح إِلَّا بمقدمات لَيست فِي الْقُرْآن فَأَيْنَ براهينك القرآنية قَالَ الْبُرْهَان السَّادِس قَوْله (فِي بيُوت أذن الله أَن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه يسبح لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله) روى الثَّعْلَبِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن انس وَبُرَيْدَة قَالَا قَرَأَ رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة فَقَامَ رجل فَقَالَ أَي بيُوت هَذِه يَا رَسُول الله قَالَ بيُوت الْأَنْبِيَاء فَقَالَ أَبُو بكر يَا رَسُول الله هَذَا الْبَيْت مِنْهَا يَعْنِي بَيت عَليّ وَفَاطِمَة قَالَ نعم من أفضلهَا قُلْنَا نطالبك بِصِحَّة النَّقْل فَلَا سَبِيل لَك إِلَى ذَلِك والثعلبي كحاطب ليل فَكيف والْحَدِيث كذب بِلَا ريب ثمَّ الْآيَة بإتفاق النَّاس هِيَ فِي الْمَسَاجِد وَلَو قدر أَن عليا من رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع لما لزم من ذَلِك أَنه أفضل الْأمة بعد نبيها ثمَّ لفظ الْآيَة رجال لم يقل رجل وَاحِد وَلَو قدر أَنه أفضل فَلم قلت بِوُجُوب إِمَامَة الْأَفْضَل قَالَ الْبُرْهَان السَّابِع قَوْله (لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى) وروى الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة قَالُوا يَا رَسُول الله من قرابتك الَّتِي وَجَبت علينا مَوَدَّتهمْ قَالَ عَليّ وَفَاطِمَة وابناهما وَكَذَا فِي تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ وَنَحْوه فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغير عَليّ من الصَّحَابَة لَا تجب مودته فَيكون عَليّ أفضل فَيكون هُوَ الإِمَام ومخالفته تنَافِي الْمَوَدَّة وطاعته مَوَدَّة فَيكون وَاجِب الطَّاعَة فَالْجَوَاب قَوْلك فِي مُسْند أَحْمد كذب بَين على الْمسند وَكَذَا قَوْلك فِي الصَّحِيحَيْنِ إفتراء عَلَيْهِمَا بل فيهمَا وَفِي الْمسند مَا يُنَاقض ذَلِك فَكيف الْعَمَل بخطاب جهال كذبة وَلَكِن أَحْمد صنف كتابا فِي فَضَائِل الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَغَيرهم فِيهِ الصَّحِيح والسقيم ثمَّ زَاد ابْنه عبد الله فِيهِ احاديث وَزَاد الْقطيعِي فِيهِ جملَة كَثِيرَة

стр. 415

واهية ومكذوبة فَظن الجهلة أَن الْكل من رِوَايَة أَحْمد وَهَذَا خطأ قَبِيح فَإِن زيادات عبد الله تظهر بِكَوْنِهَا عَن غير أَبِيه وزيادات الْقطيعِي تعرف بروايته لَهَا عَن غير عبد الله بن أَحْمد وَأَيْضًا فالآية فِي الشورى وَهِي مَكِّيَّة بإتفاق وَعلي مَا تزوج فَاطِمَة إِلَّا فِي الْمَدِينَة وَالْحسن ولد سنة ثَلَاث وَالْحُسَيْن سنة أَربع فَكيف يُفَسر النَّبِي ﷺ الْآيَة المكية بِوُجُوب موده من لَا يعرف ثمَّ تَفْسِير الْآيَة فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن ابْن عَبَّاس سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ لَهُ سعيد بن جُبَير إِلَّا أَن تودوا مُحَمَّدًا فِي قرَابَته فَقَالَ ابْن عَبَّاس عجلت إِنَّه لم يكن بطن من قُرَيْش إِلَّا ولرسول الله ﷺ فيهم قرَابَة فَقَالَ (لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا) لَكِن أَسأَلكُم مَوَدَّة الْقَرَابَة الَّتِي بيني وَبَيْنكُم فَهَذَا ابْن عَبَّاس ترجمان الْقُرْآن وَأعلم أهل الْبَيْت بعد عَليّ يَقُول مَا تسمع وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ (إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى) لم يقل إِلَّا الْمَوَدَّة للقربى وَلَا الْمَوَدَّة لِذَوي الْقُرْبَى فَلَو أَرَادَ ذَلِك لقَالَ هَكَذَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَإِن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) وَقَالَ (فَللَّه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) (فَآت ذَا الْقُرْبَى حَقه) (وَأتي المَال على حبه ذَوي الْقُرْبَى) فَجَمِيع مَا أوصى بِهِ من حق ذَوي قربى النَّبِي أَو ذَوي قربى الْإِنْسَان هَكَذَا فَلَمَّا ذكر قَوْله (إِلَّا الْمَوَدَّة) بِالْمَصْدَرِ دون الإسم دلّ على أَنه لم يرد ذَوي الْقُرْبَى وَلَو أَرَادَ لقَالَ الْمَوَدَّة لِذَوي الْقُرْبَى وَلم يقل فِي فَإِنَّهُ لَا يُقَال لَا أَسأَلك الْمَوَدَّة فِي فلَان وَلَا فِي قربى فلَان بل لفُلَان ونقول الرَّسُول لَا يسْأَل على تَبْلِيغ الرسال أجرا الْبَتَّةَ بل أجره على الله كَمَا قَالَ (قل مَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من اجْرِ) وَقَالَ (أم تَسْأَلهُمْ أجرا فهم من مغرم مثقلون) وَقَالَ (إِن أجْرى إِلَّا على الله) وَلَكِن الإستثناء مُنْقَطع كَقَوْلِه (قل مَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من اجْرِ إِلَّا من شَاءَ أَن يتَّخذ إِلَى ربه سَبِيلا) وَلَا ريب أَن محبَّة أهل الْبَيْت واحبة لَكِن لم يثبت وُجُوبهَا بِهَذِهِ الْآيَة وَلَا محبتهم أجر الرَّسُول بل هُوَ مِمَّا أمرنَا بِهِ فَهُوَ من الْعِبَادَات

стр. 416

وَفِي الصَّحِيح أَنه ﷺ خطب بغدير خم فَقَالَ أذكركم الله فِي أهل بَيْتِي قَالَهَا ثَلَاثًا وَفِي السّنَن أَنه قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يحبوكم لله ولقرابتي وَلَو كَانَت مودتنا لَهُم أجرا لَهُ لم نثب عَلَيْهَا لأَنا أعطينا أجره الَّذِي إستحقه بالرسالة فَهَل يَقُول هَذَا مُسلم سلمنَا أَن عليا تجب مودته بِدَلِيل آخر فَمَا فِي ذَلِك مَا يُوجب إختصاصه بِالْإِمَامَةِ والفضيلة وقولك وَالثَّلَاثَة لَا تجب مَوَدَّتهمْ مَمْنُوع بل تجب أَيْضا مَوَدَّتهمْ وموالاتهم فَإِنَّهُ ثَبت أَن الله يُحِبهُمْ وَمن كَانَ الله يُحِبهُ وَجب علينا أَن نحبه وَالْحب فِي الله والبغض فِي الله وَاجِب وَهُوَ أوثق عرى الْإِيمَان وهم من أَوْلِيَاء الله الْكِبَار وَثَبت أَن الله رَضِي عَنْهُم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مثل الْمُؤمنِينَ فِي توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كَمثل الْجَسَد الْوَاحِد إِذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْو تداعى لَهُ سَائِر الْجَسَد بالحمى والسهر والرافضي لَا يقدر أَن يركب الْحجَّة على الْخَارِجِي والناصبي فَإِذا قَالَا لَهُ بِأَيّ شَيْء علمت أَن عليا ولي الله فَإِن قَالَ بالتواتر لإسلامه وحسناته قَالَا لَهُ فالنقل الْمُتَوَاتر فِي أبي بكر وَأَمْثَاله كَذَلِك فَإِن قَالَ بِالْقُرْآنِ قَالَا الْقُرْآن يدل بعمومات أَنْت تخرج مِنْهَا أكَابِر الصَّحَابَة فإخراج وَاحِد أسهل وَإِن قَالَ بالأحاديث الدَّالَّة على فضائله قيل أَحَادِيث فضل أُولَئِكَ أَكثر وَأَصَح وَقد قدحت فِيهَا وَمَا ورد فِيهِ إِنَّمَا نَقله الصَّحَابَة الَّذين تقدح فيهم فَإِن صَحَّ قدحك بَطل النَّقْل وَإِن صَحَّ النَّقْل بَطل الْقدح وَإِن قَالَ صَحَّ بِنَقْل الشِّيعَة قيل الصَّحَابَة عنْدك مطعون فيهم سوى بضعَة عشر نفسا فقد يُقَال إِن الْبضْعَة عشر تواطأوا على مَا نقلوه وَمن قدح فِي نقل الْجُمْهُور كَيفَ يُمكنهُ إِثْبَات نقل نفر قَلِيل وَنحن علينا أَن نحب من أحبه الله وَرَسُوله كعلي وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ أَي النَّاس أحب إِلَيْك قَالَ عَائِشَة قيل فَمن الرِّجَال قَالَ أَبوهَا وَفِي الصَّحِيح أَن عمر قَالَ لأبي بكر يَوْم السَّقِيفَة بل أَنْت سيدنَا وخيرنا وأحبنا إِلَى رَسُول الله ﷺ وَقَالَ ﷺ لَو كنت متخذا من هَذِه الْأمة خَلِيلًا لأتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا

стр. 417

وقولك مُخَالفَته تنَافِي الْمَوَدَّة إِلَخ فَالْجَوَاب إِن كَانَت الْمَوَدَّة توجب الطَّاعَة فقد وَجَبت مَوَدَّة ذَوي الْقُرْبَى فَتجب طاعتهم فَيجب أَن تكون فَاطِمَة أَيْضا إِمَامًا وَإِلَّا فالمودة لَيست مستلزمة للْإِمَامَة فَإِن كَانَت ملزوم الْإِمَامَة وإنتفاء الْمَلْزُوم يَقْتَضِي إنتفاء اللَّازِم فَلَا تجب مَوَدَّة إِلَّا من يكون إِمَامًا مَعْصُوما وقولك الْمُخَالفَة تنَافِي الْمَوَدَّة فَنَقُول إِذا لم تكن الْمُخَالفَة قادحة فِي الْمَوَدَّة إِلَّا إِذا كَانَ وَاجِب الطَّاعَة فَحِينَئِذٍ يجب أَن نعلم وجوب الطَّاعَة أَولا فَإِذا ثَبت وُجُوبهَا بِمُجَرَّد وجوب الْمَوَدَّة كَانَ دورا إِلَّا إِذا علم أَنه إِمَام ثمَّ الْمُخَالفَة تقدح فِي الْمَوَدَّة إِذا امرنا وَنحن نعلم أَنه لم يَأْمُرنَا بِطَاعَتِهِ فِي زمن أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَتجب مَوَدَّتهمْ أَيْضا وطاعتهم ومخالفتهم تقدح فِي مَوَدَّتهمْ بل تقدح فِي محبَّة الله وَرَسُوله قَالَ الْبُرْهَان الثَّامِن قَوْله (وَمن النَّاس من يشرى نَفسه إبتغاء مرضاة الله) قَالَ الثَّعْلَبِيّ إِن رَسُول الله ﷺ لما أَرَادَ الْهِجْرَة اسْتخْلف عليا لقَضَاء دُيُونه ورد الودائع وَأمره لَيْلَة خرج إِلَى الْغَار وَأَحَاطُوا بالديار أَن ينَام على فرَاشه ويتشح بِبرْدِهِ الْأَخْضَر وَقَالَ إِنَّه لَا يخلص إِلَيْك مِنْهُم مَكْرُوه فَفعل فَأوحى الله إِلَى جِبْرِيل وَمِيكَائِيل إِنِّي قد آخيت بَيْنكُمَا وَجعلت عمر أَحَدكُمَا أطول من الآخر فأيكما يُؤثر صَاحبه بِالْحَيَاةِ فَاخْتَارَ كِلَاهُمَا الْحَيَاة فَقَالَ أَلا كنتما مثل عَليّ آخيت بَينه وَبَين مُحَمَّد فَبَاتَ على فرَاشه يفْدِيه بِنَفسِهِ ويؤثره الْحَيَاة اهبطا إِلَى الأَرْض فاحفظاه فَنزلَا فَكَانَ جِبْرِيل عِنْد رَأسه وَمِيكَائِيل عِنْد رجلَيْهِ فَقَالَ جِبْرِيل بخ بخ من مثلك يَا ابْن أبي طَالب يباهي الله بك الْمَلَائِكَة فَأنْزل الله على نبيه وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى الْمَدِينَة فِيهِ (وَمن النَّاس من يشرى نَفسه إبتغاء مرضاة الله) وَقَالَ ابْن عَبَّاس إِنَّهَا نزلت فِي عَليّ لما هرب النَّبِي ﷺ إِلَى الْغَار وَهَذِه فَضِيلَة لم تحصل لغيرة تدل على أفضليته فَيكون هُوَ الإِمَام وَالْجَوَاب الْمُطَالبَة بِصِحَّة النَّقْل وعزوك ذَلِك إِلَى الثَّعْلَبِيّ لَا يجدي شَيْئا

стр. 418

فالنبي لما هَاجر لم يكن لقريش غَرَض فِي طلب عَليّ إِنَّمَا كَانَ مطلوبهم النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر فَجعلَا فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا دِيَته لمن جَاءَ بِهِ كَمَا صَحَّ لَا كَمَا سقت من الْكَذِب السمج فَترك عليا على فرَاشه لِيَظُنُّوا أَن النَّبِي ﷺ فِي الْبَيْت فَلَا يطلبوه فَلَمَّا أَصْبحُوا وجدوا عليا فظهرت خيبتهم وَلم يؤذوا عليا بل سَأَلُوهُ عَن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَا علم لي بِهِ وَلَو كَانَ لَهُم فِي عَليّ غَرَض لآذوه فَلَمَّا لم يتَعَرَّضُوا لَهُ دلّ على أَنه لَا غَرَض لَهُم فِيهِ وَالَّذِي كَانَ يقْصد الدّفع بِنَفسِهِ هُوَ أَبُو بكر بِلَا ريب وَكَانَ يذكر الطّلب فَيكون خلف رَسُول الله ﷺ وَيذكر الرصد فَيكون امامه ثمَّ غير وَاحِد من الصَّحَابَة قد فدوا النَّبِي ﷺ بِأَنْفسِهِم فِي الحروب فَمنهمْ من قتل بَين يَدَيْهِ وَمِنْهُم من شلت يَده كطلحة وَهَذَا وَاجِب على الْمُؤمنِينَ وَفِي السِّيرَة لإبن إِسْحَاق قَالَ فَأتى جِبْرِيل النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَا تبت اللَّيْلَة على فراشك فَلَمَّا كَانَت عتمة من اللَّيْل اجْتَمعُوا على بَابه يَرْصُدُونَهُ حَتَّى ينَام فيثبون عَلَيْهِ فَلَمَّا رأى رَسُول الله ﷺ مقامهم قَالَ لعَلي نم على فِرَاشِي واتشح ببردي هَذَا فَإِنَّهُ لن يخلص إِلَيْك شَيْء تكرههُ مِنْهُم وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ لما اجْتَمعُوا لَهُ وَفِيهِمْ أَبُو جهل قَالَ إِن مُحَمَّدًا يزْعم أَنكُمْ إِن تابعتموه على أمره كُنْتُم مُلُوك الْعَرَب والعجم ثمَّ بعثتم من بعد موتكم فَجعلت لكم جنَّات كجنات الْأُرْدُن وَإِن لم تَفعلُوا كَانَ لَهُ فِيكُم ذبح ثمَّ بعثتم من بعد موتكم فَجعلت لكم نَار تحرقون فِيهَا قَالَ وَخرج رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِم فَأخذ حفْنَة من تُرَاب ثمَّ قَالَ نعم أَنا أَقُول ذَلِك أَنْت أحدهم وَأخذ الله بِأَبْصَارِهِمْ عَنهُ فَلَا يرونه وَلم يبْق مِنْهُم رجل إِلَّا وضع التُّرَاب على رَأسه ثمَّ انْصَرف إِلَى حَيْثُ أَرَادَ فَأَتَاهُم آتٍ فَقَالَ مَا تنتظرون هَا هُنَا قَالُوا مُحَمَّدًا قَالَ خيبكم الله قد وَالله خرج ثمَّ مَا ترك مِنْكُم رجلا إِلَّا وضع على رَأسه تُرَابا فنظروا فَرَأَوْا التُّرَاب ثمَّ جعلُوا يطعلون فيرون عليا على الْفراش متسجيا بِبرد النَّبِي ﷺ فَيَقُولُونَ وَالله إِن هَذَا لمُحَمد نَائِم عَلَيْهِ برده فَلم يبرحوا كَذَلِك حَتَّى أَصْبحُوا فَقَامَ عَليّ فَقَالُوا وَالله لقد كَانَ صدقنا الَّذِي حَدثنَا وأنزلت قَوْله تَعَالَى (وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله

стр. 419

وَالله خير الماكرين) فَهَذَا يُوضح لَك أَن النَّبِي ﷺ وعده أَنه لَا يُصِيبهُ مَكْرُوه فاطمأن إِلَى قَول الصَّادِق ثمَّ مَا أوردته هذيان بَاطِل لَا سِيمَا محاورة جِبْرِيل وَمِيكَائِيل ومؤاخاتهما وأعمارهما ثمَّ مؤاخاة النَّبِي ﷺ لعَلي لم تصح وَمَعَ ذَلِك فيروى أَنَّهَا كَانَت بِالْمَدِينَةِ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَذَلِكَ بعد الْهِجْرَة ثمَّ قَوْله تَعَالَى (وَمن النَّاس من يشرى نَفسه إبتغاء مرضاة الله) فِي الْبَقَرَة وَهِي مَدَنِيَّة بإتفاق وَقيل نزلت الْآيَة لما هَاجر صُهَيْب وَطَلَبه الْمُشْركُونَ فَأَعْطَاهُمْ مَاله وأتى الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ ربح البيع أَبَا يحيى وَهَذِه الْقِصَّة فِي عدَّة تفاسير وَعَن قَتَادَة قَالَ نزلت فِي الْمُجَاهدين الْمُهَاجِرين وَقَالَ عِكْرِمَة نزلت فِي صُهَيْب وَأبي ذَر حِين أَخذ أهل بدر أَبَا ذَر فانفلت مِنْهُم فَقدم على النَّبِي ﷺ فَلَمَّا رَجَعَ مُهَاجرا عرضوا لَهُ بمر الظهْرَان فانفلت مِنْهُم أَيْضا وَأما صُهَيْب فَأَخذه أَهله فَافْتدى مِنْهُم بِمَالِه وَأَيْضًا فَلفظ الْآيَة مُطلق فَكل من بَاعَ نَفسه إبتغاء مرضاة الله فقد دخل فِيهَا وَأهل بيعَة الرضْوَان بَايعُوا رَسُول الله ﷺ على الْمَوْت أخرجه البُخَارِيّ وَلَا ريب أَن الْفَضِيلَة الَّتِي حصلت لأبي بكر فِي الْغَار وَالْهجْرَة انْفَرد بهَا فَتكون هَذِه الْأَفْضَلِيَّة ثَابِتَة لَهُ دون عمر وَعُثْمَان وَعلي وَغَيرهم من الصَّحَابَة فَيكون هُوَ الإِمَام فَهَذَا هُوَ الدَّلِيل الصدْق الَّذِي لَا كذب فِيهِ قَالَ الله تَعَالَى (إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا ثَانِي إثنين إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا) فَأَيْنَ مثل هَذِه الخصيصة لغير الصّديق بِنَصّ الْقُرْآن

стр. 420

ثمَّ إِن عليا لم يؤذ فِي مبيته على فرَاش النَّبِي ﷺ وَقد أوذي غَيره فِي وقايتهم النَّبِي ﷺ قَالَ الْبُرْهَان التَّاسِع قَوْله (فَمن حاجك فِيهِ من بعد مَا جَاءَك من الْعلم فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم وَنِسَاءَنَا ونساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ) الْآيَة نقل الْجُمْهُور أَن (أبناءنا) إِشَارَة إِلَى الْحسن وَالْحُسَيْن (وَنِسَاءَنَا) إِلَى فَاطِمَة (وأنفسنا) إِلَى عَليّ وَهَذِه الْآيَة أدل دَلِيل على ثُبُوت الْإِمَامَة لَهُ لِأَن الله جعله نفس الرَّسُول والإتحاد محَال فَبَقيَ المُرَاد بالمساواة لَهُ الْولَايَة وَأَيْضًا فَلَو كَانَ غير هَؤُلَاءِ مُسَاوِيا لَهُم وَأفضل مِنْهُم لاستجابة الدُّعَاء لأَمره تَعَالَى بأخذهم مَعَه لِأَنَّهُ فِي مَوضِع الْحَاجة وَإِذا كَانُوا هم الْأَفْضَل تعيّنت الْإِمَامَة فيهم فَهَل تخفى دلَالَة هَذِه الْآيَة على الْمَطْلُوب إِلَّا على من استحوذ الشَّيْطَان عَلَيْهِ الْجَواب أما أَخذه عليا وَفَاطِمَة وابنيهما فِي المباهلة فَفِي مُسلم من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص لما نزلت هَذِه الْآيَة دعاهم فَقَالَ اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهلِي وَلَكِن لَا دلَالَة فِي ذَلِك على الْإِمَامَة وَلَا على الْأَفْضَلِيَّة وقولك جعله نفس الرَّسُول قُلْنَا لَا نسلم أَنه لم يبْق إِلَّا الْمُسَاوَاة وَلَا دَلِيل على ذَلِك بل حمله على ذَلِك مُمْتَنع لِأَن أحدا لَا يُسَاوِي الرَّسُول وَهَذَا اللَّفْظ فِي اللُّغَة لَا يَقْتَضِي الْمُسَاوَاة قَالَ الله تَعَالَى (لَوْلَا إِذْ سمعتموه ظن الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بِأَنْفسِهِم خيرا) وَلم يُوجب ذَلِك أَن يكون الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات متساوين وَقَالَ تَعَالَى (فَاقْتُلُوا أَنفسكُم) أَي يقتل بَعْضكُم بَعْضًا وَلم يُوجب ذَلِك تساويهم وَلَا أَن يكون من عبد الْعجل مُسَاوِيا لمن لم يعبده وَكَذَلِكَ (وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم) أَي لَا يقتل بَعْضكُم بَعْضًا وَإِن كَانُوا غير متساوين بل بَينهم من التباين مَا لَا يُوصف وَمِنْه

стр. 421

(ثمَّ أَنْتُم هَؤُلَاءِ تقتلون أَنفسكُم) فَهَذَا اللَّفْظ يدل على المجانسة والمشابهة فِي أُمُور فَقَوله تَعَالَى (نَدع أبناءنا أبناءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ أَي ورجالنا ورجالكم أَي الرِّجَال الَّذين هم من جنسنا فِي الدّين وَالنّسب وَالْمرَاد التجانس فِي الْقَرَابَة مَعَ الْإِيمَان فَذكر الْأَوْلَاد وَالنِّسَاء وَالرِّجَال الْأَقْرَبين وَلم يكن عِنْده أحد أقرب إِلَيْهِ من الْعَصَبَات من على ثمَّ أدَار عَلَيْهِم الكساء والمباهلة إِنَّمَا تحصل بالأقربين إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلَو بأهلهم بالأبعدين فِي النّسَب وَإِن كَانُوا أفضل لم يحصل الْمَقْصُود وَآيَة المباهلة سنة عشر لما قدم وَفد نَجْرَان وَلم يكن النَّبِي ﷺ قد بَقِي من أَعْمَامه غير الْعَبَّاس وَالْعَبَّاس لم يكن لَهُ سَابِقَة وَلَا دلَالَة اخْتِصَاص على النَّبِي وقولك لَو كَانَ غير هَؤُلَاءِ مُسَاوِيا لَهُم لأمر بأخذهم مَعَه قُلْنَا نَحن نعلم بالإضطرار أَنه لَو دَعَا أَبَا بكر وَعمر وَطَائِفَة من الْكِبَار لكانوا من أعظم شَيْء إستجابة لأَمره لَكِن لم يُؤمر بأخذهم لِأَن ذَلِك لَا يحصل بِعْ مَقْصُود المباهلة فَإِن أُولَئِكَ يأْتونَ بِمن يعز عَلَيْهِم طبعا كأقرب النَّاس إِلَيْهِم فَلَو دَعَا الرَّسُول قوما أجانب لأتى أُولَئِكَ بأجانب وَلم يكن يشْتَد عَلَيْهِم نزُول المباهلة بأولئك الْأَجَانِب كَمَا يشْتَد عَلَيْهِم نُزُولهَا بالأقربين فَإِن طبع الْمَرْء يخَاف على أقربيه مَا لَا يخَاف على الْأَجَانِب وَالنَّاس عِنْد المهادنة تَقول كل طَائِفَة لِلْأُخْرَى أرهنوا عندنَا أبناءكم ونساءكم فَلَو رهنت أجانب لم يرض أُولَئِكَ وَلَا يلْزم أهل الرجل أَن يَكُونُوا أفضل عِنْد الله من غَيرهم فدع عَنْك التشبث بِأَلْفَاظ مجملة وَلَا تزغ عَن النُّصُوص الصَّرِيحَة وَلَا تَظنن أحدا مُسَاوِيا للرسول أصلا وَلَو كَانَ بَاقِي بَنَاته فِي الْحَيَاة لباهل بِهن وَلَو كَانَ ابْنه إِبْرَاهِيم يعرف لباهل بِهِ وَلَو كَانَ عَمه حَمْزَة حَيا لباهل بِهِ قَالَ الْبُرْهَان الْعَاشِر قَوْله (فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ) روى ابْن المغازلي بِإِسْنَاد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الْكَلِمَات فَقَالَ سَأَلَهُ بِحَق مُحَمَّد وَعلي وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن إِلَّا تبت عَليّ فَتَابَ عَلَيْهِ وَفِيه مساواته

стр. 422

للنَّبِي فِي التوسل بِهِ الْجَواب الْمُطَالبَة بِصِحَّة ذَلِك وأنى لَك صِحَّته فَإِنَّهُ من أقبح الْكَذِب على الله وَرَسُوله وَقد سَاقه ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات من أَفْرَاد أبي الْحسن على بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ فَإِن لَهُ كتبا فِي الْأَفْرَاد والغرائب قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ تفرد بِهِ حُسَيْن الْأَشْقَر رَاوِي الموضوعات عَن الْإِثْبَات عَن عَمْرو بن ثَابت وَلَيْسَ بِثِقَة وَلَا مَأْمُون فَأَما الْكَلِمَات فقد جَاءَت فِي الْقُرْآن مفسرة فِي قَوْله تَعَالَى (قَالَا رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وَمن الْمَعْلُوم أَن من هُوَ دون آدم من الْكفَّار والفساق إِذا تَابَ أحدهم إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا تَابَ الله عَلَيْهِ وَإِن لم يقسم عَلَيْهِ بِأحد وَنَبِينَا مَا أَمر أحدا فِي تَوْبَته بِمثل هَذَا الدُّعَاء قَالَ الْبُرْهَان الْحَادِي عشر قَوْله تَعَالَى (إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا قَالَ وَمن ذريتي) روى ابْن المغازلي الشَّافِعِي عَن ابْن مَسْعُود قَالَ رَسُول الله ﷺ انْتَهَت الدعْوَة إِلَيّ وَإِلَى عَليّ لم يسْجد أَحَدنَا لصنم فاتخذني نَبيا وَاتخذ عليا وَصِيّا وَهَذَا نَص فِي الْبَاب الْجَواب إِن هَذَا كذب بإتفاق الْحفاظ فَإِن أُرِيد إنتهاء الدعْوَة إِلَى عَليّ لزم أَن لَا يكون بَاقِي الإثني عشر أَئِمَّة وَسَائِر الْأمة لم يسجدوا لصنم كخلق من الْفُسَّاق بل عَامَّة الصَّحَابَة الَّذين سجدوا للصنم أفضل من أَوْلَادهم بإتفاق وَقد ذكر الله أَن لوطا آمن لإِبْرَاهِيم وَهُوَ نَبِي وَقَالَ شُعَيْب (قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا)

стр. 423

قَالَ الْبُرْهَان الثَّانِي عشر قَوْله تَعَالَى (إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَيجْعَلُ لَهُم الرَّحْمَن ودا) روى أَبُو نعيم بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس قَالَ نزلت فِي عَليّ والود محبته فِي الْقُلُوب المؤمنة وَمن تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ عَن الْبَراء قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا عَليّ قل اللَّهُمَّ اجْعَل عنْدك عهدا وَاجعَل لي فِي صُدُور الْمُؤمنِينَ مَوَدَّة فأنزلت الْآيَة وَلم يثبت ذَلِك لغيره فَيكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا لَا بُد من إِقَامَة الدَّلِيل على صِحَة الْمَنْقُول وَإِلَّا فالاستدلال بِمَا لم تثبت مقدماته بَاطِل وَهُوَ من القَوْل بِلَا برهَان ثمَّ مَا أوردته مَوْضُوع عِنْد أهل الْمعرفَة ثمَّ قَوْله تَعَالَى (إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات) عَام فَكيف تقصره على عَليّ بل يتَنَاوَل عليا كَمَا يتَنَاوَل غَيره ويتناول الْحسن وَالْحُسَيْن وَفَاطِمَة فَعلم بِالْإِجْمَاع عدم إختصاصها بِوَاحِد وَالله لَا يخلف الميعاد فقد وعد بِأَن يَجْعَل لَهُم الود فِي الْقُلُوب فقد جعله فِي قُلُوب جَمَاهِير الْمُسلمين للصحابة والسابقين لَا سِيمَا الْخُلَفَاء ﵃ وَلَا سِيمَا أَبُو بكر وَعمر وَعَامة الصَّحَابَة وأولهم عَليّ يودون أَبَا بكر وَعمر وَمَا علمنَا أحدا من الصَّحَابَة سبهما وَلم يتَّفق ذَلِك للْإِمَام عَليّ بل نَالَ جمَاعَة من الصَّحَابَة من عَليّ وسبوه كَمَا جرى لعُثْمَان فَعلمنَا أَن الْمَوَدَّة الَّتِي جعلهَا الله لأبي بكر وَعمر أعظم من الْمَوَدَّة الَّتِي جعلهَا للآخرين قَالَ الْبُرْهَان الثَّالِث عشر قَوْله (إِنَّمَا أَنْت مُنْذر وَلكُل قوم هاد) فَفِي كتاب الفردوس عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا الْمُنْذر وَعلي الْهَاد بك يَا عَليّ يَهْتَدِي المهتدون وروى نَحوه أَبُو نعيم وَهُوَ صَرِيح فِي ثُبُوت الْإِمَامَة وَالْجَوَاب أَنَّك مَا ذكرت دَلِيلا على صِحَّته وَأجْمع الْعلمَاء أَن الْخَبَر مُجَرّد كَونه فِي كتاب كَذَا لَا يدل على ثُبُوته وَكتاب الفردوس للديلمي محشو بالموضوعات كَغَيْرِهِ وَهَذَا من أقبحها وَلَا تحل نسبته إِلَى الرَّسُول فَإِن قَوْله وَأَنت الْهَاد وَمَا بعده ظَاهره أَنهم يَهْتَدُونَ بك دوني وَهَذَا لَا يَقُوله مُسلم وَإِن قلت مَعْنَاهُ يَهْتَدُونَ بِهِ كهدايتهم بالرسول

стр. 424

اقتضي الْمُشَاركَة وَالله بِنَصّ كِتَابه قد جعل مُحَمَّدًا هاديا فَقَالَ (وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) وقولك وَبِك يَهْتَدِي المهتدون ظَاهره أَن كل مُسلم اهْتَدَى فبعلي اهْتَدَى وَهَذَا كذب فَإِن مُحَمَّد ﷺ قد اهْتَدَى بِهِ أُمَم ودخلوا الْجنَّة وَلم يَأْخُذُوا عَن عَليّ مثله ثمَّ لما فتحت الْأَمْصَار اهْتَدَى النَّاس بِمن سكنها من الصَّحَابَة وَعلي مُقيم بِالْمَدِينَةِ لم يروه فَكيف يسوغ أَن يُقَال بك يَهْتَدِي المهتدون ثمَّ قَوْله تَعَالَى (وَلكُل قوم هاد) عَام فِي كل الطوائف فَكيف يَجْعَل عليا هاديا للأولين والآخرين ثمَّ الإهتداء بالشخص قد يكون بِغَيْر تَأمره عَلَيْهِم كَمَا يَهْتَدِي بالعالم فدعواك دلَالَة الْقُرْآن على عَليّ بَاطِل قَالَ الْبُرْهَان الرَّابِع عشر قَوْله (وقفوهم إِنَّهُم مسئولون) من طَرِيق أبي نعيم الْحَافِظ عَن الشّعبِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ مسئولون عَن ولَايَة عَليّ وَكَذَا فِي كتاب الفردوس عَن أبي سعيد عَن النَّبِي ﷺ وَإِذا سئلوا عَن الْولَايَة يَوْم الْقِيَامَة وَجب أَن تكون ثَابِتَة لَهُ فَيكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا وَهَذَا كذب فَانْظُر إِلَى سِيَاق الْآيَات فِي قُرَيْش (وَيَقُولُونَ أإنا لتاركوا آلِهَتنَا لشاعر مَجْنُون إِلَى قَوْله احشروا الَّذين ظلمُوا وأزواجهم وَمَا كَانُوا يعْبدُونَ من دون الله فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم وقفوهم إِنَّهُم مسئولون) فَهَذَا نَص فِي الْمُشْركين المكذبين بِيَوْم الدّين فَهَؤُلَاءِ يسْأَلُون عَن التَّوْحِيد وَالْإِيمَان وَأي مدْخل لحب عَليّ فِي سُؤال هَؤُلَاءِ أَترَاهُم لَو أحبوه مَعَ شركهم لَكَانَ ذَلِك يَنْفَعهُمْ ومعاذ الله أَن يُفَسر كتاب الله بِمثل هَذَا قَالَ الْبُرْهَان الْخَامِس عشر قَوْله تَعَالَى (ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل) روى أَبُو نعيم بِإِسْنَادِهِ عَن أبي سعيد قَالَ يبغضهم عليا وَلم يثبت لغيره من

стр. 425

الصَّحَابَة ذَلِك فَيكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا وَهَذَا كذب على أبي سعيد ونعلم بالإضطرار أَن عَامَّة الْمُنَافِقين لم يكن مَا يعْرفُونَ بِهِ فِي لحن القَوْل هُوَ بغض عَليّ ثمَّ لم يكن عَليّ بأعظم معاداة لَهُم من عمر فبغضهم لعمر أوكد وَصَحَّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أيسر النِّفَاق بغض الْأَنْصَار فَكَانَ معرفَة الْمُنَافِقين فِي لحنهم ببغض الْأَنْصَار أولى وَكَذَلِكَ لَا يبغض عليا إِلَّا مُنَافِق وعلامات النِّفَاق كَثِيرَة فَهَذَا مِنْهَا وَمِنْهَا الْكَذِب وَمِنْهَا الْخِيَانَة وَخلف الْوَعْد والفجور فَنَقُول من أحب عليا لم يسْتَحقّهُ من الْمحبَّة من إيمَانه وجهاده أَو أحب الْأَنْصَار لذَلِك فَذَلِك من عَلَامَات إيمَانه وَمن أبْغض عليا أَو الْأَنْصَار لإيمانهم وجهادهم ونصرهم الرَّسُول فَهُوَ مُنَافِق أما من أحبهم لأمر طبعي مثل قرَابَة أَو دنيا فَذَلِك كمحبة أبي طَالب النَّبِي ﷺ وَكَذَا من غلا فِي الْمَسِيح أَو فِي مُوسَى أَو عَليّ فَأحب من اعْتقد فِيهِ فَوق مرتبته فَذَاك محب مطر بِمَا لَا وجود لَهُ فالمسيح الَّذِي أطرته النَّصَارَى أفضل من عَليّ وَلَا يَنْفَعهُمْ حبه وَلَا ينفع إِلَّا الْحبّ فِي الله لَا الْحبّ مَعَ الله وَكَذَا من أبْغض الْأَنْصَار أَو أحدا من كبار الصَّحَابَة لأمر سَمعه غير مُطَابق كَانَ مخطئا ضَالًّا جَاهِلا وَلم يكن منافقا قَالَ الْبُرْهَان السَّادِس عشر قَوْله تَعَالَى (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون) عَن ابْن عَبَّاس قَالَ سَابق هَذِه الْأمة عَليّ قُلْنَا هَذَا لم يَصح وَلَا ذكرت سَنَده وَلَو صَحَّ لم تكن فِيهِ حجَّة وَالله يَقُول (وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان ﵃ فالسابقون هم الَّذين أَنْفقُوا من قبل الْفَتْح وقاتلوا وَدخل فيهم أهل بيعَة الرضْوَان فَكيف يُقَال إِن سَابق هَذِه الْأمة وَاحِد وَأول من سبق إِلَى الْإِسْلَام ملى الرِّجَال أَبُو بكر وَمن النِّسَاء خَدِيجَة وَمن الصّبيان عَليّ وَمن الموَالِي زيد وَإِسْلَام الصَّبِي فِيهِ نزاع وَإِسْلَام أبي بكر كَانَ أكمل وأنفع
следующие страницы →