Полный текст (186 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فِيهَا أبدا إِن الله عِنْده أجر عَظِيم) وَقَالَ ﴿مَا عنْدكُمْ ينْفد وَمَا عِنْد الله بَاقٍ﴾ وَقَالَ ﴿لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت﴾ وَقَالَ ﴿وَإِن الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرار﴾ وَقَالَ ماكثين فِيهَا أبدا وَقَالَ ﴿فادخلوها خَالِدين﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا هم مِنْهَا بمخرجين﴾ وَأخْبر عَن أهل النَّار فَقَالَ ﴿لَا يقْضى عَلَيْهِم فيموتوا﴾ وَقَالَ ﴿لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾ يَقُول لَا يَمُوت فِيهَا فيستريح وَلَا يحيى حَيَاة تَنْفَعهُ الْحَيَاة وَقَالَ ﴿يَا ليتها كَانَت القاضية﴾ وَقَالَ ﴿يُرِيدُونَ أَن يخرجُوا من النَّار وَمَا هم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُم عَذَاب مُقيم﴾ وَقَالَ ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب إِن الله كَانَ عَزِيزًا حكيما﴾ وَقَالَ ﴿كلما أَرَادوا أَن يخرجُوا مِنْهَا أعيدوا فِيهَا﴾ وَقَالَ ﴿كلما خبت زدناهم سعيرا﴾ وَقَالَ ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدكُمْ إِلَّا عذَابا﴾ وَقَالَ أُولَئِكَ يئسوا من رَحْمَتي وَقَالَ لَا ينالهم الله برحمته فليردوا الْأَشْيَاء إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه كَمَا أمروا وَإِن تنازعتم فِي شَيْء
стр. 142
فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا)
وَعَن ابي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة وَأهل النَّار النَّار يجاء بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَح فينادي مُنَاد يَا اهل الْجنَّة فيشرفون وَيَنْظُرُونَ وَكلهمْ قد رَآهُ فَيَقُولُونَ هَذَا الْمَوْت فينادي مُنَاد يَا أهل النَّار هَل تعرفُون هَذَا فيشرفون وَيَنْظُرُونَ وَكلهمْ قد رَآهُ فَيَقُولُونَ نعم هَذَا الْمَوْت ثمَّ يُؤْخَذ فَيذْبَح فَيُقَال يَا أهل الْجنَّة خُلُود بِلَا موت وَيَا اهل النَّار خُلُود بِلَا موت وَذَلِكَ قَوْله ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضي الْأَمر وهم فِي غَفلَة وهم لَا يُؤمنُونَ﴾ وَعَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﵎ لأهل الْجنَّة ﴿كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فَعندهَا قَالُوا ﴿أفما نَحن بميتين﴾ فَالَّذِي نقُول إِن الْجنَّة وَأَهْلهَا لَا فنَاء عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ النَّار وَأَهْلهَا فَإِنَّهُ إِنَّمَا تعبدنا الله أَن نَأْخُذ بالتقليد لَا بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاس فَنحْن نتبع الْأَثر لَا بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاس
وَقَالَ كَعْب مَا من يَوْم إِلَّا ينظر الله ﵎ إِلَى جنَّات عدن فَيَقُول طيبي فتضعف طيبَة على مَا كَانَت حَتَّى يدخلهَا أَهلهَا
وَعَن ابي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَالا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر
стр. 143
على قلب بشر اقرؤا إِن شِئْتُم ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ ولموضع سَوط فِي الْجنَّة خير من الدُّنْيَا جَمِيعًا اقْرَءُوا إِن شِئْتُم ﴿فَمن زحزح عَن النَّار وَأدْخل الْجنَّة فقد فَازَ وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور﴾ وَإِن فِي الْجنَّة لشَجَرَة يسير الرَّاكِب فِي ظلها مائَة عَام اقْرَءُوا إِن شِئْتُم ﴿وظل مَمْدُود﴾
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ عرش الله تَعَالَى على المَاء فَاتخذ جنَّة لنَفسِهِ ثمَّ اتخذ أُخْرَى فأطبقها بلؤلؤة وَاحِدَة ثمَّ قَالَ وَمن دونهمَا جنتان لَا يعلم خلق مَا فيهمَا إِلَّا الله ثمَّ قَرَأَ ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ مَا يَأْتِيهم كل يَوْم من تحفة وَعَن عبد الله ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ قَالَ إِن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي طيور خضر تسرح فِي الْجنَّة ثمَّ تأوي إِلَى قناديل معلقَة بالعرش قَالَ فَاطلع الله إِلَيْهِم اطلاعة فَقَالَ هَل تشتهون من شَيْء فأزيدكموه قَالُوا السنا فِي الْجنَّة نَسْرَح فِي أَيهَا شِئْنَا قَالَ فَسكت عَنْهُم ثمَّ اطلع إِلَيْهِم اطلاعة فَقَالَ هَل تشتهون من شَيْء فأزيدكموه فَقَالُوا كأول مرّة ثمَّ اطلع إِلَيْهِم الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة فَقَالُوا كَذَلِك قَالُوا تعد أَرْوَاحنَا فِي أَجْسَادنَا فنقاتل فِي سَبِيلك مرّة أُخْرَى فَسكت عَنْهُم
стр. 144
وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ لما أُصِيب حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَمصْعَب بن عُمَيْر وَعبد الله بن جحش فَرَأَوْا مَا أَصَابُوا من الْخَيْر والرزق تمنوا أَن أَصْحَابهم يعلمُونَ مَا اصابوا من الْخَيْر فيزدادوا رَغْبَة فِي الْجِهَاد قَالَ الله ﵎ أَنا ابلغهم عَنْكُم فَأنْزل وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله ويستبشرون بالذين لم يلْحقُوا بهم من خلقهمْ أَلا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ يستبشرون بِنِعْمَة من الله وَفضل وَأَن الله لَا يضيع أجر الْمُؤمنِينَ وَقَالَ الله ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ وَقَالَ ﴿كتب على نَفسه الرَّحْمَة﴾ وَقَالَ ﴿ثمَّ جِئْت على قدر يَا مُوسَى واصطنعتك لنَفْسي﴾ اذْهَبْ أَنْت وأخوك بآياتي وَلَا تنيا فِي ذكرى) وَقَالَ ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك إِنَّك أَنْت علام الغيوب﴾
وَقَالَ أنس قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ الله ﵎ إِن ذَكرتني فِي نَفسك ذكرتك فِي نَفسِي وَإِن ذَكرتني فِي مَلأ ذكرتك فِي مَلأ الْمَلَائِكَة أَو قَالَ مَلأ خير مِنْهُم وَإِن دَنَوْت مني شبْرًا دَنَوْت مِنْك ذِرَاعا وَإِن دَنَوْت مني ذِرَاعا دَنَوْت مِنْك باعا وَإِن أتيتني تمشي أَتَيْتُك أهرول قَالَ قَتَادَة الله أسْرع بالمغفرة
وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله تَعَالَى إِذا تَلقانِي عَبدِي شبْرًا تلقيته ذِرَاعا وَإِن تَلقانِي بِذِرَاع تلقيته بباع أَو قَالَ أَتَيْته أسْرع
стр. 145
وَعَن مُجَاهِد ﴿إِن السَّاعَة آتِيَة أكاد أخفيها﴾ قَالَ من نَفسِي
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أَخذ النَّاس الرّيح فِي طَرِيق مَكَّة وَعمر بن الْخطاب ﵁ حَاج فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم فَقَالَ عمر لمن حوله من يحدثنا عَن الرّيح فَلم يرجِعوا إِلَيْهِ شَيْئا فبلغني الَّذِي سَأَلَ عَنهُ عمر من ذَلِك فاستحثثت رَاحِلَتي حَتَّى أَدْرَكته فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بَلغنِي انك سَأَلت عَن الرّيح وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الرّيح من روح الله تَأتي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذا رأيتموها فَلَا تسبوها واسألوا الله من خَيرهَا واستعيذوا بِاللَّه من شَرها
قَالَ وهب فِي الْكتاب فِي آخر الزَّمَان قوم يتفقهون بِغَيْر الْعَمَل ويتزينون ألسنتهم أحلى من الْعَسَل وَقُلُوبهمْ أَمر من الصَّبْر قَالَ الرب إيَّايَ يخادعون أم على يجترءون فبحقي حَلَفت يَعْنِي الرب نَفسه لأتيحن لَهُم فتْنَة أدع فِيهَا الْحَلِيم حيران
وَعَن أبي البخْترِي قَالَ لَا يَقُولَن أحدكُم اللَّهُمَّ أدخلني فِي مُسْتَقر رحمتك فَإِن مُسْتَقر رَحمته نَفسه
وَقَالَ سَلمَة بن كهيل اجْتمع هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة بكير الطَّائِي وابو البخْترِي ومسبرة وَالضَّحَّاك المشرقي فِي أَيَّام الجماجم على أَن الإرجاء بِدعَة وَالشَّهَادَة وَالْولَايَة بِدعَة والبراءة بِدعَة وَهُوَ قَول أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَإِبْرَاهِيم
وَقَالَ الشّعبِيّ أرجيء مَا لَا تعلم إِلَى الله وَلَا تكن مرجئا وَقَالَ ذَر قد شرعت شَيْئا أَو قَالَ دينا أَخَاف أَن يتَّخذ سنة وَقَالَ إِبْرَاهِيم إِذا لقِيت ذرا فتنصل إِلَى مِنْهُ
стр. 146
بَاب المرجئة وفرقها ومذاهبها
والمرجئة أثنتا عشرَة فرقة
صنف مِنْهُم زَعَمُوا أَن من شهد شَهَادَة الْحق دخل الْجنَّة وَإِن عمل أَي عمل كَمَا لَا ينفع مَعَ الشّرك حَسَنَة كَذَلِك لَا يضر مَعَ التَّوْحِيد سَيِّئَة وَزَعَمُوا أَنه لَا يدْخل النَّار أبدا وَإِن ركب العظائم وَترك الْفَرَائِض وَعمل الْكَبَائِر
كذب من قَالَ هَذَا وَالله يَقُول ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين حنفَاء ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة وَذَلِكَ دين الْقيمَة﴾ وَقَالَ ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون وَالَّذين هم لِلزَّكَاةِ فاعلون وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون وَالَّذين هم لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدهمْ رَاعُونَ وَالَّذين هم على صلواتهم يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هم الوارثون﴾ وَقَالَ ﴿لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا وُجُوهكُم قبل الْمشرق وَالْمغْرب وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبيين وَآتى المَال على حبه ذَوي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل والسائلين وَفِي الرّقاب وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة والموفون بعهدهم إِذا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البأساء وَالضَّرَّاء وَحين الْبَأْس أُولَئِكَ الَّذين صدقُوا وَأُولَئِكَ هم المتقون﴾
وَعَن انس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ بَين العَبْد وَالْكفْر
стр. 147
ترك الصَّلَاة وَرَوَاهُ جَابر أَيْضا وَسُئِلَ ابْن مَسْعُود أَي الدَّرَجَات فِي الْإِسْلَام أفضل قَالَ الصَّلَاة وَمن لم يصل فَلَا دين لَهُ
وَعَن أبي قلَابَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من ترك الصَّلَاة عَامِدًا أحبط عمله
وَقَالَ الْمسور بن مخرمَة دخلت أَنا وَابْن عَبَّاس ﵄ على عمر ﵁ حِين طعن فَقلت الصَّلَاة قَالَ أجل وَلَا حَظّ فِي الْإِسْلَام لمن أضاع الصَّلَاة
وَقيل لِابْنِ عمر ﵄ أَلا تُجَاهِد فَقَالَ بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وإقام الصَّلَاة وأيتاء الزَّكَاة وَحج الْبَيْت وَصَوْم رَمَضَان هَكَذَا حَدثنَا رَسُول الله ﷺ ثمَّ الْجِهَاد بعد حسن
وَقَالَ حُذَيْفَة إِنِّي لأعرف أهل دينين أهل ذَيْنك الدينَيْنِ فِي النَّار قوم يَقُولُونَ الْإِيمَان كَلَام وَإِن زنى وَقتل وَقوم يَقُولُونَ وَإِذ كَانُوا أَوْلِيَاء الضلال لَا نرى خمس صلوَات فِي كل يَوْم وَإِنَّمَا هما صلاتان صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْمغرب
وَقَالَ عبد الله الْيَشْكُرِي انْطَلَقت إِلَى الْكُوفَة لأجلب بغالا فَدخلت الْمَسْجِد فَإِذا رجل من قيس يُقَال لَهُ ابْن المنتفق وَهُوَ يَقُول وصف لي رَسُول الله ﷺ وحلالي قَالَ فطلبته بِمَكَّة فَقيل إِنَّه بمنى فطلبته بمنى فَقيل بِعَرَفَات فانتهيت إِلَيْهِ فزاحمت عَلَيْهِ حَتَّى حصلت إِلَيْهِ فَأخذت بِخِطَام رَاحِلَة رَسُول الله ﷺ أَو قَالَ بزمامها حَتَّى اخْتلفت أَعْنَاق راحلتينا قَالَ ثِنْتَانِ أَسأَلك عَنْهُمَا مَا ينجيني من النَّار وَمَا يدخلني الْجنَّة قَالَ فَنظر إِلَى السَّمَاء
стр. 148
ثمَّ أقبل عَليّ بِوَجْهِهِ فَقَالَ لَئِن أوجزت فِي الْمَسْأَلَة لقد أعظمت وطولت اعقل عني اعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا وأقم الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة وصم شهر رَمَضَان وَمَا تحب أَن يَفْعَله النَّاس بك فافعله مَعَهم وَمَا تكره أَن يَأْتِي النَّاس إِلَيْك فذر النَّاس مِنْهُ خل عَن زِمَام الرَّاحِلَة
وَعَن الْحسن قَالَ يَا ابْن آدم إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَلست تصلي
وَعَن ابْن عَبَّاس ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾ قَالَ الْكَلم الطّيب ذكر الله وَالْعَمَل الصَّالح أَدَاء فَرَائِضه فَمن ذكر الله سُبْحَانَهُ فِي أَدَاء فَرَائِضه حمل عَلَيْهِ ذكر الله وَصعد بِهِ إِلَى السَّمَاء وَمن ذكر الله وَلم يؤذ فَرَائِضه رد كَلَامه على عمله فَكَانَ أولى بِهِ
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد الْفَرَائِض فَإِن وجدوا فِيهَا نقصا قَالَ انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع فَإِن وجد لَهُ تطوع قَالَ أكملوا الْفَرَائِض من التَّطَوُّع
وَعَن كَعْب قَالَ من أَقَامَ الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَسمع وأطاع فقد توَسط الْإِيمَان وَمن أحب لله وبغض لله وَأعْطى لله وَمنع لله فقد اسْتكْمل الْإِيمَان
وَقَالَ ﵇ لوفد عبد الْقَيْس آمركُم بِأَرْبَع الْإِيمَان بِاللَّه هَل تَدْرُونَ مَا الْإِيمَان بِاللَّه قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَأَن تعطوا من الْغَنَائِم الْخمس
стр. 149
وَقَالَ ابْن عمر ثَلَاث من كَانَ فِيهِ اثْنَتَانِ مِنْهَا وَلم يَأْتِ بالثالثة لم تقبل مِنْهُ الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْغسْل من الْجَنَابَة
وَقيل لِابْنِ عمر إِنَّا نسير فِي هَذِه الْآفَاق فيلقانا قوم يَقُولُونَ لَا قدر فَقَالَ ابْن عمر إِذا لقيتموهم فَأَخْبرُوهُمْ أَن عبد الله مِنْهُم بَرِيء ثمَّ أنشأ يَقُول بَينا نَحن عِنْد رَسُول الله ﷺ فجَاء رجل فَقَالَ أدنو فَقَالَ ادن فَدَنَا مرَارًا حَتَّى كَادَت ركبتاه تمسان رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ مَا الْإِيمَان وَذكر الحَدِيث وَقَوله هَذَا جِبْرِيل جَاءَكُم يعلمكم أَمر دينكُمْ فَذكره
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ حب فِي الله وَأبْغض فِي الله ووال فِي الله وَعَاد فِي الله فَإِنَّهُ لَا تنَال ولَايَة الله إِلَّا بذلك وَلَا يجد رجل طعم الْإِيمَان حَتَّى يكون كَذَلِك
وَمن المرجئة صنف زَعَمُوا أَن الْإِيمَان معرفَة بِالْقَلْبِ لَا فعل بِاللِّسَانِ وَلَا عمل بِالْبدنِ وَمن عرف الله بِقَلْبِه أَنه لَا شَيْء كمثله فَهُوَ مُؤمن وَإِن صلى نَحْو الْمشرق أَو الْمغرب وربط فِي سطه زنارا
وَقَالُوا لَو أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ أَوْحَينَا عَلَيْهِ عمل الْبدن حَتَّى قَالَ بَعضهم الصَّلَاة من ضعف الْإِيمَان من صلى فقد ضعف إيمَانه
نقُول كَيفَ تجوز لَهُ الصَّلَاة نَحْو الْمشرق وَقد قَالَ الله ﴿فلنولينك قبْلَة ترضاها فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره وَإِن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليعلمون أَنه الْحق من رَبهم وَمَا الله بغافل عَمَّا يعْملُونَ﴾
стр. 150
وَكَيف يجوز ربط الزنار فِي وَسطه وَقد قَالَ ﵇ من تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم
وَكَيف تجوز الْمعرفَة بِالْقَلْبِ دون القَوْل وَالله يَقُول ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ وَلَا تكون هَذِه الطَّاعَة إِلَّا بالْقَوْل وَالْعَمَل وَقد قَالَ الْأَوْزَاعِيّ ﵀ أدْركْت النَّاس وهم يَقُولُونَ الْإِيمَان قَول وَعمل وَقد ذكرنَا هَذَا فِي آخر الْكتاب مُجَردا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
أَلا ترى أَنه ﷺ لما صلى نَحْو بَيت الْمُقَدّس سَبْعَة عشر شهرا أَو سِتَّة عشر شهرا وَكَانَ يحب أَن يُوَجه إِلَى الْكَعْبَة فَأنْزل الله قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء فلنولينك قبْلَة ترضاها فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره وَإِن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليعلمون أَنه الْحق من رَبهم وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ
وَقَالَ السُّفَهَاء من النَّاس ﴿مَا ولاهم عَن قبلتهم﴾ وهم الْيَهُود فَأنْزل الله ﵎ ﴿قل لله الْمشرق وَالْمغْرب يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ فصلى مَعَ النَّبِي ﷺ رجل ثمَّ خرج بعد مَا صلى فَمر على قوم من الْأَنْصَار وهم فِي صَلَاة الْعَصْر نَحْو بَيت الْمُقَدّس فَقَالَ هُوَ يشْهد أَنه صلى مَعَ النَّبِي ﷺ نَحْو الْكَعْبَة فانحرف الْقَوْم حَتَّى توجهوا نَحْو الْكَعْبَة
وَكتب النَّبِي ﷺ إِلَى أهل الْيمن من صلى صَلَاتنَا
стр. 151
واستقبل قبلتنا واجاب دَعوتنَا وآكل ذبيحتنا فذلكم الْمُسلم لَهُ مَا للْمُسلمِ وَعَلِيهِ مَا على الْمُسلم
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَنه لابد من الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ بِالشَّهَادَةِ بِأَن لَا إِلَه إِلَّا الله وبالأنبياء ﵈ وَبِمَا جَاءَ من عِنْد الله ثمَّ ترك من الْعَمَل فَهُوَ مُؤمن لَا ينقصهُ التَّنْزِيل شَيْئا
يُقَال لَهُم كَيفَ لَا ينقصهُ التَّنْزِيل وَقد روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ بَابا أفضلهَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى من الطَّرِيق وَالْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان
وَسَأَلَ أَبُو ذَر النَّبِي ﷺ عَن الْإِيمَان فَقَرَأَ هَذِه الْآيَة لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا وُجُوهكُم قبل الْمشرق وَالْمغْرب وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبين وَآتى المَال على حبه ذَوي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل والسائلين وَفِي الرّقاب وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة والموفون بعهدهم إِذا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الباساء وَالضَّرَّاء وَحين الْبَأْس أُولَئِكَ الَّذين صدقُوا وَأُولَئِكَ هم المتقون
وَعَن عَطاء بن يسَار فِي هَذِه الْآيَة ﴿وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى﴾ يَعْنِي ثمَّ أصَاب بقوله وَعَمله السّنة
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَنه لَا بُد من الْإِقْرَار بالتنزيل وَإِن جَحَدُوا من التَّأْوِيل مَا شَاءُوا وَقَالُوا نشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ ثمَّ قَالُوا لَا نَدْرِي مُحَمَّد هُوَ الَّذِي بِمَكَّة وَالْمَدينَة أَو نَبِي بخراسان فَهُوَ مُؤمن وَقَالُوا نقر بِالْحَجِّ وَلَا ندرى هُوَ الَّذِي بِمَكَّة أَو بَيت بخراسان فَهُوَ مُؤمن وأقروا بالخنزير
стр. 152
أَنه حرَام وَلَا ندرى هُوَ هَذَا الْخِنْزِير أَو الْحمار فَهُوَ مُؤمن فَقيل لبَعْضهِم إِن إِبْلِيس قد أقرّ بِلِسَانِهِ فَقَالَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِك هذيانا لم يعرف مَا أقرّ بِهِ
نقُول لَهُ نَحن كَيفَ يجوز لَهُ الْجُحُود وَقد روى من جحد مِنْهُ آيَة فقد كفر بِهِ أجمع وَكَيف يكون مُؤمنا إِذا قَالَ لَا أدرى أَي مُحَمَّد رَسُول الله وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ
(أَنا النَّبِي لَا كذب ... أَنا ابْن عبد الْمطلب)
وَقد عرف أهل الْمعرفَة بِاللَّه أَنه مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب فَمن شكّ فِي ذَلِك فقد خرج من الْإِسْلَام وَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَمن لم يشْهد أَنه مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بَعثه الله إِلَى النَّاس كَافَّة وَأوحى إِلَيْهِ بِمَكَّة ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وَلم يزل يَأْتِيهِ الْوَحْي حَتَّى قَبضه الله إِلَيْهِ ﷺ وَالله يَقُول ﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَكفى بِاللَّه شَهِيدا مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ قَاتلهم الله أَي نَبِي بعث بخراسان
وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يسمع بِي أحد من هَذِه الْأُمَم يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ فَمَاتَ وَلم يُؤمن بِالَّذِي أرْسلت بِهِ إِلَّا كَانَ من أَصْحَاب النَّار
وَعَن سعد بن زُرَارَة أَنه أَخذ بيد رَسُول الله ﷺ وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس هَل تَدْرُونَ علام تُبَايِعُونَ مُحَمَّدًا تبايعونه على أَن تَحَارَبُوا الْعَرَب والعجم وَالْجِنّ وَالْإِنْس فَقَالُوا نَحن حَرْب لمن حَارب وَسلم لمن سَالم فَقَالَ لَهُ سعد
стр. 153
يَا رَسُول الله اشْترط فَقَالَ تُبَايِعُونِي على ان تشهدوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله وتقيموا الصَّلَاة وتؤتوا الزَّكَاة والسمع وَالطَّاعَة وَلَا تنازعون الْأَمر أَهله وَأَن تَمْنَعُونِي مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ نفوسكم وأهليكم قَالُوا نعم فَقَالَ قَائِل من الْأَنْصَار هَذَا لَك فَمَا لنا قَالَ النَّصْر وَالْجنَّة
وَقَالَ ﵊ لِلْحَارِثِ بن مَالك مَا أَنْت يَا حَارِث قَالَ مُؤمن يَا رَسُول الله حَقًا قَالَ إِن لكل قَول حَقِيقَة فَمَا حَقِيقَة إيمانك قَالَ عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا فأسهرت ليلى واظمأت نهاري ولكأني أنظر إِلَى عرش رَبِّي قد أبرز حِين يجاء بِهِ لِلْحسابِ وَكَأَنِّي أنظر إِلَى أهل الْجنَّة يتزاورون فِيهَا وَكَأَنِّي أسمع عواء أهل النَّار فَقَالَ النَّبِي ﷺ مُؤمن نور الله قلبه وَذكر زيد الْأنْصَارِيّ عَنهُ ﷺ مثله أَو نَحوه وَقَالَ فُضَيْل بن غَزوَان أغير على سرح الْمَدِينَة فَخرج الْحَارِث بن مَالك فَقتل مِنْهُم ثَمَانِيَة ثمَّ قتل وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ كَيفَ أَصبَحت
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَن إِيمَانهم كَإِيمَانِ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَالْمَلَائِكَة المقربين والأنبياء
قُلْنَا نَحن كَيفَ يُمكنهُم هَذِه الدَّعْوَى وَالْمَلَائِكَة لم يعصوا الله والأنبياء صفوة الله
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَنهم مُؤمنُونَ مستكملون للْإيمَان لَيْسَ فِي إِيمَانهم نقص وَلَا لبس إِن زنى أحدهم بِأُمِّهِ أَو بأخته وارتكب العظائم وأتى الْكَبَائِر وَالْفَوَاحِش وَشرب الْخمر وَقتل النَّفس وَأكل الْحَرَام والربا وَترك الصَّلَاة وَالزَّكَاة والفرائض كلهَا واغتاب وهمز ولمز وتحدث وَهَذَا هُوَ الْجَهْل القوى كَيفَ يستكمل الْإِيمَان من خَالف شُرُوطه وخصاله وشرائعه أَلا ترى أَن فِي كتاب الله إِيمَانًا مَقْبُولًا وإيمانا مردودا
стр. 154
فَمن أدّى حَقِيقَته فقد ادّعى علم مَا لم يعلم فَكيف بِمن خَالفه أجمع وَأَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ يَقُولَانِ قَالَ النَّبِي ﷺ لَا يزنى الزَّانِي حِين يزنى وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يقتل حِين يقتل وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة إِنَّمَا الْإِيمَان بزَّة فَمن زنى فَارق الْإِيمَان فَإِن لَام نَفسه رَاجعه الْإِيمَان وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ أَيّمَا عبد زنى نزع الله مِنْهُ الْإِيمَان فَإِن شَاءَ رده عَلَيْهِ وَإِن شَاءَ مَنعه مِنْهُ
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَنهم مُؤمنُونَ حَقًا كحقيقة أهل الْجنَّة الَّذين وصف الله تحقيقهم ﴿أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا﴾ وَمن زعم أَنه فِي الْجنَّة فَهُوَ فِي النَّار وَمن زعم أَنه عَالم فَهُوَ جَاهِل وَمن زعم أَنه صَادِق يَعْنِي فِي إيمَانه فَهُوَ كَاذِب
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَن إِيمَانهم قَائِم أبدا لَا يزِيد وَإِن عمل الْحَسَنَات الْعِظَام وورع فِي الدّين وَترك الْحَرَام وَحج الْبَيْت دَائِما وَصلى أبدا أَو صَامَ وَلَا ينقص وَإِن عمل السَّيِّئَات والكبائر وَالْفَوَاحِش وَركب الْحَرَام جاهرا أَو ترك الصَّلَاة وَلم يصم وَلم يحجّ أبدا
стр. 155
قَالَ أهل الْعلم أجمع هَؤُلَاءِ مخالفون لِلْقُرْآنِ يَقُول الله ﴿ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون﴾
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَن الْإِيمَان يزِيد بِزِيَادَة الْأَعْمَال دَائِما لَا مُنْتَهى لَهُ وَلَا غَايَة وَلَا ينقص بِعَمَل من أَعمال الْمُجْرمين وَلَا بترك الْفَرَائِض وركوب مَا يركب الظَّالِمُونَ
وَقد قَالَ ابْن عَبَّاس الْإِيمَان يزِيد وَينْقص وَقَالَ ﵇ الْإِيمَان يَبْدُو لمْعَة بَيْضَاء فِي الْقلب كلما ازْدَادَ الْإِيمَان ازْدَادَ ذَلِك الْبيَاض حَتَّى إِذا اسْتكْمل الْإِيمَان ابيض الْقلب كُله وَإِن النِّفَاق يَبْدُو لمْعَة سَوْدَاء فِي الْقلب فَكلما ازْدَادَ النِّفَاق ازْدَادَ ذَلِك السوَاد فَإِذا اسْتكْمل النِّفَاق الْقلب كُله وأيم الله لَو شققتم عَن قلب مُؤمن لوجدتموه أَبيض ولوشققتم عَن قلب مُنَافِق لوجدتموه أسود
وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ بَيْنَمَا الْمَسِيح ﵇ فِي رَهْط من الحواريين إِذا بنهر جَار وحمأة مُنْتِنَة أقبل طَائِر حسن اللَّوْن يَتلون كَأَنَّمَا هُوَ الذَّهَب فَوَقع قَرِيبا مِنْهُ فانتفض فسلخ عَنهُ مسكه فبقى أحيمش فَانْطَلق إِلَى حمأة مُنْتِنَة فتمعك فِيهَا فازداد بمسحها قبحا إِلَى قبحه ونتنا إِلَى نَتنه ثمَّ انْطلق إِلَى نهر عجاج صَاف فاغتسل فِيهِ حَتَّى رَجَعَ مَكَانَهُ كَأَنَّهُ بَيْضَة مقشورة ثمَّ انْطلق يدب إِلَى مسكه فتتدرعه كَمَا كَانَ أول مرّة فَكَذَلِك عَامل الْخَطِيئَة حَتَّى يخرج من ذَنبه وَيكون فِي الْخَطَايَا
стр. 156
فَكَذَا التَّوْبَة كَمثل اغتساله فِي النَّهر العجاج ثمَّ يرجع دينه حَتَّى يتدرع مسك وَتلك الْأَمْثَال
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَن لَيْسَ فِي هَذِه الْأمة نفاق وَسُئِلَ حُذَيْفَة عَن النِّفَاق فَقَالَ أَن تَتَكَلَّم بِاللِّسَانِ وَلَا تعْمل بِهِ
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام اسْم وَاحِد لَيْسَ للْإيمَان على الْإِسْلَام فَضِيلَة فِي الدرجَة وَهَذَا سعد بن أبي وَقاص يَقُول إِن رَسُول الله ﷺ أعْطى رجَالًا وَلم يُعْط رجلا مِنْهُم شَيْئا فَقلت يَا رَسُول الله أَعْطَيْت فلَانا وَلم تعط فلَانا وَهُوَ مُؤمن فَقَالَ ﵇ أَو مُسلم قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ الزهرى فزى الْإِيمَان الْكَلِمَة وَالْإِسْلَام الْعَمَل فَهَذَا إِجْمَاع كَلَام المرجئة
بَاب ذكر الروافض وأجناسهم ومذاهبهم
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن الملطى رَحْمَة الله عَلَيْهِ قد ذكرت الإمامية وَالرَّدّ عَلَيْهَا إِلَّا أَن أَبَا عَاصِم قَالَ الرافضة خَمْسَة عشر صنفا ثمَّ تفترق على مَا يمقتهم الله فروعا كَثِيرَة
فَمنهمْ صنف زَعَمُوا أَن عليا إِلَه من دون الله تَعَالَى وَإِنَّمَا هُوَ روح رمى فِي الْجَسَد كَقَوْل النَّصَارَى فِي عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ زَعَمُوا أَنه إِلَه تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن قد ذكرت فِي هَذَا الْكتاب حَدِيث الشعبى وَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ فِيهِ فَلَمَّا نفاهم عَليّ ﵇ عَن الْبِلَاد فَمنهمْ عبد الله بن سبأ يهودى من يهود صنعاء نَفَاهُ إِلَى ساباط وَأَبُو الكردوس نَفَاهُ إِلَى الْجَابِيَة
وَمِنْهُم صنف يُقَال لَهُم البيانية وَإِنَّمَا سموا البيانية بِبَيَان قَالُوا إِن عليا يعلم
стр. 157
الْغَيْب وَيعلم مَا فِي الْغَد وَمَا تشْتَمل عَلَيْهِ الْأَرْحَام من الْأَوْلَاد وَمَا يغيب النَّاس فِي بُيُوتهم وَالْأَئِمَّة يعلمُونَ ذَلِك كَمَا علمه عَليّ ﵇ كذب أَعدَاء الله وَكَيف يكون ذَلِك وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿قل لَا يعلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله﴾ وَقَالَ عمر قَالَ النَّبِي ﵊ مَفَاتِيح الْغَيْب خمس ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة وَينزل الْغَيْث وَيعلم مَا فِي الْأَرْحَام وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا وَمَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت إِن الله عليم خَبِير﴾ وَقَالَ ابْن عمر قَالَ رَسُول الله ﷺ مَفَاتِيح الْغَيْب خمس لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله لَا يعلم مَتى السَّاعَة إِلَّا الله وَلَا يعلم مَتى ينزل الْغَيْث إِلَّا الله الحَدِيث
وَقَالَ ابْن مَسْعُود أُوتى نَبِيكُم ﷺ مَفَاتِيح كل شَيْء إِلَّا الْخمس وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة وَينزل الْغَيْث وَيعلم مَا فِي الْأَرْحَام وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا وَمَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت إِن الله عليم خَبِير﴾
وَقَالَ عَلْقَمَة بن قيس مثل عَليّ ﵇ فِي هَذِه الْأمة كَمثل عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ يهْلك فِيهِ رجلَانِ محب مفرط ومبغض مفرط وَقَالَ عَليّ ﵁ ليحبنى أَقوام حَتَّى يدخلهم حبى النَّار وليبغضنى أَقوام حَتَّى يدخلهم بغضى النَّار وَقَالَ أَيْضا يهْلك فِي رجلَانِ محب مفرط ومبغض مفتر وَقَالَ أَيْضا يقتل فِي آخر الزَّمَان كل عَليّ وَأبي عَليّ وكل حسن وَأبي حسن وَذَلِكَ إِذا أفرطوا فِي حبى كَمَا أفرطت النَّصَارَى فِي عِيسَى ﵇ فانتابوا ولدى وأطاعوهم طلبا للدنيا وَقَالَ الشعبى لقد غلت هَذِه الشِّيعَة فِي عَليّ كَمَا غلت فِي النَّصَارَى فِي عِيسَى لقد بغضوا إِلَيْنَا حَدِيثه
стр. 158
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن ﵀ أَلا ترى أَن الله أنزل على نبيه ﷺ قل لَا أَقُول لكم عندى خَزَائِن الله وَلَا أعلم الْغَيْب وَلَا أَقُول لكم إنى ملك إِن اتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَى قل هَل يستوى الْأَعْمَى والبصير أَفلا يتفكرون فَكيف يعلم الْغَيْب من هَذَا قَوْله
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَن عليا نبى مَبْعُوث يُقَال لَهُم الجمهورية وَزَعَمُوا أَن جِبْرِيل ﵇ إِنَّمَا بعث إِلَى عَليّ فغلط بِمُحَمد ﷺ فَأمر بتنفيذ غلطه كذب أَعدَاء الله لَو كَانَ أرسل إِلَى عَليّ لَكَانَ سبق جِبْرِيل وَجِبْرِيل ﵇ لَا يغلط لِأَن الْكَوْن سبق فِي أم الْكتاب وَلم تزل الدلالات بَائِنَة فِي مُحَمَّد ﷺ مُنْذُ ولد وَقبل أَن يُولد فِي التَّوْرَاة والأنجيل والْآثَار يَقُول إنى ليوحى إِلَى الْأَمر لأمضيه فآتيه فأجد الْكَوْن قد سبقنى إِلَيْهِ وَكَيف يتَوَهَّم على جِبْرِيل الْغَلَط وَهُوَ رَسُول رب الْعَالمين وَقيل لِابْنِ عَبَّاس إِن نَاسا يَزْعمُونَ أَن عليا مَبْعُوث قبل يَوْم الْقِيَامَة فَسكت سَاعَة ثمَّ قَالَ بئس الْقَوْم على نَكَحْنَا نِسَاءَهُ وَقَسمنَا مِيرَاثه أما يقرؤن ﴿ألم يرَوا كم أهلكنا قبلهم من الْقُرُون أَنهم إِلَيْهِم لَا يرجعُونَ﴾ وَقد ذكرت حَدِيث مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة لما سَأَلَ أَبَاهُ عليا ﵉ أى النَّاس خير فَقَالَ أَبُو بكر قلت ثمَّ قَالَ ثمَّ عمر ثمَّ خشيت ان أساله فَيَقُول عُثْمَان فَقلت يَا أَبَة فَأَنت فَقَالَ أَنا رجل من الْمُسلمين
والصنف الَّذِي يُقَال لَهُم السبائية يَزْعمُونَ أَن عليا شريك النَّبِي ﷺ فِي النُّبُوَّة وَأَن النَّبِي ﷺ مقدم عَلَيْهِ إِذْ كَانَ حَيا فَلَمَّا مَاتَ ورث النُّبُوَّة فَكَانَ نَبيا يُوحى إِلَيْهِ ويأتيه جِبْرِيل ﵇ بالرسالة كذب أَعدَاء الله مُحَمَّد ﷺ خَاتم النَّبِيين
стр. 159
والصنف الَّذِي يُقَال لَهُم المنصورية يَزْعمُونَ أَن عليا فِي السَّحَاب وَأَنه لم يمت وَأَنه مَبْعُوث قبل يَوْم الْقِيَامَة فَيرجع هُوَ وَأَصْحَابه أَجْمَعُونَ إِلَى الدُّنْيَا بعد الْمَوْت قبل يَوْم الْقِيَامَة ويرون قتل النَّاس بِالْحَقِّ كذب أَعدَاء الله كَيفَ وَهُوَ الْقَائِل لِلْحسنِ إِن مت من هَذَا فَالنَّفْس بِالنَّفسِ وَإِن عِشْت فالجروح قصاص فَمَاتَ ﵁ وَمَا وعد الله النَّبِيين فِي كتبهمْ وَلَا فِيمَا أوحى إِلَيْهِم أَن يرجع مِنْهُم أحد بعد الْمَوْت إِلَى الدُّنْيَا فَكيف رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لقد أحب عَليّ ﵁ ان يلقى الله بِصَحِيفَة عمر ﵁ أَلا ترَوْنَ أَنه مَاتَ على صعد الْحسن الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ إِنَّه أُصِيب اللَّيْلَة فِيكُم رجل وَلَقَد صعد بِرُوحِهِ فِي اللَّيْلَة الَّتِى صعد فِيهَا بِروح يحيى بن زَكَرِيَّا مَا ترك صفراء وَلَا بَيْضَاء إِلَّا سبع مائَة دِرْهَم
وَقَالَ ابْن عَبَّاس لما وضعت جَنَازَة عمر وقمنا حوله نَدْعُو فَوضع رجل يَده من ورائى على منكبى فَالْتَفت فَإِذا هُوَ على بن أبي طَالب فَأَوْسَعْت لَهُ فَقَالَ عَليّ لعمر وَهُوَ مَوْضُوع رَحْمَة الله عَلَيْك فوَاللَّه مَا خلفت أحدا أحنن إِلَيّ من أَن ألْقى الله بِمَا فِي صَحِيفَته مِنْك وَإِن كنت لأَظُن أَن يجعلك الله مَعَ صاحبيك مُحَمَّد ﷺ وَأَبُو بكر ﵁ لأنى أسمع رَسُول الله يَقُول ذهبت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَرجعت انا وَأَبُو بكر وَعمر وَكنت أَظن ليجعلنك الله مَعَهُمَا
وَعَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ قَالَ عَليّ مَا على الأَرْض رجل أحب إِلَى من أَن ألْقى الله بصحيفته من هَذَا المسجى يعْنى عمر ﵄
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَن عليا قد علم مَا علمه رَسُول الله ﷺ من علم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِن وَعلم عَليّ بعد رَسُول الله علما لم لم يكن رَسُول الله يُعلمهُ وَأَن عليا أعلم من رَسُول الله ﷺ وَجعلُوا الْأَئِمَّة بعده يَرِثُونَ ذَلِك مِنْهُ إِلَى يَوْمنَا هَذَا الْأَكْبَر فالأكبر وَأَن الْعلم يُولد مَعَه
стр. 160
لَا يحْتَاج إِلَى تَعْلِيم نقُول هَذَا جهل عَظِيم وَكَيف يعلم عَليّ أَو أحد كل هَذَا وَهُوَ يَقُول إِن رَسُول الله ﷺ لم يعْهَد إِلَى شَيْئا إِلَّا عهدته إِلَى النَّاس
وعَلى الْقَائِل لعبد الله بن عَوْف إِن أخطئك فأرجو أَن لَا تخطئنى فَلَو كَانَ كَمَا يَقُولُونَ لعلم أَنَّهَا تخطئه وَأَن عُثْمَان لَهُ الْخلَافَة
وَلَو علم الْغَيْب لم يجب مُعَاوِيَة ﵁ إِلَى الْحكمَيْنِ ولعلم أَن عَمْرو بن الْعَاصِ يفلح على أبي مُوسَى
كذب أَعدَاء الله مَا قَالَ عَليّ من هَذَا شَيْئا وَلَا رضيه وَلَا أَرَادَهُ رَحْمَة الله عَلَيْهِ هَذَا وَالنَّبِيّ ﷺ قد سُئِلَ عَن أَشْيَاء فَقَالَ لم يأتنى فِيهَا شَيْء قَالَ ثَوْبَان جَاءَ رجل يهودى إِلَى النَّبِي ﷺ فَسَأَلَهُ عَن أَشْيَاء فَنكتَ الأَرْض سَاعَة ثمَّ أخبرهُ ثمَّ قَالَ وَالَّذِي نفسى بِيَدِهِ مَا كَانَ عندى شَيْء مِمَّا سألتنى حَتَّى أيدانى الله فِي مجلسى هَذَا
وَأما المختارية الَّذين سموا بالمختار فيزعمون أَن عليا إِمَام من أطاعه فقد أطَاع الله وَمن عَصَاهُ فقد عصى الله وَالْأَئِمَّة من وَلَده يقومُونَ مقَامه فِي ذَلِك
فالدليل على بطلَان دَعوَاهُم أَن الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄ كَانَا يبتدران الصَّلَاة خلف مَرْوَان وَقد كَانَ الْحسن أعرف بِاللَّه من أَن يَقُول هَذَا القَوْل وَلَو رأى لنَفسِهِ حَقًا مَا تَركه وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ ألفا وَلَكِن كَانَ موفقا كَمَا أَن عليا لَو رأى لنَفسِهِ حَقًا أَيَّام أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ لطلبه
قَالَ بسام الصيرفى مَا ترى فِي الصَّلَاة خلف هَؤُلَاءِ يعْنى بنى مَرْوَان
стр. 161
قَالَ صل خَلفهم قَالَت قلت قد قَالَ النَّبِي ﷺ إِن النَّاس يكثرون وَإِن أَصْحَابِي يقلون فَلَا تسبوا أَصْحَابِي لعن الله من سبهم وَقَالَت عَائِشَة رَحمهَا الله أمروا بالاستغفار لَهُم فسبوهم وَقَالَ ﵇ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد مَا أدْرك مد أحد وَلَا نصيفه وأوتى عمر بن عبد الْعَزِيز رَحْمَة الله عَلَيْهِ بِرَجُل سبّ عُثْمَان ﵁ فَقَالَ لم سببته قَالَ أبغضته قَالَ أَو كلما أبغضت أحدا سببته قَالَ فَضَربهُ عمر ثَلَاثِينَ سَوْطًا
وَمِنْهُم صنف يُقَال لَهُم المغيرية زَعَمُوا أَنه من ظلم نَفسه من عترة على فَلَا حِسَاب عَلَيْهِ وَلَا عَذَاب وَلَا وقُوف عَلَيْهِ وَلَا سُؤال وَإِن ترك الْفَرَائِض وَركب العظائم وأشرك بِاللَّه وَزَعَمُوا أَن أَبَا طَالب فِي الْجنَّة كذب أَعدَاء الله لما حضرت أَبَا طَالب الْوَفَاة دخل عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ وَعِنْده أَبُو جهل بن هِشَام وَعبد الله بن أُميَّة فَقَالَا يَا أَبَا طَالب أترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب فَقَالَ النَّبِي ﷺ لأَسْتَغْفِرَن لَك مَا لم أَنه عَنْك فَأنْزل الله ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾ وَنزلت أَيْضا ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين وَلَو كَانُوا أولي قربى من بعد مَا تبين لَهُم أَنهم أَصْحَاب الْجَحِيم وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله تَبرأ مِنْهُ إِن إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم﴾
وَعَن عِكْرِمَة قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن أبي كَانَ يعْتق الرّقاب وَيكرم الضَّيْف وَيعرف حق ابْن السَّبِيل فَقَالَ النَّبِي ﷺ فَهَل قَالَ مرّة اللَّهُمَّ قنى عَذَاب النَّار قَالَ لَا قَالَ فَلَا شَيْء قَالَ
стр. 162
فَبكى الرجل فَقَالَ ﷺ لَا تبك فَإِن أبي وأباك وَأَبا إِبْرَاهِيم فِي النَّار قَالَ الرجل فَأَيْنَ يذهب الْإِحْسَان الَّذِي كَانَ قَالَ ﵇ يُخَفف عَنهُ من الْعَذَاب
وَقَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله مَاذَا أغنيت عَن عمك وَقد كَانَ يحوطك ويغضب لَك قَالَ هُوَ فِي ضحضاح من نَار وَلَوْلَا مكانى لَكَانَ فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا بنى عبد الْمطلب يَا فَاطِمَة ابْنة مُحَمَّد يَا صَفِيَّة عمَّة مُحَمَّد اشْتَروا أَنفسكُم من الله إنى لَا أغْنى عَنْكُم من الله شَيْئا سلونى من مالى مَا شِئْتُم اعلموا أَنه أولى النَّاس بى يَوْم الْقِيَامَة المتقون لَا يأتينى النَّاس إِلَّا بِالْأَعْمَالِ وتأتونى بالدنيا تحملونها على أَعْنَاقكُم فتقولون يَا مُحَمَّد فَأَقُول هَكَذَا وَعطف رَأسه يَمِينا وَشمَالًا
وَقد ذكرت الخطابية وهم يَزْعمُونَ أَن أَبَا بكر وَعمر ﵄ الجبت والطاغوت وَكَذَلِكَ الْخمر وَالْميسر عَلَيْهِم لعنة الله وَقد فسروا فِي كتاب الله أَشْيَاء كَثِيرَة مَا يشبه هَذَا كذب أَعدَاء الله الأنجاس الأرجاس فَلِمَنْ قَالَ الله ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار﴾ وَمن كَانَ صَاحبه فِي الْغَار وَمن أعز الله بهما الدّين وَلمن قَالَ الله فَسَوف يأتى الله بِقوم يُحِبهُمْ
стр. 163
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم) قَالَ أنس قَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ نظرت إِلَى أَقْدَام الْمُشْركين وَنحن فِي الْغَار وهم على رؤوسنا فَقلت يَا رَسُول الله لَو أَن أحدهم نظر إِلَى قَدَمَيْهِ أبصرنا تَحت قَدَمَيْهِ قَالَ يَا أَبَا بكر مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما وَحلف أَبُو هُرَيْرَة وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَوْلَا أَبَا بكر اسْتخْلف مَا عبد الله وكما قَالَ ﵇ لَو كَانَ بعدى نبى لَكَانَ عمر بن الْخطاب وكما قَالَ عبد الله كَانَ إِسْلَام عمر فتحا وَكَانَت هجرته نصرا وَكَانَت إمارته رَحْمَة وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا نستطيع أَن نصلى عِنْد الْبَيْت حَتَّى أسلم عمر فَقَاتلهُمْ حَتَّى تركونا فصلينا
وَمِنْهُم صنف يَزْعمُونَ أَن الْمُتْعَة حَلَال وَالتَّزْوِيج بِلَا ولى وَلَا شُهُود وَلَا صدَاق قَالُوا الله وَليهَا وَالْمَلَائِكَة شهودها وَالْإِسْلَام صَدَاقهَا ويكسرون يَد الْمَيِّت إِذا مَاتَ لِئَلَّا يَأْخُذ كِتَابه بِشمَالِهِ يَوْم النشور وأنكروا أَن الله يُعِيد الْخلق كَمَا بدأهم وَقَالُوا إِذا طلق الْمُطلق ثَلَاثًا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَالف السّنة وهى امْرَأَته على حَالهَا وحرموا صيد الْبَحْر الَّذِي أحله الله مَا لم يكن عَلَيْهِ قشر اتبعُوا فِي ذَلِك الْيَهُود وَقَالُوا بقَوْلهمْ وَتركُوا الْمسْح على الْخُفَّيْنِ خلافًا للأثر وَالسّنة وشهدوا شَهَادَة الزُّور
وَزَعَمُوا أَنهم يقبلُونَ مِنْهُ الدّين إِذا علمهمْ بأعلامهم فَكيف يعرض الدُّنْيَا فِي أَشْيَاء من قَوْلهم خالفوا بهَا كتاب الله وآثار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 164
هَذَا رَسُول الله ﷺ يَقُول أَيّمَا امْرَأَة تزوجت بِغَيْر أذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل فَإِن تشاجروا فالسلطان ولى من لَا ولى لَهُ
وَمِنْهُم صنف قَالُوا إِن عليا أفضل النَّاس كلهم وطعنوا على أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ وَقدمُوا عليا فِي الْخلَافَة فَصَارَ هَؤُلَاءِ بطعنهم وتقديمهم رافضة يُقَال لَهُم الخشبية كذب أَعدَاء الله أدعوا على على مَا لم يدع وَلم يقل وَقَالَ قيس سَمِعت عليا يَقُول سبق رَسُول الله ﷺ وَصلى أَبُو بكر وَثلث عمر ثمَّ خبطتنا فتْنَة فَهُوَ مَا شَاءَ الله قَالَ أَبُو جُحَيْفَة خيرنا بعد نَبينَا أَبُو بكر ثمَّ عمر
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن وَالَّذِي أجمع عَلَيْهِ أهل الْعلم ان عليا كَانَ دَاخِلا وخارجا وَأقَام رَسُول الله مَرِيضا أَيَّامًا وَلَو قَالَ يصلى بِالنَّاسِ عَليّ لَكَانَ النَّاس تبعا لعَلي فِي الصَّلَاة وَفِي أَمر دنياهم كَمَا أَن رَسُول الله ﷺ حِين قدم أَبَا بكر للصَّلَاة ة الصَّلَاة عَمُود الدّين قدمه الصَّحَابَة لدينهم ودنياهم وَأمر رَسُول الله طَاعَة مفترضة
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَن عليا أفضل النَّاس كلهم وَيَقُولُونَ لَا نطعن على أبي بكر وَعمر ويطعنون على عُثْمَان ويزعمون أَنه نكث وَغير فصاروا بطعنهم على عُثْمَان وتقديمهم عليا رافضة يُقَال لَهُم الزيدية
وَالَّذِي أجمع عَلَيْهِ كل مُؤمن أَن الصَّحَابَة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ اجْتَمعُوا على بيعَة عُثْمَان ﵁ وقدموه وَعلي مَعَهم فَلَو علم عَليّ أَن لَهُ حَقًا لم يبايعه وبيعة عُثْمَان أوكد من بيعَة أبي بكر فَإِن زَعَمُوا أَنهم اخْتلفُوا
стр. 165
فقد كَانُوا يَوْم اجْتَمعُوا أصوب رَأيا مِنْهُم يَوْم اخْتلفُوا لَا شكّ فِي ذَلِك وَقد بَان حَظّ من اخْتلف عَلَيْهِ لهَذِهِ الْأمة إِلَى يَوْم النَّاس هَذَا وَلَا سِيمَا لأهل الْمعرفَة مِنْهُم
قَالَ سعد بن أبي وَقاص لما ولى عُثْمَان لبث زَمَانا لَا يُنكرُونَ عَلَيْهِ شَيْئا ثمَّ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ شَيْئا وركبوا مِنْهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ وَالَّذِي قَالَ أهل الْعلم إِنَّه لَا بيعَة أجمع وَلَا أوفق وَلَا أوكد من بيعَة عُثْمَان ﵁ وَأَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بَالغ فِي النَّصِيحَة لأهل الْإِسْلَام ووفق وَإِذا قَالَ لكم قَائِل من أهل الشِّيعَة إِن أَبَا بكر الصّديق أفضل النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ وَعلي أحب إِلَى مِنْهُ فألحقوه بِأَهْل الْبدع فَإِنَّهُ قد خَالف ببدعته من مضى
فَهَذَا إِجْمَاع كَلَام الرافضة والشيعة فَأَما مَا وصفوا بِهِ ونعتوا بِهِ أَيْضا فقد تقدم ذكر الحَدِيث بِطُولِهِ فِي الْجُزْء الأول من حَدِيث مَالك بن مغول لما قَالَ قلت للشعبى مَا ردك عَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَقد قَالَ سُفْيَان إِن قوما يَقُولُونَ لَا نعلم فِي أبي بكر وَعمر إِلَّا خيرا وَلَكِن على أَحَق بِالْولَايَةِ مِنْهُمَا فَمن قَالَ ذَلِك فقد خطأ أَبَا بكر وَعمر والمهاجرين وَالْأَنْصَار وَمَا أرى يرْتَفع لَهُ عمل مَعَ هَذَا إِلَى السَّمَاء
وَقد شرحت أَيْضا ذكر الإمامية فِي هَذَا الْجُزْء وهم ثمانى عشرَة فرقة ليظْهر لكم الْبَيَان إِن شَاءَ الله وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
بَاب ذكر الْقَدَرِيَّة ونعتهم ومذاهبهم واعتقادهم
وَأما الْقَدَرِيَّة فهم سبع فرق وهم أَصْنَاف
فصنف مِنْهُم يَزْعمُونَ أَن الْحَسَنَات وَالْخَيْر من الله وَالشَّر والسيئات من
стр. 166
أنفسهم لكى لَا ينسبوا إِلَى الله شَيْئا من السَّيِّئَات والمعاصى ويتكلمون بأَشْيَاء لَا أستجيز ذكرهَا تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا
هَذَا وَالله تَعَالَى يَقُول سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم حَتَّى ذاقوا بأسنا قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ وَقَالَ ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ وَقَالَ ﴿وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ ولتعلن علوا كَبِيرا﴾ وَقَالَ إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر وَقَوله ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين﴾ وَقَوله ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك﴾ وَقَالَ ﴿وَإِن من قَرْيَة إِلَّا نَحن مهلكوها قبل يَوْم الْقِيَامَة أَو معذبوها عذَابا شَدِيدا كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطورا﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ لَو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا وردوها وكل فِيهَا خَالدُونَ﴾
стр. 167
وَقَالَ ﴿فَالتقى المَاء على أَمر قد قدر﴾ أَي قد كَانَ قدر قبل الْبلَاء وَقَالَ وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين وَقَالَ ﴿وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه وَنخرج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كتابا يلقاه منشورا﴾ وَقَالَ ﴿يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه﴾ وَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾ وَقَالَ ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ﴾ وَفِي الْقُرْآن مثل هَذَا كثير
وَقد قدمت قبل هَذَا شَيْئا عِنْد ذكر خلَافَة عُثْمَان ﵁ وَقد خرج النَّبِي ﷺ وَبِيَدِهِ مخصرة والمخصرة هِيَ مَا أمسك الْإِنْسَان بِيَدِهِ من عصاة أَو عكاز أَو غَيره وَمِنْه أَن يمسك الرجل بيد صَاحبه فَيُقَال فلَان مخاصر فلَان يَعْنِي آخذ بِيَدِهِ وَالرجل يصلى مُخْتَصرا لَيْسَ من هَذَا إِنَّمَا ذَلِك أَن يُصَلِّي وَهُوَ وَاضع يَده على خصره
وَقد تقدم ذكر الحَدِيث لما غشى على عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ظنُّوا أَن نَفسه قد خرجت فَلَمَّا أَفَاق قَالَ غشى على قَالُوا نعم قَالَ صَدقْتُمْ إِنَّه أَتَانِي ملكان فِي غشيتي هَذِه فَقَالُوا انْطلق نخاصمك إِلَى الْعَزِيز الْأمين قَالَ فلقيهما ملك فَقَالَ ردُّوهُ فَإِن هَذَا مِمَّن كتبت لَهُم السَّعَادَة وهم فِي بطُون أمهاتهم وسيمتع الله بِهِ نبيه فَعَاشَ شهرا ثمَّ مَاتَ
وَقَالَ الْحسن من كذب بِالْقدرِ فقد كذب بِالْقُرْآنِ وَقَالَ ابْن عَبَّاس الْعَجز والكيس بِالْقدرِ
стр. 168
وَجَاء رجل إِلَى ابْن عمر ﵄ فَقَالَ إِن فلَانا يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام قَالَ بَلغنِي أَنه قد أحدث فَإِن كَانَ قد احدث فَلَا تقْرَأ ﵇ فَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ يكون فِي هَذِه الْأمة خسف وَقذف وَذَلِكَ فِي أهل الْقدر
وَلما دخل غيلَان إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز سَأَلَهُ عَن أَمر النَّاس فَأخْبرهُ صلاحا فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَيحك يَا غيلَان مَا هَذَا الَّذِي بَلغنِي عَنْك قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَتكَلّم فَتسمع قَالَ تكلم فَقَرَأَ ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر لم يكن شَيْئا مَذْكُورا إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان من نُطْفَة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بَصيرًا إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا﴾ فَقَالَ عمر وَيحك من هَهُنَا تَأْخُذ الْأَمر وَتَدَع بَدْء خلق آدم ﵇ وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي عَاجل فِي الأَرْض خَليفَة قَالُوا أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك قَالَ إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة فَقَالَ أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِنَّك أَنْت الْعَلِيم الْحَكِيم قَالَ يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أنباهم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ ألم أقل لكم إِنِّي أعلم غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأعلم مَا تبدون وَمَا تكتمون فَقَالَ غيلَان وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد جئْتُك ضَالًّا فهديتني وأعمى فبصرتني وجاهلا فعلمتني وَالله لَا أَتكَلّم فِي شَيْء من هَذَا الْأَمر أبدا فَقَالَ عمر وَالله لَئِن بَلغنِي أَنَّك تَكَلَّمت فِي شَيْء مِنْهُ لأجعلنك للنَّاس أَو للْعَالمين نكالا فَلم يتَكَلَّم فِي شَيْء حَتَّى مَاتَ عمر ﵀ فَلَمَّا مَاتَ عمر سَالَ فِيهِ سيل المَاء أَو سيل الْبَحْر
стр. 169
وَنهى الصالحون أَن يَقُول الرجل لَوْلَا كَذَا لفَعَلت كَذَا فافهموا فَإِنَّهُ من الْخَفي الَّذِي يغلط فِيهِ النَّاس
وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود وَالله لقد قسم الله هَذَا الْفَيْء لهَذِهِ الْأمة على لِسَان نبيه قبل أَن يفتح فَارس وَالروم وَقَالَ أَيْضا ﵁ مَا كَانَ كفر بعد نبوة إِلَّا كَانَ مفتاحه تَكْذِيبًا بِالْقدرِ
وَذكر عِنْد سعيد بن الْمسيب أَن أَقْوَامًا يَقُولُونَ إِن الله قدر كل شَيْء مَا خلا الْأَعْمَال فَغَضب سعيد غَضبا شَدِيدا حَتَّى هم بِالْقيامِ ثمَّ سكن فَقَالَ تكلمُوا بِهِ أما وَالله لقد سَمِعت فيهم حَدِيثا كفاهم بِهِ شرا ويحهم لَو يعلمُونَ قيل لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّد مَا هُوَ فَقَالَ حَدثنِي رَافع بن خديج أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول يكون قوم من أمتِي يكفرون بِاللَّه وَبِالْقُرْآنِ وهم لَا يَشْعُرُونَ كَمَا كفرت الْيَهُود وَالنَّصَارَى قَالَ قلت جعلت فدَاك يَا رَسُول الله وَكَيف ذَلِك قَالَ يقرونَ بِبَعْض الْقدر ويكفرون بِبَعْضِه قلت وَمَا يَقُولُونَ قَالَ يجْعَلُونَ إِبْلِيس عَدو الله شَرِيكا لله فِي خلقه وقوته ورزقه يَقُولُونَ إِن الْخَيْر من الله وَالشَّر من إِبْلِيس فيقرءون على ذَلِك كتاب الله فيكفرون بِالْقُرْآنِ بعد الْإِيمَان والمعرفة فَمَاذَا تلقى أمتِي مِنْهُم من الْعَدَاوَة والبغضاء والجدل أُولَئِكَ زنادقة هَذِه الْأمة فِي زمانهم ثمَّ يكون ظلم السُّلْطَان فياله من ظلم وحيف وأثرة ثمَّ يبْعَث الله عَلَيْهِم طاعونا فيفنى عامتهم ثمَّ يكون الْخَسْف فَمَا أقل من ينجو مِنْهُم الْمُؤمن يَوْمئِذٍ قَلِيل فرحه شَدِيد غمه ثمَّ يكون المسخ فيمسخ الله عَامَّة أُولَئِكَ قردة وَخَنَازِير ثمَّ يخرج الدَّجَّال على أثر ذَلِك قَرِيبا
ثمَّ بَكَى رَسُول الله فبكينا لبكائه وَقُلْنَا مَا يبكيك يَا رَسُول الله قَالَ رَحْمَة لَهُم الأشقياء لِأَن فيهم المتعبد وَفِيهِمْ المتهجد مَعَ أَنهم لَيْسُوا بِأول من سبق إِلَى هَذَا القَوْل وضاق بِحمْلِهِ ذرعا إِن عَامَّة من هلك من بني إِسْرَائِيل بالتكذيب بِالْقدرِ
стр. 170
قلت جعلت فدَاك يَا رَسُول الله قل لي كَيفَ الْإِيمَان بِالْقدرِ قَالَ تؤمن بِاللَّه وَحده وَإنَّهُ لَا يملك أحدا مَعَه ضرا وَلَا نفعا وتؤمن بِالْجنَّةِ وَالنَّار وَتعلم أَن الله خلقهما قبل خلق الْخلق ثمَّ خلق الْخلق فَجعل من شَاءَ مِنْهُم إِلَى الْجنَّة وَمن شَاءَ مِنْهُم إِلَى النَّار عدلا ذَلِك مِنْهُ وكل يعْمل لما قد فرغ لَهُ مِنْهُ وَهُوَ صائر إِلَى مَا قد خلق لَهُ قلت صدق الله وَرَسُوله
وَعَن ابْن عَبَّاس إِن الله أول مَا خلق الْقَلَم ثمَّ خلق النُّون وَهِي الدواة ثمَّ خلق اللَّوْح ثمَّ قَالَ للقلم اكْتُبْ فَقَالَ وَمَا اكْتُبْ يَا رب قَالَ اكْتُبْ الْقدر وَخلق الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَمَا يكون فِي الدُّنْيَا من خلق مَخْلُوق أَو عمل مَعْمُول من بر أَو فجور أَو رزق حَلَال أَو حرَام أَو رطب أَو يَابِس ثمَّ ألزم كل شَيْء من ذَلِك شَأْنه وَمَا بَقَاؤُهُ وَمَا فناؤه حَتَّى تفنى الدُّنْيَا ثمَّ جعل لذَلِك الْكتاب مَلَائِكَة وَجعل لِلْخلقِ مَلَائِكَة فَينْطَلق مَلَائِكَة الْخلق إِلَى مَلَائِكَة الْكتاب فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ انسخ بِمَا هُوَ كَائِن فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَبِمَا وكلوا بِهِ فيهبط مَلَائِكَة الْخلق إِلَى الْخلق فيحفظونهم بِأَمْر الله ويسوقونهم إِلَى مَا فِي أَيْديهم من تِلْكَ النّسخ فَإِذا فنيت تِلْكَ النّسخ لم يكن لهَذَا الْخلق بَقَاء وَلَا مقَام وَذَلِكَ قَول الله إِنَّا كلنا نَسْتَنْسِخ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ فَقَالَ رجل لِابْنِ عَبَّاس وَالله مَا كُنَّا نرى ذَلِك إِلَّا نسخ أَعمالنَا قَالَ ابْن عَبَّاس أَلا تستحيون ألستم قوما عربا هَل كَانَت النّسخ قطّ إِلَّا من كتاب مَكْتُوب فوَاللَّه إِن الله ليَبْعَث الْملك فَيدْفَع إِلَيْهِ صحيفتان إِن إِحْدَاهمَا لمختومة وَالْأُخْرَى المنشورة فَيُقَال لَهُ اكْتُبْ فِي هَذِه وَلَا تفتح المختومة وَلَا تكسر لَهَا
стр. 171
خَاتمًا فَإِذا صَمد فك الْخَاتم ثمَّ عَارض فَلَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَذَلِكَ قَوْله ﴿مَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا تجالسوا أهل الْقدر وَلَا تفاتحوهم وَقَالَت عَائِشَة ﵄ أُوتى رَسُول الله بصبي من الْأَنْصَار ليُصَلِّي عَلَيْهِ قَالَت فَقلت طُوبَى لَهُ عُصْفُور من عصافير الْجنَّة لم يعْمل شرا وَلَا يدره قَالَ أَو غير ذَلِك يَا عَائِشَة إِن الله خلق الْجنَّة وَجعل لَهَا أَهلا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم
وَعَن ابْن عَبَّاس يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت قَالَ الشَّقَاء والسعادة والحياة وَالْمَوْت وَعَن الْحسن بن عَليّ قَالَ رفع الْكتاب وجف الْقَلَم وَأُمُور تقضي فِي كتاب قد خلا
وَقَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ خلق الله تَعَالَى الْخلق فَكَانُوا فِي قَبضته فَقَالَ لمن فِي يَمِينه أدخلُوا الْجنَّة بِسَلام وَقَالَ لمن فِي يَده الْأُخْرَى أدخلُوا النَّار وَلَا أُبَالِي قَالَ فَذَهَبت إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
قَالَ عمر بن ذَر دخلت على عمر بن عبد الْعَزِيز وَسَأَلنَا عَن قبائلنا ثمَّ تكلم رجل منا فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَشهد شَهَادَة الْحق فَقَالَ عمر إِن الله كَمَا شهِدت وكما عظمت وَلَكِن لَو حمل خلقه من حَقه بِقدر عَظمته لم يحمل ذَلِك سَمَاء وَلَا ارْض وَلَا جبل وَلَكِن أَرَادَ بعباده الْيُسْر وَرَضي مِنْهُم بِالتَّخْفِيفِ فَفرض عَلَيْهِم فِي كل يَوْم وَلَيْلَة خمس صلوَات وَفِي كل عَام صِيَام شهر وَذكر مَا شَاءَ الله من الْفَرَائِض وَقَالَ ذَلِك فِي آيَة من كتاب الله عقلهَا
стр. 172
من عقلهَا وجهلها من جهلها ثمَّ قَرَأَ ﴿فَإِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ﴾ أَي من دون الله ﴿مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم﴾ وَكَانَ منا رجل يرى رأى الْقدر بِخِلَاف مَا تكلم بِهِ
وَقَالَ ابْن مَسْعُود لَا يرى رجل طعم الْإِيمَان حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ أَنه ميت ومبعوث من بعد الْمَوْت قَالَ ابْن عَبَّاس قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أَمر الله مناديا فَنَادَى أَيْن خصماء الله فَيقومُونَ مسودة وُجُوههم مزرقة أَعينهم مَا يَلِي شفاههم يسيل لعابهم ويقذرهم من يراهم فَيَقُولُونَ رَبنَا وَالله مَا عَبدنَا شمسا وَلَا قمرا وَلَا حجرا وَلَا وثنا قَالَ ابْن عَبَّاس صدقُوا وَالله لقد أَتَاهُم الشّرك من حَيْثُ لَا يعلمُونَ ثمَّ تَلا ابْن عَبَّاس يَوْم يَبْعَثهُم الله جَمِيعًا فَيحلفُونَ لَهُ كَمَا يحلفُونَ لكم وَيَحْسبُونَ أَنهم على شَيْء أَلا إِنَّهُم هم الْكَاذِبُونَ قَالَ ابْن عَبَّاس هم وَالله القدريون ثَلَاث مَرَّات
وَعَن بجير بن عبيد الله عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يكون فِي آخر أمتِي قوم يكذبُون بِالْقدرِ عَلَيْهِم مسوك الكباش قُلُوبهم قُلُوب الذئاب الضوارى وبعزة رَبِّي وجلاله لَو أَن لكل وَاحِد مِنْهُم مثل أحد ذَهَبا وَفِضة مُنْقَطِعَة فأنفقها فِي سَبِيل الله مَا تقبل مِنْهُ حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره حلوه ومره إِلَّا فَلَا تُجَالِسُوهُمْ فيشركون بِاللَّه فتشركوا مَعَهم ﴿فيسبوا الله عدوا بِغَيْر علم﴾ هَكَذَا قَرَأَهَا ابْن سَلام وَإِن غَابُوا فَلَا تفتقدونهم وَإِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشيعوهم شيعَة الدَّجَّال حق على الله أَن يلحقهم بِهِ وَهُوَ مجوس هَذِه الْأمة
стр. 173
وَقَالَ ابْن مَسْعُود يجْتَمع النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد يسمعهم الدَّاعِي وَينْفذهُمْ الْبَصَر إِلَّا وَإِن الشقي من شقي فِي بطن أمه وَأَحْسبهُ قَالَ والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ قَالُوا يَا أَبَا وَائِل مَا تَقول فِي الْحجَّاج قَالَ سُبْحَانَ الله أَنَحْنُ نحكم على الله
وَعَن ابْن عَبَّاس قَوْله وَإِنَّا لموفوهم نصِيبهم غير مَنْقُوص قَالَ مَا قدر لَهُم من خير وَشر قَالَ عَليّ بن شَدَّاد دخلت مَعَ ابْن عمر إِلَى السُّوق فَكَانَ أَكثر كَلَامه مَعَ من لَقِي سَلام عَلَيْكُم نَعُوذ بِاللَّه من قدر السوء قَالَ رَسُول الله ﷺ لن يُؤمن من لم يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره وَقَالَ عبد الله بن عمر سَمِعت رَسُول الله يَقُول من شرب الْخمر لم يقبل لَهُ أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَلَا أدرى فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة قَالَ حَقًا على الله أَن يسْقِيه من ردغة الخبال يَوْم الْقِيَامَة قَالَ وسمعته يَقُول ﵇ إِن الله خلق خلقه فِي ظلمَة فَألْقى عَلَيْهِم من نوره فَمن أَصَابَهُ من النُّور يَوْمئِذٍ اهْتَدَى وَمن أخطأه ضل فَلذَلِك أَقُول جف الْقَلَم على علم الله قَالَ وسمعته ﵇ يَقُول إِن سُلَيْمَان بن دَاوُد سَأَلَ الله ﵎ ثَلَاثًا فَأعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَأَنا أَرْجُو أَن يكون قد أعطَاهُ الثَّالِثَة سَأَلَ الله حكما يُصَادف حكمه فَأعْطَاهُ وَسَأَلَهُ ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعده فَأعْطَاهُ إِيَّاه وَسَأَلَهُ أَيّمَا رجل خرج من بَيته لَا يُرِيد إِلَّا الصَّلَاة فِي هَذَا الْمَسْجِد يَعْنِي بَيت الْمُقَدّس إِلَّا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَنحن نرجو أَن يكون الله قد أعطَاهُ إِيَّاه وَقَالَ ابْن عَبَّاس لَا يفتنون ﴿إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم﴾ وَقَالَ مُحَمَّد ﷺ مَا بعث الله نَبيا قطّ إِلَّا كَانَ فِي أمته من بعده قدرية ومرجئة يشوشون عَلَيْهِ أَمر أمته أَلا إِن الله لعن الْقَدَرِيَّة والمرجئة
стр. 174
وَقَالَ عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ رَسُول الله ﷺ يكون فِي أمتِي رجلَانِ أَحدهمَا وهب وهب الله لَهُ الْحِكْمَة وَالْآخر غيلَان فتْنَة على هَذِه الْأمة أَشد من فتْنَة الشَّيْطَان وَسَأَلت عَائِشَة رَحْمَة الله عَلَيْهَا النَّبِي ﷺ عَن ولدان الْمُسلمين أَيْن هم يَوْم الْقِيَامَة قَالَ فِي الْجنَّة يَا عَائِشَة فَقَالَت لَهُ مجيبة يَا رَسُول الله لم يدركوا الْأَعْمَال وَلم تجر عَلَيْهِم الأقلام قَالَ رَبك اعْلَم بِمَا كَانُوا عاملين وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَئِن شِئْت لأسمعتك تضاغينهم فِي النَّار
وَمن الْقَدَرِيَّة صنف يُقَال لَهُم المفوضة زَعَمُوا أَنهم موكلون إِلَى أنفسهم إِنَّهُم إِنَّهُم يقدرُونَ على الْخَيْر كُله بالتفويض الَّذِي يذكرُونَ دون توفيق الله وهداه تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا وَالله جلّ من قَائِل يَقُول وَمَا تشاؤن إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين مَعْنَاهُ من خير إِلَّا أَن يَشَاء الله لكم وَقَول جِبْرِيل ﵇ إِنِّي لأرسل فِي الْأَمر فاجد الْكَوْن قد سبقني إِلَيْهِ
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَن الله جعل إِلَيْهِم الِاسْتِطَاعَة تَاما كَامِلا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أَن يزدادوا فِيهِ فاستطاعوا أَن يُؤمنُوا وَأَن يكفروا ويأكلوا ويشربوا ويقوموا ويقعدوا ويرقدوا ويستيقظوا وَأَن يعملوا مَا أَرَادوا وَزَعَمُوا أَن الْعباد كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ أَن يُؤمنُوا وَلَوْلَا ذَلِك مَا عذبهم على مَالا يَسْتَطِيعُونَ إِلَيْهِ
وَعَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله إكذابا لَهُم ﴿فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر﴾ يَقُول من شَاءَ لَهُ الْإِيمَان آمن وَمن شَاءَ لَهُ الْكفْر كفر وَهُوَ
стр. 175
قَوْله وَمَا تشاءون إِلَّا ان يَشَاء الله رب الْعَالمين وَقَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿قد أَفْلح من زكاها وَقد خَابَ من دساها﴾ قد افلح من زكى الله نَفسه وَقد خَابَ من دسى الله نَفسه فأضله
وَقَالَ أَيْضا فِي قَوْله ﴿يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه﴾ يَقُول بَين الْمُؤمن وَالْكفْر ويحول بَين الْكَافِر وَالْإِيمَان
وَعَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ﴾ قَالَ إِن الله سُبْحَانَهُ بَدَأَ يخلق ابْن آدم مُؤمنا وكافرا كَمَا قَالَ ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾ ثمَّ يعيدهم سُبْحَانَهُ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا بَدَأَ خلقهمْ مُؤمنا وكافرا
وَمِنْهُم صنف شبيبية فَهَؤُلَاءِ أَيْضا أَنْكَرُوا أَن يكون الْعلم سَابِقًا على مَا بِهِ الْعباد عاملون وَمَا هم إِلَيْهِ صائرون
كذب أَعدَاء الله قَالَ ابْن مَسْعُود حَدثنَا رَسُول الله ﷺ الصَّادِق الصدْق إِن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُؤمر الْملك بِأَرْبَع فَيكْتب رزقه وأجله وشقي أَو سعيد وَإِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى لَا يكون بَينه وَبَينهَا غير ذِرَاع فيغلب عَلَيْهِ الْكتاب الَّذِي قد سبق فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فَيدْخل النَّار وَإِن احدكم ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى لَا يكون بَينه بَينهَا غير ذِرَاع فيغلب عَلَيْهِ الْكتاب الَّذِي سبق فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة فَيكون من أهل الْجنَّة
стр. 176
وَمِنْهُم صنف أَنْكَرُوا أَن الله خلق ولد الزِّنَا أَو قدره أَو شاءه أَو علمه تَعَالَى الله عَمَّا قَالُوا وأنكروا أَن يكون الرجل الَّذِي سرق فِي عمره كُله أَو يَأْكُل الْحَرَام أَن يكون ذَلِك رزق الله وَقَالُوا لم يرزقه الله رزقا قطّ إِلَّا حَلَالا تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا
هَذَا وَابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ الزِّنَا بِقدر وَالسَّرِقَة بِقدر وَشرب الْخمر بِقدر وَقَالَ مطرف بن عبيد الله بن الشخير يَا ابْن آدم لم توكل إِلَى الْقدر وَإِلَيْهِ تصيرون
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا أَن الله وَقت لَهُم الأرزاق والآجال لوقت مَعْلُوم فَمن قتل قَتِيلا فقد أعجله عَن أَجله ورزقه لغير أَجله وَبَقِي لَهُ من الرزق مَا لم يستوفه وَلم يستكمله تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا
فَهَذَا إِجْمَاع كَلَام الْقَدَرِيَّة
قَالَ يزِيد الرقاشِي قلت لِلْحسنِ إِنَّك تَقول من قتل فقد أعجل فَقَالَ إِن كنت قلت فأستغفر الله
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ صنفان من أمتِي لَيْسَ لَهما فِي الْإِسْلَام نصيب المرجئة والقدرية
وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا تجالسوا أهل الْبدع وَلَا تصافحوهم وَقَالَ لِأَن أصلى خلف جيفة حمَار أحب إِلَى من أَن اصلى خلف قدري مَا هُوَ إِلَّا جُنُون يعتريهم
وَقَالَ طَاوس كنت جَالِسا عِنْد ابْن عَبَّاس ومعنا رجل من الْقَدَرِيَّة فَقلت
стр. 177
إِن نَاسا يَقُولُونَ لَا قدر فَقَالَ أههنا مِنْهُم أحد قلت لَو كَانَ فيهم مَا كنت تصنع بِهِ قَالَ لَو كَانَ فيهم أحد لأخذت بِرَأْسِهِ فَقَرَأت عَلَيْهِ آيَة كَذَا وَآيَة كَذَا وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ ولتعلن علوا كيبرا
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ سِتَّة لعنتهم لعنهم الله وكل بني مجاب الزَّائِد فِي كتاب الله والمكذب بِالْقدرِ والمتسلط بالجبروت ليذل من أعزه الله ويعز وَمن أذله الله والتارك لسنتى والمستحيل من عترتى مَا حرم الله
قَالَ ابو هُرَيْرَة قَالَ رَسُول الله ﷺ لعن الله أهل الْقدر الَّذين يكذبُون بِقدر وَلَا يُؤمنُونَ بِقدر أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر وَقَالَ ﴿وَإِن من قَرْيَة إِلَّا نَحن مهلكوها قبل يَوْم الْقِيَامَة أَو معذبوها عذَابا شَدِيدا كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطورا﴾ وَقَوله ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَلَا أخذُوا بقول أهل النَّار حِين دخلوها فَقَالُوا ﴿رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ﴾ وَلَا أخذُوا بقول إِبْلِيس أجارنا الله مِنْهُ إِذْ يَقُول ﴿فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ يَقُول من اخلصه الله فَلَا سَبِيل لي عَلَيْهِ وَإِن الله نهى آدم عَن أكل الشَّجَرَة وأعانه عَلَيْهَا وَأمر إِبْلِيس بِالسُّجُود وَحَال بَينه وَبَين ذَلِك
стр. 178
بَاب الحرورية
وهم خمس وَعِشْرُونَ فرقة
فصنف مِنْهُم يُقَال لَهُم الْأزَارِقَة وهم أصعب الْخَوَارِج وأشرهم فعلا وأسوأهم حَالا فسموا الْأزَارِقَة بِنَافِع بن الْأَزْرَق صَاحب الأسئلة عَن ابْن عَبَّاس
وَمِنْهُم صنف يُقَال لَهُم الصفرية سمو بعبيد بن الْأَصْفَر
وَمِنْهُم الإباضية سموا بِعَبْد الله بن إباض
وَمِنْهُم النجدية سموا بنجدة بن عَامر
وَمِنْهُم الشمراخية سموا بشمراخ رَأْسهمْ
وَمِنْهُم السّريَّة هَكَذَا بِالْأَصْلِ
وَمِنْهُم العزرية سموا براسهم ابْن عزْرَة
وَمِنْهُم العجردية نِسْبَة إِلَى عبد الْكَرِيم بن عجرد
وَمِنْهُم التغلبية سموا بتغلب رَأْسهمْ كَانُوا يَقُولُونَ الْغُلَام مُسلم أبدا حَتَّى يَبْدُو لنا مِنْهُ خُرُوج من الْإِسْلَام وَكَيف نشْهد بالْكفْر على من يعلم من الدّين مثل مَا نعلم وَيُؤَدِّي من الْفَرَائِض مثل مَا نُؤَدِّي ويتولى من نتولى ويتبرأ مِمَّا
стр. 179
نتبرأ مِنْهُ ويحتج على من خَالَفنَا بِمثل حجتنا وَهُوَ مَعنا فِي مجْلِس يُخَاصم خصماءنا إِذا غلبته عينه نَام ثمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ إِنِّي قد احْتَلَمت ثمَّ حدث حَدِيثا غير ذَلِك نكفره ونستحل دَمه إِنَّا إِذا لمن الظَّالِمين
وَمِنْهُم فرقة التغلبية خالفتهم فِي زَكَاة العَبْد وميراثه قَالُوا إِن عَلَيْهِ الزَّكَاة إِذا كَانَ مِنْهُم وَكَانَ مَوْلَاهُ من قومه وَإنَّهُ لَيْسَ لمَوْلَاهُ من مِيرَاثه شَيْء ثمَّ فَارَقْتهمْ وكفرت من خالفهم
وَمِنْهُم الشكية وَكَانَ قَوْلهم إِن أَصْحَاب الْحُدُود من أَصْحَابهم مُسلمُونَ سرقوا أَو زنوا أَو قذفوا وَقَالُوا فِي الْقَتْلَى نَسْتَغْفِر لَهُم ونتولاهم وَلَا نشْهد لَهُم بالنجاة لِأَن الله أعلم بسرائرهم فَلم نكلف الشَّهَادَة فسموا أهل الشَّك وَكَفرُوا من خالفهم
وَمِنْهُم الفضلية وَإِنَّمَا سموا بِفضل رَأْسهمْ وَذَلِكَ أَنه فارقهم فِي الذُّنُوب فَزعم أَن كل ذَنْب صَغِيرا أَو كَبِيرا أَو قَطْرَة أَو كذبة شرك بِاللَّه سموا بذلك الفضلية وَكَفرُوا من خالفهم
وَمِنْهُم فرقة خالفتهم فِي تَزْوِيج الصغار
وَمِنْهُم فرقة خالفتهم فِي الْهدى والقلائد واستحلوها وَكَفرُوا من خالفهم وَكَانَ سَائِرهمْ يحرمها
وَمِنْهُم النجرانية افْتَرَقُوا فِي امْرَأَة يُقَال لَهَا أم نَجْرَان هَاجَرت إِلَى بعض خوارجهم فَتزوّجت رجلا فِي الْهِجْرَة بِالْبَصْرَةِ من قَومهَا ثمَّ استخفت فَتزوّجت رجلا من أَصْحَابهَا سرا ثمَّ ظهر عَلَيْهَا زَوجهَا الأول من قَومهَا فقربها إِلَيْهِ فتبرأ مِنْهَا بَعضهم وتولاها بَعضهم وَكَفرُوا من خالفهم بَعضهم بَعْضًا
стр. 180
وَمِنْهُم البيهسية سموا بهيصم أبي بيهس بن عَامر رَأْسهمْ فَزعم أَن حكم الإِمَام بِالْكُوفَةِ حكما يسْتَحق بِهِ الْكفْر فَفِي تِلْكَ السَّاعَة يكفر من كَانَ فِي حكم ذَلِك الإِمَام بخراسان والأندلس وعَلى الإِمَام إِذا أبْصر كفره فَتَابَ مِنْهُ أرسل إِلَى أهل حكمه كلهم يستتيبهم من الْكفْر وَإِن لم يشعروا بِهِ فَإِن أَبى أَن يَتُوب مِنْهُ وَقَالَ مالى أَن أَتُوب مِمَّا لَا شكّ فِيهِ وَلم أعلم بِهِ ضربت عُنُقه وَكَفرُوا من خالفهم وَمن قَوْلهم أَيْضا لَو أَن رجلا قطر قَطْرَة خمر فِي جب فَلَا يشرب من ذَلِك الْجب أحد إِلَّا كفر وَإِن لم يشْعر لِأَن الله يوفق الْمُؤمنِينَ وَزَعَمُوا لَو أَن رجلا ضرب أَبَاهُ ألف سَوْطًا كل يَوْم كَانَ مُسلما من شكّ فِي ذَلِك فقد كفر عِنْدهم
وَمِنْهُم فرقة فَارَقْتهمْ فِي شراب السكر والنبيذ إِذا سكر فَلَا حد عَلَيْهِ يشْهد بَعضهم على بعض فِي ذَلِك بالشرك وَكَفرُوا من خالفهم
وَمِنْهُم فرقة خالفتهم فِي النِّكَاح بِغَيْر شُهُود فَقَالُوا ننكح بِشَهَادَة الْكِرَام الْكَاتِبين
وَمِنْهُم الفديكية وَإِنَّمَا سموا بِأبي فديك وَهُوَ الْيَوْم بِالْبَحْرَيْنِ واليمامة وَلَيْسَ بِالْبَصْرَةِ وَلَا الْكُوفَة وَلَا الجزيرة مِنْهُم أحد وَكَانَ أَبُو فديك من أَصْحَاب نجدة ثمَّ خَالفه وفارقه وَكفر من خَالفه
وَمِنْهُم العطوية وَإِنَّمَا سموا بعطية
وَمِنْهُم الجعدية وَإِنَّمَا سموا بِمُسلم بن الْجَعْد وَكَانَ من أهل الْكُوفَة
следующие страницы →