← Акыда

Акыда · id 6531

المنتقى من منهاج الاعتدال

شمس الدين الذهبي

Полный текст (545 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

(ثمَّ أَنْتُم هَؤُلَاءِ تقتلون أَنفسكُم) فَهَذَا اللَّفْظ يدل على المجانسة والمشابهة فِي أُمُور فَقَوله تَعَالَى (نَدع أبناءنا أبناءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ أَي ورجالنا ورجالكم أَي الرِّجَال الَّذين هم من جنسنا فِي الدّين وَالنّسب وَالْمرَاد التجانس فِي الْقَرَابَة مَعَ الْإِيمَان فَذكر الْأَوْلَاد وَالنِّسَاء وَالرِّجَال الْأَقْرَبين وَلم يكن عِنْده أحد أقرب إِلَيْهِ من الْعَصَبَات من على ثمَّ أدَار عَلَيْهِم الكساء والمباهلة إِنَّمَا تحصل بالأقربين إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلَو بأهلهم بالأبعدين فِي النّسَب وَإِن كَانُوا أفضل لم يحصل الْمَقْصُود وَآيَة المباهلة سنة عشر لما قدم وَفد نَجْرَان وَلم يكن النَّبِي ﷺ قد بَقِي من أَعْمَامه غير الْعَبَّاس وَالْعَبَّاس لم يكن لَهُ سَابِقَة وَلَا دلَالَة اخْتِصَاص على النَّبِي وقولك لَو كَانَ غير هَؤُلَاءِ مُسَاوِيا لَهُم لأمر بأخذهم مَعَه قُلْنَا نَحن نعلم بالإضطرار أَنه لَو دَعَا أَبَا بكر وَعمر وَطَائِفَة من الْكِبَار لكانوا من أعظم شَيْء إستجابة لأَمره لَكِن لم يُؤمر بأخذهم لِأَن ذَلِك لَا يحصل بِعْ مَقْصُود المباهلة فَإِن أُولَئِكَ يأْتونَ بِمن يعز عَلَيْهِم طبعا كأقرب النَّاس إِلَيْهِم فَلَو دَعَا الرَّسُول قوما أجانب لأتى أُولَئِكَ بأجانب وَلم يكن يشْتَد عَلَيْهِم نزُول المباهلة بأولئك الْأَجَانِب كَمَا يشْتَد عَلَيْهِم نُزُولهَا بالأقربين فَإِن طبع الْمَرْء يخَاف على أقربيه مَا لَا يخَاف على الْأَجَانِب وَالنَّاس عِنْد المهادنة تَقول كل طَائِفَة لِلْأُخْرَى أرهنوا عندنَا أبناءكم ونساءكم فَلَو رهنت أجانب لم يرض أُولَئِكَ وَلَا يلْزم أهل الرجل أَن يَكُونُوا أفضل عِنْد الله من غَيرهم فدع عَنْك التشبث بِأَلْفَاظ مجملة وَلَا تزغ عَن النُّصُوص الصَّرِيحَة وَلَا تَظنن أحدا مُسَاوِيا للرسول أصلا وَلَو كَانَ بَاقِي بَنَاته فِي الْحَيَاة لباهل بِهن وَلَو كَانَ ابْنه إِبْرَاهِيم يعرف لباهل بِهِ وَلَو كَانَ عَمه حَمْزَة حَيا لباهل بِهِ قَالَ الْبُرْهَان الْعَاشِر قَوْله (فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ) روى ابْن المغازلي بِإِسْنَاد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الْكَلِمَات فَقَالَ سَأَلَهُ بِحَق مُحَمَّد وَعلي وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن إِلَّا تبت عَليّ فَتَابَ عَلَيْهِ وَفِيه مساواته

стр. 422

للنَّبِي فِي التوسل بِهِ الْجَواب الْمُطَالبَة بِصِحَّة ذَلِك وأنى لَك صِحَّته فَإِنَّهُ من أقبح الْكَذِب على الله وَرَسُوله وَقد سَاقه ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات من أَفْرَاد أبي الْحسن على بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ فَإِن لَهُ كتبا فِي الْأَفْرَاد والغرائب قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ تفرد بِهِ حُسَيْن الْأَشْقَر رَاوِي الموضوعات عَن الْإِثْبَات عَن عَمْرو بن ثَابت وَلَيْسَ بِثِقَة وَلَا مَأْمُون فَأَما الْكَلِمَات فقد جَاءَت فِي الْقُرْآن مفسرة فِي قَوْله تَعَالَى (قَالَا رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وَمن الْمَعْلُوم أَن من هُوَ دون آدم من الْكفَّار والفساق إِذا تَابَ أحدهم إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا تَابَ الله عَلَيْهِ وَإِن لم يقسم عَلَيْهِ بِأحد وَنَبِينَا مَا أَمر أحدا فِي تَوْبَته بِمثل هَذَا الدُّعَاء قَالَ الْبُرْهَان الْحَادِي عشر قَوْله تَعَالَى (إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا قَالَ وَمن ذريتي) روى ابْن المغازلي الشَّافِعِي عَن ابْن مَسْعُود قَالَ رَسُول الله ﷺ انْتَهَت الدعْوَة إِلَيّ وَإِلَى عَليّ لم يسْجد أَحَدنَا لصنم فاتخذني نَبيا وَاتخذ عليا وَصِيّا وَهَذَا نَص فِي الْبَاب الْجَواب إِن هَذَا كذب بإتفاق الْحفاظ فَإِن أُرِيد إنتهاء الدعْوَة إِلَى عَليّ لزم أَن لَا يكون بَاقِي الإثني عشر أَئِمَّة وَسَائِر الْأمة لم يسجدوا لصنم كخلق من الْفُسَّاق بل عَامَّة الصَّحَابَة الَّذين سجدوا للصنم أفضل من أَوْلَادهم بإتفاق وَقد ذكر الله أَن لوطا آمن لإِبْرَاهِيم وَهُوَ نَبِي وَقَالَ شُعَيْب (قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا)

стр. 423

قَالَ الْبُرْهَان الثَّانِي عشر قَوْله تَعَالَى (إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَيجْعَلُ لَهُم الرَّحْمَن ودا) روى أَبُو نعيم بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس قَالَ نزلت فِي عَليّ والود محبته فِي الْقُلُوب المؤمنة وَمن تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ عَن الْبَراء قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا عَليّ قل اللَّهُمَّ اجْعَل عنْدك عهدا وَاجعَل لي فِي صُدُور الْمُؤمنِينَ مَوَدَّة فأنزلت الْآيَة وَلم يثبت ذَلِك لغيره فَيكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا لَا بُد من إِقَامَة الدَّلِيل على صِحَة الْمَنْقُول وَإِلَّا فالاستدلال بِمَا لم تثبت مقدماته بَاطِل وَهُوَ من القَوْل بِلَا برهَان ثمَّ مَا أوردته مَوْضُوع عِنْد أهل الْمعرفَة ثمَّ قَوْله تَعَالَى (إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات) عَام فَكيف تقصره على عَليّ بل يتَنَاوَل عليا كَمَا يتَنَاوَل غَيره ويتناول الْحسن وَالْحُسَيْن وَفَاطِمَة فَعلم بِالْإِجْمَاع عدم إختصاصها بِوَاحِد وَالله لَا يخلف الميعاد فقد وعد بِأَن يَجْعَل لَهُم الود فِي الْقُلُوب فقد جعله فِي قُلُوب جَمَاهِير الْمُسلمين للصحابة والسابقين لَا سِيمَا الْخُلَفَاء ﵃ وَلَا سِيمَا أَبُو بكر وَعمر وَعَامة الصَّحَابَة وأولهم عَليّ يودون أَبَا بكر وَعمر وَمَا علمنَا أحدا من الصَّحَابَة سبهما وَلم يتَّفق ذَلِك للْإِمَام عَليّ بل نَالَ جمَاعَة من الصَّحَابَة من عَليّ وسبوه كَمَا جرى لعُثْمَان فَعلمنَا أَن الْمَوَدَّة الَّتِي جعلهَا الله لأبي بكر وَعمر أعظم من الْمَوَدَّة الَّتِي جعلهَا للآخرين قَالَ الْبُرْهَان الثَّالِث عشر قَوْله (إِنَّمَا أَنْت مُنْذر وَلكُل قوم هاد) فَفِي كتاب الفردوس عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا الْمُنْذر وَعلي الْهَاد بك يَا عَليّ يَهْتَدِي المهتدون وروى نَحوه أَبُو نعيم وَهُوَ صَرِيح فِي ثُبُوت الْإِمَامَة وَالْجَوَاب أَنَّك مَا ذكرت دَلِيلا على صِحَّته وَأجْمع الْعلمَاء أَن الْخَبَر مُجَرّد كَونه فِي كتاب كَذَا لَا يدل على ثُبُوته وَكتاب الفردوس للديلمي محشو بالموضوعات كَغَيْرِهِ وَهَذَا من أقبحها وَلَا تحل نسبته إِلَى الرَّسُول فَإِن قَوْله وَأَنت الْهَاد وَمَا بعده ظَاهره أَنهم يَهْتَدُونَ بك دوني وَهَذَا لَا يَقُوله مُسلم وَإِن قلت مَعْنَاهُ يَهْتَدُونَ بِهِ كهدايتهم بالرسول

стр. 424

اقتضي الْمُشَاركَة وَالله بِنَصّ كِتَابه قد جعل مُحَمَّدًا هاديا فَقَالَ (وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) وقولك وَبِك يَهْتَدِي المهتدون ظَاهره أَن كل مُسلم اهْتَدَى فبعلي اهْتَدَى وَهَذَا كذب فَإِن مُحَمَّد ﷺ قد اهْتَدَى بِهِ أُمَم ودخلوا الْجنَّة وَلم يَأْخُذُوا عَن عَليّ مثله ثمَّ لما فتحت الْأَمْصَار اهْتَدَى النَّاس بِمن سكنها من الصَّحَابَة وَعلي مُقيم بِالْمَدِينَةِ لم يروه فَكيف يسوغ أَن يُقَال بك يَهْتَدِي المهتدون ثمَّ قَوْله تَعَالَى (وَلكُل قوم هاد) عَام فِي كل الطوائف فَكيف يَجْعَل عليا هاديا للأولين والآخرين ثمَّ الإهتداء بالشخص قد يكون بِغَيْر تَأمره عَلَيْهِم كَمَا يَهْتَدِي بالعالم فدعواك دلَالَة الْقُرْآن على عَليّ بَاطِل قَالَ الْبُرْهَان الرَّابِع عشر قَوْله (وقفوهم إِنَّهُم مسئولون) من طَرِيق أبي نعيم الْحَافِظ عَن الشّعبِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ مسئولون عَن ولَايَة عَليّ وَكَذَا فِي كتاب الفردوس عَن أبي سعيد عَن النَّبِي ﷺ وَإِذا سئلوا عَن الْولَايَة يَوْم الْقِيَامَة وَجب أَن تكون ثَابِتَة لَهُ فَيكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا وَهَذَا كذب فَانْظُر إِلَى سِيَاق الْآيَات فِي قُرَيْش (وَيَقُولُونَ أإنا لتاركوا آلِهَتنَا لشاعر مَجْنُون إِلَى قَوْله احشروا الَّذين ظلمُوا وأزواجهم وَمَا كَانُوا يعْبدُونَ من دون الله فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم وقفوهم إِنَّهُم مسئولون) فَهَذَا نَص فِي الْمُشْركين المكذبين بِيَوْم الدّين فَهَؤُلَاءِ يسْأَلُون عَن التَّوْحِيد وَالْإِيمَان وَأي مدْخل لحب عَليّ فِي سُؤال هَؤُلَاءِ أَترَاهُم لَو أحبوه مَعَ شركهم لَكَانَ ذَلِك يَنْفَعهُمْ ومعاذ الله أَن يُفَسر كتاب الله بِمثل هَذَا قَالَ الْبُرْهَان الْخَامِس عشر قَوْله تَعَالَى (ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل) روى أَبُو نعيم بِإِسْنَادِهِ عَن أبي سعيد قَالَ يبغضهم عليا وَلم يثبت لغيره من

стр. 425

الصَّحَابَة ذَلِك فَيكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا وَهَذَا كذب على أبي سعيد ونعلم بالإضطرار أَن عَامَّة الْمُنَافِقين لم يكن مَا يعْرفُونَ بِهِ فِي لحن القَوْل هُوَ بغض عَليّ ثمَّ لم يكن عَليّ بأعظم معاداة لَهُم من عمر فبغضهم لعمر أوكد وَصَحَّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أيسر النِّفَاق بغض الْأَنْصَار فَكَانَ معرفَة الْمُنَافِقين فِي لحنهم ببغض الْأَنْصَار أولى وَكَذَلِكَ لَا يبغض عليا إِلَّا مُنَافِق وعلامات النِّفَاق كَثِيرَة فَهَذَا مِنْهَا وَمِنْهَا الْكَذِب وَمِنْهَا الْخِيَانَة وَخلف الْوَعْد والفجور فَنَقُول من أحب عليا لم يسْتَحقّهُ من الْمحبَّة من إيمَانه وجهاده أَو أحب الْأَنْصَار لذَلِك فَذَلِك من عَلَامَات إيمَانه وَمن أبْغض عليا أَو الْأَنْصَار لإيمانهم وجهادهم ونصرهم الرَّسُول فَهُوَ مُنَافِق أما من أحبهم لأمر طبعي مثل قرَابَة أَو دنيا فَذَلِك كمحبة أبي طَالب النَّبِي ﷺ وَكَذَا من غلا فِي الْمَسِيح أَو فِي مُوسَى أَو عَليّ فَأحب من اعْتقد فِيهِ فَوق مرتبته فَذَاك محب مطر بِمَا لَا وجود لَهُ فالمسيح الَّذِي أطرته النَّصَارَى أفضل من عَليّ وَلَا يَنْفَعهُمْ حبه وَلَا ينفع إِلَّا الْحبّ فِي الله لَا الْحبّ مَعَ الله وَكَذَا من أبْغض الْأَنْصَار أَو أحدا من كبار الصَّحَابَة لأمر سَمعه غير مُطَابق كَانَ مخطئا ضَالًّا جَاهِلا وَلم يكن منافقا قَالَ الْبُرْهَان السَّادِس عشر قَوْله تَعَالَى (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون) عَن ابْن عَبَّاس قَالَ سَابق هَذِه الْأمة عَليّ قُلْنَا هَذَا لم يَصح وَلَا ذكرت سَنَده وَلَو صَحَّ لم تكن فِيهِ حجَّة وَالله يَقُول (وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان ﵃ فالسابقون هم الَّذين أَنْفقُوا من قبل الْفَتْح وقاتلوا وَدخل فيهم أهل بيعَة الرضْوَان فَكيف يُقَال إِن سَابق هَذِه الْأمة وَاحِد وَأول من سبق إِلَى الْإِسْلَام ملى الرِّجَال أَبُو بكر وَمن النِّسَاء خَدِيجَة وَمن الصّبيان عَليّ وَمن الموَالِي زيد وَإِسْلَام الصَّبِي فِيهِ نزاع وَإِسْلَام أبي بكر كَانَ أكمل وأنفع

стр. 426

قَالَ الْبُرْهَان السَّابِع عشر قَوْله تَعَالَى (الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة) الْآيَة روى رزين بن مُعَاوِيَة فِي الْجمع بَين الصِّحَاح السِّتَّة أَنَّهَا نزلت فِي عَليّ فَيكون أفضل وَيكون هُوَ الإِمَام الْجَواب الْمُطَالبَة بِصِحَّة النَّقْل ورزين قد يزِيد أَشْيَاء من عِنْده بل الَّذِي فِي الصَّحِيح مَا رَوَاهُ النُّعْمَان بن بشير قَالَ كنت عِنْد مِنْبَر رَسُول الله ﷺ فَقَالَ رجل لَا أُبَالِي أَن لَا أعمل عملا بعد الْإِسْلَام إِلَّا أَن أسْقى الْحَاج وَقَالَ آخر لَا أُبَالِي أَن لَا أعمل عملا بعد الْإِسْلَام إِلَّا أَن أعمر الْمَسْجِد الْحَرَام وَقَالَ آخر الْجِهَاد فِي سَبِيل الله أفضل مِمَّا قُلْتُمْ فزجرهم عمر وَقَالَ لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم عِنْد مِنْبَر رَسُول الله ﷺ وَلَكِن إِذا صليت الْجُمُعَة دخلت فاستفتيته فِيمَا اختلفتم فِيهِ فَأنْزل الله تَعَالَى (أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله) الْآيَة رَوَاهُ مُسلم فَهَذَا يَقْتَضِي أَن قَول عَليّ الَّذِي فضل بِهِ الْجِهَاد على السدَانَة والسقاية أصح من قَول من فضل السدَانَة والسقاية وَأَن عليا كَانَ أعلم بِالْحَقِّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مِمَّن نازعه فِيهَا وَهَذَا عمر قد وَافق ربه عزوجل فِي عدَّة أُمُور يَقُول شَيْئا وَينزل الْقُرْآن بموافقته مقَام إِبْرَاهِيم والحجاب وأسارى بدر وَقَوله (عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن) وهب أَن عليا اخْتصَّ بمزية فَمَا ذَلِك من خَصَائِص الْإِمَامَة وَلَا بِمُوجب أَن يكون أفضل الْأمة فَإِن الْخضر لما علم مسَائِل لم يعلمهَا مُوسَى لم يكن أفضل من مُوسَى بل هَذَا الهدهد قَالَ لِسُلَيْمَان نَبِي الله (أحطت بِمَا لم تحط بِهِ) بل الْآيَة بِأبي بكر أولى من عَليّ فَإِن عليا كَانَ فَقِيرا لَا مَال لَهُ وَأَبُو بكر أنْفق فِي سَبِيل الله قَالَ الْبُرْهَان الثَّامِن عشر قَوْله تَعَالَى (إِذا نَاجَيْتُم الرَّسُول فقدموا

стр. 427

بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة) فَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ حرم الله كَلَام رَسُوله إِلَّا بِتَقْدِيم صَدَقَة وبخلوا أَن يتصدقوا وَتصدق عَليّ وَلم يفعل ذَلِك غَيره وَعَن ابْن عمر قَالَ كَانَ لعَلي ثَلَاث لإن تكن فِي وَاحِدَة مِنْهُنَّ أحب إِلَيّ من حمر النعم تَزْوِيجه بفاطمة وإعطاؤه الرَّايَة يَوْم خَيْبَر وَآيَة النَّجْوَى وَعَن عَليّ قَالَ مَا عمل بِهَذِهِ الْآيَة غَيْرِي وَفِي خفف الله عَن الْأمة وَهَذَا يدل على فضيلته عَلَيْهِم فَيكون أَحَق بِالْإِمَامَةِ قُلْنَا عمل بِالْآيَةِ وَنسخت وَمَا فِيهَا إِيجَاب الصَّدَقَة لَكِن أَمرهم إِذا ناجوا أَن يتصدقوا وَمن لم يناج لم يكن عَلَيْهِ أَن يتَصَدَّق وَلم تكن الْمُنَاجَاة وَاجِبَة فَلَا لوم على أحد إِذا ترك مَا لَيْسَ بِوَاجِب وَمن كَانَ مِنْهُم عَاجِزا عَن الصَّدَقَة وَلَكِن لَو قدر لناجى فَتصدق فَلهُ نِيَّته وأجره وَمن لم يعرض لَهُ سَبَب يُنَاجِي لأَجله لم يَجْعَل نَاقِصا وَلَكِن من عرض لَهُ سَبَب اقْتضى الْمُنَاجَاة فَتَركه بخلا فَهَذَا قد ترك الْمُسْتَحبّ وَلَا يُمكن أَن يشْهد على الْخُلَفَاء أَنهم كَانُوا من هَذَا الضَّرْب وَلَا يعلم أَنهم ثَلَاثَتهمْ كَانُوا حاضرين عِنْد نزُول هَذِه الْآيَة بل يُمكن غيبَة بَعضهم وَيُمكن حَاجَة بَعضهم وَيُمكن عدم الدَّاعِي إِلَى الْمُنَاجَاة وَبِتَقْدِير أَن يكون أحدهم ترك الْمُسْتَحبّ أفكل من أدّى مُسْتَحبا يكون أفضل الْأمة وَثَبت أَنه ﷺ قَالَ من أصبح مِنْكُم صَائِما قَالَ أَبُو بكر أَنا قَالَ هَل فِيكُم من شيع جَنَازَة قَالَ أَبُو بكر أَنا قَالَ هَل فِيكُم من تصدق بِصَدقَة قَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ مَا اجْتمعت هَذِه الْخِصَال لعبد إِلَّا كَانَ من أهل الْجنَّة وَثَبت أَنه قَالَ مَا نَفَعَنِي مَال مَا نَفَعَنِي مَال أبي بكر وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الصَّحِيحَيْنِ إِن أَمن النَّاس عَليّ فِي صحبته وَمَاله أَبُو بكر وَلَو كنت متخذا خَلِيلًا غير رَبِّي لأتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا لَكِن أخوة الْإِسْلَام ومودته لَا يبْقين بَاب فِي الْمَسْجِد إِلَّا سد إِلَّا بَاب أبي بكر وَفِي سنَن أبي دَاوُد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لأبي بكر أما إِنَّك يَا أَبَا بكر أول من يدْخل الْجنَّة

стр. 428

من أمتِي وَفِي التِّرْمِذِيّ وَسنَن أبي دَاوُد عَن عمر ﵁ قَالَ أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نتصدق فَوَافَقَ مني مَالا فَقلت الْيَوْم أسبق أَبَا بكر إِن سبقته قَالَ فَجئْت بِنصْف مَالِي فَقَالَ النَّبِي ﷺ مَا أبقيت لأهْلك قلت مثله وأتى أَبُو بكر بِكُل مَا عِنْده فَقَالَ يَا أَبَا بكر مَا أبقيت لأهْلك قَالَ الله وَرَسُوله قلت لَا أسابقه إِلَى شَيْء أبدا وَفِي التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا لَا يَنْبَغِي لقوم فيهم أَبُو بكر أَن يؤمهم غَيره وتجهيز عُثْمَان بِأَلف بعير أعظم من صَدَقَة النَّجْوَى بِكَثِير فَإِن الْإِنْفَاق فِي الْجِهَاد كَانَ فرضا بِخِلَاف الصَّدَقَة أَمَام النَّجْوَى فَإِنَّهُ مَشْرُوط بمريد النَّجْوَى فَمن لم يردهَا لم يكن عَلَيْهِ أَن يتَصَدَّق وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ بَيْنَمَا رجل يَسُوق بقرة وَقد حمل عَلَيْهَا التفتت إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي لم أخلق لهَذَا إِنَّمَا خلقت للحرث فَقَالَ النَّاس سُبْحَانَ الله تَعَجبا وفزعا أبقرة تَتَكَلَّم فَقَالَ ﷺ فَإِنِّي أُؤْمِن بِهِ أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَقَالَ ﷺ بَيْنَمَا رَاع فِي غنمه غَدا عَلَيْهِ الذِّئْب فَأخذ مِنْهَا شَاة فَطَلَبه الرَّاعِي حَتَّى استنقذها فَالْتَفت إِلَيْهِ الذِّئْب فَقَالَ من لَهَا يَوْم السَّبع يَوْم لَيْسَ لَهَا رَاع غَيْرِي فَقَالَ النَّاس سُبْحَانَ الله فَقَالَ إِنِّي أُؤْمِن بِهَذَا أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَمَا هما ثمَّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة أَن رجلا من الْأَنْصَار بَات بِهِ ضيف فَلم يكن لَهُ إِلَّا قوته وقوت صبيانه فَقَالَ لامْرَأَته نومي الصبية وأطفئي السراج وقربي للضيف مَا عنْدك فَفعلت فأنزلت (ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة) وَهَذَا أعظم من صَدَقَة النَّجْوَى قَالَ الْبُرْهَان التَّاسِع عشر قَالَ تَعَالَى (واسأل من أرسلنَا من قبلك من رسلنَا أجعلنا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ) قَالَ ابْن عبد الْبر وَأخرجه أَبُو نعيم أَيْضا أَن النَّبِي ﷺ لَيْلَة أسرِي بِهِ جمع الله بَينه وَبَين الْأَنْبِيَاء ثمَّ قَالَ سلهم يَا مُحَمَّد على مَاذَا بعثتم قَالُوا بعثنَا على شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وعَلى الْإِقْرَار بنبوتك وَالْولَايَة

стр. 429

لعَلي وَهَذَا صَرِيح بِثُبُوت الْإِمَامَة لعَلي الْجَواب لَا شكّ أَن هَذَا وَأَمْثَاله من الْكَذِب وَلَو لم يكن كذبا لم يسغْ أَن يحْتَج بِهِ حَتَّى تثبت صِحَّته ثمَّ كَيفَ يسْأَلُون عَمَّا لَا يدْخل فِي أصل الْإِيمَان فقد أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الرجل لَو آمن بالرسول وأطاعه وَمَات وَلم يعلم أَن الله خلق أَبَا بكر وعليا لم يضرّهُ ذَلِك فِي إيمَانه فَكيف يُقَال إِن الْأَنْبِيَاء يجب عَلَيْهِم الْإِيمَان بِوَاحِد من الصَّحَابَة وَالله أَخذ عَلَيْهِم الْمِيثَاق لَئِن بعث مُحَمَّدًا وهم أَحيَاء ليُؤْمِنن بِهِ ولينصرنه قَالَه ابْن عَبَّاس وَغَيره فِي قَوْله تَعَالَى (وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه) الْآيَة ثمَّ إِن لفظ الْآيَة (واسأل من أرسلنَا من قبلك من رسلنَا) لَيْسَ فِي هَذَا سُؤال لَهُم بِمَا بعثوا بل بِمَا نَص عَلَيْهِ فِي الْآيَة قَالَ الْبُرْهَان الْعشْرُونَ قَوْله تَعَالَى (وَتَعيهَا أذن وَاعِيَة) فِي تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ قَالَ النَّبِي ﷺ سَأَلت الله أَن يَجْعَلهَا أُذُنك يَا عَليّ وَذكر نَحوه من طَرِيق أبي نعيم وَهَذِه فَضِيلَة لم تحصل لأحد غَيره فَيكون هُوَ الْمُقدم وَالْجَوَاب هَذَا مَوْضُوع وَقَوله تَعَالَى (لنجعلها لكم تذكرة وَتَعيهَا أذن وَاعِيَة) خطاب لبني آدم لم يرد وَاحِدًا من النَّاس فَإِن حمل نوح وَقَومه فِي السَّفِينَة من أعظم الْآيَات نعم أذن عَليّ وَاعِيَة كآذان أبي بكر وَعمر وَخلق من الْأمة بِلَا ريب أَتَرَى أذن نَبينَا ﷺ لَيست وَاعِيَة وَلَا أذن الْحسن وَالْحُسَيْن وعمار وَأبي ذَر فَانْتفى التفرد والأفضيلة فكم تبنى أَمرك على مُقَدمَات واهية متلاشية كدأب أئمتك فَمَا برحتم كَذَلِك فَمَا تنْفق حججكم إِلَّا على تلميذ أَو صَاحب هوى وعصبية وَلِهَذَا يُقَال لَيْسَ للرافضة عقل وَلَا نقل وَلَا دين صَحِيح وَلَا دولة منصورة قَالَ الْبُرْهَان الْحَادِي وَالْعشْرُونَ سُورَة (هَل أَتَى) فِي تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ بطرق قَالَ مرض الْحسن وَالْحُسَيْن فَعَادَهُمَا جدهما وَعَامة الْعَرَب فَقَالُوا يَا أبي الْحسن لَو نذرت على ولديك فَنَذر صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام وَكَذَلِكَ نذرت أمهما وجاريتهم فضَّة فبرئا وَلَيْسَ عِنْد

стр. 430

آل مُحَمَّد قَلِيل وَلَا كثير فَاسْتقْرض عَليّ ثَلَاثَة آصَع من شعير فَعمِلت مِنْهُ فَاطِمَة خَمْسَة أَقْرَاص وَصلى عَليّ مَعَ النَّبِي ﷺ الْمغرب ثمَّ أَتَى الْمنزل فَوضع الطَّعَام بَين يَدَيْهِ إِذْ أَتَاهُم مِسْكين فَوقف فَسَأَلَ فَأَعْطوهُ الطَّعَام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يَذُوقُوا شَيْئا إِلَّا المَاء فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي قَامَت فَاطِمَة وخبزت صَاعا وَجَاء عَليّ فَأتى يَتِيم فَوقف بِالْبَابِ وَقَالَ يَا أهل بَيت مُحَمَّد يَتِيم من أَوْلَاد الْمُهَاجِرين اسْتشْهد وَالِدي يَوْم الْعقبَة أَطْعمُونِي أطْعمكُم الله من مَوَائِد الْجنَّة فَأَعْطوهُ الطَّعَام ومكثوا يَوْمَيْنِ وليلتين فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث طحنت الصَّاع الثَّالِث وخبزته وأتى عَليّ فَوضع الطَّعَام إِذْ أَتَى أَسِير فَقَالَ أَطْعمُونِي فَإِنِّي أَسِير مُحَمَّد أطْعمكُم الله على مَوَائِد الْجنَّة فَأمر عَليّ بإعطائه فَأَعْطوهُ الطَّعَام ومكثوا ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها لم يَذُوقُوا شَيْئا إِلَّا المَاء فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الرَّابِع ونفد مَا عِنْدهم أَخذ عَليّ الْحسن بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَالْحُسَيْن بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَأَقْبل على رَسُول الله ﷺ وهم يَرْتَعِشُونَ كالفراخ من الْجُوع فَانْطَلق مَعَهم إِلَى منزل فَاطِمَة وَقد لصق ظهرهَا بِبَطْنِهَا وَغَارَتْ عَيناهَا من الْجُوع فهبط جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد خد مَا هُنَاكَ الله فِي أهل بَيْتك فَأَقْرَأهُ (هَل أَتَى على الْإِنْسَان) وَهِي تدل على فضائله جمة لم يسْبق إِلَيْهَا فَيكون هُوَ الإِمَام وَالْجَوَاب الْمُطَالبَة بِصِحَّة هَذَا فَإِنَّهُ من وضع الطرقية لَا يرتاب حَافظ فِي وَضعه وَلَا أَرَاك تنقل من مُسْند مُعْتَبر وَلَا من كتاب مُحدث هَذَا كتاب خَصَائِص عَليّ ﵁ للنسائي وَفِيه الصَّحِيح والواهي وَلَكِن مَا فِيهِ مثل هَذِه الخرافات الَّتِي تَأتي بهَا وَكَذَلِكَ أَبُو نعيم فِي الخصائص وَابْن أبي حشمة وَكَذَلِكَ فِي جَامع التِّرْمِذِيّ أَشْيَاء ضَعِيفَة فِي مَنَاقِب عَليّ وَفِي صِفَاته وَلَكِن حاشاهم مَا أوردت أَنْت من الْإِفْك وَأَصْحَاب السّير كإبن إِسْحَاق وَغَيره يذكرُونَ من فضائله أَشْيَاء ضَعِيفَة وَلم يذكرُوا مثل هَذَا وَلَا رووا مِمَّا قُلْنَا فِيهِ أَنه مَوْضُوع بإتفاق أهل النَّقْل وَمن الْمَعْلُوم أَن عليا إِنَّمَا تزوج بفاطمة بِالْمَدِينَةِ و (هَل أَتَى على الْإِنْسَان) مَكِّيَّة بإتفاق الْمُفَسّرين فلاح كذب

стр. 431

الحَدِيث ثمَّ قد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن النّذر وَقَالَ إِنَّه لَا يَأْتِي بِخَير وَإِنَّمَا يسْتَخْرج بِهِ من الْبَخِيل فَالله مدح الْوَفَاء بِالنذرِ لَا على نفس عقده كَمَا ينْهَى الْمَرْء على الظِّهَار فَإِذا ظَاهر وادى الْكَفَّارَة الْوَاجِبَة مدح ثمَّ لم تكن لفاطمة جَارِيَة اسْمهَا فضَّة وَلَا نَعْرِف أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ جَارِيَة اسْمهَا فضَّة وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَة ابْن عقب أَسمَاء مَوْضُوعَة لمعدومين وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَليّ ﵁ أَن فَاطِمَة ﵂ سَأَلت النَّبِي ﷺ خَادِمًا فعلمها أَن تسبح عِنْد الْمَنَام وتكبر وتحمد مائَة وَقَالَ هَذَا خير لكم من خَادِم ثمَّ ترك الْأَطْفَال ثَلَاثَة أَيَّام بِلَا غذَاء خلاف الشَّرْع وَتعرض للتلف وَالنَّبِيّ ﷺ قَالَ ابدأ بِنَفْسِك ثمَّ بِمن تعول وَأَيْضًا فَكَانَ يُمكنهُم أَن يواسوا السَّائِل بقرص يَكْفِيهِ ثمَّ قَول الْيَتِيم اسْتشْهد أبي يَوْم الْعقبَة هَذَا من الْكَذِب الظَّاهِر المهتوك فليلة الْعقبَة كَانَت مبايعة مَحْضَة لَيست غَزْوَة فقبح الله من وَضعه ثمَّ إِنَّه لم يكن فِي الْمَدِينَة أَسِير قطّ يسْأَل النَّاس بل كَانَ الْمُسلمُونَ يقومُونَ بالأسير الَّذِي يستأسرونه فدعوى الْمُدَّعِي أَن أَسْرَاهُم كَانُوا مُحْتَاجين إِلَى مَسْأَلَة النَّاس كذب عَلَيْهِم وقدح فيهم وَقد كَانَ جَعْفَر بن أبي طَالب أَكثر إطعاما للْمَسَاكِين من غَيره حَتَّى قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ أشبهت خلقي وَخلقِي وَحَتَّى قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ مَا احتذى أحد النِّعَال بعد النَّبِي ﷺ أفضل من جَعْفَر يَعْنِي فِي الْإِحْسَان وَالْبر وَمَعَ هَذَا فَمَا هُوَ أفضل من عَليّ ثمَّ إِنْفَاق أبي بكر أَمْوَاله فِي الله متواتر وَتلك النَّفَقَة مَا بَقِي يُمكن مثلهَا وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ لَا تسبوا أَصْحَابِي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه قَالَ الْبُرْهَان الثَّانِي وَالْعشْرُونَ قَوْله تَعَالَى (وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ

стр. 432

وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون) من طَرِيق أبي نعيم عَن مُجَاهِد (وَصدق بِهِ) قَالَ عَليّ فَهَذِهِ فَضِيلَة اخْتصَّ بهَا فَيكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا قَول مُجَاهِد وَحده لَيْسَ بِحجَّة أَن لَو ثَبت عَنهُ كَيفَ وَالثَّابِت عَنهُ خلاف هَذَا وَهُوَ أَن الصدْق الْقُرْآن وَالَّذِي صدق بِهِ هُوَ من عمل بِهِ ثمَّ مَا ذكرت معَارض بِمَا هُوَ أشهر مِنْهُ عِنْد الْمُفَسّرين وَهُوَ أَن الَّذِي صدق بِهِ أَبُو بكر الصّديق ذكره ابْن جرير الطَّبَرِيّ وَغَيره وبلغنا عَن أبي بكر بن عبد الْعَزِيز ابْن جَعْفَر الْفَقِيه غُلَام الْخلال أَنه سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة فَقَالَ نزلت فِي أبي بكر فَقَالَ السَّائِل بل فِي عَليّ فَقَالَ أَبُو بكر الْفَقِيه اقْرَأ مَا بعْدهَا فَقَرَأَ إِلَى قَوْله (ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا) فَقَالَ عَليّ عنْدك مَعْصُوم لَا سَيِّئَة لَهُ فَمَا الَّذِي يكفر عَنهُ فبهت السَّائِل وَلَفظ الْآيَة عَام مُطلق دخل فِي حكمهَا أَبُو بكر وَعلي وَخلق قَالَ الْبُرْهَان الثَّالِث وَالْعشْرُونَ قَوْله تَعَالَى (هُوَ الَّذِي أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ) فَمن طَرِيق أبي نعيم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ مَكْتُوب على الْعَرْش مُحَمَّد عَبدِي ورسولي أيدته بعلي وَهَذِه من أعظم الْفَضَائِل فَيكون هُوَ الإِمَام وَالْجَوَاب أَيْن ثُبُوت النَّقْل وَإِن احتججت بِأبي نعيم وَمَا رَوَاهُ فِي الْفَضَائِل وَفِي الْحِلْية من مَنَاقِب الصَّحَابَة مُطلقًا يهدم بنيانك وَنحن نشْهد بِاللَّه أَن هَذَا كذب على أبي هُرَيْرَة نجد عندنَا علما ضَرُورِيًّا بذلك لَا تقدر أَن تَدْفَعهُ عَن قُلُوبنَا وَمن لم يكن أعلم بِنَقْل الْآثَار فَلَا يدْخل مَعنا كَمَا أَن النَّاقِد الجهبذ يحلف على مَا يعلم أَنه مغشوش ثمَّ الله يَقُول (أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَألف بَين قُلُوبهم) فَهَذَا نَص فِي عدد مؤلف بَين قُلُوبهم فَصَرفهُ إِلَى وَاحِد تَحْرِيف وتبديل ثمَّ من الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَن النَّبِي ﷺ مَا كَانَ قيام دينه وتأييده بِمُجَرَّد مُوَافقَة عَليّ بل وَلَا بِأبي بكر وَلَكِن بالمهاجرين وَالْأَنْصَار قَالَ الْبُرْهَان الرَّابِع وَالْعشْرُونَ قَوْله (حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ) فَمن طَرِيق أبي نعيم قَالَ نزلت فِي عَليّ وَهَذِه فَضِيلَة لم تحصل لأحد من الصَّحَابَة غَيره فَيكون هُوَ الإِمَام وَالْجَوَاب الْمَنْع من صِحَة النَّقْل وَإِنَّمَا معنى

стр. 433

الْآيَة إِن الله حَسبك أَيهَا النَّبِي وَحسب من اتبعك من الْمُؤمنِينَ كَقَوْل الشَّاعِر (فحسبك وَالضَّحَّاك ... سيف مهند) وَذَلِكَ أَن حسب مصدر فَلَمَّا أضيف لم يحسن الْعَطف عَلَيْهِ إِلَّا بِإِعَادَة الْجَار ويندر بِدُونِهِ وَقد ظن بعض العارفين أَن معنى الْآيَة إِن الله وَالْمُؤمنِينَ حَسبك وَيكون من اتبعك رفعا عطفا على الله وَهَذَا خطأ قَبِيح مُسْتَلْزم للكفر فَإِن الله وَحده حسب جَمِيع الْخلق كَمَا قَالَ تَعَالَى (الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل) ثمَّ لَو فَرضنَا أَن (وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ) فَاعل مَعْطُوف على الله لما كَانَ مُخْتَصًّا بعلي إِذْ كَانَ وَقت نزُول الْآيَة قد اتبع الرَّسُول من الْمُؤمنِينَ عدد كثير جدا وَلم يقل عَاقل إِن عليا وَحده كَانَ يَكْفِي الرَّسُول فِي جِهَاد الْكفَّار وَلَو لم يكن مَعَه إِلَّا عَليّ لما ظهر فقد كَانَ مَعَه بِمَكَّة بضع عشرَة سنة هُوَ وَطَائِفَة وَمَا قَامَ الدّين وانتصر إِلَّا بعد الْهِجْرَة بل هَذَا عَليّ وَمَعَهُ أَكثر جيوش الْإِسْلَام مَا قدر على أَخذ الشَّام من مُعَاوِيَة وَهَؤُلَاء الرافضة يجمعُونَ بَين النقيضين جهلا وظلما يجْعَلُونَ عليا ﵁ أكمل الْبشر قدرَة وشجاعة وَأَن الرَّسُول كَانَ مُحْتَاجا إِلَيْهِ وَأَنه الَّذِي أَقَامَ الدّين ثمَّ يصفونه بِالْعَجزِ والتقية بعد ظُهُور الْإِسْلَام فَمن يقهر عنْدكُمْ الْمُشْركين وَالْجِنّ وَالْإِنْس فِي مبدأ الْإِسْلَام وَقلة أَهله وَكَثْرَة أعدائه كَيفَ لَا يقهر طَائِفَة بَغت عَلَيْهِ فَتبين أَنه وَحده لم يقهر الْمُشْركين فَلَا تغتر بِتِلْكَ الْغَزَوَات الَّتِي ينْفق بهَا الطرقية فوَاللَّه مَا لَهَا وجود قَاتل الله من افتراها وَنَظِير هَذَا جعل النَّصَارَى عِيسَى إِلَهًا ثمَّ يجْعَلُونَ أعداءه صفعوه وَوَضَعُوا الشوك على رَأسه وصلبوه وَأَنه بَقِي يستغيث فَلَا يغيثونه فَإِن كَانَ تسمير هَذَا الرب بِرِضَاهُ وإرادته فَتلك طَاعَة وَعبادَة من الْيَهُود الَّذين صلبوه فيمدحون على ذَلِك لَا يذمون وَهَذَا من أعظم الْجَهْل وَالْكفْر وَهَكَذَا تَجِد كثيرا من الشُّيُوخ والفقراء الجهلة فِي غَايَة الدعاوي

стр. 434

وَنِهَايَة الْعَجز كَمَا صَحَّ فِي الحَدِيث ثَلَاثَة لَا ينظر الله إِلَيْهِم فَذكر الْفَقِير المختال وَفِي لفظ وعائل مستكبر وَهَذَا كَمَا يُقَال الْفقر والزنطرة فيشطح أحدهم حَتَّى كَأَنَّهُ رب ويعزل الرب عَن ربوبيته وَالنَّبِيّ عَن رسَالَته ثمَّ آخرته شحاذ يطْلب مَا يقيته أَو متلقح على أَبْوَاب الرؤساء كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (مثل الَّذين اتَّخذُوا من دون الله أَوْلِيَاء كَمثل العنكبوت اتَّخذت بَيْتا وَإِن أوهن الْبيُوت لبيت العنكبوت لَو كَانُوا يعلمُونَ) وكل من تكبر عُوقِبَ بالذل قَالَ الله تَعَالَى (ضربت عَلَيْهِم الذلة أَيْنَمَا ثقفوا إِلَّا بِحَبل من الله وحبل من النَّاس وباءوا بغضب من الله وَضربت عَلَيْهِم المسكنة بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون) فالجهل والغلو والتصديق بالأباطيل دين النَّصَارَى وَالْكبر والحسد ورد الْحق والذلة والتقية دين الْيَهُود وَهَؤُلَاء الرافضة قد التقطوا الْكل وتمسكوا بِهِ اللَّهُمَّ اهدنا وإياهم صراطك الْمُسْتَقيم فيا مَا يعْمل الْجَهْل والهوى بأَهْله قَالَ الْبُرْهَان الْخَامِس وَالْعشْرُونَ قَوْله تَعَالَى (فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قَالَ الثَّعْلَبِيّ إِنَّمَا نزلت فِي عَليّ وَهَذَا دَلِيل على أَنه أفضل فَيكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا هَذَا إفتراء على الثَّعْلَبِيّ وَإِنَّمَا قَالَ الرجل فِي هَذِه الْآيَة (فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قَالَ عَليّ بن أبي طَالب وَقَتَادَة وَالْحسن إِنَّهُم أَبُو بكر وَأَصْحَابه وَقَالَ مُجَاهِد هم أهل الْيمن وَبلا ريب إِن عليا مِمَّن يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله كَأبي بكر وَعمر وَغَيرهمَا من السَّابِقين وَالتَّابِعِينَ وَقَوله (أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم) أيقول عَاقل إِنَّهَا

стр. 435

نزلت فِي وَاحِد وَاللَّفْظ صِيغَة جمع قَالَ الْبُرْهَان السَّادِس وَالْعشْرُونَ قَوْله تَعَالَى (وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله أُولَئِكَ هم الصديقون وَالشُّهَدَاء عِنْد رَبهم) روى أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن أبي ليلى عَن أَبِيه قَالَ رَسُول الله ﷺ الصديقون ثَلَاثَة حبيب النجار مُؤمن آل ياسين وحزقيل مُؤمن آل فرعن وَعلي بن أبي طَالب وَهُوَ أفضلهم وَهَذِه فَضِيلَة تدل على إِمَامَته وَالْجَوَاب الْمُطَالبَة بِصِحَّة الحَدِيث فَمَا كل حَدِيث رَوَاهُ أَحْمد صَحِيح ثمَّ هَذَا لم يروه أَحْمد لَا فِي الْمسند وَلَا فِي الْفَضَائِل وَلَا رَوَاهُ أبدا وَإِنَّمَا زَاده الْقطيعِي عَن الْكُدَيْمِي حَدثنَا الْحسن بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ حَدثنَا عَمْرو بن جَمِيع حَدثنَا ابْن أبي ليلى عَن أَخِيه عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن أَبِيه مَرْفُوعا فَذكره ثمَّ قَالَ الْقطيعِي كتب إِلَيْنَا عبد الله بن غَنَّام حَدثنَا الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى المكفوف حَدثنَا عَمْرو بن جَمِيع فعمرو هَذَا قَالَ فِيهِ ابْن عدي الْحَافِظ يتهم بِالْوَضْعِ والكديمي يتهم مَعْرُوف بِالْكَذِبِ فَسقط الحَدِيث ثمَّ قد ثَبت فِي الصَّحِيح تَسْمِيَة غير عَليّ صديقا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ صعد أحدا وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان فَرَجَفَ بهم فَقَالَ النَّبِي ﷺ اثْبتْ أحد فَمَا عَلَيْك إِلَّا نَبِي وصديق وشهيدان وَصَحَّ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 436

قَالَ لَا يزَال الرجل يصدق ويتحرى الصدْق حَتَّى يكْتب عِنْد الله صديقا وَأَيْضًا فقد سمى الله مَرْيَم صديقَة وَقد سمى الله النَّبِيين كَذَلِك فَقَالَ (إِنَّه كَانَ صديقا نَبيا) وإخبار الله تَعَالَى فِي الْآيَة عَام فَقَالَ (وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله أُولَئِكَ هم الصديقون) فَهَذَا يَقْتَضِي أَن كل من آمن بِاللَّه وَرُسُله فَهُوَ صديق ثمَّ إِن كَانَ الصّديق هُوَ الَّذِي يسْتَحق الْإِمَامَة فأحق النَّاس بِهَذَا الإسم أَبُو بكر وَهُوَ الَّذِي ثَبت لَهُ هَذَا الإسم والإمامة قَالَ الْبُرْهَان السَّابِع وَالْعشْرُونَ قَوْله تَعَالَى (الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي اللَّيْل وَالنَّهَار سرا وَعَلَانِيَة) من طَرِيق أبي نعيم بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس أَنَّهَا نزلت فِي عَليّ كَانَ مَعَه أَرْبَعَة دَرَاهِم فأنفق درهما بِاللَّيْلِ ودرهما بِالنَّهَارِ ودرهما سرا ودرهما عَلَانيَة فَلم يحصل ذَلِك لغيره فَيكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا أَيْن ثُبُوت مَا نقلت كَيفَ وَهُوَ كذب وَالْآيَة عَامَّة فِي كل من ينْفق أَمْوَاله فَيمْتَنع أَن يُرَاد بهَا وَاحِد لم يكن صَاحب مَال ثمَّ مَا نسبته إِلَى عَليّ يمْتَنع عَلَيْهِ إِذْ من فعل ذَلِك كَانَ جَاهِلا بِمَعْنى الْآيَة فَإِن الَّذِي ينْفق سرا وَعَلَانِيَة ينْفق لَيْلًا وَنَهَارًا وَمن أنْفق لَيْلًا وَنَهَارًا فقد أنْفق سرا وَعَلَانِيَة فالدرهم ينصف نِصْفَيْنِ وَلَا يتحتم أَن يكون المُرَاد أَرْبَعَة دَرَاهِم وَلَو كَانَ كَذَلِك لقَالَ وسرا بِالْوَاو وَعَلَانِيَة بل هما داخلان فِي اللَّيْل وَالنَّهَار سَوَاء قيل نصبا على الْمصدر أَي إسرارا وإعلانا أَو قيل على الْحَال مسرا ومعلنا وهب أَن عليا فعل ذَلِك فباب الإتفاق مَفْتُوح إِلَى قيام السَّاعَة فَأَيْنَ الخصوصية وَلَو كَانَ إِنْفَاق أَرْبَعَة دَرَاهِم خَاصّا بِهِ فَلم قلت أَنه صَار بذلك أفضل الْأمة قَالَ الْبُرْهَان الثَّامِن وَالْعشْرُونَ مَا رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لَيْسَ فِي الْقُرْآن (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا) إِلَّا وَعلي رَأسهَا وأميرها وَلَقَد عَاتب الله أَصْحَاب مُحَمَّد فِي الْقُرْآن وَمَا ذكر عليا إِلَّا بِخَير وَهَذَا يدل على أَنه أفضل فَيكون هُوَ الإِمَام

стр. 437

الْجَواب الْمُطَالبَة بِصِحَّة النَّقْل فَإنَّك زعمت أَن أَحْمد بن حَنْبَل رَوَاهُ وَإِنَّمَا ذَا من زيادات الْقطيعِي رَوَاهُ عَن إِبْرَاهِيم بن شريك عَن زَكَرِيَّا بن يحيى الْكسَائي حَدثنَا عِيسَى عَن عَليّ ابْن بذيمة عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فَهَذَا كذب على ابْن عَبَّاس فَإِن زَكَرِيَّا لَيْسَ بِثِقَة والمتواتر عَن ابْن عَبَّاس تفضيله الشَّيْخَيْنِ على عَليّ وَله معاتبات ومخالفات لعَلي وَلما حرق عَليّ الزَّنَادِقَة قَالَ لَو كنت أَنا لقتلتهم لنهي النَّبِي ﷺ أَن يعذب بِعَذَاب الله اخرجه البُخَارِيّ ثمَّ هَذَا الْكَلَام مَا فِيهِ مدح لعَلي فقد قَالَ تَعَالَى (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) فَإِن كَانَ عَليّ رَأس هَذِه الْآيَة فقد عاتبه الله وَهُوَ مُخَالف لما فِي حَدِيثك من أَن الله مَا ذكره إِلَّا بِخَير وَقَالَ (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء) وَثَبت أَنَّهَا نزلت فِي حَاطِب بن أبي بلتعة وأمثال هَذَا كثير وَإِنَّمَا اللَّفْظ شَامِل للْمُؤْمِنين وَفِي بعض الْآيَات آيَات عمل بهَا نَاس قبل عَليّ وفيهَا آيَات لم يعْمل بهَا عَليّ وقولك لقد عَاتب الله الصَّحَابَة وَمَا ذكر عليا إِلَّا بِخَير كذب ظَاهر فَمَا عَاتب أَبَا بكر فِي الْقُرْآن قطّ وَعَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي خطبَته أَيهَا النَّاس اعرفوا لأبي بكر حَقه فَإِنَّهُ لم يَسُؤْنِي يَوْمًا قطّ وَهَذَا بِخِلَاف خطْبَة بنت أبي جهل فقد خطب النَّبِي ﷺ الْخطْبَة الْمَعْرُوفَة وَمَا حصل مثل هَذَا فِي حق أبي بكر قطّ وَأَيْضًا فعلي لم يكن يدْخل فِي الْأُمُور الْكِبَار مَعَ رَسُول الله ﷺ كَمَا كَانَ يدْخل مَعَه أَبُو بكر وَعمر فَإِنَّهُمَا كَانَا كالوزيرين وَعلي صَغِير فِي سنّ ولديهما وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَليّ لما مَاتَ عمر جَاءَ عَليّ فَقَالَ وَالله إِنِّي لأرجو أَن يحشرك الله مَعَ صاحبيك فَإِنِّي كنت كثيرا مَا أسمع النَّبِي ﷺ يَقُول دخلت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَخرجت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَذَهَبت انا وَأَبُو بكر وَعمر وَقد شاور عليا فِي أَمر يَخُصُّهُ كَمَا شاوره فِي قصَّة الْإِفْك فِي شَأْن عَائِشَة فَقَالَ لم يضيق الله عَلَيْك وَالنِّسَاء سواهَا كثير وسل الْجَارِيَة تصدقك

стр. 438

وشاور فِيهَا أُسَامَة بن زيد فَقَالَ أهلك وَلَا نعلم إِلَّا خيرا فَنزل الْقُرْآن ببراءتها وإمساكها كَمَا أَشَارَ أُسَامَة وَمَعَ هَذَا فَأَيْنَ أُسَامَة من عَليّ قَالَ الْبُرْهَان التَّاسِع وَالْعشْرُونَ قَوْله (إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا) فَمن صَحِيح البُخَارِيّ عَن كَعْب ابْن عجْرَة قُلْنَا يَا رَسُول الله كَيفَ الصَّلَاة عَلَيْكُم أهل الْبَيْت قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صلى على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وَلَا شكّ أَن عليا أفضل آل مُحَمَّد فَيكون أولى بِالْإِمَامَةِ قُلْنَا هَذَا حق وَإِن عليا من آل مُحَمَّد الداخلين فِي قَوْله اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وَلَكِن لَيْسَ هَذَا من خَصَائِصه فَإِن جَمِيع بني هَاشم داخلون فِي هَذَا كالعباس وَولده والْحَارث بن عبد الْمطلب وكبنات النَّبِي ﷺ زَوْجَتي عُثْمَان رقية وَأم كُلْثُوم وبنته فَاطِمَة وَكَذَلِكَ أَزوَاجه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى أَزوَاجه وَذريته فَالصَّلَاة على الْآل عَامَّة فَلَا يخْتَص بهَا عَليّ ثمَّ يدْخل فِيهَا مثل عقيل بن أبي طَالب وَأبي سُفْيَان بن الْحَارِث وَمَعْلُوم أَن دُخُول كل هَؤُلَاءِ فِي الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم لَا يدل على أَنه أفضل من كل من لم يدْخل فِي ذَلِك وَلَا أَنه يصلح بذلك للْإِمَامَة فضلا عَن أَن يكون مُخْتَصًّا بهَا أَلا ترى أَن عمارا والمقداد وَأَبا ذَر وَغَيرهم مِمَّن اتّفق أهل السّنة والشيعة على فَضلهمْ لَا يدْخلُونَ فِي الصَّلَاة على الْآل وَيدخل فِيهَا عقيل وَالْعَبَّاس وَبَنوهُ وَأُولَئِكَ أفضل من هَؤُلَاءِ بإتفاق أهل السّنة والشيعة وَكَذَلِكَ يدْخل فِيهَا عَائِشَة وَغَيرهَا من أَزوَاجه وَلَا تصلح امْرَأَة للْإِمَامَة وَلَيْسَت أفضل النَّاس بإتفاق أهل السّنة والشيعة فَهَذِهِ فَضِيلَة مشترطة بَينه وَبَين غَيره وَلَيْسَ كل من اتّصف بهَا أفضل مِمَّن لم يَتَّصِف بهَا الْبُرْهَان الثَّلَاثُونَ قَوْله (مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ) من تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ وَطَرِيق أبي نعيم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ عَليّ وَفَاطِمَة (بَينهمَا برزخ) النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 439

(يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان) الْحسن وَالْحُسَيْن وَلم تحصل لغيره من الصَّحَابَة هَذِه الْفَضِيلَة فَيكون أولى بِالْإِمَامَةِ الْجَواب أَن هَذَا هذيان مَا هُوَ تَفْسِير لِلْقُرْآنِ بل هُوَ من وضع الْمَلَاحِدَة وَنَظِيره قَول الجهلة المنتسبين إِلَى السّنة حَيْثُ فسروا وَمَا فسروا فَقَالُوا (الصابرين) مُحَمَّد ﷺ و (الصَّادِقين) أَبُو بكر و (القانتين) عمر و (المستغفرين بالأسحار) على وكقولهم (مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه) أَبُو بكر (أشداء على الْكفَّار) عمر (رحماء بَينهم) عُثْمَان (تراهم ركعا سجدا) عَليّ وكقولهم (والتين وَالزَّيْتُون) أَبُو بكر وَعمر (وطور سينين) عُثْمَان (وَهَذَا الْبَلَد الْأمين) عَليّ وَكَذَا (وَالْعصر إِن الْإِنْسَان لفي خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا) أَبُو بكر (وَعمِلُوا الصَّالِحَات) عمر (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) عُثْمَان (وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ) عَليّ وكقول تيوس الرافضة (وكل شَيْء أحصيناه فِي إِمَام مُبين) عَليّ و (الشَّجَرَة الملعونة) بَنو أُميَّة وَنحن نجد ضَرُورَة لَا تنْدَفع أَن ابْن عَبَّاس مَا قَالَ هَذَا ثمَّ سُورَة الرَّحْمَن مَكِّيَّة بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَإِنَّمَا اتَّصل عَليّ بفاطمة بِالْمَدِينَةِ ثمَّ تَسْمِيَة هذَيْن بحرين وَهَذَا اللُّؤْلُؤ وَهَذَا مرجان وَجعل النِّكَاح مرجا أَمر لَا تحتمله لُغَة الْعَرَب بِوَجْه ثمَّ نعلم أَن آل إِبْرَاهِيم كإسماعيل وَإِسْحَاق أفضل من آل عَليّ فَلَا توجب الْآيَة تَخْصِيصًا وَلَا أَفضَلِيَّة لَو تنازلنا وخاطبنا من لَا يعقل مَا يخرج من رَأسه ثمَّ إِن الله تَعَالَى قد ذكر (مرج الْبَحْرين) فِي آيَة أُخْرَى فَقَالَ (هَذَا عذب فرات وَهَذَا ملح أجاج وَجعل بَينهمَا برزخا) فَأَيّهمَا الْملح الأجاج عنْدك أعلي أم فَاطِمَة ثمَّ قَوْله (لَا يبغيان) يَقْتَضِي أَن البرزخ هُوَ الْمَانِع من بغي أَحدهمَا على الآخر وَهَذَا بالذم أشبه مِنْهُ بالمدح

стр. 440

قَالَ الْبُرْهَان الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ قَوْله (وَمن عِنْده علم الْكتاب) عَن ابْن الْحَنَفِيَّة قَالَ هُوَ عَليّ وَفِي تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ عَن عبد الله بن سَلام قَالَ قلت من ذَا الَّذِي عِنْده علم الْكتاب فَقَالَ إِنَّمَا ذَاك عَليّ قُلْنَا أَيْن صِحَة النَّقْل بِهَذَا عَنْهُمَا وَمَا هما بِحجَّة مَعَ مُخَالفَة الْعلمَاء كَيفَ وَهَذَا كذب عَلَيْهِمَا بَاطِل فَلَو كَانَ المُرَاد عَليّ لَكَانَ النَّبِي ﷺ يستشهد على الْكفَّار بإبن عَمه وَلَو شهد لَهُ بالرسالة لما كَانَ حجَّة عَلَيْهِم وَلَا حصل لَهُم دَلِيل ينقادون لَهُ ولقالوا إِنَّمَا الَّذِي عِنْد ابْن عمك عَليّ مُسْتَفَاد مِنْك فَتكون أَنْت الشَّاهِد لنَفسك وَلَعَلَّه داهنك وحاباك وَأَيْنَ بَرَاءَته من التُّهْمَة بذلك وَأما أهل الْكتاب الَّذين عِنْدهم علم بِهِ إِذا شهدُوا بِمَا تَوَاتر عِنْدهم عَن الْأَنْبِيَاء كَانَت شَهَادَتهم نافعة كَمَا لَو كَانَ الْأَنْبِيَاء موجودين وشهدوا لَهُ لِأَن مَا ثَبت بالتواتر فَهُوَ بِمَنْزِلَة شَهَادَتهم أنفسهم وَلِهَذَا نَحن نشْهد على الْأُمَم مِمَّا علمناه من جِهَة نَبينَا ثمَّ إِن الله تَعَالَى ذكر الإستشهاد بِأَهْل الْكتاب فِي أَمَاكِن كَقَوْلِه تَعَالَى (وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل) وَقَالَ (فَإِن كنت فِي شكّ مِمَّا أنزلنَا إِلَيْك فاسأل الَّذين يقرأون الْكتاب من قبلك) ثمَّ هَب أَن عليا هُوَ الشَّاهِد أيلزم أَن يكون هُوَ أفضل الصَّحَابَة فَكَمَا أَن أهل الْكتاب الَّذين يشْهدُونَ بذلك كَعبد الله بن سَلام وسلمان وَكَعب الْأَحْبَار وَغَيرهم لَيْسُوا بِأَفْضَل من البَاقِينَ فَكَذَا هَذَا قَالَ الْبُرْهَان الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ قَوْله (يَوْم لَا يخزي الله النَّبِي وَالَّذين آمنُوا مَعَه) عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أول من يلبس من حلل الْجنَّة إِبْرَاهِيم بخلته وَمُحَمّد لِأَنَّهُ صفوة الله ثمَّ عَليّ يزف بَينهمَا إِلَى الْجنان ثمَّ قَرَأَ (يَوْم لَا يخزي الله النَّبِي وَالَّذين آمنُوا مَعَه) قُلْنَا قبح الله من اختلق هَذَا على ابْن عَبَّاس الَّذِي نجزم بِأَنَّهُ مَا قَالَه ثمَّ النَّص عَام فِي الْمُؤمنِينَ فَلَا تثبت بهَا أَفضَلِيَّة وَاحِد قَالَ الْبُرْهَان الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ (إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة) روى أَبُو نعيم بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة قَالَ رَسُول الله ﷺ لعَلي هم أَنْت وشيعتك يأْتونَ يَوْم الْقِيَامَة راضين وَيَأْتِي

стр. 441

خصماؤك غضابا مفحمين وَإِذا كَانَ خير الْبَريَّة وَجب أَن يكون الإِمَام وَالْجَوَاب الْمُطَالبَة بِصِحَّتِهِ وَإِن كُنَّا جازمين بِوَضْعِهِ ثمَّ هُوَ معَارض بِمن قَالَ إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات هم الْخَوَارِج والنواصب وَيَقُولُونَ من تولى عليا فَهُوَ كَافِر ويحتجون على ذَلِك بقوله (وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ) قَالُوا وَمن حكم الرِّجَال فِي دين الله فقد حكم بِغَيْر مَا أنزل الله فَيكون كَافِرًا وَقَالَ (وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم) وَقَالَ هُوَ وَعُثْمَان وشيعتهما مرتدون بقول النَّبِي ﷺ ليذادن رجال عَن حَوْضِي كَمَا تذاد الْإِبِل الغريبة فَأَقُول رب أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيُقَال إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك وَبِقَوْلِهِ لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض فَهَذَا وَإِن كَانَ بَاطِلا فحجج الرافضة أبطل مِنْهُ وَقد صنف الجاحظ كتابا للمروانية وَذكر حجَجًا لَهُم لَا يُمكن الرافضي نقضهَا بل يحْتَاج إِلَى أهل السّنة حَتَّى ينقضوها قَالَ الْبُرْهَان الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ قَوْله (وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا فَجعله نسبا وصهرا) فِي تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ عَن ابْن سِيرِين قَالَ نزلت فِي النَّبِي ﷺ زوج عليا فَاطِمَة وَلم يثبت لغير على ذَلِك فَكَانَ أفضل فَيكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا وَهَذَا من الْكَذِب على ابْن سِيرِين وَالسورَة مَكِّيَّة قبل زواجه بفاطمة بدهر وَالْآيَة مُطلقَة فَإِن تناولت مصاهرة النَّبِي ﷺ لعَلي فقد تناولت مصاهرته لعُثْمَان مرَّتَيْنِ وَلأبي الْعَاصِ مرّة وتناولت مصاهرة أبي بكر وَعمر للنَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ تزوج بإبنتيهما فمصاهرته ثَابِتَة للخلفاء الْأَرْبَعَة فانتفت الخصوصية قَالَ الْبُرْهَان الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ قَوْله (اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين) أوجب الله علينا الْكَوْن مَعَ الْمَعْلُوم مِنْهُم الصدْق وَلَيْسَ إِلَّا الْمَعْصُوم إِذْ لَا مَعْصُوم من الْأَرْبَعَة سواهُ وَعَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا نزلت فِي عَليّ قُلْنَا الصّديق مُبَالغَة

стр. 442

فِي الصَّادِق وَأَبُو بكر صديق بأدلة عدَّة فَهُوَ أول من تناولته الْآيَة فَيجب أَن نَكُون مَعَه وَإِن كَانَ الْأَرْبَعَة صديقين لم يكن على مُخْتَصًّا بذلك بل الْآيَة إِنَّمَا نزلت فِي قصَّة كَعْب لما تخلف عَن غَزْوَة تَبُوك وتيب عَلَيْهِ ببركة الصدْق وَذَلِكَ ثَابت فِي الصَّحِيح ثمَّ إِنَّه قَالَ (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين) وَلم يقل وَكُونُوا مَعَ الصَّادِق وَمَعْنَاهَا فاصدقوا كَمَا يصدق الصادقون لَا تَكُونُوا مَعَ الْكَاذِبين كَمَا قَالَ (واركعوا مَعَ الراكعين) وَلم يرد الْمَعِيَّة فِي كل شَيْء فَلَا يجب على الْإِنْسَان أَن يكون مَعَ الصَّادِقين فِي الْمُبَاحَات والملبوسات وَنَحْو ذَلِك وَمثل ذَلِك كن مَعَ الْأَبْرَار كن مَعَ الْمُجَاهدين أَي ادخل مَعَهم فِي هَذَا الْوَصْف وجامعهم عَلَيْهِ قَالَ الْبُرْهَان السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى (واركعوا مَعَ الراكعين) عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا نزلت فِي عَليّ وَالنَّبِيّ ﷺ وهما أول من صلى وَركع قُلْنَا لَا نسلم صِحَّته ثمَّ الْآيَة فِي القرة وَهِي مَدَنِيَّة وسياقها مُخَاطبَة بني إِسْرَائِيل فَنزلت بعد وجود خلق من الراكعين وَلَو أَرَادَ الله نبيه وعليا لقَالَ مَعَ الراكعين وَصِيغَة الْجمع لَا يُرَاد بهَا التَّثْنِيَة فَقَط ثمَّ قد قَالَ لِمَرْيَم (واركعي مَعَ الراكعين) ثمَّ لَو أَرَادَ الرُّكُوع مَعَهُمَا لانقطع حكم الْآيَة بعد مَوْتهمَا ثمَّ أَكثر النَّاس على أَن أَبَا بكر صلى مَعَ نَبِي الله قبل عَليّ قَالَ الْبُرْهَان السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ (وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي) فَمن طَرِيق أبي نعيم عَن ابْن عَبَّاس أَخذ النَّبِي ﷺ بيد عَليّ وَبِيَدِي وَنحن بِمَكَّة وَصلى أَرْبعا ثمَّ رفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء فَقل اللَّهُمَّ إِن مُوسَى سَأَلَك وَأَنا أَسأَلك أَن تجْعَل لي وزيرا من أَهلِي عَليّ بن أبي طَالب أخي اشْدُد بِهِ أزري وأشركه فِي أَمْرِي قَالَ ابْن عَبَّاس فَسمِعت مناديا يُنَادي يَا أَحْمد قد أُوتيت سؤلك قُلْنَا عُلَمَاء الحَدِيث يعلمُونَ وضع هَذَا بِالضَّرُورَةِ ثمَّ ابْن عَبَّاس كَانَ بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة رضيعا وَبعد الْهِجْرَة فَكَانَ الله قد شدّ أزر نبيه وأغناه وأيده وَإِن زَعَمُوا أَن عليا كَانَ شريك النَّبِي ﷺ فِي أمره كَمَا كَانَ هَارُون شريك مُوسَى فَهَذَا نَص فِي نبوة عَليّ وَإِن قَالُوا كَانَ شَرِيكه فِي الْأَمر سوى

стр. 443

النُّبُوَّة فَهَذَا يُعْطي أَنه ﷺ مَا كَانَ مُسْتقِلّا بِأَمْر الْأمة فِي حَيَاته ثمَّ قُلْنَا يَا أَحمَق فَهَذَا نَص فِي الْبَاب فَأَي الشَّرِيكَيْنِ تَعْنِي قَالَ الْبُرْهَان الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ (إخْوَانًا على سرر مُتَقَابلين) من مُسْند أَحْمد بِإِسْنَادِهِ إِلَى زيد بن أبي أوفى قَالَ دخلت على رَسُول الله ﷺ فِي مَسْجده فَذكر قصَّة مؤاخاة رَسُول الله ﷺ فَقَالَ عَليّ لقد ذهبت روحي وَانْقطع ظَهْري حِين فعلت بِأَصْحَابِك مَا فعلت غَيْرِي فَإِن كَانَ هَذَا من سخطك عَليّ فلك العتبى فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا اخْتَرْتُك إِلَّا لنَفْسي فَأَنت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي وَأَنت أخي ووارثي وَأَنت معي فِي قصري فِي الْجنَّة وَمَعَ ابْنَتي ثمَّ تَلا رَسُول الله ﷺ (إخْوَانًا على سرر مُتَقَابلين ( فَلَمَّا اخْتصَّ عَليّ بمؤاخاة رَسُول الله ﷺ كَانَ هُوَ الإِمَام قُلْنَا هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد قطّ وَإِنَّمَا هُوَ من زيادات الْقطيعِي الَّتِي غالبها سَاقِط فَقَالَ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ حَدثنَا حُسَيْن بن مُحَمَّد الدراع حَدثنَا عبد الْمُؤمن بن عباد أخبرنَا يزِيد بن معن عَن عبد الله بن شُرَحْبِيل عَن زيد بن أبي أوفى وَقد أسقطت مِنْهُ يَا رَافِضِي فَإِن فِيهِ فَقَالَ يَا رَسُول الله وَمَا أرث مِنْك قَالَ مَا ورث الْأَنْبِيَاء قبلي كتاب الله وَسنة نَبِيّهم وَهُوَ مَكْذُوب بإتفاق أهل الْمعرفَة وَأَحَادِيث المؤاخاة كلهَا كذب وَلَا آخى النَّبِي ﷺ بَين مُهَاجِرِي ومهاجري وَلَكِن بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ثمَّ قَوْله ووارثى لَا يَسْتَقِيم فَإِن أَرَادَ مِيرَاث المَال بَطل قَوْلهم إِن فَاطِمَة ورثته وَكَيف يَرث ابْن الْعم مَعَ وجود الْعم وَهُوَ الْعَبَّاس وَمَا الَّذِي خصّه بِالْإِرْثِ دون سَائِر بني الْعم الَّذين هم فِي دَرَجَة وَاحِدَة وَإِن أَرَادَ وَارِث علمه أَو الْولَايَة بَطل احتجاجهم بقوله (وَورث سُلَيْمَان دَاوُد) وَبِقَوْلِهِ (يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب)

стр. 444

وَمَا وَرَثَة الرَّسُول من الْعلم لم يخْتَص بِهِ عَليّ بل كل وَاحِد من الصَّحَابَة حصل لَهُ نصيب وَحفظ ابْن مَسْعُود من فِي رَسُول الله ﷺ سبعين سُورَة ثمَّ لَيْسَ الْعلم كَالْمَالِ بل الَّذِي يَرِثهُ هَذَا يَرِثهُ الآخر وَلَا يتزاحمان بِخِلَاف المَال ثمَّ قد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لمَوْلَاهُ زيد أَنْت أخونا ومولانا وَقَالَ لَهُ أَبُو بكر لما خطب ابْنَته أَلَسْت أَخَاك قَالَ بلَى وابنتك حَلَال لي وَفِي الصَّحِيح أَنه قَالَ وَلَكِن أخوة الْإِسْلَام أفضل وَفِي الصَّحِيح أَيْضا وددت أَنِّي قد رَأَيْت إخْوَانِي قَالُوا أَو لسنا إخوانك قَالَ لَا أَنْتُم أَصْحَابِي وَلَكِن إخْوَانِي قوم يأْتونَ بعدِي يُؤمنُونَ بِي وَلم يروني وَقَالَ تَعَالَى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة) وَقَالَ النَّبِي ﷺ الْمُسلم أَخُو الْمُسلم وَقَالَ كونُوا عباد الله إخْوَانًا وَمُطلق المؤاخاة لَا يَقْتَضِي التَّمَاثُل من كل وَجه وَلَا الْمُنَاسبَة وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم قيل مؤاخاة عَليّ لَو كَانَت صَحِيحَة توجب الْإِمَامَة أَو الْأَفْضَلِيَّة وَقد ثَبت أَنه ﷺ قَالَ لَو كنت متخذا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لأتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَصَحَّ أَنه سُئِلَ من أحب النَّاس إِلَيْك من الرِّجَال قَالَ أَبُو بكر وتواتر أَن عليا قَالَ خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَعمر أخرجه البُخَارِيّ وَلنْ يرتاب فِي هَذِه النُّصُوص الثَّابِتَة إِلَّا من لَا يعلم أَو غَلبه الْهوى وَنقل الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الشَّافِعِي قَالَ لم يخْتَلف أحد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي تَفْضِيل أبي وَبكر وَعمر وتقديمهما على جَمِيع الصَّحَابَة وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق وَدَاوُد وَابْن جرير وأصحابهم من الْأَئِمَّة وَالسَّلَف وَالْخلف وَهَذَا مَالك يَحْكِي الْإِجْمَاع عَمَّن لقِيه أَنهم لم يَخْتَلِفُوا فِي تَقْدِيم أبي بكر وَعمر وَابْن جرير وَمُسلم بن خَالِد الزنْجِي وَابْن عُيَيْنَة وعلماء مَكَّة على ذَلِك وَبِه يَقُول ابْن أبي عرُوبَة والحمادان وَغَيرهم من عُلَمَاء الْبَصْرَة وَابْن أبي ليلى وَشريك وَجَمَاعَة من عُلَمَاء الْكُوفَة الَّتِي هِيَ دَار الشِّيعَة وَعمر بن الْحَارِث وَاللَّيْث بن سعد وَابْن وهب من عُلَمَاء مصر

стр. 445

وَالْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز وَغَيرهمَا من عُلَمَاء الشَّام وَمن لَا يُحْصى عَددهمْ إِلَّا الله تَعَالَى وَقَالَ الْبُرْهَان التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ (وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ) الْآيَة فَفِي كتاب الفردوس عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو يعلم النَّاس مَتى سمى عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أَنْكَرُوا فَضله سمى أَمِير الْمُؤمنِينَ وآدَم بَين الرّوح والجسد قَالَ الله (وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى) قَالَت الْمَلَائِكَة بلَى فَقَالَ تَعَالَى أَنا ربكُم وَمُحَمّد نَبِيكُم وَعلي أميركم وَهَذَا صَرِيح فِي الْبَاب وَالْجَوَاب منع الصِّحَّة بل هُوَ كذب بإتفاق أهل الْمعرفَة والنقد ثمَّ إِن الَّذِي فِي الْقُرْآن أَنه قَالَ (أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى) لم يتَعَرَّض لذكر نَبِي وَلَا أَمِير فَهَذَا مِيثَاق التَّوْحِيد خَاصَّة أَلا ترَاهُ قَالَ (أَن تَقولُوا إِنَّمَا أشرك آبَاؤُنَا من قبل وَكُنَّا ذُرِّيَّة من بعدهمْ) فَدلَّ على أَنه مِيثَاق التَّوْحِيد خَاصَّة لَيْسَ فِيهِ مِيثَاق النُّبُوَّة فَكيف مَا دونهَا وَأَيْضًا فَإِن الْمِيثَاق أَخذ على الذُّرِّيَّة كلهَا أفيكون عَليّ أَمِيرا على الْأَنْبِيَاء كلهم من نوح إِلَى مُحَمَّد ﷺ وَهَذَا كَلَام المجانين فَإِن أُولَئِكَ مَاتُوا قبل أَن يخلق الله عليا فَكيف يكون أَمِيرا عَلَيْهِم وَغَايَة مَا يُمكن أَن يكون أَمِيرا على أهل زَمَانه أما الْإِمَارَة على من خلق قبله وعَلى من خلق بعده فَهَذَا من كذب من لَا يعقل مَا يَقُول وَلَا يستحي مِمَّا يَقُول وَمن الْعجب أَن هَذَا الْحمار الرافضي هُوَ أَحْمَر من عقلاء الْيَهُود الَّذين قَالَ الله فيهم (مثل الَّذين حملُوا التَّوْرَاة ثمَّ لم يحملوها كَمثل الْحمار يحمل أسفارا) والعامة معذورون فِي قَوْلهم الرافضي حمَار الْيَهُودِيّ والعاقل يعلم أَن هَذَا وامثاله بَاطِل عقلا وَشرعا وَإِنَّمَا هَذَا نَظِير قَول ابْن عَرَبِيّ الطَّائِي وَأَمْثَاله إِن الْأَنْبِيَاء كَانُوا يستفيدون الْعلم بِاللَّه من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء الَّذِي خلق بعدهمْ بدهور فغلو هَؤُلَاءِ فِي الْولَايَة كغلو أُولَئِكَ فِي

стр. 446

الْإِمَامَة ثمَّ يَقُول هُوَ صَرِيح فِي الْبَاب فَهَل يكون هَذَا حجَّة عِنْد أحد ويحتج بِهَذَا فِي جزرة بقل وَالله حَسبك وحسبنا على مَا تَقول قَالَ الْبُرْهَان الْأَرْبَعُونَ قَوْله (فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ) أجمع الْمُفَسِّرُونَ على أَن عليا صَالح الْمُؤمنِينَ روى أَبُو نعيم بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَسمَاء بنت عُمَيْس سَمِعت رَسُول الله ﷺ يقْرَأ (فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ) عَليّ بن أبي طَالب واختصاصه بِهَذَا يدل على أفضليته فَيكون هُوَ الإِمَام والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَالْجَوَاب أَن نقلك الْإِجْمَاع إفتراء مِنْك فَمَا أَجمعُوا على هَذَا بل كتب التَّفْسِير بنقيض هَذَا فَقَالَ مُجَاهِد وَغَيره هُوَ أَبُو بكر وَعمر نَقله ابْن جريج وَغَيره وَقيل هم الْأَنْبِيَاء وَلم يثبت القَوْل بتخصيص عَليّ بِهِ عَمَّن قَوْله حجَّة والْحَدِيث الْمَذْكُور كذب بِيَقِين ثمَّ قَوْله (وَصَالح الْمُؤمنِينَ) اسْم يعم كل صَالح من الْمُؤمنِينَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ إِن آل فلَان لَيْسُوا بأوليائي إِنَّمَا وليي الله وَصَالح الْمُؤمنِينَ ثمَّ يُقَال إِن الله جعل فِي الْآيَة صَالح الْمُؤمنِينَ مولى رَسُول الله ﷺ كَمَا أخبر أَن الله مَوْلَاهُ وَالْمولى يمْتَنع أَن يُرَاد بِهِ الْمولى عَلَيْهِ فَلم يبْق المُرَاد بِهِ إِلَّا الموالى وَمن الْمَعْلُوم أَن كل من كَانَ صَالحا من الْمُؤمنِينَ كَانَ مواليا للنَّبِي ﷺ قطعا فَإِنَّهُ لَو لم يواله لم يكن من صالحي الْمُؤمنِينَ بل قد يواليه الْمُؤمن وَإِن لم يكن صَالحا وقولك والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة فغاية ذَلِك أَن يكون الْمَتْرُوك من جنس الْمَذْكُور وَالَّذِي أوردته خُلَاصَة مَا عنْدك وَبَاب الْكَذِب لَا ينسد وَلَكِن الله يقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه فَإِذا هُوَ زاهق وَلكم الويل مِمَّا تصفون وحكاية قَاسم بن زَكَرِيَّا الْمُطَرز مَشْهُورَة أَنه دخل على عباد بن يَعْقُوب الْأَسدي الروَاجِنِي الرافضي وَكَانَ

стр. 447

صَدُوقًا فِي الحَدِيث على بدعته فَقَالَ لي من حفر الْبَحْر قلت الله تَعَالَى قَالَ هُوَ كَذَلِك وَلَكِن من حفره قلت يذكر الشَّيْخ فَقَالَ حفره عَليّ فَمن أجراه قلت يُفِيد الشَّيْخ قَالَ أجراه الْحُسَيْن وَكَانَ عباد مكفوفا فَرَأَيْت سَيْفا وجحفة فَقلت لمن هَذَا قَالَ أعددته لأقاتل بِهِ مَعَ الْمهْدي فَلَمَّا فرغت من سَماع مَا أردْت مِنْهُ دخلت عَلَيْهِ فَقَالَ لي من حفر الْبَحْر قلت مُعَاوِيَة وأجراه عَمْرو بن الْعَاصِ ثمَّ وَثَبت وعدوت أصيح أدركوا الْفَاسِق عَدو الله فَاقْتُلُوهُ قلت هَذِه حِكَايَة صَحِيحَة رَوَاهَا ابْن مظفر عَن الْقَاسِم وَقد قَالَ مُحَمَّد بن جرير سَمِعت عباد بن يَعْقُوب يَقُول من لم يتبرأ فِي صلَاته كل يَوْم من أَعدَاء آل مُحَمَّد حشر مَعَهم قَالَ الرافضي الْمنْهَج الثَّالِث فِي الْأَدِلَّة المسندة إِلَى الحَدِيث فَمن ذَلِك مَا نَقله النَّاس كَافَّة لما نزلت (وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين) جمع رَسُول

стр. 448

الله ﷺ بني عبد الْمطلب فِي دَار أبي طَالب وهم أَرْبَعُونَ رجلا وَامْرَأَتَانِ فَصنعَ لَهُم طَعَاما وَكَانَ الرجل مِنْهُم يَأْكُل الْجَذعَة وَيشْرب الْفرق من الشَّرَاب فَأكلت الْجَمَاعَة كلهم من ذَلِك الْيَسِير حَتَّى شَبِعُوا وَلم يتَبَيَّن مَا أكلُوا فبهرهم ذَلِك وَتبين لَهُم أَنه صَادِق فِي نبوته فَقَالَ يَا بنى عبد الْمطلب إِن الله بعثنى إِلَى الْخلق كَافَّة وبعثنى إِلَيْكُم خَاصَّة فَقَالَ (وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين) وَأَنا أدعوكم إِلَى كَلِمَتَيْنِ خفيفتين على اللِّسَان ثقيلتين فِي الْمِيزَان تَمْلِكُونَ بهما الْعَرَب والعجم وتنقاد لكم بهما الْأُمَم وتدخلون بهما الْجنَّة وتنجون بهما من النَّار شَهَادَة أَن لاإله إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله عَن يجيبني إِلَى هَذَا الْأَمر ويؤازرني عَلَيْهِ يكن أخي ووصيتي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدِي فَقَالَ عَليّ أَنا يَا رَسُول الله وَالْجَوَاب الْمُطَالبَة بِصِحَّة النَّقْل فَلَا هُوَ فِي السّنَن وَلَا فِي المسانيد وَلَا فِي الْمَغَازِي فَأَيْنَ قَوْلك فِيهِ نَقله النَّاس كَافَّة وَإِنَّمَا هُوَ من الموضوعات ثمَّ إِن بني عبد الْمطلب لم يبلغُوا أَرْبَعِينَ رجلا وَقت نزُول الْآيَة وَلَا كَانُوا أَرْبَعِينَ فِي حَيَاة الرَّسُول أبدا وَجَمِيع بني عبد الْمطلب من أَوْلَاد الْعَبَّاس وَأبي طَالب والْحَارث وَأبي لَهب فَكَانَ لأبي طَالب أَرْبَعَة على وجعفر وَعقيل وطالب فطالب لم يدْرك الْإِسْلَام وَالْعَبَّاس كَانَ أَوْلَاده رضعا أَو لم يُولد لَهُ والْحَارث كَانَ لَهُ ثَلَاثَة أَبُو سُفْيَان وَرَبِيعَة وَنَوْفَل وَأَبُو لَهب كَانَ لَهُ ولدان أَو ثَلَاثَة فَكل بني هَاشم إِذْ ذَاك لم يبلغُوا بضعَة عشر فَأَيْنَ الْأَرْبَعُونَ ثمَّ قَوْله فِي الحَدِيث كل رجل مِنْهُم يَأْكُل الْجَذعَة وَيشْرب الْفرق من اللَّبن

стр. 449

كذب لَيْسَ بَنو هَاشم معروفين بِكَثْرَة الْأكل بل وَلَا وَاحِد مِنْهُم يحفظ عَنهُ هَذَا ثمَّ لفظ الحَدِيث رَكِيك يشْهد الْقلب بِبُطْلَانِهِ فَإِنَّهُ عرضه كَمَا زعمت على أَرْبَعِينَ رجلا فَلَو فَرضنَا أَنهم أجابوه كلهم من الَّذِي يكون الْخَلِيفَة مِنْهُم ثمَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَا يبين بطلَان هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة وَغَيره أَن النَّبِي ﷺ لما نزلت (وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين) دَعَا قُريْشًا فَاجْتمعُوا فَعم وَخص فَقَالَ يَا بني كَعْب بن لؤَي أَنْقِذُوا أَنفسكُم من النَّار يَا بني عبد شمس أَنْقِذُوا أَنفسكُم من النَّار يَا بني عبد الْمطلب أَنْقِذُوا أَنفسكُم من النَّار يَا فَاطِمَة أَنْقِذِي نَفسك من النَّار فَإِنِّي لَا أملك لكم من الله شَيْئا غير أَن لكم رحما سَأَبلُّهَا بِبلَالِهَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ لما نزلت هَذِه الْآيَة قَالَ يَا معشر قُرَيْش اشْتَروا أَنفسكُم من الله لَا أغْنى عَنْكُم من الله شَيْئا يَا بني عبد الْمطلب لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا يَا صَفِيَّة عمَّة رَسُول الله لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا يَا فَاطِمَة بنت رَسُول الله لَا أغْنى عَنْك من الله شَيْئا سلاني مَا شئتما من مَالِي وَأخرجه مُسلم من حَدِيث قبيصَة ابْن مُخَارق وَزُهَيْر وَعَائِشَة وَفِيه أَنه قَامَ على الصَّفَا فَنَادَى قَالَ الْخَبَر الثَّانِي عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لما نزلت (يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك) خطب بغدير خم وَقَالَ أَيهَا النَّاس أَلَسْت أولى مِنْكُم بِأَنْفُسِكُمْ قَالُوا بلَى قَالَ من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَال من وَالَاهُ وَعَاد من عَادَاهُ وانصر من نَصره واخذل من خذله فَقَالَ عمر بخ بخ أَصبَحت مولَايَ وَمولى كل مُؤمن ومؤمنة وَالْمرَاد بالمولى هُنَا التَّصَرُّف لتقدم التَّقْرِير مِنْهُ بقوله أَلَسْت أولى مِنْكُم بِأَنْفُسِكُمْ وَالْجَوَاب عَن هَذَا قد تقدم وَأَن الْآيَة قد نزلت قبل يَوْم الغدير

стр. 450

عدَّة وَإِن كَانَت من الْمَائِدَة أَلا ترى أَن فِي سياقها (وَالله يَعْصِمك من النَّاس) وَهَذَا شَيْء كَانَ فِي أَوَائِل الْإِسْلَام ثمَّ صدر الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأحمد فِي الْمسند وَأما اللَّهُمَّ وَال من وَالَاهُ إِلَخ فَلَا ريب فِي كذبه وَنقل الْأَثْرَم فِي سنَنه عَن أَحْمد أَن الْعَبَّاس سَأَلَهُ عَن حُسَيْن الْأَشْقَر وَأَنه حدث بحديثين هَذَا أَحدهمَا وَالْآخر قَوْله لعَلي إِنَّك ستعرض على الْبَرَاءَة مني فَلَا تَبرأ مني فَأنكرهُ أَبُو عبد الله جدا وَلم يشك أَن هذَيْن كذب وَقد صنف ابْن عقدَة مصنفا فِي جمع طرق الحَدِيث وَقَالَ ابْن حزم الَّذِي صَحَّ فِي فَضَائِل على أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى ولأعطين الرَّايَة وَعَهده أَن عليا لَا يُحِبهُ إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضه إِلَّا مُنَافِق وَصَحَّ نَحوه فِي الْأَنْصَار وَأما من كنت مَوْلَاهُ فَلَا يَصح إِلَى أَن قَالَ وَأما سَائِر الْأَحَادِيث الَّتِي يتَعَلَّق بهَا الروافض فموضوعة يعرف ذَلِك من لَهُ أدنى علم بالأخبار ونقلتها فَإِن قيل فَمَا ذكر ابْن حزم قَوْله أَنْت مني وَأَنا مِنْك وَحَدِيث المباهلة والكساء قيل مُرَاد ابْن حزم مَا يذكر فِيهِ عَليّ وَحده وَنحن نقُول إِن كَانَ النَّبِي ﷺ قَالَ هَذَا يَوْم الغدير فَلم يرد بِهِ الْخلَافَة قطعا إِذْ لَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يدل عَلَيْهِ دلَالَة ظَاهِرَة وَمثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم يَنْبَغِي أَن يبين بَيَانا وَاضحا فالمولى كالولى وَقد قَالَ الله تَعَالَى (إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا) وَأَن الْمُؤمنِينَ أَوْلِيَاء الله وَأَن بَعضهم أَوْلِيَاء بعض فالموالاة ضد المعاداة وَهِي تثبت من الطَّرفَيْنِ وَإِن كَانَ أحد المتواليين أعظم قدرا وولايته إِحْسَان وتفضل وَولَايَة الآخر طَاعَة وَعبادَة فَمَعْنَى كَونه تَعَالَى ولي الْمُؤمنِينَ ومولاهم وَكَون نبيه وليهم ومولاهم وَكَون عَليّ مَوْلَاهُم هِيَ الْمُوَالَاة الَّتِي هِيَ ضد الْمُعَادَة والمؤمنون أَيْضا يتولون الله وَرَسُوله الْمُوَالَاة المضادة للمعاداة وَهَذَا حكم ثَابت لكل مُؤمن فعلي من كبارهم يتولاهم ويتولونه فَفِيهِ رد على الْخَوَارِج

стр. 451

والنواصب لَكِن لَيْسَ فِي الحَدِيث أَنه لَيْسَ للْمُؤْمِنين مولى سواهُ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ أسلم وغفار ومزينه وجهينة وقريش وَالْأَنْصَار موَالِي دون النَّاس لَيْسَ لَهُم مولى دون الله وَرَسُوله قَالَ الثَّالِث قَوْله أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي وَمن جملَة منَازِل هَارُون أَنه كَانَ خَليفَة لمُوسَى وَلَو عَاشَ بعده لخلفه وَلِأَنَّهُ خَلفه مَعَ وجوده وغيبته مُدَّة يسيرَة فَعِنْدَ مَوته تطول الْغَيْبَة فَيكون أولى بِأَن يكون خَليفَة الْجَواب هَذَا الحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَهُ لَهُ ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا غَابَ عَن الْمَدِينَة يسْتَخْلف عَلَيْهَا رجلا فَلَمَّا كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك لم يَأْذَن لأحد فِي التَّخَلُّف فَمَا تخلف عَنهُ إِلَّا مَعْذُور بِالْعَجزِ أَو مُنَافِق وَأُولَئِكَ الثَّلَاثَة كَذَا كَانَ الإستخلاف فِي غَزْوَة الْفَتْح أَيْضا وَفِي حجَّة الْوَدَاع فَمَا علميا من يذكر تخلف وَلم يبْق بِالْمَدِينَةِ طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ وَكَانَ هَذَا الإستخلاف دون الإستخلافات الْمُعْتَادَة مِنْهُ فَخرج عَليّ إِلَى النَّبِي ﷺ يبكي وَقَالَ أتخلفني مَعَ النِّسَاء وَالصبيان وَقيل إِن بعض الْمُنَافِقين طعن فِيهِ وَقَالَ إِنَّمَا خَلفه لِأَنَّهُ فَبين لَهُ الرَّسُول ﷺ إِنِّي إِنَّمَا أستخلفتك لأمانتك عِنْدِي وَإِن الإستخلاف لَيْسَ ببغض فإت مُوسَى اسْتخْلف هَارُون على قومه فطيب قلبه وَلم يكن الإستخلاف كإستخلاف هَارُون لِأَن ذَلِك كَانَ على كل قوم مُوسَى وَذهب هُوَ للمناجاة وإستخلاف عَليّ كَانَ على من ذكرنَا وَسَائِر الْمُسلمين كَانُوا مَعَ نَبِيّهم وَقَول الْقَائِل هَذَا بمنزله هَذَا أَو مثل هَذَا أَو كَهَذا تَشْبِيه للشَّيْء بالشَّيْء وَيكون بِحَسب مَا دلّ عَلَيْهِ السِّيَاق وَلَا تَقْتَضِي الْمُسَاوَاة فِي كل شَيْء أَلا ترى إِلَى مَا ثَبت من قَول النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث الأساري حِين اسْتَشَارَ أَبَا بكر فَأَشَارَ بِالْفِدَاءِ وَاسْتَشَارَ عمر فَأَشَارَ بِالْقَتْلِ فَقَالَ مثلك يَا أَبَا بكر مثل إِبْرَاهِيم إِذْ قَالَ (فَمن تَبِعنِي فَإِنَّهُ مني وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم) وَمثلك يَا عمر مثل نوح إِذْ قَالَ (رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا) الحَدِيث

стр. 452

فقد جعل هذَيْن مثلهمَا وَلم يرد أَنَّهُمَا مثلهمَا فِي كل شَيْء لَكِن فِيمَا دلّ عَلَيْهِ السِّيَاق من الشدَّة واللين وَكَذَلِكَ عَليّ إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة هَارُون فِيمَا دلّ عَلَيْهِ السِّيَاق وَهُوَ إستخلافه فِي مغيبه وَهَذَا الإستخلاف لَيْسَ من خَصَائِص عَليّ وَلَا هُوَ مثل سَائِر إستلافاته وَلَا أُولَئِكَ المستخلفون مِنْهُ بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى وتخصيصه لعَلي بِالذكر هُنَا هُوَ مَفْهُوم اللقب وَهُوَ نَوْعَانِ لقب هُوَ جنس ولقب يجْرِي مجْرى الْعلم مثل زبد وَأَنت وَهَذَا الْمَفْهُوم أَضْعَف المفاهيم وَلِهَذَا كَانَ جَمَاهِير الْأُصُولِيِّينَ على أَنه لَا يحْتَج بِهِ وَقَول الْقَائِل إِنَّه جعله بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى فِي كل شَيْء إِلَّا النُّبُوَّة بَاطِل فَإِن قَوْله أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى دَلِيل على أَنه يسترضيه بذلك ويطيب قلبه أَي مثل منزلَة هَارُون وَلَو كَانَ مثل هَارُون مُطلقًا لما أَمر عَلَيْهِ أَبَا بكر فِي حجَّة سنة تسع فَكَانَ يُصَلِّي خلف أبي بكر ويطيع أمره وَخَصه بنبذ العهود إِلَى الْعَرَب فَقَط فَإِنَّهُ كَانَ من عَادَتهم أَن لَا يعْقد الْعُقُود وَلَا ينبذها إِلَّا السَّيِّد المطاع أَو رجل من أهل بَيته وقولك وَلِأَنَّهُ خَلِيفَته مَعَ وجوده وغيبته مُدَّة يسيرَة فَعِنْدَ مَوته بطول الْغَيْبَة يكون أولى بِأَن يكون خَليفَة فَيُقَال هُوَ مَعَ وجوده وغيبته قد اسْتخْلف غير وَاحِد سوى عَليّ فالإستخلاف على الْمَدِينَة لَيْسَ من خَصَائِصه وَلَيْسَ كل من صلح للإستخلاف فِي الْحَيَاة على بعض الْأمة يصلح أَن يكون خَليفَة بعد الْمَوْت قَالَ الرَّابِع أَنه ﷺ إستخلفه على الْمَدِينَة مَعَ قصر مُدَّة الْغَيْبَة فَيجب أَن يكون خَليفَة لَهُ بعد مَوته وَلَيْسَ غير عَليّ إِجْمَاعًا وَلِأَنَّهُ لم يعزله عَن الْمَدِينَة فَيكون خَلِيفَته بعد مَوته فِيهَا وَإِذا كَانَ خَليفَة فِي الْمَدِينَة كَانَ خَليفَة فِي غَيرهَا إِجْمَاعًا قُلْنَا هَذِه حجَّة داحضة كأمثالها من جنس نَسِيج العنكبوت وَالْجَوَاب عَنْهَا من وُجُوه أَحدهَا أَن نقُول على أحد الْقَوْلَيْنِ إِنَّه اسْتخْلف أَبَا بكر بعد مَوته وَإِن قلت بل اسْتخْلف عليا قيل والراوندية من جنسك قَالُوا اسْتخْلف عَمه الْعَبَّاس وكل من لَهُ علم

стр. 453

بالمنقولات الثَّابِتَة يعلم أَن الْأَحَادِيث الدَّالَّة على إستخلاف أحد بعد مَوته إِنَّمَا تدل على إستخلاف أبي بكر لَيْسَ فِيهَا شَيْء يدل على إستخلاف عَليّ وَلَا الْعَبَّاس وَإِن لم يكن اسْتخْلف فقد ترك مُبَاحا أما الإستخلاف فِي الْحَيَاة فَإِنَّهُ نِيَابَة وَلَا بُد مِنْهُ لكل إِمَام عزما وَبعد مَوته انْقَطع التَّكْلِيف عَنهُ كَمَا قَالَ الْمَسِيح (وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم) وقولك لم يعزله عَن الْمَدِينَة قَول زيف فَإِنَّهُ بِمُجَرَّد مَجِيء النَّبِي ﷺ انْعَزل عَليّ كَمَا كَانَ غَيره من نواب الرَّسُول على الْمَدِينَة ينعزلون بمقدمه وَقد أرْسلهُ بعد ذَا بِبَرَاءَة إِلَى الْمَوْسِم وَبَعثه عَاملا على الْيمن ثمَّ وافاه فِي حجَّة الْوَدَاع قَالَ الْخَامِس مَا رَوَاهُ الْجُمْهُور بأجمعهم عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لعَلي أَنْت أخي ووصيي وخليفتي من بعدِي وقاضي ديني وَالْجَوَاب أَولا الْمُطَالبَة بِصِحَّة هَذَا فقد شطحت وَانْتَفَخَتْ إِذْ قلت رَوَاهُ الْجُمْهُور بأجمعهم فَإِن أردْت عُلَمَاء الحَدِيث فقد افتريت وَإِن أردْت أَن أَبَا نعيم رَوَاهُ فِي الْفَضَائِل والمغازلي أَو خطيب خوارزم فَلَيْسَ حجَّة بإتفاق ثمَّ بُطْلَانه مَعْلُوم قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الموضوعات لما روى هَذَا

стр. 454

الحَدِيث من طَرِيق أبي حَاتِم البستي حَدثنَا مُحَمَّد بن سهل بن أَيُّوب حَدثنَا عمار بن رَجَاء حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى حَدثنَا مطر بن مَيْمُون الإسكاف عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن أخي ووزيري وخليلي من أَهلِي وَخير من أترك من بعدِي يقْضِي ديني وينجز موعدي على بن أبي طَالب وَهَذَا مَوْضُوع قَالَ ابْن حبَان مطر يرْوى الموضوعات لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ وَرَوَاهُ من طَرِيق ابْن عدي بِنَحْوِهِ ومداره على مطر هَذَا مَعَ أَنه لَيْسَ فِي لَفظه وخليفتي ووصيي وَأما فِي تِلْكَ الطَّرِيق وخليفتي فِي أَهلِي قَالَ السَّادِس حَدِيث المؤاخاة روى أنس أَن النَّبِي ﷺ لما كَانَ يَوْم المباهلة وآخى بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَعلي وَاقِف يرَاهُ ويعرفه وَلم يؤاخ بَينه وَبَين أحد فَانْصَرف باكيا فَقَالَ النَّبِي ﷺ مَا فعل أَبُو الْحسن قَالُوا انْصَرف باكي الْعين فَقَالَت لَهُ فَاطِمَة مَا يبكيك قَالَ آخى النَّبِي ﷺ بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَلم يؤاخ بيني وَبَين أحد قَالَت لَا يخزيك الله لَعَلَّه إِنَّمَا ادخرك لنَفسِهِ فَقَالَ بِلَال يَا عَليّ أجب رَسُول الله ﷺ فَأتي فَقَالَ مَا يبكيك يَا أَبَا الْحسن فَأخْبرهُ فَقَالَ إِنَّمَا ادخرك لنَفْسي أَلا يَسُرك أَن تكون أَخا نبيك قَالَ بلَى فَأخذ بِيَدِهِ فَأتى الْمِنْبَر فَقَالَ اللَّهُمَّ هَذَا مني وَأَنا مِنْهُ أَلا إِنَّه مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى أَلا من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ فَانْصَرف فَاتبعهُ عمر فَقَالَ بخ بخ يَا أَبَا الْحسن أَصبَحت مولَايَ وَمولى كل مُسلم فالمؤاخاة تدل على الْأَفْضَلِيَّة فَيكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا هَذَا مَوْضُوع بَاطِل والمباهلة إِنَّمَا كَانَت سنة تسع أَو نَحْوهَا والمؤاخاة بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فِي أول الْهِجْرَة ثمَّ لم تقع مباهلة لَكِن دعِي نَصَارَى نَجْرَان إِلَيْهَا فاستمهلوا حَتَّى يشتوروا فَلَمَّا خلوا قَالُوا هُوَ نَبِي وَمَا بَاهل قوم نَبيا إِلَّا استؤصلوا فأقروا بالجزية وذهبوا

стр. 455

قَالَ السَّابِع حَدِيث فتح خَيْبَر على يَدَيْهِ فَأوردهُ بِلَفْظ مُنكر وَفِيه أروني رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله وَلَا ريب أَن عليا يُحِبهُ الله فَفِيهِ رد على الْخَوَارِج والأموية قَالَ الْأَشْعَرِيّ فِي كتاب المقالات أَجمعت الْخَوَارِج على كفر عَليّ وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيث مِمَّا يخْتَص بِهِ على بل غَيره يُحِبهُ الله وَكَون الْفَتْح على يَدَيْهِ يدل على فضيلته لَا أفضليته قَالَ الثَّامِن خبر الطَّائِر روى الْجُمْهُور كَافَّة أَن النَّبِي ﷺ أَتَى بطائر فَقَالَ اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأحب الْخلق إِلَيْك وإلي يَأْكُل معي من هَذَا الطَّائِر فجَاء عَليّ فَنَقُول حَدِيث الطَّائِر من المكذوبات الموضوعات عِنْد أهل الْعلم والمعرفة بحقائق النَّقْل وَسُئِلَ الْحَاكِم عَن حَدِيث الطير فَقَالَ لَا يَصح مَعَ أَن الْحَاكِم مَنْسُوب للتشيع لَكِن تشيعه وتشيع أَمْثَاله من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ كَالنَّسَائِيِّ وَابْن عبد الْبر وأمثالهما لَا يبلغ إِلَى تَفْضِيل عَليّ على أبي بكر وَعمر فَلَا يعرف فِي عُلَمَاء الحَدِيث من يفضله عَلَيْهِمَا ثمَّ إِمَّا أَن يكون الرَّسُول كَانَ يعرف أَن عليا أحب الْخلق إِلَى الله تَعَالَى أَولا فَإِن كَانَ يعرف هلا أرسل خَلفه أَو هلا قَالَ اللَّهُمَّ ائْتِنِي بعلي فأراح أنفسا من الإحتمال والرجاء الْبَاطِل ثمَّ فِي لَفظه أحب خلقك إِلَيْك وإلي فَكيف لَا يعرف أحب الْخلق إِلَيْهِ لَا سِيمَا وَفِي الصِّحَاح مَا يُنَاقض هَذَا كَقَوْلِه لَو كنت متخذا خَلِيلًا من الْأمة لأتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَهَذَا متواتر جَاءَ من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأبي سعيد وَابْن الزبير والخلة كَمَال الْحبّ وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ أَي النَّاس أحب إِلَيْك قَالَ عَائِشَة قيل فَمن الرِّجَال قَالَ أَبوهَا وَقَالَ لَهُ عمر يَوْم السَّقِيفَة بِحَضْرَة الْمَلأ أَنْت خيرنا وأحبنا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَمَا أنكرهُ على عمر مُنكر وَقَالَ الله تَعَالَى (وسيجنبها الأتقى الَّذِي يُؤْتى مَاله يتزكى وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى ولسوف يرضى)

стр. 456

وأئمة التَّفْسِير يَقُولُونَ هَذَا أَبُو بكر فَنَقُول الأتقى قد يكون نوعا فَتدخل فِيهِ جمَاعَة وَقد يكون شخصا معينا فإمَّا أَن يكون أَبَا بكر أَو عليا فَلَا يَصح أَن يكون عليا لِأَنَّهُ قَالَ (الَّذِي يُؤْتى مَاله يتزكى وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى) وَهَذَا وصف مُنْتَفٍ عَن عَليّ لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة وَعلي كَانَ بِمَكَّة فَقِيرا فِي عِيَال النَّبِي ﷺ ضمه إِلَيْهِ لما أَصَابَت أهل مَكَّة سنة فَكَانَت للنَّبِي ﷺ عِنْده نعْمَة تجزى دنيوية ونعمة الدّين لَا تجزى بل أجرهَا على الله وَحده فالوصف ثَابت للصديق دون عَليّ وَعلي أتقى من غَيره لَكِن أَبُو بكر أكمل فِي الْوَصْف هُنَا مِنْهُ قَالَ النَّبِي ﷺ مَا نَفَعَنِي مَال مَا نَفَعَنِي مَال أبي بكر وَقَالَ إِن أَمن النَّاس علينا فِي صحبته وَذَات يَده أَبُو بكر وَاشْترى أَبُو بكر سَبْعَة من الْمُعَذَّبين فِي الله ابْتِغَاء وَجه الله فَإِن قُلْنَا الأتقى اسْم جنس فَأَبُو بكر أول دَاخل فِيهِ وسَادَة الصَّحَابَة وتابعوهم قَالَ التَّاسِع مَا رَوَاهُ الْجُمْهُور من أَنه أَمر الصَّحَابَة بِأَن يسلمُوا على عَليّ وَقَالَ إِنَّه سيد الْمُسلمين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وقائد الغر المحجلين وَقَالَ هَذَا أولى بِكُل مُؤمن من بعدِي فَيكون هُوَ الإِمَام وَالْجَوَاب الْمُطَالبَة بِإِسْنَاد هَذَا وَبَيَان صِحَّته فَمَا هُوَ فِي كتاب صَحِيح وَلَا فِي مُسْند مُعْتَبر بل رَوَاهُ آحَاد النَّاس بِإِسْنَادِهِ فِيهِ مُتَّهم بِالْكَذِبِ ومهو مَوْضُوع عِنْد من لَهُ أدنى معرفَة بِالْحَدِيثِ وَلَا تحل نسبته إِلَى الرَّسُول الْمَعْصُوم وَلَا نعلم أحدا هُوَ سيد الْمُسلمين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وقائد الغر المحجلين غير نَبينَا ﷺ وَاللَّفْظ مُطلق مَا قَالَ فِيهِ من بعدِي وَلَا فِي اللَّفْظ مَا يدل على ذَلِك وَلِأَن خير الْمُسلمين والمتقين والمحجلين هم الْقرن الأول وَالرَّسُول قائدهم بل وقائد من بعدهمْ فِي الْقِيَامَة فَلِمَنْ يَقُود عَليّ وعندكم جُمْهُور الْأمة المحجلين كفار وفساق فَكيف يقودهم وَقَالَ ﷺ يأْتونَ غرا محجلين يَوْم الْقِيَامَة من آثَار الْوضُوء وَأَنا فَرَطكُمْ

стр. 457

على الْحَوْض فَهَذَا يبين أَن كل من تَوَضَّأ وَغسل وَجهه وَيَديه وَرجلَيْهِ فَإِنَّهُ من المحجلين وَهَؤُلَاء جَمَاهِير أمة مُحَمَّد سواكم فَإِنَّكُم لَا تغسلون الأرجل فَلَا تَكُونُونَ من المحجلين فِي الأرجل فَلَا يقودكم الرَّسُول وَلَا عَليّ وَإِنَّمَا الحجلة فِي الرجل كهي فِي الْيَد قَالَ النَّبِي ﷺ ويل لِلْأَعْقَابِ وبطون الْأَقْدَام من النَّار وَمَعْلُوم أَن الْفرس لَو لم يكن لَهُ لمْعَة فِي يَده أَو فِي رجله لم يكن محجلا فَمن لم يغسل إِلَى الْكَعْبَيْنِ لم يكن من المحجلين وَمِمَّا يُوضح أَن الحَدِيث كذب مَا ثَبت من أَن الرَّسُول ﷺ كَانَ يفضل على عَليّ أَبَا بكر وَعمر تَفْضِيلًا ظَاهرا عرفه الْخَاص وَالْعَام حَتَّى الْمُشْركُونَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ وضع عمر على سَرِيره فتكنفه النَّاس يدعونَ لَهُ ويثنون عَلَيْهِ وَيصلونَ عَلَيْهِ قبل أَن يرفع وَأَنا فيهم فَلم يرعني إِلَّا بِرَجُل قد أَخذ بمنكبي من ورائي فَالْتَفت فَإِذا هُوَ عَليّ فترحم على عمر وَقَالَ مَا خلفت أحدا أحب إِلَيّ أَن ألْقى الله بِمثل عمله مِنْك وأيم الله إِن كنت لأَظُن أَن يجعلك الله مَعَ صاحبيك وَذَلِكَ أَنِّي كثيرا مَا كنت أسمع النَّبِي ﷺ يَقُول جِئْت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَدخلت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَخرجت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر فَإِن كنت لأرجو أَن يجعلك الله مَعَهُمَا فَلم يكن تفضيلهما عَلَيْهِ وعَلى أَمْثَاله مِمَّا يخفى على أحد وَلِهَذَا كَانَت الشِّيعَة الأول مَعَ فرط حبهم لعَلي يقدمُونَ أَبَا بكر وَعمر عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يفضلونه على عُثْمَان كَمَا قَالَ عبد الرَّزَّاق كفى بِي أزرا أَن أحبه وأخالف قَوْله خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَعمر وَلَو شِئْت أَن أسمي الثَّالِث لَسَمَّيْته وَلما كَانَ يَوْم أحد وَاسْتظْهر أَبُو سُفْيَان أَمِير الْمُشْركين قَالَ أَفِي الْقَوْم مُحَمَّد أَفِي الْقَوْم مُحَمَّد فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تجيبوه فَقَالَ أَفِي الْقَوْم ابْن أبي قُحَافَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تجيبوه فَقَالَ أَفِي الْقَوْم ابْن الْخطاب فَقَالَ لَا تجيبوه فَقَالَ أَبُو سُفْيَان لأَصْحَابه أما هَؤُلَاءِ فقد كفيتموهم فَلم يملك عمر نَفسه أَن قَالَ كذبت يَا عَدو الله إِن الَّذين عددت لأحياء وَقد بَقِي لَك مَا يسؤوك الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فَهَذَا رَأس الْعَدو لَا يسْأَل إِلَّا عَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة فَدلَّ على عظمهم عِنْد الْمُشْركين بِخِلَاف

стр. 458

غَيرهم وَكَذَلِكَ قَوْله هُوَ ولي كل مُؤمن بعدِي كذب على رَسُول الله ﷺ بل هُوَ فِي حَيَاته وَبعد مماته ولي كل مُؤمن وكل مُؤمن وليه فِي الْمحيا وَالْمَمَات فالولاية الَّتِي هِيَ ضد الْعَدَاوَة لَا تخْتَص بِزَمَان فَأَما الْولَايَة الَّتِي هِيَ الْإِمَارَة فَإِنَّمَا يُقَال فِيهَا وَإِلَى كل مُؤمن وَأما قَوْله لعَلي أَنْت مني وَأَنا مِنْك فَصَحِيح وَفِي الحَدِيث قَالَ لزيد أَنْت أخونا ومولانا وَقَالَ لجَعْفَر بن أبي طَالب أشبهت خلقي وَخلقِي وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْأَشْعَرِيين إِذا أرملوا فِي الْغَزْو وجمعوا مَا عِنْدهم فِي ثوب ثمَّ قسموه بِالسَّوِيَّةِ هم مني وَأَنا مِنْهُم فَعلمنَا أَن هَذَا اللَّفْظ مدح وَلَا يدل على الْإِمَامَة وَقَالَ فِي جليبيب هَذَا مني وَأَنا مِنْهُ قَالَ الْعَاشِر مَا رَوَاهُ الْجُمْهُور من قَوْله ﷺ إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا كتاب الله وعترتي وَلنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يردا على الْحَوْض وَقَالَ أهل بَيْتِي فِيكُم كسفينة نوح من ركبهَا نجا وَمن تخلف عَنْهَا غرق وَسيد أهل بَيته عَليّ فَيكون وَاجِب الطَّاعَة على الْكل فَيكون الإِمَام قُلْنَا إِنَّمَا لفظ الحَدِيث فِي مُسلم عَن زيد بن أَرقم قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ خَطِيبًا بخم فَقَالَ إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا كتاب الله وَأما قَوْله وعترتي فَهَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ تفرد بِهِ زيد بن الْحسن الْأنمَاطِي عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جَابر والأنماطي قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم مُنكر الحَدِيث وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن فُضَيْل حَدثنَا الْأَعْمَش عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن زيد بن أَرقم عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا بعدِي أَحدهمَا أعظم من الآخر كتاب الله حَبل مَمْدُود من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وعترتي أهل بَيْتِي وَلنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض

стр. 459

فانظروا كَيفَ تخلفوني فيهمَا حسنه التِّرْمِذِيّ وَأما حَدِيث سفينة نوح فَغير صَحِيح وَلَا هُوَ فِي شَيْء من الْكتب الْمُعْتَمدَة وَقَوله ﷺ لن يَتَفَرَّقَا يدل على أَن إِجْمَاع العترة حجَّة وَهُوَ قَول طَائِفَة من أَصْحَابنَا وَذكر القَاضِي فِي الْمُعْتَمد والعترة هم بَنو هَاشم كلهم ولد عَليّ وَولد الْعَبَّاس وَولد الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَسيد العترة هُوَ رَسُول الله ﷺ وَكَانَ ابْن عَبَّاس أفقه العترة وَكَانَ يُخَالف عليا فِي مسَائِل وَعلي مَا كَانَ يُوجب على أحد طَاعَته فِيمَا يُفْتِي بِهِ ثمَّ العترة مَا اجْتَمعُوا على إِمَامَته وَلَا عَليّ أفضليته بل ابْن عَبَّاس بل هُوَ نَفسه يَقُولَانِ إِن أفضل الْأمة أَبُو بكر وَعمر وَإِن خِلَافَتهمَا حق وَكَذَلِكَ سَائِر العباسيين وَأكْثر العلويين وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَعلي بن الْحُسَيْن وَابْنه وحفيده جَعْفَر الصَّادِق والنقول بذلك متواترة عَنْهُم وَقد صنف الدَّارَقُطْنِيّ كتاب ثَنَاء الصَّحَابَة على الْقَرَابَة وثناء الْقَرَابَة على الصَّحَابَة ثمَّ إِجْمَاع الْأمة والعترة بَعضهم حجَّة بِلَا نزاع وأفضلهم أَبُو بكر فَإِن كَانَت الطَّائِفَة الَّتِي إجماعها حجَّة يجب أَتبَاع أفضلهَا مُطلقًا فَهُوَ أَبُو بكر وَإِن لم يكن بَطل مَا ذكرْتُمْ فِي إِمَامَة عَليّ ﵁ قَالَ الْحَادِي عشر مَا رَوَاهُ الْجُمْهُور من وجوب محبته وموالاته روى أَحْمد فِي مُسْنده أَن رَسُول الله ﷺ أَخذ بيد حسن وحسين فَقَالَ من أَحبَّنِي وَأحب هذَيْن وَأحب أباهما وأمهما فَهُوَ معي فِي درجتي يَوْم الْقِيَامَة قُلْنَا مُجَرّد رِوَايَة أَحْمد لَهُ لَا توجب صِحَّته مَعَ أَنه مَا رَوَاهُ أبدا وَإِنَّمَا زَاده الْقطيعِي فِي كتاب الْفَضَائِل وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات من رِوَايَة عَليّ بن جَعْفَر عَن مُوسَى بن جَعْفَر وَله يَقُول رَسُول الله ﷺ هَذِه المجازفة أصلا من كَون الْمُسلم الخطاء يصير فِي دَرَجَة الْمُصْطَفى بِمُجَرَّد الْحبّ قَالَ وروى ابْن خالويه عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أحب أَن يتَمَسَّك بقضيب الْيَاقُوت الَّذِي خلقه الله بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَكَانَ فليتول عليا من

стр. 460

بعدِي فَهَذَا من كذب الطرقية فَمَا أرك لَفظه مَعَ عدم فَائِدَته فَكيف يُقَال خلقه بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَكَانَ بل قد جَاءَ فِي الْأَثر أَن الله لم يخلق بِيَدِهِ إِلَّا آدم والقلم وجنة عدن ثمَّ قَالَ لسَائِر الْخلق كن فَكَانَ قَالَ وَعَن أبي سعيد مَرْفُوعا أَنه قَالَ لعَلي حبك إِيمَان وبغضك نفاق وَأول من يدْخل الْجنَّة محبك وَأول من يدْخل النَّار مبغضك قُلْنَا وَهَذَا من المكذوبات فَهَل يَقُول مُسلم إِن الْخَوَارِج والنواصب يدْخلُونَ النَّار قبل فِرْعَوْن وَأبي جهل ورءوس الْكفْر أم يَقُول مُسلم إِن أول من يدْخل الْجنَّة قبل الْأَنْبِيَاء غلاة الإسماعيلية وكذبة الرافضة وفسقه الإمامية وَهَذَا من جنس قَول الناصبي أَن لَو قَالَ من أحب يزِيد وَالْحجاج أَو قَول الْخَارِجِي من أحب ابْن ملجم دخل الْجنَّة وَمن أبْغضهُم دخل النَّار بِهَذَا الْحبّ والبغض قَالَ وروى أَخطب خوارزم بِإِسْنَادِهِ عَن أبي ذَر قَالَ رَسُول الله ﷺ من ناصب عليا الْخلَافَة فَهُوَ كَافِر وَقد حَارب الله وَرَسُوله وَعَن أنس قَالَ كنت عِنْد النَّبِي ﷺ فَرَأى عليا مُقبلا فَقَالَ أَنا وَهَذَا حجَّة الله على أمتِي يَوْم الْقِيَامَة وَعَن مُعَاوِيَة بن حيدة الْقشيرِي قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول لعَلي لَا تبال من مَاتَ ببغضك أَن يَمُوت يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا فَإِذا رَأينَا الْمُخَالف يُورد مثل هَذِه الْأَحَادِيث ونقلنا نَحن أضعافها عَن رجالنا الثِّقَات وَجب علينا الْمصير إِلَيْهَا وَحرم الْعُدُول عَنْهَا وَالْجَوَاب أَنا نَتَنَزَّل وبطالب بِصِحَّة النَّقْل فَإِن مُجَرّد رِوَايَة الْمُوفق خطيب خوارزم لَا تدل على الثُّبُوت كَيفَ وَقد حَشا تأليفه بالموضوعات الَّتِي يتعجب مِنْهَا الْمُحدث الصادث وَيَقُول سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم وَمن كَانَ خَبِيرا بِمَا جرى وَمهر فِي الْآثَار علم باضطرار أَن هَذَا وَأَمْثَاله مِمَّا وَلَده الكذابون بعد إنقراض عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَتقول علمنَا بالتواتر أَن الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار كَانُوا يحبونَ الله وَرَسُوله وَأَن الرَّسُول كَانَ يُحِبهُمْ ويتولاهم أعظم
следующие страницы →